كتاب السبق والرماية

[421]

كتاب السبق والرماية(1)

(السبق والرماية) وهو عقد شرع لفائدة التمرن على مباشرة النضال والاستعداد لممارسة القتال. والاصل فيه قوله صلى الله عليه وآله: " لا سبق(2) إلا في نصل(3)، او خف(4)، او حافر(5) " وقوله صلى الله عليه وآله. " إن الملائكة لتنفر عند الرهان وتلعن صاحبه ما خلا الحافر، والخف، والريش، والنصل(6) ". (وانما ينعقد السبق) بسكون الباء (من الكاملين) بالبلوغ،


___________________________________
(1) السبق: مصدر سبق يسبق من بابي (ضرب يضرب)، و (نصر ينصر) ومعناه، التقدم على الغير، أو الغلبة عليه. والرماية: مصدر (رمى) ومصدره الآخر (الرمي) ومعناه: القاء الشئ يقال: رمى السهم عن القوس: اي القاه. (2) الوسائل كتاب السبق والرماية - باب 3 - الحديث 1 - 2 - 4. (3) النصل: حديدة الرمح والسهم والسكين. وقد يسمى السيف نصلا جمعه نصال وأنصل ونصول. (4) الخف للبعير والنعام كالحافر لغيرهما جمعه أخفاف وخفاف. (5) الحافر للدابة بمنزلة القدم للانسان جمعه حوافر. (6) الوسائل كتاب السبق والرماية باب 1 - الحديث 6. الرواية مروية عن (الامام الصادق) عليه الصلاة والسلام ولعل الاسلحة الحديثة في عصرنا الحاضر تقوم مقام السيف والرمح في جواز الرهن عليها تعميما لقوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الانفال: الآية 61.

[422]

والعقل (الخاليين من الحجر)، لانه يقتضي تصرفا في المال (على الخيل والبغال، والحمير) وهي داخله في الحافر المثبت في الخبر(1)، (والابل والفيلة) وهما داخلان في الخف، (وعلى السيف، والسهم، والحراب(2)) وهي داخلة في النصل، ويدخل السهم في الريش على الرواية الثانية(3) اذا اشتمل عليه(4)، تسمية للشئ باسم جزئه، واطلق السبق على ما يعم الرمي تبعا للنص(5)، وتغليبا للاسم، (لا بالمصارعة، والسفن، والطيور، والعدو)، ورفع الاحجار، ورميها، ونحو ذلك، لدلالة الحديث السابق على نفي مشروعية ما خرج عن الثلاثة. هذا اذا تضمن السبق بذلك العوض، أما لو تجرد عنه ففي تحريمه نظر، من دلالة النص على عدم مشروعيته إن روي السبق بسكون الباء ليفيد نفي المصدر، وان روي بفتحها كما قيل: إنه الصحيح رواية، كان المنفي مشروعية العوض عليها(6)، فيبقى الفعل على أصل الاباحة، اذ لم يرد شرعا ما يدل على تحريم هذا الاشياء، خصوصا مع تعلق غرض صحيح بها.


___________________________________
(1) الوسائل كتاب السبق الرماية باب 3 حديث 1 - 2 - 3. (2) جمع الحرية: وهي آلة من الحديد قصيرة محددة دون الرمح تستعمل في الحرب. (3) الوسائل كتاب السبق والرماية باب 3 حديث 1 - 2 - 3. (4) اي على الريش. (5) المصدر السابق تحت رقم 3. (6) اي على هذه الاشياء المذكورة: (المصارعة، العدو، الطيور، رمي الاحجار، رفعها).

