شبهة سقوط المشروط بتعذّر الشرط

إنّ ما ذكرناه من أنّ شرط العصمة ليس ردّاً على مبدأ البيعة، وإنّما هو تضيّق في دائرة البيعة، فعند الإمكان يبايع المعصوم (عليه السلام)، وعند سقوط الشرط لا تبطل فكرة البيعة بل تكون لأفضل الموجودين غير المعصوم (عليه السلام).

هذا المطلب، قد يورد عليه (بفكرة أصوليّة) نشير إليها إشارة فقط. وهذه الفكرة، هي التي تقول بأنّ الشرط إذا اصبح متعذّراً وغير مقدور عليه، فالأصل في ذلك ليس هو سقوط (الشرط) بل سقوط (المشروط) فالصلاة، مشروطة بالطهور، ولو فقد المكلّف كلا الطهورين (المائي والترابي)، قال المحقّقون: الأصل في ذلك ليس سقوط الشرط وهو الطهارة، بل سقوط المشروط وهو (الصلاة). ومن هنا يتضح الإشكال في المقام، فنقول: أليست العصمة شرطاً في البيعة؟ فحين تعذّر الشرط وعجز الإنسان عن مبايعة المعصوم (عليه السلام)، فإنّ تكليف تعيين الولي وتشكيل الدولة يسقط حتّى ظهور المهدي (عج). ومفاد الرواية «كل راية ترفع قبل قيام القائم (عليه السلام) فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله عزّ وجلّ»[1] يدعم هذه الشبهة ويقوّيها.

وفي مقام رد الشبهة نقول: إنّ هذا البيان هو نوع مغالطة، لأنّنا احتملنا أحد احتمالين بخصوص العصمة الواردة في الروايات:

الأول: أنّها تنظر إلى شرائط الإمامة بمعناها المصطلح الخاصّ عند الشيعة، وهي الدرجة العالية من المقام الإلهي التي تتمثّل في من يكون السبب المتصل بين الأرض والسماء وبيُمنه رزق الورى وبوجوده ثبتت الأرض والسماء.

والثاني: أنّها تنظر إلى شرائط الولاية.

وعلى الأول: فإنّ الروايات وإن كانت توضّح شروط الإمامة ولها دلالتها الالتزامية بصدد الردّ على خلفاء الجور آنذاك، ولكن لا إطلاق لهذه الدلالة الالتزامية، فلا تصلح مثل هذه الروايات للاستدلال على شجب كل وال غير معصوم حتّى في زمن تعذّر حضور المعصوم (عليه السلام)، ولا تدلّ على أنّ ولاية مثل هذا الوالي هي ولاية ظالم وغاصب. وأنّه لدى فقدان المعصوم (عليه السلام)، يؤجّل تعيين الولي وإقامة الحكومة إلى زمان ظهور الإمام (عج).

وأمّا على الثاني: فجواب هذه الشبهة يستدعي الإشارة الإجمالية إلى أسس أصولية مبحوثة في محالها.

فقد ذكر المحقّقون: أنّ إطلاق الكلام قد يعارض أحياناً بنقطة ارتكازية يسمّونها (بالمخصّص الارتكازي)، وهذا المخصّص يمنع عن تحقق الإطلاق ذاك.

فحتّى لو افترضنا، أنّ العبارة ظاهرة في (لا حكومة بلا عصمة)، فنحن نضطر إلى أن نفهم أنّ هذا الإطلاق راجع إلى زمان إمكان ذلك ــ أي إمكان وجود المعصوم (عج) ظاهراً ــ لا إلى زمان عدمه، وذلك وفق نكات مرتكزة في أذهان المتشرّعة، من أنّ الاستغناء عن العصمة في الحاكم وقت تعذّر حصولها من أجل أن تقام حكومة إسلاميّة معقول، والاستغناء عن الحكومة أصلاً لهذا السبب، أمر غير معقول. أمّا لماذا الاستغناء عن الحكومة الإسلاميّة أمر غير معقول، فهذا راجع إلى سببين هما:

السبب الأول: أنّنا نعلم أنّ المجتمع أيّاً كان صالحاً أو فاسداً، لا يمكن الاستغناء فيه عن حكومة وإمرة وولاية، مادام هو مجتمعاً لا أفراداً محدّدين قليلي العدد، وهذه الحاجة نابعة من: التنافس والتضارب والتزاحم بين مصالح الأفراد، ومحدودية الدنيا على سعتها، وعدم إمكان اجتماع مصالح جميع الأفراد فيها. ولشدة التضارب بين هذه المصالح تقع بين أيدي الناس موارد للنزاع والتخاصم والاختلاف، ولولا وجود قوة تنظّم أمور البلاد لوقع الهرج والمرج والقتال ولفسدت أمور البلاد والعباد ولما أمكن تنظيم الأمور.

ولو افترضنا أنّ البشرية أصبحت لا تزاحم بين مصالح أفرادها، وكل يقنع بحصّته وما قُسِم له، فإنّ هذا الفرض لا ينفي الحاجة إلى الحكومة، إذ إنّه لابدّ من عقل جمعي يجمع ويوزّع ويرتّب الأمور؛ لأنّ كلّ أحد لا يعلم ما يلزم للآخر. فوجود الدولة إذن لا بدّ منه على كلا الفرضين والحالتين.

وفي الأثر: لابدّ من دولة وإن كانت فاسقة، كي يمكن للمجتمع العيش تحت رايتها، ولا يمكنه ذلك دون دولة بالمرّة. فعن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«لابُدّ للناس من أمير، بَرٍّ أو فاجر، يعمل في أمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلِّغ اللهُ فيها الأجل، ويُجمَع به الفيء، ويُقاتَلُ به العدو، وتأمن به السبل، ويُؤخذ به للضعيف من القوي، حتّى يستريح برٌّ، ويُستراحَ من فاجر»[2].

وحينئذ، ما هو موقف الإسلام من تأسيس الدولة وفي زمن العجز عن تحصيل المعصوم (عليه السلام)؟

إنّ الجواب، لا يخلو، من أحد احتمالات ثلاثة:

الأول: أن نفترض أنّ موقفه هو رفض وجود دولة وحكومة، ما دمنا لا نستطيع تحصيل المعصوم(عليه السلام). وهذا كلام لا يُتعقّل ولا يُقبل من إنسان عادي، ونحن نُسخّف الفكرة الماركسيّة، إذ قالت بمجيء زمان لا حاجة فيه إلى الحكومة، ونقول بأنّ هذا خلاف الطبيعة البشرية وخلاف العقل. فكيف ننسب ذلك الكلام إلى الإسلام؟! إنّ هذا الاحتمال واضح البطلان.

الثاني: أن يقال: لا يترك أصل إقامة الحكومة من الأساس زمن الغيبة، بل يقال: إنّ المؤمن يجب أن يترك هذا الأمر ويرفع يده عنه، ويُبقيه في يد غيره من الفسّاق والظلمة، ليحكموا البلاد والعباد.

إنّ مثل هذا القول، قول لا يصدر عن دين سماوي خاتم. وإننا نتّهم الإنسان الذي يدعو مواطني بلده إلى تسليم إدارة بلادهم إلى الأجنبي، نتهمه بالعمالة والخيانة، ذلك لو فكّرنا بعقليّة الوطنية الغربية التي نرفضها ونتّهمها بالقصور. فكيف نقبل في نظريّة إسلاميّة ما يناظر ذلك في دائرة تقابل الإسلام والكفر من تسليم بلاد الإسلام والمسلمين بيد الفاسق والظالم والذي لا يتبنّى نظريات الإسلام في حكمه؟

إنّ ديناً يدعو إلى مثل هذا الأمر، دين مزيّف ولا يمكن أن يصدر عن الله ويقول به نبي. فهذا الاحتمال باطل كسابقه.

