قضاء حقوق المؤمنين

سلسلة مصادر بحار الأنوار
( 4 )



قَضاء حُقوق المؤمنين


تأليف
الشيخ سديد الدين أبي علي بن طاهر الصُّوري
مِنْ أعلام القرنِ السّادس الهجري

تحقيق
حامد الخّفاف

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاِحياء التُّراث

( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
لم يكن التراث الاَخلاقي الضخم الذي تزخر به خزائن الحضارة الاِسلامية حالة غير طبيعية تنفصل عمّا أرساه دين الله الحنيف من تعاليم ربانية، تنظّم مسيرة المجتمع البشري لما فيه خيره وصلاحه، بل يمكن القول: إنّ الجانب الاَخلاقي يعتبر بمثابة العلامة الفارقة التي تميزت بها الحضارة الاِسلامية عن بقية حضارات الاَمم والشعوب منذ بدء الخليقة وإلى يومنا هذا.
يتعاظم المسلم فضائل... يجد نفسه كبيراً كما هي الراسيات نبلاً وشهامة، يحق له أن يحدّق في عين الشمس فيتطاول عليها شمماً وكرامة، وهو يتمثل ـ عبر كنوز التراث ـ رسول الاِسلام يعود جاره اليهودي عند مرضه يسأل عن أحواله، ويطيب خاطره، مع أنّه جار سوء طالما آذاه بإلقاء القمامة عليه، وقذفه بأقسى الكلمات، فما كان من اليهودي ـ العدوّ لله ولرسوله ـ إلاّ أن يذعن لدعوة الحق، وهو يشاهد غماماً من رحمة رسول الله وخلقه الرفيع تهطل عليه وابلاً من الرأفة والحنان والحب؛ وهل الدين إلاّ الحب!؟
وهكذا يدوّن التأريخ حقيقة أنّ أخلاق المسلمين كانت المفتاح الذي استطاعوا به فتح مغاليق قلوب الناس، لتستقبل النور الاِلهي المنبعث من شعاب
( 6 )
مكة المكرمة، وأنّ المثل العليا وقيم السماء التي بشّر بها فكر الاِسلام أوقع في القلوب، وأريض للنفوس، من بريق المواضي وقعقعة السلاح، في عالم أطبقت عليه مفاهيم الجهالة المعتمة.
والآن بعد أربعة عشر قرناً من الزمن، وكي لا نتهالك على فتات موائد حضارة القرن العشرين، نأخذ منها الضارّ ونترك النافع!! ما أحوج الاُمة التي جعلها الله خير اُمة اُخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أن تلتفت إلى الماضي، ترمقه بنظرة تفحّص، من أجل أن تستلهم منه معاني العفة والطُهر، لتبني على أساسها مستقبل الحياة الحرة الكريمة، لتواجه الرياح السوداء، قوية الشكيمة، رابطة الجأش، مرفوعة الرأس، لتحمل للمعمورة مشعل الهداية المحمديّ ، السخي بالعطاء إلى يوم يبعثون...
وفي هذا السبيل سار خريجو مدرسة أهل البيت عليهم السلام من علماء أعلام، وجهابذة عظام، يحثّون الاُمّة للمضي في طريق الصلاح والهدى ويحذرونها موجبات الردى، وما كتاب «قضاء حقوق المؤمنين» إلاّ وميض نور من عطاء كلّه هدى وضياء، سطروه ـ رضوان الله عليهم ـ بحميد فعالهم، وبليغ كلامهم، وسيل مدادهم، يعرض فيه المؤلف عن طريق الرواية جانباً ممّا يفترضه الاِيمان على الفرد المؤمن من حقوق يجب أن يؤدّيها تجاه أخيه المؤمن، بصورة مختصرة موجزة.

الكتاب:
لست بصدد تعريف الكتاب مضموناً، فاسمه كفيل بذلك، وإنّما أذكر مدى اعتماد الاَصحاب عليه، ورجوعهم إليه.
فقد اعتمده شيخ الاسلام المجلسي في بحار الاَنوار ونقل عنه، وقال: «وكتاب قضاء الحقوق، كتاب جيّد، مشتمل على أخبار طريفة»(1).
____________
(1) بحار الاَنوار 1 ص 34.

( 7 )
ونقل عنه خاتمة المحدّثين الشيخ النوري في كتابه الجليل مستدرك الوسائل بتوسط بحار الأنوار، لعدم توفر نسخة الكتاب لديه، وقال: «وأما ما نقلنا عنه بتوسط بحارالاَنوار فهو... كتاب قضاء حقوق المؤمنين للشيخ سديد الدين أبي علي بن طاهر السوري»(1).
وقال الشيخ الطهراني في الذريعة(2): «قضاء حقوق الاِخوان المؤمنين، لاَبي علي الصوري، ينقل عنه الشيخ أحمد بن سليمان البحراني في عقد اللآل الذي فرغ منه في 1117، وينقل عنه المولى محمد باقر المجلسي، وينقل عنه الكفعمي في حواشي مصباحه الذي آلّفه 895».

المؤلف:
الشيخ أبو علي الحسن بن طاهر الصوري ، كذا عنونه الشيخ عبدالله أفندي في رياض العلماء ج 1 ص 198 وقال : « فاضل عالم ، فقيه ، وقد ذكره الشهيد ـ قدّس سرّه ـ في بحث قضاء الصلاة الفائتة من شرح الاِرشاد ، ونسب إليه القول بالتوسعة في القضاء ، بل نصّ على استحباب تقديم الحاضرة ، وقال : إنّه ردّ عليه الشيخ أبو الحسن علي بن منصور بن تقي الحلبي وعمل مسألة طويلة تتضمّن القول بالتضييق والردّ عليه في التوسعة ، فعلى هذا يكون إمّا معاصراً للشيخ أبي الحسن سبط أي الصلاح الحلبي المذكور أو متقدّماً عليه ، فلاحظ.
واعلم أنّ نسب هذا الشيخ على ما أوردناه هنا كان مضبوطاً في نسخة كانت عندنا من شرح الاِرشاد المذكور، وقد رأيت في بعض المواضع المعتبرة نقلاً عن الشرح المذكور بعنوان الشيخ أبي علي طاهر بن الحسن الصوري ، فنحن أوردناه مرّة هنا ومرّة في باب الطاء المهملة احتياطاً ، فلاحظ الاِجازات وكتب الرجال».
وعنونه الشيخ الطهراني في «الثقات العيون في سادس القرون» ص 59 تبعاً لصاحب الرياض.
وذكره ثانية في ص 143 من المصدر المذكور تحت عنوان : طاهر بن الحسن
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 291.
(2) الذريعة إلى تصانيف الشيعة ج 17 ص 137.

