الباب الثاني و الثلاثون في الخشوع لله سبحانه و التذلل له تعالى

قال الله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ثم فسرهم سبحانه بتمام الآية في سورة المؤمنين فنقول الخشوع الخوف الدائم اللازم للقلب و هو أيضا قيام العبد بين يدي الله تعالى بهم مجموع و قلب مروع.

و روي أنه من خشع قلبه لم يقربه الشيطان و من علامته غض العيون و قطع علائق الشئون و الخاشع من خمدت نيران شهوته و سكن دخان أمله و أشرق نور عظمة الله في قلبه فمات أمله و واجه أجله فحينئذ خشعت جوارحه و سالت عبرته

[115]

و عظمت حسرته و الخشوع أيضا يذلل البدن و القلب لعلام الغيوب قال الله تعالى وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً يعني متواضعين خاشعين.

و روي أن رسول الله (ص) رأى رجلا يعبث في صلاته بلحيته فقال لو خشع قلبه لخشعت جوارحه دل هذا الحديث على أن الخشوع من أفعال القلوب تظهر آثاره على الجوارح و هو أيضا ذبول القلوب عند استحضار عظمة الله تعالى و هو من مقدمات الهيبة و لا ينبغي للمرء أن يظهر من الخشوع فوق ما في قلبه من الخشوع التذلل لله تعالى بالسجود على التراب و كان الصادق (ع) لا يسجد إلا على تراب من تربة الحسين (ع) تذللا لله تعالى و استكانة إليه.

و كان النبي (ص) يرقع ثوبه و يخصف نعله و يحلب شاته و يأكل مع العبيد و يجلس على الأرض و يركب الحمار و يردف و لا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله و يصافح الغني و الفقير و لا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها و يسلم على من استقبله من كبير و صغير و غني و فقير و لا يحقر ما دعي إليه و لو إلى خشف التمرة و كان خفيف المئونة كريم الطبيعة جميل المعاشرة طلق الوجه بشاشا من غير ضحك محزونا من غير عبوس مواضعا من غير مذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما بكل مسلم و لم يتجشأ من شبع قط و لم يمد يده إلى طمع و كفاه مدحا قوله تعالى وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم و أوحى الله تعالى إلى موسى أ تدري لم ناجيتك و بعثتك إلى خلقي قال لا يا رب قال إني قلبت عبادي و اختبرتهم فلم أر أذل لي قلبا منك فأحببت أن أرفعك من بين خلقي لأني عند المنكسر قلوبهم و ينبغي للعاقل أن لا يرى لنفسه على أحد فضلا و العز في التواضع و التقوى و من طلبه في الكبر لم يجده.

و روي أن ملكي العبد الموكلين به إن تواضع رفعاه و إن تكبر وضعاه و الشرف في التواضع و العز في التقوى و الغنى في القناعة و أحسن ما كان التواضع في الملوك و الأغنياء و أقبح ما كان التكبر في الفقراء و قد أمر الله تعالى نبيه محمد (ص) بالعفو عن الناس و الاستغفار لهم و التواضع بقوله وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ

[116]

الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ، و أوحى الله إلى موسى ذكر خلقي نعمائي و أحسن إليهم و حببني إليهم فإنهم لا يحبون إلا من أحسن إليهم .

 

الباب الثالث و الثلاثون في ذم الغيبة و النميمة و عقابها و حسن كظم الغيظ

قال الله تعالى وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ فقد بالغ سبحانه في النهي عن الغيبة و جعلها شبه الميتة المحرمة من لحم الآدميين .

و قال (ص) يأتي الرجل يوم القيامة و قد عمل الحسنات فلا يرى في صحيفته من حسناته شيئا فيقول أين التي عملتها في دار الدنيا فقال له ذهبت باغتيابك للناس و هي لهم عوض اغتيابهم.

و أوحى الله إلى موسى (ع) من مات تائبا عن الغيبة فهو آخر من يدخل إلى الجنة و من مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار و روي أن من اغتيب غفرت نصف ذنوبه .

و روي أن الرجل يعطى كتابه فيرى فيه حسنات لم يكن يعرفها فيقال هذه بما اغتابك الناس قال بعضهم لو اغتبت أحدا لم أكن لأغتاب إلا ولدي لأنهم أحق بحسناتي من الغريب و بلغ الحسن البصري أن رجلا اغتابه فأنفذ إليه بهدية فقال له و الله ما لي عندك يد فقال بلى بلغني أنك تهدي إلي حسناتك فأحببت أن أكافيك و من اغتيب عنده أخوه المؤمن فلم ينصره فقد خان الله و رسوله و قال إذا لم تنفع أخاك المؤمن فلا تضره و إذا لم تسره فلا تغمه و إذا لم تمدحه فلا تذمه .

