تنبيه
استثني من
الحكم المذكور في النافلة عدة موارد كصلاة
الاستسقاء والعيدين، عند عدم اجتماع الشرائط وصلاة
المعادة، والبحث في كل منها موكول الى محله، ويأتي
الكلام في بعض منها.
قوله «قده»:
وتدرك الصلاة جماعة بادراك الركوع وبادراك الامام
راكعا.
أقول: وجهه
عدة من الروايات وفيها الصحاح كصحيحة الحلبي عن ابي
عبد الله عليه السلام انه قال: اذا ادركت الامام وقد
ركع فكبرت وركعت قبل ان يرفع رأسه فقد ادركت الركعة
وان رفع الامام رأسه قبل ان تركع فقد فاتتك
الركعة(1).
وبازاء هذه
الروايات عدة من الروايات كروايات محمد بن مسلم
التي فيها: اذا ادركت التكبيرة قبل ان يركع الامام
فقد ادركت الصلاة(2). وبعض
______________________________
(1) الوسائل:
ج5، باب 45 من ابواب صلاة الجماعة، حديث2.
(2) الوسائل:
ج5، باب 44 من ابواب صلاة الجماعة، حديث1.
منها بلسان:
لا تدخل معهم في تلك الركعة(1). او: لا تعتد بالركعة(2)
... الخ في مورد عدم درك تكبيرة الركوع.
وقد يقال في
الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة،
ونوقش في هذا الجمع بانه لامعنى للحمل على الكراهة،
فان الكراهة الذاتية لايمكن في العبادة، والكراهة
بمعنى اقل الثواب لايمكن في الجماعة التي لاتشرع
الا اذا كانت أكثر ثوابا من الفرادى، وأقل ثوابا من
الجماعة الاخرى بعيد عن مفاد الروايات، ولذلك
يعامل مع الطائفتين معاملة المعارضة، والترجيح
للاولى لموافقتها مع المشهور.
ولكن يمكن
الجواب عن المناقشة بأن الجماعة في تمام الصلاة وان
كانت اكثر ثوابا من الفرادى الا أن مشروعية الجماعة
في كل ركعة غير مستلزمة لكن هذه الركعة اكثر ثوابا
من الركعة المأتي بها فرادى، ولا نرى أي مانع من
تجويز الشارع جماعة تكون الركعة الاولى منها اقل
ثوابا من الفرادى وسائر ركعاتها اكثر ثوابا منها،
فلو اقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هذا الحمل
نلتزم به، فالصلاة المشتملة على ثلاث ركعات جماعة
وركعة فرادى بعدها افضل من الصلاة المشتملة على
اربع ركعات جماعة بحيث لم يدرك فيها تكبير الركوع
في الركعة الاولى. نعم، يبقى الاشكال فيما اذا لم
يدرك المأموم الا الركعة الأخيرة من الامام ولم
يدرك تكبير ركوعها. ولكن يمكن الالتزام بما مر
والقول بانه لا مانع من جواز الاقتداء في هذه
الركعة وكونها اقل ثوابا من الفرادى، ولا دليل على
الملازمة بين مشروعية الجماعة واكثرية الثواب عن
الفرادى في ابعاض الصلاة.
وكيف كان
فالعمل على طبق المشهور، وتوهم اختصاص الصحاح بما
______________________________
(1) الوسائل:
ج5، باب 44 من ابواب صلاة الجماعة، حديث2و4.
(2) الوسائل:
ج5، باب 44 من ابواب صلاة الجماعة، حديث3
اذا لم يكن
المأموم حاضرا قبل ركوع الامام، وادراكه الامام
راكعا مدفوع بان ظاهر الدرك في الروايات وان كان
ذلك بقرينة التفريع في «فكبرت» الا انه لا قائل
بالفرق والفصل، مع انه يمكن استفادة الاطلاق من بعض
الروايات كقوله عليه السلام في حديث محمد بن قيس: ان
اول صلاة احدكم الركوع(1). وضعف السند منجبر بعمل
المشهور.
