الأدلة الاجتهادية

فقد استدل على جواز الصلاة في اللباس المشكوك بوجوه: الأول: ما ذكره المحقق القمي – قدس سره – وهو ان المستفاد من ادلة الاعتبار انه ينحصر بمورد الاحراز فقط، ويدفعه اطلاقات دليل الاعتبار كموثقة ابن بكير وسماعة المتقدمة، والألفاظ موضوعة لنقل المعاني الواقعية، والاحراز وعدمه خارج عن دائرة المعنى. الثاني: وهو عمدة مايمكن الاستدلال به لذلك، الأخذ باطلاقات او عمومات جواز الصلاة في أي لباس، والتقييد بعدم كون اللباس من غير المأكول وان كان ثابتا، الا ان حجية دليل المقيد مشروطة باحرازه صغرى وكبرى ومع عدم الاحراز – كما في المقام للشك في صغرى ذلك الدليل فيه – يتمسك باطلاق دليل الأول أو عمومه للشك في تخصيصها او تقييدها بغير المقام. والجواب عن ذلك ظهر في الاصول في بحث العموم والخصوص في التمسك في الشبهات المصداقية للمخصص من ان الشك في صغرى المخصص وان كان موجبا لسقوط دليل المخصص عن الحجية الا انه لاحجية للعموم ايضا في ذلك، فانه مخصص بعنوان المأخوذ في المخصص واقعا، فدائرة العام وان كانت شاملة للمصداق المشكوك فيه بحسب الارادة الاستعمالية الا انه بعد فرض تخصيص

______________________________
(1) الوسائل: ج3 باب 2 من ابواب لباس المصلي حديث1.

العام بعنوان المخصص والشك في انطباق المخصص على المشكوك فيه وعدمه لا يمكن احراز ان دائرة العام بحسب الارادة الجدية شاملة له فيسقط العام عن الحجية فيه. وبعبارة اخرى: المعتبر عند العقلاء في أصالة العموم هو ما اذا كان الشك في التخصيص والاخراج، وأما اذا علم بالتخصيص والاخراج ولم يعلم انطباق المخصص والخارج فلم يعهد من العقلاء التمسك بها، وتمام الكلام في محله. الثالث: ما يظهر من بعض كلمات المحقق القمي – رحمه الله – أيضا وهو ان فعلية الحكم موقوفة الى الوصول فما لم يصل الحكم لم يكن فعليا. نعم في الوضعيات الفعلية لا تدور مدار ذلك، الا انه في الأحكام التكليفية حيث ان البعث او الزجر يكون بداعي الانبعاث او الانزجار ولا يتحقق الا بالوصول فلابد في فعليتها ذلك، وفي المقام أن دليل عدم جواز الصلاة في غير المأكول كموثقة سماعة «لا تلبسوا منها... الخ » انما هو بلسان النهي والزجر فلابد في فعلية مدلوله الوصول، والمفروض ان الموضوع مشكوك فيه، فدليل المانعية ساقط عن اثباتها فيه، فنتمسك بالاطلاقات لاثبات