الكلام في
الاجزاء وعدمه
اذا تبدل
فتوى المجتهد بحيث متعلق نظره بحكم مناف لما تعق به
اولا وكان اتيان عمل موافق للأول مخالفا للثاني
وباطلا بحسب الفتوى الثانية. وهكذا اذا عدل عن فتوى
مجتهد إلى مجتهد اخر بحيث يكون لهما نظران في مورد
واحد كسابقه سواء كان المجتهد المعدول عنه حيا او
ميتا فهل يحكم بالاجزاء مطلقا او يحكم بعدمه مطلقا
أو يفصل؟ فقد وقع الكلام في ذلك بين الاعلام. وقبل
تنقيح المرام وبيان ماله من النقض والابرام لابد من
تنبيه في المقام، وهو ان النزاع انما يقع على القول
بالتخطئة حتى يتصور مخالفة المأتي به بمقتضى
الفتوى الأول الواقع كي يعقل القول بعدم الاجزاء،
والا فعلى القول بالتصويب وان ما أدى اليه نظر
المجتهد هو حكم الله الواقعي
فلا يتصور
مخالفة حتى يبحث عن اجزاء المأتي به عن المأمور به
وعدمه كما لايخفى.
اذا عرفت ذلك
فاعلم ان التفصيل الذي ذهب اليه صاحب العروة – قدس
سره – لا وجه له، حيث افاد في المسألة الثالثة
والخمسين ما هذا لفظه: اذا قلد مجتهدا يكتفي بالمرة
مثلا في التسبيحات الاربع واكتفى بها، او قلد من
يكفي بضربة واحدة ثم مات ذلك المجتهد فقلّد من يقول
بوجوب التعدد لايجب عليه اعادة الاعمال السابقة.
وكذا لو اوقع عقدا او ايقاعا بتقليد مجتهد يحكم
بالصحة ثم مات وقلد من يقول بالبطلان يجوز له
البناء على الصحة. نعم فيما سيأتي يجب عليه العمل
بمقتضى فتوى المجتهد الثاني، واما اذا قلد من يقول
بطهارة شيء كالغسالة ثم مات وقلد من يقول بنجاسته،
فالصلوات والاعمال السابقة محكومة بالصحة وان كانت
مع استعمال ذلك بطهارته وكذا في الحالية والحرمة.
فاذا افتى المجتهد الاول بجواز الذبح بغير الحديد
مثلا فذبح حيوانا كذلك فمات المجتهد وقلّد من يقول
بحرمته فان باعه أو أكله حكم بصحة البيع واباحة
الأكل، وأما اذا كان الحيوان المذبوح موجودا
فلايجوز بيعه ولا اكله وهكذا، انتهى.
والمتحصل من
ذلك التفصيل بين الاعمال السابقة واللاحقة
بالاجزاء في الاولى، واما في الثانية فان كان العمل
عباديا او عقدا أو ايقاعا فكذلك يحكم بالصحة وتترتب
عليه الاثار، والا فلابد من الالتزام بفسادها،
وهذا التفصيل لايمكن المساعدة عليه من جهة عدم
الدليل عليه.
واما القول
بالاجزاء مطلقا فقد يقال بأنه مبني على ظاهر
الاجتماع لكنه مع انه غير ثابت بل صرح بعض بالخلاف
لايكون كاشفا في مثل هذه المسألة الجديدة
المستحدثة. وبذلك يظهر فيما يدعى قيام السيرة على
ترتيب اثار
الصحة مطلقا
لانها مع فرض تسليم ذلك مبنية على فتاوى المجتهدين
عصرا بعد عصر ولايعلم قيامها في زمان المعصوم سلام
الله عليه. بل لايعلم قيام واحد على ذلك، فكيف يمكن
استكشاف رأي المعصوم عليه السلام مع هذه
الاحتمالات؟ واما ما يدعى من كونه مقتضى نفي العسر
والحرج فأيضا غير سديد لكونه اخص من المدعى لعدم
لزوم ذلك في جميع الموارد. بل لابد في موارد لزوم
العسر من رفع اليد بمقدار يرفع العسر فان المحذورات
تتقدربقدرها. والمهم في المقام ما قيل بأن الفتوى
اللاحق لايكشف عن عدم حجية السابق وعدم كونه معذرا
ومنجزا بل كما ان الثانية حجة في ظرفه الأولي أيضا
حجة في ظرفه واحتمال عدم المطابقة للواقع مشترك
بينهما، والمفروض ان العمل اتي به موافقا للحجة
الموجودة في ظرفه فلا وجه للتمسك بالفتوى الثانية
على ذلك حتى يحكم بعدم الاجزاء.