وهنا رواية
الاحتجاج التي نقلت في عدم اعتبار درك التكبيرة بل
اذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة
اعتد بتلك الركعة وان لم يسمع تكبيرة الركوع(2).
وضعفها منجبر بالعمل، وهذه الرواية تؤيد وتؤكد
العمل بالصحاح ورفع اليد عما يعارضها او حملها على
الكراهة، وبما انها في مقام بيان عدم اعتبار سماع
التكبيرة لا في مقام اعتبار سماع التسبيحة ويحتمل
ان ذكر التسبيحة في الرواية من جهة احراز درك
المأموم ركوع الامام لايمكن الاستدلال بالرواية
لاعتبار درك التسبيحة.
وينبغي
التنبيه على امور:
الأول: انه
لايبعد كفاية درك الامام راكعا ولو بعد شروعه في
القيام مالم يصل الى حد لايصدق عليه الركوع لصدق
ركوع المأموم قبل رفع الامام رأسه وصدق ركوع
المأموم والامام راكع كما في الروايات(3) ولذا لو
شرع في الرفع ثم استقر قليلا يجوز الالتحاق به قطعا.
الثاني: لو
كبر وركع ثم شك في ان الامام هل كان راكعا او رافعا
رأسه. فلو كان الشك بعد الفراغ لايعتني به، ولو كان
قبل ذلك فذكر جماعة منهم المحقق الهمداني - قدس سره
- انه لايمكن احراز ادراك المأموم الامام راكعا
______________________________
(1) الوسائل:
ج5، باب 45 من ابواب صلاة الجماعة، حديث 6.
(2) الاحتجاج:
ج2، ص488، ط بيروت.
(3) الوسائل:
ج5، باب 45، من ابواب صلاة الجماعة.
بالاصول، بل
الاصل عدم الادراك. وقال بعض بمعارضة اصالة عدم رفع
الامام رأسه عن الركوع مع اصالة عدم لحوق المأموم
بركوع الامام. وفصل بعض بانه ان كان الاقتران من
الاعتباريات المحضة التي ليس لها خارج اصلا بل انه
منتزع من ركوع المأموم في زمان ركوع الامام فيمكن
اجراء الاصول على التفصيل بين مجهولي التاريخ
والعلم بتاريخ احدهما دون الآخر، وان كان للاقتران
نحو خارجية لايمكن احرازه بالاستصحاب، هذا. وكل ذلك
لايرتبط بما اخذ موضوعا في الروايات، فان الادراك
الواقع في الرواية هو الادراك قبل تكبير المأموم لا
درك الركوع بعد التكبيروالموضوع المستفاد من بعض
الروايات: كبر ثم ركع قبل ان يرفع الامام رأسه(1).
ومن المعلوم
عدم اعتبار عنوان القبلية موضوعا بحيث يلزم احراز
ان ركوع المأموم قبل رفع رأس الامام، ولم يقل بذلك
أحد، بل هذا العنوان اخذ للاشارة الى بقاء الامام
في الركوع حال ركوع المأموم وهذا يجري فيه الاصول.
نعم يمكن ان يقال ان العنوان مشير لعنوان الدرك،
ولكن لايخفى انه خلاف المتفاهم العرفي من جملة «قبل
رفع رأس الامام» بل بعد ما علمنا من عدم دخل هذا
العنوان في الموضوعية بل هذا عنوان مشير يفهم العرف
ما ذكرنا، بل ليس كلمة «قبل» مذكورا في بعض
الروايات كرواية زيد الشحام انه سأل ابا عبد الله
عليه السلام عن رجل انتهى في الامام وهو راكع، قال:
اذا كبر واقام صلبه ثم ركع فقد ادرك(2). ورواية
معاوية بن ميسرة عن ابي عبد الله عليه السلام انه
قال: اذا جاء الرجل مبادرا والامام راكعا أجزأته
تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة والركوع(3).
______________________________
(1) الوسائل.
ج5، باب 45 من ابواب صلاة الجماعة حديث1.
(2) و(3)
الوسائل: ج5 باب 45 من ابواب صلاة الجماعة، حديث3 و4.
