back page fehrest page next page

وبالجملة أمر الانشاء متسع عندهم قد يكون بأسباب لفظية، واُخرى بالأفعال كما في أبواب المعاطاة، وثالثة بالكتابة، وهي العمدة في الاُمور المهمّة والخطيرة اليوم.
وممّا ينبغي التنبيه عليه هنا أنه من الممكن تبدل هذه الأسباب العقلائية بمرور الزمان، ففي الأزمنة السابقة التي لم تكن الكناية رائجة بين الناس وكان الأميون هم الأكثرية في الجوامع البشرية لم يكن للأنشاء بالكتابة عندهم قيمة إلاّ في موارد نادرة.
وأمّا الآن فهي أمر رائج في جميع المجتمعات البشرية والانشاء بالكتابة له قيمة

[108]

كبيرة عندهم وحيث إنها أضبط وأمتن من الألفاظ فلا يدور رحى المعاملات الخطيرة عندهم إلاّ عليها.
ومن الواضح أن الموضوعات أمرها بيد العرف وإنّما تؤخذ الأحكام من الشرع، فلو رتب الشارع المقدس وجوب الوفاء على العقد وكان هناك عقد معتبر عند العقلاء كان داخلاً في عموم هذا الحكم، وإن كان عقداً مستحدثاً لم يكن في سابق الأزمنة، وهكذا أسباب الانشاء، وهذا أمر ظاهر لا غبار عليه ولا يعتريه الشكّ.
إن قلت : أن عناية العقلاء بأمر الكتابة ليست لانشاء العقود بنفس الكتابة بل لضبط نتيجة الانشاء اللفظي وتثبيت حاصل العقود التي اُجريت صيغها بالألفاظ نظير ما ورد في كتابة الديون في آية سورة البقرة في كتاب الله.
قلت : كلاّ، بل الانشاء يقع بنفس ذاك التوقيع والامضاء، والشاهد عليه أنه قبل الامضاء في سند البيع والاجارة وغيرهما يمكنه أي تغيير في المعاملة، بل تركها من أصلها ولكن بمجرّد الامضاء من الجانبين يتم أمرها ولا يبقى للعدول والتغيير والابطال والفسخ مجال أصلاً إلاّ بأسبابها الخاصّة، وهذا أوضح شاهد على أن الانشاء لا يكون إلاّ بالتوقيع والامضاء.
هذا مضافاً إلى ما نجده بالوجدان فيما هو المتعارف في الخارج أنه لا يكون هناك صيغة كلامية وانشاء لفظي في هذه المعاملات غالباً بل لايكون قبل امضاء الاسناد والتوقيع عليها إلاّ مقاولات غير رسمية، وهذا أمر ظاهر لكلّ من راجع ديدنهم في هذه الأبواب.
فالقول بأن الانشاء في هذه الأسناد يقع باللفظ قبل الكتابة أمر مخالف للوجدان ومباين للمحسوس والمقطوع.

* * *

[109]


المقام الخامس : أدلّة القائلين بعدم جواز الانشاء بالكتابة

وهي اُمور كثيرة يطلع عليها المتتبع في مطاوي كلمات الأصحاب (زاد الله في شرفهم وعلو مقامهم) غير مجموعة في شيء من مصنفاتهم، منها :
1 ـ «الأصل» والمراد به أصالة الفساد المعروفة في أبواب المعاملات، ذكره المحقّق الطباطبائي ما عرفت من كلامه في «المصابيح».
2 ـ «الاجماع» المدّعى في كلمات القوم، وقد عرفت في المقام الأوّل دعواه من قِبَل كثير منهم بعبارات مختلفة، تارة بلفظ الاجماع ـ كما في المصابيح ـ واُخرى بعدم الخلاف فيه ـ كما في التنقيح ـ وثالثة الشكّ فيه ـ كما في جامع المقاصد وغيره.
3 ـ ما أشار إليه في «المصابيح» أيضاً من أن الأفعال ـ ومنها الكتابة ـ قاصرة عن أفادة المقاصد الباطنية وغايتها الظنّ، وهو لايغنى من الحقّ شيئاً، لعموم المنع منه في الكتاب والسنّة، وإليه يرجع ما في كلام شيخنا الأعظم من عدم الصراحة فيها.
4 ـ ما أفاده المحقّق المذكور أيضاً، من أن الركون إلى الكتابة مخالف لمقاصد الشارع المقدس في هذا الباب، لأن من مقاصده حفظ النظام، والمعاملات إنّما شرعت لنظام أمر المعاش المطلوب لذاته ولأمر المعاد، وهي مثار الخلاف ومنشأ النزاع، فالواجب ضبطها بالأمر الظاهر الواضح الكاشف عن المعاني المقصودة لا بمثل الكتابة، حتّى لايكون نقضاً للغرض.

