fehrest page next page

[33]

بسم الله الرحمن الرحيم

اوائل المقالات / للشيخ المفيد :

المقدمة :

أما بعد أطال الله بقاء سيدنا الشريف النقيب في عز طاعته و أدام تمكينه و علو كلمته فإني بتوفيق الله و مشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباته من فرق ما بين الشيعة و المعتزلة و فصل ما بين العدلية من الشيعة و من ذهب إلى العدل من المعتزلة و الفرق ما بينهم من بعد و بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول و ذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أصول التوحيد و العدل و القول في اللطيف من الكلام و ما كان وفاقا منه لبني نوبخت رحمهم الله و ما هو خلاف لآرائهم في المقال و ما

[34]

يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال و غيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلا معتمدا فيما يمتحن للاعتقاد و بالله أستعين على تيسير ذلك و هو بلطفه الموفق للصواب

1- باب القول في الفرق بين الشيعة فيما نسبت به إلى التشيع و المعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال

التشيع في أصل اللغة هو الاتباع على وجه التدين و الولاء للمتبوع على الإخلاص قال الله عز و جل فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ففرق بينهما في الاسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية و العداوة و جعل موجب التشيع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام و قال الله تعالى وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ فقضى له بالسمة للاتباع منه لنوح (عليه السلام) على سبيل الولاء و منه قولهم فلان تكلم في كذا و كذا فشيع فلان كلامه إذا صدقه فيه و اتبعه في معانيه و من هذا المعنى قيل لمن اتبع المسافر لوداعه هو مشيع له غير أنه ليس كل مشيع لغيره على حقيقة ما ذكرناه من الاتباع يستحق السمة بالتشيع و لا يقع عليه إطلاق اللفظ بأنه

[35]

من الشيعة و إن كان متبوعة محقا أو كان مبطلا إلا أن يسقط منه علامة التعريف التي هي الألف و اللام و يضاف بلفظ من التبعيض فيقال هؤلاء من شيعة بني أمية أو من شيعة بني العباس أو من شيعة فلان أو فلان فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سبيل الولاء و الاعتقاد لإمامته بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل و نفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة و جعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء.

و الذي يدل على صحة ذلك عرف الكافة و معهودهم منه في الإطلاق و معرفة كل مخاطب منه مراد المخاطب في تعيين هذه الفرقة دون من سواها ممن يدعى استحقاقه من مخالفيها بما شرحناه و كما يفهم العرف مراد المخاطب بذكر الإسلام على الإطلاق و ذكر الحنيفية و الإيمان و الصلاة و الزكاة و الحج و الصيام و إن كانت هذه الأسماء في أصل اللسان غير مفيدة لما قررته الشريعة و قضى به العرف فيها على البيان و يزيد ذلك وضوحا ما حصل عليه الاتفاق من تعري الخوارج عن هذه

[36]

السمة و خروجهم عن استحقاقها و جهل من أطلقها عليهم بذكر الألف و اللام و إن كانوا أتباعا لأبي بكر و عمر على سبيل الولاء كما خرج عن استحقاقها أيضا أهل البصرة و أتباع معاوية و من قعد عن نصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) و إن كانوا أتباعا لأئمة هدى عند أهل الخلاف و مظهرين لترك عداوته مع الخذلان فيعلم بهذا الاعتبار أن السمة بالتشيع علم على الفريق الذي ذكرناه و إن كان أصلها في اللسان ما وصفناه من الاتباع كما أن الإسلام علم على أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاصة و إن كان في أصل اللغة اسما تستحقه اليهود لاستسلامها لموسى (عليه السلام) و تستحقه النصارى بمثل ذلك و تستحقه المجوس لانقيادها لزرادشت و كل مستسلم لغيره يستحقه على معنى اللغة لكنهم خرجوا عن استحقاقه لما صار علما على أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و تخصصت به دون من سواها للعرف و الاستعمال و هذه الجملة كافية فيما أثبتناه و إن كان شرحها يتسع و يتناصر فيه البينات لكنا عدلنا عنه لما نؤمه من الغرض فيما سواه و قد أفردنا رسالة لها استقصينا فيها الكلام.