فعلى هذه
الروايات، الموضوع كون الامام راكعا في حال ركوع
المأموم، وهذا قابل لأن يحرز بالاصل، فالاصول
تقتضي بقاء الامام راكعا حال ركوع المأموم في مورد
الابتلاء نوعا وهو مورد العلم بتاريخ ركوع المأموم
والجهل بتاريخ رفع رأس الامام، وسائر الصور خارج عن
محل ابتلاء النوع، مع انه عدم جريان الاستصحاب في
معلوم التاريخ بالنسبةالى الحادث الأخر ليس مسلما.
نعم، يمكن ان
يستدل بدليل اجتهادي للزوم احراز بقاء الامام في
الركوع احرازا علميا أو بامارة، وهو رواية
الاحتجاج لاعتبار اللحوق بتسبيحة في الاعتداد
بالركعة واللحوق بالتسبيحة وان لم يعتبر شرطا في
درك الركعة، الا ان اعتبارها في الراوية من جهة
لزوم احراز درك الركوع يقينا او بامارة، والا فلو
امكن احراز ذلك بالاصول لم يكن وجه لاعتبار
التسبيحة بل ذكرها كان من اللغو، هذا. ولكن سند
الرواية ضعيف ولم يعلم استناد المشهور الى هذه
الرواية حتى يجبر ضعفها بالعمل، مع ان ظاهرها
اعتبار درك التسبيحة في الاعتداد بالركعة، ولم
يعمل بهذا الظاهر قطعا، وارادة غير هذا الظاهر بحيث
تحمل الرواية عليها موقوفة على جبر سندها، و بعبارة
اوضح ان ظاهرها غير معمول به، فأي دليل يدلنا على ان
المشهور عملوا بهذه الرواية حتى نصرفها عن ظاهرها،
ونحملها على ان ذكر التسبيحة لاعتبار احراز
الركعة، مع انه لو علمنا باستناد المشهور اليها فمع
ذلك لايمكننا الجزم بما ذكر من الحمل لعدم قيام
قرينة عليه، بل على هذا لابد من رد علمها الى اهلها.
ثم انه على ما
ذكرنا من امكان احراز موضوع جاز الاقتداء بالاصل لا
فرق بين كون الشك قبل الشروع وبعده، واذا انكشف
الخلاف تبطل الجماعة، ولكن صحت صلاته لقاعدة
«لاتعاد».
واما على
مبنى لزوم احراز الدرك فلو شك في الدرك وهو في
الركوع او علم بعدمه في تلك الحالة فالجماعة محكومة
بالبطلان لأصالة عدم الدرك
وصلاته صحيحة
لقاعدة «لاتعاد».
واما لو شك
قبل الشروع فهل يجوز له الدخول في الصلاة رجاء
لادراك الركوع ويترك القراءة لذلك اولا؟ ولو ركع
كذلك وبقي في الشك او علم بعدم الادراك فهل يحكم
بصحة صلاته اولا؟ وان حكم ببطلان جماعته محل تأمل،
وان كان حسب القاعدة عدم جواز الركوع بلا قراءة
وبطلان الصلاة في الفرضين لعدم شمول «لاتعاد»
لمورد ترك الجزء بلا عذر.
وقد ادعى بعض
السادة - قدس سره - ظهور النصوص وقيام السيرة على
جواز الاقتداء في مورد الشك، ولذا يحكم بصحة الصلاة
في مورد كشف الخلاف لان ترك القراءة عذري. ولكن عهدة
الدعوى على مدعيها ولم نستفد من النصوص ذلك، وقيام
السيرة في مورد الشك واحراز انها متصلة الى زمان
المعصوم عليه السلام ولم يردع عنها ممنوع، فلو كان
الموضوع لجواز الاقتداء درك الركوع لايجوز
الاقتداء والالتحاق الا اذا علم بانه يدرك الركوع.
ولو اقتدى ولم يدرك او بقي في ان شكه عصي وبطلت
صلاته فضلا عن جماعته.
