الكلام في
حديث الرفع
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة على سيدنا محمد واله الطاهرين،
والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، واللعن
على أعداء ال محمد اجمعين إلى يوم الدين.
روى المرحوم
الشيخ الصدوق – رحمه الله – في الخصال بسند عن حريز
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم: رفع عن امتي تسعة: الخطأ،
والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لايعلمون،
ومالايطيقون، وما اضطروا اليه، والحسد، والطيرة
والتفكير في الوسوسة في الخلق مالم ينطبق بشفة(1).
هذه الرواية وصفوها بالصحيحة وفي سندها أحمد بن
محمد بن يحيى ولم يوثق في الرجال. فلو بنينا على
انجبارها باستناد المشهور اليها كما هو الصحيح
خلافا لمبنى سيدنا الاستاذ – مد ظله – والا فلا
يمكن الاعتماد عليها في مقام الافتاء بحكم شرعي.
______________________________
(1) الخصال: ج2،
باب 9، حديث9. وجامع احاديث الشيعة: ج1، باب 8 من ابواب
المقدمات، حديث3.
وهنا رواية
اخرى دالة على رفع الستة(1) ذكرها سيدنا الاستاذ في
المجلد الثالث من التنقيح في مسألة الاضطرار إلى
شرب النجس ووصفها بالصحة، وعدل عن ذلك في الدورة
الأخيرة في بحث الاصول وقال في سندها قطع لعدم
تمامية السند بحسب طبقة الرواة. وكيف كان فيكفينا
في صحة الرواية اشتهارها بين الاصحاب.
اصل: هل الرفع
ظاهري او واقعي او هنا تفصيل بين ما لايعلمون
وغيره؟ افاد سيدنا الاستاذ – دام ظله – ان الرفع في
مالا يعلمون ظاهري وفي غيره واقعي. وما يمكن ان يقال
في وجه ما افاده: أنه في مالايعلمون الرفع الواقعي
مستلزم للتصويت. ولذا نحكم بالرفع الظاهري فيه،
واما في غيره فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الرفع في
الرفع واقعا. حينئذ ان رفع الاضطرار وما لايطابق
والسهو بل الاكراه في بعض موارده عقلي والدليل
ارشاد إلى ذلك. وهكذا يظهر من استاذنا المحقق – مد
ظله – ان مقتضى حكومة دليل الرفع على الأدلة
الواقعية اختصاص الحكم المجعول فيها بغير موارد
هذه العناوين.
أقول: الظاهر
ان حديث الرفع لايرفع الأحكام الواقعية، بل
المستفاد منه العذر عند مخالفتها في الموارد
المذكورة فيه ولنا قرائن على ذلك:
1 – كون
الحديث امتنانية، والامتنان لا يقتضي رفع الحكم
الواقعي، فلو اكره على الافطار في شهر رمضان وتحمل
الضرر المتوعد به ولم يفطر لا منة في الحكم بطلان
هذا الوصم وسقوط امره بالاكراه، بل المنة لايقتضي
ازيد من جعل المكلف في عذر عند مخالفة الواقع.
2 – ظاهر
الدليل ان الرفع من جهة عروض عنوان ثانوي على
الواقع الأولي وبما ان كل عنوان مأخوذ في دليل
الحكم ظاهر في موضوعيته للحكم، فتكون
______________________________
(1) جامع
احاديث الشيعة، ج1، من ابواب المقدمات، حديث3.
النتيجة ثبوت
حكمين في المورد حكم اولي وحكم ثانوي، مثلا لو اكره
على شرب الخمر فمن حيث انه شرب الخمر حرام ومن حيث
انه مكره عليه مرفوع والجمع بين الأمرين يقتضي ثبوت
الحكم الاوقعي وكون الرفع عذرا على المكلف لا
تقييدا في الواقع.
3 – لا يؤيد
ذلك حكمهم بالتفصيل في مورد الاكراه على الافطار في
شهر رمضان بأنه لو اكرهه عليه بحيث لم يصدق عليه
عنوان الافطار العمدي لا يبطل الصوم والا يبطل، فان
قضية عموم الرفع لو كان تقييدا في الأدلة، الصحة
حتى في مورد الثاني، وهكذا حمهم بثبوت بعض الكفارات
حتى في مورد الاكراه بل النسيان، فليراجع.
وأما ما
افاده سيدنا الاستاذ – مد ظله – من انه لاموجب لرفع
اليد عن ظهور الرفع في الرفع الواقعي ففيه (أولا)
لابد له من الالتزام بالرفع الواقعي؟ في الشبهات
الموضوعية ايضا، والقول باختصاص الحرمة بالمعلوم
الخمرية مثلا بعين الدليل، والتصويب المستحيل او
الباطل هو التصويب في الأحكام لا في الموضوعات.
(وثانيا) قد عرفت ان الرفع الواقعي خلاف الظاهر
بالوجوه المتقدمة.
وأما ما
ذكرنا في وجه ما أفاده من ان العقل حاكم بما ذكر
والحديث ارشاد إلى ذلك قلت: (اولا) لو كان الأمر كما
ذكر لما صح الامتنان ولما كان ذلك مختصا بهذه الامة.
(وثانيا) العقل غير حاكم بالرفع في مورد العجز عن
غير اختيار وفي مورده ايضا لايحكم بالرفع واقعا بل
يحكم بالمعذورية في مخالفة الواقع، واما في غير ذلك
فلا مانع عقلا من وجوب تحمل الضرر في مورد الاكراه
او الاضطرار وايجاب التحفظ في مورد النسيان لئلا
يحصل. ووجوب الاتيان بما لايطاق فان عدم الطاقة غير
العجز والاول بمعنى المشقةالشديدة التي يمكن طرو
مرض او ضرر بل موت على المحتمل لهذه المشقة. والثاني
لا
يمكن الايجاد
في مورده. نعم الامتنان يقتضي جعل اللطيف المنان
عباده في عذر عند طرو هذه العناوين.
