فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

الفصل الخامس: «وسائل التربية الروحية»

 

{ 283 }

تربية الجانب الروحي

عرفنا في ما مضى أن الجانب الروحي في شخصية الانسان المسلم يتمثل في مجموعة من العناصر النفسية الداخلية المنشدة الى الله تعالى.. والمرتبطة به، بصائر وعواطف، وارادة.

فايمانك بالله تعالى، واطمئنانك له، وخوفك، ورجاؤك منه، وحبه، وحب المؤمنين، والاخلاص والصبر، والزهد، وامثال ذلك من المعاني التي يتشكل منها الجانب الروحي.

واما الصلاة وتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله، وما شاكل ذلك فهي وسائل التربية الروحية والاعداد الروحي.. وليست هي في ذاتها عناصر روحية..

ومن روائع دين الله، انه لم يحث على ربط القلب والارادة بالله تعالى ولم يلزم به فقط وانما بين طريق ذلك واسلوبه الصحيح، وتسهيلاً للناس وتوضيحاً للسبيل المستقيم في مسألة قابلة الانقسام في التربية الروحية تقوم على اساس من القوانين النفسية، ونظم الترابط بين الذهن، والقلب، والارادة، والسلوك، وليس المقصود من ان الاسلام بيّن الطريق الى التربية الروحية وتنمية الصلة النفسية بالله تعالى، انه قد تحمل مسؤولية للتربية، والبناء على الانسان المسلم.. وانما كل ما فعله هو، ان وضح المعالم، ورسم الطريق، وعلى المسلم ان يبادر، ويعاني في سلوك هذا الطريق حتى ينتهي

{ 284 }

اخيراً الى الدرجة اللائقة من الصلة بالله والعلاقة الروحية به.

وهكذا فان بناء الجانب الروحي، والتربية الروحية لا تتم بالشكل الصحيح الا بشروط ثلاثة :

1) - الشرط التكويني : وهو وجود قوانين نفسية تحكم العلاقة بين الجانب الروحي والصلة النفسية بالله، وبين مجموعة من المواقف والاعمال يمكن من خلال اداء هذه الاعمال. وعلى اساس الترابط الموجود بين الفعل، والجانب الروحي، تنمية هذا الجانب، وتكوين الصلة الداخلية بالله تعالى. وقد تكفل الله سبحانه بهذا الشرط في النظام التكويني للاشياء ويكشف القرآن في آيات متعددة عن الكثير من هذه القوانين النفسية، والترابطات الموجودة بين اجهزة الشخصية الانسانية.. ويقيم على اساس من ذلك نظامه التربوي..

2) - الشرط التشريعي : وهو وضوح الوسائل والمواقف التي تؤدي الى تلك النتائج النفسية بحكم القانون النفسي المغروس فطرياً.. والمودع في جهاز التكوين البشري.. وقد قام الاسلام بذلك، فحدد مجموعة كبيرة من وسائل التنمية الروحية، وتكوين الانشداد الداخلي بالله. وسنأتي على ذكر هذه الوسائل ان شاء الله تعالى.

3) - المبادرة الفردية، والمعاناة في اتباع هذا الخط وتبنّي هذه الوسائل، وانتهاجها.. واذا كان الشرط الاول من مهمات الجانب التكويني في خلق الانسان، وكان الشرط التالي من مهمات الاسلام التشريعية فهذا الشرط كما هو واضح من مهمات الفرد، الانسان المسلم نفسه. وليس من

{ 285 }

مهمات الانسان المسلم ان يستحدث وسائل عبادية منه، واساليب للتربية الروحية، بل قد لا ينبغي من ذلك بعد ان وضح الاسلام الطريق، ورسم المعالم في هذا الميدان، وقد يؤدي استحداث هذه الوسائل، والاساليب الى شكل من اشكال الابتداع في الدين، وبالتالي الانحراف عن الاهداف الاسلامية للتربية الروحية.. كما وقعت في ذلك اتجاهات التصوف..

 

المعاناة في سبيل التربية الروحية

دور الانسان المسلم اذن هو تبني التربية الروحية التي حدّدها الاسلام من صلاة، وذكر، وصيام، و.. ولكن تبنيها ليس دائماً امراً سهلاً. صحيح ان الاسلام عندما يوضح اساليب التنمية الروحية يكون بذلك قد سهل هذه العملية، ولكن لتسهيل امر نسبي. فعلى الانسان ان يعاني في سبيل البناء الروحي، ويجاهد نفسه، واهواءه من اجل سلوك الطريق الى الله الذي يبدأ صعباً وينتهي سهلاً وسجية للسالكين..

ان الضواغط على التربية الروحية كثيرة ولكن ارادة الانسان المؤمن يجب ان تكون اكبر من الضواغط، واكبر من الحواجز الطبيعية والاجتماعية والنفسية، بيئة المؤمن الاجتماعية، وبيئته الثقافية، وزاده الفكري الذي يتلقاه، ويتفاعل معه، ومشاغله الحياتية، وتربيته الاولى، وطبيعته كانسان له اهواؤه وحسه، كل ذلك لا يشجع على الصلة بالله.. ولكن في هذا ايضاً قيمة الاتصال بالله، وتعميق العلاقة به.. وفي تجاوز المصاعب، والتمرد على القوانين الاجتماعية، والنفسية.. تتبدى (تتجلى) انسانية الانسان، وجوهره الروحي الخلاق. وفي هذا ايضاً ميزة الانسان المسلم الذي يتبنى الاسلام عقيدة، وخلقاً، وسلوكاً، على الانسان المادي

{ 286 }

فهذا يبقى خالداً الى الطين محكوماً بقوانين الشهوة، الحس، وعالم الشهادة، وذاك يرتفع ويتصاعد الى السماء، ويتجاوز قوانين الشهوة، والحس، والتعامل مع عالم الغيب.. لمجرداته، ومغيباته..

الانسان المادي يشكل حقاً حقارة معنوية لعالم الحيوان.. ضيق الافق، ومحدودية الطموح، والمحسوبية للشهوات.

(ان هم الا كالانعام بل هم اضلّ)

والانسان المسلم يمثل التجاوز الحقيقي للوضع الحيواني بحدودهما الضيقة وآفاقهما المحدودة.. وبالكدح والمعاناة، وبهداية الله تنمو روحية الانسان وتلتقي بالله..

(يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه)

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

وسنذكر فيما يلي وسائل التربية الروحية، وهي في الاسلام كثيرة ولكننا سنقتصر هنا على ما يلي منها :

1) - قيام الليل.

2) - ذكر الله كثيراً.

3) - تلاوة القرآن الكريم.

{ 287 }

4) - الاجواء الايمانية.

5) - الثقافة الايمانية.

6) - مخالفة الاهواء - الصوم.

7) - المحاسبة، والنقد الذاتي.

8) - الاعتكاف.

 

أولاً قيام الليل

ورد الحث الشديد - كتاباً وسنة - على صلاة الليل.

1) - (يا أيها المزمل قم الليل الا قليلاً، نصفه أو انقص منه قليلاً، أو زد عليه، ورتل القرآن ترتيلا) (المزمل)

2) - (اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل، وقرآن الفجر، ان قرآن الفجر كان مشهوداً. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاماً محمودا) (الاسراء / 79)

3) - (ان المتقين في جنات وعيون. آخذين ما آتاهم ربهم انهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلاً من الليل ما

{ 288 }

يهجعون. وبالاسحار هم يستغفرون)(1)

4) - (واذكر ربك بكرة واصيلا. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا)(2)

5) - عنهم (ع) :

(شرف المؤمن صلاته بالليل، وعز المؤمن كفه عن اعراض الناس)

6) - عن ابي عبد الله (ع) قال :

(عليكم بصلاة الليل فانها سنة نبيكم ودأب الصالحين قبلكم، ومطردة الداء عن اجسادكم)

7) - وعنهم (ع) في مجموعة احاديث :

(ان صلاة الليل تذهب ذنب النهار وتطرد الداء من الاجساد، وتبيض الوجه، وتطيب الريح، وتجلب الرزق، وتذهب بالهم، وتجلو البصر، وتحسن الخلق، وتقضي الدين، وهي مصحة للبدن، ورضا للرب، وتمسك باخلاق النبيين (ع))

8) - عن ابي عبد الله (ع) :

{ 289 }

(ليس من عبد الا ويوقظ في كل ليلة مرة، أو مرتين، أو مراراً. فان قام كان ذلك والا فجج الشيطان فبال باذنه أوَلا يرى احدكم اذا قام، ولم يكن ذلك منه قام وهو متحير (متخثر) ثقيل كسلان)

9) - وعنه (ع) :

(يا سليمان لا تدع قيام الليل فان المغبون من حرم قيام الليل)

وعنه (ع) :

(ليس منا من لم يصل صلاة الليل)

10) - وفي الحديث..