[110]

5 ـ ما أشار إليه في «مفتاح الكرامة» والظاهر أنه مقتبس من كلمات اُستاده السيّد السند بحر العلوم، وحاصله أن الأسباب الشرعية توقيفية إنّما تثبت بالتلقي من الشارع، وحيث لم يثبت جواز الانشاء بالكتابة فلابدّ من الحكم بعدمه، وهكذا الحال في جميع الاُمور التوقيفية.
6 ـ ما يستفاد من كلام «العلاّمة» (قدس سره) في ما عرفت منه عند نقل الأقوال وهو إمكان العبث في الكتابة، وعدم كونها صادرة عن جدّ، ولايجوز الانشاء بمثل ذلك.
7 ـ ما يظهر من بعض كلمات الفقيه الماهر صاحب الجواهر أنه لا يصدق عليها عنوان «العقد» فهو شبه المعاطاة في العقود اللازمة التي تندرج في الأسم، ولا يجرى عليها حكم العقد، فلا يشمله أدلّة وجوب الوفاء بالعقود.
8 ـ ما يستفاد من قوله (عليه السلام) «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» ومفهوم الحصر هنا عدم صحّة العقد بغير الألفاظ، وقد استدلّ به على بطلان المعاطاة أيضاً في مختلف أبواب العقود.
وبهذا المضمون روايات كثيرة ولكن عمدتها ما رواه يحيى بن الحجاج (أو يحيى ابن نجيح) عن خالد بن الحجاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)الرجل يجيء فيقول : اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال : «أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ ؟ قلت : بلى، قال : لابأس به إنّما يحل الكلام ويحرّم الكلام»(1).
وقد صرّح بعضها بأن فيه دلالة على عدم انعقاد البيع بغير الصيغة فلا يكون بيع المعاطاة معتبراً.
هذا وقد ذكر شيخنا الأعظم فيها احتمالات أربعة :
1 ـ أن المراد حصر المحلّل والمحرّم في الكلام (وحينئذ تدلّ على المطلوب فيما
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 كتاب التجارة أبواب أحكام العقود ب 8 ح 4.

[111]

نحن فيه وفي أبواب المعاطاة).
2 ـ أن المراد كون بعض التعابير موجباً للحلّية وبعضها موجباً للحرمة كعقد النكاح، لو أنشأ بلفظ النكاح كان حلالاً، ولو أنشأ بلفظ التمليك كان حراماً.
3 ـ المراد أن كلاماً واحداً يكون في مقام محلّلاً وفي مقام آخر محرّماً كانشاء بيع ما لا يملك قبل تملكه وانشائه بعده.
4 ـ المراد أن المقاولة في بيع ما ليس عنده محلّل ولكن ايجاب البيع محرّم فلو قلنا بظهورها في الاحتمال الأوّل أمكن التمسك بها في المقام :
9 ـ الروايات الخاصّة الواردة في بعض الأبواب مثل أبواب الطلاق الظاهرة في انحصار الصيغة في الألفاظ والأقوال، ومفهومها عدم صحّة الانشاء بالكتابة، مثل ما رواه في الوسائل في أبواب مقدمات الطلاق عن الحسن بن زياد عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : «الطلاق أن يقول الرجل لامرأته اختاري، فإن اختارت نفسها فقد بانت منه، وإن اختارت زوجها فليس بشيء، أو يقول أنت طالق فأي ذلك فعل فقد حرمت عليه»(1).
وما رواه بسند صحيح عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : «الطلاق أن يقول لها اعتدي أو يقول لها أنت طالق»(2).
إلى غير ذلك ممّا يدلّ على حصر انشاء الطلاق بالألفاظ والأقوال ممّا ورد في ذلك الباب بعينه، أو سائر أبواب الطلاق.
هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به للقول بالبطلان، ولكن الانصاف أن كلّها وجوه ضعيفة قاصرة عن أفادة المقصود، وربّما يرجع بعضها إلى بعض، ولكن أوردناها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 15 كتاب الطلاق أبواب مقدماته ب 16 ح 7.
(2) نفس المصدر : ح 4.