نعم، لو
اقتدى برجاء درك الركوع وركع وانكشف الادراك يحكم
بصحة جماعته وصلاته وان كان متجريا بترك القراءة،
وتوهم لزوم الجزم في النية ممنوع بانه لم يظهر من
الادل الا لزوم التكبير بنية الجماعة وادراك
الركوع، ورجاء الادراك كاف في التكبير بنية
الجماعة، والمفروض انه ادرك الركوع واقعا فلا موجب
لبطلان الجماعة، واعتبار الجزم زائدا على ما ذكر
ممنوع.
الثالث: ما مر
من الروايات تدل على ان حد ادراك الركعة في الجماعة
هو ادراك ركوع الامام قبل الشروع في رفع رأسه لا انه
لابد من ادراك المأموم ركوع الامام، والا لم تحسب
له ركعة، فلو دخل في الجماعة من اول الركعة او
اثنائها واتفق انه تأخر عن الامام فلا تدل هذه
الروايات على البطلان فيها، فاستصحاب بقاء القدوة
لامانع منه، مع ان صحيح ابن الحجاج الوارد في
صلاة
الجمعة(1) يدل على ذلك، ويدل عليه غيره(2) ايضا. ومورد
الرواية وان كان هو الضرورة الا انها تدل على
الانعقاد فيستصحب، مضافا الى انه يمكن القاء
خصوصية الضرورة عن المورد بدعوى ان العرف يفهم من
ذلك عدم اشتراط درك الركوع في صحة الجماعة مطلقا لا
في خصوص مورد الضرورة، وخصوصية الضرورة انما هي في
الأحكام التكليفية لا الوضعية.
الرابع: ما
ذكر انما هو في ابتداء الجماعة لا بالنسبة الى
الركعات الاخر، فان الظاهر من الروايات(3) بل صريح
بعضها ان شروع الائتمام لا يتحقق الا بدرك الركوع
اذا لم يقتد بالامام حتى ركع ولايستفاد منها، ان
بقاء القدوة والائتمام مشروط بدرك ركوع سائر
الركعات، بل لا يستفاد منها شرطية درك شيء من
الركعة في بقاء القدوة، والأصل بقاء القدوة ما لم
يكن التأخير بحيث لا يصدق الائتمام على ذلك عرفا.
وبالجملة لو فرضنا ان المأموم تأخر عن الامام ولم
يدرك ركوع الركعة الثانية - مثلا - فلا يضر بصحة
جماعته، بل لو كان التأخير بمقدار لم يدرك ركعة من
ركعات صلاة الامام لاينافيه بقاء القدوة، وما يرى
في عبارات القوم من الحكم ببطلان الجماعة حينئذ
لعدم ادراك الركعة مبني على منافاة القدوة مع عدم
درك الركعة، وهذا ممنوع، فالمأموم حينئذ يأتي بما
تأخر عن الامام ويلحق به في سائر الركعات والافعال،
فلو تأخر عن الامام في الركعة الثانية يأتي بها
ويقرأ فيها لعدم درك الامام فيها حتى يكون الامام
ضامنا لقراءاتها ويلحق بالامام، هذا على حسب
القاعدة، ولكن حكي عن الاصحاب انه يظهر من كلماتهم
في صلاة الجمعة المفروغية عن عدم الفرق بين الركعة
الاولى والثانية، فلو تم اجماع والا فالقاعدة
تقتضي ما ذكرنا، وطريق
______________________________
(1) الوسائل:
ج5، باب 17 من ابواب صلاة الجمعة وادابها، حديث1.
(2) الوسائل:
ج5، باب 17 من ابواب صلاة الجمعة وادابها، حديث 3و4.
(3) الوسائل،
ج5، باب 45 من ابواب صلاة الجماعة.
الاحتياط
معلوم.
الخامس: ما
ذكرنا من اعتبار درك ركوع الامام انما هو بالنسبة
الى الركعة لا اصل الجمعة، فلو كبر ولم يدرك ركوع
هذه الركعة لم يدرك الركعة ولكن انعقد صلاته جماعة
بالتكبيرة فمع عدم عروض مبطل للصلاة او للجماعة
كركوعه بعد التكبير او تأخيره عن الامام تأخيرا
فاحشا مخلا بصدق الائتمام تصح صلاته جماعة
بانتظاره حتى يقوم الامام للركعة المتأخرة فيتابعه
حينئذ ويأتي بوظيفته.