(جاء رجل الى امير المؤمنين (ع) فقال : اني حرمت الصلاة بالليل، فقال أمير المؤمنين (ع) : انت رجل قد قيدتك ذنوبك)(3)

 

الاثر التربوي لصلاة الليل

ان هذا التأكيد الشديد على صلاة الليل انما هو باعتبار اثرها التربوي الخطير في حياة الانسان الروحية.. فهي وراء كونها عبادة وصلاة، لها ما

{ 290 }

للصلاة وللعبادة من آثار. تحتوي على اثرين مهمين، سجلتهما الآية المباركة :

(ان ناشئة الليل هي اشد وطئاً واقوم قيلا)

فقيام الليل بما فيه من مجاهدة للنفس، وتحكم في الهوى، ومعاناة في سبيل الوقوف بين يدي الله.. باعتبار مواجهة اتعاب النهار، وسلطان النوم، والشعور بالوحدة في جوف الليل. وباعتبار ذلك يكون قيام الليل اشد وطئاً، وأكبر اثراً على بناء الارادة، والصبر، وبناء الجهاز الحاكم في الشخصية الاسلامية.. وما احوج الانسان المؤمن في الدرب الطويل.. والمسيرة الصعبة وعناء الدعوة.. الى بناء الارادة، وتكوين ملكة الصبر.. الصبر الذي يكون لله، وعلى عبادة الله.. وما احوج الانسان القائد الذي ينتظر منه تحرير الامة من اسر الشهوة، والانحراف، والخضوع للدنيا والركون للطواغيت ان يتحرر من داخله.. وان يخرج عن اسر الكسل الى دائرة النشاط.. وقيود الشهوة الى دائرة القدرة، والارادة، والتجاوز.. وبالتالي ما احوجه الى هذه اللحظات القصيرة - من عمر الزمن - في جوف الليل.. ويؤكد فيها استعلاءه على كل شيء.. على كل شيء غير الله الكبير المتعال..

هذا من جهة.. ومن جهة اخرى، لما كانت عبادة الليل.. بعيدة عن مشتتات الانتباه، وتتخذ الطابع السري بعيداً عن أعين الناس فهي لهذا «اقوم قيلا»، واكثر تثبيتاً على الكلمة الربانية، كل التعاملات الشرعية

{ 291 }

التي يراها الناس منك قابلة لان تكون موقفاً اجتماعياً، وتوافقاً مع البيئة، التي ننفتح لها، وتتخاطب معها.. فاكتب ما شئت ان تكتب للاسلام، وتحدث ما شئت ان تتحدث عن دين الله.. واسع لاخوتك.. كل هذا واجب، وكله مطلوب.. وكله فيه نحو من التثبت، والابقاء على خط الله.. ولكن ليس هذا مثل عبادة البشر.. مثل العيش وحيداً، بعيداً عن اعين الناس.. وحيداً الا من الله.. وغريباً الا مع الله.. تلتقي به، تتلقى منه وتتضرع اليه. هناك فقط، واكثر من غيره يتجلى لك (الصدور) عن الله.. والجهاد في الله هي لحظات تحاسب موقفك بين يدي الله.. وتصفي حساباتك في اليوم السابق. وتؤكد له، ولنفسك انك فيه وبه وليس لك من قصد الا هو.. وهذا هو التثبيت، والتمحيص، وبناء الاخلاص، والصدور عن الله.

صراحة.. لا افهم من عبادات الاسلام شيئين الا للدعاة، الاعتكاف، وقيام الليل.. افهم الحج عبادة عامة يجتمع فيها المسلمون، ويؤدون شعائر الحج، ويستفيدون في الفكر والروح، وفي هذا يشترك الدعاة مع غيرهم من المسلمين وافهم الصلاة اليومية للمسلمين عموماً، كما افهم الصوم.. وغيره. في هذا الاطار، ولكن كلما تلح على الذهن صلاة الليل.. والاعتكاف يقترن ذلك بذكر الدعاة.. وتشكل في نفسي إنطباعاً انهما شرعا في الاسلام لهم، ولهم فقط وان كان لهما صورة تشريعية عامة تشملهم، وتشمل غيرهم.

الوحدة مع الله.. العزلة الموقتة، مراجعة الذات مع الله.. احوج ما يحتاج اليها الداعية.. ليكون داعية لله.. ولله ومن الله.. ليحكي لربه

{ 292 }

شيئاً من اتعابه في سبيله.. ليحاسب نفسه امامه عن اخطائه. ليستزيده، ويستهديه ليخلص له نيّته من كل ما يشوب نيات العاملين في العبادة ويداخلها من حب الظهور، والرغبة في التوافق مع الاجواء الخاصة، ليقول له يا رب. هذا جهدي، ومستطاعي، ومنك العون وبك الاعتصام من كل المغريات، والضغوط والمكاره، والاتعاب.

 

اعداد الرسول (ص) واصحابه من خلال قيام الليل

يحفل القرآن الكريم بالآيات النازلة من اجل اعداد الرسول (ص)، وتوجيهه لتحمل اعباء المسيرة، وطريق ذات الشوكة.. وقد عرفنا - فيما مر - ان الرسول (ص) مر بثلاث فترات للاعداد..

(1) - الاعداد ما قبل النبوة من اجل تلقي الكلمة.. والوصول الى مستوى تلقي الوحي..

(2) - الاعداد ما بعد الوحي.. من اجل تحمل العبء الثقيل والقول الثقيل في الدعوة، والتبليغ، والمواجهة..

(3) - اعداده (ص) على استمرار خطه الجهادي.. الى ان توفاه الله تعالى.. ورفعه اليه، ولكل مرحلة من هذه المراحل طابعها، واسبابها.

المهم الآن.. ان المرحلة الثانية من الاعداد الروحي كانت الاعداد لتحمل القول الثقيل، وتحمل اعباء مسيرة الدعوة.. وهي التي تنزل من اجلها قوله تعالى :

{ 293 }

(يا أيها المزمل قم الليل الا قليلاً نصفه، او انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)

«وكان الزاد فيها، ومادة العمل قيام الليل، وتلاوة القرآن. بالليل..» ان قيام الليل والناس نيام والانقطاع عن غبش الحياة اليومية، وسفاسفها والاتصال بالله وتلقي فيضه، ونوره، والانس بالوحدة معه والخلوة اليه، وترتيل القرآن، والكون ساكن كانماً يتنزل من الملأ الاعلى، وتتجاوب معه ارجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري، ولا عبارة، واستقبال اشعاعاته وايحاءاته، وايقاعاته في الليل الساجي.. ان هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الباهض، والجهد المرير الذي ينتظر الرسول، وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل، وينير القلب في الطريق الشاق الطويل.. ويعصمه من وسوسة الشيطان، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير.(4)

وما كان من الرسول (ص)، وصحبه الا ان امتثلوا، فقاموا الليل كما امرهم الله، نصفه، أو ثلثه، او ثلثيه الى سنة كاملة او اكثر حتى تورمت اقدامهم، وانتفخت ثم خفف الله عنهم بعد انتهاء فترة الاعداد.. كما تقول بعض الروايات.

