التقية
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله
الطاهرين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين،
واللعن الدائم علىاعداء ال محمد أجمعين.
وقبل الورود
في اصل المطلب لابد من تقديم امور:
الأول:
التقية لغة هي تحفظ الشيء عن امر ما، كوقاية المال
عن السرق والطفل عن الغرق والكتاب عن الحرق. ومن ذلك
التقية المصطلحة وهو تحفظ النفس عن ضرر الغير
بموافقته في قول او فعل مخالف للحق كما عرفها الشيخ
- قدس سره - بذلك. فليس في التقية جعل قبال المعنى
اللغوي، مضافا الى ان الالتزام بذلك بلا ملزم ثبوتا
مع عدم الدليل عليه اثباتا.
واما
التعريفات الواقعة في كلمات العلماء لذلك فليست من
جهة الالتزام بالوضع الجديد بل انما هي في مقام
الاشارة الى المصداق الخاص من التقية المعروضة
للأحكام الخاصة.
الثاني:
التقية ليست من العناوين المتأصلة التي لها مطابق
في الأعيان بل هي عارضة على الشيء كالفعل النحوي
المسمى بالحركة الفاعلية في اصطلاح
المعقول،
وحيث انه ليس للحركة الفاعلية جنس ولا فصل فليس لها
عنوان منتزع من صميم ذاتها فلا يكون عنوان التقية
عنوانا متأصلا بمعنى الانتزاع عن ذاتيات شيء ما حتى
يكون التطبيق عليها بلحاظ ذلك، وانما تكون معنونا
بالعناوين الخاصة بواسطة الحيثيات والاضافات
كالأكل والشرب وغير ذلك. ثم ان تلك العناوين حيث
تطرأ عليها بسبب الحيثيات والاضافات الأولية تسمى
بالعناوين الأولية.
وأما ما قد
ينطبق عليها من العناوين بعد تعنونها بالعنوان
الأولي فيكون عنوانا ثانويا لها، اذ هو في طول
العنوان الأولي كالجهل في الاكل جهلا والاضطرار في
الشرب اضطرارا، والتقية في العبادة تقية من هذا
القبيل، فالتقية من العناوين الثانوية الطارئة على
الحركة الفاعلية بعد عروض العناوين الأولية عليها
وفي طولها، ولذا قد يثبت العنوان الأولي بدون
التقية، وقد تثبت التقية في غير مورد ذلك العنوان.
الثالث: يظهر
بالتأمل مما ذكرنا انه لا ملازمة بين ثبوت حكم ما
على عنوان التقية وثبوته على معروضها وهو الشيء
بعنوانه الأولي، بل الظاهر من كل دليل دل على ثبوت
حكم على عنوان موضوع كون الموضوع بماله ن العنوان
معروضا للحكم مستقلا وبنفسه لا ان يكون سببا لعروض
الحكم على أمر اخر وان كان هو الموضوع لا معنونا
بذلك العنوان.
وعلى هذا
فالظهور الأولي لدليل التقية يقتضي كونها واسطة
لعروض الأحكام على عنوانها لا واسطة للثبوت فقط
فيكون نفس العمل الاوقع تقية محكوما بالحكم، وعلى
ذلك الأخير يحتمل في مقام الثبوت كون ما هو المجعول
بدليل التقية بدلا عن المأمور به ولو على نحو تنزيل
المبائن منزلة المبائن كما يحتمل كون لسانه تقييدا
للحكم الثابت على الشيء بعنوانه الأولي، وذلك ايضا
على انحاء ثلاثة: رفع الحكم عن الموضوع المركب
بأجمعه، ورفع الحكم عن
مورد التعذر
فقط جزء او شرطا، ورفع الالزام كما سيتضح ان شاء
الله تعالى.
الرابع:
وليعلم ان ادلة الحواكم مطلقا سواء كانت ناظرة الى
اصل الشرع او الالزام - على ما سيجيء الكلام في ذلك
- ترفع الحكم عن موردها لان عنوان الحاكم انما
ينطبق على مورد معنونه فقط، فلسانه قاصر عن رفع
الحكم عن غير مورد انطباق عنوانه، فهو يرفع مورد
عنوانه وهو مورد التعذر فقط.
نعم لو بنينا
على التنافر ثبوتا بين بساطة الحكم الوارد على
المركب وتبعضه بالنسبة الى كل جزء منه بسبب الأعذار
فلا محالة يرتفع اصل الحكم بارتفاع بعضه للعذر،
وحينئذ يكون ارتفاع الكل بارتفاع البعض بالاستلزام
العقلي، وقد دار في السنة القوم ان المركب عدم بعدم
بعضه، وهذا نسميه بـ«وحدة المطلوب».
فلو دل دليل
على ثبوت الحكم على الباقي كالميسور مثلا فلابد من
الالتزام بالتنزيل او تشريع جديد طولي، اذ الحكم
الأولي قد ارتفع بالعذر بالنسبة الى بعض متعلقه
واستلزم ذلك ارتفاع الحكم عن البقية، فيكون هذا
الحكم الثابت بالدليل حسب الفرض حكما مغايرا مع
الاخر.
وانا لو
بنينا على عدم التنافر وامكان التبعض ثبوتا
فالامكان الثبوتي ملازم للوقوع لاقتضاء الظهور
المحاوري ذلك، اذ هو مقتضى الجمع بين الدليل المثبت
للحكم الاولي المتعلق بالمركب والدليل الحاكم
الرافع للحكم عن مورد انطباق عنوان الحاكم. فرفع
الحكم عن المعسور لايستلزم رفع الحكم عن الميسور،
ونتيجة ذلك بقاء الحكم بالنسبة الى البقية بنفس
دليل الحكم الأولي ولا يحتاج الى دليل اخر مثبت له،
فدليل الميسور يصبح موافقا للقاعدة وتقريرا لدليل
الحكم الأولي لا تأسيسا لحكم جديد، وهذا نسميه
بـ«تعدد المطلوب».
فعلى ذلك لو
دل دليل على رفع الحكم عن الباقي ايضا كعقد
الاستثناء في
حديث لا
تعاد(1) فلابد من الالتزام بوحدة المطلوب، ويكون هذا
اللسان في الرتبة الثالثة، اذ مرتبة ثبوت الحكم
للمركب هي الرتبة الاولى، ومرتبة سقوطه عن البعض
المعذور هي الرتبة الثانية، ومرتبة سقوط الحكم عن
الجميع بسبب سقوطه عن البعض هي الرتبة الثالثة.
مثلا لقوله عليه السلام «اقيموا الصلاة» انما هو في
مرتبة جعل الحكم بالنسبة الى جميع اجزاء الصلاة
وشرائطها. وقوله عليه السلام «لا تعاد» في مرتبة
رفع الحكم عن جزء او شرط منسي و مضطر الى تركه،
ومرتبة قوله عليه السلام «الا من خمسة» في مرتبة
سقوط الحكم عن البقية حين سقوطه عن تلك الامور التي
نسميها بالاجزاء والشرائط الركنية ونجعلها عللا
لقوام الصلاة.
ثم لو فرض
دليل رابع دال على عدم سقوط الحكم عن البقية حين
سقوط الحكم عن تلك الامور أيضا في مورد من الموارد
- كباب صلاة الجماعة بالنسبة الى زيادة ركوع مثلا
- نقول بان هذا الدليل واقع في المرتبة الرابعة.
اذا عرفت ذلك
فلاحظ لسان الموثقة«التقية في كل شيء يضطر اليه ابن
ادم فقد احله الله له»(2) حتى ترى بان هذا اللسان هل
هو واقع في الرتبة الثانية كسائر الادلة الحاكمة ام
الرابعة؟ وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله.
