back page fehrest page next page

[38]

(ولا يخفى أنّه حيث إنّ إخلاف الثمن عند الثقات للذبح في مكّة في الوقت الراهن أمرغير ممكن إلاّ في عدد يسير وبالنسبة إلى قليل من الناس ـ مع أنّ الحكم عامّ للجميع ـ لا يمكن الأخذ بهذا في مسألتنا).
نعم لو أمكن في المستقبل نقل اللحوم بتمامها أو غالبها (لا بعضها اليسير) إلى خارج منى أو مكّة أو خارج الحجاز بتجفيف اللحوم أو استخدام إحدى الوسائل الحديثة لصيانتها، ثمّ صرفها للمستحقّين ففي هذا الحال يجب الذبح في منى أو قريب منه على الأحتياط الوجوبي.
سابعاً: عمدة الأدلّة التي تشهد على ما ذكرنا هي مايلي:
1 ـ عدم وجود دليل على صحّة الأضاحي التي لا تصرف لحومها.
2 ـ ما يستفاد من ظاهر الآيات والروايات من أنّ صرف لحومها في مصارفها من مقوّمات الهدي.
3 ـ جميع المذابح الموجودة حالياً ليست في منى.
4 ـ حرمة الإسراف والتبذير خصوصاً في هذا المقياس العظيم وعدم وجود دليل على جواز مثل هذا الإسراف، بل تبذير الذي هو أشدّ عقوبة من الإسراف.
وفي خاتمة هذا البحث بقي سؤالان لابدّ من الالتفات إليهما:
الأوّل: هو أنّ الاُضحية في منى من مناسك الحج احدى شعائر الاسلام، وحذفها من هذه الشعائر الكبيرة يقلّل من عظمته وخاصّة إذا صدر هذا الأمر من فئة خاصة حيث يثير علامات استفهام بين المخالفين.
وفي الجواب على هذا السؤال ينبغي الالتفات الى أمرين:
1 ـ إنّ الاُضحية بشكلها الفعلي ـ التي تتحول إلى ركام هائل من اللحوم المتعفنة التي لابدّ من دفنها وإحراقها لضمان سلامة الحجاج من الأمراض والمشاكل المتولدة من ذلك ـ أيضاً تثير علامات استفهام حول شعائر الاسلام في كل سنة بين المسلمين

[39]

والاجانب، ويعتبر ذلك من نقاط الضعف في هذه الشعائر الإلهية، فإنّ أحد علماءالاسلام(رحمه الله)كان يقول: «عندما تشرفت لأوّل مرّة لزيارة بيت اللّه الحرام كان كل شيء ممتعاً بالنسبة لي سوى مشكلة واحدة استعصى عليَّ حلها وكلما فكرت فيها لم أجد جواباً لها وهي مشكلة الهدي بصورته الفعلية حيث لا أرى أن ذلك ينسجم مع الاسلام وتعاليمه السامية، حتى سمعت فتواكم في هذا الصدد وأن الهدي يجب أن يكون بحيث تصرف جميع اللحوم في مواردها المقرر عند ذلك فانحلت لي هذه المعضلة» فعندما تكون المسألة مشكلة ومستعصية على العلماء وأهل الفضل فكيف بالآخرين؟
2 ـ إنّ الفتوى هذه في عدم جواز الهدي بشكله الفعلي في منى انتتشرت بين جماعة من علماء الاسلام، ولذا طرحوا فكرة اللحوم بشكل مناسب للجوانب الصحية وإرسالها إلى المناطق المحرومة من البلدان الاسلامية.
وبالجملة فإنّ هذه الفتوى أثارت حركة ونشاط للتخلّص من نقطة الضعف هذه ونحن مطمئنّون إلى أنّ جميع المسلمين في المستقبل القريب سوف يجدون حلاًّ مناسباً لمسألة لحوم الأضاحي ومصرفها ووضع حلّ لهذه المشكلة لا حاجة إليها وهذه خدمة كبيرة للاسلام والمسلمين ولمناسك الحج العظيمة، وحصلت هذه الفكرة أيضاً لدى منظمة الحج الإيرانية حيث أنّهم في صدد وضع برنامج لها.
ولو انحلت هذه المشكلة يوماً فعند ذلك نقول نحن بأولوية الذبح في منى وننهى مقلّدينا عن الذبح في إيران وسائر المناطق وفي ذلك اليوم يمكن القول بأنّ عظمة مناسك الذبح سوف تعود إليها.
السؤال الآخر: ألا ينبغي في الظروف الحالية أي حال عدم مشروعية الهدي بشكله الفعلي، الانتقال الى البدل وهو الصوم حيث يقول القرآن الكريم: (فَمَن لَم يَجد فَصِيام ثَلاثهَ أيّام فِى الحجِ وسبعةً إذا رجعتُم)(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة : 196.

