back page fehrest page next page

ومن هنا يعلم أنه قد يكون لمفاد الألفاظ تأثيراً في صيرورة الالحان غناءاً، ولكن

[71]

قد لايكون أي أثر للمحتوى فيها، بل لحن فسوقي ولو كان في القرآن، بل يكون حينئذ أشد حرمة لما فيه من الهتك والاهانة لكلام الله تعالى.
والحاصل أن اللحن قد يكون علّة تامة لكونه غناءاً، واُخرى يكون علّة ناقصة تتمّ مع ما فيه من المضمون، والشاهد له وجود الألحان المشتركة بين الحان أهل الفسوق وغيرهم.
ومن هنا يمكن توجيه كلام المحدّث الكاشاني ومن يحذو حذوه، بأن مرادهم جواز خصوص القسم المشترك إذا خلا عن مضامين باطلة، وإلاّ فمن البعيد جدّاً تجويزه للألحان المختصّة بأهل الفسوق والعصيان التي يأباها كلّ متشرع من العوام والخواص وإن كانت بعض عبائره تأبى عن هذا المعنى.
وقد تلخص ممّا ذكرنا أنه لو قلنا بعدم حرمة الغناء ذاتاً وإنّما المحرّم هو لوازمها أحياناً فلا كلام، ولو قلنا بالحرمة في الجملة وإن خلت من جميع المقارنات والعوارض المحرّمة فالقدر المتيقن منه ما يختص بمجالس أهل الفسوق والفجور أعني الألحان المختصّة بهم، وهذا المعنى ليس أمراً خفياً معضلاً بل يعرفه أهل العرف خواصهم وعوامهم، وإن كانت له مصاديق مشكوكة، كما هو الشأن في جميع المفاهيم، والحكم في المشكوكات هو البراءة وإن كان الاحتياط طريق النجاة.
بقى هنا اُمور :
1 ـ ذكر بعض الأعلام أن المحدّث الكاشاني لم ينكر حرمة الغناء مطلقاً بل قسمه إلى قسمين : قسم محرّم، وهو ما اشتمل على مقارنات محرّمة، فإذا قارنه ذلك كان نفس الغناء أيضاً محرّماً، ولذا حرّم أخذ الاُجرة عليه حينئذ، وقسم محلّل وهو ما خلا عن ذلك، فليس ما ذكره مخالفاً للاجماع حتّى يقابل بالطعن والنسبة إلى الأراجيف(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المكاسب : ج 1 ص 210.

[72]

والإنصاف أن ما أفاده لا أثر له في كون كلامه مخالفاً لما ذكره عامّة الأصحاب، فإن ظاهر كلامهم أو صريحه حرمته، وإن خلا عن كلّ محرّم، نعم طريق الجواب لاسيّما في قبال علماء الدين على كلّ حال لابدّ أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة وبالتي هي أحسن.
2 ـ قد ظهر ممّا ذكرنا حال «النشيد» المعمول اليوم وما يجري في مجالس العزاء والمواكب الحسينية (عليه السلام)وأنها ليست من ألحان أهل الفسوق غالباً وكذا «الهوسات»، وما يشجع الجيش في الميدان، فهي محلّلة بحسب الأصل، نعم لو وجد فيها بعض ما يختص بأهل الفسوق فهو حرام، وكذا الكلام في «النوح والنياحة» لعدم صدق ما ذكر عليها إلاّ أحياناً كما هو ظاهر.
3 ـ لايخفى أن الغناء يتفاوت بتفاوت العرف والعادات، فرب صوت بين قوم من مصاديقه، ولايعد بين أقوام آخرين منها، بل قد يتفاوت بالأزمنة فما يكون عندنا غناءاً، ربّما لم يكن غناءاً عند بعض الماضين وبالعكس، كما يترآى ذلك بين المسلمين وغيرهم وبين العرب والعجم.
ومنه يعلم إنّما ذكره بعض الأعلام في مكاسبه من أن الألحان المتداولة اليوم المسمّى بالتصنيف ليست من مصاديق الغناء، وهو عجيب، بل هو القدر المتيقن منه، ولعلّه حيث لم يرَ في كثيرها مدّ الصوت أو الترجيع لم يعده من الغناء، وقد عرفت أن المدّ أو الترجيع غير معتبر في مفهومه والطرب الحاصل منه أكثر من غيره قطعاً، والعمدة كونها من ألحان أهل الفسوق والعصيان.