و قال (ع) لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا يغتب بعضكم بعضا و كونوا عباد الله إخوانا و قال إياكم و الغيبة فإنها أشد من الزناء لأن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له إلا إذا غفرها صاحبها و قال (ص) مررت ليلة أسري بي إلى السماء على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم فسألت جبرائيل عنهم فقال هؤلاء الذين يغتابون الناس

[117]

و خطب (ص) فذكر الربا و عظم خطره و قال إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من سبعين زنية بذات محرم و أعظم من ذلك عرض المسلم و روي في تفسيره قوله تعالى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة أن الهمزة الطعن في الناس و اللمزة أكل لحومهم و ينبغي لمن أراد ذكر عيوب غيره أن يذكر عيوب نفسه فليقلع عنها و يستغفر منها و عليكم بذكر الله فإنه شفاء و إياكم و ذكر الناس فإنه داء .

و مر عيسى (ع) و معه الحواريون بكلب جائف قالوا ما أجيفه فقال هو ما أبيض أسنانه يعني ما عود لسانه إلا على الخير و الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو سمعه سواء إن ذكرت نقصانا في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو دينه أو دنياه حتى في ثوبه و قال (ع) حد الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه فإن قلت ما ليس فيه فذاك بهتان له و الحاضر للغيبة و لم ينكرها شريك فيها و من أنكرها كان مغفورا له .

و قال رسول الله (ص) من رد عن عرض أخيه كان حقا على الله أن يعتقه من النار و قال (ع) طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس و منشأ الغيبة في الصدور الحسد و الغضب فإذا نفاهما الرجل عن نفسه قلت غيبته للناس و قال رسول الله (ص) إن للنار بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه و قال من كظم غيظه و هو يقدر على إمضائه خيره الله في أي حور العين شاء أخذ منهن و في بعض الكتب المنزلة ابن آدم اذكرني عند غضبك أذكرك عند غضبي فلا أمحقك مع من أمحقه و للعاقل شغل فيما خلق له عن نفسه و ماله و ولده فكيف عن أعراض الناس و إذا كان اشتغال الإنسان بغير ذكر الله بالغيبة و قال (ع) و هل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم و كفى بذلك قوله تعالى لا خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْواهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاح بَيْنَ النّاسِ فنفى الخير في النطق إلا في هذه الأمور الثلاثة فسبحانه ما أنصحه لعباده و شفقته عليهم و أحبه لهم لو كانوا يعلمون و أما النميمة فإنها أعظم ذنبا و أكبر وزرا لأن النمام يغتاب و ينقلها إلى غيره فيغريه بأذى من ينقلها عنه و النمام يثير الشر و يدل عليه و لقد سد الله تعالى باب النميمة و منع من قبولها بقوله إِنْ

[118]

جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ و سمى النمام فاسقا و نهى عن قبول قوله إلا بعد البيان و البينة أو الإقرار و سمى العامل بقوله جاهلا و قال رجل لعلي بن الحسين (ع) إن فلانا يقول فيك و يقول فقال له و الله ما حفظت حق أخيك إذا خنته و قد استأمنك و لا حفظت حرمتنا إذا سمعتنا ما لم يكن لنا حجة بسماعه أ ما علمت أن نقلة النميمة هم كلاب النار قل لأخيك إن الموت يعمنا و القبر يضمنا و القيامة موعدنا و الله يحكم بيننا و كتب رجل من عمال المأمون يقول له إن فلانا العامل مات و خلف مائة ألف دينار و ليس له إلا ولد صغير فإن أذن مولانا في قبض المال و إجراء ما يحتاج الصغير إليه قبضناه فإنما احتقب هذا المال من أموالك فكتب إليه المأمون المال نماه الله و الولد جبره الله

و الساعي لعنه الله .