( 8 )
الشيخ أبو علي الصوري ، وقال : معاصر أبي الحسن علي بن منصور بن تقي الدين الحلبي.
وذكره المجلسي في البحار ج 1 ص 17 ، والنوري في المستدرك ج 3 ص 291 بعنوان : الشيخ سديد الدين أبي علي بن طاهر السوري.
واستظهر الشيخ الطهراني ـ مع تردّد ـ اتحاده مع الشيخ أبي عبدالله الحسين ابن طاهربن الحسين الصوري ، المعنون في أمل الآمل ج 2 ص 93 بأنّه فاضل فقيه جليل ، يروى عنه السيد أبو المكارم حمزة بن زهرة الحلبي حيث قال في «الثقات العيون في سادس القرون» ص 75: «الحسين بن طاهر بن الحسين أبو عبدالله الصوري ـ ثم نقل كلام الحرّ ، وقال : ـ ومرّ أبو علي الحسن بن طاهر في ص 59 ـ 60 ، ولعلّهما واحد ، وإن كان بعيداً ، للاِختلاف في الكنية والاسم ، واسم الجدّ ، وله كتاب : قضاء حقوق المؤمنين».
علماً أنّ الشيخ الطهراني كان قد دمج الاسمين عندما قال في الذريعة ج 17 ص 137: قضاء حقوق الاِخوان المؤمنين، لاَبي علي الصوري، وهوالشيخ أبو عبدالله الحسين بن طاهر بن الحسين الصوري الذي يروي عنه ابن زهرة صاحب الغنية 585، كما في أمل الآمل فتأمّل!
ونقل ترجمة الحسين بن طاهر بن الحسين الصوري عن الحرّ، كلّ من:
الشيخ عبدالله أفندي في «رياض العلماء» ج 2 ص 97.
والشيخ المامقاني في «تنقيح المقال» ج 1 ص 331.
والسيد الاَمين في «أعيان الشيعة» ج 6 ص 50، وأضاف: ويروي المترجم عن الشيخ أبي الفتوح.
والسيد الخوئي في «معجم رجال الحديث» ج 5 ص 272.
وعليه فإنّ القدر المتيقّن أنّ المؤلّف من أعلام القرن السادس الهجري، وأنّ وجود عبارة «أبو علي بن طاهر الصوري» على ظهر النسختين الخطيتين للكتاب، وضبط الشيخ المجلسي والشيخ النوري للمؤلف بهذه الكنية، التي هي من الكنى التي تطلق على من يتسمّى بالحسن، قرينة على أنّ المؤلف هوالحسن بن طاهر الصوري دون غيره، وأمّا اتّحاده مع أبي عبدالله الحسين بن طاهر بن الحسين الصوري فبعيد.


( 9 )
منهج التحقيق:
اعتمدت في تحقيقي للكتاب على نسختين:
الاولى: النسخة الموجودة في المكتبة المركزية في جامعة طهران، الكتاب 8 من المجموعة المرقمة 5923 من ص 242 إلى 262، وفي كلّ صفحة سبعة عشر سطراً، كتبت بخط النسخ في القرن العاشر أو الحادي عشر، وهي التي أرمز إليها في الهامش الكتاب بـ (د).
والثانية: النسخة الموجودة في مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي ـ دام ظلّه ـ العامة في قم، الكتاب 3 من المجموعة المرقمة 990، من ورقة 94 إلى 102، في كلّ صفحة تسعة عشر سطراً، وأرمز إليها في هامش الكتاب بـ (ش).
وقد لاحظت اتّفاق النسختين في التصحيف والزيادة والنقيصة الواردة في الكتاب بصورة واضحة في أغلب الموارد، وقد سعيت جاهداً في سبيل إثبات نصّ صحيح للكتاب وذلك بمقابلة النسختين، ومقابلة النصّ مع ما نقله العلاّمة المجلسي في «بحر الاَنوار» عن كتاب «قضاء حقوق المؤمنين»، فجعلت التصحيف الوارد في النسخ هامشاً، مشيراً لصوابه، وقد يتفق أن يرد التصحيف في النسختين والبحار معاً، كما هو الحال في الحديثين رقم 15 و 34 فراجع. علماً بأنّ كلّ ما وضعته في المتن بين المعقوفين [ ] من دون الاِشارة إليه في الهامش فهو من «بحار الانوار».
كما أتقدّم بأسمى آيات الشكر والتقدير، لكلّ السادة الاَفاضل الّذين أتحفوني بملاحظاتهم القيّمة، وأخصّ بالذكر الاَخ الاُستاذ أسد مولوي مسؤول لجنة ضبط النصّ في مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، وفّق الله الجميع لخدمة تراث آل البيت.
وفي الختام، أحمدالله سبحانه لما حباني به من نعمة القيام بهذا العمل المتواضع معترفاً بالتقصير، مؤمناً بأنّ المخلوق من عجل لايخلو من الخطأ والزلل، وما اُبرّىَ نفسي إنّ النفس لاَمارة بالسوء إلاّ ما رحم ربّي.
حامد الخفّاف
1 ربيع الثاني 1408 هـ
قم المقدسة





( 10 )
الصفحة الاولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آيةالله المرعشي العامة.

( 11 )
الصفحة الاخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آيةالله المرعشي العامة.

( 12 )
الصفحة الاولى من النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة المركزية في جامعة طهران.

( 13 )
الصفحة الاَخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة المكتبة المركزية في جامعة طهران.

( 14 )

( 15 )

قضاء حقوق المؤمنين


( 16 )

( 17 )

كتاب
في ما يتعلّق بقضاء حقوق المؤمنين بعضهم لبعض

جمع الشيخ الاِمام العلاّمة سديد الدين أبي علي بن طاهر الصوري
رحمه الله تعالى


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلّم كثيراً.
إعلم أيّها الطالب ـ أعانك الله على بلوغ درجة المؤمنين، والخروج من حزب المقلّدين ـ أنّ الاِيمان شرط في استحقاق الثواب مع مشقة فعل ما امر به وترك ما نهى عنه، وكذلك الاَمن من الخلود في العقاب الدائم، يحصلان بوجودها، ويرتفعان بعدمها، وكذلك استحقاق ما يستحقه المؤمن على أخيه المؤمن في دارالتكليف، من إيصال المنافع إليه والمسارّ، ودفع الهموم عنه والمضار، ومن لم يكن مؤمناً، لا يستحقّ ثواباً، ولا يأمن عقاباً، ولا حقّ له على المؤمن، فيجب أن يكون كلّ واحد منهما ـ أعني المنعم والمنعم عليه ـ مؤمناً، ليختصّ به ما أذكره من الاَخبار المروية عن الصادقين، محمد و أهل بيته الطيّبين الطاهرين، عليهم أفضل الصلاة والسلام، ولا يستحقون شيئاً من ذلك، إلاّ بشرط أن يكونوا مؤمنين، فإن الاِشارة بها إليهم، وهي مقصورة عليهم، لا يشاركهم فيها غيرهم.
فإذا رغبت أيها الطالب أن تعرف المؤمن من هو بحقيقة الاِيمان، فإنّك تقف منه على العلم بما أشرت إليه، ودللتك عليه، فيفصل بيّن ذلك بين من هو مؤمن، ومن ليس كذلك، فتميّز المستحق ممن ليس بمستحق، فتعلم من قد رغب به عن النبي صلّى الله عليه وآله، والاَئمة الاَطهار عليهم السلام إليه(1)، وحثّوا المؤمنين عليه.
____________
(1) كذا في نسخة «ش» و «د».

( 18 )
فما جاء من الاَخبار في الحثّ على القيام بحقوق المؤمنين لبعضهم بعضاً:
1ـ قول النبي صلّى الله عليه وآله: إنّ الله في عون المؤمن، مادام المؤمن في عون أخيه المؤمن(1).
ومن نفّس عن أخيه المؤمن كربة من كرب الدينا نفّس الله عنه سبعين كربة من كرب الآخرة(2).
2ـ وقال صلّى الله عليه وآله: أحبّ الاَعمال إلى الله عزّ وجلّ، سرور يدخله مؤمن على مؤمن، يطرد عنه جوعه، أو يكشف عنه كربه(3).
3ـ وقال صلّى الله عليه وآله: سباب المؤمن فسوق، (وقتال المؤمن كفر)(4)[ و ] أكل لحمه معصية الله، [ و ] حرمة ماله كحرمة الله(5).
4ـ عدة المؤمن أخذ باليد(6).
يحثّ صلّى الله عليه وآله على الوفاء بالمواعيد، والصدق فيها، يريد أنّ المؤمن إذا وعد كان الثقة بموعده كالثقة بالشيء إذا صار باليد.
5ـ وقال صلّى الله عليه وآله: المؤمنون عند شروطهم(7).
6ـ نية المؤمن خير من عمله(8).