[112]

بعينها لذكرها من كلمات القوم في كتاب التجارة والوصية والطلاق أو غيرها.

* * *

وعلى كلّ حال يمكن الجواب عن الجميع.
أمّا عن الأوّل : فبأن التمسّك بالأصل إنّما يصحّ إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي دالّ على المطلوب، والظاهر أن عمومات صحّة العقود، وكذلك اطلاقات أدلّة حلية البيع وغيره، تشمل العقود والايقاعات التي أنشئت بالكتابة، لما عرفت من إمكان الانشاء بها بل وتعارفها واشتهارها في عصرنا، حتّى أن الكتابة اليوم من أظهر مصاديق الانشاء، ولعلّها لم تكن بهذه المثابة في الأعصار السابقة، لعدم معرفة أكثر الناس بها، والموضوعات العرفية تابعة لما يتعارف ويتداول بين أهل العرف، وإنّما تؤخذ أحكامها من الشرع.
وعلى كلّ حال، هي من أظهر ما يتمّ به انشاء العقود في العصر الحاضر لما عرفت من أن أسناد المعاملات الخطيرة إنّما تتم بالتوقيع عليها، بل قد لايعدّ مجرد الانشاء اللفظي في مثل هذه الاُمور أزيد من المقاولة، والانشاء الحقيقي في بعض المقامات إنّما هو بالكتابة والتوقيع عندهم، ولا أقل من أن الانشاء بالكتابة في حدّ الانشاء بالألفاظ والأقوال وحينئذ تكون داخلاً في العمومات والاطلاقات ومعه كيف يصحّ التمسّك بأصالة الفساد.
وعن الثّاني : بأن دعوى الاجماع في هذه المسألة التي يعلم مستند فتاوي المجمعين من الأدلّة ولا أقل من احتمال استنادهم إليها، بعيدة جداً، لعدم إمكان كشف قول المعصوم (عليه السلام)من هذه الفتاوي، مضافاً إلى ما عرفت من التشويش والاضطراب في أقوال المجمعين، وفتوى جمع من أعلام العصر بجواز الاكتفاء بالكتابة في باب الوصيّة، بل وفتوى بعضهم بجوازها في الوكالة، وما عرفت من كلام العلاّمة (قدس سره) في التذكرة من احتمال جواز الاكتفاء بها في جميع أبواب العقود.

[113]

