الكلام في تقليد الأعلم

الاعلم في مقام الثبوت ليس من كان اعرف بمباني الاستنباط ومبادئه من غيره ولا من كان اعرف من غيره بالفروع العملية، بل العلم من كان في مقام تطبيق القواعد على الفروع اقوى استنباطا وامتن استنتاجا. فمن كان في مقام الاستنباط أقوى وفي مقام الاستنتاج امتن فهو اعلم كما يظهر ذلك بملاحظة ارباب الصنايع والحرف ولايحتاج إلى مزيد بيان انما الكلام في وجوب تقليد الأعلم وعدمه. ويقع الكلام في ذلك في مقامين (الأول) في وظيفة العامي حسب ارتكازه. (والثاني) في ما يستفاد من الأدلة للفقيه. أما الأول: فحيث ان العامي عالم بتكاليف واقعية منجزة عليه لابد له من العلم بالخروج عن عهدة ذلك ولا يقطع بالفراغ الا بالرجوع إلى الأعلم من جهة دوران الامر بين حجية فتواه تعيينا وبين حجيته تخييرا بينه وبين غير الأعلم، فحجية فتوى الأعلم مقطوع بها وحجية فتوى غيره مشكوك فيها تدفع بالأصل فيعلم وجوب الرجوع إلى الاعلم ابتداء. نعم اذا أفتى الاعلم بحجية فتوى غير الأعلم فقد ذكر سيدنا الاستاذ – مد ظله – انه يجوز الرجوع إلى غير الأعلم ولايصغى إلى ما في العروة من عدم جواز الرجوع حتى عند ذلك، لأن

______________________________
(1) الوسائل: ج18، باب 11 من ابواب صفات القاضي، حديث9.

الرجوع حينئذ بواسطة الاستناد إلى فتوى الأعلم فيقطع بالفراغ عن العهدة. على ان المستشكل حينئذ ان كان هو الاعلم فخارج عن الفرض وان كان غير الأعلم فلا أثر لاستشكاله هذا ولكن الكلام هنا في موضعين: الأول: انه هل يجوز للمجتهد ان يجوز تقليد غيره في المسألة المخالفة فيها الفتوى ام لا؟ والظاهر انه لا، فانه يرى بطلان رأي الاخر فكيف يجوز الرجوع إلى ذلك الرأي الباطل عنده!! وبهذا ظهر عدم جواز الافتاء بجواز تقليد الغير حيا كان أو ميتا حدوثا او بقاء. الثاني: هل يصح للعامي تقليد غير الاعلم اذا جوزه الاعلم ام لا؟ والظاهر انه لا. وذلك فان فتوى الاعلم لا يسقط عن الحجية بتجوزيه الرجوع إلى غيره بل تصير فتوى الغير ايضا حجة بفتواه، فتكون في المقام حجتان للعامي متعارضتان فتسقطان معا فلابد له من الاحتياط، ومع فرض عدم جوازه او عدم وجوبه لابد له من الرجوع إلى الأعلم ايضا فتدبر جيدا. ثم انه اذا فرضنا ان للمقلد مرتبة من العلم بحيث علم عدم جواز تقليد غير الاعلم فلا يجوز له تقليده، وان جوزه الأعلم كما اذا تعلق نظره بالجواز فيجوز له وان افتى الأعلم بعدم الجواز لأنه في نظره يرى خطأ الأعلم في هذه