ويؤيد ذك بل
يؤكده ان العجز في مورده عذر عقلي لمخالفة التكليف
الثابت، لا قيد في الأدلة الواقعية، ولايكون امر
العناوين المذكورة اشد من العذر العقلي. فالصحيح ان
الرفع في جميع العناوين المذكورة في الرواية عذري،
بمعنى ان الحديث يرفع العناوين ادعاء، والمصحح
لذلك عدم الالزام في الاتيان بالواقع كيف كان فكأنه
لم يكن واقع، والمكلف معذور من قبل الشارع في
مخالفته. وان شئت قلت المصحح للرفع الادعائي في ما
لايعلمون عدم ايجاب الاحتياط، وفي مورد النسيان
عدم ايجاب التحفظ، وفي غيره عدم ايجاب الاهتمام
بالامتثال، كيف كان وجامع ما ذكر ان حديث الرفع
ناظر إلى جعل المكلف في العذر في مخالفة الواقع.
ففي الكلام
ادعاءان (أحدهما) في اطلاق الرفع مع انه لم يرفع
واقعا. (وثانيهما) تعلق الرفع بالعناوين مع انها غير
قابلة للرفع، ويكفي ما ذكرنا في تصحيح كلا
الادعاءين. ومن هنا ظهر ان المناسب للاستعمال كلمة
الرفع لا الدفع، فلا تصل النوبة إلى تويجه هذا
الاطلاق بما ذكروا ولاسيما المرحوم النائيني – قدس
سره – مع ان فيه مافيه فلاحظ، ولا حاجة إلى ما افاده
استاذنا المحقق – مد ظله – من ان الرفع بلحاظ شمول
خطاب القانون للموارد وغير ذلك مما افادوا فيه.
ان قلت: جعل
المكلف في العذر انما يتم في الأحكام التكليفية،
واما الاحكام الوضعية فلا معنى لذلك فيه واطلاق
الدليل يشمل كلا الحكمين، فلابد من الالتزام
بالرفع واقعا ولو في الجملة.
قلت: الأحكام
الوضعية على انحاء: (منها) ما هو مترتب على
المعاملات بعد تحققها كالملكية والزوجية ونحو ذلك
لا الصحة والفساد لعدم قابليتهما للجعل فانهما
أمران انتزاعيان عقلا كما حقق في محله. (ومنها) ما هو
مترتب على الذوات لا الأفعال بحيث تكون الافعال
واسطة لثبوت الحكم الوضعي لموضوعه نظير نجاسة
الملاقي للنجس او لا تكون الافعال دخيلة في ذلك
كنجاسة الاعيان النجسة. ومن هذا النحو من الاحكام
الوضعية جنابة الشخص عند عروض احد اسبابها او ضمان
الشخص عند عروض سببه. (ومنها) ما هو مترتب على
الافعال حتى في باب التكاليف وهو الشرطية والجزئية
والمانعية. اما النحو الاول فخارج عن حديث الرفع
بالكلية. اما في ما لا يعلمون فواضح لعدم التقييد في
مورده قطعا. واما في الاضطرار إلى المعاملة فلا يصح
التمسك برفع ما اضطروا اليه للحكم بفسادها لما في
الرفع من خلاف المنة. واما في الاكراه اليها
فلاعتبار الرضا والطيب المعاملي فيها، فدليل
تنفيذها مقيد بنفسه بالرضا والطيب المنافي
للاكراه، فلا تصل النوبة إلى حكومة دليل الرفع على
أدلة التنفيذ.
واما ما
أفاده سيدنا الاستاذ في مكاسبه من ان دليل الرفع
واعتبار الرضا وارادن في مرتبة واحدة على الأدلة
المطلقة او العاملة الدالة على تنفيذ المعاملات
ففيه:
(اولا) دليل
الرفع متكفل لبيان حكم ثانوي في طول الحكم الأولي
كما هو ظاهر من لسان الرفع المتعلق بالعناوين،
ودليل اعتبار الرضا يقيد ادلة التنفيذ بالنسبة إلى
الحكم الأولي، فكيف يمكن القول بانهما في مرتبة
واحدة؟.
(وثانيا) عمدة
الدليل على تنفيذ المعاملات بناء العقلاء وسيرتهم
فيها والمعتبر أنها عندهم ما كان عن رضا مالكه
والادلة العامة كلها منصرفة إلى المعتبر عند
العقلاء، فاذا ليس لنا عام أو مطلق يقيد بدليل
الرضا، بل لا دليل على اعتبار الرضا في المعاملات
غير ما ذكرنا. اما دليل عدم حلية مال الغير الا
بطيبة نفس منه فغير ناظر إلى المعاملات، ودليل
التجارة عن تراضي لامفهوم له فان القيد غالبي،
وتمام الكلام في محله. فما أفاده بعض المحققين في
حاشيته على المكاسب من ان حديث رفع الاكراه مختص
بباب المعاملات، ورفع الاضطرار مختص بباب العبادات
غير تام. واما سائر العناوين فما يمكن فرضها في
المعاملات ليس الا الخطأ والنسيان، ومعهما لا
مقتضي لترتب الاثر على المعاملة للاخلال بموضوعها
بهما فان حديث الرفع دال على رفع الشيء لا اثباته.
ورفع الشرطية والجزئية بالنسبة إلى ترتب الأثر
لايمكن بالنسبة إلى ما هو شرط او جزء في الموضوع
بنظر العقلاء لفقد الموضوع. واما بالنسبة إلى ما هو
دخيل فيه شرعا ففي فرض نقص الشرط او الجزء فالمأتي
به لا اثر له شرعا حتى يرفع وما هو موضوع للأثر لم
يؤت به، وهكذا في فرض زيادة المانع ونفس رفع اعتبار
الشرطية او الجزئية او المانعية لا يوجب اعتبار
غيره تمام الموضوع للأثر، ولذا لم يفت فقيه بوقوع
الطلاق بقوله أنت طلاق بدل انت طالق خطأ أو نسيانا،
فتأمل، مع انه يمكن تصوير الرفع بمعنى العذر في ذلك
كما لايخفى.
واما النحو
الثاني فأيضا خارج عن حديث الرفع. اما بالنسبة إلى
ما لايعلمون فواضح. واما بالنسبة إلى ما اضطراو
اليه وما اكرهوا عليه والخطأ وما لايطيقون فلأن
متعلقها الأفعال لا الذاوت، فما يمكن ان يرفع بها
لاحكم له وما له حكم لم تتعلق به شيء من هذه
العناوين. وأما بالنسيان فهو وان يمكن تعلقه
بالذاوت او حكمها الا ان حكمه حكم مالايعلمون في
الشبهات الموضوعية والحكمية فان ظاهرهما ثبوت
الحكم الواقعي في موردهما وتعلق الجهل والنسيان
به، فلا معنى للقول بتقييد الواقع بغيرها.