* * *

[73]


المقام الثّالث : في المستثنيات

وقد ذكر هنا اُمور.

أولها ـ الغناء في الزفاف و الاعراس

حكي عن جمع من أعاظم الأصحاب استثنائه، بل حكى في الجواهر عن بعض مشايخه نسبته إلى الشهرة، واختاره هو في ذيل كلامه، وإن كان ظاهر عبارة الشرائع وبعض آخر الحرمة حيث لم يستثنى ذلك من أدلّة الحرمة، بل حكى التصريح بعدم الجواز عن ابن إدريس وفخر المحقّقين، وعلى كلّ حال لايبعد استثنائه بعد ورود الحديث الصحيح به وهو ما رواه أبو بصير، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن كسب المغنيات فقال : التي يدخل عليها الرجال حرام والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس...(1).
ويؤيد حديثه الآخر (2 / 15) وخبره الثّالث (3 / 15) والظاهر أن الجميع واحد وإن رويت باسناد مختلفة.
نعم، صرّح بعضهم بعدم كون اشتماله على محرم آخر كاللعب بآلات اللهو أو التكلّم بالباطل أو ورود الرجال عليهن كما هو صريح الرواية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 ص 84 ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 1.

[74]

ولايخفى أن هذه وإن كانت اُموراً خارجة عنها ولكن حيث إن التجويز في أصله قد يتوهم منه جواز ما قارنه كثيراً في الخارج كان من اللازم نفيه.
وبالجملة إباحة اُجرة المغنية التي تدعى إلى الأعراس دليل على جواز فعلها واستماع النساء منها بما مرّ من الشرائط.
نعم قد يقال بانحصاره في المغنية فلا يشمل المغني، ولا يشمل مثل مجالس الختان وغيره، هذا والانصاف دخولها في صحيحة علي بن جعفر (5/15) من استثنائه في الافراح وهو من مصاديقه، فهذا استثناء ثان في الحكم وهوأيضاً غير بعيد مع الشرائط السابقة وسيأتي الكلام فيه.

ثانيها ـ في أيّام الأعياد والأفراح

وإن لم يتعرض له كثير منهم، ولكن بعد وجود الدليل المعتبر عليه وعدم ظهور إعراض عنه لا مانع من العمل به وهو صحيحة علي بن جعفر وقد مرّت.
ولكنّ لابدّ من خلوه من المقارنات المحرّمة من التكلّم بالاباطيل ودخول الرجال على النساء كما اُشير في ذيلها.
ولعلّ المراد بالفرح ليس كلّ فرح حتّى يستوعب التخصيص كما أشرنا إليه فيما سبق، بل الافراح مثل الأعياد والختان والأعراس والمواليد وشبه ذلك، وما في الجواهر(1) من المحامل المختلفة في الحديث من التقية أو خصوص العرس في اليومين أو إرادة التغني على وجه لايصل حدّ الغناء بعيدة لا داعي إليه، نعم الاحوط ترك ما يختصّ بأهل الفسوق والعصيان حتّى في هذه الأيّام.
كما إن اختلاف ذيلها (لم يزمر به ـ أو لم يعص به) لايوجب اضطراب متنها بعد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر : ج 22 ص 45.

[75]

قرب المعنيين، وكون الباء بمعنى «مع» ظاهراً مع صحّة ما ورد في كتاب علي ابن جعفر (عليهما السلام) وعدم ثبوت صحّة ما في قرب الاسناد.