المسالة. والحاصل ان المدار هو الاستناد إلى الحجة في مقام العمل فكلما علم به، والا فمقتضى القاعدة عدم الحجية للأصل وحينئذ لا اثر لفتوى غير الأعلم حجية فتوى غير الأعلم في حق العامي وعدمه كما لايخفى. وأما الثاني: فصور المسألة ثلاث: (الاولى) ما اذا علم – ولو اجمالا – بموافقة فتوى غير الأعلم لفتوى الأعلم. (والثانية) ما اذا علم بالاختلاف. (الثالثة) ما إذا لم يعلم لا بالموافقة ولا بالمخالفة. أما الاولى: فلا شك في جواز تقليد غير الأعلم فالدليل حجية الطرق يدل على نحو صرف الوجود، فالمقلد يعلم بمطابقة عمله للحجة حينئذ. وأما الثانية: فالمشهور وجوب تقليد الأعلم فيها كما يظهر من شيخنا الأنصاري – قدس سره – بل ادعى جامع المقاصد الاجماع عليه. ومع ذلك ذهب إلى عدمه جماعة. فالمهم النظر في استدلال الطرفين حتى يظهر الأمر، فنقول: أما الأدلة التي أقاموها على عدم وجوب تقليد الأعلم فالمهم منها الاطلاقات الواردة في اصل الحجية التقليد مثل آيتي السؤال(1) والنفر(2) والروايات الواردة في المقام، لكن لايمكن التمسك باطلاق دليل الحجية لاثابت الحجية في موارد التعارض بناء على ان المجعول في الطرق والامارات الطريقية، فان شمول الاطلاق لمورد التعارض مستلزلم لجعل الطريقية بالنسبة اليهما، وجعلها للمتعارضين ولو تخييرا لا معنى له، وهذا عمدة الاشكال في ذلك، لا ماذكره سيدنا الاستاذ من ان جعل الحجية لكلا الفتويين جعل المتناقض وهو محال بالنسبة إلى الحكيم تعالى، وجعل الحجية لواحد معين منهما وان كان ممكنا ثبوتا الا انه في مقام الاثابت ترجيح بلا مرجح، والحجية التخييرية قول بلا دليل، فلم يبق الا القول بالتساقط. وذلك فان الحجية بمعنى غير الطريقية كالمنجزية والمعذرية قابلة للجعل في مورد التعارض بجعل احدهم منجزا ومعذرا، وفي مقام الاثبات أيضا لابد من تقييد الاطلاق بالمقدار المتيقن، ونتيجة شمول الاطلاق للمورد التقييد بالقدر المتيقن رفع اليد عن حجية كل بالاستناد بالاخر، وهذا معنى التخيير، ونظير هذا الكلام ذكر في باب الترتب فلاحظ. نعم بناء على ان المجعول الطريقية لا معنى لشمول الاطلاق لمورد التعارض فان حقيقة الطريقية ومورد المعارضة متغايران ومتنافيان حتى بنحو التخيير هذا، وحيث انه لا دليل على ازيد من التعذير والتنجيز في الحجج لابد من الالتزام بالتخيير بناء على ان يكون دليل التقليد الاطلاقات، فالنتيجة جواز تقليد غير

______________________________
(1) النحل: 43. (2) التوبة: 122.