[40]

وفي الجواب على هذا السؤال ينبغي الالتفات إلى نقطة مهمّة وهي أنّ تبديل الهدي بالصيام شرّعت للأشخاص الذين يفتقدون القدرة المالية لشراء الهدي لا الأشخاص الذين يتمتّعون بالقدرة المالية ولكنهم لا يحصلون على الهدي أو يستطيعون الحصول عليه إلاّ أنّهم لا يتمكّنون من إيصال لحمه إلى مصرفه الشرعي فيؤدّي إلى تلفه، والتعبير في الآية: (فمن لم يجد....) بمعنى عدم القدرة على الهدي من اللحاظ المالي وفي الإحاديث الإسلامية ورد تأكيد على هذه المسألة أيضاً، فلذا يقول الشّيخ الصّدوق(قدس سره)في كتابه الشريف (من لا يحضره الفقيه): «روي عن النّبي(صلى الله عليه وآله)والائمّة(عليهم السلام) أن المتمتع إذا وجد الهدي ولم يجد الثمن صام ثلاثة أيّام في الحج... وسبعة أيّام إذا رجع إلى أهله تلك عشرة كاملة لجزاء الهدي»(1).
فعلى هذا فإنّ الصوم لا يتعلق بالاشخاص الذين يمتلكون ثمن الهدي ولا ستطيعون مراعاة الجوانب الشرعية في ذلك.