واما النحو
الثالث فيمكن تصوير الرفع بمعنى العذر فيه مع كون
ذلك ظاهر الدليل. والحديث لايساعد برفع الشرطية او
الجزئية او المانعية في موردها واقعا على ما مر فلا
ملزم للالتزام بالرفع واقعا في شيء من موارد امكان
شمول الحديث لها.
أصل: لو اضطر
المكلف إلى ترك جزء او شرط من المركب او ايجاد مانع
في فرد او اكره على ذلك او نسى احدها فترك الأولان
أو أوجد الأخير وهكذا في مورد الخطأ والجهل فهل
يحكم بالاجزاء عند كشف الخلاف اولا؟ ظهر مما تقدم
من ان الرفع في هذه الموارد عذري لا واقعي، ان مقتضى
القاعدة عدم الاجزاء في شيء من هذه الموارد، فان
قضية تقييد المطلقات بأدلة الاجزاء والشرائط
والموانع الجزئية المطلقة او الشرطية المطلقة او
المانعية المطلقة والعذر لاينافي ترك الاوقع
فالمأمور به لم يؤت به والمأتي به فاقد للقيد
المتبحر فيه فلا دليل على سقوط الأمر بذلك، ومن هنا
يعلم انه لايمكن اثبات الاجزاء الا بدليل اخر غير
حديث الرفع نظير لا تعاد(1) في الصلاة.
وقد افاد
سيدنا الاستاذ – مدل ظله – من انه لابد من التفصيل
بين مورد الجهل وغيره دليلا والقول بعدم الاجزاء في
كليهما. اما موجه عدم الاجزاء في مورد الجهل من جهة
ان الرفع في مورده ظاهري ولا دليل على الاجزاء في
موارد الاوامر الظاهرية مع كشف الخلاف. واما وجه
عدم الجزاء في غير ذلك، فان رفع الشرطية او الجزئية
او المانعية وان كان واقعيا الا ان حديث الرفع لا
يمكنه اثبات الأمر بالفاقد بنفس رفع القيد. وبعبارة
اخرى ان الشرطية والجزئية والمانعية وان كانت
مجعولة الا ن جعلها بتبع منشأ انتزاعها وهو الامر
بالمركب لعدم تعدد الامر في المركبات كما هو
المفروض، فمع رفع الشرطية او الجزئية او المانعية
يسقط الأمر لامحالة، فلا بدمن اثبات الامر بالباقي
من اقامة دليل.
وقد افاد
استاذنا المحقق – مد ظله – في مورد الجهل ان لسان
الرفع يقتضي الاجزاء نظير قاعدة الطهارة، فلو صلى
مع لباس شك في طهارته ونجاسته بالبناء على الطهارة
لقاعدتها يجزي ذلك وان انكشف الخلاف بعد ذلك، فان
______________________________
(1) جامع
احاديث الشيعة، ج1، باب 1 من ابواب الخلل الواقع في
الصلاة، حديث1.
لسان دليلها
يقتضي حكومتها على ادلة اشتراط الصلاة بطهارة
اللباس، فتكون النتيجة اشتراطها بالأعم من الطهارة
الواقعية والبنائية. وفي المقام لسان رفع الجزئية
يقتضي الاكتفاء بفاقد الجزء في المورد. وفي باقي
العناوين ان حكومة دليل الرفع على ادلة الأجزاء
والشرائط والموانع تقتضي اختصاص الجزئية وغيرها
بغير مورد طرو هذه العناوين، ففي موردها لا دليل
على تقييد المطلقات الأولية، فالقاعدة تقتضي
الاجزاء بلا حاجة إلى حديث لاتعاد. وقد فصل في مبحث
اجزاء الأمر الظاهري عن الواقع بين موارد الامارات
والاصول بالاجزاء من الثاني دون الاول من جهة
استفادة ذلك من لسان الدليل في الثاني بخلاف الأول
فانها طريق إلى الواقع يمكن فيه فرض كشف الخلاف
وهذا كما ترى مبتني على القول بتقييد الواقع بسبب
تحكيم دليل الرفع على دليل الاوقع. واما لو قلنا
بأنه لايستفاد من ذلك الا العذر في مخالفة الاوقع
فقد عرفت ان مقتضى القاعدة عدم الاجزاء مطلقا، واما
لو فرضنا تقييد الاوقع في غير مورد الجهل من
سائرالعناوين فالحق كما افاده استاذنا المحقق – مد
ظله – ووجهه مابينه.
واما ما
أفاده سيدنا الاستاذ من عدم الدليل على اثبات الامر
بالفاقد بعد رفع القيد بالحديث فانما يتم لو تعلق
الامر بالمركب بأمر واحد، وأما مع تعلق الأمر بنفس
الطبيعة وبين قيوده وشرائطه بدليل اخر فلا، فان
مقتضى دليل القيود وان كان القيدية المطلقة الا انه
يقيد بدليل الرفع فلا دليل على القيدية في مورد
العناوين، والاطلاقات محكمة. واما في مورد الجهل
فالحق مع سيدنا الاستاذ – مد ظله – فان المفروض عدم
الاتيان بالواقع والمأتي به موافق للأمر الظاهري
فقط ولا معنى للقول بأن لسان الدليل يقتضي التعميم
في الواقع مع الالتزام بعدم التصويب. ففي موارد
العلم باشتراك الجاهل والعالم في الحكم الواقعي
لابد من الحكم بعدم الاجزاء. نعم في موارد امكان
الاختلاف نظير
المثال في
قاعدة الطهارة نبني على الاجزاء، ولا محذور في ذلك،
الا انه لايتم في المقام وفي موارد الاصول لان
المفروض عدم استفادة ازيد من العذر من حديث الرفع
وعدم استفادة ازيد من الحكم الظاهري في موارد جريان
الاصول.
