كتاب الكفالة

[151]

كتاب الكفالة(1)

(وهي التعهد بالنفس) أي التزام احضار المكفول متى طلبه المكفول له، وشرطها رضى الكفيل والمكفول له، دون المكفول، لوجوب الحضور عليه(2) متى طلبه صاحب الحق ولو بالدعوى، بنفسه أو وكيله، والكفيل بمنزلة الوكيل حيث يأمره به. ويفتقر إلى إيجاب وقبول(3) بين الاولين(4) صادرين على الوجه المعتبر في العقد اللازم. (وتصح حالة(5) ومؤجلة) أما الثاني فموضع وفاق، وأما الاول فأصح القولين، لان(6) الحضور حق شرعي لا ينافيه الحلول. وقيل:


___________________________________
(1) من كفل الرجل اي ضمنه على ان يأتي به لدى الحاجة أو متى طلبه المكفول له. ويقال: كفل المال اي ضمنه فهو من باب نصر ينصر، ويأتي ايضا من باب ضرب يضرب، ويأتي من باب حسب يحسب، ومن باب شرف يشرف. فهي اسم مصدر ومصدرها كفلا وكفولا. (2) اي على المكفول، واللام في (لوجوب الحضور) تعليل لعدم اعتبار رضى المكفول. (3) الايجاب من الكفيل، والقبول من المكفول له. (4) هو الكفيل والمكفول له. (5) المراد من الحال: احضار المكفول متى طلبه المكفول له. والمراد من المؤجل: احضار المكفول بعد اجل معين، أما قبله فغير واجب. (6) تعليل لصحة الكفالة حالا.

[152]

لا تصح الا مؤجلة (إلى أجل معلوم) لا يحتمل الزيادة والنقصان كغيره(1) من الآجال المشترطة، (ويبرأ الكفيل بتسليمه(2)) تسليما (تاما) بأن لا يكون هناك مانع من تسلمه كمتغلب، أو حبس ظالم، وكونه في مكان لا يتمكن من وضع يده عليه، لقوة المكفول، وضعف المكفول له، وفي المكان(3) المعين إن بيناه في العقد، وبلد(4) العقد مع الاطلاق، (وعند الاجل) أي بعده إن كانت مؤجلة، (أو في الحلول) متى شاء إن كانت حالة، ونحو ذلك، فإذا سلمه كذلك(5) برئ، فإن امتنع(6) سلمه إلى الحاكم وبرئ أيضا، فإن لم يمكن(7) أشهد عدلين بإحضاره إلى المكفول له، وامتناعه من قبضه، وكذا يبرأ بتسليم المكفول نفسه تاما وإن لم يكن(8) من الكفيل على الاقوى، وبتسليم غيره له كذلك(9). (ولو امتنع) الكفيل من تسليمه ألزمه الحاكم به فإن أبى (فللمستحق)


___________________________________
(1) اي كغير الاجل الذي في الكفالة من الآجال الاخر المشترطة في العقود. (2) اي بتسليم المكفول. (3) الظرف متعلق بقول المصنف: (بتسليمه): اي ويبرأ الكفيل بتسليم المكفول إلى المكفول له في المكان المعين لو عين المكان في العقد. (4) بالجر عطفا على مدخول حرف الجار اي ويبرأ الكفيل بتسليم المكفول له في بلد العقد اذا كان العقد مطلقا ولم يعين فيه مكان خاص. (5) اي تاما وفي الوقت المعين وفي المكان الخاص. (6) اي المكفول له من التسلم. (7) اي لم يمكن تسليمه إلى الحاكم، لعدم وجوده. (8) اي التسليم. (9) اي تسليما تاما في الوقت المعين وفي المكان الخاص.

[153]

طلب (حبسه) من الحاكم (حتى يحضره، أو يؤدي ما عليه) إن أمكن أداوه عنه كالدين، فلو لم يمكن كالقصاص(1)، والزوجية(2)، والدعوى(3) بعقوبة توجب حدا أو تعزيرا، ألزم باحضاره حتما مع الامكان وله(4) عقوبته عليه كما في كل ممتنع من أداء الحق مع قدرته عليه(5)، فإن لم يمكنه الاحضار وكان له بدل كالدية في القتل وإن كان عمدا، ومهر(6) مثل الزوجة وجب عليه البدل. وقيل: يتعين الزامه باحضاره إذا طلبه المستحق(7) مطلقا(8)، لعدم انحصار الاغراض في أداء الحق. وهو قوي. ثم على تقدير كون الحق مالا وأداه الكفيل فإن كان قد أدى


