شرح فقرة من دعاء عرفة

تأليف السيد ماجد بن إبراهيم الحسيني الكاشاني ـ من أعلام القرن الثاني عشر ـ

تحقيق: فارس حسّون كريم

     الحمد لله سامع الدعاء، ودافع البلاء، ومفيض الضياء، وكاشف الظماء، وباسط الرجاء، وسابغ النعماء، ومجزل العطاء، ومردف الآلاء، حمداً يكافي نعمه، ويوافي مننه، ويوجب مزيده.

     والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء، وسيّد الأصفياء، الحجّة على مَنْ في الأرض والسماء، وعلى آله الفائزين بخلوص الانتماء، ووجوب الاقتداء، صلاة باقية إلى يوم البعث والجزاء.

     وبعد: حقيقة لا شكّ فيها: أنّ تراث الدعاء الأثيل والخالد لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) منهل عذب، قد ضمَّ من عيون الدرر ما لا يمكن جردها وحصرها، ولا سيّما أنّ الذي قد أرسى أُسس هذا التراث الضخم سيّدنا خاتم الرسل، وصاحب الحوض والكوثر (صلى الله عليه وآله) . وتبعه باب مدينة علومه وحكمته سيّد الوصيّين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كما يتجلّى ذلك في دعاءيه: «دعاء الصباح» و «دعاء كميل بن زياد (رضي الله عنه)» وغيرها. ومن ثمّ ابنه قتيل العبرات، وأسير الكربات، سيّد الشهداء من الأوّلين والآخرين الحسين بن عليّ (عليه السلام) كما يتجلّى ذلك في دعائه في يوم عرفة ـ وهو موضوع كتابنا هذا ـ وسائر أدعيته (عليه السلام).

     وأمّا الذي أغناه، وأبدى به اهتماماً خاصّاً، فهو إمام العارفين، وقائد الزاهدين، وسيّد الساجدين، وزين العابدين، ذو الثفنات، ورابع أئمّة بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام). فقد أبدع في إنشاء جملة وافرة من الأدعية، والأحراز الشهيرة، أضحت خير زاد يتقوّى به على مواصلة الطريق المؤدّي إلى مرضاة الله ـ تعالى ـ . ولقد تركت أثرها البارز في إرساء دعائم المجتمع الإسلامي، وتنزيهه من الشوائب، في مرحلة هي من أقسى وأحلك المراحل التي مرّت بها الأُمّة الإسلاميّة بعد شهادة أبيه الحسين (عليه السلام)، خلال النصف الثاني من القرن الأوّل، ومن أجل ذلك سميّت بإنجيل أهل البيت (عليهم السلام)، وبزبور آل محمد (عليهم السلام)1.

ترجمة المؤلّف 2

اسمه:

     هو السيّد ماجد بن السيّد إبراهيم الحسيني الكاشاني، كان فاضلا، أديباً، حكيماً، فقيهاً، أريباً.

حفيده:

     العالم المتّقي الحاج السيّد محمد تقي بن المير عبد الحيّ بن إبراهيم بن السيّد ماجد بن إبراهيم الپشت مشهدي الحسيني الكاشاني، من أعاظم علماء عصره، ومن تلامذة صاحب «رياض المسائل»3، توفيّ سنة «1258 هـ»4.

معاصره:

    الميرزا إبراهيم بن الميرزا غياث الدين محمد الإصفهاني الخوزاني ـ قاضي اصفهان، ثمّ قاضي عسكر السلطان نادر شاه ـ ، المتوفّى سنة «1160 هـ»، كتب رسالة في الغناء في الردّ على رسالة السيّد ماجد5.

مؤلّفاته:

1 ـ «إيقاظ النائمين وإيعاظ الجاهلين».

    رسالة في أحكام الغناء وموضوعه وإثبات حرمته، في مقدّمة ومقصدين، المقدّمة في مسائل من علوم مختلفة يحتاج إليها في أبحاث الرسالـة6.

    قال الملاّ حبيب في لباب الألقاب: له رسالة في تحقيق الغناء، وحواش على الإشارات والشفاء ـ على ما حكاه بعض أسباطه ـ ، وقد نقلنا بعض كلماته في رسالتنا التي أفردناها لهذه المسألة7.

2 ـ «تخلّل السكون بين الحركتين».

    بحث عن آراء المشائين من الفلاسفة ومذهب ابن سينا في الموضوع، ويذهب المؤلّف إلى أنّ تخلّل السكون بين الحركتين جائز8.

3 ـ «التخلّل والتكاثف الحقيقيّان».

    يستدلّ المؤلّف في هذه الرسالة المختصرة على إمكان التخلّل بين الشيئين أو التكاثف فيهما، وهو بحث فلسفي كتبه في جواب المنكرين للموضوع9.

4 ـ «التشكيك في الذاتيات».

    ردّ على من ذهب إلى نفي الذاتيات، وبيان أنّها من أيّ المعقولات هي10.

5 ـ «شرح دعاء عرفة».