وبالجملة حال الاجماع في هذه المسائل معلوم لايمكن الركون إليه لاثبات حكم شرعي.
وعن الثّالث : بأنه لا قصور في الكتابة إذا كانت بألفاظ صريحة أو ظاهرة في أفادة المراد، وقد ثبت في محله حجّة ظواهر الألفاظ سواء كانت مسموعة أو مكتوبة، ولذا نعتمد على ظواهر كتاب الله والسنّة بغير إشكال، ولا نزال نستدلّ بالآيات والأحاديث الواردة من الطرق المعتبرة، فأي قصور في ظهور الكتابة في أفادة المراد ؟ بل قد تكون الكتابة أظهر وأصرح من الألفاظ المسموعة.
نعم، لابدّ من ثبوت كون الكاتب في مقام الانشاء والجدّ، ويثبت ذلك بالقرائن الموجودة كما هو كذلك بالنسبة إلى الانشاء اللفظي فإنه لابدّ من احراز كون المتكلّم في مقام الجدّ أمّا بقرائن خاصّة أو بالأصل.
والأمر سهل في أعصارنا بعد وجود الدفاتر المعدّة لضبط الأسناد والعقود، والحضور عند هذه الدفاتر والتوقيع عليها من أقوى القرائن على إرادة الانشاء بالكتابة، بل لا يضاهيها شيء من القرائن اللفظية، بحيث لا تقبل دعوى المنكر وقوله بأنه كان هازلاً أو شبه ذلك.
ومن هنا يعلم أن ظهور الكتابة ليس من الظنون الممنوعة كما أشار إليه السيّد الطباطبائي (قدس سره) في بعض كلماته، بل هو من الظنون المعتبرة عند العقلاء طراً، من جميع الاُمم وفي جميع الامصار والبلاد كما هو ظاهر، وبالجملة الكتابة أضبط وأمتن من التكلّم، وأدق وأوضح منه، فكيف جعله شيخنا الأعظم في عداد إشارة الأخرس، بل احتمل أن تكون الاشارة أصرح منها، وهذا من غرائب الكلام.
وعن الرّابع : بأن الانشاء بالكتابة لايكون مخلاًّ للنظام، ومثاراً للخلاف ومنشأً للنزاع بل الأمر بالعكس، فالقاطع للخصومة والحاسم للنزاع هو ضبط الانشاءات بالكتابة فإنها قوية البرهان، ظاهرة الدلالة، باقية ببقاء الدهر، لا يمكن إنكارها

[114]

ونفيها بخلاف الألفاظ والعبارات التي، لا بقاء لها ولا دوام.
فمن وقّع على سند من أسناد البيع والشراء وامضاه بقصد انشاء التمليك، فقد أنشأ البيع بأوضح البيان من غير حاجة إلى بيان لفظي، ولذا يكون المدار الأصلي اليوم عليها لا على غيرها، لا أقول لايكتفي بالانشاء اللفظي، بل أقول الانشاء بالكتابة أوضح وأصرح وأضبط وأمتن.
وعن الخامس : بأن كون الأسباب الشرعية توقيفية، الذي أشار إليه صاحب المفتاح، واُستاذه الجليل المحقّق الطباطبائي، دعوى بلا دليل، وكلام بلا برهان، بل الأمر في المعاملات على عكس ذلك، فإن أمر الشارع فيها على الامضاء لا التأسيس، وقد أمضى الشارع المقدس جميع المعاملات العقلائية بقوله «اوفوا بالعقود» و«المؤمنون عند شروطهم» وغير ذلك، فما صدق عليه عنوان العقد والشرط والبيع والصلح والوصية والهبة وغير ذلك من عناوين المعاملات عند أهل العرف دخل تحت عمومها أو اطلاقها، إلاّ ما خرج بالدليل الخاصّ أو قام دليل لفظي على بطلانه عند الشرع.
فليست المعاملات كالعبادات اُموراً توقيفية ولذا أفتى الأصحاب بصحّتها ما لم يردّ في الشرع منع منها، واستدلالهم بالعمومات والاطلاقات ظاهرة لكلّ من راجع كلماتهم في هذه الأبواب.
هذا مضافاً الى ما سيمر عليك من ورود التصريح بجواز الانشاء بالكتابة في الأحاديث الخاصّة في بعض أبواب الفقه فانتظره.
وعن السّادس : بما قد عرفت في الجواب عن الدليل الثّالث، من أن احتمال العبثوعدم الجدّ في الكتابة منفي بعد قيام القرائن بأنها في مقام الانشاء جدّاً، كما عرفته في امضاء الأسناد والتوقيع عليها بهذا القصد والعنوان في اماكنها المعدّة لذلك أو غيرها، بل قد عرفت أن نفي الاحتمالات من الكتابة أوضح وأظهر.