 

(2) - ذكر اللّه كثيراً

لذكر الله معنيان :

{ 294 }

1) - الذكر الذهني : وهو المعايشة الشعورية، والذهنية لعقيدة الايمان بالله تعالى، وهذا هو الاصل في الذكر. وقد عرفنا فيما سبق، ان الذكر عنصر ضروري من عناصر الجانب الروحي من شخصية الانسان المسلم.

2) - الذكر اللفظي : وهو ذكر الله تعالى باللسان كتسبيحه، وتحميده، واستغفاره، وتهليله، وتكبيره، وما شاكل ذلك. وقد ورد الحث الشديد عليه، باعتباره وسيلة من وسائل التربية والمعايشة الشعورية، والذكر اللفظي لله هو ما حوى اصواتاً دالة على التعظيم، والتقديس له.. وانما يستمد قيمته من كونه (وسيلة) لغاية ذات قيمة في نفسها. وهي ذكر الله ذكراً ذهنياً اما مثل الصلاة، والصوم كحركات، وامساك مجردة لا قيمة لها، الا ان الالتزام بها انما هو باعتبار دورها التربوي، أي باعتباره انتهاء عن الفحشاء والمنكر، وعروجاً الى الله، وخلق حالة التقوى، والصوم من تلك المحارم.

عن ابي عبد الله (ع) :

(شيعتنا الذين اذا خلوا ذكروا الله كثيرا)(5)

وعنه (ع) قال رسول الله (ص) :

(من اكثر من ذكر الله عز وجل احبه الله، ومن ذكر الله كثيراً كتبت له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق)(6)

{ 295 }

وعن أمير المؤمنين (ع) :

(من ذكر الله عز وجل في السر فقد ذكر الله كثيراً إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية، ولا يذكرونه في السر)

فقال الله عز وجل :

(يراؤون الناس، ولا يذكرون اللّه الا قليلا)(7)

وفي حديث عن الصادق (ع) :

(الذاكر للّه عز وجل في الغافلين، كالمقاتل في المحاربين)(8)

ويلاحظ في هذه النصوص، التأكيد على الطابع السري للذكر، وذلك للتخلص من شوائب الرياء، ودواعي السمعة والذكر الحسن بين الناس، وتثبيتاً للعلاقة بالله تعالى..

 

صورتان تربويتان

1) - عن الصادق (ع) :

(وكان ابي كثير الذكر، لقد كنت امشي معه وانه ليذكر الله، وآكل معه الطعام،

{ 296 }

وانه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم، وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت ارى لسانه لازقاً بحنكه يقول : (لا اله الا اللّه) وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس. ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا، ومن كان لا يقرأ منا امره بالذكر)(9)

2) - عن ابي اسامة قال : زاملت ابا عبد الله (ع) قال : قال لي : اقرأ فافتتحت سورة من القرآن فقرأتها، فرق وبكى. ثم قال :

(يا ابا اسامة اوعوا قلوبكم ذكر الله عز وجل واحذروا النكت، فانه يأتي على القلب تارات، أو ساعات الشك من صباح ليس فيه ايمان، ولا كفر، شبه الخرقة البالية، أو العظم النخر، يا ابا اسامة الست وما تفقدت قلبك، فلا تذكر به خيراً، ولا شراً، ولا تدري اين هو ؟ قال : قلت له : بلى انه ليصيبني واراه يصيب الناس. قال : اجل ليس يغري منه احد، قال : فاذا كان ذلك فاذكروا الله عز وجل واحذروا النكت فانه اذا اراد بعبد خيراً نكت ايماناً واذا اراد به غير ذلك نكت غير ذلك)(10)

 

(3) - تلاوة القرآن الكريم التدبر فيه

(روى الحارث الهمداني قال دخلت المسجد فاذا الناس يخوضون في احاديث، فدخلت على علي فقلت الا ترى ان اناساً يخوضون في الاحاديث في المسجد ؟ فقال : قد فعلوها ؟ قلت : نعم قال : اما اني سمعت رسول الله (ص) يقول : ستكون فتن. قلت : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل. هو الذي من تركه من جبار، قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم.. وهو الصراط المستقيم.. وهو الذي لا تزيغ به الاهواء، ولا تلتبس به الالسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم ينته الجن اذ سمعته، ان قالوا : انا سمعنا قرآناً عجباً. هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن علم به اجر ومن دعا اليه هدي الى صراط المستقيم. خذها اليك يا اعور).(11)

وعن امير المؤمنين (ع) :

(ثم انزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضل نهجه، وشعاعاً لا يظلم ضؤوه، وفرقاناً لا يخمد برهانه، وبنياناً لا تهدم اركانه وشفاء لا تخشى اسقامه، وعزاً لا تهزم انصاره، وحقاً

{ 298 }

لا تخذل اعوانه، فهو معدن الايمان، وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره.. جعله الله رياً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء، وفجاجاً لطرق الصلحاء ودواء ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظلمة، وحبلاً وثيقاً عروته، ومعقلاً منيعاً ذروته، وعزاً لمن تولاه، وسلماً لمن دخله، وهدى لمن ائتم به وعذراً لمن انتحله)(12)

1) - الصفة الاولى للقرآن الكريم انه كتاب الله تعالى.. الذي انزله على قلب رسوله الكريم.. وليس على وجه الدنيا كتاب لله.. صانه الله تعالى من يد الاثم والتحريف كهذا الكتاب. وليس على وجه الدنيا كتاب.. تطمئن الى انه سليم.. فكرة فكرة.. وكلمة .. وعبارة عبارة كهذا الكتاب.. وليس على وجه الدنيا كتاب تشعر وانت تقرأ فيه بحنان الله وعطف الله وتكريم الله لهذا الانسان كهذا الكتاب.

2) - والصفة الثانية للقرآن الكريم.. انه كتاب الله النازل لهداية الناس، وتعبيدهم الطريق.. فهو ليس كتاب ملغّز، نزل من اجل ان يحار فيه العلماء، واهل التحقيق والتدقيق !! ولم ينزل لفئة خاصة، بحيث لا يفهمه الا من خوطب به، - انما هو كتاب الله للناس يستقي منه الانسان - أي انسان بمقدار ما يقربه روحياً من الله تعالى، ويتبع النهج السليم في البحث والتدبر والتفكير..

{ 299 }

(هذا بصائر للناس، وهدى، ورحمة لقوم يوقنون)

(قل انما اتبع ما يوحى الي من ربي، هذا بصائر من ربكم وهدى، ورحمة لقوم يؤمنون، واذا قرئ القرآن فاستمعوا له، وانصتوا لعلكم ترحمون)

ومن صفة «الربانية» وصفة (الهداية والتبصير) تنبع كل الصفات الاخرى التي تعرف عن القرآن الكريم.

 

القرآن الاساس الفكري والروحي

والقرآن الكريم هو المنبع الثقافي والروحي للانسان المسلم.. منه يأخذ تصوره عن الله تعالى، وعن الوجود، والحياة، والمجتمع، والناس.. ومنه يأخذ معالم التشريع الالهي لهذا الانسان على هذه الارض.. ومنه يتعرف على اهداف الله في الخلق، واغراضه من هذا الخلق والحياة..

والقرآن الكريم سند روحي ايضاً، يتصاعد الانسان في تلاوته لانه يلتقي بالله تعالى، وهو يتحدث اليه، ويتحبب اليه، ويحنو عليه، - وفيه يشعر هذا الكائن الضعيف بالحنان الالهي ودفء التكريم لهذا الكائن الفقير، ويعايش الحقائق الوجودية الكبرى، ويذكر الله.. ويتحسس الحياة معنى ومسؤولية، وابتلاء.. فيسمو، ويسمو حتى لكأنه في عالم آخر من عوالم التكوين..