    وهو هذا الكتاب، وسيأتي التعريف به.

6 ـ «ماهية الزاوية».

    تحقيق دقيق حول حقيقة الزاوية، وماهيتها المعرّفة في الكتب بمختلف التعاريف11.

7 ـ «نفي الهيولى».

    يثبت المؤلّف أنّ الهيولى ليس له وجود في الخارج، ويردّ على الذاهبين إلى أنّ له وجوداً خارجياً12.

مدّة حياته:

    لم تذكر المصادر التي ترجمت السيّد المؤلّف (رحمه الله) تاريخ ولادته، ولا تاريخ وفاته، غير أنّه كان حيّاً سنة «1152 هـ»، وهو تاريخ تأليفه لكتابه هذا ـ شرح دعاء عرفة ـ .

التعريف بالكتاب:

    روى بشر وبشير ابنا غالب الأسدي، قالا: كنّا مع الحسين بن علي (عليهما السلام)عشيّة عرفة، فخرج (عليه السلام) من فسطاطه متذلّلا خاشعاً، فجعل يمشي هوناً هوناً حتّى وقف هو وجماعة من أهل بيته وولده ومَواليه في ميسرة الجبل مستقبل القبلة، ثمّ رفع يديه تلقاء وجهه كاستطعام المسكين، ثمّ قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ، وَلاَ لِعَطَائِهِ مَانِعٌ، وَلاَ كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِع، وَهُوَ الْجَوَادُ الْوَاسِعُ ـ إلى أن يقول: ـ اَللَّهُمَّ لاَ تَمْكُرْ بِي وَلاَ تَسْتَدْرِجْنِي وَلاَ تَخْدَعْنِي، وَادْرَأْ عَنِّي شَرَّ فَسَقَةِ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ»، ثمّ رفع رأسه وبصره إلى السماء وعيناه ماطرتان كأنّهما مَزادتان، وقال بصوت عال: «يَا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ، يَا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، وَيَا أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ـ إلى أن يقول: ـ لَكَ الْمُلْكُ، وَلَكَ الْحَمْدُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ» وكان يكرّر قوله «يا ربّ»، وشغل من حضر ممّن كان حوله عن الدعاء لأنفسهم، وأقبلوا على الاستماع له والتأمين على دعائه، ثمّ علت أصواتهم بالبكاء معه، وغربت الشمس وأفاض الناس معه.

    أقول: إلى هنا تمّ دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة على ما أورده الكفعمي في كتاب «البلد الأمين»13، وقد تبعه المجلسي في كتاب «زاد المعاد»14.

    ولكن زاد السيّد ابن طاووس (رحمه الله) في كتاب «إقبال الأعمال»15 بعد «يا ربّ يا ربّ يا ربّ» هذه الزيادة: «إِلهِي أَنَا الْفَقِيرُ فِي غِنَايَ فَكَيْفَ لاَ أَكُونُ فَقِيراً فِي فَقْرِي؟! إِلهِي أَنَا الْجَاهِلُ فِي عِلْمِي فَكَيْفَ لاَ أَكُونُ جَهُولا فِي جَهْلِي؟! ـ إلى أن يقول: ـ هَا أَنَا أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ، وَكَيْفَ لاَ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِمَا هُوَ مَحَالٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ؟ ...».

    وكتابنا هذا تناول شرح الجملة الأخيرة «هَا أَنَا أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ، وَكَيْفَ لاَ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِمَا هُوَ مَحَالٌ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ؟» حيث تصدّى المؤلّف (رحمه الله) لرفع التناقض الذي يبدو في هذه القطعة.

النسخة المعتمدة في التحقيق:

    هي النسخة الخطّيّة المحفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي في قم المقدّسة، وهي مذكورة في فهرسها ج16 ص26 ضمن المجموعة رقم 6025 ـ الكتاب الثالث، ومذكورة أيضاً في التراث العربي في خزانة مخطوطات مكتبة المرعشي ج3 ص312، والنسخة تقع في 10 أوراق كتبت بخطّ فارسي جيّد «نستعليق» ـ بخطّ تلميذ المؤلّف ـ وعناوينها بارزة بخطّ النسخ، صفحاتها ذات سطور مختلفة بقياس 5.12×5.8 سم، كتبت النسخة في المدرسة العمادية بكاشان سنة 1152 هـ.

ـ صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطّيّة ـ

بسم اللّه الرحمن الرحيم

    الحمد لله ذي الطول والإحسان والنعم الجلائل، والصلاة على محمّد وآله أُولي الفواضل والفضائل، الذين جعلت موالاتهم خير بضاعة وأقرب الوسائل.

