back page fehrest page next page

والذي يؤيد ذلك، أنّه كثيراً ما يحصل من الإقرار ـ ولو مرّةً واحدةً ـ العلم بارتكابها أو ارتكابه للفجور وأنّ صاحب الإقرار صادقٌ في مقالته. ومع ذلك لايجوز إجراء الحدّ دون الأربع.
وأيّ إنسان لايحصل له العلم من قول المرأة : طهّرني يا أميرالمؤمنين ! فقال لها : ممّا أطهّرك ؟

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفتاح الكرامة : ج 10 ص 37. ورواها في المسالك أيضاً : ج 2 ص 359.

[189]

فقالت : إنّي زنيت، فقال : لها ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت أم غير ذلك ؟ قالت : بل ذات بعل، إلى آخر ما ورد في الرواية(1) من عودها بعد وضع حملها وإصرارها على تطهيرها من أمر الزنا، وبكائها من تأخير هذا الأمر مع سلامة عقلها وصحّة فكرها.
ولاينبغي الريب في حصول العلم غالباً في مثل هذه الموارد، ولكنّ الشارع المقدّس لم يعتبر هذا العلم وأطلق وجوب الإقرارات الأربعة. فمن إطلاق هذه الروايات يستفاد عدم الاعتناء بعلم القاضي في خصوص هذا المورد، فهو استثناءٌ من حجّية العلم، لمصلحة الستر وغيره.
اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّ عدم حجّية العلم هنا مقصورٌ على العلم الحاصل من الإقرار أو من البيّنة دون أربع لا مطلقاً، فتأمّل.
ب ـ ما رواه العامّة في حديث أمّ سلمة، قالت : قال (صلى الله عليه وآله) :
فأقضي نحو ما أسمع(2).
ومفهومه عدم قضائه بالعلم الحاصل من طرق مختلفة، بل من سماع الإقرار أو سماع شهادة الشهود.
والجواب عنه ـ مضافاً إلى الكلام في سنده ـ ما عرفت سابقاً في أمثاله من أنّه عامٌّ قابلٌ للتخصيص بأدلّة حجّية العلم.
ج ـ ما رواه الشيخ (قدس سره) في المبسوط مرسلاً :
وقد روي أنّه ليس له أن يحكم بعلمه لما فيه من التهمة(3).
وفيه مع الإشكال في سنده بالإرسال، أنّه ظاهرٌ في نفي القسم الثّالث من العلم،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 16 من أبواب حدّ الزنا ح 1.
(2) صحيح البخاري : كتاب الأحكام ج 9 ص 86 ، باب موعظة الإمام للخصوم.
(3) المبسوط : كتاب القضاء ج 8 ص 166.

[190]

وهو الحاصل من المبادئ الحسيّة التي تختلف فيها الآراء والأنظار، فإنّه هو الذي يوجب الاتّهام. وأمّا في موارد الحسّ أو ما يقرب منه فهو قليلٌ جدّاً وبعيدٌ عن الاتّهام.
وفي ختام هذا البحث، نذكر استدلال بعضهم بكلام ابن الجنيد وحاصله على ما حكاه السيّد في الانتصار :
وجدت الله قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقاً أبطلها فيما بينهم وبين الكفّار والمرتدين كالمواريث والمناكحة وأكل الذبائح ووجدنا قد اطّلع رسول الله (صلى الله عليه وآله)على من كان يبطن الكفر ويظهر الإسلام فكان يعلمهم ولم يبيّن أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعون عن مناكحتهم وأكل ذبائحهم(1).
فهذا دليلٌ على عدم حجّية علم القاضي.
وأجاب عنه السيّد المرتضى في الانتصار بعد نقل مقالته بما حاصله :
إنّا لا نسلّم أنّ الله تعالى أطّلع نبيّه على أحوال الكفّار والمنافقين وإن استدلّ بقوله تعالى (ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم...)(2).
فالجواب عنه أنّه إنّما يدلّ على قدرة الله تعالى على ذلك لا على وقوعه !
ثمّ أجاب ثانياً بأنّه :
لا مانع من أن يكون حكم تحريم المناكحة والموارثة وشبهها مقصوراً على من أظهر كفره دون من أبطنه.
أقول : أمّا الأوّل فهو مبنيٌّ على كون علم النبيّ والأوصياء (عليهم السلام) بخفايا الاُمور من قبيل العلم الإرادي (فلو شاؤوا علموا) لا أنّه من قبيل العلم الفعلي، وفي هذا كلامٌ فى محلّه، ليس هنا موضع بحثه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أشار إليه في الجواهر : ج 40 ص 87 .
(2) محمّد : 30.

