القول      في     الطواف

 


(15)

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

   الرابع: الاستمناء بيده أو غيرها بأيَّة وسيلة فان امني فعليه بُدنة والأحوط بطلان ما يوجب الجماع بطلانه على نحو ما مرّ [1].

[1] ظاهر المتن ان الحرمة الاحرامية يكون موضوعها هو عنوان الاستمناء الذي هو أعم مما اذا تحقق الامناء بسببه ومما اذا لم يتحقق غاية الأمر ان ثبوت البدنة والكفارة انّما هو في خصوص صورة الامناء وقد خالفه في ذلك مثل المحقق (قده) في الشرايع حيث انه ذكر في محرمات الاحرام عنوان الاستمناء وذكر في باب الكفارات: وفي الاستمناء بدنة; وظاهره ثبوت الكفارة في مطلقه وقد نفى صاحب الجواهر(قده) وجدان الخلاف في المقام ثم استدلّ ببعض الروايات التي يأتي التعرض لها انشاء الله تعالى وظاهره انّ المستند هي الرواية دون الاجماع والتسالم.

وعليه فاللازم اوّلاً ملاحظة ان الروايات الواردة في هذا المجال هل يستفاد منها انّ متعلق الحرمة الاحرامية هو عنوان الاستمناء الذي يكون مضيّقاً من جهة اعتبار القصد وإرادة الانزال وخروج المني فيه وموّسعاً من جهة اُخرى وهي عدم اعتبار الانزال خارجاً وخروج المني عقيب القصد والارادة أو لا يستفاد منها ذلك فنقول ما يستفاد منه الحرمة والكفارة روايتان:

احديهما: صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج التي رواها الشيخ والكليني قال سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله وهو محرم حتى يمني من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان ماذا عليهما؟ قال عليهما جميعاً الكفارة مثل ما على الذي يجامع(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، أبواب كفارات الاستمتاع، الباب الرابع عشر ح1.


(16)

. . . . . . . . . . .

وثانيتهما: موثقة اسحاق بن عمار التي رواها عنه صباح الحذاء وهو من الموثقين بالخصوص عن أبي الحسن (عليه السلام) ماتقول في محرم عبث بذكره فامنى؟ قال أرى عليه مثل ما على من أتى أهله وهو محرم، بدنة والحج(1).

والروايتان وان كان يستفاد منهما الحرمة الاحرامية من طريق ثبوت الكفارة لأن ثبوتها في مورد لاينطبق عليه بفعل الثانوية القوية مثل الاضطرار والاكراه يكشف عن ثبوت الحرمة التكليفية كما مرّت الاشارة اليه غير مرّة إلاّ أنّه لايستفاد منهما كون المتعلق عنوان الاستمناء الذي عرفت اشتماله على جهتين لأن موردهما صورة تحقق الامناء خارجاً اوّلاً وَلاَ اشعار فيهما فضلاً عن الدلالة بثبوت القصد وارادة الانزال ثانياً ولا تكون الملازمة ولو الغالبية بين الملاعبة مع الأهل والانزال وكذا العبث بالذكر معه حتى يقال ان تعلق القصد بهما يستلزم تعلّق القصد به أيضاً إلاّ ان يقال بالفرق بينهما فان الملاعبة مع الأهل يترتب عليه التمتع والتلذذ ولو لم يتحقق الامناء فيمكن ان تكون مقصودة في نفسها بدونها وهذا بخلاف العبث بالذكر الذي لايترتب عليه شيء من دون تحقق الامناء.

وعلى أيّ حال فالروايتان لاتنطبقان على المدعى لأنه لا مجال لدعوى الغاء خصوصية الامناء عن موردهما فان القيود المأخوذة في كلام السائل وان كان لا دلالة لها على المدخلية في ترتب الحكم بخلاف القيود المذكورة في كلام الامام (عليه السلام) إلاّ انه لايستفاد عدم المدخلية وثبوت الحكم مع فقدان بعضها إلاّ مع استفادة العرف عدم المدخلية بوجه كما في قوله: رجل شك بين الثلاث والأربع ومثله، وفي المقام لا مجال لدعوى عدم مدخلية الامناء لو لم نقل بظهورهما في الاتكاء على هذا القيد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب كفارات الاستمتاع، الباب الخامس عشر، ح1.


(17)

. . . . . . . . . . .

ثم انه وردت روايات دالة على نفي الكفارة في بعض موارد الامناء لابد من ملاحظتها والجمع بينها وبينهما فنقول:

منها: موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال في محرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى، قال: ليس عليه شيء(1).

ومنها موثقة اُخرى لسماعة عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المحرم تنعت له المرأة الخلقة فيمنى، قال: ليس عليه شيء(2).

ومنها رواية أبي بصير قال سئلت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يسمع كلام امرأة من خلف حائط وهو محرم فتشاهى حتى انزل قال ليس عليه شيء(3).

أقول: هذه الروايات الثلاثة الدالة على عدم ثبوت الكفارة مشتركة في ان مواردها لايكون المقصود بشيء منها الامناء ولا يتحقق صدورها ناشياً عن هذا القصد نوعاً وان ترتب عليها الامناء من دون قصد وعليه فمقتضى الجمع بينها وبين الروايتين الدالتين على ثبوت الكفارة بعد عدم اختصاصهما بموردهما الذي هو العبث بالأهل أو بالذكر هو حملهما على صورة قصد الامناء وقد عرفت ان العبث بالذكر يكون غالباً مقروناً بهذا القصد لعدم تحقق تلذذ وتمتع بدونه بخلاف العبث بالأهل لكنه أيضاً بقرينة هذه الروايات محمول على هذه الصورة وان لم يكن بنفسه ظاهراً في الاختصاص.

وبالجملة بعد اشتراك جميع الروايات الخمسة في تحقق الامناء في مواردها واختلافها في أمرين ثبوت الكفارة وعدمها وكون موارد هذه الروايات الثلاثة لايقصد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب كفارات الاستمتاع، الباب العشرون، ح4.

(2) الوسائل، ابواب كفارات الاستمتاع، الباب العشرون، ح1.

(3) الوسائل، ابواب كفارات الاستمتاع، الباب العشرون، ح3.


(18)

. . . . . . . . . . .

بها الامناء نوعاً يكون مقتضى الجمع ما ذكرنا من حمل ما دلّ على ثبوت الكفارة على وجود قصد الامناء ايضاً ولا مجال لدعوى اختصاصه بموردهما لأن المتفاهم العرفي مدخلية القصد والامناء دون خصوصية العبث بالاهل أو بالذكر بل لو تخيّل بقصد الامناء فأمنى أو نظر الى تمثال مرأة جميلة بهذا القصد فأمنى ومثلهما يكون مقتضى الروايتين ثبوت الكفارة الكاشفة عن الحرمة الاحرامية وان لم يكن حراماً في نفسه كالعبث بالأهل ويؤيد عدم الاختصاص اختلاف نفس الروايتين في المورد لأنه من البعيد ان يكون الملاك في كل منهما مغايراً لما هو الملاك في الآخر كما انه يؤيّده ان الاصحاب لم يفهموا منهما ذلك.

نعم سيجيء ان بعضهم خصّ الحكم بلزوم اعادة الحج من قابل الذي يدل عليه الموثقة بخصوص موردها وهو العبث بالذكر، ويأتي البحث انشاء الله تعالى.

وقد ظهر مما ذكرنا انه لا وجه لتقويم المعارضة بين الطائفتين نظراً الى اشتراكهما في تحقق الامناء وعدم تقيد شيء من مواردهما بصورة القصد كما انه على هذا التقدير يكون الجمع بينهما بالتفصيل بين صورتي القصد وعدمه يكون جمعاً تبرعيّاً لا شاهد له بخلاف ما ذكرنا فان مرجعه الى حمل المطلق على المقيّد الذي هو خارج عن دائرة التعارض عند العرف والعقلاء.

كما انه ظهر مما ذكرنا ايضاً انّ عنوان الاستمناء المذكور في كلمات الفقهاء (قدس سرهم)هنا وفي باب الكفارات لايكون مذكوراً في شيء من الروايات الواردة في هذا الباب سواء قيل باعتبار تحقق الامناء فيها زائداً على القصد أو قيل بعدم اعتباره بل المحرّم هو ما يقصد به الامناء وتحققت بعده وعليه فيرد على المتن ان التفكيك بين الحرمة الاحرامية وبين الكفارة بالحكم بكون متعلق الاولى لا يعتبر فيه الامناء بخلاف الثانية


(19)

. . . . . . . . . . .

لايعلم له وجه.

وقد انقدح انّ الاستمناء المحرم في باب الاحرام والموجب لثبوت كفارة البدنة هو ما يكون متعقباً بالامناء، وامّا البطلان الموجب للزوم الحج عليه من قابل فهو مورد للاختلاف فالمحكي عن الشيخ في التهذيب وجوب القضاء وهو المحكي عن المهذب والوسيلة والجامع والعلاّمة في المختلف وقد استظهر عن التنقيح اختياره كالشهيدين والكركي بل في الاوّل نسبته الى الأكثر.

وعن ابن ادريس والحلبي وجماعة بل ربما نقل عن الشيخ في الخلاف والاستبصار عدم وجوب القضاء وجعله المحقّق في الشرايع اشبه.

والعمدة في الدليل على الوجوب موثقة اسحق بن عمار المتقدمة المصرّحة بثبوت البدنة والحج عليه من قابل ولا مناقشة في اعتبارها إلاّ على مبنى مثل صاحب المدارك ممّن لايكتفي بمجرد الوثاقة في الاعتبار والحجّية ولذا حمله على الاستحباب.

نعم ذكر العلاّمة في المختلف: «وقال ابو علي بن الجنيد: وعلى المحرم اذا أنزل الماء امّا بعبث بحرمته أو بذكره أو بادمان نظره مثل الذي يجامع في حديث الكلبي عن مسمع بن عبدالملك عن أبي عبدالله (عليه السلام)».

وهذه الرواية على تقدير ثبوتها صحيحة لأن المسمع المذكور وهو ابو سيار الملقب بكر دين بكسر الكاف لكن لم نظفر بهما في مثل الوسائل من الجوامع الحديثية وحمل العبارة على كون المراد مفاد صحيحة ابي سيار المفصّلة المتقدمة في باب النظر والقبلة واللمس خلاف الظاهر جدّاً مع انه على تقدير ثبوتها بهذه العبارة لا ظهور فيها في لزوم الحج عليه من قابل زائداً على الكفارة التي هي البدنة وان كانت فيها المماثلة المشعرة بذلك خصوصاً مع اشتمالها على النظر الذي لايقتضي الافساد


(20)

. . . . . . . . . . .

بوجه. نعم صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة التي وفع فيها التعبير بالكفارة خالية عن الاشعار أيضاً لعدم معهودية اطلاق الكفارة على اعادة الحج وتكراره في القابل.

فالدليل ـ على ما ذكرنا ـ ينحصر بالموثقة الصريحة في ذلك لكنه ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) انّ المعارضة متحققة بينها وبين الصحيحتين الواردتين في المواقعة فيما دون الفرج الصريحتين في عدم لزوم الحج عليه من قابل.

احديهما: صحيحة معاوية بن عمّار قال سئلت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله فيما دون الفرج، قال: عليه بدنة وليس عليه الحج من قابل...(1)

ثانيتهما: صحيحته الاُخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المحرم يقع على اهله قال: ان كان أفضى اليها فعليه بدنة والحج من قابل، وان لم يكن أفضى اليها فعليه بدنة وليس عليه الحج من قابل. الحديث...(2)

نظراً الى ان موردهما وهو الجماع فيما دون الفرج امّا يكون أغلظ من الاستمناء أو انه فرد منه كما ان الموثقة لا صراحة لها في الاستمناء وان كانت تجامع معها في بعض الاحوال.

هذا ولكن بعدما عرفت من انّ مورد الموثقة صورة الامناء المصرّحة بها وان مقتضى الجمع بينها وبين الروايات الثلاثة المتقدمة النافية للكفارة رأساً هو حمل مورد الموثقة على صورة قصد الامناء أيضاً يظهر انه لا مجال لدعوى ثبوت المعارضة بينها وبين الصحيحتين حتى ترجّحا عليها أو يرجح الى الاصل على فرض التكافؤ وذلك لاعتبار خصوصيتين في مورد الموثقة مع عدم اشعار في الصحيحتين باعتبار واحدة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب كفارات الاستمتاع، الباب السابع، ح1.

(2) الوسائل، ابواب كفارات الاستمتاع، الباب السابع، ح2.


(21)

. . . . . . . . . . .

منهما فضلاً عن كلتيهما فان المواقعة فيما دون الفرج لا تلازم قصد الامناء ولا تحققها بوجه ومحط النظر فيهما انما هو نفس عنوان المواقعة فيما دون الفرج كما ان مورد النصوص الواردة في الجماع الحقيقي نفس هذا العنوان ولو لم يقصد به الانزال أو لم يتحقق خارجاً وعليه فلا معارضة بوجه.

فالانصاف انه لا محيص عن الأخذ بالموثقة والفتوى على طبقها، نعم المحكى عن الشيخ الذي هو الأصل في القول بوجوب القضاء والحكم به هو الاقتصار على موردها وهو اللعب بالذكر وقد قوّاه صاحب الرياض نظراً الى انه لاموجب للتعدية هنا حتى رواية المسمع التي ذكرها الاسكافي لما عرفت من عدم ظهورها في البطلان وان كان موردها لايختص باللعب بالذكر واختار الاختصاص أيضاً بعض الاعلام من المعاصرين في رسالته في المناسك ولكن الظاهر عدم الاختصاص وشمول الحكم لجميع موارد الاستمناء المتعقب للامناء ولا يرى وجه للفرق بين الصحيحة والموثقة من جهة الغاء الخصوصية من مورد الأولى وتعميم الحكم لصورة التخيل والنظر الى التمثال واستماع صوتها بالشرطين وعدم الغاء الخصوصية من مورد الثانية كما صنعه بعض الاعلام حيث انه أصرّ على عدم الاختصاص بالاضافة الى الاولى وأفتى بمفاد الثانية في خصوص موردها.

ويؤيد عدم الاختصاص التشبيه في الصحيحة العبث بالأهل بالجماع فانه لو كان المقصود مجرد ثبوت البدنة وعدم لزوم الحج عليه من قابل لكان هناك اُمور اُخرى أهون من الجماع ومع ذلك يترتب عليه كفارة البدنة فالتشبيه بالجماع يؤيد عدم كون الحكم المترتب عليه مجرد البدنة.

وكيف كان فالظاهر عدم الاختصاص وثبوت الامرين في جميع الموارد ومع


(22)

   الخامس: الطيب بأنواعه حتى الكافور صبغاً واطلاء وبخوراً، على بدنه أو لباسه، ولا يجوز لبس ما فيه رائحته ولا أكل ما فيه الطيب كالزعفران، والأقوى عدم حرمة الزنجبيل والدارصيني، والأحوط الاجتناب [1].

التنزل فمقتضى الاحتياط الوجوبي ذلك كما في المتن ثم انه هل يختص الحكم في باب الاستمناء بالرجال ولايعمّ النساء أو يعمّ النساء أيضاً ولا يبعد ان يقال بالثاني فانه وان كان العنوانان المذكوران في الروايتين وهما العبث بالأهل أو بالذكر لايصدقان في مورد النساء بخلاف عنواني التزوّج والتزويج المذكورين في الأمر المتقدم إلاّ ان الظاهر على ماهو المتفاهم عند العرف كون الملاك هو قصد الامناء وتحقق الامناء بعده ولا خصوصية للعنوانين.

ويؤيّده عدم ثبوت الاضافة الى الرجال في العبارات وان كان تفسير الاستمناء بخصوص ما كان باليد كما عن الفاضلين في بعض كتبهما ربما يؤيّد الاختصاص لكنه مضافاً الى الايراد عليهما بانه لا وجه لهذا التفسير كما في الجواهر بل هي عامة لِما كانت باليد أو بغيرها من أيّة وسيلة كما في المتن لا دلالة على الاختصاص كما لايخفي فالظاهر شمول الحكم للنساء أيضاً.

[1] في هذا الأمر جهات من الكلام:

الجهة الأولى:

هل المحرّم في باب الاحرام هو عنوان الطيب بجميع أنواعه وبنحو العموم أو الاطلاق أو خصوص جملة من أنواعه فنقول بعد كون أصل الحرمة في الجملة مجمعاً عليه بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين بل النصوص متواترة فيه كما في الجواهر انه قد نسب في محكى الذخيرة العموم الى أكثر المتأخرين بل في المنتهى كذلك الى الأكثر بل في الرياض أيضاً نسبته الى الشهرة العظيمة وقد اختاره المتن واستظهره المحقق في


(23)

. . . . . . . . . . .

الشرايع وقوّاه صاحب الجواهر في شرحها.

لكن المحكى عن الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة ما ظاهره الاختصاص بستّة أنواع: المسك والعنبر والزعفران والعود والكافور والورس، بل عن خلاف الشيخ الاجماع على اَنَّهُ لا كفارة في غيرها، نعم عدم وجوب الكفارة أعمّ من عدم الحرمة بخلاف الثبوت حيث انه يكشف عن ثبوتها كما مرّ غير مرّة. والورس بفتح الواو وسكون الراء نبات كالسمسم ينحصر باليمن ويؤخذ لحمرة الوجه وبعض الامور الاُخر وسحيقه كسحيق زعفران.

والمحكّى عن الجمل والعقود والمهذب والاصباح والاشارة حصره في خمسة باسقاط الورس بل في الغنية نفي الخلاف عن حرمتها، وهو لايدل على عدم ثبوت الحرمة لغيرها كما لايخفى.

واختار بعض الاعلام (قدس سرهم) الخمسة باسقاط الكافور من تلك الستة.

وعن الصدوق في المقنع بل المحكّى عن التهذيب وابن سعيد حصره في أربعة: المسك والعنبر والزعفران والورس وذكر صاحب الجواهر (قدس سره) ان هذا القول في غاية الندرة حتى ان الشيخ الذي قال به في التهذيب قد رجع عنه في المبسوط الى العموم وفي الخلاف الى الستّة.

واللازم في هذه الجهة ملاحظة الروايات الواردة في الباب وينبغي قبل ذلك التنبيه على أمرين:

الاَمر الاوّل: انه لا مجال لاحتمال كون الطيب في زماننا هذا له مفهوم آخر غير الطيب في زمن صدور الروايات حتى نفتقر في الحكم ببطلانه الى استصحاب القهقرى وذلك لعدم خصوصية لهذا العنوان بين العناوين المشابهة له فالطيب من الألفاظ العربية


(24)

. . . . . . . . . . .

التي وضع لمعنى مخصوص ولا سبيل الى احتمال تغيّر معناه الموضوع له بوجه.

الاَمر الثاني: انه لاشبهة في ان تفسير الطيب كما يأتي في بعض الروايات لايكون من قبيل التعريف الواقع في اللغة غير المرتبط بباب الاحكام فان هذا المعنى ليس من شأن الائمة (عليهم السلام) في مقام بيان الحكم وان كانوا هم أعرف من كل لغويّ بالمراد من اللفظ لكن مقام بيان الحكم لايلائم مع ذلك فكما ان تفسير الصعيد في بعض الروايات لايرجع إلاّ الى كون المراد من الصعيد الواقع في آية التيمم ماذا، من دون ان يكون مرجعه الى توضيح اللغة بالنحو المتداول في كتب اللغة كذلك تفسير الطيب أيضاً ببعض الانواع لايكون مرجعه إلاّ الى ان ما ترتب عليه الحكم في باب الاحرام ماذا غاية الأمر انّ هذا النحو من التعبير انما يكون لسانه بنحو الحكومية كقوله لاشك لكثير الشك على ما قرّر في محلّه.

وبعد هذين الأمرين نقدّم البحث عن الروايات التي استدل بها على عدم العموم فنقول:

عمدتها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لاتمسّ شيئاً من الطيب وانت محرم، ولا من الدهن وامسك على أنفك من الريح الطيبة، ولا تمسك عليها من الريح المنتنة، فانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة، واتّق الطيب في زادك، فمن ابتلى بشيء من ذلك فليعد غسله، وليتصدق بصدقة بقدر ما صنع، وانّما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران، غير انه يكره للمحرم الادهان الطيّبة إلاّ المضطّر الى الزيت أو شبهه يتداوى به(1). وحكى عن التهذيب: «فعليه غسله» مكان: «فليعد غسله» وهو الظاهر والعجب من صاحب الوسائل حيث انه جعل هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح8.


(25)

. . . . . . . . . . .

الرواية أربع روايات أوردها في باب واحد والذي دعاه الى ذلك الاقتصار في اثنتين منهما على صدر هذه الرواية وفي الثالثة على ذيلها مع ان الراوي عن معاوية في اثنتين هو صفوان مع فضالة أو مع ابن ابي عمير وفي الآخرتين هو ابراهيم النخعي ومن الواضح هي الوحدة المشتملة على ما نقلنا.

ومنها: موثقة ابن ابي يعفور عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: الطيب: المسك والعنبر والزعفران والعود(1).

ومنها: موثقة عبدالغفار قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: الطيب: المسك والعنبر والزعفران والورس...(2) وقد رواها في الوسائل في ابواب تروك الاحرام عن الشيخ بهذا النحو ولكنه رواها في ابواب آداب الحمام عن الكليني وفيها العود مكان(3) الورس...

والظاهر كما مرّ ان هذا النحو من التعبير ناظر الى الحكم المترتب على الطيب في الشريعة وهو ليس إلاّ الحرمة الاحرامية المعهودة بين المسلمين فضلاً عن المؤمنين ولسانه لسان الحكومة وانّ الطيب المحرّم على المحرم وان كان مذكوراً بنحو الاطلاق في دليل التحريم أي الدليل المحكوم لكن المراد به خصوص الأنواع الأربعة.

وقد اشترك جميع هذه الروايات في ان المراد هي أربعة أنواع لكن الاختلاف بينها انّما هو في النوع الرابع وانه هل هو الورس أو العود فمقتضى رواية معاوية بن عمّار ورواية عبدالغفار على أحد نقليها ان الرابع هو الورس ومقتضى رواية ابن أبي يعفور ورواية عبدالغفار على النقل الآخر ان الرابع هو العود.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح15.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح16.

(3) ابواب آداب الحمام، الباب السابع والتسعون، ح2.


(26)

. . . . . . . . . . .

وعلى أيّ حال فهذه الروايات مختلفة من هذه الجهة.

وربما يُقال كما قاله جملة من المحققين بانه لاتعارض بينها في الحقيقة لأن دلالة كل من الطرفين على حرمة خصوص المذكورات فيها انّما هي بالصراحة وعلى عدم حرمة ما عداها انّما هي بالظهور فيتصرف في ظهور كل منهما بنصّ الآخر بمقتضى قاعدة حمل الظاهر على الأظهر أو النص فان صحيحة معاوية بن عمّار وان كانت مشتملة على اداة الحصر ومتعرضة لعنوان الأربعة مضافاً الى كون الأنواع المذكورة فيها أربعة إلاّ ان كل ذلك لايوجب صراحتها في عدم حرمة عنوان خامس غير العناوين الأربعة المذكورة فيها بل مقتضى الوضع وكون كلمة «انّما» موضوعة للحصر لايتجاوز عن الظهور كظهور الأسد في معناه الحقيقي المستند الى الوضع وكذا عنوان «الأربعة» وعدّ العناوين كذلك فان شيئاً منهما وكذا المجموع لايوجب الصراحة في نفي الخامس بل لايكون في البين إلاّ مجرّد الظهور، وكذا الروايتان الآخرتان فانهما وان كانتا بلسان الحكومة وناظرتين الى تفسير عنوان الطيب الذي وقع متعلقاً للحرمة الاحرامية في أدلّة التحريم إلاّ ان دلالتهما لاتبلغ حدّ الصراحة في جانب النفي وان كانت صريحة بالاضافة الى جانب الاثبات فمقتضى الجمع هو الحكم بكون المحرّم هو العناوين الخمسة.

ومن أضاف اليها الكافور فمستنده ما دلّ عل يمنع الميّت المحرم منه فالحيّ أولى وان كان مخدوشاً لمنع الأولوية فان المحرم اذا عرض له الموت لايبقى له وصف المحرمية بوجه بل الظاهر انه حكم تعبدي لايجوز التعدّي عن مورده.

هذا ويمكن المناقشة في الجمع المذكور بعدم كونه مقبولاً عند العقلاء والعرف موجباً لخروج الطرفين عن عنوان المتعارضين الذي هو الموضوع في الأخبار العلاجية


(27)

. . . . . . . . . . .

مثل مقبولة عمر بن حنظلة المعروفة.

نعم ما يترتب على الجمع المزبور هو وجود الضعف في دلالة هذه الأخبار في مقابل الأخبار الدالة على حرمة مطلق الطيب ولابد من ملاحظتها ايضاً ثم النظر فيما يقتضيه الجمع فنقول:

منها: صحيحة محمد بن اسماعيل ـ يعني ابن بزيع ـ قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام)كشف بين يديه طيب لينظر اليه وهو محرم فأمسك بيده على أنفه بثوبه من ريحه(1).

والظاهر انه لايستفاد منها حرمة الطيب بنحو الاطلاق لأنّ الحاكي لفعل الامام (عليه السلام)هو الرّاوي لا امام آخر حتى يمكن التمسك باطلاق كلامه في مقام الحكاية اذا كان بصدد بيان الحكم كما نبهّنا عليه مراراً ومن الظاهر ان الطيب المكشوف بين يدي الامام (عليه السلام) كان نوعاً خاصاً فلا دلالة لهذه الرواية على الاطلاق.

ومنها رواية سدير قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الملح فيه زعفران للمحرم؟ قال: لاينبغي أن يأكل شيئاً فيه زعفران، ولا شيئاً من الطيب...(2) وفي نسخة من الوسائل: ولا يطعم شيئاً من الطيب والظاهر ان «لا» في هذه النسخة للنهي لا زائدة وعلى كلتا النسختين فلا شبهة في كون المراد لاينبغي هي الحرمة لحرمة الزعفران.

ومنها رواية عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا تمسّ ريحاناً وأنت محرم، ولا شيئاً فيه زعفران ولا تطعم طعاماً فيه زعفران(3). ونقل مثلها عن الشيخ في الوسائل وجعلهما روايتين وأوردهما في باب واحد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني عشر، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح2.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح3.


(28)

. . . . . . . . . . .

ومنها مرسلة حريز عمّن أخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذّذ به ولا بريح طيبة فمن ابتلى بذلك فليتصدق بقدر ما صنع قدر سعته(1).

وقد رواها في الوسائل عن الكليني هكذا ولكنه رواها عن الشيخ مسنداً وجعلها رواية اُخرى أورد كلتيهما في باب واحد مع وضوح وحدة الرواية وكون الاختلاف في المتن يسيراً جدّاً حيث لاتكون الرواية الثانية مشتملة على قوله: ولا بريح طيبة وذكر فيها مكان «قدر سعته»: بقدر شبعه يعني من الطعام، والظاهر ان قربهما في الكتابة يوجب الظن بكون أحدهما تصحيف الآخر.

ومنها رواية النضر بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث ان المرأة المُحْرِمة لاتمسّ طيباً(2). ومن الواضح عدم اختصاص الحكم بالمرأة المحرمة لأنه لا قائل بالفرق بينها وبين الرجل في هذا الحكم والمناقشة في السند باعتبار اشتماله على سهل بن زياد مدفوعة بكون استناد المشهور الى مثلها جابراً لضعفها.

ومنها رواية منصور بن حازم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال اذا كنت متمتعاً فلا تقرّبنّ شيئاً فيه صفرة حتى تطوف بالبيت(3). والظاهر ان المراد من الصفرة الزعفران والورس ولا تشمل الرواية غيرهما.

ومنها رواية حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله ـ عزّوجلّ ـ: ثم ليقضوا تفثهم قال: التفث حفوف الرجل من الطيب فاذا قضى نسكه حلّ له الطيب(4).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح6.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح7.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح12.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح17.


(29)

. . . . . . . . . . .

والمراد من الحفوف بعد العهد بسبب الاحرام من تطييب الرجل الذي كان معمولاً في تلك الأزمنة وعليه فالمراد من الآية انه بعد قضاء مناسك الحج يجوز لهم العود الى ما كانوا عليه والرواية ظاهرة في حرمة الطيّب حال الاحرام وان حليته متوقفة على قضاء النسك.

ومنها مرسلة الصدوق المعتبرة قال: وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) اذا تجهّز الى مكّة قال لأهله: ايّاكم ان تجعلوا في زادنا شيئاً من الطيب ولا الزعفران نأكله أو نطعمه(1). ولكنه، حيث يكون الحاكي لفعل الامام (عليه السلام) هو غيره من الرواة فلا دلالة في الحكاية على كون العلّة في النهي هي حرمة الطيب مطلقاً ومن الممكن ان يكون بعض أنواعه مكروهاً غير محرّم عنده (عليه السلام) وكانت الكراهة هي العلّة في النهي كما لايخفى.

ومنها رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسياً فلا شيء عليه ويستغفر الله ويتوب اليه(2). وهذه الرواية من أحسن الروايات التي يمكن الاستدلال بها للمشهور ولا مجال لحملها على الكراهة بوجه حيث انّها لاتجتمع مع ثبوت الكفارة خصوصاً كفارة الدّم.

