back page fehrest page next page

ولا ينافي ذلك النهي عنها بالنسبة إلى الحاضر لما عرفت من أن الحكم بجواز الانشاء بالكتابة إنّما هو فيما لم يردّ فيه نصّ خاصّ في النهي عنه، وهنا قد وردت روايتان فيها، أحداهما معتبرة والاُخرى مضمرة وعمل الأصحاب بمضمونها، فلابدّ من الفتوى بعدم جواز خصوص الطلاق للحاضر بغير الألفاظ، ولكن أين ذلك من القول بعدم الجواز مطلقاً ؟
وقد تحصل من جميع ما ذكرنا أن الحكم بصحّة الانشاء بالكتابة في جميع أبواب المعاملات ـ إلاّ ما خرج بدليل خاصّ ـ ممّا لا ينبغي الشكّ فيه لا سيّما مع تداوله بين أهل العرف والعقلاء واعتمادهم عليه بعنوان عقد عقلائي بل عدم اعتمادهم على غيره في كثير من المقامات.

* * *

[122]


تنبيهان

الأوّل ـ استثناء حكم النكاح والطلاق
قد عرفت ظهور بعض الروايات المعتبرة في عدم جواز الطلاق إلاّ بالنطق(1)وقد عمل بها الأصحاب. بل ادّعى الاجماع عليه بالنسبة إلى الحاضر، وأمّا الغائب فقد عرفت وجود القول بجواز طلاقه بالكتابة، وورود نصّ صحيح به، وإن كان المشهور عدم جوازه، وقد مضى الكلام فيه اجمالاً.
وأمّا النكاح فالظاهر عدم وجود قول بجواز انشائه بالكتابة، قال في الجواهر في أحكام الصيغة في النكاح : «وكذا لا ينعقد بالكتابة للقادر على النطق، بل ولا للعاجز عنه، إلاّ أن يضم إليها قرينة تدلّ على القصد، فإنها حينئذ من أقوى الاشارات والله العالم» انتهى.
فقد أرسله ارسال المسلّمات بحيث لم يرَ نفسه محتاجاً إلى استدلال عليه.
وعن جامع المقاصد «أنه لا ريب عندنا في أن الكتابة لا تكفي في إيقاع عقد النكاح للمختار» وقد ادّعى الاجماع على اعتبار اللفظ فيه والعجب أنه استدلّ في جامع المقاصد على هذا الحكم : «بأن الكتابة كناية ولا يقع النكاح بالكنايات» !.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الوسائل : ج 15 ب 14 من أبواب مقدمات الطلاق.

[123]

وليت شعري لماذا نزلوا الكتابة منزلة الكناية، مع أنه قد يكون بعين الألفاظ التي يتكلّم بها، بل أوضح وأصرح، ولعلّ ذلك منهم بسبب عدم الاعتماد على كون الكتابة بداعي الانشاء فقد يكون بدواع اُخرى كما ورد في بعض كلمات الاعلام فيما قد عرفت عند نقل الأقوال، ولكن هذا الاشكال بعينه وارد في التكلّم بالصيغة، والعمدة أنه لابدّ من احراز كون المتكلّم أو الكاتب في مقام الانشاء، وهذا المعنى يعرف بالقرائن الحافة بها، والأمر في زماننا سهل جدّاً بعد وجود المكاتب والدوائر المعدّة لضبط هذه الاُمور، فبالتوقيع على البيع وشبهه في هذه المكاتب يتمّ أمر الانشاء من دون اجراء صيغة لفظية ولكن المتعارف بين أهل الشرع عدم الاكتفاء في النكاح بمجرّد ذلك، بل يتعبدون باجراء الصيغة اللفظية نظراً الى الفتاوي الموجودة.
ولكن قد عرفت عدم قيام دليل على هذا الحكم وعدم حجيّة مثل هذه الاجماعات لاسيّما مع ما عرفت من تعليلاتهم بعدم صراحة الكتابة بل وعدم ظهورها في اداء المقصود.
هذا ولكن الانصاف أن أمر النكاح يتفاوت مع سائر المعاملات بل لايبعد كون النكاح من الاُمور التوقيفية التي لا يمكن الرجوع فيها إلى عمومات وجوب الوفاء بالعقود، ولعلّ الوجه فيه هو التصرّفات الكثيرة من جانب الشارع المقدس فيه، وعدم اعتنائه بما دار بين العقلاء في هذا الباب، وكثرة التخصيصات الواردة فيه، وكأنه قد تبدلت ماهية النكاح في الشرع وكذا أسبابه ممّا استقر عليه ديدن العقلاء وأهل العرف، فلا يمكن الرجوع إليهم والأخذ بعدم ردع الشارع عنه.
ولذا قد يقال أن فيه شائبة العبادة، فإن من الواضح أنه ليس هذا من جهة احتمال اعتبار قصد القربة فيه، لعدم التفوه به من ناحية أحد من الفقهاء رضوان الله عليهم بل ولا غيرهم، بل الظاهر أن تشبيهه بالعبادات إنّما هو من جهة كونه توقيفية.

