back page fehrest page next page

روى هشام بن سالم ـ وهو من أصحاب الإمام الصّادق (عليه السلام) ـ قال: قال عبدالكريم بن أبي العوجاء لمحمد بن علي بن النعمان (مؤمن الطاق) ـ وهو موثّق من قبل علماء الرجال و كان عالماً وماهراً جدّاً في علم الجدل ـ قال: ما بال المرأة الضعيفة لها سهم واحد وللرجل القوي المؤسر سهمان؟ قال: فذكرت ذلك لأبي عبدالله (عليه السلام)فقال: «أن ليس لها عاقلة ولا نفقة ولا جهاد ـ وعدّ أشياء غير هذا ـ وهذا على الرّجال، فلذلك جعل له سهمان ولها سهم»(2).
فهنا لو قلنا بتساويهما في الارث لكان ذلك ظلماً.
أضف إلى ذلك، إنّنا إذا تأملنا جيداً وجدنا بأنّ سهم المرأة أكثر من سهم الرّجل، لأنّ الرّجل يصرف سهماً له ويصرف الآخر على عائلته ومنهم الزوجة، بينما المرأة لا تصرف من سهمها شيئاً على عائلتها، فهي تستفيد من حصّة الزوج مضافاً إلى حصتها، ولا عكس، فحصة المرأة إذن أكثر من حصة الرّجل.
وعليه، فمضافاً الى أن المرأة لا تتعرض للظلم والاجحاف في مسألة الإرث، بل

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ورد هذا المعنى في سورة الأنفال الآية 75.
(2) علل الشرائع : ج 2 الباب371.

[158]

وانّ الشارع المقدس أولاها برعاية خاصة ـ والنتيجة هي انّ المساواة ليست دائماً عدلا، بل قد تكون ظلماًأحياناً(1).
ومن مجموع هذه البحوث نستنتج أن لتنصيف دية النّساء فلسفة واضحة، وهي انّ الضرر الاقتصادي الناشئ من فقدان الرّجل أكبر بمراتب من الضرر الناشئ من فقدان المرأة، ولذا كانت دية الرّجل ضعف دية المرأة.
وما ذكرناه كان أحد الطرق لحلّ مثل هذه الشبهات، ويمكننا هنا أن نعالج الموضوع بنحو آخر، وهو أن نقول:
نحن نعتقد بأنّ الأحكام الإلهية مبتنية على أساس العلم الإلهي اللامحدود، وأنّ القوانين والشرائع خاضعة وتابعة للمصالح والمفاسد، وعليه فانّ ما ندركه من فلسفة الأحكام يرتبط غالباً بالأحكام الكلية، كالصلاة، والصوم، والجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدّية، والارث، وأمثالها، أمّا جزئيات هذه الأحكام فيمكن لنا أن ندركها ويمكن أن لا ندركها، وهي مصداق للحديث الشريف: «لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين الله»(2).
فلماذا كانت صلاة الصبح ركعتين؟ ولماذا كان الطواف سبعة أشواط؟ ولماذا يجب الطواف من اليمين إلى اليسار؟ ولماذا لابدّ أن يبدأ السعي من الصفا ويختم بالمروة؟ وأمثال هذه الأسئلة في خصوص بعض الجزئيات، فقد لا ندرك فلسفتها، ولكن يكفي أن نعلم بأنّ كل هذه الأحكام قد رسمت معالمها بالعلم الإلهي الأزلي، وبعد أن اعتقدنا بالنبوة وعصمة وحقانية أئمة الهدى (عليهم السلام)، نخع لكلّ ما جاء عنهم ونسلّم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكر الشّهيد الاستاذ مرتضى المطهري ـ رضوان الله عليه ـ في كتابه «عشرون مقالة»  الصفحة 97، بحثاً مفصلا عن التمييز الإيجابي والتمييز السلبي.
(2) فرائد الاُصول : طبع جامعة المدرسين، ج 1 ص 218 و 255.

[159]

تسليماً.
هذا، ولا تشكل هذه المسألة مانعاً من السعي لإدراك وتعقُل فلسفة المسائل الكليّة (كفلسفة أصل الصلاة والحج وأمثال ذلك).

7ـ هل يعتبر تنصيف دية النّساء ومنعهنّ عن بعض المناصب الاجتماعية،دليلا على ضعف إيمانهنّ؟!