ثالثها ـ «الحداء»

استثناه جماعة منهم المحقّق في شهادات الشرائع والعلاّمة والشهيد فيما حكى عنهم، بل حكى عن المشهور ولكن صرّح غير واحد منهم بعدم وجدان دليل عليه في مصادر حديثنا.
قال في الحدائق «لم أقف في الأخبار له على دليل ولم يذكره أحد»(1).
أقول : قد عرفت أن في بعض روايات المقاتل إشارة إليه وقد عقد له في سنن البيهقي باباً أورد فيه أحاديث كثيرة تدلّ على وقوعه بمحضر النبي (صلى الله عليه وآله) عن عدّة أشخاص منهم «عبدالله بن رواحة» و«البراء بن مالك» وغلام يسمى «انجشة»(2).
والعمدة ما عرفت من عدم شمول عنوان الغناء له، نعم لو فسر الغناء بمطلق الصوت الحسن دخل فيه، ولكن لا وجه له، فعلى هذا لا دليل على حرمته حتّى يحتاج إلى استثناء.

رابعها ـ المراثي

استثناها بعضهم كما حكاه صاحب الحدائق عن الكفاية إنه قال «وهو غير بعيد» ثمّ ذكر صاحب الحدائق نفسه : «بل هو في غاية البعد لعدم الدليل عليه».
هذا وقد عرفت أن النياحة المتعارفة في مجالس العزاء لا تدخل في عنوان الغناء لعدم كونها صوتاً لهوياً مناسباً لمجالس أهل الفسوق والعصيان، فكأنهم رأوا للغناء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحدائق : ج 18 ص 116.
(2) سنن البيهقي : ج 10 ص 226.

[76]

معنى عاماً يشمل كلّ صوت حسن كما يظهر من بعض أهل اللغة فذكروا هذا مستثنى عنه، أو استثناء الحداء وغيره أيضاً من هذا القبيل. وفيه ما عرفت من أنها ليست كلّ صوت حسن بل صوت خاص.
وأمّا ما استدلّ له من استقرار سيرة أهل الشرع عليه أو كونه معيّناً على البكاء وشبهه غير ثابت، أو غير كاف أمّا السيرة فلعدم اتصالها بزمان المعصوم، وأمّا الاعانة على البكاء فلعدم جواز التوصل بالحرام إلى أمر مستحب كما هو واضح، فالحقّ خروجه عنه موضوعاً ولو كان من ألحان أهل الفسوق لم يجز في المراثي قطعاً.

خامسها ـ في قراءة القرآن

وقد حكي عن مشهور المتأخّرين نسبة استثناء الغناء فيه إلى صاحب الكفاية أيضاً، ولكن الظاهر من كلامه أنه أخذ الغناء بمعنى وسيع يشمل كلّ صوت حسن فيه وتحزين وترجيع، ولكن قد عرفت أن معناه أخصّ من ذلك، فليس مجرّد هذه الاُمور بغناء ما لم يكن الصوت مناسباً لمجالس أهل الفسوق والعصيان.
وعلى كلّ حال ما دلّ على استحباب حسن الصوت في القرآن وما ورد في شأن علي بن الحسين (عليهما السلام)لايدلّ على جواز الغناء فيه ولو باطلاقه، بل هو (عليه السلام) خارج عن موضوع الغناء فلا تصل النوبة إلى معارضتها بأدلّة حرمة الغناء حتّى يتكلّم في النسبة بينهما، ولو فرض التعارض بينهما فلا شكّ في تقديم أدلّة حرمة الغناء لأنها أقوى، ولأنها من قبيل ما فيه الاقتضاء في مقابل ما لا اقتضاء فيه.
ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً ما ورد من النهي عن قراءة القرآن بالحان أهل الفسوق واتخاذه مزامير(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الأحاديث 18 / 99 و 27 / 99 من أبواب ما يكتسب به و 1 / 24 من أبواب قراءة  القرآن التي مرّت عليك سابقاً.

