شرائع الاسلام الجزء الثاني : القسم الثاني في العقود : كتاب التجارة الفصل الاول فيما يكتسب به

وهو ينقسم إلى: محرم، ومكروه، ومباح. فالمحرم منه أنواع: الاول: الاعيان النجسة كالخمر، والانبذة، والفقاع(1).وكل مائع نجس، عدا الادهان لفائدة الاستصباح بها تحت السماء(2). والميتة. والدم. وأرواث وأبوال ما لا يؤكل لحمه، وربما قيل: بتحريم الابوال كلها، إلا بول الابل خاصة، والاول اشبه. والخنزير وجميع اجزائه. وجلد الكلب، وما يكون منه(3). الثاني: ما يحرم لتحريم ما قصد به كآلات اللهو، مثل العود والزمر. وهياكل العبادة المبتدعة، كالصليب والصنم. وآلات القمار كالنرد والشطرنج. وما يفضي(4) إلى المساعدة على محرم، كبيع السلاح لاعداء الدين، واجارة المساكن والسفن للمحرمات، وكبيع العنب ليعمل خمرا، وبيع الخشب ليعمل صنما. ويكره: بيع ذلك لمن يعملها(5).


________________________
(العقود) جمع(عقد) وهو مايحتاج تحققه إلى طرفين(موجب) و(قابل). كتاب التجارة. (1)(الخمرة) هي الخمر المتخذ من عصير العنب،(الانبذة) هي انواع من الخمر تؤخذ من الفواكة الاخرى، ويقال لكل واحد منها(النبيذ) لنبذ الفاكهة فيها حتى تختمر وتغلي وتسكر(والفقاع) على وزن رمان، هو الخمر المتخذ من الشعير. (2)(الادهان) اي: المتنجسة، فإنه لا يحرم بيعها، لاجل جعلها زيتا ووقودا تحت السماء، والتقييد بتحت السماء، حتى لا يتنجس السقف بدخانه الذي معه ذرات من الدهن. (3) اي: من الكلب، من الشعر، واللحم، والعظم وغيرها. (4) اي: يؤدي(5) من دون قصد البائع البيع لجهة الحرام(*)

[264]

الثالث: ما لا ينتفع به كالمسوخ: برية كانت، كالقرد والدب، وفي الفيل تردد، والاشبه جواز بيعه للانتفاع بعظمه. او بحرية، كالجري والضفادع والسلاحف والطافي(6). والسباع كلها الا الهر. والجوارح: طائرة كانت كالبازي. او ماشية كالفهد. وقيل: يجوز بيع السباع كلها، تبعا للانتفاع بجلدها أو ريشها، وهو الاشبه. الرابع: ما هو محرم في نفسه: كعمل الصور المجسمة(7). والغناء. ومعونة الظالمين بما يحرم(8). ونوح النائحة بالباطل(9). وحفط كتب الضلال، ونسخها لغير النقض(10).وهجاء المؤمنين وتعلم السحر، والكهانة، والقيافة، والشعبذة(11)، والقمار. والغش بما يخفى، كشوب اللبن بالماء(12)، وتدليس الماشطة(13).وتزين الرجل بما يحرم عليه(14). الخامس: مايجب على الانسان فعله كتغسيل الموتى، وتكفينهم، وتدفينهم. وقد يحرم الاكتساب باشياء أخر(15)، تأتي في أماكنها ان شاء الله تعالى. مسألة:


________________________
(6) وهو السمك الميت في الماء ويقال(الطافي لانه يعلو على سطح الماء). (7) من صور الانسان والحيوان، دون صور غير ذي الروح كالشجر والسحاب ونحوهما. (8) قال في شرح اللعمة:(كالكتابة لهم، وإحضار المظلوم، ونحوه، لا معونتهم بالاعمال المحللة كالخياطة لهم). (9) اي: بالكذب، ووصف الميت بما لم يكن فيه، كأن يقول في موت اسنان عادي(اظلمت الدنيا لموتك، وايتمت الناس كلهم لفقدك، وانقطعت البركات لغيبتك). (10)(نسخها) اي: كتابة نسخة منها، وكذلك طبعها(لغير النقض) اي: لغير الرد. (11) السحر هو اعمال دقيقة تؤثر في بعض الموجودات فتغيرها عن طبيعتها الاصلية كالقتل، والعمي، وإيجاد الحب، والبغض، ونحو ذلك(والكهانة) رياضيات وفنون توجب جزيئا الاخبار عن المغيبات والاسرار(والقيافة) علم يتفرس به تطبيق الارحام بعضهم على بعض، فيلحق ولد الشبهة بأبيه، أو ينسبه إلى غير أبيه، ونحو ذلك، وهذه كلها محرمات، عملها، وتعلمها(والشعبدة) بالدال، والذال هي اعمال خفيفة وسريعة توجب للناظر تخيل غير واقعها. (12) أما اذا كان لا يخفي كخلط الجوز الكبير بالصغير، فلا يحرم. (13)(الماشطة) هي المرأة التي تزين النساء ليلة الزفاف، وسميت بذلك لمناسبة(المشط) والمراد) بتدليسها، هو اظهار محاسن ليست فيها، من وصل شعرها بشعر آخر حتى يظن الزوج انها طويلة الشعر، أو تبيضها، وتحميرها حتى يظن الزوج أنها بيضاء حمراء، وهكذا. (14) في شرح اللعمة:(لكبس الرجل السوار، والخلخال، والثياب المختصة بالمرأة). (15) كالبيع الربوي، وبيع النسيئة بالنسبة، ويسمى(بيع الكالتي بالكالتي) وتبع الحر، ونحوها. (*)

