back page fehrest page next page

مثلاً نحن نعلم أنّ جميع المكلّفين حين الوضوء يجب عليهم غسل الوجه من قصاص الشعر الى أسفل الذقن، فلو فرضنا أنّ شخصاً له شعرٌ وجبهة غير متعارفة، مثلاً قد نبت شعر رأسه من وسط رأسه وأعلى من جبهته، أو أنّه نزل بحيث إنّه نبت من فوق الحاجب وغطّى بذلك جبهته، فمن الواضح أنّ مثل هذا الشخص لا ينبغي له أن يجعل وضعه الخاص معياراً للتكليف، بل إنّ جميع الفقهاء يرون أنّ مثل هذا الشخص يرجع في وضوئه إلى الأفراد العاديّين ويتوضأ مثلهم.
أو مثلاً في مورد (ماء الكر) فأنّ المقدار الشرعي له كما هو المشهور : ثلاثة أشبار ونصف طولاً، وثلاثة أشبار ونصف عرضاً، وثلاثة أشبار ونصف إرتفاعاً.
ومن البديهي أنّ هذا الحكم ناظرٌ إلى الأشبار المتعارفة والعاديّة، فعلى هذا لو كانت أصابع أحد الأشخاص طويلة وكفّه كبيراً بحيث كان الشبر الواحد منه يعادل شبرين عاديين، فلا يمكنه أن يجعل شبره معياراً للكر، بل يجب عليه العمل وفق الأشبار العادية، ويتخذ بذلك الحدّ الوسط معياراً، وهذا هو ما يقال : أنّ إطلاقات الأحكام والقوانين الكليّة في الشرع ناظرة إلى الأفراد العاديين.
وهذا قانون كليّ وعام، ولايختص بباب معيّن من الفقه، وبذلك إستفاد الفقهاء من هذا القانون حكم الاشخاص الذين يعيشون في المناطق القطبيّة، حتّى أنّ بعضهم قد

[90]

صرّح بذلك في فتاواه بأنّ هؤلاء الأشخاص ينبغي عليهم العمل وفق (المناطق المعتدلة). وهذا يعني أنّه بما أنّ الليل والنهار في تلك المناطق على خلاف المتعارف في المناطق الاُخرى على الكرة الأرضية، فالأشخاص الساكنين هناك يجب عليهم الرجوع إلى الحدّ الوسط، ويؤدّوا مناسكهم وأعمالهم الشرعيّة وفقاً لذلك.
فمثلاً إذا بدأ شهر رمضان من بدايه الصيف هناك، وكان الحدّ الوسط في طول اليوم (من طلوع الفجر إلى المغيب) في المناطق المعتدلة اربع عشرة ساعة، فيجب عليهم في شهر رمضان أن يصوموا في كلّ يوم اربع عشرة ساعة، وعندما يكون شهر رمضان في بداية الشتاء عندهم فيجب عليهم الصيام لمدّة اثني عشر ساعة فى اليوم مثلاً، وكذلك بالنسة إلى الصلاة حيث تتم وفق هذا الحساب.
وعلى هذا الأساس نلاحظ أنّ حكم هذه المسألة والتي يتصوّر البعض أنّها مشكلة عويصة يمكن استنباطها بسهولة من قاعدة كليّة فقهيّة بحيث لا يبقى هناك مجال للشبهة والإشكال.

النتيجة النهائية للبحث

ممّا تقدّم أعلاه تتّضح هذه الحقيقة بشكل سافر، هي أنّ أهالي المناطق القطبيّة لا يجب عليهم صوم جميع الأيّام الطويلة في شهر رمضان كأن يكون اليوم بمثابة شهر عندنا، فلا يجب عليهم الإمساك طيلة ذلك اليوم، أو الاكتفاء بعدّة ركعات لكافّة ذلك اليوم الطويل بل يجب عليهم ملاحظة الاُفق في المناطق المعتدلة ويعملوا وفقه. يعني أن يقوموا باحتساب الأيّام والأسابيع والأشهر طبقاً لما هو موجود في المناطق المعتدلة، وهكذا يكون حساب النهار والليل في مختلف فصول السنة وطبقاً للمناطق المعتدلة كذلك.
وطبعاً كما تقدّم آنفاً، إنّ الظهر الحقيقي في هذه المناطق يمكن معرفته بسهولة من