___________________________________
(1) اذ لا يمكن التقاص من الكفيل، لان الجاني غيره. (2) فيما لو كفل للزوجة الاتيان بزوجها، أو كفل للزوج احضار زوجته فإنه حينئذ لا يمكن أن يقوم الكفيل بوظائف الزوجية بدلا عن الزوج، او الزوجة. (3) بالجر اي وكالدعوى، بأن اقام المكفول له على المكفول دعوى توجب العقوبة بالحد، أو التعزير فإنه حينئذ لا يمكن أن يقام على الكفيل الحد، ولا التعزير بل يلزم الكفيل - في أمثال هذه الموارد التي لا يمكن أن يقوم بنفسه مقام المكفول - مجرد احضار المكفول فقط مع الامكان. (4) الظاهر ارجاع الضمير إلى (المكفول له) بأن يطلب من الحاكم احضار المكفول ومرجع الضمير في عقوبته (المكفول). (5) اي على الاداء. ومرجع الضمير في (مع قدرته): (الممتنع). (6) بالجر عطفا على مدخول (كاف الجارة) اي كالدية، وكمهر المثل. (7) اي المكفول له. (8) اي وإن كان الحق مما يمكن اداؤه.

[154]

بإذنه(1) رجع عليه، وكذا(2) إن أدى بغير إذنه مع كفالته بإذنه، وتعذر احضاره، والا(3) فلا رجوع. والفرق بين الكفالة والضمان في رجوع من أدى بالاذن هنا وإن كفل بغير الاذن، بخلاف الضمان(4): أن الكفالة لم تتعلق بالمال بالذات(5)، وحكم الكفيل بالنسبة اليه(6) حكم الاجنبى فاذا أداه بإذن المديون فله الرجوع، بخلاف الضامن(7)، لانتقال المال إلى ذمته بالضمان، فلا ينفعه(8) بعده الاذن في الاداء، لانه كإذن البرئ


___________________________________
(1) اي المكفول. ومرجع الضمير في (عليه) ايضا المكفول. (2) اي وكذا يرجع الكفيل على المكفول لو كانت الكفالة باذنه، ولم يكن الاداء باذنه. (3) اي وان لم تكن الكفالة، ولا الاداء باذنه. (4) في أنه لو كان الضمان بغير اذن المضمون عنه فلا رجوع للضامن على المضمون عنه وان اذن له بعد ذلك بالاداء. (5) بل تعلقت اولا وبالذات بالنفس، فحينئذ لم تتعلق ذمة الكفيل بالمال ولم تشتغل به. (6) اي إلى المال. (7) فيما اذا ضمن بغير اذنه فهنا لا يرجع الضامن على المضمون عنه وان اذن له المضمون عنه بعد ذلك بالاداء، لانتقال المال إلى ذمة الضامن بمجرد الضمان. (8) اي اذن المضمون عنه بعد ضمان الضامن بلا اذنه غير مفيد في رجوع الضامن عليه، لاشتغال ذمة الضامن بالدين قبل أن يأذن المضمون عنه له.

[155]

للمديون في أداء دينه(1). وأما إذنه في الكفالة إذا تعذر احضاره، واستئذانه(2) في الاداء فذلك(3) من لوازم الكفالة، والاذن فيها إذن في لوازمها. (ولو علق الكفالة) بشرط(4) متوقع، أو صفة(5) مترقبة (بطلت) الكفالة، (وكذا الضمان والحوالة) كغيرها من العقود اللازمة (نعم لو قال: إن لم أحضره إلى كذا كان علي كذا صحت الكفالة أبدا ولا يلزمه المال المشروط، ولو قال: علي كذا إن لم أحضره لزمه ما شرطه من المال إن لم يحضره(6)) على المشهور.