الأفضل أن نطرح هذا السؤال بصورة أكثر تفصيلاً بأن نقول:
هل كل من منعه الإسلام بعض المناصب يعدّ في ضعفاء الإيمان؟!
وإذا كانت دية المرأة أقل من دية الرّجال، أو اُعفيت من اشغال بعض المناصب، فهل يدلّ ذلك على ضعف إيمانها ونقص عقلها؟!
للإجابة على مثل هذه الأسئلة لابدّ من الالتفات إلى أنّ احراز منصب معين يحتاج إلى الاتصاف بصفات وشرائط ذلك المنصب، فإذا لم تتحقق تلك الشرائط في شخص معين، وأُبعد عن هذا المنصب، فان ذلك لا يدلّ على نقص في ذلك الشخص، فلا يقال انّ إيمانه ضعيف أو أنّ عقله ناقص.
وتوضيح ذلك هو أنّ عدداً من المناصب الحساسة والخطيرة في أي مجتمع من المجتمعات يشترط فيها بعض الشروط والمواصفات، فمثلا للقيام بمنصب القضاء يشترط القانون حدّاً أعلى، وحدّاً أدنى للسن، فلا يسمح لمن كان في سنّ أقل من الحد الأدنى أو أكثر من الحدّ الأعلى القيام بوظيفة القضاء، لأنه إن كان في عمر أقل من الحدّ الأدنى فانه يفتقد التجربة والخبرة الكافية، وان كان في عمر أكثر من الحدّ الأعلى فانه قد لا يمتلك الصبر اللازم لمنصب القضاء الخطير.
وعليه، فمن لم يكن عمره في إطار الشرط المذكور، لا يعتبر ضعيف الإيمان، ولا ناقص العقل، ولا مذنباً!

[160]

وكذا من أراد أن يكون طيّاراً، لابدّ أن يكون طوله بحدّ معين، فمن لم يكن كذلك، بل كان أقصر مثلاً، فإنه يمنع من القيام بهذه المهمة، وليس ذلك ضعفاً في إيمانه، ولا نقصاً في عقله.
وبالجملة إن كل عمل مشروط بشرائط معينة، ويحق فقط لمن حاز تلك الشرائط أن يكون مؤهلاً لذلك العمل وإلاّ فلا، ولا يعني ذلك ضعفاً في إيمانه، أو نقصاً في عقله.

8 ـ خلاصة البحث

نستتج من مجموع البحوث السابقة ما يلي:
أوّلا: إنّ دية النّساء تساوي دية الرجال إلى حدّ الثلث، فان تجاوزت الثلث عادت إلى النصف.
ثانياً: انّ هذا الأمر متفق عليه ومسلّم من وجهة نظر الروايات، وآراء الفقهاء، وعلماء كل المذاهب الإسلامية.
ثالثاً: إن لهذا الحكم الإسلامي فلسفة وحكمة واضحة، وهي عبارة عن أنّ الفراغ الناشئ من فقد الرّجل في العائلة والاُسرة والمجتمع أكبر من الفراغ الناشئ من فقد المرأة، ولذا فدية الرجال ضعف دية النّساء.
رابعاً: اعفاء النّساء من القيام ببعض المهام والمناصب ليس ضعفاً في إيمانهن، ولا نقصاً في عقولهن.
خامساً: لا فرق بين النّساء والرجال في الجانبين الإلهي والعلمي، وإمكان القرب من الله، والارتقاء على مدارج الكمال والعلم.

[161]

9 ـ وصايا لنساء المجتمع الإسلامي

لقد رفع الإسلام النّساء من منتهى حضيض الحرمان إلى أعلى مراتب العزّة والكرامة، وأعطى المرأة ـ وقد حرمت حتى حق العيش والحياة في الجاهلية ـ ذلك المقام الشامخ.
والتّاريخ يحدثنا أنّ المرأة لم تكن تعاني من المظلومية والحرمان في المجتمع الجاهلي فحسب، بل إنّ هذا الأمر كان رائجاً حتى في مناطق اُخرى من العالم، ولم يكن حال المرأة في تلك المجتمعات أفضل من وحالها في المجتمع الجاهلي العربي، فلقد كانت المرأة هي الأكثر حرماناً ومظلومية حتى كانت إنسانيتها موضع التشكيك والترديد، وقد ارتفع هذا الظلم بفضل والإسلام ولله الحمد، وان تخلّف بعض الرجال عن تطبيق رأي الإسلام في حق المرأة، فهذا لا ربط له بالإسلام. وشكر هذه النعمة الكبيرة إنما يكون بعدم الإنخداع والإنجراف مع الشعارات البراقة الخداعة ووساوس الخنّاسين، وكذلك بإطاعة القوانين والأحكام الإلهية، فان صرف النّساء أو الرجال عن وظائفهم الحقيقية لا يُعدّ خدمة لهؤلاء، بل هو خيانة لهم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