[91]

خلال حركة الشمس وإرتفاعها إلى الحد الأعلى من الاُفق، وبواسطة شاخص عادي، وبذلك يدخل في دائرة الحديث المعروف (إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين) أي الظهر والعصر، فيشملهم هذا الحديث الشريف.
وكذلك منتصف الليل هناك حيث يُعلم من خلال هبوط الشمس ودنوّها من الاُفق بالحدّ الأدنى، فيعلم من ذلك آخر وقت صلاة المغرب والعشاء بهذه الطريقة(1).
وبهذا الترتيب يُعلم بداية وقت صلاتين من الصلوات اليوميّة الخمسة، ونهاية وقت صلاتين اُخرى دون الاحتياج إلى وسيلة من الوسائل، بل من خلال حركة الشمس فقط.
وتقدّم في معرفة الليل والنهار هناك أنه يتم من خلال زيادة الضوء وقلته في الجوّ بواسطة إرتفاع وانخفاض الشمس. وكذلك من خلال زيادة الظلام وقلّته في الليالي الطويلة في تلك المناطق بشكل محسوس.
والشيء الأخير المتبّقي هو معرفة بداية (طلوع الفجر) وكذلك وقت (غروب الشمس) لأن المفروض أنّ الشمس هناك لا تشرق ولا تغرب إلاّ مرّة واحدة طيلة شهر كامل أو كثير. بل تدور حول الاُفق. والطريق إلى معرفة ذلك هو الرجوع إلى بداية الفجر والمغرب في المناطق المعتدلة. وبعبارة اُخرى، إنّهم يمكنّهم الاعتماد على تقويم بسيط كما هو موجود في المناطق المعتدلة فى تعيين بداية شهر رمضان عندنا، ويمكنهم العمل وفق ذلك.
وبعبارة أوضح أيضاً : إنّهم باستطاعتهم الاستماع إلى أذان الصبح في المناطق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إن نصف الليل المتحصل بهذه الطريقة يعادل نصف ما بين غروب وشروق الشمس، بينما  نصف الليل الشرعي هو نصف ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ولهذا يكون منتصف  الليل الشرعي قبل منتصف الليل المتعارف قليلاً.

[92]

المعتدلة، ويشرعون في صومهم، وعندما يسمعون أذان المغرب في المناطق المعتدلة كذلك يفطرون. (وطبعاً يجب الأخذ بنظر الاعتبار محل منطقة الأذاعة وضرورة كونها موافقة لمحل سكن الشخص من حيث الاُفق، أي أن تقع النقطتان على خطّ نصف النهار، مثلاً الأشخاص الذين يسكنون في شمال فنلاند يمكنهم الاستفادة من الأذاعات التي تبث برامجها في المناطق المعتدلة التي توازيهم في الاُفق.

ملاحظات

1 ـ قد يسأل بعض الأشخاص : نحن نعلم أنّ المناطق المعتدلة ليست متساوية، فلا يتساوى الليل والنهار فيها جميعاً، مثلاً نلاحظ أنّ بداية فصل الصيف في بعض هذه المناطق تستغرق خمس عشرة ساعة في اليوم، وفي بعضها الآخر أربع عشرة أو وثلاث عشرة ساعة، وهذا الاختلاف يرتبط ببعدها وقربها عن خط الاستواء.
الجواب :
يمكن حل هذه المشكلة مراجعة الحدّ الوسط في المناطق المعتدلة (وبالأصحّ الحد الوسط في المناطق غير القطبيّة التي تتمتّع بليل ونهار متعارفين) يعني أن أهالي المناطق القطبيّة يمكنهم إتخاذ المدار 25,33 درجة مثلاً معياراً لهم (أي متوسط 5,66درجة).
2 ـ ويمكن أن يعترض البعض  أيضاً: أنّ هذا الحكم بالرغم من سهولته ووضوحه وإمكان تحقّقه في عصرنا الحاضر بوجود الساعة وكذلك الاذاعة، ولكنّ الإشكال في الأشخاص الذين لا يمتلكون هذه الوسائل، فما هي وظيفتهم الشرعيّة ؟
الجواب :
أنّه كما تقدّم في معرفة وقت الظهر ومنتصف الليل في تلك المناطق لايحتاج عندها