 

الباب الرابع و الثلاثون في القناعة و مصلحتها

جاء في تفسير قوله تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قال نعطيه القناعة و جاء في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان (ع) وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَد مِنْ بَعْدِي قال القناعة في بعض الوجوه لأنه كان يجلس مع المساكين و يقول مسكين مع المساكين و عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله (ص) القناعة كنز لا يفنى و قال (ص) لبعض أصحابه كن ورعا تكن أعبد الناس و كن قنعا تكن أشكر الناس و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا و أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما و أقلل من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب الناس أموات إلا من أحياه الله بالقناعة و ما سكنت بالقناعة إلا قلب من استراح و القناعة ملك لا يسكن إلا قلب مؤمن و الرضا بالقناعة رأس الزهد و معناها السكون عند عدم الشبهات و الرضا بقليل الأقوات و ترك التأسف على ما فات و جاء في تأويل قوله تعالى لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً قال القناعة لأن القناعة رضى النفس بما حضر من الرزق و إن كان قليلا و قال بعضهم إن الغنى و العز خرجا يجولان فوجد القناعة فاستقرا

[119]

و روي أن عليا (ع) اجتاز بقصاب و عنده لحم سمين فقال يا أمير المؤمنين هذا اللحم سمين اشتر منه فقال له ليس الثمن حاضرا فقال أنا أصبر يا أمير المؤمنين فقال له أنا أصبر عن اللحم و إن الله سبحانه وضع خمسة في خمسة العز في الطاعة و الذل في المعصية و الحكمة في خلو البطن و الهيبة في صلاة الليل و الغنى في القناعة و في الزبور القانع غني و لو جاع و عري و من قنع استراح من أهل زمانه و استطال على أقرانه و جاء في قوله تعالى فَكُّ رَقَبَة أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة قال فكها من الحرص و الطمع و من قنع فقد اختار العز على الذل و الراحة على التعب قيل إن داود (ع) قال يا رب أخبرني بقريني في الجنة في قصري فأوحى الله إليه أن ذلك متى أبو يونس فاستأذن الله تعالى في زيارته فأذن له فأخذ بيد ولده سليمان حتى أتيا موضعه فإذا هو ببيت من سعف فسألا عنه فقيل إنه في الحطابين يقطع الحطب و يبيعه فجلسا ينتظرانه إذ أقبل و على رأسه حزمة من حطب فألقاها عنه ثم حمد الله و قال من يشتري مني طيبا بطيب فساومه واحد و اشتراه آخر فدنيا منه و سلما عليه فقال انطلقا بنا إلى المنزل و ابتاع بما كان معه من طعام ثم وضعه بين حجرين قد أعدهما لذلك و طحنه ثم عجنه في نقير له ثم أجج نارا و أوقدها بالحطب ثم وضع العجين عليها ثم جلس يتحدث معهم هنيهة ثم نهض و قد نضجت خبزته فوضعها في النقير و فلقها و وضع عليها ملحا و وضع إلى جانبه مطهرة فيها ماء و جلس على ركبتيه و أخذ لقمة و كسرها و وضعها في فيه و قال بسم الله الرحمن الرحيم فلما ازدردها قال الحمد لله رب العالمين ثم فعل ذلك بأخرى فأخرى ثم أخذ الماء فشرب منه و حمد الله تعالى و قال لك الحمد يا رب من ذا الذي أنعمت عليه و أوليته مثل ما أوليتني إذ صححت بدني و سمعي و بصري و جوارحي و قويتني حتى ذهبت إلى شجر لم أغرسه بيدي و لا زرعته بقوتي و لم أهتم بحفظه فجعلته لي رزقا و أعنتني على قطعه و حمله و سقت إلى من اشتراه مني و اشتريت بثمنه طعاما لم أزرعه و لم أتعب فيه و سخرت لي حجرا طحنته و نارا أنضجته و جعلت لي شهوة قابلة لذلك فصرت آكله بشهوة و أقوي بذلك على

[120]

طاعتك فلك الحمد حتى ترضى و بعد الرضا ثم بكى بكاء عاليا فقال داود لابنه سليمان يا بني يحق لمثل هذا العبد الشاكر أن يكون صاحب المنزلة الكبرى في الجنة فلم أر عبدا أشكر من هذا .