[124]

وحينئذ لابدّ من الأخذ بالاحتياط في جميع موارد الشكّ الذي لم يقم فيه دليل شرعي على الجواز، ولا أقل من احتمال كون النكاح كذلك، ولذا بنينا على رعاية الاحتياط في أبواب النكاح وفي اجراء الصيغة أيضاً.
ومنه يظهر الحال في الطلاق أيضاً لتلازم أحكامهما من هذه الجهة كما لايخفى.

* * *

الثّاني ـ اهتمام الشارع بأمر الكتابة

اهتمام الشارع المقدس بأمر الكتابة في أبواب المعاملات ممّا لايكاد يخفى على الناظر في كتاب الله.
إن القرآن قد أهتم بشأن الكتابة أهتماماً شديداً كيف وإن أطول آية في كتاب الله هي آية الكتابة، وهي وإن كانت واردة في أمر الدين وكتابته، واستشهاد شهيدين من الرجال عليه، أو رجل وأمرأتين، وليست ناظرة إلى ما كان في مقام الانشاء بل هي ناظرة إلى ما كانت سنداً على حصول القبض والإقباض في الدين وشبهه، ولكن الناظر فيها يرى اعتماد الشارع عليها وتأكيده بالنسبة إليها ويمكن أن يكون جواباً متيناً لما عرفت من جامع المقاصد والمصابيح وشبههما من كون الكتابة بحكم الكناية أو اشارة الأخرس أو أهون منها وأنه لا صراحة فيها ولا ظهور.
وكيف لا تكون ظاهرة في افادة المراد مع ما صرّح به كتاب الله من كونها مدركاً شرعياً للدين كثيره وقليله.
وقد وردت في هذه الآية أحكام كثيرة حول هذا المعنى ربّما تربو على ثمانية عشر حكماً ! كلّها تدور حول مسألة الكتابة والاستشهاد للديون، ولم يردّ بالنسبة إلى حكم من أحكام الله في القرآن الكريم ما ورد في هذا من الخصوصيات والجزئيات،

[125]

ومع ذلك كلّه لا ندري لماذا أهملها الأصحاب ولم يعتنوا بشأنها وجعلوها من الكنايات أو من قبيل إشارة الأخرس أو أهون منها (ولا فرق بين الانشاء والإخبار من هذه الناحية).
ولعلّ السر في جميع ذلك ما مرّ عليك غير مرّة من عدم تداول الكتابة في تلك الاعصار، مضافاً إلى ما قد يظهر من بعض الروايات بادىء الأمر من الاعتناء بشأن الألفاظ فقط، ولكن قد عرفت الجواب عن الجميع.

