الفصل الثامن

صلاحيات الحاكم الإسلامي وشروطه وواجباته

كان بحثنا السابق يدور حول (الواجبات الرئيسة للحكومة) ومن هذا العنوان تُستنتج صلاحيات الحكومة، أي حينما يعيّنون لأحد واجباً فيلزم ـ والحال هذه ـ أن يوفروا له ظروف أداء ذلك الواجب ويمنحوه القدرة القانونية لأدائه، وهذا يعني منحه الصلاحيات المناسبة لواجباته.

فحين يجعلون الحكومة مسؤولة عن الحفاظ على أمن البلاد الداخلي مثلاً، فلابد أن يمنحوها مستلزمات الحفاظ على الأمن، وكذلك حين يوكلون إليها مهمة الدفاع عن حدود البلاد، فلابد أن تمتلك صلاحية العمل بما يلزم لحراسة الحدود، وإلا فإن تعيين  المسؤولية دون منح الصلاحيات اللازمة عبث لا جدوى منه، إذاً ينبغي منح الحكومة الإسلامية صلاحيات لأداء الواجبات التي توكل إليها (وقد منحت لها تلك الصلاحيات بالفعل)، ونحن نبحث هنا بحثاً عقلياً يجيب ـ وفق ما يدركه العقل وطبقاً لمصالح الحياة الاجتماعية ومفاسدها ـ عن الأسئلة الآتية: أي مشروع ينبغي تبنّيه في هذا الشأن؟ وأية واجبات تلقى على عاتق الحكومة؟ وأية صلاحيات ينبغي منحها إياها؟ ووفقاً لتلك الواجبات يمكننا تحديد الصلاحيات التي ينبغي أن تملكها الحكومة.

والجدير بالذكر أن تحديد هذه الصلاحيات تحديداً دقيقاً من مسؤولية القانون، وهذا يعود إلى السلطة التشريعية أيضاً، وهو من جملة تلك القرارات القابلة للتغيير والتي يحتاج إليها المجتمع وينبغي وضعها بإشراف الولي الفقيه الذي يقف على رأس السلطات ومنها السلطة التشريعية، وتطبيقها من قبل السلطة التنفيذية. والذي نحتاج إليه هنا أكثر من غيره هو البحث حول شروط الحاكم والقائمين على شؤون الحكم حيث لا يمكننا وفقاً لأنواع الواجبات التي تلقى على عاتق الحكومة وعلى عاتق السلطات الثلاث تحديد شروط خاصة يؤخذ بها بصورة متساوية ومتماثلة بشأن كل القائمين على الحكم، فالمسؤوليات المختلفة تتطلب شروطاً مختلفة أيضاً.

والمهم هنا أن نوضح مجموعة من الشروط العامة لكل المتولّين لشؤون الحكم والأخذ بها حسب الدرجات المختلفة للمناصب الحكومية والقدرة التنفيذية من حيث القوة والضعف.

شروط المتولّين لشؤون الحكم

بشكل عام يمكننا أن نعتبر ثلاثة من الشروط العامة الضرورية لكل من يتقلد منصباً ومسؤولية حكومية، بالمعنى العام لذلك المنصب وتلك المسؤولية، وهذه الشروط هي:

1ـ معرفة القانون:

فعلى الذي يريد تطبيق قانون معين، سواء تعلق ذلك القانون بالأمن الداخلي أو بالدفاع أو بالعلاقات الدولية أو الأمور الأخرى، أن يمتلك قدراً كافياً من المعرفة بذلك القانون وبالمبادئ والقيم التي يقوم عليها؛ حيث قلنا من قبل إن واجب الدولة هو (تطبيق القانون)، والذي يريد تطبيق القانون، أي مراعاة تلك المصالح والمفاسد التي أوجب المشرعون مراعاتها للمجتمع وأخرجوها في صيغة قوانين، عليه أن يكون مطلعاً أكثر من غيره على القوانين التي ترتبط بمجال عمله بشكل خاص، إضافة إلى الاطلاع على القوانين الأخرى، والمبادئ والقيم التي تقوم عليها بشكل عام، وإلا فقد يوجد أفراد حريصون على المجتمع ويريدون خدمته لكنهم يخطون خطواتهم خلافاً للقانون وخلافاً لمصالح المجتمع، بسبب عدم معرفتهم بالقانون، فيكونون في حقيقتهم أشبه بالصديق الجاهل الذي يريد أن ينفع فيضرّ!

فالمعرفة بالقانون ومبادئه من الشروط العامة لكل العاملين في السلك الحكومي، ولذلك درجات مختلفة بالطبع؛ فالذي يقف على رأس هرم السلطة ينبغي أن يتمتع بقدر أكبر من المعرفة، ويتمتع الذين هم في الدرجة الوسطى بنسبة درجتهم، وكذلك الذين يشغلون الدرجات الدنيا أي صغار الموظفين، فعليهم أن يعرفوا المسؤوليات والواجبات المتعلقة بعملهم. لكن العبارة التي تشمل هؤلاء هي (المعرفة بالقانون).

  2ـ التقوى:

التقوى من الشروط العامة في القاموس الإسلامي، و يسمونها في القاموس العام (الأمانة)؛ فيجب على من يتولّى شؤون المجتمع وتوكل إليه مصالح الناس أن يفكر في تحقيق تلك المصالح لا أن يفكر بعد وصوله إلى السلطة في تحقيق مصالحه الشخصية وإشباع غرائزه الدنيوية، فمثل هذا الشخص لا يصلح ـ والحال هذه ـ لأن نوكل إليه أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم، ولا يسند إليه كذلك تطبيق القانون لأنه سيفسّره لصالح نفسه، ويؤوّله أو ينسخه بشكل معكوس وبما يتطابق ورغباته، وقد نراه أحياناً يخالف القانون بصراحة! إذاً فالشرط الثاني لمن يتولى شؤون الحكم هو التمتع بكفاءة أخلاقية أو بـ (التقوى) كما يقول القرآن الكريم وكما ورد في القاموس الإسلامي.

  3ـ الكفاءة:

ينبغي لكل من يتحمل مسؤولية إنجاز عمل معين أن يتمتع بالكفاءة اللازمة لإنجازه، لأن مجرد الاطلاع على القانون والتمتع بالتقوى الشخصية لا يكفي لإنجاز الأعمال بشكل صحيح، بل لابد أيضاً من التجربة والخبرة لكي يستعين بهما في حل المشاكل الصغيرة والكبيرة التي تبرز يومياً أمام المسلمين، وهذا لا يعني بالطبع أن الشرط الثالث يمثل الدور الرئيس في إنجاز الأعمال، بل إن رأينا بشأن قضية (الالتزام والكفاءة) العريضة والطويلة[1] يتمثل في أن (العلم والإيمان والتجربة) أمور تربط بينها رابطة وثيقة ويشدّ بعضها بعضاً، وبدون أي منها يبقى جزء من العمل معطلاً، والذي نريده توفر هذه الشروط الثلاثة معاً.

