back page fehrest page next page

1 ـ روى عمرو بن حزم عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) :
«ديّة المرأة على النّصف من ديّة الرّجل»(1).
2 ـ وقال معاذ بن جبل بعد أن روى الرّواية السّابقة عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) : وهذه المسألة مورد قبول كل المسلمين، وقد روي ذلك عن علي (عليه السلام) وعن ابن عباس وزيد بن ثابت ولم يخالف في ذلك أحد(2).
3 ـ يقول عبدالله بن مسكان في رواية معتبرة(3) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : «ديّة المرأة نصف ديّة الرّجل»(4).
4 ـ يقول عبدالله بن سنان ـ وهو من كبار رواة الشّيعة ـ : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول في رجل قتل امرأته متعمداً فقال : «إن شاء أهلها أن يقتلوه ويؤدوا إلى أهله نصف الديّة، وإن شاؤوا أخذوا نصف الديّة خمسة آلاف درهم»(5).
وهذه الرّواية أيضاً صريحة في أنّ ديّة المرأة نصف ديّة الرّجل.
سؤال : إنّ حكم قتل العمد هو القصاص، ولكن لأولياء الدّم أن يوفقوا مع القاتل على ديّة معلومة مقدارها، وعليه فالدّية هي ما وافقوا عليه سواءً كانت بمقدار الديّة الكاملة (1000 دينار) أو أقل أو أكثر في حين أننا نجد بأن الإمام (عليه السلام) ـ كما في الرّواية السّابقة ـ ذكر أنّ الديّة هي (1000 دينار) وهي الدّية الكاملة، وعليه فالاستدلال

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الخلاف : كتاب الديّات المسألة 63.
(2) نفس المصدر.
(3) اعتبر صاحب كتاب مرآة العقول في ج 24 ص 59 هذه الرّواية صحيحة.
(4) الوسائل : ج 19 أبواب ديّات النفس الباب 5 الحديث 1.
(5) نفس المصدر : الحديث 2.

[144]

بالرّواية مشكل ؟
الجواب : هذا الكلام صحيح، ولكن لما كان الغالب في حالات المصالحة والتوافق بين الطّرفين هو الاتفاق على الدّية الكاملة، ذكرت الدّية الكاملة في هذه الرّواية أيضاً، وعليه فالرّواية ناظرة إلى هذا الامر لا أنها في مقام بيان قاعدة كلية جارية في كلّ صور المصالحة وجميع وأنّه لابدّ من دفع ديّة كاملة.
فلا إشكال في الإستدلال بها حينئذ.
5 ـ روى محمّد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رجل قتل امرأةً قال : «إن شاء أولياؤها قتلوه وغرموا خمسة آلاف درهم لأولياء المقتول، وإن شاؤوا أخذوا خمسة آلاف(1) درهم من القاتل»(2).
6 ـ وروى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجراحات فقال: «جراحة المرأة مثل جراحة الرّجل حتى تبلغ ثلث الدّية فإذا بلغت ثلث الدّية سواء، أضعفت جراحة الرّجل ضعفين على جراحة المرأة»(3).
هذه الرّواية أيضاً تدل على أنّ دية المرأة نصف دية الرّجل.
سؤال: هذه الرّواية تتحدّث عن دية الجراحات ولا ربط لها بدية القتل.
الجواب: صحيح أنّ الرّواية ليست صريحة في دية القتل، ولكن لمّا لم يستثن الإمام (عليه السلام) مسألة القتل من هذا القانون الكلّي (وهو تساوي الرّجل والمرأة إلى الثلث وتضاعف دية الرّجل بعد ذلك) يُعلم أنّ القتل أيضاً مشمول لهذا القانون الكلّي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدّية في الروايات هي أحد اُمور ستة :
 أ ـ الف دينار من ذهب ب ـ عشرة آلاف درهم فضّة ج ـ مائة من الإبل د ـ مائتا رأس بقر  هـ ـ ألف رأس من الضأن و ـ مائتا حلّة ثوب، ولمزيد من الإطلاع راجع الجزء الثاني من كتاب  تحرير الوسيلة كتاب الديّات، فصل مقادير الديّات.
(2) الوسائل : ج 19 أبواب ديّات النفس الباب 5 ح 4.
(3) الوسائل : ج 19 أبواب قصاص الطرف الباب1 ح 2.