____________
(1) في نسخة «ش» و «د» زيادة «مادام المؤمن في عون أخيه المؤمن في عون أخيه المؤمن» وهو تكرار بيّن.
(2)أخرجه المجلسي في البحارج 74 ص 312 ح 69.
(3) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 153 ح 11، والقمي في الغايات ص 70 باختلاف يسير، والبحارج 74 ص 312ح 69.
(4) في البحار: وقتاله كفر.
(5) الكافي ج 2 ص 268 ح 2، والزهد ص 11 ح 23، والفقيه ج 4 ص 272، وثواب الاَعمال ص 287 ح 2، والمواعظ ص 51، والمحاسن ص 102 ح 27، ومكارم الاَخلاق ص 470، ومشكاة الاَنوار ص 100، واعلام الدين ص 60، وعوالي اللآلي ج 1 ص 362 ح 44 باختلاف يسير، والبحارج 75 ص 150 ح 16.
(6) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ج 2 ص 150 ح 5404، والبحار ج 75 ص 96 و ص 150.
(7) التهذيب ج 7 ص 371 ذيل ح 66، والاِستبصار ج 3 ص 232 ذيل ح 4، والخلاف ج 1 ص 508، وعوالى اللآلي ج 1 ص 218 ح 84، والبحار ج 75 ص 96 ح 18.
(8) الكافي ج 2 ص 69 ح 2، والمحاسن ص 260 ح 315، والهداية ص 12، وفقه الرضا(ع) ص 51، وجامع الاَحاديث للقمي ص 26، وعوالي اللآلي ج1 ص 406 ح 67، والبحارج 70 ص 211 ح 36.

( 19 )
7ـ لا يحلّ للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث(1).
8ـ من عارض أخاه المؤمن في حديثه فكأنّما خدش وجهه(2).
9ـ وقال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وسلامه ـ فيما أوصى به رفاعة بن شداد البجلي قاضي الاَهواز في رسالة إليه ـ: دارالمؤمن ما استطعت، فإنّ ظهره حمى الله، ونفسه كريمة على الله، وله يكون ثواب الله، وظالمه خصم الله فلا تكن(3)خصمه(4).
10ـ وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا تحقروا ضعفاء إخوانكم، فإنّه من احتقر مؤمناً لم يجمع الله بينهما في الجنّة إلاّ أن يتوب(5).
11ـ وقال صلّى الله عليه وآله: لا يكلّف المؤمن أخاه الطلب إليه إذا علم حاجته(6).
12ـ وقال صلّى الله عليه وآله مخاطباً للمؤمنين: تزاوروا (7)وتعاطفوا وتباذلوا، ولا تكونوا بمنزلة المنافق الذي يصف ما لا يفعل(8).
13ـ وقال صلّى الله عليه وآله: اطلب لأخيك عذراً، فإن لم تجد له عذراً فالتمس له عذراً(9).
14ـ وقال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: ما من جبّار إلاّ وعلى بابه
____________
(1) المواعظ ص 53، وعوالي اللآلي ج1 ص 162 ح 158، وشهاب الاَخبار ص 108 ح 591، والخصال ص 183 ح 250، وأمالي الطوسي ج 2 ص 5، وفيهما: لمسلم، والبحار ج 75 ص 189 ح 14.
(2) جامع الاَحاديث للقمي ص 24، وفقه الرضا(ع) ص 48، ورواه الطبرسي في مشكاة الاَنوار ص 189 باختلاف يسير، والبحار ج 75 ص 151.
(3) في نسخة «ش» و «د»: يكن، وما في المتن من البحار.
(4) رواه القاضي نعمان في دعائم الاِسلام ج 2 ص 445 ح 1553 والبحار ج 74 ص 230 ح 28.
(5) الخصال ص 614، وتحف العقول ص 69، وفيهما: عن علي عليه السلام، والبحار ج 75 ص 151.
(6) الخصال ص 614، وتحف العقول ص 69، وفيهما: عن علي عليه السلام، ورواه الديلمي في اعلام الدين ص 54 باختلاف يسير، والبحار ج 74 ص 230.
(7) فى الخصال: توازروا.
(8) الخصال ص 614، وتحف العقول ص 69، وفيهما: عن علي عليه السلام، والبحار ج 74 ص 231.
(9) الخصال ص 622، ورواه ابن شعبة في تحف العقول ص 74 باختلاف في ألفاظه.

( 20 )
ولي لنا، يدفع الله [ به ] عن أوليائنا، اولئك لهم أوفر حظّ من الثواب يوم القيامة(1).
15ـ وقال عليه السلام: المؤمن المحتاج رسول الله تعالى إلى الغنّي القويّ، فإذا خرج الرسول بغير حاجته، غفرت للرسول ذنوبه، وسّلط الله على الغنيّ القويّ، شياطين تنهشه [ قال: قلت: كيف تنهشه؟ ](2) قال: يخلّى بينه وبين أصحاب الدنيا، فلا يرضون بما عنده حتى يتكلّف لهم: يدخل عليه(3) الشاعر فيسمعه فيعطيه ماشاء، فلا يؤجر عليه، فهذه الشياطين الذي تنهشه(4).
16ـ وعنه عليه السلام أنّه قال: ما على أحدكم أن ينال الخير كلّه باليسير، قال الراوي: قلت: بماذا جعلت فداك؟ قال: يسرّنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا(5).
17ـ وعنه عليه السلام أنّه قال لرفاعة بن موسى(6) وقد دخل عليه: يا رفاعة ألا اُخبرك بأكثر الناس وزراً؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: من أعان على مؤمن بفضل كلمة ثم قال: ألا اُخبركم بأقلّهم أجراً؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: من ادّخر عن أخيه شيئاً ممّا يحتاج إليه في أمر آخرته ودنياه، ثم قال: ألا اُخبركم بأوفرهم نصيباً من الاِثم؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: من عاب عليه شيئاً من قوله وفعله، أو ردّ عليه احتقاراً له وتكبراً عليه.
ثم قال: أزيدك حرفاً آخر يا رفاعة، ما آمن بالله، ولا بمحمد، ولا بعلي من إذا أتاه أخوه المؤمن في حاجة لم يضحك في وجهه، فإن كانت حاجته عنده سارع إلى
____________
(1) البحار ج 75 ص 379 ح 40، وروى الكليني في الكافي ج 5 ص 111 ح 5 والطوسي في التهذيب ج 6 ص 336 ح 50 نحوه.
(2) ما بين المعقوفين من مستدرك الوسائل.
(3) في نسخة «ش» و «د» والبحار: عليهم، تصحيف، صوابه من مستدرك الوسائل.
(4) أخرجه المجلسي في البحار ج 75 ص 176 ح 12، وعنه في المستدرك ج 2 ص 412 ب 37 ح1.
(5) أخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 312.
(6) رفاعة بن موسى الاَسدي النخاس، ثقة في الحديث، ذكره النجاشي بما يدلّ على علو شأنه، وجلالة قدره، وعدّه ممّن يروي عن الصادق، والكاظم عليهما السلام،ووثّقه الشيخ وعدّه من أصحاب الصادق عليه السلام اُنظر «رجال النجاشي ص 119، ورجال الطوسي ص 194 رقم 37، والفهرست ص 71 رقم 286».