[191]

والثاني مبنيٌّ على كون موضوع الحكم خصوص من أظهر الكفر، وهو مخالفٌ لظاهر الإطلاقات الدالّة على إناطة الحكم بالكفر والإيمان الواقعيين، الظاهرة في عدم دخالة العلم والجهل والظهور والتبطن فيها، فتأمّل.
والأولى في الجواب أن يقال :
أوّلاً : هذا مبنيٌّ على كون العلم الحاصل من مصادر الغيب ملاكاً للأحكام، وهو غير ثابت بل الثابت خلافه. فلو علم الإنسان من الطرق العادية بأنّ هذا الرجل كافرٌ أو فاسقٌ أو هذا الطعام حرامٌ أو نجسٌ، يجري عليه أحكامه. أمّا لو حصل هذا العلم له من مصادر الغيب فلا يجري عليه أحكامه.
وبعبارة اُخرى مدار التكليف إنّما هو على العلم الحاصل من الأسباب العادية، لا من طريق علم الغيب بتعليم إلهيٍّ وشبهه. فلو علم النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) من هذا الطريق بكفر أبي سفيان مثلاً أو فسق فلان، أو قتل فلان بيد فلان لايترتّب عليه أحكامه، وإلاّ لم يستقر حجرٌ على حجر; لعلمهم بجملة من الغيوب لو لم نقل بكلّها ـ بإذن الله تبارك وتعالى.
وبهذا نجيب على الإشكال المعروف بأنّ عليّاً (عليه السلام) كان يعلم أنّه لو ذهب إلى المسجد لضربه ابن ملجم، أو أنّ الحسن (عليه السلام) كان يعلم أنّ ماء الكوز مخلوطٌ بالسمّ، إلى غير ذلك من أشباهه ـ مع ما ورد في الأخبار عن علمهم (عليهم السلام) بكثير من قبيل هذه الاُمور(1).
فنقول : حرمة إلقاء النفس في التهلكة إنّما هي فيما علم من الطرق العادية، أمّا إذا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أضف إلى ذلك أنّ مسألة علم الإمام الحسين الشهيد(عليه السلام) بكثير من قضايا كربلاء أو جميعها  هي مسألة اُخرى; لأنّه لو كان يعلم ذلك من الطرق العادية أيضاً، وجب عليه الذهاب إليه  وتضحية نفسه الشريفة لما هو أهمّ كحفظ الإسلام ونجاته من أيدي بني أُميّة، كما في سائر موارد الجهاد الواجبة.

[192]

علم من طريق علم الغيب فهو خارجٌ عن مدار التكاليف.
وثانياً لو سلّمنا فلا دخل لذلك بمسألة علم القاضي لأنّ العلم بأحوال الكفّار والمنافقين خارجٌ عن بحث القضاء، ولايمكن أن يقاس أحدهما بالآخر.
وثالثاً لو سلّمنا فلعلّ عدم حجّية العلم في هذه الموارد لما فيه من الحرج الشديد والعسر الأكيد، فلم يره الشارع المقدّس حجّةً ولايوجب ذلك التعدّي إلى جميع موارد وأقسام علم القاضي.
وبالجملة المسألة أوضح من أن يستدلّ لها بهذه الاُمور.
فظهر من جميع ما ذكرنا بعون الله تعالى وتأييده أنّ الحقّ في المسألة التفصيل بين أقسام العلم وأنّ علم القاضي حجّةٌ في بعض الموارد دون بعض، فهو حجّةٌ في خصوص ما يكون مستنداً إلى الحسّ أو ما يقرب منه، دون ما إذا حصل من أسباب حدسية.
وقد عثرت على كلام للفقيه الماهر صاحب الجواهر (قدس سره) كأنّه يشير إشارةً لطيفةً وجيزةً إلى التفصيل الذي اخترناه في المسألة، قال :
ثمّ إنّ الظاهر إرادة الأعم من اليقين والاعتقاد القاطع ولو من تكثير أمارات من العلم، لكون الجميع من الحكم بالحقّ والعدل والقسط عنده ولغير ذلك ممّا سمعته من أدلّة المسألة. وإن كان هذا الفرد من العلم ممّا يمكن فيه البحث نحو ما ذكروه في الشاهد وليت المانع اقتصر عليه(1).
ومراده من الاعتقاد القاطع هو ما دون اليقين الحسّي من العلم النظري الحاصل من تراكم الظنون وشبهها المنتهي إلى العلم، والذي اخترناه عدم الدليل على حجّيته، وإنّ ما أفاده غير كاف لإثباته. وقوله : «ليت المانع اقتصر عليه» إشارةٌ إلى أنّه لو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 40 ص 92.