ومنها رواية معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل مسّ الطيب ناسياً وهو محرم قال: يغسل يده ويلبيّ(3).

والسؤال ظاهر في كون حرمة الطيب على المحرم مفروغاً عنها عند السائل وانما السؤال عن خصوص حال النسيان والجواب تقرير له، مضافاً الى ظهوره في وجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح18.

(2) الوسائل، ابواب بقيّة كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح1.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح2.


(30)

. . . . . . . . . . .

غسل اليد بعد زوال النسيان.

ومنها رواية الحسن بن زياد قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) وضّأني الغلام ولم أعلم "بدستشان" فيه طيب، فغسلت يدي وانا محرم، فقال: تصدّق بشيء لذلك(1).

قيل: دستشان معرب دست شود ويحتمل كونه مصحف الاشنان الذي وقع التعرض له في بعض الروايات، ويحتمل ان يكون مجموع الكلمة فارسيّاً قد استعمل لكون السائل من الفرس.

ومنها رواية اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم يمسّ الطيب وهو نائم لايعلم. قال: يغسله وليس عليه شيء. و «سئلته خ ل» عن المحرم يدهنه الحلال بالدهن الطيب والمحرم لايعلم ما عليه، قال: لا شيء يغسله أيضاً وليحذر...(2)

ومنها رواية اُخرى للحسن بن زياد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: الاشنان فيه الطيب أغسل به يدي وانا محرم؟ فقال اذا أردتم الاحرام فانظروا مزاودكم فاعزلوا الذي لاتحتاجون اليه، وقال: تصدّق بشيء كفارة للاشنان الذي غسلت به يدك(3).

ومن المحتمل قوّياً ان تكون هذه الرواية هي رواية الحسن بن زياد المتقدمة وعليه فيظهر ان الكلمة في تلك الرواية اشنان لا الاحتمالات الاُخر واشتمال هذه على بعض الاُمور الاُخر لاينافي الاتحاد بوجه.

ومنها مرسلة المفيد (قدس سره) في المقنعة وهي معتبرة أيضاً قال: قال (عليه السلام): كفارة مسّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح4.

(2) الوسائل، ابواب بقيّة كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح7.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح8.


(31)

. . . . . . . . . . .

الطيب للمحرم ان يستغفر الله...(1)

ومنها غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المجال.

ثمّ ان صاحب الجواهر (قدس سره) تبع المحقق صاحب الشرايع في جعل القول بالعموم هو الأظهر وقال بعد توصيف القول بالأربعة بكونه في غاية الندرة: «ومنه يعلم المناقشة في الحصر في الصحيح بالأربعة المشتمل على ما لا يقول به أحد من الكفارة بانه لابد من صرفه عن ظاهره بالنسبة الى الكافور والعود لما عرفت فيكون مجازاً بالنسبة الى ذلك وهو ليس بأولى من ابقاء العموم على حاله وحمله على ما هو أغلظ تحريماً أو المختص بالكفارة بل لعلّه أولى وان كان التخصيص بالترجيح أحرى من المجاز حيث ما تعارضا، فان ذلك حيث لايلزم إلاّ أحدهما، وامّا اذا لزم المجاز على كلّ تقدير فلا ريب في انّ اختيار فرد منه يجامع العموم أولى من الذي يلزم معه التخصيص كما لايخفى والعمدة كثرة النصوص المزبورة مع عمل المشهور بمضمونهما واشتمال بعضها على التعليل بانه لاينبغي للمحرم التلذذ بذلك المناسب لمعنى الاحرام ولما ورد في دعائه من احرام الايف وغيره فيكون الظنّ بها أقوى...».

ومحصله ـ مع تقريب منّا ـ انه في الدوران بين المجاز والتخصيص وان كان الترجيح مع الثاني امّا لعدم كون التخصيص مستلزماً للمجازية كما قد حقق في الاصول لأنه تصرف في الارادة الجدية ومانع عن جريان اصالة التطابق بين الارادتين: ـ الاستعمالية والجدية ـ ولا يستلزم التصرف في الإرادة الاستعمالية بحيث يكون كاشفاً عن ان المستعمل فيه غير العموم، وامّا لكونه أغلب من المجاز نظراً الى انه ما من عام إلاّ وقد خصّ كما اشتهر إلاّ ان مورد هذا الترجيح، ما اذا لم يكن التخصيص في مورد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقيّة كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح9.


(32)

. . . . . . . . . . .

مستلزماً للمجازية أيضاً وامّا في صورة الاستلزام فالترجيح مع عدمه لبقاء اصالة المعموم على حالها والمقام من هذا القبيل للزوم التصرف في روايات الأربعة جميعاً حتى الصحيحة المشتملة على أداة الحصر الظاهر في الحصر الحقيقي خصوصاً مع التعرّض لعنوان «الأربعة» لأنك عرفت ان مقتضى الجمع بين هذه الروايات جعل الأنواع المحرّمة خمسة وبضميمة الكافور ستة وعليه فالتخصيص أيضاً يوجب الحمل على خلاف الظاهر فلا يبقى مجال لترجيح التخصيص على المجاز مع استلزام الطرفين له، امّا التخصيص فلما عرفت، وامّا العموم فلأن حمل هذه الروايات على تأكد الحرمة وأشديتها أو على كون المراد من الطيب المذكور هو الطيب المحرّم الموجب للكفّارة على خلاف الظاهر فالمجازية لازمة على كلا التقديرين والترجيح مع المجاز الذي لاينافي انحفاظ اصالة العموم خصوصاً مع وجود الشهرة المؤيدة وساير المؤيدات المذكورة في كلامه.

وقد أورد على هذا الكلام بعض الاعاظم (قدس سرهم) على ما في تقريرات بحثه بما حاصله: «انه لايلزم من تخصيص العمومات بالحصر المذكور في صحيحة معاوية بن عمّار مجاز أصلاً لا في العام لعدم كون التخصيص مستلزماً للمجازية في العام ولا في الحصر نظراً الى لزوم حمله على الاضافي بالنسبة الى العود والكافور لأن أدوات الحصر كألفاظ العموم تدلّ على حصر متلوّها فان قيل ما جائني إلاّ زيد يكون مفاد «ما و إلاّ» حصر المجيء في زيد، وان قيل إلاّ زيد وعمرو يكون الحصر ثابتاً في اثنين وهكذا فأداة الحصر نظير الفاظ العموم حيث انه لا فرق فيها بين ان يقول: اكرم كلّ رجل، وبين ان يقول اكرم كل رجل عالم وعليه فكلمة «انّما» في الصحيحة انما تفيد الحصر وامّا كون المحصور فيه خصوص الأربعة فمنوط بعدم دليل على حرمة غيرها ومعه يكون


(33)

. . . . . . . . . . .

المحصور فيه أزيد من الأربعة فاتضح انه لايلزم في صورة التخصيص مجاز أصلاً كما انه على تقدير عدمه والحمل على الأغلظية أو خصوص ما يوجب الكفارة وان كان يرد عليه انه بلا شاهد لعدم وضوح كونه جمعاً عرفيّاً لكنه لايوجب المجازية بوجه فالمجاز لايلزم على شيء من التقديرين».

والجواب عن هذا الايراد امّا في صورة التخصيص فلأنّ أداة الحصر وان كانت تدلّ على حصر متلوّها كما أفاده (قدس سره) إلاّ انّها اذا استعملت مع متلو واحد ـ مثلاً ـ فقال: ماجائني من العدم إلاّ زيد ثم اخبر بكلام منفصل باشتراك عمرو مع زيد في المجيء من دون ان يكون في الخبر اشعار بالعدول عمّا اخبر به اوّلاً وانه قد نسي مجيء عمرو مثلاً فهل يمكن ان يُقال بان هذا الخبر الثاني لاينافي ظاهر ما اشتمل على أداة الحصر ويكون مثل ما اذا اخبر أوّلاً بمجيء زيد من دون الاشتمال على أدات الحصر، الظاهر انه لا مجال للالتزام بذلك، لأنّ مرجعه الى توقف دلالة القول الأوّل على حصر المجيء في خصوص زيد على عدم مجيء دليل آخر على مجيء عمرو ـ مثلاً ـ ومن الظاهر عدم امكان الالتزام بذلك خصوصاً في مثل الصحيحة التي تكون مشتملة على عنوان «الأربعة» زائداً على كلمة «انّما» فان مقتضى ما أفاده عدم ظهور الصحيحة في نفسها في الحصر في الأربعة وتوقف دلالتها عليه على عدم ثبوت عنوان خامس أو أزيد فالانصاف ان التخصيص يستلزم خلاف الظاهر من هذه الجهة.

وامّا في صورة انحفاظ العام وعدم التخصيص فالظاهر ان حمل النهي على الأغلظية مخالف لما هو ظاهره لأن مفاده أصل الحرمة لا تأكّدها كما ان تخصيص مورده بخصوص ما يوجب الكفارة أيضاً كذلك وتجري مثل ذلك فيما اشتمل على تفسير الطيب بالأربعة من الروايات المتقدمة فان الظاهر كون اللام في «الطيب» اشارة


(34)

. . . . . . . . . . .

الى ماهو المحرم في حال الاحرام المعهود عند المسلمين لما عرفت من كون حرمة الطيب في الجملة في حال الاحرام من الامور المسلّمة بين الفريقين وحمله على الطيب الذي يكون آكد في الحرمة وأغلظ فيها أو الذي يكون موجباً للكفارة من بين الأنواع المشتركة في أصل الحرمة الاحرامية خلاف الظاهر جدّاً فانقدح انه لايرد اشكال على صاحب الجواهر (قدس سره) من هذه الجهة.

هذا، والذي يقتضيه التحقيق في مقام الجمع بين الطائفتين من الروايات الواردة في المقام هو حمل الطائفة الدالة على حرمة الطيب مطلقاً وبجميع أنواعه على الكراهة وتخصيص الحرمة بخصوص العناوين الخمسة الواردة في الطائفة الثانية وذلك لأنّ لسان هذه الطائفة امّا لسان الحصر وان كان المحصور فيه زائداً على الأربعة المذكورة لاقتضاء الجمع بين روايات نفس هذه الطائفة لذلك كما في صحيحة معاوية بن عمّار. وامّا لسان التفسير والحكومة ومرجعه الى بيان ان الطيب الذي تكون حرمته في حال الاحرام معهودة عبارة عن الأربعة المذكورة فيه وان كان مقتضى الجمع بين الدليلين الحاكمين هو وجود عنوان خامس إلاّ انّ زيادة عنوان آخر لايوجب التزلزل في أصل الحكومة ولا رفع اليد عن مفاد كلمة «انّما» الذي هو عدم عمومية الحرمة لجميع أنواع الطيب فمقتضى الجمع الدلالي الذي يوجب الخروج عن عنوان «المتعارضين» ولا تصل النوبة الى المرجحات حتى الشهرة الفتوائية هو الحكم باختصاص الحرمة بالأنواع الخمسة وحمل ما دلّ على النهي عن المطلق على الكراهة واللازم على هذا التقدير حمل مادلّ على ثبوت الكفارة في مطلق الطيب على كون المراد واحداً من تلك الأنواع الخمسة وكيف يجتمع لسان الحكومة الموجود في أكثر هذه الطائفة مع عموم النهي كما انه لايجتمع معه لسان الحصر الموجود في الصحيحة.


(35)

. . . . . . . . . . .

ويؤيد ما ذكرنا التدبّر في نفس صحيحة معاوية بن عمار المشتمل صدورها على النهي عن مسّ شيء من الطيب وكذا الدهن الذي يكون المراد به بقرينة الذيل هو الدهن الطيّب وذيلها على أمرين: أحدهما حصر المحرم من الطيب في الأربعة، وثانيهما كراهة الادهان الطيبة لغير المضطر. ومن الواضح انّ المراد من الكراهة في مقابل الحرمة هي الكراهة المصطلحة فهل الجمع بين المصدر المذكور في الرواية وبين الذيل الذي اُشير اليه، يستلزم التهافت والتنافي أو انّ مقتضاه كون الذيل قرينة على ان المراد بالصدر هي الكراهي كما انه قد صرّح بها بالنسبة الى الدهن وهل يمكن حمل الكراهة الواقعة في مقابل الحرمة على الحرمة فلا محيص عن حمل النهي في المصدر على الكراهة.

ويؤيده التعليل بانّه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة فانه لو لم تكن الرواية مشتملة على الذيل المذكور الموجب لحمل النهي في الصدر على الكراهة لما كان هذا التعبير منافياً للحرمة بوجه إلاّ ان الاشتمال على الذيل كما انّه أوجب حمل الصدر على الكراهة كذلك يوجب حمل التعليل على ما يناسب الكراهة.

كما انه يؤيد ما ذكرنا جعل الكفارة قبل بيان الأنواع المحرّمة هو التصدق بصدقة بقدر ما صنع مع ان كفارة الطيب المحرم كما دلّ عليه بعض الروايات المتقدمة، هو الدم وعليه الفتوى فاللازم ان يقال بان هذه الكفارة كفارة المكروه ولاتكون واجبة بل مستحبة. فالتدبّر في نفس هذه الصحيحة يرشدنا الى الجمع الذي ذكرنا وإلاّ يلزم التهافت أو الاضطراب في الرواية.

بقى الكلام في هذه الجهة في معنى الطيب ومفهومه سواء قلنا بتعلّق الحرمة بعنوانه بنحو الاطلاق أو قلنا بثبوت الكراهة في غير العناوين الخمسة المحرّمة فانّه على هذا


(36)

. . . . . . . . . . .

التقدير أيضاً لابد من معرفة معنى الطيب فنقول:

الظاهر انه من العناوين التي يرجع في تشخيص معناها وفهم المراد منها الى العرف واللغة، لعدم ثبوت معنى خاص له في الشريعة وتعرّض جملة من أعيان الفقهاء لتعريفه وتفسيره لا يرجع الى ثبوت معنى مخصوص له فيها بل بيان لما هو المتفاهم منه عند العرف ولا بأس بالاشارة الى نقل جملة منها فنقول:

قال العلاّمة (قدس سره) في محكى التذكرة: «انه ما تطيب رائحته ويتخذ للشمّ كالمسك والعنبر والكافور والزعفران وماء الورد والأدهان الطيّبة كدهن البنفسج والورس، والمعتبر ان يكون معظم الغرض منه التطيّب أو يظهر فيه هذا الغرض».

وقال الشهيد الأوّل: «يعني به كل جسم ذي ريح طيبة بالنسبة الى معظم الأمزجة أو الى مزاج المستعمل له غير الرياحين».

وقال في المسالك: «هو الجسم ذو الريح الطيبة المتخذة للشمّ غالباً غير الرياحين كالمسك والعنبر والزعفران وماء الورد والكافور».

والعمدة ما عرفت من ان المعيار هو المعنى العرفي واللغوي والتعاريف المزبورة ناظرة اليه وسيأتي الكلام في بعض المصاديق انشاء الله تعالى. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

الجهة الثانية: في تنقيح متعلق الحرمة من الأفعال المتعلقة بالعناوين الخاصة أو بالطيب بنحو الاطلاق ولنقدم في هذه الجهة أمراً وهو انه ربما يُقال كما في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سرهم) بكون أدلّة المقام ظاهرة في تعلق الحكم ابتداء بنفس الاعيان فتصير نظير قوله تعالى: حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... غاية الأمر لابد من الالتزام بعدم كون المراد ذلك لعدم امكان تعلق الحكم بنفس الاعيان.


(37)

. . . . . . . . . . .

ويرد عليه بطلان ما أفاده لعدم كون أدلّة المقام نظيراً للآية المزبورة، وذلك لأن صحيحة معاوية بن عمّار المشتملة على الحصر ناظرة الى نفي ثبوت الحرمة فيما عدا الأربعة المذكورة فيها، وامّا تعلّق الحرمة بنفس العناوين المتعددة التي وقعت مورداً لتعرضها، فلا دلالة لها عليه أصلاً. وبعبارة اُخرى مفادها تضييق دائرة متعلق الحكم التحريمي وتخصيصها بالأربعة.

وامّا كون الأربعة بذواتها متعلقة للحرمة فلا يستفاد منها بوجه. وأوضح منها الروايات الدالة على تفسير الطيب التي قد عرفت ان لسانها لسان الحكومة، والتوضيح فان مفادها انّ الطيب الذي يكون محرّماً في حال الاحرام وتكون حرمته معهودة عبارة عن الأربعة المذكورة فيها وامّا كون المتعلّق نفس العناوين فلا دلالة لها عليه أصلاً فالمقام لايكون نظيراً للآية المذكورة حتى يجري فيه احتمال كون حذف المتعلق مفيداً للعموم.

نعم على القول بحرمة الطيب باطلاقه يكون بعض الروايات المتقدمة الدالة على هذا الحكم مشعرة بتعلق الحكم بعنوانه وان كان أكثرها دالة على التعلّق بالفعل المتعلق به مثل المسّ المذكور في كثير منها.

وكيف كان فالتحقيق في أصل هذه الجهة ان يقال انه لا شبهة في خروج بعض الأفعال المتعلّقة بالطيب المحرّم عن دائرة الحرمة كالنظر اليه وبيعه وشرائه ومثل ذلك من الأفعال التي لايفهم العرف كونها ايضاً محرّمة ولم يقع الفتوى بها من أحد. كما ان الظاهر انه لاينبغي الارتياب في كون الاستشمام وتعلق الشم بالطيب المحرّم محرّماً لأنه القدر المتيقن الذي يدلّ عليه مفهوم الطيب ومعناه كما مرّ في التعاريف المتقدمة فان كونه عبارة عمّا يتخذ للشمّ غالباً أو انه ذو الريح الطيبة يرشد الى ان تعلق الحرمة به


(38)

. . . . . . . . . . .

يرتبط بهذه الجهة قطعاً فحرمة الشم هو القدر المتيقن، كما ان القدر المتيقن من تعلّق الحرمة بالميتة في الآية الشريفة هو حرمة أكل لحمها والاستفادة منها من هذه الجهة بل ما نحن فيه أولى من الآية، لأن الأكل لم يؤخذ في مفهوم الميتة ومعناها، لا في معناها العرفي ولا في معناها الشرعي بناء على ثبوت معنى شرعي لها وامّا الطيب فقد عرفت انه قد اُخذ في مفهومه الاتخاذ للشمّ وعليه فلا شبهة في ان هذا العنوان محرم ولا يبقى مجال للبحث فيه والترديد في انه هل يصدق على الشمّ عنوان «الاستعمال» أو لايصدق كما في بعض الكلمات، فانه لافرق فيما ذكرنا بين الصدق وعدمه خصوصاً مع عدم دلالة شيء من الروايات على تعلّق الحرمة بعنوان الاستعمال كما هو الظاهر.

هذا ومقتضى رواية زرارة المتقدمة الدالة على ثبوت الكفارة على من أكل طعاماً فيه طيب هو كون الأكل أيضاً مما تعلق به التحريم في باب الطيب من دون فرق بين القول بحرمة مطلق الطيب كما عليه المشهور أو بحرمة بعض أنواعه كما رجّحناه واحتمال كون الأكل في الرواية لا مدخلية له بل ذكره انّما هو لأجل استلزامه للشمّ مدفوع مضافاً الى منع الاستلزام لإمكان كونه فاقداً لحاسة الشمّ أو ممسكاً لأنفه في حال الأكل بانّ ظاهر الرواية كون الأكل له الموضوعية والمدخلية ولا وجه للحمل على خلاف الظاهر وعليه فتتسع دائرة متعلق الحرمة، ويجب الحكم بكون الأكل أيضاً محرّماً كالشمّ على ما عرفت.

انّما الاشكال والبحث في مسّ الطيب وقد ذكر بعض الأعاظم (قدس سرهم) على ما في تقريراته انه لاينبغي الاشكال في حرمته من جهة الاخبار الناهية عن مسّ مطلق الطيب كقوله (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمّار المتقدم: لا تمسّ شيئاً من الطيب وانت محرم ولا من الدهن... وفي صحيح حريز: لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان


(39)

. . . . . . . . . . .

ونحوهما غيرهما من الاخبار فحرمة المسّ لاتختص بالأربعة بل كل ما كان من الطيب ويصدق عليه انه منه يحرم مسّه للاخبار المتقدمة.

وعن التذكرة التصريح بذلك حيث قال: «شمّاً ومسّاً علق به البدن أو عبقت به الرائحة واحتقاناً واكتحالاً واستعاطاً لا لضرورة ولبساً لثوب مطيب وافتراشاً له بحيث يشمّ الريح أو يباشر بدنه أو ثياب بدنه» بل قال: «لو داس بنعله طيباً فعلق بنعله وجبت الفدية».

والذي يقوي في النظر بعد التأمل في صحيحة معاوية بن عمّار انّ المسّ المنهي عنه فيها في صدر الرواية وشروعها لايراد به ما يقابل الشمّ بل ذكره انّما هو لأجل كون الاستفادة من الطيب بشمّه انّما تتحقق نوعاً بمسّه على البدن أو الثوب خصوصاً في مثل المرأة التي وقع السؤال في بعض الروايات المتقدمة عن مسّها الطيب فانّ مسّها للطيب انما يكون غالباً لأجل كونه مطلوباً لزوجها وموجباً لحصول الرغبة الزائدة اليها ومؤثراً في كمال التمتع منها.

ويؤيد ما ذكرنا في مفاد الصحيحة انه لو كان المسّ له موضوعية مستقلة في مقابل الشمّ لكان اللازم رعاية لمناسبة الحكم والموضوع التعرض في الطيب أوّلاً لحكم الشمّ الذي قد عرفت انه الفعل الظاهر المتعلق به مع انه لم يقع التعرض له في الرواية كذلك كما ان الظاهر ان قوله: فانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة تعليلي لجميع الاحكام المذكورة لا لخصوص قوله وامسك أنفك من الريح الطيبة وعلى تقدير كون المسّ عنواناً مستقلاً في تعلّق الحكم به لكان الأولى ذكر العلّة له لأنه بعيد عن الأذهان بخلاف الشمّ الذي تكون علّة حرمته ظاهرة.

هذا مع انّ حمل الصدر على تحريم مسّ مطلق الطيب والذيل على انحصار


(40)

. . . . . . . . . . .

الحرمة في الأربعة من دون تعرّض للشم فيها مستبعد جدّاً بل الظاهر في الجمع بين الصدر والذيل ما قدّمنا وانّ المسّ لا موضوعية له بحيث لو لم يستلزم الشمّ لجهة يكون محرّماً أيضاً.

ولأجل الجمود على ظاهر الأدلة الحاكم بحرمة المسّ وانه لا فرق فيه بين الحدوث والبقاء وقع الكلام بينهم في انه اذا تطيب بعد الاحرام هل يجوز له ان يزيله بيده أم لا بل يجب ان يزيله بآلة أو أمر غير المحرم بالإزالة لئلا يمسّ الطيب فالمحكى عن الدروس انه أمر الحلال بغسله أو غسله بآلة و المحكى عن التهذيب والتحرير التصريح بجواز ازالته بمباشرته وبنفسه وهو الموافق للروايات المتعددة الواردة في هذه المسألة ولا مجال لحملها على حال الضرورة وهو يؤيد ما ذكرنا من عدم كون المسّ بعنوانه محرّماً كما في الموارد الاُخرى التي وقع متعلقاً للحكم كمسّ الميت الذي يترتب عليه وجوب الغسل فان تحقق مسمّاه يكفي في ايجاب الغسل فهل يكون المقام ايضاً كذلك نعم لو وقع التدهين بالدهن الطيب يكون هذا محرّماً موجباً للكفارة بل يظهر من محكى المنتهى ان عليه اجماع أهل العلم ولكن التدهين بنفسه عنوان آخر من الامور المحرَّمة للمحرم في عرض الطيب وسائر الامور، وامّا المسّ المجرد عن الشم وعن التدهين فالظاهر انه لايمكن الالتزام بحرمته خصوصاً لو قلنا بحرمة الريحان ايضاً زائداً على الطيب كما اُفيد في المتن في المسئلة الآتية وقد وقع معطوفاً على الطيب في مثل صحيحة حريز المتقدمة فان اللازم ـ ح ـ الالتزام بكون مجرّد مسّ الريحان ولو لم يكن مستلزماً لِشمّه محرماً ايضاً مع انه من الواضح عدم امكان الالتزام به.

ثم ان العناوين الثلاثة الواقعة في المتن من الصبغ والاطلاء والبخور يكون المراد بالأوّل بناء على كسر الصّاد هو الادام المايع الذي يتخمر فيه الخبز وقد ورد في قوله


(41)

   مسألة 10 ـ يجب الاجتناب عن الرّياحين أي كلّ نبات فيه رائحة طيبة إلاّ بعض أقسامها البرّية كالخزامي ـ وهو نبت زهرة من أطيب الأزهار على ماقيل ـ والقيصوم والشيح والاذخر، ويستثنى من الطيب خلوق الكعبة وهو مجهول عندنا فالأحوط الاجتناب من الاجتناب من الطيب المستعمل فيها [1].

تعالى وصبغ للآكلين وبناء على فتح الصاد يكون المراد به هو الصبغ بمعنى ايجاد اللون وهو يكون مستلزماً لاستشمام رائحته كما ان الاول يكون مستلزماً لأكله. وامّا الاطلاء فهو بمعنى المسح الملازم للشمّ والبخور بمعنى التبخير كذلك.

الجهة الثالثة: في عدم حرمة الزنجبيل والدارصينى امّا بناء على اختصاص الحرمة ببعض انواع الطيب فواضح وامّا بناء على ما ذهب اليه المشهور من الاطلاق فلأجل عدم كونهما من أنواع الطيب بعدما عرفت من مدخلية الاتخاذ للشمّ غالباً في معناه نعم سيأتي من المبسوط كلام يظهر منه انّ جميع هذه الامور يصدق عليه عنوان الطيب وان كان بين أنواعه اختلاف في الحكم فانتظر...

[1] يقع الكلام في المسألة في أمرين:

الامر الاوّل: في الرياحين ولنقدم قبل التعرض لحكمها كلاماً محكيّاً من الشيخ في المبسوط فنقول قال فيه: «الطيب على ضربين: احدهما «ماظ» تجب فيه الكفارة وهي الاجناس الستّة التي ذكرناها: المسك والعنبر والكافور والزعفران والعود والورس. والضرب الآخر على ثلاثة أضرب:

أولهما: ينبت للطيب ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والجبزي (والخبزي خ ل) والكازي والنيلوفر فهذا يكره ولا يتعلق باستعماله كفارة إلاّ ان يتخذ منه الادهان الطيبة فيدهن بها فيتعلق بها كفارة.

وثانيها: لاينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الفواكه كالتفاح والسفرجل


(42)

. . . . . . . . . . .

والنارنج والاترج والدارصيني والمصطكي والزنجبيل والشيح والقيصوم والاذخر وحبق الماء والسعد ونحو ذلك، وكل ذلك لاتتعلق به كفارة ولا هو محرم بلا خلاف وكذلك حكم أنوارها وأورادها وكذلك ما يعتصر منها من الماء والأولى تجنب ذلك للمحرم.

الثالث: ماينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الريحان الفارسي ولا تتعلق به كفارة ويكره استعماله وفيه خلاف».

ومراده من الكراهة في الموردين هو مجرد الحرمة الخالية عن الكفارة الكراهةِ المصطلحة فانَّ الشيخ كما مَرَّ ييقول فى المبسوط بمقالة المشهور وهي حرمة مطلق الطيب غاية الامر اَنَّه يخصّص الكفّارة بخصوص الاجناس الستة التي ذكرها كما انه يعمّمها للتدهين. وظاهره انّ المَقسَم لجميع هذه الضروب الأربعة هو عنوان الطيب فاللازم ان يقال بعدم كون مراده هو الطيب بالمعنى العرفي الذي قد عرفت تعريفه في كلمات جماعة من الفقهاء ـ فانه لايشمل الجميع كما هو واضح.

اذا عرفت ذلك فاعلم انّ الروايات الواردة في الرياحين على طائفتين:

احداهما: ما تدلّ على الحرمة بنحو الاطلاق وهي ثلاث روايات:

الأولى: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي (عليه السلام) قال: لاتمسّ ريحاناً وانت محرم، ولا شيئاً فيه زعفران، ولا تطعم طعاماً فيه زعفران(1). وهذه الرواية كما انّها معتبرة من حيث السنّد ظاهرة من حيث الدلالة على ان مسّ الريحان وشمّه حرام في حال الاحرام وانّ الريحان مغاير للطيب ولايكون من مصاديقه كما ان الظاهر انّ المراد بالريحان هو الريحان العربي الذي هو عبارة عن مطلق النبات الذي يكون فيه رائحة طيبة لا الريحان الفارسي الذي هو نوع خاص مثل النعناع وغيره ولا فرق في الريحان المطلق بين البريّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح3.


(43)

. . . . . . . . . . .

وبين ما ينبته الآدمي.

الثانية: مرسلة حريز عمّن أخبره عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به ولا يربح طيبة فمن ابتلى بذلك فليتصدّق بقدر ما صنع قدر سعته(1).

