(مسائل)

(كلما لم يعين(6) جعل) إما لتركه اصلا بأن استدعى الرد واطلق، أو لذكره مبهما كما سلف(7) (فأجره المثل) لمن عمل مقتضاه سامعا للصيغة غير متبرع بالعمل، إلا أن يصرح بالاستدعاء مجانا فلا شئ وقيل: لا اجرة مع اطلاق الاستدعاء، والاول(8) اجود. نعم لو كان العمل مما لا اجرة له عادة لقلته فلا شئ للعامل كمن أمر غيره ___________________________________ (1) وهو الذي لا يعلم أن الرد من دون جعل المالك يقع تبرعا، بل كان يتخيل ثبوت العوض. (2) وهو علم العامل بأن العمل بدون الجعل تبرع. (3) وهو عدم علم العامل بأن العمل بدون الجعل تبرع. (4) وهو استحقاق العامل العوض مطلقا، سواء علم أن العمل بدون الجعل تبرع ام لم يعلم بذلك. (5) بين علم العامل بأنه لا يستحق، وبين عدم علمه بذلك. (6) بصيغة المبني للمفعول. (7) في قول المصنف: (كمن رد عبدي فله شئ، أو مال). (8) وهو استحقاق الاجرة مع الاطلاق.

[448]

بعمل من غير أن يذكر له اجرة(1) (إلا في رد الآبق من المصر) الذي فيه مالكه اليه (فدينار، وفي رده من غيره)، سواء كان من مصر آخر ام لا(2) (اربعة دنانير) في المشهور ومستنده ضعيف(3). ولو قيل بثبوت اجرة المثل فيه(4) كغيره كان حسنا. والمراد بالدينار على القول به: الشرعي(5) وهو المثقال الذي كانت قيمته عشرة دراهم. (والبعير كذا) اي كالآبق في الحكم المذكور، ولا نص عليه بخصوصه، وإنما ذكره الشيخان(6) وتبعهما عليه جماعة. ___________________________________ (1) فإن كان العمل حينئذ مما له اجرة عادة فللعامل اجرة المثل، وإن لم يكن له اجرة عادة فلا يستحق شيئا. (2) بأن ياتي به من البر أو من القرية. (3) والمستند رواية مسمع بن عبدالملك عن ابي عبدالله عليه السلام قال: " ان النبي صلى الله عليه وآله جعل في رد الآبق دينارا اذا وجد في مصره وان وجد في غيره فاربعة دنانير ". وعمل بها اكثر الاصحاب مع ضعف عظيم في طريق الخبر لجماعة منهم (محمد ابن الحسن بن ميمون) وهو ضعيف جدا غال وضاع. ومنهم (عبدالله بن عبد الرحمن الاصم) وحاله كذلك او زيادة. ومنهم (سهل بن زياد) وحاله مشهور. انتهى نقلا عن الشهيد نفسه رحمه الله. (4) اي في رد العبد الآبق. (5) قد سبق في الجزء الثاني من طبعتنا الحديثة كتاب الزكاة ص(30) رقم(7) شرح الدينار الشرعي والصيرفي مفصلا فراجع. (6) المراد بهما (الشيخ المفيد والشيخ الطوسي) قدس الله روحهما، والاول هو: ابوعبدالله (محمد بن محمد بن النعمان بن عبدالسلام البغدادي) طيب الله روحه ولد سنة 336. أشغل مكانة الرء‌اسة العامة للشيعة. كان رئيسا محنكا، وشيخا عظيما، أحيى الشريعة ومحى البدع، وجاهد في سبيل اعلاء كلمة الحق، اعظم جهاد. واتفق الكل على علمه وفضله ونبوغه وجلالته. كان رحمه الله كثير المحاسن، جم المناقب، حديد النظر، حاضر الجواب واسع الرواية. كثير الصدقات عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، متقشف الحياة. والخلاصة أنه جمع العلم والزهد والوقار ولم يوفق احد بمثل ما وفق هذا الرجل العظيم عطر الله مرقده توفى عام 413 في بغداد وشيعه ما ينيف عن ثمانين الفا. ودفن بجوار الامامين الكاظمين عليهما افضل السلام والصلاة. وقبره هناك معروف ومشهور يزوره الخواص والعوام. والثاني - " الشيخ الطوسي " - هو ابوجعفر (محمد بن الحسن بن علي بن الحسن) ولد بطوس (خراسان) عام 385 وهاجر إلى العراق فنزل بغداد سنة 408 وهو في الثالثة العشرين من عمره. تحققت له الزعامة الجعفرية بعد وفاة علم الهدى السيد المرتضى رحمه الله. واصبح علما من اعلام الشيعة وزعيما بارعا. وكانت داره في ولا يخفى أنه مناقض لما صرح الشارح رحمه الله في (كتاب الضمان) من عدم الفرق بين الرهن والضمان حيث قال المصنف هناك: (والمال المضمون ما جاز اخذ الرهن عليه) وقال الشارح: (وهو المال الثابت في الذمة وان كان متزلزلا). وكذا قول الشارح رحمه الله: (وهذا يتم في الرهن) مناقض لما صرح به في (كتاب الرهن) من قول المصنف قدس سره: (وأما الحق فيشترط ثبوته في الذمة) هذا ما افاده سلطان العلماء قدس سره. كرخ بغداد مأوى الامة ومقصد الوفاد يأمونها لحل مشاكلهم وايضاح مسائلهم. وجعل له الخليفة العباسي (القائم بامر الله) كرسيا للكلام والافادة ولم يكن ببغداد يومذاك من يفوقه قدرا وعلما وشرفا. ثم هاجر إلى النجف الاشرف لحادثة سيئة وقعت في بغداد احترقت على اثرها مكتبة الشيعة في الكرخ وكانت تحوي على اكثر من عشرة آلاف كتاب ثمين بين كتب فارس والعراق وما جلب من الهند والصين والروم، واكثرها بخطوط مؤلفيها فاحرقتها يد التعسف والتعصب البذئ. ولما رأى الشيخ الخطر محدقا به هاجر إلى النجف الاشرف لائذا بجوار الامام امير المؤمنين عليه الصلاة والسلام سنة 449 ومن ذلك اليوم صارت النجف الاشرف مركزا حيا لبث الثقافة الاسلامية وعاصمة للدين الاسلامي والمذهب الجعفري بالخصوص على اثر جهود هذا الشيخ الجليل. توفي رحمه الله وتغمده برحمته الواسعة سنة 460 ودفن بجامعه المعروف (بجامع الطوسي شمالي الحرم الشريف).