[1]

كان المانع عن حجّية علم القاضي يقتصر على نفي حجّية العلم الحاصل من المبادئ النظرية الحدسيّة لكان لقوله وجهٌ يعتدّ به، ولكنّه أنكر حجّية جميع أنحائه فوقع في الخطأ، وكلامه موافق إجمالاً لما اخترناه في المقام.

بقي هنا مسائل

الاُولى : قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ القول بالتفصيل بين حدود الله وحدود الناس إنّما هو بمعنى كون حدود الناس تحتاج إلى المدّعي الخاصّ وهو صاحب الحقّ، فلا يجوز إجراؤها بدونه كما هو مذكورٌ في أبواب حدّ السرقة والقذف.
وأمّا إذا كان هناك مدّعياً للحقّ وعلم القاضي من طريق الحس أو ما يقاربه بثبوت الحقّ للمدّعي، فلا يبعد وجوب العمل به. وكذا إذا كان هناك حقوق للناس ـ خارجاً عن دائرة الحدود ـ كما إذا كان النزاع في الود أو المال أو غير ذلك، وثبت بالقرائن المحسوسة التي يحصل اليقين منها لكلّ أحد عادةً أنّ المال لزيد أو لعمرو جاز للحاكم الحكم به، كما تشهد به كثيرٌ من الروايات السابقة; فإنّها وردت في أبواب التنازع في الحقوق أو الأموال، فإذن لايبقى فرقٌ بين الحدود والحقوق، ولا بين حدود الله وحدود الناس; لاتّحاد الدليل في البابين وإنّما الفرق في أنّ الأُولى لاتحتاج إقامتها إلى شيء والثانية تتوقّف على المدّعي الخاصّ.
الثّانية : قد يستثنى من القول بعدم الحجّية اُمورٌ، قال في المسالك :
إنّ منع من قضاء القاضي بعلمه استثنى صوراً :
منها : تزكية الشهود وجرحهم لئلاّ يلزم الدور والتسلسل. (ومراده أنّ تزكية الشاهد لو احتاج إلى شاهدين آخرين ننقل الكلام إليهما، وهكذا، فإمّا أن يعود فيلزم الدور، أو لا يعود فيلزم التسلسل، فلا مناص من عمل القاضي بعلمه في عدالة الشاهد لا محالة.

[194]

ومنها : الإقرار في مجلس القضاء وإن لم يسمعه غيره (فإنّه يعمل بعلمه فيه).
ومنها : العلم بخطأ الشهود يقيناً أو كذبهم (الحاصل من القرائن المختلفة).
ومنها : تعزير من أساء أدبه في مجلسه وإن لم يعلم غيره، لأنّه من ضرورة إقامة أبّهة القضاء.
ومنها : أن يشهد معه (أي مع القاضي) آخر، فإنّه لا يقصر عن شاهد»(1).
وقد حكى ذلك في الجواهر، ثمّ أورد على الأخير بعدم وضوح دليل الاستثناء مع كونه من القضاء بالعلم بل وفي بعضها الآخر أيضاً(2) وتمام الكلام موكولٌ إلى محلّه من باب القضاء.
هذا ولو كانت هذه المستثنيات مسلّمةً كانت من قبيل الإستثناء المنقطع، فإنّ الكلام في حجّية علم القاضي بالواقعة المطروحة في محكمته، مثل القتل، والدين، والزنا، لا علمه بكلّ شيء يرتبط بقضائه، وإلاّ لم تنحصر المستثنيات فيما ذكر، فإنّ معرفة المتخاصمين، ومعرفة لغتهما وكلامهما ومحتواها، ومعرفة إجراء الأحكام التي صدرت منه، وغير ذلك من أشباهه تكون بعلم القاضي، أو أحد طرقها هو علم القاضي، فإذا رأى إجراء الحدّ على المجرم بالقطع أو الضرب (وعدد الجلد) أو رأى المتخاصمين في المجلس الثاني بعد المجلس الأوّل، أو عرف أبناء زيد وورثته، يعمل بها بلا إشكال.
هذا وقد عرفت ممّا سبق أنّ هناك بعض المستثنيات مثل ما مرّ من أنّه لو حصل العلم للقاضي من الإقرار بالزنا وأشباهه (من أوّل مرّة أو الثّاني أو الثّالث) وكذا من قول شاهد واحد، أو اثنين أو ثلاثة، يبعد جواز إجراء حدّ المحصن والمحصنة أو الجلد، إمّا لعدم اعتبار العلم في هذا المجال مطلقاً (وكأنّ الشارع أراد الستر عليهم) وإمّا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المسالك : كتاب القضاء ج 2 ص 359.
(2) جواهر الكلام : ج 40 ص 92.

