كتاب الحوالة

[135]

كتاب الحوالة(1)

(الحوالة وهي التعهد بالمال من المشغول بمثله) للمحيل. هذا هو القدر المتفق عليه من الحوالة، وإلا فالاقوى جوازها على البرئ للاصل لكنه يكون أشبه بالضمان " لاقتضائه نقل المال من ذمة مشغولة إلى ذمة بريئة، فكأن المحال عليه بقبوله لها(2) ضامن لدين المحتال(3) على المحيل ولكنها لا تخرج بهذا الشبه(4) عن أصل الحوالة فتلحقها أحكامها. (ويشترط فيها رضى الثلاثة) أما رضى المحيل والمحتال فموضع وفاق ولان من عليه الحق مخير في جهات القضاء من ماله، ودينه المحال به من جملتها(5)،


___________________________________
(1) اسم مصدر من أحال يحيل إحالة يقال: احلته بدينه اي نقلته من ذمة إلى ذمة أخرى. ومثله: احال عليه بدينه. وشرعا: عقد شرع لتحويل المال من ذمة إلى ذمة مشغولة بمثله، أو إلى ذمة غير مشغولة على الاختلاف فيه. واركان الحوالة اربعة: المحيل، والمحال، والمحال عليه، والمحال به وهو المال الذي حوله المحيل على المحال عليه. (2) اي للحوالة. (3) اي المحال. (4) اي الشبه بالضمان. (5) محلا مرفوع خبر للمبتداء وهو (ودينه) ومرجع الضمير (الحقوق) الدال عليها لفظ (الحق) الكلي.

[136]

والمحتال حقه ثابت في ذمة المحيل فلا يلزمه(1) نقله(2) إلى ذمة أخرى بغير رضاه، وأما المحال عليه فاشتراط رضاه هو المشهور، ولانه أحد أركان الحوالة، ولاختلاف الناس في الاقتضاء سهولة، وصعوبة. وفيه نظر. لان المحيل قد أقام المحتال مقام نفسه في القبض بالحوالة فلا وجه للافتقار إلى رضى من عليه الحق(3)، كما لو وكله(4) في القبض منه. واختلاف(5) الناس في الاقتضاء لا يمنع من مطالبة المستحق، ومن نصبه خصوصا مع اتفاق الحقين جنسا، ووصفا، فعدم اعتباره أقوى. نعم لو كانا مختلفين، وكان الغرض استيفاء مثل حق المحتال توجه اعتبار رضى المحال عليه، لان ذلك بمنزلة المعاوضه الجديدة فلابد من رضى المتعاوضين، ولو رضي المحتال بأخذ جنس ما على المحال عليه زال المحذور أيضا، وعلى تقدير اعتبار رضاه ليس هو على حد رضاهما، لان الحوالة عقد لازم لا يتم إلا بإيجاب وقبول، فالايجاب من المحيل، والقبول من المحتال. ويعتبر فيهما ما يعتبر في غيرهما من اللفظ العربي، والمطابقة، وغيرهما


___________________________________
(1) اي المحتال. (2) مرجع الضمير (المحيل)، أو (الحق) فالمصدر مضاف اما إلى الفاعل أو إلى المفعول والمعنى واحد: اي لا يلزم المحتال هذا النقل، إلا اذا اقترن برضاه. (3) وهو المحال عليه. (4) مرجع الضمير (المحتال) والفاعل (المحيل) فإن توكيل المحال المحتال لا يتوقف على رضا المحال عليه. (5) رد على الاستدلال الثالث وهو (لاختلاف الناس في الاقتضاء سهولة وصعوبة).

[137]

