التقليد
فقد يقال في
تعريفه بأنه الالتزام بقول الغير، وقد يقال بانه
العمل على قول الغير. وقد يقال بأنه أخذ رسالة
الغير، ولايمكن المساعدة على شيء من هذه التعاريف
فانه ليس للتقليد معنى مغايرا لمعناه العرفي. وهو
جعل الشيء ذا قلادة والعامي يجعل العمل على عنق
المفتي ويقلده. فالتقليد هو الاستناد بقول الغير في
مقام العمل فهو مقارن للتقليد. هذا معنى التقليد،
واما الثمرات التي وأما الأدلة الدالة على حجية قول
الغير في حق العامي ووجوب التقليد فوجوه. ذكرها
السيد الاستاذ – مد ظله –.
الأول:
السيرة العقلائية قامت على رجوع الجاهل إلى العالم
والشارع لم يردع عنه فيستكشف بذلك حجية قول العالم
في الشرعيات ايضا.
الثاني: دليل
الانسداد، وهو انه بعد العلم بثبوت التكاليف
الواقعية وعدم التمكن من الامتثال علما تفصيليا
وعدم الجواز او عدم وجوب الامتثال علما اجماليا وهو
الاحتياط فلابد من الاستناد إلى الحجة الموجودة في
البين، والمفروض ان المكلف عامي لايمكن في حقه ذلك.
بل لايوجد ظن بالواقع لعدم تمكنه من السير في
الادلة فلا يتمكن من الامتثال الا بالاستناد إلى
قول العالم وهذا معنى التقليد.
الثالث: آية
النفر (فلولا
نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرن)(1) دلت هذه الاية على وجوب الحذر
عند الانذار الذي غاية للتفقه الذي هو غاية للنفر
الواجب، والفتوى بالدلالة الالتزامية انذار فيجب
الاخذ به على العامي. بل لفظة التفقه أيضا شاهدة على
ذلك. ووجوب الحذر عند انذار المنذر غير مقيد بصورة
حصول العلم فلا يصغى إلى ماقيل من عدم دلالة الاية
على حجية الفتوى لاحتمال وجوب الحذر عند حصول
العلم.
ان قلت: ان في
زمان صدور الاية التفقه والاجتهاد لم يكن كالتفقه
والاجتهاد في زماننا فلا تدل الاية الكريمة على
حجية الفتوى في هذه الأزمنة.
______________________________
(1) التوبة: 122.
قلت: التفقه
في زمانين بمعنى واحد غاية الأمر اختلافهما سهولة
وغموضة لقربهم بالمعصومين عليهم السلام وعدم توسعة
المباحث مثل زماننا. مثلا في ذلك الزمان ايضا كانوا
يفتون بما يفهمون من ظواهر الكتاب والسنة فكانت
الظواهر حجة في ذلك الزمان أيضا. غاية الأمر ما
كانوا محتاجين إلى الرجال لقربهم بالمعصومين عليهم
السلام، وهكذا. فدلالة الاية تامة لحجية الفتوى
ووجوب استناد العامي إلى قول المجتهد في مقام
العمل.
الرابع: آية
السؤال: (فاسئلوا
اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون)(1) دلت على هذه الآية على وجوب السؤال عند عدم
العلم وهو الاخذ بالفتوى، فالعامي حيث لم يعلم
بتكليفه يجب عليه الأخذ بقول اهل الذكر وهم
العلماء. وتقييد الاية بعدم لزوم ترتيب الاثار حتى
يحصل له العلم مناف للظاهر بلا دليل عليه، والمراد
من اهل الذكر ما يشمل العلماء وان فسرت بالائمة أو
علماء اليهود لانه من باب الجري بالمصداق.
الخامس:
الروايات الكثيرة الدالة على اثبات حجية قول
الفقيه في الجملة فلاحظ هذا. ولكن شيئا من هذه
الوجوه لايتم.
اما السيرة
العقلائية فلايعلم قيامها في مثل الرجوع إلى
المفتي الذي تكون مبادىء فتواه حدسية اجتهادية
كثيرة الخطأ، ومع قيامها لم تعهد في زمان الشارع
والائمة المعصومين عليهم السلام حتى نكشف رأيهم
عليهم السلام من عدم ردعهم عنها، وتنظير المسألة
بمثل رجوع المريض إلى الطيب قياس مع الفارق فتدبر
جيدا.
واما دليل
الانسداد فلا يثبت الا لزوم التبعيض في الاحتياط،
واما حجية قول العالم فأجنبية عن مدلوله كمالايخفى.
______________________________
(1) النحل: 43.
وأما آية
النفر فلا تدل الا على لزوم الانذار بعد التفقه
والرجوع حتى يحصل الخوف عند تخويفهم والحذر عند
انذارهم، وهذا لايستلزم حجية قول المنذرين فضلا عن
حجية فتواهم، وبالجملة التخويف لغرض حصول الخوف
لايستلزم الحجية، فان الخوف قد يحصل من تخويف من
لايكون قوله حجة كالصبي والمجنون بل الفاسق وغيرهم.