* * *

[162]

[163]


7 ـ حجيّة علم القاضي


[164]

[165]


حجيّة علم القاضي

قال الإمام الخميني (قدس سره) في التحرير :
للحاكم أن يحكم بعلمه في حقوق الله وحقوق الناس، فيجب عليه إقامة حدود الله تعالى لو علم بالسبب، فيحدّ الزاني، كما يجب عليه مع قيام البيّنة والإقرار، ولايتوقّف على مطالبة أحد.
وأمّا حقوق الناس فتقف إقامتها على المطالبة، حدّاً كان أو تعزيراً، فمع المطالبة، له العمل بعلمه.
أقول : هنا في الواقع فرعان مختلفان :
أحدهما : حجيّة علم الحاكم في باب القضاء وعدمه.
ثانيهما : إنّه لايشترط في إجراء حدود الله مطالبة أحد، ولكن في حقوق الآدميين يشترط مطالبة صاحب الحقّ.
فما يظهر بادىء الأمر عند ملاحظة العبارة وكذلك عبارة المحقّق في الشرائع من أنّ الفرع الثّاني من قبيل التفصيل في عمل القاضي بعلمه، في غير محلّه، فتدبّر جيّداً.
والكلام يقع في الفرع الأول : وهو مسألةٌ مهمّةٌ لها آثارٌ كثيرةٌ في مختلف أبواب القضاء وفيها أقوالٌ كثيرةٌ، وخلاصة الأقوال في ذلك ما ذكره شيخنا الشهيد الثّاني (قدس سره)في المسالك في كتاب القضاء ما ملخّصه :

[166]

ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ الإمام (عليه السلام) يحكم بعلمه مطلقاً لعصمته المانعة من تطرّق التهمة، وعلمه المانع من الخلاف. والكلام في غيره من الحكّام وهنا أقوالٌ أربعةٌ :
1 ـ وهو الأظهر بينها، أنّه يحكم بعلمه مطلقاً.
2 ـ قيل : لايجوز مطلقاً.
3 ـ وهو قول ابن إدريس : يجوز في حقوق النّاس من دون حقوق الله.
4 ـ وهو قول ابن الجنيد : بالعكس في كتابه الأحمدي(1).
وهناك قولٌ آخر نستحسنه وسنشير إلى أدلّته وهو الأفضل، وحاصله الفرق بين مبادئ العلم فإنّ مبادئ علم القاضي على ثلاثة أقسام :
1 ـ ما تكون حسّيةً، كما إذا رأى الحاكم من يشرب الخمر أو سمع القذف.
2 ـ ما لاتكون حسيّةً ولكن تكون قريبةً من الحسّ مثل ما ورد في قضاء مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ من أنّه أمر بشقّ ولد تنازعت فيه إمرأتان، كلّ واحدة منهما تدّعي أنّها أُمّه، فقالت إحداهما : لا تشقّه يا أميرالمؤمنين واعطه الاُخرى(2) فعلم (عليه السلام) أنها أُمّه، وكذلك ما حكي من أمره (عليه السلام)قنبر بضرب عنق العبد عندما تنازع رجلين، كلٌّ منهما يدّعي أنّه المولى والآخر عبده، فلمّا رأى أنّ أحدهما نحّى عنقه مخافة ضربه، علم أنّه العبد(3).
إلى غير ذلك ممّا ورد مشابهاً لهذه الاحداث فإنّ المستند في جميع ذلك هو العلم الحاصل من المبادئ القريبة من الحسّ.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المسالك : ج 2 ص 359 ونسب في الإيضاح : ج 2 ص 313 القول الثالث إلى ابن إدريس  كما هنا، ولكن عبارة الحلّي في السرائر تشير إلى القول الأوّل حيث قال : «عندنا للحاكم أن  يقضي بعلمه في جميع الأشياء». (السرائر، كما في سلسلة الينابيع الفقهية : ج 11 ص 251).
(2) لاحظ الوسائل : ج 18 ص 212 باب 21 من أبواب كيفية الحكم، ح 11.
(3) انظر الوسائل : ج 18 ب 21 من أبواب كيفية الحكم ح 4 و 9.

