رسالة في
الاجتهاد والتقليد
بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب
العالمين والصلاة على سيدنا محمد واله الطاهرين
والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، واللعن
على اعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
الكلام في
الاجتهاد والتقليد:
اعلم أن كل
مكلف اذا التفت إلى حكم شرعي فاما ان يحصل له القطع
به اولا. اما اذا حصل له القطع به فيقطع باستحقاق
العقاب بمخالفة قطعه ولذا يجب عليه الجري على وفقه
عقلا من دون حاجة إلى أي جعل شرعا، وهذه الصورة
خارجة عن محل الكلام وهو الاجتهاد. واما اذا لم يحصل
له القطع بالحكم كما هو الحال غالبا فلايحتمل ان لا
تكون التكاليف الواقعية موجهة اليه، فلابد له من
تحصيل البراءة اليقينية عنها، وبعبارة اخرى: العقل
يحكم بلزوم عمل يحصل بسببه القطع بالفراغ عن عهدة
تلك التكاليف الواقعية والا لم يؤمن من العقاب. وان
أبيت الا عن احتمال تلك التكاليف غير مقرون بالعلم
الاجمالي فالحكم أيضا كذلك من جهة ان تلك الشبهة
شبهة قبل الفحص ولاتجري فيها ادلة البراءة لا عقلا
ولا شرعا كما قرر في محله فلابد له من عمل يقطع به
الأمن من العقاب، وهذا لايحصل الا بالاستناد إلى
حجة ثبتت حجيتها بدليل قطعي، وذلك اما الاجتهاد او
التقليد أو الاحتياط التام في كل محتمل التكليف.
لكن يشكل
الأخير (أولا) في موارد لايتمكن من الاحتياط مثل
موارد دوران الأمر بين المحذورين فلابد له من
الاجتهاد فيها و التقليد.
(وثانيا) في
موارد عدم تمكن الشخص من الاحتياط.
(وثالثا) من
جهة عدم حصول الامن بالإحتياط فقط، فقد يكون
التكليف المحتمل أمرا عباديا، فالعمل به في ذلك
رجاء مناف للجزم في النية المحتمل وجوبه، وقد يكون
الاحتياط مستلزما للتكرار المحتمل افساده
للعبادة، وبعبارة اخرى نفس جواز الاحتياط في
العبادات عموما وفي موارد يلزم منه التكرار في
العمل خصوصا حكم مشكوك فيه والاحتياط فيه غير ممكن
فلابد من الاجتهاد فيه او التقليد.
ومما ذكرنا
يظهر ان جواز التقليد ايضا لابد وان يثبت بدليل
قطعي غير التقليد للزوم الدور او التسلسل فلابد من
الاجتهاد فيه. فتحصل ان المكلف لابد وان يستند في
عمله إلى حجة ثبتت حجيتها بدليل قطعي، وهي اما في
نفس المورد واما الاحتياط الذي ثبتت حجيته بدليل
قطعي، وهي اما في نفس المورد واما الاحتياط الذي
ثبتت حجيته بالاجتهاد او التقليد، او التقليد الذي
ثبتت حجيته بالاجتهاد، فالأساس هو الاجتهاد في
مقام العمل.
ثم ان هذا
الوجوب هل هو عقلي او غيري او نفسي او طريقي؟ والحق
في المقام انه عقلي وهو من افراد وجوب الاطاعة لأن
العقل يحكم بعدم حصول الاطاعة يقينا الا بذلك فيجب
فظهر من ذلك ان عدم جواز الاجتزاء بعبادات العامي
او معاملاته الذي تارك للاحتياط او التقليد والقول
ببطلانهما كما يظهر من المسالة السابعة من فروع
العروة عقلي في مقام الظاهر لا واقعي، فلايجوز
الاكتفاء بذلك مالم يعلم مطابقته للواقع، فاذا كان
العمل مطابقا للواقع ولم يعلم هو بذلك ابدا فأيضا
صحيح في الواقع غاية الأمر لايجوز له الاكتفاء بذلك
عقلا في مقام الظاهر. فتحصل ان هذا الوجوب من باب
دفع
الضرر
المحتمل وهو عقلي. وقد يقال ان التعلم مقدمة لحصول
تلك التكاليف فيجب غيريا، لكنه فاسد من وجهين:
اولا: ثبت في
بحث مقدمة الواجب ان القول بالوجوب الغيري للمقدمة
لايرجع إلى محصل ووجوب المقدمة ايضا وجوب عقلي من
افراد وجوب الطاعة.
ثانيا: لو
تنزلنا عن ذلك وقلنا ان مقدمة الواجب واجبة بوجوب
مولوي ناش عن وجوب ذيها، وهذا معنى الوجوب الغيري
الا انه انما يتم في مقدمات الواجب لا في مقدمات
حصول العلم بحصوله، وبعبارة اخرى: وجود ذات الواجب
محكوم بالوجوب فمقدماته تجب بوجوبه لكن العلم
بوجود الواجب وجوبه غير مسلم، وما نحن فيه ليس من
المقدمات الوجودية في شيء، اما في مورد الاحتياط
الغير المستلزم للتكرار فلا تتصور مقدمة حتى يلتزم
بوجوبها فان الاحتياط في موارد الشبهات الوجوبية
بالفعل وفي موارد الشبهات التحريمية بالترك،
وحينئذ ذلك الفعل او الترك اما نفس الفعل المكلف به
او لا يكون متعلقا للتكليف اصلا فأين المقدمة حتى
تجب؟.