وأما رضى المحال عليه فيكفي كيف اتفق متقدما، ومتأخرا، ومقارنا، ولو جوزنا الحوالة على البرئ اعتبر رضاه قطعا، ويستثنى من اعتبار رضى المحيل ما لو تبرع المحال عليه بالوفاء فلا يعتبر رضى المحيل قطعا، لانه وفاء دينه بغير إذنه. والعبارة عنه(1) حنيئذ أن يقول المحال عليه للمحتال: أحلتك بالدين الذي لك على فلان على نفسي فيقبل فيقومان بركن(2) العقد. وحيث تتم الحوالة تلزم (فيتحول فيها المال) من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (كالضمان) عندنا، ويبرأ المحيل من حق المحال بمجردها وإن لم يبرئه المحتال، لدلالة التحول عليه(3) في المشهور(4). (ولا يجب) على المحتال (قبولها على الملئ)، لان الواجب أداء الدين، والحوالة ليست إداء وإنما هي نقل له من ذمة إلى أخرى فلا يجب قبولها عندنا، وما ورد من الامر بقبولها على الملئ على تقدير صحته محمول على الاستحباب، (ولو ظهر إعساره) حال الحوالة بعدها(5) (فسخ المحتال) إن شاء، سواء، شرط يساره إم لا، وسواء تجدد له اليسار قبل الفسخ أم لا وإن زال الضرر عملا بالاستصحاب(6).


___________________________________
(1) مرجع الضمير (العقد): اي التعبير عن عقد الحوالة. (2) اي كل واحد من المحتال والمحال عليه يقوم بركن من العقد. (3) مرجع الضمير (البرائة) وهو مصدر فيجوز ارجاع الضمير اليه بالتذكير. (4) قيد لبرائة ذمة المحيل بمجرد الحوالة. (5) اي ظهر بعد الحوالة إعساره حالها. (6) اي استصحاب جواز الفسخ الذي كان حاصلا قبل تجدد اليسار.

[138]

ولو انعكس بأن كان موسرا حالتها فتجدد إعساره فلا خيار، لوجود الشرط. (ويصح ترامي(1) الحوالة) بأن يحيل المحال عليه المحتال على آخر ثم يحيل الآخر محتاله على ثالث، وهكذا ويبرأ المحال عليه في كل مرتبة كالاول، (ودورها(2)) بأن يحيل المحال عليه في بعض المراتب(3) على المحيل الاول، وفي الصورتين(4) المحتال متحد، وإنما تعدد المحال عليه(5). (وكذا الضمان) يصح تراميه بأن يضمن الضامن آخر ثم يضمن الآخر ثالث، وهكذا. ودوره بأن يضمن المضمون عنه الضامن في بعض المراتب(6)،


___________________________________
(1) مر شرح (الترامي) في كتاب الصلاة ص 355 بكلا معنييه وهما: الترامي الصعودي، والترامي النزولي فراجع. وهذا التعبير منا ولم يسبقنا احد في ذلك وله الحمد على ما انعم. (2) بالرفع عطف على " ترامي ": اي ويصح دور الحوالة. (3) اي في بعض ادوارها. (4) وهما: صورة دور الحوالة، وصورة تراميها. (5) والمحيل ايضا يتعدد. فشخص واحد يمكن أن يكون محيلا ومحالا عليه، سوى الاول والاخر اذا لم تدر الحوالة وبقيت مترامية فالاول في هذا الفرض يكون محيلا لا غير، والآخر محال عليه لا غير. فاذا دارت فالكل محيل ومحال عليه. (6) اي في بعض أدوار الضمان كما يضمن المضمون عنه الضامن الاخير. ويمكن ان تتجدد الضمانات على هذا النحو فتدور مرتين، وثلاث، وهكذا كما أن الحوالة كان يمكن فيها ذلك.

[139]

ومنعه(1) الشيخ رحمه الله لاستلزامه جعل الفرع(2) أصلا، ولعدم الفائدة(3)، ويضعف بأن الاختلاف فيهما(4) غير مانع وقد تظهر الفائدة(5) في ضمن الحال مؤجلا(6)،


___________________________________
(1) اي الدور في الضمان. (2) هو المضمون عنه، لان الاصل الضامن. فجعل المضمون عنه ضامنا لازمه أن يصير اصلا. (3) في هذا الضمان، لرجوع الدين إلى المديون الاول، فاذا رجع الدين إلى المديون الاول انتفت فائدة الضمان. (4) اي الاختلاف في الاصلية والفرعية. (5) اي فائدة الدور في الضمان. (6) بيان ذلك: أن الضمان يصح أن يقع حالا ومؤجلا، لدين حال ومؤجل. أما الضمان الحال للدين المؤجل فمورده ما اذا كان في ذمة المضمون عنه دين مؤجل فيضمنه الضامن حالا فتشتغل ذمته بدين حال. وأما ضمان الحال للدين فمورده ما اذا كانت ذمة المضمون عنه مشغولة بدين حال فيضمنه الضامن كذلك. وأما الضمان المؤجل للدين الحال فمورده اشتغال ذمة المديون بدين حال، ثم يضمنه الضامن مؤجلا. وأما الضمان المؤجل للدين المؤجل فواضح. فعلى هذا لو كان في ذمة شخص دين حال فضمنه آخر حالا، أو مؤجلا، ثم ضمن الآخر آخر حالا، أو مؤجلا ثم ضمن هذا الاخير آخر مؤجلا فيصبح الدين مؤجلا. فاذا دار الضمان على المديون الاول وهو المضمون عنه الاصلي وضمن هذا الضامن الاخير مع الاجل انتقل الحق إلى ذمته موجلا. بينما كان قبل هذا الدور الدين حالا فيستفيد المضمون عنه من الاجل.