[145]

وهناك روايات اُخرى يصل عددها إلى أكثر من ثلاثين رواية(1).
والنتيجة هي أنّ الروايات (سنية وشيعية) تدل على أنّ دية المرأة نصف دية الرّجل.

4 ـ حدود تنصيف دية المرأة

يمكننا التّوصل من مجموع الرّوايات الشّريفة وكلمات علماء الاسلام الى هذه النّتيجة، وهي: أنّ دية المرأة ليست على النّصف من دية الرّجل دائماً وفي جميع الموارد، أي إنّ دية الرّجل والمرأة تتساويان في ثلث الدّيه الكاملة (333 دينار تقريباً)، فلا اختلاف بينهما في هذا الحدّ اطلاقاً، وعلى هذا لو ضرب رجل امرأة فيما يوجب عليه أقل من ثلث الدّية الكاملة، فعليه أن يدفع لها مبلغاً مساوياً لدية الرّجل في هذا الخصوص، ولكن لو وصل الى ثلث الدّية فصاعداً كانت دية المرأة حينذاك على النّصف من دية الرّجل.
هنا نلفت النظر الى رواية رائعة في هذا المورد حيث انعكست فيها تفاصيل هذه المسألة بوضوح:
يقول أبان بن تغلب في رواية معتبرة (وأبان هذا يعتبر من أجلاء الاصحاب، وقد أدرك ثلاثة من الائمّة الاطهار ـ الامام زين العابدين ، والامام الباقر، والامام الصّادق (عليهم السلام)، وقد كان الامام الباقر(عليه السلام)يباهي به اصحابه وتوجّع الامام الصادق (عليه السلام)، عند وفاته)(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أربع روايات في الباب الخامس من أبواب ديات النفس في الوسائل، وخمس روايات  في الباب الأول من أبواب قصاص الطرف، وثمانية عشر رواية من أبواب قصاص النفس،  الباب 33 أيضاً تدل على هذا المعنى، ومجموعها 27 رواية، وإذا أضفنا إليها روايات مستدرك  الوسائل وسنن البيهقي تجاوز العدد الثلاثين.
(2) جامع الرّواة : ج 1، ص 9.

[146]

قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما تقول في رجل قطع اصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟
قال: عشرة من الابل.
قلت: قطع اثنتين؟
قال: عشرون.
قلت: قطع ثلاثاً؟
قال: ثلاثون.
قلت: قطع اربعاً؟
قال: عشرون.
قلت: سبحان الله ! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان .
فقال(عليه السلام): مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، إنّ المرأة تعاقل الرّجل الى ثلث الدّية، فاذا بلغت الثلث رجعت الى نصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسّنة إذا قيست محق الدّين»(1).
طبقاً لهذه الرّواية (وروايات كثيرة اُخرى) فان دية الرّجل والمرأه تتساويان الى ثلث الدّية الكاملة، ومن الثّلث فصاعداً تعود الى النّصف.
وفي هذه الرّواية درس كبير لنا، وهو أننا عندما نواجه حكماً شرعيّاً مسلّماً عسر على أفهامنا بلوغ مغزاه، وأشكل على عقولنا حلّ رموزه وكشف محتواه، فلا ينبغي لنا المسارعة الى انكاره ورفضه وإلاّ حتى لو بلغنا في العلم والمعرفة الى مرتبة «أبان بن تغلب» فانّه لا يؤمن معه الانحراف والزيغ، وطبعاً لا اشكال في تحري
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 19 أبواب ديات الاعضاء الباب 44 ح 1.

[147]

الحكمة من هذا الحكم، واستجلاء الغاية منه بالسّؤال والبحث، وهذا ما سنفرد له بحثاً في الفصل الآتي.

