[22]
الأضحية بحيث تشمل تمام صور المسألة حتى صورة الدفن أو الحرق; لأنّ المصداق الموجود في عصرنا إنّما هو من قبيل الفرد النادر أو الفرد المعدوم في عصر نزول آيات الهدي وصدور رواياتها.
إن قيل: قلّة المصداق أو عدم وجوده لا يوجب عدم شمول إطلاق أو عموم بالنسبة إليه، والاّ لم يجز التمسّك بالعمومات والإطلاقات للمصاديق المستحدثة من موضوعات الأحكام، كالتمسّك بعموم «أوفوا بالعقود» لصحّة عقد التأمين مثلا، وغيره من العقود الحديثة.
قلنا: إنّه كذلك، أي التمسّك بتلك العمومات أو الإطلاقات في باب العقود المستحدثة مشكل جداً لنفس الإشكال، وطريق حلّ مشكلة هذه العقود منحصر بإلغاء الخصوصية القطعيّة العرفيّة في الموارد التي يمكن ذلك فيها. لكن من المعلوم أنّ الخصوصية موجودة في محلّ البحث يقيناً، فلا يمكن إلغاؤها; لأنّه لا يمكن لأحد دعوى اليقين أو الاطمئنان بعدم الفرق بين الذبائح الّتي تصرف لحومها والّتي تعدم بالدفن أو الحرق، فهذا دليل آخر على عدم الاجتزاء بهذه الأضاحي.
* * *
[23]
الثّالث: جميع المذابح خارجة عن منى
إنّا نعلم بإنتقال المذابح كلّها حالياً من منى، وعلى هذا حتّى لو أغمضناا أيدينا عن أدلة حرمة الإسراف ـ الّتي سيأتي بيانها ـ وفرضنا شمول أدلة الذبح لصورة فساد اللحوم وعدم صرفها في مصارفها الشرعية، كان الإشكال باقياً على حاله، فإنّ إجماع العلماء قائم على لزوم وقوع الذبح في منى، والروايات أيضاً تصرّح بأنّه «إن كان هدياً واجباً فلا ينحره إلاّ بمنى»(1) وفي بعض الروايات: «لا ذبح إلاّ بمنى»(2).
وعلى أيّ حال، العمل بهذا الواجب غير ممكن في هذه الايّام، وحينئذ إن قلنا: إنّ إيقاع الذبح في منى شرط في صحّته مطلقاً، سواء في الاختيار والاضطرار، فلازمه سقوط الذبح من الأساس; لأنّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، نظير ما إذا قلنا: إنّ الصلاة غير واجبة على فاقد الطهورين; لأنّ الطهارة شرط على الإطلاق. وإن قلنا بأنّه شرط حال الاختيار فقط، فلازمه سقوط هذا الشرط حال الاضطرار ووجوب الاتيان به في محلّ آخر، من دون فرق بين وادي محسّر وغيره; لعدم الدليل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 4 من أبواب الذبح، ح 1.
(2) الوسائل : الباب 4 من أبواب الذبح، ح 6.
[24]
على لزوم رعاية الأقرب فالأقرب، أو كون وادي محسّر أو العتصم بدلا عن منى.
إن قيل: جاء في غير واحد من الروايات جواز الذبح في مكّة، مثل معتبرة معاوية بن عمّار في قوله: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : إنّ أهل مكّة أنكروا عليك أنّك ذبحت هديك في منزلك بمكّة فقال: «إنّ مكّة كلّها منحر»(1) وفي معناه غيره.
والجمع بينها وبين ما دلّ على أنّ الذبح لا يكون إلاّ بمنى، يقتضي حملها على صورة عدم إمكان الذبح بمنى.
قلنا: أوّلا: لابدّ من حمل هذه الروايات على الهدي غير الواجب، لورود التصريح بأنّه «إن كان هدياً واجباً فلا ينحره الاّ بمنى، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكّة إن شاء»(2) لا على صورة عدم إمكان الذبح بمنى، حيث إنّه لو كان الذبح في منى متعذّر، لم يكن وجه لإنكار أهل مكّة على الامام (عليه السلام).
ثانياً: سلّمنا، ولكن الذبح بمكّة أيضاً متعذّر في زماننا هذا، نعم يمكن ذلك للنادر من الحاجّ لانّ الجهات المسؤولة لا ترخّص لهم ذلك كما هو واضح، فلا تساعد هذه الروايات في حلّ هذه المشكلة، وأين مكّة من وادي محسّر؟!
