كتاب الضمان

[113]

كتاب الضمان(1)

والمراد به الضمان بالمعنى الاخص قسيم الحوالة والكفالة، لا الاعم(2) الشامل لهما (وهو التعهد بالمال) أي الالتزام به (من البرئ) من مال مماثل لما ضمنه للمضمون عنه. وبقيد المال خرجت الكفاله فإنها تعهد بالنفس، وبالبرئ الحوالة بناء على اشتراطها(3) بشغل ذمة المحال عليه للمحيل بما أحال به. (ويشترط كماله) أي كمال الضامن المدلول عليه بالمصدر(4)، أو اسم الفاعل(5)، أو المقام(6) (وحريته) فلا يصح ضمان العبد في المشهور، لانه لا يقدر على شئ. وقيل: يصح ويتبع به بعد العتق (إلا أن يأذن المولى فيثبت) المال (في ذمة العبد)، لا في مال المولى لان إطلاق الضمان أعم من كل منهما(7) فلا يدل على الخاص(8)،


___________________________________
(1) مصدر ضمن يضمن الشئ معناه - لغة -: التكفل. وشرعا بالمعنى الاخص (وهو التعهد بالمال). (2) (وهو التعهد المطلق)، سواء كان في الاموال ام في الابدان. (3) اي الحوالة. (4) وهو (الضمان) فالمصدر دال على اسم الفاعل، لانه لابد له من فاعل وهو (الضامن). (5) وهو (البرئ) في قول الماتن. (6) لان الكلام في الضمان، والضامن. (7) اي من ذمة المولى، ومن ذمة العبد. (8) وهي ذمة المولى.

[114]

وقيل: يتعلق بكسبه حملا على المعهود من الضمان الذي يستعقب الاداء(1) وربما قيل بتعلقه بمال المولى مطلقا(2)، كما لو أمره بالاستدانة(3)، وهو متجه، (إلا أن يشترط كونه من مال المولى) فيلزم بحسب ما شرط ويكون(4) حينئذ كالوكيل، ولو شرطه من كسبه فهو كما لو شرطه من مال المولى، لانه(5) من جملته، ثم إن وفى الكسب بالحق المضمون وإلا ضاع ما قصر، ولو أعتق العبد قبل إمكان تجدد شئ من الكسب ففي بطلان الضمان، أو بقاء التعلق به وجهان. (ولا يشترط علمه(6) بالمستحق(7) للمال المضمون وهو المضمون له بنسبه أو وصفه، لان الغرض إيفاؤه الدين وهو لا يتوقف على ذلك(8)، وكذا لا يشترط معرفة قدر الحق المضمون، ولم يذكره المصنف، ويمكن إرادته من العبارة بجعل المستحق مبنيا للمجهول، فلو ضمن


___________________________________
(1) اي يقع الاداء بعد الضمان، ولا يتراخى عنه، فإن قلنا بتبعية الضمان إلى ما بعد العتق فربما اوجب تراخي الاداء عن الضمان. (2) سواء كان بكسب العبد ام من غيره. (3) لان المولى اذا امر عبده بالاستدانة يكون الوفاء من مال المولى مطلقا لا في خصوص كسب العبد. (4) اي العبد. (5) اي كسب العبد. (6) اي الضمان. (7) على صيغة الفاعل: اي لا يشترط علم الضامن بمن يضمن له المال. (8) اي على معرفة الضامن المضمون له.

[115]

ما في ذمته(1) صح على أصح القولين، للاصل، وإطلاق النص(2) ولان الضمان لا ينافيه الغرر، لانه ليس معاوضة، لجوازه من المتبرع. هذا إذا أمكن العلم به بعد ذلك(3) كالمثال(4)، فلو لم يمكن كضمنت لك شيئا مما في ذمته(5) لم يصح قطعا، وعلى تقدير الصحة(6) يلزمه(7) ما تقوم به البينة أنه كان لازما للمضمون عنه وقت الضمان، لا ما يتجدد(8)، أو يوجد في دفتر(9)، أو يقر به المضمون عنه(10)، أو يحلف عليه المضمون له برد اليمين من المضمون عنه، لعدم دخول الاول(11) في الضمان، وعدم ثبوت الثاني(12)، وعدم نفوذ الاقرار


