كتاب العارية

[255]

كتاب العارية

بتشديد الياء، وتخفف، نسبة إلى العار، لان طلبها عار، أو إلى العارة مصدر ثان لاعرته إعارة، كالجابة للاجابة، أو من عار إذا جاء وذهب لتحولها من يد إلى أخرى، أو من التعاور وهو التداول. وهي من العقود الجائزة تثمر جواز التصرف في العين بالانتفاع مع بقاء الاصل غالبا، (ولا حصر أيضا) أي عودا إلى ما ذكر في الوديعة (في ألفاطها) إيجابا وقبولا، بل كل ما دل على الاذن من طرف المعبر فهو إيجاب. ويكفي الفعل في القبول، بل لو استفيد رضاه من غير الالفاظ كالكتابة، والاشارة ولو مع القدره عل النطق كفى. ومثله(1) ما لو دفع اليه ثوبا حيث وجده عاريا، أو محتاجا إلى لبسه، أو فرش لضيفه فراشا، أو القى اليه وسادة، أو مخدة. واكتفى في التذكرة بحسن الظن بالصديق في جواز الانتفاع بمتاعه. ويبنغي تقييده(2) بكون منفعته مما يتناوله الاذن الوارد في الآية،


___________________________________
(1) اي ومثل (ما لو استفيد رضاه): هذه الاشياء المذكورة في قول الشارح: (ما لو دفع اليه ثوبا حيث وجده عاريا، أو محتاجا إلى لبسه، أو فرش لضيفه) إلى آخر ما ذكره. (2) اي تقييد جواز الانتفاع بشرط كونه دون الاكل من حيث الاهمية، لا فوق الاكل. ويحتمل أن يكون المراد من التقييد: تقييد حسن الظن كما هو الظاهر من عبارة الشارح رحمه الله فيما يأتي بقوله: (لا مطلق حسن الظن).

[256]

بجوازالاكل(1) من بينه بمفهوم الموافقة(2)، وتعديه(3) إلى من تناولته من الارحام، لا مطلق حسن الظن لعدم الدليل، إذ المساوي(4) قياس، والاضعف(5) ممتنع بطريق أولى. (ويشترط كون المعير كاملا جائز التصرف، ويجوز إعارة الصبي


___________________________________
(1) في قوله تعالى: ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت امهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم او بيوت اعمامكم او بيوت عماتكم او بيوت اخوالكم او بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه او صديقكم ليس عليكم جناح ان تأكلوا جميعا أو أشتاتا النور الآية 61. (2) وهي الاولوية: فاذا كان الاكل جائزا مع أنه يلزم ذهاب العين فغيره مع عدم ذهابها اولى. كما هو الحكم في قوله تعالى: (ولا تقل لهما اف) حيث إنها تدل بالموافقة على عدم جواز السب والفحش والضرب والقتل بطريق اولى. (3) عطف على مدخول ينبغي اي وينبغي التعدي من الصديق إلى بقية الارحام المذكورة في الآية الكريمة. (4) وهو ما كانت منفعة المتاع مساوية للاكل من حيث الضرر على الصديق فهو قياس محض والقياس باطل. (5) وهو ما كانت منفعة المتاع اشد خسارة على الصديق فهو ممتنع بطريق اولى.

[257]

بإذن الولي) لمال نفسه، ووليه(1)، لان المعتبر إذن الولي وهو كاف في تحقق هذا العقد. هذا إذا علم المستعير بإذن الولي، وإلا لم يقبل قول الصبي في حقه(2)، إلا أن تنضم اليه قرائن تفيد الظن المتاخم للعلم به، كما إذا طلبها(3) من الولي فجاء به الصبي وأخبر أنه أرسله بها، ونحو ذلك، كما يقبل قوله في الهدية(4)، والاذن في دخول الدار بالقرائن، ولابد مع إذن الولي له في إعارة ماله من وجود المصلحة بها بأن تكون يد المستعير أحفظ من يد الولي في ذلك الوقت(5)، أو لانتفاع الصبي بالمستعير بما يزيد عن منفعة ماله، أو تكون العين ينفعها الاستعمال ويضرها الاهمال(6)، ونحو ذلك(7). (وكون العين مما يصح الانتفاع بها مع بقائها) فلا يصح إعارة