 

الباب الخامس و الثلاثون في التوكل على الله

قال تعالى وَ عَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و قال تعالى وَ عَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ و قال تعالى وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ و قال تعالى إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ فأعظم مقام موسوم بعظمة الله و بمحبة الله المتوكل عليه لأنه مضمون بكفاية الله لأن من يكن حسبه و كافيه و محبه و مراعيه فقد فاز فوزا عظيما و قد قال أَ لَيْسَ اللّهُ بِكاف عَبْدَهُ فطالب الكفاية بغيره غير طالب التوكل و مكذب بالآية قال وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي عزيز لا يذل من استجار به و لا يذل من لجأ إليه حكيم لا يقصر عن تدبير من اعتصم به و غير من لجأ إلى غيره بقوله إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ يعني عاجزون عن حوائجكم أنتم و هم محتاجون إلى الله تعالى فهو أحق أن تدعوه و كلما ذكر سبحانه من التوكل عليه عنى قطع الملاحظة إلى خلقه و الانقطاع إليه قال رسول الله (ص) لو أن العبد يتوكل على الله حق توكله لجعله كالطير تغدوا خماصا و تروح بطانا و قال من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة و من انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها و من أراد أن يرزقه الله من حيث لا يحتسب فليتوكل على الله و أوحى الله إلى داود (ع) ما من عبد يعتصم بي دون خلقي و تكيده أهل السماوات و الأرض إلا جعلت له مخرجا و قال أمير المؤمنين (ع) أيها الناس لا يشغلكم المضمون من الرزق عن المفروض عليكم من العمل و المتوكل لا يسأل و لا يرد و لا يمسك شيئا خوف الفقر و ينبغي لمن أراد سلوك طريق التوكل أن يجعل نفسه بين يدي الله تعالى فيما يجري عليه من الأمور كالميت بين يدي الغاسل يقلبه حيث يشاء كما قال النبي (ص) عجبت للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له و يعني بذلك أنه يرضى بقضاء الله له سواء كان شدة أو رخاء و التوكل هو

[121]

الاعتصام بالله كما قال جبرائيل لإبراهيم (ع) و هو في كفة المنجنيق أ لك حاجة يا خليل الله فقال أما إليك فلا اعتمادا على الله و وثوقا به في النجاة فجعل الله تعالى عليه النار بردا و سلاما و أرضها وردا و ثمارا و مدحه الله فقال وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى و ما استوى حاله و حال يوسف (ع) في قوله للذي معه في السجن اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين و قال لي رجل من أين مئونتك فقلت وَ لِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ و رأى بعضهم شخصا في البرية يعبد الله تعالى فقال من أين قوتك فقال من رب العزيز العليم ثم أومأ إلى أسنانه و قال الذي خلق الرحى يأتيها بالهبل يعني بالحب و اعلموا أن التوكل محله القلب و الحركة في الطلب لا تنافي التوكل لأن الله تعالى أمر بها بقوله فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ و دخل الأعرابي إلى مسجد النبي (ص) فقال أ عقلت ناقتك قال لا قد توكلت على الله فقال اعقلها و توكل على الله و قال الله له و لأصحابه خُذُوا حِذْرَكُمْ يعني رسول الله و أصحابه من الكذب أو يقول الرجل توكلت على الله و في قلبه غيره أو يكون غير راض بصنعه إليه لأن التوكل الاستسلام إلى الله و الانقطاع إليه دون خلقه فحقيقته الاكتفاء بالله و الاعتماد عليه فللمتوكل ثلاث درجات الانقطاع إلى الله و التسليم إليه و الرضا بقضائه فهو يسكن إلى وعده و يكتفي بتدبيره و يرضى بحكمه و قيل لبعضهم لم تركت التجارة فقال وجدت الكفيل ثقة .

و روي أن الله تعالى يقول من اعتصم بي دون خلقي ضمنت السماوات و الأرض رزقه فإن دعاني أجبته و إن استعطاني أعطيته و إن استكفاني كفيته و من اعتصم بمخلوق دوني قطعت أسباب السماوات و الأرض دونه إن دعاني لم أجبه و إن سألني لم أعطه و إن استكفاني لم أكفه و قال محمد بن العجلان نزلت بي فاقة عظيمة و لزمني دين لغريم ملح و ليس لمضيقي صديق فتوجهت فيه إلى الحسن بن زيد و كان أمير المدينة لمعرفة كانت بيني و بينه فلقيني في طريقي محمد بن عبد الله بن الباقر (ع) فقال قد بلغني ما أنت فيه من الضيق فمن أملت لمضيقك قلت الحسن بن زيد فقال إذا لا تقضى حاجتك فعليك بمن هو

[122]