___________________________________
(1) اي لو ضمن ضامن ما في ذمة شخص من دون أن يعرف المضمون له وقدر المال. (2) الوسائل كتاب الضمان باب 2 - 3. (3) اي بعد الضمان. (4) كما في قوله (فلو ضمن ما في ذمته) فإنه يمكن العلم بالمقدار المضمون بعد الضمان. (5) اي في ذمة الدائن. (6) اي صحة الضمان حيث اجتمعت الشروط. (7) اي الضامن. هذا اذا كانت هناك خصومة بين المضمون له والمضمون عنه، أو بين المضمون له والضامن فحينئذ يحكم الحاكم على طبق البينة. (8) اي من الدين بعد الضمان، فإن الدين المتجدد لا يلزم الضامن. (9) اي في دفتر المضمون له الذي هو الدائن. (10) وهو المديون. (11) وهو الدين المتجدد بعد الضمان. (12) وهو (ما وجد في دفتر المضمون له).

[116]

في الثالث(1) على الغير، وكون(2) الخصومة حينئذ(3) مع الضامن والمضمون عنه فلا يلزمه(4) ما يثبت بمنازعة(5) غيره(6)، كما(7)


___________________________________
(1) وهو اقرار المضمون عنه الذي هو المديون، لان اقراره نافذ على نفسه لا على الضامن فلا ينافي القاعدة المشهورة: (اقرار العقلاء على انفسهم جائز). (2) تعليل لعدم ثبوت الزائد من الدين على الضامن بحلف المضمون له حين رد المضمون عنه اليمين الموجهة اليه. بيان ذلك: أن الخصومة وان كانت بين المضمون له في طرف وكل من الضامن والمضمون عنه في طرف آخر. بمعنى أن خصومة المضمون له موجهة ضد الضامن والمضمون عنه كليهما، لكنه مع ذلك لا يثبت على الضامن ما ثبت على المضمون عنه بسبب يمين المضمون له في الصورة الرابعة: وهو (حلف المضمون له بسبب اليمين المردودة من قبل المضمون عنه). (3) اي حين النزاع بين المضمون له، والمضمون عنه. (4) اي الضامن. (5) مصدر مضاف إلى المفعول وهو لفظ (غير) المراد منه المضمون عنه والفاعل محذوف وهو المضمون له: فالمعنى أنه بمنازعة المضمون له مع المضمون عنه، وثبوت الحق على المضمون عنه لا يثبت حق في ذمة الضامن. (6) مرجع الضمير (الضامن). (7) اي كما وأنه لا يثبت على المضمون عنه ما اقر به الضامن للمضمون له من الدين الزائد الذي يدعيه المضمون له على المضمون عنه. فالحاصل: أنه كما لا يثبت في ذمة الضامن المقدار الزائد من الدين المدعى من قبل المضمون له على المضمون عنه بمجرد منازعة المضمون له مع المضمون عنه كذلك لا يثبت على المضمون عنه المقدار الزائد من الدين بمجرد اقرار الضامن للمضمون له.

[117]

لا يثبت ما يقر به، في الرابع(1). نعم(2) لو كان الحلف برد الضامن ثبت(3) ما حلف(4)،


___________________________________
(1) الجار والمجرور متعلق ب‍ (وكون الخصومة). أي أن الخصومة بين الضامن والمضمون عنه في الصورة الرابعة (وهو حلف المضمون له باليمين المردودة من قبل المضمون عنه) إلى اخر ما ذكر في الهامش رقم 2 من الصفحة 116. ولا يخفى عليك أن هذه الجملة: وهو (في الرابع) من العبارات الغامضة وقد يتخيل أنها متعلقة بقول الشارح: (ما يقر به) مع أن ما اقر به الضامن ليس داخلا في الاقسام الاربعة، اذ الاقسام الاربعة - هي: (تجدد الدين) و (وجوده في دفتر) و (اقرار المضمون عنه) و (حلف المضمون له باليمين المردودة). فاقرار الضامن للمضمون له بالدين الزائد لا يثبت حقا على المضمون عنه فهو خارج عن الاقسام الاربعة كما علمت، اذن فالمتعين أن (في الرابع) متعلق ب‍ (وكون الخصومة). (2) استدراك لثبوت الدين الزائد على الضامن لو رد اليمين الموجهة اليه من قبل المضمون له التي وجهها اليه المضمون عنه فلو لم يحلف ورد اليمين ايضا توجه ثبوت الزائد عليه. (3) اي الزائد على الضامن بمجرد رده اليمين الموجهة اليه من قبل المضمون له. (4) فاعل حلف (المضمون له) اي ثبت على الضامن الزائد بعد حلف المضمون له.