* * *

نسأل الله أن يوفّقنا وجميع الباحثين في هذه المسألة سواءً الموافق والمخالف لما يحبّ ويرضى... والحمد لله ربّ العالمين(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 10، أبواب الذبح، ص 157، ح 12 / 46.
(2) جدير بالذكر أنّا بعد صدور هذه الفتوى من سماحة الاستاذ دام ظلّه وقفنا على جماعة من  العلماء (من المراجع وأصحاب الفتوى أو من ذوي البصائر من غيرهم) صرّحوا بما يقرب ما  ذكرنا من بعض الوجوه وهم:
 1 ـ المحقق الخبير والفقيه الاصولي المدقّق، آية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي (قدس سره)فإنّه  أجاب من استفتى منه (باللغة الفارسية) وكتب: «إذا لم يمكن الذبح في منى فما هو الفرق بين  وادي محسّر ومزدلفة ومكّة مع إمكان أن يعطي الفقير سهمه من اللحوم في مكّة وبينما هو  مشكل في منى؟ فأجاب رحمه الله: إذا لم يمكن الذبح في منى إلى آخر ذي الحجة فعليه أن يذبح  في وقته الخاص في كلّ مكان يمكن فيه العمل بالوظيفة بأحسن وجه والله العالم» وإليك  صورته بالفارسية:
 سؤال: در صورتى كه ذبح در خود منى ممكن نباشد وادي محسّر ومزدلفة ومكّة چه فرق دارد  با آن كه ممكن است در مكّة سهم فقير را به فقير داد ودر منى انجام اين عمل مشكل است؟
 جواب: اگر تا آخر ذي الحجّه ممكن نباشد ذبح در منى، پس به وقتش در هر كجا كه عمل به  وظيفه بهتر انجام شود در آنجا ذبح نمايد والله العالم.
 وأصل هذا الاستفتاء يوجد عند بعض الأعلام في قم وانظر صورته الفتوغرافية في الصّفحة  الأخيرة.
 2 ـ آية الله الشيخ محمّد جواد مغنية ـ قدّس سرّه ـ من مشاهير عصرنا، وله مؤلفات عديدة  في الفقه والاصول والتفسير وشتّى المسائل الاسلامية والعلوم الدينية، فإنّه أشار إلى هذه  المسألة في كتابه الفقهي الموسوم ب«فقه الامام جعفر الصادق» المجلّد 2، كتاب الحجّ،  الصفحة 244، قال: «إنّ الهدي إنّما يجب حين يوجد الآكل أو يمكن الانتفاع به بتجفيف اللحم  أو تعليبه، أمّا إذا انحصر أمره بالإتلاف كالحرق والطمر فلا يجوز، ومن أراد التفصيل ومعرفة  الدليل فليرجع إلى كتاب «الإسلام مع الحياة» الطبعة الثانية الصفحة 195».
 3 ـ الشهيد آية الله السيد محمّد حسين البهشتي ـ قدّس سرّه ـ وشأنه العلمي لا يحتاج إلى  شرح وتوضيح ـ فإنّه أشار إلى هذا الموضوع في كتابه «حج در قرآن» الصفحة 90 ـ 91، قال:  «من المسلّم (الّذي أعلنته بالصراحة عند سؤال جماعة عنّي) أنّ الهدي إذا علمتم بدفنه بعد  يوم أو يومين فلا تحسبوه بعنوان الأضحية من دون ترديد، فإنّي أعلنت رأيي هذه المسألة  بالقطع والجزم وقلت: إنّ هذه الأضحية ليست مقبولة، فإنّه تبذير ولا يلائم الآيات والروايات  الواردة أصلا».
 فعلى الاخوة الباحثين في هذه المسألة المهمّة والمهتمّين بحلّ مشكلة الأضحية في يومنا هذا،  الرجوع إلى المصدرين الأخيرين أيضاً. والحمد لله على كلّ حال.

[41]

[42]


اسئلة و استفتاءات  حول مسألة الاضحية

بسمه تعالى

سماحة المرجع الديني الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (مد ظلّه)

نرجو من سماحتكم وبعد تقديم خالص التحيات الإجابة عن المسائل وبيان الأحكام المتعلّقة بالأضحية:

مع فائق الاحترام: جمع من طلبة العلوم الدينية

1 ـ ينتهي مصير الأضاحي في الوقت الحاضر الى تلف في لحومها ودفنها دونما فائدة، ما هو واجب مقلّديكم تجاه ذلك؟
الجواب: ويجب على الأحوط ادّخار المبلغ المعادل بثمن الأضحية في شهر ذي الحجة ثمّ التضحية في مكان آخر. للاستفادة من لحوم الأضاحي، آمل أن يأتي اليوم الذي يتمكّن فيه المسلمون ذبح أضاحيهم في منى ثمّ نقله الى الأماكن المناسبة.
2 ـ ما هو موقف الحاج لو ذبح أضحيته في منى وهو عالم بتلفها؟
الجواب: لا يجوز ذلك ويجب عليه أن يضحّي في بلده أيضاً.
3 ـ ما هو موقف الحاج إذا شكّ في تلف الأضحية أو عدمه؟
الجواب: يتعيّن عليه الانصراف فهناك من يضحّي بما فيه الكفاية.

[43]