___________________________________
(1) بالجر عطفا على نفسه اي يجوز للصبي اعارة ماله ومال وليه باذن الولي في ماله ومال وليه. (2) اي ان لم يعلم المستعير باذن الولي للصبي لم يقبل قوله في حق الولي. (3) مرجع الضمير: العين المعلومة في المقام. والفاعل في طلبها (المستعير) اي لو طلب المستعير العين من الولي فجاء بها الصبي فهذا قرينة على أن الولي قد اذن للصبي. (4) بأن قال الصبي: إنها هدية ارسلها الولي، هذا اذا كانت القرائن الحالية تدل على أن ما جاء به هدية. (5) اي في الوقت الذي يكون المتاع عند المستعير. (6) كالسجاد الايراني حيث يضره الاهمال في الصيف في البلاد الحارة. (7) مما تكون الاعارة فيه مصلحة الطفل.

[258]

ما لا يتم الانتفاع به إلا بذهاب عينه كالاطعمة. ويستثنى من ذلك المنحة وهي الشاة المستعارة للحلب، للنص(1). وفي تعديه إلى غيرها من الحيوان المتخذ للحلب وجهان، والاقتصار فيما خالف الاصل على موضع اليقين(2) أجود. (وللمالك الرجوع فيها متى شاء)، لاقتضاء جواز العقد ذلك، (إلا في الاعارة للدفن) أي دفن الميت المسلم ومن بحكمه(3) فلا يجوز الرجوع فيه (بعد الطم)، لتحريم نبشه، وهتك حرمته، إلى أن تندرس عظامه. ولو رجع قبله(4) جاز وإن كان الميت قد وضع على الاقوى، للاصل(5) فمؤنة الحفر لازمة لولي الميت، لقدومه(6) على ذلك، إلا أن يتعذر عليه غيره(7)،


___________________________________
(1) المغني لابن قدامة ج 5 ص 183 من كتاب العارية. وصرح في الجواهر في كتاب العارية بعدم وجود نص في المنحة من طرقنا. (2) وهو في الشاة فقط. (3) كالطفل، والمجنون، واللقيط في دار الاسلام. (4) اي قبل الطم. (5) وهو استصحاب جواز الرجوع في المستعار للمعير. (6) لان الولي اقدم على دفن الميت في الارض المستعارة التي يجوز لصاحبها الرجوع فيها فما صرفه في الحفر يحسب على الولي، لا على الميت. (7) مرجع الضمير (المكان المستعار). ومرجع الضمير في عليه (الولي) والمراد من غيره: غير هذا المكان المستعار. وحاصل هذه العبارة: أن الولي في صورة دفنه الميت في الارض المستعارة ومواراته تحت التراب لا يجوز له نقله منها إلى غير تلك الارض، لو رجع المالك عن العارية للزوم النبش والهتك المحرمين. هذا اذا كان رجوع المالك عن العارية بعد مواراة الميت وطم القبر. وأما اذا كان الرجوع عنها قبل المواراة والطم جاز النقل، لعدم لزوم النبش والهتك المحرمين. ففي هذه الصورة لو صرف الولي مؤنة لدفن الميت للحفر وغيره كانت عليه لتقصيره في ذلك. نعم اذا كان الولي مجبورا في دفن الميت في الارض المستعارة بان تعذر وجود مكان آخر غيرها فحينئذ فكلما صرفه وبذل عليه للحفر ونقله إلى المكان الآخر قبل المواراة والطم كان على الميت، لعدم تقصير الولي حينئذ.