الثالثة: صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع شبعه يعني من الطعام...(2)

ولا شبهة في اتّحاد الروايتين وان كلمة «شبعه» تصحيف لـ «سعته» أو بالعكس لِقربهما في الكتابة ولأجل الاتحاد استشكل في اعتبار سند الرواية لأجل ترددها بين كونها مسندة أو مرسلة كما انه بناء على ما اخترناه من عدم حرمة مطلق الطيب لابدّ من حمل النهي فيها على الكراهة بخلاف الصحيحة الأولى الظاهرة في الحرمة لكون الزعفران من الأنواع التي لاشبهة في حرمته.

نعم بناء على مختار المتن من حرمة مطلق الطيب تكون الروايتان ظاهرتين من حيث الدلالة على الحرمة وان كان ربما يقع الاشكال في الدلالة بناء عليه من جهة الكفارة المذكورة فيهما حيث ان كفارة استعمال الطيب كما سيأتي هو دم شاة إلاّ ان يحمل قوله: فمن ابتلى على غير صورة العمد والالتفات ويأتي البحث فيها انشاء الله تعالى وكيف كان ففي الصحيحة الأولى كفاية لما عرفت من خلوها عن المناقشة من حيث السند والدلالة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح6.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح11.


(44)

. . . . . . . . . . .

ثانيتهما: ما تدلّ على جواز شمّ جملة من الرياحين وهي صحيحة معاوية بن عمّار قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام) لابأس ان تشمّ الاذخر والقيصوم والخزامي والشيح وأشباهه وأنت محرم(1). وقد رواها المشايخ الثلاثة عنه.

وهل المراد بقوله: وأشباهه هي أشباه المذكورات من خصوص النباتات البرية التي لها رائحة طيبة فتدلّ على عدم حرمة خصوص تلك النباتات أو ان المراد به مطلق الرياحين أعم من البريّة وغيرها.

فعلى الأوّل يكون مقتضى الجميع بين الطائفتين حمل الطائفة الأولى على النباتات غير البرية كالريحان الفارسي والنعناع وغيرهما والحكم بعدم حرمة خصوص النباتات البريّة التي لها رائحة طيبة وهذا هو الطريق الذي سلكه الماتن (قدس سره).

وعلى الثاني يكون مقتضى الجمع هو حمل الأولى على الكراهة لأنه بعد دلالة الثانية على نفي البأس عن مطلق الرياحين لابدّ من حمل الأولى على الكراهة والحكم بعدم حرمتها على المحرم زائدة على الطيب ويؤيده قوله (عليه السلام) في بعض الروايات المتقدمة في الطيب فانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة وقد اختار هذا الوجه بعض الاعلام (قدس سرهم).

هذا ولكن الظاهر هو الطريق الأوّل ولو بناء على المختار من اختصاص الحرمة في الطيب ببعض الأنواع وذلك لأنه لو كان المراد من أشباهه مطلق الرياحين لكان التعرض لما ينبتُهُ الآدمي ممّا هو محل الابتلاء نوعاً أولى ولا ملائمة بينه وبين التعرّض للعناوين الخاصة من النباتات البرية وافادة اطلاق الحكم وعمومه بمجرد قوله « واشباهه » مع ان حمل الصحيحة الأولى على الكراهة مع عطف الزعفران على الريحان مسّاً وطعاماً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والعشرون، ح1.


(45)

. . . . . . . . . . .

لامجال له بعد وضوح ثبوت الحرمة في الزعفران.

وامّا ما أفاده البعض المتقدم من انه لايحتمل ان الريحان أشدّ من سائر أفراد الطيب والعطور فيردّ عليه بعد كون مثل هذه الاحكام من الأحكام التعبدية التي لا طريق الى استكشاف ملاكها إلاّ بالظنون غير المعتبرة انّ مثل هذا الايراد يردُ على نفسه ايضاً فان سائر افراد الطيب والعطور ربما يكون أشدّ في الجهة المطلوبة من الطيب من الأنواع الخمسة التي خص الحكم بالحرمة بها.

نعم ما أورده على صاحب الحدائق بعد حكاية اضافة الريحان الى الانواع الخمسة عنه الظاهرة في كون مراده هو الريحان الفارسي من ان الريحان في لغة العرب اسم لكل نبات له رائحة طيبة ويجمع على رياحين فالرواية الأولى ظاهرة في حرمة مطلق الريحان في نفسها صحيح لا مجال للخدشة فيه.

وقد انقدح مما ذكرنا صحة ما افيد في المتن من التفصيل في الرياحين وان قلنا باختصاص حرمة الطيب ببعض الأنواع.

الأمر الثاني في استثناء خلوق الكعبة والمحكى عن المغرب والمعرب انه ضرب من الطيب مايع فيه صفرة، وعن النهاية انه طيب معروف مركب من الزعفران وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة. وعن ابن خبرله في منهاجه: «ان صفته زعفران ثلاثة دراهم، قصب الذريرة خمسة دراهم، اشند درهمان، قرنفل وقرفد من كلّ واحد درهم يدقّ ناعماً وينخل ويعجن بماء ورد ودهن ورد حتى يصير كالرّهشي في قوامه، والرهشي هو السمسم المطحون قبل ان يعصر ويستخرج دهنه».

والظاهر انه كان معروفاً في زمن صدور الروايات وانه كان طيباً مركّباً من أنواع الطيب ومن أجزائه الركنية الزعفران كما ان طلى الكعبة به يرشد الى اشتماله على بعض


(46)

. . . . . . . . . . .

الأدهان والمناسب كونه دهن الورد كما عن المنهاج.

هذا ولكن أفاد الماتن (قدس سره) ان خلوق الكعبة مجهول عنده بمعنى انه لايعلم كونه من أي قسم من أقسام الطيب وانه مركب من أزيد من قسم واحد أو غير مركّب بعد كون استثنائه مقتضى النص والفتوى بل في المنتهى ومحكىّ الخلاف الاجماع عليه وظاهر المتن انه مع الجهالة يكون مقتضى القاعدة لزوم الاحتياط عن الطيب المستعمل في الكعبة حيث انه فرّع الاحتياط عليها ويرد عليه انه على هذا التقدير يكون مقتضى القاعدة عدم لزوم الاحتياط وذلك لأنّ أدلّة استثناء الخلوق بمنزلة المقيد للأدلة الدالة على حرمة الطيب بقول مطلق بناء على مختاره أو خصوص الأنواع الخمسة بناء على ما اخترناه واذا كان الدليل المقيد مجملاً بحسب المفهوم وكان دائراً بين المتبائنين ـ مثلاً ـ دون الأقل والأكثر لا مجال للرجوع الى اصالة الاطلاق أو اصالة العموم في شيء منهما بل تجري اصالة البراءة فاذا قال المولى اكرم العلماء ثم قال بدليل منفصل لايجب اكرام زيد العالم وكان زيد العالم مردداً بين زيد بن عمرو وزيد بن بكر لكون كليهما عالمين تجري اصالة البرائة عن وجوب اكرام كل منهما لمعارضة اصالة العموم في كل واحد مع اصالة العموم في الآخر وليس هنا علم اجمالي بثبوت التكليف في البين ولا ما يقوم مقامه مثل البنية بل ليس في البين إلاّ أصالة العموم وهي في كل واحد منهما معارضة مع الاُخرى ولازم التعارض التساقط والرجوع الى اصالة البرائة والمقام من هذا القبيل.

وكيف كان فالروايات الواردة في هذا الباب متعددة مثل:

صحيحة عبدالله بن سنان قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن خلوق الكعبة يصيب


(47)

. . . . . . . . . . .

ثوب المحرم قال: لابأس ولا يغسله فانه طهور(1). والمراد بالطهور بعد كون مقتضى صيغته هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره وبعد وضوح عدم كون المراد هنا التطهير من النجاسة الخبيثة التي يجب الاجتناب عنها في الصلاة وغيرها هو ما يوجب زوال الأوساخ والقذارات العرفية الملتصقة بالكعبة لأجل كثرة استلامها ومسّها من الطوائف المختلفة من المسلمين مع اختلافهم في رعاية النظافة وعدمها فالخلوق يوجب زوال تلك الأوساخ وعدم التلطّح بها بعد الزوال سريعاً لأنه ليس مثل الماء بل أمر باق يمنع عن التلطّح كذلك وعليه فمرجع التعليل الى انه ليس المراد من طلي الكعبة بالخلوق هو حصول الريح الطيبة لها بل الغرض كونه مطهّراً لها عن الأوساخ العرفيّة ولأجله لابأس بان يصيب ثوب المحرم ولا يجب عليه غسله وفي هذه الأزمنة يستعمل ماء الورد فى هذه الجهة وتستعمل كلمة «شست شو» بالفارسية التي هي عبارة عن المطهرية عن الاوساخ.

وصحيحة يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة قال: لايضرّه ولا يغسله(2). ويستفاد من هذه الرواية كون الزعفران من الأجزاء الركنية للخلوق والظاهر ان الوجه فيه اشتمال الزعفران على خصوصيتين الرائحة واللون الجالب، واحتمال كون الزعفران في الرواية أمراً آخر غير مرتبط بالخلوق في غاية البعد.

وصحيحة حمّاد بن عثمان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن خلوق الكعبة وخلوق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح2.


(48)

. . . . . . . . . . .

القبر يكون في ثوب الاحرام فقال: لابأس بهما، هما طهوران(1). وقد أفتى باستثناء خلوق القبر أيضاً ابن سعيد استناداً الى هذه الرواية والظاهر بمقتضى ما ذكرنا ان المراد هي القبور التي كانت مزاراً لجماعة من المسلمين وكانت الزيادة لانتقال بعض الأوساخ اليها لارتفاعها عن سطح الأرض، كما كانت متعارفة في تلك الأزمنة وفي بلادنا في هذه الأزمنة أيضاً.

وموثقة سماعة انه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصيب ثوبه زعفران الكعبة وهو محرم فقال لابأس به وهو طهور فلا تتقّه ان تصيبك(2).

ومرسلة ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سئل عن خلوق الكعبة للمحرم أيغسل منه الثوب قال لا هو طهور ثم قال ان بثوبي منه لطخاً(3).

انه بملاحظة هذه الروايات لايبقى مجال للاشكال في أصل الحكم ومورد الجميع وان كان هي اصابة الخلوق أو الزعفران الذي فيه ثوب المحرم وانه لابأس بهما ولا يجب غسل ما أصاب منه اليه إلاّ انّه يستفاد منها انه لا مانع من شمّ الطيب الذي في الخلوق لأنّه وان اُريد به الطهورية بالمعنى الذي ذكرنا إلاّ انه لايخلو من الرائحة الطيبة لا محالة فاستلام الكعبة ومسّها يلازم الشمّ عادة ولا مجال لاحتمال كون مفاد الروايات مجرد نفي البأس عن اصابة الثوب ولا دلالة لها على جواز الشم ايضاً فان المتفاهم العرفي منها كون الخلوق مستثنى بجميع الأفعال المحرّمة المتعلقة بالطيب لا خصوص اصابة الثوب وإلاّ يلزم ان تكون اصابة البدن ايضاً محرّمة لخروجها عن مورد الروايات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح3.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح4.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والعشرون، ح5.


(49)

   مسألة 11 ـ لايجب الاجتناب عن الفواكه الطيبة كالتُّفاح والاترج أكلاً واستشماماً، وان كان الأحوط ترك استشمامه [1].

مع ان وضوح خلافه لا شبهة فيه.

ثمّ انّ قوله (عليه السلام) فانه طهور في صحيحة عبدالله بن سنان الظاهر في كونه علّة للحكم بعدم وجوب الاجتناب يدلّ على عدم اختصاص الحكم بالخلوق لدوران الحكم سعة وضيقاً مدار العلّة كذلك فكل طيب يكون متّصفاً بالطهورية لايلزم الاجتناب عنه وعليه فماء الورد المستعمل في تطهير الكعبة في هذه الأزمنة يكون مستثنى من الطيب المحرَّم بناء على مقالة المشهور لوجود العلّة فيه وهذا بخلاف التجمير الذي يحمل على الخلوق ويكون زائداً عنه فان هذه الروايات لا دلالة لها على جواز شمّه لعدم كونه طهوراً بالمعنى الذي ذكرناه.

وعليه فيشكل حكمه بل المحكى عن المسالك انه حرّم غير الخلوق اذا طيبت به الكعبة بالتجمير أو غيره اقتصاراً على المنصوص.

قال: لكن لايحرم عليه الجلوس فيها وعندها ـ ح ـ وانّما يحرم الشمّ ولا كذلك الجلوس في سوق العطّارين وعند المتطيّب فانّه يحرم.

هذا ولكن يردّ عليه مضافاً الى انّ التجنب عن شمّه عسر ومناف لاحترام الكعبة لاستلزامه الامساك بالأنف والقبض عليه بل يستفاد من الأدلة الدالة على جواز الجلوس عندها بل استحبابها عدم لزوم القبض على الأنف خصوصاً مع عدم اشعار شيء منها بذلك.

انّ الرواية الواردة في جواز شمّ المحرم الطيب من ريح العطارين بين الصفا والمروة ربما يستفاد منها جواز شمّ طيب الكعبة بالأولوية أو بالغاء الخصوصية وهي صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول لابأس بالريح الطيبة


(50)

. . . . . . . . . . .

فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين ولا يسمك على أنفه(1).

ودعوى انه لامجال للتعدي عن موردها في غاية الاستبعاد نعم الظاهر اختصاص الحكم بالجواز في الموردين بما اذا لم يكن غرضه من الذهاب الى المسعى أو الجلوس عند الكعبة هو الاستشمام والالتذاذ من الريح الطيبة الموجودة فيهما بل كان الغرض الجلوس عند الكعبة الذي هو أمر مستحب بل جائز، ولو فرض عدم استحبابه بل ربما يحتمل اختصاص مورد الرواية بما اذا كان في حال السعي أو في اثنائه ولو كان جالساً لأجل التعب، وامّا لو لم يكن كذلك بل كان غرضه العبور من بين الصفا والمروة مع عدم ارادة السعي فلايجوز بل يجب الامساك على الأنف ـ ح ـ هذا ولكن دعوى ثبوت الاطلاق في الرواية من هذه الجهة غير بعيدة ومقتضى الاحتياط الوجوبي الترك.

وكيف كان فالظاهر عدم حرمة شمّ طيب الكعبة وان لم يكن حلوقاً ولا طهوراً.

[1] يقع الكلام في هذه المسألة في أمرين:

الامر الاوّل: في جواز أكل الفواكه الطيبة الريح ويدلّ عليه رواية عمّار بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن المرحم يأكل الاترج قال: نعم، قلت له رايحة طيبة قال: الاترج طعام ليس هو من الطيب(2): ومورد السؤال وان كان هو أكل الاترج إلاّ ان الجواب الثاني يدلّ على ضابطة كليّة وهي ان ما كان الغرض المهمّ منه هو الأكل ويعدّ من الأطعمة لابأس بأكله وان كان له رائحة طيبة فتدلّ على جواز أكل جميع الفواكه المتّصفة بهذا الوصف وعلى جواز أكل الرياحين التي تقدم وجوب الاجتناب عنها وان حرمة الأكل تختص بما كان طيّباً كالزعفران الذي وقع التصريح بثبوت الكفارة على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب العشرون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والعشرون، ح2.


(51)

. . . . . . . . . . .

أكله في بعض الروايات المتقدمة في الطيب.

ثم ان صاحب الوسائل أورد في هذا الباب مضافاً الى رواية عمّار روايتين اخرتين مع ان الأولى منهما لاتكون رواية بل هي نقل فتوى ابن ابي عمير والثانية رواية مرسلة رواها ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن التفاح والاترج والنبق وما طاب ريحه فقال: يمسك على شمّه ويأكله(1). واتحاد هذه الرواية مع فتواه يكشف عن كون الفتوى ايضاً انما هي بعينها الرواية المرسلة وقد مرّ غير مرّة ان مراسيل ابن ابي عمير كساير المراسيل ولا تكون حجّة.

والنبق هي ثمرة السّدر يشبه العنّاب قبل ان تشتد حمرته والمراد من قوله: وما طاب ريحه، هو ما طاب ريحه من الفواكه التي هي أطعمة معدّة للأكل لا مطلق ما طاب ريحه، والمراد من قوله: يمسك على شمه، يحتمل ان يكون المراد هو الامساك في حال الأكل ويحتمل ان يكون المراد هو الامساك على شمّه مستقلاً بحيث كان الغرض منه هي حرمة الاستشمام ولو لم يكن مقروناً بالأكل كما اذا أخذ تفّاحاً لأجل شمّه دون أكله ولكن حيث ان الرواية غير معتبرة لاتصلح لإفادة حكم الزامي وكيف كان لاشبهة في جواز أكل الفواكه المذكورة ولو لم يكن في المقام إلاّ هذه الرواية لكان المستفاد منها جواز الاستشمام الملازم للأكل لقرب عضويهما فاللازم ملاحظة الأمر الثاني.

الامر الثاني: في جواز استشمام الفواكه الطيبة الريح وعدمه وقد عرفت ان الاستشمام تارة يكون مقروناً بالأكل وملازماً معه واُخرى يكون مستقّلاً خالياً عن الأكل كما في المثال المتقدم.

والظاهر انه لو قلنا بانحصار دائرة حرمة الطيب بخصوص الأنواع الخمسة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والعشرون، ح3.


(52)

. . . . . . . . . . .

المتقدمة لا مجال للحكم بحرمة استشمام الفواكه المذكورة لأنّه وان كان قد ورد في روايتين الأمر بالامساك من الريح الطيبة إلاّ انه لابدّ بناء على هذا القول من الحمل على الاستحباب والروايتان هما صحيحة معاوية بن عمار المفصلة المتقدمة في الطيب التي ذكرنا ان ذيلها قرينة على كون النهي عن مسّ مطلق الطيب اما يراد به خصوص الأنواع المذكورة في ذيلها أو محمول على الكراهة وعلى كون الأمر بالامساك كذلك ويؤيد الاحتمال الثاني التعليل بقوله (عليه السلام): فانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة.

وصحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة ولا يمسك على أنفسه من الريح الخبيثة(1). وعلى ما ذكرنا تصير الصحيحة الأولى قرينة على حمل هذه الصحيحة ايضاً على الاستحباب وقد انقدح انه بناء على هذا القول الذي اخترناه يكون الامساك المزبور مستحباً لما عرفت.

وامّا بناء على عموم دائرة حرمة الطيب كما اختاره المتن تبعاً للمشهور فالظاهر انه لا محيص عن الحكم بوجوب الامساك ورواية عمار بن موسى لاتكون بازاء مادلّ على الوجوب لأن محط النظر فيها سؤالاً وجواباً هو مجرد الأكل ولا ملازمة بين جوازه وبين جواز الاستشمام وان قلنا بان المتفاهم العرفي منها هو جواز الاستشمام ايضاً إلاّ ان هذه الدلالة انما هي مع عدم وجود الدليل على وجوب الامساك والمفروض وجوده ثم انه على تقدير الدلالة، فغايتها الدلالة على جواز الاستشمام الملازم مع الأكل وامّا الاستشمام مستقّلاً فلا دلالة لهما على جوازه بوجه ومما ذكرنا ينقدح الاشكال على المتن حيث انه جمع بين الحكم بحرمة مطلق الطيب وبين جعل الاحتياط في ترك الاستشمام استحبابيّاً فتدبّر.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والعشرون، ح1.


(53)

مسألة 12 ـ يستثنى ما يستشم من العطر في سوق العطارين بين الصفا والمروة فيجوز ذلك [1].

مسألة 13 ـ لو اضطر الى لبس ما فيه الطيب أو أكله أو شربه يجب امساك أنفسه، ولا يجوز امساك انفه من الرائحة الخبثية نعم يجوز الفرار منها والتسخي عنها [2].

[1] الدليل على جواز ما مرّت الاشارة اليه في بحث استثناء خلوق الكعبة من صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سمعته يقول لابأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين ولا يسمك على أنفسه(1). وقد رواها المشايخ الثلاثة وأفتى الاصحاب على طبقها وقد مرّ ان القدر المتيقن من موردها بل لعلّه المتفاهم عند العرف منها مااذا كان في حال السعي الشاملة للجلوس للاستراحة عند التعب لإدامة السعي أيضاً وامّا المرور من السوق في غير تلك الحال فشمول الرواية له مشكل والاحتياط الوجوبي يقتضي الترك كما انه لو كان غرضه من الذهاب الى السوق المزبور مجرد الاستشمام لا تشمله الرواية ومورد الجواز هو استشمام الريح المنتشرة في فضاء السوق المذكور فلو أخذ قارورة من أحد الدكاكين واستشمها لايجوز قطعاً.

ثم انه على تقدير الاطلاق وعدم الاختصاص بحال السعي لايبعد ان يقال بعدم اختصاص الحكم بالسوق الواقع بين الصفا والمروة الذي كان في الأزمنة السالفة ولايكون منه أثر في هذه الأزمنة بل يشمل سائر اسواق العطارين الواقعة في طريق الحجاج والمحرمين نوعاً.

[2] لا خفاء في انه لو اضطر الى الاستفادة من الطيب بالاضافة الى بعض استعمالاته كالأكل أو الشرب لايكون سائر الاستعمالات غير المضطر اليها جائزاً بسبب الاضطرار المذكور لأن محدودة رفع الحكم التحريمي انّما هي ما اضطر اليه من فعله

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب العشرون، ح1.


(54)

. . . . . . . . . . .

ولا مجال لتوهم ان يكون الاضطرار موجباً لتوسعة الرفع بالنسبة الى الخارج عن دائرته، وعليه فالاضطرار الى الأكل. لايسوّغ الاستشمام ايضاً بل يجب عليه امساك أنفه تحرّزاً عن الشم غير المضطر اليه وهذا من الوضوح بمكان فان الاضطرار الى أكل الميتة لأجل حفظ النفس لايجوز إلاّ الأكل بالمقدار الذي يتوقف حفظ النفس عليه ولا يسوغ به أزيد من ذلك المقدار ولذا نرى في جملة من الروايات الإرجاع في مقام العلاج والمداواة الى الأدهان غير المشتملة على الريح الطيبة ففي صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال اذا خرج بالمحرم الخراج أو الدّمَل فليبطه وليداوه بسمن أو زيت(1).

وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سألته عن محرم تشققت يداه قال فقال يدهنها بزيت أو بسمن أو اهالة(2). والمراد بالأخير هو الشحم المذاب.

ونرى في بعض الروايات تجويز الاستعاط بالطيب في خصوص صورة الضرورة وهي رواية اسماعيل بن جابر التي رواها الشيخ بطريقين والصدوق باسناده عنه وقد جعله في الوسائل ثلاث روايات مع انه من الواضح كونها واحدة وان كان بينها اختلاف من حيث العبارة وهي على نقل الصدوق قد وقع التصريح في موردها بالاضطرار حيث انه سئل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم اذا اضطر الى سعوط فيه مسك من ريح تعرض له في وجهه وعلّة تصيبه فقال استعط به(3).

هذا وامّا عدم جواز امساك الأنف من الرائحة الخبيثة فقد دلّ عليه من الروايات

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح2.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع عشر، ح3.


(55)

   مسألة 14 ـ لابأس ببيع الطيب وشرائه والنظر اليه لكن يجب الاحتراز عن استشمامه [1].

المتقدمة صحيحة معاوية بن عمّار التي فصلنا الكلام فيها في البحث الذي كان مورداً للاختلاف بين المشهور وغيره وهو ان الحرام هل هو مطلق الطيب أو خصوص بعض أنواعه وكذا صحيحة الحلبي ومحمد بن مسلم المتقدمة ايضاً وقد وقع في كلتيهما الجمع بين لزوم الامساك على الأنف من الريح الطيبة وحرمة الامساك على الأنف من الريح الخبيثة فان قلنا بان المحرَّم في باب الطيب هو مطلقة فالأمر والنهي في الجملتين باقيان على ظاهرهما من الوجوب والحرمة وان لم نقل بذلك بل باختصاص الحرمة ببعض أنواع الطيب فاللازم كما ذكرنا حمل الأمر على الاستحباب خصوصاً مع التعليل في الصحيحة الأولى بانه لاينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة وعليه فهل مقتضى وحدة السياق حمل النهي أيضاً على الكراهة أو ان اشتمال كل من الجملتين على حكم خاص يمنع عن التصرف في الظهور الذي لم ينهض دليل على التصرف فيه والظاهر هو الثاني خصوصاً لو قلنا بمثله في جملة واحدة كما في قوله اغتسل للجمعة والجنابة فان قيام الدليل على استحباب الأوّل لايوجب ثبوت الاستحباب للثاني أيضاً فتدبّر.

[1] قد مرّ البحث في ذلك فيما تقدم في تنقيح متعلق الحرمة في الأفعال المضافة الى الطيب وذكرنا ان مثل هذه الأفعال خارج عن دائرة المتعلق ويدلّ على جواز النظر خصوص صحيحة محمد بن اسماعيل يعني ابن بزيع قال رأيت أبا الحسن (عليه السلام) كشف بين يديه طيب لينظر اليه وهو محرم فأمسك بيده على أنفه بثوبه من رائحته (ريحهخ ل)(1). فانّها ظاهرة في الاقتصار على الامساك على الأنف من دون اضافة غمض العين وعدم النظر خصوصاً مع كون الغرض من الكشف هو النظر اليه فتدلّ على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح1.


(56)

   مسألة 15 ـ كفارة استعمال الطيب شاة على الأحوط، ولو تكرّر منه الاستعمال فان تخلّل بين الاستعمالين الكفارة تكرّرت وإلاّ فان تكرّر في أوقات مختلفة فالأحوط الكفارة، وان تكرّر في وقت واحد لايبعد كفاية الكفارة الواحدة [1].

عدم حرمته بوجه.

[1] في هذه المسألة جهات من الكلام:

الجهة الأولى:

في اصل ثبوت الكفارة في استعمال الطيب في الجملة ولا شبهة فيه نصّاً وفتوى وستأتي النصوص الدالة عليه انشاء الله تعالى.

الجهة الثانية:

ظاهر المتن تبعاً لأكثر الأصحاب ثبوت الكفارة في جميع أنواع استعمال الطيب من الشمّ والأكل وغيرهما بعنوان واحد وقد صرّح بذلك المحقق في الشرايع حيث قال: «فمن تطيّب كان عليه دم سواء استعمله صبغاً أو اطلاءً، ابتداءً أو استدامة أو بخوراً أو في الطعام» وذكر صاحب الجواهر (قدس سره) بعده: بلا خلاف أجده فيه بل عن المنتهى الاجماع عليه بل حكى عن التذكرة والتحرير زيادة عناوين اُخر حتى انه قال في الأولى لو داس بنعله طيباً فعلق بنعله وجبت الفدية وكيف كان فاللازم في هذه الجهة ملاحظة الروايات فنقول انّها في بادئ النظر على طوائف أربع:

الطائفة الأولى ما ظاهره ثبوت كفارة الدم أو دم شاة في مورد الأكل وفي هذه الطائفة روايتان:

احداهما صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسياً فلا شيء عليه ويستغفر الله ويتوب اليه(1). ولايبعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح1.


(57)

. . . . . . . . . . .

دعوى الغاء الخصوصية من عنوان «الأكل» في هذه الرواية لو لم يكن في البين ما يدلّ على الخلاف ولذا استفيد منها أصل الحرمة بالاضافة الى مثل الشمّ أيضاً.

ثانيتهما صحيحة اُخرى له قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف ابطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة(1). فان قوله: أكل طعاماً... مطلق شامل لأكل الطعام الذي فيه الزعفران أو غيره من أنواع الطيب المحرَّم ولا مجال لدعوى اختصاصه بخصوص أكل الصيد لكن لايجري فيه الدعوى المذكورة في الصحيحة المتقدمة فتدبّر.

الطائفة الثانية ما يتوهم فيه المعارضة للطائفة الأولى وان كفارة الدم لاتكون ثابتة في مورد الأكل وهي موثقة الحسن ابن هارون عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت له أكلت خبيصاً فيه زعفران حتى شبعت «وانا محرم» قال: اذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكّة فاشتر بدرهم تمراً ثم تصدق به يكون كفارة لما أكلت، ولما دخل لعيك في احرامك ممّا لاتعلم(2). ولكن ذيل الرواية لو لم نقل بظهور السؤال في نفسه في عدم كون أكل الخبص المشتمل على الزعفران مع التعمد والالتفات الى حرمته ويؤيده قوله: حتى شبعت، ظاهر بل صريح في ان ما دخل عليه في احرامه كان ناشياً عن الجهل وعدم العلم وانّه لو كان عالماً بذلك لم يقع منه الأكل المذكور فلا تعارض الطائفة المتقدمة بوجه بل يحمل الأمر بالتصدق بالتمر الذي اشتراه بدرهم على الاستحباب لعدم تحقق مخالفة التكليف الفعلي ويمكن توجيهه بما وجهنا به الأمر بالاستغفار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثالث، ح1.


(58)

. . . . . . . . . . .

والتوبة في صحيحة زرارة الأولى ممّا تقدم وكيف كان فهذه الطائفة لاتعارض الطائفة الأولى بوجه.