5 ـ فلسفة تنصيف دية المرأة

سؤال: الإسلام دين العدل، ولذا فانّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) اعتبر دماء المسلمين متكافئة، ولا فرق بين دم المرأة ودم الرجل، ولا الصغير والكبير، ولا الشاب والشّيخ، ولا العالم والجاهل ،ولا الرّئيس والمرؤس، ولا المرجع والمقلِّد، حيث قال (صلى الله عليه وآله): «المسلمون اُخوة(1) تتكافأ دماؤهم»(2).
وعلى هذا فكيف جعل الإسلام دية المرأة نصف دية الرّجل (إذا وصلت دية الجناية إلى الثلث)، وهل ينسجم هذا الحكم مع روح العدالة في الإسلام؟
مضافاً إلى ذلك، وعلى فرض انّ فلسفة هذا الحكم هو انّ النّساء في الصّدر الاوّل للإسلام كُنّ أقل مشاركة في الفعاليات الاجتماعيّة، أو لم يكن لهنّ دور أصلا، ولكن اليوم للنساء دور مهم في المجتمع إلى درجة انهنّ في بعض النشاطات الاجتماعيّة يعملن إلى جنب الرّجل، ولهن الأسبقية في قطاعات اُخرى، وقد أجاز الإسلام هذه الفعاليات والنشاطات شريطة حفظ العفاف ورضا الزوج، فمع كل ذلك هل تبقى دية المرأة نصف دية الرّجل؟
الجواب: يمكن الإجابة عن الإشكال السّابق بجوابين: أحدهما إجمالي قصير، والآخر مفصّل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والأخ هنا شامل للرجل والمرأة واستعمل للتغليب.
(2) الكافي : ج 1 ص 403، كتاب الحجّة، الباب ما أمر به النبي (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة لأئمة المسلمين...  ونظير هذه الرّواية ورد في المصادر السنّية، مثل ما ورد في السنن الكبرى : ج 8 ص 27.

[148]

الجواب الإجمالي: إنّ الدّية خلافاً لتصور البعض ليست ثمناً للدم! لأن ثمن دم الإنسان بنظر الإسلام يساوي آلاف أضعاف مقدار الدّية، بل وأكثر من ذلك، فالقرآن الكريم يرى بأن دم الإنسان المظلوم يعادل دماء كل البشر ومساو لها، حيث قال تعالى:
(وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَيْرِ نَفْس أو فَساد فِي الأرْضِ فَكأنّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعَاً)(1).
فدم الإنسان يعادل دماء كل البشر، ودماء كل البشر غير قابلة للتقدير المادي.
وعليه، فتفسير الدّية، بأنّها ثمن الدّم، ليس تفسيراً صحيحاً.
وهنا يطرح سؤال: إذا لم تكن الدّية ثمناً للدّم فما هي الدّية إذاً؟ هل الدّية نوع عقوبة وجزاء، أم أنّها جبران للخسارة الاقتصادية النّاشئة عن فقدان المقتول أو نقصانه؟
ونقول في الجواب: إنّ الدّية جزاء وعقوبة، وفي نفس الوقت هي جبران للخسارة الماليّة النّاشئة من فقد المقتول، فهي عقوبة لردع النّاس من اقتراف القتل، ولكي يحتاط الإنسان في تصرفاته، فلا يرتكب مثل هذا الخطأ الفضيع، وهي جبران للخسارة المالية، لأن فقد القتيل يسبّب عجزاً وخللاً اقتصادياً لعائلته، فالدّية تشغل هذا النقص وتسد هذا العجز، ولما كان الضرر الاقتصادي النّاشي من قتل الرّجال أكبر بكثير من الضرر الاقتصادي النّاشي من قتل النّساء وفقدانهن، صارت دية المرأة نصف دية الرّجل.
الجواب التفصيلي: إنّ لشخصية المرأة كما لشخصية الرّجل ثلاثة جوانب الجانب الإنساني والإلهي، الجانب العلمي والثقافي، والجانب الاقتصادي.

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة : 32.

[149]