شبهة الارتكاز لدى المتشرّعة
قديقال: إنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة من المسلمين أنّ محلّ إيقاع مناسك الحج وشعائره ليس إلاّ مساحة الأرض الّتي تحيط ببيت الله الحرام زادها الله شرفاً وعزّاً، ولا يجزي ما يؤتى بها في خارج هذه القطعة من وجه الأرض الاّ عدد يسير مما نطقت به الأدلّة كالإحرام من مسجد الشجرة وكصيام سبعة أيّام بدل الهدي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 4 من أبواب الذبح، ح 2.
(2) نفس المصدر : ح 1.
[25]
والظاهر أنّ هذا الارتكاز لا يفرق بين حالتي الاختيار والاضطرار، وهذا الارتكاز وإن لم يكن ممّا ينبغي أن يعتمد عليه في الجزم بالحكم الشرعي، إلاّ أنّه يمنع عن الركون إلى خلاف ما يقتضيه في استنباط الحكم الشرعي.
قلنا: هذا أشبه شيء بالاستحسان الظنّي، ولا يمكن الركون اليه كما اعترف به صاحب هذا المقال، وإذا لم يكن ممّا يمكن الركون إليه، فلماذا يمنع عن الركون إلى خلاف ما يقتضيه؟!
هذا ـ مضافاً إلى أنّ الذي لا يجوز الإتيان به من المناسك في غير هذه القطعة من الأرض أمور خاصّة كالوقوف بعرفات، ومنى، ومشعر، والطواف، والسعي، ممّا يكون قوامه بالمحلّ الخاص، ولكن غير واحد من المناسك قد يؤتي بها في غير هذه القطعة كركعتي الطواف، فقد أفتى فقهاؤنا ـ رضوان الله عليهم ـ بأنّه إذا نسيها ولم يأت بها وخرج من مكّة ولم يمكنه الرجوع إليها يأتي بهما في الطريق، وإذا تذكّر بعد الرجوع إلى وطنه يأتي بهما في وطنه، وقد صرّحت بذلك روايات الباب أيضاً:
منها: ما رواه ابو بصير ـ يعني المرادي ـ قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام، وقد قال الله تعالى:(واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى)حتّى ارتحل، قال:
«إن كان ارتحل فإنّي لا أشقّ عليه، ولا آمره أن يرجع ولكن يصلّي حيث يذكر»(1).
ومثله ما رواه ابو الصباح الكناني(2) عن أبي عبدالله (عليه السلام) .
ومنها: ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 74 من أبواب الطواف، ح 10.
(2) الوسائل : الباب 74 من أبواب الطواف، ح 16.
[26]
«من نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكّة فعليه أن يقضي، أو يقضي عنه وليّه، أو رجل آخر من المسلمين»(1).
ومنها: ما رواه معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : رجل نسي الركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فلم يذكر حتّى ارتحل من مكّة، قال:
«فليصلّهما حيث ذكر، وإن ذكرهما وهو في البلد فلا يبرح حتّى يقضيهما»(2).
هذا بالنسبة إلى ركعتي الطواف، وأمّا بالنسبة إلى الهدي الذي هو محل الكلام فقد مرّ أنّه إذا كان معه الهدي وعطب في بعض الطرق ومرض بحيث يخشى هلاكه يجوز نحره أو ذبحه في محلّه وإن كانت بينه وبين الحرم مسافة بعيدة كمن خرج من مسجد الشجرة قاصداً مكّة وبعد طيّ مسافة قليلة مرض هديه وعطب، ففي رواية حفص بن البختري قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدّق به عليه ولا يعلم أنّه هدي قال: «ينحره ويكتب كتاباً أنّه هدي ويضعه عليه ليعلم من مرّ به أنّه صدقة»(3). ومثله سائر ورايات الباب فراجع. والإصرار على كتابة الكتاب في هذاالحديث دليل على وجوب صرفها في مصارفها.
ومرّ أيضاً ذكر المصدود إذا ساق هدياً وأنّ الروايات وفتاوى المشهور متّفقة على وجوب ذبحه في نفس محلّ الصدّ، ففي حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : « فإنّ المصدود يذبح حيث صدّ ويرجع صاحبه...»(4).