[423]

ولو قيل بعدم ثبوت رواية الفتح فاحتمال الامرين يسقط دلالته(1) على المنع. (ولابد فيها(2) من ايجاب وقبول على الاقرب)، لعموم قوله تعالى: " اوفو بالعقود "، " والمؤمنون عند شروطهم " وكل من جعله لازما حكم بافتقاره إلى ايجاب وقبول. وقيل: هو جعالة لوجود بعض خواصها فيه، وهي(3): أن بذل العوض فيه على(4) ما لا يوثق بحصوله(5) وعدم تعيين العامل(6)، فان قوله: من سبق فله كذا غير متعين عند العقد، ولاصالة عدم اللزوم وعدم اشتراط القبول(7)، والامر بالوفاء بالعقد مشروط بتحققه، وهو موضع النزاع. سلمنا لكن الوفاء به هو العمل بمقتضاه لزوما وجوازا، وإلا لوجب الوفاء بالعقود الجائزة، وفيه(8) نظر، لان وجود بعض


___________________________________
(1) اي الخبر. (2) اي في المسابقة. (3) اي تلك الخاصية. (4) الجار والمجرور مرفوع محلا خبر (أن). (5) وهو السبق، فإنه غير مضمون الحصول. (6) اي السابق منهما لم يتعين في العقد، للجهل به وهاتان الخاصتان وهما: (بذل العوض على ما لا يوثق بحصوله)، و (عدم تعيين العامل) من خواص الجعالة، فإن قول القائل: " من رد علي عبدي فله كذا " قد بذل المال ازاء شئ غير مضمون الحصول، والعامل ايضا غير معلوم. (7) اي والاصل عدم اشتراط القبول. (8) اي في هذا الاستدلال.

[424]

الخواص لا يقتضي الاتحاد(1) في الحكم مطلقا(2) وأصالة عدم اللزوم ارتفعت بما دل عليه(3)، والاصل في الوفاء العمل بمقتضاه(4) دائما(5) وخروج العقد الجائز(6) تخصيص للعام فيبقى(7) حجة في الباقي(8). نعم الشك بقي في كونه(9) عقدا. (وتعيين العوض) وهو المال الذي يبذل للسابق منهما قدرا، وجنسا، ووصفا. وظاهر العبارة ككثير: أنه(10) شرط في صحة العقد، وفي التذكرة أنه ليس بشرط، وإنما المعتبر تعيينه لو شرط. وهو حسن. (ويجوز كونه(11) منهما معا)، ومن احدهما وفائدته(12) حينئذ


___________________________________
(1) اي اتحاد الجعالة والسبق والرماية. (2) اي في جميع الخواص حتى في اللزوم الجواز. (3) اي على اللزوم وهو " أوفوا بالعقود "، و " المؤمنون عند شروطهم ". (4) اي بمقتضى العقد. (5) لا كما افاده المستدل (بأن الوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه لزوما وجوازا) فإن كان لازما وجب الوفاء به وان كان جائزا لم يلزم الوفاء به. (6) كالجعالة، والوكالة، والوصية. (7) اي العام بعد خروج العقود الجائزة باق على عمومه فيشمل الباقي. (8) ومن جملة الباقي (السبق والرماية). (9) اي الشك في كون السبق والرماية عقدا مستقلا حتى يحتاج إلى الايجاب والقبول. (10) اي العوض. (11) اي العوض من المتراميين والمتسابقين. (12) اي العوض اذا كان من احدهما.

[425]

أن الباذل ان كان هو السابق احرز ماله، وان كان غيره احرزه (ومن بيت المال) لانه معد للمصالح وهذا منها، لما فيه من البعث على التمرن على العمل المترتب(1) عليه اقامة نظام الجهاد، (ومن اجنبي) سواء كان الامام ام غيره، وعلى كل تقدير فيجوز كونه عينا، ودينا حالا، ومؤجلا. (ولا يشترط المحلل) وهو الذي يدخل بين المتراهنين بالشرط في عقده(2) فيتسابق معهما من غير عوض يبذله ليعتبر(3) السابق منهما ثم ان سبق(4) أخذ العوض، وان لم يسبق لم يغرم، وهو بينهما كالامين وإنما لم يشترط(5) للاصل، وتناول ما دل على الجواز للعقد(6) الخالي منه، وعند بعض العامة، وبعض(7) اصحابنا هو شرط، وبه(8) سمي محللا، لتحريم العقد بدونه عندهم، وحيث شرط لزم، فيجري دابته بينهما، او إلى احد الجانبين مع الاطلاق، والى ما شرط مع التعيين