الجانب الإنساني والإلهي

لا فرق بين الرّجل والمرأة في هذا الجانب، وكلاهما سواء أمام الله، ولكل منهما أن يطوي مراحل السير والقرب إلى الله في مسيرة الإنسان التكاملية اللامحدود.
ولذا فانّ الخطاب القرآني والآيات الكريمة الواردة في هذا الموضوع عامة وشاملة للجنسين معاً، وإليك نماذج لذلك:
أ ـ ورد في الآيات الأخيرة من سورة الفجر: (ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَةُ ارجعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وِادْخُلِي جَنَّتِي).
وهذا الخطاب عام يشمل الرّجل والمرأة معاً، لأنّ التّكامل أحد الجانب الإلهية والإنسانية حيث يكون كلّ من الرّجل والمرأة فيه على قدم المساواة وعليه فان جميع أفراد البشر ـ رجالا ونساءاً ـ يخضعون لشمولية هذا العنوان وتعمّهم دائرة النفس المطمئنة في صورة اجتيازهم أسوار النفس اللّوامة.
ب ـ قال الله تعالى في سورة النحل الآية 97: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَر أو اُنْثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحْيِينَّهُ حَياةً طَيْبَةً وَلَنُجْزِيَنَّهُم أجْرَهُم بِأحْسَنِ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ).
والآية صريحة بأنّ من يعمل صالحاً ـ رجلا كان أو امرأة ـ استحق الثّواب.
ج ـ قال الله تعالى في سورة الأحزاب، الآية 35: (إنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسلِماتِ وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِناتِ وَالقانِتِينَ وَالقانِتَاتِ و... أعَدَّ اللهُ لَهُم مَغْفِرَةً وَأجْرَاً عَظِيمَاً).
وهذه الآية صريحة بعدم الفرق بين الرّجل والمرأة في هذا الجانب الإلهي.
وهذه الآيات الثلاثة نماذج لكثير من الآيات القرآنية المجيدة الدالة على المساواة بين الرّجل والمرأة في الجانب الإلهي والإنساني.

[150]

الجانب العلمي والثقافي

ولا فرق بين الرّجل والمرأة في هذا الجانب أيضاً.
لم يخص الإسلام التعلّم بالرّجال، بل أوصى كل المسلمين ـ رجالا ونساءاً ـبطلب العلم والتّعلّم، حتى ورد على لسان نبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»(1).
وعليه فلا فرق بين الرّجل والمرأة في الجانب العلمي والثّقافي من وجهة النظر الإسلامية.
سؤال: بعض الرّوايات أوجبت طلب العلم على الرّجال فقط حيث اقتصر فيها على ذكر المسلم دون اضافة المسلمة(2)، وحينئذ ألا يستفاد منها أنّ هناك تفاوتاً بين الرّجل والمرأة من هذا البعد؟
الجواب: أوّلا: إن الوارد في الرّواية المذكورة آنفاً هو التصريح بضرورة طلب العلم على المرأة أيضاً، كالرّجل بلا فرق.
ثانياً: على فرض عدم وجود مثل هذا التصريح المذكور، فاننا نقول بأنّ المراد من «المسلم» ليس فقط الرّجل المسلم، بل المراد جنس المسلم، سواء كان رجلا أو امرأة، كما ورد الخطاب في القرآن الكريم للمسلمين بصورة عامة، فلا يتحدد موضوعه بالرّجال فقط، فمثلا، قال تعالى في سورة البقرة الآية 183: (ياأيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُم الصِّيامُ)، فهنا وان كان المخاطب هم الرّجال، ولكن الصيام لا يختص بهم، بل هو حكم عام لكل المسلمين الواجدين لشرائط التكليف سواء كانوا رجالا أو نساءاً، وبعبارة اُخرى: إن هذه الصّياغة في الخطابات تعتمد على التّغليب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ميزان الحكمة : الباب 2847 الحديث 13445.
(2) ميزان الحكمة : الباب 2847 الحديث 13446.

[151]