الثالث: ــ وبه ينحصر الأمر ــ أنّه لا بّد من إقامة دولة الإسلام في كل آن. ولو تعذر حصول المعصوم (عليه السلام)، فالأمر ينحصر في أفضل الموجودين.

السبب الثاني: أنّ الإسلام يشتمل على نواح ثلاث:

1 ــ الوظائف الفردية: كالصلاة والصوم، وما شابه ذلك من العبادات الفردية.

2 ــ الوظائف الاجتماعية: كوظائف إدارة وتنظيم البلاد، والعلاقة مع سائر الأمم ونحو ذلك...

3 ــ الجانب التنفيذي: فالإسلام سنّ الوظائف وعيّنها، وقرّر العلاقات، وبيّن الحدود والعقوبات واهتمّ بتنفيذها ومتابعتها ومعاقبة من يشذّ عنها.

إنّ وجود جانب التنفيذ في الشريعة الإسلاميّة دليل على أنّه ليس بالإمكان افتراض أنّ الشريعة الإسلاميّة قد غضّت النظر عن أصل الدولة والحكومة عند عدم وجود المعصوم (عليه السلام). وإنّ مراجعة أبواب الفقه المختلفة ترينا أنّ السمات الاجتماعية والارتباط بالوضع الاجتماعي ووجود ولي للأمر سمات عامّة في كل هذه الأبواب وبلا استثناء. فالصلاة ــ مثلاً ــ قد يتراءى للبعض بأنّها العبادة الوحيدة التي يمكن القول عنها بأنّها عبادة فردية. إلاّ أنّ المصالح الاجتماعية ملحوظة فيها، بل كأنّ الأصل الأولي فيها هي الجماعة، والفرادى إنّما هي للحالات الخاصّة. كما تدلّ على ذلك الروايات الكثيرة.

وقد شرّعت في صلاة الجمعة خطبتان يلقيهما الإمام ويذكر فيهما بالإضافة إلى الإرشاد المسائل الاجتماعية والسياسية.

وبالنسبة للزكاة يستفاد من الكتاب والسنّة: أنّ المتصدّي لها هو الحاكم بأجهزته.

والخمس ــ أيضاً ــ ضريبة مقرّرة لمنصب إمامة المسلمين، ولا تصرف فقط لمصارف شخص الإمام، بل لمنصبه ليصرفه في الوجوه التي يراها من مصالح المسلمين. وكذلك الأنفال التي هي مجموعة الأموال العامّة التي لا مالك شخصي لها، كأرض الموات والأودية والمعادن.

أمّا الحج فواضح من آيات الحج أنّ تشريع هذه الفريضة لم يكن لإتيان صورة الأعمال فقط. وكيف، ومقتضى الآية المباركة {جَعَلَ اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قياماً للّناسِ}[3]. أنّ الناس يتقوّمون في معاشهم بالكعبة؟!

إنّ في الآية المباركة دلالة على أنّ تشريع الحج كان لأداء الفريضة، ولاجتماع المسلمين من مختلف أنحاء الدنيا ليتباحثوا ويتشاوروا ويتعاونوا فيما بينهم في أمور الدين والدنيا. فأهمية هذه الفريضة من الناحية الدينيّة والسياسيّة واضحة وبصورة جلية، وهناك من الروايات ما تدلّ دلالة واضحة على ارتباط أداء هذه الفريضة بوجود حكومة قائمة وولي للأمر حاكم:

1 ــ عن الصادق (عليه السلام): «لو عطّل الناس الحج لوجب على الإمام أن يجبرهم على الحج...»[4].

2 ــ عن الصادق (عليه السلام): «لو أنّ الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين»[5].

إنّ إجبار الناس والإنفاق عليهم من بيت مال المسلمين يستدعي وجود إمام مبسوط اليد وله ولاية فعلية.

وأمّا الجهاد فهو عمل اجتماعي لا يمكن أن يتحقّق إلاّ أن يكون ولي الأمر على رأسه. ولا شكّ في وجوب الجهاد في زمن حضور المعصوم وفي قال الله تعالى:

1 ــ {يا أيُّها النبىّ جاهدِ الكُفّارَ وَالمُنافقينَ...}[6].