( 21 )
قضائها، وإن لم يكن عنده تكلّف من عند غيره(1)حتى يقضيها له، فإذا كان بخلاف ما وصفته(2) فلا ولاية بيننا وبينه(3).
18ـ وعنه عليه السلام في حديث طويل، قال في آخره: إذا علم الرجل أنّ أخاه المؤمن محتاج فلم يعطه شيئاً حتى يسأله ثم أعطاه لم يؤجر عليه(4).
19ـ وعنه عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه: خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم، فمن صالح الاَعمال برّ الاِخوان، والسعي(5) في حوائجهم، ففي ذلك مرغمة للشيطان، وتزحزح عن النيران، ودخول الجنان، اخبر بهذا غررأصحابك، قال: قلت: من غرر أصحابي جعلت فداك؟ قال: هم البررة بالاِخوان(6) في العسر واليسر(7).
20ـ وعنه عليه السلام أنّه قال: من مشى في حاجة أخيه المؤمن، كتب الله عزّ وجلّ له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات، وحطّ عنه عشر سيّئات، وأعطاه عشر شفاعات(8).
21ـ وقال عليه السلام: إحرصوا على قضاء حوائج المؤمنين، وإدخال السرور عليهم، ودفع المكروه عنهم، فإنّه ليس من الاَعمال عندالله عزّ وجلّ بعد الاِيمان أفضل من إدخال السرور على المؤمنين(9).
22ـ وعن الباقر محمد بن علي عليهما السلام، أنّ بعض أصحابه (سأله
____________
(1) في نسخة «ش» و «د»: «غيري»، تصحيف، صوابه من البحار.
(2) في نسخة «ش» و «د»: «ما وضعته»، تصحيف، صوابه من البحار.
(3) رواه القمي في الغايات ص 99 باختلاف في ألفاظه، والبحار ج 75 ص 176.
(4) أخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 312.
(5) في نسخة «ش» و «د»: «ولتسعى»، تصحيف، صوابه من البحار.
(6) في نسخة «ش» و «د»: «الاِخوان»، وما في المتن من البحار، وهوالصواب.
(7) الخصال ص 96 ح 42، وأمالي المفيد ص 291 ح 9، وأمالي الطوسي ج 1 ص 65، وفيها: عن جميل بن دراج، عن أبي عبدالله عليه السلام، باختلاف يسير، وعوالي اللآلي ج1 ص 371 ح 78، ورواه الطبرسي في مشكاة الاَنوار ص 82 باختلاف في ألفاظه، والقمي في الغايات ص 89، عن أبي جعفر عليه السلام، والبحار ج 74، ص 312.
(8) أخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 312.
(9) أخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 313.

( 22 )
فقال)(1) : جعلت فداك إنّ الشيعة عندنا كثيرون، فقال: هل يعطف الغني على الفقير؟ ويتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون؟ قلت: لا، قال عليه السلام: ليس هؤلاء الشيعة، الشيعة من يفعل هذا(2).
23ـ وقال الكاظم موسى بن جعفر عليهما السلام: من أتاه أخوه المؤمن في حاجة فأنما هي رحمة من الله ساقها إليه، فان فعل ذلك فقد وصله بولايتنا، وهي موصلة بولاية الله عزّ وجلّ، واّن ردّه عن حاجته وهو يقدر عليها، فقد ظلم نفسه وأساء إليها(3).
24ـ قال رجل من أهل الري: ولّي علينا بعض كتّاب يحيى بن خالد(4)، وكان عليّ بقايا يطالبني بها، وخفت من إلزامي إياها خروجا عن نعمتي وقيل لي: اّنّه ينتحل هذا المذهب، فخفت أن أمضي إليه وأمت به إليه، فلا يكون كذلك، فأقع فيما لا أحبّ، فاجتمع رأيي على أنّي هربت إلى الله تعالى وحججت ولقيت مولاي الصابر(5) ـ يعني موسى بن جعفر عليهما السلام ـ فشكوت حالي إليه فأصحبني مكتوباً نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم إعلم أنّ لله تحت عرشه ظلاً لا يسكنه إلاّ من أسدى إلى أخيه معروفا، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قبله سروراً، وهذا أخوك والسلام».
قال: فعدت من الحج إلى بلدي، ومضيت إلى الرجل ليلاً وساتأذنت عليه،
____________
(1) في البحار: «قال له».
(2) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 139 ح 11، بسنده عن أبي إسماعيل، عن الباقر عليه السلام، والديلمي في اعلام الدين ص 37 عن الصادق عليه السلام، والبحار ج 74 ص 313.
(3) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 273 ح 4، والمفيد في الاِختصاص ص 250 باختلاف يسير، والبحار ج 74 ص 313.
(4) أبو علي يحيى بن خالد البرمكي، وزير هارون الرشيد ومعتمده في شؤون الدولة، وروى الكشي، عن الاِمام الرضا عليه السلام أنّ يحيى بن خالد سمّ الاِمام موسى بن جعفر عليه السلام، في ثلاثين رطبة، ولما نكب هاورن البرامكة غضب عليه، وخلّده في الحبس إلى أن مات فيه، وقتل جعفراً ابنه، توفّي في الثالث من محرّم سنة 190 هـ، وهوابن سبعين سنة، اُنظر «رجال الكشي ج 2 ص 864، وتاريخ بغداد ج 14 ص 128 وشذرات الذهب ج 1 ص 227».
(5) في اعلام الدين وعدّة الداعي: الصادق عليه السلام، واستظهر المجلسي في البحار ما في المتن.

( 23 )
وقلت: رسول الصابر عليه السلام، فخرج إليّ حافياً ماشياً، ففتح لي بابه، وقبّلني، وضمّني إليه، وجعل يقبّل عيني، ويكرّر ذلك، كلما سألني عن رؤيته عليه السلام، وكلّما أخبرته بسلامته وصلاح أحواله استبشر وشكرالله تعالى.
ثم أدخلني داره، وصدّرني في مجلسه، وجلس بين يديّ، فأخبرجت إليه كتابه عليه السلام، فقبّله قائماً، وقرأه، ثم استدعى بماله وثيابه فقاسمني ديناراً ديناراً، ودرهماً درهماً، وثوباً ثوباً، وأعطاني قيمة مالم يمكن قسمته، وفي كل شيء من ذلك يقول: يا أخي هل سررتك؟ فأقول: إي والله، وزدت على السرور، ثم استدعى العمل فأسقط ما كان باسمي، وأعطاني براءة ممّا يوجبه(1)عليَّ منه وودّعته وانصرفت عنه.
فقلت: لا اقدر على مكافاة هذاالرجل إلاّ بأن أحج في قابل وأدعو له، وألقى الصابر عليه السلام واُعرّفه فعله، ففعلت، ولقيت مولاي الصابر ـ عليه السلام ـ وجعلت اُحدّثه، ووجهه يتهلّل فرحاً، فقلت: يا مولاي هل سرّك ذلك؟ فقال: اي والله لقد سرَّني، وسرَّ أميرالمؤمنين، والله لقد سرَّ جدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولقد سرّ الله تعالى(2).
25ـ واستأذن علي بن يقطين مولانا الكاظم موسى بن جعفر عليهما السلام في ترك عمل السلطان، فلم يأذن له، وقال: لا تفعل، فإنّ لنا بك أنساً، ولاِخوانك بك عزّاً، وعسى أن يجبرالله بك كسراً، أو يكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه.
يا علي كفارة أعمالكم الاِحسان إلى اخوانكم، إضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثاً، إضمن لي أن [ لا ] تلقى أحداً من أوليائنا إلاّ قضيت حاجته، وأكرمته، وأضمن لك أن لا يظلّك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حدّ سيف أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً، يا علي من سرَّ مؤمناً فبالله بدأ، وبالنبيّ صلّى الله عليه وآله ثنّى، وبنا ثلّث(3).
26ـ وقال عليه السلام: إنّ لله تعالى حسنة ادّخرها لثلاثة: لاِمام عادل،
____________
(1) كذا في نسخة «ش» و «د»، وفي نسخة من البحار «يتوجه»، والظاهر أنّه الصواب.
(2) رواه الديلمي في اعلام الدين ص 92، وابن فهد في عدّة الداعي ص 179، والبحار ج 48 ص 174 ح 16 و ج 74 ص 313.
(3) أخرجه المجلسي في البحار ج 48 ص 136 ح 10، و ج 75 ص 379 ح 40.