والحاصل: ان
في هذه المسألة وهي انه لو كبر المأموم فرفع الامام
رأسه قبل ان يركع صحت الجامعة على القاعدة، ولا
دليل على عدم انعقادها اصلا بل الدليل قائم على عدم
ادراك الركعة، فلو انتظر المأموم حتى أتى الامام
بالسجدتين وسائر وظيفته في هذه الركعة يتابعه بعد
قيامه في الركعة المتأخرة وصحت جماعته، وحكم قصد
انفراد المأموم حكم سائر الموارد، ويجيء الكلام
فيه ان شاء الله.
نعم لو كان
تأخيره عن الامام فاحشا، مخلا بصدق الائتمام تكون
صلاته فرادى بانقلاب جماعته الى فراداى لا لكون
صلاته فراداى من اول الامر كما توهم من جهة عدم درك
المأموم صلاة الامام ابدا، وذلك لان المفروض وقوع
التكبير بقصد الجماعة وهي من اجزاء الصلاة ولا دليل
على عدم وقوعها جماعة، فالتوهم باطل. وقد ظهر ان ما
ذكر من التخيير بين قصد الانفراد والانتظار مبني
على القول بمشروعية قصد الانفراد، وبما ذكرنا ظهر
ان المسألة غير محتاجة الى النصوص حتى يتمسك لها
بنصوص بعضها اجنبية عنها فلاحظ كلام بعض السادة -
قدس سره - في شرح العروة.
نعم هذا مبني
على وجود اطلاق يمكن التمسك به لاثبات مشروعية
الجماعة في مورد الشك في شرطية شيء لها او مانعيته
لها، كما انه ليس ببعيد
على ما يأتي
ان شاء الله، والا فأصالة عدم المشروعية على النحو
الذي مر بيانها في مسألة مشروعية الجماعة في الطواف
تثبت عدم انعقاد الجامعة الا في المورد المتيقن
انعقادها، ففي المسألة نحتاج الى ملاحظة النصوص،
ويكفي فيها موثق عمار، عن رجل ادرك الامام وهو جالس
بعد الركعتين، قال عليه السلام: يفتح الصلاة ولا
يقعد مع الامام حتى يقوم(1). وهذه الرواية تدلنا على
عدم لزوم صبر المأموم لوصول الامام الى القيام حتى
يكبر بل يصح الاقتداء ولو في غير حالة القيام
والركوع لكن على المأموم الصبر حتى يصل الامام الى
القيام ليتابعه، فبهذه الموثقة يعلم انعقاد
الجماعة، فالانفراد بقصد النفراد مبني على ما يأتي
من المسألة الكلية. وقد ظهر انعقاد الجماعة بذلك
سواء قلنا بالقاعدة او بالرواية، فما في كلام بعض
السادة من انه لاينبغي الاشكال في جواز الانفراد
هنا، ولو قيل بعدم جوازه اختيارا لعدم انعقاد
الجماعة فيكون منفردا من اول الامر لايمكن
المساعدة عليه بوجه، كما ان ما جعله من الروايات
معارضا للموثقة لايصلح للمعارضة لعدم دلالة مثل
«اذا سبقك الامام بركعة فأدركته وقد رفع رأسه فاسجد
معه ولا تعتد بها»(2) على ان السجدة بعد التكبيرة،
ولا دلالة للنهي عن الاعتداد على انه بصدد اغتفار
الركن الزائد فيكون بعد التكبير لاحتمال ان النهي
انما هو عن احتساب ذلك من الصلاة، وهذا ان لم يكن
دالا على لوم الاتيان بالتكبيرة بعد ذلك لايدل على
تقديم التكبيرة، مع انه لو تمت المعارضة فلا تضربما
نحن بصدده وهو جواز الاقتداء في هذه الحالة كما لا
يخفى، وقال - قدس سره - في الجمع بينهما بالحمل على
التخيير، مع ان الاولى تنهى عن اللحوق بالامام
والثانية تأمر به. وليس هنا امر بشيئين حتى يجمع
بينهما
______________________________
(1) الوسائل:
ج5، من باب 49 من ابواب صلاة الجماعة حديث4.