 

ـ صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطّيّة ـ

أمّا بعد:

    يقول المفتقر إلى الله الغنيّ محمد بن إبراهيم المدعوّ بماجد الحسيني: لقد سألني بعض أجلّة الخلاّن، وأخصّ الأخوان أن أُحرِّر شرحاً لكلام سيّد الشهداء ـ عليه وعلى آبائه السلام ـ في دعائه ليوم عرفة، وهو:

    «هَا أَنَا أَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِفَقْرِي إِلَيْكَ، وَكَيْفَ لاَ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِمَا هُوَ مَحَالٌ أَنْ يَصِلَ اِلَيْكَ» بحيث يدفع أثر التناقض وغيره عنه ممّا لا يليق بأمثاله (عليه السلام).

    فاعتذرت إليه مع ظهور قصور باعث عن كشف جليّات الخفاء عن وجوه أبكار المعاني، ورفع أستار الارتياب عن تلقاء المقاصد المعضلة الأركان والمباني، تارة بضيق البال لتراكم أمواج بحار الأحزان، وأُخرى بقلّة المجال لكثرة تواتر نزول أفواج الحدثان، فما حلّ موقع القبول وما زاد إلاّ إعادة المسؤول فأسعفت مسؤوله، وأجبت مأموله، وتصدّيت لحلّه على رأي كلّ فرقة مشتهرة بين الأنام أقوالهم واعتقاداتهم متداولة بين الناس أبلالهم ومدوّناتهم بحيث ينطبق على أُصولهم وقواعدهم انطباقاً بيّناً، محترزاً عن الردّ والقبول، لا لمخافة الإطناب والإسهاب، بل لانحطاط درجتي عن درجات هؤلاء الأعلام في كلّ باب، مراعياً للايجاز واختصار الكلام، ورتّبته على مقدّمة ومقالات ثلاث:

    أمّا المقدّمة فمشتملة على فصلين:

    الفصل الأوّل: في بيان دأب الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) في التضرّع والابتهال، وما شاكلهما.

    اعلم أنّ دأبهم (عليهم السلام) فيما ذكرناه في بعض الأوان التشبّث بالأسباب، والتمسّك بالوسائل أوّلا، ثمّ الإعراض عنها أخيراً، مشعراً ببيان فساده لوجهين:

    أمّا أوّلاً: فلكونه بمنزلة الاستدلال على كون المحتاج إليه هو الله ـ سبحانه ـ ، وأنّ لا مؤثّر في الوجود إلاّ وينتهي إليه، فهو المؤثّر بالذات، ومسبّب الأسباب، فإنّ المطلوب المستدلّ عليه أوقع قبولا من غيره، فأمثال هذه منهم بمنزلة القياس الاستثنائي، ولذا قال كثير من المفسّرين:16 إنّ قول إبراهيم ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ بربوبيّة الكواكب مستدلاًّ عليها بالإنارة والضياء والكبر أوّلا، ثمّ الرجوع عنه مستدلاًّ بالاُفول أخيراً، إنّما صدر عنه (عليه السلام) عمداً عالماً بعدم ربوبيّتها في كلا الحالين لوجوب عصمة الأنبياء (عليهم السلام) عن الشرك قبل البعثة أيضاً.

    وأمّا ثانياً: فللإشعار بتفاوت مراتب التنزيه المسبّب عن تفاوت درجات مراتب المعرفة وترتّبها، والإشارة إلى أنّ من بلوغ المرتبة العليا يُعلَم عدم جواز الرجوع إلى المرتبة الدنيا، وأنّ ما يصل به العالم إلى نعيم قربه ـ تعالى ـ سبب لبعد الأعلم منه أن جعله وسيلة، ألا ترى أنّه ـ سبحانه ـ قال: {إنّ الأبرار لفي نعيم}17؟

    وقد ورد في الخبر: «إنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين».

    الفصل الثاني: في تحقيق معنى الفقر.

    قد اختلفت الآراء في تحقيقه، فجعله بعضهم ضدّ الغنى، وحكم بكونهما أمرين وجوديّين.

    وقال بعضهم بكون الغنى عدم ملكة الفقر، فحكم بكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة.

    والحقّ عكس الثاني، وما قيل في تعريف الغنى من أنّه عدم الحاجة فتعريف له يلازمه لا تحديده، لأنّ الفقر بحسب النظر الدقيق ليس إلاّ فقد الكمال مطلقاً، أو ما يوصل إليه.

    وبالجملة كلّ ما يكون وجوده شيء أولى من عدمه له فعدمه له من حيث هو كذلك نفس فقره، وفاقده من هذه الحيثيّة فقير وإن كان غنيّاً باعتبار وجود أمر آخر كمال له من جهة أُخرى، كما أنّ الجاهل فقير لفقدان العلم الذي هو كمال لنفسه، وغني بحسب وجود الشبع مثلا الذي هو كمال لبدنه، أو ما يتوصّل به إليه، فالفقر نفس العدم، والغنى عين الوجود، فإن كان الوجود ذاتيّاً للشيء يكون غنيّاً بالذات، وإن كان من غيره يكون فقيراً بالذات غنيّاً بالغير، فالغنيّ بالذات هو الله ـ سبحانه ـ ، وما سواه فقير إليه مطلقاً.