أقدر الأقدرين و أكرم الأكرمين فإني سمعت عمي جعفر بن محمد (ع) يقول أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه و عزتي و جلالي و عظمتي و ارتفاعي لأقطعن رجاء أمل كل مؤمل يأمل غيري باليأس و لأكسونه ثوب المذلة في الناس و لأبعدنه من فرجي و فضلي أيؤمل عبدي في الشدائد غيري و الشدائد بيدي و يرجو سواي و أنا الغني الجواد أبواب الحوائج عندي و بيدي مفاتيحها و هي مغلقة فما لي أرى عبدي معرضا عني و قد أعطيته بجودي و كرمي ما لم يسألني فأعرض عني و سأل في حوائجه غيري و أنا الله لا إله إلا أنا

أبتدئ بالعطية من غير مسألة أ فسأل و لا أجود كلا كلا أ ليس الجود و الكرم لي أ ليس الدنيا و الآخرة بيدي فلو أن كل واحد من أهل السماوات و الأرض سألني مثل ملك السماوات و الأرض فأعطيته ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح بعوضة فيا بؤسا لمن أعرض عني و سأل في حوائجه و شدائده غيري قال فقلت له أعد علي الكلام فأعاده ثلاث مرات فحفظته فقلت في نفسي لا و الله لا أسأل أحدا حاجة ثم لزمت بيتي فما لبثت أياما إلا و آتاني الله برزق قضيت منه ديني و أصلحت به أمر عيالي و الحمد لله رب العالمين .

 

الباب السادس و الثلاثون في شكر الله تعالى

قال الله تعالى وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ و قال سبحانه لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و قال وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ يريد به الجحود للنعمة و حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم و أوحى الله تعالى إلى داود اشكرني حق شكري فقال إلهي كيف أشكرك حق شكرك و شكري إياك نعمة منك فقال الآن شكرتني حق شكري و قال داود كيف كان آدم شكرك حق شكرك و قد جعلته أبا لأنبيائك و صفوتك و أسجدت له ملائكتك فقال إنه اعترف أن ذلك من عندي فكان اعترافه بذلك حق شكري و ينبغي للعبد أن يشكر على البلاء كما يشكر من الرخاء و روي أن الله سبحانه قال يا داود إني خلقت الجنة لبنة من ذهب و لبنة

[123]

من فضة و جعلت سقوفها الزمرد و طينها الياقوت و ترابها المسك الأذفر و أحجارها الدر و اللؤلؤ و سكانها الحور العين أ تدري يا داود لمن أعددت هذا قال لا و عزتك يا إلهي فقال هذا أعددته لقوم كانوا يعدون البلاء نعمة و الرخاء مصيبة و لا شك أن البلاء من الأمراض و غيرها يوجب العوض على الألم و الثواب على الصبر عليه و يكفر السيئات و يذكر بالنعمة أيام الصحة و يحث على التوبة و الصدقة و هو اختيار الله تعالى للعبد و قد قال سبحانه وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ و عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع) قال مثل المؤمن كمثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه ليلقى الله عز و جل و لا خطيئة له و النعم قد يكون استدراجا فإنها توجب الشكر و الشكر أيضا نعمة يوجب الاعتراف بالتقصير و لا شك أن زيادة النعم و كثرتها ملهية عن الله تعالى و لهذا اختار لأوليائه و عباده الصالحين الفقر و حبس الدنيا عنهم لأنه قال في بعض وحيه و عزتي و جلالي لو لا حيائي من عبدي المؤمن ما تركت له خرقة يواري بها جسده و إني إذا أكملت إيمان عبدي المؤمن ابتليته بفقر الدنيا في ماله أو مرض في بدنه فإن هو جزع أضعفت ذلك عليه باهيت به ملائكتي و تمام الحديث و إني جعلت عليا (ع) علما للإيمان فمن أحبه و اتبعه كان هاديا و من تركه و أبغضه كان ضالا إنه لا يحبه إلا مؤمن و لا يبغضه إلا منافق و من الشكر للنعمة أن لا يتقوى به أحد على معصية الله و شكر العوام على المطعم و الملبس و شكر الخاص على ما يختاره سبحانه من بأساء و ضراء و غيره .

و روي أن الصادق (ع) قال لشفيق كيف أنتم في بلادكم فقال بخير يا ابن رسول الله إن أعطينا شكرنا و إن منعنا صبرنا فقال له هكذا كلاب حجازنا يا شفيق فقال له كيف أقول قال له هلا كنتم إذا أعطيتم آثرتم و إذا منعتم شكرتم و هذه درجته و درجة آبائه و أبنائه (ع) .