[93]

إلى الساعة وغيرها، وإنّما يحتاج إليها لمعرفة طول النهار والليل هناك، فلو لم يحصل الأشخاص هناك على هذه الوسائل والأدوات كالساعة والاذاعة لتعيين الوقت، أو كأن يكون الجو غائماً مثلاً، فإنّ وظيفتهم هو العمل وفق التخمين والظنّ، وفي صورة التمكّن من الاحتياط، يجب عليه العمل وفق التخمين والحدس.
3 ـ ويمكن أن يسأل بعض الأشخاص  أيضاً: إنّ إرتفاع وإنخفاض الشمس طيلة أربع وعشرين ساعة في المناطق القطبيّة التي هي وسيلة لمعرفة الظهر ومنتصف الليل لاتوجد في مدار تسعين درجة لأنّ الشمس هناك تتحرك بشكل دائري دون إي إرتفاع وإنخفاض (وقد تقدّم مراراً أنّ الحقيقة هي دوران الأرض حول نفسها، ولكنّ الناظر يرى أنّ الشمس هي التي تدور ظاهراً).
والخلاصة أنّه بالنسبة إلى هذه النقطة حيث إنّ الشمس في الاُفق تدور دون إرتفاع أو انخفاض، فليس للظهر ومنتصف الليل أي مفهوم هناك.
الجواب : أنّ المدار تسعين درجة في حقيقته هو نقطة وهميّة، أو يمكن القول أنّ المدار تسعين درجة إنّما هو قطعة صغيرة من الأرض بحيث لو تجاوزناها قليلاً فسوف نحصل على ارتفاع وإنخفاض الشمس، وظهور وقت الظهر ومنتصف الليل، ويمكننا حينئذ العمل بوظائفنا الشرعيّة بصورة كاملة.
4 ـ ويمكن أن يتساءل أنّه بعد الفراغ من توضيح الوظائف الشرعيّة للمكلّف فى الأيّام الطويلة هناك، فما العمل في الليالي الطويلة ؟
الجواب : كما تقدّم في البحث أنّ «النجوم» في هذه الليالي لها وضع مماثل بوضع الشمس في النهار. أي أنها تدور حول الاُفق دائماً. فتارة يرتفع ويزداد ابتعادها عن الاُفق، واُخرى ينخفض، فلو أُخذت نجمة واحدة قريبة من الاُفق، فيمكن معرفة الظهر ومنتصف الليل من الحدّ الأعلى والأدنى في ارتفاعها وانخفاضها.

[94]

ومن مجموع ما ذكرنا من ايضاحات حول هذه المسألة اتّضح جيداً أنه لا شمس في منتصف الليل في «فنلاند» قد عرّضت الإسلام للخطر، ولا أن أهالي تلك المناطق لو كانوا مسلمين يواجهون حيرة شديدة في اداء التكاليف الشرعية. ولا أن هذه المسألة مشكلة عويصة يصعب حلّها!