* * *

وبذلك كلّه ارتفع النقاب في هذا الباب عن وجه المطلوب ولم يبق شكّ في جواز الاعتناء بشأن الكتابة والاكتفاء بالانشاء بها في جميع أبواب العقود إلاّ ما ورد النصّ بعدم جوازه ومع ذلك لاتغتر بدعوى الاجماع على خلافه، وكم ترك الأول للآخر.
ولكن طريق الاحتياط واضح، وهو سبيل النجاة وإن لم يكن واجباً في المقام.
والحمد لله على كلّ حال وهو العالم بحقائق الأحكام.

* * *

[126]

[127]


5 ـ حكم الخُمس في عصر الغيبة(عليه السلام)


[128]

[129]


حكم الخُمس في عصر غيبة الإمام (عليه السلام)

أعلم أن هناك معركة عظيمة في حكم الخُمس بكلا سهميه، (سهم السادة وسهم الإمام (عليه السلام)) في زمن الغيبة الكبرى، وفيه أقوال كثيرة نذكر أهمّها وهي عشرة أقوال :
الأوّل : إباحته للشيعة وسقوطها مطلقاً، كما عن سلاّر وصاحب الذخيرة وغيرهما، وحكاه صاحب الحدائق عن جمع من المحدّثين من معاصريه، ولكنّ هذا القول شاذ لم يذهب إليه إلاّ قليل من أصحابنا، ودليلهم في ذلك روايات كثيرة أوردها صاحب الوسائل في كتاب الخُمس (الباب 3 من أبواب الانفال).
وقد ذكرنا في محله أنها غير ناظرة إلى تحليلها مطلقاً، بل إمّا ناظرة إلى تحليل المناكح والمساكن وشبهها، أو ناظرة إلى زمان خاصّ كان إباحتها صلاحاً للشيعة، فلذا اباحها إمام وأخذها إمام آخر، أو روايات ضعاف لايمكن الركون إليها مع اعراض الأصحاب عنها، هذا مع ما سيأتي من أن غيبته(عليه السلام) وإن كانت مصيبة كبرى علينا ولكن لاتوجب تعطيل أحكام الإسلام ولا تنعدم مصارف الخُمس معها، بل هي باقية على ما كانت وقائمة على ساقيها، فعلى العلماء الفقهاء الذين هم نوابه صرفه في مصارفه، وكيف يمكن بقاء مصارفه قائمة مع إباحتها جميعاً للشيعة؟ وهل هذا إلاّ تعطيل لأحكام الإسلام في عصر الغيبة التي يمكن استمرارها آلاف السنين (نعوذ بالله).

[130]

الثّاني : عزله بجميعه والوصية به كما عن المفيد (قدس سره) وغيره، والظاهر أن نظرهم في ذلك إلى أنه حقّ مختصّ به (عليه السلام)بكلا شقيه، فيكون حاله حال سائر الأموال، المعلوم مالكها، المفقود عينه، فلابدّ من حفظها حتّى توصل إليه.
وأنت خبير بما فيه من الاشكال بالنسبة إلى عصر الغيبة الذي لايعلم أمدها، وهل تطول مئات أو آلاف من السنين، وإن كنا ننتظر ظهوره كلّ يوم، ونسأل اللّه فرجه كلّ ساعة، فمع هذا الحال تكون هذه الأموال في معرض التلف بلا إشكال، مع ما مرّ وسيمرّ عليك من أن غيبته لايسد مصارفها مطلقاً.
الثّالث : دفنه ـ كما حكاه المفيد عن بعض من لم يسمه ـ استناداً إلى بعض المرسلات من ظهور كنوز الأرض له (عليه السلام) عند ظهوره، وأنت ترى ما فيه من الاشكالات الواضحة، وكيف يمكن دفن هذه الأموال العظيمة حيث يوجب ذلك اتلافها قطعاً استناداً إلى أمثال تلك الروايات الضعاف مع بقاء مصارفها واستوائها على سوقها.
الرّابع : دفع النصف المتمثل بحقّ السادة إليهم، وأمّا حقه (عليه السلام) فإنه يودع أو يدفن كما عن الشيخ في النهاية، ودليله في الحقيقة مركب عن أدلّة الأقوال السابقة. والجواب : أمّا بالنسبة إلى دفع حقّ السادة إليهم فلا ريب فيه وأمّا بالنسبة إلى غيره فهو ضعيف جدّاً لما عرفت ويأتي إن شاء الله.
الخامس : إن حقّ السادة يصرف فيهم، وأمّا حقّه (عليه السلام) فيقسم على الذرية، كما عن المحقّق، وهو المشهور بين المتأخّرين واستنادهم إلى بعضما ورد من أنه إذا لم يكف للسادة سهمهم يتمه الامام (عليه السلام) من حقّه (وهو الرواية الاُولى والثّانية من الباب الثّالث من أبواب قسمة الخُمس من كتاب الخُمس من الوسائل) وكلتاهما مرسلتان وظاهرهما وجوب إتمام مؤونة السادة من حقّه مع أنه لم يعهد ذلك من سيرة