و روي أن سبب رفع إدريس إلى السماء أن ملكا بشره بالقبول و المغفرة فتمنى الحياة فقال له الملك لم تمنيت الحياة قال لأشكر الله تعالى فقد كانت حياتي لطلب القبول و هي الآن لبلوغ المأمول قال فبسط الملك جناحه

[124]

و رفعه إلى السماء و الشاكر يلاحظ المزيد لقوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و الصابر يشاهد ثواب البلاء فهو مع الله لقوله تعالى إِنَّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ فهو أعلى درجة و لهذا فضل معتقد البلوى نعمة على غيره و روي أن أول من يدخل الجنة الحامدون و على كل حال فله الحمد على ما دفع و له الشكر على ما نفع، و روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى (ع) فقال يا موسى أرحم عبادي المبتلى منهم و المعافى قال يا رب قد عرفت رحمة المبتلى فما بال المعافى قال لقلة شكره و قوله تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها أي لا تقوموا بشكرها كلها و ذلك صحيح لأن في اللحظة الواحدة ينظر الإنسان نظرات لا تحصى و يسمع بأذنه حروفا لا تحصى و يتكلم بلسانه كلمات لا تحصى و تسكن منه عروق لا يعلم عددها و تتحرك منه عروق لا يعلم عددها و يتنفس بأنفاس لا تحصى و كذلك تتحرك جوارحه بحركات كثيرة فهذا في اللحظة الواحدة فكيف في يومه و سنته و طول عمره صدق الله العلي العظيم .

 

الباب السابع و الثلاثون في اليقين

قال الله تعالى وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْ آخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فمدح الموقنين بالآخرة يعني المطمئنين بما وعد الله فيها من ثواب و توعد من عقاب كأنهم قد شاهدوا ذلك كما روي أن سعد بن معاذ دخل على رسول الله (ص) فقال كيف أصبحت يا سعد فقال بخير يا رسول الله أصبحت بالله مؤمنا فقال يا سعد إن لكل قول حقيقة فما مصداق ما تقول فقال يا رسول الله ما أصبحت فظننت أني أمسي و لا أمسيت فظننت أني أصبح و لا مددت خطوة فظننت أني أتبعها بأخرى و كأني بكل أمة جائية و بكل أمة تدعى إلى كتابها معها كتابها و نبيها أمامها تدعى إلى حسابها و كأني بأهل الجنة و هم يتنعمون و بأهل النار و هم معذبون فقال له رسول الله (ص) يا سعد عرفت فالزم فلما صح يقينه كالمشاهدة أمره باللزوم و اليقين و هو مطالعة أحوال الآخرة على سبيل المشاهدة كما قال أمير المؤمنين (ع) لو كشف الغطاء ما

[125]

ازددت يقينا فدل على أنه يشاهد الآخرة مع الغيب عنها و قال (ع) ما من أحد منكم إلا قد عاين الجنة و النار إن كنتم تصدقون بالقرآن صدق لأن اليقين بالقرآن يقين بكل ما تضمنه من وعد و وعيد و هو أيضا في قلب العارف كالعلم البديهي الذي لا يندفع و لأجل هذا منعنا من أن المؤمن يكفر بعد المعرفة و الإيمان فإن عارض أحد بقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قلنا آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم كما قال الله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فالإسلام نطق باللسان و اعتقاد بالقلب فلما علم سبحانه أنهم لم يعتقدوا ما نطقوا به حقا نفى عنهم أنهم مؤمنون فأول مقامات الإيمان المعرفة ثم اليقين ثم التصديق ثم الإخلاص ثم شهادة بذلك كله و الإيمان اسم لهذه الأمور كلها فأولها النظر بالفكر في الأدلة و نتيجة المعرفة فإذا حصلت المعرفة لزم التصديق و إذا حصل التصديق و المعرفة لوجد اليقين فإذا صح اليقين أخالت أنوار السعادة في قلب بتصديق ما وعد به من رزق في الدنيا و ثواب في الآخرة و خشعت الجوارح من مخافة ما توعد به من العقاب و قامت بالعمل و الزجر عن المحارم و حاسب العقل النفس على التقصير في الذكر و التنبيه على الفكر فأصبح صاحب هذا الحال نطقه ذكرا و صمته فكرا و نظره اعتبارا و اليقين يدعو إلى قصر الأمل و قصر الأمل يدعو إلى الزهد و الزهد ينتج النطق بالحكمة لخلو البال من هموم الدنيا لقوله (ع) من زهد في الدنيا استراح قلبه و بدنه و من رغب فيها تعب قلبه و بدنه فلا يبقى له نظر إلا إلى الله و لا رجوع إلا إليه كما مدح الله سبحانه إبراهيم (ع) بقوله إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ يعني رجاع إلى الله لا نظر له للدنيا و على قدر يقين العبد يكون إخلاصه و تقواه و هذه الأحوال الصحيحة توجب لصاحبها حالا يراها بين اليقظة و النوم و يحصل باليقين ارتفاع معارضات الوساوس النفسانية لأنه رؤية العيان بحقائق الإيمان و هو أيضا ارتفاع الريب بمشاهدة الغيب و هو سكون النفس دون جولان الموارد و متى استكمل القلب بحقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة و الرخاء مصيبة حتى أنه يستعذب البلاء و يستوحش لمطالعة العافية