2 ــ {يا أيُّها النبىّ حرّضِ المُؤمنينَ على القتالِ...}[7].

3 ــ {يا أيُّها الذينَ آمنُوا قاتلوا الذينَ يلُونَكُم مِن الكُفّارِ وليجِدُوا فيكُم غِلظةً...}[8].

4 ــ عن علي (عليه السلام): «إنّ الله فرض الجهاد وعظّمه وجعله نصرةً وناصرةً، والله ما صلحت دنيا ولا دين إلاّ به»[9].

5 ــ عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الخير كلّه في السيف، وتحت ظلّ السيف، ولا يقيم الناس إلاّ السيف، والسيوف مقاليد الجنّة والنار»[10].

وبالجملة، فإنّ الآيات والروايات تشير إشارة واضحة على أنّ الجهاد من ضرورات الدين، وأنّ على الأمة النهوض به جملةً، ولابدّ من وجود ولي للأمر يجاهد تحت رايته، على تفصيلات في الجهاد الابتدائي والجهاد الدفاعي تطلب في مظانها.

ونشير وبشكل أكثر اختصاراً إلى بعض أبواب الفقه الأخرى لنبيّن ارتباطها بالوضع الاجتماعي العام وبوجود ولي للأمر للأمة.

ففي الوصية: قال الفقهاء: إذا تعدّد الوصي فإنّ تعيين أحدهم أو كلّهم أو بعضهم عائد إلى ولي الأمر.

وفي القضاء قالوا: إنّ أمره عائد إلى الفقيه الجامع للشرائط.

وفي إجراء الحدود قالوا: إجراؤها بيد ولي الأمر.

وفي الحجر على المفلّس والصغير والمجنون قالوا: لا يحكم بذلك إلاّ بأمر ولي الأمر.

شبهة العجز عن إقامة دولة

وعلى كل حال، فهل يمكن افتراض سكوت الإسلام واستغنائه عن وجود دولة وقيام حكم في زمن غيبة المعصوم (عليه السلام)، بحجة العجز عن تحصيل المعصوم (عليه السلام) مع كل هذا الربط بين أداء الفرائض والواجبات في مختلف أبواب الفقه وبين وجود وضع اجتماعي قائم وولي للأمر مبسوط اليد؟!

قد يقال ــ مع التسليم بالحاجة إلى وجود دولة في كل مجتمع كافر أو مؤمن ــ: أنّنا، عاجزون عن تحقيق حكومة إسلاميّة عادلة! ولو أنّ الشريعة الإسلاميّة لم تكن تعلم هذا فينا، لما اشترطت العصمة في تحقيق ذلك. فالمعصوم (عليه السلام) وحده قادر على ذلك دون غيره. وفي أية لحظة تكون فيها  الظروف مناسبة لقيام دولة عادلة، كان على الله حقاً أن يظهر المعصوم (عليه السلام)ليقودها وهو وحده يستطيع تحقيق الهدف المنشود. ومادامت الفرصة غير مواتية، فإنّ المعصوم (عليه السلام) يبقى خلف الستار ولا يؤذن له بالخروج ولا نكلّف بتشكيل حكومة إسلاميّة؟! إنّ جواب هذه الشبهة ــ وبغض النظر عن التجربة الخارجية المعاشة الآن في الجمهورية الإسلاميّة في إيران والدالّة عملاً على أنّ المسلمين ليسوا عاجزين عن إقامة حكم إسلاميّ عادل ــ: أنّ طبيعة معرفتنا بالأمور وبوضع البشرية وبالأسباب المتواجدة خارجاً تدلّ على خلاف هذا، وتجعلنا نقول: لا فرق بين المؤمنين الملتزمين والفسقة في موضوع القدرة على تشكيل الحكومة، وليست هذه القدرة مخصوصة بالفسقة أو الكفرة، وفكرة اختصاص القدرة على الحكم بهم دون المؤمنين أمر غير معقول؛ لأنّ الأسباب والقدرات موزّعة على البشرية وبشكل متناسب {ربَّنا وَسِعتَ كُلَّ شيء رحمةً...}[11]. وإن كانت هذه الرحمة ستكتب للمؤمنين فقط يوم القيامة.