[140]

وبالعكس(1)، وفي الضمان(2) بإذن وعدمه. فكل ضامن يرجع


___________________________________
(1) وبالعكس اي ويستفيد الدائن من الحلول فيستحق المطالبة. ويكفي في تأجيل الدين أن يضمن المديون الاصلي الدين مؤجلا حينما يدور عليه وان كانت الضمانات قبله حالة، وكذا العكس في حلول الدين. (2) اي وتظهر الفائدة في الضمان ايضا اذا وقع باذن المضمون عنه فإن الضامن يرجع على المضمون عنه اذا كان الضمان باذنه فله الرجوع بما ضمنه عنه، أو غرم له. وهذا بخلاف ما اذا كان الضمان بغير اذن من المضمون عنه فإنه حينئذ ليس للضامن الرجوع على المضمون عنه بشئ مهما بلغ الامر. ففي صورة ترامي الضمان يرجع كل ضامن على مضمونه اذا كان الضمان باذن منه، وليس له الرجوع على المضمون عنه الاول، اللهم الا أن يكون ضمان هذا الضامن باذن من المضمون عنه الاول. فاذا فرضنا أن الضمانات وقعت كلها بدون اذن من الذين ضمنوا عنهم فليس لهم الرجوع ابدا على ما ضمنوا عنهم، بخلاف ما اذا كانت الضمانات باذن من الذين ضمنوا عنهم، فإن لكل ضامن الرجوع على المضمون عنه الذي ضمنه، لا على المضمون عنه الاول. هذا اذا كانت الضمانات كلها واقعة عن الاذن وكذا اذا وقع بعضها باذن، وبعضها بلا اذن فالواقع بالاذن يرجع فيه على المضمون عنه، والذي لم يقع بالاذن لم يرجع على المضمون عنه. نعم اذا ضمن احد الضامنين في بعض المراتب باذن المديون الاول فإن الضامن حينئذ يرجع عليه وهذا المعنى هو الذي اشار اليه (الشارح) بقوله: (باذن وعدمه).

[141]

مع الاذن(1) على مضمونه. لا على الاصيل(2)، وإنما يرجع عليه(3) الضامن الاول إن ضمن بإذنه(4). وأما الكفالة فيصح تراميها، دون دورها(5) لان حضور المكفول الاول يبطل ما تأخر منها(6). (و) كذا تصح (الحواله بغير جنس الحق) الذي للمحتال على المحيل بأن يكون له عليه دراهم فيحيله على آخر بدنانير، سواء جعلنا الحواله استيفاء(7) أم اعتياضا(8)، لان إيفاء الدين بغير جنسه جائز مع التراضي. وكذا المعاوضة على الدراهم بالدنانير.


___________________________________
(1) اي اذن المضمون عنه في المراتب المترامية. (2) وهو المضمون عنه الاول. (3) اي على الاصيل الذي هو المضمون عنه الاول. (4) مرجع الضمير (الاصيل) اي كان ضمان الضامن الاول باذن الاصيل الذي هو المضمون عنه الاول. (5) بأن يتكفل المكفول الاول الكفيل الاخير وهو لا يصح، لان بحضور المكفول الاول تبطل الكفالات اللاحقة. (6) اي من الكفالات الواقعة بعد الكفالة الاولى. (7) بمعنى أن المحتال قد استوفى دينه من المحيل بنفس الحوالة. (8) وهو تعويض ما في ذمة المحيل بما في ذمة المحال عليه. ولا يخفى عدم الفرق بين المعنيين في النتيجة لانها واحدة. فلماذا فرق قدس سره بينهما؟ وقد مر شرح (الاعتياض) اشتقاقا في كتاب الزكاة المجلد 2 ص 49 هامش رقم 5 فراجع.