الطائفة الثالثة ما يتوهّم صحة الاستدلال به لثبوت كفارة الدم في غير مورد أكل الطيب ايضاً وهي روايتان:

احداهما صحيحة معاوية بن عمّار في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، وان كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه...(1)

ويرد على الاستدلال بها مضافاً الى ان الظاهر عدم كونها رواية عن المعصوم  (عليه السلام)  ولو بنحو الاضمار بل كونها فتوى معاوية بن عمار، والفتوى لاتصلح للاستناد اليها، ان الاظهر عدم كون دهن بنفسج من الطيب اصلاً وان الحرمة التي تكشف عنها الكفارة إنّما يكون متعلقها الأدهان الذي هو عنوان مستقل من محرّمات الاحرام وسيأتي البحث عنه انشاء الله تعالى ولأجله يرد على صاحب الوسائل عدم انطباق عنوان الباب وهو ثبوت الكفارة في انواع استعمال الطيب على هذه الرواية.

ويدلّ على عدم كون دهن البنفسج من أنواع الطيب رواية أبي الحسن الاحمسي قال سَأَل ابا عبدالله (عليه السلام) سعيد بن يسار عن المحرم تكون به القرحة أو البثرة أو الدمل فقال: اجعل عليه بنفسج واشباهه ممّا ليس فيه الريح الطيبة(2).

ثانيتهما مارواه في قرب الاسناد عن عبدالله بن الحسن عن جدّه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال لكلّ شيء خرجت من حجّك فعليه «فعليك خ ل» فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح5.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح3.


(59)

. . . . . . . . . . .

دم يهريقه «تهريقه خ ل» حيث شئت(1). وحكى عن الكتاب المذكور مكان «خرجت»: «فيه خرجت».

هذا والظاهر ان الرواية مضافاً الى ضعف سندها لما عرفت مراراً من عدم توثيق عبدالله بن الحسن لا مجال للاستدلال بها لأنه على تقدير كون النسخة «خرجت» وكون المراد بالخروج من الحج هو اكمال الحج والفراغ عنه يكون مفاد الرواية ان كل شيء صار ارتكابه موجباً لثبوت الدم ولزوم اهراقه يجوز لك ان تهريقه أيّ مكان شئت ولا خصوصية لمكّة ومنى لأنّه على هذا التقدير يكون قوله: فعليه فيه دمّ تتمة للموضوع وله دخل في ثبوته ولا مجال لتوهم التمامية بمجرد قوله لكل شيء خرجت من حجّك.

نعم على تقدير كون النسخة «جرحت» التي يكون معناها عروض الجرح والنقص في الحج ولو بارتكاب بعض ما لايجوز ارتكابه فيه أو كون المراد بالخروج هو الخروج عن الطريق التي يجب عليه طيّها والمشي عليها حيث انه يطلق على العاصي انه الخارج من اطاعة أو أمر الله ونواهيه يمكن ان يقال بكون الرواية مسوّقة لإفادة ثبوت الدم بسبب الجرح أو الخروج بالمعنى المذكور لتمامية الموضوع بمجرد قوله جرحت من حجّك أو خرجت منه بهذا المعنى ولا ينافيه الدلالة على ثبوت حكم ثان وهو جواز اراقة الدم حيث شاء وايّ مكان أراد.

كما انه على هذا التقدير ايضاً يمكن ان يكون تتمة للموضوع وناظراً الى موارد ثبوت الدم فتكون الرواية مسوّقة لإفادة حكم واحد ولا دلالة لها على ان الدم في أي مورد ثابت بل لابد من نهوض الدليل عليه.

وكيف كان فالرواية مخدوشة سنداً ودلالة ولا تصلح لإفادة ثبوت الدم بنحو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح5.


(60)

. . . . . . . . . . .

الضابطة في جميع موارد التخلف وارتكاب شيء من محرّمات الاحرام حتى يكون المقام من مصاديقه لفرض عدم اختصاص الحرمة بأكل الطيب كما عرفت.

الطائفة الرابعة ما يتوهم دلالتها على ان كفارة الطيب مطلقاً أكلاً واستشماماً وغيرهما من الاستعمالات، هو التصدق دون الدم وهي روايات متعددة.

الأولى صحيحة معاوية بن عمار المفصلة المتقدمة المشتملة على قوله (عليه السلام)فمن ابتلى بشيء من ذلك فعليه غسله وليتصدق بصدقة بقدر ما صنع وانما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء الخ(1).

ولكن الظاهر عدم دلالتها على كون الكفارة هو التصدق امّا على ما اخترناه من اختصاص الحرمة في الطيب ببعض الأنواع فلما مرّ سابقاً من لزوم حمل الأمر بالتصدّق في استعمال مطلق الطيب الذي وقع النهي عنه قبل ذلك في الرواية على الاستحباب خصوصاً مع انه لا مناسبة بين الأمر بالتصدق اوّلاً ثم الحكم بالحرمة وبيانها كما في الرواية فلا محيص على هذا القول عن الحمل على الاستحباب.

واما على ما اختاره المتن تبعاً للمشهور من عموم حرمة الطيب بجميع أنواعه فالظاهر ان قوله: فمن ابتلى بشيء من ذلك يكون المتفاهم منه عرفاً صورة الجهل أو النسيان ولا يشمل صورة العمد كما في مثل حديث لاتعاد المعروف في باب الصلاة فان التعبير بالإعادة وعدمها انما يكون مورده المصلّي الذي يريد الامتثال والاتيان بالصلاة مع الاجزاء والشرائط وسائر الخصوصيات غاية الأمر انه منعه عن ذلك الجهل والنسيان وصار موجباً للاخلال ببعض ما يكون معتبراً فيها والمقام من هذا القبيل وان لم يكن بذلك الوضوح.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح8.


(61)

. . . . . . . . . . .

الثانية صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال لايمسّ المحرم شيئاً من الطيب ولا الريحان ولا يتلذذ به فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه يعني من الطعام(1). ويردّ على الاستدلال بها ما أوردناه على الاستدلال بالرواية المتقدمة على كلا المبنيين هذا مضافاً الى ثبوت الاشكال هنا من حيث السند لأن الرواية بعينها هي مرسلة الحريز عمّن أخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام)(2) ولا اختلاف بينهما إلاّ يسيراً وقد مرّ ان تردد رواية واحدة بين الارسال والاسناد يخرجه عن الحجية والاعتبار.

الثالثة موثقة الحسن بن زياد التي رواها الكليني عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت له: الاشنان فيه الطيب اغسل به يدي وانا محرم؟ فقال: اذا أردتم الاحرام فانظروا مزاودكم فاعزلوا الذي لاتحتاجون اليه وقال تصدّق بشيء كفارة للاشنان الذي غسلت به يدك(3).

والظاهر ان مورد السؤال صورة النسيان ويدلّ عليه أمران:

احدهما: قوله (عليه السلام): اذا أردتم الاحرام فانظروا مزاودكم... فانّ ذكره قبل الحكم بالتصدق بشيء كفارة لا مناسبة له اصلاً إلاّ على تقدير كون المراد انه عند ارادة الاحرام انظروا المزاود واعزلوا الذي لاتحتاجون اليه لئلا يتحقق الاستعمال المحرّم في حال النسيان.

ثانيهما: ان هذه الرواية بعينها رواها الصدوق باسناده عن الحسن بن زياد قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) وضّأني الغلام ولم أعلم بدستشان فيه طيب فغسلت يدي وانا محرم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح11.

(2) الوسائل، ابواب تروك الصلاة، الباب الثامن عشر، ح6.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح8.


(62)

. . . . . . . . . . .

فقال تصدّق بشيء لذلك(1).

فان الظاهر كون قوله: بدستشان مصحف به اشنان واحتمال كونه باللغة الفارسية التي تستعمل في بعض الروايات أحياناً كما استظهره بعض الاعلام (قدس سرهم) في غاية الضعف بل لايجتمع مع قوله: فيه طيب فتدبّر كما ان احتمال كونه معرب «دست شو» ايضاً كذلك بل المطمئن به لولا المقطوع كونه مصحف اشنان المذكور في رواية الكليني وعليه فالتصريح بعدم العلم في هذه الرواية مع اتحادها مع السابقة يفيد كون المورد صورة عدم العلم والتعمّد. نعم ربما يناقش في صحة اسناد الصدوق الى الحسن المذكور لعدم تعرّضه له في المشيخة والتحقيق في محلّه.

وقد ظهر من جميع ما ذكرنا انّ العمدة في باب الكفارة هي الطائفة الأولى وقد عرفت انه لاتبعد دعوى الغاء الخصوصية من عنوان الأكل الوارد في موردها وان المراد مطلق استعمال الطيب المحرّم وعليه فلا يبعد الذهاب الى ما عليه المشهور من ثبوت كفارة الدم مطلقاً في الأكل وغيره وعلى تقدير التنزل فالحكم في الأكل انما هو على سبيل الفتوى وفي غيره على نحو الاحتياط الوجوبي.

ومنه يظهر الاشكال على المتن حيث انّه جعل ثبوت الدم بنحو الاحتياط الوجوبي مطلقاً من دون فرق بين الأكل وغيره مع انّ الطائفة الأولى الدالة على ثبوته في الأكل لا مجال للمناقشة فيها سنداً ولا دلالة هذا تمام الكلام في الجهة الثانية.

الجهة الثالثة:

في تكرر الكفارة بتكرر استعمال الطيب وعدمه فنقول قد فصّل في المتن بين صورة تخلل الكفارة بين الاستعمالين فحكم بثبوت التكرر وبين صورة عدم التخلل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح4.


(63)

. . . . . . . . . . .

فاحتاط وجوباً ثبوت التكرر فيما اذا كان في أوقات متعددة ونفي البعد عن كفاية الكفارة الواحدة فيما اذا كان في وقت واحد والظاهر ثبوت هذا التفصيل في جميع موارد ثبوت الكفارة ولا يختص بالطيب وان مستنده القاعدة دون الرواية وان وردت الرواية في بعض الموارد كما سيأتي انشاء الله تعالى.

وكيف كان فالظاهر انه لا شبهة في التكرر في صورة التخلل لأن السبب الثاني محرَّم موجب للكفارة ولا مجال لتوهم كون الكفارة الواقعة قبل تحققه كفارة له أيضاً ولا دليل في مقابل الاطلاقات الدالة على الحرمة والكفارة على عدم كون السبب الثاني حراماً أو على عدم كونه موجباً للكفارة كما ان الظاهر اتفاق الفتاوى على التكرر في هذه الصورة، وامّا صورة عدم التخلل، فالمستفاد من الفتاوى ثبوت التكرّر فيها في الجملة لكن ظاهر الكلمات مختلف من جهة انّ الملاك في التعدد وعدمه، تعدد المجلس وعدمه أو ان الملاك تعدد الوقت ووحدته، ظاهر المتن الثاني كما عن جماعة من الفقهاء منهم الشيخ الطوسي في كتابي المبسوط والخلاف:

قال في محكى الاوّل: «الثالث الاستمتاع باللباس والطيب والقبلة فان فعل ذلك دفعة واحدة بان لبس كل ما يحتاج اليه أو تطيب بأنواع الطيب أو قبّل وأكثر منه لزمه كفارة واحدة فان فعل ذلك في أوقات متفرّقة لزمه عن كلّ دفعة كفارة سواء كفّر عن الأوّل أو لم يكفر».

وفي محكى الثاني: «تتكرر الكفارة بتكرر اللبس والطيب اذا فعل ثم صبر ساعة ثم فعل ثانية وهكذا كفر عن الاوّل أو لا » واستدل بانه لا خلاف انه يلزمه بكلّ لبسة كفارة فمن ادّعى تداخلها فعليه الدلالة وبالاحتياط.

وظاهر المحقق في أواخر الكفارات من الحج، الأول قال: «ولو تكرر منه اللبس أو


(64)

. . . . . . . . . . .

الطيب فان اتّحد المجلس لم تتكرّر وان اختلف تكررّت» وحكى مثله عن النهاية والوسيلة والمهذب والغنية والسرائر.

ويظهر من المسالك اتحاد القولين حيث انه ذكر بعد عبارة الشرايع: هكذا اطلق الأصحاب ومن المدارك عدم الاتحاد وثبوت قولين بل عن المنتهى ثبوت التكرر ولو مع اتحاد الوقت اذا اختلف صنف الملبوس حيث قال: ومن لبس قميصاً وعمامة وخفين وسراويل وجب عليه لكل واحد فدية لأن الأصل عدم التداخل. فان حرمة القميص والسراويل من جهة واحدة وهي كونهما مخيطين بخلاف العمامة المستلزمة لستر الرأس والخف المستلزم لستر ظاهر القدم كلاًّ أو جلاًّ.

وكيف كان فالبحث في المسألة تارة يقع من جهة القاعدة واُخرى من جهة بعض الروايات التي يمكن ان يستدلّ أو يستأنس بها لبعض فروض المسألة.

فنقول بعد كون الظاهر اتفاق الفتاوى في باب الاحرام على كون الأنواع المتعددة الموجبة للكفارة والمَاهيّات المتنوعة المستلزمة لها يترتب عليها تعدد الكفارة حسب تعددها وان الخلاف والاشكال في المقام انّما هو في افراد طبيعة واحدة ومصاديق ماهية فاردة وان كانت مختلفة من جهة الصنف كالسراويل والقميص بالاضافة الى لبس المخيط للرجال وأصناف الطيب المحرم كالزعفران والمسك أو أصناف استعماله كالاستشمام والأكل انه قد حققنا في الاصول انّ مقتضى القاعدة في مبحث التداخل هو عدمه على حسب ما يكون المتفاهم عند العرف من مثل القضية الشرطية الظاهرة في سببية الشرط لثبوت الجزاء فان المنسبق الى أذهان العرف من مثل قوله اذا بلت فتوضأ هو كون كل مصداق من طبيعة البول سبباً لوجوب الوضوء وعليه فمقتضى القاعدة المبتنية على فهم العرف الذي هو الملاك في ظهور الألفاظ هو عدم التداخل.


(65)

. . . . . . . . . . .

إلاّ ان الذي لابد من التعرض له في هذا المقام هو ان المعيار في تشخيص وحدة الفرد وتعدده وكون الواقع هو مصداقاً واحداً أم متعدداً هو العرف أيضاً فكل مورد حكم العرف فيه بالتعدد يترتب عليه تعدد الكفارة وكل مورد حكم فيه العرف بالوحدة لايترتب عليه إلاّ كفارة واحدة لأنّ السبب يكون من الموضوعات الخارجية التي يكون تشخيصها بيد العرف ونظره. وعليه فالظاهر انه ليس من شأن الفقه والفقيه بيان انه في أيّ مورد يتحقق التعدد وفي أيّ مورد لا يتحقق وان الملاك هو اتّحاد المجلس أو اتّحاد الوقت أو أمر آخر بل اللازم المراجعة الى العرف والحكم على طبق نظره، هذا بلحاظ القاعدة.

وامّا بالنظر الى الروايات فما يمكن ان يستدلّ أو يستأنس بهما لحكم المقام روايات لابد من التعرض لها وان لم يقع الاستناد اليها إلاّ الى بعضها في الكلمات والكتب حتى الجواهر.

فمنها موثقة الحسن بن هارون المتقدمة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت له: أكلت خبيصاً فيه زعفران حتى شبعت «وانا محرم» قال اذا فرغت من مناسكك وأردت الخروج من مكة فاشتر بدرهم تمراً ثم تصدق به يكون كفارة لما أكلت ولما دخل عليك في احرامك مما لاتعلم...(1)

فان موردها وان كان صورة الجهل كما مرّ والصدقة المأمور بها فيها وان كانت مستحبة إلاّ ان ظهورها في كون الأكل المذكور فيه واحداً غير متعدد وان ادامه الى ان شبع ولازمه أكل لقمات متعددة متعاقبة لا مجال لانكاره وهذا هو الذي يساعد عليه العرف فانه لايرى الأكل المزبور إلاّ واحداً وهذا بخلاف ما اذا تحقق أكل الخبيص

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثالث، ح1.


(66)

. . . . . . . . . . .

المذكور مرات متعددة تحقق بينهما الفصل.

ومنها صحيحة زرارة المتقدمة أيضاً عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: من أكل زعفراناً متعمداً أو طعاماً فيه طيب فعليه دم... الحديث(1). ويستفاد منها وحدة الكفارة وان كان السبب فردين لكون الأكل مستلزماً للاستشمام غالباً لعدم تعارف القبض على الأنف عند الأكل وعدم اشعار في الرواية بتعدد الكفارة فتدلّ على ان اجتماعهما لايترتب عليه إلاّ كفارة واحدة نعم في خصوص صورة التقارن المفروض فيها فلو فرض وقوعهما في زمانين مختلفين لا دلالة في الرواية على الوحدة.

ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المحرم اذا احتاج الى ضروب من الثياب يلبسها، قال عليه لكل صنف منها فداء(2). وذكر في الجواهر انه لا محيص عن العمل به بعد ان كان جامعاً لشرائط الحجية وانه يعم لبسها دفعة ودفعات.

أقول مقتضى اطلاقها وان كان هو ما أفاده إلاّ انه لابد من تقييدها بما اذا كان اللبس دفعات متعددة وذلك لدلالة الروايتين السابقتين على عدم التعدد مع الوقوع دفعة واحدة وان كان الصنف مختلفاً كالأكل والاستشمام على ما هو مقتضى الصحيحة فلا مجال للأخذ باطلاقها.

ومنها صحيحة زرارة بن أعين قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب التاسع، ح1.

(3) ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.


(67)

   السادس: لبس المخيط للرجال كالقميص والسراويل والقباء واشباهها، بل لايجوز لبس ما يشبه المخيط كالقميص المنسوج والمصنوع من اللّبد، والاحوط الاجتناب من المخيط ولو كان قليلاً كالقلنسوة والتكّة، نعم يستثنى من المخيط شدّ الهميان المخيط الذي فيه النقود [1].

وظاهرها وحدة الكفارة مع وحدة اللبس وان كان الملبوس متعدّداً وعلى تقدير الاطلاق والشمول لصورة التعدد المتحققة بالدفعات لابد من تقييدها بصورة الوحدة لما تقدم.

وقد ظهر من جميع ما ذكرنا صحة ما في المتن مع تبديل الاحتياط الوجوبي بالفتوى نظراً الى نهوض دليل معتبر على التعدد في الأوقات المختلفة.

ثم انه ذكر صاحب الجواهر انه لم يجد في الروايات اثراً من اتحاد المجلس وعدمه مع انه ورد في رواية تعبير انه إن كان فعل ذلك ـ يعني قلّم اظافير يديه ورجليه جميعاً ـ في مجلس واحد فعليه دم وان كان فعله متفرّقاً في ملجسين فعليه دمان(1). والظاهر ان المراد به هو الوقت الواحد.

[1] يقع الكلام في هذا الأمر في مقامات:

المقام الأوّل في اصل حرمة لبس المخيط على الرجال وقد حكى نفي وجدان الخلاف في تعلّق الحرمة بهذا العنوان عن جملة من الكتب الفقهية بل عن التذكرة وموضع من المنتهى اجماع العلماء كافة عليه، وظاهره اجماع علماء الفريقين لكن الظاهر عدم تعلّق الحكم بهذا العنوان في شيء من الروايات الواردة في الباب كما قاله الشهيد في محكى الدروس من انه لم يقف الى الآن على رواية بتحريم عين المخيط انّما نهى عن القميص والقباء والسراويل وتبعه صاحب الجواهر في ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني عشر، ح1.


(68)

. . . . . . . . . . .

أقول بناء على ذلك يشكل الحكم بالحرمة بهذا النحو لأنه لو كان المستند فيه هو الاجماع المتقدم فيرد على الاستناد اليه مضافاً الى انّ المفيد (قدس سره) في محكى المقنعة لم يذكر اجتناب المحرم المخيط وانما ذكر انه لايلبس قميصاً، والى ان الاجماع المنقول لايكون حجّة كما قرّر في محلّه، انه على تقدير ثبوت الاجماع وتحققه يحتمل بل يظن قويّاً ان مستند المجمعين هي الروايات الواردة في مثل القميص بضميمة استنباط عنوان كلي وهو المخيط لا ان يكون كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) وفتواه بثبوت الحرمة وتعلقها بعنوان المخيط، وبالجملة فلا مجال للاستناد الى الاجماع هنا بل لابد من ملاحظة الروايات فنقول انّها على أقسام ثلاثة:

القسم الأول ما ظاهره حرمة لبس مطلق الثياب أو عمومها كالروايات التي تقدم بعضها الواردة في كيفية الاحرام الدالة على احرامه بجميع اعضائه وجوارحه من النساء والثياب والطيب، والروايات الدالة على ان ميقات الصبيان هو فخّ الذي يكون بينه وبين مكة فرسخ واحد تقريباً وهو المكان الذي وقعت فيه حادثة فخ الفجيعة التي تكون بعد واقعة كربلاء أفجع الحوادث والتعبير فيها انه يجرّد الصبيان في ذلك المكان اذا أحرم بهم وليّهم، وكذا الروايات الواردة في حال شروع الاحرام الآمرة بالتجرد في ازار ورداء وكذا صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة انفاً الواردة في محرم احتاج الى ضروب من الثياب الظاهرة في عدم الجواز مع عدم الاحتياج وان كانت الكفارة ثابتة على كلا التقديرين، ولو كان في البين هذا القسم فقط لكان مقتضاه حرمة لبس الثياب مطلقاً إلاّ ان يناقش في بعضها بكون الثياب اشارة الى ماهو المحرّم منها على المحرم لا مطلقها فتدبّر.

القسم الثاني ما دلّ على حرمة لبس عناوين خاصة كالقميص مثل الرواية المتقدمة


(69)

. . . . . . . . . . .

سابقاً الحاكية لقصة رجل دخل محرماً في مسجد الحرام ملبيّاً وعليه قميص حيث حكم عليه ابو عبدالله (عليه السلام) بالاخراج من الرأس لأنه كان لبسه له قبل التلبية وتحقق الاحرام(1). فان دلالتها على حرمة لبس القميص ظاهرة خصوصاً مع قوله (عليه السلام) أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه.

وكالقباء مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال اذا اضطّر المحرم الى القباء ولم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً ولايدخل يديه في يدي القباء...(2)

وكالسراويل مثل صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا تلبس وأنت تريد الاحرام ثوباً تزره ولا تدرعه ولا تلبس سراويل إلاّ ان لايكون لك أزرار، ولا خفين إلاّ أن لايكون لك نعلان...(3)

وكالثوب المزرور أي المشتمل على الزّر الذي هو بالفارسية بمعنى التكمة وكالدرع الذي يعبّر عنه بالمدرعة والظاهر ان الخصوصية الموجودة فيه أمران أحدهما انه يلبس فوق جميع الثياب وعليها وثانيهما اشتماله على الكمين ولأجلها يعبّر عمّا يستفاد منه في الحرب بالدرع والدليل عليهما هي صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وبعض الروايات الاُخر.

القسم الثالث ما يدلّ على جواز لبس مطلق الثياب إلاّ الدّرع وهي صحيحة زرارة عن احدهما (عليهما السلام) قال سألته عمّا يكره للمحرم ان يلبسه فقال: يلبس كل ثوب إلاّ ثوباً يتدرعه(4). والظاهر ان المراد من الكراهة في السؤال هي الحرمة فالجواب راجع الى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والأربعون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والأربعون، ح1.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والثلاثون، ح2.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثلاثون، ح5.


(70)

. . . . . . . . . . .

نفي الحرمة في غير الدرع.

هذا والظاهر ان القسم الأخير لا مجال للأخذ به بوجه لأنه لا وجه مع دلالة القسم الثاني على حرمة عناوين خمسة على تخصيص الحكم بالحرمة، بخصوص الدرع خصوصاً بعد ظهور الاتفاق على حرمة مثل القميص والقباء والسراويل وعليه فان التزمنا بتخصيص عموم هذا القسم بجميع تلك العناوين يلزم تخصيص الأكثر المستهجن لأنّه لايبقى تحت العام إلاّ أفراد قليلة مثل الازرار المخيط وما يشبه المخيط بناء على جوازه وسيأتي البحث فيه انشاء الله تعالى وان لم نلتزم بالتخصيص لا مساغ للأخذ به بعد تطابق النص والفتوى فاللازم اخراج هذا القسم والالتزام بكونه معرضاً عنه فيبقى القسم الأوّل.

فنقول بعد الاغماض عن المناقشة التي أشرنا اليها بالنسبة الى القسم الأوّل وهي انه يحتمل في بعض رواياتها ان لايكون لها دلالة على عموم حرمة لبس الثياب على الرجل المحرم بل كانت اشارة الى الثياب المحرَّمة المعهودة المبينة في محلها ووجه الاغماض عدم جريان هذه المناقشة في الروايات الآمرة بالتجرّد في ازار ورداء وكذا الروايات الدالة على تجريد الصبيان في ميقات فخ وعلى هذا التقدير يكون مقتضى هذا القسم حرمة مطلق الثياب سواء كانت مخيطة أم غير مخيطة ودعوى انصراف الثوب الى خصوص المخيط ممنوعة خصوصاً بعد ملاحظة استعماله في ثوبي الاحرام فتدبّر.

وبعد الاغماض عن المناقشة التي تجري في بعض روايات القسم الثاني وهي ما يدل على حرمة الثوب المزرور نظراً الى ان ظاهرها عدم حرمة لبس الثوب الذي له ازار بل ظاهرها حرمة زرّ الازار فان قوله: لا تلبس وانت تريد الاحرام ثوباً تزرّه ظاهره ذلك


(71)

. . . . . . . . . . .

وسيأتي مثله في الروايتين أو ازيد الواردتين في الطيلسان الذي له ازار الدالتين على حرمة ان يزرها المحرم ووجه الاغماض استفادة كون الحرمة لأجل كون وجود الازار مستلزماً لِلْمَخيطيّة وكذا ما يدلّ على حرمة لبس الدرع الظاهر في كون المانع الأدراع لا المخيطيّة، انه لاشبهة بملاحظة اتفاق الفتاوى قطعاً على ان لبس الثوب غير المخيط لايكون محرَّماً على الرجل المحرم بوجه فلابد من تخصيصها بذلك والحكم بان العموم في القسم الأوّل يختص بالثوب المخيط وامّا القسم الثاني فانه وان ورد فيها عناوين خاصّة إلاّ ان الجامع بينها حيث يكون هو عنوان المخيطية فيحتمل ان يكون المحرم هو ذلك العنوان العام فيكون مقتضاه ثبوت الحرمة في الأثواب المخيطة الخارجة عن تلك العناوين أيضاً. نعم يحتمل ان يكون المحرم خصوص تلك العناوين كما اختاره بعض الاعلام (قدس سرهم) وان احتاط وجوباً بالاضافة الى غيرها، ومع الشك لا محيص عن الرجوع الى عموم القسم الأوّل والحكم بثبوت الحرمة للبس مطلق الثوب المخيط كما اختاره في المتن تبعاً للمشهور وعليه لايبقى مجال لدعوى عدم قيام الدليل على حرمة غير العناوين الخمسة ولا لما أفاده الشهيد في عبارته المتقدمة في صدر المسألة.

نعم يبقى الكلام في أمور ثلاثة مذكورة في المتن:

الامر الأوّل: لبس ما يشبه المخيط كالقميص المنسوج أو المصنوع من اللبد وقد حكم في المتن بعدم جوازه والوجه فيه بناء على الطريق الذي سلكناه واضح فان مقتضى عموم القسم الأوّل من الروايات بعد منع انصراف الثياب المذكورة الممنوعة فيها الى الثياب المخيطة هي حرمة مطلقها ولم ينهض دليل في مقابله على جواز لبس ما يشبه المخيط كالمثالين المذكورين وقيام الدليل على جواز لبس غير المخيط وما يشابهه لايقتضي ذلك وعليه فكما ان مقتضى اصالة العموم حرمة لبس المخيط مطلقاً


(72)

. . . . . . . . . . .

من دون ان تختص بالعناوين الخمسة المذكورة في القسم الثاني كذلك مقتضاها حرمة لبس ما يشبه المخيط بعد عدم قيام الدليل على الجواز.

وامّا بناء على القول باختصاص الحرمة بتلك العناوين الخمسة فالوجه فيه صدق مثل عنوان القميص والسراويل والقباء على المنسوج منها فانه لاينبغي الارتياب في انّه كما ان القميص المخيط قميص كذلك، القميص المنسوج المتداول في هذه الأزمنة وحتى يستعمل فيه في الفارسية هذا العنوان ولا مجال لدعوى اختصاصها بخصوص المخيط منها بحيث يخرج ما يشبه المخيط منها، نعم لازم هذا المبنى الاقتصار على خصوص هذه العناوين فيما يشبه المخيط ايضاً فلو فرض ثبوت عنوان سادس يكون مشابهاً للمخيط لا دليل على حرمته بخلاف المبنى الذي اخترناه.

نعم لو قيل بان الأصل في دليل هذا الأمر هو الاجماع على حرمة لبس المخيط كما استدلّ به صاحب الجواهر ويؤيده عدم ورد هذا العنوان في شيء من الروايات حتى لايكون للاجماع اصالة واستقلال لكان لازمه الاقتصار على القدر المتيقن وهو خصوص المخيط وعدم تسرية الحكم الى ما يشابهه ايضاً. ولكن قد عرفت المناقشة في الاستناد الى الاجماع فالأقوى ما في المتن من عدم جواز لبس ما يشبه المخيط مطلقاً.