[131]

الأئمّة (عليهم السلام) بل كانوا يصرفون سهمهم أحياناً في غيره مع وجود المستحقين من بني هاشم عادة، واحتمال عدم وجود مستحق بينهم في جميع ذلك بعيد جدّاً.
السّادس : صرف سهم الأصناف الثّلاثة (حقّ السادة) إليهم، وأمّا حقّه (عليه السلام) فهو مباح للشيعة كما عن المدارك وغيره لبعض ما عرفت، وقد عرفت الجواب منه أيضاً.
السّابع : كسابقه إلاّ أن حقّه (عليه السلام) يصرف في مواليه العارفين بحقّه من أهل الصلاح إذا كانوا فقراء كما عن ابن حمزة وغيره، وكأنهم زعموا أن ذلك هو القدر المتيقن من مصرفه في هذه الأيّام، وسيأتي إن شاء الله أنه ليس كذلك قطعاً.
الثّامن : إن حقّ الأصناف تدفع إليهم وخمس الارباح مباح مطلقاً، وكأنه نظر في ذلك إلى أن أدلّة التحليل ناظرة إلى خصوص الارباح (مع أن بعضها عام ظاهراً) وقد عرفت الجواب عنه أيضاً فلا نطيل بالاعادة.
التاسع : صرف حصّة الاصناف إليهم والتخيير في حصته (عليه السلام) بين الدفن، والوصية، وصلة الاصناف مع الاعواز، بإذن الفقيه، كما عن الشهيد في الدروس، ودليلهم هو الجمع بين أدلّة الأقوال السابقة، ولما لم يثبت ترجيح بعضها على بعض فلابدّ من التخيير بين هذه المصارف، ويظهر الجواب عنه ممّا ذكرناه سابقاً.
العاشر : وهو العمدة ـ دفع سهم الاصناف إليهم، وأمّا حصة الامام فتصرف في كلّ أمر يحرز به رضاه من إقامة الشعائر ونشر الإسلام وصيانة الحوزات العلمية، وصلة الاصناف الثّلاثة من السادة وغيرهم من أهل الفقر والصلاح مع رعاية الأهم فالأهم كما اشتهر بين المعاصرين (وهو المختار عندنا).
ودليله ـ أمّا بالنسبة إلى صرف حصة الاصناف إليهم فممّا لاينبغي الشكّ فيه، لأن الله وضعها لهم ولسد خلتهم ورفع حوائجهم، مع منعهم من الزكاة، ومن المعلوم أن غيبة الإمام (أرواحنا له الفداء) لاتمنع من ايصال حقهم إليهم وتركهم محرومين من

[132]