[77]

سادسها ـ ذكر صاحب الجواهر أنه «لابأس بالهلهولة على الظاهر لكونها صوتاً من غير لفظ، والغناء من الألفاظ»(1).
والظاهر أن مراده ما يسمّى عندنا بالهلهلة، وما ذكره في حكمه جيّد ولكن التعليل بأن الغناء من الألفاظ لايخلو عن شيء إلاّ أن يقال إن مراده أن الغناء من الكيفيات العارضة للألفاظ والهلهلة ليس بلفظ لعدم وجود حروف التهجي فيها، والأولى أن يقال ليس فيها شيء من أوزان الغناء.
هذا مضافاً إلى أنه ليس صوتاً لهوياً من ألحان أهل الفسوق، نعم كونها من النساء قد يتوهم كونه داخلاً في الخضوع بالقول ولكنه غير ثابت (سواء كان في مجالس الفرح كما عندنا أو في مجالس العزاء كما عند االعرب أحياناً) وعلى كلّ حال لايبعد جوازه ولا أقل من الشكّ والحكم فيه البراءة، إلى هنا تم الكلام في الغناء وفروعه، وأمّا الضرب بالآلات فله مقام آخر وإن كان من كثير من الجهات كالغناء موضوعاً وحكماً فتدبر فإنه حقيق به.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر : ج 22 ص 51.

[78]

[79]


3 ـ العبادة في المناطق القطبيّة


[80]

[81]


حكم العبادة في المناطق القطبيّة

ظهور الشمس في منتصف الليل !
هل يصحّ أن يكون الإسلام ديناً عالميّاً في حين أنّ بعض أهم أحكامه الشرعيّة من قبيل (الصلاة والصوم) غير قابلة للتطبيق في جميع البقاع المعمورة ؟
إنّنا نعلم أنّ هناك مناطق في القطب بين الشمالي والجنوبي يستغرق فيها كلّ من الليل والنهار ستة أشهر. فمن البديهي عدم إمكانيّة الصوم وكذلك الصلاة اليوميّة بشكلها المقرّر في تلك المناطق.
وهذا الإشكال كثيراً ما طُرح من هنا وهناك في قبال مسألة (عالميّة الدين الإسلامي).
وقبل فترة ذكرت إحدى المجلات المعروفة هذا الإشكال وصاغته بصياغة عجيبة وغريبة حيث قالت :
«... بزوغ الشمس منتصف اللّيل يشكّل خطراً على الإسلام...».
إذا كنتم أيّها المسلمون تعتقدون بالإسلام بشكل جازم وتؤدّون الفرائض الدينيّة لوقتها فعليكم أن تدعوا أن لايكون شهر رمضانكم في (فنلاند) أو أي بلد يقع في نواحي القطب، لأنّه كما هو معلوم أنّ الشمس في شهر (أُوت)لاتغرب. وهذا الموضوع أصبح يشكّل مشكلة عويصة لعلماء (الأزهر) في مصر...

[82]