هكذا افاد
بعض اساتيذنا ولكن لايمكن المساعدة لتمام ما ذكره
وبيان ذلك:
(اولا) بعد
ثبوت الحكم بنفس الدليل الأولي بالنسبة الى مورد
الاستثناء في حديث «لا تعاد» لا نحتاج الى عقد
الاستثناء حتى نجعل له رتبة محكومة او حاكمة.
______________________________
(1) الوسائل: ج3
باب 9 من ابواب القبلة حديث1.
(2) الوسائل:
ج11 باب 25 من ابواب الامر والنهي ومايناسبه حديث2.
(ثانيا) ان
الاستثناء حد للمستثنى منه لا انه مثبت لشيء بعد
الاستثناء، وماقيل من ان الاستثناء اخراج بظاهره
لايصح فان قوله جاء القوم الا زيد في مقام اثبات
المجيء لمن عدا زيد لا عدم المجيء له، ولو فهم عدم
مجيئه ايضا ليس لدلالة الاستثناء على الاخراج، بل
تحديد الجائي بغير زيد كاف لانفهام ذلك، فتدبر
جيدا. وكيف كان فذيل دليل «لاتعاد» حافظ لاطلاق
الدليل الاول لا انه مثبت لشيء.
(وثالثا) ان
الركنيات اعم من ذيل «لاتعاد» ولاسيما بملاحظتها
في غير باب الصلاة كالحج، ولا دليل في مطلقها حتى
يكون حكمها حكم موارد الاستثناء في حديث «لاتعاد»،
فما افاده من الترتيب بين دليل المأمور به وادلة
الحواكم لايصح مع انه غير مفيد لما هو بصدده، على ما
سيأتي الكلام فيه عند تعرضه ان شاء الله.
الخامس: لو لم
يكن دليل الحاكم بلسان التنزيل وجعل بدلية الناقص
مقام التام او المبائن منزلة المبائن، بل كان بلسان
التقييد ورفع الحكم الأولي عن مورد العذر فهل يرفع
بذلك اصل الشرع أو الالزام؟ فيه كلام، فالمتقدمون
حيث كانوا ملتزمين بالتركيب في الحكم من الجنس
والفصل، وان الوجوب مركب من رجحان الفعل مع المنع
من الترك اختلفوا فيها اذا ارتفع الوجوب هل يبقى
الجواز ام لا يرتفع بارتفاعه؟ الا ان مبنى هذا
الاختلاف فاسد، فان الحكم لو كان امرا تكوينيا
بمعنى ان طلب المولى أي تصديه نحو البعث، فقد مر عدم
تصور التركيب في الحركة الفاعلية سواء كان فعلا
جارحيا ام جانحيا.
ولو كان امرا
اعتباريا بأن يكون مفاد الهيئة أي النسبة البعثية
او جعل المادة على ذمة المكلف اعتبارا او البعث في
مقام التشريع جعلا من الشارع النافذ اعتباره او غير
ذلك من التعبيرات فبساطته اوضح من ان يخفى، لعدم
واقع للأمر الاعتباري في عالم العين فضلا عن تركبه
من الجنس والفصل، ولذا
توهم جمع من
المتأخرين ان ادلة الحواكم ترفع اصل الشرع، فان
الحكم الأولي قد ارتفع على الفرض ولا دليل على ثبوت
حكم اخر للعمل العذري، الا ان هذا ايضا باطل ضرورة
ان المجعول كما بنينا في موضعه عبارة عن ايجاد
البعث او الزجر وانشائهما وهو المنشأ لاعتبار اهل
الاعتبار عنوان الطلب وما بمعناه في الوجوب
والندب، وغيرهما كالابتعاد والتسخير مثلا خارج عن
هذا المفهوم عارض عليه بنحو الوصف المفارق، فان
المجعول في مورد الوجوب والندب واحد من حيث الذات
والحقيقة، ولا جزء لهذا الواحد اذ الجزئية نوع
التركب وهو لاجزاء له حسب الفرض من عدم التركب في
الفعل النحوي، والوصف المقارن غير مجعول بل هو حكم
العقل بلزوم تطبيق مراد المولى على الخارج ووجوب
اطاعته فلو اذن الشارع في ترك الامتثال يحكم العقل
بالاستحباب بخلاف عدم ترخيصه في ذلك فانه يحكم
بالوجوب.
وبعبارة
اخرى: الوجوب عبارة عن حكم العقل بلزوم العمل في
مورد الاعتبار مع عدم المؤمن، والاستحباب حكمه في
مورد الاعتبار ووجود المؤمن. وحينئذ دليل الحاكم
غير ناظر الى الأحكام بهذا المعنى فانه تقييد في
حكم العقل ولامعنى له، واما رفع اصل الاعتبار أي
تقييد الدليل وتنويع متعلق الحكم مناف للامتنان
الذي مستفاد من مساق ادلة الحواكم، واحتمال رفع
استحقاق العقاب ايضا ساقط لأن الحاكم بذلك هو
العقل، فانحصر ورودها في مقام الترخيص والاذن في
ترك الامتثال، وهذا تقييد في مورد حكم العقل لا في
نفسه، ويكون من شأن الشارع ذلك فانه جعل الترخيص
والتأمين انما هو بيده، فهذا ترخيص بلسان الحكومة.
وبهذا ظهر شرعية عبادات الصبي بل المجنون ايضا.
ومن الحواكم
دليل التقية، وقد مر ان التقية كما انها معروضة
للحكم وهو الوجوب كذلك سبب لعروض الحكم على الفعل،
أي يكون دليلها
حاكما على
الدليل الأولي فتكون رافعة للالزام لا لأصل الشرع،
وبهذا صححنا المسح على البشرة في مورد التقية وان
كان مخالفا لها، واجبنا عن الاشكالين في المقام،
الأول: ان جواز المسح على البشرة في مورد التقية
مرفوع، فكيف يحكم بالصحة؟ الثاني: ان المسح على
البشرة مخالف للتقية الواجبة فيحرم فيبطل. وقد ظهر
الجاوب عنهما. فان المرفوع انما هو الالزام لا اصل
الشرع، والمسح على البشرة مخالف للواجب التطبيقي
أي الاتقاء فمن جهة المسح يصح ومن جهة مخالفة
الاتقاء يحرم فالمسح الصحيح بلا حاجة الى الترتب.
نعم، يمكن تصوير البطلان من جهة عدم التمكن من قصد
القربة، وهذا أمر اخر.
هذا ولكن كل
ما ذكر مبني على ان لايكون الوجوب حكما شرعيا بل هو
حكم عقلي، والحكم الشرعي انما هو البعث او اعتبار
المادة على ذمة المكلف او المشروعية، وغير ذلك من
التعبيرات، وحيث ان رفع ما هو المجعول شرعا مناف
للامتنان فيكون وزان دليل الحاكم وزان المؤمن فلا
يحكم العقل بالوجوب، وهذا ما نعني من رفع الالتزام،
ولكن الصحيح ان الوجوب كسائر الاحكام الخمسة حكم
شرعي مجعول ويختلف عن الاستحباب من جهة داعي
المولى، فان البعث بداعي الالزام هو الوجوب وبداعي
المحبوبية هو الندب.
