الكلام في صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد واله الطاهرين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أقول - مستعينا بالله -: لما وصل بحث سيدنا الاستاذ في باب الصلاة الى صلاة الجمعة شرع فيها وبين انظاره في أصل حكم صلاة الجمعة بنحو الايجاز والاختصار. واغتنمت الفرصة وكتبت ما افاد وعلقت عليه بعض الايرادات وما خطر بالبال مع مراعاة الاختصار أيضا. قال: ويقع الكلام فيها في جهتين: (الجهة الأولى) في وجوب عقدها وإقامتها. (والجهة الثانية) في وجوب الحضور بعد الانعقاد. ولنقدم الكلام في الجهة الأولى، والمحتملات في ذلك ثلاثة: 1 - وجوبها تعيينا، ونتيجته عدم إجزاء الظهر عنها. 2 - عدم مشروعيتها، ونتيجته عدم إجزائها عن الظهر. 3 - وجوبها تخييرا بينها وبين صلاة الظهر، ونتيجته إجزاؤها عن الظهر وبالعكس. وقد وقع الاختلاف بين العلماء في ذلك بعد اتفاقهم على وجوب صلاة الجمعة اجمالا، بل قامت عليه ضرورة الدين، ولم يخالف فيه احد من المسلمين. اما الوجوب التعييني لصلاة الجمعة فهو مذهب الشهيد الثاني - قدس سره - في رسالته المؤلفة في صلاة الجمعة. وتبعه صاحب المدارك - قدس سره - . واما القول بعدم مشروعيتها فعليه الشهرة بين المتقدمين بل نقل اتفاقهم على ذلك والاختلاف نشأ بعد الشهيد - قدس سره -. واما القول بالتخيير فنسب الى الشهيد الثاني - قدس سره - في قوله الاخر في باقي كتبه. وذكر صاحب الجواهر - قدس سره - ان الرسالة قد يظن صدورها منه في حال صغره لما فيها من الجرأة التي ليست من عادته على اساطين المذهب وكفلاء ايتام ال محمد (عليهم السلام) وحفاظ الشريعة، ولما فيها من الاضطراب والحشو الكثير، ولمخالفتها لما في باقي كتبه من الوجوب التخييري. اقول: الأقوال في المسألة ثلاثة: الوجوب التعييني مطلقا. الوجوب التعيين حال بسط يد الامام وعدم المشروعية حال عدمه. الوجوب التعيني حال بسط يد الامام والتخيير حال عدمه. واما المحتملات التي افاده - دام ظله - فان اراد منها ما هو محتمل بحسب اصل الشرع لافي خصوص زمان عدم بسط يد الامام كم هو الظاهر لأنه ملتزم بالوجوب التخييري كذلك، أي يرى ان سنخ تشريع الجمعة هو الوجوب تخييرا. وقد صرح بذلك في جواب ما سألنا عنه ويظهر ايضا في منض استدلاله على ما اختاره فانه يحمل الاخبار الدالة عنده على الوجوب على الوجوب التخييري، وليس هذا الا الالتزام بالتخيير بحسب اصل الشرع أي حتى حال حضور الامام (عليه السلام) وبسط يده، فلم يعهد بين القدماء الا القول بالوجوب التعييني. اما عدم المشروعية فمخالف لضرورة الدين وقد صرح هو به أيضا. واما الوجوب التخييري فاسناده - دام ظله - الى الشهيد الثاني - قدس سره - في غير محله. فان مختاره في سائر كتبه هو الوجوب التخييري في زمان الغيبة لا بحسب اصل الشرع، فانه صرح في الروضة اثناء كلامه في ذيل عبارة الشهيد الأول - قدس سره - «مع امكان الاجتماع في الغيبة»: والحال انها في حال الغيبة لا تجب عندهم عينا وذلك شرط الواجب العيني خاصة. وصرح في اخر كلامه: ولو لا دعواهم الاجماع على عدم الوجوب العيني لكان القول به في غاية القوة، فلا اقل من التخييري، مع رجحان الجمعة. وكلامه صدرا وذيلا ينادي بأنه يريد اختيار الوجوب التعييني مع حضور الامام، والوجوب التخييري في زمان الغيبة. فما اختاره - دام ظله - من القول بالوجوب التخييري بحسب اصل الشرع حتى حال حضور الامام وبسط يده فليس في كلمات القدماء منه عين ولا اثر، وان اراد منها في خصوص زمان الغيبة فالقول بالتخيير وان كان صحيحا على ما سنبين، الا انه ليس هو التخيير بحسب اصل الشرع الذي هو ملتزم به، بل ليس هو التخيير في مرحلة الجعل ايضا حتى حال عدم بسط يد الامام، بل المراد منه هو التخيير في مرحلة الامتثال حال عدم بسط يد الامام، فان مبنى هذا القول ان صلاة الجمعة ولائية، أي لاتجب عينا الا مع وجود الامام او من نصبه، ومع ذلك ثبتت المشروعية عند عدم وجود ولي الامر بدليل. ومعنى ذلك اشتراط الوجوب التعييني بوجود ولي الأمر واطلاق المشروعية، ويتضح هذا ازيد من ذلك ان شاء الله. هذا مضافا الى أن اسناده القول بعدم المشروعية الى المشهور ليس في محله، بل المشهور والمعروف بين القدماء هو القول بالتخيير كما يظهر من كلام الشهيد الثاني المتقدم أيضا. نعم يمكن ان يقال ان مراده - مد ظله - من هذه المحتملات هو الوجوب التعييني مطلقا، وعدم المشروعية حال الغيبة، والوجوب التخييري مطلقا، الا انه بعد الاغماض عن لزوم البيان حينئذ، وعدم معهودية الوجوب التخييري مطلقا، يرد عليه بأنه لا ينحصر الاقوال حينئذ بما ذكر، بل هناك قول اخر وهو المشهور بين القدماء وهو القول بالوجوب التعييني مشروطا بوجود الامام او من نصبه، والوجوب التخييري في زمان الغيبة وهو الصحيح عندنا بالمعنى المذكور، أي اشتراط الوجوب واطلاق المشروعية، ويظهر خلال الابحاث ان شاء الله ومنه التوفيق. قال: وكيف كان فالحق في المقام هو القول الثالث وهو القول بالتخيير فلابد من التكلم في مقامين: (المقام الأول) نفي وجوبها تعيينا في قبال من زعم ذلك. (المقام الثاني) اثبات مشروعيتها في قبال القول بالحرمة. وهذا المقدار كاف في اثبات التخيير كما يظهر ان شاء الله. اما المقام الأول: وهو نفي عينية الوجوب فيكفي فيه عدم الدليل عليه، فلابد من بطلان ادلة القائلين بالوجوب التعييني. وقد استدلوا على ذلك (اولا) بالاية الكريمة: «يا ايها الذين امنوا اذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون»(1). بتقريب ان اختصاص يوم الجمعة بالذكر يدل على ان النداء انما هو لصلاةالجمعة، فحينئذ تدل الاية الكريمة على انه متى نودي لصلاة الجمعة يجب السعي اليها، فان الامر ظاهر في الوجوب ولاسيما في الايات القرانية كما في الحدائق، ولم نعرف وجها للاختصاص وهذا معنى الوجوب. والجواب عن هذا يظهر بأدنى تأمل: (اولا) ان الاية الكرمية علق فيها وجوب السعي على تقدير تحقق النداء فلا تدل على وجوب صلاة الجمعة مطلقا بل تدل على وجوبها مشروطا بتحقق النداء ويحتاج اثبات وجوب النداء الى دليل. اقول: الاحسن ان يقال: انه لو كان النداء دخيلا في وجوب صلاة الجمعة فالاية لا تدل على وجوب العقد، بل غاية انها تدل على وجوب صلاة الجمعة عند النداء، فيحتاج وجوب النداء الى دليل. ولا فرق في ذلك بين ان يكون المراد من النداء هو الأذان عموما او الأذان لخصوص صلاة الجمعة. ولو كان النداء غير دخيل في ذلك فيكون ما ذكر في الاية عنوانا طريقيا كفائيا لما هو شرط للوجوب، فيحتمل ان يكون ذو الطريق ارادة من له الاقامة، أي اذا اراد من له الاقامة اقامة الصلاة فاسعوا. فتكون الاية من ادلة المنصبية، ويحتمل ان تكون ذو الطريق ارادة الاقامة مطلقا. فالاية حينئذ لا تدل على الوجوب عند عدم الارادة. نعم قد يقال بل قيل: ان ذا الطريق دخول الوقت، ولكنه قول بلا شاهد بعد الاحتمالات السابقة.