{ 300 }

ويبدأ الانحراف في مسيرة الانسان المسلم عندما يبحث عن زاد آخر غير القرآن، وغير ما ثبته القرآن الكريم من مقاييس، ويتلقى الثقافة، والفكر، والتربية من تحت منبر آخر غير منبر القرآن الكريم. وقد سجلت رواية الحارث الهمداني بداية الانحراف الحضاري في المسيرة الاسلامية عندما بدأ الناس في عهد علي (ع) يخوضون في المسجد بالاحاديث، لا اعرف الآن هذه الاحاديث بالضبط.. ولكنها تؤشر بداية مرحلة العقل، وتوديع مرحلة الروح، ومرحلة القرآن الكريم. وهكذا (فعلوها) واستمر المسلمون في الانحراف.. وتصدى اهل البيت (ع) لهذا الانحراف عن طريق بناء اجيال قرآنية (تعي) قيمة هذا القرآن.. كما (تفهمها) وتبني سلوكها، وفكرها في ضوء هذا الوعي والشعور..

و(التلقي) من القرآن الكريم.. هو المعنى الاساس الذي انحرفت به الثقافة الغربية في الماضي، وفي الحاضر. فسواء في الماضي، أو في الحاضر بدأنا نتلقى من مصادر اخرى غير القرآن.. وبدأنا اذا التقينا بالقرآن الكريم نحكم عليه ونؤوله، ونجره الى ما نريد من اهواء جراً. ومع انه كان في التقدير الالهي ولا يزال (حاكماً) و(مهيمناً) وسلطاناً على كل المقاييس الفكرية والثقافية..

ونحن على الدوام ظلمنا أنفسنا.. ولا اقول القرآن.. عندما ودعناه وعندما حكمنا عليه مرة (الروايات)(13) باعتباره انه كتاب الغاز، واحاجي لا يفهمه الا من خوطب به، ومرة (الثقافات) لانها احكام العقول، واحكام العقول مقدمة على ظواهر النصوص والتي هي قواعد الصرف، والنحو الجامدة وغيرها.. كل ذلك، والقرآن لا زال ربيعاً لقلوب

{ 301 }

المؤمنين تسامى به الدهر، منار هدى، وسبيل نجاة، وبصائر للناس وذكرى للعالمين..

واداء حق القرآن علينا لا يتم الا من خلال :

(1) - احلاله الموقع النفسي والشعوري الذي يتناسب معه بوصفه الكتاب الرباني الوحيد في الناس..

(2) - تحكيمه في كل شؤوننا الثقافية، والفكرية، والصدور عنه، والتلقي منه بلا تدخل أو تأويل..

(3) - معايشته المستمرة في التأمل، والتدبر والتلاوة والحفظ..

 

تلاوة القرآن الكريم

1) - عن الصادق (ع) قال رسول الله (ص) :

(ان اهل القرآن في أعلى درجة من الآدميين، ما خلا النبيين، والمرسلين فلا تستضعفوا اهل القرآن حقوقهم فان لهم من الله العزيز الجبار مكانة عليا)

2) - وعنه (ع) :

(من قرأ القرآن، وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه، ودمه، وجعله الله عز وجل

{ 302 }

مع السفرة الكرام البررة. وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة)

3) وعنه (ع) قال :

(القرآن عهد الله الى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم ان ينظر في عهده، وان يقرأ منه في كل يوم خمسين آية)

4) وعنه (ع) :

(يدعى ابن آدم المؤمن للحساب فيتقدم القرآن امامه في احسن صورة، فيقول : يا رب انا القرآن، وهذا عبدك المؤمن، قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي، وتفيض عيناه اذا تهجد، فارضه كما ارضاني. قال فيقول العزيز الجبار: عبدي ابسط يمينك فاملأها من رضوان الله، واملأ شمالك من رحمة الله ثم يقول : هذه الجنة مباحة لك، فاقرأ، واصعد، فاذا قد قرأ آية صعد درجة)

الى آخر النصوص الكثيرة الواردة في الحث على النظر الى عهد الله وقد وردت ايضاً نصوص اخرى في ادب التلاوة.. اهمها التفكر، والتدبر، والخشوع، والاستفادة، والترتيل والحزن..

{ 303 }

واما مقدار القراءة فليس له في النصوص تحديد حديّ معين. وكذلك لم يكن في سلوكهم ما يشير الى حد مقدار قراءتهم.. وانما قراءة القرآن امر مستحب في ذاته.. والاكثار منه مستحب مهما بلغ من الكثرة.. ولكن بشرطين :

(1) - ان لا تزاحم تلاوة القرآن الكريم امراً اهم.

(2) - ان لا تكون كثرة القراءة على حساب التأمل والتدبر..

ولعل من اهم اشكال اداء حق القرآن الكريم، ومعايشته والارتباط به هو ان يحاول الانسان المسلم البحث في القرآن الكريم.. من تفسير بعض السور، والكتابة في بعض الموضوعات القرآنية التي يستقصي فيها جميع ما ورد من آيات في ذلك الموضوع، أو الكتابة عن تاريخه، وعلومه.. الخ فان هذا يزيدنا بصيرة اكثر في الطريق الى فهم القرآن الكريم، ومعايشته ومن خلال القراءة، والبحث، وحفظ الكثير من آيات القرآن.. يكون - وما اروع ان يكون - القرآن سليقة للمؤمن، وذوقاً له..

 

(4) - الاجواء الايمانية

وللاجواء تأثير كبير في التربية الروحية - وكل تربية - فعلى الانسان المسلم ان يقصد الاجواء الايمانية لكي يتأثر بها، ويستزيد.

ان المسجد من اهم الاجواء الايمانية.. وكذك المشاهد المشرفة..

ومن الطبيعي ان الانسان عندما يدخل مكاناً مخصصاً او زماناً مخصصاً

{ 304 }

لشيء يكون اكثر تهيؤاً من الناحية النفسية لاداء ذلك النشاط.. والمكتبة مثلاً - لما كانت مكاناً للمطالعة - يكون الانسان فيها اكثر توجهاً واستعداداً للمطالعة والدرس.. والمسجد.. وهو المكان المخصص للعبادة.. يكون الانسان فيه اكثر تهيؤاً للعبادة واستعداداً للتعامل مع الله تعالى.. بما يملكه من ايحاء وتأثير في النفس، وقدرة على التأثر من خلال المجتمع للصلاة.. وبسبب هذا وغيره حثت النصوص الاسلامية على ارتياد المساجد، والصلاة فيها، وعمارتها بالصلاة، والعبادة.

ومن هنا جاء عن الامام علي (ع) :

(من اختلف الى المسجد اصاب احدى ثمان : اخاً مستفاداً في الله، أو علماً مستطرقاً، أو آية محكمة، أو يسمع كلمة تدل على هدى، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يترك ذنباً خشية او رجاء)(14)

ومثل المساجد، والمشاهد المشرفة التي يتذكر فيها الانسان المؤمن الرجال الصالحين الذين زرعوا ربيع الهدى في النفوس، وفجروا الارض ينابيع من دم.. وعلماً غزيراً وتربية معصومة.. غيرت الاجيال اللاحقة بزاد الايمان والهدى، والصلاح.

كانت الزيارات يوماً في عهد الائمة (ع) مواصلة للثورة التي قام بها الامام الحسين (ع)، أو القضية التي حملها ابناؤه وآباؤه الطاهرون..

{ 305 }

واصراراً على الاستمرار على النهج، وعلى الولاء للحق.. كانت (الزيارات) بيعاً وشراء للانفس، والاموال في سبيل الله تعالى.. وكانت تظاهرة وتعظيماً لشعائر الله في الارض.. واستهداء بمصابيح الهدى الزاهرة في ليل الانحراف الداجي.. والايام الصعبة السوداء.. فليس - على هذا - من عجب أن رأينا زيارة سيد الشهداء (ع) تفضل في النصوص على الكثير من الاعمال والمستحبات الخطيرة. هذا مضافاً الى ما ورد عن ابي الحسن الرضا (ع) :

(ان لكل امام عهداً في عنق اوليائه، وشيعته، وان من تمام الوفاء بالتعهد، زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه كانوا ائمتهم شفعاءهم يوم القيامة)

1) - عن ابي عبد الله (ع) :

(ان زيارة قبر الرسول (ص) وزيارة قبور الشهداء، وزيارة قبر الحسين صلوات الله عليه، تعدل حجة مع رسول الله (ص))

2) - (عن عمران بن عبد الله بن طلحة الهندي عن ابيه قال : دخلت على ابي عبد الله قال : يا عبد الله بن طلحة ما تزور قبر ابي الحسين. قلت : بلى إنّا لنأتيه. قال : اتأتونه في كل جمعة ؟ قلت لا، قال افتأتونه في كل شهر ؟ قلت : لا، فقال : ما اجفاكم، ان زيارته تعدل حجة وعمرة).