* * *


[95]


4 ـ رسالة في جواز الانشاء بالكتابة في العقود والايقاعات


[96]

[97]


جواز الانشاء بالكتابة في جميع العقود والايقاعات

المشهور بين الأصحاب بل ادّعى الاجماع عليه غير واحد منهم عدم جواز الانشاء بالكتابة حتّى جعلوها في عداد إشارة الأخرس بل أهون منه، مع أن المتعارف في عصرنا بين أهل العرف والعقلاء إنشاء العقود الخطيرة بالكتابة والتوقيع على الوثائق المكتوبة بل لايقبلون ما عداها في بعض هذه العقود، وطريق الانشاء فيها منحصر بالكتابة.
وقد شاع هذا الأمر حتّى صار من الواضحات لاسيّما في العقود الخطيرة الدارجة بين الدول، فلا يعتنون بعقد لفظي مطلقاً حتّى يثبت بالكتابة والتوقيع عليها، فانشائها لا يكون إلاّ بهذا التوقيع وفي غيرها يقبلون العقود اللفظية والكتابة، فكلّ واحد منهما معتبر عندهم، مع أن ظاهر كلمات الأصحاب لا يساعد عليها.
والأقوى جواز الانشاء بها مطلقاً في الاُمور اليسيرة والخطيرة وليس من قبيل إشارة الأخرس ولا من قبيل بيع المعاطاة وتحقيق الحال فيها يحتاج الى رسم اُمور :
1 ـ بيان الأقوال في المسألة.
2 ـ حقيقة الانشاء ما هي ؟
3 ـ ما الدليل على لزوم الانشاء في العقد ؟
4 ـ هل يتحقق الانشاء بالكتابة ؟
5 ـ دليل القائلين بعدم الجواز وجوابه.
6 ـ دليل القول بالجواز.
7 ـ تنبيهات المسألة.
فنقول ـ ومنه جلّ ثنائه نستمد التوفيق والهداية.

* * *

[98]


المقام الأوّل : الأقوال الواردة في المسألة

وهي خمسة :
الأول : عدم كفاية الكتابة مطلقاً لا في التمليك، ولا في الاباحة من جهة اندراجه في المعاطاة، كما ذكره السيّد السند والحبر المعتمد بحر العلوم (قدس سره) في «المصابيح» حيث قال :
«لاينعقد البيع بالإشارة ولا الكتابة، ولا الصفقة، ولا بمثل الملامسة والمنابذة والحصاة، وإن قرنت بما لايقتضي تعليقاً ولا جهالة، فلا يفيد شيء منها ملكاً ولا إباحة، بالأصل والاجماع، وقصور الأفعال عن المقاصد الباطنية... وغايتها الظنّ، ولا يغنى، لعموم المنع منه في الكتاب والسنّة، وللاتفاق على توقف الأسباب الشرعية على العلم أو الظن المعتبر شرعاً، فلا يكفي مطلق الظنّ، ولأن المعاملات شرعت لنظام أمر المعاش المطلوب لذاته، ولتوقف أمر المعاد عليه، وهي مثار الأختلاف، ومنشأ النزاع والتراجع، فوجب ضبطها بالأمر الظاهر الكاشف عن المعاش المقصودة بها... وإلاّ كان نقضاً للغرض» (انتهى محل الحاجة).
وهو كما ترى صريح في عدم إفادة الكتابة شيئاً، وكونها في عداد بيع الملامسة والمنابذة.
ومثله ما في «القواعد» في كتاب «الوصية» بعد فرض عجز الموصي عن النطق

[99]

بها «أنه لا تكفي الكتابة بدون الاشارة أو اللفظ»، وقد حكى الاجماع في الايضاح على ذلك.
وفي التنقيح «أنه لا خلاف فيه».
وفي جامع المقاصد «نفي الشكّ فيه».
وصرّح بعدم الكفاية في الجامع والتذكرة في موضعين منها.
وفي التحرير والتبصرة وإيضاح النافع وغيرها.
وقال في السرائر في باب «القضاء» : «لو أوصى بوصية وأدرج الكتاب وقال قد أوصيت بما أردت في هذا الكتاب... وقد أشهدتكما عليّ بما فيه لم يصحّ بلا خلاف».
وذكر في «مفتاح الكرامة» بعد نقل عبارة السرائر كلاماً نصّه : «لعصمة الأموال وعدم الدليل، مع أن ما لا احتمال فيه وهو اللفظ ممكن».
وظاهر كلام العلاّمة في «التذكرة» أيضاً ذلك حيث قال : « لاتكفي الكتابة ولا الاشارة لامكان العبث».