[259]

مما لا يزيد عوضه عنه(1) فيقوى كونه(2) من مال الميت، لعدم التقصير(3)، ولا يلزم وليه طمه، للاذن فيه(4). ويستثنى آخران(5) أيضا: أحدهما إذا حصل بالرجوع ضرر على المستعير لا يستدرك كما لو أعاره لوحا رقع به سفينته ولجج(6)


___________________________________
(1) مرجع الضمير (المكان الآخر). ومرجع الضمير في عوضه: (الحفر) اي في صورة تعذر المكان الآخر تكون المؤنة على الميت، لا على الولي، لو لم تكن قيمة الارض الاخرى اكثر من قيمة الارض المستعارة. (2) اي مؤنة الحفر حينئذ اي حين تعذر المكان الآخر. (3) اي من ناحية الولي. (4) اي في الحفر من قبل المعير. (5) اي امران آخران. (6) بالتشديد يقال: لججت السفينة اي دخلت في اللجة. واللجة: معظم الماء اي اكثره والمقصود هنا توغل السفينة في البحر وابتعادها عن الساحل.

[260]

في البحر فلا رجوع للمعير إلى أن يمكنه الخروج إلى الشاطئ، أو إصلاحها(1) مع نزعه من غير ضرر، ولو رجع قبل دخول السفينة، أو بعد خروجها فلا إشكال في الجواز، مع احتمال الجواز مطلقا(2) وإن وجب الصبر بقبضه إلى أن يزول الضرر، والثاني(3) الاستعارة للرهن بعد وقوعه وقد تقدم(4). (وهي أمانة) في يد المستعير (لا يضمن إلا بالتعدي، أو التفريط) إلا ما استثني (وإذا استعار أرضا) صالحة للزرع، والغرس، والبناء عادة (غرس، أو زرع، أو بنى) مخيرا فيها مع الاطلاق، أو التصريح بالتعميم، وله الجمع بينها بحسب الامكان لان ذلك كله إنتفاع بتلك العين يدخل في الاطلاق، أو التعميم، ومثله(5) ما لو إستعار دابة صالحة للركوب والحمل. (ولو عين له جهة لم يتجاوزها) ولو إلى المساوي والادون عملا بمقتضى التعيين واقتصارا على المأذون. وقيل: يجوز التخطي إلى المساوي والاقل ضررا وهو ضعيف.


___________________________________
(1) اي السفينة من غير ضرر عليها اذا اخذ المعير اللوحة. (2) سواء دخلت السفينة في البحر ام لا. (3) اي المستثنى الثاني في قوله: " ويستثنى آخران " الاستعارة في الرهن. كما اذا استعار زيد من عمرو عينا فرهنها فلا يجوز حينئذ للمعير الرجوع في العارية بعد تمامية الرهن. (4) في كتاب الرهن من هذا الجزء ص 68. (5) اي ومثل (ما اذا استعار ارضا صالحة للاستفادة في منافع مختلفة): (الدابة الصالحة للركوب والحمل).

[261]

ودخول الادون بطريق أولى ممنوع، لاختلاف الغرض في ذلك(1)، نعم لو علم انتفاء الغرض بالمعين اتجه جواز التخطي إلى الاقل، أما المساوي فلا(2) مطلقا(3)، كما أنه مع النهي عن التخطي يحرم مطلقا(4). وحيث يتعين المعين فتعدى إلى غيره(5) ضمن الارض(6) ولزمه الاجرة لمجموع ما فعل من غير أن يسقط منها(7) ما قابل المأذون على الاقوى، لكونه تصرفا بغير إذن المالك فيوجب الاجرة، والقدر المأذون فيه لم يفعله فلا معنى لاسقاط قدره. نعم لو كان المأذون فيه داخلا في ضمن المنهي عنه، كما لو أذن له في تحميل الدابة قدرا معينا فتجاوزه(8)، أو في ركوبها بنفسه فأردف غيره تعين إسقاط قدر المأذون(9)، لانه بعض ما استوفى من المنفعة