نعم، توهم ان
في رفعه خلاف الامتنان ات هنا ايضا، لكن يدفع بان
الامتنان في جعل مفاد دليل الحاكم لايقتضي كونه
موافقا للامتنان في الموارد الشخصية، بل الامتنان
اقتضى جعل قانون وهو رفع الوجوب والالزام عند طرو
عنوان موضوع دليل الحاكم كالتقية مثلا، وهذا
لايستلزم لزوم موافقة الرفع للامتنان في كل مورد من
موارد تطبيق الدليل، ولذا لا نرى صحة الوضوء في
موارد الوضوء الضرري والحرجي، وان حكم بعض الفقهاء
بالصحة ولا سيما في مورد الحرج، بدعوى ان امتنانية
دليل الحرج تقتضي رفع الالزام لا المشروعية، فان
حديث الامتنان لايقتضي ازيد ن نفي الجعل في مورد
الحرج،
فاذا انتفى
المجعول وهو الالزام او المشروعية او الجزئية او
غير ذلك يحتاج اثبات غيره الى دليل.
نعم، لا
نضايق عن الالتزام بعدم رفع اصل الحكم المجعول وكون
الرفع بمعنى الاذن في الترك في بعض الموارد اذا دل
عليه الدليل مثل مورد عبادات الصبي، الكلام فعلا مع
عدم وجود دليل غير دليل الحاكم مثل موارد التقية،
فان الظاهر من ادلتها نفي الأحكام الاولية
وتبديلها بغيرها.
فالنتيجة ان
العمل على خلاف التقية باطل لعدم الأمر به ومع جعل
الشارع بدلا عن الوظيفة الأولية لابد من الاتيان
به، ومع عدم الاتيان يحكم ببطلان اصل العمل من جهة
فقد الجزء، فالمسح على البشرة في مورد التقية لم
يشرع بأي كيفية كانت شرعية المسح، والمسح على غيرها
الموافق للتقية الذي اقتضى الدليل لزوم الاتيان
بها يكون جزء للوضوء حينئذ، ومع تركه والاتيان
بالمسح على البشرة يبطل الوضوء فان الجزء فيه لم
يؤت به وما اتى به ليس بجزء في هذا المورد.
والحاصل: ان
الوجوب مجعول قابل للرفع كما هو قابل للجعل، وظاهر
دليل الحاكم رفعه ولا يلاحظ الامتنان في المورد
الشخصي، بل انه في اصل جعل القانون، وعليه يحتاج أي
حكم اخر ثابت في المقام من دليل على حدة.
السادس: هل
يعتبر عدم المندوحة في تطبيق عنوان المأمور به على
المأتي به تقية ام لا. وبعبارة اخرى: هل يعتبر في
شمول اطلاقات التقية للمورد عدم التمكن من اتيان
العمل في غير ذلك المورد فلا يجزي الاتيان بالفرد
المنطبق عليه عنوان التقية عن المأمور به اولا
يعتبر ذلك فيكون المآتي به مشمولا لاطلاق دليل
التقية؟ وبما ان دليل التقية حافظ لاطلاق دليل
الحكم ومتمم لموضوعه فيكون مجزيا عن المأمور به
لكونه فردا له حقيقة، وليعلم ان المندوحة تتصور على
ثلاثة أقسام:
الأول:
المندوحة بالنسبة الى الافراد الطولية وهو امكان
اتيان العمل في غير زمان الاضطرار واماكن تطبيق
المأمور به على الفرد الاختياري منه في الزمان
المضروب ظرفا له.
الثاني:
المندوحة بالنسبة الى الأفراد العرضية وهو امكان
اتيان العمل في غير مكان الاضطرار ولو في زمان
الاضطرار وامكان تطبيق المأمور به على الفرد
الاختياري منه في مكان اخر غير مكان الاضطرار.
الثالث:
المندوحة بالنسبة الى حالات نفس المكلف ولو في
الظرف الواحد من الزمان والمكان مثل المسح على
الرجل في مورد الابتلاء بالعامة على نحو يتوهم
الناظر انه غسل رجله.
(اما الأول)
وهي المندوحة بالنسبة الى الأفراد الطولية فقد قيل
باعتبار عدمها في التقية، واستدل على ذلك بوجهين:
الأول:
انصراف دليل العذر عن مورد وجودها، بتقريب ان مصب
الادلة العذرية ما اذا كان العذر مستوعبا لجميع
ازمنة امكان ايجاد المأمور به، ويظهر ذلك من المحقق
الهمداني - قدس سره -. ولكن دعوى الانصراف لابرهان
عليه بعد امكان اجتزاء المولى بهذا الفرد اما لوجود
ملاك يناسب الاجتزاء بهذا الفرد علاوة عن كفايته في
الوفاء بغرضه وهو محبوبية الاستباق الى العمل
والاسراع في الامتثال، واما لوجود ملاك في مرحلة
الامتثال موجب للاجتزاء بهذا الفرد كمصلحة التسهيل
مثلا.
الثاني: -
وهو العمدة - اقتضاء الأخذ باطلاق دليل الحكم ذلك
بتقريب ان متعلق الحكم هي الطبيعة السارية وهي
السعي القابلة للانطابق على كل فرد من العمل في ظرف
المأمور به زمانا مابين المبدأ والمنتهى، ودليل
العذر انما هو ناظر الى تعذر المأمور به، وما لم يكن
العذر مستوعبا لم يكن المأمور به متعذرا، فالعذر في
اول الوقت مع وجود المندوحة بعده غير مشمول لدليل
الحاكم فيبقى
اطلاق دليل
الحكم الدال على لزوم الاتيان بالعمل تام الأجزاء
والشرائط على حاله.
ولن هذا ايضا
لايتم، فان الأمور به انما هو الطبيعي الصالح
للانطباق على كل فرد، ومن الافراد الفرد المتعذر
تطبيق الطبيعي التام عليه، فالمتعذر في ان التعذر
انما هو نفس الطبيعي المأمور به، والفرد بخصوصيته
الفردية غير متعذر لخروج المفردات عن دائرة الحكم
نفيا واثباتا، وحينئذ لايعقل تعلق الأمر به كتعلق
دليل الحاكم به حرفا بحرف، فالمتعذر هو الطبيعي
المطبق على هذا الفرد على نحو القضية الحينية لا
بنحو يكون الزمان قيدا لمتعلق العذر حتى يقال بأن
المكلف غير مضطر الى هذا الفرد الناقص.
وبعبارة
اخرى: ان الالتزام بعدم شمول دليل العذر للفرد
المتعذر مع وجود المندوحة مستلزم لتقييد دليل
الحكم بغير ذلك الفرد تقييد دليل الحاكم بالعذر
المستوعب، وكلاهما بلا موجب فالتحفظ على الاطلاقين
يقتضي كون دليل الحاكم معمما لاطلاق دليل الحكم
وحافظا له، أي كون المأتي به عذرا مصداقا للمأمور
به مجزيا عنه وهو ما ذكرناه، والمتحصل منه جواز
البدار لاولي العذار ومنها التقية.
(وأما الثاني)
وهي المدوحة بالنسبة الى الافراد العرضية فحيث انه
مع وجودها لايصدق عنوان الاضطرار والعذر على
الطبيعة المأمور بها ولو حينا ما، فلابد من
الالتزام باعتبار عدمها في اتيان الفرد المتعذر
والاجتزاء به.
بيان ذلك: ان
القدرة على امتثال التكليف صادق ولو بالقدرة على
ايجاد مقدماته، فايجاد المقدمة اعمال القدرة في
سبيل ايجاد المكلف به لا تحصيل لها، فالمكلف العاجز
عن امتثال التكليف في مكان خاص القادر على امتثاله
في مكان اخر ولو بايجاد مقدمته بان يذهب الى ذلك
المكان غير عاجز عن امتثال التكليف الاختياري ولو
في مكان الاضطرار، اذ في ذلك المكان قادر على
امتثال
التكليف بايجاد مقدمته فلا يصدق عليه عنوان المضطر
فلا تشمله ادلة الحواكم. نعم، لايمكنه امتثال
التكليف بتطبيق الطبيعي الاختياري على الفرد
الواقع في ذلك المكان، وهذا غير ضائر، فان فردية
هذا الفرد للطبيعي المأمور به سالبة بانتفاء
الموضوع، وليس هذا تقييدا في دليل المأمور به، فان
المأمور به هو الطبيعي، والامر به فعلي بالنسبة الى
القادر والمفروض ان المكلف قادر على الامتثال
فخروج هذا الفرد عنه خروج تقيدي لا تقييدي، فافهم.