 

المقالة الأُولى:

في حلّه على طريقة الصوفيّة 18

    وهو موقوف على بيان مقدّمة، وهي أنّ الفرق بين الواجب والممكن عندهم بالإطلاق والتقييد، ويعبّرون عنه بالتعيّن، ويقولون: هو أمر اعتباري لا حقيقي، ويعنون من الاعتباري ما لا يتّصف بالوجود، فالكثرة وما يلزمها من الغيريّة أُمور اعتباريّة غير موجودة; لأنّ الوجود بما هو وجود لا يقبل الكثرة، فالأمر الحقيقي هو الوجود المطلق، وهو عين حقيقة الواجبيّة، وما يعرضه من التعيّنات أُمور اعتباريّة، فالواجب هو الوجود المطلق، والمراد منه الوجود اللاّبشرط لا المقيّد بقيد الإطلاق، لأنّ كلّ قيد عندهم اعتباري، والممكن هو الوجود المتعيّن لكن لا بما هو موجود، بل بما هو متعيّن، فالفقر عندهم هو نفس التعيّنات الاعتباريّة; لأنّها إعدام صرفه كما عرفت.

    وإذا تمهّدت هذه نقول: حلّ كلامه (عليه السلام) على رأيهم: انّه أراد أن يشير إلى بيان مراتب قرب السالكين إلى الله، والسائرين إليه، وترتّب درجاته، وتفاوت مراتبه وغير المرتبة العليا من القرب الذي هو الوصول من المراتب التي وقعت في البين إنّما يحصل للمتمسّكين بالوسائل، وتختلف مراتب قربهم حسب اختلاف الوسائل قوّة وضعفاً، وهي من الكثرة بحيث لا يكاد تنضبط، ولا شكّ أنّ أقوى الوسائل هو ما يجده المتوسّل من نفسه، لأنّ الوسيلة إذا كانت ذاتيّة يكون أتمّ وأقوى منها إذا كانت خارجيّة.

    فأشار (عليه السلام) في الفقرة الأُولى إلى هذا المقام وجوب الفقر الذي نفس التعيّن وسيلة للقرب، وعلّة محوجة إليه ضرورة احتياج المقيّد إلى المطلق، فمعناها: ها أنا أتوسّل بسبب تعيّني وهويّتي إليك، وهذا القرب المطلق هو القرب الذي لم يبلغ درجة الوصول لكون الوسيلة فاصلة بين المتوسّل والمتوسّل إليه، والسالك في هذا المقام ملاحظ لنفسه فارق بينها وبين الذات الأحديّة، وكمال القرب هو الاتّصال الذي عبارة عن ملاحظة العبد عينه متّصلا بالوجود الأحدي بقطع النظر عن تعيّن وجوده، وإسقاط إضافته إليه حتّى يبقى موجوداً به، ولا يرى إلاّ واحداً كما قال قائلهم:

در چنين حال ديده بگشايد در نظر جز يكيش ننمايد

    ولا شك أنّ هذه المرتبة لا تحصل للعبد ما دام ملاحظاً لنفسه إذ لا يمكن أن يصل غبار التعيّن إلى ذيل جلال الإطلاق، فانقطع عن الوسيلة التي هي سبب للقرب المفصول طالباً للقرب الذي هو الاتّصال، وقال: كيف أتوسّل بما هو محال أن يصل إليك؟

المقالة الثانية:

في حلّه على دأب الأشاعرة 19

    وهو موقوف على بيان مقدّمتين مترتّبتين:

    الأولى: انّ ما يصدر عنه ـ تعالى ـ ليس على سبيل الايجاب بمعنى امتناع انفكاك الأثر عن الذات كما يقول به الحكماء، ولا على سبيل الوجوب العقلي كما يقول به المعتزلة20، بل كلّ ما يصدر عنه ـ تعالى ـ يصدر بالقدرة والاختيار، بمعنى صحّة الفعل والترك مطلقاً، سواء كان بالنظر إلى ذاته كما يوافقهم فيه جمهور المعتزلة، أو بالنظر إلى غيره بخلاف ما ذهب إليه المعتزلة من عدم صحّة الترك بالنظر إلى الداعي والعلم بالأصلح.

    وبنوا على هذه المقدّمة أنّ فعله ـ تعالى ـ ليس لغاية ولا عرض، بل نفس إرادته القديمة كافية في صدور الفعل من غير إفضائه إلى الإيجاب والوجوب المذكورين.

    الثانية: أنّ لا مدخليّة لشيء من الأشياء في وجود أمر من الأُمور، ولا في عدمها بنحو من الأنحاء حتّى انّهم نفوا ربط الشرطيّة واللزوم والآليّة وغيرها بين الأشياء بعضها بالنسبة إلى بعض.

    وبالجملة نفوا افتقارها إلى ما سوى الله مطلقاً حتّى حكموا بعدم افتقار العرض إلى الموضوع، وما يرى في الوجود من الارتباط بين الأشياء ليس ارتباطاً ذاتيّاً، بل هو ممّا جرت سنّته ـ تعالى ـ عليه.