___________________________________
(1) اي في الاذن. (2) اي فلا يجوز التخطي إلى المساوي. (3) سواء علم انتفاء الغرض ام لا. (4) سواء كان إلى (الادون) ام إلى (المساوي). (5) اي إلى غير المعين. (6) اي اجرتها. (7) اي لا يسقط من الاجرة ما قابل العمل المأذون إن كان العمل المأذون اقل اجرة من العمل الصادر من المستعير. (8) بأن قال المعير: احمل على الدابة وزنة واحدة فحمل المستعير عليها وزنتين. (9) لا يقال: هذا مناف لما تقدم آنفا في الهامش رقم 7 من عدم سقوط شئ من الاجرة في ما قابل المأذون.

[262]

وإن ضمن الدابة أجمع(1). (ويجوز له(2) بيع غروسه، وأبنيته ولو على غير المالك(3)) على المشهور، لانه مالك غير ممنوع من التصرف فيه(4) فيبيعه من يشاء وقيل: لا يجوز بيعه على غير المعير، لعدم استقرار ملكه(5) برجوع المعير، وهو(6) غير مانع من البيع، كما يباع المشرف على التلف ومستحق القتل قصاصا(7). ثم إن كان المشتري جاهلا بحاله فله الفسخ للعيب، لا إن كان عالما بل ينزل منزلة المستعير(8). ولو اتفقا على بيع ملكهما معا بثمن واحد صح، ووزع الثمن عليهما، فيقسط على أرض مشغولة به(9) على وجه الاعارة مستحق


___________________________________
(1) فإنه يقال: هذا يختلف عن ذاك حيث إن المستعير هناك خالف في نوع العمل، وهنا زاد المستعير في قدر العمل المأذون فيه بأن قال له: احمل وزنة فحمل وزنتين. (1) لان المخالف في هذا المقام يكون متعديا، والمتعدي ضامن. (2) اي للمستعير. (3) اي غير مالك الارض. (4) اي في البناء والغرس. (5) اي ملك المشتري، لجواز رجوع المعير. (6) اي عدم استقرار ملك المشتري. (7) كالعبد القاتل. (8) وللمناقشة فيه - قبل احراز رضى المعير في البيع - مجال، لاختلاف الاغراض في الاعارة. (9) اي بالزرع، أو البناء.

[263]

القلع بالارش، أو الابقاء(1) بالاجرة، أو التملك(2) بالقيمه مع التراضي وعلى ما فيها مستحق القلع(3) على أحد الوجوه(4) فلكل(5) قسط ما يملكه. (ولو نقصت) العين المعارة (بالاستعمال لم يضمن) المستعير النقص، لاستناد التلف(6) إلى فعل مأذون فيه ولو من جهة الاطلاق(7) وتقييده بالنقص قد يفهم أنها لو تلفت به(8) ضمنها وهو أحد القولين في المسألة، لعدم تناول الاذن للاستعمال المتلف عرفا وإن دخل في الاطلاق، فيضمنها آخر(9) حالات التقويم. وقيل: يضمن


___________________________________
(1) عطف على (بالارش). وهذا الاستحقاق إما موجب للارش كما في صورة فعلية القلع. وإما موجب للاجرة كما في صورة الابقاء. وإما لا يوجب ارشا ولا اجرة كما في صورة التملك من قبل المعير برضى المستعير. (2) اي تملك صاحب الارض للزرع، أو البناء. (3) وفي بعض النسخ: " مستحق للقلع " وهو غلط. (4) اي الوجوه المترتبة على استحقاق القلع التي شرحناها في الهامش رقم 1. (5) اي فلكل من المعير والمستعير. (6) اي تلف البعض الذي هو النقص. (7) اي اطلاق الاذن. (8) اي بالاستعمال. (9) حال من المفعول في قوله: (فيضمنها). اي فيضمن العين حالكونها في آخر حالات قيمتها المختلفة بحسب الازمنة وهو يوم التلف.

