|
مناقشة
الروايات
روايات
الطائفة الأولى: وهي التي يستفاد منها
ضرورة كون المعصوم (عليه السلام) على
رأس العمل لكي يجوز القيام ضد الطغاة:
1
ــ لعل أفضل الروايات من ناحية السند هي
رواية بشير الدهّان عن الصادق (عليه
السلام): «قال: قلت له ــ أي
للإمام (عليه السلام) ــ: إنّي رأيت في
المنام أنّي قلت لك إنّ القتال مع غير
الإمام المفترض طاعته حرام.. فقلت لي: نعم
هو كذلك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
هو كذلك هو كذلك».
2
ــ وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «..
والجهاد واجب مع الإمام العادل...».
وحينئذ
قد يقال بأنّ:
ــ
الإمام المفترض الطاعة،
ــ
والإمام العادل.
يُحمَلان
على الإمام المعصوم (عليه السلام) فتكون
العصمة شرطاً في الخروج.
وفي
مقام مناقشة هذه الروايات نقول: إنّنا لو
انتهجنا في ما مضى المنهج العقلي، وقايسنا
بين مصلحة إقامة الدولة الإسلاميّة وبين
مفسدة إراقة الدماء، فكما أشرنا هناك أنّ
التوقّف والامتناع عن الخروج بالسيف في
الظروف المناسبة عقلائيّاً لذلك؛ بحجّة
أقوائيّة المفسدة ليس أمراً صحيحاً؛ وذلك
بلحاظات متعددة، أهمها أنّ المعصومين (عليهم
السلام) قد عملوا على تسلّم الحكم وإن أدّى
ذلك إلى إراقة الدماء. وأمّا شرط العصمة
تعبّداً فهو غير موجود أيضاً، وإنّما
تحدّثت عنه الروايات من باب أنّ أفضل
الموجودين آنذاك كان هو المعصوم (عليه
السلام)، فيكون الشرط شرط (الأفضل). وعليه،
فإنّ انتهاج هذا المنهج يستدعي في مناقشة
الروايات أحد أمور:
1
ــ تأويل مثل هذه الروايات.
2
ــ أو حملها على التقية.
3
ــ أو ردّها إلى أهلها.
إضافة
إلى كون هذه الروايات، أخبار آحاد في مقام
المسلّمات.
أمّا
لو نهجنا المنهج الآخر، وحاولنا
الاستفادة من إطلاقات آيات وروايات
الجهاد لإثبات صحّة الخروج وإن أدّى إلى
إراقة الدماء. فقد يورد على ذلك بأنّ هذه
الإطلاقات مقيّدة بوجود المعصوم وهذا هو
سبب الفتوى باشتراط وجود المعصوم (عليه
السلام) في الجهاد الابتدائي. (وإن كنت أرى
جواز الجهاد الابتدائي في زمن الغيبة
الكبرى).
وعلى
كل حال، فإنّ الجواب على مثل هذا الكلام
يكون:
أولاً:
بنفي دلالة لفظة (الإمام) الواردة في مثل
هذه الروايات على (الإمام المعصوم)
فقط. فإنّ المعنى الاصطلاحي لكلمة
الإمام عند الشيعة تكّون بصورة تدريجية،
وإلاّ فالمعنى اللغوي للإمام هو من يؤمّ
ويقود الناس لا هو خصوص المعصوم صاحب
المقام الذي لا يناله إلاّ الخواص
المصطفون من قبل الله تعالى. وحتّى قادة
الجور يسمّون بالأئمة، قال تعالى {قاتلوا
أئمة الكفر...}.
فالإمام
هو من يقود الناس ويؤمّهم على كل حال. وعلى
هذا فإنّ رواية بشير، تشمل الإمام المعصوم
(عليه السلام)، والولي الفقيه، والولي
المنتخب ــ بناءً على كفاية الانتخاب في
مشروعيّة الحكم ــ لأنّهم كلّهم مفترضو
الطاعة.
ثانياً:
لا ينبغي لنا الاقتصار على التفاسير
اللغوية للعبائر في مقام معرفة معاني
الروايات. وإنّما يجب أخذ ظرف صدور النصّ
بعين الاعتبار.
فرواية
بشير، مثلاً، وعلى وفق وجود خلفاء الجور
آنذاك، جاءت لتطعن في ولاية أولئك الأئمة
الظلمة الطغاة. إذ إنّ الإمام (عليه السلام)
كان في مقام المقارنة بينه (عليه السلام)
وبين خلفاء بني أمية وبني العباس، ولذا
فلا يفهم منها مطلق منع القيام مع غير
المعصوم ولو كانت من نواب الإمام بالعموم
أيّ الذين نُصبوا بصورة عامّة من قبل
الحجة المنتظر (عج) كالفقهاء.
ثالثاً:
لو سلّمنا أنّ الروايات تقصد منع القتال
إلاّ مع الإمام المعصوم، فحينئذ نضمّ هذا
الدليل مع أدلّة ولاية الفقيه ــ التي
سنبحثها فيما بعد إن شاء الله تعالى ــ
ونجعلها حاكمة على هذا الدليل، ونقول: إنّ
الفقيه بمنزلة المعصوم (عليه السلام)
لأنّه منصوب من قبله، للنيابة عنه نيابة
عامّة، فننتهي إلى نتيجة مفادها أنّ
القتال مع الفقيه كالقتال مع الإمام
المعصوم (عليه السلام).
رابعاً:
أنّ الأخذ بظاهر هذه الروايات غير ممكن
على أي حال مع غضّ النظر عن الأجوبة
السابقة. لأننا لو غضضنا الطرف عن الأجوبة
السابقة، وأردنا الأخذ بالمعنى الحرفي
للروايات، فإنّ القتال المشروع سيكون
منحصراً في القتال الذي يكون المعصوم (عليه
السلام) هو المشرف عليه، وعلى رأسه،
وبمعية المقاتلين، ولا يكفي مجرّد إذنه
بذلك.
فرواية،
بشير حينئذ سوف تدلّ على أنّ القتال
الجائز إنّما هو القتال بمعية الإمام (عليه
السلام) وبإشرافه فقط. وهذا واضح البطلان،
ودليلنا على ذلك ــ على الأقلّ ــ هو
القصة التأريخيّة الثابتة بشأن خروج
الحسين بن علي (رضي الله عنه) صاحب ثورة
الفخ
الذي خرج ضد السلطة الجائرة وبإذن من
الإمام المعصوم (عليه السلام) لا بمعيّته
وإشرافه.
وعلى
هذا فإنّنا إذا عجزنا عن الأخذ بتفسير من
التفاسير الثلاثة السابقة لهذه الروايات،
وجب علينا حينئذ إرجاعها إلى أهلها، إذ لا
يمكن الأخذ بمعناها الحرفي الظاهري كما
اتضح.