[167]

3 ـ ما كان حاصلاً من مبادئ حدسيّة محضة عن طريق جمع القرائن المختلفة التي ستأتي الإشارة إليها فعلم من جميعها بواقع الأمر.
فنقول بحجيّة علمه في الأولين دون الأخير(1).

أقوال العامّة

قال شيخ الطائفة (قدس سره) في كتاب القضاء من الخلاف ما خلاصته :
للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأحكام من الأموال والحدود والقصاص وغير ذلك، سواء كان من حقوق الله أو من حقوق الآدميين ولا فرق فيه بين أن يعلم بعد التولية أو قبلها، وفي موضع ولايته أو غير موضع ولايته.
وللشافعي قولان : أحدهما مثل ما قلناه أي القبول مطلقاً والثاني أنّه لا يقضي بعلمه بحال (وقد يقال إنّما توقّف فيه لفساد القضاة في عصره).
وبه قال من الفقهاء مالك وأحمد.
وأمّا أبو حنيفة فإنّه فصّل بين ما إذا علم بذلك، بعد التولية في موضع ولايته، وما إذا علم به قبل التولية أو بعدها في غير موضع ولايته.
هذا في حقوق الآدميين، وأمّا في حقوق الله تعالى فلا يقضي عندهم بعلمه بحال.
ثمّ أستدلّ على مختاره بالإجماع وأخبار الطائفة وأدلَّة اُخرى ستأتي الإشارة إليها إن شاء الله(2).

أقوال الخاصّة

قال في الجواهر :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيأتي توضيح القول المختار وإقامة الأدلّة بما لا مزيد عليه.
(2) الخلاف : كتاب القضاء المسألة 41.

[168]

وغيره (غير الإمام المعصوم (عليه السلام)) من القضاة يقضي بعلمه في حقوق النّاس قطعاً، وفي حقوق الله تعالى على قولين أصحّهما القضاء، وفي الانتصار والغنية ومحكي الخلاف ونهج الحقّ وظاهر السرائر، الإجماع عليه، وهو الحجّة(1).
وقال النراقي في المستند :
إذا كان الحاكم عالماً بالحقّ فإن كان إمام الأصل فيقضي بعلمه مطلقاً إجماعاً، وإن كان غيره فكذلك على الحقّ المشهور كما صرّح به جماعة بل عن الانتصار والغنية والخلاف ونهج الحقّ، وظاهر السرائر الإجماع عليه(2).
والكلام في مقامين :
المقام الأوّل : هل يقضي الإمام المعصوم (عليه السلام) بعلمه أم لا ؟
المشهور المعروف المدّعى عليه الإجماع عن جماعة من الأكابر أنّه يقضي بعلمه مطلقاً، بل لم يحك الخلاف إلاّ عن ابن الجنيد وحيث أنّ هذه المسألة قليلة الجدوى، لأنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) أعرف بوظائفه من كلّ أحد، نغضّ النظر عنها(3).
المقام الثّاني : وحاصل الكلام فيه يستدعي تقديم أمرين :
1 ـ حجيّة العلم لا تنافي عدم العلم به في مقام القضاء، لأنّ العلم كما ذكر في محلّه على قسمين :
«علمٌ طريقيٌ وعلمٌ موضوعيٌ»، والعلم الطريقيّ حجة من أيّ سبب حصل ولأيّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 40 ص 88 .
(2) مستند الشيعة : كتاب القضاء ج 2 ص 530.
(3) قال المحقّق الخوانساري في جامع المدارك في كتاب القضاء ج 6 ص 14 : ويمكن أن يقال :  لا ثمرة للبحث عن هذا فإنّه (عليه السلام)أعرف بتكليفه ومع ذلك يلاحظ أنّه قد لايحكم بعلمه فإنّ  الزاني إذا اعترف بفعله لايقام عليه الحدّ مع حصول العلم غالباً بإقراره مرّةً ويلاحظ بعض  المحاكمات لهم (عليهم السلام) وعدم حكمهم حتّى لو أقرّ أحد المتحاكمين مع قيام بعض الشواهد على  صدق أحد الطرفين وكذب الآخر. هذا مع أنّ معتقد الشيعة بأنّهم يعلمون بأفعال الناس وإن  كان بناؤهم على عدم الإظهار إلاّ في بعض الأوقات.