والآن يعيش بعض المسلمين في (فنلاند) وقد سافروا إليها لأسباب مختلفة، وبما أنّ الشمس لا تغرب في شهر (أُوت) أو تغرب مقداراً قليلاً جدّاً بحيث لا توجب معها فرصة لتناول وجبة غذاء كاملة، فمن ذلك وقع المسلمون في فنلاند في ورطة أمام هذه المشكلة العويصة. فهل يجب عليهم صوم جميع شهر رمضان من أوّله إلى آخره، والإمساك عن الأكل ؟ (وهذا أمر محال)، أو يتركوا إحدى الفرائض المقدّسة لدينهم ؟
ولهذا السبب راجعوا لمعرفة حل هذه المشكلة العلماء والفقهاء في مصر لكنّ هؤلاء العلماء لم يجدوا حلاًّ لهم لحد الآن».
هذا هو خلاصة الكلام الذي نشرته المجلّة المذكورة قبل عدّة سنوات، وقد يرد هذا التساؤل بين حين وآخر حول هذه المسألة.
الجواب :
كما سيتّضح بعد قليل أنّ بزوغ الشمس في منتصف الليل في «فنلاند» لا تشكّل خطراً على الإسلام، ولا أنّه يجب على المسلمين في تلك المناطق الصوم والإمساك عن الطعام طيلة شهر كامل أو شهور أي أنّهم يقومون بعملية إنتحارية في هذه الصورة، وليست هناك ضرورةً إلى نقض هذه الوظيفة الدينيّة المقدّسة أي (الصوم)، ولا أنّ علماء الإسلام سواءً من الشيعة أو أهل السنّة عاجزون عن حلِّ هذه المسألة، وليس من الصحيح أن تسمّى هذه المسألة بأنّها (مشكلة عويصة).
فالجواب على هذه المسألة مذكورٌ في الكتب الفقهيّة، حيث بيّن الفقهاء فيها وظائف المسلمين وتكاليفهم، غاية الأمر أنّ إبتعاد هؤلاء المستشكلين عن بلاد الإسلام وعدم إتّصالهم بعلماء الدين أبرز هذا التساؤل لهم واعتبروها مشكلة عويصة.
ومن الواضح أيضاً أنّ هذه المشكلة لا تنحصر بالصوم فحسب، بل تتجلّى في

[83]

الصلاة وكثير من التكاليف الدينيّة أيضاً في هذا الموضوع. فهل يمكن القناعة بأداءطيلة شهر كامل  أو أكثر؟ وهل يمكن في تلك المناطق التي يبلغ فيها طول اليوم (ستة أشهر) ويتبعه الليل الذي تستغرق مدّته ستة أشهر أيضاً أن يصلّي الإنسان (17) ركعة من الصلاة اليوميّة طيلة سنة كاملة ؟ ولا يُعلم السبب الذي حدى بهذا الكاتب أن يحصر الخطر على الإسلام بزوغ الشمس في منتصف الليل في فنلاند، فلو فرضنا أن اليوم الطويل في شمال فنلاند أو بقية المناطق القطبيّة يولد خطراً ومشكلة عويصة، ولكنّ ذلك لا ينحصر بالإسلام، بل يتوجّه أيضاً إلى أداء مراسم (يوم الأحد) للمسيحيين، وكذلك صلاة وصوم اليهود وغيرهم، لأن الأعمال والطقوس العباديّة موجودة في جميع الأديان، وهي ترتبط بعضها بالليل والنهار والأسبوع والشهر.
وكما تقدّم أنّ هذه المسألة قد نوقشت منذ مدّة طويلة في الفقه الإسلامي، وأجاب عليها العلماء بصراحة، إلاّ أنّ هؤلاء المستشكلين ولعدم إتّصالهم وإرتباطهم بأمثال هذه الكتب والدراسات تصوّروا أنّ المسألة كما هي عويصة في أفكارهم، فأنّها كذلك بالنسبة إلى غيرهم من المسلمين(1)، وعلى كلّ حال قبل البدء بالجواب من اللازم الإشارة إلى ثلاث نقاط :

إشكاليّة الليل والنهار في المناطق القطبيّة

1 ـ إنّ إستطالة الليل والنهار لأكثر من أربع وعشرين ساعة لا يختصّ بدولة (فنلاند) وبعض المناطق القريبة منها فحسب، بل يتعلّق بجميع المناطق الواقعة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد ذكر حكم هذه المسألة بصراحة في كتاب «العروة الوثقى» للعلاّمة المحقًّق المرحوم  السيد اليزدي. وهو من الكتب الفتوائية المعروفة، وقد كتب عليه جميع العلماء الكبار من  المتأخرين والمعاصرين تعليقاتهم الفقهية.