روايات
الطائفة الثانية: وهي الروايات التي تخبر
عن أنّ من يخرج ضد الطاغوت قبل قيام القائم
(عج) فسوف ينكسر ولن يحقق نجاحاً.
وروايات
هذه الطائفة تنقسم إلى قسمين:
القسم
الأول: هي التي أخبرت عن الانكسار فقط ولم
تتضمن النهي عن الخروج.
القسم
الثاني: هي التي نهت عن الخروج والقيام
باعتبار أنّه يؤدّي إلى الانكسار دون
مقابل.
أمّا
روايات القسم الأول:
1
ــ فعن ربعي مرفوعاً عن السجاد (عليه السلام)
قال: «والله لا يخرج أحدٌ
منّا قبل خروج القائم إلاّ كان مَثَلُه
كمَثَل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي
جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به».
2
ــ وعن الباقر (عليه السلام) قال: «مثل
من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل
فرخ طار ووقع من كوَّة فتلاعبت به الصبيان».
3
ــ وعن الفضل الكاتب قال: «كنت
عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه كتاب
أبي مسلم، فقال: ليس لكتابك جواب، اُخرج
عنّا، فجعل يسارُّ بعضنا بعضاً، فقال:
أىَّ شيء تسارُّون يا فضل، إنّ الله عزّ
ذكره لا يعجل لعجلة العباد. ولإزالة جبل عن
موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله، ثم
قال: إنّ فلان بن فلان حتّى بلغ السابع من
ولد فلان.
قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جُعلت
فداك؟ قال (عليه السلام): لا تبرح الأرض يا
فضل حتّى يخرج السفيانيُّ، فإذا خرج
السفيانىُّ فأجيبوا إلينا، يقولها ثلاثاً..».
4
ــ وعن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه
السلام): قال: «قلت له (عليه
السلام): أوصني ــ إلى أن قال ــ واعلم أنّه
لا تقوم عصابة تدفع ضيماً أو تعزّ ديناً
إلاّ صرعتهم البليّة حتى تقوم عصابة شهدوا
بدراً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا
يوارى قتيلهم، ولا يرفع صريعهم، ولا يداوا
جريحهم، قلت: من هم؟ قال: الملائكة».
وعلى
كل حال، فإنّ لحن الروايات لحن نهي عن
الخروج بعلّة انكسار الخارجين وعدم
حصولهم على ما يبغونه من تشكيل حكومة
إسلاميّة.
وجوابنا
على هذا هو أنّ تصريح الإمام (عليه السلام)
بالانكسار هذا لا يدلّ على حرمة الخروج،
فربّ خروج يؤدّي إلى ذلك وهو جائز لترتّب
آثار ونتائج مهمة عليه، كما سيتبيّن ذلك
عندما نروي الروايات المجوّزة للخروج
فيما بعد. إضافة إلى أنّ هذه الروايات
مقيّدة بقيد (منّا) والذي هو إشارة إلى أهل
البيت بالمعنى الخاصّ لا كل من هو سيّد
ومتصّل بالرسول (صلى الله عليه وآله) إلى
يوم القيامة.
إنّ
الذي يفهم من هذا القيد ــ وعلى حدّ التعبير الأصولي ــ سنخ قضية خارجية لا حقيقية، فلا
يخبر (عليه السلام) عن كل قضية ولو قدّر
وقوعها فيما بعد على سبيل الفرض. بل يخبر (عليه
السلام) إخباراً غيبياً ويقول ما من أحد من
أقربائنا الخاصّين قام إلاّ وانكسر. وكما
تحقق ذلك بالفعل في قيام زيد بن علي (رضي
الله عنه) والحسين بن علي
صاحب الفخ ويحيى بن عبد الله (رضي الله
عنه) ومحمد بن عبد الله.
أمّا
أنّ هذا يعني عدم جواز الخروج، فهذه مسألة
خارجة عن عهدة الروايات. وكذلك الإخبار
بأنّ كل من سيخرج سينكسر على نحو القضية
الحقيقية الكليّة العامّة، فإنّ هذا معنى
غير مستفاد من هكذا نمط من الروايات.
وأمّا
روايات القسم الثاني: وهي التي نهت عن
الخروج معللة ذلك بالانكسار فمنها:
1
ــ عن أبي الجارود بسند ضعيف جداً عن الباقر
(عليه السلام)، قال: «قلت له
أوصني: فقال (عليه السلام): أوصيك بتقوى
الله وأن تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء
الناس، وإياك والخوارج منّا فإنّهم ليسوا
على شيء ولا إلى شيء، وأعلم أنّ لبني أمية
ملكاً لا يستطيع الناس أن تردعه وأنّ لأهل
الحق دولة إذا جاءت ولاّها الله لمن يشاء
منّا أهل البيت، من أدركها منكم كان عندنا
في السنام الأعلى، وإن قبضه الله قبل ذلك
خار له، وأعلم أنّه لا تقوم عصابة تدفع
ضيماً أو تُعزُّ ديناً إلاّ صرعتهم البلية
حتّى تقوم عصابة شهدوا بدراً مع رسول
الله، لا يوارى قتيلهم، ولا يرفع صريعهم
ولا يداوا جريحهم، قلت: من هم؟ قال:
الملائكة».
فمن
هذه الرواية قد يفهم النهي عن الخروج
بقرينة صدر الرواية من قوله (عليه
السلام): «وإن تلزم بيتك».
2
ــ والرواية الأخرى واردة في الصحيفة السجّادية عن متوكل بن هارون عن أبي عبد
الله (عليه السلام) قال: «ما
خرج ولا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام
قائمنا أحدٌ ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً
إلاّ اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة في
مكروهنا وشيعتنا».
وقرينة
النهي في هذه الرواية هي قوله (عليه السلام) «زيادة في مكروهنا».
فالخروج حرام وغير جائز لأنّه يزيد في
مكروه وأذيّة أهل البيت (عليهم السلام).
ولكننا وبلحاظ ورود لفظة (منّا) في الرواية
يمكن أن نفهم منها أنّها خاصّة بأهل البيت
(عليهم السلام) بالمعنى الخاصّ، كما في
روايات القسم الأول.
3
ــ عن الحسين بن خالد، عن الرضا (عليه
السلام)، قال: «لا دين لمن لا
ورع له، ولا إيمان لمن لا تقيّة له، وإنّ
أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يا
ابن رسول الله إلى متى، قال: إلى قيام
القائم، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا
فليس منّا...».
إنّ
هذه الروايات التي تمنع عن الخروج ومقاتلة
الظالمين بحجة العجز عن الانتصار لا بحجة
عدم وجود المعصوم (عليه السلام)، نعلّق
عليها بتعليقة واحدة إلى حين ذكر الروايات
الأخرى.