الخُمس والزكاة جميعاً، بل الإمام (عليه السلام) أما وكيلهم أو وليهم في ذلك ومهما كان لا يوجب ذلك سقوط حقّهم، بل يجب قيام نوابه مقامه في ذلك، أو نقول بجواز دفع المالكين إليهم بلا حاجة إلى إذن الفقيه كما قويناه في محله، وأما بالنسبة إلى سهمه (عليه السلام)فايضاحه يحتاج إلى مقدمة مهمة نافعة وهي :
لاشكّ أن سهم الإمام من الخُمس إنّما هو من حقوق منصبه (عليه السلام) لا من مؤونة شخصه، لوضوح عدم حاجته (عليه السلام) إلى هذه الأموال الخطيرة العظيمة بشخصه، لكنّه بما هو إمام للمسلمين وترجع إليه حوائجهم، وبما أنه رئيسهم وزعميهم وحاكمهم يحتاج إلى مؤونة كثيرة يستلزمها هذا المنصب السامي، وهذه المؤونة كثيرة جداً في عداد أو عرض الحاجات التي تكون إلى جانبها، فليس سهم الإمام (عليه السلام) مالاً شخصياً حتّى يعامل معه معاملة أموال الغيّب.
ثمّ إن من المعلوم أنه لايجوز تعطيل جميع أحكام الدين بغيبته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بل يجب على المسلمين العمل بها وإقامتها مهما امكن، وإذا احتاج ذلك إلى بيت المال لابدّ من تحصيله من طرق قررها الشرع بأيدي نوابه العامة، وتعطيل سهمه (عليه السلام) يوجب تعطيل جميع ما كان يصرفه إليه في مقامه، من إقامة حدود الدين وتعظيم شعائره ونشر أحكامه فهل يرضى هو (عليه السلام) بذلك ؟
ومن جانب آخر من الضروري أنه لابدّ أن تكون الحكومة الإسلامية بأيدي المسلمين لا بأيدي غيرهم ولابدّ لهم من إمام من أنفسهم وأحق الناس بهذا ـ على ما يستفاد من أدلّة كثيرة ـ هم علماء الدين وفقهاء المسلمين الجامعون للشرائط المقررة في محلها (وهو المراد من ولاية الفقيه المشهورة بيننا) ومن الواضح أنهم في هذا المقام يحتاجون إلى مؤونة كثيرة ويشكل سهم الإمام (عليه السلام) من الخُمس بعض هذه المؤونة.

[133]

وإذ قد عرفت هذا فأعلم : أن الواجب قيام نوابه (عليه السلام) بهذه المهمّة بقدر الإمكان وصرف سهمه فيما كان يصرفه عادة لو كان هو بيننا، وعند الشكّ لابدّ من الأخذ بالقدر المتيقن من موارد يرضاها من مصارفها.
كما أن من المعلوم أن ذلك لايختص بتكميل حصّة الاصناف من السادة فقط وإلاّ يوجب تعطيل سائر وظائفه (عليه السلام) بما هو إمام المسلمين، وأمّا دفنه أو إلقائه في البحر فهو كلام لاينبغي التفوه به، كحفظه وإيداعه، فإنه لا معنى له مع وجود مصارفه بعد إن لم يكن ملكاً شخصياً، مضافاً إلى ما فيه من تعرضه للتلف قطعاً، ولازال الحوزات العلمية بما فيها من الحركة والنشاط ونشر أحكام الإسلام تقوم بسهمه (عليه السلام)بحيث لولاه آل أمرهم إلى الفشل من هذه الناحية أو صار سبباً لسيطرة الجبابرة عليها.
ويدلّ على ما ذكرنا جميع ما ورد في أبواب الخُمس من أنه إذا ظهر القائم (عليه السلام)يأخذ الخُمس من الجميع وكذا ما دلّ على أن الخُمس عون لهم (عليهم السلام) على دينهم وعرضهم وحفظ مواليهم (الحديث 2 من الباب 3 من الانفال) وغير ذلك من الأحاديث والاعتبارات العقلية.