( 24 )
ومؤمن حكّم أخاه في ماله، ومن سعى لاَخيه المؤمن في حاجته(1).
27ـ وقال جعفر بن محمد الفاطمي(2) حججت ومعي جماعة من أصحابنا، فأتيت المدينة، فأفردوا لنا مكاناً ننزل فيه، فاستقبلنا أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام على حمار أخضر، يتبعه طعام، ونزلنا بين النخل، وجاء فنزل واتي بالطست والاَشنان، فبداً بغسل يديه، واُديرالطست عن يمينه حتى بلغ آخرنا، ثم اُعيد إلى من على يساره حتى أتى على آخرنا.
ثم قدّم الطعام فبدأ بالملح، ثم قال: كلوا بسم الله، ثم ثنى بالخل، ثم أتي بكتف مشويّ، فقال: كلوا بسم الله، فهذا طعام كان يعجب رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ اُتي بسكباج(3) فقال: كلوا بسم الله، فهذا طعام كان يعجب أمير المؤمنين صلوات الله عليه [ ثم اُتي بلحم مقلوّ فيه باذنجان، فقال: كلوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنّ هذا طعام كان يعجب الحسن عليه السلام]، ثم اُتي بلبن حامض قد ثرد فيه، فقال: كلوا بسم الله فهذا طعام كان يعجب الحسين عليه السلام فأكلنا، ثم اُتي بأضلاع باردة، فقال: كلوا بسم الله، فإنّ هذا طعام كان يعجب [ علي بن ] الحسين عليه السلام.
ثم اُتي (بجبن مبزّر)(4) ثم قال: كلوا بسم الله فإنّ هذا طعام كان يعجب محمد بن علي عليهما السلام، ثم اُتي بتور(5) فيه بيض كالعجة(6) فقال: كلوا
____________
(1) روى نحوه الاَهوازي في المؤمن ص 53 ح 134، والديلمي في اعلام الدين ص 137، والبحار ج 74 ص 314.
(2) في البحار: «العاصمي»، وفي مكارم الاَخلاق: «عن محمدبن جعفر بن العاصم، عن أبيه، عن جدّه» وأظنّه الصواب، لما يأتي في نهاية الحديث، كما عدّ الشيخ في رجاله عاصم بن الحسن وعاصم بن الحسين من أصحاب الكاظم عليه السلام ، فتأمّل، اُنظر «رجال الشيخ ص 355 رقم 29، وص 356 رقم 42».
(3) السكباج: بكسرالسين، طعام معروف يصنع من خل وزعفران ولحم «مجمع البحرين ـ سكبج ـ ج 2 ص 310».
(4) في نسخة «ش» و «د»: «بحث مبرز» تصحيف، صوابه من البحار، وجبن مبزر: جعلت عليه الاَبزار أوالاَبازير، وهي التوابل، اُنظر «صحاح الجوهري ج 2 ص 589 ولسان العرب ج 4 ص 56 ـ بزر ـ».
(5) في نسخة «ش» و «د»: «بلون»، وفي البحار: «بلوز»، ولعل الصحيح ما أثبتّه من مكارم الاَخلاق، والتور: بالفتح فالسكون: إناء صغير من صفر أو خزف «مجمع البحرين ـ تور ـ ج 2 ص 234».
(6) قال الجوهري في الصحاح ـ عجج ـ ج 1 ص 327: العجة بالضم: الطعام الذي يتخذ من البيض.

( 25 )
بسم الله ، فإنّ هذا طعام كان يعجب أبا عبدالله عليه السلام، ثم اُتي بحلوى، ثم قال: كلوا فإنّ هذا طعام يعجبني.
ورفعت المائدة، فذهب أحدنا ليلقط ما كان تحتها، فقال عليه السلام: مه إنّ ذلك يكون في المنازل تحت السقوف، فأما في مثل هذا المكان فهو لعامّة الطير والبهائم، ثم اُتي بالخلال فقال: من حقّ الخلال أن تدير لسانك في فيك، فما أجابك ابتلعته، وما امتنع فبالخلال،(1)[ واُتي ] بالطست والماء فابتدأ بأول من على يساره حتى انتهى إليه، فغسل ثم غسل من على يمينه إلى آخرهم.
ثم قال: يا عاصم كيف أنتم في التواصل والتساوي(2) ؟ قلت: على أفضل ما كان عليه أحد، قال: أيأتي أحدكم (إلى دكان)(3)أخيه، أو منزله عند الضائقة فيسخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه؟ قال: لا، قال: فلستم على ما اُحبّ في التواصل(4).
28ـ وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وسلامه لكميل ابن زياد النخعي رحمه الله: يا كميل مُر أهلك أن يسعوا في المكارم، ويدلجوا(5) في حاجة من هو نائم، فوالذي نفسي بيده ما أدخل أحد على قلب مؤمن سروراً إلاّ خلق الله من ذلك السرور لطفاً، فإذا نزلت به نائبة كان إليها أسرع من السيل في انحداره، حتى يطردها عنه، كما يطرد غريبة الاِبل(6).
29ـ وروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: قضاء حاجة المؤمن أفضل من ألف حجّة متقبلة بمناسكها، وعتق ألف نسمة لوجه الله تعالى، وحملان ألف فرس في سبيل الله تعالى بسرجها ولجمها(7).

____________
(1) في نسخة «ش» و «د»: «في الخلال»، وما في المتن من البحار.
(2) في البحار: «والتواسي»، وهو أنسب للسياق.
(3) في نسخة «ش» و «د»: «أركن» تصحيف، صوابه من البحار.
(4) رواه الطبرسي في مكارم الاَخلاق ص 144، باختلاف يسير، والبحار ج 74 ص 231.
(5) يقال أدلج بالتخفيف: إذا سار من أول الليل، وبالتشديد إذا سار من آخره، ومنهم من يجعل الاِدلاج لليل كلّه «مجمع البحرين ـ دلج ـ ج 2 ص 301».
(6) نهج البلاغة ص 513 ح 257، والبحار ج 74 ص 314 ذيل ح 70.
(7) رواه الصدوق في أماليه ص 196، وابن الفتال الفارسي في روضته ص 292.