* * *

الثّاني : أفادتها للاباحة دون الملك كما عن الروضة : «أن الكتابة والاشارة تفيدان الاباحة كالمعاطاة».

* * *

الثّالث : كفاية الكتابة في حال العجز دون القدرة كما قال الشهيد الثاني (قدس سره) في «المسالك» بعد قول المحقّق : «ويقوم مقام اللفظ الاشارة مع العذر كما في الأخرس» ما نصّه : «وفي حكمها الكتابة على ورق أو لوح أو خشب أو تراب ونحوها» ثمّ قال : «وأعتبر العلاّمة بالكتابة إنضمام قرينة تدلّ على رضاه».
وقال شيخنا الأعظم في مكاسبه :« والظاهر أيضاً كفاية الكتابة مع العجز عن

[100]

الاشارة، لفحوى ما ورد من النصّ على جوازها في الطلاق، مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه، وأمّا مع القدرة على الاشارة فقد رجح بعض الاشارة، ولعلّه لأنها أصرح في الانشاء من الكتابة، وفي بعض روايات الطلاق ما يدلّ على العكس وإليه ذهب الحلّي هناك» (انتهى).

* * *

الرّابع : جواز الاكتفاء بالكتابة في بعض الأبواب مثل ما عن ابن حمزة وابن البرّاج تبعاً للشيخ في النهاية من القول بكفاية الكتابة في الطلاق، اذا كان الزوج غائباً عن الزوجة.
وإن رماه في الجواهر (في كتاب الطلاق) بالشذوذ، بل حكى الاجماع في مقابله، كما رمى الرواية المعتبرة الدالّة على جواز ذلك طلاق الغائب(1) أيضاً بالشذوذ.
ولكن صرّح في «المسالك» بالعمل بهذه الرواية الصحيحة وعدم جواز حملها على حالة الاضطرار، وبأنها أخص من الروايات المطلقة الدالّة على عدم الجواز ثمّ قال : «وممّا يؤيد الصحّة أن المقصود بالعبارة الدالّة على ما في النفس والكتابة أحد الخطابين كالكلام، والإنسان يعبّر عنها في نفسه بالكتابة كما يعبّر بالعبارة».
ثمّ قال : «نعم هي أقصر مرتبة من اللفظ وأقرب الى الاحتمال ومن ثمّ منع من وقوع الطلاق بها للحاضر، لأنه مع الحضور لا حاجة الى الكتابة بخلاف الغيبة للعادة الغالبة بها فيها» انتهى محل الحاجة من كلام المسالك.
وحكى في «مفتاح الكرامة» عن بعضهم (من دون تسميته بعينه) الاكتفاء بالكتابة في إيجاب الوكالة.
ويظهر من جماعة من أعلام العصر كفاية الكتابة في أبواب الوصية بل بكلّ فعل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجواهر : ح 3 من ب 14 من أبواب مقدمات الطلاق.

[101]

دالّ عليها، وحكاه في «المستمسك» أيضاً عن «المناهل» و«الرياض» وفي «الجواهر» لعلّه الظاهر من «النافع».
لكن المشهور عدم جوازه، بل عن رسالة شيخنا الأعظم ظهور عدم الخلاف فيه.
وعن الجواهر بعد إختيار الجواز أنه قال : «إلاّ أنه ليس عقداً لها ـ أي للوصية ـ فهو شبه المعاطاة في العقود اللازمة التي تندرج في الأسم ولايجرى عليها حكم العقد.