اصل: ذكر
استاذنا المحقق – مد ظله – انه حيث ان الظاهر من
الحديث الشريف ان المرفوع لابد وان يكون ما هو
متعلق العنوان فيظهر الفرق بين النسيان والخطأ وما
لا يطاق وبين الاكراه والاضطرار في مورد ترك الجزء
او الشرط من جهة طرو احدها والحكم بصحة العمل في
الاولى وعدمها في الثانية.
واما في مورد
ايجاد المانع فلا فرق بينها، ويحكم بالصحة في
جميعها. ووجه ما افاد ان نسيان الجزء مثلا او ايجاد
المانع يرفع اثر المنسي وهو وجود الجزء والمانع وهو
الجزئية والمانعية فيصح العمل بترك الجزء او ايجاد
المانع نسيانا. واما لو اكره على ترك الجزء فالمكره
عليه الترك ولا اثر للترك بما هو غير البطلان ووجوب
الاعادة وهما عقليان لاشرعيان فلا يمكن الحكم بصحة
العمل حينئذ، بخلاف ما لو اكره على ايجاد المانع
فان المكره عليه وهو ايجاد المانع يرفع اثره وهي
المانعية، فيصح العمل حينئذ. وقد افاد – مد ظله –
انه لا فرق في ما ذكرنا بين العبادات والمعاملات لو
كان المنسي الجزء او الشرط الشرعيان لا المعتبران
بنظر العقلاء في قوام ماهية المعاملة او دخيلان في
ترتب الاثر بنظرهم، وهكذا في المانع سواء وجد
نسيانا او عن اكراه، وهذا على مبناه – دام ظله – من
ان الرفع في المذكورات واقعي متين بجميع ما افاده
لكن على ما بنينا عليه من ان الامتنان لايقتضي ازيد
من جعل المكلف في عذرحتى في المعاملات، والرفع عذري
لا واقعي يظهر عدم الفرق في الحكم بالبطلان وعدم
الاجزاء في جميع ذلك وان كان المكلف معذورا في
مخالفة الواقع في موارد العناوين. نعم لو دل دليل
على الاجزاء في مورد نتمسك به ونحكم بالصحة
والاجزاء بلا فرق بين ما ذكر ايضا.
وأيضا يظهر
عن بعض الاعاظم – قدس سرهم – اختصاص الرفع بالامور
الوجودية حيث قال: ان شأن الرفع تنزيل الموجود
منزلة المعدوم. لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود لان
تنزيل المعدوم منزلة الموجود انما يكون وضعا لا
رفعا. واورد عليه استاذنا المحقق – دام ظله – بأنه
لا مانع من تعلق الرفع بالامور العدمية اذ الرفع
رفع ادعائي لا حقيقي والمصحح له ليس الا اثر ذلك
العدم واحكامها، كما ان المصحح لرفع الامور
الوجودية هو اثارها واحاكامها، وانت خبير بأن كلا
من الاستدلال والايراد مبنيان على كون الرفع
واقعيا، ومع كون الرفع عذريا فلا مجال لذلك البحث،
فان حاصل الحديث على هذا المبنى انه عند طرو احد هذه
العناوين المكلف معذور في مخالفة الواقع، ولا فرق
في ذلك بين الوجودي والعدمي. هذا وان كان الحق على
ذلك المبنى مع استاذنا، ولكلامه بقية يرجع إلى
التقريرات.
اصل: ذكروا ان
المرفوع في الموارد المذكورة هو اثار العناوين
المأخوذة طريقا إلى معنوناتها واما الاثار
المترتبة على نفس العناوين فغير مرفوع قطعا بل لا
يعقل رفع تلك الاثار بما يوجبها.
وفصل استاذنا
المحقق بين الرفع في الموارد الثلاثة الاخيرة
وماعداها والتزم برفع اثارالمعنونات في ماعداها،
فان العناوين المذكورة فيها كلها طريقية لتبادرها
بخلاف الثلاثة فانها عناوين نفسية لا مناص فيها الا
رفع ما هو اثار لانفسها لعدم قابليتها على الطريقية
وان لزم منه التفكيك الا ان هذا المقدار مما لابد
منه. بل يمكن ان يقال: ان الرفع قد تعلق في الجميع
بعناوين نفسية حسب الارادة الجدية الا ان ذلك اما
بذكر نفس تلك العناوين النفسية في الثلاث او بذكر
ما هو طريق اليها في غيرها من دون تفكيك.
اقول: على ما
ذكرنا لا موضوع لهذا الكلام اصلا فان المرفوع في
الجميع على
سياق واحد
وماله إلى جعل العذر في مخالفة الواقع فان هنا
ادعاءان (احدهما) في نفس اطلاق الرفع (وثانيهما) في
اسناد الرفع إلى الذوات ومصحح كليهما عدم ايجاب
التحفظ او عدم ايجاب الاحتياط كمامر، وتؤكد ذلك بعض
الروايات الواردة في الصفات الذميمة مالم يظهرها
الشخص في الخارج الدالة علىالعفو عنها. وهذا لايصح
الا اذا كان الواقع في مورد العفو موجودا. ومما يؤيد
كون الرفع عذريا وحدة السياق بين الثلاثة وغيرها
ولاتتم الوحدة الا بذلك، فان الرفع الواقعي لايمكن
الاباسناده إلى الثلاثة نفسيا والى غيرها طريقيا.
وما افاده من وحدة السياق بحسب الارادة الجدية
أجنبي عن ذلك، فان السياق انما يلحظ في الارادة
الاستعمالية لا الجدية، والارادة الاستعمالية في
الثلاثة نفسية وفي غيرها طريقية ومما يؤيد ذلك ايضا
وحدة السياق بين ما لايعلمون والنسيان وغيرهما
بناء على تعميمهما للأحكام، فان الرفع فيهما عذري
قطعا والا يلزم الدور وان ابيت فلا أقل من لزوم
التصويت.
اصل: ذكر
بعضهم ان الرفع في ما لايعلمون مختص بالشبهات
الموضوعية وذكروا في وجه ذلك:
1 – وحدة
السياق وعدم امكان تعلق الاضطرار او الاكراه الا
بالموضوع الخارجي أي الفعل، وفيه ان الالتزام
بعموم الرفع في مالايعلمون لا ينافي وحدة السياق
فان الاستحالة المذكورة من جهة استحالة الانطباق
لا من جهة استعمال الموصول في الفعل بل الموصول
مستعمل في معناه في جميع ماذكر وسعته وضيقه بسعة
صلته وضيقه.