______________________________
_ (1) الجمعة:9.

وأما ما اعترض على صاحب الحدائق من انه لا نعرف وجها لاختصاص الأوامر القرانية بالدلالة على الوجوب، وجهه وحدة الامر والحاكم (المولى) فيها وتعددهما في غيرها، فان وجه حمل الأوامر على الوجوب انما يجري اذا كانت صادرة عن المولى بداعي البعث، كما هو كذلك في الاوامر الواردة في الكتاب الكريم في مقام بيان الاحكام. واما اذا كانت صادرة للارشاد كما هو الشان في أوامر المعصومين (عليهم السلام) في بيان الأحكام الشرعية فانها صادرة عنهم (عليهم السلام) لحكاية احكام الله تعالى لا في مقام اعمال مولويتهم (عليهم السلام) بل للارشاد الى احكامه تعالى وهو المولى، فهي تابعة للمرشد اليها، نظير الاوامر الصادرة عن الفقهاء في مقام بيان الفتوى، ويسمى هذا النوع من الأوامر بـ«الأوامر الافتائية» هذا هو الوجه، وان كان فيه بحث، وقد بين هذا الوجه والدي العلامة - اعلى الله مقامه - في توجيه ما ذكره صاحب الحدائق - قدس سره - ونقلت عنه باسمه اداء لبعض حقوقه مع اعترافي بالعجز عنه فانه قد دأب على تربيتي وتغذيتي بالاداب الدينية والعلوم الاسلامية وصرف نفسه ونفيسه لرعايتي وتقويمي ومع ذلك هو من جملة اساتذتي ومشايخي تغمده الله برحمته ورضوانه واسكنه بحبوحة جنانه انه سميع مجيب. قال: (ثانيا) سلمنا لكن المذكور في الاية وجوب السعي وهو المشي السريع، ولم يقل بوجوبه احد حتى القائلين بالوجوب التعييني. مضافا الى ان ترتب المشي السريع على النداء دال على ان المراد بذكر الله هو الخطبة، والا فلا وجه للسعي بمجرد النداء، مع ان الخطبة فاصلة بين الاذان والصلاة. ولا نلتزم بوجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة فضلا عن السعي اليها ولم يلتزم به الخصم ايضا. ويدل على ان المراد من ذلك هو الخطبة ما في الاية المباركة المتأخرة: «واذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما»(1). فان الظاهر من ذلك هو القيام للخطبة. على ان الاية المباركة دالة على ان السعي المذكور فيها غير واجب فقد قال سبحانه: «ذلك خير لكم» وكلمة خير افعل التفضيل وهو ظاهر في ارجحية المفضل على المفضل عليه، وهذا لا يزيد على المحبوبية والاستحباب. وبهذا ظهر انه ولو كان المراد من ذكر الله هو الصلاة ايضا لم نلتزم بأن المذكور في الاية وجوب السعي، لمكان كلمة خير. وايضا بهذا ظهر انه لايمكن التمسك لهذا القول بالاية المتأخرة عن هذه الاية، وهي قوله تعالى «واذا رأوا... الخ» بتقريب انها في مقام ذم تارك صلاة الجمعة. فان في ذيل هذه الاية ايضا كلمة خير «قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة»(2) مضافا الى ان القيام هو القيام للخطبة لا للصلاة كما مر. فتحصل انه لا تدل الاية الكريمة على وجوب صلاة الجمعة. اقول: لو سلمنا ان الامر في كلمة «اسعوا» دال على الوجوب فمع ذلك لا تدل الاية على وجوب عقد صلاة الجمعة مطلقا، فانها في مقام الامر بالسعي الى صلاة الجمعة المنعقدة وليست في مقام ايجاب عقدها، فليست ناظرة الى شرائط الانعقاد، وبعبارة اخرى: ان الايةفي مقام بيان ما هو في طول تشريع شرائط الانعقاد، وبعبارة اخرى: ان الاية في مقام بيان ما هو في طول تشريع