فتوفر هذه الشروط الثلاثة لدى كل من موظفي الحكومة أمر واجب ولازم، وينبغي على الفقهاء أيضاً تمتعهم بهذه الشروط بما يتناسب واختلاف درجاتهم، وهذا أمر يدركه العقل البشري ولا يحتاج إلى دليل تعبّدي، ولكلٍّ من هذه الشروط حدّ كافٍ وحدّ مثالي، والحد المثالي الذي يمكننا افتراضه في كلٍّ منهم أن يتمتع بأعلى درجة من المعلومات والتقوى والكفاءة الأخلاقية وبمعرفة بالموضوعات الخارجية وظروف العمل؛ ومثل هذا الشخص هو الذي نسميه (المعصوم).

فلو استطعنا أن نختار كل المسؤولين من بين المعصومين لأصبحت الحكومة حكومة مثالية، وعند ذاك لن يبقي أي جهل بالقانون، ولن يقع أيّ خطأ، ولن يستهدف تحقيق أي غرض شخصي، ونحن نعلم أن المعصومين لا يزيد عددهم على أشخاص معدودين، والذي تجمع المذاهب الإسلامية على عصمته هو الرسول الأكرم (ص)، ونحن الشيعة نعتبر فاطمة الزهراء (س) والأئمة الاثني عشر (ع) إضافة إلى الرسول (ص) معصومين أيضاً، ولكننا نرى على أية حال أن هؤلاء العظام عددهم قليل من جهة، ومن جهة أخرى سواء أكان النبي الأكرم (ص) نفسه على رأس الحكم أو الإمام المعصوم (ع)، فلا يمكن إدارة شؤون كل البلدان الإسلامية من قبل شخص واحد؛ فالنبي (ص) كان موجوداً في مدينة معينة أو بلد ما ولكنه لم يكن موجوداً في كل البلدان، وكذلك الإمام المعصوم حيث يوجد في مكان واحد لكنه لا يباشر شؤون الحكم في كل مكان، وحتى عندما كان النبي (ص) أو أمير المؤمنين (ع) على رأس السلطة وكانت بيدهما القدرة لم يكونا قادرين على إدارة كل البلدان الإسلامية شخصياً، بل كانا مضطرين إلى إرسال ممثلين عنهما إلى الولايات والمدن المختلفة ومنحهم الصلاحيات اللازمة بذلك.

إذاً، فكون كل المتولّين للحكم معصومين افتراض لا يتحقق لا في مذهبنا ولا في أي مذهب آخر، فلا حيلة سوى أن يتمتع المتولّون للحكم بشروط الحاكم وخصائصه بالحد المقبول، وأن نحاول اختيار أفراد يتمتعون بكفاءة أكبر مما لدى غيرهم لإنجاز الأعمال، واختيار الأعلم من بين العارفين بالقانون والرسالة الإسلامية، وأن نختار من بين العارفين بالقضايا الاجتماعية من يتمتع بمعرفة أكبر في هذا المجال، وكذلك الحال في شأن الذين يملكون مهارات وتجارب فنية، فنختار من يملك قدراً أكبر من الكفاءة والتجربة ويصلح لذلك العمل أفضل من غيره، شريطة أن يتمتع كل هؤلاء بالتقوى وخشية الله، وأن لا يقدّموا مصالحهم على مصالح المجتمع.

الدليل القرآني على وجوب توفرّ هذه الشروط

هذه الأمور التي تثبت عن طريق العقل، وهي قابلة للفهم لدى الجميع بعد قليل من التأمّل، لدينا عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة أيضاً، ولكن ذكرها جميعاً يخرج عن مجال هذا البحث، وليس أمامنا هنا سوى الإشارة إلى بعض الآيات كنماذج على ذلك.

فقد ذكر القرآن الكريم عدداً من الحكومات المشروعة التي تحققت على أيدي أنبياء الله وأوليائه، ووردت في قصصها إشارات إلى شروط الحاكم وواجباته، وأولها قصة النبي يوسف على نبيّنا وآله وعليه السلام؛ فحينما كان سيدنا يوسف في مصر وأبواه لا يعرفان من أمره شيئاً بعد، رأى عزيز مصر في المنام سبع بقرات عجاف وسبعاً سماناً وسبع سنابل خضر وسبعاً يابسات، فاستيقظ من نومه مذعوراً ونادى على مفسري الأحلام، فقالوا له: إن هذا الحلم لا تفسير له ولا يتحقق. ثم قال أحد الحاضرين: إني أعرف في السجن شخصاً يدعى يوسف، وهو بارع في تفسير الأحلام. فجاؤوا به وطلبوا إليه تفسير حلم عزيز مصر.

فقال يوسف (ع): سوف تمرّ عليكم سبع سنين تكثر فيها نعمكم وتحصدون فيها محاصيل كثيرة، ثم تعقبها سبع سنين من الجفاف؛ ولكي لا يؤول الأمر بكم إلى الفقر في سني الجفاف تلك، عليكم بزراعة المحاصيل في السنوات السبع الأولى والاستفادة منها قدر الضرورة فقط وخزن بقية المحاصيل بسنابلها دون أن تفصلوها من التبن أو تطحنوا القمح، وكانت الحكمة في ذلك هي أن القمح حين يحفظ بسنابله فسوف يبقي مصوناً من الرطوبة والآفات مدة أطول.

وبعد أن أعطى هذه الوصايا قال لعزيز مصر: اجعلني مسؤولاً عن هذا الأمر لكي أدير شؤونه بما لا يدع مجالاً لحدوث مشكلة بعد ذلك؛ إذ يقول القرآن الكريم في ذلك: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}[2]، أي إنني إذ أقترح عليكم هذا الاقتراح فذلك لأني أحفظ مصالحكم من جهة، وأعلم بكيفية إنجاز هذه الأعمال من جهة أخرى. فمن هنا نحصل على شرطين أساسيين يمكننا تحليل أحدهما إلى شرطين آخرين فتكون لدينا الشروط الثلاثة التي ذكرناها. وهكذا نجد أن هذه القصة تؤكد أهمية عنصر (المعرفة) لتقلّد المناصب، وذلك لكي يعرف الذي يشغل منصباً حكومياً ماذا ينبغي فعله لتحفظ مصالح الناس، وكذلك ينبغي أن يكون أميناً ونزيهاً لكي لا يرتكب خيانة حين يسلّمونه مصالح المجتمع، وهكذا ينبغي توفر العلم مع المهارة ومعرفة كيفية التنفيذ مع الأمانة والنزاهة.