___________________________________
(1) وفي النسخ المطبوعة والمخطوطة عندنا: (المرتب). (2) اي في عقد السبق. (3) اي ليختبر. (4) اي المحلل. (5) اي اي المحلل. (6) الجار والمجرور متعلق بقوله: وتناول اي لتناول الادلة التي دلت على جواز السبق والرماية (العقد الخالي) من المحلل. (7) هو (ابن الجنيد). والمراد من بعض العامة (الشافعي). (8) اي وبهذا الشرط وهو (دخول الشخص الثالث بينهما).

[426]

لانهما(1) باخراج السبق(2) متنافران، فيدخل بينهما، لقطع تنافرهما. (ويشترط في السبق تقدير المسافة) التي يستبقان فيها (ابتداء، ونهاية) لئلا يؤدي إلى التنازع، ولاختلاف الاغراض في ذلك اختلافا ظاهرا، لان من الخيل ما يكون سريعا في اول عدوه، دون آخره، فصاحبه يطلب قصر المسافة، ومنها ما هو بالعكس(3)، فينعكس الحكم (وتقدير الخطر) وهو العوض ان شرطاه، او مطلقا(4). (وتعيين ما يسابق عليه(5)) بالمشاهدة ولا يكفي الاطلاق(6)، ولا التعيين بالوصف، لاختلاف الاغراض بذلك كثيرا (واحتمال السبق بالمعنيين) بمعنى احتمال كون كل واحد يسبق صاحبه (فلو علم قصور احدهما بطل)، لانتفاء الفائدة حينئذ، لان الغرض منه استعلام السابق، ولا يقدح رجحان سبق احدهما اذا امكن سبق الاخر، لحصول الغرض معه (وان يجعل السبق) بفتح الباء وهو العوض (لاحدهما) وهو السابق منهما، لا مطلقا، (أو للمحلل ان سبق، لا لاجنبي)،


___________________________________
(1) اي المتسابقين وهو تعليل لقوله: فيجري دابته بينهما. (2) بالتحريك، والمراد منه العوض المعين. فالمعنى: أن المستابقين ينافر كل منهما الآخر لاجل الحصول على العوض المعين فحينئذ يجري المحلل دابته بينهما. (3) بأن يكون الخيل في بادئ العدو بطيئا، وفي آخر العدو يسرع فصاحبها يطلب طول المسافة. فهذا معنى انعكاس الحكم. (4) شرطا العوض، او لم يشترطا. (5) من فرس، أو بعير. أو فيل، أو سيارة، أو غيرها من المخترعات الجديدة. (6) بأن يقولا: على البعير، أو على الفرس، بل لابد من القول: على هذا البعير مثلا.

[427]

ولا للمسبوق منهما ومن المحلل، ولا جعل القسط الاوفر للمتأخر، او للمصلي(1)، والاقل للسابق، لمنافاة ذلك كله للغرض الاقصى من شرعيته وهو الحث على السبق، والتمرن عليه، (ولا يشترط التساوي في الموقف(2)) للاصل، وحصول الغرض مع تعيين المبدأ والغاية. وقيل: يشترط(3)، لانتفاء معرفة جودة عدو الفرس، وفروسية الفارس مع عدم التساوي، لان عدم السبق قد يكون مستندا اليه، فيخل بمقصوده ومثله(4) ارسال احدى الدابتين قبل الاخرى. (والسابق هو الذي يتقدم على الاخر بالعنق) ظاهره اعتبار التقدم بجميعه وقيل: يكفي بعضه وهو حسن. ثم ان اتفقا في طول العنق، او قصره وسبق الاقصر عنقا ببعضه فواضح، وإلا اعتبر سبق الطويل باكثر من القدر الزائد، ولو سبق بأقل من قدر الزائد فالقصير هو السابق وفي عبارة كثير أن السبق يحصل بالعنق والكتد معا، وهو بفتح الفوقانية اشهر من كسرها: مجمع الكتفين بين اصل العنق والظهر، وعليه يسقط اعتبار بعض العنق، وقد يتفق السبق بالنكتد وحده كما لو قصر عنق السابق به(5)، او رفع احد الفرسين عنقه بحيث لم يمكن