4 ـ هل يجب التحقيق في الاستفادة عن لحوم الأضاحي أو عدمه؟
الجواب: لا يجب التحقيق في الظروف الحالية والتي يطمئن فيها بعدم صرفها في مصارفها.
5 ـ ما هو واجب الحاج إزاء الأعمال التي تعقّب ذبح الأضحية؟
الجواب: يكتفي الحاج بعزل ثمن الأضحية واستئناف أعمال الحج في منى ثمّ يخرج من الإحرام ويتمّ حجّه بطواف النّساء وبذلك ينهي المناسك ثم تذبح في محل آخر.
6 ـ كيف يتمّ تحديد مبلغ الأضحية وهل يكون على أساس ثمنها في مكّة أم في بلاده؟ الجواب: حسب سعرها في بلده.
7 ـ هل يصحّ لمن نوى الحج عزل ثمن الأضحية في بلده قبل الذهاب الى مكّة وهل يمكن أن يوصي بعزل المخصّص لشراء الأضحية لذبحها في الأضحى؟
الجواب: لا مانع من ذلك.
8 ـ لو نوى الحاج في تقديم الأضحية فى بلده عوضاً عنه، هل ستكون التضحية في يوم العيد بمكّة أم في بلاده؟
الجواب: المعيار يوم العيد في مكة.
9 ـ ما هو تكليف الحاج لو أخّر عن ذبح الأضحية في شهر ذي الحجّة؟
الجواب: يجب عليه الأضحية فى العام القابل.
10 ـ لو ذبح الأضحية لدى عودته من الحج، هل يجوز له إطعام أصدقائه من لحمها؟
الجواب: لا مانع بشرط إطعام الفقراء منها.
11 ـ هل يجوز لمقلِّدي المراجع المتوفّين العمل بفتاواكم في مسائل الأضحية انطلاقاً من تجويزكم للبقاء على تقليد الميّت؟

[44]

الجواب: يلزمهم العمل بهذه الفتوى لو كان ذلك حجّهم الأوّل وما عدا ذلك يجوز لهم العمل بما أفتاه أولئك المراجع الكبار.
12 ـ هل يجوز ذبح شياه الكفّارة في مكة أو منى أم في بلد الحاج؟
الجواب: يجوز ذبحها في بلده حتى مع احتمال الاستفادة منها في مكّة ومنى.
هذا وتقبّل اللّه سعي المؤمنين وأرجو منهم أن لا ينسوا إخوانهم الذين لم يتشرفوا بحجّ بيت اللّه الحرام بعدُ.

* * *

[45]


الإجابة على عدّة أسئلة فقهية اُخرى:

حول هذه المسألة

السّؤال (1): يتساءل البعض أليس الذّبح في غير محله من الذّبح في منى خلاف إجماع المسلمين؟
الجواب: إن الاجابة على هذا السّؤال واضحة جداً، لأنه:
أوّلاً:لقد قلنا مراراً أن مسألة دفن لحوم الأضاحي في الحج واحراقها وإتلاف مئات الآلاف من الأغنام والأبقار بهذا الشكل هي من الموضوعات والمسائل المستحدثة والجديدة، وليست لها ماض قديم كما يُصدر علماؤنا الأعلام فتاواهم في هذا المجال، وبعبارة اُخرى: إن هذه المسألة برزت الى الوجود في القرن الاخير، وقد كانت لحوم الأضاحي تصرف في السابق في مواردها، ولهذا السبب لا توجد في الرّوايات الإسلامية وكتب الفتاوي رواية أو فتوى تتحدّث عن حكم إتلاف الأضاحي وعلى هذا فإن إدّعاء الاجماع في هذه المسألة لا ينسجم مع الموازين الفقهية و الاُصولية.
ثانياً: كما قلنا سابقاً لقد كان محل الذّبح في الأزمنة الغابرة داخل منى، ولكن الآن أصبحت المجازر خارج منى، وانتقلت إلى وادي محسّر، ثم وادى المعتصم وهذا الموضوع من المواضيع الجديدة والمستحدثة تماماً، وإدعاء الاجماع على ذلك غير ممكن، بل الامر بالعكس.