وهنا قصة أخرى في القرآن الكريم تتحدث عن قضاء داود وسليمان عليهما السلام، وهي:

أن داود كان من أنبياء بني اسرائيل، وقد منحه الله تعالى منصب الخلافة، ومن فروع ذلك أن يقضي بين الناس، وكان قضاؤه نافذاً:

{يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله}[3].

وقد حدثت قصة قدّر الله أن تحدث لكي يستعد داود لمنصب القضاء استعداداً تاماً؛ فحينما كان داود (ع) عاكفاً على العبادة في أحد المعابد رأى رجلين قد تسلّقا جدار ذلك المعبد، فارتعب داود (ع) من ذلك، فقال له أحد الرجلين: لا تخف فنحن أخوان قد حصل بيننا خلاف فجئناك لتقضي بيننا، أنا عندي نعجة واحدة وأخي هذا عنده تسع وتسعون نعجة، وهو يطلب مني أن أعطيه نعجتي هذه أيضاً، فقال له داود (ع): إنه طلب إليك طلباً ظالماً، إذ طلب نعجتك ليضمّها إلى نعاجه التسع والتسعين، {وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض}. ولما ذهب الرجلان تنبّه داود (ع) للأمر فجأة وعرف إنه لم يطلب منهما دليلاً على دعواهما وسأل نفسه: بأي دليل أصدرت هذا الحكم؟ إني قضيت بينهما لمجرد ادعاء أدّعاه أحدهما، وقد تعجلت في القضاء، وكان ينبغي أن أطلب منهما دليلاً، وبسبب ذلك ظل يبكي أربعين يوماً ويلوم نفسه إذ قضى بغير علم.

وبعد هذا البكاء والتضرّع أعطاه الله منصب الخلافة وقال له: إنك تصلح الآن للخلافة وتحمل مسؤولية أموال الناس وأرواحهم، أي إن داود عليه السلام صار يستحق منصب القضاء بعد استعداده واكتسابه التجارب اللازمة لذلك.

وحقيقة الأمر هي أنه لم يكن هناك نزاع بين الرجلين، بل إنهما كانا ملكين أرسلهما الله لكي ينبه داود (ع) إلى أنه لا ينبغي له إصدار الحكم بسرعة حين يتسنّم منصب الخلافة.

وهناك قصة أخرى تقول إن النبي داود (ع) كان يقضي مع النبي سليمان (ع): {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث}[4]، فكان داود وسليمان يجلسان للقضاء بين الناس وفضّ منازعاتهم.

وذات يوم طرحت عليهما قضية مفادها أن قطيعاً من الغنم دخل مزرعة أحدهم وأكل من زرعه، وبينما كان النبي داود (ع) يفكر في الأمر استأذنه ولده سليمان (ع) في أن يقضي هو في هذا الأمر، فأذن له أبوه فقال (ع): حكم ذلك أن يجلب من لبن النعاج ويعطي لصاحب المزرعة لكي يعوّض عن أضراره، وكان بعضهم يريد أخذ النعاج، وكان آخرون يقولون إنه يجب ذبح النعاج وإعطاء لحمها لصاحب المزرعة.

وفي هذا الشأن يقول تعالى: {ففهمناها سليمان}، أي أننا فهمنا سليمان الحكم الصحيح وعلمناه كيف يقضي.

ولكن ما هي الحكمة من ذلك؟ الذي ورد في الروايات أن ذلك لكي يقال للناس أن سليمان هو الذي يصلح لخلافة داود. على أية حال فالذي يهمنا أن مقدمات حصلت لكي يستعد داود وسليمان للقضاء ولكي تظهر فراسة القاضي، لأن على الذي يريد القضاء أن يتمتع بما يكفي من الفراسة لكشف الموضوع والحكم.

كما جاء في قصة سيدنا طالوت (ع)[5] أنه حين طلب بنو إسرائيل من نبي زمانهم أن يعين لهم ملكاً لكي يحاربوا الأعداء بقيادته ويستعيدوا أموالهم المغتصبة، عين الله طالوت لذلك، فلم يرضخ بنو إسرائيل للأمر وقالوا: إن هذا ليس رجلاً ثرياً ولا هو من أسرة مشهورة لذا فهو لا يصلح لقيادتنا ورئاستنا. فقال الله تعالى للناس على لسان نبي ذلك الزمان وقيل أن اسمه كان صموئيل: إننا منحنا هذا المنصب لطالوت بعد أن وجدناه جديراً به، وقد منحناه اللياقة لذلك من قبل وهو قادر عليه {وزاده بسطة في العلم والجسم}؛ فهذه موهبة منحها الله إياه ومنّ عليه بشروطها وهي شروط جسمية وفكرية، حيث كان قد تدرب في الحروب التي كانت في تلك الأيام تعتمد على القوة البدنية للمحاربين، وكانت تقتضي من القائد أن يكون أقوى من الآخرين فضلاً عن مهارته في فنون الحرب، وقد أدوع الله هاتين الصفتين لدى طالوت (ع) فصار كفوءاً لتقلد هذا المنصب.

وهناك قصص أخرى حول النبي الأكرم (ص) والمقدمات التي وفّرها له الله تعالى والكفاءات التي كان يتمتع بها لتقلد هذا المنصب وتحمل هذه المسؤوليات.

وبشكل عام نتوصل من مجموع الآيات والروايات المتوفرة لدينا في هذا الشأن أن الذين يتقلدون المناصب الحكومية ينبغي أن يتفوقوا على غيرهم في مجال عملهم، ولو تولّى الأمور من هم أقلّ من غيرهم من حيث المعلومات والتقوى والكفاءة الأخلاقية وكذلك المهارة والتجربة، فلا شك في أن أوضاع ذلك المجتمع سوف تنحدر نحو الهاوية ولن يمضي زمان حتى يزول من على وجه الأرض.

وقد روي عن النبي (ص) قوله: {من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه وأفقه، لم يزل أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة}.

الخلاصة:

لابد لمن توكل إليه مسؤولية معينة، أن يتمتع بصلاحيات لكي يتمكن من أداء واجباته، ولا يمكن أن نلزم أحداً بوظيفة ما دون منحه الصلاحيات الكافية. ويمكننا وفقاً للمسؤوليات الموكلة تحديد الصلاحيات التي ينبغي منحها للمسؤول، وأية صلاحيات ينبغي أن تمنح مثلاً للحكومة الإسلامية التي هي مسؤولة عن تنفيذ القانون.

ويمكننا تحديد مجموعة من الشروط العامة للحاكم الإسلامي، وينبغي أخذ هذه الشروط بنظر الاعتبار وفقاً للظروف الزمانية وحسب الدرجات المختلفة للحكم والسلطة التنفيذية من حيث الشدة والضعف.