{ 306 }

3) - وعن ابي الحسن موسى (ع) :

(ادنى ما يثاب به زائر ابي عبد الله (ع) بشط الفرات اذا عرف حقه، وحرمته وولايته، ان يغفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر)

4) - من وصايا أبي جعفر (ع) لاصحابه - كما عن محمد بن مسلم :

(مروا شيعتنا بزيارة الحسين (ع)، فان اتيانه يزيد في الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، واتيانه مفترض على كل مؤمن يقر به بالامامة من الله)

5) - علي بن ميمون الصائغ قال : قال لي ابو عبد الله (ع) :

(يا علي بلغني ان أناساً من شيعتنا تمر بهم السنة، والسنتان، واكثر من ذلك لا يزورون الحسين بن علي قلت : اني لأعرف اناساً كثيراً بهذه الصفة. فقال : اما والله لحظهم أخطأوا، وعن ثواب الله زاغوا، وعن جوار محمد (ص) في الجنة تباعدوا)(15)

ونلاحظ من خلال بعض هذه النصوص : ان من اهداف الائمة (ع)

{ 307 }

ان يخلقوا تياراً اجتماعياً لزيارة الامام الحسين (ع).. وكان هذا مرتبطاً باهداف الثورة ونجاحها.

ونلاحظ ايضاً ان زيارة المشاهد ليست فقط محاولة لخلق جو ايماني.. وانما هي ايضاً استشعار لوجود القدوة.. وتمثل معانيها الخيرة في الفكر، والروح، والسلوك، وفي العطاء والجهاد ؟ تأكيداً للشعور بالائتمام والاقتداء..

 

الاخ الصالح في الله

ومما ينبغي على المؤمن - في مجال التربية الروحية - اتخاذ الاخ الصالح في الله.. والاخوة الصلحاء.. فان للاخوة والقرناء التأثير البالغ على شخصية الانسان، لانهم اكثر ما في البيئة الاجتماعية تأثيراً عليه، واثراً في شخصيته.. وقد سجل القرآن الكريم ان بعض الناس دخلوا الى النار بسبب قرناء السوء.. وبعض كادوا ان يدخلوها.. وعن الرسول (ص) :

(المرء على دين خليله، وقرينه)(16)

والتعاشر بين المؤمنين، ولقاؤهم، وعلاقتهم الشخصية له دور كبير في استمرار الروح الايمانية عندهم، وتنميتها وتحصينهم من الانحراف، والتحلل، والتميع، وتركيز القيم الايمانية في نفوسهم فهي - باي مستوى كانت من الجدية والهدفية - مثمرة ومنتجة. وأفضل بكثير من العزلة والانطواء على الذات.. ان الانطواء، والعزلة عند اكثر الناس سبب لانحرافهم تماماً مثل معاشرة الاشرار..

{ 308 }

وهكذا ينبغي على المؤمن :

(1) - التخلص من العلاقة بقرناء السوء اذ :

(لا ينبغي للمسلم ان يواخي الفاجر فانه يزين له فعله، ويحب ان يكون مثله، ولا يعينه على امر دنياه ولا امر معاده.. ومدخله اليه ومخرجه من عنده شين عليه)

كما ورد عن امير المؤمنين.(17)

ولكن اذا كان يضمن عدم التأثر به ويحتمل التأثير عليه فلا بأس بمصاحبته من اجل هدايته، واصلاحه، وفي ذلك ثواب عظيم.

(يا علي لان يهدين الله بك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت)

(2) - عدم العزلة والانقباض عن الناس خصوصاً عن المؤمنين لما للعزلة من اخطار كثيرة، وكبيرة على شخصية الانسان.. وان كانت العزلة الموقتة الدورية امراً ضرورياً في حياة المؤمن كما سيأتي ان شاء الله تعالى. ولذا ورد عنهم (ع) : الحث على التزاور والتعاطف.

(اتقوا الله كثيراً، وكونوا اخوة بررة، متحابين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا، وتلاقوا، وتذكروا امرنا، واحيوه)

{ 309 }

(تواصوا، وتباروا، وتراحموا، وكونوا اخوة بررة، كما امركم الله عز وجل)

وعن خثيمة قال : دخلت على ابي جعفر (ع) اودعه فقال :

(يا خثيمة ابلغ من ترى من موالينا السلام، واوصهم بتقوى الله العظيم، وان يعود غنيهم على فقيرهم، وقويهم على ضعيفهم.. وان يشهد حيهم جنازة ميتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فان لقيا بعضهم بعضاً حياة لأمرنا. رحم الله عبداً احيى امرنا، يا خثيمة : ابلغ موالينا انا لا نغني عنهم شيئاً الا بعمل، وانهم لن ينالوا ولايتنا الا بالورع، وان اشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلاً ثم خالفه الى غيره)

وعن أمير المؤمنين (ع) :

(لقاء الاخوان مغنم جسيم وان قلوا)

وعن ابي عبد الله (ع) :

(تزاوروا فان في زيارتكم احياء لقلوبكم وذكراً لاحاديثنا، واحاديثنا تعطف

{ 310 }

بعضكم على بعض)

وعن ميسر عن ابي جعفر (ع) قال لي :

(اتخلون، وتتحدثون، وتقولون ما شئتم ؟ فقلت : اي والله، انا لنخلو ونتحدث، ونقول ما شئنا. فقال : اما والله لوددت اني معكم في تلك المواطن، اما والله اني لاحب ريحكم وارواحكم، وانكم على دين الله، ودين ملائكته، فاعينوا بورع واجتهاد)(18)

(3) - وليس يكفي قطع العلاقة مع الاشرار، وقرناء السوء وتكوين العلاقات الوثيقة بالمؤمنين. وانما يلزم كل مؤمن - من اجل تكوين الجو الايماني - ان ينمي من جدية العلاقة لا بمعنى اخلائها من كل مضمون عاطفي، وصلات شخصية، بل بمعنى اثرائها، والاستفادة الرسالية منها.. لان هذا هدف رئيس من اهداف تمتين العلاقة، وتوثيقها بالمؤمنين..

 

الازمنة الخاصة للعبادة والتربية

وكما امر الاسلام باتخاذ (امكنة) خاصة للتربية والعبادة كذلك ركز في الشعور الديني عند المسلمين (ازمنة معينة) خصصها للتربية، والعبادة من قبيل الشهر العظيم، شهر رمضان المبارك، شهر الله الذي يستضيف فيه المؤمنين ويستمطرون بركاته، وهداه، وغفرانه، ورحمته..

{ 311 }

هذا الشهر الحافل بالعطاء، والممارسات العبادية التي يعز على الانسان المؤمن ان تفوته حتى لو كان يمارس اعمالاً اخرى أهم والزم..

هذا الشهر الذي فيه كثرة، وتركيزاً في الصلاة، وكثرة وتركيزاً في الدعاء، والتوجه الى الله تعالى.. واحتفالاً عاماً في مشاعر الناس، وشعاراتهم.. الشهر المليء بالخيرات، والمليء بالمناسبات الدينية العظيمة.

لقد شاء الله تعالى في تربيته لعباده.. ان يوجد الى جانب الخط الدائم في التربية.. خط الصلاة اليومية والذكر المستمر خطاً آخر دورياً يتمثل في اوقات معينة يستعد فيها المؤمنون الى نشاطات عبادية اكبر.