___________________________________
(1) وهو الذي يكون فرسه عقيب الفرس الاول. (2) اي لا يشترط في ابتداء الحركة ان يكونا متساويين في الموقف. (3) اي التساوي في الموقف. (4) اي ومثل عدم التساوي في الموقف ارسال الدابتين، في أنه لا يشترط أن ترسلا معا. (5) اي بالكتد.

[428]

اعتباره(1) به، وبالقوائم فالمتقدم بيديه عند الغاية سابق، لان السبق يحصل بهما والجري عليهما. والاولى حينئذ تعيين السبق باحد الاربعة(2) ومع الاطلاق(3) يتجه الاكتفاء باحدها، لدلالة العرف عليه، ويطلق على السابق المجلي. (والمصلي هو الذي يحاذي رأسه صلوى السابق وهما: العظمان النابتان عن يمين الذنب وشماله) والتالي هو الثالث، والبارع الرابع، والمرتاح الخامس، والحظي السادس، والعاطف السابع، والمؤمل مبنيا للفاعل الثامن واللطيم بفتح اوله وكسر ثانيه التاسع، والسكيت بضم السين ففتح الكاف العاشر، والفسكل بكسر الفاء فسكون السين فكسر الكاف، او بضمهما كقنفذ الاخير. وتظهر الفائدة فيما لو شرط للمجلي مالا، وللمصلي اقل منه، وهكذا إلى العاشر. (ويشترط في الرمي معرفة الرشق) بكسر الراء وهو عدد الرمي الذي يتفقان عليه (كعشرين، وعدد الاصابة) كعشرة منها(4) وصفتها(5) من المارق) وهو الذي يخرج من الغرض نافذا ويقع من ورائه، (والخاسق) بالمعجمة والمهملة، وهو الذي يثقب الغرض ويقف فيه، (والخازق) بالمعجمة والزاي. وهو ما خدشه ولم يثقبه وقيل: ثقبه ولم يثبت فيه، (والخاصل) بالخاء المعجمة والصاد


___________________________________
(1) اي اعتبار السبق بالعنق. (2) وهي (العنق) و (الكتد) و (العنق والكتد) معا، و (القوائم الاربع). (3) اي مع عدم تعيين السبق باحد الاربعة. (4) اي يرمي العشرين. ولكن يصيب الهدف منها عشرة. (5) اي وصفة الاصابة.

[429]

المهملة وهو يطلق على القارع وهو ما اصاب الغرض ولم يؤثر فيه، وعلى الخارق، وعلى الخاسق(1) وقد عرفتهما(2)، وعلى المصيب(3) له كيف كان، (وغيرها(4)) من الاوصاف كالخاصر وهو ما اصاب احد جانبيه، والخارم وهو الذي يخرم حاشيته، والحابي وهو الواقع دونه(5) ثم يحبو اليه مأخوذ(6) من حبو الصبي، ويقال(7): على ما وقع بين يدي الغرض ثم وثب(8) اليه فاصابه وهو المزدلف، والقارع وهو الذي يصيبه بلا خدش. ومقتضى اشتراطه(9) تعيين الصفة بطلان العقد بدونه، وهو احد القولين، لاختلاف النوع الموجب للغرر.