[118]

عليه(1). (و) كذا (لا) يشترط علمه (بالغريم) وهو المضمون عنه، لانه لانه وفاء دين عنه وهو جائز عن كل مديون. ويمكن أن يريد به الاعم منه(2)، ومن المضمون له، ويريد بالعلم به(3): الاحاطة بمعرفة حاله من نسب أو وصف، لسهولة(4) الاقتضاء، وما شاكله، لان الغرض إيفاؤه الدين، وذلك(5) لا يتوقف على معرفته(6) كذلك(7)، (بل تميزهما) أي المستحق(8) والغريم ليمكن توجه القصد(9) اليهما، أما الحق فليمكن أداؤه، وأما المضمون له فليمكن إيفاؤه، وأما المضمون عنه فليمكن القصد اليه. ويشكل بأن المعتبر القصد إلى الضمان وهو التزام المال الذي يذكره


___________________________________
(1) مرجع الضمير (ما الموصولة): اي ثبت على الضامن ما حلف عليه المضمون عنه. (2) اي من الغريم. (3) اي بالغريم. (4) تعليل لعدم لزوم علم الضامن بنسب المضمون عنه، او بوصف من اوصافه، لاستحباب كون المؤمن سهل القضاء، وسهل الاقتضاء كما في الخبر: " المؤمن سهل القضاء وسهل الاقتضاء ". (5) اي ايفاء الدين. (6) اي الغريم. (7) اي بخصوصياته من النسب، او الوصف. (8) وهو المضمون له، والمراد من الغريم: المضمون عنه. (9) اي قصد الضامن إلى كل من الغريم والمستحق.

[119]

المضمون له، وذلك(1) غير متوقف على معرفة من عليه الدين. فلو قال شخص: إني استحق في ذمة آخر مائة درهم مثلا فقال آخر: ضمنتها لك كان قاصدا إلى عقد الضمان عمن كان عليه الدين مطلقا(2)، ولا دليل على اعتبار العلم بخصوصه(3). (ولابد له من إيجاب وقبول مخصوصين(4))، لانه من العقود اللازمة الناقلة للمال من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، (والايجاب ضمنت، وتكفلت)، ويتميز عن مطلق الكفالة بجعل متعلقها(5) المال (وتقبلت وشبهه) من الالفاظ الدالة عليه صريحا، (ولو قال مالك عندي، أو علي، أو ما عليه(6) علي فليس بصريح)، لجواز إرادته أن للغريم تحت يده مالا، وأنه قادر على تخليصه، أو أن عليه السعي، أو المساعدة، ونحوه. وقيل إن " علي "(7) ضمان، لاقتضاء علي الالتزام، ومثله(8) في ذمتي وهو متجه، أما ضمانه علي(9) فكاف، لانتفاء الاحتمال،


___________________________________
(1) اي التزام الضامن للمال الذي يذكره المضمون له. (2) أي من دون أن يعرفه. (3) اي بخصوص من عليه الدين وهو المضمون عنه. (4) اي إيجاب مخصوص بالضمان، وقبول مخصوص به. (5) اي متعلق الكفالة. (6) اي ما على المديون. (7) في قول القائل: مالك علي، أو ما عليه علي. (8) اي مثل (علي) في اقتضائه الضمان. (9) اي لو قال القائل: (ضمانه علي).

[120]

مع تصريحه(1) بالمال (فيقبل المستحق) وهو المضمون له. (وقيل: يكفي رضاه) بالضمان وإن لم يصرح بالقبول، لان حقه يتحول من ذمة إلى أخرى، والناس يختلفون في حسن المعاملة، وسهولة القضاء، فلابد من رضاه(2) به(3) ولكن لا يعتبر القبول، للاصل، لانه وفاء دين. والاقوى الاول(4)، لانه عقد لازم فلابد له من إيجاب وقبول لفظين صريحين متطابقين عربيين، فعلى ما اختاره من اشتراطه(5) يعتبر فيه ما يعتبر في العقود اللازمة(6). وعلى القول الآخر(7) (فلا يشترط فورية القبول)، للاصل، وحصول الغرض. وقيل: لا يشترط رضاه مطلقا(8)، لما روي من ضمان علي عليه الصلاة والسلام دين الميت الذي امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة عليه، لمكان دينه(9). (ولا عبرة بالغريم(10)) وهو المضمون عنه، لما ذكرناه من أنه