[142]

ولو انعكس فأحاله(1) بحقه على من عليه(2) مخالف صح أيضا بناء على اشتراط رضى المحال عليه، سواء جعلناها استيفاء أم اعتياضا بتقريب التقرير(3)، ولا يعتبر التقابض في المجلس حيث تكون(4) صرفا، لان المعاوضة على هذا الوجه(5) ليست بيعا، ولو لم يعتبر رضى المحال عليه صح الاول(6)، دون الثاني(7)، إذ(8) لا يجب على المديون الاداء من غير جنس ما عليه، وخالف الشيخ رحمه الله وجماعة فيهما فاشترطوا تساوى المحال به وعليه جنسا ووصفا، استنادا إلى أن الحوالة تحويل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإذا كان على المحيل دراهم مثلا وله على المحال دنانير كيف يصير حق المحتال على المحال عليه دراهم


___________________________________
(1) مرجع الضمير (المحتال). وفاعل احال (المحيل). (2) وهو المحال عليه. (3) وهو قول (الشارح): لان ايفاء الدين بغير جنسه جائز مع التراضي وكذا المعاوضة على الدراهم بالدنانير). (4) اي (الاعتياض) بأن كانت ذمة احدهما مشغولة بالدراهم، والآخر بالدنانير، او بالعكس، والحوالة قد تكون بغير جنس الحق، أو به، وما على المحال عليه يختلف عنه. (5) اي بطريق الحوالة. (6) وهي الحوالة بغير جنس الحق. (7) وهي الحوالة بجنس الحق على من عليه من غير جنس الحق فإنه لا تصح الحوالة من المحيل على المحال عليه حين كان المحال عليه مديونا من غير جنس الحق المحال به(8) تعليل للثاني (وهو عدم صحة الحوالة بجنس الحق على من عليه من غير جنس الحق).

[143]

ولم يقع عقد يوجب ذلك(1)، لانا إن جعلناها استيفاء كان المحتال بمنزلة من استوفى دينه(2) وأقرضه المحال عليه وحقه الدارهم، لا الدنانير(3)، وإن كانت معاوضة فليست(4) على حقيقة المعاوضات(5) التى يقصد بها تحصيل ما ليس بحاصل(6) من جنس مال(7)، أو زيادة قدر(8)، أوصفة(9)، وإنما هي معاوضة ارفاق، ومسامحة للحاجة، فاعتبر فيها(10) التجانس والتساوي(11)، وجوابه(12) يظهر مما ذكرناه. (وكذا) تصح (الحوالة بدين عليه لواحد على دين للمحيل على اثنين متكافلين) أي قد ضمن كل منهما ما في ذمة صاحبه دفعة


___________________________________
(1) اي تحويل ما في ذمة المحال عليه بالدراهم. (2) من المحيل بنفس الحوالة. (3) فكيف تتحول إلى الدنانير، والمفروض أن ما في ذمة المحال عليه الدراهم. (4) اي الحوالة: كما وأن اسم كانت (الحوالة). (5) كالبيع وامثاله. (6) وهي المنافع. (7) كمعاوضة الذهب بالفضة، أو بالعكس، أو النقد بالعرض. (8) كمعاوضة الاكثر بالاقل. (9) كمعاوضة الجيد بالردي. (10) اي في هذه المعاوضة الارفاقية. (11) في القدر، والصفة. (12) اي جواب (الشيخ) يظهر مما ذكرناه: (وهو أن ايفاء الدين بغير جنسه جائز مع التراضي)، سواء كان استيفاء ام اعتياضا.