( 26 )
30ـ وقال عليه السلام: مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم فاحفظونا فيهم يحفظكم الله(1).
31ـ وعن إسحاق بن عمار، قال: قال أبو عبدالله الصادق عليه السلام: من طاف بهذا البيت طوافاً واحداً كتب الله له ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، ورفع له ألف درجة، وكتب له عتق ألف نسمة، وقضى له ألف حاجة، وغرس له ألف شجرة في الجنة.
وقال: قلت: هذا كلّه لمن طاف بالبيت طوافاً واحداً؟ قال: نعم، أولا أخبرك بأفضل منه؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال عليه السلام: قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف حتى عدّ عشرة(2).
32ـ وعن ابن مهران قال: كنت جالساً عند مولاي الحسين بن علي عليهما السلام، فأتاه رجل فقال: يا ابن رسول الله إن فلانا له عليّ مال، ويريد أن يحبسني، فقال عليه السلام: والله ما عندي مال أقضي عنك، قال: فكلّمه، قال عليه السلام: فليس لي (3)[به] اُنس، ولكني سمعت أبي أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: من سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنّما عبدالله تسعة آلاف سنة صائماً نهاره، وقائماً ليله(4).
33ـ وعن المفضل بن عمر، عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: يا مفضل كيف حال الشيعة عندكم؟ قلت: جعلت فداك ما أحسن حالهم وأوصل بعضهم بعضاً، وأبرّ بعضهم ببعض، قال: أيجيَ الرجل منكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه ويأخذ منه حاجته لا يجبهه ولا يجد في نفسه ألماً؟ قال: قلت: لا والله ما هم كذا، قال: والله لوكانوا كذا ثمَّ اجتمعت شيعة جعفر بن محمد على فخذ شاة لاَصدرهم(5).
34ـ قال جعفر بن محمد بن أبي فاطمة: قال لي أبو عبدالله الصادق
____________
(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 204 ح 21، بسنده عن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر، عن أبي عبدالله عليه السلام.
(2) روى نحوه الصدوق في ثواب الاَعمال ص 73 ح 13.
(3) في نسخة «ش» و «د»: لم، وما في المتن من البحار.
(4) أخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 315 ح 72.
(5) أخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 232.

( 27 )
عليه السلام: يا ابن أبي فاطمة إن العبد يكون بارّاً بقرابته، ولم يبق من أجله إلاّ ثلاث سنين فيصيّره الله ثلاثاً وثلاثين سنة، وإنّ العبد ليكون عاقّاً بقرابته وقد بقي من أجله ثلاث وثلاثون سنة فيصيّره الله ثلاث سنين، ثم تلاهذه الآية «يَمْحُواللهُ مَا يَشاءُ وَ يُثْبتُ وَعِنْدَهُ اُمّ الكِتاب»(1)
قال: قلت: جعلت فداك فإن لم يكن له قرابة؟ قال: فنظر إليّ مغضباً، وردَّ عليَّ شبيهاً بالزبر(2): يا ابن أبي فاطمة لا يكون القرابة إلاّ في رحم ماسّة المؤمنون بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، فللمؤمن على المؤمن أن يبره فريضة من الله، يا ابن أبي فاطمة تبارّوا وتواصلوا فينسىء الله في آجالكم، ويزيد في أموالك، وتعطون العاقبة (3) في جميع اُموركم، وإن (صلاتهم وصومهم وتقرّبهم)(4) الى الله أفضل من صلاة غيرهم(5)، ثم تلاهذه الآية «وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُم بِاللهِ إلاّ وِهُمْ مُشْرِكُونَ»(6).
35ـ وقال أبو عبدالله عليه السلام لبعض أصحابه بعد كلام تقدم: إنّ المؤمنين من أهل ولايتنا وشيعتنا إذا اتقوا(7)لم يزل الله تعالى مطلاً عليهم بوجهه حتى يتفرقوا، ولا يزال الذنوب تتساقط عنهم كما يتساقط الورق، ولا يزال يد الله على يد أشدّهم حبّاً لصاحبه(8).
36ـ حدثنا إسماعيل بن مهران، عن محمد بن سليمان الديلميّ، عن إسحاق بن عمار، قال: قال لي إسحاق: لما كثر مالي أجلست على بابي بواباً يردّ عني فقراء الشيعة، فخرجت إلى مكة في تلك السنة فسلمت على أبي عبدالله عليه السلام
____________
(1) الرعد 13: 39.
(2) الزبر بالفتح: الزجر والمنع، يقال زبره يزبره بالضم: إذا انتهره «الصحاح ـ زبر ـ ج 2 ص 667».
(3) في البحار: العافية.
(4) في البحار: «صلاتكم وصومكم وتقربكم».
(5) في البحار: غيركم.
(6) نقله المجلسي في البحار ج 74 ص 277 ح 10، والآية في سورة يوسف: 106.
(7) كذا في نسخة «ش» و «د» والبحار، والظاهر أنّه تصحيف صوابه «التقوا»، بدلالة سياق الحديث.
(8) روى نحوه الكليني في الكافي ج 2 ص 144 ح 3، والبحار ج 74 ص 280 ح 5.

( 28 )
فرد علي(1) بوجه قاطب(2) مزور(3) فقلت له: جعلت فداك ماالذي غير حالي عندك؟ قال: تغيّرك على المؤمنين، فقلت: جعلت فداك والله إنّي لاَعلم أنّهم على دين الله ولكن خشيت الشهرة على نفسي.
فقال: يا إسحاق أما علمت أنّ المؤمنين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله بين إبهاميهما مائة رحمة، تسعة وتسعين لاَشدّهما حبّاً، فإذا اعتنقا غمرتهما الرحمة، فإذا التثما لا يريدان بذلك إلاّ وجه الله تعالى، قيل لهما: غفر لكما، فإذا جلسا يتساءلان قالت الحفظة بعضها لبعض: اعتزلوا بنا عنهما، فإنّ لهما سّراً وقد ستره الله عليهما، قلت: جعلت فداك فلا تسمع الحفظة قولهما ولا تكتبه وقد قال تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلاّ لَدَيْهِ رَقيبٌ عَتِيد»(4).
فنكس رأسه طويلاً ثم رفعه وقد فاضت دموعه على لحيته وقال: إن كانت الحفظة لا تسمعه، ولا تكتبه فقد سمعه عالم السرّ وأخفى، يا إسحاق خف الله كأنّك تراه، فالله يراك، فإن شككت أنّه يراك فقد كفرت، وإن أيقنت أنّه يراك ثم بارزته بالمعصية فقد جعلته أهون الناظرين إليك(5).
37ـ وعن إسحاق بن أبي إبراهيم بن يعقوب(6) قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام وعنده المعلّى بن خنيس إذ دخل عليه رجل من أهل خراسان، فقال: يا ابن رسول الله (موالاتي إيّاكم)(7) أهل البيت، وبيني وبينكم شقة بعيدة، وقد قلَّ ذات يدي، ولا أقدر أتوجّه إلى أهلي إلاّ أن تعينني.

____________
(1) في نسخة «ش» و «د»: فرد عني، وما في المتن من البحار.
(2) قال الطريحي في مجمع البحرين ـ قطب ـ ج 2 ص 145: في الحديث: «فقطب أبو عبدالله وجهه» أي قبض ما بين عينيه كما يفعل العبوس.
(3) أي مائل.
(4) ق 50: 18.
(5) رواه الكشّي في رجاله ص 709 ح 769، والصدوق في ثواب الاَعمال ص 176 ح 1 باختلاف في ألفاظه، والكليني في الكافي ج 2 ص 145 ح 14 نحوه، والبحار ج 5 ص 323 ح 11.
(6) في البحار: «إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب»، ولعل الصواب: «إسحاق بن إبراهيم أبو يعقوب»، وهوالكوفي الاَزدي العطار، من أصحاب الصادق عليه السلام، اُنظر «رجال الشيخ ص 150 رقم 151».
(7) في البحار: أنا من مواليكم.