[195]

لعدم اعتبار العلم الحاصل من خصوص هذه المقدّمات، فتدبّر جيّداً.
الثّالثة : لو قلنا بحجّية علمه من أيّ طريق حصل، كفى الركون إلى الأسباب الموجبة للظنّ إذا حصل من اجتماعها اليقين; مثل كثير ممّا شاع في عصرنا من قبيل أنّ الجرح الحادث في بدن المقتول يتحقق من نوع السلاح الذي كان عند المتّهم بالقتل بشهادة أهل الخبرة، أم لا.
ومثل الآثار الموجودة من أنواع الخدش على بدن الطرفين يدلّ على وقوع مشاجرة بينهما، وكذا إذا قدّ قميصه من قبل أو دبر كما في قصّة يوسف (عليه السلام). ومثل كون القاتل ممّن له السوابق السيئة وعدم كونه من أهل الإيمان. ومثل ابداء الأجوبة المتناقضة في مقابل الأسئلة. ومثل انقلاب حاله عند مشاهدة آثار الجرم والجناية. ومثل شهادة صبيٍّ ومثل ممّن لايقبل شهادته، وكذا الشياع في المجتمع أو شهادة الفسّاق المتحرزين عن الكذب. ومثل بعض الأفلام والأشرطة ممّا لايحصل من شيء منها اليقين لإمكان الدسّ فيها ولكن بعد ضمّها إلى غيرها من القرائن يحصل اليقين منها. ومثل الآثار الموجودة من خطوط اصابع السارق أو شعره أو غير ذلك في محلّ السرقة. ومثل ما يعلم بسبب مشابهة دم الولد لدم مدّعي الأبوّة. ومثل ما هو معروفٌ في زماننا من بعض الأجهزة التي تميز الكاذب من الصادق، لما يحصل في الجهاز العصبي من حدوث التغييرات عند التكلّم بالصدق أو الكذب.
فهذه عشرة أنواع ممّا يوجب الظنّ وقد يحصل من اجتماعها أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر منها العلم الحدسي للقاضي، بل قد يحصل العلم من واحد منها وإن كان بعيداً بالنسبة إلى أقوال الخبراء الذين قد يختلفون في شيء واحد وكلّ واحد يدّعي استناده إلى وسائله وأجهزته.
وعلى كلّ حال فالعلم الحاصل من تراكم هذه الاُمور الظنيّة أحياناً وأمثالها كاف عند القائل بحجّية علم القاضي على الإطلاق، وغير كاف عندنا ولو بلغ ما بلغ، إلاّ

[196]

