كتاب الجعالة

[439]

كتاب الجعالة(1)

(الجعالة) لغة مال يجعل على فعل، وشرعا (صيغة ثمرتها تحصيل المنفعة بعوض مع عدم اشتراط العلم فيهما) اي في العمل والعوض كمن رد عبدي فله نصفه مع الجهالة به وبمكانه، وبهذا تتميز عن الاجارة على تحصيل منفعة معينة، لان التعيين(2) شرط في الاجارة، وكذا(3) عوضها. أما عدم اشتراط العلم بالعمل هنا فموضع وفاق، وأما العوض ففيه خلاف يأتي تحقيقه. (ويجوز على كل عمل محلل مقصود) للعقلاء (غير واجب على العامل) فلا يصح على الاعمال المحرمة كالزنا، ولا على ما لا غاية له معتدا بها عقلا كنزف(4) ماء البئر، والذهاب ليلا إلى بعض المواضع الخطيرة ونحوهما مما يقصده العابثون. نعم لو كان الغرض به التمرن على الشجاعة وإضعاف الوهم ونحوه من الاغراض المقصودة للعقلاء صح، وكذا لا يصح على الواجب عليه كالصلاة. (ولا يفتقر إلى قبول) لفظي، بل يكفي فعل مقتضى الاستدعاء به (ولا إلى مخاطبة شخص معين فلو قال: من رد عبدي، او خاط ثوبي)


___________________________________
(1) الجعل بالفتح: المصدر. وبالضم: العوض وهو الذي يجعل اجرة في مقابل ما يفعله الانسان من العمل. ومنه " الجعالة " تستعمل مثلثة الجيم. (2) اي تعيين المنفعة. (3) اي وكذا يشترط تعيين عوض المنفعة. (4) اي نزح الماء جميعا.

[440]

بصيغة العموم (فله كذا صح، او فله مال، او شئ)، ونحوهما من العوض المجهول (صح، اذ العلم بالعوض غير شرط في تحقق الجعالة وإنما هو شرط في تشخصه، وتعينه فان اراد) ذلك (التعيين فليذكر جنسه وقدره، وإلا) يذكره(1)، أو ذكره ولم يعينه (تثبت بالرد اجرة المثل). ويشكل(2) بأن ثبوت اجرة المثل لا تقتضي صحة العقد، بل هي ظاهرة في فساده، وإنما اوجبها(3) الامر بعمل له اجرة عادة كما لو استدعاه ولم يعين عوضا، إلا أن يقال: إن مثل ذلك(4) يعد جعالة ايضا فإنها(5) لا تنحصر في لفظ، ويرشد اليه(6) اتفاقهم على الحكم من غير تعرض للبطلان(7). وفيه(8) أن الجعالة مستلزمة لجعل شئ، فاذا لم يذكره لا يتحقق مفهومها وان ترتب عليها العوض. وقيل: ان كانت الجهالة لا تمنع من التسليم لزم بالعمل العوض


___________________________________
(1) اي وإن لم يذكر جنس العوض. (2) اي ويشكل ثبوت اجرة المثل. (3) اي اجرة المثل. (4) اي الامر بعمل له اجرة عادة. (5) اي الجعالة لا تنحصر في لفظ، بل تحصل بكل ما يفيدها كقوله: افعل هذا. (6) اي إلى هذا القول وهو: (إلا أن يقال: إن مثل ذلك يعد جعالة ايضا). (7) اي بطلان عقد الجعالة. (8) اي ما قاله هذا القائل.

[441]

المعين، لا اجرة المثل كمن رد عبدي فله نصفه فرده من لا يعرفه(1) ولا بأس به(2). وعلى هذا(3) فيصح جعله(4) صبرة مشاهدة مجهولة المقدار، وحصة من نماء شجر على عمله، وزرع كذلك(5) ونحوها. والفرق بينه، وبين الشئ والمال: مقوليتهما(6) على القليل، والكثير المفضي إلى التنازع والتجاذب فلم يصح على هذا الوجه، بخلاف ما لا يمنع من التسليم فإنه امر واحد لا يقبل الاختلاف، ومسماه لنشخصه لا يقبل(7) التعدد، وقبوله للاختلاف قيمة بالزيادة والنقصان قد قدم


___________________________________
(1) اي لا يعرف مقدار نصف العبد. (2) اي بهذا الفرق، لان الجهالة اذا كانت بهذه المثابة لا تكون مانعة من التسليم، بخلاف ما لو قال له: (من رد عبدي فله شئ، أو مال) فإن الجهالة في هذه الصورة تمنع من تحقق الجعالة، لجهالة العوض فيها راسا. (3) اي وعلى هذا القول من (أن الجهالة اذا كانت بهذه المثابة لا تمنع من التسليم) صح جعل العوض. (4) اي جعل العوض. (5) اي وحصة من الزرع مجهولة المقدار. (6) بالرفع خبر للمبتداء وهو (والفرق). والمعنى: أن الفرق بين صحة جعل الجعالة صبرة مجهولة المقدار، وعدم صحة جعل الشئ أو المال جعالة اطلاق المال والشئ على القليل والكثير. (7) الجملة مرفوعة محلا خبر للمبتداء وهو (مسماه). اي ومسمى العوض - لاجل تشخصه في الخارج بقوله: كنصف العبد وغير ذلك - لا يقبل التعدد.