الامر الثاني: المخيط القليل كالقلنسوة والتكّة واحتاط في المتن وجوباً بالاجتناب عنه من دون ان يقع مورداً للفتوى والظاهر انه لا فرق في الحكم بالحرمة بين ما اذا كانت خياطة الثوب كثيرة وبين مااذا كانت قليلة فان المراد بالثوب المخيط كما صرح به بعض الاعلام (قدس سرهم) هو ما خيط بعض الثوب بالبعض الآخر منه، بمعنى كون الخياطة لها دخل في الهيئة التركيبية التي يشمل الثوب عليها بحيث لو لم تتحقق الخياطة


(73)

. . . . . . . . . . .

لا تتحقق تلك الهيئة وهذا المعنى لا فرق فيه بين صورتي الكثرة والقلّة بوجه ولعلّ وجه الشبهة ورود بعض الروايات في الطيلسان المشتمل على الازار الدالّة على جواز لبسه مع عدم شدّ ازاره فتوهم ان الجواز فيه انما هو لأجل كون الخياطة فيه قليلة لأجل ان التصاق الزّر فيه به انما هو بالخيط وامّا اصله فهو خال عن الخياطة والتفصيل فانه ثوب من صوف أوسداه منه ملبد أو منسوج وربما يقال انه معرب تالشان.

مع ان الطيلسان ليس ثوباً مخيطاً بوجه لما عرفت من معنى الثوب المخيط وعلى تقديره لا فرق بين شدّ أزاره وعدمه مع انّ الروايات الواردة تدلّ على التفصيل بين الصورتين.

منها صحيحة يعقوب بن شعيب قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يلبس الطيلسان المزرور؟ فقال: نعم وفي كتاب علي (عليه السلام) لاتلبس طيلساناً حتى ينزع ازاره فحدّثني ابي انه انما كره ذلك مخافة ان يزره الجاهل عليه...(1)

ومثلها صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) مع زيادة قوله (عليه السلام) فامّا الفقيه فلا بأس ان يلبسه...(2)

ومنها رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: وان لبس الطيلسان فلا يزرّه عليه(3).

وقد ظهر مما ذكرنا انه لادليل على جواز لبس الثوب المخيط وان كانت خياطته قليلة كما انه ظهر ان لبس الطيلسان جائز مع عدم شدّ ازاره من دون فرق بين صورتي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثلاثون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثلاثون، ح3.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثلاثون، ح4.


(74)

. . . . . . . . . . .

الاختيار والضرورة وان حكى عن صاحب الوسائل انه قيّد الجواز بالضرورة في عنوان الباب فيما قبل هذه الطبعة الحديثة منها.

الامر الثالث: الهميان المخيط الذي يحفظ فيه النقود فانه قد استثنى من حرمة لبس المخيط على ماهو المتسالم عليه عند الفقهاء ويدل عليه روايات متعددة:

منها صحيحة يعقوب بن شعيب قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يصير الدراهم في ثوبه قال نعم ويلبس المنطقة والهميان(1). والسؤال في نفسه محتمل لأن يكون محطّه اشتمال الدراهم على التماثيل وان يكون محطّه كون محل حفظه مثل الهميان المخيط.

والجواب ناظر الى الجواز من كلتا الجهتين وقوله (عليه السلام) فيه ويلبس المنطقة والهميان هل المراد منه جواز لبس كلا العنوانين فيجوز شدّ المنطقة لأجل التحفظ على الأزار لا النقود أم المراد من المنطقة هي الهميان ويؤيد الثاني صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) في المحرم يشدّ على بطنه العمامة؟ قال: لا، ثم قال: كان أبي يشدّ على بطنه المنطقة التي فيها نفقته يستوثق منها فانّها من تمام حجّة...(2)

والذي يسهّل الخطب انّ المتداول في هذه الأزمنة ما يحفظ فيه النقود منطقة لا أمراً آخر.

ومنها رواية يعقوب بن سالم قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) يكون معي الدراهم فيها تماثيل وانا محرم فاجعلها في هميان وأشدّه في وسطي فقال لابأس أوليس هي نفقتك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والأربعون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والأربعون، ح2.


(75)

. . . . . . . . . . .

وعليها اعتمادك بعد الله ـ عزّوجلّ(1).

ومنها رواية يونس بن يعقوب قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) المحرم يشدّ الهميان في وسطه؟ فقال نعم، وما خيره بعد نفقته(2). والظاهر ان المراد بالجملة الأخيرة التي هي بمنزلة التعليل انه بعد ذهاب نفقته بسبب عدم التحفظ عليه بجعله في الهميان وشدّه في وسطه لايبقى له خير ولا سبيل له الى اتمام الحج وقضاء المناسك نوعاً.

ثم ان الظاهر اختصاص مورد الجواز بما اذا انحصر الهميان في المخيط وامّا الهميان المتداول في هذه الأزمنة الذي لايكون مخيطاً بل مصنوعاً بالجهات الصناعية الفاقدة للخياطة فالظاهر انه مع وجوده والتمكن من تحصيله لاتصل النوبة الى الهميان المخيط لأنه من الواضح انّ الحكم بالجواز في الروايات انّما هو لأجل كون الهميان في زمن صدورها منحصراً بالمخيط إلاّ ان يقال بان الهميان المتداول فعلاً وان لم يكن مخيطاً إلاّ انه يشبه المخيط والفرض انه لافرق في أصل الحكم بالحرمة بينهما كما عرفت. ثم انه يستفاد من التعليل الوارد في مثل رواية يونس المتقدمة جواز لبس ما يسمى بالفارسية بـ «فتق بند» لمن كان يبتلى بالفتق ويحتاج الى شدّه لأنه بدونه لايكون له القدرة على اتمام العمل وقضاء المناسك ولا فرق بينه وبين الهميان لو لم نقل بانه أولى كما لايخفى.

ثمّ ان هنا عنواناً لم يتعرض له في المتن باعتبار عدم كونه مخيطاً ولا ما يشبه المخيط وهو شدّ العمامة على البطن والروايات فيه مختلفة فظاهر رواية أبي بصير المتقدمة عدم الجواز.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والأربعون، ح3.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والأربعون، ح4.


(76)

مسألة 16 ـ لو احتاج الى شدّ فتقه بالمخيط جاز لكن الاحوط الكفارة، ولو اضطر الى لبس المخيط كالقباء ونحوه جاز وعليه الكفارة [1].

وفي صحيحة عمران الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) انه قال: المحرم يشدّ على بطنه العمامة، وان شاء يعصّبها على موضع الازرار ولا يرفعها الى صدره...(1)

وهل المفروض في هذه الصحيحة الفروض الثلاثة: الشدّ على البطن والتعصيب على موضع الازار والرفع الى الصدّر وعليه فالرواية تدلّ على جواز الأولين بعد وضوح كون المراد من قوله: يشدّ، هو الجواز لا الوجوب، لأنه في مقام توهّم الحظر وعلى حرمة الفرض الثالث أو انّ المفروض فيها عنوانان الشدّ على البطن الشامل للصّدر والتعصيب على موضع الازار بحيث كان قوله: ولا يرفعها... تتمة للجملة السابقة دون ان تكون متعرضة لبيان الحكم، ومعناه انه يجوز له ان لايرفعها الى صدره بل يعصبها على موضع الازار فيه وجهان.

مقتضى الوجه الاوّل جعل هذه الصحيحة مقيدة لرواية ابي بصير الدالّة على عدم الجواز مطلقاً وتصير النتيجة اختصاص المنع بما اذا رفع العمامة الى الصدر وامّا اذا شدّها على ما دونه فلا مانع منه.

ومقتضى الوجه الثاني جعل الصحيحة قرنية على كون المراد من النهي في رواية ابي بصير هي الكراهة فشدّ العمامة على البطن بالمعنى الأعم الذي يشمل الرفع الى الصدر مكروه غير محرّم.

ظاهر صاحبي الحدائق والوسائل هو الاوّل ولكنه استظهر بعض الاعلام (قدس سرهم)الوجه الثاني والظاهر هو الاوّل فتدبّر.

[1] وقع التعرض في هذه المسألة لفرعين ولنقدم الفرع الثاني فنقول: لو اضطر الى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والسبعون، ح1.


(77)

. . . . . . . . . . .

لبس المخيط فلا اشكال في ان الاضطرار يرفع الحرمة بمقتضى حديث رفع ما اضطروا اليه كسائر المحرمات التي يضطر اليها كما ان ظاهر الحديث رفع الكفارة ايضاً لكن المتسالم عليه بين الاصحاب، ثبوتها ونفي صاحب الجواهر وجدان الخلاف فيه، بل ذكر ان الاجماع بقسميه عليه والظاهر انّ مستند المجمعين الروايات الواردة في هذا المجال نعم ربما يستدل بقوله تعالى: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك بعد كون المراد بالنسك هو دم شاة نظراً الى عموم قوله من كان منكم مريضاً الشامل لمثل اللبس والتطيّب ايضاً.

ولكن تفريعه على قوله تعالى: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محلّه، الوارد في مورد الاحصار يمنع عن الاستدلال به للمقام خصوصاً بعد عدم ثبوت التخيير في كفارة اللبس ولم يعرف قائل به.

وامّا الروايات فمنها صحيحة زرارة بن أعين قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول من نتف ابطه، أو قلّم ظفره، أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة(1). ودعوى كونها مطلقة من حيث الاضطرار وعدمه وعليه فيكون حديث الرفع حاكماً عليها مدفوعة باباء الرواية عن التقييد ولو بنحو الحكومة لظهورها في التعرض لجميع فروض المسألة صورها ولازم التقييد عدم التعرض لفرض الاضطرار نعم تجري هذه الدعوى في رواية سليمان بن العيص (الفضيل خ ل) قال سألت أبا عبدالله عن المحرم يلبس القميص متعمداً قال: عليه دم...(2)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح2.


(78)

. . . . . . . . . . .

ومنها صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المحرم اذا احتاج الى ضروب من الثيابلبسها قال: عليه لكل صنف منها فداء...(1)

وأورد على الاستدلال بها بعض الاعلام (قدس سرهم) بان الحاجة أعم من الاضطرار لصدقها على الحاجة العرفية أي الغاية العقلائية وان لم تبلغ مرتبة الاضطرار.

والجواب عنه مضافاً الى ان عنواني الحاجة والاضطرار المأخوذين في الصحيحة وحديث الرفع عنوانان عرفيّان والظاهر اتحادهما وعدم كون عنوان الحاجة أوسع من عنوان الاضطرار، انه لاتنبغي المناقشة في دلالة الصحيحة على ثبوت الجواز في موردها مع انّ مجرد الحاجة غير البالغة حدّ الاضطرار لايجوّز اللبس بوجه، فثبوت الجواز يكشف عن كون المراد من الحاجة هو الاضطرار وقد انقدح مما ذكرنا تمامية الاستدلال بالرواية ولا تصل النوبة الى الاجماع حتى يناقش في اعتباره كما مرّ.

هذا وامّا الفرع الأوّل وهو شدّ الفتق بالمخيط فقد حكم فيه بالجواز في صورة الاحتياج واحتاط وجوباً بالاضافة الى الكفارة وقد تقدم انّ المستفاد من التعليل الوارد في بعض روايات جواز شدّ الهميان المخيط هو جواز شدّ الفتق به ايضاً لتوقف اتمام الحج وقضاء المناسك عليه كتوقفه على بقاء النفقة وتحفظها في الهميان لو لم نقل بان المقام أولى. والظاهر على هذا التقدير مضافاً الى الجواز التكليفي عدم ثبوت الكفارة فيه كعدم ثبوتها في الهميان.

و ـ ح ـ يرد على المتن انّ المراد بالجواز فيه هل هو الجواز بالاضافة الى الحكم الاوّلي وكونه مستثنى كالهميان، فلا وجه ـ ح ـ للحكم بثبوت الكفارة ولو بنحو الاحتياط الوجوبي أو الجواز بطريق الحكم الثانوي الثابت بمثل حديث الرفع. وعليه فالمراد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب التاسع، ح1.


(79)

   مسألة 17 ـ يجوز للنّساء لبس المخيط بأيّ نحو كان، نعم لايجوز لهنّ لبس القفازين [1].

بالاحتياج الذي وقع التعبير به في هذا الفرع هو الاضطرار المعبّر عنه به في الفرع الثاني فالظاهر ـ ح ـ ثبوت الكفارة بنحو الفتوى كما صرّح به طبقاً لما هو المتسالم عليه بينهم، وعليه فالجمع بين الجواز وبين الحكم بالكفارة بنحو الاحتياط الوجوبي لا مجال له والحقّ ما مرّ من ثبوت الجواز بنحو الحكم الأولي وعدم ثبوت الكفارة إلاّ على سبيل الاحتياط الاستحبابي ويجري فيه ما تقدم في الهميان.

[1] قال المحقق في الشرايع بعد الحكم بعدم جواز لبس الرجال المخيط: «وفي النساء خلاف والأظهر الجواز اضطراراً واختياراً» وفي الجواهر عقيبه: «بل هو المشهور شهرة عظيمة بل لايبعد دعوى الاجماع معها لندرة المخالف الذي هو الشيخ في النهاية التي هي متون اخبار ومعروفية نسبه...» أقول كونها متون الاخبار لايوجب القدح بل يوجب الاعتضاد.

وكيف كان فقد قال في محكى النهاية: «ويحرم على المرأة في حال الاحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرّجل، ويحلّ لها جميع ما يحلّ له ثم قال بعد ذلك: وقد وردت رواية بجواز لبس القميص للنساء والأفضل (الاصل خ ل) ما قدّمناه وامّا السراويل فلا بأس بلبسه لهنّ على كل حال» وقد رجع عنه في ظاهر محكى المبسوط بالنسبة الى القميص بل عن موضع آخر منه مطلق المخيط مع ان تردد التعبير بين الأفضل والأصل يورث الشك لأن الأول ظاهر في الجواز ومع ذلك فاللازم ملاحظة الروايات الواردة في المسألة وقبل التعرض لها ينبغي التنبيه على أمر وهو انّ الروايات الدالة على حرمة لبس المخيط أو خصوص انواع خاصة منه لا مجال لالغاء الخصوصية منها بالاضافة الى النساء سواء كان بصورة الخطاب الى الراوي الذي يكون رجلاً أو


(80)

. . . . . . . . . . .

بصورة بيان حكم عنوان المحرّم فانه بعدما علم من الشرع اختلاف النوعين في السترين الستر التكليفي النفسي والستر الشرطي في مثل الصلاة لايبقى مجال لإلغاء الخصوصية فيما يرتبط بهذه الجهة لا مطلقاً بل في خصوص جانب النفي كما في المقام وامّا في جانب الاثبات كلبس ثوبي الاحرام فقد مرّ لزوم رعاية ذلك بالاضافة الى النساء ولو على سبيل الاحتياط الوجوبي وعليه فالروايات الدالة على النهي عن لبس مثل السراويل أو القميص في حال الاحرام لا تشمل النساء بوجه.

وكيف كان فهنا عناوين متعددة قد وقع التصريح في الروايات بجواز لبس النساء لها:

منها السراويل الذي نفي اللباس عن لبسه حتى الشيخ في النهاية في عبارته المتقدمة ويدل عليه صحيحة محمد بن عليّ الحلبي انّه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة اذا أحرمت أتلبس السراويل؟ قال: نعم انما تريد بذلك الستر...(1)

ومنها القميص ويدلّ عليه مثل رواية يعقوب بن شعيب قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)المرأة تلبس القميص تزرّه عليها وتلبس الحرير والخز والديباج فقال نعم لابأس به، وتلبس الخلخالين والمسك...(2)

ومنها الغلالة بكسر الغين وهي ثوب رقيق يلبس تحت الثياب والمتعارف لبس الحائض لها لأنها تتقى ثيابها من النجاسات وقد ادّعى المحقق في الشرايع الاجماع على جوازه لها وقد صرّح به الشيخ أيضاً في النهاية الظاهرة في المخالفة في أصل المسألة يدلّ عليه صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال تلبس المحرمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخمسون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح1.


(81)

. . . . . . . . . . .

الحائض تحت ثيابها غلالة(1).

واما ما يدلّ على جواز لبس مطلق الثياب لهنّ ما دون القفازين فروايات:

منها رواية النضر بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال سألته عن المحرمة أيّ شيء تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلّها إلاّ المصبوغة بالزعفران والورس ولا تلبس القفازين(2).

والقفاز كَرِمان وهو شيء يعمل لليد يحشى بقطن ويكون له ازرار تزر على الساعدين من البرد تلبسه المرأة في يديها وحكى عن بني دريد وفارس وعباد انه من جنس الحلّى لليدين والرجلين ويؤيده التعرض لهما في مورد النساء فقط مع انه لو كان الغرض منهما التحفظ عن البرد لايكون فرق بينها وبين الرجل ويؤيده ايضاً شيوع استعمالهما في هذه الأزمنة في النساء ايضاً لغرض التزيّن.

وكيف كان فالرواية ظاهرة في جواز لبس الثياب كلّها للنساء إلاّ المصبوغة بالطيب لأجل كون الطيب من محرمات الاحرام مطلقاً وفي حرمة لبس القفازين عليهن في حال الاحرام.

ومنها رواية ابي عينية عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته ما يحلّ للمرأة ان تلبس وهي محرمة؟ فقال: الثياب كلّها ما خلا القفازين والبرقع والحرير الحديث...(3)

وقد تقدم البحث في جواز لبس النساء للحرير في بحث ثوبي الاحرام والظاهر ان حرمة البرقع لكونه ساتراً للوجه الذي يجب على المرأة اسفاره في حال الاحرام لأنه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والخمسون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح2.

(3) الوسائل، ابواب الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح3.


(82)

   مسألة 18 ـ كفارة لبس المخيط شاة فلو لبس المتعدد في كل واحد شاة، ولو جعل بعض الألبسة في بعض ولبس الجميع دفعة واحدة فالأحوط الكفارة لكل واحد منها، ولو لا فرق بينه وبين النقاب من هذه الجهة والعجب ان صاحب الجواهر (قدس سره) بعد ان حكى عن التذكرة الفتوى بحرمة البرقع قال: «ولكن لم يحضرني الآن موافق له على تحريم ذلك» وعلى ما ذكرنا فلا ارتباط لحرمة البرقع بالمقام.

ومنها رواية يحيى بن ابي العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) انه كرّه للمرأة المحرمة البرقع والقفازين...(1)

والظاهر انّ المراد من الكراهة ليس هي الكراهة المصطلحة المقابلة للحرمة بل خصوص الحرمة أو الأعم منها ومن الكراهة فيحمل على الحرمة بقرينة الروايات الاُخر الظاهرة في الحرمة وعليه لا مجال لاحتمال الكراهة في القفازين كما حكى عن بعض متأخري المتأخرين.

ومنها صحيحة عيص بن القاسم قال قال ابو عبدالله (عليه السلام) المرأة المحرمة تلبس ما شائت من الثياب غيرالحرير والقفازين الحديث(2).

اضف الى ما ذكرنا استمرار سيرة المتشرعة من النساء على لبس المخيط في حال الاحرام ومن الواضح اتصال هذه السيرة بزمان الائمة المعصومين (عليهم السلام) وعدم انكارهم لها مع ان التستر المطلوب منهنّ لايتحقق نوعاً بدون لبس المخيط فلا اشكال في الجواز أصلاً.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح6.

(2) الوسائل، ابواب الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح9.


(83)

اضطر الى لبس المتعدد جاز ولم تسقط الكفارة [1].

مسألة 19 ـ لو لبس المخيط كالقميص ـ مثلاً ـ وكفّر ثم تجرد عنه ولبسه ثانياً أو لبس قميصاً آخر فعليه الكفارة ثانياً، ولو لبس المتعدد من نوع واحد كالقميص أو القباء فالأحوط تعدد الكفارة وان كان ذلك في مجلس واحد [2].

السابع ـ الاكتحال بالسّواد ان كان فيه الزينة وان لم يقصدها، ولا يترك الاحتياط بالاجتناب عن مطلق الكحل الذي فيه الزينة، ولو كان فيه الطيب فالأقوى حرمته [3].

[1] و [2] في هاتين المسألتين وقع التعرض لأمرين:

احدهما ان كفارة لبس المخيط شاة ويدل عليه الروايات المتقدمة في شرح المسألة السادسة عشر الواردة في ثبوت الكفارة في صورة الاضطرار وانه لا فرق بين الصورتين من جهة الكفارة وان كان بينهما فرق من جهة الحرمة والجواز ومن تلك الروايات صحيحة محمد بن مسلم الواردة فيمن احتاج الى ضروب من الثياب الدالة على مفروغية ثبوت الفدية التي يكون المراد بها الشاة في صورة الاختيار.

ثانيهما تعدد الكفارة وعدمه وقد تقدم البحث عنه أيضاً في المسألة الخامسة عشر مفصّلاً فراجع والعجب من المتن انه هناك قد فصّل في كفارة استعمال الطيب مع التكرر وعدم تخلل الكفارة بين ما اذا كان في أوقات مختلفة وبين ما اذا كان في وقت واحد وهنا احتاط بالتعدد وان لبس الجميع مع جعل بعض الألبسة في بعض دفعة واحدة أو كان ذلك في مجلس واحد مع ظهور كون مراده من الوقت والمجلس واحداً ولا مجال لتوهّم الفرق بين المخيط وبين الطيب من هذه الجهة وقد ذكرنا ما هو مقتضى التحقيق عندنا من جهة مقتضى القاعدة والجمع بين الروايات فراجع.

[3] قال المحقق في الشرايع في عداد محرمات الاحرام: «والاكتحال بالسواد على قول أو بما فيه طيب ويستوي في ذلك الرجل والمرأة» وظاهره الترديد في حرمة


(84)

. . . . . . . . . . .

الاكتحال بالسواد والفتوى بحرمته بما فيه طيب والأوّل محل خلاف فقد حكم القول بالحرمة عن المفيد والشيخ وسلاّر وبني حمزة وادريس وسعيد وغيرهم، والقول بالكراهة عن الاقتصاد والجمل والعقود والخلاف والغنية والنافع بل عن الشيخ دعوى اجماع الفرقة عليه والثاني هو المشهور شهرة عظيمة قد ادعى الاجماع عليه واللازم ملاحظة الروايات الكثيرة الواردة في هذا المقام:

منها صحيحة معاوية بن عمار التي رواها عنه فضالة وصفوان جميعاً عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس ان يكتحل وهو محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحة فامّا للزينة فلا(1). وهي تدلّ بمفهوم الجملة الأولى على ثبوت البأس الظاهر في الحرمة في الاكتحال بما كان فيه طيب يوجد ريحة وبمنطوق الجملة الثانية على حرمة ما اذا اكتحل بقصد الزينة ولا محالة يكون ما يكتحل به زينة إذ لامعنى لقصد الزينة بما ليس بزينة فالقصد لاينفك عنها بخلاف العكس ويحتمل ان يكون المراد من الجملة الثانية النهي عن الاكتحال بما وضع للزينة سواء كان قصدها الزينة أم لا.

ومنها صحيحة اُخرى لمعاوية رواها عنه فضالة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لايكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الأسود إلاّ من علّة(2).

ومنها مضمرة زرارة عنه (عليه السلام) قال: تكتحل المرأة بالكحل كلّه إلاّ الكحل الأسود للزينة(3). والاستثناء قرنية على كون المراد هي المرأة في حال الاحرام مع انه حكى عن المصدر: «المرأة المحرمة» كما انه رواه الصدوق في المقنع مرسلاً بلام واحدة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح2.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح3.


(85)

. . . . . . . . . . .

ويجري على تقدير اللامين الاحتمالان المتقدمان في الرواية الأولى السابقة وعلى تقدير لام واحدة يتعين الاحتمال الأول كما لايخفى ومنها صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لاتكتحل المرأة المحرمة بالسواد انّ السواد زينة(1). وهذه الرواية بلحاظ اشتمالها على التعليل تدلّ من جهة على سعة دائرة حرمة الاكتحال بالسّواد لما اذا قصد به الزينة وما اذا لم يقصد به ذلك كما انه تدل من جهة اُخرى على عموم الحكم للاكتحال بكل زينة وان لم يكن سواداً.

ومنها صحيحة عبدالله بن سنان قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: يكتحل المحرم ان هو رمد بكحل ليس فيه زعفران(2). وليس معناها النهي عمّا فيه زعفران وان توقف العلاج عليه كما يوهمه بعض الفتاوى فانه ليس باولى من الاضطرار الى استعمال الطيب شمّاً أو أكلاً بل المراد عدم الاكتحال بما فيه الزعفران مع التمكن من التداوي بغيره.

ومنها رواية هارون بن حمزة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لايكحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران، وليكحل بكحل فارسي(3). وحكى عن المصدر التعبير بالاكتحال في كلا الموردين.

ومنها صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام): سألته عن الكحل للمحرم فقال: امّا بالسّواد فلا ولكن بالصبر و الحضض(4). والحضض دواء قيل انه يعقد من أبوال الابل وقيل عصارة شجر، منه مكّي ومنه هندي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح4.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح5.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح6.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح7.


(86)

. . . . . . . . . . .

ومنها مرسلة ابان عمّن اخبره عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال اذا اشتكى المحرم عينيه فليكتحل بكحل ليس فيه مسك ولا طيب...(1)

ومنها رواية عبدالله بن يحيى الكاهلي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سأله رجل ضرير وانا حاضر فقال: اكتحل اذا أحرمت؟ قال: لا، ولِمَ تكتحل؟ قال اني ضرير البصر واذا انا اكتحلت نفعني وان لم اكتحل ضرّني قال: فاكتحل قال فاني اجعل مع الكحل غيره قال: وماهو ؟ قال اخذ خرقتين فأربعهما فاجعل على كل عين خرقة واعصبهما بعصابة الى قفاي فاذا فعلت ذلك نفعني واذا تركته ضرّني قال فاصنعه(2).

ومنها رواية النضر بن سويد عن ابي الحسن (عليه السلام) في حديث: ان المرأة المحرمة لاتكتحل إلاّ من علّة...(3)

وهذه الرواية كالسابقة ظاهرة في حرمة مطلق الاكتحال في غير حال الضرورة.

ومنها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: يكتحل المحرم عينيه ان شاء بصبر ليس فيه زعفران ولا ورس...(4)

ومنها رواية ابي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس للمحرم ان يكتحل بكحل ليس فيه مسك ولا كافور اذا اشتكى عينيه وتكتحل المرأة المحرمة بالكحل كلّه إلاّ كحل اسود لزينة(5).

ومنها صحيحة الحلبي قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة تكتحل وهي محرمة؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح9.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح10.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح11.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح12.

(5) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح13.


(87)

   مسألة 20 ـ لاتختص حرمة الاكتحال بالنّساء فيحرم على الرجال ايضاً [1].

قال لاتكتحل قلت بسواد ليس فيه طيب قال: فكرهه من أجل انه زينة وقال اذا اضطرّت اليه فلتكتحل(1).

هذه هي الروايات الواردة في الباب والمستفاد من ملاحظة مجموعها ثبوت الحرمة في موردين بلا شبهة: احدهما الاكتحال بالسواد مع قصد الزينة ثانيهما الاكتحال بما فيه طيب يوجد ريحه مع عدم وجود الاضطرار في شيء من الموردين.

وامّا المورد الثالث وهو الاكتحال بالسواد مع عدم قصد الزينة فالمستفاد من التعليل في بعض الروايات ومن اطلاق النهي عن الاكتحال بالسواد في البعض الآخر هي الحرمة أيضاً وقد وقع التصريح به في المتن.

كما ان المورد الرابع وهو الاكتحال بغير السواد الذي يكون فيه الزينة فقد احتاط وجوباً فيه بتركه والاجتناب عنه مع ان مقتضى التعليل بكون السواد زينة كما في صحيحة حريز وفي الرواية الأخيرة بعد ظهور كون المراد من الكراهة الحرمة وهو الحكم بالحرمة ولعلّ منشأ التنزل الى الاحتياط الوجوبي هي دلالة مثل صحيحة زرارة على استثناء خصوص الكحل الأسود من الحكم بجواز الاكتحال ولكن الظاهر هو لزوم الأخذ بمقتضى التعليل خصوصاً اذا كان مقروناً بقصد الزينة لصلاحيته لتقييد اطلاق مثل رواية زرارة وامّا المورد الخامس وهو ما اذا لم يكن بالسواد ولا بما فيه طيب ولا بما فيه زينة فلا اشكال في جوازه لتقييد المطلقين بغيرهما مما ذكر.

[1] الوجه في عدم اختصاص حرمة الاكتحال بالنساء وان كانت جملة من الروايات المتقدمة واردة فيهنّ مضافاً الى اطلاق عنوان «المحرم» في بعضها ورود بعض الروايات في الرجل المحرم وتصريح الصحيحة الثانية لمعاوية بن عمار المتقدمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح14.


(88)

   مسألة 21 ـ ليس في الاكتحال كفارة لكن لو كان فيه الطيب فالأحوط التكفير [1].

مسألة 22 ـ لو اضطر الى الاكتحال جاز [2].

الثامن: النظر في المرآة من غير فرق بين الرجل والمرأة، وليس فيه الكفارة لكن يستحبّ بعد النظر ان يلبيّ، والاحوط الاجتناب عن النظر في المرآة ولو لم يكن للتزيين [3].

بكلا العنوانين.