وفي رواية حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 74 من أبواب الطواف ح 13.
(2) الوسائل : الباب 74، ح 18.
(3) الوسائل : الباب 31 من أبواب الذبح، ح 1.
(4) الوسائل : الباب 1 من أبواب الإحصار والصدّ، ح 5.
[27]
«إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين صدّ بالحديبيّة قصّر وأحلّ ونحر ثمّ انصرف منها...»(1).
وكذلك بالنسبة إلى التقصير، فقد ورد التصريح في جملة من الروايات بجوازه خارج تلك القطعة المعروفة من الأرض:
منها: ما مرّ آنفاً في الرواية الأخيرة (رواية حمران) من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)قصّر في الحديبيّة.
ومنها: ما رواه مسمع قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحلق رأسه أو يقصّر حتّى نفر؟ قال: «يحلق في الطريق أو أين كان»(2). ومثلها الرواية السادسة من نفس الباب.
هذا ـ مضافاً إلى ما اعترف به صاحب الاشكال من خروج الإحرام الذي هو من مناسك الحج عن تلك القطعة، فإنّ المواقيت كلّها خارجة عن الحرم، وكذا صيام سبعة أيّام بدل الهدي.
فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ كثيراً من مناسك الحج يجوز فعلها خارج المواقف الخاصّة عند الاضطرار، لا سيّما نفس محلّ الكلام، وهو الهدي، لما مرّ من رواية حفص البختري فيمن كان معه الهدي وعطب في بعض الطرق، وروايتي حمران وزرارة في المصدود، فلو كان الهدي ممّا يقوم بتلك القطعة من الأرض كالوقوفين والسعي والطواف لم يجز إتيانه خارجها اختياراً واضطراراً.
حكم وادي محسّر وقياس الهدي بالوقوف
إن قيل: مقتضى القاعدة عند تعذّر الذبح بمنى وإنّ كان جواز الذبح في أيّ مكان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 6 من أبواب الإحصار والصدّ، ح 1.
(2) الوسائل : الباب 5 من أبواب الحلق والتقصير، ح 2.
[28]
آخر يختاره الحاجّ، إلاّ أنّ هذا إنّما يصحّ القول به لو لم يتوفّر دليل على ثبوت بدل اضطراري بمنى، والدليل على ذلك موجود، وهو موثّق سماعة في قوله: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) : إذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون ؟ فقال: «يرتفعون إلى وادي محسّر»(1) فإنّ المتفاهم العرفي من هذه المعتبرة قيام وادي محسّر مقام منى عند كثرة الحجّاج وضيق منى عن استيعابهم في جميع ما هو وظيفة الحاجّ فيها حتّى بالنسبة إلى ذبح الأضحية.
قلنا: هذا الاستدلال ضعيف جدّاً; لأنّ ظاهر الرواية أنّها واردة في مورد الوقوف في منى لا مطلق ما يؤتى به في منى، وحينئذ قياس الأضحية على الوقوف قياس مع الفارق، فإنّ الوقوف قائم بمنى نفسها، فإنّه لا معنى للوقوف في غيره، فعند التعذّر يرتفع الحاجّ بمقتضى هذه الرواية إلى وادي محسّر، وأمّا الأضحية فقد عرفت أنّه قد تتّفق في غير منى أيضاً، فقياسها على الوقوف قياس مع الفارق، وهو غير جائز عندنا.
نعم لو دلّ نصّ خاص على إمكان إيقاع الهدي في محلّ قريب من منى (كوادي محسّر) عند التعذّر لقلنا به، وحيث لم يرد نصّ كذلك، والقياس والاستحسان ممنوعان عندنا، فمقتضى الصناعة سقوط الهدي من رأس، أو إتيان الهدي في أيّ مكان، نعم: لا ريب في أنّ الاولى رعاية الأقرب فالأقرب، ولكن هذا إذا أمكن إيقاع الهدي مع شرائطه الواجبة الّتي منها إشباع المساكين وإطعامهم، لا ما إذا كان هذا الأمر متعذّراً في وادي محسّر أيضاً.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 11 من أبواب احرام الحج والوقوف، ح 4.