[442]

عليه العامل كيف كان. ويمكن التبرع به، فاذا قدم على العوض الخاص انتفى الغرر، لانه معين في حد ذاته. (ويشترط في الجاعل الكمال) بالبلوغ، والعقل، (وعدم الحجر) لانه باذل المال فيعتبر رفع الحجر عنه، بخلاف العامل فإنه يستحق الجعل وان كان صبيا مميزا بغير اذن وليه، وفي غير المميز، والمجنون وجهان. من(1) وقوع العمل المبذول عليه، ومن(2) عدم القصد. (ولو عين الجعالة لواحد ورد غيره فهو متبرع) بالعمل (لا شئ له)، للمتبرع، ولا للمعين، لعدم الفعل، (ولو شارك المعين فان قصد التبرع عليه فالجميع للمعين) لوقوع الفعل باجمع له، (وإلا) يقصد التبرع عليه بأن اطلق، أو قصد العمل لنفسه، أو التبرع على المالك (فالنصف) للمعين خاصة، لحصوله بفعلين: احدهما مجعول له، والآخر متبرع فيستحق النصف بناء على قسمة العوض على الرؤس. والاقوى بسطه على عملهما، فيستحق المعين بنسبة عمله، قصر عن النصف ام زاد. وهو خيرة المصنف في الدروس ومثله(3) ما لو عمل معه المالك. (ولا شئ للمتبرع، وتجوز الجعالة من الاجنبي) فيلزمه المال، دون المالك إن لم يأمره به، ولو جعله من مال المالك بغير اذنه فهو فضولي، (ويجب عليه) اي على الجاعل مطلقا(4) (الجعل مع العمل


___________________________________
(1) دليل الاستحقاق العوض. (2) دليل لعدم استحقاق العوض. (3) اي ومثل عمل المتبرع عمل المالك مع العامل. (4) سواء كان الجاعل هو الاجنبي ام المالك.

[443]

المشروط) حيث يتعين، وإلا(1) فما ذكر بدله (وهي جائزة من طرف العامل مطلقا) قبل التلبس بالعمل وبعده، فله الرجوع متى شاء، ولا يستحق شيئا لما حصل منه من العمل قبل تمامه مطلقا(2). (وأما الجاعل فجائزة) من طرفه (قبل التلبس) بالعمل، (وأما بعده فجائزة بالنسبة إلى ما بقي من العمل) فاذا فسخ فيه انتفى عنه بنسبته من العوض (أما الماضي فعليه اجرته) وهذا في الحقيقة لا يخرج عن كونها جائزة من قبله مطلقا(3) فان المراد بالعقد الجائز، او الايقاع ما يصح فسخه لمن جاز من طرفه، وثبوت العوض لا ينافي جوازه كما أنها بعد تمام العمل يلزمها جميع العوض، مع أنها من العقود الجائزة، وكذا الوكالة بجعل(4) بعد تمام العمل. واستحقاق الجعل لا يخرجها عن كونها عقدا جائزا، فينبغي ان يقال: إنها جائزة مطلقا(5) لكن اذا كان الفسخ من المالك ثبت للعامل بنسبة ما سبق من العمل إلى المسمى على الاقوي. وقيل: اجرة مثله(6).


___________________________________
(1) اي وان لم يعين بأن قال: شئ، أو مال فيعطى للعامل ما ذكره (المصنف) رحمه الله من اجرة المثل بدل ما عينه الجاعل بصورة غير مشخصة كما علمت. (2) سواء عين الجاعل جعلا ام لا. (3) اي في جميع الصور قبل التلبس بالعمل، وبعد التلبس. (4) كأن يقول الموكل لوكيله: انت وكيلي في بيع داري، أو شراء دار لي ولك خمسة دنانير مثلا. (5) اي الجعالة جائزة مطلقا من الطرفين قبل التلبس وبعده. (6) اي يثبت للعامل على الجاعل اجرة مثل ما عمل من العمل قبل الفسخ.