( 29 )
قال: فنظر أبو عبدالله عليه السلام يميناً وشمالاً، وقال: ألا تسمعون ما يقول أخوكم؟ إنّما المعروف إبتداءً فأمّا ما أعطيت بعد ما سئلت، فإنّما هو مكافاة لما بذل لك من وجهه.
ثم قال: فيبيت ليلته متأرّقاً متململاً(1) بين اليأس والرجاء، لا يدري أين يتوجه بحاجته، فيعزم على القصد إليك، فأتاك وقلبه يجب(2) وفرائصه ترتعد، وقد نزل دمه في وجهه، وبعد هذا فلا يدري أينصرف من عندك بكآبة الرد، أم بسرور التنجح(3)، فإن أعطيته رأيت أنك قد وصلته، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وبعثني بالحق نبيّاً لما يحشم(4) من مسألته إياك، أعظم مما ناله من معروفك.
قال: فجمعوا للخراساني خمسة آلاف درهم، ودفعوها إليه(5).
38ـ وعن أبي عبدالله عليه السلام، قال ما عبد الله بشيء أفضل من أداء حقّ المؤمن(6).
39ـ وقال عليه السلام: وإن الله انتجب(7) قوماً من خلقه لقضاء حوائج شيعته(8) لكي يثيبهم على ذلك الجنّة(9).
40ـ وعنه عليه السلام، قال: ما من مؤمن يمضي لاَخيه المؤمن في حاجة فينصحه فيها إلاّ كتب الله [ له ] بكل خطوة حسنة، ومحاعنه سيئة، قضيت الحاجة أم لم تقض، فإن لم ينصحه فيها خان الله ورسوله، وكان النبي صلّى الله عليه وآله
____________
(1) في نسخة «ش» و «د»: «مقلملاً»، تصحيف، صوابه من البحار.
(2) يقال: وجب القلب يجب وجيباً، إذا خفق «النهاية ـ وجب ـ ج 5 ص 154».
(3) في البحار: النجح.
(4) في البحار: يتجشم، ولعلّه أنسب للسياق.
(5) نقله المجلسي في البحار ج 47 ص 61 ح 118.
(6) الكافي ج 2 ص 136 ح 4. والمؤمن ص 43 ح 97، واعلام الدين ص 137، ورواه القمي في الغايات ص 72 عن ابن مسلم، عن أحدهما عليهماالسلام.
(7) في نسخة «ش» و «د»: «انبحث»، تصحيف، صوابه من البحار.
(8) في البحار: الشيعة.
(9) روى نحوه الاَهوازي في المؤمن ص 46 ح 108، والديلمي في اعلام الدين ص 38، والبحار ج 74 ص 315 ح 72.

( 30 )
خصمه يوم القيامة(1).
41ـ وقال عليه السلام: إنّ لله تبارك وتعالى حرمات: حرمة كتاب الله، وحرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وحرمة بيت المقدس، وحرمة المؤمن(2).
42ـ وقال إسماعيل بن عبادالصيرفي(3): قلت لاَبي عبدالله عليه السلام: جعلت فداك المؤمن رحمة المؤمن، قال: نعم، قلت: فكيف ذاك؟ قال: أيّما مؤمن أتاه أخ له في حاجة فإنّما ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسبّبها له، وذخرت تلك الرحمة إلى يوم القيامة، فيكون المردود عن حاجته هوالحاكم فيها، إن شاء صرفها إليه، وإن شاء صرفها إلى غيره.
ثم قال: يا إسماعيل من أتاه أخوه المؤمن في حاجة، وهو يقدر على قضائها فلم يقضها، سلّط الله عليه شجاعاً(4) ينهش إبهامه في قبره إلى يوم القيامة، كان مغفوراً له أو معذباً(5).
43ـ وعنه، عن صدقة الحلواني، قال: بينا أنا أطوف وقد سألني رجل من اصحابنا قرض دينارين، فقلت له: اُقعد حتى اُتم طوافي، وقد طفت خمسة أشواط، فلما كنت في السادس إعتمد عليَّ أبو عبدالله عليه السلام ووضع يده على منكبي فأتممت السابع ودخلت معه في طوافه كراهية أن أخرج عنه، وهو معتمد عليّ، فأقبلت كلّما مررت بالآخر(6) وهو لا يعرف أبا عبدالله يرى أنّي قد توهمت حاجته فأقبل ويومىء ويبدر إليَّ بيده.
فقال أبو عبدالله عليه السلام:مالي أرى هذا يومىء بيده؟ فقلت: جعلت فداك ينتظر حتى أطوف وأخرج إليه، فلما اعتمدت عَليَّ كرهت أن أخرج
____________
(1) نقله المجلسي في البحار ج 74 ص 315.
(2) المؤمن ص 73 ح 201 عن أخي الطربال نحوه، والبحار ج 74 ص 232.
(3) كذا في نسخة «ش» و «د» ولعل الصواب: إسماعيل بن عمّار الصيرفي، كما في الكافي، اُنظر «رجال الشيخ ص 148 رقم 125».
(4) الشجاع بالكسر والضم: الحية العظيمة التي تواثب الفارس والرجل وتقوم على ذنبها، وربما قلعت رأس الفارس، تكون في الصحاري «مجمع البحرين ـ شجع ـ ج 4 ص 351».
(5) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 155 ح 2.
(6) في البحار: بالرجل.

( 31 )
وأدعَكَ، قال: فاخرج عنّي(1) ودعني واذهب فاعطه.
قال: فلمّا كان من الغد أو بعده دخلت عليه وهو في حديث مع أصحابه، فلما نظر إليّ قطع الحديث ثم قال: لاَن أسعى مع أخ لي في حاجة حتى تقضى أحبّ إليّ من أن أعتق ألف نسمةم وأحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة(2).
44ـ وقال عبدالمؤمن الاَنصاري: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام، وعنده محمد بن عبدالله بن محمد الجعفي فتبسمت إليه، فقال: أتحبّه؟ قلت: نعم، وما أحببته إلاّ فيكم، فقال: هو أخوك، المؤمن أخوالمؤمن لاُمّه وأبيه، فملعون من غشّ أخاه، وملعون من لم ينصح أخاه، وملعون من حجب أخاه، وملعون من اغتاب أخاه(3).
45ـ وسئل الرضا علي بن موسى عليه السلام: ما حقّ المؤمن على المؤمن؟ فقال: إنّ من حقّ المؤمن على المؤمن: المودّة له في صدره، والمواساة له في ماله، والنصرة له على من ظلمه، وإن كان فيء للمسلمين وكان غائباً أخذ له بنصيبه، وإذا مات فالزيارة إلى قبره، ولايظلمه، ولا يغشه، ولا يخونه، ولا يخذله، ولا يغتابه، ولا يكذبه، ولا يقول له اُفّ، فإذا قال له: اُف، فليس بينهما ولاية، وإذا قال له: أنت (علي عدو)(4) فقد كفّر أحدهما صاحبه، وإذا اتّهمه انماث الايمان فى قلبه كما ينماث الملح في الماء.
ومن أطعم مأمناً كان أفضل من عتق رقبة، ومن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كسا مؤمناً من عري كساه الله من سندس و حريرالجنّة، ومن أقرض مؤمناً قرضاً يريد به وجه الله عزّ وجلّ حسب له ذلك حساب الصدقة حين يؤديه إليه، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن قضى لمؤمن حاجة كان أفضل من صيامه واعتكافه
____________
(1) في نسخة «ش» و «د»: عليّ، وما في المتن من البحار.
(2) نقله المجلسي في البحار ج 74 ص 315.
(3) رواه الديلمي في اعلام الدين ص 97، وابن فهد في عدّة الداعي ص 174، والبحار ج 74 ص 232.
(4) في البحار: عدوي.