[29]
الرابع: حرمة الإسراف والتّبذير
إنّ القرآن الكريم نهى عن الاسراف نهياً شديداً، وواجه المسرفين مواجهة عنيفة، فقال تبارك وتعالى في سورة الأنعام: (ولاتُسرِفُوا إنّهُ لا يُحبُّ المُسرِفِينَ)(1).
وقال في تعبير أشدّ في سورة غافر:
(وإنّ المُسرِفِينَ هُم أصحابُ النّارِ)(2).
وقال في آية اخرى من هذه السورة:
(إنّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسرِفٌ كَذَّابٌ)(3).
وفي سورة الأنبياء جعل المسرفين في زمرة الهالكين فقال:
(وَأهلَكنَا المُسرِفِينَ)(4)
بل جعل في سورة الفرقان عدم الإسراف حتّى في الإنفاق من علائم عباد الرحمن ـ مع أنّ الإنفاق عمل مطلوب مستحسن، حثّ عليه الشارع في آيات كثيرة ـ فقال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنعام: 141.
(2) غافر: 43.
(3) غافر: 28.
(4) الأنبياء: 9.
[30]
(وَالّذينَ إذا أنْفَقُوا لَم يُسرِفُوا وَلَم يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوامَاً)(1).
ونهى القرآن عن التبذير أيضاً بلحن شديد، فعرّف المبذّرين بأنّهم إخوان الشياطين حيث قال:
(وَآتِ ذا القُربَى حَقَّهُ وَالمِسكِينَ وَابنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّر تَبْذِيراً * إنَّ المُبَذِّرينَ كَانُوا إخوانَ الشَّياطينِ وَكَانَ الشَّيطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورَاً)(2).
الفرق بين الإسراف والتّبذير
وقد وقع الكلام بين المحقّقين في بيان الفرق بين الإسراف والتبذير، والّذي يظهر من خلال الدقّة والتأمّل أنّ الإسراف بمعنى الخروج عن حدّ الاعتدال والاقتصاد من دون تضييع شيء بحسب الظاهر، كلبس الثياب الثمينة القيّمة الّتي تساوي قيمتها أضعاف قيمة الثياب العادية مئات المرّات مثلا، فهو إسراف، وفي الحال لم يضيّع شيء، ولكن التبذير هو ما يؤدي إلى تضييع نعم الله تعالى، كما إذا هيّأ لعشرة أشخاص مثلا طعام خمسين شخصاً بحيث يطرح الزائد ويفسد.
هذا هو الفرق بين الكلمتين، ويؤيد ذلك أيضاً المعنى اللغوي لهما، نعم ربّما اتحدا واستعملا في معنى واحد.
سعة دائرة مفهومي الإسراف والتّبذير
ثمّ إنّ دائرة مفهوم الإسراف أو التبذير واسعة بحيث تشمل أخسّ الأشياء فضلا عن الموضوعات المهمّة والأشياء الثمينة، فقد جاء في حديث داود الرقّي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرقان: 67.
(2) الإسراء: 26 ـ 27.
[31]
«إنّ القصد أمر يحبّه الله عزّ وجل وإنّ السرف يبغضه حتّى طرحك النواة، فإنّها تصلح لشيء، وحتّى صبّك فضل شرابك»(1).
وفي حديث بشر بن مروان قال: دخلنا على أبي عبدالله (عليه السلام)فدعى برطب فأقبل بعضهم يرمي بالنوى قال: فأمسك أبو عبدالله(عليه السلام)يده فقال:
«لا تفعل، إنّ هذا من التّبذير والله لا يحبّ الفساد»(2).
وفي حديث مكارم الأخلاق عن الصّادق (عليه السلام) :
«أدنى الإسراف هراقة فضل الإناء وابتذال ثوب الصون وإلقاء النّوى»(3).
وعن الكاظم (عليه السلام) : «... ولكن السرف أن تلبس ثوب صونك في المكان القذر»(4).
بل جاء في روايات عديدة أنّ الأئمة (عليه السلام) كانوا يأخذون فتات الخبز المطروحة في حواشي المائدة ويأمرون به أصحابهم خشية الإسراف والتّبذير.