1 – اسناد
الرفع الىالحكم حقيقي والى الفعل مجازي ولايمكن
الاسناد بكلا النحوين باسناد واحد. اجاب عن ذلك
سيدنا الاستاذ بأن المحذور انما هو في الرفع
التكويني لا التشريعي فانه حقيقي في الفعل ايضا.
وذكر في بيان المراد من الرفع التشريعي انه تشريع
رفعا في مقابل التشريع وضعا فكما ان
الحكم قابل
للتشريع وضعا قابل للتشريع رفعا غايته ان الرفع في
المقام ظاهري ونتيجته الترخيص الظاهري، ولا منافاة
بين اجتماع الحكمين واقعي وظاهري كما حقق في حله.
وفيه – بعد تسليم الرفع التشريعي – انه في الحكم من
الوصف بحال نفس الموصوف وفي متعلق الحكم من الوصف
بحال متعلقه ودعوى استحالة جمعهما في اسناد واحد من
جهة عدم الجامع بين الأمرين. وصرف رد المجاز إلى
الحقيقة لايدفع المحذور.
واجاب عنه
ثانيا: بأن الاسناد حينئذ ليس بحقيقي ولابحقيقي
ومجازي، بل مجازي لان النتيجة تابعة لأخس
المقدمتين نظير الماء والميزاب قد جريا، فان اسناد
الشيء إلى أمرين جمعا بهذا النحو اسناد إلى غير ما
هو له. وفيه ان هذا ايضا لايدفع الاستحالة
المذكورة، فان الكلام ليس في كيفية الاسناد بل في
امكانه.
اجاب بعض
الأعاظم – قدس سرهم – عن ذلك بان المرفوع في جميع
التسعة انما هو الحكم الشرعي والاضافة الى الافعال
الخارجية لأجل تعلق العناوين بها، والا فالمرفوع
فيها هو الحكم الشرعي وهو الجامع بين الشبهات
الموضوعية والحكمية، ومجرد اختلاف منشأ الشبهة
لايقتضي الاختلاف فيما اسند الرفع اليه. وقد اشكل
عليه استاذنا المحقق – مد ظله – بان مناط الاشكال
انما هو في الاسناد بحسب الارادة الاستعمالية، فان
الاسناد إلى الحكم اسناد إلى ما هو له دون الاسناد
إلى الموضوع فلابد ان يراد في جميعها الموضوع حتى
يصح الاسناد المجازي في الجميع، فكون المرفوع بحسب
الجد الحكم الشرعي لايدفع الاشكال. وقد اجاب هو عن
الاشكال بما اجاب به شيخه الاستاذ العلامة بتقريب
ان المتكلم ادعى قابلية رفع ما لايقبل الرفع
تكوينا، ثم اسند الرفع إلى جميعها حقيقة، وبعبارة
اخرى جعل كل العناوين بحسب الادّعاء في رتبة واحدة
وصنف واحد في قبولها الرفع واسند الرفع اليها حقيقة
فلا يلزم منه محذور.
أقول: اما ما
أفاده بعض الاعاظم فان الحكم في مورد الشبهة
الموضوعية هو الحكم الواقع في النتيجة، وهذا لم
يتعلق به، قلم الجعل والوضع حتى يرفع، بل الجعل
والوضع متعلقان بالحكم الواقع في الكبرى فالشبهة
الموضوعية لاترجع إلى الشبهة في الحكم بل انما هي
الشبهة في الموضوع والشبهة في انطباق الحكم عليه
وكلاهما امر واحد فان الجهل بالخمرية بمجرده
لايكون مشمولا لحديث الرفع الا بان يكون للخمر حكم
كالحرمة، فالشبهة في الحقيقة في ان هذا مصداق
لموضوع ام لا. وان شئت فعبر بان الحركة المجعولة على
الخمر منطبقة علىهذا ام لا. فالشبهة الموضوعية هي
الشبهة في الموضوع والانطباق لا في نفس الحكم.
واما ما اشكل
عليه استاذنا المحقق فليت شعري كيف يجتمع ماذكره
هنا من ان الاسناد بحسب الارادة الاستعمالية. وما
ذكر ونقلنا عنه في تصحيح وحدة السياق في الرواية من
ان الرفع قد تعلق بعناوين نفسية في الجميع بحسب
الارادة الجدية فالسياق واحد ولاتفكيك. فان مرحلة
الاسناد هي مرحلة السياق فاما هما يلحظان بحسب
الارادة الاستعمالية او بحسب الارادة الجدية.
الصحيح انهما بحسب الارادة الاستعمالية لا بان
يستعمل اللفظ في الاسناد بل الاسناد يتحصل من مقال
المتكلم باستعمال جميع مفردات كلامه في معانيها،
ولذا قد يكون استعمال المفردات كلها حقيقيا
والاسناد مجازي، ويجيء زيادة توضيح لذلك ان شاء
الله.
ولايخفى ان
الايراد الصحيح على ما ذكره بعض الاعاظم ما ذكرنا
لا ما افاده استاذنا المحقق، فان الحكم في موارد
الشبهات الموضوعية غير مشكوك فيه، فان الكبرى
مسلمة على الفرض، والشك في الصغرى وان اوجب الشك في
النتيجة الا انه راجع إلى الشك في الانطباق لا
الجعل، فالحكم غير مرتفع حتى بحسب الارادة الجدية.
واما وجه شمول الدليل لموارد الشبهات الموضوعية،
فيجيء الكلام
فيه، وانه هو وجه الشمول لموارد الشبهات الحكمية
بعينه. واما ما اجاب به استاذنا المحقق عن الاشكال
فهو مناف لما افاده هو بنفسه في مبحث حديث الرفع من
ان الرفع ادعائي في مالايعلمون نظير نفي الحرج
والضرر في ادلتهما، فكيف يجتمع كون الرفع حقيقيا
لادعاء كون متعلقه قابلا للرفع وكون الرفع
ادعائيا؟ على ان دعوى قابلية ما لا يقبل الرفع
للرفع وضمه إلى ما يقبل الرفع واسناد الرفع
الىالمجموع حقيقة انما يتم لو ذكر الجميع في الكلام
بعنوان مستقل، وأما لو ذكر بعنوان عام كما لايعلمون
الشامل للحكمية والموضوعية معا على الفرض فعلا. فان
كل لفظ لايحكي الا عن معناه ولايمكن في هذه اللحاظ
الا لحاظ نفس المعنى ومن المعلوم ان المعنى في
«مالايعلمون» امر واحد فكيف يمكن ادعاء قبوله
للرفع لينطبق على الموضوعية وعدم الادعاء لكونه
شاملا للحكمية.