___________________________________
(1) فكما أن البرئ لو قال للمديون: اد دينك. لم يكن قوله هذا موجبا لاشتغال ذمته، وليس للمديون الرجوع عليه، فكذلك المضمون عنه لو لم يأذن في بادئ الامر بالضمان، ثم اذن للضمان بعد ان ضمن الضامن بالاداء ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه. (2) بالرفع معطوف على فاعل (تعذر) اي وتعذر استئذانه. (3) اي اداء الدين عن المكفول. (4) كقدوم شخص متوقع مجيئه مثلا. (5) كالصحة من المرض مثلا. (6) المدة في الصيغة الاولى محدودة، بخلاف الثانية فإنها غير محدودة فيها. والفرق بين الصيغة الاولى، والثانية: أن في الاولى يبدأ الكفيل بصيغة الكفالة، وبعد أن تمت يشترط على نفسه المال ان لم يحضره، فلا يلزمه المال حيث لم يقع في متن العقد. بخلاف الثانية فإن الكفيل يبدأ بالمال في متن العقد فيلزمه المال، حيث شرطه في نفس العقد.

[156]

ومستند الحكمين رواية(1) داود بن الحصين(2) عن أبي العباس عن الصادق عليه السلام. وفي الفرق بين الصيغتين من حيث التركيب العربي نظر(3)، ولكن المصنف والجماعة عملوا بمضمون الرواية جامدين(4) على النص مع ضعف سنده.


___________________________________
(1) الوسائل كتاب احكام الضمان - باب 10 - الحديث 2. (2) مصغرا. (3) وأما في التركيب الشرعي فواضح، حيث وقع الشرط في الصيغة الاولى خارج العقد، بخلاف الثانية فإن الشرط وقع في متن العقد. (4) اي لم يتصرفوا في النص، ولم يأولوه كما تصرف (الشيخ الحر العاملي) قدس سره وأول الحدث في هامش كتابه (الوسائل) الطبعة الحديثة ب‍ (طهران) واليك نص ما افاده طيب الله روحه: " لا يبعد أن تكون الدراهم التي حكم بعدم لزومها هنا ما كان مغايرا ومخالفا لما في ذمة المكفول، ويكون الكفيل التزم بها عقوبة له ان لم يحضر المكفول. والتي حكم بلزومها هي التي في ذمة المكفول. وربما فهم هذا من قوله: إلا أن يبدأ بالدراهم بان تكون (اللام) للعهد في ذمة المكفول. ووجه بعض فقهائنا بأنه اذا بدأ بالرجل كان كفالة، وكان ذكر الدراهم تأكيدا، لانه اذا لم يحضره لزمه المال وان لم يشترط، وان بدأ بالدراهم كان ضمان " انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه. وقد عرفت في التعليقة رقم 6 ص 155 ما اولناه فتصبح للحديث ثلاث تأويلات. ثم إن المراد من الدراهم التي حكم صاحب الوسائل بلزومها والمراد من قوله: (وربما فهم هذا) في الصيغة الاولى: هي الدراهم التي جعلها على نفسه عقوبة. وفي الصيغة الثانية: الدراهم التي في ذمة المكفول. والمراد من قوله (اللام للعهد): اشارة إلى الدراهم المعهودة في ذمة المكفول.

[157]

وربما تكلف متكلف بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وإن أردت الوقوف على تحقيق الحال فراجع ما حررناه في ذلك بشرح الشرائع(1) وغيره. (وتحصل الكفالة) أي حكم(2) الكفالة (باطلاق الغريم من المستحق قهرا) فيلزمه إحضاره، أو أداء ما عليه(3) إن أمكن(4) وعلى ما اخترناه(5) مع تعذر احضاره لكن هنا(6) حيث يؤخذ منه(7)


___________________________________
(1) راجع المسالك المجلد الاول (القسم الثالث) في الكفالة فإنك تجد ما افاده (الشهيد الثاني) قدس سره مشروحا مفصلا. (2) وهو الزام المطلق للغريم باحضاره فإن امتنع حبس. (3) مرجع الضمير: (المكفول) اي يؤدي ما على المكفول. (4) اي كان ما عليه ممكن الاداء، ولا يكون من قبيل القصاص، والزوجية والدعوى مستلزمة للحد. (5) وهو الزام الكفيل باحضار المكفول، الا اذا تعذر الاحضار فيسقط، ويؤدي عنه ما عليه في صورة تعذر الاحضار. والواو في (وعلى ما اخترناه): استينافية، لا عاطفة. وحق العبارة هكذا: " على ما اخترناه لا يؤدي الكفيل على المكفول الا مع تعذر احضاره ". (6) اي اذا اطلق الشخص الغريم من يد المستحق الذي هو الدائن، أو غيره. (7) اي من المطلق.