ويمكن أن نأخذ بنظر الاعتبار ثلاثة شروط عامة لمن يتقلّد أي منصب حكومي وهي:

1ـ معرفة القانون: أي أن يعرف القانون ويتمتع بقدر كاف من الإطلاع على المبادئ والقيم التي يقوم عليها القانون، وإلا فمن الممكن بدون هذه المعرفة أن يعمل بعضهم ـ وهم حريصون على المجتمع ـ بما يخالف مصالحه بدلاً من خدمته.

والمعرفة تختلف لدى المسؤولين باختلاف درجاتهم، إذ يجب على الذي يقف على رأس الهرم أن يتمتع بمعرفة القانون أكثر من غيره، وهكذا فيما يخص الآخرين.

2ـ التقوى من الشروط العامة؛ وهذا الشرط معروف بعنوان (الأمانة)؛ أي أن على الذي يتولّى شؤون المجتمع أن يفكر في أمور الناس لا في جمع المال والثروة وفي مصالحه الشخصية، إذ عند ذاك لا يصلح لهذا المنصب الحساس وينبغي كف يده عن أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم.

3ـ الكفاءة والخبرة: إذ ينبغي للمتولّي أن يمتلك الخبرة في مجال منصبه الحكومي.

وفضلاً عن العقل، هناك أدلة كثيرة في القرآن والسنة توضح شروط الحكومة والحاكم وتشرح شروط المتولّي للحكم بالتفصيل.

وخلاصة القول: إن الذي يُستفاد من الآيات والروايات هو أن المناصب الحكومية ينبغي أن يتقلدها العلماء المتقون الماهرون، وإلاّ فسيؤول المجتمع إلى الانحطاط.

أسئلة:

1ـ اذكر شروط الحاكم الإسلامي.

2ـ وضّح الحد الكافي والحد المثالي لشروط الحاكم الإسلامي.

3ـ لماذا لا يمكن أن يكون كل المتولّين للحكم معصومين؟

4ـ اذكر الأدلة القرآنية على شروط الحاكم الإسلامي.

الفصل التاسع

ولاية الفقيه

الهدف من القانون تلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية في حياته الاجتماعية؛ ولما كان القانون لا يتمتع بذاته بضمانة تنفيذية، فلابد من جهاز حكومي يتولّى تنفيذه، والحكومة تؤلف مع السلطتين التشريعة والقضائية جهازاً منسجماً ومتناسقاً تابعاً لمركز السلطة واتخاذ القرار، لكي لا يحدث خلاف في الرأي فتنفصم عرى المجتمع.

وهذا المركز الذي يقف على رأس الحكومة يضمن وحدة المجتمع وتنسيق القوى المتعددة للمؤسسات المختلفة، وفي نظرية (ولاية الفقيه) يقف على رأس الحكومة من يتمتع بالشروط الخاصة للقيادة في الإسلام، فتؤدي السلطات الأخرى واجباتها بإشرافه.

والمعلوم أن بحث هذا الموضوع من الناحية الفقهية بعنوان (ولاية الفقيه) و(الحكومة الإسلامية) مع مصطلحاته وعناوينه الفنية الخاصة به قد طرح وكتب ونشر مرات كثيرة، وفي الفترة الأخيرة يعدّ أول كتاب في هذا الشأن ذلك الكتاب الشهير للإمام الخميني (قدس سره) والذي اشتهر باسم (الحكومة الإسلامية)، حيث يضم مجموعة البحوث الفقهية التي ألقاها ذلك الرجل العظيم في حوزة النجف العلمية. وهدفنا هنا أن نتناول هذا الموضوع بعبارات مبسطة يفهمها عامة الناس لكي يتمكنوا عند الضرورة من الدفاع بطريقة معقولة عن هذه النظرية، ويتسلّح أنصار العنصر العقائدي المهم بأدلّة مقنعة مقابل شبهات الآخرين.

الحكومة والقيادة في عصر الغيبة

بعد الاقتناع بضرورة وجود الحكومة في المجتمع وتوضيح أدلة الإسلام على ضرورتها، فمن الواضح في عصر حضور المعصوم مثل شخص رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع) أنهم سيكونون هم على رأس السلطة، وتلك هي الحكومة المثالية، لكن هذا الوضع لا يتيسر دائماً، فحتى في زمن حضور الإمام المعصوم فإنه قادر فقط على إدارة حكم المدينة أو الولاية التي يحضر فيها، أمّا سائر الولايات أو البلدان فيتولى الإشراف عليها وتعيين عمّالٍ وولاة عليها.

أما في عصر الغيبة الذي لا يمكن فيه الوصول إلى الإمام المعصوم ـ كما هو الحال في عصرنا الحاضر ـ فما هو الواجب؟

وبتعبير آخر، لما كان ينبغي أن يتمتع الحاكم بالأهلية والكفاءة اللازمة للتنسيق بين القوى والمؤسسات المتعددة، ولما كانت الحكومة الإسلامية قائمة على أساس المعتقدات والقيم الإلهية، وواجب الحاكم الإسلامي تطبيق قانون الله ـ أي القوانين المذكورة في الكتاب والسنة أو التي تؤخذ مبادئها عن الكتاب والسنة ويتم التفريع من تلك المبادئ ـ فمن أية فئة ينبغي أن يكون هذا الحاكم؟ وبأية خصائص يجب أن يتصف لكي يتمكن من أداء مهامّ هذه المسؤولية الكبرى والخطيرة؟

شروط القائد

في أصل التشريع الإسلامي، اختار الله تعالى المعصوم لهذا المنصب، وهو في الدرجة الأولى الرسول (ص) ثم الأئمة الاثنا عشر. أما في عصر الغيبة وعدم إمكان الوصول إلى الإمام المعصوم، فينبغي أن يتقلّد هذا المنصب ويقود المجتمع الإسلامي على أساس قوانين الله وتعاليم الإسلام مَنْ تتوفر فيه هذه الشروط:

1ـ المعرفة الكافية بالإسلام:

لقد قلنا سابقاً إن الذين يتولون مسؤولية الحكومة يجب أن تتوفر فيهم ثلاثة شروط هي: معرفة القانون، والتقوى والكفاءة الأخلاقية، والمهارة والقدرة على إدارة الأمور؛ أي أن يكون مطلعاً على القوانين التي يريد تطبيقها، كما يجب أن يكون ورعاً لكي لا يخضع لتأثير الأهواء النفسية والرغبات الشخصية، وأن يكون كذلك قادراً على أداء عمله ومسؤوليته بالشكل الصحيح.