(اللّهم عجّل له الفرج وإجعلنا من أعوانه وأنصاره بحقّ محمّد وآله (عليهم السلام)).

* * *

[134]

[135]


6 ـ فلسفة تنصيف دية النّساء


[136]

[137]


فلسفة تنصيف دية النّساء

تمهيد
تعرضت شخصية المرأة على مرّ التّاريخ للإجحاف والجور.
فتارةً وصل حدُّ الظلم للمرأة إلى درجة أنّها لم تُحسب في عداد النوع البشري ! بل اعتبرت وسيلة وأداة لإرضاء أهواء الرّجل وخدمته، وأنّها وجود مرتبط تماماً بوجود الرّجل إلى درجة أنّ بعض المجتمعات البشرية كانت تدفن المرأة حيّة مع زوجها في حالة موت الزّوج !
والحاصل، إنّها حُرمت حقوقَها الإجتماعية والإنسانية، ولم يسمح لها بأن تؤدّي وظيفتها التي أوكلتها الطبيعة البشرية إليها.
وتارة اُخرى أنزلوا المرأة تحت قناع الحضارة وحرية المرأة والتحديث إلى حضيض الرّذيلة والتسيّب والابتذال، وجعلوها آلة لشهواتهم وأهوائهم، فحطموا بذلك شخصيتها الإنسانية.
وكلا الفريقين وعلى مرّ التاريخ حقّرا المرأة وأذلوا شخصيتها وأهانوها بإفراطهم وتفريطهم وكما قال أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) في حديث رائع : «لا ترى الجاهل إلاّ مفرِطاً أو مفَرِّطاً»(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة : الكلمات القصار رقم 70.

[138]


مكانة المرأة في عصرنا الحاضر

على الرّغم من أنّ بعض ملامح التيار الأوّل لازالت عالقة في أذهان وسلوك بعض الناس، ولكن هذا الإتجاه كفكر وعقيدة لم يُعد له من المؤيدين ما يعتد به.
وأمّا الإتجاه الثّاني، فمؤيده في عصرنا الحاضر يحاولون جادّين من أجل ترويج آرائهم وعقائدهم حول المرأة.
ومن جملة أساليب هذا التيار المفرِّط ـ في طريق ترويج فكره ـ هو طرح مسألة المساواة بين الرّجل والمرأة في الدّية، ويقولون : «لماذا جعل الإسلام دية المرأة نصف دية الرّجل ؟».
ويتشدّقون متفلسفين : «يتنافى ذلك مع العدل الإلهي ؟ وهل ينسجم هذا الحكم مع كرامة المرأة وشخصيتها الإنسانية ؟ ثمّ ألا يعني ذلك أنّ شخصية الرّجل أفضل من شخصية المرأة بضعفين ؟»

ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العليم

[139]


اُسس البحث

لكي تتضح الإجابة على هذا التساوّل وتتبين فلسفة هذا الحكم الإسلامي الحكيم، ولكي تتخذ المرأة موقعها اللائق بشأنها لابدّ من التأمّل في المباحث التالية :
1 ـ أنواع القتل وتعريف الدّية.
2 ـ دية المرأة من و جهة نظر فقهاء الإسلام.
3 ـ حكم دية المرأة في الرّوايات الإسلاميّة (سنّية وشيعية).
4 ـ حدود تنصيف دية المرأة.
5 ـ فلسفة تنصيف دية المرأة.
6 ـ الإجابة عن الأسئلة المطروحة حول فلسفة التّنصيف.
7 ـ هل يدلّ تنصيف دية المرأة واختصاص بعض المناصب الإجتماعية بالرّجال، على ضعف شخصيّة المرأة ؟
8 ـ موجز البحث ونتيجته.
9 ـ وصايا لنساء المجتمع الإسلامي.
ونأمل من وراء حلّ غوامض هذه البحوث، توضيح فلسفة هذا الحكم الإلهي، وازدياد إيماننا بأحكام وقوانين الشريعة الإسلاميّة المقدّسة ـ والتي تعتبر أكمل وآخر الأديان الإلهية.