___________________________________
(1) اي ويطلق الخاصل على الخارق والخاسق كما يطلق على القارع. (2) اي الخارق والخاسق. (3) اي ويطلق الخاصل على المصيب له إلى الهدف كيف اتفق اثر فيه ام لم يؤثر. (4) اي وغير هذه الاوصاف المذكورة من المارق والخاسق والخازق والخاصل. (5) اي دون الهدف. (6) اي مشتق من حبو الصبي وهو الزحف على يديه وبطنه في بداية مشيه وكذا السهم حين خطائه يكون كزحف الصبي. (7) اي ويطلق الجابي. (8) اي قفز وطفر. (9) اي ومقتضى اشتراط المصنف رحمه الله (تعين صفة الرشق) بطلان العقد بدون تعيين الصفة.

[430]

وقيل: يحمل على أخير(1) ما ذكره بمعناه الاخير. وهو الاقوى، لانه القدر المشترك بين الجميع فيحمل الاطلاق عليه، ولاصالة البراء‌ة من وجوب التعيين، ولان اسم الاصابة واقع على الجميع فيكفي اشتراطه ولا غرر حيث يعلم من الاطلاق الدلالة على المشترك. (وقدر(2) المسافة) إما بالمشاهدة، او بالتقدير كمائة ذراع، لاختلاف الاصابة بالقرب والبعد، (و) قدر (الغرض) وهو ما يقصد اصابته من قرطاس، او جلد، او غيرهما، لاختلافه بالسعة والضيق. ويشترط العلم بوضعه(3) من الهدف وهو ما يجعل فيه الغرض من تراب، وغيره، لاختلافه في الرفعة، والانحطاط الموجب لاختلاف الاصابة، (والسبق(4)) وهو العوض، (وتماثل(5) جنس الآلة) اي نوعها الخاص كالقوس العربي، أو المنسوب إلى وضع خاص(6)، لاختلاف الرمي باختلافها (لا شخصها(7))، لعدم الفائدة بعد تعيين النوع ولادائه إلى التضييق بعروض مانع من المعين يحوج إلى ابداله.


___________________________________
(1) وهو الحاصل وهو آخر ما ذكره المصنف من الصفات. ولكن بمعناه الاخير وهو (ما أصاب الهدف كيف اتفق). (2) اي ويشترط في الرمي معرفة قدر المسافة التي يرميان فيها: وهو (ما بين الموقف والهدف). (3) اي بوضع الغرض. (4) اي ويشترط معرفة السبق بفتح الفاء والعين. (5) اي ويشترط تماثل جنس الآلة في المتراميين من دون فرق بينهما. (6) اي إلى هيئة خاصة. (7) اي لا يشترط معرفة شخص الآلة.

[431]

بل قيل: إنه لو عينه(1) لم يتعين، وجاز الابدال، وفسد الشرط وشمل اطلاق الالة القوس، والسهم، وغيرهما. وقد ذكر جماعة أنه لا يشترط تعيين السهم، لعدم الاختلاف الفاحش الموجب لاختلاف الرمي، بخلاف القوس. وأنه لو لم يعين جنس الآلة انصرف إلى الاغلب عادة لانه جار مجرى التقييد لفظا، فإن اضطربت فسد العقد، للغرر. (ولا يشترط) تعيين (المبادرة) وهي اشتراط استحقاق العوض لمن بدر إلى اصابة عدد معين من مقدار رشق معين مع تساويهما(2) في الرشق، كخمسة من عشرين، (ولا المحاطة) وهي اشتراط استحقاقه(3) لمن خلص له من الاصابة عدد معلوم بعد مقابلة اصابات احدهما باصابات الآخر وطرح ما اشتركا فيه. (ويحمل المطلق على المحاطة)، لان اشتراط السبق إنما يكون لاصابة معينة من اصل العدد المشترط في العقد(4)، وذلك يقتضي اكمال العدد كله لتكون الاصابة المعينة منه، وبالمبادرة قد لا يفتقر إلى الاكمال فإنهما اذا اشترطا رشق عشرين واصابة خمسة فرمى كل واحد عشرة فاصاب


