باب التيمم وأحكامه

التيمم على ضربين: تيمم هو بدل من الوضوء، وتيمم هو بدل من الغسل المفروض.
ويحتاج فيه إلى العلم بخمسة اشياء ! أولها: من يجب عليه التيمم وما يتبعه من أحكامه.
والثاني: متى يجب عليه التيمم وما يلزمه من أحكامه.
والثالث: ما يجوز أن يتيمم به وما لا يجوز.
والرابع: كيفية التيمم.
والخامس: ما ينقض التيمم.
اما الذي يجب عليه التيمم، فكل من عدم الماء من المكلفين للصلاة، او وجده غير أنه لا يتمكن من استعماله من برد شديد، او مشقة عظيمة تلحقه، او مرض يخافه، او لا يكون معه ما بتوصل به إلى الماء من آلة ذلك او ثمنه، او يحول بينه وبين الماء حائل من عدو او سبع او غير ذلك.
فمتى لم يكن شئ مما ذكرناه، لم يجز له التيمم.
فان وجد الماء بالثمن، وجب عليه شراؤه.
فلا يجوز له

[46]

التيمم، الا ان يبلغ ثمنه مقدارا يضر به في الحال.
فان كان معه ماء يسير يحتاج اليه للشرب، وجب عليه التيمم.
وكذلك إن كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، وجب عليه التيمم.
فاذا وجد الماء وجب عليه الطهارة.
وليس عليه اعادة شئ من الصلاة التي صلاها بذلك التيمم.
فان كان مريضا وجب عليه التيمم والصلاة به.
وليس عليه إعادة شئ من صلاته التي صلاها بتيممه.
فان خاف البرد العظيم في سفر وحضر، وجب عليه التيمم والصلاة، وليس عليه إعادة شئ مما يصلي بتيممه.
فان كان هذا الذي يخاف البرد يتيمم، وكان تيممه بدلا من الغسل اما من الاحتلام او مس الاموات او الحائض او المستحاضة او النفساء، وجب عليه التيمم والصلاة.
وليس عليه اعادة شئ من صلاته التي يصليها بذلك التيمم.
فان كان غسله من الجنابة التي تعمدها، وجب عليه الغسل، وان لحقه برد، إلا أن يبلغ ذلك حدا يخاف على نفسه التلف، فإنه يجب عليه حينئذ التيمم والصلاة.
فإذا زال الخوف، وجب عليه الغسل وإعادة تلك الصلاة.
وإذا مات الميت ولم يوجد الماء لغسله، او وجد غير أنه لا يمكن الحي استعماله لاحد الاسباب التي ذكرناها، وجب ان ان يتيمم.
فإذا تيمم، كفن وصلي عليه ودفن.
ويجب على من تيممه التيمم.
فإذا زال عنه المانع، وجب عليه الاغتسال.

[47]

والمجروح وصاحب القروح والمكسور والمجدور، إذا خافوا على نفوسهم استعمال الماء، وجب عليهم التيمم عند حضور الصلاة.
وإذا حصل الاسنان يوم الجمعة في المسجد الجامع، فأحدث ما ينقض الوضوء، ولم يتمكن من الخروج، فليتيمم، وليصل.
فإذا انصرف، توضأ وأعاد الصلاة.
وإذا احتلم الانسان في المسجد الحرام او مسجد الرسول فلا يجوز له ان يخرج منهما الا بعد ان يتيمم.
ولا بأس بترك ذلك في غيرهما من المساجد.
واذا حصل الانسان في أرض ثلج، ولا يقدر على الماء ولا على التراب، فليضع يديه جميعا على الثلج باعتماد حتى تنتديا، ثم يمسح وجهه من قصاص شعر رأسه إلى محادر شعر ذقنه مثل الدهن، ثم يضع يده اليسرى على الثلج كما وصفناه، ويمسح بها يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الاصابع، ثم يضع يده اليمنى على الثلج مثل ذلك، ويمسح بها يده اليسرى من المرفق إلى أطراف الاصابع، ويمسح بباقي نداوتهما رأسه وقدميه.
وان كان قد وجب عليه الغسل، فعل بجميع بدنه مثل ذلك.
فإن خاف على نفسه من البرد، أخر الصلاة إلى ان يجد الماء فيغتسل، أو التراب فيتيمم.
والتيمم يجب آخر الوقت إلى تضيقه.
فلا يجوز التيمم قبل دخول وقت الصلاة ولا بعد دخوله في أول وقت.
فمن تيمم

[48]