[158]

المال لا رجوع له(1) على الغريم إذا لم يأمره(2) بدفعه، إذ لم يحصل من الاطلاق ما يقتضي الرجوع(3)، (فلو كان) الغريم (قاتلا) عمدا كان أم شبهه (لزمه(4) احضاره، أو الدية)، ولا يقتص منه في العمد لانه لا يجب على غير المباشر. ثم إن استمر القاتل هاربا ذهب المال على المخلص(5) وإن تمكن الولي منه(6) في العمد وجب عليه رد الدية إلى الغارم، وان لم يقتص من القاتل، لانها وجبت لمكان الحيلولة وقد زالت، وعدم القتل الآن مستند إلى اختيار المستحق(7)، ولو كان تخليص الغريم من يد كفيله وتعذر استيفاء الحق(8) من قصاص، أو مال، وأخذ الحق من الكفيل كان له(9) الرجوع على الذي خلصه، كتخليصه(10) من يد المستحق.


___________________________________
(1) اي للمطلق على الغريم وهو المديون الذي اطلق سراحه. (2) مرجع الضمير (المطلق). وفاعل لم يأمره (الغريم). (3) بخلاف عقد الكفالة اذا كان باذنه فإنه مستلزم للرجوع. (4) اي المطلق. (5) وهو المطلق. (6) اي من الغريم. (7) اي عدم القتل الآن مستند إلى اختيار المستحق - وهو المكفول له - الدية، أو العفو. (8) اي من الهارب. (9) اي للكفيل. (10) مرجع الضمير الغريم. فالمعنى أنه كما يرجع المستحق على المطلق الذي اطلق سراح الغريم، كذلك يرجع الكفيل على الذي خلص الغريم من يده.

[159]

(ولو غاب المكفول) غيبة يعرف موضعه (أنظر) الكفيل بعد مطالبة المكفول له باحضاره(1)، (وبعد الحلول) إن كانت مؤجلة (بمقدار الذهاب) اليه (والاياب) فإن مضت ولم يحضره حبس وألزم ما تقدم(2)، ولو يعرف موضعه لم يكلف إحضاره، لعدم إمكانه ولا شئ عليه، لانه لم يكفل المال، ولم يقصر في الاحضار. (وينصرف الاطلاق إلى التسليم في موضع العقد)، لانه المفهوم عند الاطلاق. ويشكل لو كانا في برية، أو بلد غرية قصدهما مفارقته سريعا لكنهم لم يذكروا هنا خلافا كالسلم، والاشكال يندفع بالتعيين، (ولو عين غيره) أي غير موضع العقد (لزم) ما شرط، وحيث يعين، أو يطلق ويحضره في غير ما عين شرعا لا يجب تسلمه وإن انتفى الضرر، ولو قال الكفيل: لا حق لك على المكفول حالة الكفالة فلا يلزمني إحضاره فالقول قول المكفول له، لرجوع الدعوى إلى صحة الكفالة، وفسادها فيقدم قول مدعى الصحة، (وحلف المستحق) وهو المكفول له ولزمه إحضاره، فإن تعذر لم يثبت الحق بحلفه السابق، لانه(3) لاثبات حق يصحح الكفالة(4)، ويكفي فيه(5) توجه الدعوى


___________________________________
(1) اذا كانت الكفالة حالة. (2) من البدل، دون القصاص، والحد، والزوجية كما علمت. (3) اي الحلف السابق. (4) دون الحق الاصلي. (5) اي في الحلف السابق. فالمعنى: أن الحلف إنما يصحح اصل الكفالة، دون الحق المدعى. وأما نفس الحق فيحتاج إلى اقامة بينة.

[160]

نعم لو أقام بينة بالحق وأثبته عند الحاكم الزمه(1) به كما مر(2)، ولا يرجع به(3) على المكفول، لاعترافه(4) ببراء‌ة ذمته، وزعمه بأنه مظلوم. (وكذا(5) لو قال) الكفيل للمكفول له: (أبرأته(6)) من الحق، أو أوفاكه(7)، لاصالة(8) بقائه. ثم إن حلف المكفول له على بقاء الحق برئ(9) من دعوى الكفيل، ولزمه(10) إحضاره، فإن جاء بالمكفول فادعى(11) البراء‌ة