[126]

الباب الثامن و الثلاثون في الصبر

قال الله تعالى وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلّا بِاللّهِ و قال سبحانه وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ و قال تعالى وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ فجعل الصبر معونة على الصلاة بل هو معونة على كل طاعة و ترك كل معصية و نزول كل مصيبة و بلية و قال سبحانه وَ بَشِّرِ الصّابِرِينَ يعني بعظيم الثواب و حسن الجزاء و أوجب صلاته و رحمته عليهم فقال الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ و قال سبحانه سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ فسلم على الصابرين و جعل لهم عقبى الدار الآخرة و الصبر على ثلاثة أقسام صبر على الطاعة و صبر على المعصية و صبر على المصيبة و قال (ع) الصبر مطية لا تكبوا بصاحبها و الصبر على المصيبة مصيبة للشامت بها و لا شك أن الصابر يحرز أجرها و يكبت عدوه بصبره و يسلم من ضرر الجزع بشق ثوب أو ألم في بدنه و الجازع يدخل عليه بجزعه ثلاث آفات يحبط أجره و يشمت عدوه و دخل الضرر على نفسه بما يلحقه من الألم و صبر الصابر مصيبة للشامت و ينبغي للعاقل أن تحدث له المصيبة موعظة لأن من الجائز أن يكون موضع المفقود فهو أحق بالحمد لله و الثناء عليه و يحدث في نفسه الاستعداد بمثل ما نزل بغيره من موت أو بلية يستهدفها بالدعاء و ينبغي للإنسان أن يطمئن قلبه على البلايا و الرزايا العظيمة حتى إذا نزل به قليلها عده نعمة في جنب غيره و أحسن مقامات الإنسان أن ينظر في المصائب و البلايا و ضيق المعاش و إنفاقه و الفقر إلى من هو أكبر منه بلية فيصير حاله عنده نعمة و ينظر في عمل الخير إلى من هو فوقه فيستقل عمله و يزري على نفسه و يحثها على اللحاق بمن هو فوقه في صالح العمل هكذا يكون من يريد صلاح نفسه و عظيم صبره و قلة همه و غمه قال أمير المؤمنين (ع) الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد و لا إيمان لمن لا صبر له و قال إنا وجدنا الصبر على طاعة الله أيسر من الصبر على عذابه و قال اصبروا على عمل لا غنى لكم عن ثوابه و اصبروا على عمل لا

[127]

طاقة لكم على عقابه و حقيقة الصبر تجرع الغصص عند المصائب و احتمال البلايا و الرزايا و غاية الصبر أن لا يفرق بين النعمة و المحنة و يرجح المحنة على النعمة للعلم بحسن عاقبتها و التصبر السكون عند البلاء مع تحمل أثقال المحنة عند عظمها قال المصنف ره شعرا :