[115]

وأن شئت قلت : احتمال العبث قائم في الألفاظ أيضاً وإنّما ينفي بالقرائن، وكذلك في الكتابة من دون أي فرق.
وعن السّابع : بأن دعوى عدم صدق عنوان العقد عليه، وأنه نظير المعاطاة كما عرفت من كلام صاحب الجواهر (قدس سره) دعوى بلا برهان بل الكتابة أحق بهذا العنوان من الألفاظ المنطوقة، فإن العقد ليس إلاّ العهد المؤكد، مع أنا نعلم بأن المعاهدات المهمّة بين الأشخاص والأقوام والدول تكون بالكتابة، فلو لم يصدق العقد والعهد عليها لم يصدق على غيرها.
هذا مضافاً إلى أن المعاطاة ـ كما ذكرناه في محله ـ أيضاً من العقود اللازمة، بل قد ذكرنا أن الأصل في البيع وشبهه في أوّل الأمر كان بصورة المعاطاة، فهي البيع وإنّما نشأ البيع بالصيغة بعد ذلك، وبعد أخذ المجتمعات البشرية في التقدّم، فلا تعدّ المعاطاة فرعاً والبيع بالصيغة أصلاً، بل الأمر بالعكس، فالمعاطاة أصل، والبيع بالصيغة فرع لها قد نشأ بعدها (وتمام الكلام عن ذلك موكول إلى محله من كتاب البيع).
فشمول اطلاقات وجوب الوفاء بالعقود والشروط وشبهها لما أنشأ بالكتابة ممّا لاريب فيه ولا شبهة تعتريه.
وعن الثّامن : بأن الاستدلالّ بالرواية المعروفة «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» مشكل جدّاً، فإنها مع ضعف سندها بجهالة «ابن الحجاج» أو «ابن نجيح» (كليهما) لا دلالة لها على المطلوب أصلاً لا هنا ولا في باب المعاطاة، بل هي أجنبية عمّا نحن بصدده، والمراد منها ـ كما يظهر من سياقها، ويظهر من ساير ما ورد في هذا الباب، هو الاحتمال الرّابع من الاحتمالات الأربعة السابقة، لاسيّما بقرينة قوله «أليس إن شاء ترك وإن شاء أخذ» فإنه كالصريح في أن بعض أنواع الكلام (وهو المقاولة) يحلّل وبعضها (وهو انشاء بيع ما ليس عنده) يحرم، فمن باع ما ليس عنده كان حراماً، ومن تكلّم من دون انشاء البيع، بل أنشأ بعد التملّك كان حلالاً، فراجع الباب 8 من

[116]

أبواب أحكام العقود من كتاب التجارة من الوسائل تجده شاهد صدق على ما ذكرنا. نعم، قد يستدلّ بها بطريق آخر وهو أن مفادها على كلّ حال حصر البيع الحلال فيها ينشأ بالصيغة اللفظية لعدم ذكر غير اللفظ فيها.
ولكن الانصاف أن الحصر فيها أضافي ناظر إلى ما يكون الانشاء فيها بالصيغة اللفظية، من جهة عدم حضور المتاع عنده (كما في بيع ما ليس عنده) حتّى تجوز المعاطاة، وعدم تحقّق البيع بالكتابة لعدم تعارفها في تلك الأيّام.
هذا مضافاً الى إمكان التشكيك في ظهور عنوان الكلام في الملفوظ بل الكلام يشمل الملفوظ والمكتوب، ولذا يطلق هذا العنوان على ما ورد في كتاب الله وغيره، ولا نزال نقول هذا كلام صاحب الجواهر وهذا كلام العلاّمة وكلام المحقّق مع أن جميعها مكتوبة لا ملفوظة.
وعن التّاسع : بأن الروايات الخاصة الواردة في أبواب الطلاق لا ظهور لها في إنحصار الطلاق بما ينشأ بالألفاظ بل الظاهر أنها ناظرة إلى لزوم الصراحة أو الظهور في صيغة الطلاق، وإن الألفاظ الكنائية والمشكوكة غير كافية في هذا المقام ولذا صرّح في رواية ابن سماعة بأنه ليس الطلاق إلاّ كما روى بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع «انت طالق» ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغي(1).
وقد سأل محمّد بن مسلم أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قال لأمرأته : أنت علي حرام أو بائنة أو بتة، أو برية أو خلية، قال : «هذا كلّه ليس بشيء إنّما الطلاق أن يقول لها قبل العدّة بعدما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها أنت طالق أو اعتدى، يريد، بذلك الطلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين»(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ب 16 من أبواب مقدمات الطلاق ح 1.
(2) نفس المصدر : ح 3 من نفس الباب.