[1] امّا عدم ثبوت الكفارة في الاكتحال بغير الطيب فلعدم الدليل عليها إلاّ رواية علي بن جعفر المتقدمة التي يستدلّ بها على ثبوت الكفارة لكلّ خلاف المشتملة على كلمة مرددة بين «خرجت» و «جرحت»(1). وقد تقدمت المناقشة في الاستدلال بها سنداً ودلالة في المسألة الخامسة عشر فراجع.

واما الاكتحال بما فيه الطيب فان قلنا باعتبار وصف وجدان الريح فيه كما ذكرنا فالظاهر ثبوت الكفارة فيه لا من باب الاكتحال بل من باب شمّ الطيب الذي قد عرفت ثبوت الكفارة فيه كما انه ان قلنا بحرمة مسّ الطيب ولو بالاضافة الى الباطن كما في الاحتقان بالطيب فالظاهر فيه ايضاً ثبوت الكفارة من ذلك الباب وامّا لو لم نقل بحرمة مسّ الطيب أو قلنا بها بالاضافة الى خصوص الظاهر فلا مجال للحكم بثبوت الكفارة ولو بنحو الاحتياط الوجوبي ومما ذكرنا ينقدح النظر فيما في المتن فانه على تقدير لابد من الفتوى بالتكفير وعلى تقدير آخر لا وجه له نعم الحكم به بنحو الاحتياط الاستحبابي لا مانع منه اصلاً.

[2] الوجه فيه واضح.

[3] من محرّمات الاحرام النظر في المرآة والكلام فيه يقع من جهات:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح5.


(89)

. . . . . . . . . . .

الجهة الأولى في أصل حرمته في الجملة في مقابل الكراهة مطلقاً فنقول: قال المحقق في الشرايع: وكذا ـ يعني لايجوز في حال الاحرام ـ النظر في المرآة على الاشهر. ونسبه في محكى المدارك بل غير واحد الى الأكثر لكن عن جملة من كتب القدماء كالجمل والعقود والوسيلة والمهذب والغنية انه مكروه كالمحقق في النافع بل ربما نسب الى الخلاف لكن استدلاله على الكراهة مضافاً الى الاجماع بطريقة الاحتياط يدلّ على ان مراده من الكراهة هي الحرمة لأنها ربما تستعمل فيها.

وكيف كان فالظاهر انه لا مجال لدعوى الكراهة بعد كون جميع ماورد في الباب من الروايات الثلاثة أو الأربعة ظاهرة في الحرمة أعم مما عبر فيها بالجملة الانشائية وما عبّر فيها بالجملة الخبرية وليس في مقابلها ما يقتضي الحمل على الكراهة فلا محيص عن الأخذ بظاهرها وسيأتي التعرض لها انشاء الله تعالى في الجهة الآتية.

الجهة الثانية في انّ المحرم هل هو النظر في المرآة مطلقاً او انه يختص بما اذا كان النظر للزينة ظاهر الكلمات هو الاول لكن المحكّى عن الذخيرة يقتيد الحكم بالقيد المذكور ويستفاد من صاحب الوسائل ذلك ايضاً حيث انه قيّد عنوان الباب بذلك واللازم ملاحظة الروايات فنقول:

منها صحيحة حمّاد يعني ابن عثمان عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لاتنظر في المرآة وانت محرم فانّه من الزينة...(1)

وأصل الحكم المذكور في الصدر وان كان مطلقاً وظاهره حرمة النظر في المرآة كذلك إلاّ ان التعليل بقوله فانّه من الزينة يوجب التضييق والاختصاص بما اذا كان الغرض من النظر الزينة لا أمراً آخر فان الظاهر ان مرجع الضمير في قوله: فانّه هو النظر

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والثلاثون، ح1.


(90)

. . . . . . . . . . .

لا المرآة بداهة انّ المرآة لاتكون بنفسها زينة بل النظر اليها ربما يكون لغرض التزيين وإلاّ فنفس النظر ايضاً لايكون زينة وليس النظر كالاكتحال الذي تقدم الذي يكون زينة بنفسه. وعليه، فلا مجال لاحتمال كون مرجع الضمير هي المرآة كما ان الظاهر في مثل المقام مما تكون العلّة عنواناً معلوماً لدى العرف ومعرّفاً في اللغة، ان لاتكون أمراً تعبدياً حتى ترجع الى حكم الشارع بثبوت العلّة تعبّداً وان كان على خلاف ما هو الثابت عند العرف واللغة.

وعلى ما ذكرنا فالعلّة المذكورة في الرواية توجب اختصاص الحكم بالحرمة بما اذا كان الغرض من النظر في المرآة الزينة فاحتمال كون العلّة أمراً تعبدياً غير موجب لتضييق دائرة الحكم كما أفاده بعض الأعاظم (قدس سرهم) لا سبيل اليه اصلاً كما ان ما أفاده بعض الاعلام (قدس سرهم) من انه لو قيل بالاطلاق وعدم دخل الزينة في الحكم فمعناه ان مجرد النظر الى الزينة حرام وهذا ليس بحرام قطعاً إذ لانحتمل ان النظر الى الزينة كالنظر الى الحلّى ونحوه حرام شرعاً، من عجائب الكلام إذ لو فرض ثبوت الاطلاق وعدم اقتضاء التعليل للتقييد يكون مقتضاه اطلاق حرمة النظر في المرآة ولا ارتباط لذلك بالنظر الى المرآة الذي لم يقع التعرّض له في الرواية بوجه ومرجع الاطلاق الى انه لافرق في الحرمة المذكورة بين ان يكون النظر في المرآة لغرض التزيين وبين ان يكون لغرض آخر كالسائق الذي ينظر في المرآة ليرى خلفه من السيارات وغيرها.

ومنها صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال لا تنظر في المرآة وانت محرم لأنه من الزينة(1). والبحث فيها كالبحث في الصحيحة المتقدمة من دون فرق.

ومنها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لاتنظر المرأة المحرمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والثلاثون، ح3.


(91)

. . . . . . . . . . .

في المرآة للزينة(1). والظاهر كون اللام للغاية لا للتعليل وعليه فظهورها في الاختصاص أقوى من السابقتين.

ومنها صحيحة اُخرى له قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) لاينظر المحرم في المرآة لزينة فان نظر فليلب(2). وهي على تقدير كونها رواية اُخرى وان كان يحتمل قويّاً اتحادها مع السابقة وان كان بينهما الاختلاف في التعبير يكون ظهورها أقوى من الجميع لعدم جريان احتمال التعليل فيه بوجه كما لايخفى.

اذا عرفت الروايات الواردة في الباب فاعلم ان المحكى عن السبزواري صاحب الذخيرة ان مقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيّد هو حمل المطلق منها على ما ظاهره التقييد بصورة ما اذا كان الغرض من النظر الزينة.

وأورد عليه صاحب الجواهر بما يرجع الى انه حيث لا منافاة بين المطلق والمقيد هنا لا مجال للحمل المذكور وعبّر عن هذا بعض الاعاظم (قدس سرهم) بانه حيث يكونان مثبتين أي غير مختلفين في الاثبات والنفي لاتجري قاعدة الحمل المذكورة ولكنك بملاحظة ما عرفت من التحقيق في معنى الروايات وانّها بين ما يكون مشتملاً على التعليل المقتضى للتضييق وبين ما وقع فيه التقييد بما اذا كان الغرض من النظر الزينة يظهر لك انه ليس في المقام مطلق اصلاً حتى يتكلم في لزوم حمله على المقيد وعدمه بل الروايات بأجمعها تدلّ على مدخلية القيد امّا من طريق التعليل وامّا من طريق التقييد.

نعم يبقى الكلام ـ ح ـ فيما أفاده في المتن من ان مقتضى الاحتياط الوجوبي ترك النظر في المرآة ولو لم يكن للتزيين فانه بعد عدم دلالة الروايات على الاطلاق وكون

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والثلاثون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والثلاثون، ح4.


(92)

. . . . . . . . . . .

مقتضى اصالة الجواز هو عدم الحرمة لا مجال لايجاب الاحتياط ويمكن ان يكون الوجه فيه عدم القول بالتفصيل قبل صاحب الذخيرة من دون فرق بين القائلين بالحرمة في أصل المسألة وبين القائلين بالكراهة ففي الحقيقة يكون الاجماع المركب على خلافه و ـ ح ـ يشكل التفصيل وان كان تقتضيه النصوص المتقدمة فتدبّر.

ثم انه ذكر في الجواهر انه لابأس بالنظر في المرآة في غير المعتاد فعله للزينة والظاهر انه لامجال لهذا الاستثناء بناء على مختاره من ثبوت الحرمة بنحو الاطلاق سواء كان المراد به هو الفرق بين الناظرين من جهة اعتياد النظر للزينة وغيره أو كان المراد به هو الفرق بين المرائي من جهة كونها معدة للنظر اليها للزينة أو موضوعة للنظر اليها لغيرها كما في المثال المتقدم وهي المرآة التي يرى فيها السائق السيارات الاُخر.

الجهة الثالثة في عدم اختصاص هذا المحرم بالرجال واشتراك النساء معهم فيه والدليل عليه مضافاً الى ظهور أكثر الروايات المتقدمة في ان الموضوع للحكم هو عنوان المحرم وان الحرمة انّما هي مترتبة على نفس الاحرام احدى صحيحتي معاوية بن عمار الواردة في المرأة المحرمة والتعرض لها انّما هو لأجل ارتباطها مع المرآة نوعاً فلا يكون له مفهوم اصلاً كما لايخفى.

الجهة الرابعة في عدم ثبوت الكفارة في هذا المحرّم والوجه فيه عدم دلالة شيء من الروايات المتقدمة الدالة على اصل الحكم على ثبوت الكفارة في صورة المخالفة نعم قد مرّ انّ مقتضى بعض الروايات وهي رواية علي بن جعفر (عليه السلام) ثبوت الكفارة في جميع موارد التخلف لكن تقدمت المناقشة فيها من حيث السند وكذا من حيث الدلالة لتردّد العبارة بين قوله: خرجت وبين قوله: جرحت والدلالة انّما هي على التقدير الثاني وهو غير ثابت.


(93)

مسألة 23 ـ لابأس بالنظر الى الاجسام الصقيلة والماء الصافي ممّا يرى فيه الأشياء، ولا بأس بالمنظرة ان لم تكن زينة وإلاّ فلا تجوز [1].

الجهة الخامسة قد عرفت ان ظاهر الصحيحة الثانية لمعاوية بن عمّار وجوب التلبية ولكن حيث ان المتسالم عليه هو عدم الوجوب فلابد من حمل الأمر على الاستحباب والكلام في هذه الجهة انّما هو في انّ الاستحباب هل يكون ثابتاً بنحو الاطلاق فلا فرق فيه بين العالم والجاهل والناسي كما ربما يقال او انّ مورده خصوص العالم العامد الذي يكون فعله محرّماً بالحرمة الفعليّة.

الظاهر هو الثاني، لأن التلبية انّما لأجل التدارك والجبران وان كان مستحبة والجاهل والناسي لم يتحقق منهما المخالفة المقتضية للتدارك فتدبّر وان شئت قلت ان قوله (عليه السلام) في الرواية: فان نظر فليلب بصورة التفريع ظاهر في النظر المتعلق للحكم بالحرمة المذكور في صدر الرواية فيختص بصورة العلم والعمد.

[1] قد وقع التعرض في هذه المسألة لفرعين:

الفرع الاول: النظر الى مثل المرآة من الاجسام الصيقلية والماء الصافي وغيرهما مما يرى فيه الأشياء ولكنّه لم يعدّ للنظر كالمرآة والظاهر ان كل من تعرض لهذا الفرع قد نفى البأس عن النظر اليه في حال الاحرام ومقتضى الاطلاق انه لابأس ولو كان الغرض الزينة والوجه فيه انّ عنوان المحرّم هو النظر في المرآة ولا مجال للتعدي الى غيرها وان كان يرى فيه الأشياء خصوصاً بعد عدم كونه معدّاً للنظر.

ولكن يمكن المناقشة فيه بانّ ما اشتمل من الروايات المتقدمة على التعليل كصحيحتي حمّاد وحريز يشمل هذه الأشياء ايضاً لجريان العلّة فيها والعلّة تعمّم كما انها تخصّص وعليه فمقتضى العلّة ان كل نظر يكون من الزينة بالمعنى الذي ذكرنا وهو كونه مقدمة لها وبقصد التزيين يكون محرّماً نعم ما اشتمل منها على حرمة النظر في


(94)

   التاسع: لبس ما يستر جميع ظهر القدم كالخفّ والجورب وغيرهما، ويختص ذلك بالرجال ولا يحرم على النساء، وليس في لبس ما ذكر كفارة، ولو احتاج الى لبسه فالأحوط شقّ ظهره [1].

المرآة للزينة أو لزينة لايدلّ على الحرمة في غير المرآة لعدم الدليل على التعدي.

الفرع الثاني: النظر بسبب المنظرة والظاهر انه لا ارتباط لهذا الفرع بالمقام اصلاً لأنّ المنظرة انما تكون وسيلة للنظر بها ورؤية البعيد والقريب بسببها على اختلاف الأعين واختلاف المناظر وهذا لايرتبط بالنظر في المرآة بوجه بل يكون داخلاً في بحث الزينة التي سيأتي التكلّم فيها انشاء الله تعالى.

ثم ان الظاهر ان المراد بقوله في المتن: «ان لم تكن زينة»، هو عدم كون الغرض منها الزينة لا نفس عدم كونها زينة ويأتي البحث في هذه الجهة ايضاً في محلّه.

[1] قال المحقق في الشرايع في عداد محرمات الاحرام: «ولبس الخفين وما يستر ظهر القدم» وقال في الجواهر في شرحه: «اختياراً كما في الاقتصاد والجمل والعقود والوسيلة والمهذب والنافع والقواعد والارشاد وغيرها على ما حكى عن بعضها بل في الذخيرة نسبته الى قطع المتأخرين بل في المدارك الى الاصحاب بل في الغنية نفى الخلاف قال فيها: وان يلبس ما يستر ظاهر القدم من خفّ أو غيره بلا خلاف بل ظاهره نفيه بين المسلمين فضلاً عن إرادة الاجماع منه».

والمستند هي الروايات المتعددة الواردة في هذا المقام:

منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: ولا تلبس سراويل إلاّ ان لايكون لك ازار ولا خفيّن إلاّ ان لايكون لك نعلان(1).

ومنها صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال وأيّ محرم هلكت نعلاه فلم يكن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والخمسون، ح1.


(95)

. . . . . . . . . . .

له نعلان فله ان يلبس الخفين اذا اضطّر الى ذلك والجوربين يلبسهما اذا اضطّر الى لبسهما(1).

ومنها رواية أبي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) في رجل هلكت ولم يقدر على نعلين قال: له ان يلبس الخفين ان اضطّر الى ذلك فيشق «وليشقه خ ل» عن ظهر القدم الحديث(2).

ومنها رواية رفاعة بن موسى انه سئل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يلبس الجوربين قال نعم والخفين اذا اضطر اليهما(3).

ومنها رواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) في المحرم يلبس الخف اذا لم يكن له نعل؟ قال نعم لكن يشق ظهر القدم(4).

اذا عرفت ذلك فالكلام في مفاد الروايات يقع من جهات:

الجهة الأولى: انّ العنوان المحرم المأخوذ فيها، هو لبس الخفين والجوربين فهل الحكم يختص بهما أو يتعدى عنهما الى غيرهما مما يشابههما. ظاهر العبارات المتقدمة وصريح المتن عدم الاختصاص بل هو معقد الاجماع الذي ادّعاه صاحب الغنية بل اتفاق المسلمين لكن المحكى عن المقنع والتهذيب الاقتصار على الخفّ والجورب بل عن كشف اللثام والنهاية الاقتصار على الخفّ نعم في محكى المبسوط والخلاف والجامع اضافة الشمشك وعطفه على الخفّ، والشمشك بضم الشين وكسر الميم يكون ظاهراً معرّب چمشك أو چمش وهو حذاء يستر ظاهر القدم وباطنه فقط

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والخمسون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والخمسون، ح3.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والخمسون، ح4.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والخمسون، ح5.


(96)

. . . . . . . . . . .

من دون ان يستر من السّاق شيئاً ومن هذه الجهة يغاير الخف والجورب اللذين يستران منالسّاق أيضاً شيئاً وقد أفتى الاصحاب في كتاب الصلاة بعدم جواز الصلاة في الشمشك ولا النعل السندي بخلاف النعل العربية التي تجوز الصلاة فيها،بل تكون مستحبة.

وكيف كان فقد ذكر بعض الأعاظم (قدس سرهم) على مافي تقريرات بحثه في الحج انه بعدما كان المذكور في الروايات هو العنوانان المتقدمان لا مجال لدعوى ظهور اللفظ في المثال وكون الموضوع للحكم بالحرمة هو كل ما يستر ظهر القدم لكونه منوطاً بالغاء الخصوصية وكون العنوانين مذكورين من باب المثال ولا سبيل لنا الى احراز ذلك ولم يحصل لنا القطع بوحدة المناط والظن بها بعد عدم حجيته لايغني من الحقّ شيئاً فاذاً لا وجه للتعدي عن العنوانين بل اللازم الاقتصار عليهما كما عرفت في بعض الكلمات.

وقد وقع العنوانان موضوعاً للحكم بالحرمة في كلام بعض الاعلام (قدس سرهم) وان احتاط وجوباً بالاجتناب عن كل ما يستر ظهر القدم هذا والظاهر هو عدم الاختصاص لأنه مضافاً الى ثبوت الشهرة العظيمة الفتوائية عليه كما عرفت في الكلمات نقول انّ المتفاهم عند العرف بعد ملاحظة انّ الحكم الثابت في هذا المقام هو حكم واحد بمعنى انّه ليس لبس كل واحد منهما موضوعاً لحكم تحريمي مستقل بحيث كان هنا محرّمان في باب الاحرام وملاحظة اشتراك العنوانين في الجهات المتعددة والخصوصيات المتكثرة وهي الساترية لظاهر القدم ولباطنه ولِمقدار من السّاق وهو كون المتعلق للحرمة هي تلك الجهات والخصوصيات لا نفس العنوانين. نعم قد علم من الخارج ان الساترية لباطن القدم لاتكون دخيلة في ذلك لأن النعل العربية يجوز الاحرام فيها قطعاً مع انّها ساترة لباطن القدم فتبقى الساترية للظاهر ولمقدار من السّاق وعليه فكل ما يكون واجداً للوصفين لايجوز لبسه في حال الاحرام فيخرج الشمشك ايضاً


(97)

. . . . . . . . . . .

لما عرفت لكن يستفاد من الجواهر شبهة تحقق الاجماع على عدم مدخلية الساترية للسّاق فيكون موضوع الحكم ـ ح ـ ما يستر ظهر القدم كما في المتن وغيره.

الجهة الثانية: انه حيث يكون الخف والجورب ساترين لجميع ظهر القدم فمقتضى التعدّي عنهما الى غيرهما الحكم بحرمة كلّ ما يستر الجميع وامّا ما يستر البعض فقط ولو كان هو الأكثر فلا دليل على حرمته، فما عن الرّوضة من ان الظاهر ان بعض الظهر كالجميع إلاّ ما يتوقف عليه لبس النعلين، لا مجال له اصلاً لعدم الدليل على ان حكم البعض حكم الكلّ ولعلّه توهم ان الحكم انحلالى كما في باب العموم الاستغراقي الذي يكون لكل فرد من الأفراد حكم مستقلّ وله موافقة ومخالفة كذلك مع ان الظاهر في المقام تعلّق حكم واحد بستر الجميع على سبيل العموم الاستيعابي ولا يكون له إلاّ موافقة واحدة ومخالفة كذلك.

ثم انه لم يعلم انّ مراده من المستثنى خصوص ما يتوقف عليه لبس النعلين أو مقدار ذلك ولو كان في غير النعلين.

الجهة الثالثة: انه هل يكون الحكم مختصّاً بالرجال أو يعم النساء أيضاً ظاهر مثل المحقق في الشرايع وهو كثير من الفتاوى حيث لم يقع في كلامه تقييد الحكم بالرجل عدم الاختصاص والامكان اللازم التقييد كما في لبس المخيط.

ويدلّ على العموم انّ الموضوع للحكم بالحرمة في الروايات هو عنوان «المحرم» بنحو الاطلاق أو العموم وعلى كلا التقديرين يشمل النساء وظاهره انّ الحرمة مترتبة على نفس الاحرام من دون فرق بين ان يكون المتصف به هو الرجل أو المرأة نعم في بعض الروايات، ذكر عنوان «الرجل» كما في رواية ابي بصير ولكنه ذكر بعض الأعاظم (قدس سرهم) انه لايتحقق في المقام ضابطة باب الاطلاق والتقييد المقتضية لحمل


(98)

. . . . . . . . . . .

الأول على الثاني لعدم التنافي الموجب للحمل وكونهما مثبتين وقد حكى ذلك عن المبسوط والنهاية وأظهر منهما الوسيلة، نعم جزم بالاختصاص الشهيد حاكياً له عن الحسن.

ولكن يدلّ على الاختصاص مضافاً الى ان السيرة العملية في النساء والمتشرعات عدم رعاية هذا الأمر بل ستر الجميع بالجورب ونحوه ولم يعلم الاعتراض عليهن بوجه والى ان مذاق الشرع في باب النساء ربما لايلائم مع اظهار ظاهر القدم مثل صحيحة عيص بن القاسم قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام): المرأة المحرمة تلبس ما شائت من الثياب غير الحرير والقفازين(1).

نظراً الى ظهور المستثنى في جواز لبس النساء ما شائت من الثياب ودلالة المستثنى على كون القفازين اللذين هما لباس اليدين ثياباً وإلاّ يلزم ان يكون الاستثناء منقطعاً وهو خلاف الظاهر ومن المعلوم انه لافرق بين لباس اليدين ولباس الرجلين كالجوربين من هذه الجهة اصلاً فتخصيص المستثنى بلباس اليدين ظاهر في كون لباس الرجلين والقدمين داخلاً في المستثنى منه كما ان استثناء الحرير دليل على ان المستثنى منه عام من حيث المادة والهيئة نعم قد عرفت الخلاف في جواز لبس النساء للحرير في حال الاحرام وان كان الظاهر الاتفاق على الجواز في حال الصلاة.

ويؤيد الاختصاص ما ربما يحتمل او يقال في اصل المسألة من ان حرمة لبس الخف والجورب سواء قيل بالاختصاص أو بالتعدي انّما هي من أجل كونهما مخيطاً أو شبه مخيط لا لأجل نفس العنوانين وقد تقدم في باب حرمة لبس المخيط الاختصاص بالرجال ولكن هذا الكلام أو الاحتمال مردود بظهور الفتاوى والنصوص في كون لبس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح9.


(99)

. . . . . . . . . . .

الأمرين محرَّماً مستقلاً وغير مرتبط بلبس المخيط وان كان الخف مخيطاً والجورب شبه مخيط لكن الحرمة ليست لأجل ذلك بل لأجل العنوانين بنفسهما أو من جهة كونهما ساترين لظهر القدم.

نعم لازم ما ذكرنا، ان لبس أحد الأمرين يوجب تحقق عنوانين محرّمين ولا بأس بالالتزام به وترتيب آثار كليهما من الكفارة وغيرها كما لايخفى.

وكيف كان الظاهر ما في المتن بالاختصاص كما في لبس المخيط وان كانا أمرين مستقلين من الأمور المحرّمة في باب الاحرام.

الجهة الرّابعة: في ثبوت الكفارة في لبس ما يستر ظهر القدم وعدمه صريح المتن وظاهر الفتاوى باعتبار عدم التعرض لثبوت الكفارة في المقام وهو العدم نعم حكى عن جماعة القول بثبوت الكفارة كما انّ ظاهر الروايات المتقدمة الواردة في اصل المسألة ايضاً ذلك لعدم التعرّض له فيها أصلاً ولكن الظاهر انّ ثبوت الكفارة لو لم يكن أقوى لكان مقتضى الاحتياط الوجوبي.

وذلك لأن رواية علي بن جعفر المتقدمة التي ربما يمكن ان يستدلّ بها لثبوت الكفارة في كل محرّم احرامي وان كانت ضعيفة من حيث السّند وغير تامة من حيث الدلالة للدوران بين «خرجت» و «جرحت» إلاّ ان هنا روايتان صحيحتان وان كان الظاهر وحدتهما وكونهما رواية واحدة تدلان على ثبوت دم شاة في المقام وهما صحيحة زرارة بن أعين قال سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول من نتف ابطه، أو قلّم ظفره، أو حلّق رأسه، أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء، ومن فعله متعمداً فعليه دم شاة(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.


(100)

. . . . . . . . . . .

وصحيحته الاُخرى عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: من لبس ثوباً لاينبغي له لبسه وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه ومن فعله متعمداً فعليه دم(1).

والظاهر كما عرفت وحدة الروايتين خصوصاً مع كون الراوي عن زرارة في كلتيهما هو علي بن رئاب، والراوي عن ابن رئاب هو الحسن بن محبوب، ومقتضى اطلاق قوله (عليه السلام) لبس ثوباً لاينبغي له لبسه الشمول للمقام كما انه يشمل لبس المخيط وقد مرّ انه لا مجال للمناقشة في اطلاق الثوب على مثل الخف والجورب بعد اطلاقه على القفازين في صحيحة عيص المتقدمة، لأنه لا فرق بين لباس اليدين والرجلين من هذه الجهة، واطلاق الدم في الرواية الثانية ينصرف الى دم الشاة كما في جميع الروايات المطلقة الواردة في الكفارة وعليه فالأحوط لو لم يكن أقوى ثبوت الكفارة في المقام.

الجهة الخامسة: في انه لا مجال للاشكال في جواز لبس الخفين في صورة الاضطرار الذي من مصاديقه عدم وجود النعلين له ويدلّ على الجواز مضافاً الى انه مقتضى حديث الرفع كثير من الروايات الواردة في خصوص المقام، لكن حيث ان بعضها يدل على امر زائد وهو لزوم شقّ ظهر القدم في صورة لبس الخفين فالبحث يقع في أمرين:

احدهما انّ الشق المذكور هل هو واجب او مستحب. فنقول امّا من جهة الفتاوى فقد ذكر المحقق في الشرايع بعد نقل القول بوجوب الشق: وهو متروك، وهو كما في الجواهر يشعر بالاجماع على العدم كما حكى التصريح به عن ابن ادريس لكن المحكّى عن المبسوط والوسيلة والجامع لابن سعيد والعلاّمة في المختلف والشهيدين في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح4.


(101)

. . . . . . . . . . .

الدروس والمسالك والمحقق الكركي في حاشية الشرايع، هو القول بالوجوب وظاهر المتن، ثبوته بنحو الاحتياط الوجوبي، وكيف كان فالظاهر ثبوت الشهرة على العدم.

وامّا من جهة الروايات فمقتضى ظهور روايتي أبي بصير ومحمد بن مسلم المتقدمتين الوجوب وبهما يقيّد اطلاق سائر الروايات الواردة في المقام ولا مجال لدعوى انّ وقوع المطلقات في مقام البيان يمنع عن عروض التقييد لها فانّ جميع موارد حمل المطلق على المقيّد يكون المطلق فيها وارداً في مقام البيان لأنه لا مجال لحمل الكلام الذي كان مجملاً أو مهملاً على التقييد، فلا تنبغي المناقشة من هذه الجهة أصلاً.

نعم الاشكال في الروايتين انّما هو من جهة السّند فان الراوي عن أبي بصير هو علي بن أبي حمزة البطائني الكذاب المعروف والرواية الثانية رواها الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم وسنده اليه ضعيف كما قرّر في محلّه وحيث انّ الشهرة على عدم الوجوب كما عرفت فلا يكون في البين جابر لضعف الخبر ولعلّ من قال بالوجوب تخيّل ان رواية محمد بن مسلم صحيحة كما وقع التعبير عنها بها في تقريرات بعض الأعاظم (قدس سرهم)وكيف كان فلا مجال للفتوى بالوجوب ولا لجعله مقتضى الاحتياط الوجوبي، بل غاية الأمر الاستحباب لقاعدة التسامح في أدلّة السّنن.

ثانيهما في المراد من عنوان الشقّ سواء كان واجباً أو مستحبّاً فنقول بان العنوان المأخوذ في الفتاوى والكلمات مختلف، فعن الشيخ في المبسوط: يشقّ ظهر قدميهما. وعن الخلاف يقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين، ومثله ما عن ابن الجنيد حيث قال: يقطعهما الى أسفل الكعبين. وعن ابن حمزة انه يشقّ ظاهر القدمين، وان قطع الساقين كان أفضل. وظاهره ان المراد بالطرف الثاني الذي جعله أفضل هو القطع من دون شقّ فيدلّ ـ كما في الجواهر ـ على ثبوت المغايرة بين العنوانين، غاية الأمر ثبوت


(102)

. . . . . . . . . . .

التخيير وكون القطع أفضل الفردين.

لكن فيها ان ظاهر المنتهى والتذكرة كون الشّق هو القطع حتى يكونا اسفل من الكعبين الذي رواه العامة بل حكى عن الفاضل في التحرير وموضع من المنتهى والتذكرة القطع بوجوب هذا القطع، وعن موضع آخر من المنتهى انه أولى خروجاً من الخلاف واخذاً بالتقيّة.