[450]

ويظهر من المفيد أن به رواية، لانه قال: بذلك ثبتت السنة، وفي الحاقه على تقدير ثبوت الحكم في لآبق إشكال. ويقوى الاشكال لو قصرت قيمتهما(1) عن الدينار والاربعة. وينبغي حينئذ ان يثبت على المالك اقل الامرين من قيمته، والمقدر شرعا، ومبنى الرواية على الغالب من زيادة قيمته(2) عن ذلك كثيرا. (ولو بذل جعلا) لمن رده واحدا كان أم اكثر (فرده جماعة استحقوه بينهم بالسوية(3)) ولو كان العمل غير الرد من الاعمال التي يمكن وقوعها اجمع من كل واحد منهم كدخول داره مع الغرض الصحيح فلكل ما عين. (ولو جعل لكل من الثلاثة جعلا مغايرا) للآخرين كأن جعل لاحدهما دينارا، وللآخر دينارين، وللثالث ثلاثة (فردوه فلكل ثلث ما جعل له)، ولو رده احدهم فله ما عين له اجمع، ولو رده اثنان منهم فلكل منهما نصف ما عين له، (ولو لم يسم لبعضهم) جعلا مخصوصا (فله ثلث اجرة المثل) ولكل واحد من الآخرين ثلث ما عين له ولو رده من لم يسم له وأحدهما(4) فله نصف اجرة مثله، وللآخر ___________________________________ (1) اي العبد الآبق والبعير الشارد. (2) اي قيمة العبد والبعير عن المقدر الشرعي. (3) اي يقسم الجعل على رؤسهم. (4) اي رده احد الذين سمي له مع من لم يسم له.

[451]

نصف ما سمي له، وهكذا، (ولو كانوا ازيد) من ثلاثة (فالبنسبة) اي لو ردوه اجمع فلكل واحد بنسبة عمله إلى المجموع من اجرة المثل، أو المسمى. (ولو اختلفا في اصل الجعالة) بان ادعى العامل الجعل وانكره المالك وادعى التبرع (حلف المالك) لاصالة عدم الجعل، (وكذا) يحلف المالك لو اختلفا (في تعيين الآبق) مع اتفاقهما على الجعالة، بأن قال المالك: إن المردود ليس هو المجعول وادعاه العامل، لاصالة براء‌ة ذمته من المال الذي يدعي العامل استحقاقه. (ولو اختلفا في السعي بأن قال المالك: حصل في يدك قبل الجعل) بفتح الجيم، وقال الراد: بل بعده (حلف) المالك (ايضا، للاصل) وهو براء‌ة ذمته من حق الجعالة، أو عدم تقدم الجعل على حصوله في يده، وان كان الاصل ايضا عدم تقدم وصوله إلى يده على الجعل، إلا أنه بتعارض الاصلين لا يثبت في ذمة المالك شئ(1) ومثله(2) ما لو قال المالك: حصل في يدك قبل علمك بالجعل، او من غير سعي وان كان بعد صدوره. (وفي قدر(3) الجعل كذلك) يحلف المالك، لاصالة براء‌ته من الزائد، ولان العامل مدع للزيادة، والمالك منكر (فيثبت للعامل) بيمين المالك (اقل الامرين من اجرة المثل، ومما ادعاه)، لان الاقل ان كان الاجرة فقد انتفى ما يدعيه العامل بيمين المالك، وإن كان ما يدعيه العامل، فلاعترافه بعدم استحقاقه للزائد، وبراء‌ة ذمة المالك منه، ___________________________________ (1) لتساقط الاصلين بالتعارض. (2) اي ومثل اختلاف الجاعل والعامل في السعي. (3) اي لو اختلف الجاعل والعامل في مقدار الجعل.