وقد ظهر مما
ذكرنا الفرق بين وجود المندوحة في الأفراد الطولية
ووجودها في الافراد العرضية، فانه في الأول يصدق
عنوان الاضطرار بالنسبة الى الطبيعي في ان
الاضطرار لعدم القدرة على تطبيق الطبيعي الاختياري
على الفرد الواقع في ذلك الان على الفرض وعدم
القدرة على المأمور به ولو بايجاد مقدمته، فان مرور
الزمان امر غير اختياري للمكلف فهو عاجز عن
الامتثال الاختياري فيشمله دليل الحاكم.
نعم، بعد
مرور الزمان تحصل القدرة على الامتثال الا ان الصبر
الى ان تحصل القدرة غير واجب بعد شمول دليل الحاكم
للمورد، بخلاف الثاني لصدق القدرة على الامتثال
ولو في مكان الاضطرار فانه قادر على ايجاد المقدمة
الاختيارية على الفرض.
والحاصل: ان
التحول من مكان الى مكان أمر اختياري بخلاف مرور
الزمان، فالتحول اعمال للقدرة والانتظار صبر الى
حصول القدرة طبعا من دون دخل لقدرة المكلف في تحصيل
تلك القدرة على المأمور به، وبهذا الفرق يفصل بين
المقامين.
وتوهم عدم
كون الفرق فارقا بعد كون المأمور به الطبيعي بما هو
طبيعي، والمفروض التمكن من ايجاده في ضمن الفرد
المقدور ولو بعد مضي زمان تحصل القدرة فيه بالطبع
مدفوع بانه كيف لايكون فارقا بعد كفايته في صدق
الاضطرار
الحيني في القسم الأول دون الثاني؟ ولذا ذكرنا في
بحث التيمم ان مقتضى القاعدة انه لو كان تحصيل
الماء موقوفا على ايجاد مقدمات اختيارية له كحفر
البئر او تحصيل الة النزح وغير ذلك يجب الوضوء ولا
ينتقل الامر الى التييمم، بخلاف ما اذا كان وجدان
الماء موقوفا على مضي زمان فانه يجوز على المكلف
البدار فانه من اولي الاعذار. نعم، لابد من
الاحتياط في المبحث المذكور نظرا الى وجود بعض
الأخبار وفتوى الأخبار، وقد ظهر بذلك الحكم في
(القسم الثالث) وهي المندوحة بالنسبة الى حالة
المكلف فلابد من القول باعتبار عدمها لعدم صدق
الاضطرار بالنسبةالى الطبيعي ولو في زمان
الامتثال.
نعم، يجوز
اجتزاء الشارع بالفرد الاضطراري في القسم الثاني
والثالث تسهيلا او لمصلحة اخرى، الا انه لابد في
اثبات ذلك من التماس دليل خاص لعدم شمول مطلقات
اولي الأعذار له، وقد دل اخبار التقية على الاجتزاء
في الثاني دون الثالث ويأتي ان شاء الله بيانه.
اذا عرفت ذلك
فاعلم انه قد يتمسك لاثبات الاجزاء في العمل الواقع
تقية بوجوه:
الأول:
السيرة بتقريب انه لا اشكال في وقوع الاختلاف في
يومي عرفة والعيد بين الشيعة والسنةمن لدن ائمتنا
المعصومين سلام الله عليهم اجمعين، كما انه لا
اشكال في عدم تمكن الشيعة من درك الوقوفين الواقعين
عندهم وكانوا يتبعون السنة في ذلك، ولم يعهد منهم
اعادة الحج ولا من الائمة عليهم السلام الأمر بها،
وهذا اقوى دليل على اجزاء العمل المأتي به تقية عن
الواقع ولو كانت التقية في الاجزاء الركنية التي
تتقوم بها الماهية المأمور بها. والجواب عن ذلك: ان
الاستدلال بهذه السيرة موقوف على اثبات امور:
(الأول) انهم
كانوا يكتفون بما اتوا به من الحج في صورة العلم
بالمخالفة،
والا فلا يدل
ذلك على المدعى، فانه يمكن ان يقال بان الجزاء في
صورة عدم العلم بالمخالفة ثابت بالنص لا من جهة
تطبيق عنوان التقية على المأتي به، والنص المدعى في
المقام هو رواية ابي الجارود - وسيأتي التعرض لها
- ولكنها مطلقة بالنسبة الى صورتي العلم بالمخالفة
وعدم العلم بها، فلو كانت حجة معتبرة تكون بنفسها
دليلا على الاجزاء في الحج. ولايخفى ان ما ذكر من
الامور لا تدفع السيرة المدعاة وهي اقوى دليل
علىالمطلب.
(الثاني) ان
ذلك كانت سيرة من كان مستقرا عليه الحج او الصورة مع
استطاعته بعد ذلك، والا فعدم الاعادة ليس الا من
جهة السلب بانتفاء الموضوع وهي الاستطاعة.
(الثالث) انهم
لم يدركوا حتى الاضطراري من احد الموقوفين، والا
فعدم الاعادة من جهة درك الجزء الركني وهو الوقوف
ولو اضطرارا.
(الرابع) انه
قد عرض ذلك علىالامام عليه السلام، او كان بمرأى
منه ولم يردعهم عن ذلك، والا فصرف قيام السيرة لا
تدل على التشريع.
الثاني: عقد
الاستثناء في صحيحة ابن ابي عمير عن ابي عبد الله
عليه السلام انه قال: لا دين لمن لا تقية له، التقية
في كل شيء الا في النبيذ والمسح على الخفّين(1).
بتقريب ان ذكر المسح على الخفين في المستثنى، وظهور
الاستثناء في الاتصال يدل على عموم التقية للأحكام
التكليفية والوضعية، ولا معنى لشمول ذلك للوضع الا
برفع الجزئية او شرطية ما اضطر الى تركه او رفع
مانعية ما اضطر الى فعله، وهذا معنى الصحة ويلزمه
الاجزاء قهرا. والجواب عن ذلك:
(أولا) ان عدم
جريان التقية في المسح على الخفين الذي هو مركز
الاستدلال غير مفتى به بين الاصحاب ومخالف للنصوص،
فلابد من حمل ذلك
______________________________
(1) الوسائل:
ج11 باب 25 من ابواب الأمر والنهي وما يناسبها حديث3.
على ان عدم
جريان التقية في المسح على الخفين انما هو من جهة
خروج ذلك عن التقية موضوعا أي لم يضطر احد خارجا الى
ذلك، والامر كذلك ايضا، فان العامة لم يذهبوا الى
وجوب المسح على الخفين بل يرون غسل الرجل عدلا له.
نعم، يجوزون المسح على الخفين. فبناء علىعدم منافاة
غسل الرجل ومسحه كما هو الصحيح ففي جميع الموارد
المندوحة موجودة فلا يمكن الكتفاء بغسل الرجل فكيف
بالمسح على الخفين.
(ثايا) لو
سلمنا دلالة الرواية على الاجزاء الا انه لايكون
شأنها ازيد من سائر الادلة الحاكمة، وقد نقلنا
سابقا عن بعض اساتيذنا ان ما دل على لزوم الاعادة في
فرض الاخلال بالاجزاء الركنية التي قوام الماهية
بها ولم تتحفظ صورته النوعية الا بها حاكم على ذلك،
فلايمكن التمسك بعقد الاستثناء لهذه الرواية
لاثبات الاجزاء في صورة الاخلال بالاجزاء الركنية
ولكن لم يمكن المساعدة له، وقد مر الوجه فيه ويأتي
ان شاء الله ايضا.