إنّ
مفاد هذه الروايات هو النهي عن الخروج
بعلّة الانكسار، ولنا أن نقول هنا بأنّ
هذا ليس ممكناً وعلى نحو القضية العامّة
الواسعة وإلى مدى بعيد من الزمن. وذلك لأنّ
الإخبار عن حالة الانكسار المفترضة هنا
لها أحد معنيين هما:
1
ــ إمّا الإخبار الغيبي عن الانكسار.
2
ــ أو الإخبار الغيبي عن الظروف والملابسات
التي لا تؤدّي إلى الانتصار قبل الظهور.
ففي
الفرض الأول، لوحظت مسألة الانكسار فقط،
ولم تلحظ المؤشرات الظاهرية وأنّها هل
تؤكّد الانتصار أو الهزيمة والانكسار.
فالروايات تقول: متى ثرتم فسوف تنكسرون.
وفي
الفرض الثاني: فإنّ الإمام (عليه السلام)
لا يتكلّم إلاّ عن المؤشّرات الظاهرية،
فيقول: إنّ الظروف غير مواتية للانتصار
ولم تجتمع العوامل لذلك؛ ولذلك تكون وظيفة
الخروج محرّمة ولا معنى لها.
أقول:
إنّ كلا هذين المعنيين مقطوع الفساد.
أمّا
الأول: فإنّ كون الإمام (عليه السلام) نظر
إلى الواقع وأخبر إخباراً غيبياً عنه،
بأنّه من خرج من شيعته سوف ينكسر، وإن
أشّرت المؤشّرات إلى غير ذلك، فهذا أمر
خلاف طبيعة الشرائع السماوية بما فيها
شريعة الإسلام. لأنّ التكاليف والوظائف
التي يكلّف بها الناس لا تدور مدار الواقع
وإنّما تدور مدار المؤشّرات الظاهرية
إلاّ ما شذّ وندر.
فأنبياء
الشريعة ــ وبغض النظر عن موارد الإعجاز ــ
كموسى وعيسى (عليهما السلام) ومحمد (صلى
الله عليه وآله)، والأئمة الأطهار (عليهم
السلام) والمؤمنون على طول خط البشرية
كلهم أمروا بالتحرّك على وفق المؤشّرات
الظاهرية لا على وفق بواطن الأمور وواقعها.
فهذا موسى (عليه السلام) لم يجز قتل ذاك
الطفل المعصوم على وفق ظاهر الحال وأجازه
الخضر (عليه السلام)، الذي كان نبياً من
غير أنبياء الشريعة، لأنّه تحرّك على وفق
الواقع. وهذا نبينا محمد(صلى الله عليه
وآله)، كان يحارب عندما يرى أنّ المؤشّرات
تشير إلى احتمال الانتصار. وقد اتّفق
أحياناً أن كانت النتائج ليست كما كان
يتوقعها (صلى الله عليه وآله) فخسر بعض
المعارك.
وهذا
علي (عليه السلام)، كان يرى وبعين الواقع
أنّ ابن ملجم (لعنه الله) قاتله، ولكنّه
كان يتحرّك على وفق الظاهر ولم يقم (عليه
السلام) بأي إجراء ضده قبل أن يرتكب جنايته.
وحارب
الحسن (عليه السلام) عندما كان هناك أمل
ظاهري بالنصر وصالح عندما أشارت الظروف
إلى ضرورة الصلح، وهكذا...
فالشرائع
قائمة على أساس المقاييس الظاهرية ولو
أراد الله تعالى للناس أن يسيروا على وفق
الملاكات الواقعية لكان حقاً عليه إرسال
الممثلين عنه لإخبار الناس بأمور الغيب.
ولمّا لم يحصل مثل هذا، فإنّ المقياس يبقى
هو المقياس الظاهري.
وعلى
هذا، فإنّ القول، بأننا لا يجوز لنا العمل
والثورة لاستلام الحكم إلاّ بعد أن نضمن
الفوز والانتصار قول مخالف لطبيعة
الشريعة الإسلامية.
وأمّا
الثاني: وهو أنّ كلام الإمام (عليه السلام)
كان ناظراً إلى الظروف ويخبر عن الظاهر لا
عن الواقع. فهذا أمر خلاف سنن الكون لا
خلاف سنن الشريعة؛ لأننا قلنا سابقاً بأنّ
الظروف والقدرات والإمكانات قد وزّعت من
قبل الله تبارك وتعالى على الناس بشكل
سواء. لأنّه تعالى أراد (أن يكون الناس أمة
واحدة)، ولم يشأ أن يكون النصر إلى جانب
الكفرة دائماً بحيث ترجح كفة الكفر على
الإيمان في الدنيا دائماً.
قال
تعالى {ولولا أن يكُونَ
الناسُ أمةً واحِدةً لجعلنا لِمنَ يكفُرَ
بالرحمنِ لِبُيوتهم سُقفاً مِن فِضة
وَمعارجَ عليها يَظهرُون وَلِبُيوتِهم
أبواباً وسُرراً عليها يتكئون وزُخرفاً
وإِن كُلُّ ذلِكَ لمَّا مَتاعُ الحياةِ
الدُّنيا والآخرةُ عِندَ ربِّك للمُتقينَ}.
فما
معنى فرضية أنّه متى ما قام الكفّار
انتصروا ومتى ما قام المؤمنون انكسروا؟
فهل معنى هذا القول هو أنّ الناس ليسوا أمة
واحدة بل كل الفرص والكفاءات هي إلى جانب
الكفرة؟! كلا فالأمر ليس كذلك كما أوضحنا
سابقاً وكما دلّت عليه الآية المباركة
آنفة الذكر.
والخلاصة:
إنّ الروايات ومع ضعف سندها لا تُقبل وعلى
كلا المعنيين، وإذا قبلناها فلا بدّ أن
نقول:
1
ــ بأنّها ناظرة إلى فتره معيّنة من الزمن
لا إلى هذه الفترة الطويلة بين الغيبة
والظهور.
2
ــ أو أنّها ناظرة إلى الخارجين من أهل
البيت(عليهم السلام) بالمعنى الخاصّ.
3
ــ أو أنّها صادرة على نحو التقية، أو ما
أشبه.
روايات
الطائفة الثالثة: هي الروايات التي تمنع
عن الخروج والقيام ضد حكم الظلمة في زمن
غيبة المعصوم، ويحتمل فيها احتمالان:
الأول:
أن تكون ناظرة إلى شرط العصمة، فما دام
المعصوم (عليه السلام) غير موجود ظاهراً
ولا مشرف على القيام، فلابدّ من السكوت
والسكون (ما سكنت السموات والأرض).
الثاني:
أن تكون ناظرة إلى العجز وأنّ الظروف غير
مواتية للقيام فلابدّ من التقية إلى حين
ظهور الحجة (عج).
1
ــ عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «كل
راية ترفع قبل قيام القائم (عليه السلام)
فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل»[14].