[117]

وهذه كالصريح في أنها في مقام بيان لزوم الألفاظ الصريحة أو الظاهرة، ونفي الكتابات والعبارات غير الظاهرة، وليست في مقام بيان اعتبار الألفاظ في مقابل الكتابة، والاستدلالّ بها لهذا الغرض غير تام، فقد تحصل من جميع ما ذكرنا أنه لا دليل للقائلين باعتبار اللفظ في انشاء العقود ونفي جواز الانشاء بالكتابة، وإن ما ذكروها في هذا الباب استحسانات أو ما يكون خارجاً عن محل الكلام أو دعوى بلا بيّنة ولا برهان، ولعلّها نشأت من عدم تعارف الانشاء بالكتابة في تلك الأيّام لعدم معرفة أكثر الناس بها، وعدم كونها ممّا يبتلى به عامّة الناس، وأمّا مثل زماننا هذا الذي يعرفها الكبير والصغير والعالم والجاهل فلا مجال لهذه الدعاوي.

* * *

[118]


المقام السّادس : أدلّة القول بالجواز

اظنّك بعد الاحاطة بما ذكرناه في أجوبة أدلّة القائلين بعدم الصحّة خبيراً على أدلّة جواز انشاء العقود والايقاعات بالكتابة، ونزيدك بياناً أنه يدلّ على الجواز اُمور :
أوّلها : وهي العمدة، شمول العمومات الدالّة على صحّة العقود ووجوب الوفاء بها. وصحّة البيع والاجارة والهبة وغيرها، لما إذا أنشأت بالكتابة، بعد ما عرفت من جواز الانشاء بها ومعروفيتها عند العقلاء بل كونها محوراً أصيلاً للانشاء لاسيّما في الاُمور الخطيرة، فاخراج الانشاء بالكتابة عنها ممنوع جدّاً، لعدم قيام دليل على الاستثناء والاخراج.
ومن هنا يظهر أن جعلها في عداد إشارة الأخرس أو أهون منها وكذلك جعلها في عداد المعاطاة ـ بناءاً على القول بافادتها الاباحة لا وجه له، بل قد عرفت أن الانشاء بالكتابة أظهر واضبط من الانشاء بالألفاظ ولا نحتاج الى التكرار.
ثانيها : ما يظهر من روايات الوصية أنها تجوز بالكتابة وهي روايات كثيرة :
منها : ما رواه شيخنا المفيد في المقنعة قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «ما ينبغي لأمرء مسلم أن يبيت إلاّ ووصيته تحت رأسه»(1).
ومنها : ما رواه في «مصباح المتهجد» قال روى «أنه لا ينبغي أن يبيت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 13 كتاب الوصية أبواب أحكام الوصايا ح 7.

[119]

إلاّ ووصيته تحت رأسه»(1).وما اعتذر عنها في مفتاح الكرامة في كتاب الوصية من أن الأخبار الناهية عن المبيت من دون الوصية ناظرة إلى الوصية الجامعة للشرائط كما ترى.
والظاهر أن مراده كون الوصية منشأة بالصيغة اللفظية، مضافاً إلى الكتابة، مع أن الروايات مطلقة خالية عنها، ظاهرة في نفي هذه القيود، مع أن المتعارف في الوصية الاكتفاء بالكتابة والانشاء بها عن غيرها.
ومنها : ما رواه إبراهيم بن محمّد الهمداني قال كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) رجل كتب كتاباً بخطه ولم يقل لورثته هذه وصيتي ولم يقل إني قد أوصيت إلاّ أنه كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصي به هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطه ولم يأمرهم بذلك ؟ فكتب (عليه السلام) : «إن كان له ولد ينفذون كلّ شيء يجدونه في كتاب أبيهم في وجه البرّ وغيره»(2).
واستدلّ بها جماعة من أعلام العصر لجواز انشاء الوصية بالكتابة فقد عرفت في المسألة التاسعة من كتاب الوصية في العروة استدلاله بذلك لهذا المقصود.
هذا وقد اشتهر بين الفريقين ما أراد أن يوصي النبي (صلى الله عليه وآله) أمته حين وفاته بكتاب لن يضلوا بعده فاختلف القوم، وقالوا ما قالوا، ممّا ينبغي أن تذرف عليه الدموع ويبكي الباكون ويضج الضاجون وإليك نصّ الرواية الموحشة من صحيح البخاري :
عن ابن عباس قال : «لمّا حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال، فيهم عمر ابن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وآله) : هلمّ اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده فقال عمر : أن النبي (صلى الله عليه وآله)قد غلب عليه الوجع ! وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله !، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول : قربوا يكتب لكم النبي (صلى الله عليه وآله) كتاباً لن تضلوا بعده،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 13 كتاب الوصية أبواب أحكام الوصايا ح 5.
(2) الوسائل : ج 13 كتاب الوصايا أبواب أحكام الوصايا ب 48 ح 2.