    وبنوا على هذه المقدّمة جواز تعذيب المطيع، وإثابة العاصي منه ـ تعالى ـ لعدم مدخليّة الإطاعة والعصيان في الثواب والعقاب، لكن جرت سنّته بإثابة المطيع، وتعذيب العاصي {ولن تجد لسنّة الله تبديلاً}21، فكلّ ما يصل من الله الى العبد من الخير والثواب تفضّل منه ـ سبحانه ـ لا لأهليّة العبد واستحقاقه.

    إذا تمهّدت هذه نقول: على وفق قواعدهم المذكورة: إنّه (عليه السلام) لمّا علم جريان سنّته بإفاضة الخير والجود عند تمسّك العبد بالوسائل ـ وكان من أعظم الوسائل هو الفقر ـ ، قال: «ها أنا أتوسّل إليك بفقري إليك». ولما كان هذا موهماً كونه مستحقّاً المسؤول بهذه الوسيلة، وأنّ لها أثراً في فعله ـ تعالى ـ نفاه بقوله: «وكيف أتوسّل إليك بما هو محال أن يصل إليك؟» نافياً كونه مؤثراً، مثبتاً قدرته واختياره ـ سبحانه ـ في كلا الحالين، فأثبت كونه وسيلة بحسب عادة الله وسنّته، ونفى كونه وسيلة مؤثرة بحسب الواقع لعدم إمكان التأثير من غيره ـ تعالى ـ فارتفع الاشكال واندفع التناقض.

المقالة الثالثة:

في حلّه على رأي الحكماء

    ويتوقّف بيانه على مقدّمتين:

    إحداهما: أنّ الممكن بما هو ممكن زوج تركيبي; لأنّ كونه ليس من ذاته غير كونه من فاعله، وهو مركّب الحقيقة منهما، وهذا هو المراد من قولهم: الممكن في حدّ ذاته ليس وبفاعله يصير، أي فكلّ ممكن مشتمل على هاتين الجهتين، ويعبّرون عن هذا العدم بالعدم الذاتي بمعنى عدم الاقتضاء، ويحكمون باجتماعه مع الوجود الفائض من العلّة، ولا يلزم اجتماع النقيضين لاختلاف الإضافة، فجميع الممكنات معدومة في حدود ذواتها، موجودة بفاعلها.

    الثانية: أنّه لابدّ من مناسبة بين العلّة والمعلول مطلقاً، سواء كانت العلّة من العلل الذاتيّة أو العرضيّة، وإلاّ لجاز استناد كلّ شيء إلى كلّ شيء، وكون كلّ شيء مصدراً لكلّ شيء، وما يرى في الوجود من الاختصاص22 يكون ترجّحاً من غير مرجّح، وهو محال، فتعيّن ضرورة المناسبة.

    إذا تقرّرت هذه فنقول: حلّه على رأيهم أنّه (عليه السلام) أراد أن يشير إلى أنّه ـ تعالى ـ كما يعطي الوجود الذي هو أعلم الكمالات، وأجلّ النعم إذ به ينال العبد كلّ خير وكمال، ولذّة ووصال، وبه يصل إلى سعادة الدارين، ومقاصد النشأتين، إذ لا يمكن أن يكون للمعدوم بما هو معدوم خير وسعادة ضرورة توقف الكمالات الثابتة، وما يتفرّع عليها على الكمال الأوّل الذي هو أصل آنيته، إذ به يظهر ماهيته وما يتفرّع عليها من خواصّه واعراضه، كذلك يعطي الوسائل إلى تحصيل السعادات، واستفاضة الخيرات، فجوده منوط بجوده، ورحمته مرتبطة برحمته.

    وهذا غاية التنزيه، وكمال التوحيد، ونفي الشرك الخفيّ الذي لا ينفكّ عنه إلاّ الخائضون في قمامس23 أنوار معرفته، والغائصون في بحار آثار قدرته. ولنعم ما قلت في أثناء تحرير هذا المقام:

    يا من تحقّقَ وجود العالمين من وجودك

    من ذرّة جودك وكرمك طَهَر الخلق

    جاهلون بذاتك نحن، وكلّ ما نعلمه عنك هي معرفتنا بآثارك

    لقد مزجتَ فيض الأزل بالعدم

    وبعثت إلى الوجود عالم الآثار

    الثرى إثر فيضك وإحسانك غدا وجهاً صبوحاً24

    علقة الدم غذت قلباً عارفاً25

    كلّ قطرة هي من بحرك

    كما الشمس التي هي ذرّة تجوب المدار

    الذهب بصفائه ولونه الزاهي منك

    قدرة قبضة الأسد منك

    الطمأنينة والعذاب والحزن والأمل

    كلّ ما له وجود فهو منك يا كريم

    أفصحَ كليمك عن هذا السرّ

    وأنطقَ بلسان العجز والسؤال

    لقد هَجَرَ الإيمان قلب السامريّ

    لأنّ لا أحد غيرك يهب الجسد روحاً26و27

    والوسيلة إلى قرب جنابه ـ سبحانه ـ إمّا أن تكون من ذات العبد الذي ليس أثراً لجعل الفاعل ـ أعني العدم الذاتي ـ المعبّر عنه بالفقر في كلامه (عليه السلام) أو من الله ـ تعالى ـ أعني الوجود الفائض منه ـ سبحانه ـ مطلقاً، سواء كان جزء ذات العبد المتوسّل كما عرفت في المقدّمة الأولى، أو جزء ذات غيره، فإذا بطل صلوح كون الأوّل وسيلة تعيّن الثاني لامتناع الواسطة بين النفي والإثبات.