يستشف
من الرواية أنّ صاحب هذه الراية طاغوت
وذلك لأحد أمرين:
إمّا
لأنّها تشترط العصمة في القيام، وصاحب
الراية هنا غير معصوم، فلا يجوز له
الخروج، ولو خرج مخالفاً النهي بالخروج
فهو طاغوت.
وإمّا
لأنّ الزمان زمان تقية والظروف غير مواتية
للانتصار، ولأنّه تجاوز التقية وعرّض
أرواح أنصاره للهلاك
فقد ارتكب محرماً وكان طاغوتاً.
2
ــ عن سدير قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه
السلام): «يا سدير الزم
بيتك، وكن حِلْساً من أحلاسه، واسكن ما
سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنّ
السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»[15].
فما
دام السفياني لم يخرج فالزمان زمان سكوت،
إمّا لأنّ العمل لابدّ له من معصوم (عليه
السلام) على رأسه، أو لأنّ الظروف غير
مواتية للانتصار، وهذا ما يوجب التقية
وليس الخروج والثورة.
3
ــ عن جابر عن الباقر (عليه السلام): قال: «الزم
الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتّى ترى
علامات أذكرها لك، وما أراك تدركها:
اختلاف بني فلان، ومناد ينادي في السماء،
ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق...»[16].
4
ــ عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه
السلام) يقول: «خمس علامات
قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني،
والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني،
فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل
هذه العلامات، أنخرج معه؟ قال: لا»[17].
إنّ
الأجوبة على الشبهة التي تطرحها هذه
الطائفة من الروايات نصنّفها إلى صنفين:
الأول:
الأجوبة العامّة. والتي تعمّ هذه الروايات
وأمثالها.
الثاني:
الأجوبة الخاصّة. وهي أن تُدرس كل رواية
على انفراد وتدقّق ليرى هل تدلّ على
المدّعى أم لا؟
الأجوبة العامّة عن الروايات المانعة من
الخروج
أمّا
بالنسبة للأجوبة العامّة فهي ثلاثة أجوبة:
الجواب
الأول: ما اتّضح من الأبحاث السابقة حول
روايات شرط العصمة، وروايات العجز عن
تحقيق الانتصار، وزمان التقية. فأحاديث
هذه الطائفة إمّا هي ملحقة بالطائفة
الأولى أو هي ملحقة بالطائفة الثانية أو
بكليهما معاً. وقد مضى الحديث عن هاتين
الطائفتين.
الجواب
الثاني: نشير فيه إلى قصّتين تأريخيّتين،
لكي نعرف حقيقتيهما. وستكون هاتان
القصّتان جواباً على الشبهة التي تثيرها
هذه الطائفة من الروايات.وهاتان القصّتان
هما:
ــ
قصّة زيد بن علي (رضي الله عنه).
ــ
قصّة الحسين بن علي (رضي الله عنه) صاحب
واقعة الفخ.
أمّا
بالنسبة لقصّة زيد بن علي(رضي الله عنه)
فالروايات الواردة بشأنها كثيرة وهي
تنقسم إلى طائفتين هما:
الأولى:
المانعة عن الخروج.
الثانية:
المادحة للخروج. وتمتاز بكثرتها، وضعف
سندها كلّها إلاّ واحدة، وهي رواية عيص بن
القاسم وهي مفصّلة نختار منها: «..
لا تقولوا: خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً
وكان صدوقاً ولم يكن يدعكم لنفسه، وإنّما
دعاكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه
وآله) ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه...»[18].
أمّا
الروايات الذامّة فتمتاز بقلة عددها،
وضعف سندها كلها إلاّ واحدة أيضاً ــ حسب
تتبّعي ــ.
ففي
رواية غير تامّة السند جاء: عن بكر بن أبي
بكر الحضرمي قال: «دخل أبو
بكر وعلقمة على زيد بن علي، وكان علقمة
أكبر من أبي، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر
عن يساره، وكان بلغهما أنّه قال: ليس
الإمام منّا من أرخى عليه ستره، وإنّما
الإمام من شهر سيفه، فقال له أبو بكر ــ
وكان أجرأهما ــ يا أبا الحسين (كنية زيد)
أخبرني عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
أكان إماماً وهو مرخ عليه ستره، أو لم يكن
إماماً حتّى خرج وشهر سيفه؟ فسكت فلم يجبه
فردّ عليه الكلام ثلاث مرات كل ذلك لا
يجيبه، فقال له أبو بكر: إن كان علي بن أبي
طالب (عليه السلام) إماماً فيجوز أن يكون
بعده إمام مرخ عليه ستره، وإن لم يكن
إماماً وهو مرخ عليه ستره فأنت ما جاء بك
ها هنا. فطلب أبي علقمة أن يكفّ عنه، فكفّ
عنه»[19].
فمن
هذه الرواية يتّضح أنّ زيداً لم تكن واضحة
عنده إمامة أخيه الباقر (عليه السلام)
أو أبن أخيه الصادق(عليه السلام).
وبما
أنّ هناك روايات واضحة الدلالة على أنّه (رضي
الله عنه) كان يعرف الإمام (عليه السلام).
فزيد كان عالماً عالي الشأن لا يحتمل في
حقّه عدم معرفة إمام زمانه (عليه السلام).
فإذن يحتمل أنّ ظهور مثل هذا المعنى في بعض
كلامه (رضي الله عنه) كان بسبب تستّره
على إمامة الإمام (عليه السلام) في
وقته؛ خصوصاً وهو قد خرج (رضي الله عنه)
بالسيف. فأراد أن يعدم الصلة بينه وبين
الإمام (عليه السلام) لخشيته على الإمام (عليه
السلام) من بطش السلطة وظلمها.
وعلى
فرض ثبوت عدم معرفته (رضي الله عنه) لإمام
زمانه، فلا دخل لمثل هذا الأمر الخاصّ
بعقيدته بما نبحثه نحن؛ لأنّنا نبحث في
أنّه هل ورد منع في هذه الروايات عن الخروج
أم لا؟ وهذا الأمر لا يمكن إثباته في مثل
هذه الروايات في الواقع.
وفي
رواية ثانية من روايات الذمّ وهي صحيحة
السند. «أخبرني الأحول[20]: أنّ زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام)
بعث إليه وهو مستخف، قال: فأتيته فقال لي:
يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منّا
أتخرج معه؟ قال: فقلت له: إن كان أباك أو
أخاك خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن
أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال:
قلت: لا ما أفعل جعلت فداك. قال: فقال لي:
أترغب بنفسك عنّي؟ قال: قلت له: إنّما هي
نفس واحدة، فإن كان لله في الأرض حجّة
فالمتخلّف عنك ناج والخارج معك هالك، وإن
لا تكن لله حجّة في الأرض فالمتخلّف عنك
والخارج معك سواء.
قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي
على الخوان ــ سفرة الطعام ــ فيلقمني البضعة السمينة ويبرّد لي اللقمة الحارة
حتّى تبرد، شفقة عليَّ، ولم يشفق عليّ من
حرّ النار إذاً أخبرك بالدين ولم يخبرني
به؟ فقلت له: جعلت فداك من شفقته عليك من
حرّ النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله
فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت
وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار.
ثم قلت له: جعلت فداك، أنتم أفضل أم
الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء، قلت يقول
يعقوب ليوسف: {يا بنيَّ لا تقصص رؤياك على
إخوتك فيكيدوا لك كيداً}، لِمَ لم يخبرهم
حتّى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمهم ذلك،
فكذا أبوك كتمك لأنّه خاف عليك.
قال: فقال: أما والله لأن قلت ذلك لقد
حدّثني صاحبك بالمدينة أنّي اُقتل واُصلب
بالكناسة وأنّ عنده لصحيفة فيها قتلي
وصلبي. فحججت فحدّثت أبا عبد الله (عليه
السلام) بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي:
أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن
شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ولم تترك
له مسلكاً يسلكه»[21].
ولا دلالة في الرواية على حرمة خروج زيد
أصلاً. وفي الرواية دلالة نهاية الرواية
عندما أخبر عن إخبار الإمام (عليه السلام)
له بصلبه بالكناسة.
أمّا
الروايات المادحة فهي كثيرة وقد ذكرنا
رواية صحيحة السند آنفاً. والآن نذكر
روايتين غير صحيحتي السند
هما:
ــ
أنّ زيداً كان يعرف الإمام حقّاً لكنّه
كان يكتم ذلك، والدليل على ما في رواية فضيل عن الصادق (عليه السلام) قال: قال
الإمام الصادق «.. يا فضيل
شهدت مع عمّي قتال أهل الشام؟ قلت: نعم،
قال: فكم قتلت منهم؟ قلت: ستة، قال: فلعلّك
شاكٌّ في دمائهم؟ قال: فقلت لو كنت شاكّاً
ما قتلتهم، قال: فسمعته وهو يقول: أشركني
الله في تلك الدماء مضى والله زيد عمّي
وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علىُّ بن
أبي طالب وأصحابه»[22].
ــ
وعن الباقر عن آبائه (عليهم السلام)، قال:
قال الرسول (صلى الله عليه وآله) للحسين (عليه
السلام): «يا حسين يخرج من
صلبك رجل يقال له زيد يتخطّى هو وأصحابه
يوم القيامة رقاب الناس غرَّاً محجّلين
يدخلون الجنّة بلا حساب»[23].
والنتيجة
هي أنّنا حين نقرأ الروايات المادحة لخروج
زيد (رضي الله عنه) والذامّة له، نكاد
نقطع بأنّ الروايات الصحيحة هي الروايات
المادحة له. وذلك بملاحظة طبيعة وضع
وتاريخ وظرف صدور هذه الروايات. فواقعة
زيد (رضي الله عنه) وقعت في زمن من أحرج
الأزمان على الشيعة، وكان الإمام (عليه
السلام) آنذاك في أشدّ ما يكون من التقية.
وعلى
هذا، فإنّ عمل زيد حتّى وإن كان صحيحاً
فإنّ اشتراك الإمام فيه مباشرة لم يكن
صحيحاً؛ لأنّه (عليه السلام) سيتعرّض
مباشرة لبطش السلطة الجائرة. وعليه نقول:
إنّ خروجه (رضي الله عنه) كان إمّا مرضيّاً
من قبل الإمام (عليه السلام) أو مرفوضاً.
فإن
كان مرضيّاً، فلابدّ أن نتوقّع ورود
روايات كثيرة ذامّة له تبعاً للظروف
المعادية آنذاك مع احتمال وضع روايات
كثيرة ذامّة له. وهذا لا يمانع ورود بعض
الروايات المادحة له أيضاً على لسان
الأئمة (عليهم السلام) وفي ظروف معيّنة.
وإن
كان خروجه مبغوضاً لدى الإمام (عليه
السلام) فإننا نتوقع أن تكثر الروايات
الذامّة له ولا نتوقع رواية واحدة مادحة
له ولو ضعيفة السند. وذلك لأنّ الإمام لا
يصدر منه إلاّ الذمّ في حق مثل هذا الخروج.
وكذلك السلطة ووعاظ السلاطين والكذّابون،
سوف لا يضعون إلاّ روايات الذمّ في حقه
لأنّه خروج ضد السلطة.
وخروج
زيد هو أمر مفروغ عنه وثابت تاريخياً،
فإذن نقطع بأنّ خروجه كان مرضيّاً من قبل
الإمام (عليه السلام)، ولو كان غير مرضي
لما وصلتنا رواية واحدة مادحة له. فكيف
وروايات المدح أكثر من روايات الذمّ.
وأمّا
ثورة الحسين بن علي (صاحب واقعة الفخ)
فالروايات المادحة لخروجه (رضي الله
عنه) كثيرة ولا توجد رواية واحدة ذامّة له.
لكن نقطة الضعف في الروايات الواردة بمدحه
هي أنّ أكثرها رواها أبو الفرج الأصفهاني (صاحب
مقاتل الطالبيين) وهو زيدي المذهب. ولا
تستثنى من ذلك إلاّ رواية واحدة أو اثنتين
وردت إحداهما في الكافي، فيكون هذا الأمر
مدعاة لاحتمال الوضع والاختلاق لهذه
الروايات.
ولكن
بالمقابل، فإنّ النكتة التي بينّاها بشأن
قصّة زيد ترد هنا وبشكل أوضح. وللإيضاح
نقول: إنّ أصل خروج صاحب واقعة الفخ (رضي
الله عنه) يعد من مسلّمات التاريخ
الإسلامي. لكن هل خروجه كان برضا الإمام
المعصوم (عليه السلام) أم بغير رضاه (عليه
السلام)؟ وهنا أيضاً نقول: إن كان خروجه
مبغوضاً، فإنّنا نتوقع أن تنهال عليه
روايات الذم عن طريق الإمام المعصوم (عليه
السلام). وكذلك ستكون روايات أعدائه
روايات ذم بلا شكّ؛ لأنّه خرج عليهم. وبذلك
لا نتوقّع رواية مدح واحدة في حقّه (رضي
الله عنه).
وإن
كان خروجه برضا الإمام المعصوم (عليه
السلام) فإنّنا نتوقع أن ترد روايات المدح
وروايات الذم أيضاً، إمّا كذباً من قبل
أعدائه أو تقيّة من قبل الإمام المعصوم (عليه
السلام). بينما في الواقع نرى أنّه لا توجد
لدينا ولا رواية ذم واحدة له ولا لخروجه (رضي
الله عنه).
وهذا
شاهد قطعي على أنّ خروجه كان مرضياً من قبل
الأئمة (عليهم السلام).