[264]

أيضا كالنقص، لما ذكر من الوجه(1) وهو الوجه(2). (ويضمن العارية باشتراط الضمان) عملا بالشرط المأمور بالكون معه(3) سواء شرط ضمان العين أم الاجزاء أم هما فيتبع شرطه. (وبكونها ذهبا، أو فضة(4)) سواء كانا دنانير ودراهم أم لا على اصح القولين، لان فيه(5) جمعا بين النصوص(6) المختلفة. وقيل: يختص(7) بالنقدين استنادا إلى الجمع(8) أيضا، وإلى الحكمة الباعثة على الحكم، وهي(9) ضعف المنفعة المطلوبة منهما بدون


___________________________________
(1) وهو اطلاق الاذن في التصرف. (2) اي وهو الصحيح. (3) في قوله عليه السلام: (المؤمنون عند شروطهم) اي كاثنون مع شروطهم لا يفارقونها بالتخلف. (4) اي يضمن العارية اذا كانت ذهبا او فضة من غير اشتراط الضمان. (5) اي في كون الذهب والفضة مضمونين بلا اشتراط، سواء كانا دنانير ودراهم، أم غيرهما. (6) الوسائل كتاب العارية باب 3 الحديث 1 - 2 - 3 حيث تجد الاخبار هناك مختلفة. فبعضها يدل على نفي الضمان على الاطلاق. وبعضها يدل على الضمان ان اشترط، فالقول بضمان الذهب والفضة بلا اشتراط، سواء كانا دنانير ودراهم ام غيرهما هو مقتضى الجمع بين هذه الاخبار المختلفة. (7) اي الضمان. (8) اي الجمع بين النصوص. (9) اي الحكمة.

[265]

الانفاق، فكانت عاريتهما موجبة بالذات لما يوجب التلف فيضمنان بهما(1). ويضعف بأن الشرط الانتفاع بهما مع بقائهما، وضعف المنفعة حينئذ لا مدخل له في اختلاف الحكم، وتقدير منفعة الانفاق حكم(2) بغير الواقع (ولو ادعى) المستعير (التلف حلف) لانه أمين فيقبل قوله فيه(3) كغيره(4)، سواء ادعاه(5) بأمر ظاهر أم خفي(6)، ولامكان صدقه، فلو لم يقبل قوله لزم تخليده الحبس(7). (ولو ادعى الرد حلف المالك)، لاصالة عدمه(8)، وقد قبضه


___________________________________
(1) اي بعاريتهما. (2) اي هو فرض على خلاف الواقع، لان الحكم بكون عارية الذهب والفضة موجبة بالذات للتلف: حكم بغير الواقع، لان الواقع بقاء العين في عاريتهما ايضا. (3) اي في التلف. (4) اي كغير هذا الامين من بقية الامناء. (5) اي ادعى التلف بأمر ظاهر كالاحراق والغرق والتخيس. (6) كالسرقة. (7) بيان ذلك: أن المالك يطالب عين ماله ويدعي بقاء‌ها. فلو لم يقبل الحاكم قول المستعير في تلفها معناه مطالبته برد العين مع أنها تالفة إما بالتلف الظاهري كالاحراق، أو الخفي كالسرقة. ومن الجائز صدقه في التلف فيلزم حينئذ اي حين عدم قبول الحاكم قوله حبسه اللازم منه تخليده في الحبس. (8) اي عدم الرد.