الثالث: عقد
المستثنى منه للرواية السابقة وصحيحة زرارة عن ابي
جعفر عليه السلام: التقية في كل شيء يضطر اليه ابن
ادم فقد أحله الله(1). بتقريب ان ظهور «في» في
الظرفية أي التقية منطبقة على كل شيء، ولا معنى
لذلك الا اذا كان الشيء ذا حكم عند المخالف، فيكون
مفاد الرواية ان كل شيء د حكم عندهم فهو ظرف للتقية،
أي كل ما كان مصداقا للشيء بما له من الحكم ينطبق
عليه عنوان التقية، فلو اضطر الى شرب النبيذ لوجود
المخالف ينطبق عليه عنوان التقية فيحل، ولو اضطر
الىاتيان الصلاة متكتفا تنطبق عيه التقية فتجب
وتصح، فظهور الرواية في تطبيق عنوان التقية على
العمل المتقى به - لمكان في - دال على ثبوت حكم ذلك
العمل حال التقية، فلو كان العمل
______________________________
(1) الوسائل:ج11
باب 25 من ابواب الامر والنهي وما يناسبهما حديث2.
ذا حكم
تكليفي ووقع الاضطرار الى تركه يرتفع بالتقية، ولو
كان ذا حكم وضعي كالماهيات المركبة يثبت بالتقية
كما ذكرناه من المثال.
وقد ظهر بذلك
ان هذا الكلام جار بالنسبة الى الاجزاء الركنية
ايضا للظهور الاطلاقي للرواية في التطبيق، غاية
الامر ان تطبيق عنوان التقية على العمل المتقى به
في غير مورد الركنيات ملازم للتنزل بخلاف موارد تلك
الاجزاء فانه ملازم للتنزيل، وغير خفي ان هذا
لايلازم الجمع بين اللحاظين التنزيل والتنزل، لان
كل ذلك من اللوازم القهرية للتطبيق ولايحتاج الى أي
لحاظ.
والحاصل: ان
ظهور الرواية في التطبيق يدل على الاجزاء في
الركنيات وغيرها وان كان التطبيق قد يلازم التنزيل
وقد يلازم التنزل قهرا لا لحاظا، والجواب عن ذلك:
انه لو كنا نحن و«التقية في كل شيء» صرفا لامكننا
الالتزام بذلك، الا ان ذيل هذه الرواية وهو «فقد
احله الله» يدل على ان وزان ذل وزان سائر الادلة
الحاكمة أي يكون بلسان الترخيص في اتيان العمل
العذري فقط، وبعبارة اخرى انه يحتمل ان تكون جملة
«فقط احله الله» خبرا للتقية فيكون الظرف وهو «في
كل شيء» لغو، ويحتمل ان يكون الظرف هو الخبر فيكون
مستقرا، وعلى كلا الاحتمالين تدل الراوية على
الترخيص في تطبيق المأمور به على العمل المتقى به
فقط.
(اما) على
الأول فواضح لعدم الدلالة على تطبيق عنوان التقية
على العمل كي يقال ان التطبيق فرع التشريع، بل غاية
الدلالة على ان التقية محللة.
(واما) على
الثاني فالرواية وان كانت دالة على التطبيق الا
انها لا تدل عليه بلحاظ ما للعمل من الحكم عند
المخالف، بل تدل عليه بلحاظ ما يظهر من الذيل وهو
الترخيص والتحليل، فان جملة «فقد احله الله»مفسرة
لظرف، فافهم جيدا.
فالمتحصل من
الرواية على كلا الاحتمالين ان التقية محللة
ومرخصة لكل
شيء، وهذا هو
ما ذكرناه من ان وزارن هذه الرواية وزان سائر
الادلة الحاكمة، فلا تشمل الركنيات على مبنى بعض
اساتيذنا من خروجها عن هذه الادلة بالحكومة، هذا
فيما كان مشتملا على هذا الذيل «فقد احله الله» من
الروايات، واما ما لم يكن كذلك فيفسر بما يشتمل
عليه بالحكومة التفسيرية. وقد ظهر بما ذكرنا على
هذا المبنى الجواب عن تقريب اخر للاستدلال وهو
الأخذ باطلاق دليل الحاكم وهو العقد المستثنى منه
«التقية في كل شيء» ولو مع قطع النظر عن التطبيق،
فانه دال على جريان التقية في كل شيء ولو في الاجزاء
الركنية، فانه حيث ان لسان دليل الحاكم لسان
التقييد لا التنزيل والمفروض على هذا المبنى ان هذا
اللسان محموم بمثل ذيل حديث «لاتعاد» فانه في
الرتبة المتأخرة عن ذلك ولذا لايمكن الاخذ
بالاطلاق لاثابت الجزاء في الاجزاء الركنية.
ولكن قد مر
عدم امكان المساعدة على هذا المبنى، فان الرواية
وان دلت على ان التطبيق بلحاظ ما يظهر من الذيل وهو
التحليل الا ان ظهورها في ان التطبيق بهذا اللحاظ
في كل شيء غير قابل للانكار فتشمله جميع الاجزاء
والشرائط حتى الركنيات.
واما التقريب
الثاني الذي ذكره في الجواب عن الوجه الثاني ايضا
فمخدوش (اولا) ذيل حديث «لاتعاد» لا يدل على
الاستثناء في الاجزاء الركنية بهذا العنوان حتى
تسري الى جميع الموارد والابواب مثل الحج مثلا.
(وثانيا) لا نسلم وجود اطلاق في عقد الاستثناء من
دون ملاحظة تمام الجملة، وبهذا اللحاظ لايحصل من
الاستثناء ازيد من ثبوت الجزئية والشرطية في
الموارد المذكورة على نحو يستفاد من الادلة
الاولية.
وبعبارة
اخرى: عقد الاستثناء في حديث «لاتعاد» حافظ لاطلاق
الادلة الاولية لا ان له بنفسه اطلاق، ونتيجة ذلك
شمول المستثنى وهو «لاتعاد» بالنسبة
الى غير ما
ورد في الاستثناء واما في موارد الاستثناء فالدليل
الاول باق على اطلاقه، وعلى هذا التقريب يظهر حكومة
دليل التقية على ذلك حتى في الركنيات ، فتدبر جيدا.
الرابع:
موثقة سماعة(1) قال: سألته عن رجل كان يصلي فخرج
الامام وقد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: ان
كان اماما عدلا فليصل اخرى وينصرف ويجعلهما تطوعا
وليدخل مع الامام في صلاته كما هو، وان لم يكن امام
عدل فليبن على صلاته كما هو ويصلي ركعة اخرى ويجلس
قدر ما يقول: «اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك
له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله» ثم ليتم صلاته معه
على ما استطاع فان التقية واسعة وليس شيء من التقية
الا وصاحبها مأجور عليها ان شاء الله.
وتقريب
الاستدلال على الاجزاء مطلقا حتى في الركنيات بهذه
الرواية الشريفة من وجوه ثلاثة:
(الأول) مفهوم
كلمة «مااستطاع» فانها ليست ناظرة الى بيان وجوب
اتمام الصلاة مهما امكن أي العقد الايجابي للقضية،
فان المتكفل لبيان هذه الجهة نفس الادلة الاولية،
فبيان هذه الجهة في الرواية غير محتاج اليه بل لغو
محض، فانها في مقام بيان سعة التقية وحكمها لا
التحفظ على الاطلاقات وتأكيدها، فهذه الكلمة ناظرة
الى العقد السلبي للقضية وهو الترخيص في ترك مالم
يستطع من اتمامه بسبب التقية بلسان تطبيق الوظيفة
على الناقص وهذا معنى الاجزاء، وباطلاقه يشمل
الركنيات ايضا.