* * *

[140]


1 ـ أنواع القتل وتعريف الدّية

القتل ـ من وجهة النّظر الحقوقية في الإسلام ـ على ثلاثة أقسام، قتل العمد، قتل شبه العمد، وقتل الخطأ المحض :
أ ـ قتل العمد : وهو أن يضرب شخص آخر بآلة قتّالة غالباً، أو غير قتّالة بقصد القتل، فيموت المضروب، وحكم هذا القتل هو القصاص.
ب ـ قتل شبه العمد : وهو أن يضرب شخص آخر بآلة لا تقتل عادة، وبدون قصد القتل، فيموت المضروب إتفاقاً والحكم هنا أن يدفع القاتل نفسه الدّية لأولياء المقتول.
ج ـ قتل الخطأ المحض : وهو أن لا يقصد الضارب قتل المضروب ولا يستهدف ضربه أصلاً، وإنما استهدف شيئاً آخر فأصابت ضربته المقتول إتفاقاً فقتلته، كأن استهدف صيداً فأصاب إنساناً فقتله، وهنا الحكم كالقسم الثاني وهو الدّية، ولكن القاتل غير مأمور بدفع الدّية وإنّما العاقلة هي التيتدفع الدّية(1).
ومن تعريف أقسام القتل الثلاثة يتضح أنّ المراد من الدّية هو : «المال المدفوع إلى أولياء المقتول لجبر خسارة فقد صاحبهم، ومقدارها متعين في قتل الخطأ المحض وشبه العمد، وأمّا في قتل العمد فيتعين مقدارها طبقاً لتوافق الطرفين».

2 ـ دية النّساء من وجهة نظر فقهاء الإسلام

حكم دية المرأة من وجهة نظر فقهاء الإسلام شيعةً وسنّة، محدّد وقطعي، فكلّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المراد بالعاقلة، قرابة الرّجل لأبيه من الرّجال، أي انّها تشمل قرابة القاتل لأبيه لا لاُمّه أوّلاً،  وثانياً تشمل الرّجال منهم فقط لا النّساء، وللإطلاع أكثر راجع مقالتنا «فلسفة ضمان العاقلة».
 وقد نشرت هذه المباحث في صحيفة اطلاعات في تاريخ 26 ـ 29 / 2 / 77.

[141]

علماء الإسلام متّفقون على أنّ دية المرأة نصف دية الرّجل، أي (500 دينار)، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وإليك كلمات بعض كبار الفقهاء (السنّة والشيعة).
1 ـ يقول المرحوم الشّيخ محمّد حسن النّجفي (قدس سره) في كتابه الثمين «جواهر الكلام» : «وكيف كان فلا خلاف ولا الاشكال نصّاً وفتوىً في أنّ ديّة المرأة الحرّة المسلمة صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنون، سليمة الأعضاء أو غير سالمة الأعضاء على النّصف من جميع الأجناس المذكورة في العمد وشبهه والخطأ، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص، بل هو كذلك من المسلمين كافة إلاّ من ابن عليّة والاصم»(1).
2 ـ قال الشّيخ الطّوسي (قدس سره) ـ وهو من اتفقت كلمة علماء الإسلام على إحترامه والإعجاب به وتقديره ـ في كتابه القيّم «الخلاف» :
«وديّة المرأة نصف ديّة الرّجل، به قال جميع الفقهاء، وقال «ابن عليّة»(2)و«الأصم» : وهما سواء في الديّة، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم... وهو إجماع الاُمّة»(3).
3 ـ وللمرحوم صاحب الرّياض (قدس سره) ـ وهو من كبار فقهاء الشّيعة ـ كلام في هذه المسألة شبيه بكلام صاحب الجواهر، وبعبارة اُخرى : كلام صاحب الجواهر شبيه بكلام صاحب الرّياض. ولذا لا نكرّر ذلك الكلام(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 43، ص 32.
(2) «ابن عليّة» من فقهاء السنّة غير المعروفين، وقلّ ما يذكر في كتب الفقه، وأمّا الأصمّ  وهو عقبة بن عبدالله الأصم فهو من زهّاد زمانه، معروفيته أكثر من ابن عليّة، وإن كان قد  اشتهر في الزهد أكثر ممّا اشتهر في الفقه، وعليه فمخالفة هذين الرّجلين لا تقدح بإجماع  فقهاء الإسلام.
(3) كتاب الخلاف : كتاب الدّيات المسألة 63.
(4) رياض المسائل : ج 2 ص 531.