[265]

أخذ الاجرة على الاذان حرام، ولا بأس بالرزق من بيت المال(16).وكذا الصلاة بالناس(17).والقضاء على تفصيل سيأتي(18)، ولا بأس بأخذ الاجرة على عقد النكاح(19). والمكروهات ثلاثة: مايكره لانه يفضي(20) إلى محرم أو مكروه غالبا: كالصرف.وبيع الاكفان، والطعام، والرقيق. واتخاذ الذبح والنحر صنعة(21). ومايكره لضعته: كالنساجة، والحجامة اذا اشترط، وضراب الفحل(22). وما يكره لتطرق الشبهة: كمكسب الصبيان، ومن لا يتجنب المحارم(23). وقد تكره اشياء(24) تذكر في أبوابها ان شاء الله تعالى.وما عدا ذلك مباح(25). مسائل: الاولى: لايجوز بيع شئ من الكلاب الا كلب الصيد.وفي كلب الماشية والزرع والحائط(26) تردد، والاشبه المنع. نعم، يجوز اجارتها، ولكل واحد من هذه الاربعة دية(27)، لو قتله غير المالك. _____________________ (16) الفرق بين(الاجرة) و(الرزق) هو بالاعتبار، فقد يقال للمؤذن نعطيك مقابل الآذان عن كل آذان دينارا، فهذا من الاجرة، وقد يقال للمؤذن: اذن هنا كل يوم وأكلك ولباسك علينا فهذا من الرزق. (17) اي: إمامة الجماعة، فإن اخذ الاجرة عليها حرام، والرزق حلال. (18) في كتاب القضاء اواخر كتاب الشرائع، وهو ما اذا انحصر ولم يكن قاض غيره ووجب عليه القضاء. (19) لانه مستحب غير واجب، والمراد قراء‌ة صيغة النكاح. (20) اي: تكون نتيجة الوقوع في الحرام والمكروه. (21)(فالعرق) يؤدي إلى الربا وهو حرام(وبيع الاكفان) يؤدي إلى انتظار موت المؤمنين وهو مكروه(وبيع الطعام) يؤدي إلى الاحتكار وهو حرام بعض اقسامه، ومكروه بعض اقسامه(وبيع الرقيق) اي: العبيد والاماء، يؤدي إلى الحرام أحيانا لانه في معرض ان يودع عنده امة ليبيعها فيطأها وهو حرام، ويؤدي إلى المكروه احيانا وهو ان يسئ معاملتهم(واتخاذ) لانه يؤدي إلى قساوة القلب وهي مكروهة. (22)(لضعته) اي: خسته وانحطاطه(كالنساجة) وهي نسج الثياب والاقمشة(اذا اشترط) الاجرة، سواء عين مقدارها، أو لم يعين بل قال: اني اعمل بأجرة(وخراب) بأن يؤجر الدابة(الفحل) الذي عنده للجماع بالاناث، فهذه مكروهات لانها حطيطة في الاجتماع. (23)(الشبهة) اي: احتمال الحرمة(الصبيان) أي: البيع لهم، أو الشراء منه لاحتمال سرقتهم من أهليهم، أو من غيرهم(ومن لا يتجنب) اي: الذي لا يبالي بالحرام. (24) كالبيع بين طلوعي الفجر والشمس، ومبايعه الاذنين وذوي العاهات وان يتوكل حاضر لباد، وغيرها ما يأتي بعضها عند رقم 113. (25) كبيع الفرش، والدور، والباستين، وغيرها. 26)(الماشية الكلب الذي يمشي مع الانعام، كالاغنام، والابقار، والابل ويحرسها عن السرقة أو الذباب(والزرع) الكلب الذي يحرس الزرع(والحائط) الكلب الذي يحرس الدور، والبساتين، بالوقوف على الحائط ونحوه. (27) وديتها قيمتها عند غير المتشرعين(في الثلاثة الاخيره). (*)