الأعلم، وحيث لم نقل بذلك لابد من ملاحظة ساير الوجوه الدالة على التقليد وسيأتي ان شاء الله. وقد يتمسك لاثبات جواز تقليد غير الأعلم بوجوه اخر: (ومنها) تعيين الامام عليه السلام اشخاصا متعددة للفتوى، والظاهر اختلافهم في العلم والفتوى بل يعلم بواسطة القرائن اختلافهم في الفتوى، ونتيجة ذلك حجية فتوى غير الأعلم مع اختلاف فتواه لنظر الأعلم. ولكن هذا أيضا لايمكن المساعدة عليه لعدم العلم باختلافهم في الفتوى ووجود القرينة على ذلك ممنوع، على ان الامام عليه السلام في مقام بيان اصل حجية الفتوى لا أحكامها وموارد التعارض. (ومنها) ان وجوب الرجوع إلى الأعلم موجب للحرج لصعوبة تشخيصه مفهوما ومصداقا وعدم امكان رجوع الناس إلى شخص واحد. وفيه (اولا) ان مفهوم الأعلم كما ذكرناه من كان في مقام الاستنباط اقوى وفي مقام الاستنتاج أمتن، وهذا لا صعوبة في تشخيصه أصلا، ومصداقه يعلم بالاختبار شخصا او بقيام الامارة عليه مثل البينة والشياع المفيد للاطمئنان، وهذا أيضا لاحرج فيه أبدا. ورجوع الناس إلى شخص واحد سيما في هذا العصر لا استبعاد فيه. (وثانيا) ان محل الكلام صورة العلم باختلاف الأعلم وغير الأعلم ولاحرج في الرجوع إلى الأعلم حينئذ. (ومنها) ان الامام عليه السلام عين المفتي في عصره عليه السلام، وهذا لايستقيم الا اذا فرض حجية فتوى غير الأعلم مع وجود الأعلم، والا فلا معنى لحجية فتوى احد معه وجود الامام عليه السلام، وفيه ان محل الكلام صورة العلم بالاختلاف في الفتوى كما عرفت. وفي صورة العلم باختلاف فتوى شخص لقول الامام عليه السلام لاحجية لتلك الفتوى قطعا، فلا محيص الا عن الالتزام بحجية فتوى من عينه الامام عليه السلام لذلك في موارد عدم العلم بالاختلاف، وحينئذ يسقط الدليل عن الستدلال لما نحن فيه. واستدل على وجوب تقليد الأعلم بوجوه: الأول: ان السيرة العقلائية قامت على الرجوع إلى الأعلم في مقام المخالفة في الرأي، والشارع لم يردع عنها، فيستكشف وجوب الرجوع إلى الأعلم في الشرعيات ايضا في مقام المخالفة في الفتوى. قال سيدنا الاستاذ – مد ظله –: ان هذا هو الوجه المهم الصحيح في الاستدلال على وجوب تقليد الأعلم، لكنه مبني على كون دليل التقليد السيرة العقلائية، وقد مر عدم امكان المساعدة عليه، وان اقوى دليل على التقليد السيرة المتشرعية، وان التقليد امر شرعي فلا يتم هذا الاستدلال، فان قيام السيرة على الرجوع إلى الاعلم في الامور العقلائية والعادية سيرة عقلائية لايستلزم قيام السيرة على الرجوع إلى الأعلم في التقليد لاسيرة عقلائية ولامتشرعية فانهما ليسا بملاك واحد ومناط فارد. الثاني: الاجماع المدعى عن جامع المقاصد، وفيه – مضافا إلى عدم حجية الاجماع المحكي وذهاب جماعة على خلافه – عدم استكشاف مثل هذا الاجماع عن رأي المعصوم عليه السلام لاحتمال ان يكون مدرك المجمعين هذه الوجوه التي استدل بها على وجوب تقليد الأعلم. الثالث: دلالة مقبولة عمر بن حنظلة(1) بانه في مقام المخالفة في القول لابد من الرجوع إلى الأفقه. ان الترجيح بالأفقهية المذكورة في الرواية في الحكمين والقاضيين لا في المفتي، ولذا لايعتبر الأصدقية في المفتي مع انها مذكورة في الرواية، مع ان الأفقهية المذكورة فيها اضافية بالنسبة إلى القاضي الأخير لا أفقه الناس وهذا غير المدعى.

______________________________
(1) الوسائل: ج18، باب 9 من ابواب صفات القاضي، حديث1.