[142]

4 ـ قال «ابن قدامة» وهو من فقهاء العامّة المقتدرين في كتابه الفقهي المفصّل «المغني» : «ديّة الحرّة المسلمة نصف ديّة الحرّ المسلم» ـ ثمّ ينقل ادّعاء «ابن النذر» و «ابن عبدالبرّ» إجماع كلّ أهل العلم على ذلك، ويقول في آخر كلامه : وحكى غيرهما عن «ابن عليّة» و «الأصمّ» أنّهما قالا : «ديتهما كديّة الرّجل، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)»(1).
والنّتيجة هي أنّ مسألة ديّة المرأة إجماعية من وجهة نظر فقهاء الإسلام(2).

3 ـ ديّة المرأة حسب الرّوايات الفقهية

إنّ حكم ديّة المرأة وإن لم يرد في القرآن الكريم ذكر بخصوصها، إلاّ انّ الروايات الإسلامية ـ سواء في مصادر أهل السنّة، أو الرّوايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) ـ عالجت هذا الموضوع بشكل واضح وموسّع، وقد تجاوز عدد الرّوايات حول هذه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغني : ج 9 ص 532 رقم 6837.
(2) مضافاً إلى هذه الكتب الأربعة، يوجد (21) كتاب فقهي آخر حصل لنا الفرصة بمراجعتها،  توافق كلّها على تنصيف ديّة المرأة بالنّسبة إلى ديّة الرّجل وهي : 1 ـ الانتصار، ص 70 نقلاً  عن سلسلة الينابيع الفقهية ج 24; 2 ـ غنية النزوع، ص 250 نقلاً عن نفس المصدر;  3 ـ السرائر، ص 309 نقلاً عن نفس المصدر; 4 ـ المبسوط، ص 266 نقلاً عن نفس المصدر;  5 ـ المجموع، (من كتب أهل السنّة) ج 20 ص 197 و 198 (وادعت هذه الكتب الخمسة  الإجماع أيضاً); 6 ـ المقنع، ص 19; 7 ـ مقنعة، ص 38; 8 ـ الكافي، ص 88 ; 9 ـ النّهاية،  ص 116; 10 ـ المراسم، ص 142; 11 ـ المهذّب ص 167; 12 ـ الوسيلة، ص 261;  13 ـ مصباح الشّريعة، ص 290; 14 ـ شرايع الإسلام، ص 392; 15 ـ المختصر النافع، ص 474; 16 ـ الجامع  للشرايع، ص 491; 17 ـ قواعد الأحكام، ص 600; 18 ـ اللمعة الدّمشقية، ص 648 (نقلاً  عن سلسلة الينابيع الفقهية ج 25); 19 ـ إرشاد الأذهان، ص 456; 20 ـ تبصرة المتعلمين،  ص 417; 21 ـ تلخيص المرام، ص 386 (نقلاً عن سلسلة الينابيع الفقهية ج 40).

[143]

المسألة الثّلاثين، وعليه فالرّوايات متواترة في هذه المسألة.
وإليك عدّة نماذج من تلك الرّوايات :
back page fehrest page next page