[169]

شخص كان، بل الحجيّة ثابتة في ذات العلم فلايحتاج إلى برهان ولا يمنع منه مانعٌ.
وأمّا العلم الموضوعي فحجيّته تابعة لدليل اعتباره في الموضوع، فإن أخذ فيه مطلقاً كان حجّة كذلك، وإن أخذ بنحو خاص فهو أيضاً كذلك كما في مقام الشهادة.
وإنّما الكلام في أنّ باب القضاء ـ وما هو طريق فصل الخصومة ـ من أيّهما ؟
فهل المدار فيه على ثبوت الواقع بالعلم أو الطريق الظنّي المعتبر القائم ماقام العلم الطريقيّ ؟
أو لايكفي ثبوت الواقع فيه للقاضي إلاّ من طريق خاصٍّ، فالواجب تحصيل العلم أو الظنّ المعتبر الحاصل من طرق خاصّة (كالبيّنات والإيمان).
وبعبارة اُخرى هل الواجب على القاضي فصل الخصومة وإحقاق الحقوق بما ثبت عنده وتحقّق له من أي طريق كان، وإيصال الحقّ إلى صاحبه مهمّا كان ؟ أو اللازم عليه كون إلاحقاق من طرق خاصّة عيّنها الشارع ؟ فليس العلم أو الظنّ هنا علماً أو ظنّاً طريقيلاً محضاً بل هما مأخوذان في موضوع حكمه.
وقد ذكر في محلّه أنّه لا مانع من أخذهما في الموضوع بصفة الطريقيّة.
الذي يظهر بعد التدقيق في أدلّة القضاء وآدابه، أنّ الشارع المقدّس جعل له طرقاً خاصّةً، ومن هنا يظهر أنّ استدلال صاحب الجواهر (قدس سره) وغيره في إثبات حجيّة علم القاضي ـ بما ورد في الكتاب من قوله تعالى : (...وإن حكمتَ فَاحكمْ بَينهم بالقِسط...)(1) وقوله تعالى : (...وإذا حَكمتمْ بينَ الناسِ أن تَحكموا بالعدل...)(2). وقوله تعالى : (يا داود إنّا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين النّاس بالحقّ...)(3)ومَن حكم بعلمه فقد حكم بالحقّ والعدل(4) ـ قابل للنقد والإشكال.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المائدة: 42.
(2) النساء : 58.
(3) ص : 26.
(4) جواهر الكلام : ج 40 ص 86 .

[170]

وحاصل كلامه أنّ الحكم معلّق على عناوين واقعيّة من «الحقّ» و «القسط» و«العدل» والعلم طريق إليها فيجوز الحكم على وفقه ولكنّه أوّل الكلام لإمكان اعتبار ثبوتها من طرق خاصة كالبيّنة والإيمان.
وكذا الاستدلال بالأولوية وأنّ العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها (فهو مقبول في إثبات الحقوق والحدود)(1).
وكذا قوله أنّ تحقّق الحكم معلّق على عنوان قد فرض العلم بحصوله ومراده أنّ حدّ الزنا معلّق على عنوان «الزانيّة» و «الزاني» في الآية الشريفة والروايات الكثيرة، وكذا حدّ السرقة معلّقٌ على عنوان «السارق» و «السارقة» إلى غير ذلك من الأحكام، فالحكم معلّق على عنوان واقعي والعلم طريق إليه(2).
كلّ ذلك قابلٌ للمناقشة، فإنّه يرد على الجميع أنّ كلّ ذلك فرع كون وظيفة القاضي الأخذ بالواقع مطلقاً، ومن أي طريق علمي أو ظنّي معتبر حصل له، وهذا أوّل الكلام بل من المحتمل كون وظيفته الأخذ بالواقع بقيد الوصول إليه بطرق خاصّة كالبيّنة واليمين، فما لم نتحقّق ذلك في مقام الإثبات لايصحّ الاستناد إلى هذه الأدلّة وأمثالها.
والحاصل أنّ أساس هذه الاستدلالات هو ثبوت كون العلم هنا طريقياً محضاً، لا موضوعيّاً وهو أول الكلام.
2 ـ الذي يظهر بمراجعة النصوص الواردة في أبواب القضاء من جهة مقام الإثبات هو وجوب كون فصل القضاء بطرق خاصّة لا مطلقاً، ويدلّ على ذلك اُمورٌ :
أ ـ ما ورد في صحيحة هشام عن الصادق (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 40 ص 86 .
(2) نفس المصدر.: ص 88 .