[266]

الثانية: الرشا(28) حرام سواء حكم لباذله او عليه، بحق أو باطل. الثالثة: إذا دفع الانسان مالا إلى غيره، ليصرفه في قبيل، وكان المدفوع اليه بصفتهم، فإن عين له عمل بمقتضى تعيينه، وان اطلق، جاز أن يأخذ مثل أحدهم من غير زيادة(29). الرابعة: الولاية من قبل السلطان العادل جائزة، وربما وجبت، كما اذا عينه إمام الاصل، او لم يمكن دفع المنكر او الامر بالمعروف الا بها.وتحرم من قبل الجائر، اذا لم يأمن اعتماد ما يحرم(30).ولو أمن ذلك، وقدر على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر استحبت. ولو اكره، جاز له الدخول، دفعا للضرر اليسير، على كراهية.وتزول الكراهية، لدفع الضرر الكثير(31)، كالنفس، او المال، أو الخوف على بعض المؤمنين. الخامسة: اذا اكرهه الجائر على الولاية، جاز له الدخول والعمل بما يأمره، مع عدم القدرة على التفصي(32)، الا في الدماء المحرمة، فإنه لا تقية فيها. السادسة: جوائز الجائر ان علمت حراما بعينهافهي حرام(33)، والا فهي حلال.وإن قبضها، أعادها على المالك. فإن جهله، او تعذر الوصول اليه، تصدق بها عنه.ولا يجوز اعادتها على غير مالكها مع الامكان(34). السابعة: مايأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة، والاموال باسم الخراج عن حق الارض، ومن الانعام باسم الزكاة، يجوز ابتياعه، وقبول هبته، ولا تجب اعادته علىأربابه، وان عرف بعينه(35).


________________________
(28) بضم الراء، جمع رشوة هي أن يأخذ مالا بعنوان أن يحكم للمعطي، هذا المال حرام أخذه بهذا العنوان، حتى اذا حكم ضد معطيه، أو كان معطيه الحق معه. (29)(في قبيل) اي: في جماعة، كما لو قال قسمه على العلماء(بصفتهم) اي: كان هو ايضا من العلماء(فإن عين) اي: قال له مثلا منه مئة لك، وقسم الباقي على العلماء(أطلق) اي: قال: هذا المال للعلماء ولم يعين له شيئا معينا. (30) اي: اذا احتمل صدور الحرام عنه. (31) فلو امر الظالم شخصا بالولاية، وإن لم يقبل سرق منه مالا قليلا، أو سجنه أياما قليلة، جاز له القبول لدفع هذا العذر، لكنه مكروة، وأما لوقال له: إن لم تقبل قتلتك، أو قتلت أخاك، واحرقت دارك، جاز بغير كراهة. (32) اي: على التخلص، فلو قال الظالم له: ائتني بزيد لا ضربه، فإن امكنه التخلص يأتي لم اجد زيدا، لم يجز له احضار زيد، وإن لم يمكنه التخلص بذلك جاز له احضار زيد لانه مكره عليه وأما اذا أمره بقتل زيد ولم يمكنه التخلص لم يجز قتل زيد، حتى ولو ادى إلى قتل الظالم لنفسه دون زيد. (33) كما لو اعطى الجائز فرسا، وعلم زيد ان هذه الفرس مغصوب من عمرو، فيحرم على زيد التصرف فيه. (34) يعني: مع امكان اعادتها على مالكها، لا يجوز اعادتها إلى غيره، بأن يردها على الجائز، لانه ضمنه بوضع اليد عليه(وعلى اليد ما اخذت حتى تؤدي. (35)(المقاسمة) يعني الضريبة التي يأخذها السلطان الجائر عن النخيل و المزارع(والخراج) يعني: الاجرة التي تؤخذ من الارضين(والزكاة) التي تؤخذ عن الذهب والفضة، والابل والبقر والغنم. (وقبول هبته) يعني: لو وهب السلطان لشخص منها شيئا جاز قبوله والتصرف فيه ويملكه الموهوب له(اربابه) اي: اصحابه(وان عرف بعينه) فلو اخذ السلطان ألف دينار بعنوان الزكاة من زيد، ثم أهداه لشخص جاز لذلك الشخص وهو عالم بأنه اخذ من زيد ويعرف زيدا ان يتصرف فيه(والسبب) ان زيدا تبرأ ذمته من الزكاة والخراج والمقاسمة بأخذ السلطان فيخرج عن ملكه، وإن كان على الجائر حراما أخذه.