وبعبارة
اخرى: الحجج الشرعية بالنسبة إلى مرحلة المجعول
كلها حجة واقعا ولايتصور فيها تصويب اصلا كما
ذكرناه سابقا لقيام موضوعها بنفس المكلف وذلك من
الامور التكوينية التي امرها دائر بين الوجود
والعدم، فاذا كان موجودا فالحجة موجودة واقعا والا
فلا. مثلا دليل حجية الاستصحاب هو لا تنقض اليقين
بالشك، فقوام حجية الاستصحاب واقعا باليقين السابق
والشك اللاحق، وهذا اما موجود في نفس المكلف او غير
موجود، ولذلك بنينا على انه لايتصور شبهة في
الموضوع في الاحكام الظاهرية أبدا، فاذا كان الحكم
كذلك ففي محل الكلام الفتوى الاولى كانت حجة إلى
زمان الثانية واقعا والعمل واقع موافقا للحجة.
وحجية الثانية في ظرفها لاتنافي حجية الاولى فيكون
العمل مجزيا عن الواقع.
وليعلم ان
هذا الوهم انما يتم في الاعمال السابقة فقط دون
اللاحقة كما لايخفى، لعدم حجية الاولى بعد الثانية
قطعا والعمل وان كان موافقا للحجة
حدوثا الا أن
بقاءه أيضا يحتاج إلى حجة. وهذا كما تراه لايتم ايضا
فان حجية كل منهما في ظرفه وان كان ثابتا الا ان
فتوى الثانية لاتكشف عن الحكم من زمان وقوعها فقط
بل تكشف عن وجود من أول الأمر. فان كانت الصلاة
بلاسورة صحيحة بمقتضى الثانية فالفتوى اللاحقة
تكشف عن جزئية السورة للصلاة من الأول. فالحجة
قائمة على عدم اتيان المكلف بالصلاة الواقعية
فلابد من القول بعدم الاجزاء. هذا ولكن لابد من
ملاحظة دليل الحجة الثانية فان كان له اطلاق يمكن
الأخذ به فالحكم كما ذكر والا فالقدر المتيقن من
حجية ذلك بعد زمان قيامه فالعمل موافق للحجة في
ظرفه. والحجة الثانية غير قابلة للقيام على مخالفته
للواقع ولعل مسألة تبديل الفتوى او المجتهد من هذا
القبيل، فافهم. والنتيجة حينئذ الاجزاء بالنسبة
إلى السابق دون اللاحق، وكيف كان فلو قلنا بعدم
الاجزاء لكن لابد من الخروج عنه بالنسبة إلى الصلاة
من جهة حديث: «لاتعاد الصلاة الا من خمس»(1).
______________________________
(1) الوسائل:
ج4، باب 1 من ابواب افعال الصلاة، حديث14. وباب 29 من
ابواب القراءة في الصلاة، حديث5. وباب 10 من ابواب
الركوع، حديث5: وباب 1 من ابواب قواطع الصلاة، حديث4.
يرتبونها على
هذه التعاريف فغير مترتبة عليها لعدم وجود لفظ
التقليد في موضوع تلك الاثار المترتبة في المقام،
وسيأتي تفصيل ذلك ان شاء الله.
 |