دفن الأضاحي أو إحراقها من أوضح مصاديق الإسراف أو التبذير
إذا عرفت ذلك فلا يخفى عليك أنّ ذبح الأضاحي مع دفنها أو إحراقها أو طرحها حتّى تتعفّن بحيث لا تأكلها الكلاب أيضاً، من أوضح مصاديق الإسراف والتبذير الممنوعين شرعاً، لا سيّما إذا كان بهذا المقدار والعدد الكبير الذي قد يبلغ مليون أو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار : المجلد 68، طبع بيروت، الصفحة 346.
(2) بحار الأنوار : المجلد 72، طبع بيروت، الصفحة 303.
(3) بحار الأنوار : المجلد 72، طبع بيروت، الصفحة 303، والمراد من ثوب الصون هو الثياب التي تلبس في خارج البيت حفظاً لمكانة الإنسان، فإنّ لبسها في المكان القذر أو مثله نوع من التضييع والإسراف وهو منهيّ عنه.
(4) بحار الأنوار : المجلد 76، طبع بيروت، الصفحة 317.
[32]
أكثر، فهل يرضى الشّارع الحكيم بمثل هذا الإسراف الفاحش؟! وما الدليل على خروجه عن محكمات الآيات والروايات الواردة في حرمة الإسراف والتبذير حتّى في النواة وفضل ماء الشرب؟
فإن قيل: لا إشكال في ذلك إذا كان في طريق إطاعة أمر الله.
قلنا: هذه مصادرة على المطلوب، فإنّ تعلّق الأمر به ممنوع جدّاً، كما عرفت فيما سبق، مع أنّ كونه من المصاديق العرفية للإسراف والتّبذير ممّا لا ريب فيه، فتشمله إطلاقاتهما حتماً.
والخلاصة: إنّ قوة إطلاقات أدلة الإسراف والتبذير واستحكامها تكون إلى حدّ تحوي في دائرتها أخسّ الأشياء فضلا عن تضييع المئات والآلاف من نعم الله تعالى.
شبهة عدم الإسراف في الحجّ
فإن قيل: قد ورد في بعض الرّوايات أنّه لا إسراف في الحج، وهو ما رواه ابن أبي يعفور في الصحيحة عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
«ما من نفقة أحبّ إلى الله عزّ وجل من نفقة قصد، ويبغض الإسراف إلاّ في الحج والعمرة، فرحم الله مؤمناً اكتسب طيّباً وأنفق من قصد أو قدّم فضلا»(1).
قلنا: لا شكّ في أنّ المستفاد من مثل هذه الرواية ليس هو تضييع المال بطرحه أو إحراقه أو دفنه أو تهيئة طعام خمسين شخصاً مثلا لعشرة اشخاص بحيث يطرح الزائد ويفسد ولو كان في الحجّ، بل الظاهر منها بسط اليد في الإنفاق ببذل الزاد وتهيئة الهدايا للأقرباء والأصدقاء; والشاهد على ذلك:
أوّلا: نفس ما ورد في الرواية من تقابل الإسراف والقصد في النفقة، فإنّه شاهد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : الباب 55 من أبواب وجوب الحج، ح 1.
[33]
قطعي على أنّ المقصود من الإسراف هو النفقة من غير قصد واعتدال، أي إكثار النفقة وبسط اليد فيها، لا تضييع المال وإفساده، فهل يفتي فقيه بجواز أن يحمل زائر بيت الله الحرام عشرة دوابّ مع أنّه يركب واحداً منها، فيطرح الزائد ويتركه في الطريق حتّى يموت ويتلف، أو يحمل مؤونة عشر نفرات مع حاجته إلى مؤونة فرد واحد، فيلقي ما زاد منها في مكّة أو المدينة في المزابل حتّى يتضيّع ويفسد.
وثانياً: ما ورد في آداب السفر عموماً من استحباب بذل الزاد وإنّه من المروّة(1). وفي آداب سفر الحجّ خصوصاً من أنّ «هديّة الحاجّ من نفقة الحاجّ»(2)و «هديّة الحجّ من الحجّ»(3) و «إنّ إكثار النفقة في الحجّ فيه أجر جزيل»(4) و «نفقة درهم في الحجّ أفضل من الف الف درهم في غيره في البرّ»(5) فإنّ جميعها تشهد على أنّ المقصود من الإسراف في الحج إنّما هو هذا القبيل من الصلات والإنفاقات والهدايا(6) لا إحراق ملايين من الشياه والبقر والإبل.