[84]

إلى الشمال من خط 5,66 درجة إلى 90 درجة.
وبعبارة اُخرى : إنّ في جميع المناطق الموجودة بين خط 5,66 وخط 90 درجة التي هي النقطة المركزية في القطب الشمالي أو القطب الجنوبي يكون الليل والنهار طويلاً في جميع السنة أو بعضها. وكلّما تقدّمنا إلى الشمال من خط 5,66 فإنّ مدّة الليل والنهار ستطول، فمثلاً في النقطة الشماليّة من (فنلاند) التي تقع على خط 70 درجة تقريباً في الشمال فإنّ مدّة اليوم الطويل فيها تبلغ (شهرين) حيث يبدأ من أوائل شهر (أُوت) ويستمر بعدها إلى أكثر من شهرين، وهكذا يستغرق الليل فيها شهرين أيضاً (أي أنّ الليلة الطويلة من الناحية الفصليّة تقع مقابل ذلك النهار الطويل).
وعندما نصل إلى خط العرض 74 درجة تكون مدّة يوم واحد (ثلاثة أشهر)، وكذلك يستغرق الليل، وهكذا يستمر الليل والنهار في الزيادة كلّما إرتفعنا أكثر بأتجاه القطب حتّى نصل إلى نقطة القطب يعني الدرجة (90).
وفي هذه المنطقة من الكرة الأرضية تتكون السنة الواحدة من نهار واحد وليلة واحدة فقط! بدل 360 يوم ومدّة كلٍّ منهما ستة أشهر!
ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ العدد ستة أشهر غير دقيق، لأن طول اليوم في نقطة القطب الشمالي (ستة أشهر وعدّة أيّام) وطول الليل (ستة أشهر إلاّ عدّة أيّام) ولكن في القطب الجنوبي على العكس من ذلك.
ومجموعة النقاط التي تقع فوق خط العرض 5,66 إلى (90) درجة تسمّى (مناطق قطبيّة)، ثم أنّ القطب الجنوبي خال من السكّان، ولكن المناطق في القطب الشمالي يوجد أفراد قلائل يعيشون فيها وخاصّة في القسم الشمالي من فنلاند، والسويد، والنروج وروسيا. وأخيراً توجهت مجموعات من العلماء والباحثين إلى المناطق القطبيّة في الشمال والجنوب للبحث والدراسة العلميّة، ويمكن أن نعتبرهم من

[85]

سكّان هذه المناطق بصورة مؤقّتة.
ولكنّ ممّا لا شكّ فيه أنّه حتّى لو سكن شخص واحد في هذه المناطق أو أنّه سافر لمدّة قليلة إليها، فينبغي إستنباط حكمه الشرعي من المتون الإسلامية التي تعتبر عالميّة ولا تختص بنقطة خاصّة من الكرة الأرضية.
أمّا في المناطق التي تقع أسفل خط العرض 5,66 درجة فإنّها تتمتّع في جميع أيّام السنة بالنهار والليل، غاية الأمر أنّهما يتساويان في المدّة الزمنية في يومين من أيّام السنة (بداية الربيع وبداية الخريف) ويختلفان في بقيّة الأيّام حيث يزداد أحدهما تدريجيّاً على الآخر أو ينقص.
وأمّا في خط الأستواء الذي يعتبر بمثابة الحزام حول الكرة الأرضيّة ، فإنّ مدّة الليل والنهار متساوية فيهما دائماً وعلى طول أيّام السنة حيث يعادل كلّ منهما 12 ساعة، ولا يوجد أي تفاوت بينهما في أيّام الصيف والشتاء بينهما

معرفة وقت الظهر ومنتصف الليل في المناطق القطبيّة :

2 ـ النقطة الاُخرى التي تعتبر ضروريّة لحلِّ هذه المسألة هي أنّ الشمس في المناطق التي لا تغرب فيها وكما يصطلح أنّها «شمس في منتصف الليل» نلاحظ أنّ الشمس في الأفق في حالة حركة دائرية دائماً، حيث تدور حول الأفق دورة كاملة كلّ أربعة وعشرين ساعة (وفي الواقع أنّ الكرة الأرضية هي التي تدور، ولكنّه يظهر للناظر أنّ الشمس هي التي تدور).
يعني أنّكم لو كنتم لمدّة شهر في بعض مدن فنلاند التي لا تغرب فيها الشمس، فسوف ترون أنّ قرص الشمس يقرب من الاُفق دائماً ويدور حوله كما تدورعقارب الساعة، وفي كلّ أربع وعشرين ساعة تدور الشمس دورة كاملة في الاُفق