___________________________________
(1) اي لو عين الرامي شخص الآلة. (2) اي المتراميين. وحاصل المعنى: أنه لا يشترط في الرمي إتمام العشرين مثلا. فإن بدر احدهما ورمى وأصابت الهدف خمسة سهام من العشرين كفى، ولا يجب على المتراميين الاتمام. بخلاف ما اذا لم يصيبا فإنه واجب عيلهما اكمال العدد. وهذا لا يناف ما افاده (المصنف) قدس سره من اشتراط معرفة الرشق الذي هو عدد الرمي. (3) اي السبق وهو (العوض) وهو المراد من قوله: لان اشتراط السبق. (4) كخمسة من عشرين، أو عشرة من ثلاثين.

[432]

احدهما خمسة، والآخر اربعة مثلا فقد نضله صاحب الخمسة، ولا يجب عليه الاكمال. بخلاف ما لو شرطا المحاطة، فإنهما يتحاطان اربعة باربعة ويبقى لصاحب الخمسة واحد، ويجب الاكمال، لاحتمال اختصاص كل واحد(1) باصابة خمسة فيما يبقى. وقيل: يحمل على المبادرة لانه المتبادر من اطلاق السبق(2) لمن اصاب عددا معينا، وعدم وجوب الاكمال مشترك بينهما فانه قد لا يجب الاكمال في المحاطة على بعض الوجوه، كما اذا انتفت فائدته(3)، للعلم باختصاص المصيب بالمشروط على كل تقدير(4)، بان رمى احدهما في المثال خمسة عشر فاصابها، ورماها الآخر فاصاب خمسة فاذا تحاطا(5) خمسة بخمسة بقي للآخر عشرة، وغايه ما يتفق مع الاكمال أن يخطئ صاحب العشرة الخمسة ويصيبها الآخر فيبقى له فضل خمسة وهي الشرط(6) وما اختاره(7) المصنف اقوى، لانه المتبادر، وما ادعي منه(8)


___________________________________
(1) من المتراميين. (2) بفتح الباء وهو (العوض). (3) اي الاكمال. (4) سواء اكمل العدد ام لم يكمل. (5) اي يسقط المتراميان ما تساويا فيه من عدد الاصابة. (6) وهو اصابة خمسة من عشرين مثلا. (7) وهو حمل المطلق على المحاطة التي يسقط كل من المتراميين ما تساويا فيه في الاصابة ويأخذان بالزائد. لا على المبادرة. (8) اي وما ادعي من التبادر في حمل المطلق على المبادرة.

[433]

في المبادرة غير متبادر، ووجوب الاكمال فيها(1) اغلب، فتكثر الفائدة التي بسببها شرعت المعاملة، ولو عينا احدهما(2) كان اولى. (فاذا ثم النضال) وهو المراماة. وتمامه بتحقق الاصابة المشروطة لاحدهما، سواء أتم العدد اجمع ام لا (ملك الناضل) وهو الذي غلب الآخر (العوض)، سواء جعلناه(3) لازما كالاجارة ام جعالة. أما الاول(4) فلان العوض في الاجارة وان كان يملك بالعقد إلا أنه هنا لما كان للغالب وهو غير معلوم، بل يمكن عدمه اصلا توقف الملك على ظهوره(5)، وجاز كونه(6) لازما برأسه يخالف الاجارة في هذا المعنى(7)، وأما على الجعالة فلان المال إنما يملك فيها بتمام العمل. وجواز(8) الرهن عليه قبل ذلك وضمانه، نظرا إلى وجود السبب المملك وهو العقد.