وبالتأمّل في قوله تعالى {وَلولا أن يكونَ الناسُ أمةً واحدةً لَّجعلنا لِمنَ يَكفُرُ بِالرحمنِ لِبُيُوتِهم سُقفاً مِن فضة...}[12].

يظهر جلياً أنّ الله سبحانه وتعالى لم يرد للكافرين أن ينفردوا بإمكانات الدنيا الاقتصادية. ومع أنّ الآية المباركة ناظرة إلى الجانب الاقتصادي ــ ولكنّني ــ أفهم منها أمراً أوسع من ذلك.

فكأنّ الله تعالى يقول: كانت هناك نكتة في جمع المواهب والقدرات الدنيويّة وإعطاءها للكفّار وحرمانها المؤمنين؛ وذلك لأنّ المؤمن حين يعمل العمل الحسن يدّخر جزاءه ليوم آخرته.

وأمّا الكافر فليس له في الآخرة من شيء {وَما لَهُ في الآخرةِ مِن خَلاق}[13]، فإنّ عمل عملاً حسناً فإنّه يأخذ جزاءه في الدنيا.

فكأنّ مقتضى القاعدة هو أن تعطى كل الفرص لهم في الدنيا ولا يرون مشقة وعذاباً ولا يقعون تحت سيطرة مؤمن يحاسبهم ويعاقبهم في الدنيا، أمّا في الآخرة فلهم جزاء عملهم بما كسبت أيديهم. ولكنّ الله تعالى يقول {وَلولا أن يكونَ الناسُ أمةً واحدةً لَّجعلنا لِمنَ يكفُر بِالرحمنِ لِبُيُوتِهم سُقفاً مِن فِضة وَمعارِجَ عليها يَظهروُن وَلبُيُوتِهم أبواباً وسُرُراً عليها يتكئونَ وزُخرُفاً وإن كلَّ ذلِكَ لَمّا متاعُ الحياةِ الدُّنيا والآخرةُ عِندَ ربِّك للمتّقين}[14]، أي أنّ الحكمة الربانية شاءت أن توزع المواهب والنعم على الناس وبشكل سواء، كفئات وجماعات لا كل فرد فرد كما هو واضح. ولو أصبحت كل القدرات والإمكانات إلى جانب واحد وهم (الكفّار) لكان ذلك مدعاة لتزعزع إيمان المؤمنين إلاّ الأوحدين منهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ الإيمان ليس عنصراً يخلق العجز لدى الإنسان، بل على العكس من ذلك، فهو يخلق في الإنسان روح الصمود والثبات والصبر والتحمّل ويدعوه إلى العمل الجاد ويجنبه من كل لهو وعبث، كما أنّه يدعو الإنسان المؤمن إلى التيقّظ والحذر واكتساب الخبرات وإلى أن يكون فطناً كيّساً في كل الأحوال. أترى أمراً كهذا يخلق لدى صاحبه عجزاً ونقصاً في القدرات والإمكانات أم على العكس من ذلك؟!

أمّا غيبة الإمام (عج)، فليس تفسيرها الوحيد هو هذا التفسير المطروح في هذه الشبهة. أي أنّه (عليه السلام) غاب لأنّ الظروف غير مواتية لتشكيل حكومة المعصوم(عليه السلام).