(الثاني)
التعليل الوارد في الرواية للحكم المذكور، وهو
«فان التقية واسعة» فانه لا شبهة في انه ليس ناظرا
الى العقد الايجابي للقضية بل سعة
______________________________
(1) الوسائل: ج5
باب 56 من ابواب صلاة الجماعة حديث2.
التقية لا
تناسب الا الترخيص في ترك المعسور، وحيث ان الرواية
في بيان تطبيق الوظيفة على الميسور نستكشف
الاجزاء، وبالاطلاق نلتزم به في الركنيات ايضا.
(الثالث) ذيل
الرواية الدالة على ترتب الاجر على التقية، وحيث ان
مورد التقية في الرواية هو تطبيق الوظيفة على العمل
المقتى به فلابد من ترتب الاجر على ذلك، وهذا
لايستقيم الا مع صحة العمل واجزائه عن الواقع، فانه
لا معنى لترتب الاجر على العمل الباطل. وبعبارة
اخرى: ان ذيل الرو اية دليل اني على صحة التطبيق،
وبعد الانطباق لابد من الالتزام بالاجزاء فانه
عقلي، وبالاطلاق نلتزم بذلك في الركنيات ايضا. وذكر
السيد الاستاذ ان شيئا من هذه الوجوه لايتم.
اولا: لو سلم
جميع ذلك فان ذيل حديث «لاتعاد» حاكم على ذلك فلا
يمكن الالتزام بالاجزاء في الركنيات، اللهم الا ان
يقال ان ترتب الاجر على التطبيق يكشف انا عن صحة
التطبيق فيدل على تنزيل المأتي منزلة الواقع، ومع
التنزيل يكون الأمر بالعكس أي حديث المنزلة حاكم
على حديث «لاتعاد» لا العكس.
وقد مر بيان
ذلك وقلنا: ان الأدلة الأولية باطلاقها شاملة لوجوب
الاتيان بالميسور في مورد الاضطرار الى ترك بعض
الأجزاء والادلة الحاكمة كلها يرفع الحكم عن مورد
الاضطرار، فقاعدة الميسور موافقة للقاعدة، فأدلة
الميسور على فرض تماميتها حافظة للاطلاق ومؤكدة
له، فلو دل دليل على عدم الاجزاء في مورد ما يكون
هذا الدليل في الرتبة الثالثة وحاكما على الحاكم،
ولكن هذا في ما اذا كان دليل الحاكم الأول بلسان
التقييد ورفع الحكم عن مورد الاضطرار لا بلسان
تنزيل المطبق عليه منزلة الواقع وكفايته عنه، والا
فهذا مترتب على مثل ذيل «لاتعاد» ولذلك ترى صحة
الصلاة في مورد ازدياد
الركن في باب
صلاة الجامعة، وفي ما نحن فيه ايضا الأمر كذلك فان
لسان الراوية هو التطبيق والتنزيل كما عرفت.
ثانيا: لا
نسلم ان تكون الرواية بلسان التطبيق والتنزيل بل
المسلم عدمه، فان التنويع في الروايةبين كون
الامام عدلا وبين كونه غير عدل، ونقل النية الى
النفل في الأول دون الثاني يدلا على ان الاقتداء في
الثاني صوري وهو مأمور باتمام صلاة نفسه معه على
نحو يشبه عليهم.
ويدل على ذلك
ايضا اضافة الصلاة بالضمير الراجع الى المصلي في
«ثم ليتم صلاته معه» والجلوس بقدر الشهادتين، فان
ذلك يدل على لزوم الاتيان بالعمل ولو استعجالا على
نحو مشبه، فعلى ذلك الرواية ناظرة الى بيان كيفية
الفرار والارشاد الى ترتيب المندوحة حال التقية،
لا في مقام تطبيق الوظيفة على العمل الناقص بل انما
هو ناظر الى لزوم التمام بجميع الأجزاء، غاية الامر
على نحو مشبه عليهم، فعلى ذلك جملة ما استطاع ناظرة
الى لزوم حفظ الواقع مهما تيسر وسقوط مالم يستطع عن
التنجز الا ان السقوط بالتقية كالسقوط بسائر
الأعذار تعبدي تنجيزي للواقع فيكون في رتبة سائر
الحواكم على ما اسلفنا ويكون ادلة الركنيات حاكمة
عليه قهرا، فلو لم تكن تلك الجملة ناظرة الى العقد
الايجابي لم يكن التعبير قياسيا كما ان التعليل وان
كان ناظرا الى السقوط الا ان المراد منه ان باب
التقية اوسع، اليس مما يفر منه !! وهل هو الا كسائر
الأعذار!!.
واما ما ذكر
في الوجه الثالث من ان ترتب الاجر يدل على صحة
التطبيق والتنزيل منزلة الواقع فغير صحيح، فان
ترتب الأجر مستزلم لكون التقية مشروعة لا لكونها
مشرعة، فلا تدل الراوية على التطبيق وتنزيل الناقص
منزلة التام حتى لايمكن تقييدها بمثل ذيل «لاتعاد»
بل الامر بالعكس، فانها في مقام بيان الاهتمام
بالعمل واتمامه على ما هو عليه غاية الأمر على ما
استطاع،
ومن البديهي
ان القدرة شرط للتنجز، والعجز مسقط له.
والحاصل: انه
لم يثبت بهذا الدليل ان وزان التقية غير وزان سائر
الحكومات بحيث لم يمكن تقييدها بغير الركنيات.
اقول: قد مر
انه ليس لدليل الركنيات ترتب على دليل الحاكم بحيث
يكون حاكما على الحاكم، فان ذيل «لاتعاد» استثناء
عن السابق والاستثناء محدد لحكم المستثنىمنه لا
انه مثبت لحكم اخر في مورده، بل حكم مورد الاستثناء
يستفاد من نفس الدليل الأولي، فالاستثناء في ذيل
«لاتعاد» وسائر الركنيات - لو كان لها ايضا - دليل
حافظ لاطلاق الدليل الأول فيرد عليه دليل الحاكم لا
انه يرد على دليل الحاكم، فتدبر جيدا.
الخامس:
الروايات الدالة على محبوبية التقية او العبادة
سرا او ان التقية من الدين التي يستكشف فيها تطبيق
العبادة او الدين على العمل المتقى به، ولازم ذلك
التنويع في العبادة عبادة خبأية او سرية وهي
الواقعة في مورد التقية، وعبادة غير خبأية وهي
الواقعة في غير هذا المورد، ولازم ذلك التنزيل ولو
بنحو تنزيل المبائن منزلة المبائن أي تنزيل
العبادة الخبأية الواقعة تقية منزلة الاوقع وهو
العمل التام جزء او شرطا فلا تكون ادلة الركنيات
حاكمة على ذلك حتى على تلك المبنى، فهذه الروايات
دالة على اجزاء العمل المتقى به عن الواقع ولو كان
فاقدا للأركان او مشتملا على زيادة الركن، الا انه
لابد من ملاحظة هذه الروايات ودلالتها حتى يظهر
الحال ونذكر المهم منها:
(الأول) رواية
معلى بن خنيس قال: قال لي ابو عبد الله عليه السلام:
يا معلى اكتم امرنا ولا تذعه فانه من كتم امرمنا
ولايذيعه اعزه الله في الدنيا وجعله نورا بين عينيه
يقوده الى الجنة، يا معلى ان التقية ديني ودين
ابائي ولا دين لمن لا تقية له، يا معلى ان الله يحب
ان يعبد في السر كما يحب ان يعبد في العلانية
والمذيع
لأمرنا كالجاحد له(1) ويقع الكلام في هذه الرواية
تارة من جهة السند واخرى من جهة الدلالة.