[444]

وربما اشكل ذلك(1) فيما لو كانت على رد ضالة مثلا ثم فسخ وقد صارت بيده، فإنه لا يكاد يتحقق للفسخ معنى حينئذ، اذ لا يجوز له تركها، بل يجب تسليمها إلى المالك، أو من يقوم مقامه فلا يتحقق فائدة للفسخ حينئذ. ويمكن دفعه بأن فائدة البطلان عدم سلامة جميع العوض له على هذا التقدير، بل يستحق لما سبق بنسبته ويبقى له فيما بعد ذلك اجرة المثل على ما يعمله إلى ان يتسلمه المالك وهو حفظه عنده، اذ لا يجب عليه حينئذ رده على المالك، بل تميكنه منه ان كان قد علم بوصوله إلى يده، وان لم يعلم وجب اعلامه. (ولو رجع) المالك فيها(2) قبل العمل، أو في اثنائه (ولم يعلم العامل رجوعه حتى اكمل العمل فله كمال الاجرة)، ولو علم في الاثناء فله بنسبة ما سلف قبل العلم وينبغي ان يراد بالعلم ما يثبت به ذلك شرعا ليشمل السماع من المالك، والشياع المفيد للعلم، وخبر العدلين، لا الواحد وان حكم به(3) في عزل الوكالة بنص خاص(4). (ولو اوقع المالك صيغتين) للجعالة مختلفتين في مقدار العوض(5)


___________________________________
(1) اي ثبوت اجرة المثل. (2) اي في الجعالة. (3) اي بالخبر الواحد. (4) في خصوص الوكالة. (5) بأن قال اولا: من رد عبدي فله مائة دينار عراقي، ثم قال ثانيا: من رد عبدي فله ثمانون دينارا عراقيا.

[445]

أو في بعض اوصافها(1) (عمل بالاخيرة اذا سمعهما) العامل، لان الجعالة جائزة، والثانية رجوع عن الاولى، سواء زادت ام نقصت (وإلا) يسمعهما(2) (فالمعتبر ما سمع) من الاولى والاخيرة(3)، ولو سمع الثانية بعد الشروع في العمل فله من الاولى بنسبة ما عمل إلى الجميع ومن الثانية بنسبة الباقي. (وإنما يستحق الجعل على الرد بتسليم المردود) إلى مالكه مع الاطلاق او التصريح بالجعل على ايصاله إلى يده، (فلو جاء به إلى باب منزل المالك فهرب فلا شي ء للعامل)، لعدم اتمامه العمل الذي هو شرط الاستحقاق. ومثله(4) ما لو مات قبل وصوله إلى يده وان كان بداره، مع احتمال الاستحقاق هنا، لان المانع من قبل الله تعالى، لا من قبل العامل، ولو كان الجعل على ايصاله إلى البلد، او إلى منزل المالك استحق الجميع بالامتثال، (ولا يستحق الاجرة إلا ببذل الجاعل) اي استدعائه الرد، سواء كان مع بذل عوض ام لا (فلو رد بغيره(5) كان متبرعا) لا عوض له مطلقا(6)، وكذا لو رد من لم يسمع الجعالة على قصد التبرع، او بقصد يغاير ما بذله المالك جنسا، او وصفا،


___________________________________
(1) بأن قال اولا: من بنا لي دارا من آجر فله خمسمائة دينار عراقي، ثم قال ثانيا: من بنا لي بيتا من الاسمنت فله الف دينار عراقي. (2) اي لم يسمع الصيغتين، بل سمع واحدة منهما. (3) اي الصيغة الاولى والثانية. (4) اي ومثل الهرب. (5) اي بغير بذل الجاعل واستدعائه. (6) قصد التبرع ام لا.

[446]

ولو رد بنية العوض مطلقا(1) وكان ممن يدخل في عموم الصيغة، أو اطلاقها ففي استحقاقه قولان، منشأهما: فعله(2) متعلق الجعل مطابقا لصدوره من المالك على وجه يشمله، وأنه(3) عمل محترم لم يقصد به فاعله التبرع وقد وقع باذن الجاعل فقدوجد المقتضي(4) والمانع ليس إلا عدم علمه بصدور الجعل، ومثله(5) يشك في مانعيته، لعدم الدليل عليه فيعمل المقتضي(6) عمله، ومن(7) أنه بالنسبة إلى اعتقاده متبرع، اذ لا عبرة بقصده من دون جعل المالك، وعدم سماعه(8) في قوة عدمه(9) عنده. وفصل ثالث ففرق بين من رد كذلك(10) عالما بأن العمل بدون


___________________________________
(1) اي من غير تعيين شئ. (2) دليل لاستحقاق العوض. ومرجع الضمير في فعله: (العامل) فالمصدر اضيف إلى الفاعل، ومفعوله: متعلق الجعل اي اتيان العامل بمتعلق الجعل مطابقا لما اراده الجاعل. (3) وجه ثان لاستحقاق العوض. (4) اي المقتضى للاستحقاق، وهو اتيان الفعل من ناحية العامل تاما، لان فعل المسلم محترم. (5) اي ومثل هذا النوع من المانع وهو عدم علم العامل بصدور الجعل يشك في مانعيته. (6) وهو عمل المسلم وأنه محترم ولم يقصد به التبرع. (7) دليل لعدم استحقاق العوض. (8) اي عدم سماع العامل صدور الجعل من المالك. (9) اي في قوة عدم الجعل من قبل المالك عند العامل. (10) ان ناويا للاجر ولم يكن قصده التبرع.

[447]

الجعل تبرع وان قصد العامل العوض، وبين غيره(1)، لان الاول(2) متبرع محضا، بخلاف الثاني(3). واستقرب المصنف الاول(4). والتفصيل(5) متجه.