وهذا يعني حرمة العمل لتشكيل حكومة إسلامية حتّى تكون الظروف مواتية. وحينما تكون كذلك، فإنّ على الله حقاً أن يظهر الإمام (عليه السلام) ليتسلّم الحكومة. وبالحقيقة هناك تفسيران آخران لغيبة الإمام (عج) وهما:

أولا: امتحان الأمة، فإنّ الله تبارك وتعالى أراد امتحان المؤمنين، هل يتقاعسون ويتكاسلون عن نصرة الحقّ إذا غاب وليّهم (عج)، أم يثبتون ويصبرون وينتظرون الفرج ويعدّون العدّة له (عج)؟

والامتحان ــ كما هو معروف ــ ظاهرة ربانيّة ثابتة في العالم {أَحسِبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوُا آمنّا وهم لا يُفتنون * وَلقد فتنّا الذينَ مِن قَبلِهم فليعلمنَّ اللهُ الذينَ صدقُوا وَليعلمنَّ الكاذبين}[15].

ومن أصعب الامتحانات على الأمة، أن تفقد إمامها ووليها وقائد مسيرتها.

والثاني: هو أن يكون الإمام (عج) مدّخراً لفترة تكون الفرص فيها مواتية لتشكيل (حكومة إسلاميّة عالمية) لا حكومة محدودة في هذا القطر أو ذاك.

فيقال إنّه (عليه السلام) غاب؛ لأنّه لو عاش بين الناس لهلك وقتل قبل تحقيق حلم الإنسانية المعذّبة.

وهذا التفسير لا يمانع افتراض قيام حكومة إسلاميّة في بقعة من بقاع الأرض هنا أو هناك.

ويجب حينئذ على المؤمنين العمل على تشكيل الحكومة الإسلاميّة والقيام بها على الكفاية حين تحقّق ظروفها في أية بقعة من بقاع الأرض.

شبهة عدم إراقة الدماء

قد يقال: إنّه ومع تسليمنا بأنّ الإسلام بحاجة إلى حكومة وهو يدعو إلى إقامتها في كل زمان ومكان، ولكن ذلك يجب أن يكون بشرط عدم إراقة الدماء. فإذا انتهى الأمر إلى ذلك كانت إراقة الدماء أعظم، ومفسدتها أكبر من ترك إقامة الدولة، فيترك أمر إقامة الدولة، مع وجود المصلحة الحقيقية والمهمة في إقامتها. ولا يكون أمر إقامة الدولة مقدّماً على مصلحة حقن الدماء، إلاّ في حالة وجود المعصوم (عليه السلام) الذي لا يخطأ في تقدير الأمور لعصمته (عليه السلام).

إنّ من يؤمن بهذه الشبهة لا يفيد معه القول بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وعلياً (عليه السلام)ومسلم بن عقيل نيابة عن الحسين (عليه السلام) قد أكثروا من إراقة الدماء لأجل إقامة الحكم؛ لأنّ جوابه سيكون: أنّ أولئك كانوا معصومين أو مأذونين من المعصوم مباشرة وبالإذن الخاصّ، ولولا ذلك لما جاز لهم ذلك الفعل.

الجواب على الشبهة

هناك منهجان للإجابة على مثل هذه الشبهة:

المنهج الأول (المنهج النصّي): وهو محاولة الحصول على إطلاق نصّ قرآني أو روائي يدلّ على جواز إراقة الدماء لتشكيل الحكومة الإسلاميّة حتّى في زمن غير المعصوم (عليه السلام).

المنهج الثاني (المنهج العقلي): بأن يقال: أنّنا في غنى عن النصّ، وذلك لسنخ البيان العقلي الذي بيّناه سابقاً حول ضرورة تشكيل الدولة. فنفس ذلك البيان باستطاعتنا توسيعه أو تطبيقه على المسألة محل البحث. وبه نثبت أنّه لابدّ من إقامة الدولة حتّى ولو أدّى ذلك إلى إراقة الدماء.

ونبدأ بالمنهج الثاني، فنقول: لئن لم تجز إراقة الدماء في سبيل تحكيم الإسلام في عصر الغيبة الكبرى، فعدم الجواز لا يكون إلاّ لأحد سببين:

1 ــ إمّا لأنّ المقايسة والموازنة بين مفسدة إراقة الدماء، وبين المصالح التي تتحقق حين تقام دولة إسلاميّة تظهر أنّ المفسدة أعظم وأكبر من المصلحة.