ان قلت: ان
الموصول مشير إلى الذوات ولو كانت الحيثية تعليلية
يدور الرفع مدارها وليست نكتة للرفع، والذوات امور
متعددة بعضها قابلة للرفع حقيقة وبعضها ادعاء
ويجمعها المتكلم بعنوان عام ويسند الرفع اليه
حقيقة. وبالجملة الامر الواحد غير قابل للادعاء
وعدمه لكن المعنى في «مالايعلمون» لايكون واحدا
الا اذا كانت الحيثية تقييدية بحيث يكون المفهوم
ملحوظا اسميا واما لو لوحظ حرفيا كما هو الحق في
الموصولات فالمعنى متعدد.
قلت: كون
الموصول من قبيل اداة الاشارة مسلم، لكن ليس معنى
هذا ان المتكلم بالموصول يلحظ الذوات اولا تفصيلا
ثم يجمعها بعنوان واحد بل معناه تعلق الرفع بالذوات
الملحوظة اجمالا حال الكلام، فالملحوظ في هذا
الحال ليس الا أمرا واحدا غايته اجمال للتفصيل
المتعلق به الرفع حقيقة، وفي هذا اللحاظ لايجتمع
الادعاء وعدمه. وهكذا الكلام في صدر الحديث. وهو
«رفع عن امتي تسعة» فكيف يجتمع الادعاء وعدمه في
التسعة في هذا اللحاظ الاجمالي؟.
والصحيح في
الجواب ان يقال: اما بناء على مسلكنا من كون الرفع
عذريا لا واقعيا فليس في البين اسناد واقع في محله
فان الحكم ايضا غيرمرفوع كالموضوع غايته ادعي انه
مرفوع ومصحح الادعاء في مورد النسيان والخطأ
والثلاثة الاخيرة عدم ايجاب التحفظ وفي ما
لايعلمون عدم ايجاب الاحتياط وفي الاكراه
والاضطرار ومالايطيقون عدم ايجاب تحمل الضرر
والجامع عدم ايجاب الاهتمام في مقام الامتثال
للاتيان بالواقع، فاسناد الرفع إلى الحكم والموضوع
كليهما على نسق واحد ادعائي والمصحح ماذكر. واما
بناء على مسلكهم من كون الرفع في غير ما لايعلمون
واقعيا فليس في مالايعلمون اسناد واقع في محله، ولو
قلنا بشموله للاحكام فانهم لايلتزمون بالرفع
الواقعي في مورده، فالرفع ادعائي والمصحح ما مر –
نعم بالنسبة إلى نسيان الحكم – الكلام في محله لرفع
الحكم المنسي واقعا، وهذا خارج عما نحن بصدده وهو
شمول ما لايعلمون للشبهات الحكمية، وهل الاسناد في
النسيان في محله اولا؟ فالتحقيق ان يقال انه مركب
من الاسناد في محله ومن الاسناد في غير محله. وهكذا
في صدر الحديث اسناد الرفع إلى التسعة مركب من
الاسناد في محله وهو اسناد الرفع إلى الحكم المنسي
ومن الاسناد في غير محله وهو ما عداه. وذلك فان
المجازفي الاسناد يغاير المجاز في الكلمة وهذا
ظاهر، وفي المقام المجاز المدعى انما هو في الاسناد
كما لايخفى. وحينئذ، نقول: لو قلنا بان الماء جرى
فقد استعملنا الكلمتين والهيئة في معناها،
واسنادنا في محله، وهذا هو الاسناد الحقيقي. ولو
قلنا بان الميزاب جرى فقد استعملنا الكلمتين
والهيئة في معناها كالسابق، والاسناد في غير محله،
وهذا هو الاسناد المجازي. ولو قلنا بان الميزاب
والماء قد جريا. فالكلمات كلها قد استعملت في
معناها. وبما انه اسند الجري إلى امرين الماء
والميزاب والاسناد إلى احدهما في محله والى الاخر
في غير محله فلابد من الالتزام بان الاسناد حقيقي
ومجازي. لايقال: الاسناد واحد فكيف
يتصف بوصفين؟
فانه يقال: الاسناد ليس معنى الهيئة حتى يقال ان
الهيئة امر واحد بل الاسناد ما يوجده المتكلم من
استعمال الكلمات في معانيها، وهذا قد تعلق بأمرين
احدهما حقيقي والاخر مجازي. وهكذا في ما نحن فيه فلو
قال بانه رفع الحكم الاسناد كالاستعمال في جميع
الكلمات حقيقي. ولو قال بانه رفع الفعل الاسناد
مجازي بخلاف الاستعمال، واما لو قال رفع الحكم
والفعل فالاسناد حقيقي ومجازي والاستعمال حقيقي.
ولامحذور في ذلك، والايراد المذكور بأنه لايمكن
كلا النحوين باسناد واحد خلط بين مقام الاستعمال
والاسناد فان الاسناد لبا راجع إلى اسنادين.
وهكذا الكلام
بالنسبة إلى صدر الحديث واسناد الرفع إلى التسعة.
نعم هنا اشكال اخر وهو انه في غير ما لا يعلمون
الرفع واقعي وفيه عذري، وفي مورد النسيان الرفع
حقيقي في الأحكام لايحتاج في ذلك إلى الادعاء وفي
الموضوعات المنسية وفي غير النسيان مما عدا
مالايعلمون الرفع ادعائي يحتاج إلى مصحح، والمصحح
رفع الاثار الواقعية على الفرض، ومصحح الادعاء في
ما لايعلمون رفع ايجاب الاحتياط كما مر فكيف يجتمع
الادعاء وعدمه في اسناد الرفع إلى النسيان؟ وكيف
يجتمع نحوان من الادعاء وعدم الادعاء في اسناد
الرفع إلى التسعة؟.