ولما كان من مسؤولية القائد وحاكم المسلمين حفظ القوانين والقيم الإسلامية أيضاً، وهو الذي يؤتمن على دين الناس وأعراضهم وأحكام الله، فلابد إذاً من توفر هذه الشروط الثلاثة فيه أكثر من توفرها في كل أفراد المجتمع، ومعرفته بالقوانين بشكل يمنعه من ارتكاب أية مخالفة، وإذا كان غيره أعلم منه بالأحكام والمبادئ والأصول، فلا يحق له تولي منصب القيادة. وقد نقلنا فيما سبق حديثاً للنبي (ص) يقول: "من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه وأفقه؛ لم يزل أمرهم إلى سفالٍ إلى يوم القيامة"[6].

فلابد لمن يقف على رأس هرم السلطة أن يتمتع بمعرفة كاملة بأمور الدين، لأنه هو المسؤول عن تطبيق القانون الإلهي في المجتمع، ولو لم يتمتع بتلك المعرفة الكاملة فلربما يرتكب عملاً أو يضع لوائح أو يصدر تعليمات تخالف قوانين الإسلام.. ومن الواضح أن ذلك سيكون نقطة البداية في الانحراف عن المسار الصحيح.

2ـ التقوى:

وهي الشرط الثاني من شروط الحاكم الإسلامي؛ فلابد للقائد الذي يوجه المجتمع نحو الصلاح والنزاهة أن يتمتع بقدر من التقوى أكثر من غيره، لأن المنصب والمسؤولية أمر يحتمل تأثره بالأهواء والأطماع، وكثير من الناس يضحّون بكل شيء من أجل ذلك. وحب الرئاسة من الرغبات الشديدة لدى الناس؛ فلو لم يتمتع بقدر كافٍ من التقوى فلربما يكون مستعداً للتضحية بالقيم وبمصالح الإسلام والمسلمين من أجل الحفاظ على منصبه! إذاً ينبغي لقائد المسلمين أن يتمتع بدرجة عالية من التقوى، ويكون متحرراً من قيود هوى النفس.

وقد اعتبر رسول الله (ص) ـ في حديث روي عنه ـ الورعَ الذي يمنع من ارتكاب محارم الله أحد الشروط الثلاثة لصلاحية من يتولى القيادة: "... ورع يحجزه عن معاصي الله ..."[7].

وفي رواية أخرى، كتب الإمام الحسين (ع) يخاطب أهل الكوفة حول قيادة المجتمع:

"ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله"[8].

3ـ التدبير والإدارة:

الشرط الثالث هو المهارة في إدارة الأمور وحسن تدبير أعمال المجتمع وإدارتها.

والشرطان الأول والثاني (أي معرفة قانون الدين والتقوى) ينبغي توفرهما بالحد الأقصى في الحاكم الإسلامي، لكن الشرط الثالث يتغير تبعاً للمتولين لشؤون الحكم، فالذي يتولى الشؤون العسكرية والدفاعية ينبغي أن يتحلى بمهارة عسكرية يفوق بها غيره، والذي يتولى الشؤون الاقتصادية ينبغي أن يكون أعلم من غيره بالقضايا الاقتصادية وأقدر على حل مشكلات المجتمع الاقتصادية، أما الذي يقف على رأس هرم السلطة، فالدرجة المطلوبة والمثالية أن يكون في كل شيء أعلم من الجميع وأفضل منهم، لكن هذا لا يتوفّر في غير الإمام المعصوم؛ ففي حال عدم وجود المعصوم، يجب على الحاكم التنسيق بين السلطات الثلاث وإدارة الدرجات العليا للمتولين للأمور إدارة جديرة، وهكذا يجب عليه أن يتفوق على الآخرين في تدبير الأمور وإدارة السلطات الثلاث والمؤسسات والمنشآت والوزارات الحكومية والتنسيق بينها.

فالقدرة على القيادة وإدارة المجتمع ضمن مسار الإسلام شرط ضروري للحاكم الإسلامي، وهذه الصفة تتطلب الكثير من المقدمات والتجارب والخبرات والتمهيدات حتى يبلغ شخص ما درجة من الكفاءة السياسية والادارية بالأمور تمكنه من تحمل مسؤولية المسلمين، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام قوله:

"أيها الناس! إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله"[9].

والشروط الثلاثة المذكوره (أي كونه أعلم بالدين واتقى وأقدر على الإدارة) يؤيدها العقل أيضاً، ولدينا روايات بهذا المضمون مر علينا بعض منها؛ فحين يتم اختيار شخص لتولي مسؤولية في مجال الأعمال الاجتماعية لن يكون هناك أي سبب لذلك سوى جدارته وقدرته على إنجاز تلك الأعمال. وفي قيادة المجتمع أيضاً ينبغي فضلاً عن العلم والتقوى أن يتحمل المسؤولية من هو أقدر من غيره على التنسيق بين السلطات الحكومية، وهذا يتطلب وعياً سياسياً واجتماعياً وكذلك قدرة على الإدارة والتدبير.

وفي القاموس الشيعي يطلق على الذي يتصف بهذه الصفات (الولي الفقيه).

الحكومة الأصلح

يلاحظ من خلال الملاكات والصفات التي ذكرت للحاكم الإسلامي أن السبيل ممهد أمام حكم أليق الأفراد؛ ففي الماضي حيث كانت إمكانية تولي السلطة من قبل مثل هؤلاء الأفراد ضعيفة جداً وأحياناً تبدو مستحيلة، لم تكن تطرح مثل هذه البحوث، بل كانت القضية المطروحة هي (مرجعية التقليد) فقط، ولهذا وجدنا عظماءنا الذين كانوا حريصين على مصلحة الإسلام يسعون إلى العثور على شخص قادر على تقديم أفضل الخدمات للمجتمع الإسلامي بعنوان (مرجع التقليد)، أما اليوم حيث توفرت ـ والحمد الله ـ ببركة هذه الثورة الإسلامية العظيمة والدماء الزكية لشهداء هذا الدرب المقدمات والوسائل أمام الأخذ بزمام السلطة وتحمل المسؤولية من قبل الأفراد الصالحين والجديرين، والتي جعلت على رأس السلطة من هو أليق من غيره، فإن هذه الفرصة والموهبة تتطلب منا الكثير من الحمد لله والشكر له، ونحن حين نفكر في الأمر نجد أنه لا يصلح لإدارة شؤون المجتمع الإسلامي غير الفقيه الذي هو (الأعلم) و(الأتقى) و(الأقوى).

ونحمد الله الذي جعلنا في هذا النظام الإسلامي نتمتع ببركة قيادة (الولي الفقيه) فمنّ علينا بذلك، ولا يكون شكر هذه النعمة إلا بطاعة الولي الفقيه الذي يضمن عزة المسلمين ووحدة كلمة الأمة الإسلامية[10].