هذا واستشكل سيدنا الاستاذ في سند المقبولة وقال انها ضعيفة بعمر بن حنظلة فانه لم يوثق وقبول الاصحاب الرواية غير معلوم لنا، على انه لايجبر به السند ولايمكن تصحيح الرواية برواية يزيد بن خليفة(1) حيث قال سلام الله عليه فيها: بأن عمر بن حنظلة لايكذب علينا فان يزيد بن خليفة ايضا ضعيف لايمكن الأخذ بروايته. ولكن هذا على مبناه من عدم الاعتبار بقبول الاصحاب الرواية وعدم جابرية الشهرة لسند الرواية والا فالرواية منجبرة، فانها متلقاة بالقبول عندهم بحيث عبر عنها بالمقبولة، وقوله «قبول الاصحاب الرواية» غير معلوم لنا انكار لأمر مسلم. فمن جهة السند لا اشكال في الرواية. الرابع: ان فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غيره، ولذا يجب التمسك به والاستناد اليه في مقام العمل. واجاب السيد الاستاذ عن ذلك بان الاقربية الطبعية وان كانت موجودة في فتوى العلم ممنوعة لامكان موافقة فتوى غير الأعلم لفتوى المشهور مثلا، وغير ذلك من المرجحات. أقول: لو تمسكنا بالسيرة العقلائية على لزوم تقليد الاعلم يمكن القول بان السيرة قائمة على الرجوع إلى من كان رأيه أقرب إلى الواقع فعلا. ولذا ان كان غير الأعلم اوثق من الأعلم في مطابقة قوله للواقع يأخذون بقوله. فالواجب الرجوع إلى من كان اوثق من غيره في الفتوى، والا فتقليد الأعلم بما هو اعلم غير واجب تعبدا لعدم التعبد في طريقة العقلاء، فعلى هذا السيرة العقلائية ايضا لا تدل على ازيد مما يستفاد من هذا الدليل بضميمة جواب السيد الاستاذ – مدل ظله –. فلم يثبت من هذه الأدلة تعين الرجوع إلى الأعلم حتى في موارد الاختلاف الا اذا كان رأيه اقرب إلى الواقع فعلا. هذا بناء على التمسك

______________________________
(1) الوسائل: ج3، باب 5 من ابواب المواقيت، حديث6.

بالسيرة العقلائية في المقام، والا فلايمكن اثبات التعين من هذه الأدلة حتى من تلك الحيثية أيضا. فتلخص مما ذكرناه ان شيئا من ادلة الطرفين لايتم. فلم يثبت لزوم الرجوع إلى الاعلم ولا جواز الرجوع إلى غيره من هذه الأدلة. نعم بناء على مابنينا عليه من دليل التقليد وهو ان التقليد امر شرعي قامت عليه السيرة المتشرعية يمكن القول بالتخيير وجواز الرجوع إلى الأعلم، فان المتشرعة بماهم متشرعة والمتدين بالدين يرجع إلى العالم بالدين ويأخذ معالم دينه منه بشرط كونه ثقة ايضا كمايستفاد من الروايات السابقة ايضا. بل يمكن الاستدلال بتلك الراويات ايضا على ذلك، فان توصيف الرضا عليه السلام زكريا بن ادم بالمأمون على الدين والدنيا والارجاع اليه يدلنا على كفاية كون العالم بالدين المأخوذ منه معالم الدين مأمونا على الدين والدنيا. وهكذا الارجاع في التوقيع الشريف إلى رواة حديثهم يدل على كفاية ذلك، فعلى هذا يتم الدليل على جواز تقليد غير الأعلم، والله العالم وهو الموفق والمعين. ثم انه لو فرضنا عدم صلاحية كل من الدليلين المثبت والنافي لاثبات مدلولهما فلابد من الرجوع إلى الاصل العملي. والمقام من صغريات باب الاشتغال لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية بمعنى المعذرية، فلابد من الرجوع إلى الأعلم. فان