الكلام في
الاجتهاد
ويقع الكلام
اولا في تعريفه. اما لغة فانه مأخوذ من الجهد وهو
المشقة، او الجهد وهو الطاقة او المشقة. فاجتهد
فلان أي بذل طاقته او تحمل المشقة، والظاهر انه لا
يفرق في معناه بين الأخذ من أي المادتين.
واما بحسب
الاصطلاح فقد عرف بانه استفراغ الوسع في تحصيل الظن
بالحكم الشرعي، والعامة اصل لهذا التعريف كما يظهر
من الحاجبي وغيره، وتبعهم جمع من الخاصة ايضا، لكن
هذا التعريف علىمسلك العامة وان كان
لاضير فيه
لانهم يرون الظن حجة مطلقا الا انه على مذهب الخاصة
لايستقيم، فان الظن ليس بحجة عندهم والاستناد اليه
بدع محرم على مسلكهم، بل هذا لايصح على مذهب العامة
أيضا، فان جل الحجج الشرعية غيرمفيدة للظن كأصالة
البراءة وغيرها، والمدار كما ذكرنا تحصيل الحجة
سواء كان مفيدا للظن او لم يكن ولا عبرة بما ليس
بحجة سواء كان مفيدا له او لم يكن.
وقد عرف
الاجتهاد بانه ملكة يقتدر بها لاستنباط الاحكام
الشرعية. وهذا التعريف وان كان سالما عن ما اوردنا
على سابقه لكنه لايستقيم على مامر من كونه طرفا
للواجب التخييري، وان الامن من الضرر لايحصل الا
بالاجتهاد او التقليد او الاحتياط. فان الملكة
بنفسها لا دخل لها في ذلك اوان لم يستنبط شيئا فعلا،
نعم سيجيء في بحث التقليد من ان المقلد لابد وان
يكون مجتهدا. وايضا لايجوز صاحب الملكة صرفا بل
لابد فيه من الاستنباط فعلا او غير ذلك فهذا خارج عن
ما نحن فيه. وسيجيء الكلام فيه مفصلا.
قال سيدنا
الاستاذ – مد ظله –: الصحيح في المقام تعريفه بانه
تحصيل الحجة على الحكم الشرعي. والظاهر ان الصحيح
تعريفه بأنه تحصيل الحكم الشرعي عن حجة تفصيلية،
فان المجتهد يبذل طاقته لتحصيل الحكم الالهي لا
الحجة عليه وان لاينفك احدهما عن الاخر، وقيدنا
الحجة بالتفصيلية لان المقلد ايضا يحصل الحكم عن
الحجة، وهي فتوى مرجعه الا انها حجة اجمالية
فالأولى تعريف الاجتهاد بانه تحصيل الوظيفة
الشرعية عن الأدلة التفصيلية.
هذا وقد وقع
التصالح بين الأخباريين والاصوليين وارتفع
استيحاشهم، فانهم انما ينكرون الاجتهاد
علىالمجتهدين لزعمهم انهم يريدون من الاجتهاد
المعنى الأول وهو استفراغ الوسع في تحصيل الظن
بالحكم الشرعي. وعلى هذا الاستيحاش في محله. لكن على
ما ذكرنا يرتفع الاستيحاش فان الأخباري
أيضا لا ينكر
لزوم تحصيل الامن من الضرر في مقام امتثال الاحكام
الشرعية ولايحصل الا بالعمل على وفق الحجة.
الجهة
الثانية: حيث ان الاجتهاد من المقدمات العقلية قليل
جدا مثل وجوب المقدمة وحكم الضد وجواز اجتماع الامر
والنهي فلاد من الرجوع إلى الايات والروايات كثيرا.
وحيث ان ذلك من اللغة العربية فلابد من تحصيل علم
اللغات فنحتاج الىعلم اللغة، وأيضا لابد من العلم
بقواعد اللغة العربية وهو الصرف والنحو والمعاني
والبيان بمقدار يفهم منه ظواهر ألفاظ الكتاب
والسنة، والزائد على ذلك من تلك العلوم غير محتاج
اليه، وأما علم المنطق فلا دخل له في الاستنباط
أبدا وذلك من جهة ان مقدار مالابد منه من ذلك ضرورية
والزائد على ذلك لايحتاج اليه.
بقي هنا
علمان: علم الاصول وعلم الرجال. اما الأول، فوجه
الاحتياج اليه واضح بين في أول الاصول. واما علم
الرجال، فان قلنا بحجية جميع الروايات المذكورة في
الكتب الأربعة، او قلنا بعدم حجية مالم يكن معتمدا
بفتوىالمشهور فأيضا لايحتاج اليه، وذلك ظاهر واما
بناء على الصحيح من انه لابد في حجية الروايات من
احد أمرين اما الوثوق بالصدور او الوثوق بالراوي
فيحتاج إلى علم الرجال وان كان استناد المشهور ايضا
كاف في دخول الخبر في ملاك الحجية أي الامرين
المذكورين خلافا للسيد الاستاذ – مد ظله – لكن هذا
لايوجب عدم الحاجة الىعلم الرجال في موارد عدم
احراز استناد المشهور وهذا ظاهر.