( 32 )
في المسجد الحرام، واّنّما المؤمن بمنزلة الساق من الجسد (فإذا سقطت تداعى لها سائرالجسد)(1).
وإنّ أبا جعفر الباقر عليه السلام استقبل القبلة(2) وقال: الحمد لله الذي كرمك وشرفك وعظمك وجعلك مثابةً للناس وامناً، والله لحرمة المؤمن أعظم حرمة منك.
ولقد دخل عليه رجل من أهل الجبل فسلم عليه، فقال له عند الوداع: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله، وبرّ أخيك المؤمن، فأحببت له [ ما ] تحب لنفسك، وإن سألك فاعطه وإن كفّ عنك وأعرض(3) لا تملّه فإنّه لا يملّك، وكن له عضدا، فإن وجد عليك فلا تفارقه حتى تزيل(4) سخيمته، فإن غاب فاحفظه في غيبته، وإن شهد فاكنفه، واعضده، وزره، وأكرمه، والطف به، فإنّه منك وأنت منه، ونظرك لاَخيك المؤمن، وإدخال السرور عليه، أفضل من الصيام وأعظم أجراً(5).
46ـ وقال عليه السلام: للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق واجبة، ما من حق منها إلاّ وهو واجب، وإن خالفه خرج من ولاية الله تعالى وترك طاعته، ولم يكن له في الله نصيب، قيل فما هي؟
قال: أيسر حقّ منها: أن تحب له ما تحب لنفسك.
والحق الثاني: أن تمشي في حاجته، وتتبع رضاه، ولا تخالف قوله.
والحق الثالث: أن تصله بنفسك ومالك ويدك ورجلك وقلبك ولسانك.
والحق الرابع: أن تكون عينه ودليله ومرآته وقميصه.
والحق الخامس: أن [ لا](6) تشبع ويجوع، وتلبس ويعرى، وتروى ويظمأ.

____________
(1) مابين القوسين ليس في البحار.
(2) في البحار: الكعبة.
(3) في البحار: «وإن كفّ عنك فاعرض عليه»، وهو أنسب للسياق.
(4) في البحار: تسلّ، وهو أنسب للسياق.
(5) نقله المجلسي في البحار ج 74 ص 232، وروى صدره الكليني في الكافي ج 2 ص 137 ح 7: عن الصادق عليه السلام باختلاف يسير، وفيه إلى: كما ينمات الملح في الماء.
(1) ما بين العقوفين من الكافي.

( 33 )
والحق السادس: أن يكون لك امرأة وخادم وليس لاَخيك امرأة ولا خادم فتبعث خادمك فيغسل ثيابه، وتصنع له طعاماً، وتمهد فراشه، فإن ذلك صلة للّه تعالى، لما جعل بينك وبينه.
والحق السابع: أن تبر قسمه، وتجيب دعوته، وتشهد جنازته، وتعود مرضه، وتشخص بذلك في قضاء حوائجه، فإذا حفظت ذلك منه فقد وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولاية الله عزّ وجلّ(1).
ولقد حدّثني أبي، عن جدّي، أنّ رجلاً أتى الحسين عليه السلام لتعينه على ما حاجتك(2) فقال له: قد فعلت بأبي أنت واُمي، فذكر أنّه معتكف، فقال: أما أنّه لو أعانك على حاجتك كان خيراً له من إعتكافه شهراً.
47ـ وقيل لاَبي عبدالله عليه السلام: لم سمّي المؤمن مؤمناً؟ قال: لاَنّه اشتقّ للمؤمن [ اسماً ] من أسمائه تعالى، فسمّاه مؤمناً، وإنّما سمّي المؤمن لاَنّه يؤمن [ من ] عذاب الله تعالى، ويؤمن على الله يوم القيامة فيجيزله ذلك، وأنّه (لو أكل أو)(3) شرب، أو قام أوقعد، أو نام، أونكح، أو مرّ بموضع قذر حوله الله له من سبع أرضين طهراً لا يصل إليه من قذرها شيء.
وإنّ المؤمن ليكون يوم القيامة بالموقف مع رسول الله صلّى الله عليه وآله فيمربالمسخوط عليه المغضوب غير الناصب ولا المؤمن، وقد ارتكب الكبائر فيرى منزلة شريفة عظيمة عند الله عزّ وجلّ وقد عرف المؤمن في الدنيا وقضى له الحوائج، فيقوم(4)
____________
(1) روي باختلاف يسير، عن المعلّى بن خنيس، عن الصادق عليه السلام في الكافي ج 2 ص 135 ح 2، والمؤمن ص 40 ح 93، والخصال ص 350 ح 26، ومصادقة الاِخوان ص 18 ح 4، وأمالي الطوسي ج 1 ص 95، وأربعين ابن زهرة ص 64 ح 20، واعلام الدين ص 79، ومشكاة الاَنوار ص 76.
(2) كذا في نسخة «ش» و «د»، وفيه سهو وخلط، والظاهر أنّ الصواب ما رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 159، بسنده عن صفوان الجمال، عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «إنّ رجلاً أتى الحسن بن علي عليهما السلام فقال: بأبي أنت واُمي أعنّي على قضاء حاجة، فانتعل وقام معه فمرّ على الحسين صلوات الله عليه وهو قائم يصلّي، فقال له: أين كنت عن أبي عبدالله تستعينه على حاجتك؟ قال: قد فعلت ـ بأبى أنت وامي ـ فذكر أنّه معتكف، فقال له: أما أنّه لو أعانك كان خيراً له من اعتكافه شهراً». وأخرجه المجلسي في البحار ج 74 ص 235 ح 113 عن الكافي وعلّق عليه ببيان مفصّل، فراجع.
(3) في نسخة «ش» و «د»: «لكفى»، تصحيف، صوابه من البحار.
(4) في نسخة «ش» و «د»: «فيقول» تصحيف، صوابه من البحار.

( 34 )
المؤمن إتّكالاً على الله عزّ وجلّ فيعرّفه بفضل الله فيقول: اللّهم هب لي عبدك ابن فلان، قال: فيجيبه الله تعالى إلى ذلك كلّه.
قال: وقد حكى الله عزّ وجلّ عنهم يوم القيامة قولهم: «فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعيِنَ»(1) من النبيين «وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ»(2) من الجيران والمعارف، فإذا آيسوا من الشفاعة قالوا: ـ يعني من ليس بمؤمن ـ «فَلَو أنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ»(3)
48ـ حدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن [ بن ] الصباح، قال: حدثنا محمد بن المرادي، قال: سمعت علي بن يقطين يقول: استأذنت مولاي أبا إبراهيم موسى بن جعفر عليهما السلام في خدمة القوم فيما لا يثلم ديني، فقال: لا ولا نقطة قلم، إلاّ بإعزاز مؤمن، وفكّه من أسره.
ثم قال عليه السلام : إنّ خواتيم أعمالكم قضاء حوائج إخوانك، والاِحسان إليهم ما قدرتم، وإلاّ لم يقبل منكم عمل، حنّوا على إخوانكم وارحموهم تلحقوا بنا(4).
49ـ وقال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: من لم يستطع أن يصلنا فليصل فقراء شيعتنا(5).
50ـ وقال النبي صلّى الله عليه وآله: أقرب ما يكون العبد إلى الله عزّ وجلّ إذا أدخل على قلب أخيه المؤمن مسرّة(6).
تمّت الاَحاديث، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على أشرف الذوات البشرية، محمد وآله الطيبين خيرالذرية وسلّم.
____________
(1) الشعراء 26: 100.
(2) الشعراء 26: 101.
(3) نقله المجلسي في البحار ج 67 ص 63 ح 7، ولآية من سورة الشعراء: 102.
(4) نقله المجلسي في البحار ج 75 ص 379.
(5) الكافي ج 4 ص 59 ح 7، والتهذيب ج 4 ص 111 ح 58، ومكارم الاَخلاق ص 135، والبحار ج 74 ص 316.
(6) نقله المجلسي في البحار ج 74 ص 316.