اما من جهة
السند فقد يقال: ان معلى بن خنيس لم يوثق بل هو مذيعا
لأمرهم عليهم السلام كما يظهر من هذه الرواية ومن
غيرها فلايمكن الاعتماد على رواياته، الا ان
التتبع في احوال الرجل يشهد بأنه كان اماميا
فضائليا محبا لهم عليهم السلام. نعم، كا ينشر
فضائلهم ويبينها حتى في مورد التقية ولذا امره
الامام عليه السلام بالاخفاء والعبادة سرا لا أمرا
مولويا بل ارشاديا الى انه يقتل كما في بعض
الروايات، بل يعلم من استرحام الامام - بعد قتل
معلى - له ان هذا التظاهر والاذاعة ليس امرا محرما
وان صار سببا لقتله أيضا كما في مورد قتل ميثم.
فالانصاف ان ما ذكر قدحا للرجل فهو مدح له، على ان
المعتبر في باب حجبة الرواية الوثاقة في القول لا
في العقيدة وملاحظة احوال المعلى ان لم تشهد
بوثاقيته في العقيدة والقول تشهد بوثاقته في
القول، فالراوية من جهة السند لا بأس بها.
نعم، لا
دلالة للرواية على الاجزاء فان «التقية ديني ودين
ابائي» لا تدل الا على مشروعية التقية، فان ذكر
العنوان في الموضوع دال على دخله في الموضوعية،
فالتقية بنفسها لا من جهة انطباقها على الحركة
الفاعلية دين، وأين هذا من التقييد فضلا عن
التنزيل. واما «يعبد في السر» فأيضا لا تدل الا على
المشروعية، فان المستفاد من ذلك ان السر ظرف
للعبادة لا قيد لها بحيث تنوع العبادة الى نوعين
سري وغير سري.
وحاصل ذلك: ان
الله تعالى يحب ان يعبد في حالة الخفاء، وبما ان
العبادة اخذت سابقة على وقوعه في ذلك الظرف فتدل
الرواية على محبوبية العبادة
______________________________
(1) الوسائل:
ج11 باب 24 من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث23.
التامة في
السر فهي على خلاف المقصود ادل.
(الثاني)
صحيحة هشام بن سالم على الصحيح، قال: سمعت ابا عبد
الله عليه السلام يقول: ما عبد الله بشيء احب اليه
من الخباء. قلت: وما الخباء؟ قال: التقية(1). وقد ظهر
الاستدلال بهذه الرواية تقريبا وجوابا من وراية
المعلى، فان الرواية لا تدل على ازيد من مشروعية
التقية.
اولا: ان أخذ
العنوان في الموضوع ظاهر في دخله فيه فلا تدل
الرواية على حيثية تطبيق العنوان.
وثانيا: ان
الخباء ظرف للعبادة على ما يظهر من الرواية السابقة
لا قيد لها فلا تدل الراوية على التنويع.
(الثالث)
رواية الكندي: اياكم ان تعملوا عملا نعير به، فان
ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم
اليه زينا ولا تكونوا علينا شينا، صلوا في عشائرهم
وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولايسبقونكم الى
شيء من الخير فأنتم اولى به منهم والله ما عبد الله
بشيء احب اليه من الخباء. قلت: وما الخباء؟ قال
التقية(2). وتقريب الاستدلال والجواب كالرواية
السابقة، مضافا الى ان الأوامر في هذه الرواية كلها
اخلاقية بقرينة صدرها، فلايمكن التمسك بهذه
الراوية للالتزام بالتنويع ايضا.
(الرابع)
الروايات الكثيرة الواردة لبيان انه: لا دين لمن لا
تقية له(3) ولا ايمان لمن لاتقية له. بتقريب ان هذه
الروايات ظاهرة في ان التقية مشرعة ومنوعة للدين
الى نوعين، وهذا هو التنزيل. ولكن لايخفى ما في ذلك
فان كون
______________________________
(1) الوسائل:
ج11 باب 24 من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث14.
(2) الوسائل:
ج11 باب 26 من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما حديث2
والرواية هكذا: عن هشام الكندي قال: سمعت ابا عبد
الله عليه السلام... الخ.
(3) الوسائل:
ج11 باب 24 من ابواب الأمر والنهي وما يناسبهما
حديث2و3.
التقية من
الدين لايستلزم كونها مشرعة بل هي لازمة
لمشروعيتها، فالحق انه لادلالة لهذه الروايات ايضا
على التنزيل.
السادس:
الروايات الخاصة الواردة في الابواب المختلفة
ومنها في باب صلاة الجماعة.
(فمنها) صحيحة
حماد بن عثمان عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال:
من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول
الله صلى الله عليه واله في الصف الأول(1). بتقريب ان
مقايسة القيدين هو الاقتداء في الصف الأول مستلزم
لمقايسة المقيدين، فالرواية تدل التزاما على ان
الصلاة معهم كان كالصلاة خلف رسول الله صلى الله
عليه واله صحيح جزما فكذلك الصلاة مع المخالف، وهذا
يدل باطلاقه على الاجزاء في الركنيات وغيره،
فالاقتداء لهم في صلاة الجمعة مجز عن الظهر ولو فات
منه اركان.
(ومنها) راوية
حفص البختري عن ابي عبد الله عليه السلام: يحسب لك
اذا دخلت معهم وان كنت لاتقتدي بهم مثل ما يحسب لك
اذا كنت مع من تقتدي به(2). فان المراد من «لاتقتدي»
نفي صحة الاقتداء بقرينة الدخول معهم وجملة «من
تقتدي به» فان المراد منه صحة الاقتداء جزما،
فالراوية تدل على ان الاقتداء لهم صحيح مجز عن
الواقع ويحسب للانسان، وبالاطلاق يدل على الاجزاء
في الركنيات ايضا.
(ومنها) صحيحة
ابن سنان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام الى ان
قال -: ثم قال: عودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم
واشهدوا لهم وعليهم وصلوا معهم في مساجدهم(3). وهذا
امر بتطبيق الصلاة على الاوقع معهم في
______________________________
(1 و2و3)
الوسائل: ج5 باب 5 من ابواب صلاة الجماعة حديث1و3و8.
مساجدهم فتدل
على الاجزاء ولو في الاجزاء الركنية.
ولكن هذه
الروايات لا تدل على الاجزاء بالنسبة الى العمل
الاوقع تقية ابدا فان مقايسة الصلاة مع المخالف
والصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه واله او ترتب
الثواب على الدخول في الصلاة معهم او الامر بالصلاة
معهم في مساجدهم او في عشائرهم - كما في بعض
الروايات - غير ظاهرة في ذلك، بل من المحتمل بل
المطمأن به - على ما يظهر ان شاء الله - ان تكون هذه
الروايات ناظرة الى مرغوبية العبادة الواقعة مع
المخالف في نفسها بحيث يكون العنوان واسطة في
العروض والحيثية تقييدية، لا مرغوبيتها بعنوان
تطبيق الوظيفة عليها بحيث يكون عنوان التقية واسطة
في الثبوت، والحيثية حيثية تعليلية.