(2) الوسائل:
ج5، باب 49 من ابواب صلاة الجماعة، حديث2.
بالحمل على
الواجب التخييري، مع ان مورد الاولى اتمام الامام
الركعتين، ومورد الثانية ان المأموم يمكنه الوصول
الى سجدة الامام فلا معارضة لاختلاف موردهما،
والصحيح ما ذكرنا من ان هذه الروايات لو لم تدل على
لزوم الاتيان بالتكبير بعد ذلك لاتدل على تقديمه
فلا تعارض الموثقة الدالة على جواز الاقتداء، ولو
كبر لايقعد حتى يقوم.
قوله «قده»:
ولا تصح مع حائل بين الامام والمأموم يمنع
المشاهدة.
اقول: صار
بناؤهم على تحقيق الاصل في المسألة قبل ملاحظة
الرواية الواردة في الباب، وحيث ان تحقيق ذلك نافع
جدا في هذه المسألة وكثير من مسائل صلاة الجماعة
فنحن ايضا نقتفي اثرهم ونقول: قد يقال انه لا اطلاق
في ادلة تشريع الجماعة في مقام البيان حتى نتمسك به
في الموارد المشكوكة، والامر كذلك، فان الادلة
المرغبة لصلاة الجماعة كلها واردة في طول التشريع
وبيان تواب الجماعة، وما ورد في مقام التشريع
كصحيحة زرارة والفضيل لا اطلاق لها بالنسبة الى
حالات الصلاة بل ناظرة الى عموم انواع الصلوات،
فليس لنا اطلاق في الادلة. ولكن هذا انما يصير مانعا
من التمسك بالاطلاق اللفظي في هذه الروايات، واما
الاطلاق المقامي الذي لا يتوقف على وجود لفظ اصلا
فلا بأس بجريانه في المقام.
بيان ذلك: ان
المجعولات الشرعية كالصلاة المركبة من الاجزاء
المقيدة بقيود لايمكن معرفتها الا ببيان الشارع،
وحيث انا نعلم بأن الشارع المقدس في مقام بيان
احكامه وتشريعاته ولو ببيانات منفصلة بعضها عن بعض
فلو فحصنا عن وجود جزء ما او قيد ما لماهية مخترعة
ولم نظفر عليه يمكننا جريان اصالة الاطلاق في مقام
الاثبات، ونستكشف منه الاطلاق في مقام الثبوت بعين
جريان اصالة الاطلاق في الاطلاقات اللفظية.
وبعبارة
اخرى: ان مقدمات جري الاصل في الاطلاقات اللفظية
كلها موجودة في الاطلاق المقامي فانه بعد ما علم من
الشارع انه في مقام بيان تشريعاته ومنها الاجزاء
والشرائط التي اعتبرها في الصلاة مثلا فلو فحصنا عن
مظان بيانها ولم نظفر عليه نقول بان الاجزاء
والشرائط الكذائية معتبرة في الصلاة لوجود البيان
فيها، والجزء او الشرط المشكوك لم يبين في دليل
وحيث ان الشارع في مقام بيان جميع تشريعاته، فلو
كان ذلك المشكوك معتبرا في الواجب لبينها وحيث ليس
فليس، وهذا هو ما عبر عنه في الكلمات بانه لو كان
لبان، او عدم الدليل دليل العدم، ولا يخفى انه ليس
دليلا مفيدا للقطع بعدم دخالة المشكوك في الواجب
الا في بعض الموارد وهي موارد عموم البلوى لكنه حجة
عقلائية بعين ملاك حجية الاطلاقات اللفظية ونسميه
بالاطلاق المقامي، ففي ما نحن فيه حيث انا نعلم بان
القيود المعتبرة في الجماعة تشريعها بيد الشارع
وانه في مقام بيان جميع تشريعاته، فلو فحصنا عدم
اعتبار ذلك فيها، فانه لو كان لبين بلا فرق بين ما
تم به البلوى من القيود وغيره.