___________________________________
(1) اي مع تصريح الضامن بقوله: ضمان مالك علي. (2) اي المستحق. (3) اي الضمان. (4) وهو الاحتياج إلى القبول اللفظي، دون الرضا القلبي. (5) اي من اشتراط القبول اللفظي. (6) ومن جملتها فورية القبول. (7) وهو كفاية الرضا من دون اللفظ. (8) لا لفظا، ولا قلبا. (9) الوسائل كتاب الضمان احكام الضمان باب 3 الحديث 2. (10) اي برضى الغريم.

[121]

وفاء عنه، وهو غير متوقف على إذنه. (نعم لا يرجع(1) عليه مع عدم إذنه) في الضمان وإن أذن في الاداء، لانه متبرع، والضمان هو الناقل للمال من الذمة، (ولو أذن) له في الضمان (رجع) عليه (بأقل الامرين مما أداه، ومن الحق) فان أدى أزيد منه(2) كان متبرعا بالزائد، وإن أدى أقل لم يرجع بغيره، سواء أسقط الزائد عنه بصلح أم إبراء، ولو وهبه(3) بعد ما أدى(4) الجميع(5) البعض(6)، أو الجميع جاز رجوعه(7) به، ولو أدى عرضا(8) رجع بأقل الامرين من قيمته(9) ومن الحق، سواء رضي المضمون له به(10) عن الحق من غير عقد، أو بصلح. (ويشترط فيه) أي في الضامن (الملاء‌ة) بأن يكون مالكا لما


___________________________________
(1) اي الضامن، والضمير في (عليه) يرجع إلى المضمون عليه. (2) اي من الحق. (3) فاعل وهب: (المضمون له)، ومرجع الضمير في وهبه: (المضمون عنه). (4) أي الضامن. (5) مفعول أدى، وفاعله: الضامن. (6) مفعول ثان ل‍ (وهبه) كما وأن (الجميع) الثاني معطوف على البعض. (7) اي الضامن، ومرجع الضمير في (به) (البعض - او الجميع). فالمعنى أن المضمون له لو وهب للمضمون عنه بعض الدين، او جميعه بعد أن أدى الضامن الدين جاز للضامن الرجوع على المضمون له بذلك البعض الموهوب أو الكل. (8) أي متاعا بدل النقد. (9) اي من قيمة المتاع، والمراد من الحق: (الدين). (10) اي بالمتاع.

[122]

يوفي به الحق المضمون، فاضلا عن المستثنيات في وفاء الدين، (أو علم المستحق بإعساره(1)) حين الضمان، فلو لم يعلم به حتى ضمن تخير المضمون له في الفسخ. وإنما تعتبر الملاء‌ة في الابتداء، لا الاستدامة، فلو تجدد إعساره بعد الضمان لم يكن له الفسخ، لتحقق الشرط(2) حالته وكما لا يقدح تجدد إعساره فكذا تعذر الاستيفاء منه بوجه آخر(3). (ويجوز الضمان حالا، ومؤجلا(4)، عن حال ومؤجل(5))، سواء تساوى المؤجلان في الاجل أم تفاوتا، للاصل. ثم إن كان الدين حالا رجع مع الاداء مطلقا(6)، وإن كان(7) مؤجلا فلا رجوع(8) عليه إلا بعد حلوله وأدائه مطلقا(9) (والمال المضمون: ما جاز أخذ الرهن عليه) وهو المال الثابت في الذمة وإن كان


___________________________________
(1) اي باعسار الضامن. (2) وهي الملاء‌ة. اي الغنى. (3) كما لو سافر، أو مات. (4) بان يقول: اضمن لك الآن على أن اوفيك بعد شهر. (5) فصور المسألة اربعة: (الاولى) الضمان الحال عن الدين الحال. (الثانية) الضمان المؤجل عن الدين الحال. (الثالثة) الضمان الحال عن الدين المؤجل. (الرابعة) الضمان المؤجل عن الدين المؤجل. (6) سواء كان الضمان حالا ام مؤجلا. (7) اي الدين. (8) اي للضامن، ومرجع الضمير في (عليه): (المضمون عنه). (9) سواء كان الضمان حالا ام مؤجلا.