الصحة. والجواب: (أولا) ان دليل مانعية لبس غير المأكول لاينحصر بما هو بلسان الزجر كموثقة سماعة بل ظاهر موثقة ابن بكير المانعية وهي من الوضعيات. (وثانيا) لو سلم ما ذكر فيما لو كان التكليف بداعي الانبعاث والانزجار لانسلمه فيما لو كان بداعي الارشاد الى الشرطية والمانعية وغيرهما من الاحكام الوضعية، والمفروض ان النواهي الموجودة في المقام وامثاله ليست بنواهي نفسية بل كلها ارشادية الى ذلك. (وثالثا) ان المبنى فاسد فان اشتراط فعلية الحكم بالوصول بعد تسليم ان الوصول غير مأخوذ في موضوعه خلف، فان فعلية الحكم دائرة مدار وجود موضوعه، ولذا يقال ان الاحتياط حسن حتى في مورد عدم وجوبه، فلو لم يكن الحكم فعليا في فرض عدم الوصول لم يكن موضوعا للاحتياط فضلا عن حسنه. نعم الوصول معتبر في تنجز التكليف، أي المكلف معذور في مخالفة التكليف الغير الواصل، وأين هذا من دخله في موضوع الحكم وفعليته؟. (ورابعا) ان ما ذكره تقريب اخر عن الشبهة المصداقية فان التكليف بحسب الكبرى واصل وانما الشك في الصغرى وانطباق ذلك التكليف على مورد الشك، وحينئذ وان لا يمكن التمسك بدليل التكليف لاثبات فعليته في مورد الشك الا انه لايمكن التمسك بالاطلاقات ايضا لاثبات الصحة لعدم جواز التمسك بالعموم والاطلاق في الشبهات المصداقية. (وخامسا) لو سلمنا جميع ما ذكره في ذلك لانسلم سقوط دليل المانعية عن شموله للموضوع المشكوك وان كان بلسان النهي والزجر، فان الساقط ليس الا النهي والزجر عن الفعلية لا ان الكراهة والمبغوضية الواقعية التي يكشف عنها اطلاق دليل المانعية ولو قبل الوصول ساقطة، وتكفي نفس الكراهة الواقعية لحكم العقل بلزوم الامتثال. نعم في موارد الشبهات المصداقية يختلف الحال والكلام فعلا مع قطع النظر عنه. بيان ذلك: ان ظاهر ادلة التكاليف المشتملة على الأمر والنهي هو البعث والزجر، والبعث اذا كان بداعي الالزام فهو وجوب والا فندب وكذا الزجر اذا كان بداعي الالزام فهو حرمة والا فكراهة، هذا في مقام الثبوت. واما في مقام الاثبات فالبعث والزجر حجة على المكلف الا اذا ثبت الترخيص من الشارع. واما ما بنى عليه سيدنا الاستاذ – مد ظله – من أن الأمر والنهي دالان على اعتبار شيء على ذمة المكلف لايتم. نعم في مثل (لله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا)(1) يمكن دعوى ذلك، واما في موارد