العلم الاجمالي بثبوت التكاليف الواقعية موجود فيجب الخروج العهدة اما علما واما بالاستناد إلى امارة علم بمعذريتها عن الواقع. والمفروض ان فتوى الأعلم معذر يقينا ولا يعلم بمعذرية فتوى غيره فيتعين الاستناد اليه، وهذا هو الحال في كل مادار الأمر بين الحجية التعيينية والتخييرية كذلك بمعنى المعذرية. واما دوران الامر بينهما بمعنى المنجزية مثل موارد الدوران بين التعيين والتخيير في الاحكام فلا يقتضي الا اصالة البراءة عن التعيين، وكما اذا دار الأمر في مورد بين وجوب صلاة العصر تماما تعيينا او تخييرا بينه وبين القصر يرجع إلى أصالة البراءة عن الكلفة الزائدة وهو تعين التمام. هكذا اذا فرضنا قيام امارة على وجوب التمام وقيام امارة اخرى على وجوب القصر، والمفروض انه لايجوم منجز اخر للتكليف مثل العلم الاجمالي وغيره غير هاتين الامارتين، ودار الامر بين ان تكون الاولى حجة تعيينا لوجود رجحان فيه او تخييرا بينها وبين الثانية، فدار الأمر بين الحجية التعيينة والتخييرية، لكن لاندري هل يتعين الاخذ بمدلول الاول فقط او نحن في سعة عن ذلك ويمكننا الاخذ بأيهما نريد؟. وبعبارة اخرى: العقاب وعدمه لايترتبان على مخالفة الواقع بما هو واقع بل يترتبان على مخالفة الواقع المنجز. فعند الشك في منجزية امارة وعدمها تجري اصالة البراءة عن التكليف لعدم وصوله إلى المكلف بما يرفع شكه في التكليف. وحيث ان دوران الأمر بين التعيين والتخيير في المنجزية يرجع إلى الشك في منجزية ما احتمل تعينه في المنجزية تعيينا لابد من الرجوع إلى أصالة البراءة للشك في الكلفة الزائدة، هذا. ولكن مقامنا من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير في المعذرية بعد ما صار التكليف منجزا على المكلف بسبب علمه الاجمالي فلابد من تحصيل العذر القطعي ولايمكن الا بالرجوع إلى مقطوع المعذرية وهو فتوى الأعلم. فتحصل مما ذكرناه انه لابد من الرجوع إلى الأعلم اذا كان مدرك الحكم في هذه المسألة الأصل العملي، والا فمقتضى قيام السيرة المتشرعة المؤيدة بالأدلة اللفظية جواز الرجوع إلى غير الاعلم، وحيث انه مع هذا الدليل لاتصل النوبة إلى الاصل نلتزم بعدم وجوب تقليد الاعلم وجواز تقليد غيره. نعم الاحوط تقليد الاعلم من جهة فتاوى عدة من الاعاظم المؤيدة بالاصل، والاشكال في ماذكرناه من السيرة المتشرعة، والله العالم وأما الصورة الثالثة من صور المسألة وهي ما لم يعلم مخالفة فتوى غير الاعلم مع الأعلم، فلو قلنا بعدم وجوب تقليد الاعلم في الصورة الثانية وهي صورة العلم بالمخالفة فعدم الوجوب في هذه الصورة اولى واظهر. ولو قلنا بالوجوب في الصورة السابقة فهل يجب في هذه الصورة ايضا اولا؟ فقد يقال بالوجوب لوجوه: الأول: مقبولة عمر بن حنظلة. وقد عرفت الجواب عن هذا الوجه. الثاني: ان قول الأعلم اقرب إلى الواقع فلابد من الأخذ به في مقام تحصيل العلم بالفراغ، وقد عرفت الجواب عن هذا ايضا. ويمكن الجواب عن هذين الوجهين بأنهما في مورد التعارض والفرض عدم العلم بالتعارض في المورد. الثالث: الأصل يقتضي وجوب تقليد الأعلم تعيينا، لان الامر دائر بين التعيين اولتخيير في الحجية وفي مقام الامتثال. ولايخفى ان هذا الوجه انما يتم لو لم يدل على خلافه دليل، فلابد من ملاحظة ما استدل به على الحجية التخييرية والوجوه الدالة على تخيير المقلد بين الرجوع إلى الأعلم وغيره في هذا المورد. الوجه الأول: الاطلاقات الواردة في اثبات حجية الفتوى تثبت ذلك بتقريب ان الاطلاقات ولو لم تكن شاملة لموارد التعارض الا انه غير معلوم في المقام حسب الفرض فلا مانع من شمول الاطلاق له. ان قلت: التمسك بالاطلاق في هذا المورد من قبيل التمسك به في الشبهة المصداقية لاحتمال وجود المعارضة. قلت: هذه الشبهة ترتفع بواسطة الاستصحاب المنقحة لمجرى الاطلاق، وذلك لان المعارضة امر حادث مسبوق بالعدم ازليا ونعتيا فتدفع باستصحاب العدم الأزلي والنعتي، فان قبل وجود المجتهدين المعارضة لم تكن والان كما كان، او ان العارضة قبل اجتهاد المجتهدين لم تكن الان كما كان، فاذا لم تكن المعارضة بينهما بحكم الأصل فلا مانع من شمول الاطلاق له. ان قلت: الاستصحاب لايجري قبل الفحص. قلت: الفحص في الشبهات الموضوعية غير لازم والمورد منها. وقد يقال: بان المقيد لبي ولامانع من التمسك بالاطلاق المقيد بالتقييد اللبي في الشبهات المصداقية ولكنه كما ترى فان ملاك عدم جواز التمسك مشترك بين ان يكون المقيد لبيا او لفظيا. هذا ما يمكن ان يقال في توجيه الوجه الأول، وبينه السيد الاستاذ – مد ظله – ولكن يظهر مما مر أنه: (اولا) لا اطلاق في باب التقليد يمكن التمسك به في موارد الشك. (وثانيا) الاستصحاب في المورد وامثاله غير جار لا ازليا ولا نعتيا على ماذكرنا برهانه في الاصول وبنينا عليه، فهذا الوجه لايتم. الوجه الثاني: ان سيرة العقلاء قائمة علىالرجوع إلى غير الأعلم في موارد احتمال المخالفة، والا لكان غير الأعلمين معطلين في المجتمع، والمشاهد خلافه، والشارع لم يردع عن ذلك، فيستكشف عنه في الشرعيات ايضا. وفيه ان دليل التقليد ليس سيرة العقلاء كما مر مع ان احراز اتصاله إلى زمان المعصوم بحيث يكشف عدم ردعهم عنها لامضائهم ممنوع، فهذا ايضا لايتم. الوجه الثالث: ارجاع الامام عليه السلام الناس إلى اشخاص خاصة مثل يونس بن عبد الرحمن، وزكريا بن ادم، مع احتمالهم بمخالفة فتواهم للامام عليه السلام واحتمالنا لايستلزم احتمالهم، فهذا ايضا لايتم فلم يبق مايتمسك به في مقابل الاصل العملي القائم بوجوب تقليد العلم فلابد من التمسك بالاصل والقول بوجوب تقليد الأعلم في هذه الصورة ايضا. نعم لو بنينا على ماقلناه في الصورة السابقة من السيرة المتشرعية فالحق عدم وجوب تقليد الأعلم في الصورتين، لكن الكلام على فرض تسليم وجوب تقليد الأعلم في الصورة السابقة وصرف النظر عن السيرة المتشرعية، وحينئذ تصل النوبة إلى الاصل العملي ومقتضاه وجوب تقليد الاعلم بلا فرق بين الصورتين. ولو قلنا بالاحتياط نقول به في الصورتين ايضا. هذا اذا علم الاعلم بشخصه، فان كان مرددا بين شخصين أو لم يكن اعلم في البين بل كانا متساويين فالمعروف بين الاصحاب الحكم بالتخيير. ولكن قال سيدنا الاستاذ – مد ظله –: ان ادلة الحجية لاتشمل موارد التعارض فلا تثبت حجية أي منهما، فلابد للعامي