* * *

الخامس : جواز العقد بالكتابة عند الاختيار مطلقاً، وقد ذكر ذلك بصورة الاحتمال في «التذكرة» في بعض كلماته من كفاية الكتابة مع القدرة على النطق، كما حكاه عنه في «مفتاح الكرامة» في كتاب الوصية، بل استظهره من عبارة «النافع».
واستدلّ في التذكرة لما ذكره من احتمال الجواز بأن الكتابة بمثابة كنايات الألفاظ، وقد قدّمنا جواز الوصية بالكناية التي ليست صريحة في دلالتها عليها مع القرينة.
ولكن جزم في التذكرة بعد الاحتمال المذكور بعدم كفايتها مع القدرة والاختيار.
هذا ما يظهر من كلماتهم (قدس سرهم) في أبواب «البيع» و «الوصية» و«الطلاق» و «الوكالة» وغيرها وهي كما ترى لا تخلو عن تشويش واضطراب كما أن أدلتهم على نفي الجواز قد تكون خارجة عن محل الكلام كما سيأتي الاشارة إليها تفصيلاً عند ذكر الأدلّة بعون الله تعالى فليكن على ذكر منك حتّى نتلو عليك منه ذكراً.

* * *

[102]


المقام الثّاني : في حقيقة الانشاء

المعروف بين أرباب التحقيق أن الانشاء هو : «إيجاد المعنى باللفظ» ولكن أورد عليه «بعض أعاظم العصر» بما حاصله : «إن الايجاد إن كان بمعنى الايجاد الخارجي فهو ضروري البطلان، بداهة أن الموجودات الخارجية مستندة إلى عللها الخاصّة التكوينية فالنار لا تكون إلاّ بعلتها، وكذا الماء والشجر والحجر، وإن كان المراد الايجاد الاعتباري في نفس المتكلّم فهو أيضاً واضح الفساد، لأن الاعتبار النفساني من أفعال النفس لا حاجة له إلى الألفاظ مطلقاً، وإنّما يحتاج إلى الألفاظ لابراز ما في النفس.
وإن كان المراد منه اعتبار العقلاء فهو موقوف على تحقق الانشاء أولاً من المنشىء حتّى يعتبر العقلاء ويمضيه الشرع.
وبالجملة لا يعقل معنى محصل لتعريف الانشاء بايجاد المعنى باللفظ، بل الحقّ أنه إبراز الاعتبار النفساني بمبرز خارجي كما أن الخبر إبراز قصد الحكاية انتهى ملخصاً(1)».
أقول : أوّلاً : كون الانشاء أمراً ايجادياً فهو أمر وجداني لا ينبغي الشكّ فيه، سواء في البيع والهبة والنكاح بل وفي مثل النداء والتمني والترجي وأشباهها، يجد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الفقاهة : ج 2 ص 50.

[103]

ذلك كلّ من اختبر نفسه عند انشاء شيء.
فالوجدان اَصْدق شاهد على أنه عند ذكر هذه الصيغ بقصد الانشاء يوجد أمر، اعتباري، فقول القاضي «حكمت وقضيت بأن هذا المال لفلان» وكذلك قول العاقد «انكحت وزوجت فلانة من فلان» وهكذا قول الشاعر.
«فياليت الشباب يعود يوماً» يوجد أمراً اعتبارياً لم يكن من قبل لا أنها كاشفات عن اُمور اعتبارية حصلت من قبل في نفس المتكلّم، ثمّ يخبر عنها بهذه الاُمور، ويكشف عن وجودها بهذه الألفاظ، وإن شئت اختبر نفسك عند انشاء بعض العقود تجد ما ذكرناه أمراً ظاهراً بيّنا.
وثانياً : لو كان الانشاء ابراز الاعتبار النفساني كان كالخبر يحتمل الصدق والكذب، فإن القائلين بأن الانشاء لا يحتمل الصدق والكذب إنّما ذكروا ذلك لكونه أمراً ايجادياً، ومن الواضح أن الايجاد ليس حكاية عن شيء حتّى يقبل الصدق والكذب، وأمّا إذا قلنا أنه ابراز ما في الضمير والأخبار عن وجود الاعتبار في النفس، فهو كالخبر يحتمل الصدق والكذب، مع أنه خلاف المتفق عليه بينهم.
إن قلت : بين الخبر والانشاء فرق واضح فإنه ليس في الانشاء وراء الاعتبار النفساني شيء في الخارج، ولكن في الأخبار وراءه شيء آخر.
قلت : هذا الفرق غير فارق، فإنه إذا ذكر أمر ولم يطابق الأمر الثابت في النفس كان كذباً في إبرازه وإظهاره لا محالة، فكان المجري للصيغة بقوله «بعت» يقول إني اعتبرت في نفسي كون هذا المال لفلان في مقابل ذاك الثمن ومن الظاهر إن هذا أمر يحتمل الصدق والكذب، فإن كان الاعتبار موجوداً في نفسه كان صدقاً وإلاّ كان كذباً.
وثالثاً : ـ وهو العمدة ـ أن حقيقة الانشاء ليست مجرد الاعتبار النفساني ولا مجرد الألفاظ، بل هو اعتبار عقلائي يوجد بأسبابه المعدّة له وبما دلّ عليه من