وكيف كان فالعنوان المأخوذ في روايتي ابي بصير ومحمد بن مسلم هو الشقّ الذي ظاهره عدم قطع شيء من الخفين، بل إزالة الهيئة الاتصالية بالاضافة الى ظهره من دون ان ينقص منه شيء لكن في رواية مرسلة: لابأس للمحرم اذا لم يجد نعلاً واحتاج ان يلبس خفّاً دون الكعبين(1). كما ان في النبوي العامي: فان لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين(2). ومقتضى هاتين الروايتين قطع الساق من الخفين، بل مقدار من ظهرهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. ومن الواضح ثبوت المغايرة بين العنوانين فان قلنا بالاستحباب فلا مانع من كون المستحب أحد الأمرين أخذاً بنحو التخيير بجميع الروايات الواردة في هذه الجهة.

وان قلنا بالوجوب يشكل الأمر فان المستند ـ ح ـ ليس إلاّ رواية محمد بن مسلم التي وقع التعبير فيها بشقّ ظاهر القدم وحمل الشقّ على القطع أو الأعم منه ممّا لا سبيل اليه، بعد عدم اعتبار ساير الروايات، بل لا محيص عن الالتزام بلزوم الشقّ بالمعنى الذي ذكرنا. نعم لو قطع الساق وبعض الظهر لايبقى اشكال في جواز الاكتفاء به، لعدم كونه ساتراً لظهر القدم، لكن البحث انّما هو في لزومه ولو على نحو الوجوب التخييري.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والأربعون، ح2.

(2) السنن الكبرى للبيهقي5: 51 .


(103)

العاشر: الفسوق ولا يختص بالكذب بل يشمل السباب والمفاخرة ايضاً، وليس في الفسوق كفّارة بل تجب التوبة عنه، ويستحب الكفارة بشيء والأحسن ذبح بقرة [1].

ثم انّ هنا شبهة وهي انّه على تقدير كون الواجب هو الشقّ بالمعنى المذكور يكون لازمه عدم تحقق ستر ظاهر القدم ومع عدمه لا معنى لتعليق جواز لبس الخف مقيّداً بالشقّ بعدم وجدانه النعل.

وبعبارة اُخرى لايكون جواز لبسه مشروطاً بالاضطرار بل يجوز في حال الاختيار ووجدان النعل ايضاً، مع انك عرفت ثبوت التعليق في الفتاوى والنصوص.

والجواب امّا على مبنى كون العنوانين وهما الخفّ والجورب لهما موضوعية ومدخلية في ثبوت أصل الحكم بالحرمة كما اختاره بعض الاعاظم على ما تقدم فواضح لأن الشقّ وان كان يوجب خروج ظاهر القدم عن المستورية إلاّ انه لايوجب زوال عنوان الخفيّة ـ مثلاً ـ فهو بعد الشق ايضاً يكون خفّاً لايجوز لبسه إلاّ في حال الضرورة.

وامّا على المبنى الآخر الذي اخترناه وهو عدم ثبوت الموضوعية للعنوانين وكون المحرّم هو كل ما يستر ظهر القدم ولو كان مثل الشمشك فالجواب اَن يُقال امّا بعدم كون الشقّ مستلزماً لخروج ظاهر القدم عن المستورية فان مرجع الشقّ الى إزالة الهيئة الاتصالية المتحققة في ظهر الخفّ، وهذا لايوجب ظهور ظاهر القدم بوجه.

وامّا بانّ الشق وان كان مستلزماً لما ذكر إلاّ انه يكفي في المنع كون الخف موضوعاً لستر ظاهر القدم، ومن شأنه ان يكون كذلك فهذا المقدار يكفي في ثبوت متعلق الحرمة وان لم تكن مستوريّة بالفعل فتدبّر.

[1] قد نفى صاحب الجواهر وجدان الخلاف في حرمته قال بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكى منه مستفيض كالنصوص مضافاً الى الكتاب.


(104)

. . . . . . . . . . .

ومراده من الكتاب قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج(1) والتعبير فيه وان كان بصورة الجملة النافية لكن المراد منه النهي الذي هو مفاد الجملة الانشائية ودلالته على النهي أقوى من دلالة صيغة «لاتفعل» كما قد قرر في محلّه وقد حمل بعض المشايخ من المعاصرين قوله (صلى الله عليه وآله): لا ضرر ولا ضرار في الاسلام على مثل هذه الآية وان المراد منه النهي التكليفي عن الضرر والضرار استشهاداً بهذه الآية.

وكيف كان فلا تنبغي المناقشة في كون المراد من الآية هو النهي والتحريم وموردها وان كان هو الحج خصوصاً بقرينة تفريعه على قوله تعالى: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج... إلاّ ان الظاهر ولو بقرينة عدم الفصل قطعاً انه لا فرق بين الحج وبين العمرة وفيها بين عمرة التمتع والعمرة المفردة فالحرمة المذكورة مرتبطة بالاحرام كسائر محرمات الاحرام.

ثم انّ المهم في هذا الأمر معنى الفسوق ومفاده وظاهر الكلمات انه محلّ اختلاف جدّاً.

فعن المقنع والنهاية والمبسوط والاقتصاد والجامع والنافع وظاهر المقنعة والكافي وصريح الشرايع والمحكى عن تفسير علي بن ابراهيم بل المنسوب الى المشهور ان الفسوق هو الكذب وقد اختاره صاحبا الحدائق والمدارك وكون الكذب محرّماً في غير حال الاحرام ايضاً يوجب تأكد الحرمة في حال الاحرام أيضاً يوجب تأكد الحرمة في حال الاحرام وشدّتها.

وعن الجمل والعقود انه الكذب على الله تعالى.

وعن الغنية والمهذب والاصباح والاشارة انه الكذب على الله تعالى ورسوله أو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البقرة: 193.


(105)

. . . . . . . . . . .

أحد الأئمة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ كما في باب الصوم.

وعن جمل العلم والعمل والمختلف والدروس انه الكذب والسباب واليه يرجع ما عن الحسن من انه الكذب والبذاء واللفظ القبيح.

وعن تبيان الشيخ الطوسي وفقه القرآن للراوندي ان الاولى حمله على جميع المعاصي التي نهى المحرم عنها. والظاهر انّ مرادهما منها محرّمات الاحرام مطلقاً ولولا الروايات الواردة في تفسير الفسوق لكانت الآية بنفسها شاهدة على بطلان هذا القول لانّه لايبقى ـ ح ـ مجال لعطف الفسوق على الرفث ولا لعطف الجدال على الفسوق إلاّ بضرب من التوجيه. واختار صاحب الجواهر ان الفسوق عبارة عن الكذب والسباب والمفاخرة مثل ما في المتن.

وحكى انه قد حكى الشهيد (قدس سره) في بعض حواشيه انه عبارة عن المفاخرة خاصّة.

والمهمّ ملاحظة الروايات الواردة في هذا المجال فنقول المعتبرة منها روايتان:

احداهما صحيحة علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث والفسوق والجدال ماهو؟ وما على من فعله؟ فقال: الرفث: جماع النساء، والفسوق الكذب والمفاخرة، والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله الحديث(1).

ثانيتهما صحيحة معاوية بن عمّار وهي على مارواه الشيخ بطريقين صحيحين عنه قال قال ابو عبدالله (عليه السلام): اذا احرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله وقلّة الكلام إلاّ بخير، فان تمام الحج والعمرة ان يحفظ المرء لسانه إلاّ من خير كما قال الله ـ  عزّوجلّ ـ فان الله يقول: فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فالرفث

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح4.


(106)

. . . . . . . . . . .

الجماع، والفسوق الكذب والسباب، والجدال قول الرجل لا والله بلى والله(1).

وعلى مارواه الكليني ايضاً بسندين صحيحين ايضاً عنه قال: قال ابوعبدالله (عليه السلام)وذكر مثل مافي رواية الشيخ وزاد: وقال اتقّ المفاخرة، وعليك بورع يحجزك عن معاصي الله فان الله ـ عزّوجلّ ـ يقول ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطّوفوا بالبيت العتيق قال ابو عبدالله (عليه السلام): من التفث ان تتكلم في احرامك بكلام قبيح فاذا دخلت مكّة وطفت بالبيت تكلمت بكلام طيب فكان ذلك كفارة، قال: وسألته عن الرجل يقول: لا لعمري وبلى لعمري قال ليس هذا من الجدال وانّما الجدال لا والله وبلى والله(2).

قال في الوسائل بعده ورواه الصدوق باسناده عن معاوية بن عمّار مثله من قوله: اتق المفاخرة الى قوله فكان ذلك كفارة لذلك.

وليس في نقل الصدوق بل ولا في نقل الكليني اشعارٌ فضلاً عن الدلالة بكون لزوم اتقاء المفاخرة مرتبطاً بلزوم الاجتناب عن الفسوق حتى تكون المفاخرة داخلاً في معناه أيضاً ويؤيده عطف قوله: وعليك بورع يحجزك عن معاصي الله على قوله: اتق المفاخرة وعليه فصحيحة معاوية بن عمار على النقلين الأولين ظاهرة في ان المراد بالفسوق هو الكذب والسباب فقط كما ان الصحيحة المتقدمة ظاهرة في ان المراد به هو الكذب والمفاخرة فبينهما التعارض حسب الظاهر.

وحكى عن المدارك ان الجمع بين الصحيحين يقتضي المصير الى الفسوق هو الكذب خاصة لاقتضاء احديهما نفي المفاخرة والاُخرى نفي السباب ولكنه عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح5.


(107)

. . . . . . . . . . .

الحدائق انهما متفقتان في الكذب ومتعارضتان في المفاخرة والسباب ولازم التعارض التساقط والأخذ بما هو المتفق عليه بينهما وهو الكذب.

ويؤيده بعض الروايات الظاهرة في ان الفسوق هو الكذب خاصة وان كانت مخدوشة من حيث السند مثل رواية زيد الشحام الضعيفة بالمفضل بن صالح قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن الرفث والفسوق والجدال قال: امّا الرفث فالجماع، وامّا الفسوق فهو الكذب ألا تسمع لقوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ان تصيبوا قوماً بجهالة، والجدال هو قول الرجل لا والله وبلى والله وسباب الرجل الرجل(1).

ومرسلة العيّاشي في تفسيره عن معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله ـ عزّوجلّ ـ الحج اشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فالرفث الجماع والفسوق الكذب والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله(2).

ويغلب على الظن ان هذه المرسلة هي صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة وان لم تكن مشتملة على ذكر السباب وما عن الفقه الرضوي من ان الفسوق الكذب فاستغفر الله عنه وتصدّق بكف من طعام(3).

ويرد على صاحبي الحدائق والمدارك انّ المعارضة بين المنطوق من الصحيحتين والمفهوم من الاُخرى لا بين المنطوقين لأنّهما مثبتان ولا منافاة بينهما بل التنافي بين المفهوم الذي هي قضية سالبة مع المنطوق من الآخر والدلالة على المفهوم انّما هي من جهة الوقوع في مقام التحديد والتعريف الظاهر في سلب الغير ونفيه، فمفهوم احدى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح8.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح9.

(3) المستدرك، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني، ح2.


(108)

. . . . . . . . . . .

الصحيحتين خروج المفاخرة ومفهوم الاُخرى خروج السباب وحيث ان الدلالة المفهومية انّما هي بالظهور ومن باب الاطلاق فاللازم رفع اليد عنها بالمنطوق الذي هو الأظهر ومن باب التقييد، وعليه فيتحصّل انّ الفسوق يكون عبارة عن الأمور الثلاثة الكذب والسباب والمفاخرة كما في المتن تبعاً لصاحب الجواهر.

ثم ان المفاخرة تكون على قسمين، لأنها تارة تكون لإثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحطّ من شأن الآخرين وبيان وجود منقصة فيهم أو سلب رذيلة عن نفسه مع الاستلزام المذكور وهذا يكون محرّماً في غير حال الاحرام ايضاً.

واُخرى تكون لمجرد اثبات الفضيلة أو سلب الرذيلة عن نفسه من دون نظر الى الغير ولا يكون فيه الاستلزام المذكور فيه اصلاً.

ربما يقال كما حكى عن العلاّمة في المختلف انّ القسم الاوّل من المفاخرة مرجعه الى السباب ولا تكون منفكة عنه فلا تكون مغايرة معه.

ولكن الجواب منع عدم الانفكاك فان جملة من الفضائل لاتكون اثباتها للنفس ولو كان مستلزماً لتنقيص الغير وحطّاً من شأنه وماسّاً لكرامته لاينطبق عليه عنوان السباب الذي كان له معنى عرفي خاص فان اثبات الاجتهاد ـ مثلاً ـ لنفسه بنحو يكون مستلزماً لسلب هذه المرتبة عن الغير وفرض كون السلب عنه منقصة بالاضافة اليه لايعدّ سباباً بوجه.

كما انه ذكر بعض الأعلام (قدس سرهم) ان القسم الثاني من المفاخرة فلو فرض صدق عنوانها عليه لابد من اخراجه من المفاخرة الممنوعة في حال الاحرام لأنه لايحتمل حرمة هذا النحو من المفاخرة مع ان الصحيحة في مقام تفسير الفسوق والخروج عن الجادة المستقيمة وهذا القسم من المفاخرة ليس من الفسوق ولا ينطبق عليه هذا


(109)

. . . . . . . . . . .

العنوان.

ويردُ عليه ان منشأ عدم الاحتمال ان كان هو مجرد عدم الحرمة في غير حال الاحرام فكثير من محرمات الاحرام لايكون محرّماً في غير حال الاحرام بل ربما يكون مستحباً كالنظر في المرآة وغيره وان كان هو عدم انطباق عنوان الفسوق عليه.

فالروايتان ظاهرتان في عدم كون المراد بالفسوق معناه اللغوي والعرفي الذي يرجع الى جميع المعاصي المخرجة للفاعل أو التارك عن حجر الشرع والجادة المستقيمة الالهية. وعليه فلا مانع من ان تكون المفاخرة بهذا النحو داخلة في الفسوق المحرم في حال الاحرام وان لم تكن محرمة في نفسها فتدبّر.

بقي الكلام في هذا الأمر في ثبوت الكفارة فيه وعدمه وظاهر الجواهر مضافاً الى عدم حكاية القول بالثبوت من أحد ادّعاء القطع بالعدم، لكن ذهب صاحب الوسائل الى الثبوت حيث قال في عنوان الباب الثاني من أبواب بقيّة كفارات الاحرام: باب انه يجب على المحرم في تعمّد السباب والفسوق بقرة والمحكى عن الحدائق ايضاً الوجوب لكن في صوره اجتماع السباب والكذب لا عند انفراد كل منهما على الآخر.

ومستند الوجوب صحيحة سليمان بن خالد قال سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول: ـ في حديث ـ وفي السباب والفسوق بقرة والرفث فساد الحجّ(1).

ولا خفاء في ظهورها في ثبوت كفارة البقرة في السباب والفسوق وظاهرها الثبوت في كل واحد منهما مستّقلاً ومنفرداً لا عند اجتماعهما سيّما على القول بان عطف الفسوق على السباب انّما هو من قبيل ذكر العام بعد الخاص الذي يوجد حتى في الاستعمالات القرآنية كذكر الخاص بعد العام، فانه على هذا التقدير مجال لاحتمال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني، ح1.


(110)

. . . . . . . . . . .

مدخلية الاجتماع بوجه.

نعم على القول بان ظهور العطف في المغايرة يقتضي ان يكون المراد بالفسوق هو الكذب لما مرّ في بعض الروايات من تفسيره بخصوص الكذب مستشهداً بآية النبأ، يمكن القول بمدخلية الاجتماع في الثبوت لكنه أيضاً خلاف الظاهر وما هو المتفاهم عند العرف.

وتظهر ثمرة الاحتمالين ايضاً في ثبوت الكفارة في المفاخرة التي هي القسم الثالث من أقسام الفسوق فانه على التقدير الأول تثبت الكفارة فيه بخلاف التقدير الثاني وكيف كان فلا اشكال في دلالة الرواية على ثبوت الكفارة كما انها تدلّ على عدم تحقق الفساد للحج بسبب الفسوق وان الفساد انّما يترتب على الرفث خلافاً لما حكى عن المفيد (قدس سره) من ان الكذب مفسد للاحرام.

وفي مقابلها صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال أرأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله له حدّاً يستغفر الله ويلبّي(1). قال في الوسائل بعد نقل هذه الرواية: هذا محمول على عدم التعمّد لما مرّ من عدم وجوب الكفارة على غير العامد إلاّ في الصيّد.

هذا ولكن الظاهر عدم تمامية هذا الحمل لأنّ ظاهر الرواية عدم تحقق جعل الحدّ من الله تعالى في مورد الفسوق وهذا لايلائم مع الجاهل الذي لايكون خارجاً عن دائرة الجعل على تقديره بل يكون الحكم مرفوعاً وموضوعاًنه فالرواية الدالة على عدم الجعل ظاهرة في عدم ثبوت الكفارة رأساً مضافاً الى ان التعبير بالابتلاء والحكم بوجوب الاستغفار لا يلائمان مع الجهل فلا تنبغي المناقشة في ظهور الرواية في العدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني، ح2.


(111)

   الحادي عشر: الجدال وهو قول: لا والله و بلى والله، وكل ما هو مرادف لذلك في أيّ لغة كان اذا كان في المقام اثبات أمر أو نفيه، ولو كان القسم بلفظ الجلالة أو مرادفه فهو جدال، والأحوط الحاق سائر اسماء الله تعالى كالرحمن والرحيم وخالق السماوات ونحوها بالجلالة، وامّا القسم بغيره تعالى من المقدسات فلا يلحق بالجدال [1].

مطلقاً، غاية الأمر وجوب الاستغفار والتلبية التي لم يقل احد بوجوبها.

وذكر بعض الاعلام (قدس سرهم) ان الصحيح حمل صحيحة سليمان بن خالد على الاستحباب لصراحة صحيح الحلبي في عدم الوجوب كما تحمل لذلك صحيحة علي بن جعفر (عليه السلام) المروية عن قرب الاسناد ايضاً الدالة على التصدّق بشيء على الاستحباب فقد روى علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) وكفارة الفسوق شيء يتصدق به اذا فعله وهو محرم. وفي نسخة اُخرى: وكفارة الفسوق يتصدق به اذا فعله وهو محرم(1).

اقول الظاهر انه لا مجال لحمل صحيحة سليمان بن خالد على الاستحباب بعد عدم كون التعبير فيها بصيغة أفعل أو بالجملة لخبرية الواردة في مقام بيان التكليف وإفادة حكم انشائي وذلك لظهورها في ثبوت الاشتغال الذي هو حكم وضعي ولا معنى فيه للحمل على الاستحباب.

فالحق ان يقال بثبوت المعارضة في البين وعدم امكان الجمع الدلالي بين الصحيحين وحيث ان الشهرة العظيمة المحققة الفتوائية توافق صحيحة الحلبي فاللازم الأخذ بها وطرح الاُخرى. نعم لا مجال للشبهة في حسن الاحتياط وان مقتضاه ذبح بقرة كما في المتن.

[1] قد وقع التعرّض في هذا الأمر لجهات:

الجهة الاولى: في أصل حرمة الجدال وكونه من محرّمات الاحرام والظاهر انه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني، ح3.


(112)

. . . . . . . . . . .

لاريب فيه نصّاً وفتوى والأصل فيه قوله تعالى: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج بالتقريب المتقدم في الفسوق.

الجهة الثانية: في معنى الجدال المحرّم بعد كون معناه اللغوي والعرفي هو المخاصمة والمنازعة وقد ورد بهذا المعنى في الكتاب في مواضع متعددة مثل قوله تعالى: وجادلهم بالتي هي أحسن.

ولكن الروايات المستفيضة الواردة في هذا المجال تدلّ على ان المراد من الجدال المحرّم في الحج هو قول: لا والله وبلى والله وفي بعضها كلمة «انّما» الدالة على الحصر وانه ليس الجدال غيره. واللازم البحث في ان المحرم هل هو نفس هذا القول على الاطلاق وفي كل مورد أو انه يحرم في موارد خاصة فنقول:

انّه لا شبهة في عدم كون نفس التلّفظ بهذا اللفظ محرَّماً اذا لم يكن في مقام الخصومة والنزاع بل ولا في مقام اثبات أمر أو نفيه بحيث كان من قبيل الاذكار المستحبة التي يستحب التلفظ بها فكما ان التلفظ بكلمة لا إله إلاّ الله ـ مثلاً ـ مستحب كذلك التلفظ بهذا القول في حال الاحرام يكون محرّماً وذلك لأنّه مضافاً الى عدم فهم العرف من الروايات المفسّرة له بما ذكر ما يشمل هذه الصورة قد وقع التعبير عن الجدال بالحلف في بعض الروايات الآتية ومن الواضح ان الحلف أمر انشائي يعتبر فيه القصد ولا يكفي مجرّد اللفظ الخالي عن قصد معناه فهذه الصورة خارجة قطعاً.

كما انه لا شبهة في كون القول المزبور في مقام الخصومة والنزاع للاثبات والنفي جدالاً وانه هو القدر المتيقن من معنى الجدال ولم يناقش فيه أحد.

انّما الاشكال فيما اذا كان القول المزبور في غير مورد المخاصمة بل واقعاً في مقام الجواب عن السؤال ـ مثلاً ـ كما اذا سئل عنه هل انت مجتهد فقال بلى والله أو سئل عنه


(113)

. . . . . . . . . . .

هل تحبّ زيداً ـ مثلاً ـ قال لا والله بحيث لم تكن مخاصمة في البين بل نفي أو اثبات مؤكدّ باليمين المزبورة ومقروناً معها، فان قلنا بكون هذه الصورة ايضاً جدالاً فاللازم الالتزام بثبوت الحقيقة الشرعية للجدال مغايرة لما هو مقتضى المعنى اللغوي أو العرفي أو ان الاستعمال الشرعي يكون بهذه الكيفية، وان لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية وان لم نقل بكون هذه الصورة جدالاً يصير الجدال المحرّم على المحرم بعض مصاديق الجدال اللغوي كما في الفسوق.

يظهر من صاحب الغنية القول الأوّل حيث ان المحكى عنه انه قال بعد ذكر ان الجدال من محرّمات الاحرام: «وهو عندنا قول لا والله وبلى والله بدليل اجماع الطائفة وطريقة الاحتياط، وقول المخالف: ليس في لغة العرب ان الجدال هو اليمين ليس بشيء لأنه ليس يمتنع ان يقتضي العرف الشرعي ماليس في الوضع اللغوي كما تقوله في لفظ الغائط» ومراده من المقيس عليه انه كما ان لفظ الغائط معناه اللغوي عبارة عن الأرض المنخفضة مع ان المراد منه في الشريعة ما يخرج من الدّبر كذلك الجدال.

ويؤيّده بعض الروايات الظاهرة في ان الجدال هي اليمين كما حكاه صاحب الغنية عن المخالف ففي صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) بعد تفسير الجدال بقول الرجل لا والله وبلى والله قال: واعلم ان الرجل اذا حلف بثلاثة ايمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل فعليه دم يهريقه ويتصدّق به، واذا حلف يميناً واحدة كاذبة فقد جادل وعليه دم يهريقه ويتصدّق به قال: وسألته عن الرجل يقول: لا لعمري وبلى لعمري فقال: ليس هذا من الجدال وانّما الجدال قول الرجل لا والله و بلى والله(1). وقرينة المقابلة تقضي بان المراد بالحلف بثلاثة ايمان هو الحلف صادقاً وعلى أيّ حال

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الأوّل، ح3.


(114)

. . . . . . . . . . .

فالرواية ظاهرة في ان اليمين هو الركن الاساسي في معنى الجدال المحرّم على المحرم ومثلها موثقة ابي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال اذا حلف الرجل ثلاثة ايمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه واذا حلف يميناً واحدة كاذباً فقد جادل فعليه دم يهريقه(1). وليس المراد اختصاص الجدال بصورة الكذب كما هو ظاهر.

الجهة الثالثة: هل يعتبر في الجدال مضافاً الى اليمين التي عرفت انّها الركن الاساسي فيه، اشتماله على احدى الكلمتين: لا و بلى أم يكفي فيه مجرد اليمين ولو كانت خالية عنهما، قولان: ظاهر المشهور هو الأوّل والمحكى عن صريح المحقق في النافع والشهيد في الدروس هو الثاني وهو ظاهر المتن فان المراد بقوله ولو كان القسم بلفظ الجلالة أو مرادفه فهو جدال، هو القسم الخالي عن الكلمتين، وإلاّ لايكون مغايراً مع تفسيره للجدال بقول: لا والله وبلى والله كما هو ظاهر.

ويدلّ على ماهو المشهور، ظاهر الروايات الكثيرة المفسّرة للجدال بالقول المذكور المشتمل على احدى الكلمتين، فانه لو لم يكن لهما مدخلية في معنى الجدال لما كان وجه لذكرهما في تعريفه خصوصاً بعدما عرفت من مغايرة معناه الشرعي للمعنى اللغوي والعرفي المقتضية للاقتصار على خصوص ماله الدخل في معناه وعدم ذكر ما ليس له مدخلية.

وبالجملة لا شبهة في ان ظاهر الروايات المفسرة بالقول المذكور، مدخلية احدى الكلمتين خصوصاً ما اشتمل منها على مثل كلمة «انّما».

لكنه ربما يقال بانّ مثل الروايتين المتقدمتين انفاً في الجهة الثانية ظاهرة ان الجدال مجرد الحلف من دون مدخلية شيء من الكلمتين فيه حيث انّ مقتضاهما ان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الاول، ح7.


(115)

. . . . . . . . . . .

الحلف بثلاثة ايمان ولاء صادقاً جدال يترتب عليه الكفارة وبواحدة كاذباً أيضاً كذلك.

والحقّ انّ التأمل فيهما يقضي ببطلان هذا القول فانّ صحيحة معاوية بن عمار قد اشتمل صدرها وذيلها على تفسير الجدال بالقول المخصوص وعليه فالمراد بالحلف الواقع في الشرطيتين هو الحلف المعهود المذكور اوّلاً المشتمل على احدى الكلمتين لا الحلف المطلق الشامل لما يكون غير مقرون بشيء منهما ويؤيده سؤال الراوي في الذيل عن ان قول لا لعمري وبلى لعمري هل يكون جدالاً أم لا، فانه ظاهر في ثبوت المفروغية عنده بالاضافة الى مدخلية احدى الكلمتين، غاية الأمر انه كان من المحتمل عنده ان تغيير القسم بالجلالة بالقسم المذكور ايضاً يوجب تحقق الجدال فأجاب (عليه السلام)بالنفي، وامّا الموثقة فلا تكون بصدد تفسير الجدال بل بصدد التفصيل في الجدال الموجب للكفارة بين الصادق والكاذب من جهة التعدد وعدمه وإلاّ فاللازم الالتزام بعدم كون اليمين الصادقة جدالاً اصلاً إلاّ اذا بلغت ثلاثاً، وهو مع كونه مخالفاً لسائر الروايات، لم يقل به احد، فاللازم ان يقال بعدم كونهما في مقام بيان معنى الجدال بل ذكره انّما هو تمهيد لثبوت الكفارة المترتبة عليه والتفصيل بين صورتي الصدق والكذب.

ثم انّ لمعاوية بن عمّار صحيحة اُخرى ظاهرها ما ذكرنا من كون المفروغ عنه عنده لزوم اشتمال الجدال على احدى الكلمتين قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يقول لا لعمري وهو محرم قال: ليس بالجدال انّما الجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله، وامّا قوله: لا ها فانما طلب الاسم وقوله: ياهناه فلا بأس به وامّا قوله: بل شانيك فانّه من قول الجاهلية(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح3.


(116)

. . . . . . . . . . .

وقد وقع شرح ذيل الرواية في كلام العلاّمة المجلسي (قدس سره) في كتاب: «ملاذ الاخيار في فهم تهذيب الاخبار» قال ما لفظه: «قوله: لا ها، يمكن ان يكون المراد الحلف بـ «لاه» وهو من اسمائه تعالى بل قال سيبويه ان الجلالة اشتقت منه فيكن المراد انّهم يطلبون به اسم الله تعالى وهو من الجدال، أو هو من الحلف وليس من الجدال. ويمكن ان يكون «لا» حرف نفي و «ها» حرف تنبيه والمراد انّهم يوردون هذا مكان النداء بالاسم للتنبيه الى ان قال: وفي النهاية: ها مقصورة كلمة تنبيه للمخاطب ينبّه بها على من يساق اليه الكلام وقد يقسم بها فيقال: لا ها الله ما فعلت أي لا والله ابدلت الهاء من الواو.

وفيه أيضاً: يا هنتاه اي يا هذه وفي المذكر هنّ وهنان وهنون ولك ان تلحقها الهاء لبيان الحركة فتقول يا هنه وان تشبع الحركة فتصير ألفاً فتقول ياهناه وقيل ياهنتاه يا بلهاء كانها نسبت الى قلّة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم انتهى.

اقول: لما كانوا يذكرون ياهناه بمعنى يا فلان في صدر الكلام مكرراً كان مظنة لأن يتوهم انه قسم فأزال (عليه السلام) ذلك الوهم.