[123]

متزلزلا(1)، (ولو ضمن للمشتري عهدة الثمن) أي دركه على تقدير الاحتياج إلى رده (لزمه) ضمانه (في كل موضع يبطل فيه البيع من رأس كالاستحقاق(2)) للمبيع المعين ولم يجز المالك البيع، أو أجازه ولم يجز قبض البائع الثمن(3)، ومثله(4) تبين خلل في البيع(5) اقتضى فساده من رأس، كتخلف شرط، أو اقتران شرط فاسد(6)، لا ما تجدد فيه البطلان كالفسخ بالتقايل والمجلس(7)، والحيوان، والشرط وتلف المبيع قبل القبض، لعدم اشتغال ذمة المضمون عنه(8) حين الضمان


___________________________________
(1) كما في البيع الخياري. (2) اي ظهر مستحقا للغير. (3) بل يريد المالك قبض الثمن بيده. ولا يخفى عليك أنه لا مجال لبطلان البيع هنا، لانه بعد الاجازة يكون البيع صحيحا. نعم للمالك فسخ المعاملة لو لم يعط البايع الثمن للمالك، لخيار تخلف الثمن. وكذا يحتمل الخيار للمشتري حيث إنه دفع الثمن. والحال أن المالك الاصلي يريد منه قبض الثمن مرة اخرى فيتضاعف عليه الثمن. ويحتمل بطلال البيع رأسا، لان المالك اجاز البيع ولم يجز القبض الذي هو من مستلزمات البيع فيبطل البيع راسا. (4) اي ومثل ظهور استحقاق المبيع للغير في بطلان البيع راسا. (5) كما لو لم يقترن القبول بالايجاب. (6) كما لو شرط في البيع ارتكاب محرم كشرب الخمر مثلا. فهذه الوجوه كلها توجب بطلان البيع من اصله. فاذا تخلف الثمن على المشتري لزم الضمان. (7) اي كخيار المجلس. (8) وهو البايع.

[124]

على تقدير طروء الانفساخ بخلاف الباطل من أصله ولو في نفس الامر(1) (ولو ضمن له) أي للمشتري ضامن عن البائع (درك ما يحدثه) المشتري في الارض (من بناء، أو غرس) على تقدير ظهورها مستحقة لغير البائع، وقلعه(2) لها، أو أخذه أجرة الارض (فالاقوى جوازه) لوجود سبب الضمان حالة العقد، وهو كون الارض مستحقة للغير. وقيل: لا يصح الضمان هنا، لانه ضمان ما لم يجب، لعدم استحقاق المشتري الارش على البائع حينئذ(3)، وإنما استحقه بعد القلع. وقيل: إنما يصح هذا الضمان من البائع، لانه ثابت عليه بنفس العقد وإن لم يضمن، فيكون ضمانه تأكيدا. وهو ضعيف، لانه لا يلزم من ضمانه لكونه بائعا مسلطا على الانتفاع(4) مجانا(5)،


___________________________________
(1) اي حين البيع لم يكن بطلان البيع معلوما، لكنه بعد تمام البيع تبين بطلانه. (2) اي قلع المالك الاصلي، كما وأن مرجع الضمير في (اخذه) المالك. (3) اي حين تبين أن الارض مستحقة للغير. (4) اي انتفاع المشتري، فالالف واللام عوض عن المضاف اليه الذي هو المشتري. كما وأن الضمير في (ضمانه) يرجع إلى (البايع) و (مسلطا) بصيغة الفاعل وهو منصوب بناء على كونه خبرا ثانيا لقوله: لكونه بايعا اي - لكونه بايعا ومسلطا. (5) منصوب على الحالية: اي والحال أن تسليط البايع للمشتري على الانتفاع يكون مجانا.