[86]

بشكل تدريجي من جانب المشرق إلى الجنوب، ومنه إلى جهة المغرب، ومن المغرب إلى الشمال، وتعود مجدّداً إلى نقطة الشرق. والجدير بالذكر أنّ قرص الشمس بالرغم من أنّه يُرى إلى جانب الاُفق دائماً، ولكنّ الفاصلة بينه وبين الأفق تختلف من مكان لآخر، يعني أنّ الشمس تصعد قليلاً أحياناً، ثمّ تهبط شيئاً فشيئاً إلى جهة الاُفق حتّى تصل إلى حدّها النهائي، ثمّ تبدأ في الصعود من جديد وهكذا.
والسبب في تغيير وضع الشمس هو إنحراف محور الأرض 5,23 درجة بالنسبة إلى خط المدار (فتأمّل جيداً).
وبهذا الترتيب يمكن أن نحسب نصف اليوم عندما تصل الشمس إلى آخر نقطة من إرتفاعها لأن الشمس في هذا الوقت تكون على خط نصف النهار تماماً.
وبعبارة أوضح : إنّ الشمس عندما تصعد تماماً يحين وقت الظهر في تلك المنطقة. وعندما تهبط إلى آخر نقطة (وتصل إلى الحدّ الأقل من إرتفاعها) تكون بالضبط في موقع (منتصف الليل)، فعلى هذا تكون الشمس في الحدّ الأقل من الارتفاع هي الشمس في منتصف الليل.
ومن الواضح أنّ ضياء الشمس يختلف في مدّة الأربع والعشرين ساعة في هذه المناطق، فعندما ترتفع الشمس ويكون النهار قد حلّ في تلك المناطق، فأنّ الجوّ سيكون مشرقاً، وعندما تهبط الشمس إلى مقربة من الاُفق فسيقل الضوء بطبيعة الحال ويميل إلى الظلام هو الحال ما بين الطلوعين عندنا.
وعلى هذا الأساس نفهم من أنّ سكّان تلك المناطق يتمتّعون في الأربع والعشرين ساعة بليل ونهار، ولكن ليس مثل الليل والنهار عندنا.
وهكذا يتّضح ممّا تقدّم آنفاً أنّ تشخيص وسط الظهر ومنتصف الليل بشكل دقيق في تلك المناطق أمرٌ بسيط تماماً، ويستطيع كلّ فرد معرفة الظهر ومنتصف الليل من

[87]