[37]

و إذا ثبت ما بيناه بالسمة بالتشيع كما وصفناه وجبت للإمامية و الزيدية الجارودية من بين سائر فرق الأمة لانتظامهم بمعناها و حصولهم على موجبها و لم يخرجوا عنها و إن ضموا إليها وفاقا بينهم أو خلافا في أنحاء من المعتقدات و خرجت المعتزلة و البكرية و الخوارج و الحشوية عنها لتعريهم عن معناها الذي وصفناه و لم يدخلهم فيها وفاق لمن وجبت له فيما سواه كائنا ما كان.

و أما المعتزلة و ما وسمت به من اسم الاعتزال فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين و ما أحدثه واصل بن عطاء من المذهب في ذلك و نصب من الاحتجاج له فتابعه عمرو بن عبيد و وافقه على التدين به من قال بها و اتبعهما عليه إلى اعتزال الحسن البصري و أصحابه و التحيز عن مجلسه فسماهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله و تفردهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع الأمة و سائر

[38]

العلماء و لم يكن قبل ذلك يعرف الاعتزال و لا كان علما على فريق من الناس فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة و إن ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء و غلب عليه اسم الاعتزال و لم يخرجه عنه دينونته بما لا يذهب إليه جمهورهم من المقال.

كما يستحق اسم التشيع و يغلب عليه من دان بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) على حسب ما قدمناه و إن ضم إلى ذلك من الاعتقاد ما ينكره كثير من الشيعة و يأباه و كذلك ضرار بن عمرو كان معتزليا و إن دان بالمخلوق و الماهية على خلاف جمهور أهل الاعتزال و كان هشام بن الحكم شيعيا و إن خالف الشيعة كافة في أسماء الله تعالى و ما ذهب إليه في معاني الصفات .

2- باب الفرق بين الإمامية و غيرهم من الشيعة و سائر أصحاب المقالات

فأما السمة للمذهب بالإمامة و وصف الفريق من الشيعة بالإمامية فهو علم على من دان بوجوب الإمامة و وجودها في كل زمان و أوجب النص الجلي و العصمة و الكمال لكل إمام ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي (عليه السلام) و ساقها إلى الرضا علي بن موسى (عليه السلام) لأنه و إن كان في الأصل علما على من دان من الأصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الأعيان بما وصفناه فإنه قد انتقل عن أصله لاستحقاق فرق من معتقديه

[39]

ألقابا بأحاديث لهم بأقاويل أحدثوها فغلبت عليهم في الاستعمال دون الوصف بالإمامية و صار هذا الاسم في عرف المتكلمين و غيرهم من الفقهاء و العامة علما على من ذكرناه. و أما الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين و زيد بن علي (عليه السلام) و بإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه و هو على ظاهر العدالة و من أهل العلم و الشجاعة و كانت بيعته على تجريد السيف للجهاد .

3- باب ما اتفقت الإمامية فيه على خلاف المعتزلة فيما اجتمعوا عليه من القول بالإمامة

اتفق أهل الإمامة على أنه لا بد في كل زمان من إمام موجود يحتج الله عز و جل به على عباده المكلفين و يكون بوجوده تمام المصلحة في الدين و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و جواز خلو الأزمان الكثيرة من إمام موجود و شاركهم في هذا الرأي و خالف الإمامية فيه الخوارج و الزيدية و المرجئة و العامة المنتسبون إلى الحديث.

و اتفقت الإمامية على أن إمام الدين لا يكون إلا معصوما من الخلاف لله تعالى عالما بجميع علوم الدين كاملا في الفضل بائنا من الكل بالفضل

[40]

عليهم في الأعمال التي يستحق بها النعيم المقيم و أجمعت المعتزلة و من ذكرناه من الفرق الخارجة عن سمة الإمامية على خلاف ذلك و جوزوا أن يكون الأئمة عصاة في الباطن و ممن يقارف الآثام و لا يجوز الفضل و لا يكمل علوم الدين.

و اتفقت الإمامية على أن الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه و التوقيف و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و المتسمون بأصحاب الحديث على خلاف ذلك و أجازوا الإمامة في من لا معجز له و لا نص عليه و لا توقيف.

و اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بني هاشم خاصة ثم في علي و الحسن و الحسين و من بعد في ولد الحسين (عليه السلام) دون ولد الحسن (عليه السلام) إلى آخر العالم و أجمعت المعتزلة و من ذكرناه من الفرق على خلاف ذلك و أجاز سائرهم إلا الزيدية خاصة الإمامة في غير بني هاشم و أجازتها الزيدية في غير ولد الحسين ع.