[125]

ضمانه(1) بعقده مع عدم اجتماع شرائطه التي من جملتها كونه ثابتا حال الضمان. وتظهر الفائدة فيما لو اسقط المشتري عنه(2) حق الرجوع بسبب البيع، فيبقى له الرجوع بسبب الضمان لو قلنا بصحته(3)، كما لو كان له خياران فأسقط أحدهما، ونظير ضمان غير البائع درك الغرس ضمانه(4) عهدة المبيع لو ظهر معيبا فيطالب المشتري بالارش، لانه جزء من الثمن ثابت وقت الضمان، ووجه العدم(5) هنا أن الاستحقاق له(6) إنما حصل بعد العلم بالعيب، واختيار أخذ الارش. والموجود(7) من العيب حالة العقد ما كان(8) يلزمه تعين الارش، بل التخيير بينه(9)


___________________________________
(1) بالرفع فاعل لقوله: (لا يلزم). فحاصل المعنى: أنا لو سلمنا أن العقد بنفسه موجب للضمان، لكنه لا يلزم من ذلك صحة ضمان الدرك بعقد الضمان. (2) اي عن البايع. وحاصله: انا لو قلنا بصحة الضمان هنا يحصل للمشتري في الرجوع فيما احدث: حق بنفس العقد، وحق بالضمان. فاذا اسقط المشتري حقه بالرجوع الذي حدث بنفس العقد يبقى له حق الرجوع بسبب الضمان. (3) اي صحة الضمان. (4) بالرفع خبر للمبتدأ وهو (ونظير). ومرجع الضمير (الغير) اي غير البايع. (5) اي عدم صحة ضمان الارش. (6) اي للارش. (7) الواو حالية، اي والحال ان الموجود.. الخ. (8) اي لم يكن. (9) اي بين الارش وبين الرد.

[126]

وبين الرد فلم يتعين الارش إلا بعد الضمان(1). والحق(2) أنه أحد الفردين الثابتين تخييرا حالة البيع، فيوصف بالثبوت قبل اختياره(3) كأقراد الواجب المخير(4). (ولو أنكر المستحق(5) القبض) من الضامن (فشهد عليه الغريم) وهو المضمون عنه (قبل(6))، لانه إن كان آمرا بالضمان(7)،


___________________________________
(1) اي ضمان الارش، وحاصل الاستدلال على عدم صحة ضمان الارش هنا: - أن الضمان يجب أن يكون لشئ قد ثبت وجوده وثبت استحقاق المضمون له اليه، فيضمنه الضامن تأمينا على دركه لدى الحاجة. وهنا لم يثبت استحقاق المضمون له للارش ولا ثبت تعين الارش، بل الثابت فردان مخيرا بينهما: الارش والرد. فهو (ضمان لما لم يجب) وهو باطل كما تقرر في محله. (2) هذا توجيه لصحة ضمان الارش. وحاصله: أن الامرين الثابت احدهما تخييرا يصدق عليهما: (أنهما ثابتان)، لان السبب وهو العيب كان حاصلا حالة البيع، فالمسبب عنه وهو استحقاق المشتري لاختيار الارش، او الرد كان ثابتا لا محالة، اذن لا مانع من ضمان الارش ودرك العيب بعد كونه ثابتا ولو تخييرا. (3) اي قبل اختيار الارش. (4) هذا تنظير للمقام بالواجب المخير شرعا، كالتخيير بين خصال كفارة الصوم فكما يصدق على أفراد الواجب المخير أنها ثابتة ثبوتا تخييريا، كذلك هنا تثبت الارش والرد ثبوتا تخييريا. (5) اي المضمون له. (6) اي قبل ما شهده الغريم من الاقباض. (7) هذا توجيه لقبول قول الغريم بشأن الضامن، وحاصله: أن شهادة الغريم وهو المضمون عنه مقبولة في حق الضامن، سواء كان الضامن مأمورا من قبل الغريم في ضمانه ام كان متبرعا في ذلك. أما لو كان مأمورا، فإن شهادة الغريم بالاداء شهادة على نفسه، حيث إنه يثبت بذلك استحقاق الضامن للرجوع عليه، فهو اقرار على نفسه بثبوت حق للغير عليه فلا مانع من قبول قوله في ذلك. وأما لو كان الضامن متبرعا فإن شهادة الغريم بشأنه حينئذ تكون من قبيل شهادة الاجنبي لاجنبي، لا يجلب نفعا لنفسه ولا يدفع ضررا عنها فلا مانع ايضا من قبول شهادته بشأنه.

[127]

فشهادته عليه(1) شهادة على نفسه باستحقاق الرجوع عليه، وشهادة لغيره(2) فتسمع، وإن كان الضامن متبرعا عنه فهو(3) أجنبي فلا مانع من قبولها لبراء‌ته(4) من الدين أدى أم لم يؤد.