خلال شاخص قصير (عود من خشب أو عمود من حديد ينصب بصورة عموديّة على الأرض) من خلال زيادة ونقيصة ظل الشاخص، فعندما يصل ظلٌ الشاخص إلى حدّه الأقل يحين وقت الظهر، وعندما يصل إلى حدّه الأكثر، ففي ذلك الوقت يكون منتصف الليل.
ولكن قد تقول : لقد اتضحت لدينا مسألة تعيين الظهر ومنتصف الليل في تلك المناطق حين يكون النهار طويلاً، ولكن عندما يكون الليل طويلاً ماذا نصنع ؟
وفي الجواب نقول : إنّ من حسن الحظ أنّ حركة النجوم والكواكب في هذه الليالي الطويلة حول الاُفق تشبه حركة الشمس في النهار هناك.
وبعباة أوضح نقول : إنّ الكواكب هناك لا تتمتّع بالطلوع والغروب كثيراً، بل أنّها تدور وتطوف حول الاُفق بشكل جماعي (وطبعاً إنّ الحركة والدوران إنّما هو للأرض لا للنجوم).
غاية الأمر، إنّ دوران النجوم حول الافُق لا يتشابه في كلّ الحالات، فتارة نلاحظ صعودها عن خط الاُفق ثمّ هبوطها إليه كذلك، فلو أخذنا نجمة واحدة ولاحظنا صعودها إلى الحدّ الأعلى من الاُفق فعندها نعلم أنّ ذلك الوقت هو منتصف النهار. وهو وقت الظهر هناك حتماً، وعندما تهبط إلى الحدّ الأدنى من الاُفق فنعلم أنّه منتصف الليل.
ولاينبغي الغفلة عن أنّ ظلام الليل في تلك المناطق لا يكون سواسية دائماً، ففي مدّة الأربع والعشرين ساعة نلاحظ أنّ الجو تخف فيه الظلمة قليلاً (كما هو الحال بعد طلوع الفجر عندنا) وهذا يكون علامة على حدوث النهار، ثمّ يشتدّ الظلام حتّى يكون الظلام غاسقاً، وهو حدوث الليل هناك.
ومن مجموع ما بيّناه آنفاً نستنتج أنّ معرفة الظهر ومنتصف الليل في الأيّام

[88]

والليالي الطويلة في المناطق القطبيّة مسألة محلولة ولا إشكال فيها، وليست بحاجة إلى وسائل خاصّة من قبيل الساعة والاذاعة وأمثال ذلك.

المقياس ..الحد الوسط

3 ـ وآخر نقطة يمكن ذكرها في هذا المقام لتوضيح الجواب هي أنّ من وجهة نظر (الفقه الإسلامي) لايوجد موضوع ولا ظاهرة بدون حكم شرعي، وبعبارة اُخرى : إنّ القوانين الإسلامية جامعة وشاملة بحيث لا يوجد أي موضوع بدون حكم.
وهذا ليس إدّعاءً محضاً، بل هو حقيقة، ويتضح ذلك جلّياً للأشخاص الذين لهم معرفة بالمسائل الفقهيّة، غاية الأمر أنّ الموضوعات على قسمين :
1 ـ الموضوعات التي لها حكم خاص، وذكر لها هذا الحكم في المتون الإسلامية بصراحة (وبالإصطلاح العلمي أنّها منصوصة).
2 ـ الموضوعات التي لم يرد فيها حكم خاص، بل يجب الرجوع إلى القواعد والاُصول الكليّة، وإستنباط حكمها الشرعي منها.
وتوضيح ذلك : إنّ في الإسلام سلسلة من القواعد الكليّة والاُصول الاساسية التي تتضمن حكم جميع المسائل والحوادث التي سوف تقع في المستقبل، وهذه القواعد والاُصول الكليّة شاملة وكليّة بحيث ليس من الممكن أنّ تجد موضوعاً من المواضيع غير مندرج تحت واحد من هذه الاُصول والقواعد (الحصر هنا كما في الاصطلاح حصر عقلي) والموضوع المبحوث عنه ـ يعني وظيفة الأشخاص الذين يعيشون في المناطق القطبيّة ـ هو من القسم الثاني، يعني أنّه من المواضيع التي ممكن إستنباط حكمها من تلك القواعد والاُصول الكليّة.
ولا نريد تعقيد الاُمور على القاريء الكريم بذكر المصطلحات العلميّة

[89]

والاستدلالات الفقهيّة والبحوث الجارية بين الفقهاء في هذه المسألة، ولكن لا مانع من ذكر قاعدة كليّة واحدة تعتبر أساساً لاستنباط حكم هذه المسألة مورد البحث بالذات ونذكرها بصورة ميّسرة وبدون تعقيد :
إنّ الأحكام والمقرّرات الإسلاميّة أساساً ناظرة إلى الأفراد العاديين ، والأشخاص الذين يخرجون عن حدود المتعارف بشكل من الاشكال يجب تطبيق سلوكهم مثل الأفراد العاديين.
back page fehrest page next page