ولذا نغضّ النظر عن العمل لإقامة الحكومة الإسلاميّة إن استدعت إراقة الدماء حفاظاً على النفوس المسلمة.

2 ــ وإمّا لافتراض وجود حكم تعبّدي في المسألة، وهو اشتراط وجود معصوم لكي تباح إراقة دماء المسلمين في سبيل تشكيل حكومة إسلاميّة.

وفي هذا الفرض نغضّ النظر تماماً عن تلك المقايسة والموازنة المشار إليها في الفرض الأول.

أمّا دعوى أهميّة مفسدة إراقة الدماء على مصلحة إقامة الحكم الإسلاميّ فجوابها: أنّ التزاحم بين مفسدة إراقة الدماء ومصلحة إقامة الدولة الإسلاميّة أمر واقعي ومتحقّق في كل زمان وحتّى في زمن المعصوم (عليه السلام)، مع أنّ الإمام المعصوم عمل على إقامة الدولة الإسلاميّة ورجّح هذا العمل في الأوقات المناسبة على السكوت والهدنة.

وأمّا دعوى افتراض وجود المعصوم كشرط تعبّدي فهذه الفرضية قد انتهينا من بطلانها في البحث السابق، حيث وضّحنا: أنّ شرط العصمة إنّما كان لأجل أنّ المعصوم هو أفضل الموجودين في زمن حضوره. فالشرط، إذن، هو شرط الأفضل، وعلى هذا فإنّ شرط العصمة لن يكون ــ بهذا البيان ــ شرطاً تعبّدياً.

وعليه فإنّ عدم حضور المعصوم (عليه السلام) حال غيبته لا يؤدّي إلى تجنّب ما يكون سبباً لإراقة الدماء في سبيل أمر ضروريّ كإقامة الدولة الإسلاميّة.

على أنّنا نقول: ما معنى تجنّب إراقة الدماء في سبيل إقامة حكومة الحقّ؟ هل نتصوّر أنّ إراقة الدماء ستكون أقل نسبة تحت سلطة الحكومات الجائرة؟

إنّ أصل افتراض كون عدم القيام والثورة ضد الطغاة أمراً يحفظ دماء المؤمنين، إنّما هو فرض عار عن الصحّة. إذ ما أكثر الأبرياء الذين يقتلون في كل آن وزمان تحت سياط هذا الظالم أو ذاك؛ نتيجة لعدم حاكميّة الإسلام. فمحاولة إقامة الحكم الإسلاميّ في الظرف المناسب، وكذلك محاولة إيجاد الظرف المناسب محاولة لحقن دماء المسلمين لا لإراقتها.

وأمّا المنهج الأول: وهو التفتيش عن إطلاق نصّ أو رواية لإثبات المدّعى فبيانه ما يلي:

أنّنا وبعد أن أثبتنا سابقاً أنّ الإسلام ــ بغضّ النظر عن مسألة إراقة الدماء ــ يدعو إلى إقامة الدولة الإسلاميّة، إمّا عن طريق ولاية الفقيه أو الانتخاب، قد بقيت لدينا مشكلة إراقة الدماء، فنقول: إنّ آيات وروايات الجهاد طراً وكلاً وآية محاربة البغاة، كلها نصوص مطلقة وتخاطب المجتمع كله. وهذه الآيات ليس شأنها، شأن آيات الصوم والصلاة وإن كانت هذه الأخيرة خطابات إلى المجتمع أيضاً.

إنّ الفرق بين آيات الصوم والصلاة وما شابهها، وآيات الجهاد والحدود هو: أنّ الخطاب في آيات الصوم والصلاة (خطاب انحلالي) أي ينحلّ إلى عدّة خطابات، فكأنّ الآية تقول: (يا زيد صل، يا حسن صل، يا فلان صل،... إلخ).