[46]

ثالثاً: كما قلنا سابقاً أيضاً أنه توجد موارد متعددة في الفقه تدّل على جواز الذبح في غير منى وغير مكّة ووادي محسر وأمثال ذلك لوجود بعض الشرائط الخاصّة، ونحن نعتقد أن الظروف الحالية لذبح الأضاحي في المذابح الفعلية والتي تسبّب في إتلاف الأضحية من قبيل تلك الظروف الخاصّة.
السّؤال (2): ألا يكون الذّبح في المدن البعيدة بدعة؟
الجواب: إن هذا العمل هو وظيفة شرعية وليس بدعة فالبدعة هي العمل على ما يخالف الشرع المقدس ناوياً أنّه عمل مشروع، وما ابرزناه من الفتوى موافق لأحكام الشرع، وقد أثبتنا ذلك بأدلة عديدة، مضافاً الى أننا قلنا مراراً أن هذه المسألة من المسائل الجديدة التي لم يكن لها وجود في الزمن السابق كيما يفتي العلماء في موردها، ففي الماضي كانت لحوم الأضاحي تصرف في اليوم الأول من ذبحها، وقد وردت الاحاديث الشريفة في منع إدّخار لحوم الأضاحي أيضاً، ولكن بعد أن ازدادت الأضاحي ورد الجواز بادّخارها (بواسطة التجفيف) ولم يرد خبر عن إحراقها أو دفنها إطلاقاً، فلو أنّنا رأينا على الفتاوي للمسائل المستحدثة بأنّها بدعة، فإنّه يجب أن نحكم على جميع الفتاوي المتعلّقة بزرع الأعضاء للتشريح، والتأمين، وشراء الدّم للمرضى والجرحى، والبنوك الاسلامية و أمثالها، بأنها بدعة لأنها لم تكن موجودة ومثله رمي الجمرات من الطبقة العالية فإنّه امر مستحدث، فهل هو بدعة، وهكذا السعي من الطبقة العالية (على القول بجوازه) في الازمنة السالفة.
السّؤال (3): ورد في بعض الرّوايات أن النّبي(صلى الله عليه وآله) ذبح مائة من الإبل في حجّة الوداع، فهل من المعقول أن كل هذه اللحوم قد صرفت في الاطعام؟

[47]

الجواب: أن ما يستفاد من كتب التّواريخ المختلفة هو أنّ عدد الحجاج في تلك السنة بلغ مائة ألف نفر أو أكثر رافقوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله)في سفره ذلك، ولم يكن لدى الكثير منهم هدي، فاعطى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) لحوم الأضاحي التي أمر بذبحها لهؤلاء، حتى أنه(صلى الله عليه وآله) أمر بأن لا يعطي الجزّارون منها الجلد والقلادة، بل تقسم بين الناس، ويستقاد من بعض الروايات أن هؤلاء الناس رافقوا النبي(صلى الله عليه وآله) عشرة أيّام، وبحساب بسيط نعلم بأن نصيب كل ألف نفر سيكون بعيراً واحداً قُسّم لحمه على الألف نفر لما كان نصيب كل واحد منهم سوى أقل من كيلو واحد بكثير، ولو قُسّم ذلك على عشرة أيّام، فسوف تكون حصّة كل يوم شيئاً قليلاً جدّاً لكل فرد، فعلى هذا من العجيب جداً أن يتصور البعض أنه قد تلف قسم من هذه اللّحوم، ولو كان لأفراد آخرين أضاحي أيضاً، فمن الواضح أنها كانت بمقدار قليل وأقل من حاجة الناس حتماً فان كثيراً من الحجاج في تلك السنة لم تكن عندهم اضاحي.
السّوال (4): هل يُفهم من فتواكم أن الذّبح واجب مقدمي والإطعام واجب نفسي؟ فلو كان كذلك إذن، فلا يجب على الحجاج ذبح الهدي، بل يمكنهم شراء ما يعادل الذبيحة من اللحم من الجزّار وتوزيعه على المحتاجين.
الجواب:إنّ الإجابة على هذا السّوال واضحة أيضاً فان الذبح والصرف كلاهما واجبان، إلاّ أن أحدهما مقدمة للآخر، كما في الوضوء والطّواف فكلاهما واجبان، ولكن أحدهما مقدمة للآخر، ولا فائدة للمقدمة بدون ذي المقدمة.
وعلى هذا الاساس، لا يصح الذبح ثمّ إتلاف الأضحية بحرقها أو دفنها، فنحن لا نجد في أي من الروايات الاسلامية أن إجراء دم الحيوان مطلوب بحدّ ذاته، وإذا ورد التعبير في بعض الرّوايات الإسلامية «عليه الدم» وأمثال ذلك، فهو إشارة وكناية عن ذلك الذبح المعهود والمتعارف بين جميع المسلمين بأن يذبحوا الأضحية ويقسّموا