    ولمّا كان الفقر مناسباً بالذات المتوسّل لضرورة مناسبة الذاتي لما هو ذاتي له، فيتوهّم صلوح كونه وسيلة أشار إليه (عليه السلام) في الفقرة الأولى بقوله: «ها أنا أتوسّل إليك بفقري إليك».

    ولمّا كان من شرط الوسيلة أن تكون مناسبة للطرفين ـ أعني المتوسِّل والمتوسَّل إليه ـ والفقر لا يناسب الغناء المطلق والإمكان أبعد من أن يصل إلى حضرة الحقّ أشار إليه (عليه السلام) في الفقرة الثانية بقوله: «وكيف أتوسّل إليك بما هو محال أن يصل إليك؟».

    فهذا الكلام منه (عليه السلام) بمنزلة القياس الاستثنائي كما علمت في مقدّمة الرسالة، فتعيّن أن يكون الوسيلة أثراً منه ـ سبحانه ـ سواء كان جزء ذاته كما عرفت أوّلا، ولا يخفى من مناسبة الأوّل للطرفين.

    أمّا مناسبته للمتوسّل فلكونه مظهراً لهويّته مبيّناً مقتضيات ذاته.

    وأمّا للمتوسّل إليه فلكونه أثراً منه، ولا يخفى ما بين الشيء وأثره من المناسبة، وأمّا إذا لم يكن جزء ذاته فمناسبتها للمتوسّل إليه بيّن لكونها أثراً منه، ومناسبته للمتوسّل يعلم بحكم تشابه آثار المؤثر الواحد، بل من حيث اتّحادهما سنخاً.

    وبالجملة مراده (عليه السلام) نفي كون وسائل ذاته الإمكانيّة، وذوات الممكنات من حيث إنّها ممكنات لأنّه لو أمكن هذا لكان الفقر الذاتي الذي ليس أثراً منه ـ سبحانه ـ وسيلة وهو محال فتعيّن أن يكون منه ـ تعالى ـ سواء كان نفس وجوده الذي هو جزء ذاته أوّلا، وهذا لا ينافي ثبوت بعض الآثار لبعض الماهيات دون بعض; لأنّ هذه الآثار ليست مستندة إلى إمكانه الذاتي الذي ليس متعلّق الجعل لاشتراكه بين الجميع، فتعيّن استنادها إلى المهية من حيث هي هي، والمهية كما هو الحقّ متعلّق للفعل وأثر للجعل، فصحّة كون بعض الأمور وسيلة بحسب الظاهر لحدوث بعض الآثار دون بعض لا ينافي المقصود; لأنّه لا يكون من جهة عدمه الذاتي الذي ليس متعلّقاً للجعل وسيلة، بل يكون وسيلة بجهة أُخرى، واعتبار آخر، وهو بهذه الجهة والاعتبار أثر منه تعالى.

    هذا آخر ما أردنا إيراده، والحمد لله أوّلا وآخراً.

    تمّت في يوم الاثنين الرابع عشر من شهر شعبان المعظّم سنة 1152 .

    فهرس مصادر التحقيق:

    1 ـ القرآن الكريم.

    2 ـ أعيان الشيعة للسيّد محسن الأمين، نشر دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1403 هـ .

    3 ـ إقبال الأعمال للسيّد رضي الدين علي بن طاووس، نشر دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران 1390 هـ (طبعة حجرية).

    4 ـ بحار الأنوار للعلاّمة محمد باقر المجلسي، نشر مؤسّسة الوفاء ـ بيروت 1403 هـ .

    5 ـ بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني، نشر لجنة إدارة الحوزة العلميّة ـ قم 1408 هـ .

    6 ـ البلد الأيمن للشيخ تقيّ الدين إبراهيم الكفعمي (طبعة حجرية).

    7 ـ بين التصوّف والتشيّع لهاشم معروف الحسني، نشر دار القلم ـ بيروت 1979 م .

    8 ـ تتميم أمل الآمل للشيخ عبد النبي القزويني، نشر مكتبة آية الله المرعشي ـ قم 1407 هـ .

    9 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة للشيخ آقا بزرگ الطهراني، نشر دار الأضواء ـ بيروت 1403 هـ .

    10 ـ زاد المعاد للعلاّمة محمد باقر المجلسي (طبعة حجرية).