أن تكون من قبيل المبادئ القريبة من الحسّ التي يحصل القطع منها لكلّ أحد رآها غالباً.
والذي يسهّل الخطب في هذه الموارد أنّ القاضي كثيراً، ما يأخذ الإقرار من المتّهم من هذه الطرق أعني كثيراً ما يقرّ المتّهم على نفسه بالجرم عند مواجهته بهذه القرائن كما حكي عن بعض قضايا أميرالمؤمنين (عليه السلام).
ولابدّ أن يكون القضاة خبراء بهذه الاُمور، يستكشفون الحقائق من طرقها، وبعد العلم الحاصل من المبادئ الحدسيّة لايقنعون به ولا بما هو ظاهرٌ في بادئ الأمر، فقد يكون المتًّهم من إخوان الشياطين ويظهر الباطل في لباس الحقّ، والحقّ في لباس الباطل، فيجتهدون لكشف الحال وتطبيقه على الموازين الشرعية.
ولهذا نرى بعض القضاة في عصر أميرالمؤمنين (عليه السلام) كانوا يحكمون بما يبدو لهم في بادئ الأمر وكان (عليه السلام)ـ كما في روايات أبواب القضاء ـ يردّهم عن قضائهم بما يظهر له عند الفحص والتدقيق وكشف الحال بقوّة الابتكار.
الرابعة : قد مرّت الإشارة إلى أنّ إحقاق حقوق الناس يتوقّف على مطالبة صاحب الحقّ، ونزيدك علماً هنا ليكمل شرح ما ذكره (قدس سره) في تحرير الوسيلة في ذيل المسألة بقوله :
ولا يتوقّف (أي إقامة حدود الله) على مطالبة أحد، وأمّا حقوق الناس فتتوقّف إقامتها على المطالبة حدّاً كان أو تعزيراً، فمع المطالبة له العلم بعلمه.
أقول : هذه المسألة معروفةٌ بين الأصحاب، بل قد ادّعى عدم الخلاف فيها وقد أوردها في الجواهر تبعاً للشرائع في المسألة الخامسة من المسائل العشر التي أوردها في ذيل أحكام حدّ الزنا(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 41 ص 366.

[197]

والكلام فيها تارةً من حيث الكبرى واُخرى من حيث الصغرى :
أمّا الأوّل فيدلّ عليه أوّلاً أنّه موافقٌ للقاعدة، وهي عدم نفوذ القضاء إلاّ ما ثبت بالدليل، فما لم يطالب ذو الحقّ لم ينفذ حكم القاضي.
وثانياً : كونه موافقاً لكلمات الأصحاب كما قال في الرياض : «لا خلاف فيها ظاهراً ولا إشكال»(1).
وثالثاً تدلّ عليه رواياتٌ متعدّدةٌ :
1 ـ صحيحة الفضيل عن أبي عبدالله (عليه السلام) :
من أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ من حقوق المسلمين فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الذي أقرّ به عنده حتّى يحضر صاحب حقّ الحدّ أو وليّه وطلبه بحقّه(2).
كذا في الوسائل، لكن في الرياض : «حتّى يحضر صاحب الحدّ أو وليّه ويطلب حقّه» وهو اصحّ كما لايخفى(3).
2 ـ في صحيحة اُخرى له عن أبي عبدالله (عليه السلام) أيضاً قال :
ومن أقرّ على نفسه عند الإمام بحقّ حدّ (بحدّ ) من حدود الله في حقوق المسلمين، فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الذي أقرّ به عنده، حتّى يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطالب بحقّه... ـ ثمّ ذكر بعض مصاديقه فقال ـ : أمّا حقوق المسلمين فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفرية لم يحدّه حتّى يحضر صاحب الفرية أو وليّه، وإذا أقرّ بقتل رجل لم يقبله حتّى يحضر أولياء المقتول فيطالبوا بدم صاحبه(4).
وهما صريحتان في المطلوب، ولكنّ الظاهر أنّهما روايةٌ واحدةٌ والأولى قطعةٌ من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرياض : ج 2 ص 473، المسألة الثّالثة من لواحق باب الزنا.
(2) الوسائل : ج 18 ب 32 من أبواب مقدّمات الحدود ح 2.
(3) الرياض : ج 2 ص 473 المسألة الثّالثة من لواحق باب الزنا.
(4) الوسائل : ج 18 ب 32 من أبواب مقدّمات الحدود ح 1.