[144]

واحدة(1)، أو متلاحقين مع إرادة الثانى ضمان ما في ذمة الاول في الاصل(2)، لا مطلقا، لئلا يصير المالان في ذمة الثاني، ووجه جواز الحوالة عليهما ظاهر، لوجود المقتضي للصحة، وانتفاء المانع، إذ ليس(3) إلا كونهما متكافلين، وذلك(4) لا يصلح مانعا، ونبه بذلك على خلاف الشيخ رحمه الله حيث منع منه(5)، محتجا باستلزامها زيادة الارتفاق(6)،


___________________________________
(1) بأن نطقا دفعة واحدة بأن يقول كل واحد لصاحبه: ضمنت ما في ذمتك من الدين الذي عليك لفلان. (2) بأن ضمن الثاني ما في ذمة الضامن الاول من الدين الاصلي الذي كان عليه فقط، لا منضما إلى ما ضمنه الضامن الاول من الدين الاصلي الذي كان في ذمته من المحيل. والمراد من المتلاحقين: أن يضمن احدهما ما في ذمة صاحبه اولا بأن يقول: ضمنت لك ما في ذمتك من الدين الذي عليك لفلان، ثم يتبعه الثاني بأن يقول: ضمنت ما في ذمتك من الدين الذي عليك لفلان. لا مع ما ضمنته عني، ولا يطلق الثاني صيغة الضمان بأن يقول: ضمنت ما في ذمتك من الدين، فإن في صورة الاطلاق يتحول ما في ذمة الاول من الدين الاصلي والدين الذي جاء من الضمان إلى ذمته كما افاده الشارح ايضا. (3) اي ليس المانع. (4) اي كونهما متكافلين لا يمنع عن صحة الحوالة. (5) اي من الحوالة على اثنين متكافلين. (6) اي الارتفاق بالمحتال في بعض صوره كما لو اراد المحتال السفر وكان حمل المبلغ معه في معرض الخطر، فإن الحوالة بالنسبة اليه ارفاق حيث إنه يتسلم المبلغ في البلد الذي اراد السفر اليه.

[145]

وهو(1) ممتنع في الحوالة، لوجوب موافقة الحق المحال به للمحال عليه(2) من غير زيادة ولا نقصان قدرا ووصفا. وهذا التعليل إنما يتوجه على مذهب من يجعل الضمان ضم ذمة إلى ذمة(3)، فيتخير حينئذ(4) في مطالبة كل منهما بمجموع الحق، أما على مذهب أصحابنا من أنه ناقل للمال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه


___________________________________
(1) الظاهر أن مرجع الضمير (الزيادة) وتذكيره باعتبار كونها مصدرا. والمراد من الامتناع هنا (عدم جواز زيادة الارتفاق) في الحوالة. (2) اي للحق المحال عليه. (3) كما هو رأي (أبناء السنة) واليك نص عباراتهم قال (ابن قدامة في المغني) ج 4 ص 480 باب الضمان: الضمان ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت في ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما. فاشتقاقه من (الضم). وقال (القاضي): هو مشتق من الضميم، لان ذمة الضامن تتضمن الحق. هذا ما افاده (اخواننا السنة) في الضمان وقد عرفت معنى الضمان في كتاب الضمان عندنا: انه نقل الحق من ذمة إلى اخرى. (4) اي حين القول بأن الضمان ضم ذمة إلى ذمة اخرى كما ذهب اليه (اخواننا السنة). فالمعنى أن الضامن عندما يضمن الحق تشتغل ذمته بالدين ولا تبرأ ذمة المضمون عنه، بل الذمتان مشغولتان فللمضمون له الرجوع على كل منهما. وقد عرفت أن اصحابنا لا يوافقون على هذا الرأي بل يقولون: إن اشتغال ذمة المضمون عنه يتحول إلى اشتغال ذمة الضامن، وأن المضمون عنه تبرأ ذمته من الحق، فليس للمضمون له الرجوع على المضمون عنه، بل له الرجوع على الضامن فقط.

[146]

فلا ارتفاق، بل غايته انتقال ما على كل منهما إلى ذمة صاحبه فيبقى الامر كما كان، ومع تسليمه(1) لا يصلح للمانعية، لان مطلق الارتفاق بها(2) غير مانع إجماعا، كما لو أحاله على أملى(3) منه وأحسن وفاء. (ولو أدى المحال عليه فطلب(4) الرجوع) بما أداه على المحيل (لانكاره(5) الدين) وزعمه أن الحوالة على البرئ بناء على جواز الحوالة عليه (وادعاه(6) المحيل، تعارض الاصل) وهو براء‌ة ذمة المحال عليه من دين المحيل (والظاهر) وهو كونه مشغول الذمة، إذ الظاهر أنه لو لا اشتغال ذمته(7) لما أحيل عليه (والاول) وهو الاصل (أرجح) من الثاني حيث يتعارضان غالبا، وإنما يتخلف في مواضع نادرة(8) (فيحلف) المحال عليه على أنه برئ من دين المحيل، (ويرجع) عليه بما غرم، (سواء كان) العقد الواقع بينهما (بلفظ الحوالة، أو الضمان) لان الحوالة على البرئ أشبه بالضمان فتصح بلفظه.