___________________________________
(1) اي شهادة الغريم على القبض. (2) اي كما أنها شهادة من الغريم على نفسه، كذلك أنها شهادة لغيره ايضا والمراد بالغير هو الضامن. فهذه الشهادة لا مانع من قبولها، لما سبق من أنها لا تكون مثارا للشبهة والتهمة فلا وجه لردها. (3) اي المضمون عنه. (4) هذا وجه لكون الغريم - في صورة تبرع الضامن - اجنبيا فتقبل شهادته في حقه. وحاصله: أن الضامن بمجرد ضمانه قد حول ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمة نفسه، سواء أدى ام لم يؤد، بناء على مذهبنا من أن الضمان: انتقال ما في الذمم. اذن أصبح المضمون عنه برئ الذمة بمجرد الضمان فلا شئ له ولا عليه في اداء الضمان وعدم اداء‌ه، فهو اجنبي بالنسبة اليه فلا مانع من قبول قوله في ذلك.

[128]

لكن إنما تقبل (مع عدم التهمة) بأن تفيده(1) الشهادة فائدة زائدة على ما يغرمه(2) لو لم يثبت الاداء(3) فترد(4). وللتهمة صور: منها أن يكون الضامن معسرا(5) ولم يعلم المضمون له بإعساره، فإن له الفسخ حيث لا يثبت الاداء، ويرجع على المضمون عنه فيدفع بشهادته(6) عود الحق إلى ذمته. ومنها أن يكون الضامن(7) قد تجدد عليه الحجر للفلس،


___________________________________
(1) هذا بيان لصورة كون الشهادة متهمة. (2) اي ما يغرمه المضمون عنه، اي يستفيد المضمون عنه بشهادته استفادة مادية. (3) فهنا يقوم المضمون عنه بالشهادة ليثبت الاداء من الضامن فيثبت استحقاق الضامن للرجوع عليه، لكن يستفيد بذلك فائدة أخرى كما يأتي. (4) اي فترد شهادة الغريم عند هذه التهمة. (5) توضيح هذه الصورة: - كون الضامن معسرا مع عدم علم المضمون له باعساره - لانه لو كان عالما باعساره لم يكن له فسخ الضمان - فيفسخ ضمانه ويرجع على المضمون عنه. وعند ذلك يشهد المضمون عنه باداء الضامن كي يدفع عن نفسه كلفة رجوع المضمون له عليه. (6) اي يدفع المضمون عنه بسبب هذه الشهادة إعادة - الحق إلى ذمته بفسخ المضمون له للضمان. وهذه فائدة موجبة لاتهام المضمون عنه، فلذا لا تقبل شهادته. (7) توضيح هذه الصورة: - كون الضامن قد حجر عليه بسبب فلسه، وأن المضمون عنه هو من جملة غرمائه، والمفروض أن ما يوجد من اموال المحجور عليه يقسم بين غرمائه الموجودين، وكلما قل الشريك توفر نصيب باقي الشركاء. وعند ذلك يشهد المضمون عنه بأن الضامن قد أدى ما ضمنه قبل ذلك ليدفع بذلك اشتراك المضمون له مع الغرماء.

[129]

وللمضمون عنه عليه(1) دين فإنه يوفر بشهادته مال المفلس(2) فيزداد ما يضرب به(3). ولا فرق في هاتين(4) بين كون الضامن متبرعا، وبسؤال، لان فسخ الضمان يوجب العود على المديون على التقديرين(5)، ومع الافلاس ظاهر(6). وجعل بعضهم من صور التهمة: أن يكون الضامن(7) قد صالح


___________________________________
(1) اي على الضامن. (2) اي الغريم يوفر مال الضامن ويزيده بسبب شهادته والمراد بالزيادة: عدم طرو النقص عليه بسبب ازدياد الغرماء. فهو يقلل من الغرماء فتزداد حصة باقيهم. (3) اي تزداد حصة ما يضربه المضمون عنه في حصص سائر الغرماء في صورة دفع المضمون له. (4) وهما: صورة اعسار الضامن مع عدم علم المضمون له باعساره. وصورة الحجر على الضامن للفلس. (5) سواء كان بسؤال ام تبرعا. (6) حيث يجوز للمضمون له فسخ الضمان والرجوع على المضمون عنه لو لم يثبت الاداء. (7) توضيحه: ان نفرض أن الضامن صالح المضمون له بثمانين دينارا بدلا من حقه الذي كان مائة دينار مثلا. وكان أصل الضمان بسؤال من المضمون عنه. فاذا ثبت الاداء فإن للضامن الرجوع على المضمون عنه بنفس المبلغ الذي دفعه إلى المضمون له وهو الثمانون. واذا لم يثبت الاداء فإن للمضمون له الرجوع على المضمون عنه بتمام حقه وهي المأة، لانه إنما صالح الضامن نفسه دون غيره. وعند ذلك يشهد المضمون عنه بالاداء حتى لا يغرم سوى الثمانين للضامن.