الجهة
الثالثة: ينقسم المجتهد باعتبار إلى من استنبط
الحكم وعلم به فعلا والى من لم يستنبط كذلك بل له
ملكة يقتدر بها من الاستنباط، وبعبارة اخرى إلى
المستنبط بالفعل والمستنبط بالملكة. وأيضا ينقسم
إلى من له ملكة يقتدر بها من استنباط جميع الاحكام
والى من ليس له الا بالنسبة إلى بعض
ذلك، وبعبارة
اخرى إلى المطلق والمتجزي. فالصور اربعة وفي كل
واحد منها يقع الكلام اما في حكم نفسه وذلك جواز
تقليده للغير، واما في حكم غيره، وذلك اما في جواز
تقليد الغير له، واما في جواز تصديه للحسبيات ونفوذ
احكامه، وغير ذلك من المناصب المربوطة بالمجتهد،
والقدر المتيقن من ذلك هو المجتهد المطلق المستنبط
بالفعل.
وأما في
المجتهد المطلق الغير المستنبط بالفعل فبالنسبة
إلى جواز تقليده للغير فقد ادعى الشيخ الأعظم – قدس
سره – في رسالته المخصوصة بالاجتهاد والتقليد
الاجماع على عدم الجواز والحق كما ذكره – قدس سره –
وان خالفه صاحب المناهل – قدس سره – وذلك من جهة ان
الاحكام الواقعية منجزة في حقه اما من جهة العلم
الاجمالي واما من جهة قيام الحجة عليها وتمكنه من
الوصول اليها، ولابد له من احراز الامتثال لذلك
التكليف المنجز، ولايحصل الا باجتهاد نفسه للشك في
الخروج عن عهدة ذلك استنادا إلى فتوى الغير، ولايكن
احراز ذلك بواسطة اطلاق ادلة جواز تقليد الجاهل
للعالم لان القدر المتيقن من السيرة العقلائية غير
ذلك. والأدلة اللفظية ايضا غير شاملة له لان
المتبادر من (فاسئلوا
اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون)(1) مثلا من لم يتمكن من تحصيل العلم الا
بالسؤال، وهكذا سائر الادلة. ولايخفى ان هذا البحث
غير مجد بالنسبة إلى ذلك المجتهد من جهة ان نفس هذه
المسألة أعني جواز تقليده للغير مما يمكنه
الاستنباط فعلا بحسب الفرض ولايمكنه الاستناد إلى
الغير فيها للزوم الدور فلابد له من الاجتهاد فيه
فعلا ويعمل حسب ما ادى اليه رأيه، على ان كل مجتهد
يعلم اجمالا بمخالفة رأي مجتهد اخر لما يؤدي اليه
اجتهاده لو استنبط فكيف يعمل بقوله مع ذلك العلم
الاجمالي؟
______________________________
(1) النحل: 43.
واما الحكمان
الثاني والثالث – أعني جواز رجوع الغير اليه ونفوذ
قضائه واحكامه – فالمناسب ان يبحث عنه في بحث
التقليد، الا انه لا ضير في التكلم فيه هنا أيضا.
فنقول: ان
المتبادر من ادلة التقليد كون المرجع فقيها او
عالما او عارفا بالحكم فهذا المجتهد المستنبط
بالملكة ان لم يستنبط ولو حكما فلا يعقل تقليده،
وان استنبط لكن لابمقدار يصدق عليه العناوين
المذكورة فلا يجوز تقليده لان احراز امتثال
التكاليف الواقعية متوقف على تقليد من كان معنونا
بتلك العناوين، والمتبادر من العناوين من كان
متبلسا بالمادة بالفعل. واما بالنسبة إلى الحكم
الثالث فحيث ان نفوذ قضاء احد على احد أو جواز تصرف
أحد في مال الغير وغير ذلك من المناصب الثابتة
للفقيه خلاف الأصل، فلابد من ملاحظة الأدلة
المخرجة عن ذلك والأدلة مشتملة على تلك العناوين
ولاتصدق الا على المجتهد المستنبط بالفعل.
بقي الكلام
في المتجزي بقسميه، فتارة يقع الكلام في امكان
التجزي واخرى في الأحكام الثلاثة المذكورة. أما
الأول فلا شبهة في امكانه بل وقوعه لأن أدلة
المسائل مختلفة سهولة وغموضة عقلية وشرعيا. فقد
يكون الشخص مجتهدا في المعاملات بخلاف العبادات من
جهة قلة الروايات في ذلك وتسلطه على القواعد الكلية
المذكورة في ابواب المعاملات، وقد يكون بالعكس من
جهة تسلطه على الجمع بين الروايات والاستظهار فيها.
والقول بان الاجتهاد ملكة ولا تتصور القسمة في ذلك
لانها من الكيف النفساني والقسمة من مختصات الكم،
فالملكة ان حصلت تحصل في الجميع والا فليس الشخص
بمجتهد اصلا مغالطة، لأنا لا نقول بتقسيم نفس
الملكة، بل حصول الملكة مختلف باعتبار اختلاف
متعلقه، فقد تحصل الملكة بحيث يسهل له اشكال
المسائل الرياضية ولكن لا يقدر على انشاء شعر واحد،
فقد تحصل الملكة بالنسبة إلى باب من
أبواب الفقه
من جهة خصوصية في ذلك ولم تحصل بالنسبة إلى غيره
لعدم تلك الخصوصية فيه. وكيف كان فلا اشكال في اصل
تصوره.
واما الاحكام
الثلاثة فيعلم مما ذكرنا سابقا فان المتجزي
المستنبط بالفعل لايجوز له تقليد الغير في المسألة
المستنبط فيها فانه من باب رجوع العالم إلى الجاهل
في نظره وكذلك المتجزي المستنبط بالملكة لعدم
احراز الامتثال الا بتحصيل الحجة على الحجم بنفسه،
واما رجوع الغير إلى المتجزي ونفوذ قضائه وتصرفاته
في أموال القصر والغيب فعين مامر في المجتهد
بالملكة.
 |