ومن هنا ظهر
ان تفصيل بعض المشايخ - قدس سره - بين ما تعم به
البلوى وغيره لايتم، ولايتم ايضا تفصيله بين قيد لم
يبين في دليل قطعا وبين قيد يحتمل بيانه في دليل
معلوم ولم نتمكن استظهاره منه كاعتبار عدم الحائل
المستفاد من صحيحة زرارة، بناء على انه يستظهر منها
اعتباره في الجملة، واما مطلقا فلا يمكن استظهاره
منها ولكن يحتمل ان الشارع بين الاعتبار مطلقا بهذه
الصحيحة، وبعبارة اخرى بتقريب منا فرق بين الاطلاق
اللفظي والمقامي من هذه الجهة وهي انه يتمسك
بالاطلاق اللفظي حتى يعلم البيان ولا يتمسك
بالاطلاق المقامي الا اذا علم عدم البيان.
ولكن لايخفى
وجه عدم تمامية ذلك فانه كما نعلم بان الشارع في
مقام
بيان جميع
تشريعاته نعلم بأنه لا يبين ذلك ببيان مجمل ولا
يحتمل ان الشارع المقدس الذي يريد ما شرعه يكتفي في
بيانه بالمجملات بل المجمل ليس ببيان، فلا فرق بين
الاطلاقين من هذه الجهة لا يرفع اليد عن الاطلاق
لفظيا او مقاميا الا اذا بين التقييد ببيان ظاهر.
وان شئت قلت: ان الاطلاق حجة ما لم يكن حجة على
التقييد بلا فرق بين اللفظي والمقامي.
فتحصل من ذلك
انه وان لا يمكن التمسك بإطلاق لفظي في صلاة
الجماعة لرفع الشك في اعتبار قيد ما فيها الا ان
الاطلاق المقامي رافع للشك ومثبت لعدم اعتباره
فيها، فعلى هذا لاتصل النوبة الى الاصول العملية
لان الاطلاق ولو مقاميا من الادلة الاجتهادية
الرافعة لشك فهو حاكم على جميع الاصول العملية،
ولكن حيث ان الاصحاب ذكروا الاصول العملية وتمسكوا
بها في المقام نتعرض لها ايضا، ونقول:
قد يقال : ان
الاصل عدم مشروعية الجماعة في مورد الشك وقد بينا
سابقا ما يكون وجها صحيحا لهذا الاصل في صلاة
الطواف جماعة، ورد بان اصالة عدم اعتبار المشكوك
حاكمة على ذلك.
واجاب بعض
السادة - قدس سره - عن هذا الرد بأن اصالة عدم
الشرطية لا تثبت انعقاد الجماعة الا مثبتا، فان
القدوة والجماعة محصل من الفعل الخارجي الواجد
لجميع الشرائط نظير ما يقال في مورد الشك في اعتبار
شيء في الوضوء على القول بأن الشرط في الصلاة
الطهارة المسببة عن الوضوء بجميع شرائطه. وقال صاحب
الجواهر - قدس سره -: ان اصالة عدم الشرطية معارضة
لاصالة عدم تحقق القدوة.
وشيء من
الجوابين لايتم، فانه على القول بان الجماعة امر
عرفي والشارع انما يضيف اليها جزء او شرطا لا ان
حقيقتها امر مخترع شرعي فالمفروض ان الجماعة
العرفية حاصلة والشك انما هو في اعتبار الشارع امرا
زائدا على ما يعتبره العرف فيها، فاصالة عدم تحقق
الجماعة لا اصل لها حتى تعارض اصالة عدم الشرطية،
ولا تكن من الاثار العقلية لاُصالة عدم الشرطية حتى
تكون مثبتا، واما على القول بان الجماعة حقيقة
شرعية فكون الشك حينئذ من الشك في المحصل لا محصل
له، مع ان المحصل الشرعي وظيفة بيانه على الشارع،
فمع عدم البيان تجري البراءة في ما شك في اعتباره في
المحصل على ما هو التحقيق في المسألة، فلا فرق في
جريان اصالة عدم الشرطية بين كون الشك في المحصل
وبين غيره، ولايخفى انا لا نريد من اصالة عدم
الشرطية الاستصحاب لعدم جريانه، فان المجعول اما
مشروط من الاول او غير مشروط من الاول، بل المراد
منها اصالة البراءة عقلا - على القول به - وشرعا.