______________________________
_ (1 و2) الجمعة: 11.

صلاة الجمعة وهو وجوب الحضور اليها بعد انعقادها فلا تدل على اصل التشريع سعة وضيقا الا بالادلة الاستلزامية، ولا اطلاق لهذا النحو من الادلة فان غايتها الدلالة على تشريع الجمعة اجمالا لا تفصيلا، فلا يمكن التمسك باطلاق الاية لا لوجوب عقد الجمعة لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، ولا لوجوب الحضور لمطلق صلاة الجمعة المنعقدة بعين تلك العلة. ومن هنا ظهر انه لا حاجة الى البحث عن دلالة «اسعوا» على الوجوب وعدمها، ولا الى البحث عن المراد من ذكر الله. ان قلت: ان الجملة الشرطية ظاهرة في بيان الملازمة بين الطرفين، والملازمة اطلاقا وتقييدا تدور مدار طرفيها، فالملازمة المطلقة ماكان طرفاها مطلقين، فعلى ذلك ظاهر الاية الكريمة اطلاق الملازمة بين وجوب السعي وتحقق النداء، وهذا لايتم الا بتمامية الاطلاق في تحقق النداء، أي متى تحقق النداء يجب السعي. فعلم وجوب الحضور الى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة. قلت: ان مورد نزول الاية الكريمة، وهكذا ذيلها «وتركوك قائما» قرينتان على ان الاية ليست في مقام بيان الملازمة بين المقدم والتالي بل انها ناظرة الى اثبات التالي على تقدير وجود المقدم الذي اخذ مفروض الوجود، وكم فرق بين الامرين. وبعبارة اخرى: ان القرينتين تدلان على ان الاية في مقام بيان وجوب الحضور الى الجمعة التي اخذت مفروض الانعقاد لا الملازمة بين الوجوب والانعقاد. وليس هذا من تخصيص عموم الوارد بقرينة المورد بل انه قرينة معينة لمصب عموم الوارد، فليتدبر. واما ما استدل به على عدم دلالة الاية الكريمة على الوجوب من قرينية مادة السعي على عدم ارادة الوجوب من الهيئة وقرينية «خير» على عدم الوجوب فانه من افعل التفضيل ففيه مالايخفى. فان «اسعوا» تدل على شدة الاهتمام بالحضور، وهذا يدل على ان الحضور مأمور به فلابد من الالتزام بوجوب الحضور لوجود ملاك حمل الأوامر على الوجوب فيه وهو تمامية حجة المولى على العبد وعدم ثبت الاذن في ترك الامتثال، ولم يثبت كون الخير في الآية من افعل التفضيل بل لعله نظير الأولوية في اية اولوا الأرحام تعييني. وفي مجمع البحرين: انه قد يكون اسم فاعل لايراد به التفضيل نحو «الصلاة خير من النوم» وما قال من عدم وجوب الحضور الى الخطبة غير مسلم، والبحث عنه موكول الى محله. قال: واغرب من ذلك التمسك باية اخرى وهي قوله سبحانه «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى»(1). بتقريب ان المراد من صلاة الوسطى هو الظهر في غير يوم الجمعة، وصلاة الجمعة في هذا اليوم. وقد فسرت الاية بذلك. الا انه لم يعلم تفسير المذكور الا بما رواه الطبرسي - قدس سره - في تفسيره(2). وهي رواية مرسلة دالة على ذلك، ولكنها من جهة ارسالها، لايعتدبها. مع انه لو سلمنا ذلك وقلنا بان المراد من الصلاة الوسطى ما يشمل صلاة الجمعة أيضا فحينئذ تدل الاية على وجوب المحافظة على صلاة الجمعة الا انها اجنبية عن بيان شرائط وجوبها. اقول: وبعبارة اخرى: ان الاية الكريمة كالاية السابقة ناظرة الى بيان ما في طول التشريع وفي المرتبة المتاخرة عنه وهي المحافظة على صلاة الجمعة التي اخذت مفروض الوجوب، فلا يكون ناظرا الى التشريع نفسه. نعم يعلم من ذلك التشريع بالاستلزام، الا ان غايته الكشف عن ذلك اجمالا لا تفصيلا، ولذا نقول: انه لا اطلاق لهذا النحو من الدلالة التي نسميه بالدلالة الاستلزامية. فلا تدل الاية الكريمة على سعة وجوب صلاة الجمعة


______________________________
_ (1) البقرة: 238. (2) مجمع البيان: ج2، ص343.

وضيقه، ولايمكن التمسك باطلاقها لاثبات وجوب الجمعة مطلقا ودفع ماشك في اعتباره في وجوبها. قال: (وثانيا) بالروايات، وهي كثيرة تبلغ حد التواتر ولو اجمالا، فيعلم صدور بعضها اجمالا مع ان عدة منها صحاح. نذكر جملة منها. (فمنها) صحيحة زرارة عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: انما فرض الله عز وجل على الناس من الجمعة الى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها الله عز وجل في جماعة وهي الجمعة ووضعها عن تسعة(1) الخبر. وهذه الرواية صحيحة سندا وتامة دلالة على ان صلاة الجمعة واجبة على جميع الناس عدا ما استثني فيها. اقول: الرواية وان كانت تامة الدلالة على الوجوب الا انه لايستفاد منها الوجوب بالنسبة الى عموم المكلفين (في خصوص صلاة الجمعة)، فانها مشتملة على قيد وهو (في جماعة). والاحتمالات في ذلك ثلاثة: الاول: وجوب تحصيل الجماعة. الثاني: وجوب الحضور للجماعة بمعنى ان كل مكلف موظف بالحضور حتى تحصل الجماعة. الثالث: وجوب الصلاة مشروطا بحصول الجماعة. ومع هذا كيف يمكن التمسك بالرواية لاثبات المطلق. وبعبارة اخرى: ان الرواية وان كانت دالة على وجوب صلاة الجمعة الا انها دالة على الوجوب في جماعة. ولا يعلم من الرواية ان الجماعة قيد للواجب