___________________________________
(1) مرجع الضمير (الكفيل): والفاعل في الزمه إما الحاكم، أو المستحق، والمرجع في (به) (الحق). (2) في كتاب القضاء. (3) مرجع الضمير (الحق). والفاعل في (ولا يرجع): (الكفيل). (4) اي الكفيل والمرجع في (ببرائة ذمته): (المكفول) ومنشأ اعتراف الكفيل قوله للمكفول له: (لا حق لك على المكفول حالة الكفالة). (5) اي وكذا يحلف المستحق الذي هو المكفول له. (6) بصيغة الخطاب. (7) فعل ماض من اوفى يوفي من باب الافعال. فاعله المكفول: والكاف مفعوله الاول الذي هو (المستحق). والهاء مفعوله الثاني الذي هو (الحق): اي اوفاك المكفول الحق. (8) تعليل لحلف (المستحق): اي لاصالة بقاء الحق. (9) بصيغة المعلوم: اي برئ المكفول له - بعد الحلف - من دعوى الكفيل. (10) مرجع الضمير (الكفيل). وفاعل (لزمه) احضاره ومرجع الضمير في احضاره (المكفول) اي لزم الكفيل احضار المكفول. (11) اي المكفول.

[161]

أيضا لم يكتف باليمين التي حلفها(1) للكفيل، لانها(2) كانت لاثبات الكفالة، وهذه(3) دعوى أخرى وإن لزمت تلك(4) بالعرض، (فلو لم يحلف(5) ورد اليمين عليه(6) أي على الكفيل فحلف (برئ من الكفالة والمال بحاله(7)) لا يبرأ المكفول منه، لاختلاف الدعويين(8) كما مر، ولانه(9) لا يبرأ بيمين غيره.


___________________________________
(1) فاعل حلف (المكفول له): اي لم يكتف بحلف المكفول له للكفيل. (2) اي اليمين الاولى كانت لاثبات بقاء الكفالة ولا ربط لها بهذه الدعوى وهي تحتاج إلى يمين اخرى. (3) مرجع اسم الاشارة (دعوى المكفول البرائة). وحاصل المراد: أن دعوى المكفول برائة ذمته من الحق دعوى ثانية غير دعوى الكفيل، لان مرجع دعوى الكفيل زوال الكفالة، والمكفول له يدعي بقائها ولزوم احضار المكفول، ولا يتم هذا بالحلف من المكفول له على بقاء الحق فتكون اليمين عرضية لاجل اثبات الكفالة. فلا تنفع اليمين الاولى للدعوى الثانية. (4) مرجع الاشارة (اليمين) الاولى: اي وان لزمت تلك اليمين بالعرض وهو أنها لاجل اثباته الكفالة. (5) اي المستحق. (6) اي على الكفيل. (7) اي بعد حلف الكفيل لا يسقط المال على المكفول، بل باق في ذمته حتى يثبت سقوطه. ومرجع الضمير في منه: (المال). (8) هما: دعوى الكفيل زوال الكفالة والمكفول له يدعي بقائها. ودعوى المكفول برائة ذمته من الحق. (9) اي المكفول.

[162]

نعم لو حلف المكفول اليمين المردودة على البراء‌ة برئا(1) معا، لسقوط الكفالة بسقوط الحق(2)، كما لو أداه، وكذا لو نكل المكفول له عن يمين المكفول فحلف(3) برئا معا. (ولو تكفل اثنان بواحد كفى تسليم أحدهما) إياه تاما(4)، لحصول الغرض(5)، كما لو سلم نفسه، أو سلمه أجنبي. وهل يشترط تسليمه عنه وعن شريكه، أم يكفي الاطلاق؟ قولان أجودهما الثاني(6)، وهو الذي يقتضيه إطلاق العبارة. وكذا(7) القول في تسليم نفسه، وتسليم الاجنبي له. وقيل: لا يبرأ مطلقا(8)، لتغاير الحقين(9). وضعفه ظاهر(10)


___________________________________
(1) اي الكفيل والمكفول. (2) لتبعية الكفالة للحق فاذا سقط سقطت. (3) اي المكفول. والفاعل في برئا (الكفيل والمكفول) ايضا. (4) اي تسليما تاما. (5) من استيفاء حقه من قصاص، أو دين أو نفقة. (6) وهو الاطلاق من دون قيد النية عن نفسه، أو عن شريكه. (7) اي وكذا يكفي في سقوط الكفالة لو سلم المكفول نفسه، أو سلمه اجنبي إلى المكفول له. (8) سواء سلمه عن نفسه ام عن شريكه، أو سلمه إلى المكفول له مطلقا من دون قيد (النية عن نفسه أو عن شريكه). (9) وهما: حقا الكفيلين. بناء على أن للمكفول له حقا مستقلا عن كل من الكفيلين. (10) وجه ظهور الضعف: أنه لو جاز أن يبرأ الكفيل بتسليم الاجنبي المكفول للمكفول له فبتسليم الشريك له أولى.