و اتفقت الإمامية على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) في حياته و نص عليه بالإمامة بعد وفاته و إن من دفع ذلك فقد دفع فرضا من الدين و أجمعت المعتزلة و الخوارج و المرجئة و البترية و الحشوية المنتسبون إلى الحديث على خلاف ذلك و أنكروا نص النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمير المؤمنين (عليه السلام) و دفعوا أن يكون الإمام بعده بلا فصل على المسلمين.

و اتفقت الإمامية على أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نص على إمامة الحسن و الحسين بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) و أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا نص عليهما كما

[41]

نص الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و أجمعت المعتزلة و من عددناه من الفرق سوى الزيدية الجارودية على خلاف ذلك و أنكروا أن يكون للحسن و الحسين (عليه السلام) إمامة بالنص و التوقيف.

و اتفقت الإمامية على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نص على علي بن الحسين و أن أباه و جده نصا عليه كما نص عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و أنه كان بذلك إماما للمؤمنين و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و المنتمون إلى أصحاب الحديث على خلاف ذلك و أنكروا بأجمعهم أن يكون علي بن الحسين (عليه السلام) إماما للأمة بما توجب به الإمامة لأحد من أئمة المسلمين.

و اتفقت الإمامية على أن الأئمة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر إماما و خالفهم في ذلك كل من عداهم من أهل الملة و حججهم في ذلك على خلاف الجمهور ظاهرة من جهة القياس العقلي و السمع المرضي و البرهان الجلي الذي يفضي التمسك به إلى اليقين .

4- القول في المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام)

و اتفقت الإمامية و كثير من الزيدية على أن المتقدمين على أمير المؤمنين

[42]

(ع) ضلال فاسقون و أنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) عن مقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عصاة ظالمون و في النار بظلمهم مخلدون و أجمعت المعتزلة و الخوارج و جماعة من الزيدية و المرجئة و الحشوية على خلاف ذلك و دانوا بولاية القوم و زعموا أنهم لم يدفعوا حقا لأمير المؤمنين (عليه السلام) و أنهم من أهل النعيم إلا الخوارج و الجميعة من الزيدية فإنهم تبرءوا من عثمان خاصة و زعموا أنه مخلد في الجحيم بإحداثه في الدين لا بتقدمه على أمير المؤمنين (عليه السلام) .

5- القول في محاربي أمير المؤمنين (عليه السلام)

و اتفقت الإمامية و الزيدية و الخوارج على أن الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنهم بذلك في النار مخلدون و أجمعت المعتزلة سوى الغزال منهم و ابن باب

[43]

و المرجئة و الحشوية من أصحاب الحديث على خلاف ذلك فزعمت المعتزلة كافة إلا من سميناه و جماعة من المرجئة و طائفة من أصحاب الحديث أنهم فساق ليسوا بكفار و قطعت المعتزلة من بينهم على أنهم لفسقهم في النار مخلدون. و قال باقي المرجئة و أصحاب الحديث إنهم لا يستحقون اسم الكفر و الفسوق و قال بعض هذين الفريقين أنهم كانوا مجتهدين في حربهم أمير المؤمنين (عليه السلام) و لله بذلك مطيعين و عليه مأجورين و قال البعض الآخر بل كانوا لله تعالى عاصين إلا أنهم ليسوا بفاسقين و لا يقطع على أنهم للعذاب مستحقون و زعم واصل الغزال و عمرو بن عبيد بن باب من بين كافة المعتزلة أن طلحة و الزبير و عائشة و من كان في حيزهم من علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الحسن و الحسين (عليه السلام) و محمد و من كان في حيزهم كعمار بن ياسر و غيره من المهاجرين و وجوه الأنصار و بقايا أهل بيعة الرضوان كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين و أن إحدى الطائفتين فساق ضلال مستحقون للخلود في النار إلا أنه لم يقم عليها دليل.

و اتفقت الإمامية و الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث على أن الخوارج على أمير المؤمنين (عليه السلام) المارقين عن الدين كفار بخروجهم عليه و أنهم في النار بذلك مخلدون. و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و منعوا من إكفارهم و اقتصروا في تسميتهم على التفسيق و أوجبوا عليهم التخليد في الجحيم.

و زعمت المرجئة و باقي أصحاب الحديث أنهم فساق يخاف عليهم

[44]

العذاب و يرجى لهم العفو و الثواب و دخول جنات النعيم .