واما اصالة
عدم انعقاد الجماعة، فلو كان المراد منها
الاستصحاب لا يجري لان عدم الجماعة بعد الاقتداء
انما هو في الموضوع الموجود، والاشكال الوارد على
الاستصحاب في الاعدام الازلية وارد هنا ايضا وهو
عدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة. ولو كان
المراد منها قاعدة الاشتغال فقد مر ان المورد مجرى
اصالة البراءة ولو كان من قبيل الشك في المحصل.
وقد أجاب بعض
المشايخ - قدس سره - عن الرد المذكور بأن أصالة عدم
الشرطية اصل عملي ولامجال لجريانها مع وجود دليل
اجتهادي في البين، وهنا دليل اجتهادي أي «لا صلاة
الا بفاتحة الكتاب»(1) وهو مثبت للشرطية بالدلالة
الالتزامية. وتقريب ذلك ان هذا العموم قد خصص
بالجماعة الواقعية، ومع الشك في الشرطية نشك في
تحقق الجماعة والشبهة مفهومية، والمرجع فيها
العموم فلابد من قراءة المأموم الفاتحة في صلاته،
وهذا معنى عدم
______________________________
(1) الوسائل:
ج4، باب 1 من ابواب القراءة في الصلاة، حديث1.
ترتيب اثار
الجماعة الا مع احراز جميع الشرائط المتيقنة
والمشكوكة، ثم قال: انه يمكن ان يقال بان في صلاة
الجماعة عهدة القراءة على الامام فليس تخصيص في
العام المذكور، فان في الجماعة ايضا فاتحة الكتاب،
غاية الامر الامام يأتي بها فلا يكون هنا عام مخصص
بتخصيص مجمل بالشبهة المفهومية حتى يرجع اليه، فلا
مانع من جريان اصالة عدم الشرطية وفصل حينئذ بين
البراءة الشرعية والعقلية، فراجع كلامه اعلى الله
مقامه.
وما افاده
اخيرا من عدم التخصيص متين جدا فان ادلة ضمان
الامام القراءة حاكمة على عموم «لا صلاة الا بفاتحة
الكتاب» بالحكومة التفسيرية لا انها مخصصة لها،
فعليه تجري اصالة البراءة بلا مانع، مضافا الى انه
على هذا المبنى الشك في صحة الجماعة مستلزم للشك في
واجدية الصلاة للقراءة وهذا من الشبهة المصداقية
لا المفهومية، واما التفصيل بين البراءة الشرعية
والعقلية على القول بها قد مر عدم تماميته، فان
اللازم على المكلف تحصيل الحجة والمؤمن، وتكفي في
ذلك البراءة العقلية كما تكفي فيه البراءة الشرعية.
هذا - مع انا
لو بنينا على التخصيص - فقد مر ان الشبهة في المخصص
ترتفع بالاطلاق المقامي، ومع التنزل فلو قلنا بان
الجماعة حقيقة عرفية اضاف اليها الشارع امورا
اعتبارها في مطلوبه فلا شبهة في مفهوم الجماعة
فنتمسك باطلاق دليل المخصص حتى يدل على اعتبار ذلك
الامر دليل، الا ان يقال بأن القرينة العقلية قائمة
على ان المخصص الجماعة الصحيحة وعليه تتعلق الشبهة
بالمفهوم، كما اذا قلنا بأن الجماعة حقيقة مخترعة
شرعية، وحينئذ لابد من التمسك بالعموم حتى يثبت
التخصيص.
 |