[266]

لمصلحة نفسه(1) فلا يقبل قوله فيه، بخلاف الودعي. ومعنى عدم قبول قوله فيه. الحكم بضامنه للمثل، أو القيمة حيث يتعذر العين، لا الحكم بالعين مطلقا(2)، لما تقدم في دعوى التلف(3) (وللمستعير الاستظلال بالشجر) الذي غرسه في الارض المعارة للغرس وإن استلزم التصرف في الارض بغير الغرس، لقضاء العادة به. كما يجوز له الدخول اليها لسقيه، وحرثه، وحراسته، وغيرها(4)، وليس له الدخول لغير غرض يتعلق بالشجر كالتفرج، (وكذا) يجوز (للمعير) الاستظلال بالشجر المذكور وإن كان ملكا لغيره، لانه جالس في ملكه كما لو جلس في غيره من أملاكه فاتفق له التظلل بشجر غيره، أو في المباح كذلك(5)، وكذا يجوز له الانتفاع بكل ما لا يستلزم التصرف في الشجر. (ولا يجوز للمستعير (إعارة العين المستعارة إلا بأذن المالك)، لان الاعارة إنما تناولت الاذن له خاصة. نعم يجوز له استيفاء المنفعة بنفسه، ووكيله، لكن لا يعد ذلك إعارة، لعود المنفعة اليه، لا إلى الوكيل.


___________________________________
(1) لانه استعار العين لمصلحة نفسه، بخلاف الودعي الذي قبض العين لمصلحة المودع. (2) سواء تعذرت العين ام لا. (3) من أن الحكم عليه برد العين مطلقا سواء تعذرت ام لا يوجب تخليد المستعير في الحبس. (4) اي وغير هذه الامور مما لها ربط بالشجر. (5) اي وكذلك يجوز له الجلوس في الارض المباحة وان اتفق له التظلل بشجر غيره.

[267]

وحيث يعير(1) يضمن العين والمنفعة، ويرجع المالك على من شاء منهما، فإن رجع على المستعير الاول لم يرجع(2) على الثاني الجاهل، إلا أن تكون العارية مضمونة(3) فيرجع(4) عليه ببدل العين خاصة(5) ولو كان(6) عالما استقر الضمان عليه(7) كالغاصب(8)، وإن رجع(9) على الثاني رجع(10) على الاول(11) بما(12) لا يرجع(13)،


___________________________________
(1) اي يعير المستعير الاول العين بدون اذن صاحبها. (2) اي المستعير الاول. (3) اي العين المستعارة مضمونة على المستعير الثاني اذا اشترط المستعير الاول على الثاني الضمان. (4) اي المستعير الاول على المستعير الثاني. ومرجع الضمير في عليه: (المستعير الثاني). (5) اي لا ببدل المنافع، لجهل الثاني بذلك. (6) اي لو كان المستعير الثاني عالما بأن العين ليست للمستعير الاول. (7) اي على المستعير الثاني. (8) في أنه لو غصب شخص عينا، أو منفعة يكون ضامنا لها. (9) اي المالك على المستعير الثاني مع جهله بكون العين ليست للمستعير الاول. (10) اي المستعير الثاني. (11) اي على المستعير الاول. (12) المراد من (ما) الموصولة (المنافع) اي رجع المستعير الثاني بالمنافع فقط على المستعير الاول لو رجع المالك على المستعير الثاني بالمنافع واخذ مثلها او قيمتها منه. (13) بصيغة المضارع المعلوم. والفاعل: المستعير الاول.

[268]

عليه(1) به(2) لو رجع(3) عليه(4)، لغروره، (ولو شرط(5)) سقوط الضمان في الذهب والفضة صح) عملا بالشرط. (ولو شرط سقوطه(6) مع التعدي أو التفريط احتمل الجواز) لانه في قوة الاذن له(7) في الاتلاف فلا يستعقب الضمان (كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر). ويحتمل عدم صحة الشرط، لانهما(8) من أسباب الضمان فلا يعقل