[171]

«إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان وبعضكم ألحق حجيّته من بعض»(1).
وظاهر هذه الجملة أنّ مدار القضاء إنّما هو على البيّنات والإيمان، وغيرها يحتاج إلى دليل.
ب ـ ما ورد من تقسيم القضاة إلى أربع وأنّ من قضى بالحقّ وهو لايعلم فهو في النار(2).
فلو كان العلم طريقيّاً محضاً كان الحكم بالحقّ كافياً، مع حكمه بأنّه في النّار.
إن قلت : يمكن أن تكون هذه العقوبة من باب التجرّي.
قلتُ : حرمة التجرّي أوّل الكلام، وعلى فرضها يشكل كونها من الكبائر التي أوعد عليها النّار فتأمّل.
ج ـ ما رواه إسماعيل بن أبي أويس عن ضمرة بن أبي ضمرة عن أبيه عن جدّه قال : قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) :
«أحكام المسلمين على ثلاثة : شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمّة الهدى»(3).
وفي بعض طرق الحديث «جميع أحكام المسلمين» وفي آخره «أو سنّة جارية من أئمّة الهدى»(4).
ولعلّ المراد من السنّة الماضية أو الجارية الإشارة إلى بعض الأحكام الناقضة لليمين أو البيّنة أو قائمة مقامهما كأحكام العفو أو القسامة أو غيرهما.
وكيف كان فمن البعيد كونها إشارةً إلى علم القاضي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 2 من أبواب كيفية الحكم ح 1.
(2) الوسائل : ج 18 ب 4 من أبواب صفات القاضي ح 6.
(3) الوسائل : ج 18 ب 1 من أبواب كيفية الحكم ح 6.
(4) ذكرها في الوسائل ذيل الحديث السابق.

[172]

فجميع الأحكام تدور مدار هذه الاُمور الثلاية، فلو حصل علم لابدّ أن يحصل من أحد هذه الاُمور لا غير، إلاّ أن يقوم دليلٌ آخرٌ على اعتبار العلم فيؤخذ به بمقدار ما دلّ الدليل عليه.
د ـ ويؤيّد ذلك كلّه الفرق بين أبواب القضاء وغيرها من عدم كفاية بعض الأمارات المعتبرة في غيرها فيها أحياناً، كاعتبار أربع شهود في بعض الحدود، وعدم كفاية أصالة البراءة عند الشكّ في الحقوق هنا، إلاّ مع اليمين مع أنّ البراءة كافية في سائر الأبواب إلى غير ذلك.

* * *

أدلّة القائلين بالجواز مطلقاً

وكيف كان فقد استدلّ على جواز الحكم مطلقاً ـ كما في الرياض(1) وغيره ـ على وفق علم القاضي باُمور :
1 ـ دعوى الإجماع عليه من الطائفة المحقّة وقد حكاه كثير من الأكابر، منهم السيد والشيخ وصاحب الغنية والسرائر وغيرهم ـ أعلى الله مقامهم ـ فيما حكي عنهم.
ولكنّ الاعتماد على مثل هذه الإجماعات مشكلٌ كما ذكر في محلّه غير مرّة لأنّه مدركيٌ مضافاً إلى ظهور الخلاف من بعضهم.
2 ـ إنّ العلم أقوى من البيّنة وجواز الحكم بها يستلزم الجواز بالعلم بطريق أولى.
ولكن قد عرفت أنّ ذلك إنّما يصحّ إذا كان المدار هنا على الواقع فقط، وكان العلم طريقيّاً محضاً. وأمّا إذا علم أو احتمل كون المدار على ثبوت الواقع من طرق خاصّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رياض المسائل : ج 2 ص 389.