ولا تدل هذه
الراويات على ازيد من مطلوبية العبادة معهم. وان
شئت فلاحظ الروايات الاتية الواردة في باب استحباب
ايقاع الفريضة قبل المخالف او بعده وحضورها معه،
فانه بعد البناء على عدم تصور الامتثال عقيب
الامتثال او البناء على امكان الاعادة في مورد
الاجادة فقط كما بنى عليه المحقق الهمداني - قدس
سره -. ودلالة هذه الروايات على ان لايكتفي بالصلاة
مع المخالف وان يؤتي بالفريضة قبل المخالف او بعده
نستكشف ان مطلوبية الصلاة معهم ليست من باب تطبيق
الوظيفة على الواقع معهم بل ن باب مرغوبية نفس
الشركة معهم في العبادة واراءتهم ان يعبد معهم،
والا فما معنى الامر بالجمع بين العبادتين والامر
بالرغبة في ذلك؟ فلو كان الفرد الكامل هو الواقع لا
عن تقية فتطبيق الوظيفة على الواقع عن تقية لغو،
ولو كان الفرد الكامل هو الواقع عن تقية فتطبيق
الوظيفة على الواقع لا عن تقية لغو، فلا يستقيم
الامر بالجمع الا بان يقال: ان الوظيفة هو العمل
التام الواقع لا عن تقية، والدخول معهم انما هو
مرغوب في نفسه مطلوب بحياله. واليك بعض هذه
الروايات:
1 - صحيحة عمر
بن زيد عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: ما منكم
أحد يصلي
صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو
متوضىء الا كتب الله له بها خمسا وعشرين درجة،
فارغبوا في ذلك(1). وبمضمونها صحيحتان لعبد الله بن
سنان(2) ورواية نشيط بن صالح(3). ورواية الأرجاني(4)
وفي الاخيرتين الارشاد بان من دخل معهم في صلاتم
يخلف عليهم ذنوبه ويخرج بحسناتم، وان من صلى في
مساجدهم خرج بحسناتهم.
فالظاهر من
هذه الطائفة ان المقصود من الصلاة معهم هو الأجر
وتخليف الذنوب عليهم والخروج بحسناتهم ولاسيما بعد
ما ذكرنا من عدم امكان الامتثال بعد الامتثال ولو
في الجملة، لا تطبيق الوظيفة على المأتي معهم. ولا
يتوهم ان الأمر بالتوضو يدل على ان الصلاة معهم فرد
من الصلاة المأمور به والا لم يحتج الى الوضوء،
فانه يمكن ان يكون الوجه في ذلك عدم الدخول في
العبادة بدون الوضوء، فانا لا ننكر العبادية بل
ندعي عدم فرديتها للمأمور به، فتأمل.
2 - وراية عمر
بن ربيع عن جعفر بن محمد (في حديث) انه سأل عنه
الامام ان لم أكن اثق به اصلي خلفه وأقرأ؟ قال: لا،
صل قبله او بعده. قيل له: أفأصالي خلفه واجعلها
تطوعا؟ قال: لو قبل التطوع لقلبت الفريضة ولكن
اجعلها سبحة(5). فالأمر بجعلها سبحة ادل دليل على
ماذكرنا.
3 - رواية
ناصح المؤذن، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
اني اصلي في البيت وأخرج اليهم. قال: اجعلها نافلة
ولا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة فان مفتاح
الصلاة التكبير(6). وهذه الرواية تدلنا على ان
المطلوب هو الاشتراك معهم في صورة العبادة لا
بواقعها.
______________________________
(1 و2و3و4)
الوسائل: ج5 باب 6 من ابواب صلاة الجمعة حديث1و2 و3و6و9.
(5و6) الوسائل:
ج5 باب 6 من ابواب صلاة الجماعة حديث5و7.
4 - رواية
عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت:
اني ادخل المسجد وقد صليت فاصلي معهم فلا (ولا)
احتسب بتلك الصلاة. قال: لا بأس، فأما أنا فاصلي
معهم واريهم اني اسجد وما اسجد(1). وهذه أيضا
كسابقتها في الدلالة على محبوبية العبادة معهم ولو
بنحو الاشتراك في الصورة.
فتحصل من
جميع ذلك: ان غاية ما يستفاد من هذه الروايات هي
مطلوبية الدخول في مساجدهم وفي صلواتهم واراءتهم
الموافقة معهم، واين هذا من الترخيص في تطبيق
الواجب على المأتي به معهم حتى يستكشف منه الاجزاء.
نعم، للخصم
ان يقول: ان في مفروض الروايات المندوحة موجودة فلا
يقاس بذلك مورد عدم وجود المندوحة. الا ان المقصود
من بيان هذه الروايات اثبات ان مادل على مطلوبية
الصلاة معهم او الصلاة في عشائرهم لا تدل على ازيد
من مفاد هذه الروايات، وان الشركة معهم في عباداتهم
مطلوبة مرغوبة، فانه على مدعي الاجزاء الاثبات،
ولا نريد بذلك بيان المعارض للروايات السابقة بعد
تسليم دلالتها، بل المراد بيان عدم دلالة الروايات
السابقة على الاجزاء. نعم، هنا عدة روايات تدل على
الاجزاء عند سقوط بعض الاجزاء او الشرائط نعم ليس
فيها رواية ناظرة الى الركنيات والاجزاء فيها.
ولكن قد مر ان
حكومة دليل العذر على دليل الحكم الأولي يقتضي
الاجزاء مطلقا، فعدم الاجزاء في مورد كالركنيات
يحتاج الى دليل، ولا دليل في شيء من مواردها. نعم،
حديث «لاتعاد» بمقتضى ذيلها لايدل على الاجزاء الا
بالنسبة الى غير موارد الاستثناء، ففي موارد
الاستثناء لا دليل على
______________________________
(1) الوسائل: ج5
باب 6 من ابواب صلاة الجماعة حديث8.
الاجزاء،
واطلاق دليل الحكم يقتضي عدم الاجزاء لا ان
الاستثناء دال على عدم الاجزاء حتى تصل النوبة الى
التماس حاكم على الذيل، مع انه يمكننا استظهار
الاطلاق من هذه الروايات ايضا، فتأمل فيها جيدا.
وعلى هذا حكومة مطلقات التقية الاتية على الأدلة
الأولية بلا محذور فانها في عرض أدلة الاعدار بلا
واسطة دليل خاص للركنيات، ولا بأس بالاشارة الى بعض
ذلك:
(فمنها) صحيحة
علي بن يقطين، قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن
الرجل يصلي خلف من لايقتدى بصلاته والامام يجهر
بالقراءة؟ قال: اقرأ لنفسك، وان لم تسمع نفسك فلا
بأس(1). هذه الرواية تدل على سقوط صفة القراءة وهو
الجهر في مورد التقية.
(ومنها) صحيحة
ابي بصير، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: من لا
أقتدي الصلاة، قال: افرغ قبل ان يفرغ فانك في حصار،
فان فرغ قبلك فاقطع القراءة واركع معه(2). هذه
الرواية تدل على سقوط بعض القراءة في مورد التقية.
(ومنها) مصحح
بكير، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الناصب
يؤمنا، ما تقول في الصلاة معه؟ فقال: اما اذا جهر
فأنصت للقراءة واسمع ثم اركع واسجد أنت لنفسك(3).
وهذه الرواية تدل على سقوط القراءة في مورد التقية
رأسا.
(ومنها) رواية
زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لا بأس بأن
تصلي خلف الناصب ولا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه، فان
قراءته يجزيك اذا سمعتها(4).
ولكن هذه
الروايات لا تدل على الاجزاء في الركنيات، الا ان
يقال
______________________________
(1) الوسائل: ج5
باب 33 من ابواب صلاة الجماعة حديث1.
(2 و3و4)
الوسائل: ج5 باب 34 من ابواب صلاة الجماعة حديث1و3و5.
 |