6- القول في تسمية جاحدي الإمامة و منكري ما أوجب الله تعالى للأئمة من فرض الطاعة

و اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد الأئمة و جحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و أنكروا كفر من ذكرناه و حكموا لبعضهم بالفسق خاصة و لبعضهم بما دون الفسق من العصيان .

7- القول في أن العقل لا ينفك عن سمع و أن التكليف لا يصح إلا بالرسل (عليه السلام)

و اتفقت الإمامية على أن العقل محتاج في علمه و نتائجه إلى السمع و أنه غير منفك عن سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال و أنه لا بد في أول التكليف و ابتدائه في العالم من رسول و وافقهم في ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن العقول تعمل بمجردها من السمع و التوقيف إلا أن البغداديين من المعتزلة خاصة يوجبون

[45]

الرسالة في أول التكليف و يخالفون الإمامية في علتهم لذلك و يثبتون عللا يصححها الإمامية و يضيفونها إلى علتهم فيما وصفناه .

8- القول في الفرق بين الرسل و الأنبياء (عليه السلام)

و اتفقت الإمامية على أن كل رسول فهو نبي و ليس كل نبي فهو رسول و قد كان من أنبياء الله عز و جل حفظة لشرائع الرسل و خلفائهم في المقام و إنما منع الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوة دون أن يكون العقل مانعا من ذلك لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء (عليه السلام) و اتفقوا على جواز بعثة رسول يجدد شريعة من تقدمه و إن لم يستأنف شرعا و يؤكد نبوة من سلف و إن لم يفرض غير ذلك فرضا و أجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين و مع الإمامية في تصحيحه جماعة من المرجئة و كافة أصحاب الحديث .

9- القول في آباء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و أمه و عمه أبي طالب رحمة الله تعالى عليهم

و اتفقت الإمامية على أن آباء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عز و جل موحدون له و احتجوا في ذلك بالقرآن و الأخبار قال الله عز و جل الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ .

[46]

و قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا .

و أجمعوا على أن عمه أبا طالب رحمه الله مات مؤمنا و أن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد و أنها تحشر في جملة المؤمنين و خالفهم على هذا القول جميع الفرق ممن سميناه بدءا .

10- القول في الرجعة و البداء و تأليف القرآن

و اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة و إن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف و اتفقوا على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى و أن ذلك من جهة السمع دون القياس و اتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن و عدلوا فيه عن موجب التنزيل و سنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و أصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه .

11- القول في الوعيد

و اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى و الإقرار بفرائضه من أهل الصلاة و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن الوعيد

[47]

بالخلود في النار عام في الكفار و جميع فساق أهل الصلاة و اتفقت الإمامية على أن من عذب بذنبه من أهل الإقرار و المعرفة و الصلاة لم يخلد في العذاب و أخرج من النار إلى الجنة فينعم فيها على الدوام و وافقهم على ذلك من عددناه و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أنه لا يخرج من النار أحد دخلها للعذاب .

12- القول في الشفاعة

و اتفقت الإمامية على أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته و أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته و أن أئمة آل محمد (عليه السلام) يشفعون كذلك و ينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين و وافقهم على شفاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المرجئة سوى ابن شبيب و جماعة من أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعمت أن شفاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمطيعين دون العاصين و أنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين .

13- القول في الأسماء و الأحكام

و اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار لا يخرج

[48]

بذلك عن الإسلام و أنه مسلم و إن كان فاسقا بما فعله من الكبائر و الآثام و وافقهم على هذا القول المرجئة كافة و أصحاب الحديث قاطبة و نفر من الزيدية و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن و لا مسلم و إن ضم إلى فسقه كل ما عد تركه من الطاعات .

14- القول في الإسلام و الإيمان

و اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان و أن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا و أن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان و وافقهم على هذا القول المرجئة و أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن كل مسلم مؤمن و أنه لا فرق بين الإسلام و الإيمان في الدين .

15- القول في التوبة و قبولها

و اتفقت الإمامية على أن قبول التوبة تفضل من الله عز و جل و ليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب و لو لا أن السمع ورد

[49]

بإسقاطها لجاز في العقول فعله في التائبين على شرط الاستحقاق و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلافهم و زعموا أن التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب .

16- القول في أصحاب البدع و ما يستحقون عليه من الأسماء و الأحكام

و اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار و أن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم و إقامة البينات عليهم فإن تابوا عن بدعهم و صاروا إلى الصواب و إلا قتلهم لردتهم عن الإيمان و أن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن كثيرا من أهل البدع فساق و ليسوا بكفار و أن فيهم من لا يفسق ببدعته و لا يخرج بها عن الإسلام كالمرجئة من أصحاب ابن شبيب و البترية من الزيدية الموافقة لهم في الأصول و إن خالفوهم في صفات الإمام .

17- القول في المفاضلة بين الأنبياء و الملائكة (عليه السلام)

و اتفقت الإمامية على أن أنبياء الله تعالى عز و جل و رسله من البشر

[50]

أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء و الرسل و قال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الآخر و كان اختلافهم في هذا الباب على ما وصفناه و إجماعهم على خلاف القطع بفضل الأنبياء على الملائكة حسب ما شرحناه .

[51]

باب وصف ما اجتبيته أنا من الأصول نظرا و وفاقا لما جاءت به الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و ذكر من وافق ذلك مذهبه من أصحاب المقالات

18- القول في التوحيد :

أقول إن الله عز و جل واحد في الإلهية و الأزلية لا يشبهه شي‏ء و لا يجوز أن يماثله شي‏ء و إنه فرد في المعبودية لا ثاني له فيها على الوجوه كلها و الأسباب و على هذا إجماع أهل التوحيد إلا من شذ من أهل التشبيه فإنهم أطلقوا ألفاظه و خالفوا في معناه. و أحدث رجل من أهل البصرة يعرف بالأشعري قولا خالف فيه

[52]

ألفاظ جميع الموحدين و معانيهم فيما وصفناه و زعم أن لله عز و جل صفات قديمة و أنه لم يزل بمعان لا هي هو و لا غيره من أجلها كان مستحقا للوصف بأنه عالم حي قادر سميع بصير متكلم مريد و زعم أن لله عز و جل وجها قديما و سمعا قديما و بصرا قديما و يدين قديمتين و أن هذه كلها أزلية قدماء و هذا قول لم يسبقه إليه أحد من منتحلي التوحيد فضلا عن أهل الإسلام .

19- القول في الصفات :

و أقول إن الله عز و جل اسمه حي لنفسه لا بحياة و إنه قادر لنفسه و عالم لنفسه لا بمعنى كما ذهب إليه المشبهة من أصحاب الصفات و لا الأحوال المختلفات كما أبدعه أبو هاشم الجبائي و فارق به سائر أهل التوحيد و ارتكب أشنع من مقال أهل الصفات و هذا مذهب الإمامية كافة و المعتزلة إلا من سميناه و أكثر المرجئة و جمهور الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث و المحكمة.

و أقول إن كلام الله تعالى محدث و بذلك جاءت الآثار عن آل محمد (عليه السلام) و عليه إجماع الإمامية و المعتزلة بأسرها و المرجئة إلا من شذ عنها

[53]

و جماعة من أصحاب الحديث و أكثر الزيدية و الخوارج.

و أقول إن القرآن كلام الله و وحيه و إنه محدث كما وصفه الله تعالى و امنع من إطلاق القول عليه بأنه مخلوق و بهذا جاءت الآثار عن الصادقين (عليه السلام) و عليه كافة الإمامية إلا من شذ منهم و هو قول جمهور البغداديين من المعتزلة و كثير من المرجئة و الزيدية و أصحاب الحديث.

و أقول إن الله تعالى مريد من جهة السمع و الاتباع و التسليم على حسب ما جاء في القرآن و لا أوجب ذلك من جهة العقول.

و أقول إن إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله و إرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال و بهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد (عليه السلام) و هو مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منها عن قرب و فارق ما كان عليه الأسلاف و إليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة و أبو القاسم البلخي خاصة و جماعة من المرجئة و يخالف فيه من المعتزلة البصريون و يوافقهم على الخلاف فيه المشبهة و أصحاب الصفات.

و أقول إنه لا يجوز تسمية الباري تعالى إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو سماه به حججه من خلفاء نبيه و كذلك أقول في الصفات و بهذا تطابقت الأخبار عن آل محمد (عليه السلام) و هو مذهب جماعة الإمامية و كثير من الزيدية و البغداديين من المعتزلة كافة و جمهور

  fehrest page next page