___________________________________
(1) اي في المحاطة. (2) اي المحاطة، أو المبادرة. (3) اي العقد. (4) وهو جعل العقد لازما كالاجارة. (5) اي ظهور الغالب. (6) اي عقد السبق. (7) وهو أنه لا يملك العوض بالعقد، بل يملكه بعد الظهور. (8) دفع وهم، حاصل الوهم: أن جواز الرهن على العوض قبل تمام العمل وجواز الضمان عليه كذلك يقتضي ثبوت العوض في الذمة فلو كان عقد السبق والرمي جعالة للما جاز الرهن والضمان عليه. فاجاب الشارح رحمه الله بما حاصله: أن هذا التوجيه والاستدلال إنما يتم في الرهن أما في الضمان فلا يتم. ولا يخفى أنه مناقض لما صرح الشارح رحمه الله في (كتاب الضمان) من عدم الفرق بين الرهن والضمان حيث قال المصنف هناك: (والمال المضمون ما جاز اخذ الرهن عليه) وقال الشارح: (وهو المال الثابت في الذمة وان كان متزلزلا). وكذا قول الشارح رحمه الله: (وهذا يتم في الرهن) مناقض لما صرح به في (كتاب الرهن) من قول المصنف قدس سره: (وأما الحق فيشترط ثبوته في الذمة) هذا ما افاده سلطان العلماء قدس سره.

[434]

وهذا يتم في الرهن، أما في الضمان فيشكل(1) بأن مجرد السبب غير كاف(2)، كيف ويمكن تخلفه(3) بعدم الاصابة فليس(4) بتام. وهذا(5) مما يرجح كونه(6) جعالة. (واذا نضل احدهما صاحبه) بشئ (فصالحه على ترك النضل لم يصح)، لانه مفوت للغرض من المناضلة(7)، او مخالف لوضعها(8)


___________________________________
(1) اي جواز الضمان. (2) لان الضمان لابد أن يكون على ذمة مشغولة. ومجرد العقد لولا نضل احدهما الآخر لا يكون سببا لاشتغال الذمة الفعلي وان كان ربما ينجر إلى اشتغال الذمة. (3) اي تخلف السبب بأن لم ينضل احدهما الآخر كما لو خرجا متساويين، أو لم يصيبا شيئا، أو اصابا اقل من المشروط. (4) اي الاستدلال المذكور ليس بتام بعد ما عرفت من الاشكالات. (5) اي كون العوض لا يملك إلا بعد تمام النضال. (6) اي كون عقد السبق والرماية. (7) لان الغرض من المناضلة: ابانة حذق الرامي وظهوره اي ليظهر للناس أن أيهما احذق في النضال. (8) اي المناضلة: لانها شرعت ووضعت لاظهار الغالب منهما.

[435]

(ولو ظهر استحقاق العوض) المعين في العقد (وجب على الباذل مثله او قيمته)، لانهما اقرب إلى ما وقع التراضي عليه من العوض الفاسد كالصداق اذا ظهر فساده(1). ويشكل بان استحقاق العوض المعين يقتضي فساد المعاملة كنظائره(2) وذلك يوجب الرجوع إلى اجرة المثل، لا العوض الآخر(3). نعم لو زادت اجرة المثل عن مثل المعين، او قيمته اتجه سقوط الزائد، لدخوله(4) على عدمه وهذا هو الاقوى. والمراد باجرة المثل هنا ما يبذل لذلك العمل الواقع من المستحق له عادة، فان لم تستقر العاده على شئ رجع إلى الصلح. وربما قيل بأنه اجرة مثل الزمان الذي وقع العمل فيه، نظرا إلى أن ذلك اجرة مثل الحر لو غصب تلك المدة. والاجود الاول.


___________________________________
(1) كما لو ظهر أنه مستحق للغير. (2) اي كما في كل معاملة وقعت على عوض معين ثم ظهر استحقاقه للغير، فإن المعاملة تبطل من اصلها، دون ما اذا وقعت على العوض الكلي، فإن المعاملة لا تبطل، بل له التبديل. (3) وهو مثل المعين، أو قيمته. (4) اي لدخول الناضل واقدامه.