وثالثاً: يشهد لماذكرنا ما ورد في ذيل نفس الرواية المبحوث فيها فإنّ قوله «فرحم الله مؤمناً اكتسب طيّباً وأنفق من قصد أو قدّم فضلا» يقتضي دوران أمر نفقات الحاجّ بين القصد وتقديم الفضل، والأوّل هو ملاحظة الاعتدال، والثاني هو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: راجع أبواب آداب السفر الباب 49.
(2) الوسائل، أبواب وجوب الحج، الباب 54، ح 2.
(3) الوسائل : أبواب وجوب الحج، الباب 54، ح 1.
(4) مستدرك الوسائل : الباب 34 من أبواب وجوب الحج، ح 1.
(5) مستدرك الوسائل : الباب 27 من أبواب وجوب الحج، ح 1.
(6) ومن الطريف جداً أنّ المستفاد من بعض الروايات كون تهيئة الهدايا وإكثار النفقة في الحج أيضاً محدود بحدود وقيود، فقد روي عن شهاب بن عبد ربّه أنّه قال: «قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) قد عرفت حالي وسعة يدي وتوسّعي على إخواني فأصحب النفر منهم في طريق مكّة فأوسّع عليهم، قال: لا تفعل يا شهاب، إن بسطت وبسطوا أجحفت بهم، وإن هم أمسكوا أذللتهم، فأصحب نظراءك أصحب نظراءك» (ابواب آداب السفر الباب 33، ح 1).
[34]
بسط اليد والبذل، لا إلقاء النعم الالهية في المزابل أو دفنها وإحراقها.
ورابعاً: أضف إلى ذلك كلّه أنّ محل الكلام هو من مصاديق التبذير لا الإسراف، فإنّ الفرق بينهما ـ كما مرّ ـ أنّ الإسراف هو الخروج عن حدّ الاعتدال من دون تضييع، والتبذير ما يؤدي إلى التضييع والإفساد.
النّسبة بين حكم الأضحية وحرمة الإسراف والتّبذير
إذا عرفت هذا، فيأتي الكلام في أنّه ما هي النسبة بين الدليلين: دليل وجوب الأضحية، ودليل حرمة التبذير أو الإسراف؟
فإن قلنا: إنّ دليل وجوب الأضحية لا إطلاق له بالنسبة إلى المصاديق الفعلية ممّا تدفن أو تحرق فتتلف ـ كما هو الحق ـ فلا كلام ولا إشكال. وإن قلنا: له إطلاق يشمل ما نحن فيه، فإن كانا من قبيل المتعارضين كانت النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، واللازم تقديم عمومات الإسراف; لأنّها أقوى دلالة على المطلوب، فإنّ الأضحية في يومنا هذا من أظهر مصاديقه، وأمّا أدلّة الأضحية فإطلاقها أضعف منها بالنسبة إلى ما نحن فيه; لأنّه من أخفى مصاديقه.
سلّمنا أنّهما متساويان من حيث القوّة والضعف والظهور والخفاء، ولكنّ اللازم حينئذ التساقط في محلّ الاجتماع، فيرجع إلى الاصول العملية، والأصل العملي في المقام هو البراءة، لأنّه من قبيل الأقل والأكثر الارتباطيين، والمعروف بين المعاصرين والقريبين من عصرنا إجراء البراءة فيه، وهو الأقوى، فيسقط الأمر بالأضحية هنا، وإن كان الاحتياط فعلها في محلّ آخر لايحصل من الأضحية فيه الإسراف والتبذير.
هذاكلّه إذا قلنا إنّهما يتعارضان، وإن قلنا إنّ هذين من قبيل المتزاحمين، وأنّ
[35]
ملاك الأضحية موجود في مثل هذه الأضاحي، كما أنّ ملاك الإسراف أيضاً موجود فيها، فاللازم الأخذ بأقوى الملاكين، ولا دليل على أنّ ملاك الأضحية أقوى، بل الأمر بالعكس. ولكنّ الإنصاف أنّ المقام ليس من قبيل المتزاحمين، فإنّ وجود ملاك الأضحية في المقام دعوى بلا دليل، فاللازم معاملة المتعارضين معهما.
إن قيل: وجود ملاك الإسراف أيضاً دعوى بلا دليل.