ــ
من الروايات المادحة، ما ورد في الكافي عن
عبد الله بن المفضّل قال: «لمّا
خرج الحسين بن علي المقتول بــ(فخ) واحتوى
على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى
البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن العم لا
تكلّفني ما كلّف ابن عمك عمك أبا عبد الله
فيخرج منّي ما لا أريد كما خرج من أبي عبد
الله ما لم يكن يريد. فقال له الحسين إنّما
عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه وإن
كرهته لم أحملك عليه والله المستعان. ثمّ
ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين
ودّعه: يا ابن عمّ إنك مقتول فأجدّ الضراب
فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون
شركاً وإنّا لله وإنّا إليه راجعون،
احتسبكم عند الله من عصبة. ثم خرج الحسين
وكان من أمره ما كان، قتلوا كلهم كما قال (عليه
السلام)»[24].
فإنّ
صحّ خروج زيد بن علي والحسين بن علي صاحب (فخ)
تاريخياً، وأنّ خروجهما كان برضا الإمام
المعصوم (عليه السلام)، وقد أثبتنا هذا.
نعود إلى روايات الطائفة الثالثة المانعة
للخروج منعاً يمتدّ إلى زمن ظهور الحجة (عج)
لنرى أزمنة صدورها.
فنرى
أنّ قسماً منها يعود إلى زمن الباقر (عليه
السلام) تاريخياً، وهو تاريخ متقدّم على
قضيتي زيد والحسين رضوان الله عليهم.
فنقطع بأنّ ذلك المنع الصادر من الإمام (عليه
السلام) هو:
ــ
إمّا منع تقية.
ــ
أو مختص بفترة معيّنة.
ــ
أو أنّ الرواية مجعولة وكاذبة.
ــ
أو تُردّ إلى أهلها فهم أعلم بمرادهم.
ولا
نؤمن بأنّ منعها يحمل على ظاهره، وأنّه
مستمر إلى قيام الحجة؛ لأنّنا نرى أنّ
خروج زيد والحسين كان بعد ذلك التأريخ
وكان خروجهما مرضيّاً عند الأئمة (عليهم
السلام).
وأمّا
القسم الآخر من روايات المنع من الخروج
فيعود إلى زمن الصادق (عليه السلام)
والكاظم (عليه السلام). وهذه الروايات وإن
كانت قد وردت بعد خروج زيد (رضي الله عنه)
إلاّ أنّها كانت قبل خروج الحسين صاحب (فخ).
ولذا، فإنّ شأنها شأن الروايات السابقة
الصادرة في زمن الباقر (عليه السلام). ولم
يشذّ عنها إلاّ رواية عن الإمام الرضا (عليه
السلام). وقد صدرت تاريخياً بعد ثورتي زيد
والحسين.
فعن
الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام): «لا
دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية
له، وإنّ أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية،
قيل: يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى
قيام القائم...»[25].
فظاهر
هذه الرواية المنع من الخروج إلى قيام
القائم (عج) ويحتمل فيها أيضاً أنّ الخروج
كان مرضيّاً عند الأئمة (عليهم السلام) إلى
زمن خروج الحسين بن علي صاحب الفخ. أمّا
بعد ذلك ومنذ زمان الإمام الرضا (عليه
السلام) وإلى قيام القائم (عج) فإنّ
الخروج غير مرضي.
إلاّ
أنّه لا يبعد القول، بأنّ هذه الرواية وإن
صدرت بعد قصتي زيد والحسين (رضي الله
عنه) فمن المفهوم عرفاً منها أنّها تريد أن
تقول فيما عدا زمان خروج الإمام المعصوم
لابدّ من التقية، ولا خصوصية لزمان الصادق
أو الرضا أو السجّاد (عليهم السلام). أي
أنّها أرادت قاعدة عامّه وهي: عند جلوس
الإمام المعصوم (عليه السلام) وعدم
خروجه فإنّ العمل بالتقية لابدّ منه.
وسيكون
جواب هذا حينئذ، بأنّنا نعلم قطعاً بأنّ
خروج زيد بن علي والحسين بن علي (رضي الله
عنه) كان مرضياً عند الأئمة (عليهم السلام).
وعندئذ،
فإنّ هذه الرواية إمّا أن تحمل على (التقية)
أو تحمل على (خلاف ظاهرها) أو كونها (كاذبة)
أو ما شابه ذلك. هذا بالإضافة إلى كون هذه
الرواية غير تامّة السند.
وهناك
رواية أخرى وردت بشأن زمن غيبة الإمام (عج)،
فعن جابر عن الباقر (عليه السلام) أنّه
قال: «يأتي على الناس زمان
يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على
أمرنا في ذلك الزمان، إنّ أدنى ما يكون لهم
من الثواب أن يناديهم الباري جل جلاله
فيقول: عبادي وإمائي آمنتم بسرّي وصدّقتم
بغيبي، فابشروا بحسن الثواب منّي، فأنتم
عبادي وإمائي حقّاً، منكم أتقبّل، وعنكم
أعفو، ولكم اغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث
وأدفع عنهم البلاء ولولاكم لأنزلت عليهم
عذابي، قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) فما أفضل ما يستعمله
المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: حفظ اللسان
ولزوم البيت»[26].
وقد
يقال هنا، بأنّ هذه الرواية غير مشمولة
للجواب الذي قلناه، إذ لعلّ زمان الغيبة
يختلف عن الزمان الذي كنّا نتحدّث عنه وهو
زمان حضور المعصوم (عليه السلام). ومع
هذا، فإنّ هذه الرواية يمكن مناقشتها من
عدّة جهات، فهي ساقطة من ناحية السند
أولا، ولو أردنا التمسّك بها لكان مقابلها
روايات عديدة ضعيفة السند أيضاً وتدلّ على
وقوع ثورات عديدة زمن الغيبة وكلها مرضية
عند الأئمة، بالإضافة إلى إطلاقات
الروايات الحاثّة على الجهاد ودفاع
الظلمة.
الجواب
الثالث: ولا نتكلّم فيه عن الخصوصية
التاريخية الراجعة إلى ثورتي زيد والحسين
صاحب (فخ) رضوان الله عليهما. وإنّما نقسّم
الروايات كلا وطرّاً إلى قسمين سواء
الروايات الواردة في زيد أو الحسين أو
الروايات العامّة التي لم ترد بصدد شخص
معيّن، فنقول: إنّ الروايات:
1
ــ إمّا روايات دلّت على مذمّة الخروج
ومنعت عنه.
2
ــ أو روايات دلّت على وجود ثورات شرعيّة
ومدحت الخروج وحثّت عليه.
وحينئذ
فإننا نستفيد من نفس روح الجواب الثاني،
والذي طبّقناه على القصّتين وبغضّ النظر
عن ثورات أشخاص معيّنيين فنقول: ليست
طريقة فهم الحق من هذه الروايات هو إثبات
السند أو كونه ضعيفاً فقط.