    11 ـ فهرس مخطوطات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ المطبوع بالفارسيّة .

    12 ـ الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة «طبقات أعلام الشيعة» للشيخ آقا بزرگ الطهراني، نشر دار المرتضى ـ مشهد 1404 هـ .

    13 ـ الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة «طبقات أعلام الشيعة» للشيخ آقا بزرگ الطهراني، نشر جامعة طهران.

    14 ـ لباب الألقاب في ألقاب الأطياب للمولى الآقا ملاّ حبيب الله الشريف الكاشاني، المتوفّى سنة (1340 هـ)، نشر مكتبة «أبوذر الجمهري المصطفوي» ـ سمّاه في الذريعة 18: 277 رقم 93: لباب الألباب في ألقاب الأطياب .

    15 ـ لسان العرب لابن منظور الأفريقي المصري، نشر أدب الحوزة ـ قم 1405 هـ .

    16 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، نشر مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم 1403 هـ .

    17 ـ معالم العلماء لابن شهر آشوب المازندراني، المتوفّى سنة 588، نشر المطبعة الحيدريّة ـ النجف 1380 هـ .

    18 ـ الملل والنحل للشهرستاني، منشورات الرضي ـ قم 1364 هـ . ش .

    الهوامش :

(1) أوّل من أطلق هذين الاسمين هو ابن شهر آشوب، المتوفّى سنة «588 هـ» في معالم العلماء: 125 و 131 في ترجمة: متوكّل بن عمير بن المتوكّل، ويحيى بن عليّ بن محمد بن الحسين الرقّي.

(2) ترجمه الشيخ آقا بزرگ الطهراني في طبقات أعلام الشيعة ـ الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة ـ : 628، وترجمه أيضاً الملاّ حبيب الله الكاشاني في لباب الألقاب في ألقاب الأطياب: 63 ـ 64 .

(3) هو «رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل» تأليف السيّد علي الطباطبائي، المولود سنة «1161 هـ»، والمتوفّى سنة «1231 هـ».

(4) طبقات أعلام الشيعة ـ الكرام البررة ـ : 219 رقم 448، لباب الألقاب: 74 .

(5) ذكره في تتميم أمل الآمل: 57، طبقات أعلام الشيعة ـ الكواكب المنتشرة ـ : 8 ـ 11، أعيان الشيعة 2: 203.

(6) الذريعة 2: 505 رقم 1980، فهرس مكتبة آية الله العظمى المرعشي : 16/28 رقم 6025 الكتاب الثامن.

(7) لباب الألقاب: 63 ـ 64.

(8) فهرس مكتبة آية الله العظمى المرعشي: 17/221 رقم 6658.

(9) فهرس مكتبة آية الله العظمى المرعشي: 16/27 رقم 6025 الكتاب السادس.

(10) فهرس مكتبة آية الله العظمى المرعشي: 16/29 رقم 6025 الكتاب التاسع.

(11) فهرس مكتبة آية الله العظمى المرعشي: 16/29 رقم 6025 الكتاب العاشر.

(12) فهرس مكتبة آية الله العظمى المرعشي: 16/28 رقم 6025 الكتاب السابع.

(13) البلد الأمين : 251 ـ 258 ـ عنه البحار 98 : 213 ح2 .

(14) زاد المعاد : 248 ـ 268 .

(15) إقبال الأعمال : 339 ـ 350 ـ عنه البحار 98 : 214 وعن حاشية البلد الأمين ومصباح الزائر لابن طاووس.

وقال المجلسي (رحمه الله) في البحار 98 : 227 ح 4 : لا توجد هذه الزيادة في بعض النسخ العتيقة من الاقبال، وعبارات هذه الزيادة لا تلائم سياق أدعية السادة المعصومين أيضاً، وإنّما هي على وفق مذاق الصوفيّة، ولذلك قد مال بعض الأفاضل إلى كون هذه الزيادة من مزيدات بعض مشايخ الصوفيّة ومن إلحاقاته وإدخالاته.

وبالجملة: فهذه الزيادة إمّا وقعت من بعضهم، أوّلا في بعض الكتب، وأخذ ابن طاووس عنه في الاقبال غفلة عن حقيقة الحال، أو وقعت ثانياً من بعضهم في نفس كتاب الإقبال، ولعلّ الثاني أظهر على ما أومأنا إليه من عدم وجدانها في بعض النسخ العتيقة، وفي مصباح الزائر، والله أعلم بحقائق الأحوال. ـ بتصرّف يسير .

(16) اُنظر مثلاً تفسير مجمع البيان للطبرسي 2 : 323 ـ 324 ، ففيه تفصيل واف لما أشار إليه المؤلّف (رحمه الله) .

(17) الانفطار : 13 ـ المطفّفين : 22 .