قبل دخول الوقت او بعد دخوله قبل آخر الوقت، وجب عليه إعادة التيمم، ولم يجز له أن يستبيح بذلك التيمم والصلاة، فان صلى بتيممه ذلك، وجب عليه إعادة الصلاة بتيمم مستأنف او طهارة إن كان قد وجد الماء.
ولا يجوز له التيمم في آخر الوقت الا بعد طلب الماء في رحله وعن يمينه ويساره مقدار رمية سهم او رميتين إذا لم يكن هناك خوف.
فإن خاف، لم يجب أن يتعدى المكان الذي هو فيه.
فمتى لم يطلب الماء وتيمم وصلى، وجب عليه إعادة الصلاة.
فإن نسي الماء في رحله، وقد تيمم وصلى، ثم علم بعد ذلك، والوقت باق، وجب عليه الوضوء وإعادة الصلوة.
فإن وجد الماء، وقد دخل في الصلاة وركع، لم يجب عليه الانصراف، بل يجب عليه المضي فيها.
فاذا فرغ منها، توضأ لما يستأنف من الصلاة.
فان وجد الماء قبل الركوع، وجب عليه الانصراف والتوضؤ واستقبال الصلاة.
فإن أحدث في الصلاة حدثا ينقض الطهارة ناسيا، وجب عليه الطهارة والبناء على ما انتهى اليه من الصلاة ما لم يستدبر القبلة او يتكلم بما يفسد الصلاة.
وان كان حدثه متعمدا، وجب عليه الطهارة واستيناف الصلاة.

واما الذي يتيمم به، فهو الصعيد الطيب الذي ذكره الله في كتابه جل ذكره وهو التراب الطاهر.

ويستحب أن يكون ذلك

[ 49]

من ربا الارض وعواليها.
ولا يكون ذلك من مهابطها.
فإن تيمم من مهابط الارض وكان الموضع طاهرا، لم يكن به بأس.
ولا بأس بالتيمم بالاحجار ولا بالارض الجصية، ولا بأرض النورة، إذا لم يقدر على التراب.
فإن كان في أرض وحلة لا تراب فيها ولا صخر، وكانت معه دابة، فلينفض عرفها أو لبد سرجها، ويتيمم بغبرته.
فإن لم يكن معه دابة وكان معه ثوب، تيمم منه.
فإن لم يكن معه شئ من ذلك، وضع يده جميعا على الوحل، ويمسح إحديهما بالاخرى، وينفضهما حتى يزول عنهما الوحل، ثم يتيمم.
ولا يجوز التيمم بما لا يقع عليه اسم الارض بالاطلاق سوى ما ذكرناه.
ولا يجوز التيمم من المعادن كلها.
ولا يجوز التيمم بالرماد ولا بالاشنان، ولا بالدقيق، ولا بما أشبهه في نعومته وانسحاقه، ولا بالزرنيخ.
ويكره التيمم من الارض الرملة.
وكذلك يكره من الارض السبخة.
فإذا أراد التيمم، فليضع يديه جميعا مفرجا أصابعه على التراب، وينفضهما، ثم يمسح إحديهما على الاخرى ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر رأسه إلى طرف أنفه، ثم يضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى فيمسحهما من الزند إلى أطراف الاصبع مرة واحدة.
هذا إذا كان تيممه بدلا من الوضوء.
فإن كان بدلا من

[50]

الغسل، ضرب بيده على الارض مرتين: مرة للوجه يمسح بهما على ما وصفناه، ومرة لليدين على ما بيناه.
والتيمم يكون بعد الفراغ من الاستنجاء إما بالاحجار أو بالخزف أو ما أشبهما.
ولا يترك الاستنجاء على حال.
وكذلك إن كان تيممه بدلا من غسل الجنابة، وجب عليه أن يستبرئ نفسه بالبول ويتنشف، ثم يتيمم بعد ذلك.
وإذا تيمم على ما وصفناه، جاز له أن يؤدي به صلوات الليل والنهار ما لم ينقض تيممه.
وإن تيمم لكل صلاة، كان أفضل.
والترتيب واجب في التيمم كوجوبه في الطهارة.
فإن قدم مسح اليدين، وجب عليه مسح الوجه ثم مسح اليدين.
وكل ما ينقض الوضوء.
فإنه ينقض التيمم، وينقضه زائدا على ذلك وجود الماء مع التمكن من استعماله.
فإن وجد الماء منه ولم يتطهر، ثم عدمه ودخل وقت صلاة أخرى، وجب عليه إعادة التيمم.
فإن أحدث المتيمم من الجنابة حدثا ينقض الوضوء وكان معه من الماء مقدار ما يكفيه للوضوء دون الغسل، وجب عليه استيناف التيمم دون الوضوء.
وإذا اجتمع ميت ومحدث وجنب، ومعهم من الماء مقدار ما يكفي أحدهم، فليغتسل الجنب وليتيمم المحدث، ويدفن الميت بعد أن ييمم حسب ما قدمناه.
ويكره أن يؤم المتيمم المتوضين ولا بأس أن يأتم بهم.
وكذلك لا بأس أن يؤم المتيمم المتيممين،

[51]

وأن يأتم بهم على كل حال.