[163]

وتظهر الفائدة(1) لو هرب بعد تسليم الاول(2). (ولو تكفل بواحد لاثنين فلا بد من تسليمه اليهما) معا، لان العقد الواحد هنا بمنزلة عقدين، كما لو تكفل لكل واحد على انفراده، أو ضمن دينين لشخصين فأدى دين أحدهما فإنه لا يبرأ من دين الآخر، بخلاف السابق، فإن الغرض من كفالتهما للواحد إحضاره وقد حصل. (ويصح التعبير) في عقد الكفالة (بالبدن، والرأس، والوجه) فيقول: كفلت لك بدن فلان، أو رأسه، أو وجهه، لانه يعبر بذلك عن الجملة، بل عن الذات عرفا، وألحق به(3) الكبد، والقلب، وغيرهما من الاجزاء التي لا تبقى الحياة بدونها، والجزء(4) الشائع فيه(5) كثلثه، وربعه، استنادا إلى أنه لا يمكن إحضار المكفول إلا بإحضاره أجمع. وفي غير البدن نظر. أما الوجه والرأس فإنهما وإن أطلقا


___________________________________
(1) اي بناء على القولين: وهما القول ببرائة الشريك بتسليم شريكه، وعدم البرائة بتسليم الشريك. فإنه لو سلمه احد الشريكين وقلنا بعدم برائة الشريك الثاني فإنه يجوز للمكفول له الزام الثاني باحضاره. بخلاف ما لو قلنا ببرائة الشريك بتسليم شريكه المكفول فإنه لا يحق للمكفول له الزام الشريك بالاحضار، لانه قد برئ من ذلك بتسليم شريكه المكفول. (2) اي الشريك الاول. (3) اي البدن. (4) بالرفع عطف على قوله: (الكبد). (5) اي في البدن كما لو قال: اكفل ثلث زيد او ربعه مثلا.

[164]

على الجملة(1) لكن يطلقان على أنفسهما(2) إطلاقا شائعا متعارفا إن لم يكن أشهر(3) من إطلاقهما على الجملة. وحمل(4) اللفظ المحتمل للمعنيين(5) على الوجه المصحح(6) مع(7) الشك في حصوله،


___________________________________
(1) وهو البدن اي وإن أطلق الرأس والوجه على الجملة. (2) وهما: الراس والوجه خاصة، فإن اطلاقهما على نفس الرأس والوجه اطلاق شايع ومتعارف. بخلاف اطلاقهما على الجملة التي هو البدن فإنه ليس اطلاقا شايعا متعارفا. (3) بل اطلاقهما على انفسهما اشهر قطعا. فهنا اطلاقان للراس والوجه: (اطلاق) حقيقي وهو اطلاقهما على نفس الرأس والوجه وهو المعبر عنه بالاطلاق الشايع المتعارف. (واطلاق مجازي) وهو اطلاقهما على الجملة وهو المعبر عنه بالاطلاق غير الشايع، وغير المتعارف. فاحد الاطلاقين. وهو الاطلاق المجازي يصحح الكفالة دون الآخر وهو الاطلاق الحقيقي. (4) مرفوع على الابتداء خبره (غير جيد). (5) وهما: المعنى الحقيقي. والمعنى المجازي. (6) وهو المعنى المجازي المصحح للكفالة. (7) حاصل المراد: أنه اذا كان للراس وللوجه اطلاقان كما عرفت فكل واحد من المعنيين يكون مشكوكا فيه لارادة المتكلم له. فكيف يحمل اللفظ على احدهما تعيينا لاجل تصحيح الكفالة مع الشك في مراد المتكلم.؟ ومرجع الضمير في حصوله (المعنى المصحح). وهو المعنى المجازي: اي ومع الشك في حصول المعنى المجازي لارادة المتكلم.