______________________________
_ (1) الوسائل: ج5 باب1 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث1.

أو الوجوب. وبعبارة ثالثة: ان «في جماعة» ظرف ولا يعلم انها ظرف للفرض او المفروض لو لم نقل بظهور العبارة في الأول. هذا. مع احتمال ان تكون الجماعة دالة على الفرد المجهول والا فلو كان الظرف حالا عن الفرض لم يحتج الى «في»، فكلمة «في» تقتضي كون الجماعة ظرفا و لا حالا محضا فيكون المراد انه فرضها الله عز وجل في جماعة خاصة من الجماعات، فلا يستفاد الوجوب حينئذ من الرواية حتى مع اقامة الجمعة وتحقق الجمعة في زمان الغيبة، لعدم العلم بانطباق الجماعة المذكورة في الرواية على هذه الجماعة المنعقدة، فافهم. على ان الادلة الدالة على المنصبية تفسر الجماعة بالحكومة التفسيرية، هذا والمهم هو الاشكال الاتي، فلاحظ. قال: نعم قد يناقش في ذلك: ان الرواية ليست الا في مقام بيان اصل وجوب صلاة الجمعة كسائر الصلوات، أي انما هي في مقام بيان تعداد الصلوات الواجبة فلا اطلاق لها في مقام البيان لسائر الجهات من شرائط الوجوب والواجب وغير ذلك. اترى امكان التمسك باطلاق هذه الرواية لدفع ماشك في شرطيته وجزئيته لسائر الصلوات؟ ولكن المناقشة واردة على الأخذ بالاطلاق لدفع شرائط المأمور به المشكوك فيها لا لدفع ما شك في شرطيته للوجوب، فانها في مقام بيان وجوب ما ذكر فيها من الصلوات على جميع الناس ولاسيما بملاحظة الاستثناء الوارد في ذيلها فلو كان لوجوب الصلاة شرط اخر غيرما يفهم من ذيل الرواية لكان الموضوع عنهم عشرة لا تسعة فاذا الرواية بحسب الدلالة كسندها لابأس بها. أقول: التحقيق ان الراوية ليست في مقام بيان مطلق شرائط الوجوب، فانه بقرينة ذكر من كان على رأس فرسخين في عقد الاستثناء يعلم انها في مقام بيان وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة، فغاية ما تكون الرواية في مقام بيانه من شرائط الوجوب هي الشرائط المعتبرة في المكلف بالحضور كالبلوغ والعقل وغير ذلك من المذكورات. واما غيرها مما هو دخيل في وجوب عقد الجمعة فليست الرواية ناظرة اليه. ومن هنا يعلم دفع ما افاده من انه لو كان للوجوب شرط اخر غير ما ذكر في عقد الاستثناء لكان اللازم استثاء غير واجد الشرط ايضا. فان دخول الوقت او الاقتدار على الخطبة ولو في الجملة شرط للوجوب يقينا، ومع ذلك لم يذكر في الرواية. والسر في ذلك ما ذكرناه ن ان الرواية مسوقة لبيان وجوب الحضور بعد الانعقاد وشرائط وجوب الحضور لا الانعقاد، وشرائط وجوب العقد. فلا تدل الرواية لا على وجوب العقد مطلقا ولا على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة، فتدبر جيدا. قال: (ومنها) حسنة زرارة عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: صلاة الجمعة فريضة والاجتماع اليها فريضة مع الامام، فان ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولايدع ثلاث فرائض من غير علة الا منافق(1). (ومنها) صحيحة ابي بصير ومحمد بن مسلم قالا: سمعنا ابا جعفر محمد بن علي (عليه السلام) يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير


______________________________
_ (1) الوسائل: ج5 باب 1 من ابواب صلاة الجمعة، وادابها حديث8و11.

علة طبع الله على قلبه(1). ولا بأس بدلالة الروايتين كسندهما فانهما بالعموم تدلان على وجوب الجمعة على كل احد. اقول: (اولا) الحسنة مشتملة على كلمة (مع الامام) ولاينبغي الاشكال في ظهوره في امام خاص فيها، ولو لم يكن ظاهرا في ذلك في غيرها فانه لو كان المراد مطلق من يقتدى به لكان القيد مستدركا بذكر الاجتماع اليها ولزم اللغو، فدفعا لمحذور اللغوية لابد من ان يكون القيد اشار الىاشتراط وجوب الاجتماع بالامام الخاص، فالرواية من ادلة المنصبية، فهي دالة على خلاف المطلوب. (ثانيا) لو تنزلنا عن ذلك ولم نقل انه امام خاص فلا اقل من انه محتمل، لعدم ارادة الجنس منه يقينا فهو معهود فيكون مجملا. اترى ان ما بين الشرائط المعتبرة في الامام ناظر الى هذه الرواية بلسان التقييد ام يبين المراد منه بنحو التقييد ومن باب ضيق فم الركية. (ثالثا) لو تنزلنا عن ذلك وقلنا انه ظاهر في مطلق من يقتدى به الا ان ادلة المنصبية على ما سيجيء الكلام فيها يعين المراد منه، وانه ولي الامر او من نصبه. (رابعا) ان الرواية غير ناظرة الى بيان كيفية التشريع وشرائطه. واليك تحليل الرواية: اما صدرها «صلاة الجمعة فريضة» فلا يكون مسوقا الا لبيان اصل الشرع، فلا دلالة له حتى بالاطلاق على وجوب الجمعة على كل واحد، بل ليس ذلك مصبا للاستدلال عند المستدل ايضا. واما الجملة الثانية، وهي «الاجتماع اليها فريضة» فناظرة الى بيان وجوب الاجتماع الى صلاة الجمعة المنعقدة وليست ناظرة الى بيان شرائط الانعقاد فلا يمكن الاستدلال بها لاثبات وجوب الانعقاد مطلقا او وجوب


______________________________
_ (1) الوسائل: ج54 باب 1 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث8و11.

الحضور الى مطلق صلاة الجمعة المنعقدة. واما الذيل: وهو «فان ترك رجل.... الخ» فيحتمل ثبوتا ان يكون تفريعا على الجملة الاولى او على الجملة الثانية او كلتيهما، فلو كان تفريعا على الجملة الاولىيكون المراد من الترك هو ترك الاتيان بصلاة الجمعة. ولو كان تفريعا على الجملة الثانية يكون المراد منه ترك الحضور الى الجمعة المنعقدة. ولو كان تفريعا على كلتا الجملتين يكون المراد منه اعم من ترك الحضور والاتيان. اما على الأول: فذيل الرواية ناظرة الى رتبة الامتثال وهو ترك الجمعة المفروضة، وهذا في الرتبة المتأخرة عن شرع الجمعة، وفي طول ذلك فلا تدل عليه الا بالاستلزام، وقد ذكرنا ان الدلالة الاستلزامية لا اطلاق لها فلا تدل على اطلاق شرع الجمعة. واما على الثاني: مضافا الى انها ناظرة الى مرحلة الامتثال، لا تدل على ازيد مما يستفاد من الجملة الثانية نفسها وهو وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة من دون نظر الى شرائط الانعقاد. وظهر بذلك حال الاحتمال الثالث لعدم استفادة اطلاق الشرع من الرواية على كلا التقديرين. مضافا الى ان التفريع على الجملة الاولى فقط مستلزم للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، فلابد إمّا من ان يكون التفريع على الجملة الثانية او على كلتا الجملتين. اما التفريع على كلتا الجملتين فمستلزم لاجتماع اللحاظين، ولا اقل من انه خلاف الظاهر، فلابد من ان يكون التفريع على الجملة الثانية فقط، وان ابيت فلا اقل من عدم الدليل على التفريع على ازيد من الجملة الثانية، فانه القدر المتيقن والزائد مشكوك فيه، فلاتدل الرواية بحسب ذيلها ايضا على ازيد من وجوب الحضور الى الجمعة المنعقدة، ساكتة عن شرائط الانعقاد. فتحصل انه لا اطلاق ولا عموم لهذه الرواية يدل على وجوب الجمعة على كل احد حتى مع قطع النظر عن ادلة المنصبية. هذا وسنذكر المستفاد من الرواية من جهة التفصيل بين اصل الصلاة والاجتماع اليها وانها ملائمة مع القول بالمنصبية، فانتظر. وقد ظهر مما ذكرناه اخيرا ان الرواية الأخيرة ايضا غير ناظرة الى مرحلة الجعل وتشريع صلاة الجمعة، بل هي ناظرة الى المرتبة المتأخرة عن التشريع وهي مرحلة الامتثال، فهي مسوقة لبيان ما في طول التشريع فلا تدل على التشريع الا بالاستلزام ولا اطلاق للدلالة الاستلزامية كما مر، فكيف تثبت بها كيفية التشريع. وبعبارة اخرى: ان الرواية تدل علىحرمة ترك الجمعة المفروضة وليست في مقام بيان شرائط انعقادها وشرائط وجوبها، فلا تدل على وجوب الجمعة لا عقدا ولا حضورا حتى بالاطلاق. قال: (ومنها) صحيحة ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: ان الله عز وجل فرض في كل سبعة ايام خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها الا خمسة: المريض والمملوك والمسافر والمرأة والصبي(1). وعموم هذه الرواية غير قابل للانكار. (ومنها) صحيحة منصور عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: الجمعة واجبة على كل احد لايعذر الناس فيها الا خمسة: المرأة والمملوك والمسافر والمريض والصبي(2). وهذه الرواية كسابقتها في الدلالة.