وأما في
موارد يستلزم الاحتياط فيها للتكرار فتكرار العمل
ليس مقدمة وجودية بل مقدمة علمية كما هو واضح،
وهكذا الكلام في الاجتهاد والتقليد أيضا، فان
التعلم ليس مقدمة وجودية دائما، بل في بعض الموارد
تحصيل العلم مقدمة للعلم بحصول الواجب مثل رد
السلام فتحصيل العلم بوجوبه ليس مقدمة لذاته بل
يمكن رد السلام ولو جاهلا بحكمه.
نعم قد يكون
التعلم مقدمة وجودية مثل الصلاة للفارسي فلا توجد
الصلاة الا بالتعلم او الحج والواجبات المركبة
التي بينها ترتيب فلا يوجد الا بالتعلم، ولكن يمكن
ان يقال بانه لو سلم تصور ذلك الكبرى وهو امكان فرض
لم يوجد الواجب الا في فرض التعلم لكن المثالين
والواجبات المركبة خارجة عن ذلك فان التعلم هو
تحصيل الحجة ويمكن ان توجد المذكورات من دون ذلك بل
بتحصيل غير
حجة مع مطابقتها الواقع فافهم.
واما احتمال
الوجوب النفسي فلا وجه له الا الايات والروايات
التي يدعى دلالتها على ذلك مثل آية النفر(1)
والأخبار الدالة على وجوب التعلم، لكن هذا واضح
البطلان فقد ذكر في محله دلالة المذكورات على
الوجوب الطريقي، وتدل عليه هذه الرواية ان الله
تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي كنت عالما؟ فان
قال: نعم قال له: أفلا عملت؟ وان قال: كنت جاهلا قال:
أفلا تعلمت حتى تعمل؟(2) ثم على تقدير التسليم بان
التعلم واجب نفسي لكن الاحتياط غير التعلم، فكيف
يصير واجبا من باب وجوب التعلم؟ فان الاحتياط هو
احراز اتيان العمل بجميع محتملاته لا تعلم الحكم
كما هو أوضح من ان يخفى وأيضا التقليد على الصحيح من
انه استناد إلى قول الغير ليس بتعلم والتعلم
مقدمته.
واما احتمال
الوجوب الطريقي لهذه الثلاثة فأيضا ساقط من جهة ان
الاحتياط لايكون معذرا لعدم تصور مخالفة الواقع في
مورده، ولايكون منجزا أيضا لما ذكرنا من ان التكليف
الاوقعي بنفسه منجزا اما للعلم او الاحتمال قبل
الفحص فلا يحتاج إلى منجز اخر فكيف يكون الاحتياط
منجزا له؟ فلا يكون الاحتياط واجبا كذلك.
واما
الاجتهاد والتقليد فأيضا لايكونان منجزين للتكليف
بعين ما ذكرنا
______________________________
(1) التوبة: 122.
(2) جامع
احاديث الشيعة: ج1، ص94، حديث25 – نقلا عن امالي
المفيد، وفي المصدر هكذا (قال حدثني – 3 –) هارون بن
مسلم قال: حدثني مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن
محمد (ع) وقد سئل عن قوله تعالى فلله الحجة البالغة
فقال: ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي
أكنت عالما؟ فان قال: نعم قال: أفلا عملت بما علمت؟
وان قال كنت جاهلا قال له أفلا تعلمت حتى تعمل؟
فيخصمه وذلك (فتلك) الحجة البالغة (لله عزوجل في
خلقه).
في سابقهما
ومع التسليم و القول باحتياج الاحكام إلى منجز اخر
غير ماذكر فلا يكون الاجتهاد التقليد مع ذلك منجزا
للتكليف، فان المنجز في الاجتهاد هو الدليل الدال
على الحكم عند المجتهد لا اجتهاده، وفي التقليد هو
فتوى الغير لا استناده، نعم لا بأس بالقول بكونهما
معذرين، فاذا اجتهدوا أخطأ او قلد العامي ولم يصل
إلى الواقع فيصح الاعتذار عند المولى بأني استفرغت
الوسع في تحصيل الواقع وأخطأت، أو أني عملت اسنادا
إلى قول المجتهد ولم اصل، هذا، ولكن لايمكن
المساعدة لذلك فان لازمه ان لايكون وجوب العمل على
وفق جميع الطرق والامارات طريقيا، لعدم كونها
منجزا لان الحكم منجز في المرتبة السابقة من جهة
العلم الاجمالي او الاحتمال.
نعم يكون
معذرا عند مخالفة المؤدي للواقع وهذا كما ترى فمعنى
الوجوب الطريقي هو الالتزام بالعمل على شيءبلحاظ
وصوله إلى الواقع سواء كانت نتيجته التعذر او لم
تكن، وسواء كانت نتيجته التتجز او لم تكن، وهذا في
ما نحن فيه موجود فان ذلك الوجوب العقلي الذي مر
بيانه، ولو كان من باب وجوب دفع الضرر المحتمل الا
انه بلحاظ الوصول إلى الواقع، وهذا معنى الوجوب
الطريقي ولايضر اجتماع وجوب عقلي وطريقي.
 |