وما ذكرنا في
الجمع بين الكيفيتين من الاسناد انما هو فيما اذكر
المسند اليه في الكلام تفصيلا ولو بنحو العطف في
الموضوع. واما اذا ذكر بعنوان عام اجمالي كالنسيان
او التسعة فلا يلحظ المتكلم حال الاسناد الا هذا
المعنى الاجمالي الملحوظ بنعت الوحدة لا الكثرة
وفي هذا اللحاظ اما ان يدعى اولا، ومع الادعاء فاما
ان يدعى بالكيفية الواقعة في مالايعلمون او
بالكيفية الواقعة في غيره. والجمع بين هذه الامور
في لحاظ واحد لايمكن، وهذا مما يدل على ان الرفع
عذري في جميع الموارد، فان الادعاء ومصحح الادعاء
في الجميع واحد
– كما مر –
اللهم إلا ان يقال ان الملحوظ احل الكلام انما هو
نفس معاني المفردات وما هو بصدد بيانه. واما وجه
تصحيح الاستعمال فلا يلزم لحاظه حال الاستعمال
والادعاء في مرتبة سابقة على الاستعمال والاسناد،
فيمكن ادعاء المتكلم كل من الكثرات بنحو مناسب له،
ويلحظ هذه الكثرات بعنوان اجمالي عام ملحوظ بنعت
الوحدة، ففي مقام لحاظ المصحح الكثرات ملحوظة بنعت
الكثرة وفي مقام لحاظها بنعت الوحدة لانحتاج إلى
لحاظ المصحح. فحينئذ الاسناد يتصف بالحقيقي
والمجازي معا باعتبار الكتراث الملحوظة قبله،
وبالمجازي باعتبار الوحدة الملحوظة حاله، وعلى ذلك
الاشكال بعدم تصوير الجامع بين هذه الامور ايضا
مندفع. فانه بعد لحاظ رفع ما لا يعلمون بمصحح رفع
ايجاب الاحتياط ورفع الحكم المنسي واقعا ورفع
موضوع المنسي وسائر العناوين بمصحح رفع الاثار
يمكن ان يقال رفع النسيان، وهكذا المعمّيات لا
المحاورات العرفية، فلو لاحظنا الحديث بالنظر
العرفي لايمكننا حملها على ما ذكر، وهذا شاهد علىان
الرفع عذري في الجميع.
3 – ان مفهوم
الرفع يقتضي ان يكون متعلقه ثقيلا، والثقيل هو
الفعل ولا ثقل في الحكم نفسه. اجاب سيدنا الاستاذ عن
ذلك بانه كما يصح اسناد الرفع إلى الفعل لكونه
ثقيلا كذلك يصح الاسناذ إلى الحكم لكونه سببا موجبا
له.
اقول: لو قلنا
بان متعلق الرفع هو الفعل لكنه من الواضح عدم تعلقه
بالفعل الاوقع في الخارج كما هو كذلك في جميع
الاحكام والمتعلقات والموضوعات، بل متعلق الحكم
وموضوعه ليس الا نفس الطبيعة. نعم اختار سيدنا
الاستاذ – مد ظله – تبعا لشيخه الاستاذ – قدس سره
– ان موضوعات الاحكام هي الوجودات وفي مقام
الانشاء لاحظها الجاعل مفروض الوجود
وجعل الحكم
للموجود وفسر القضية الحقيقية بذلك، وان مآل كل
قضية حقيقية إلى شرطية وبنيا على ذلك استحالة
اجتماع الأمر والنهي في موارد التركب الاتحادي،
ولكن جميع ما ذكراه خلاف التحقيق فان المتكلم بقضية
الخمر حرام لايلحظ في مقام التكلم الا نفس معاني
مفردات هذه القضية، وفرض الوجود اجنبي عن مفاد هذا
الكلام بالكلية، بل لايعقل لحاظ غير معنى الكلام
حين الكلام لعدم تحقق مبادىء اللحاظ الا بالنسبة
إلى معنى الكلام، بل الحكم في مقام الانشاء مترتب
على نفس العنوان ومرحلة الفعلية هي مرحلة انطباق
الحكم لوجود موضوعه.
واما ما فسرا
القضية الحقيقية به وان يمكن استفادته من كلام بعض
الفلاسفة الا انه ليس بصحيح. والموضوع في القضية
الحقيقية والخارجية العنوان، غاية الامر ان افراد
الموضوع في الخارجية منحصرة بالموجود بخلاف القضية
الحقيقية، فان افراد موضوعها غير منحصرة بذلك بل
يعم الموجود وما يوجد فيما بعد، ولذا لايمكن ان
يقال في متعلقات الاحكام «على اصطلاحهما» مثل
الصلاة واجبة ما ذكراه مع ان هذه القضية حقيقية بلا
اشكال، فلو كان الموضوع فيها الوجود الامر بالحاصل
وهو مستحيل. ومما ذكرنا ظهر ان اجتماع الامر والنهي
جائز فان متعلق الحكم العنوان والخارج مجمع
العنوانين ولايسري الحكم من متعلقه إلى غيره،
وتمام الكلام في محله.
فلو اكره احد
على شرب الخمر مثلا فلا يقال ان شرب الخمر الواقع في
الخارج مرفوع بحيث لاينطبق الحديث على المورد قبل
تحقق الشرب، ولذا يحكم بجواز الشرب حتى قبل تحققه،
فنفس طبيعة شرب الخمر مرفوع بما انها مكره عليها.
وعليه أي ثقل في نفس الطبيعة على المكلف مع قطع
النظر عن حكمها؟ أي لم يكن ملزما في الاتيان بها،
فان الموجب للثقل هو الالزام المتعلق بها. فلا يصح
ان يقال ان المرفوع هو نفس الطبيعة، بل المرفوع
مايوجب
الثقل
والموجب هو الالزام. ولذا قلنا بان اسناد الرفع إلى
الفعل يحتاج إلى العناية والادعاء، على ان الرفع في
عالم التشريع هو رفع لأمر تشريعي يوجب الثقل، وهذا
لايناسب الموضوع، فلو كنا نحن ونفس اسناد الرفع
لقلنا باختصاص الحديث بالشبهات الحكمية الا ان
القرينة الداخلية في غير ما لايعلمون والداخلية
والخارجية في ما لايعلمون دلتنا على اختصاص الرفع
بالموضوعية في الاول وبشموله له في الثاني على ما
مر.