______________________________
_ (1و2) الوسائل: ج5 باب 1 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث14 و16.

مقام بيان شرائط الانعقاد، فلا تدل لا على وجوب العقد مطلقا، ولا على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة. والرواية الثانية ليست في مقام بيان وجوب الجمعة على كل شخص، فان ظهور الاستثناء في الاتصال يقتضي ان يكون المراد من الاحد هو الواحد النوعي لا الشخصي، فان المستثنى هي الانواع لا الاشخاص، فيكون مفاد الرواية ان الجمعة واجبة على كل نوع عدا ما خرج فهي في مقام بيان دخل النوع في الوجوب، لا الوجوب على كل شخص. وبعبارة اخرى: ان الرواية ليست في مقام تشريع الجمعة بل انما هي في مقام بيان نفي وجوبها مطلقا عن المذكورات، ودخل غيرها في الوجوب لا في مقام بيان وجوبها المطلق على كل واحد، فهي بمثابة ان يقال: الجمعة الثابتة في الشريعة كيف كانت واجبة على كل احد غير ما استثنى، لا تقييدا بل تقييدا من جهة ان الرواية في مقام بيان ما في طول التشريع، فافهم واغتنم. قال: ولكن هذه الروايات وان دلت على الوجوب على كل احد بالعموم الا ان دلالتها على التعيين انما هو باطلاق ولابد من رفع اليد عن هذا الاطلاق، وحمل الوجوب على الوجوب التخييري لوجوه، وهذا هو المقام الثاني من الكلام. اقول: على ما ذكرنا سابقا قد عرفت انه لم توجد حتى رواية واحدة تدل على الوجوب التعييني في زمان عدم بسط يد الامام حتى بالاطلاق. فان المهم من الروايات التي تمسك بها على القول بالوجوب التعييني ما مر، وسيجيء بعض اخر منها. وحاصل ما يقال في جميع هذه الروايات انها واردة في مورد حكم مرتب على التشريع فلا تدل على التشريع نفسه الا بالاستلزام، والدلالة الاستلزامية لا اطلاق لها بل هي مجملة من حيث سعة التشريع وضيقه، وقد مر بيان ذلك بنحو أوفى. وليعلم ان دلالة هذه الروايات ولو بملاحظة مجموعها على الوجوب التعييني في الجملة غير قابل للانكار فمع عدم الدليل على الوجوب التخييري مطلقا كما هو كذلك على ما سيظهر، نلتزم بالوجوب التعييني اجمالا. فما التزم به - دام ظله - أي الوجوب التخييري بحسب اصل الشرع مخالف لظاهر هذه الروايات من دون وجود دليل صالح عليه. ومحل نظرنا عدم استفادة الوجوب التعيني مطلقا حتى مع عدم بسط يد الامام من هذه الروايات، فالوجوب المستفاد منها أي الوجوب التعييني اجمالا لاوجه لحمله على التخييري كما سيظهر ان شاء الله، وما يمكن الالتزام بالتخيير فيه ليست هذه الروايات ناظرة الى حكمه، فتدبر جيدا. قال: (الاول) ان صلاة الجمعة من المسائل التي تعم بها البلوى ومحتاج اليها جميع الناس عدا ما استثني في الروايات فلو كانت مثل هذه الصلاة واجبة تعيينا لبان وظهر ظهور الشمس في رائعة النهار، كيف والمشهور بين القدماء عدم وجوبها تعيينا بل نقل على ذلك اجماعهم، وهذا اقوى شاهد على عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة. (الثاني) السيرة القطعية بين اصحاب الأئمة (عليهم السلام) كانت جارية على ترك صلاة الجمعة مع انهم اجلاء وردت في حقهم مدائح كثيرة، فلو كانت صلاة الجمعة واجبة تعيينا للزم تجاهرهم بالفسق والعياذ بالله. أترى أن زرارة مع شأنه الجليل ومنزلته الرفيعة وهو الذي كان من اصحاب سر الامام (عليه السلام) وورد في حقه ما هو غني عن البيان كان تاركا لهذه الفريضة مع وجوبها تعيينا ولا سيما بملاحظة ان عدة كثيرة من هذه الروايات الدالة على وجوبها وردت بطريقه، ودلت على كونهم تاركين لصلاة الجمعة. صحيحة زرارة من جهة دلالة الحث على ان زرارة واصحابه كانوا تاركين لها. وموثقة عبد الملك، فانها تدل على ان عبد الملك لم يصل الجمعة حتى مرة واحدة بحيث يقول له الامام (عليه السلام): مثلك يهلك ولم يصل. ونذكر الروايتين في الوجه الثالث. اقول: هذان الوجهان لايدلان على الوجوب التخييري بحسب اصل الشرع، بل غايتها الدلالة على عدم الوجوب التعييني في زمان عدم بسط يد الامام. فانهما دليلان لبيان، ولا اطلاق للدليل اللبي، فلعل منشأ الوجهين منصبية الجمعة. وبعبارة اخرى: انه لو اراد بذلك ان الوجهين دالان على عدم التعيين حتى زمان بسط يد الامام (عليه السلام) فبطلانه واضح. فمن اين ثبت ان ترك اصحاب الامام (عليه السلام) كان في زمان بسط يد الامام، واي دليل دل على انه لو كان واجبا تعيينيا مشروطا ببسط يد الامام لبان وظهر. وان اراد بذلك انهما دالان على عدم الوجوب تعيينا في الجملة فهو مسلم، الا ان الوجوب التخييري لا يثبت بذلك، هذا لو اغمضنا النظر عن ادلة المنصبية والا فالأمر واضح، فلا دلالة لهذه القرينة وماقبلها على عدم الوجوب التعييني بالنسبة الى اصل العقد. نعم دلالتهما للوجهين على عدمه في زمان عدم بسط يد الامام تمام ويظهر من الوجه الأول زائدا على ذلك عدم وجوب الحضور بعد الانعقاد في زمان عدم بسط يد الامام بنفس التقريب السابق، ونتعرض لذلك ان شاء الله. قال: ومما يدل على عدم الوجوب التعييني وثبوت التخيير نفس المعتبرتين وهما: صحيحة زرارة قال: حثنا ابو عبد الله (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد ان نأتيه. فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، انما عنيت عندكم(1). فان الجمع بين ترك زرارة وحث الامام يثبت التخيير. وموثقة عبد الملك بن اعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله. قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة(2). والتقريب كسابقتها. ولايمكن حمل المعتبرتين على ارادة حضور جمعة المخالفين بل ظاهر الروايتين اتيان الجمعة عندهم مع ان صلاة الجمعة معهم باطلة لفسق الامام. فكيف تكون مثل هذه العبارة «مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها الله» ناظرة الى ذلك، فلابد من حمل الروايات السابقة ايضا على التخيير بقرينة هاتين المعتبرتين. اقول: المعتبرتان وان دلتا على عدم الوجوب التعييني، الا انهما غير صالحتين لاثبات الوجوب التخييري. أولا: انهما من الأدلة المنصبية من جهة «نغدو عليك» و«كيف أصنع» والحث انما هو بلحاظ مابعد التشريع وفقدان الشرط وهو بسط يد الامام فتدلان على انه لو لم يكن من كان من شأنه الاقامة فالمكلف مرخص في تطبيق