  الدليل النقلي على ولاية الفقيه

ما وضّحناه حتى الآن، سواء في أصل ضرورة وجود الحكومة أو في الشروط الثلاثة التي اشترطناها للحاكم الإسلامي، كان في معظمه توضيحاً ودليلاً عقلياً وعاماً، وقابلاً للفهم بشكل عام من قبل كل الناس بغض النظر عن معتقداتهم الخاصة، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، شيعة أو غير شيعة.

أما الذي سنشرحه هنا فهو قائم في معظمه على المعتقدات والأسس والأفكار الشيعية، وتوضيح ذلك:

إن موضوعنا يقوم على الافتراض القائل إن الله تعالى شرع الحكم في الأصل للنبي (ص) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أما في عصر الغيبة حيث لا يمكننا الوصول إلى الإمام المعصوم (والمسؤول عن هذه الغيبة هو المجتمع الإسلامي الذي لم يعرف قدر حضور الإمام وأصيب بهذا البلاء) فلا دين الله يعطل، ولا ضرورة وجود الحكومة والدولة تنتفي، فماذا تقتضي الأسس الفقهية في هذه الظروف التي يوجد فيها شخص جدير بالحكم ومعين من قبل الله ولكن الناس عاجزون عن الاستفادة منه؟ فالحكومة على أية حال من الأمور والحاجات التي لا تقبل التعطيل ولابد من وجود من يتحمل مسؤوليتها.

والمعلوم أننا نجد في الفقه حالات مشابهة يعين فيها الحد عملاً أو حقاً، ولكن لا يتيسر إنجاز ذلك العمل أو إعطاء ذلك الحق، ومثال ذلك:

لو وُقف عقار من أجل نفقات معينة ثم أصبحت تلك النفقات بعد مدة مما لا يمكن صرفها عملياً، فإنهم يقولون عند ذاك بوجوب الإنفاق في مورد أقرب من غيره إلى الواقف وهدفه، فلو أوقف أحدهم أرضاً زراعية لكي يشترى من محصولها علف للإبل التي تنقل حجاج بيت الله أو زوار كربلاء والنجف و... فلأي شيء ينفق وارد الأرض الآن حيث لا وجود للإبل؟ فمن جهة لا أحد يسافر على الإبل، ومن جهة أخرى نرى أن الأرض وقفت لذلك العمل المعين.

فالفقهاء يفتون في مثل هذه الحالات أن ينفق فيما هو أقرب إلى رأي الواقف، وبما يقال لو أن الواقف كان حياً لاختار هذا الأمر، مثلاً كان ينفق لشراء البنزين للسيارات المخصصة لنقل الحجاج، أو شراء بنزين للطائرات المخصصة لذلك (وهذه ليست نفقات شخصية).

ففي هذه الموارد التي نجد فيها موقوفات وأشخاصاً يتولون كيفية التصرف فيها، إن لم يُعثر على من تتوفر فيه كل الشروط المحددة في الوقف أو تعذر الإنفاق بالشكل المطلوب، فلا يمكن ترك الموقوفة دون من يتولاها، ولا محصولاتها دون إنفاق، بل ينبغي النزول إلى المرحلة الأقرب إلى الصورة المحددة الأولى.

ووفقاً لهذا المثال، فحين يعين الله تعالى شخصاً معصوماً لحكم الناس ولكن لا يمكن الوصول إليه الآن، فالذي يمكنه تحمل مسؤولية قيادة المسلمين نيابة عن الإمام المعصوم هو الأقرب إليه في التحلي بالصفات المناسبة والمطلوبة للحكم كالعلم والقدرة على الإدارة والتقوى والكفاءة الأخلاقية و...

وبتعبير آخر، لما كان الحكم في الأصل يختص بالله ومن شؤون الربوبية الإلهية، فعلينا أن نقبل للحكم بمن نطمئن إلى رضا الله بحكمه ونستطيع اكتشاف إذنٍ من الله لقيادته، ويتحقق هذا الأمر عندما يكون الحاكم المنتخب أقرب إلى المعصوم في الصفات المذكورة، وهناك بالطبع صفات أخرى يجدر ذكرها مثل الشجاعة والحزم والمرونة في الحالات الخاصة و... وهي كلها من فروع تلك الكفاءة الأخلاقية والمهارة العلمية التي ذكرناها[11].

وهذا الشخص في لغة الروايات وفي القاموس الديني هو الفقيه الجامع للشرائط الذي له الولاية، وطاعته واجبة على الجميع لو أصبح حاكماً.

ومثل هذا الشخص لن يكون بالطبع أفضل من كل الناس في جميع الصفات والخصائص اللازمة للحكم، ففي مجال الحرب مثلاً قد لا تزيد معلوماته العسكرية على المعلومات والتجارب التي لدى القادة العسكريين المجربين الذين لهم تجارب عسكرية تمتد لعشرات السنين، وكذلك في كثير من المجالات الاقتصادية التي تحتاج إلى تجارب ومعلومات خاصة حيث لا تساوي معلومات فقيه معين ما عند الخبراء في هذا المجال، ولكن من أجل تحقيق مصالح المجتمع في أفضل صورة يستعين ذلك القائد الحريص والفقيه بالمتخصصين في مختلف الشؤون ويستنير بآرائهم، وكذلك الحال في شأن القوانين المقرّرة من قبل الخبراء المتخصصين في السلطتين التشريعية والتنفيذية والجهاز القضائي فإنها تكتسب شرعيتها بتوقيع من يقف على رأس السلطة وتأييده ولن تكتسب الشرعية دون إقرار الولي الفقيه.

جذور ولاية الفقيه

إن الحقيقة القائلة إن الفقيه ينوب عن الإمام المعصوم (ع) في شؤون الحكم والولاية لها جذور فقهية وعقائدية، وهناك أحاديث تدل على هذه المسألة وتثبت شرعية حكم الفقيه نيابة عن الإمام المعصوم.

وإحدى الروايات التي استدل بها على النيابة في التولّي للأمور تتعلق بـ (الحوادث الواقعة) حيث كتب ولي العصر عليه السلام في جوابه لكتاب محمد ابن عثمان هذا التوقيع الشريف:

"وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم"[12].

وطبقاً لهذا الحديث، فرواة أحاديث الأئمة والعلماء بفقه أهل البيت وأحكام الله قد عينهم الإمام الحجة المنتظر سلام الله عليه نواباً له واعتبر حكمهم وقضاءهم حكم إمام الزمان.

والحديث الآخر ورد عن الإمام الحسين عليه السلام لعلماء عصره؛ ففي هذا الكلام المطول يشير الإمام إلى الموقع المهم والحساس الذي يحتله العلماء بشأن القضايا الاجتماعية ومصير الإسلام والمسلمين، إذ قال:

"مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه..."[13].