الاحتياط حتى يقطع بالفراغ. لكن قد مر ان الدليل على التقليد هو السيرة المتشرعة على اخذ معالم الدين من اهله، ولايفرقون بين وجود الأعلم وعدمه ولابين العلم بمخالفتهم في الفتوى وعدمه. فما عليه المشهور هو المنصور. فمقتضى هذا الدليل التخيير في جميع الصور. ومما ذكرنا ظهر انه لا اعتبار للأورعية في وجوب الأخذ بالفتوى اذا كان الدليل غير الاصل العملي، وتمسكنا بالسيرة المتشرعية ما اذا كان الدليل الاصل، فانه لابد من الاخذ بقول الاورع لدوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية بمعنى المعذرية. ولكنه اجاب شيخنا الانصاري – قدس سره – عن الدوران بانه اذا لم يكن لشيء دخل في ملاك الحجية فلا اثر لدوران الامر بين الحجية التعيينة والتخييرية والأوروعية من هذا القبيل، ولكن هذا الجواب غير واف بحل الاشكال من جهة دوران الأمر في ذلك مدار القطع والشك فان احدهما مقطوع الحجية والاخر مشكوك الحجية، ودعوى عدم دخل الأورعية في ملاك الحجية بلا دليل فان الحجية بمعنىكون الشيء بحيث يكون قابلا للاحتجاج به، ولانرى أي مانع من اعتبار الشارع هذا المعنى في قول الاورع دون غيره. هذا على ما اخترناه في المتساويين من القول بالتخيير، واما على ما ذكره السيد الاستاذ – مد ظله – من انه لابد من الاحتياط لعدم شمول دليل الحجية لمورد المعارضة فلابد من الاحتياط في مورد كون احد المجتهدين اورع ايضا بعين البيان. ثم انه لو قلنا بوجوب تقليد الأعلم لابد من القول بوجوب التبعيض في التقليد اذا كان احد المجتهدين اعلم من الاخر في بعض الأحكام والاخر كان اعلم من الأول في الباقي. ووجهه ظاهر كما انه لو قلنا بالتخيير في مورد التساوي لابد من القول بجواز التبعيض في التقليد عنهما الا اذا لزم منه المخالفة العملية على رأيهما معا مثل ان يقلد المجتهد في جواز ترك السورة مع ان الاخر يرى وجوبها ويقلد الاخر في جواز الاكتفاء بالمرة في التسبيحات مع ان الاول يرى وجوب الثلاث، فهذه الصلاة الفاقدة للسورة والواجدة للتسبيحة الواحدة باطل برأي كل من المجتهدين فلايجوز الاكتفاء بها. ثم ان وجوب تقليد الاعلم على القول به ثابت في ما اذا كان له فتوى، اما اذا لم يكن له فتوى اصلا فلا اشكال في جواز تقليد غير الاعلم وقيام السورة المتشرعة عليه. لكن الاشكال فيما اذا افتى الاعلم بلزوم الاحتياط في مسألة فهل يجوز تقليد غيره فيها بناء على القول بوجوب تقليد الأعلم اولا؟ الظاهر عدم الجواز، فان الفتوى بلزوم الاحتياط ليس الا من جهة عدم وجود دليل صالح على خلاف الاحتياط بنظره، ولذا يرى فساد مستند فتوى غيره، لانه فحص عن جميع الادلة ولم ير دليلا على ذلك، ففي هذا المورد لايجوز الرجوع إلى غير الاعلم لبطلان فتواه بنظر الأعلم مثلا اذا فحص فحصا تاما عن الادلة المربوطة بتكليف المسافر اربعة فراسخ الغير الراجع ليومه فرأى عدم صلاحية الأدلة لوجوب القصر ولاالتمام فأفتى بالاحتياط بالجمع بين الصلاتين، فكيف يجوز للعامي ان يقلد غير الأعلم الذي يفتي بوجوب القصر حينئذ – على مبنى وجوب تقليد الأعلم –؟ نعم على ما اخترناه من عدم الوجوب يجوز في المقام ايضا كغيره.