4 – ان الرفع
والوضع متقابلان يواردان على مورد واحد، ومتعلق
الوضع انما هو الفعل او الترك على ذمة المكلف. فلا
مناص من كون متعلق الرفع كذلك فيختص الحديث
بالشبهات الموضوعية. واجاب سيدنا الاستاذ – مد ظله
– عن ذلك بان هذا انما يتم اذا كان ظرف الرفع او
الوضع ذمة المكلف. واما اذا كان ظرفه الشرع كما هو
ظاهر الحديث كان متعلقهما هو الحكم لا محالة، فيكون
المرفوع هو الحكم.
اقول: (اولا)
هذا مناف لمبناه – دام ظله – من ان الالزامات
الشرعية ليس الا اعتبارشيء على ذمة المكلف، والرفع
في عالم التشريع ايضا هو رفع هذا الاعتبار فظرف
الرفع ايضا الذمة. وعليه لابد من ان يجب الاستاذ عن
الاشكال بان الموضوع في الشبهات الحكمية ايضا هو
الفعل او الترك على ذمة المكلف، فهذا لايوجب اختصاص
الحديث بالشبهات الموضوعية.
(وثانيا) ان
اصل وضع الفعل او الترك على ذمة المكلف لانعقل له
معنى الا بان يعتبرا في الذمة نظير الدين كالاية
الكرية (لله على
الناس حج البيت)(1) وهذا
لايوجب اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية كما ترى
في الاية الكريمة، وما جعل الحكم فليس مرتبطا بذمة
المكلف، اما في مرحلة
______________________________
(1) ال عمران:
97.
جعل القانون
فظاهر، وأما في مورد الشبهات الموضعية فلم يوضع
فيها حكم بالخصوص حتى يقال بان هذه الموارد وضع
الفعل او الترك على الذمة، بل الشبهة في طول الوضع
وفي المرتبة المتأخرة عنه، فالجعل بالخمرية لايوجب
قلب ما هو المجعول واقعا من حرمة شرب الخمر (الغير
المتعلق بالذمة كما هو مفروض الاشكال) إلى وضع اخر
وهو وضع الترك إلى الذمة حتى يرفع.
والحاصل: ان
في موارد الشبهات الموضوعية لم يوضع شيء غير ما هو
الموضوع قانونا، فلو لم يكن حديث الرفع شاملا للجهل
بنفس القانون لم يكن شاملا للشبهة الموضوعية ايضا.
ويمكن تقريب الاشكال بوجه يسلم من بعض هذه
الايرادات، وهو ان في مورد الشبهة الحكمية تعلق قلم
الوضع بالحكم نفسه، وفي مورد الشبهة الموضوعية وان
لم يوضع حكم بالخصوص الا انه لو وضع شيء لوضع الفعل
او الترك على الذمة وبما ان الوضع ظاهر في ذلك
والرفع في ما يقابله فيختص الرفع بالشبهات
الموضوعية. وهذا مخدوش طردا وعكسا، فان في مورد
الحكمية قد يتعلق الوضع بالحكم كعمدة الاحكام، وقد
يتعلق بالفعل كالحج، هذا تنجيزا، وأما تعليقا
فأيضا كذلك لامكان ان يقال فيها لو وضع لوضع الحكم
او الموضوع، واما في مورد الموضوعية فلم يجعل حكم
بالخصوص كما مر. واما قضية التعليق فكلا الأمرين
ممكن لانه يمكن ان يقال فيها انه لو وضع لوضع الفعل
على الذمة، او لوضع الحكم على الفعل فلا محصل لاصل
الاشكال ولا لما سلمه سيدنا الاستاذ – مد ظله –.
والصحيح في
الجواب ان يقال: ان هذا الاشكال لو لم يكن دليلا على
اختصاص الحديث بالشبهات الحكمية لايكون دليلا على
اختصاصه بالشبهات الموضوعية، فان الشبهة في
الموضوع هي الشبهة في صغرى فعلية الحكم (كالشبهة في
ان هذا خمر) والشبهة في الحكم هي الشبهة في الكبرى
(كالشبهة في حرمة الخمر) والنتيجة في كلا الموردين
الشبهة في حرمة هذا. والوضع انما هو في
الكبرى وبنحو
من المسامحة في النتيجة. واما في الصغرى فلا وضع كما
هو واضح فلو لاحظنا الوضع في الكبرى يكون الحديث
مختصا بالشبهات الحكمية، ولو لاحظنا الوضع في
النتيجة ولو بنحو من العناية يعم الحديث لكلا
الموردين، فتأمل، حتى لايتوهم ان المرفوع في
الشبهات الموضوعية على هذا الحكم لا الموضوع فان
عموم الحديث لكلا الموردين بلحاظ الحكم غير عمومه
لرفع الحكم بل الظاهر من الحديث رفع المشتبه
والمصحح لاسناد الرفع إلى الموضوع المشتبه رفع
الحكم على ما مر هذا. ولايخفى ان ما ذكرنا في الجواب
عن الاشكالين(3و4) انما هو علىمبنى القوم من كون
الحديث ناظرا إلى رفع الحكم، اما على مسلكنا من ان
الرفع عذري والاسناد في كلتا الشبهتين الموضوعية
والحكمية يحتاج إلى مصحح الادعاء، والمصحح رفع
ايجاب الاحتياط، فالجواب عنهما اظهر من ان يخفى لان
المرفوع حقيقة ليس هو الفعل حتى يقال بأن رفع الفعل
يناسب الشبهة الموضوعية بل المرفوع حقيقة ايجاب
الاحتياط والموصول كما هو صالح للانطباق على الفعل
صالح للانطباق على الحكم واسناد الرفع إلى كلا
الامرين يحتاج إلى المصحح بلا فرق بينهما، الثقل
انما هو في ايجاب الاحتياط لا الفعل نفسه والموضوع
ليس هو الفعل او الترك على الذمة بل انما هو ايجاب
الاحتياط فكذلك الموضوع على تفصيل ظهر مما تقدم.
والحمد لله
رب العالمين.
 |