فهذا الحديث يوكل مسؤولية الحكم وتدبير أمور الأمة ونظام المجتمع الإسلامي إلى الفقهاء الملتزمين بشريعة الله ودينه، ويدل على أن أحكام الله لا تطبق إلا بتولي أمور المجتمع والأمة.

والحديث الآخر (مقبولة عمر بن حنظلة)؛ ففي هذه المقبولة يوضح الإمام الصادق (ع) واجب الناس ويحدد ملامح الحاكم الصالح القادر على حل اختلافات الناس وهو (الفقيه)، فيقول (ع):

"من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا و حرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استُخفّ بحكم الله وعلينا رُدّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله"[14].

ففي هذا الحديث عُيّن منصب الحكم للفقيه من قبل الإمام المعصوم واعتبر حكمه حكم الإمام أيضاً.

وحصيلة القول: إن مضمون مثل هذه الروايات يؤيد ذلك الدليل العقلي نفسه، ويمكن من مجموعها أن نكتشف رضا إمام العصر ـ عجل الله فرجه الشريف ـ بولاية الفقيه الذي تتوفر فيه الشروط المذكورة. وبتعبير آخر: إن سند ولاية الفقيه تجاه أمور المسلمين قد وضع وعيّن من قبل الإمام المعصوم (ع).

  شرعية النظام بإقرار الولي الفقيه

إن شعوبنا المسلمة التي تطيع أوامر الله وأولياء دينها، لا تتبع حكومة ولا تخدمها بكل قدراتها إلا إذا وجدتها معتمدة على حكم الله ومستندة إليه.

و(ولاية الفقيه) تتمتع بمثل هذا السند الشرعي، ولهذا لمّا كان رأي الولي الفقيه مقرراً أو مؤيداً من قبل إمام الزمان (ع)، فإن الناس مستعدون للتضحية بأموالهم وأنفسهم من أجل الحفاظ على هذا النظام، وبإشارة من القائد يندفع مئات الآلاف منهم طواعية نحو جبهات الجهاد والدفاع عن الإسلام، وهم يعتبرون أوامره أوامر إمام العصر (ع) وحكم الله. ومثل هذا النظام سيكون أكثر فعالية، وكذلك سيكون استمرار شرعيته أكثر رسوخاً.

فالمهم لدى عباد الله كسب رضا الله والعمل بأوامره، ولهذا فكل أمر وقانون يخالف أمر الله لا قيمة له لدى المسلم الموحد، وهو لا يعتبر نفسه ملزماً بطاعته، فقد روي عن الإمام علي (ع):

"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"[15].

إذاً فالنظام المقدس والمشرّع هو ذلك النظام الذي تسير أوامره وقوانينه في مسار أحكام الله، ولما كان الفقيه يسعى في سبيل تطبيق أحكام الله فحكومته مقررة وطاعته واجبة. وكذلك تكتسب الأعمال التي ترتبط بالسلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) قيمتها ويؤخذ بها حين تنال رضا الولي الفقيه الذي ينوب عن إمام الزمان، لأن الإمام المعصوم معيّن من قبل الله أيضاً.

وبين أمتنا عرف سائد يعتبرون بموجبه مرجع التقليد خليفة إمام الزمان (ع) ويرون أمره واجب الإطاعة، ولذا فهم يضحون من أجله بكل ما لديهم، ومادامت هذه الروح وهذا الإيمان قائماً بين شعبنا فلا شك في أن هذا النظام سيبقى محصناً من مكاره الدهر، ولو تزعزعت هذه العقيدة بسبب شبهات قد يطرحها الجهلاء هنا وهناك، فيقولون مثلاً: أولاً: من أين وجب وجود الحكومة؟ وثانياً: لو افترضنا ضرورة وجود الحكومة، فلماذا ينبغي أن يقف على رأس السلطة مجتهد وفقيه ولا يقف غير فقيه؟ وثالثاً: لماذا ينبغي أن تكون القوانين إسلامية وقد مضى على الإسلام ألف وأربعمائة عام؟ ورابعاً: لماذا يعتبر فهم الولي الفقيه للقوانين الإسلامية حجة علينا يلزمنا اتباعها؟ فلربما يفهمها الآخرون أفضل منه، ومن الضروري لفهم علوم الدين الإلمام بعلوم أخرى لا يعرف عنها الفقيه شيئاً.. وغير ذلك من الشكوك والشبهات التي قد تؤدي شيئاً فشيئاً إلى ضعف إيمان الناس واعتقادها بالمعتقدات الإسلامية، ولن تعود هناك ثقة ببقاء هذا النظام. ولو تعرض جيل الشباب لمثل هذه الشبهات فسوف يصاب بالتذبذب ولن يبقى لديه الحزم والجد اللازمان في الميدان العملي.

شكر نعمة ولاية لفقيه

لقد بلغت الأمة الإسلامية اليوم هذه العزة ببركة ولاية الفقيه وفي ظل الإسلام وهي تشعر برفعتها بكل وضوح.

ولن يكون شكر هذه النعمة العظيمة والموهبة الإلهية إلا بمعرفتنا قدرها، وسعينا في سبيل توطيد دعائم هذه المعرفة والمعتقدات والقيم الدينية، وأن نعمل من أجل توعية الجيل الحالي والمستقبلي بهذه الأسس الرسالية الرصينة ومعرفته واعتقاده بها والتزامه إياها بشكل كامل، وسعيه من أجل الحفاظ على هذا النظام، وإلا فلو ظهرت شكوك في القلوب فسوف يدبّ الضعف في الخطوات والإرادات، ومن الواضح لو أن نظاماً حرم من المضحين من أجله والمدافعين عنه المؤمنين به، فلن تعود هناك ضمانة لاستمراره.

إن التوضيح الصحيح لـ (الفكر الإسلامي) والأسس العقائدية المتعلقة بمختلف قضايا الإسلام، ومن ذلك البعد السياسي وقضايا الحكم، يعد اليوم ضرورة حتمية؛ فبدون هذا التوضيح للأسس العقائدية لن يقوى جيل الشباب على مقاومة الشبهات التي يختلقها المخالفون، وسوف يمهد السبيل للانحرافات والتحريفات، وسيضيع هذا الرصيد الذي يدعم هذه الثورة الإسلامية والذي يعود إلى ما قبل ألف وأربعمئة عام.