[130]

على أقل من الحق فيكون رجوعه(1) على تقدير كونه بسؤال إنما هو بالمدفوع(2)، فنجر شهادة المضمون عنه تهمة بتخفيف الدين عنه(3) وفيه نظر، لانه يكفي في سقوط الزائد عن المضمون عنه اعتراف الضامن بذلك، فلا يرجع به وإن لم يثبته(4) فتندفع التهمة وتقبل الشهادة كما نبه عليه المصنف بقوله: (ومع عدم قبول قوله(5)) للتهمة، أو لعدم العدالة (لو غرم الضامن رجع(6)) على المضمون عنه (في موضع الرجوع) وهو ما لو كان ضامنا بإذنه (بما(7) أداه أولا) لتصادقهما(8) على كونه(9) هو المستحق في ذمة المضمون عنه،


___________________________________
(1) اي رجوع الضامن على المضمون عنه. (2) وهو الثمانون في مفروض المثال كما تقدم في هامش رقم 7 ص 129. (3) بمقدار عشرين دينارا في المثال المفروض. (4) اي وان لم يثبت الضامن قبض المضمون له. (5) اي شهادة المضمون عنه فالمراد من القول: الشهادة. (6) اي رجع الضامن - بما غرمه - على المضمون عنه. (7) الجار متعلق ب‍ (رجع): اي رجع الضامن - بما غرمه - على المضمون عنه. (8) وهما: الضامن والمضمون عنه. (9) مرجع الضمير (ما اداه اولا) لا ما غرمه ثانيا.

[131]

واعترافه(1) بأن المضمون له ظالم بالاخذ ثانيا، هذا(2) مع مساواة الاول(3) للحق، أو قصوره، وإلا(4) رجع عليه بأقل الامرين منه(5) ومن الحق، لانه لا يستحق الرجوع بالزائد عليه(6). ومثله(7) ما لو صدقه(8) على الدفع وإن لم يشهد، ويمكن دخوله(9) في عدم قبول قوله. (ولو لم يصدقه على الدفع) الذي أدعاه (رجع) عليه (بالاقل) مما ادعى أداء‌ه أولا واداء‌ه أخيرا، لان الاقل إن كان هو الاول(10)


___________________________________
(1) اي الضامن. (2) اي الرجوع بما اداه. (3) وهو ما دفعه اولا. (4) اي وان لم يساو ما دفعه اولا، بان كان اكثر او اقل. (5) اي مما دفع اولا. (6) لانه ان كان دفع الاقل فلا يحق له اخذ الاكثر، وان كان دفع الاكثر كان متبرعا بالزائد. (7) اي ومثل ما سبق في الاداء من عدم قبول شهادة المضمون عنه. (8) مرجع الضمير (الضامن) كما وأن فاعل صدق (المضمون عنه) اي لو صدق المضمون عنه الضامن على الدفع من دون شهادة على (أنه دفع إلى المضمون له اكثر من حقه) فإنه لا يستحق على الضامن إلا مقدار الحق، فإن صدقه على أنه دفع ما يساوي الحق أو اقل يغرم المضمون عنه للضامن ما صدقه. (9) اي دخول (ما لو صدقه) في قول المصنف رحمه الله حيث قال: " ومع عدم قبول قوله "، فإن عدم قبول قوله إما للشهادة المردودة، أو هو تصديق فلا تعتبر شهادة. (10) اي ما دفعه اولا.

[132]

فهو يعترف بأنه لا يستحق سواه، وأن المضمون له ظلمه في الثاني(1) وإن كان الثاني فلم يثبت ظاهرا سواه. وعلى ما بيناه(2) يرجع بالاقل منهما(3)، ومن الحق.


___________________________________
(1) اي ما دفعه ثانيا. (2) عند قوله: " وإلا رجع عليه باقل الامرين " وقد اشرنا اليه في الهامش رقم 6 ص 131. (3) مما دفعه اولا وثانيا.