______________________________
_ (1 و2) الوسائل: ج5 باب 5 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث1و2.

الوظيفة الفعلية على الجمعة، وهذا غير الوجوب التخييري لاصل العقد، بل غايته الدلالة على التخيير عند عدم الشرط المذكور. ثانيا: الروايتان لا تدلان على الوجوب التخييري مطلقا حتى مع قطع النظر عن المنصبية. فان الحث وهكذا صلوا في مقام الجواب عن الكيفية ناظران الى مرحلة الامتثال وهو في طول التشريع، فلا يدلان على سنخ التشريع. ومن هنا يظهر ان الروايتين لا تدلان على الوجوب التخييري حتى حال عدم بسط يد الامام ايضا، بل غايته الدلالة على التخيير في مرحلة الامتثال لا في مرحلة الجعل، فتكون النتيجة من ضم الامرين المذكورين (أولا وثانيا) اشتراط الوجوب واطلاق المشروعية. والحاصل: انه بملاحظة هذه الامور في الرواية أي «ترك زرارة واصحابه وهكذا عبد الملك لصلاة الجمعة» و«ارتكازية المنصبية عندهم المستفاد من الكلمتين - نغذو عليك - وكيف اصنع» و«حث الامام للاتيان» يستكشف ما ذكرناه أي الوجوب المشروط والمشروعية المطلقة. لايقال: ان غاية ما يستفاد من الرواية المشروعية بالنسبة الى زرارة واصحابه وعبد الملك، فان الرواية في مقام بيان الترخيص في هذا المورد الخاص، فكيف يستكشف منها المشروعية المطلقة؟. لأنا نقول: ان الرواية ليست في مقام بيان الترخيص في المورد الخاص بل انما هي في مقام الكشف عن المشروعية الواقعية وتطبيقها على ذلك المورد، فان الحث وهكذا تعبير «مثلك يهلك ولم يصل» يدلان على سبق المشروعية والحث على متعلقها بعنوان التطبيق، وهذا ظاهر. على انه لايستفاد من الروايتين ازيد مما ذكرناه على القول بعدم المنصبية ايضا، فانها واردة مورد حكم اخر غير تشريع الجمعة كما ذكرناه. فالمستفاد منهما جواز تطبيق الوظيفة ظهر يوم الجمعة على صلاة الجمعة حتى على القول بالمنصبية. وهذا يظهر من كلمة «صلاة الجمعة» في صحيحة زرارة ومن كلمة «فريضة فرضها الله» في موثقة عبد الملك، ولازم هذا الاجزاء ولو قلنا بالمنصبية فانه بعد الانطباق كون الوظيفة واحدة بل كون الظهر والجمعة ماهية واحدة، كما يستفاد مما دل على انه جعلت الخطبتان مكان الركعتين يكون الاجزاء عقليا لا محالة. ولذا نعبر عن ذلك بتطبيق الوظيفة الفعلية على الجمعة الذي يستلزم الاجزاء عقلا ولو بنحو اجزاء غير الواجب عن الواجب. وبعبارة اخرى: حيث ان الروايتين ناظرتان الى مرحلة الامتثال فلا تدلان على مرحلة الجعل حتى على الوجوب التخييري في تلك المرحلة. بل غايته الدلالة على اطلاق المشروعية ويعلم من تطبيق الامام (عليه السلام) صلاة الجمعة والفريضة على المأتي به ولاسيما بملاحظة مادل على ان الظهر والجمعة ماهية واحدة الاجزاء. ويعلم من ادلة المنصبية اشتراط الوجوب التعييني. فالنتيجة اشتراط الوجوب واطلاق المشروعية. ولازم ذلك التخيير في مرحلة الامتثال عند عدم الشرط. ولهذا توجد نظائر في الفقه مثل الوضوء الحرجي لو أتى به على قول بعضهم من صحة الوضوء المذكور مع انه غير واجب، والوجه في ذلك ان دليل الحرج بمقتضى امتنانيته انما يرفع اللالزام فقط دون اصل المشروعية الدال عليها اطلاق دليل الوضوء فالوجوب مشروط والمشروعية مطلقة. ومثل ما يقال من صحة صلاة غير البالغ وان بلغ بعد الاتيان بها في الوقت، والوجه فيه عين ما ذكر، فان دليل رفع القلم عن الصبي بمقتضى امتنانيته لايدل على ازيد من رفع اللازام بالنسبة اليه دون المشروعية التي تدل عليها اطلاق دليل الصلاة. فبالنتيجة وجوب الصلاة مشروط بالبلوغ ومشروعيتها مطلقة، وهذا غير الوجوب التخييري، كما لايخفى، بل هو امر اخر نعبر عنه باشتراط الوجوب واطلاق المشروعية فكما لايقال في مورد كون الوضوء حرجيا ان الواجب الوضوء او التيمم تخييرا وان كان كل منهما صحيحا مع الاتيان به، فكذا لا نقول بان الواجب في زمان عدم بسط يد الامام الجمعة والظهر تخييرا، بل نقول بان الواجب هو الظهر ويسقط باتيان الجمعة فانها ايضا مشروعة وان لم تكن واجبة الا مشروطة باقامة الامام المبسوط اليد. قال: ومما يدل على ذلك استثناء كل من كان على رأس فرسخين عن المكلف