[104]

الألفاظ أو غيرها مع النيّة والقصد.
توضيح ذلك : أن حقيقة الملكية مثلاً كانت في بدأ الأمر هي السلطة الخارجية على شيء، وكان تمليك الغير شيئاً هو تسليطه عليه في الخارج.
ثمّ لما أخذت المجتمعات البشرية تتسع نطاقها تبدلت هذه السلطة التكوينية الخارجية إلى شكل اعتباري قانوني، وقام الانشاء مقام الإعطاء الفعلي الخارجي، فمجرد الاعتبار النفساني لا أثر له عند العقلاء، ولا يوجد السلطة الاعتبارية القانونية وإنّما توجد هذه السلطة بالفاظ أو أفعال وضعت لها مع قصد ايجادها بها، فانشاء الملكية هو ايجاد اعتبار عقلائي قانوني بأسبابه، لا ايجاد أمر تكويني، بل ولا ايجاد اعتبار نفساني حتّى لايحتاج إلى الألفاظ، بل هي ايجاد سلطة قانونية عقلائية على شيء وهذا المعنى يحتاج عندهم إلى أسباب خاصّة مع قصد ايجادها وكذلك الطلاق مثلاً هو انفصال قانون عقلائي بين الزوج والزوجة بأسبابها، وهكذا في سائر الاُمور الانشائية من العقود والايقاعات.
فما ذكره (دام علاه) أنه لا معنى محصل لتعريف الانشاء بايجاد المعنى باللفظ غير موافق للتحقيق، فإن الوجود الخارجي والنفساني لايحتاجان إلى الألفاظ ولكن الاعتبارات العقلائية تابعة لأسبابها والألفاظ وشبهها إنّما هي أسباب لايجاد الاعتبارات العقلائية.
لا أقول أن حقيقة الانشاء هي ذكر الألفاظ وشبهها، بل أقول أنها ايجاد اعتبارات عقلائية بهذه الأسباب مع النيّة والقصد فتدبر فإنه حقيق به.

* * *

[105]


المقام الثّالث : في بيان الدليل على لزوم الانشاء في العقود والايقاعات

والظاهر أنه أمر واضح لايحتاج إلى مزيد بيان ومؤنة برهان بعد ما عرفت، لأن الوجودات على ثلاثة أقسام :
«وجودات خارجية تكوينية» مرهونة بأسبابها الخارجية لا تنالها يد الجعل ولا مجال له فيها.
و«وجودات ذهنية» يخلقها الذهن بقوته الإلهيّة.
و«وجودات اعتبارية» وهي وإن كانت بالحمل الشايع من الوجودات الذهنية فإنها موجودة في صقع الذهن، ولكنّها من جهة اُخرى اُمور فرضية يفرضها الذهن على حذو نظائرها الخارجية، فالرأس له وجود خارجي تكويني، وأمّا الرئيس الذي له رئاسة على قوم فهو بمنزلة الرأس للقوم(الذي يكون وجوده الجمعي أمراً اعتبارياً، وإن كانت اشخاصهم اُموراً تكوينية) فيفرضونه رأساً لهم، ولكن هذا الفرض ليس مجرّد خيال أو وهم، بل له آثار عقلائية خارجية عندهم.
وكذا «الزوج» له مصداق خارجي تكويني، وهو من يكون قريناً لشيء افخر في الخارج وعدلاً له، وله مصداق اعتباري يعتبرها المعتبر على هيئة المصداق الخارجي فيجعل «فاطمة» مثلاً زوجة لزيد، و«زيداً» زوجاً لها، وهذا الفرض له