في الاستعمال.
والنّتيجة هي أنّه لا فرق بين الرّجل والمرأة في طلب العلم والمعرفة وسائر الاُمور الثّقافية والفكرية.
سؤال آخر: إذا لم يكن هناك فرق بين الرّجال والنّساء في الجانب الثّقافي والعلمي، فلماذا نجد بعض الرّوايات تصرّح بمنع تعليم النّساء الكتابة وسورة يوسف وتعليمهن الحياكة وسورة النور(1) ؟ فلو قلتم : إنّ الآيات الواردة في سورة يوسف تحكي قصّة زوجة عزيز مصر والنّساء المصريات اللاتي كنّ معها، وهذه الآيات على الرغم من انّها ذكرت في القرآن ولوحظ فيها اُسس العفّة والأخلاق، إلاّ انّها قد تثير بعض النّساء. قلنا: إنّ هذا المقدار لا يمكن أن يكون مانعاً من تعليمهن هذه السّورة الشريفة لنيل ثواب قراءتها، والدقّة في مفاهيمها.
والحاصل، إنّ النّساء والرّجال ليسوا سواء في الجانب الثّقافي والعلمي.
الجواب: أوّلا: إنّ أسانيد هذه الرّوايات ضعيفة ولا يعتمد عليها(2).
ثانياً: يستفاد من بعض الرّوايات الاُخرى عكس هذا المدعى، أي ورد الحث والتأكيد على تعليم هذه السورة للنّساء(3).
وثالثاً: إنّ التدقيق في آيات سورة يوسف (عليه السلام) المباركة يبين لنا أنّ هذه السّورة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان : ج 5 ص 206.
(2) ورد في تفسير البرهان : ج 2 ص 242، روايتان في هذا المضمون وكلتاهما ضعيفتا السند،  فانّ في سند إحداهما السكوني ولم يوثق ولا يعتمد على روايته، وفي سند الاُخرى سهل  بن زياد الذي ضعّفه كثير من علماء الرجال، مضافاً إلى انّ الرّواية الثانية مرفوعة.
 كما انّ مضمون هاتين الروايتين يعارض الآيات القرآنية ـ التي ترى بأنّ القرآن مفيد لكل  الناس رجالا ونساءً، ولذا فالروايات المعارضة للقرآن مطروحة.
(3) التّفسير الأمثل : ج 7 ص 107.

[152]

مضافاً الى عدم وجود أيّة نقطة سلبية للنساء فيها، تفيد أن سلوك زوجة عزيز مصر المشين ومردوداته الوخيمة، تعتبر خير درس وعبرة لكل من يوسوس له الشيطان، وكيف كان ، فلا تفاوت بين الرّجل والمرأة من جهة المسائل العلمية والثّقافية.

الجانب الاقتصادي

خلافاً للجانبين السّابقين، فانّ الرّجل والمرأة في هذا الجانب الثّالث لا يقفان على اُفق المساواة، أي أنّ مصروفات الرجال حتى في عصرنا الحاضر ـ بل في المجتمعات التي لا تعطي للدين قيمة وتدعي المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء ـ أكثر بكثير من مصروفات المرأة. وهذا الفرق أمر واقعي لا يمكن إنكاره بمجرد بعض الشعارات الجاذبة، ويعود هذا الفرق لعدّة أسباب:
أ ـ إنّ المرأة تقضي شطراً طويلا من حياتها في الحمل والولادة والرضاعة والحضانة، وهي طبقاً للأعراف والتّقاليد في كل المجتمعات مسؤولة عن تربية الأولاد. وهذه المراحل تشغل قسماً كثيراً من أفضل أيّام حياة المرأة، وهي أيّام الشّباب.
فإذا كان للوالدين ثلاثة أولاد على أقل التّقادير(1). وإذا أرادت كلّ اُمٍّ أن تقضي ثلاثة دورات حمل وولادة وحضانة وتربية أطفال، فانّ قسماً مهماً من أيّام شبابها تكون وقفاً على هذه الدّورات الثّلاث، مضافاً إلى انّ ذلك يستهلك بعض طاقتها وقدرتها، وهذه المسألة مرتبطة بطبيعة المرأة التركيبية والجسدية، وهو أمر واقعي لا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لبقاء النّسل البشري، لابدّ أن تنجب كل اُمّ ثلاثة أولاد، فانّ اثنين منهما يحلان محلالأبوين،  والثالث يُعد للأحداث والكوارث والحروب والزلازل والفيضانات و الأمراض وغير ذلك، أو  للتعويض عن عدم إنجاب بعض النّساء، وموت بعض الأطفال، ولذا فانه لا يكفي أن  تنجب كل اُم مولودين فقط، بل لابدّ من إنجاب ثلاثة أطفال على أقل تقدير.