___________________________________
(1) اي على المستعير الثاني. (2) مرجع الضمير (ما) الموصولة المراد منها (المنافع) اي لا يرجع المستعير الاول على المستعير الثاني بتلك المنافع المستوفاة من قبل المستعير الثاني. (3) اي المالك. (4) اي على المستعير الاول. وحاصل قوله: (وان رجع على الثاني رجع على الاول بما لا يرجع عليه به لو رجع عليه): أن المستعير الثاني - في صورة جهله بكون العين ليست للمعير - لو رجع المالك عليه فله الرجوع على المستعير الاول بكل ما غرمه للمالك حتى بدل المنافع التي اخذها المالك منه. وأما المستعير الاول فليس له حق الرجوع على المستعير الثاني ببدل المنافع التي استفاد منها - لو رجع المالك عليه بتلك المنافع المستوفاة - لانه هو الذي سلطه على استيفاء المنافع مجانا فهو الذي اغراه بذلك فكيف يرجع فيها عليه !؟. نعم هو يغرم كل ذلك للمالك، لانه غاصب بالنسبة اليه. (5) اي المستعير في متن العقد على المعير. (6) اي سقوط الضمان في أية وديعة كانت في العارية المضمونة او غيرها. (7) اي للمستعير. (8) اي التعدي والتفريط.

[269]

إسقاطه قبل وقوعه(1)، لانه كالبراء‌ة مما لم يجب، والاول أقوى. (ولو قال الراكب: أعرتنيها، وقال المالك: آجرتكها حلف الراكب)، لاتفاقهما على أن تلف المنافع وقع على ملك المستعير(2)، وإنما يختلفان في الاجرة، والاصل براء‌ة ذمته منها(3). (وقيل): يحلف (المالك)، لان المنافع أموال كالاعيان فهي بالاصالة لمالك العين فادعاء الراكب ملكيتها بغير عوض على خلاف الاصل وأصالة براء‌ة ذمته إنما تصح من خصوص ما ادعاه المالك(4)، لا من مطلق الحق(5) بعد استيفائه منفعة ملك غيره(6). (وهو أقوى)


___________________________________
(1) اي السبب وهو التعدي والتفريط. ومرجع الضمير في اسقاطه (الضمان). (2) المراد من ملك المستعير هو تملك المنافع حيث إنه يملكها إما من باب الاجارة، أو من باب الاعارة. والمراد من اتفاقهما: اتفاق المالك والراكب. (3) اي من الاجرة. (4) وهي الاجرة المعينة المدعاة من قبل المالك. ومرجع في ذمته (الراكب) اي أصالة برائة ذمة الراكب إنما تكون في خصوص الاجرة المعينة المدعاة من قبل المالك. وأما المنافع مطلقا فلا يصح جريان أصالة البرائة فيها من قبل الراكب، لانه قد استوفاها. (5) حتى المنافع المستوفاة، بل هذه المنافع يرجع بها المالك على الراكب. (6) مرجع الضمير: المستعير الثاني، كما هو المرجع في استيفائه. والمراد من غيره هو المستعير الاول اي لا معنى لعدم رجوع المستعير الاول على المستعير الثاني بعد ان استوفى المستعير الثاني تلك المنافع.

[270]

ولكن لا يقبل قوله فيما يدعيه من الاجرة، لانه فيما مدع، كما أن الراكب بالنسبة إلى العارية مدع(1)، بل يحلف على نفي العارية، (ويثبت له أجرة المثل)، لثبوت أن الراكب تصرف في ملك غيره بغير تبرع منه، (إلا أن تزيد) أجرة المثل (على ما ادعاه) المالك (من المسمى) فيثبت المسمى، لاعترافه بعدم استحقاقه سواه(2). ويشكل(3) بأن المالك يدعي الزائد من الاجرة على تقدير زيادة ما يدعيه عن أجرة المثل، والراكب ينفيه فلا بد من وجه شرعي يقتضي