______________________________
(1) ال عمران: 97.

الأوامر والنواهي فلا. نعم في المرتبة السابقة على البعث والزجر لابد من تعلق المطلوبية او المبغوضية الواقعية بالفعل، واذا علم المكلف بتلك المطلوبية او المبغوضية يجب عليه الجري على طبقه بحكم العقل وان لم يكن في مورده بعث او زجر لجهة من الجهات. وبنينا ايضا في مسألة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي ان الجمع بين البعث والزجر الواقعيين والترخيص في الظاهر مستحيل، فان البعث والزجر انما هو بداعي الانبعاث والانزجار، والمفروض ثبوت الرخصة في ترك الامتثال، ولايمكن انقداح ارادة البعث او الزجر والترخيص في ترك الامتثال. وما افاده السيد الاستاذ – في هذا المقام – من ان الحكمين ليسا بمتضادين بالذات فانهما اعتباريان، والتنافي بحسب المبدأ وهو اجتماع المصلحة والمفسدة غير موجود في الجمع بين الظاهري والواقعي، والمفروض ان التنافي بحسب المنتهى ومرحلة الامتثال ايضا مفقود لأن في ظرف امتثال الحكم الظاهري الواقعي غير ثابت، وفي ظرف ثبوته لاموضوع لحكم الظاهري لايمكن المساعدة عليه، فان البعث والزجر وهكذا الترخيص في مرحلة الانشاء مسبوقة بمبادىء خاصة منها داعي الالزام في الأولين وعدمه في الأخير، واجتماع الداعي وعدمه مستحيل فانه من اجتماع النقيضين في التكوين. ولذا بنينا على انه لو كنا نحن ونفس اطلاقات الأدلة لقلنا بلزوم الاحتياط عقلا، لعدم ثبوت حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بالمعنى الذي اريد من البيان في مورد الشك في التكليف ولاسيما في الشبهات الموضوعية. نعم لابد من تقييدها بغير مورد العجز عقلا، فان تكليف العاجز قبيح عقلا بل غير معقول اذا كان المولى عالما بعجز العبد عن الامتثال – كما هو كذلك في المولى الحقيقي – لعدم انقداح داعي البعث والزجر في محله حينئذ، وقانونية الجعل التي بنى عليه استاذنا المحقق – مد ظله – لا تصحح المطلب بعد فرض شمول القانون للمورد، ولايقاس قيود الموضوع في الواجبات العينية بقيود المتعلق، فان المطلوب في الثاني نفس الطبيعة، ومع العجز عن البعض والقدرة على الاخر يصدق القدرة على الطبيعة بخلاف الأول، فان المطلوب منه ليس نفس الطبيعة بل هي بقيد التكثر في العمومات والسريان في الاطلاقات، ولذا يجب على جميع الأفراد بحيث يكون كل منهم مكلفا بتكليف نفسه لابتكليف الاخرين، والتكثير والسريان بحيث يشمل العاجز – مضافا الى كونها لغوا لعدم ترتب أثر عليه في الخارج – غير معقول لعدم انقداح الداعي في محله، فتكليف العاجز بمعنى البعث والزجر قبيح عقلا بل مستحيل بخلاف الجاهل. نعم بحسب الأدلة الشرعية علمنا ان الجاهل معذور في مقام الامتثال، وقد ذكرنا ان الجمع بين البعث والزجر والمعذورية في مقام الامتثال غير ممكن، فلابد من رفع اليد عن ظهور الأدلة الواقعية في البعث والزجر بالنسبة الى الجاهل ايضا كالعاجز، الا انه حيث ان الاجماع والضرورة وبعض النصوص الدالة على اشتراك العالم والجاهل في التكليف تمنعنا عن الالتزام بعدم ثبوت التكليف الواقعي على الجاهل، نلتزم بأن الساقط هو البعث او الزجر والمطلوبية او المبغوضية الواقعية بعد باقية، وبما ان مثل هذا الاجماع والضرورة وغيرهما مفقود في العاجز – والمفروض ان اطلاق الدليل سقط عن الشمول – فلا دليل على بقاء ذلك بالنسبة اليه. ونتيجة ماذكرنا اجزاء الأمر الاضطراري عن الواقع بل لا واقع له غير الحكم في مورد الاضطرار حتى يبحث عن الاجزاء. نعم يمكن البحث عن مبنى تعدد المراتب المطلوبية، وتمام الكلام في محله، بخلاف الأمر الظاهري فانه لا يجزي عن الواقع، والعقل يحكم بلزوم الجري على تلك المطلوبية او المبغوضية الثابتة بالاجماع والضرورة، ونتيجته لزوم الامتثال ولو قضاء، فان القضاء وان كان بأمر جديد الا ان ظاهر دليله ان مطلوبية القضاء مرتبة من مراتب مطلوبية نفس الطبيعة، أي الثابت في مورد القضاء نفس ما ثبت في مورد الأداء، غاية الأمر سقط بعض مراتبه. ومما ذكرنا ظهر الحال في الأحكام الوضعية فانها عامة للجاهل والعاجز لوجود المقتضي وعدم المانع. نعم حيث انه قد يجعل ذلك استقلالا وقد يجعل تبعا فلابد من ملاحظة لسان الدليل، فمع كونه بلسان البعث والزجر فالنتجية وان كان جعل الشرطية والجزئية مثلا الا انهما منتزعان من مدلول ذلك الدليل وهو البعث نحو شيء اخر او لشيء اخر، فيجري فيه ما ذكرنا في التكاليف النفسية. وحاصل ما ذكرنا ان ما بنى عليه المحقق القمي – رحمه الله – من عدم فعلية الشرطية او المانعية يتم بالنسبة الى نفس البعث او الزجر الراجع الى اللبس مع بقاء اصل المطلوبية او المبغوضية ولو قلنا بالمعذورية في الترك ***