[153]

مفرّ منه، ويعتبر من الموانع التي تعيق المرأة عن ممارسة الفعاليات والنشاطات الاقتصادية كما يمارسها الرجال.
ب ـ إنّ تركيب المرأة الجسدي يختلف عن تركيب الرّجل، فجسدالرّجل يتناسب مع الأعمال الصعبة، بخلاف جسد المرأة الذي لا يتناسب مع كثير من تلك الأعمال والممارسات، ولذا فانّ المرأة ممنوعة جسدياً عن بعض الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية حتى في تلك المجتمعات التي تدعي المساواة بينهما.
ج ـ وبغض النظر عن الاُمور المذكورة أعلاه، فاننا وبحسب الدراسات العلمية والاحصائيات نجد أنّ الرجال أكثر تحصيلا للثروة من النّساء، حتى في المجتمعات المدعية للمساواة.
ونخلص من ذلك، أنه لا فرق بين النّساء في الجانب الإلهي والجانب الثقافي، ولكنهما يختلفان في الجانب الاقتصادي، ومن هنا اعتبر الإسلام الزوج مسؤولا عن تأمين زوجته إقتصادياً.
ومن هنا فانّ الفراغ الناشي من فقدان الرّجل في العائلة أكبر من الفراغ الناشي من فقدان المرأة فيها، ولذا كانت دية الرّجل ضعف دية المرأة.

6 ـ الإجابة عن عدّة أسئلة

السّؤال الأوّل:
كما مرّ سابقاً لا يخفى أن للنّساء في هذا العصر مشاركة فعّالة في كثير من الحقول الاقتصادية جنباً إلى جنب الرّجل، بل أنّ المرأة قد سبقت الرّجل في بعض النّشاطات، ومن هنا نجد أحياناً انّ بعض النّساء ينتخبن كعاملات نموذجيات في مجال الصناعة أو الزراعة، والسؤال هو: هل أنّ دية مثل هؤلاء النسوة نصف

[154]

دية الرّجل أيضاً، أم أنّها مساوية لديته؟
الجواب:
أشرنا مسبقاً الى أنّ تشريع القانون يلاحظ فيه الحالات العامة والغالبة، لا الحالات الفردية المحدودة، ولا شك في أنّ مجموع رجال مجتمع أكثر فعالية من مجموع النّساء في ذلك المجتمع.
وبتعبير آخر، انّ فلسفة وحكمة تشريع القوانين موجودة في الحالة الغالبة والعامة، لا في كل الأفراد، ومع ذلك فانّ القانون يطبّق على كل الأفراد بلا استثناء، حتى اُولئك الذين لا تتوفر فيهم حكمة القانون وغاياته(1).
وهذا المعنى هو السّائد في القوانين والعادات العرفية أيضاً، فمثلا الغرض من منع اجتياز إشارات المرور في الشوارع المتقاطعة إنما هي للحدّ من حوادث المرور، فلو فرضنا أنّ شخصاً كان يقود سيارته ووصل إلى تقاطع ما، فكان الضوء أحمراً، ولم يكن في الجهة المقابلة أي واسطة نقل يحتمل اصطدامه به، فهل يحقّ له اجتياز التقاطع في تلك الحالة بحجة أنّ الشارع خال من السيارات؟ كلاّ، فانه لو كان ذلك جائزاً لأمكن التشكيك والاخلال في كل الأحكام.
السّؤال الثّاني:
قد يكون المقتول طفلا ذكراً أو اُنثى، فهل أن دية الطّفل الذكر ضعف دية الاُنثى كذلك؟ في حين أنّه لا فرق بين هذين الطفلين، فان الفراغ الناشئ من فقدان الطفل الذكر مساو للفراغ الناشي من فقدان الطفلة (إذا كان المعيار هو الضرر الاقتصادي)، فلماذا تكون دية الاُنثى هنا نصف دية الذكر؟
الجواب:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد تعرضنا لهذا البحث بالتفصيل في بحث «فلسفة ضمان العاقلة».

[155]