___________________________________
(1) فلا يقبل قوله. والفاعل في قوله بل يحلف: (المالك). (2) اي سوى المسمى. (3) اي ثبوت اجرة المثل. توضيحه: أن القول بحلف المالك واثبات اجرة المثل مشكل، لان المالك يدعي اجرة هي اكثر من اجرة المثل - فرضا - فالحكم باعطائه اجرة المثل فقط دون الزائد محتاج إلى دليل شرعي كي يقتضي بنفي المقدار الزائد. والحال أن الدليل على ذلك غير موجود في المقام، اذ ليس في المقام سوى حلف المالك على نفي العارية والحلف على نفي العارية لا يكون حلفا على نفي الاجارة، ولا على نفي الاجرة التي يدعيها المالك. كما وأن حلفه لم يكن يثبت الاجارة ايضا. أما اثبات اقل الامرين من المسمى واجرة المثل فهو شئ مسلم، لكن البحث في الدليل على نفي الزائد عن اجرة المثل وأن هذا الزائد باي مستند ننفيه؟ فهذه الزيادة لا تندفع الا بحلف الراكب على نفيها. اذن لابد من حلف الراكب حتى لا يأخذ المالك تلك الزيادة او نكوله حتى يحلف المالك ويأخذ الزيادة.

[271]

نفيه(1)، وحلفه(2) على نفي الاعارة لم يدل على نفي الاجارة، كما لم يدل على إثباتها، وإثبات أقل الامرين(3) باليمين(4) مسلم، لكن يبقى النزاع في الزائد على تقديره لا يندفع(5) إلا بحلف الراكب على نفي الاجارة، أو نكوله(6) فيحلف المالك عليها(7)،


___________________________________
(1) اي نفي الزائد. (2) والحاصل: أن نفي الراكب لتلك الزيادة المدعاة من قبل المالك لا ينسجم مع انكاره لاصل الاجارة فنفيه محتاج إلى دليل شرعي. اللهم الا أن يقال: إن نفي الزائد ملازم لنفي الاصل وهو الكل فالدليل الشرعي على نفي الاصل هو الدليل لنفي الزيادة. (2) اي حلف المالك. (3) من اجرة المثل والمسمى. (4) اي يمين المالك. وحاصل ما افاده الشارح رحمه الله في هذا الباب: أن اثبات اقل الامرين بسبب يمين المالك مسلم لكن يبقى النزاع في الزائد الذي يدعيه المالك على تقدير الزيادة. وهذه الدعوى باقية لا ترتفع إلا اذا حلف الراكب على نفي الاجارة. (5) الظاهر احتياج (لا يندفع) إلى الواو كي تنسجم عبارة الشارح بأن يقال ولا يندفع الا بحلف الراكب اي لا يندفع نزاع الزائد الا بحلف الراكب على نفي الاجارة. (6) اي نكول الراكب عن اليمين. (7) اي على الاجارة حين نكل الراكب عن اليمين.

[272]

ويأخذ الزيادة(1). فالاقوى حينئذ أنهما يتحالفان لان كلا منهما مدع ومدعى عليه فيحلف المالك على نفي الاعارة، والراكب على نفي الاجارة ويثبت أقل الامرين، لانتفاء الزائد من المسمى(2) بيمين المستعير، والزائد(3) عن أجرة المثل باعتراف المالك. وهذا هو الذي اختاره المصنف في بعض تحقيقاته. هذا إذا وقع الاختلاف بعد انقصاء مدة لها أجره عادة، أو ما يدعي كونها مدة الاجارة، أما قبله فالقول قول الراكب في نفي الاجارة، وتسترد العين.


___________________________________
(1) اي يأخذ المالك الزيادة اي المسمى وإن كان اكثر من اجرة المثل. (2) اي في صورة زيادة المسمى عن اجرة المثل. (3) بالجر عطفا على مدخول (لام الجارة) اي ولانتفاء الزائد في صورة زيادة اجرة المثل عن المسمى.