[173]

في أبواب القضاء فلا; فإنّ الأصل عدم نفوذ حكم أحد على أحد إلاّ ما ثبت بالدليل.
3 ـ عموم الأدلّة الدالّة على الحكم بعناوين معلومة كحدّ السارق والزاني وغيرهما في الخطاب للحكّام. فإذا علم القاضي بهذه العناوين كان الواجب عليه إجراء حكمها، وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيرها بطريق أولى.
وقال السيّد المرتضى في ما حكاه عنه في الرياض في مقام دعوى اتّفاق الأصحاب ما نصّه :
كيف يخفى إطباق الإماميّة على وجوب الحكم بالعلم، وهم ينكرون توقّف أبي بكر عن الحكم لفاطمة (عليها السلام)بفدك لمّا ادّعت أنّها نحَلَها أبوها ويقولون أنّه إذا كان عالماً بعصمتها وطهارتها وأنّها لا تدّعي إلاّ حقّاً فلا وجه لمطالبتها بإقامة البيّنة لإنّ البيّنة لا وجه لها مع القطع بالصدق(1).
ويمكن المناقشة فيها أيضاً بما عرفت سابقاً من أنّ هذا الدليل وأشباهه إنّما هو فرع كون المدار على الحكم بالواقع، لا إذا كان المدار على ثبوت الواقع من طرق خاصّة حتى أنّ احتماله كاف في البناء على الفساد إلاّ ما ثبت بالدليل.
وأمّا قصّة «فدك» فليس لها صلة بباب القضاء غاية الأمر أنّ أبا بكر ـ على الفرض ـ كان شاكّاً في أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان نَحَلَها إيّاها أو كانت فدك باقيةً على ميراثه فإذا أخبرت بحالها الصديقة الأمينة وجب عليه قبول قولها وليس هذا بأكثر من المال المجهول المالك فإذا علم بمالكه من أيّ طريق، وجب ردّه إليه لا من باب القضاء وفصل الخصومة، بل من باب ردّ المال إلى صاحبه، ولذا لايختصّ ذلك بالقاضي بل كلّ من علم بأنّ هذا المال لفلان وجب عليه ردّه، إذا كان في يده.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الانتصار : كما في سلسلة الينابيع الفقهية : كتاب القضاء ج 11 ص 32 وعنه في الرياض :  ج2 ص390.

[174]

وإن شئت قلت : يرجع إلى الحاكم الشرعي بما هو حاكم في أمرين :
أحدهما : إحقاق الحقوق فيما اختلف فبه الناس.
ثانيهما : إجراء الحدود في ما ارتكبوه ممّا يوجب الحدّ أو التعزير، ولايجوز ذلك لغير الحاكم الشرعي.
وأمّا إيصال المال إلى صاحبه فهو وظيفة كلّ أحد ـ إذا كان في يده ـ فلذا إذا كان رجلٌ وصيّاً عن رجل آخر وادّعى أحدٌ بأنّ له في ذمّة الميّت كذا وكذا درهماً، أو أنّ له أمانةً عنده صفاتها كذا وكذا فإن علم الوصيّ بصدقه وجب ردّه إليه، كما أنّه لو أقام بيّنةً وجب ردّه ولا ربط لهذا بباب القضاء بل هو من باب ردّ المال إلى صاحبه. فالعلم حجّة في مثله لأنّه طريق إلى الواقع هنا، طريقاً محضاً، ويقوم مقامه البيّنة كما في جميع الموضوعات.
ولكنّ الأمر في باب القضاء ليس كذلك، لإنّه يمكن أن يكون اللازم فيه إحراز الحقّ من طرق خاصّة، وهي الإيمان والبيّنات فقط لا من طرق اُخرى.
وحديث «فدك» من القسم الأوّل لا الثاني، لأنّ فدكاً كانت في يد أبي بكر وعند ذاك، فكان الواجب عليه بما أنّ مال الغير في يده ردّه إليه، لا الحكم فيه بما هو قاض، وإلاّ فلايمكن أن يكون المدّعي قاضياً، فتدبّر جيّداً.
4 ـ لو لم يعمل القاضي بعلمه استلزم إمّا إيقاف الحكم أو فسق الحاكم واللازم بقسميه باطلٌ.
ويمكن الجواب عنه بأنّ إيقاف الحكم وإرجاعه إلى غيره ممّن لا علم له بالواقعة ممّا لا مانع له، بل هو مقتضى العمل بعدم تضييع الحقوق مع عدم القضاء بغير طرقه الثابتة في الشرع فليس الإيقاف بلا سبب.
5 ـ استلزامه أحد الأمرين : إمّا عدم وجوب إنكار المنكر وإظهار الحقّ، أو الحكم بعلمه، وبطلان الأوّل ظاهرٌ فيتعيّن الثاني.
back page fehrest page next page