[452]

والحال أنهما معترفان بأن عمله يجعل في الجملة، وأنه عمل محترم فتثبت له الاجرة ان لم ينتف بعضها(1) بانكاره، (إلا ان يزيد ما ادعاه المالك) عن اجرة المثل فتثبت الزيادة، لاعترافه باستحقاق العامل اياها، والعامل لا ينكرها. (وقال) الشيخ نجيب الدين (ابن نما رحمه الله: اذا حلف المالك على نفي ما ادعاه) العامل (ثبت ما ادعاه) هو، لاصالة عدم الزائد، واتفاقهما على العقد المشخص بالعوض المعين، وانحصاره في دعواهما، فاذا حلف المالك على نفي ما ادعاه العامل ثبت مدعاه، لقضية(2) الحصر (وهو قوي كمال الاجارة) اذا اختلفا في قدره(3). وقيل: يتحالفان(4)، لان كلا منهما مدع ومدعى عليه فلا ترجيح لاحدهما فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الآخر ويثبت الاقل كما مر(5) والتحقيق أن اختلافهما في القدر ان كان مجردا عن التسيمه بأن قال العامل: إني استحق مائة من جهة الجعل الفلاني فانكر المالك وادعى أنه خمسون، فالقول قول المالك، لانه منكر محض والاصل براء‌ته من الزائد، كما يقدم قوله لو انكر اصل الجعل. ولا يتوجه اليمين هنا من طرف العامل اصلا. ___________________________________ (1) اي بعض الاجرة بانكار العامل الزائد. (2) اي لمقتضى الحصر في الدعوى فإنها محصورة في الشقين وهما: ما ادعاه المالك، وما ادعاه العامل. (3) تقدم في الجزء الرابع من طبعتنا الحديثة في (كتاب الاجارة) ص 363. (4) القائل (العلامة) قدس الله سره في القواعد. (5) من المصنف رحمه الله قوله آنفا: (فيثبت للعامل اقل الامرين من اجرة المثل. ومما ادعاه).

[453]

وان قال: جعلت لي مائة فقال المالك: بل خمسين ففيه الوجهان الماضيان(1) في الاجارة. والاقوى تقديم قول المالك ايضا(2)، لاتفاقهما على صدور الفعل بعوض، واختلافهما في مقداره خاصة، فليس كل منهما مدعيا لما ينفيه الآخر. وان كان اختلافهما في جنس المجعول مع اختلافه بالقيمة فادعى المالك جعل شئ معين يساوي خمسين، وادعى العامل جعل غيره مما يساوي مائتين فالتحالف هنا متعين، لان كلا منهما يدعي ما ينكره الاخر، إلا أن ذلك(3) نشأ من اختلاف الجعل جنسا، او وصفا، لا من اختلافه قدرا، واذا فرض اختلاف(4) الجنس فالقول بالتحالف اولى وان تساويا قيمة. وإنما ذكرنا اختلاف الجنس في هذا القسم، لان جماعة كالمحقق والعلامة شركوا بينه وبين الاختلاف قدرا في الحكم، وليس بواضح. ويبقى في القول بالتحالف مطلقا(5) اشكال آخر وهو فيما اذا تساوت الاجرة(6) وما يدعيه المالك، أو زاد ما يدعيه(7) عنها، فإنه لا وجه ___________________________________ (1) وهما: (القول قول المالك والقول بالتحالف). (2) اي يقدم هنا قول المالك كما يقدم قوله لو كان اختلاف المالك والعامل في القدر مجردا عن التسمية. (3) اي ادعاء كل منهما ما ينكره الآخر. (4) اي اختلاف الجاعل والعامل في جنس المجعول بأن قال الجاعل: جعلت لك الحنطة عوضا. وقال العامل: بل جعلت لي ذهبا. (5) سواء قيل بالتحالف في المتخالفين جنسا، أم قيل به في المتفقين ايضا. (6) اي اجرة المثل. (7) اي المالك.

[454]

لتحليف العامل بعد حلف المالك على نفي الزائد الذي يدعيه العامل، لثبوت ما حكم به من مدعى المالك زائدا عن الاجرة، أو مساويا باعترافه فتكليف العامل باليمين حينئذ لا وجه له، لاعتراف المالك به، وإنما يتوجه لو زادت اجرة المثل عما يدعيه المالك فيتوقف اثبات الزائد من الاجرة عما يدعيه على يمين المدعي وهو العامل. " انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس ان شاء الله تعالى " اوله كتاب الوصايا * * * تمت التعاليق الموضحة لهذا الجزء في ليلة الاحذ - الثامن من شهر الله الحرام سنة 1387 هج‍. في مكتبة " جامعة النجف الدينية " صانها الله عن الحدثان. فشكرا له على نعمائه. ونسأله التوفيق لاتمامه، إنه ولي التوفيق. السيد محمد كلانتر