[165]

وأصالة(1) البراء‌ة من مقتضى العقد غير(2) جيد. نعم(3) لو صرح بإرادة الجملة


___________________________________
(1) بالجر عطفا على مدخول (مع): اي ومع أصالة البرائة فهو وجه لعدم جواز حمل اللفظ على احد معينيه تصحيحا للكفالة. بيانه: أن نفس الشك في المراد كاففي عدم جواز هذا الحمل مضافا إلى وجود اصل موضوعي في المقام. وهي: أصالة عدم ترتب مقتضى العقد. وهو (وجوب احضار المكفول على الكفيل) وذلك للشك في انعقاد العقد على وجه يترتب عليه هذا الاثر فالاصل عدمه حيث يثبت. لا يقال: الاصل الاولي هنا صحة العقد لكونه مبنى العقلاء في معاملاتهم وعقودهم وايقاعاتهم فكيف يحكم بأصالة البرائة؟. فإنه يقال: الامر كما تقول وأن الاصل الاولي يقتضي الصحة لكن هذا بعد تمامية اركان العقد من الايجاب والقبول والبلوغ والعقل والاختيار وغير ذلك مما له دخل في صحة العقد. واين هذا مما نحن فيه الذي هو الشك في صحة استعمال اللفظ المحتمل للمعنيين مع الشك في كون المعنى المحتمل مرادا للمتكلم. فالمقام مقام جريان أصالة البرائة، لا أصالة الصحة. (2) مرفوع، خبر لقوله: (وحمل..). (3) استدراك عما افاده (الشارح) قدس سره آنفا من عدم صحة حمل اللفظ على المعنى المجازي مع الشك في كونه مراد للمتكلم. وحاصله: أن المتكلم لو صرح بأنه اراد الجملة: اي تمام البدن من الجزئين الرأس، والوجه لكان صحيحا، نظير ما لو صرح بارادة احد المعنيين من كل لفظ مشترك. فكذلك لو كانت هناك قرينة على ارادة ذلك.

[166]

من الجزء‌ين(1) اتجهت الصحة(2) كإرادة(3) أحد معنيي المشترك كما أنه لو قصد الجزء بعينه(4) فكقصد الجزء الذي لا يمكن الحياة بدونه(5)، وأما(6)،


___________________________________
(1) هما: الوجه والرأس. (2) اي صحة الكفالة. (3) تنظير لحمل اللفظ المحتمل للمعنيين على احد المعنيين. وحاصله: أنه كما يجوز حمل اللفظ المشترك بين المعنيين بالاشتراك اللفظي على احد معنييه بالخصوص مع تصريح المتكلم بذلك، أو مع نصب قرينة معينة لاحدهما كذلك يجوز حمل اللفظ على احد معنييه الحقيقي والمجازي لو صرح المتكلم بذلك، أو قامت عليه قرينة. (4) بأن عبر بالرأس أو الوجه وارادهما بعينهما ولم يقصد المتكلم (الجملة) منهما. فحكم هذا التعبير حكم ما لو عبر الكفيل بالقلب أو الوجه في عدم صحة الكفالة به. فكما أنه لا يصح في الكفالة التعبير بالقلب أو الكبد بالخصوص من دون ارادة الجملة منهما، فكذلك لو قصد من الرأس أو الوجه نفس الجزء الحيوي الذي لا يبقى الانسان بدونه مجردا عن ارادة الجملة. وزيادة توضيح هذا في الهامش رقم 6. (5) مرجع الضمير (الجزء الحيوي): اي بدون ذاك الجزء الحيوي كالقلب والكبد حيث إن الانسان لا يعيش بدونهما. (6) هذا شروع في بيان عدم صحة الكفالة اذا عبر الكفيل بلفظ يخص احد اعضاء البدن دون الجملة ولو كان ذلك العضو عضوا حيويا. بيانه: أن الاعضاء التي لا تبقى الحياة بدونها على قسمين: قسم يطلق ويراد به الجملة كالوجه والرأس، اذ يمكن أن يشار إلى وجه زيد ويقال: هذا زيد مثلا. وقسم لا يصح فيه هذا الاطلاق كالقلب والكبد. (أما القسم الاول) الذي يصح اطلاقه وارادة الجملة منه ويمكن الاشارة اليه فهو اولى في اطلاقه على الكل من القسم الذي لا يصح اطلاقه على الجملة كما عرفت في الهامش رقم(7) ص 164. هذا ما يفهم من عبارة (الشارح) رحمه الله، اذن تكون العبارة في قوله رحمه الله: (مع عدم اطلاق اسم الجملة عليه) مقلوبة: والاصل هكذا: (مع عدم اطلاق اسم الجزء على الجملة). فالمعنى أن اطلاق مثل هذا الجزء لا يكفي في اثبات الاحكام الشرعية مثل الزام الكفيل باحضار المكفول، او إدانته بالحق. وبما أن الكفالة من العقود اللازمة فلا يصح استعمال الالفاظ المجازية المحتملة للوجهين فيه، بل الواجب استعمال اللفظ الصريح فيه.