قلنا: يلزم هذا الكلام الشكّ في وجود أحد الملاكين إجمالا، وهذا اعترف بخروج المقام عن بحث التزاحم ودخوله في مسألة التعارض، فيعود الكلام السابق فيه.
هذا كلّه بناءً على شمول المماشاة، وإلاّ قد عرفت أنّه لا ينبغي الشكّ في عدم شمول إطلاقات الأضحية للموارد التي لا تصرف فيها لحوم الأضاحي فيما يلزم صرفها فيه مع قطع النظر عن دليل الإسراف، ومع ملاحظته فالأمر أوضح.
* * *
[36]
خلاصة الكلام في المسألة
قد ظهر ممّا سبق من جميع ماذكرنا أنّا مع احترامنا لفتاوى الفقهاء المعاصرين كثّر الله أمثالهم نعتقد:
أوّلا: إنّ مسألة الأضحية بشكلها الحالي الذي تتلف فيه جميع الأضاحي أو أكثرهابالدفن أو الحرق، مسألة مستحدثة لا سابق لها في الأدوار الماضية حتّى يبرز الفقهاء الماضين الكرام آرائهم بالنسبة إليها، فقد كانت اللحوم يومذاك تصرف جميعاً في أيّام الحج كما يشهد بذلك أخبار كثيرة من المعمّرين وكما تشهد به الروايات بالنسبة إلى أعصار المعصومين (عليهم السلام).
فالمسألة من المسائل المستحدثة، ولذلك لم يسبق ذكرها في كلمات فقهائنا العظام.
ثانياً: ظاهر الآيات الكريمة والروايات عدم موضوعية إهراق الدّم في منى، بل الظاهر أنّه مقدمة لمصارفه الشرعية.
ثالثاً: إطلاق الآيات والروايات الواردة في الهدي، لا تشمل الأضاحي في يومنا هذا، لعدم وجود هذه المصاديق في عصر صدورها، فالاكتفاء بهذا النحو من الهدي في يوم الحجّ مشكل جدّاً، فلا بدّ أن نلتزم مؤقّتاً بالتوقّف في مسألة الهدي في مثل هذه الظروف، أو إيقاعه في محلّ آخر حيث يمكن فيه صرفه في مصارفه الشرعية،
[37]
والعمل بالاحتياط يوجب الالتزام بالوجه الثاني.
رابعاً: جميع المذابح الفعلية خارجة عن منى بلا استثناء، وتوهّم بعض أنّ قطعة صغيرة منها داخل في منى، قد ثبت خلافه في الفحوصات الأخيرة، ولو سلّم أنّه كذلك فلا تحلّ به مشكلة الأضاحي كما لا يخفى.
وعليه لا يحصل شرط وقوع الذبح في منى (المستفاد من روايات «لا ذبح إلاّ بمنى») ولا فرق بين وادي محسّر الذي انتقل إليه المذبح أخيراً وسائر الأماكن كالمعتصم.
نعم لوكان الهدي فيه ملازماً مع شرائطه، أي يصرف في مصارفه الشرعية فالمرجّح من باب الاحتياط إيقاع الذبح فيه.
خامساً: أدلّة حرمة الإسراف والتبذير قويّة محكمة، تمنع عن إتلاف هذا العدد الكبير من لحوم الأضاحي ودفنها أو إحراقها، فإنّ الإسلام الذي يمنع عن إلقاء النوى وهراقة فضل الإناء، كيف يسمح مثل هذا الاتلاف مع عدم وجود أيّ دليل على تخصيص أدّلة الإسراف والتبذير في هذا المجال.
سادساً: ونتيجة ما ذكر، أنّه ما دامت لحوم الأضاحي تتلف بهذه الصورة المدهشة، لابدّ من ترك الذبح وعزل قيمة الهدي على الاحتياط اللازم، والإتيان بسائر المناسك (والذبح في الوطن أو محلّ آخر بعد الرجوع في ذي الحجّة الحرام) أو التنسيق والاتفاق مع بعض الأهل والأصدقاء للذبح يوم الأضحى في الوطن، ثمّ الإتيان بسائر المناسك.
وهذا نظير من عُدم الهدي ووجد الثمن، الذي تصرّح الروايات(1) بوجوب أن يخلف الثمن عند ثقة يشتريه ويذبحه في مكّة في ذي الحجّة ويأتي بسائر المناسك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل : الباب 44 من أبواب الذبح.