(18) فرقة ظهرت في أواسط القرن الثاني أو في النصف الأخير منه; قيل: سمّوا بذلك للبسهم الصوف وقد اختاروه لرفضهم زينة الدنيا، واستغراقهم في أمر الآخرة; وقيل: لأنّهم آثروا الذبول والتواضع والتخفّي عن أعين الناس كانوا كالخرقة الملقاة والصوفة المرميّة التي لا يرغب فيها، فقيل عنهم صوفيّة نسبة إلى الصوفة المرميّة، فتكون نسبة الصوفي إلى الصوفة كنسبة الكوفي إلى الكوفة; وقيل: لأنّهم في الصفّ الأوّل بين يدي الله ـ عزّوجلّ ـ بارتفاع هممهم وإقبالهم على الله بقلوبهم، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه; وقيل ...

وأكثر معتقدات الصوفيّة وطرقهم لا تلتقي مع ما جاء به الإسلام من قريب أو بعيد، كالحلول والاتّحاد، ووحدة الوجود، والحقيقة المحمّديّة، ونظام الكون، والجنّة والنار، وغيرها.

ومن أقطابهم: إبراهيم بن أدهم، وحبيب العجمي، وذو النون المصري، وغيرهم. «بين التصوّف والتشيّع: 284 و 337 و 488».

(19) الأشعريّة: هم أصحاب أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري; قيل: ولد سنة سبعين ومائتين; وقيل: سنة ستّين ومائتين بالبصرة، وقد توفّي سنة نيّف وعشرين وثلاثمائة. جدّه الأعلى أبو موسى الأشعري، المتوفّى سنة 42; وقيل: 44 وهو ابن ثلاث وستّين سنة.

وإنّ أبا الحسن هذا كان معتزليّاً في بادئ أمره إلاّ أنّه رجع عن الاعتزال بسبب أسئلته التي كان يوجّه بها إلى أستاذه المعتزلي أبي علي الجبائي وما كان يجد لها جواباً.

وقد جاء الإمام الأشعري بمنهج معتدل، وقد أعلن أنّ المصدر الرئيس للعقائد هو الكتاب والسنّة، وفي الوقت نفسه خالف أهل الحديث ـ الذين يكتفون بظواهر النصوص والأحاديث ـ بذكاء خاصّ عن طريق استغلال البراهين العقليّة والكلاميّة على ما جاء في الكتاب والسنّة. ومن أعلامهم: القاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو منصور عبد القاهر البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وغيرهم. «الملل والنحل للشهرستاني 1 : 85، والملل والنحل للسبحاني 2 : 6 ـ 29».

(20) هم الّذين كانوا يتمسّكون بالعقل أكثر من النقل، ويؤولون النقل إذا وجدوه مخالفاً لفكرتهم وعقليّتهم، وكان التشاجر قائماً على قدم وساق بينهم وبين أهل الحديث الّذين تعبّدوا بظواهر الآيات والروايات من دون غور في مفاهيمها.

قيل: إنّ سبب تسميتهم هو اعتزالهم عن علي (عليه السلام) في محاربته لمخالفيه; وقيل: اعتزالهم عن الحسن بن علي (عليه السلام)ومعاوية، وقيل غير ذلك.

من أقطابهم: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل العلاّف، وأبو علي الجبائي، وغيرهم. «الملل والنحل للسبحاني 2 : 5 ، و 3 : 155 ـ 184» .

(21) سورة الأحزاب: 62، سورة الفتح: 23.

(22) أي اختصاص بعض الآثار ببعض المؤثرات دون بعض.

(23) القاموس والقومَس: قعر البحر; وقيل: وسطه ومعظمه; وقيل: أبعد موضع غوراً في البحر. «لسان العرب 6: 183 ـ قمس ـ ».

(24و25) إشارة إلى قوله ـ تعالى ـ في سورة الحجّ : 5 : «يا أيّها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانّا خلقناكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغةٍ ...».

(26) إشارة إلى قوله ـ تعالى ـ في سورة طه : 87 و 88 : {... فكذلك ألقى السّامريّ * فأخرج لهم عجلا جسداً له خُوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي}.

(27) كان المؤلف قد أنشأ شعراً بحدود 11 بيت باللغة الفارسية، فأثبتّه بالهامش، وما في المتن هو مدلول هذه الأبيات، وهي:

اى ز وجود تو وجود همه ذره از جود تو بود همه
ما كه نداريم ز ذاتت خبر از تو چه گوييم بغير از اثر
فيض ازل با عدم آميختى عالم آثار برانگيختى
دانه جود تو كشد دم بدم طاير ديگر ز شكاف عدم
از تو هوا خلعت تقرير يافت نقد سخن قيمت اكسير يافت
خاك ز فيضت رخ زيبا شده قطره خونى دل دانا شده
باز همان قطره ز درياى تست ذرّه خورشيد فلك ساى تست
قد خم و رنگ زر برى ز تو قوت سر پنجه شيرى ز تو
راحت و رنج و غم و اميد و بيم هر چه بود از تو بود اى كريم
كرد كليمت سر اين راز باز با تو بگفت از سر عجز و نياز
گر چه شد از سامرى ايمان بباد جز تو بتمثال كسى جان نداد