أوّلا: انّ هذين الطفلين لن يبقيا طفلين إلى آخر العمر، وعليه فان الطّفل الذكر يعتبر منتجاً اقتصادياً بالقوّة، وإن لم يكن كذلك بالفعل، وجانبه الاقتصادي هذا أقوى من جانب الاُنثى الاقتصادي وان كان بالقوّة وليس بالفعل!
ثانياً: كما قلنا في الجواب على السؤال الأوّل، فانّ القوانين يلاحظ فيها الحالة العامة والغالبة، ولا يمكن أن يستثني تطبيقها في بعض الموارد الجزئية، لأنّ ذلك يؤدي إلى زعزعة تلك القوانين.
السّؤال الثّالث:
إذا كانت الغاية من تشريع الدّية هي تعويض الخسارة الاقتصادية النّاشئة من فقدان القتيل، فانّ هذه الغاية تختلف شدّة وضعفاً في نفس جنس الرجال، فلابدّ أن تختلف الدّية في الرجال أنفسهم، فانّ الفراغ الذي ينشأ من فقد الرّجال ليس متساوياً، فهو في فقد العالم أكبر منه في فقد العامل مثلا! ولا يتساوى الفراغ الناشئ من فقد مهندس ماهر مع فقد عامل بسيط أبداً! وكذا الفراغ الناشئ من فقد طبيب متخصص حاذق و فقد مضمّد عادي! وعليه فلابدّ من اختلاف فاحش في ديات الرّجال أنفسهم ؟
الجواب:
كما قلنا سابقاً، فانّ الفرد ليس هو الملاك في وضع القوانين، وإنّما المعيار هو مجموع أفراد المجتمع، وعليه إذا أخذنا بعين الاعتبار مثل هذه الفروق فانّ المجتمع سيتعرض إلى اختلاف وجدال دائمي، وقد ينجر الأمر إلى الفوضى الاجتماعية والاضطراب.
ولذا فانّ الشارع المقدّس لم يلاحظ هذه الاختلافات الجزئية في ملاكاته القانونية.
السّؤال الرّابع:
إنّ الإختلاف بين الرّجل والمرأة في المجالات والفعاليات الاقتصادية هو حصيلة

[156]

ظلم الرّجال للنساء على مرّ التّاريخ، وترتب على ذلك إبعاد المرأة عن الحياة الاقتصادية، فلم تتمكن من الإبداع والإزدهار.
فهذا الانكماش للمرأة من قبل الرّجل في النّشاط الاقتصادي وليد المعادلات الظالمة ولا ينبغي ترسيخ هذا الظلم ومن أجله يحكم بتنصيف دية المرأة ؟
الجواب:
قلنا قبل الخوض في هذا الفصل، انه ينبغي أن لا تتأثر البحوث العلمية بالعواطف والشعارات، فإذا ما تأملنا جيداً في الفوارق الطبيعية الموجودة بين الرّجل والمرأة، لم يرد مثل هذا الإشكال.
وبتعبير آخر، إذا فرضنا أنّ المرأة لم تتعرض أصلا لأي ظلم من قبل الرجال، وأنّ كل الأحكام الإسلامية تطبق بشكل دقيق، مع ذلك سنجد فرقاً بينهما في الجانب الاقتصادي، فمن الذي يمنع المرأة اليوم في مجتمعنا من أن تمارس نشاطاً أو عملا اقتصادياً؟
لا يمكننا أن ننكر وجود بعض الموانع الطبيعية التي تمنع المرأة عن ذلك حتى لو لم يمنعها الرجل، وعليه فالاختلاف بينهما في الجانب الاقتصادي أمر طبيعي، ولا ربط له بمسألة ظلم الرّجل للمرأة عبر التاريخ، وان نكن جاحدين لمثل هذا الاجحاف.
السؤال الخامس:
بعد قبول صّحة قبلنا مسألة تنصيف دية النّساء، فانّ مفهوم ذلك هو انه لا مساواة بين الرّجل والمرأة، وهذا مخالف لمقتضى العدل الإلهي ؟
الجواب:
إنّ المهم في الأمر هو تحقيق العدل، والعدل لا يساوق دائماً المساواة، بل قد تكون المساواة أحياناً ظلماً، أي انّ المساواة في بعض الأحيان عدل، وفي أحيان اُخرى

[157]

ظلم، فمثلا لو انّ معلّماً منح كل طلابه درجات متساوية، فهذه مساواة، ولكنها تمثل ظلماً، لاختلاف مستويات الطلاب العلمية والاكتسابية.
نموذج آخر: لم يعتبر الشارع المساواة في الارث، وإنّما حدّد نسبة معينة لكل وريث بحسب الطبقات، لأنّ المساواة هنا ظلم، فلاينبغي أن يأخذ الجميع بالتساوي وإنما لابدّ من ملاحظة درجة قرابة الوريث للمورث(1).
وكذا الكلام في تنصيف إرث المرأة بالنسبة إلى حصة الرّجل. لاحظوا هذه الرّواية الواردة في هذا المعنى :
back page fehrest page next page