دورة اسبوعية تمثله في يوم الجمعة المباركة من حيث ما فيه من ادعية، وزيارات، وتوجيهات، ودورة سنوية متمثلة في شهر رمضان المبارك، الذي يتم الاعداد الروحي له في شهر رجب، وشعبان، والشهرين العظيمين في الشهور.. ودورة حياتية متمثلة في الحج قابلة للاستزادة في كل حين.. ودورة في ايام معدودات متمثلة في الاعتكاف الذي يمكن اداؤه في أي وقت تقريباً وفي هذه الدورات ينتفي مضعف الالفة الذي نجده في الصلاة اليومية، ويعيش المؤمن العبادة غضة طرية في ايام قليلة من العمر..

 

(5) - الثقافة الايمانية

الثقافة هي - في واحد من مداليلها المتعددة، نقصده هنا بالذات - هي الرؤى الفكرية التي تؤثر في عواطف الانسان وسلوكه، وقيمه،

{ 312 }

وطريقته في الحياة.

والثقافة الايمانية، هي بصائر، وهدى، وافكار تقرب من الله وتسهل الطريق على من يريد ان يتكامل في هذا الطريق.

ليست الافكار مقطوعة الصلة بالحياة العاطفية والسلوكية للانسان، بل لها اكبر الاثر فيها، وتؤثر، وتتأثر بها. ويتكاملان، كما يقتضي ذلك منطق القرآن الكريم.

(كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)(19)

(لأنتم اشدّ رهبة في صدورهم من الله. ذلك بانهم قوم لا يفقهون)(20)..

وعلى اساس هذا المنطق القرآني ففي الثقافات ما يقرب الى الله ومنها ما يبعد عنه : الدافع الى الله الذي يفتح للانسان عينه، ويبصره نقاط ضعفه، وسبيل نموه، واساسيات حياته الدينية، ومنها الحاجز الذي يحول بين الروح الانسانية، وبين الانطلاق في طريق التحرر الذاتي والتكامل الوجداني وعبادة الله.

والثقافة الايمانية التي تقرب الى الله تعالى.. تتألف من عنصرين :

1) - المنهج الاسلامي في التفكير الذي ينظر الى الاشياء بالطريقة القرآنية، أو المنطق الاسلامي الخاص، الصدور عن القرآن الكريم،

{ 313 }

التلقي من الله تعالى، والانفتاح على كلماته التعامل الفكري مع الغيب، لا الغيبية الميتة، بل التعقل الذي يأخذ فيه الدين موقعاً مركزياً، سواء في الشعور، ام في الالتزام.. والمعايشة الفكرية الكثيرة، للفكر الغربي والاتجاهات المادية، وعدم الاهتمام الثقافي بالقرآن الكريم والسنة، والتأريخ الخاص يؤثر بشكل واضح على طريقة المؤمن في التفكير، وكيفية تناوله للامور، ويبدو له الدين من خلال ذلك اتجاهاً بين الاتجاهات.. وطريقة من الطرق يدافع عنها ولكن منهكاً مرهقاً.

2) - الافكار والمعلومات الايمانية في مجال العبادة والاخلاق، والسيرة والقرآن الكريم، والنفس البشرية والعلاقات مع الناس، وغير ذلك مما تتشكل المعرفة فيه اعداداً فكرياً، للتربية الروحية، وتكوين الاحاسيس، والمشاعر الايمانية، وبناء السلوك الديني المستقيم، وقد تعيش مع الكثير من المؤمنين، يستهينون بالاعمال العبادية ، فلا يرونها مهمة انما المهم عندهم الفكر، والعمل الفكري، والاهتمام بامور الناس، وهؤلاء لا يفتقرون الى قلب سليم، أو نية حسنة أو روح دينية، وانما يفتقرون الى رؤية سليمة فقط من الممكن ان تتوضح لهم بسهولة.. فيفتح لهم ذلك الطريق الى الله.. والنمو الروحي والوجداني.

ان الافكار والثقافة التي تتصل بالقرآن الكريم، وكلمات الرسول (ص) واهل بيته وسيرته تصحح الكثير من الافكار الخاطئة عن التربية الروحية، وعن الاسلام بشكل عام، وتصدر بالانسان المسلم من منبع ثقافي اصيل، وتخلق له اطاراً ذهنياً، وشعورياً يتعامل معه.. وداخله، وهو اطار يفترض المبادئ الدينية، ويجعل من المؤمن يتعامل مع الافكار

{ 314 }

من خلالها، وليس على حسابها. وهي ايضاً معايشة، ولقاء مستمر مع الله تعالى، ومع القادة الميامين الاطهار (ع).

ومن الممكن هنا ان نسجل بعض الكتب في المجال الاخلاقي والتربوي نرى من الضروري للانسان المؤمن ان يتدارسها، ويتعامل معها باستمرار :

1) - اصول الكافي لثقة الاسلام الكليني المتوفى في النصف الاول من القرن الرابع الهجري، والجزء الثاني منه بالخصوص وهو يشتمل على كتاب الايمان، والكفر، كتاب الدعاء، كتاب فضل القرآن، كتاب العشرة.

2) - وسائل الشيعة للحر العاملي، فان فيه مجموعة كبيرة مفيدة من هذه الناحية.. منها : - كتاب جهاد النفس.. المذكور في كتاب الجهاد، وكتاب ابواب العشرة.. في كتاب الحج، كتاب جامع السعادات للنراقي، وهو كتاب اخلاقي اسلامي.. وهو على العموم كتاب نافع جليل، ومؤثر اريد به ان يكون رداً على الانحراف الصوفي والتحلل الديني في آن واحد، ولا يضر في الاستفادة من هذا الكتاب عدم ضبط رواياته، أو تأثره بالفلسفة الاغريقية وروحه الفردية احياناً. لانه كما قلنا نافع على العموم.. ومأمون الجانب في هذا المجال.

ومن الكتب النافعة وفي هذا المجال.. مجال الفكر الايماني كتاب فلسفة الصلاة، ومكة في ضمير المسلم للشيخ علي الكوراني، وتذكرة الدعاء للبهي الخولي، والكتاب المسيحي، دائرة المعارف السيكولوجية المترجم في

{ 315 }

جزئين من قبل عبد اللطيف شرارة، وبعض آخر فانه كتاب نفسي عملي ومفيد..

 

(6) - مخالفة الاهواء - الصوم

ان كل مؤمن له اهواؤه - قلت او كثرة وهي قد تتعلق بالمال، الاكل والشرب، الجاه والمركز، التحكم والسيطرة على الآخرين، الخ. والهدف النهائي الذي يطمح اليه المؤمن هو الغاء هذه الاهواء من نفسه، وتطهير مشاعره، ووجدانه ودوافعه منها تطهيراً كاملاً.

اما المهمة الآنية والملحة، فهي اضعاف تأثير هذه الاهواء على السلوك، والتحكم فيها، وعدم السماح لها بالسيطرة على النفس، بل عدم السماح لها بالنفوذ بأي شكل من الاشكال.. وبكلمة اخرى : ان المهمة الآنية للانسان المؤمن هي تأمين سيطرة الارادة الربانية على النشاط، والسلوك بحيث تكون مقدمة على الاهواء، والميول الذاتية في النفس..

والتحكم في الاهواء، والغاؤها نهائياً من صفحة النفس والشعور ينتج من مجموعة عوامل اهمها أو من اهمها.. مخالفة الهوى..

(واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى)

وذلك لان كل عاطفة، أو انفعال او هوى، يضعف اذا لم تنفذ مطالبه، ولم يلب ما تقتضيه من تصرفات..

{ 316 }

وبكلمة اخرى : توجد لدينا حقيقتان ثابتتان :

1) - ان لكل عاطفة ، أو هوى، أو انفعال تصرفاً يقتضيه وينتهي اليه، فحب المال ينتهي الى الحفاظ عليه، وعدم التصدق به وحب المركز يقتضي من الانسان أن يحاول الظهور امام الناس في المجالات الفكرية، أو الخطابية أو الدينية..

2) - ان الفصل بين الهوى، وبين نتيجته العملية، وعدم تلبية مطالبه اضعاف له، وزعزعة لسيطرته على النفس، وتحكمه في السلوك، وتقوية للارادة الربانية (الجهاز الحاكم في الشخصية الاسلامية). والفصل بين الهوى، ونتيجته العملية امر ممكن لان العلاقة بينهما علاقة (الاقتضاء) لا علاقة (اللزوم).