إنّنا
نقول: في دراسة الروايات أنّ الخروج ضد
الظلم وعلى وفق شروط مواتية هو أمر إمّا
مرضي من قبل المعصوم (عليه السلام) أو غير
مرضي؟ أو قل: إمّا جائز أو حرام.
فإن
كان حراماً ــ في علم الله ــ فالمترقَّب أن
لا نرى حديثاً يدلّ على الجواز، إلاّ
النادر الصادر عن الزيديين ومن شاكلهم؛
لأنّ هذه الروايات إمّا:
ــ
يصدرها الصادقون، ولا يتوقّع صدور ما
يحلّل الحرام عنهم.
ــ
أو يصدرها الكاذبون، وهم دائماً في خدمة
السلطة ولا يتعقّل أن يروق للسلطات حديث
يدلّ على حليّة الخروج عليهم. وبذلك سوف لا
ينقلون روايات تحثّ على الخروج وتمدحه.
ولو
كان في ــ علم الله ــ أنّ الخروج حلال أو
واجب فنحن نترقّب صدور الروايات الكثيرة
المانعة عن الخروج؛ لأنّ الصادقين
يصدرونها تقية والكاذبين يصدرونها كذباً.
والذي
وصلنا من الروايات، وبغضّ النظر عن السند
هو:
ــ
روايات تمنع عن الخروج.
ــ
وروايات تجوّز الخروج.
فنقطع
بأنّ الروايات التي تطابق الواقع هي
روايات الجواز، والأخرى هي إمّا روايات
تقية أو كاذبة أو مؤوّلة على خلاف ظاهرها.
وهناك
رواية تدلّ على أنّ روايات المنع هي
روايات تقية، وقد استخدمنا هذه الرواية (كقرينة
ناقصة) للدلالة على المراد.
كتب
يحيى بن عبد الله بن الحسن إلى الإمام موسى
بن جعفر (عليهما السلام) قال: «أمّا
بعد فإنّي أوصي نفسي بتقوى الله وبها
أوصيك فإنّها وصية الله في الأولين
ووصيّته في الآخرين، خبَّرني من ورد عليّ
من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان
من تحنّنك مع خذلانك، وقد شاورت في الدعوة
للرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)
وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك،
وقديماً ادّعيتم ما ليس لكم وبسطتم آمالكم
إلى ما لم يعطكم الله، فاستهويتم وأضللتم
وأنا محذّرك ما حذّرك الله من نفسه»...
فكتب
إليه أبو الحسن موسى بن جعفر: «من
موسى ابن أبي عبد الله جعفر وعلىّ
متشركَين في التذلّل لله وطاعته إلى يحيى
بن عبد الله بن حسن، أمّا بعد:
فإنّي أحذّرك الله ونفسي وأعلمك أليم
عذابه وشديد عقابه، وتكامل نقماته،
وأوصيك ونفسي بتقوى الله فإنّها زين
الكلام وتثبيت النعم، أتاني كتابك، تذكر
فيه أني مدّع وأبي من قبل، وما سمعت ذلك
منّي (وستُكتب شهادتهم ويُسألون)، ولم يدع
حرص الدنيا ومطالبها لأهلها مطلباً
لآخرتهم، حتّى يُفسد عليهم مطلب آخرتهم في
دنياهم، وذكرت أني ثبّطت الناس عنك لرغبتي
فيما في يديك وما منعني من مدخلك الذي أنت
فيه لو كنت راغباً ضَعفٌ عن سنّة ولا قلة
بصيرة بحجة، ولكن الله تبارك وتعالى خلق
الناس أمشاجاً وغرائب وغرائز فأخبرني عن
حرفين أسألك عنهما: ما العترف في بدنك وما
الصهلج في الإنسان؟ ثم أكتب إليَّ بخبر
ذلك. وأنا متقدّم إليك أحذّرك معصية
الخليفة وأحثّك على بره وطاعته وأن تطلب
لنفسك أماناً قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك
الخناق من كل مكان فتروّح إلى النفس من كل
مكان ولا تجده، حتّى يمنَّ الله عليك
بمنّه وفضله ورقّة الخليفة أبقاه الله
فيؤمنك ويرحمك ويحفظ فيك أرحام رسول الله.
والسلام على من اتّبع الهدى {أنّا قد أوحي
إلينا أنّ العذاب على من كذّب وتولّى}. قال
الجعفري ــ وهو الراوي ــ: فبلغني أنّ كتاب
موسى بن جعفر (عليه السلام) وقع في يد هارون
فلمّا قرأه قال: الناس يحملوني على موسى بن
جعفر وهو بريء مما يرمى به»[27].
ففي
هذه الرواية أكثر من عبارة دالّة على
التقية على فرض صحّة صدور مثل ذلك الكتاب
من الإمام إلى يحيى بن عبد الله.
أمّا
الرواية الحاثّة على الخروج والثورة ضد
الظلم والمبتلاة (بضعف السند) والتي تقابل
تلك الروايات المانعة للخروج والضعيفة
السند أيضاً، فهي:
1
ــ عن كتاب أبي عبد الله السياري، عن رجل
قال: «ذكر بين يدي أبي عبد
الله (عليه السلام) من خرج من آل محمد (صلى
الله عليه وآله)، فقال: لا أزال أنا وشيعتي
بخير ما خرج الخارجي من آل محمد، ولوددت
أنّ الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة
عياله»[28].
2
ــ عن أيوب بن يحيى الجندل، عن أبي الحسن
الأول (عليه السلام) قال: «رجل
من أهل قم يدعو الناس إلى الحق، يجتمع معه
قوم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح
العواصف، ولا يملّون من الحرب، ولا
يجبنون، وعلى الله يتوكّلون، والعاقبة
للمتقين»[29].
وهذا يقبل الانطباق على ما تحقّق من قيام
السيّد الإمام الخميني تغمّده الله
برحمته.
3
ــ في غيبة النعماني، عن أبي خالد الكابلي
عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «كأني
بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحق فلا
يعطونه ثم يطلبونه فلا يعطونه، ثمّ
يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا
سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا فلا
يقبلونه حتّى يقوموا، ولا يدفعونها إلاّ
إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمّا إني لو
أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»[30].
4
ــ عن جابر قال: «حدّثني من
رأى المسيّب بن نجبة قال: جاء رجل إلى أمير
المؤمنين (عليه السلام) ومعه رجل يقال له
ابن السوداء، فقال له: يا أمير المؤمنين
إنّ هذا يكذب على الله وعلى رسوله
ويستشهدك، فقال أمير المؤمنين (عليه
السلام): لقد أعرض وأطول يقول ماذا؟ فقال:
يذكر جيش الغضب، فقال: خلِّ سبيل الرجل،
أولئك قوم يأتون في آخر الزمان قزع كقزع
الخريف والرجل والرجلان والثلاثة، من كل
قبيلة حتّى يبلغ تسعة، أما والله إني
لأعرف أميرهم واسمه ومناخ ركابهم، ثم نهض
وهو يقول: باقرا باقرا باقرا، ثم قال: ذلك
رجل من ذريتي يبقر الحديث بقرا»[31].