والحاصل ان الاية ليست في مقام جعل الحجية لشيء
فضلا عن الفتوى والاجتهاد مع ان ذلك لايستلزم
الانذار كما لا يخفى.
واما الآية
السؤال فموردها معرفة النبي صلى الله عليه واله
والسؤال فيها لايغني من الحق شيئا حتى يحصل به
العلم.
فلاتبقى الا
الروايات، ولا ننكر دلالة بعضها على حجية الفتوى،
ويكفي في ذلك ماقاله الصادق عليه السلام لأبان بن
تغلب «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فاني احب ان
أرى في شيعتي مثلك»(1) ولكن لا اطلاق لهذه الروايات
نتمسك بها في مورد الشك مع انه لا حاجة اليها مع
وجود دليل اخر في باب التقليد أقوى من الجمع وهو
قيام السيرة المتشرعة في شرع الاسلام بل في جميع
الأديان على التقليد ورجوع الناس إلى علمائهم في
مسائلهم والسؤال عنهم وقبول الجواب عنهم بلا تأمل،
وليس هذا من جهة حصول الاطمئنان كما توهم بل يرون
موضوعية لقول عالم الشرع ويجعلون عملهم الموافق
لقول العالم على عاتقه، ويظهر هذا من ملاحظة حال
الناس في مراجعتهم العلماء ولايختص هذا بمذهب دون
مذهب حتى يقال لعل ذلك من جهة فتوى المجتهدين، فان
غير المسلمين أيضا متعبدون بذلك بل ظهوره في بعضهم
أشد من المسلمين.
______________________________
(1) معجم رجال
الحديث: ج1، ص147. وكذا اختيار معرفة الرجال: ص330
حديث306 مع اختلاف في العبارة عما في معجم رجال
الحديث، وكذا في رجال النجاشي: ص10 باب الألف منه
ويطابق مافي النجاشي مع المتن المذكور هنا.
والحاصل: ان
الرجوع إلى العالم الديني واخذ المسائل منه أمر
مسلم بين جميع الملل والاديان وهذا هو التقليد
ونكشف قطعيا عن وجوده في شريعتنا، وهذا اقوى دليل
على التقليد، بل يمكن استفادة ذلك من بعض روايات
الباب مثل رواية علي بن المسيب قال: قلت للرضا عليه
السلام: ان شقتي بعيدة ولست اصل اليك في كل وقت فمن
اخذ معالم ديني؟ قال عليه السلام: من زكريا بن ادم
القمي المأمون على الدين و الدنيا(1). فان سؤاله «عمن
اخذ معالم ديني» يدل على ان هذا امر ارتكازي له وبما
انه متدين بالدين يرى انه لابد من اخذ معالم دينه من
احد ويسأل عمن يعينه الامام عليه السلام وجوابه
عليه السلام ايضا يؤيد ذلك، فان توصيف من عينه
بالمأمون على الدين والدنيا بيان لما هو المرتكز
عند السائل وهو لزوم اخذ معالم الدين من شخص مأمون
على الدين والدنيا وهو ماذكرنا من التقليد.
وهكذا رواية
عبد العزيز قال: قلت للرضا عليه السلام: ان شقتي
بعيدة فلست اصل اليك في كل وقت فآخذ معالم ديني عن
يونس مولى ال يقطين؟ قال عليه السلام: نعم(2).
والتقريب عين ما قلناه في الرواية السابقة، ومن
الغرائب ان يلتزم بان السؤال في هذه الرواية عن
وثاقة يونس وهكذا جواب الامام فيها وفي الرواية
السابقة مجرد توثيق لا ازيد. بل المسألة في
الروايتين تنشأ من الامر المسلم عند المتدينين وهو
لزوم اخذ المتدين معالم دينه من عالم دينه ولذا
يسأل الراوي عن تعيين في الاولى وعن اهلية يونس
لذلك في الثانية.
فالتقليد امر
شرعي ليس من قبيل الامور العقلائية في غير مورده
كالطب ورجوع الجاهل إلى العالم وهو جعل العمل على
عاتق مرجع التقليد والاستناد اليه في مقام العمل،
ودليله السيرة المتشرعة والمتدينين ولو في غير
الاسلام
______________________________
(1 و2) الوسائل:
ج18، باب 11 من ابواب صفات القاضي، حديث27 و35.
والروايات
وان كانت مبينة ومؤكدة إلى تلك السيرة، ويمكن
استفادة ذلك من التوقيع الشريف «واما الحوادث
الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي
عليكم وانا حجة الله»(1) فان حجية الشخص غير حجية
قوله. ومعنى ذلك ان من يكون مرجعا للناس في الحوادث
والامور التي ترجع اليه في الشريعة هو راوي الحديث
والمعين له الامام عليه السلام، كما ان شأن الامام
عليه السلام ايضا كذلك الا انه بتعيين الله عزوجل.
 |