لصلاة الجمعة في عدة من الروايات، فلو كانت الجمعة واجبة تعيينا لكان جعل الحد لغوا محضا، بل كان تجب عليهم الاقامة في محلهم كغيرهم فانه ليس المراد منهم المسافر، لجعلهم قسيما للمسافر في مقام الاستثناء، ومن البعيد جدا عدم وجود سائر الشرائط كالعدد والاقتدار على الخطبة في الامام في محل اقامتهم فانه مامن محل لاقامة احد الا ويوجد فيها سبعة نفر من المسلمين وفيهم امام جماعة ويقتدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب، وهذا ظاهر. اقول: لو اثبتنا المنصبية - كما هو ثابت بالأدلة ويأتي ان شاء الله - فوجه عدم الوجوب بالنسبة الى من كان على رأس فرسخين ظاهر لعدم وجود الامام او من يقوم مقامه حينئذ. بل لو تنزلنا عن ذلك وقطعنا النظر عن ادلة المنصبية فمع ذلك هذه الروايات لا تدل على الوجوب التخييري، وهذا ظاهر. بل لا دلالة لها على نفي الوجوب التعييني على الاطلاق، فان عدم الوجوب بالنسبة الى من كان على راس فرسخين لازم اعم لعدم الوجوب التعييني والوجوب المشروط مع عدم حصول شرطه بالنسبة اليه، فكيف يتمسك به لاثبات عدم الوجوب التعييني على الاطلاق حتى مع حصول الشرط، والمراد من الشرط هنا وجود ولي الأمر (الأعم من الامام او من نصبه) وبسط يده للاقامة، كمالايخفى. قال: ومما يدل على ذلك الروايات الواردة في بيان وظيفة اهل القرى وانهم يصلون الجمعة اذا كان من يخطب، والا يصلون الظهر اربع ركعات. فانه لا ينبغي الاشكال في أن المراد ممن يخطب هو من يخطب فعلا لظهور الوصف في الفعلية لا من كان من شأنه ان يخطب لانه مضافا الى مخالفة الظاهر يكون التقييد في الرواية لغوا محضا، فانه ما من قرية الا ولها امام جماعة وهو يقدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب ومن شأنه ان يخطب. بل لو فرضنا ان الجمعة واجبة تعيينا لكان اللازم على جميع المكلفين تعلم الخطبة فان مقدمة الواجب المطلق واجبة، فلا وجه للتقييد، الا بان يكون المراد انه يجب على اهل القرى حضور الجمعة على تقدير الاقامة فعلا. وعلى تقدير عدم الاقامة يصلون الظهر. ويدل على ان المراد ممن يخطب ليس مطلق من يقتدر على الخطبة، بل المراد منه هو من يخطب فعلا، ترخيص الامام في بعض الروايات في الاتيان بصلاة الظهر يوم الجمعة جماعة ان لم يكن هناك امام يخطب. فلو كان المراد ممن يخطب مطلق من كان من شأنه ان يخطب، وكان انعقاد الجمعة على تقدير وجود من يقتدر على الخطبة واجبا تعيينيا لما صح اتيان الظهر بالجماعة لأن هذا من قبيل الاقتداء بالفاسق، فانه على ما ذكرنا لاتوجد قرية الا ويوجد فيها من يقدر على الخطبة ولو بمقدار اقل الواجب. بل لو لم يكن فيها من هو كذلك للزم تعلم الخطبة عليهم، فكيف يجوز الاقتداء بمثل شخص يقتدرعلى ايراد الخطبة مع عدم اقامته الجمعة او عدم تعلمه الخطبة. واليك بعض هذه الروايات: 1 - صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: نعم، ويصلون اربعا اذا لم يكن من يخطب(1). 2 - صحيحة عبد الله بن بكير قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوم في قرية ليس لهم من يجمع بهم، أيصلون الظهر يوم الجمعة في جماعة؟فقال: نعم، اذا لم يخافوا(2). 3 - موثقة سماعة قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة، فقال: اما مع الامام فركعتان، واما من يصلي وحده فهي اربع ركعات بمنزلة الظهر. يعني اذا كان امام يخطب، فان لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات وان صلوا جماعة(3). وهذه الروايات تدل على ما ذكرنا من دون التقييد بالقرية لعدم احتمال الخصوصية. فالمتحصل من هذه الروايات وجوب الحضور الى الجمعة عند قيام احد بالأمر وجواز ترك الجمعة عند عدم قيامه. فبضميمة مادل على وجوب العقد من الروايات السابقة نستنتج التخيير بالنسبة الى العقد


______________________________
_ (1) الوسائل: ج5 باب 3 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث1. (2) الوسائل: ج5 باب 12 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث1. (3) الوسائل: ج5 باب 5 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث3.