[48]

لحمها في مصارفه، كما أن هذا الكلام متداول بيننا أيضاً حينما نقول: انّه لابدّ من الذبح لشفاء المريض أو لقدوم المسافر، أو لبركة البناء، فهو إشارة الى أنّه أو يُستحب يجب ذبح الشاة ثمّ تقسيم لحمها في الإطعام، لا أنّه يسفك دم الحيوان ثمّ يلقى بعيداً.

* * *

[49]


2 ـ أحكام الغناء


[50]

[51]


أحكام الغناء

حرمة الغناء على اجمالها مشهورة بين علماءنا وقد ادّعى غير واحد من فقهائنا عدم الخلاف فيها، بل ادّعى في الجواهر الاجماع عليها بقسميه(1).
إلاّ أنه خالف فيه بعض متأخري المتأخّرين فقال بعدم حرمته إلاّ إذا اشتمل على حرام من خارج.
قال في الحدائق : «لا فرق في ظاهر كلام الأصحاب بل صريح جملة منهم في كون ذلك في قرآن أو دعاء أو شعر أو غيرها، إلى أن انتهى الدور إلى المحدّث الكاشاني فَنَسج في هذا المقام على منوال الغزالي ونحوه من علماء العامّة، فخصّ الحرام منه بما اشتمل على محرم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو كالعيدان، واختلاط الرجال بالنساء والكلام بالباطل، وإلاّ فهو في نفسه محرّم»(2).
وعن المحقّق السبزواري في الكفاية موافقته على ذلك(3).
والكلام فيه في مقامات :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر : ج 22 ص 44.
(2) الحدائق : ج 18 ص 101 و 102.
(3) كفاية الأحكام للسبزواري : ص 85 كتاب التجارة.

[52]


المقام الأوّل : في الأدلّة الدالّة على حرمته

واستدلّ له تارة بالاجماع، واُخرى بآيات مثل قوله تعالى : (وَ اجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ)(1) (والّذينَ لا يَشهَدُونَ الزُّور)(2).
وقوله تعالى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضلّ عن سبيل الله)(3).
ولكن لا شيء من ذلك ـ مع قطع النظر من روايات الباب ـ يدلّ على حرمته، والعمدة هنا هي الروايات الكثيرة بل المتواترة، فالأولى صرف عنان الكلام إليها فنقول (ومن الله سبحانه نستمد التوفيق) هي على طوائف :
الطائفة الاُولى : ما دلّ على أنه داخل في عنوان الزور الوارد في كلامه تعالى المنهي منه وهي روايات :
1 ـ ما رواه زيد الشّحام قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ (وَ اجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ) قال : قول الزور الغناء(4).
2 ـ ما رواه أبو السباح عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله عزّوجلّ (لا يَشهَدُونَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحجّ : 30.
(2) الفرقان : 72.
(3) لقمان : 6.
(4) الوسائل : ج 12 ص 225 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 2.

[53]

الزُّور)قال : الغناء(1).3 ـ وما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجلّ (والَذينَ لا يشهَدون الزُّور)قال : الغناء(2).
4 ـ ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى (وَ اجتَنِبُوا قَولَ الزُّور)قال : قول الزور الغناء(3).
5 ـ ما رواه أبو بصير قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ (فَاجتَنِبُوا الرِجسَ مِنَ الآوثانِ وَاجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ) قال : الغناء(4).
6 ـ ما رواه عبد الاَعلى قال : سألت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن قول الله عزّوجلّ (فَاجتَنِبُوا الرِجسَ مِنَ الاَوثانِ وَ اجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ) قال : الرجس من الاوثان الشطرنج وقول الزور الغناء قلت : قول الله عزّوجلّ : (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديث) قال : منه الغناء(5).
7 ـ ما رواه حمّاد بن عثمان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن «قول الزور» قال : منه قول الرجل الذي يغني : احسنت(6).
8 ـ ما رواه محمّد بن عمرو بن حزم في حديث قال دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام)فقال : الغناء، اجتنبوا الغناء، اجتنبوا قول الزور، فما زال يقول : اجتنبوا الغناء اجتنبوا،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 ص 226 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 3.
(2) الوسائل : ج 12 ص 225 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 5.
(3) نفس المصدر : ص 227 ح 8 .
(4) نفس المصدر : ح 9.
(5) الوسائل : ج 12 ص 229 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 20.
(6) نفس المصدر : ح 21.