[198]

الثّانية; لاتّحاد المضمون واللفظ والسند.
3 ـ ما عن حسين بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول :
الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر، أن يقيم عليه الحدّ، ولايحتاج إلى بيّنة مع نظره، لأنّه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّ الحقّ إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس(1).
4 ـ ما ورد في باب القذف عن عمّار الساباطي عن أبي عبدالله (عليه السلام) :
في رجل قال للرجل يابن الفاعلة ! يعني الزنا، فقال : إن كانت أمّه حيّةً شاهدةً ثمّ جاءت تطلب حقّها، ضرب ثمانين جلدةً وإن كانت غائبةً انتظر بها حتّى تقدّم وتطلب حقّها، وإن كانت قد ماتت ولم يعلم منها لاّ خير، ضرب المفتري عليها الحدّ ثمانين جلدةً(2).
والظاهر كونها صحيحةً ولكنّها منحصرةٌ بباب القذف، ولكن إلغاء الخصوصية منها قريبٌ. أضف إلى ذلك كلّه أنّ سيرة العقلاء أيضاً على ذلك ولم يردع عنها الشارع المقدّس، فتأمّل.
فالمسألة من ناحية الكبرى ممّا لاريب فيه، وأمّا الصغرى فلا إشكال في أنّ القذف وما أشبه من حقوق الناس، وأمّا مسألة شرب الخمر وأشباهه من حقّ الله ولكن بعض الموارد لايخلو عن شبهة، منها «الزنا بذات البعل» و «السرقة».
أمّا الأوّل فقد يتصوّر كونه من حقوق الناس أو ذات جهتين جهة يكون من حقّ الله، ومن اُخرى من حقّ الناس، فلذا نواجه روايات كثيرةً تدلّ على جواز النظر
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 32 من أبواب مقدّمات الحدود ح 3.
(2) نفس المصدر : ب 6 من أبواب حدّ القذف ح 1.

[199]

إلى المرأة الأجنبية عند إرادة النكاح، وقد علّل بأنّه مستام، أو أنّه يشتريها بأغلى الثمن، فانظر الوسائل، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح فقد ورد فيه ثلاثة عشر حديثاً أكثرها تدلّ على ما ذكرنا.
وهي تدلّ على كون الزنا بذات البعل ممّا يكون سبباً لاغتصاب حقّ الغير.
وأوضح منه التعبير بالأجر في مهر المتعة قال : الله تعالى (فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ اُجورهنَ فريضةً)(1) وكذا التعبير «بأنّهنّ مستأجرات» كما في الخبر(2)وكذا قوله (عليه السلام) في مصحّحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال : «لاتكون متعةٌ إلاّ بأمرين أجلٌ مسمّى وأجرٌ مسمّى»(3) إلى غير ذلك ممّا يدلّ على هذا المعنى، كلّ ذلك يدلّ على أنّه من قبيل حقّ الناس.
وقد شاع في كلمات الفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ التعبير بأنّ المهر ثمن البضع. وقد يستدلّ عليه أيضاً بما رواه أبو شبل قال : قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) :
رجلٌ مسلمٌ فجر بجارية أخيه فما توبته ؟ قال : يأتيه ويخبره ويسألة أن يجعله في حلّ ولايعود، قلت : فإن لم يجعله من ذلك في حلّ  ؟ قال : يلقي الله عزّوجلّ زانياً خائناً(4).
أقول : يمكن الإجابة عن الجميع، أمّا عن الأخير فهو ظاهرٌ فإنّه ورد في الأمة، ولا شكّ أنّ التصرّف فيها تصرّفٌ في ملك الغير ولا تقاس الحرّة بالأمة بلا إشكال.
أمّا ما ذكر من التعبير بالأجر والاُجور والمستأجرات فلا شكّ أنّها تعبيراتٌ مجازيةٌ، فلذا لايجوز إجراء صيغة نكاح المتعة بلفظ الإجارة بل ادّعى الإجماع عليه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء (4) : 24.
(2) وسائل الشيعة : ج 14 ب 4 من أبواب المتعة ح 2.
(3) نفس المصدر : ب 17 من أبواب المتعة ح 1.
(4) نفس المصدر : ج 18 ب 46 من أبواب حدّ الزنا ح 1.