___________________________________
(1) اي مع تسليم أن الحوالة على هذا الوجه (وهو كون الحوالة على المتكافلين) تستلزم زيادة الارتفاق. (2) مرجع الضمير (الحوالة) والباء بمعنى (في). (3) اي اغنى منه. (4) اي طلب المحال عليه من المحيل ما اداه للمحتال بأن قال: لست مدينا لك وقد اديت ما حولته علي. (5) اي انكار المحال عليه. فالمصدر مضاف إلى الفاعل. (6) اي ادعى الدين. (7) اي ذمة المحال عليه. ولا نسلم أن الظاهر في الحوالة اشتغال ذمة المحال عليه، اذ كثير من التجار يحولون على زملائهم من غير اشتغال ذمتهم لهم. (8) وفي تضاعيف الكتاب اشارة إلى كثير من مواردها.

[147]

وأيضا فهو(1) يطلق على ما يشملهما(2) بالمعنى الاعم فيصح التعبير به عنها. ويحتمل الفرق بين الصيغتين فيقبل(3) مع التعبير بالضمان، دون الحوالة عملا بالظاهر، ولو اشترطنا في الحوالة اشتغال ذمة المحال عليه بمثل الحق تعارض أصل الصحة(4) والبراء‌ة(5) فيتساقطان، ويبقى(6) مع المحال عليه أداء دين المحيل بإذنه فيرجع عليه(7)، ولا يمنع(8)


___________________________________
(1) اي الضمان. (2) اي يشمل الحوالة والضمان وهو التعهد بالمال، سواء كان بلفظ الضمان ام الحوالة. (3) اي يقبل انكار الدين من الضامن بناء على صحة ضمان البرئ، دون الحوالة فإنها اذا كانت بلفظ الحوالة لا يقبل انكار المحال عليه الدين عملا بالظاهر هذا بناء على صحة الحوالة على البرئ. (4) اي الاصل في افعال المسلم هي الصحة. (5) اي برائة ذمة المحال عليه من الدين. فالمعنى أن أصالة الصحة تتعارض مع اصل البرائة فيتساقط الاصلان بالتعارض. (6) اي ويبقى في صالح المحال عليه أنه أدى دين المحيل باذنه، سواء كان الاذن في عقد صحيح ام في عقد باطل. (7) اي المحال عليه يرجع على المحيل بعد تعارض الاصلين وسقوطهما، لان دفع المحال عليه الحوالة كان باذن المحيل. (8) دفع وهم: حاصله: أن الحوالة اذا كانت على البرئ فهي باطلة. فالاذن - الذي كان في ضمنها - يتبع الحوالة في البطلان. فكيف يحكم برجوع المحال عليه على المحيل اذا كان الاذن باطلا؟

[148]

وقوع الاذن في ضمن الحوالة الباطلة المقتضي بطلانها لبطلان تابعها، لاتفاقهما(1) على الاذن، وإنما اختلفا في أمر آخر(2)، فإذا لم يثبت(3) يبقى ما اتفقا عليه من الاذن في الوفاء(4) المقتضي للرجوع، ويحتمل عدم الرجوع ترجيحا للصحة(5) المستلزمة لشغل الذمة(6).


___________________________________
(1) جواب عن الاشكال المذكور، حاصله: أن المحيل والمحال عليه قد اتفقا على الاذن في الدفع لتصديق المحيل المحال عليه بالاذن، ولا يمنع بطلان الحوالة من صحة الاذن، كما اذا لم يقع الاذن في عقد ابدا. (2) وهو اشتغال ذمة المحال عليه للمحيل. (3) اي الامر الذي اختلفا فيه (وهو اشتغال الذمة). (4) اي وفاء المحال عليه دين المحيل. (5) اي أصالة الصحة. (6) اي ذمة المحال عليه.