فهذه
الروايات دالّة إذن على أنّه وفي آخر
الزمان ستحدث ثورات ضد الحكّام الظلمة
وستكون هذه الثورات مرضية من قبل
المعصومين (عليهم السلام).
الأجوبة الخاصّة على
الروايات المانعة من الخروج
بعد
أن ذكرنا أجوبة ثلاثة عامّة على الروايات
المانعة من الخروج، بقي علينا ذكر الأجوبة
الخاصّة، وهي النظر إلى كل رواية بالخصوص
لإثبات المدّعى من صحّة الخروج على الظلمة
حتّى في غير عصر ظهور الإمام (عليه السلام).
وسنقتصر هنا على دراسة تلك الروايات
الأربع[32]
التي درسناها سابقاً لصحّة أسانيدها.
الرواية
الأولى: عن أبي بصير، عن الصادق (عليه
السلام) قال: «كل راية ترفع
قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من
دون الله عز وجل»[33].
لقد
طرحنا سابقاً احتمالين بشأن الاستدلال
بهذه الرواية وهما:
الاحتمال
الأول: أنّها ناظرة إلى شرط العصمة، فيمن
يقوم، ولا يجوز الخروج والقتال دون حضوره (عليه
السلام).
الاحتمال
الثاني: أنّها ناظرة إلى التقية والعجز
وعدم القدرة. فعندما لا تكون هناك قدرة على
القتال والظفر يحرم الخروج، ــ ولكنّي ــ
أرى من تعبير الرواية عن الخارج بأنّه (طاغوت
يعبد من دون الله) وعدم تصريحها بحرمة
الخروج في غير زمن المعصوم (عليه السلام)،
أو عند عدم حصول الشرائط الموجبة للنجاح،
أرى في ذلك احتمالاً ثالثاً قبال
الاحتمالين السابقين، وهذا الاحتمال هو
خروج الخارج بدعوى أنّه هو الإمام المنصوب
من قبل الله تعالى، وأنّه هو الولي
المجعول على المؤمنين. وليس هو النائب
العامّ عن المعصوم (عليه السلام).
وهذا
الاحتمال وارد بقرينة (طاغوت يعبد من دون
الله) فإن كان هذا الاحتمال، احتمالاً
وارداً إلى الذهن ولو بمستوى أن تكون
الرواية (مجملة) ومردّدة بين الاحتمالات
الثلاثة، فإنّ الرواية تسقط عن الاستدلال
لأنّها أصبحت (مجملة). ومع ذلك، فإنّنا لو
حصرنا الاحتمالات بالاحتمالين الأوليين
فقط، فإنّ الجواب ينحصر بالأجوبة العامّة
التي شرحناها سابقاً.
الرواية
الثانية: عن سدير قال (عليهم السلام) قال
أبو عبد الله (عليه السلام): «قال
أبو عبد الله (عليه السلام): يا سدير
الزم بيتك، وكن حِلْساً من أحلاسه، واسكن
ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنّ
السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»[34].
وهذه
الرواية وبغضّ النظر عن الأجوبة الثلاثة
السابقة، فإنّها لا يوجد فيها ما يتمّ به
إطلاقها ــ على حدّ تعبير الأصوليين ــ لكي
تعطي قاعدة عامّة. وإنّما هي خطاب إلى شخص
معيّن اسمه سدير، وعلى هذا فشروط تكوّن
الإطلاق غير موجودة فيها.
ولكن
من المحتمل أنّها تنظر إلى حالات معيّنة،
وهي حالات الخروج المقارنة لزمن حضور
المعصوم. فيقول (عليه السلام): يا سدير: أنت
الذي تعيش في زمن المعصوم (عليه السلام)
وتفتّش عن إمام لك، وتتصوّر أنّ الخارج
بالسيف هو الإمام، فإنّ الأمر ليس هكذا،
ولا تخرج إلاّ إذا خرج السفياني فإنّ
خروجه دلالة على خروج الإمام المعصوم (عليه
السلام) أو قرب خروجه (عليه السلام).
أمّا
أن تكون هذه الأوامر والإرشادات قاعدة
عامّة مطلقة تشمل حتّى زمن الغيبة الكبرى،
وأنّه لا يصحّ خروج أي أحد حتّى ظهور الحجة (عج)،
فإنّ هذا أمر لا يمكن استفادته من هذه
الرواية لعدم اكتمال الإطلاق فيها؛ لأنّ
الخطاب فيها محدود لسدير لا لكل المسلمين
وفي كل آن ومكان.
ولا
أريد أن أحمل هذا المعنى على هذا النصّ فقط
دون أن احتمل المعاني الأخرى. وإنّما الذي
أقوله إنّ (الإطلاق) في هذه الرواية غير
موجود واحتمال كون الرواية (خاصّة) احتمال
وارد.
الرواية
الثالثة: عن جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام)
قال:
«الزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً
حتّى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك
تدركها: اختلاف بني فلان، ومناد ينادي من
السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق...»[35].
ولا
يوجد في هذه الرواية أيضاً ما يتمّ به
مقدّمات الحكم ويثبت منه الإطلاق. فنحن
نحتمل أنّ الرواية تشير إلى حالة معيّنة
وهي تلك التي كان يعيشها جابر بالذات، وهي
حالة التواجد في زمن حضور المعصوم (عليه
السلام). فيكون النهي نهياً عن الخروج في
زمن المعصوم (عليه السلام) مع غيره. لا
سيّما أنّ الرواية ذكرت علامات على قرب
خروج المعصوم وهي الرايات المشار إليها
آنفاً.
الرواية
الرابعة:
عن
عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه
السلام) يقول: «خمس علامات
قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني،
والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني.
فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل
هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا»[36].
والملاحظ
هنا، أنّ السؤال قد صبّه السائل على عنوان
(أهل بيتك).
وقلنا:
إنّ المتبادر إلى الذهن عرفاً من هذا
اللفظ هم الأقرباء بالمعنى الخاصّ، وليس
كل من هو من نسل الرسول (صلى الله عليه وآله)
ولو كان بينه وبين الرسول (صلى الله
عليه وآله) ألف سنة وإن كان هو من أهل البيت
أيضاً بالمعنى العامّ.
فالرواية
لا تبيّن قضية عامّة لكل زمان ومكان ولأي
ظرف كان، إذ لا يوجد دليل على ذلك. وإنّما
تريد القول بأنّ أقرباء الرسول كزيد
والحسين صاحب (فخ) ومحمد بن عبد الله
وأمثالهم.. إن خرجوا فلا تخرج معهم إلاّ مع
هذه العلامات.
|