[200]

في محكي المسالك(1). وهذا يكشف عن كونه تعبيراً مجازياً، وأوضح منه التعبير منه بالاشتراء في روايات النظر عند إرادة العقد، فإنّه لا إشكال في عدم معنى للبيع حقيقةً في المرأة الحرّة، بل هو نوع تشبيه ونوع كناية، وهو إشارةٌ إلى بعض الجهات المشتركة بين البيع والنكاح، من بذل المال في مقابل جواز التصرّف وإن لم يكن ثمناً حقيقةً، ولا بيعاًز ولذا لايصحّ عقد النكاح بلفظ البيع والشراء بالإجماع والاّتفاق، فلا دلالة في شيء من هذه الأدلّة.
هذا ويمكن الاستدلال على عدم كونه من قبيل حقّ الناس باُمور :
1 ـ عدم ذكر التحلّل أو شيء آخر يدلّ على كونه من قبيل حقوق الناس في شيء من روايات الباب على كثرتها واشتمالها على كثير من الاُمور الجزئية والفروع الخاصّة، ولذا لم يفت به أحدٌ فيما نعلم.
وكيف يمكن عدم ذكر هذا المعنى المهمّ في شيء من الروايات ؟ وكيف يمكن ان يخفى على جميع أساتذة الفنّ ؟ بل يمكن أن يقال : إنّ كثيراً منها من قبيل الإطلاق في مقام البيان مع عدم ذكر شيء غير الجلد والرجم فيها مع كون الزنا بذات البعل.
2 ـ قد ورد في بعض الموارد جواز عفو الحاكم الشرعي عن الزاني والزانية حتّى إذا كانا محصنين، كما إذا كان بالإقرار، أو شبه ذلك ممّا مرّ في محلّه، مع أنّه لو كان حقّ الناس فيه ثابتاً، لما جاز للحاكم العفو عنه.
3 ـ ممّا يؤيّد المطلوب أنّه لو بني على التحلّل من البعل في هذه الموارد لحصل فسادٌ عظيمٌ بين الناس، وربّما ينجرّ إلى إهراق الدماء وإتلاف النفوس والمفاسد الكثيرة في المجتمع، لوجود موارد عديدة من هذا الأمر ـ مع الأسف ـ في بعض البلاد.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 29 ص 142.

[201]

أضف إلى ذلك أنّه كيف يمكن التحلّل ؟ إذا كان بأمر مالي فكيف يمكن هذا ؟ أو بأمر آخر فما هو ذاك ؟ والحاصل أنّه لاينبغي الشكّ في عدم عدّ هذا من حقوق الناس وعدم الفتوى به من أحد، والله العالم.
وأمّا مسألة السرقة، فهل هي من حقّ الله تعالى ؟ أو من حقّ الناس ؟ أو فيها شائبة الأمرين ؟ ولابدّ من ملاحظة كلمات الفقهاء الأعلام أوّلاً.
قال في السرائر :
«الحقوق على ثلاثة أضرب :
حقّ لله محضٌ، وحقّ لآدمي محضٌ، وحقّ لله ويتعلّق بحقّ الآدميين، فأمّا حقوق الله المحضة فكحدّ الزنا والشرب، فإنّه يقيمه الإمام من غير مطالبة آدمي.
فأمّا حقوق الآدميين المحضة المختصة بهم، فلا يطالب بها الإمام إلاّ بعد مطالبتهم إيّاه باستيفائها.
فأمّا الحقّ الذي لله ويتعلّق به حقّ الآدمي فلا يطالب به أيضاً ولا يستوفيه إلاّ بعد المطالبة من الآدمي، وهو حدّ السارق، فمتى لم يرفعه إليه ويطالب بماله لايجوز للحاكم إقامة الحدّ عليه بالقطع، فعلى هذا التحرير إذا قامت عليه البيّنة بأنّه سرق نصاباً من حرز لغائب، وليس للغائب وكيلٌ يطالب بذلك، لم يقطع، حتّى يحضر الغائب ويطالب.
فأمّا إذا قامت عليه البيّنة أو أقرّ بأنّه قد زنى بأمة غائب فإنّ الحاكم يقيم عليه الحدّ ولاينتظر مطالبة آدمي، لأنّه الحقّ لله تعالى محضاً»(1).
فيظهر من كلامه أنّ السرقة ممّا يكون فيه جهتان، وحيث أنّ النتيجة تابعةٌ للمقيّد بالقيد فيكون إجراء الحدّ فيه منوطً بمطالبة صاحب المال، بل ادّعى في الجواهر أنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سلسلة الينابيع الفقهية : كتاب الحدود ج 23 ص 262.
back page fehrest page next page