[167]

ما لا تبقى الحياه بدونه(1) مع عدم إطلاق اسم الجملة(2) عليه(3) حقيقة فغايته أن إطلاقه(4) عليها(5) مجاز، وهو(6)،


___________________________________
(1) مرجع الضمير (ما) الموصولة في قول الشارح: (وأما ما لا تبقى الحياة بدونه): اي وأما العضو التي لا تبقى الحياة بدونه. (2) وهو البدن. (3) مرجع الضمير (الجزء الحيوي). (4) اي اطلاق (الجزء الحيوي). (5) اي على الجملة. (6) اي اطلاق مثل الجزء الحيوي على الجملة مجازا غير كاف في اثبات الاحكام الشرعية.

[168]

غير كاف في إثبات الاحكام الشرعية، ويلزم مثله(1) في كل جزء من البدن، والمنع في الجميع أوجه، أو إلحاق الرأس والوجه مع قصد الجملة بهما. (دون اليد والرجل) وإن قصدها(2) بهما(3) مجازا، لان المطلوب شرعا كفالة المجموع باللفظ الصريح الصحيح كغيره من العقود اللازمة، والتعليل بعدم إمكان إحضار الجزء المكفول بدون الجملة فكان في قوة كفالة الجملة ضعيف(4)، لان المطلوب لما كان كفالة المجموع لم يكن البعض كافيا في صحته وإن توقف إحضاره عليه، لان الكلام ليس في مجرد الاحضار، بل على وجه الكفالة الصحيحة، وهو منتف. (ولو مات المكفول) قبل إحضاره (بطلت) الكفالة، (لفوات متعلقها) وهو النفس، وفوات الغرض لو أريد البدن.


___________________________________
(1) اي مثل اطلاق القلب والكبد وارادة الجملة - في عدم جوازه، وعدم كفايته في صحة عقد الكفالة - إطلاق سائر أجزاء البدن مطلقا كالصدر والبطن والرجل واليد حيث لا يجوز إطلاق شئ من هذه الاجزاء وارادة الجملة منه في كفالة الجملة، نظرا إلى عدم امكان احضار ذلك الجزء إلا باحضار الجميع. والمنع عام في جميع الاجزاء سواء كانت مما تبقى الحياة بدونها كاليد والرجل ام لا تبقى بدونها كالرأس والقلب كما افاده الشارح قدس سره بقوله: (والمنع في الجميع اوجه). (2) اي قصد الجملة. (3) اي باليد والرجل. (4) كما عرفت عند قوله: (وهو غير كاف في اثبات الاحكام الشرعية) لعدم جواز حمل اللفظ المحتمل للمعنى الحقيقي والمجازي على أحدهما، ولما يذكره الشارح رحمه الله قريبا.

[169]

ويمكن الفرق بين التعبير بكفلت فلانا، وكفلت بدنه، فيجب إحضاره مع طلبه في الثاني، دون الاول، بناء على ما اختاره المحققون من أن الانسان ليس هو الهيكل المحسوس. ويضعف بأن مثل ذلك منزل على المتعارف، لا على المحقق عند الاقل فلا يجب على التقديرين(1)، (إلا في الشهادة على عينه(2)) ليحكم عليه (بإتلافه، أو المعاملة) له(3) إذا كان قد شهد عليه من لا يعرف نسبه، بل شهد على صورته فيجب إحضاره ميتا حيث يمكن الشهادة عليه بأن لا يكون قد تغير بحيث لا يعرف. ولا فرق حينئذ(4) بين كونه قد دفن وعدمه، لان ذلك مستثنى من تحريم نبشه.


___________________________________
(1) سواء قال: كفلت بدنه، ام قال: كفلت فلانا. (2) اي على شخصه بأن قال الشاهد: هذا هو الذي اتلف مال المكفول له. (3) اي لصالح الميت. (4) اي في وجوب احضاره.