[120]

ومنهم من يقول ما قال عمر !، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : قوموا... فكان ابن عباس يقول أن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله)وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم»(1).
والرواية من الروايات العجيبة التي تستفاد منها حقائق كثيرة في باب الخلافة وغيرها، فيالله ولهذه الجرأة على النبي الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى، ويجب الأخذ بما يقوله (صلى الله عليه وآله) بنصّ الكتاب العزيز : (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(2) أوليس هذا إيذاء للرسول (صلى الله عليه وآله) والله تعالى يقول : (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم)(3) وللكلام مقام آخر «فدع عنك نهباً صيح في حجراته».
والمقصود هنا أن ظاهر الرواية جواز الوصيّة وانشائها بالكتابة.
ثالثها : ما ورد في أبواب الطلاق مثل ما رواه أبو حمزة الثمالي في رواية صحيحة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل قال لرجل أكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها أو أكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقاً أو عتقاً ؟
قال : «لايكون طلاقاً ولا عتقاً حتّى ينطق به لسانه، أو يخطه بيده، وهو يريد الطلاق أو العتق، ويكون ذلك منه بالأهلة والشهود (والشهور) يكون غائباً عن أهله»(4).
وهي كالصريح في جواز الانشاء بالكتابة، لكنها مقيدة بحالة الغيبة عن الأهل، ولكن ظاهرها أعمّ من القدرة على النطق وعدمها، فحملها على صورة العجز كالأخرس كما أشار إليه في الوسائل بعيد جدّاً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري : ج 7 ص 156 (طبعة دار الجيل بيروت) باب قول المريض «قوموا عني».
(2) الحشر : 5.
(3) التوبة : 61.
(4) الوسائل : ج 15 أبواب مقدمات الطلاق ب 14 ح 3.

[121]

وفي مقابلها روايتان في ذاك الباب بعينه مصرحتان بأن مجرد الكتابة لا يكون طلاقاً ولا عتاقاً حتّى ينطق به، وقد جمع بينهما بالتقييد في «المسالك» ولكن «صاحب الجواهر» (قدس سره) لم يقبل هذا الجمع، ورمى الرواية الاُولى بالشذوذ، واستغرب ما ذكره في المسالك بل قال باختلال طريقته في الاستنباط ثمّ سأل الله العفو له ولنفسه من أمثال ذلك !
أقول : الجمع بين المطلق والمقيد من القواعد المعروفة في أبواب الفقه ولا يرى اختلال في طريقة استنباط الشهيد الثّاني (قدس سره) في هذا الباب وهو من أمتن الفقهاء طريقة فلا مجال لسؤال العفو عن الله لخصوص هذا الأمر وكذا استغرابه، وإن كان سؤال العفو عن الله حسناً في كلّ حال، كما أن رمي الرواية بالشذوذ بعد صحّة سندها وعدم حجيّة الشهرة بل الاجماع في هذه الأبواب بعيد عن الصواب، فالافتاء بما ورد في الصحيح المذكور غير بعيد عن مبادىء الفقاهة وإن كان نفس المسألة تحتاج إلى مزيد تأمّل، والمقصود هنا دلالة الرواية المعتبرة على جواز الانشاء بالكتابة في الجملة.
back page fehrest page next page