[106]

آثار كثيرة من جانب القوانين العقلائية، وهكذا بالنسبة إلى «الملكية» فإن لها مصداق حقيقي تكويني، وهو ما كان مشتملاً على سلطة وإحاطة خارجية كسلطة الإنسان على أعضائه، والنفس على تصوراتها وتصديقاتها، ولها مصداق اعتباري يفرضها الفارض، وهذا الفرض إذا كان مقارناً لشرائط خاصّة يكون منشاءاً لآثار كثيرة عند العقلاء.
ومن هنا يظهر أن الاُمور الاعتبارية لا تتحقق بدون الانشاء، أي الايجاد في عالم الاعتبار، وهذا من قبيل القضايا التي قياساتها معها، فإن الزوجية الاعتبارية القانونية ليست من الاُمور التكوينية، ولا من الوجودات الذهنية المتخذّة من الخارج، بل لها وجود اعتباري يكون أمره بيد المعتبر، فالانشاء قوام لها، وهكذا سائر الاُمور الاعتبارية من «الحرية» و«الرقية» و«الملكية» و«الحجيّة» وغير ذلك.
والانشاء لا يكون إلاّ بأسبابه التي تكون عند العقلاء، فلو اشترطوا في انشاء الملكية الألفاظ خاصّة دون الكتابة والفعل، فلابدّ من اقتفاء آثارهم، ولولم يشترطوا ذلك بل أجازوا الانشاءات بكلّ ما يكون ظاهراً فيه، من القول والفعل والكتابة، كانت له آثاره.
ومن المعلوم أن الاُمور الاعتبارية الانشائية كانت دائرة بين العقلاء وأهل العرف قبل الإسلام وظهور نبينا (صلى الله عليه وآله) بل من أقدم العصور الإنسانية بل لا نعرف زماناً كان الإنسان فيه موجوداً ولم تكن هناك الاُمور الاعتبارية ولو بشكل بسيط.
فبناء الشارع المقدس فيها على الامضاء، لا التأسيس، نعم ورد في الشرع اعتبار أسباب خاصّة كاللفظ مثلاً، والغى اعتبار غيرها، لابدّ من اقتفائه، كما لعلّه كذلك في بابي الطلاق والنكاح، وأمّا لو لم يردّ منع عن شيء منها فهذا دليل على امضائه، وسنتكلم إن شاء الله عن ورود منع بالنسبة إلى الانشاء بالكتابة وعدمه في بعض المقامات.

* * *

[107]


المقام الرّابع : هل يتحقّق الانشاء بالكتابة ؟

قد عرفت أن تحققه بها في أعصارنا من الواضحات، بل الفرد الأصيل من الانشاء عندهم هو هذه، بل لا يمضي بعض المعاملات الخطيرة والعهود المهمّة الدولية إلاّ بها أي بالتوقيع على اسنادها، ولايكتفي فيها بمجرد اللفظ، ولو كان بقصد الانشاء، وكذا في مثل جعل مقام الرئاسة فلا يكون الرئيس رئيساً سياسياً على قوم حتّى يمضي حكمه من ناحية من يكون الانشاء بيده بطريق الكتابة، فرئيس الجمهورية لا يرتقي هذا المقام بمجرد الانشاء اللفظي، بل لابدّ من انفاذ حكمه في خطاب خاصّ به عن طريق الكتابة، إلى غير ذلك من الاُمور الانشائية الاعتبارية في أبواب المعاملات وغيرها فإن نطاق الانشاء واسع جداً.
back page fehrest page next page