فشبابنا اليوم صنّاع مستقبل هذا البلد، وهم الذين سيتقلدون المناصب الحكومية في المستقبل.. وعليه فإن توضيح حقائق الدين والمعتقدات الأصيلة للرسالة الإسلامية سوف يحافظ على بقاء عامة الناس في ميدان الدفاع عن الدين والثورة، وكذلك سيجعل جيل الشباب في المستقبل يخدم دين الله وثمرة دماء الشهداء. ومن هنا فإن تعزيز أسس الفكر الإسلامي والشيعي وفكرة ولاية الفقيه وأساسها، بشكل علمي ودراسي وبلغة سهلة وبيان بليغ وواضح ودون مبالغات، وكذلك محاربة المشككين ومثيري الوساوس، واجب ضروري وضمانة لاستمرار هذا النظام المقدس والحفاظ على إيمان الناس بفكر الإسلام المحمدي الأصيل.

نسأل الله تعالى أن يمنحنا التوفيق لأداء واجبنا الديني المقدس تجاه دماء الشهداء، ويجعلنا نعرف قدر نعمه، لا سيما نعمة النظام الإسلامي وولاية الفقيه، ويثبت خطانا لمواصلة السير على طريق إمامنا العزيز (رضوان الله عليه)، واتباع قائد الثورة الإسلامية، إن شاء الله.

الخلاصة:

مع الأخذ بنظر الاعتبار ضرورة وجود الحكومة والصفات التي ينبغي توفرها لدى الحاكم، ففي عهد الأئمة المعصومين يقف هؤلاء الأئمة أنفسهم على رأس السلطة، أما في عصر الغيبة، فينبغي توفر الشروط التالية في أولى الناس بتطبيق قانون الله بسبب عدم الوصول إلى المعصوم وتحمل مسؤولية القيادة:

1ـ المعرفة الكاملة بالإسلام وقوانين الله.

2ـ التقوى والبعد عن الأهواء النفسية.

3ـ التدبير والإدارة والقدرة على التنسيق بين القوى المتعلقة بالحكومة.

وهذه الشروط يوجبها العقل أيضاً، لأن واجب الحاكم الذي هو تطبيق قوانين الإسلام في المجتمع لا ينجز إلا إذا كان أعلم من غيره بالقانون، ولم يعمل بما يخالف الإسلام بسبب هوى النفس، وكان أيضاً قادراً على تدبير الأمور، وهناك أيضاً أدلة شرعية تسند هذه الشروط.

والصفتان الأولى والثانية ينبغي توفرهما في الحاكم بالحد الأقصى، أما الصفة الثالثة فهي ضرورية لكل مسؤول متقلّد لأمر معين بمقدار ما يكفي من التجارب والمهارات التي يتمتع بها في مجال عمله.

وهذه الصفات والشروط توضح لنا أن الإسلام يفسح المجال أمام تسنّم منصب الحكم من قبل أقدر الناس، أي الأعلم والأتقى والأقوى، وهذه هي (ولاية الفقيه) التي منّ الله بها على شعبنا ببركة دماء الشهداء.

أما الدليل الشرعي على ذلك، فإنه لمّا كان الله تعالى قد عيّن في الأصل الإمام المعصوم حاكماً، ففي عصر غيبته ينبغي أن يتولى الحكم من هو أقرب الناس إليه من حيث الصفات المذكورة، وليس ذلك إلا (الفقيه).

وتدل الروايات على أن حكم الفقيه نافذ وحجة، لأنه ينوب عن الإمام المعصوم، ولن يكتسب أي قرار تتخذه السلطات الثلاث: (التشريعية والتنفيذية والقضائية) الصفة الشرعية إلا إذا أقره (الولي الفقيه) وأيّده، وتجب طاعة حكم الفقيه ما لم يخالف قانون الله.

أسئلة:

1ـ منذ متى بدأ البحث حول ولاية الفقيه؟

2ـ كيف تحل معضلة القيادة في عصر الغيبة؟

3ـ اشرح الشروط اللازمة للقائد والحاكم الإسلامي.

4ـ لماذا ينبغي أن يكون القائد أعلم الناس بالدين والقانون الإلهي؟

5ـ اشرح دور التقوى في القيادة الإسلامية.

6ـ ما هو واجب القائد من حيث الإدارة والتدبير؟

7ـ اذكر حديثاً شريفاً يدل على ضرورة تمتع الحاكم الإسلامي بالمهارة والتدبير.

8ـ لماذا يتمتع الفقيه بالولاية على المسلمين من قبل المعصوم؟

9ـ اشرح الرواية المنقولة عن الإمام الحسين (ع) حول ولاية الفقهاء وعلماء الدين.

10ـ ما هي الحاجة إلى طرح قضية ولاية الفقيه للناس؟

 


[1]  وهي قضية دار حولها نقاش كثير في الجمهورية الإسلامية، حيث رأى بعضهم أن (الالتزام) هو الأصل، ورأى آخرون أن (الكفاءة) هي الأصل، ورأت فئات أخرى أموراً غير ذلك (المترجم).

[2]  يوسف: 55.

[3]  الآيات 21 ـ 28 من سورة (ص) تتحدث عن هذه القصة.

[4]  الأنبياء: 78 ، 79.

[5]  البقرة: 246 ، 247.

[6]  مرّ ذكر هذا الحديث في أواخر الدرس الثامن من هذا الكتاب.

[7]  الكافي، ج1، ص407.

[8]  الإرشاد للمفيد، ص186.

[9]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص247، الخطبة (173).

[10]  وقد كنا نتمتع بهذه النعمة في عهد الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، واليوم إذ حرمنا ـ مع مزيد الأسف ـ من تلك النعمة العظمى، فقد أدام الله تعالى نعمته علينا وبقي يظلنا بظل ولاية الفقيه، ونحن نحمد الله إذ انتخب علماء الأمة أفضل أنصار الإمام العظيم وأجدرهم وهو سماحة آية الله الخامنئي (مدّ ظله العالي) لخلافة ذلك الرجل العظيم، فبايعه كل أفراد الشعب عن طيب خاطر، وواصل كل أنصار الإمام الحقيقيين طريقه بمنتهى التآلف، ولم يحدث ـ والحمد لله ـ أدنى خلل أو فتور في مسار الأمور، ونسأل الله تعالى استمرار هذه الوحدة وهذا التضامن بين المسؤولين وترسخهما يوماً بعد آخر، لتصل سفينة الثورة العظيمة بقيادة زعيمنا الجليل ساحل الأمن، وتبلغ هدفها المطلوب إن شاء الله تعالى.

[11]  لمزيد من الإطلاع على شروط القائد الجدير بالقيادة راجع كتاب (جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن) فارسي، أي (المجتمع والتاريخ في القرآن)، الفصل العاشر.

[12]  كمال الدين، ج2، ص483.

[13]  تحف العقول، ص237.

[14]  أصول الكافي، ج1، ص67 والوسائل، ج18، ص98.

[15]  نهج البلاغة، صبحي الصالح، الحكمة (165).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة السابقة

 

أعلى