اقول: (اولا) ان غاية ما يستفاد من هذه الروايات ان وجوب الجمعة مشروط بفعلية الخطبة. واما شرائط فعليتها لفلا يستفاد منها. فلو قلنا بالمنصبية كما هو المشهور فبحكومة ادلة المنصبية على هذه الروايات حكومة تفسيرية يعلم ان المراد ممن يخطب هو ولي الامر او من نصبه. فتدل على عدم الوجوب عند عدم وجوده بلا فرق بين العقد والحضور بعد الانعقاد. ومع قطع النظر عن ادلة المنصبية فلا يستفاد من الروايات الا اشتراط فعلية الخطبة في وجوب صلاة الجمعة لا شرائط الفعلية. فلا يمكننا التمسك باطلاقها لدفع مايحتمل كونه شرطا في فعلية الخطبة، فلا تدل الرواية على وجوب الحضور الى مطلق الجمعة المنعقدة. (ثانيا) المذكور في الروايات هو اشتراط وجود من يخطب في وجوب الجمعة ولايراد منه الجنس يقينا، والمعهود يحتاج في تعيينه من دليل، فالروايات تصبح مجملة من هذه الجهة. وان شئت فاعتبر في نفسك ان مادل على شرائط الخطبة وقيودها هل هو مقيد لاطلاق من يخطب الواقع في هذه الروايات؟ او هو معين للمراد منها؟. والفرق بين الأمرين: ان وزان المطلق والمقيد - بالكسر - المنفصل عن المطلق وزان المقتضي والمانع، بخلاف ماسميناه بالمعين للمراد فانه معين لحد المقتضي من الاول من باب ضيق فم الركية. (ثالثا) ان هذه الروايات مشتلمة على كلمة الخطبة فيقع السؤال عن ذلك، وانه ماهي الخطبة، ومعتبرة العلل الواردة في بيان ماهية الخطبة مشتملة على كلمة الأمير ومطالب لاتناسب الا بالأمير، فيعلم منها ان من يخطب هو الأمير او من نصبه. (رابعا) لو سلمنا تمامية هذه الروايات في الدلالة على ما افاده - دام ظله - الا انه بازاء هذه الروايات ما دل على اعتبار المصر في وجوب صلاة الجمعة. وان شئت فقايس بين هذه الروايات الدالة علىتعليق وجوب الجمعة علىوجود من يخطب بالنسبة الى أهل القرية، وبين هذه الموثقة: «لا جمعة الا في مصر تقام فيه الحدود»(1). فبالمقايسة بين الطائفتين وتحاكمهما يظهر ان دخل المصر في الموضوع ليس دخلا موضوعيا، بل اشتراطه من جهة كونه وعاء لما هو الشرط وهو اقامة الحدود، وبعد ذلك فلاحظ انه أية مناسبة بين اقامة الحدود ووجود من يخطب. فاذا لاحظت بعين التدقيق والتدبر ترى ما هو المشهور من ان صلاة الجمعة منصب ولائي بلا غبار عليه، فافهم واغتنم. وان ابيت فلا اقل من اعتبار فعلية اقامة الحدود في صلاة الجمعة فاطلاق وجوب الحضور ممنوع. (خامسا) ان شيئا من هذه الروايات ليست في مقام البيان من جهة وجوب الحضور بعد الانعقاد بل انما هي ناظرة الى بيان حكم اخر في طول الشرع. اما صحيحة محمد بن مسلم فهي ناظرة الى بيان جواز صلاة الجمعة جماعة بالنسبة الى اهل القرى والتنويع بالنسبة الى الاتيان بالظهر والجمعة، وليست في مقام بيان اطلاق الوجوب وعدمه، وتوسعة من حيث الشرط وعدمه. وهكذا صحيحة عبد الله بن بكير. وأما موثقة سماعة فمضافا الى ما ذكر مشتملة على كلمة الامام وقد مر مايناسب ان يقال في ذلك. على ان الرواية وردت بمتون أربعة: منها ما ذكر وهو مشتمل على كلمة «يعني... الخ»، وفي بعض منها ليست هذه العبارة، وفي بعض منها جملة «بمنزلة الظهر» ساقطة، وفي بعض منها عبارة «يعني» المفسرة ساقطة مع وجود «وان صلوا جماعة فيها». فلا يعلم وجود عبارة «يعني اذا كان امام يخطب» في الرواية. مضافا الى انها لو كانت في الرواية فليست


______________________________
_ (1) الوسائل: ج5 باب 3 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث3.

من كلام الامام (عليه السلام) لعدم امكان تفسير الامام كلام نفسه الشريف بجملة يعني. فلابد من كونها من كلام الراوي ولايمكن الاعتماد على ما فهمه الراوي مع عدم ذكر منشأ فهمه. وليس شيء من الروايات المشتملة على «من يخطب» او ما بمعناه في مقام البيان من جهة توسع ذلك وتضيقه، على ان بعضها ناظرة الى ما هو شرط للانعقاد لا الوجوب لوجود خمسة فيها، فراجع. (سادسا) ان ما استفاده السيد الاستاذ - دام ظله - مبني على ان يكون كلمة «يخطب» خبر «كان» ولكن من المعلوم ان«كان» في الرواية ليست من افعال الناقصة بل هي فعل تام بقرينة كلمة «من» الموصولة، فان الموصول وصلته بمنزل الكلمة الواحدة. فمعنى اذا كان من يخطب: ان من يخطب بوجوده تاما شرط في وجوب صلاة الجمعة لا بوجوده ناقصا أي في حال الخطبة، فالشرط هو الوجود لا الخطبة، وهذا انما يناسب اذا كان من يخطب عنوانا لشخص خاص بحيث يكون وجوده شرطا في الوجوب. فعلى ذلك الرواية على خلاف المطلوب، وهو القول بالمنصبية ادل. نعم هذا البيان في «امام يخطب» غير جار الا ان يعلم المراد منه مما ذكرنا في «من يخطب»، فتدبر جيدا. قال: بقي الكلام في بعض ما استدل به على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة من الروايات. الأول: صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سعبة نفر من المسلمين، ولا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين احدهم الامام. فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم(1). فان موضوع الوجوب هو طبيعي السبعة، فاذا اجتمع سبعة ولم يخافوا وجب ان يؤمهم بعضهم ويخطبهم. ولكن الرواية لا تدل على الوجوب التعييني. فانه لو كان المراد من الوجوب على السبعة ان السبعة شرط للصحة، أي لا تصح صلاة الجمعة الا بوجود السبعة، فمع انه خلاف الظاهر تكون الرواية معارضة لما دل على ان الجمعة تصح من خمسة، ومنه ذيل هذه الرواية. ولو كان المراد ان السبعة بوجودها شرط للوجوب فيكون بيان هذا الشرط من اللغو الواضح، فانه ما من قرية بل وما من محل لاقامة احد الا وتوجد فيها سبعة. نعم يمكن فرض عدم وجود السبعة بالنسبة الى المسافر، ولكن الجمعة موضوع عنه فتنحصرافادة الشرط بفرد نادر، كالمرتاضين والساكنين في الجبال انفرادا، فاذا يكون الشرط هو الاجتماع، وتنادي الرواية - صدرا وذيلا - بذلك. فاذا اجتمع سبعة تجب عليهم الجمعة، وحينئذ الرواية دالة على وجوب الحضور بعد الانعقاد. واما بالنسبة الى الاجتماع فنحكم بالوجوب التخييري لما ذكرناه ولاخذه في الموضوع في هذه الروايات شرطا لوجوب الجمعة، وطبع كل شرط للوجوب ثبوت التخيير بالنسبة اليه. أقول: (اولا) نختار ان السبعة بوجودها شرط للوجوب، والمحذور انما يلزم اذا


______________________________
_ (1) الوسائل: ج5 باب 2 من ابواب صلاة الجمعة وادابها حديث4.