أمّا بالنسبة لآيات الجهاد أو آيات الحدود فهي خطابات غير انحلالية، وهي متوجّهة إلى المجتمع بوصفه مجتمعاً لا إلى أفراده فرداً فرداً. وواضح أنّ المجتمع لا يمكن أمره بإنجاز هذه التكاليف إلاّ إذا كانت على رأسه دولة أو فيه مشروع دولة. فلو كنّا قد عجزنا في بحوثنا السابقة وبغضّ النظر عن مشكلة إراقة الدماء عن إثبات مشروع دولة في زمن الغيبة، لم تفدنا هذه الآيات هنا لإثبات المقصود، إذ هي تخاطب المجتمع بما هو مجتمع وفيه دولة أو مشروع دولة. ولكن بما أنّنا نجحنا بغضّ النظر عن شبهة إراقة الدماء في إثبات أنّ الإسلام يدعو إلى إقامة الدولة الإسلاميّة وله مشروع ونظرية بهذا الخصوص، فإذن، لم يبق لدينا سوى التمسّك بآيات الجهاد ورواياته لإثبات جواز إراقة الدماء في سبيل تشكيل الحكومة الإسلاميّة.

إنّ الإطلاقات الموجودة في آيات وروايات الجهاد، دليل على جواز إراقة الدماء، كما جازت زمن المعصوم (عليه السلام) عيناً وبلا فرق. وبهذا نكون قد مهّدنا الطريق لمناقشة روايات منع إراقة الدماء في زمن الغيبة.

الروايات المانعة عن إراقة الدماء

إنّ روايات المنع هذه تقسم إلى ثلاث طوائف، تبعاً لما اتّضح ممّا سبق من أنّ حرمة إراقة الدماء في زمن الغيبة قد تكون بمعنى اشتراط وجود المعصوم إمّا تعبّداً أو لأقوائيّة مفسدة إراقة الدماء في زمن الغيبة، وقد يكون بمعنى أنّ الانتصار لا يمكن إلاّ في زمن المعصوم، وهذه الطوائف الثلاثة هي:

روايات الطائفة الأولى: وهي ما تكون ظاهرة في أنّ وجود المعصوم شرط في القتال وإراقة الدماء.

روايات الطائفة الثانية: وهي ما تكون ظاهرة في فرض العجز، أي يقال: بما أنّه كان واضحاً لدى الإمام (عليه السلام) أنّ القيام قبل ظهور الحجّة يؤدّي إلى الانكسار والعجز حرّم القيام ضدّ الطغاة قبل ظهور  الحجّة واعتبر أنّ مفسدة إراقة الدماء والانكسار أكبر من مصلحة إقامة الدولة الإسلاميّة.روايات الطائفة الثالثة: وهي ما يحتمل فيها كلا الأمرين الواردين في الطائفة الأولى والثانية.


[1]  وسائل الشيعة، مصدر سبق ذكره، ج 15، باب جهاد العدو، ص 52.

[2]  نهج البلاغة، مصدر سبق ذكره، منشورات الهجرة، الخطبة 40، ص 82.

[3]  سورة المائدة، الآية:97.

[4]  وسائل الشيعة، مصدر سبق ذكره، ج 11، باب وجوب الحج، ص 24.

[5]  وسائل الشيعة، مصدر سبق ذكره، ج 11،، باب وجوب الحج، ص24.

[6]  سورة التوبة، الآية:73.

[7]  سورة الأنفال، الآية:65.

[8]  سورة التوبة، الآية:123.

[9]  وسائل الشيعة، مصدر سبق ذكره، ج 15، باب جهاد العدو، ص 15.

[10]  وسائل الشيعة، مصدر سبق ذكره،ج 15، باب جهاد العدو، ص 9.

[11]  سورة غافر، الآية:7.

[12]  سورة الزخرف،الآية:32.

[13]  سورة البقرة، الآية:200.

[14]  سورة الزخرف، الآيات:32 ــ  35.

[15]  سورة العنكبوت، الآيتان:2 و 3.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة التالية

 

الصفحة السابقة

 

أعلى