ان مخالفة الاهواء بالنسبة الى الانسان المؤمن العامل في سبيل الله هي من اهم مهامه الآنية.. لانه احوج من غيره الى الارادة الحازمة، والقدرة على التحكم في الاهواء ومخالفة النفس.. ان خوف مقام الله تعالى، ومخالفة النفس، والصبر، واليقين هي دعائم الشخصية الرسالية القيادية، أو من دعائمها المهمة، وقد بين الله تعالى، انه قد جعل من بني اسرائيل ائمة لما صبروا، وكانوا بآياته يوقنون والصبر، هو الارادة الحازمة ضد ميول النفس، واتجاهاتها الذاتية، ولا يتم تكوين هذه الارادة الا من خلال مخالفة النفس.

وللاسلام طريقته الخاصة في مخالفة الاهواء.. ان الصوفي لا يهمه ان يخالف هواه عن طريق القاء ماله في البحر.. أو عن طريق سرقة اموال

{ 317 }

الناس ليكتشفوه بعد ذلك فيهينوه، وتسقط هيبته من اعينهم فيعاف الظهور، والمركز، أو عن طريق الوقوف على رأسه الى الصباح كما ينقل الغزالي ذلك في (احياء علوم الدين) ان هذه الوسائل محرمة في نظر الاسلام، ولم ينزل الله بها من سلطان، قلنا فيما سبق ان من روائع الاسلام، ومن نعم الله تعالى علينا انه كما حدد لنا الاهداف التربوية كذلك حدد لنا الوسائل ولم يتركنا للتخبط الصوفي، وترهات الغزالي، وأمثاله، أو الى طريقة التأمل البوذي.. أو غير ذلك من محاولات هذا الكائن الجاهل الضعيف..

امر الاسلام بالتحكم في النفس.. واكد على ضرورة سيطرة الارادة الربانية ومخالفة الاهواء.. وحدد لنا الطريق.

لا ترمِ مالك في البحر، ولا تبسط يدك كل البسط فتقعد ملوماً مدحوراً، ولا تسرف لان الله لا يحب المسرفين، ولكن انفق العفو، واد الصدقات المستحبة والواجبة.. والاسلام يعي ان الهدف من الزكاة، والصدقة ليس هو اعانة الفقراء فقط ولكن تطهير الوجدان البشري من حب المال، وتمكنه من القلب.

(خذ من اموالهم صدقة تزكيهم بها وتطهرهم)

ومن هنا فان الاسلام في باب الصدقة اوجب الزكاة.. ولكن من جهة اخرى حث على الصدقة.. وكان هذا الحث بدرجة الاستحباب..

{ 318 }

وهذا يعني ان الاسلام يريد من ذلك ان يكون طواعية، واختياراً ليكون اثر قدرة على التطهير والتزكية.. وحث الى جانب ذلك ان تكون الصدقة سراً لان صدقة السر افضل من صدقة العلانية.. واكثر قدرة على تنمية الروح المخلصة والروح المرتبطة بالله.. ومن هنا كان على المؤمن ان ينفق عفو ماله وفضله، ان يتحسس حاجات اخوانه. وان يحافظ على الطابع السري للانفاق قدر الامكان.

ولم يرد الاسلام ان يعيش على مزابل الكلاب ليواجه بذلك اهواءه كما يقول الصوفي..

(لا يكون الصوفي صوفياً حتى يجعل من زوجته ارملة، ومن اولاده ايتاماً، ويعيش على مزابل الكلاب)

وانما امره الى جانب الصدقة، والانفاق السري ان يصون لسانه من الكذب، والغيبة، ومن محاولات الظهور والثرثرة، وان تكون قاعدته الصمت الا في موارد الحاجة والضرورة، وان يتعلم الصوم المستحب.. الذي يكف به عن الشهوة ساعات. شهوة الجنس، وشهوة الطعام والشراب.. والصوم المستحب من اروع العبادات الاسلامية التي تربط الانسان بالله تعالى، وتنمي الارادة، وتصعد من ملكة الصبر.. ومن اهم مجالات الصوم المستحب، صوم ثلاثة ايام في الشهر.. (اول خميس من الشهر، وآخر خميس، والاربعاء الوسطى) وقد ورد الحث الشديد على ذلك في النصوص.. وهو من القدرات الروحية التي إن كانت مستحبة على

{ 319 }

الانسان المسلم من زاوية شرعية، فهي الزامية على الداعية من ناحية المنطق الاخلاقي، والروحية الاسلامية.. لان الداعية يلزمه ان يعد نفسه لتحمل القول الثقيل، والسير في طريق ذات الشوكة، وان يعاني مرارة الاستقامة في خضم العمل الاجتماعي، وكل هذا لا يتم الا من خلال التربية، والاعداد الروحي القائم على هذا، وامثاله.. ومن عناصر الداعية المسلم في هذا الميدان هو ان يتأمل ذاته، ويحسب نشاطاته، ويدرسها.. سيجد ان بعض التصرفات تقوم على اساس دواعي الهوى ولم يقصد الله فيها، ولم يذكره اصلاً.. هنا يجب عليه، أو ينبغي له ان يتوقف موقتاً، وان يتأمل قبل الاداء، فان كان تصرفه، وموقفه ضرورياً من الناحية الشرعية اقدم عليه، واداه مثاباً مأجوراً، وان لم يكن موقفه ضرورياً من الناحية الشرعية، والدعوتية تركه، واهمله.. خاصة في موارد التقييمات، والكلام على الناس، ومواجهتهم..

 

(7) - المحاسبة، والنقد الذاتي

1) عن ابي الحسن الماضي (ع) قال :

(ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فان عمل حسناً استزاد الله، وان عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب اليه)

2) - عن ابي ذر (ره) في وصية النبي (ص) انه قال :

(يا ابا ذر حاسب نفسك، قبل ان تحاسب،

{ 320 }

فانه اهون لحسابك غداً، وزن نفسك، قبل ان توزن.. وتجهز للعرض الاكبر يوم تعرض، لا تخفى على الله خافية.. يا ابا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه اشد من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من اين مطعمه ومن اين مشربه، ومن اين ملبسه، امن حلال أو من حرام، يا ابا ذر من لم يبال من اين اكتسب المال لم يبال الله من اين ادخله النار)

3) عن علي (ع) عن النبي (ص) قال :

(اكيس الكيسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت فقال رجل : يا أمير المؤمنين كيف يحاسب نفسه ؟ قال : اذا اصبح ثم امسى رجع الى نفسه وقال : يا نفسي ان هذا يوم مضى عليك لا يعود اليك ابداً.. والله يسألك عنه بما افنيته، فما الذي عملت فيه اذكرت الله ام حمدته، اقضيت حوائج مؤمن فيه، انفست عنه كربه احفظته بعد الموت في مخلفيه اكففت عن غيبة أخ مؤمن. اعنت مسلماً. ما الذي صنعت فيه ؟ فيذكر ما كان منه،

{ 321 }

فان ذكر انه جرى منه خير حمد الله، وكبره على توفيقه وان ذكر معصية، أو تقصيراً استغفر الله، وعزم على ترك معاودته)

4) علي بن طاوس روينا في الحديث النبوي المشهور :

(حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا وتجهزوا للعرض الاكبر)(21)

ان البناء الروحي.. وهو تمكين الايمان والارادة الربانية من النفس في فكرها، ووجدانها، ونشاطها.. لا يتم الا من خلال تقوية الايمان، والوجدان الاسلامية، والارادة الربانية من جهة.. والوعي الذاتي، ومعرفة حيل النفس، واساليبها في الدفاع، ونقاط ضعفها من جهة اخرى.. وذلك لان من الممكن ان تعمل الدوافع الذاتية في النفس من دون ان يشعر بها الانسان. والوعي الذاتي الشامل، ومعرفة النفس يتم من خلال ما يلي :

(1) - دراسة النفس دراسة شاملة.. حيث يقوم المؤمن هنا بملاحظة ذاته من خلال تجربتها السابقة، وخبرته الطويلة بها. ويدرسها دراسة كاملة.. ويحدد ما فيها من نقاط ضعف، ونقاط قوة.. ويركز ذلك في ذهنه، أو يسجله في مذكراته، وتشمل هذه الدراسة الحالات كافة، الجانب الثقافي، والجانب الروحي والجانب العلمي.. الخ.