صبرت و لم أطلع هواي على صبري *** و أخفيت ما بي منك عن موضع الصبر

مخافة أن يشكو ضميري صبابتي *** إلى دمعتي سرا فيجري و لا أدري

قيل أوحى الله إلى داود (ع) تخلق بأخلاقي إني أنا الصبور و الصابر إن مات مع الصبر مات شهيدا و إن عاش عاش عزيزا و اعلموا أن الصبر على المطلوب عنوان الظفر و الصبر على المحن عنوان الفرج و قد مدح الله سبحانه عبده أيوب إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ و روي أنه لما اشتد به البلاء قالت له امرأته يوما إن دعاء الأنبياء مستجاب فلو سألت الله كشف ما بك فقال لها يا هذه متعنا الله بالنعم سبعين سنة فدعينا نصبر على بلائه مثل ذلك و روي أنه لما جاءت امرأته إليه و قد باعت أحد ظفائرها بقوته شق عليه ذلك فنصب نفسه بين يدي الله تعالى ثم قال يا رب إنك ابتليتني بفقد الأهل و الأولاد فصبرت و بالمرض الفلاني فصبرت ثم عدد أمراضه فإذا النداء من قبل الله أن يا أيوب لمن المنة عليك في صبرك فقال اللهم لك اللهم لك و صار يحثو التراب على رأسه و يبكي و يقول اللهم لك اللهم لك فجاء النداء ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ فركض برجله فنبعت عين عظيمة فاغتسل منها فخرج جسمه كاللؤلؤة البيضاء و جاء جراد كله ذهب فصاده هو و أهله أوحى الله تعالى له من مات من ولده و أهله و رزقه من النساء اللاتي تزوجن أولادا كثيرة كما قال الله تعالى وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَ ذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ و قال رسول الله (ص) الصبر نصف الإيمان و اليقين الإيمان كله و من صبر على المصيبة حتى يردها بحسن العزاء كتب الله له بكل صبرة ثلاثمائة درجة ما بين كل درجة إلى درجة كما بين تخوم الأرض إلى علو العرش و من صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم

[128]

الأرض إلى علو العرش و من صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش .

 

الباب التاسع و الثلاثون في المراقبة لله تعالى

قال وَ كانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْء رَقِيباً و قال النبي (ص) لبعض أصحابه اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك و هذا إشارة إلى المراقبة لأن المراقبة على العبد باطلاع الرب عليه في كل حالاته و ملاحظة الإنسان لهذا الحال فهو المراقبة و أعظم مصالح العبد استحضاره مع عدد أنفاسه إن الله تعالى عليه رقيب و منه قريب يعلم أفعاله و يرى حركاته و يسمع أقواله و

يطلع على أسراره و أنه يتقلب في قبضته و ناصيته و قلبه بيده و أنه لا طاقة له على التستر عنه و لا على الخروج عن سلطانه قال لقمان لابنه يا بني إذا أردت أن تعصي الله فاطلب مكانا لا يراك فيه إشارة منه له أنك لا تجد مكانا لا يراك فيه فلا تعصه و قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و كان بعض العلماء يرفع شابا على تلاميذه كلهم فلاموه في ذلك فأعطى كل واحد منهم طيرا و قال اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد فجاءوا كلهم بطيورهم و قد ذبحوها

فجاء الشاب بطيره و هو غير مذبوح فقال له لم لا تذبحه فقال لقولك لا ئذبحه إلا في موضع لا يراك فيه أحد و لا يكون مكانا إلا يراني فيه الواحد الأحد الفرد الصمد فقال له أحسنت ثم قال لهم لهذا رفعته عليكم و ميزته منكم و من علامات المراقبة إيثار ما آثر الله و تعظيم ما أعظم الله و تصغير ما صغر الله فالرجاء يحثك على الطاعات و الخوف يبعدك عن المعاصي و المراقبة تؤدي إلى طريق الحياء و تحمل من ملازمة الحقائق و المحاسبة على الدقائق و أفضل الطاعات مراقبة الحق سبحانه و تعالى على دوام الأوقات و من سعادة المرء أن يلزم نفسه المحاسبة و المراقبة و سياسة نفسه باطلاع الله و مشاهدته لها و أنها لا تغيب عن نظره و لا يخرج عن علمه و ينبغي للواعظ غيره أن يعظ نفسه قبلهم و لا يغره اجتماع الناس عليه و الاستماع منه فإنهم يراقبون ظاهره و الله شهيد على ما في باطنه و روي أن

[129]

بعضهم رأى شابا حسن العبادة و الاجتهاد فقال يا فتى على ما بنيت أمرك فقال على أربع خصال فقال و ما هي قال علمت أن رزقي لا يفوتني منه شيء و أن وعد الله حق فاطمأننت إلى وعده و الثانية علمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به و الثالثة أن أجلي يأتيني بغتة فبادرته و الرابعة علمت أني لا أغيب عن نظر الله تعالى في سري و علانيتي فأنا مراقب في كل أحوالي .