[54]

فضاق بي المجلس وعلمت أنه يعنيني(1).
9 ـ ما رواه هشام عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قوله تعالى : (فَاجتَنِبُوا الرِجسَ مًِنَ الاَوثانِ وَ اجتَنبِبُوا قَولَ الزُّورِ) قال : الرجس من الاوثان الشطرنج وقول الزور الغناء(2).

* * *

الطائفة الثّانية : ما دل على أنه داخل تحت عنوان «لهو الحديث» الواردة في قوله تعالى (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ الله)(3) وهي روايات :
10 ـ ما رواه محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول : الغناء ممّا وعد الله عليه النار وتلا هذه الآية : (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ الله بِغَيرِ عِلم وَ يَتَّخِذُها هُزُواً اُولئكَ لَهُم عَذاب مُهين)(4).
11 ـ ما رواه مهران بن محمّد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول : الغناء ممّا قال الله عزّوجلّ : (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ الله)(5).
12 ـ ما رواه الوشاء قال سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول : سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن الغناء فقال : هو قول الله عزّوجلّ : (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : ص 230 ح 24.
(2) الوسائل : ج 12 ص 225 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 26.
(3) لقمان : 6.
(4) الوسائل : ج 12 ص 266 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 6.
(5) نفس المصدر : ح 7.

[55]

عَن سَبيلِ الله)(1).
13 ـ ما رواه الحسن بن هارون قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله وهو ممّا قال الله عزّوجلّ (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبيلِ الله)(2).
14 ـ ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي (في مجمع البيان) قال : روي عن أبي جعفر وأبي عبدالله وأبي الحسن الرضا (عليهم السلام) في قول الله عزّوجلّ (وَ مِنَ الناسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَ عَن سَبيلِ الله بِغَيرِ عِلم وَيَتَّخِذَها هُزُواً اُولئكَ لَهُم عَذابٌ مُهين) انهم قالوا : منه الغناء(3).
وقد يتوهم أن هاتين الطائفتين تدلان على أن الغناء من مقولة المعنى، لا الالحان والأصوات، والظاهر أنه ليس كذلك، بل لا مانع من أن يكون من مقولة الالحان كما سيأتي إن شاء الله.

* * *

الطائفة الثّالثة : ما يدلّ على النهي عنه واشمئزاز أئمّة الدين (عليهم السلام) منه وهي روايات :
15 ـ ما رواه زيد الشّحام قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة ولا يدخله الملك(4).
16 ـ ما رواه إبراهيم بن محمّد المدني عمّن ذكره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سئل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : ص 227 ح 11.
(2) الوسائل : ج 12 ص 228 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 16.
(3) الوسائل : ج 12 ص 230 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 25.
(4) نفس المصدر : ص 225 ح 1.

[56]

عن الغناء وأنا حاضر، فقال : لا تدخلوا بيوتاً الله معرض عن أهلها(1).
17 ـ ما رواه يونس قال : سألت الخراساني (عليه السلام) عن الغناء وقلت أن العباسي ذكر عنك أنك ترخص في الغناء فقال : كذب الزنديق، ما هكذا قلت له : سألني عن الغناء فقلت إن رجلاً أتى أبا جعفر (عليه السلام) فسأله عن الغناء فقال : يا فلان إذا ميّز الله بين الحقّ والباطل فأين يكون الغناء ؟ قال مع الباطل، فقال : قد حكمت(2).
back page fehrest page next page