(2) - يراقب الانسان المؤمن ذاته، ويركز نظره عليها في نشاطها

{ 322 }

اليومي.

(3) - يحاسب ذاته محاسبة دورية يومية، أو اسبوعية، ويدرس في ذلك نشاطاته السابقة ما قدمه، وما خالف فيه، وما قصر عنه ويحدد ذلك. فيحمد الله، ان هو اطاع الله، وذكره وتورع عن محارمه، ويتوب عما خالف.. ويعزم على الترك، ويبني نهجاً جديداً، وهكذا في كل دورة.

وليحذر المؤمن اثناء كل ذلك من خداع النفس، ومن غرورها، وعجبها فانها امارة بالسوء الا ما رحم الله. مهلكة لصاحبها الا ما وفق.

 

(8) - الاعتكاف

عن ابي عبد الله (ع) :

(كان رسول الله (ص) اذا كان العشر الاواخر (من رمضان) اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر، وشمر المئزر وطوى فراشه)

وعنه (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) :

(اعتكاف عشرة في شهر رمضان تعدل حجتين، وعمرتين)(22)

في الاعتكاف عناصر متعددة، وجهات كثيرة تمثل طابعه التربوي المتميز وفيه :

{ 323 }

1) - التفرغ للعبادة وذكر الله. فالمؤمن في ايامه العادية يحكم ضرورات الحياة، وضرورات العمل لا يمكن ان يؤدي الكثير من المستحبات العبادية، ولهذا فهو يقتصر على مقدار قليل معين من العبادات اما الاعتكاف، فهو المكث في المساجد للعبادة.. فيه يتفرغ الانسان المؤمن، ويتنصل موقتاً عن الاشغال في الحياة الخاصة، والاعمال الاجتماعية ليؤدي لربه حقه.. ولنفسه حقها.. وهو عليه دورة تربوية ضرورية للانسان المسلم، يستزيد فيها من ذكر الله، ومعايشة تصوراته عن الكون، والحياة، والوجود، ويتذكر فيها ايام الله الخالية فتعيش روحه، وقلبه، بالنشاط العبادي المكثف الجديد على النفس، الذي لم يتضرر بالالفة، وروتين العادة. واقتطاع هذه الايام المعدودة ضرورة تربوية من اجل الاعداد، والتركيز الروحي.. وهو نظام اختطه الله تعالى في منهجه التربوي لهذا الانسان.

2) - مخالفة الاهواء.. متمثلة في الصوم اذ (لا اعتكاف الا بصوم) الذي يمثل مخالفة هوى النفس في الاكل والشرب والجماع.. وفي الامتناع عن المراء، والجدال.

3) - العزلة المؤقتة عن الناس، واتاحة الفرصة لمراجعة النفس، ومحاسبتها واختبارها.. فانت في خضم العمل الاجتماعي مملوك لمهماتك الاجتماعية.. وهذا ما يضعف من اصالة الفعل، وايداع النشاط، ومن مراجعة الذات، وتقييمها وبالتنصل موقتاً من العمل الاجتماعي، وسفاسف الحياة الصغيرة، وحتى عن العمل الفكري يتيح للانسان ان يراجع ذاته، وينظر في عيوبها، ويقيمها تقييماً شاملاً، ولينطلق بعد ذلك

{ 324 }

في مواقفه عن طواعية، واختيار، وتلقائية، واخلاص وليزيد من تثبته الديني، وتركيز علاقته بالله تعالى وانقطاع رجائه، وانشداده الى الناس، والاشياء، والاهداف المرحلية اليومية.

ومن هنا كان الاعتكاف.. احدى الضرورات الدورية المهمة للداعية يتخلى فيها عن رداءة التصرف، ويمحص ذاته من شوائب الرياء والسمعة والانشداد الى الناس ويتجلى فيها الاخلاص، والتثبت، والتركيز، الديني.. تركيز العلاقة بالله تعالى.. ونشير اخيراً.. الى ان الاسلام لا يشجع العزلة التامة المستمرة عن الناس فان في هذا اخطاراً كبيرة على النفس، وتتنافى مع ما يعده الاسلام للانسان المسلم من ادوار اجتماعية، وعطاء اجتماعي متميز.. ولهذا يؤكد الاسلام في نصوص كثيرة على ان لا يكون الاعتكاف الا في مسجد جامع تقام فيه الصلاة جماعة.

 

9 - نظرة عامة في الاساليب التربوية(23)

نلاحظ ان اساليب الاسلام في التربية اكثر مما ذكرنا.. ونحن هنا لخصناها بايجاز..

عن علي بن ابي طالب (ع) :

(لا خير في العيش الا لرجلين : رجل يزداد في كل يوم خيراً، ورجل يتدارك منيته (سيئته) بالتوبة)

عن ابي عبد الله (ع) :

{ 325 }

(من استوى يوماه فهو مغبون.. ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شره فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو الى النقصان.. ومن كان الى النقصان، فالموت خير له من الحياة)

 

«الختام»

ان موضوع (الاعداد الروحي) من اهم الموضوعات الاسلامية العاجلة، لانه الاساس الذي تقوم عليه التربية الاسلامية للانسان المسلم في كل جيل.. وإذ انهي هذا البحث بحمد الله فاني اشعر بنواقصه التي ارجو ان تتدارك في المستقبل ان شاء الله.. ان التجربة الروحية شرط اساسي لنجاح مثل هذا البحث، وكذلك الاداء التربوي البليغ والمعاصرة الطويلة.. وكل هذه الشروط مما ينقص هذا البحث.. ولكن اتمنى ان يتناول هذا الموضوع رجال عرفناهم بتجربتهم الروحية السليمة، وقلمهم الاسلامي المعبر، وهمومهم الاسلامية وثقافتهم الواسعة.

واسأل الله تعالى في الختام ان يعصمنا من الزلل، وان لا يمقتنا لقول نطقنا به، ولم نفعله، وان لا يجعل اعمارنا مرتعاً للشيطان، وان يجعلنا من المعانين، والمجاهدين فيه والمهتدين الى سبيله.. انه سميع مجيب..

ليلة القدر المباركة 23 / رمضان المبارك / 1398 ه‍  

 

(1) - سورة الذاريات 15 - 18

(2) - سورة الانسان / 25

(3) - الوسائل بقية الصلوات المندوبة باب 39 و40

(4) - في ظلال القرآن سيد قطب م 8 ص 347

(5) - اصول الكافي ج 2 ص 499

(6) - الوسائل ابواب الذكر من كتاب الصلاة باب 14

(7) - نفس المصدر ص 501

(8) - نفس المصدر ص 502

(9) - اصول الكافي ج 2 ص 499

(10) - الوسائل ابواب الذكر

(11) - البيان من تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 26 - 27

(12) - المرجع السابق ص 29 - 30

(13) - هذا مع انهم (الائمة) يفعلون العكس ويقولون (ما خالف كتاب الله فهو زخرف لم نقله) و(ما جائكم عني يخالف كتاب الله فلم اقله)، و(وكل شيء لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) و(وما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)

(14) - الوسائل احكام المساجد باب 3

(15) - الوسائل ابواب المزار من كتاب الحج باب 2 و25 و37 و38

(16) - اصول الكافي ج 2 ص 642

(17) - اصول الكافي ج 2 ص 64

(18) - اصول الكافي ج 2 ص 175 - 179 وص 186 - 187

(19) - سورة آل عمران / 79

(20) - سورة الحشر / 13

(21) - الوسائل جهاد النفس ج 6 ص 379 - 380

(22) - الوسائل باب من كتاب الاعتكاف

(23) - مما يؤسف له ان هذا الموضوع قد سقط من الكتاب من خلال نقله من العراق الى الكويت الى ايران.