قوله: لا بل شانيك الظاهر انه كان لا أب لشانئك كما في الدروس وقولهم لا أب لشانئك ولا أباً لشانئك أي لمبغضك قال ابن السكيت: «وهي كناية عن قولهم لا أباً لك» كذا ذكره الجواهري. اقول لعلّ مراده انه اسند عدم الأب الى مبغضه، والمراد نسبته اليه رعاية للأدب فيكون المراد بالخبر الحلف بهذا كان يقول لا أب لشانئك ان لم يكن كذا اي لا أب لك فآل بكثرة الاستعمال الى ما ترى.

ويمكن ان يكون المراد لا أقسم بشيء هين، بل اقسم بشانيك والشأنان العرقان المكتنفان بالرأس، فيكون القسم بعرقي رأسه الملزومين لحياته كما في قولهم لعمرك،


(117)

. . . . . . . . . . .

أو يكون لا نفياً لما ذكره المخاطب ويكون حرف القسم في شانئك مقدراً أو يكون المراد انا شانئك ومبغضك ان لم يكن كذا والله يعلم».

الجهة الرابعة: في انه بعد عدم كفاية مجرد اليمين ولو بصيغتها وهي قول: والله في تحقق الجدال ولزوم كونها مقرونة به كلمة «لا» أو «بلى» يقع الكلام في لزوم اعتبار نفس احدى هاتين الكلمتين أو يكفي بيان مؤدّاها ولو كلمة اُخرى مثل «مافعلت» في مقام النفي أو «فعلت» في مقام الاثبات صرّح في الجواهر بالثاني حيث قال: «نعم لايعتبر لفظ لا وبلى نحو قوله (عليه السلام): انّما الطلاق: انت طالق فان صيغة القسم هو قول: والله وامّا لا وبلى فهو المقسوم عليه فلا يعتبر خصوص اللفظين في مؤدّاه ولو بشهادة الصحيح المزبور بل تكفي الفارسية ونحوها فيه وان لم تكف في لفظ الجلالة فتأمّل جيّداً».

ومراده بالصحيحة ما رواه ابو بصير يعني ليث بن البختري قال: سألته عن المحرم يريد ان يعمل العمل فيقول له صاحبه والله لا تعمله فيقول: والله لأعملّنه فيحالفه مراراً يلزمه ما يلزم الجدال؟ قال: لا انّما أراد بهذا إكرام أخيه انما كان ذلك ما كان لله عزّوجلّ فيه معصية(1).

ويرد عليه انّ مجرد كون صيغة القسم هو قول: والله كون الكلمتين هما المقسوم عليهما، لايقتضي عدم اعتبار خصوص اللفظين إلاّ على تقدير ثبوت كون الجدال من مصاديق اليمين، غاية الأمر انها يمين واقعة في مقام النفي والاثبات مع انّك عرفت في الجهة الثالثة، ان الحلف وان كان ركناً اساسياً في معنى الجدال لكن مفهومه المستفاد من الروايات المتعددة المفسرة له هو اليمين التي تتعقب احدى الكلمتين ومقرونة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والثلاثون، ح 7.


(118)

. . . . . . . . . . .

بتقدم احد اللفظين، وعليه فلا يجوز التعدّي عن ظاهر تلك الروايات في مدخلية نفس اللفظتين في المعنى الشرعي للجدال المركب منها ومن اليمين، وامّا التشبيه بقوله (عليه السلام)انما الطلاق انت طالق فيرد عليه انّ التوسعة فيه انّما هي لأجل قيام الدليل على جواز توكيل الغير في اجراء صيغته ولو مع عدم حضور الزوجة وعلى جواز طلاق الزوج الغائب الذي لايمكن فيه الخطاب بقوله انت ففي الحقيقة قيام الدليل صار موجباً للحكم بعدم انحصار صيغته الطلاق بما ذكر ولم يقم في المقام دليل على التوسعة حتى يرفع اليد بسببه عن ظاهر الروايات المفسرة كما هو ظاهر.

وامّا الصحيحة فربما يستدلّ بها على ان الجدال مطلق الحلف بالله تعالى وما يسمى يميناً وان لم تكن مشتملة على احدى الكلمتين اصلاً فضلاً عن عدم كفاية ما يؤدّى مفادهما نظراً الى ان تعليل نفي الجدال بانه انّما أراد اكرام صاحبه دون فقد الصيغتين أوضح شاهد على انه لولا إرادة الاكرام لثبت الجدال بمطلق والله كما هو المفروض في السؤال.

ولكن صاحب الجواهر (قدس سره) أجاب عن هذا الاستدلال، بان التعليل في الصحيح المزبور لاينافي وجود علّة اُخرى، ومراده انه يكفي في جانب النفي عدم وجود شيء ممّا له مدخلية في الاثبات بخلاف الاثبات الذي يحتاج الى تحقق جميع ماله المدخلية فتعليل النفي بنفي واحد من ذلك لاينافي وجود علّة اُخرى.

ويرد عليه هنا نفس هذا الجواب، وان التعليل لايقتضي ما استفاده من عدم اعتبار خصوص اللفظين في مؤدّاه على ان الصحيحة لاتكون في مقام تفسير الجدال حتى يكون لها اطلاق بل في مقام بيان ان الحلف الاكرامي لا مانع منه ولا يترتب عليه ما يترتب على الجدال من الكفارة والظاهر ان المراد من قوله ـ ما كان لله فيه معصية ـ هو


(119)

   مسألة 24 ـ لو كان في الجدال صادقاً فليس عليه كفارة اذا كرّر مرتين وفي الثالث كفارة وهي شاة، ولو كان كاذباً فالأحوط التكفير في المرّة بشاة وفي المرّتين ببقرة وفي ثلاث مراتب بُدْنَة بل لايخلو عن قوّة [1].

الجدال المشتمل على احدى الكلمتين الذي يكون محرّماً.

وكيف كان فالظاهر اعتبار خصوص اللفظين ومنه يظهر ان مثل الفارسية لايكفي وان كان مطابقاً لمعناه ومرادفاً له حقيقة لأن ظاهر الروايات اعتبار نفس القول المزبور ومن خصوصياته، العربية ولا دليل على التعدّي الى سائر اللغات. نعم مقتضى ما ذكرنا من ان اعتبار يكون واقعاً في مقام النفي أو الاثبات ان يكون المحرم عارفاً بهذه الخصوصية وان لم يكن عالماً باللغة العربية بوجه. كما ان مما ذكرنا ظهر ان تبديل لفظ الجلالة بسائر اسماء الله تعالى كالمذكورات في المتن يقدح في تحقق الجدال، فضلاً عن القسم بغيره تعالى من المقدسات في الشريعة كالقرآن والرسول والائمة (عليهم السلام).

[1] يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين:

المقام الأول: في حكم الجدال الصادق من جهة ثبوت الكفارة فيه وعدمه وقد استفاضت الروايات الدالة على عدم الثبوت اذا لم يتجاوز عن مرتين والثبوت اذا تجاوز عنهما وانّها هي شاة وقد تقدمت في تفسير الجدال صحيحة معاوية بن عمار وموثقة ابي بصير الظاهرتين في ترتب الكفارة على ما اذا حلف بثلاثة ايمان صادقاً وانّها لاتترتب على الأقل من الثلاث ومن هذه الروايات صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الجدال في الحج فقال: من زاد على مرّتين فقد وقع عليه الدّم، فقيل له: الذي يجادل وهو صادق؟ قال عليه شاة والكاذب عليه بقرة(1).

ومنها صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: قلت: فمن ابتلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الأول، ح6.


(120)

. . . . . . . . . . .

بالجدال ما عليه ؟ قال: اذا جادل فوق مرّتين فعلى المصيب دم يهريقه وعلى المخطئ بقرة(1).

ومنها غير ذلك من الروايات الدالة عليه.

لكن في مقابلها اطلاقان:

احدهما اطلاق ما دلّ على ثبوت الشاة في الجدال من دون فرق بين الثلاث وغيره وهي صحيحة سليمان بن خالد قال سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول في الجدال شاة الحديث(2).

ثانيهما اطلاق ما دلّ على عدم ثبوت الكفارة في الجدال كذلك وهي صحيحة يونس بن يعقوب قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يقول: لا والله و بلى والله وهو صادق، عليه شيء؟ قال: لا(3).

لكن الروايات المفصّلة مقيدة لكلا الاطلاقين وشاهدة لحمل الاطلاق الأول على الثلاث والثاني على الأقل كما لايخفى.

المقام الثاني: في حكم الجدال الكاذب والمشهور فيه بين الاصحاب كما في الجواهر بل قيل انه لا خلاف يعتدّ به فيه، هو التفصيل المذكور في المتن الذي جعله مقتضى الاحتياط الوجوبي بل نفى خلّوه عن القوة وهو انّ في المرّة الأولى، شاة وفي المرة الثانية، بقرة وفي المرّة الثالثة بدنة، ولكن لايستفاد من النصوص التي بأيدينا هذا التفصيل بل يدلّ عليه فقه الرّضا والمحكى من رسالة علي بن بابويه التي كان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الاول، ح2.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الأول، ح1.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الاول، ح8.


(121)

. . . . . . . . . . .

الأصحاب قد رجعوا اليها عند اعواز النصوص لكن فقه الرضا لم يثبت اعتباره بل لم يثبت كونه رواية حتى ينجبر ضعفه في مثل المقام بموافقة فتوى المشهور، والرسالة المذكورة انما كانت مرجعاً عند اعواز النصوص مع ان النصوص في المقام موجودة، بل كثيرة، ولابد من ملاحظتها فنقول:

امّا ثبوت الشاة في المرّة الأولى فيدلّ عليه مضافاً الى اطلاق صحيحة سليمان بن خالد الدالّ على ان في الجدال شاة، صحيحة معاوية بن عمار وموثقة ابي بصير المتقدمتان الظاهرتان في التفصيل بين الجدال الصادق والجدال الكاذب وانه يكون ثبوت كفارة الدم في الأوّل فيما اذا حلف بثلاثة ايمان وفي الثاني بيمين واحدة.

نعم مقتضى اطلاق رواية اُخرى لأبي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: اذا جادل الرّجل وهو محرم فكذب متعمّداً فعليه جزور(1)، ثبوت الجزور في المرة الأولى أيضاً لكن حيث انّ الرواية قد رواها الشيخ باسناده عن العباس بن معروف وفي هذا الاسناد ابو المفضّل وابن بطة وهما ضعيفان فلا تصلح الرواية للاستناد اليها ولا تكون شهرة جابرة في هذا الفرض فاللازم الحكم بثبوت الشاة.

وامّا المرة الثانية فمقتضى اطلاق صحيحة سليمان بن خالد ثبوت شاتين فيها لدلالتها على ثبوت الشاة عند تحقق طبيعة الجدال والمرة الثانية جدال آخر يترتب عليه شاة كالمرة الأولى، وليس مثل المقام من الاحكام الوضعية داخلاً في بحث التداخل وعدمه كما هو ظاهر.

نعم يدلّ على ثبوت البقرة في المرة الثانية ما رواه العياشي في تفسيره عن ابراهيم بن عبدالحميد عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) قال: من جادل في الحج فعليه اطعام ستة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الأول، ح9.


(122)

. . . . . . . . . . .

مساكين لكل مسكين نصف صاع ان كان صادقاً أو كاذباً فان عاد مرتين فعلى الصادق شاة وعلى الكاذب بقرة لأنّ الله تعالى قال: فلا رفث ولا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج. الرفث الجماع والفسوق الكذب والجدال قول لا والله و بلى والله والمفاخرة(1).

بتقريب ان الرواية وان كانت مرسلة من حيث السندومعرضاً عنها من حيث المفاد من جهات مختلفة إلاّ انّه يمكن ان يقال بان قوله: وعلى الكاذب بقرة اي في المرة الثانية مجبور باستناد المشهور اليه وموافقته للشهرة الفتوائية كما في الجواهر ولا يعارضها رواية ابي بصير الدالّة باطلاقها على ثبوت الجزور في المرة الثانية ايضاً بعدما عرفت من ضعفها وعدم الانجبار لها في هذه الجهة.

واما المرة الثالثة فمقتضى طائفة من الروايات ثبوت البقرة فيها مثل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن الجدال في الحج فقال: من زاد على مرّتين فقد وقع عليه الدّم فقيل له: الذي يجادل وهو صادق؟ قال عليه شاة والكاذب عليه بقرة(2).

وصحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال قلت فمن ابتلى بالجدال ما عليه ؟ قال اذا جادل فوق مرّتين فعلى المصيب دم يهريقه وعلى المخطئ بقرة(3).

ومقتضى اطلاق رواية ابي بصير ثبوت الجزور في هذه المرّة ايضاً وهي في هذه الجهة موافقة لفتوى المشهور وان كان تعبيرهم انّما هو بالبدنة وتعبير الرواية بالجزور وبينهما الفرق من بعض الجهات.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الأوّل، ح10.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الاوّل، ح6.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الاوّل، ح2.


(123)

. . . . . . . . . . .

كما ان مقتضى اطلاق صحيحة سليمان بن خالد ثبوت ثلاث شياة في هذه المرتبة.

و ـ ح ـ ان قلنا بعدم كون الشهرة الفتوائية جابرة لضعف السند بوجه فاللازم ان يقال بثبوت شاتين في المرة الثانية وثبوت البقرة في المرة الثالثة لعدم حجيّة مرسلة العياشي هناك وعدم اعتبار رواية ابي بصير هنا واطلاق الصحيحة يقيد بالطائفة الدالة على ثبوت البقرة في خصوص المرّة الثالثة وهذا هو الذي اختاره بعض الاعلام (قدس سرهم).

وان قلنا بكون الشهرة الفتوائية جابرة فاللازم الالتزام في المرة الثالثة بثبوت الجزور بعد الالتزام بكون الشهرة المزبورة جابرة لضعف سند رواية ابي بصيرة وقادحة في الطائفة الدالة على ثبوت البقرة وموجبة لحمل اطلاق رواية ابي بصير على خصوص المرة الثالثة لعدم ثبوت الجزور في غيرها والالتزام بكون الشهرة مؤثرة بهذا المقدار مشكل ولأجله يشكل الفتوى على طبقها خصوصاً بعدما عرفت من اختلاف تعبير الرواية وتعبير المشهود وعليه فمقتضى الاحتياط الوجوبي في هذه المرة الجزور، كما ان تأثير الشهرة في المرة الثانية في جبران ضعف سند المرسلة وحذف الاحكام الكثيرة المذكورة فيها مضافاً الى اضطراب متنها لعدم كون الآية الشريفة التي استشهد بها فيها دالة على مسألة الكفارة بوجه لأن مفادها مجرد حرمة العناوين الثلاثة المذكورة فيها في الحج وامّا ترتب الكفارة فلا اشعار فيها اليه اصلاً، مشكل ايضاً بل مقتضى الاحتياط الوجوبي، ثبوت البقرة فيها ولو اُريد الاحتياط التام فاللازم الجمع بين البقرة والجزور في المرة الثالثة وبين البقرة والشاة بل الشاتين في المرة الثانية.

وامّا ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) في مناسكه من ان مقتضى الاحتياط الكامل ثبوت البدنة في الكاذب مطلقاً وفي جميع المراتب، فيرد عليه انه لا وجه لذلك، فان


(124)

. . . . . . . . . . .

رواية ابي بصير ان كانت معتبرة، يجب الفتوى على طبقها وان لم تكن معتبرة فلا وجه للحكم بالجزور في المرة الأولى بعد كون مقتضى اطلاق صحيحة سليمان بن خالد ودلالة روايات خاصة ثبوت الشاة وكذا في المرة الثانية بعد كون مقتضاه ثبوت شاتين ولم ينهض دليل على كفاية الجزور عن الشاة في صورة تعيّنها وان كان الجزور اكثر قيمة وأعظم نفعاً مع ان رفع اليد عن الطائفة الدالّة على ثبوت البقرة في المرة الثالثة مع كونها روايات صحيحة كيف يكون مقتضى الاحتياط فالظاهر ان مقتضى الاحتياط التام ما ذكرنا لا ما أفاده (قدس سره).

نعم ذكر صاحب الجواهر في ذيل كلامه في بحث الجدال الذي يأتي التعرّض له انشاء الله تعالى في بحث تخلل التكفير انه ان لم يكن اجماع أمكن كون المراد من النص والفتوى وجوب الشاة بالمرّة ثم هي مع البقرة بالمرتين ثم هما مع البدنة في الثالث إلاّ ان يكون قد كفّر عن السابق فتجب البقرة خاصة أو البدنة.

وظاهره دلالة نفس النصّ والفتوى على ذلك مع قطع النظر عن الاحتياط الذي عرفت ولكن سيأتي الكلام فيه عند ذلك البحث فانتظر.

«تتميم»

هل يعتبر في الجدال الصادق الذي تترتب الكفارة على المرتبة الثالثة منه على ما عرفت التتابع ووقوع الثلاث متواليات وفي مورد واحد وموضوع فأرد، بأن كان الاثبات في الجميع راجعاً الى شيء واحد والنفي في الجميع ايضاً كذلك، أم لايعتبر بل الملاك مجرد الجدال الصادق ثلاث مرّات من دون فرق بين صورتي التوالي وعدمه وبين صورتي وحدة الموضوع وتعدّده.

قال في الجواهر بعد نقل الميل الى الاوّل عن بعض متأخري المتأخرين وانه حكاه


(125)

. . . . . . . . . . .

عن العماني: إلاّ انه نادر يمكن دعوى اتفاق الاصحاب على خلافه خصوصاً بعد ان كان المحكى عنه يعمّ الصادق والكاذب قال: من حلف ثلاث ايمان بلا فصل في مقام واحد فقد جادل وعليه دم. ولم يفصل.

وكيف كان فظاهر بعض الروايات المتقدمة كصحيحة معاوية بن عمّار ورواية ابي بصير عن احدهما (عليهما السلام) قال اذا حلف بثلاث ايمان متعمداً متتابعات صادقاً فقد جادل وعليه دم، واذا حلف بيمين واحدة كاذباً فقد جادل وعليه دم(1)، هو اعتبار التتابع بل ووقوعها في مقام واحد، ولكن جملة من الروايات الواردة فيه المتقدمة خالية عن شيء من القيدين.

قال في الجواهر ما حاصله: ان قاعدة الجمع بين الاطلاق والتقييد وان كانت تقتضي حمل المطلق على المقيّد إلاّ ان قوّة النصوص المطلقة على وجه لاتكافئها المقيدة توجب الأخذ بالمطلقة وحمل المقيدة على ارادة كونها أحد الأفراد أو على إرادة بيان اتحاد الجدال وتعدده بالنسبة الى المجادل فيه ونحو ذلك.

ومراده من قاعدة الجمع بين الاطلاق والتقييد هنا بعد كونهما مثبتين هو ان مفهوم النصوص المقيدة يقيد اطلاق منطوق النصوص المطلقة كما ان مراده من قوة النصوص المطلقة هو اعتضادها بالفتوى والشهرة المحققة و ـ ح ـ يرد عليه انه ان كان المراد كون الشهرة مرّجحة لإحدى الطائفتين المتعارضتين على الاخرى فالجواب انّ المطلق والمقيد ليسا من الخبرين المتعارضين أو المختلفين الذي هو الموضوع في الاخبار العلاجيّة مثل مقبولة ابن حنظلة لثبوت الجمع الدلالي بينهما فاللازم ان يقول امّا بكون الشهرة المذكورة قرينة على عدم ثبوت المفهوم للقضية الشرطية هنا لأن ثبوت

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الاوّل، ح4.


(126)

. . . . . . . . . . .

المفهوم لها انّما هو بالظهور والقرينة المذكورة شاهدة على خلافه فلا مفهوم لها هنا.

وامّا ان يقول بانّ اعراض المشهور عن النصوص المقيدة صار موجباً لسقوطها عن الحجّية والاعتبار فلا يكون في البين إلاّ النصوص المطلقة.

والتحقيق انه لا اشكال في عدم اعتبار القيدين بناءً على عدم ثبوت المفهوم للقضية الشرطية كما اخترناه في المباحث الاصولية لعدم التنافي بين الطرفين بعد كونهما مثبتين.

وامّا بناء على ثبوت المفهوم فقد أفاد بعض الاعلام (قدس سرهم) بانه لا دلالة له على عدم ثبوت الكفارة مع انتفاء أحد القيدين نظراً الى ان الشرط اذا كان متعدّداً أي مركّباً تدلّ القضية بالمفهوم على نفي الحكم عند نفي احدهما كما اذا قال: اذا جاء زيد من السفر وكان مجيئه في يوم الجمعة افعل كذا فلو فرض انه جاء في يوم السبت ينتفي الحكم بنفي الشرط كما اذا كان الشرط واحداً.

واذا كان الشرط غير متعدد بل كان احدهما مقيّداً بالآخر كما اذا قال اذا جاء زيد في يوم الجمعة بحيث كان الشرط هو المجيء المقيّد بيوم الجمعة، فلا تدلّ القضية إلاّ على انتفاء الحكم عند نفي المجيء ولا دلالة على الانتفاء عند نفي خصوص القيد بل القضية ساكتة عن ذلك، ولذا استكشل جماعة في التمسك بمفهوم آية النباء لحجية خبر العادل نظراً الى ان المفهوم عدم مجيء الفاسق بالنبأ لا مجيء غير الفاسق به، وروايات المقام من هذا القبيل نعم لابد من الالتزام بترتب فائدة على ذكر القيد ولعلّ الفائدة في المقام هو التعرّض للفرد الخفي حيث ان المرتكز في اذهان الناس خصوصاً العوام منهم، ان المرة الثانية تأكيد للمرة الأولى ولا يرون ذلك تأسيساً والروايات دلّت على انّ المعتبر تعدد الحلف وان كان ولاءً ووارداً في موضوع واحد.


(127)

مسألة 25 ـ لو جادل بكذب فكفّر ثم جادل ثانياً فلا يبعد وجوب شاة لا بقرة، ولو جادل مرّتين فكفّر ببقرة ثم جادل مرّة اُخرى فالظاهر ان كفارته شاة، ولو جادل في الفرض مرّتين، فالظاهر انّها بقرة لا بدنة [1].

مسألة 26 ـ لو جادل صادقاً زائداً على ثلاث مرّات، فعليه شاة، نعم لو كفّر بعد الثلاث ثم جادل ثلاثاً فما فوقها يجب عليه كفارة اخرى، ولو جادل كاذباً عشر مرات او الزيادة فالكفارة بدنة نعم لو كفر بعد الثلاثة او الزيادة ثم جادل تكرّرت على الترتيب المتقدم [2].

وقد ظهر من جميع ما ذكرنا انه لا مجال للحكم باعتبار التوالي والورود في مقام واحد اصلاً كما هو المفتى به عند الاصحاب مع كون الروايات بمرئى ومسمع منهم.

[1] و [2] قال في الجواهر فيما يتعلق بهاتين المسألتين ما لفظه: «والمحكى عن صريح جماعة من غير خلاف يظهر فيه: انّه انما تجب البقرة بالمرّتين والبدنة بالثلاث اذا لم يكن كفّر عن السّابق فلو كفّر عن كل واحدة فالشاة ليس إلاّ أو ثنتين فالبقرة، والضابط اعتبار العدد السابق ابتداءً أو بعد التكفير فللمرة شاة وللمرتين بقرة وللثلاث بدنة على معنى انه لو حلف يميناً كاذبة فكفّر لها بشاة ثم الثانية وكفّر لها بشاة أيضاً ثم الثالثة، اما اذا لم يكفّر وكانا اثنتين فبقرة أو ثلاثاً فبدنة ولو كنّ أزيد من ثلاث ولم يكن قد كفّر فليس إلاّ بدنة واحدة وكذا في ثلاث الصدق. قلت ان لم يكن اجماع أمكن كون المراد من النص والفتوى وجوب الشاة بالمرة ثم هي مع البقرة بالمرتين ثم هما مع البدنة في الثلاث إلاّ أن يكون قد كفّر عن السابق فتجب البقرة خاصة أو البدنة كما انه يمكن ان يقال ان الشاة في ثلاث الصدق دون ما دونه امّا ما زاد فان بلغ الثلاث وجب شاة اُخرى وان لم يكن قد كفر عن الاوّل وإلاّ فليس إلاّ الشاة الاولى وكذا الكلام في ثلاثة الكذب الشاة والبقرة والبدنة وهكذا فتأمّل جيداً».

وقد ذكر بعض الاعلام (قدس سرهم) بعد نقل كلا القولين انه لايمكن المساعدة على شيء


(128)

. . . . . . . . . . .

منهما وقال في بيانه ما يلخّصه ان المستفاد من مثل صحيحة سليمان بن خالد ثبوت الشاة لكل جدال ومقتضى اطلاقها انه لا فرق بين الصّادق والكاذب وكذا بين المرّات خرجنا عنه في الحلف الصادق بالاضافة الى المرّة الاولى والثانية حيث انه لايجب فيهما شيء.

وامّا فيما زاد على مرّتين فالواجب هي الشاة ومقتضى الاطلاق وجوبها في المرة الرابعة والخامسة وهكذا ولا وجه لاحتساب كل ثلاث ثلاث بل العبرة بفوق اثنين وكذا مقتضى الاطلاق انه لا فرق بين التكفير سابقاً وعدمه لأن كل جدال موضوع للحكم وامّا الحلف الكاذب فالأوّل فيه شاة والثاني فيه شاة اُخرى على المختار عندنا من دون فرق بين ما اذا كفّر عن الاول أم لا، وتجب البقرة في الثالث على المختار عندنا كذلك ولا يختص الحكم بالثلاث بل موضوع الحكم ما زاد على الاثنين فتثبت البقرة في الثالث وكذلك في الرابع والخامس وهكذا ولا دليل على احتساب كل ثلاث لما عرفت من مقتضى العمل بالروايات ولا اجماع في المقام على الخلاف.

أقول امّا في الجدال الكاذب فمقتضى التأمل في الروايات ما أفاده صاحب الجواهر بالاضافة الى المرة الثانية والثالثة فانه لا شبهة بمقتضى الاطلاق والروايات الخاصة المتقدمة في ثبوت الشاة في المرة الأولى وكذا مقتضى ما رواه العياشي الذي هو الدليل الوحيد المتعرض للمرة الثانية في الجدال الكاذب بقوله (عليه السلام): فان عاد مرّتين فعلى الصادق شاة وعلى الكاذب بقرة. ان ثبوت البقرة انما يكون موضوعه العود وتكرار الجدال الكاذب وامّا ما ترتب على الجدال الاوّل من الشاة فهو باق بحاله وعليه يكون فيما اذا لم يكفّر عن الاوّل الشاة والبقرة، غاية الامر ان الشاة ترتبط بالاوّل والبقرة بالثاني وليس معنى الرواية ثبوت البقرة مع عدم التكفير بشاة كما في قوله تعالى


(129)

. . . . . . . . . . .

في آية الصيد: «ومن عاد فينتقم الله منه» حيث ان معناه لايرجع الى ان العود يترتب عليه الانتقام ولا يجب معه الكفارة الثابتة قبل العود.

وكذا مقتضى رواية ابي بصير المتقدمة المنجبرة بالشهرة الدالة على ان المحرم اذا جادل فكذب متعمداً فعليه جزور، ثبوت الجزور في مطلق الجدال الكاذب، غاية الأمر عروض التقييد للاطلاق بالاضافة الى المرة الاولى وكذا المرة الثانية، وامّا بالاضافة الى المرة الثالثة فتدلّ على ثبوت الجزور في المرة الثالثة من دون فرق بين تحقق التكفير بالاضافة الى المرتين السابقتين وعدمه. فاذا لم يتحقق، فاللازم ثبوت الشاة والبقرة والبدنة غاية الامر ان الاولى للاولى والثانية للثانية والثالثة للثالثة كما افاده صاحب الجواهر (قدس سره) وامّا بالاضافة الى المرات اللاّحقة على الثالثة فظاهر ذيل كلامه جريان حكم الثلاث الأولى فيه، يعني يكون في الرابعة الشاة وفي الخامسة البقرة وفي السادسة البدنة، وهكذا، مع ان مقتضى اطلاق رواية ابي بصير، ثبوت البدنة في الثالثة وما بعدها فكما انّ في الثالثة بدنة يكون في الرابعة ايضاً بدنة وفي الخامسة ايضاً كذلك وهكذا ولا فرق بين تخلل التكفير وعدمه فلو كنّا نحن والروايات ولم يكن هنا اجماع وقلنا بانجبار رواية العياشي وكذا رواية ابي بصير لكان مقتضاها ما ذكرنا هذا في الجدال الكاذب.

واما الجدال الصادق فمقتضى ما في المتن تبعاً للمشهور بل للمجمع عليه احتمالاً أن تكرر الكفارة فيه انّما يتحقق بالثلاث بعد التكفير نظراً الى ان الكفارة توجب انّ الواقع كَاَنَّهُ لم يتحقق ولم يقع كما يناسبه معناها بحسب اللغة الذي هو عبارة عن الستر والاخفاء ولذا يطلق على الزارع الكافر كما في الكتاب العزيز نظراً الى انه يستر البذر في بطن الأرض وجوفها كما ان اطلاق عنوان الكافر على الكافر في مقابل المسلم انّما


(130)

. . . . . . . . . . .

هو لأجل كونه ساتراً للحق والواقع.

وكيف كان مقتضى كلام المشهور ان موجب التكرّر انّما هو الثلاث بعد التكفير فاذا جادل صادقاً ولو عشر مرات من دون ان يكفر اصلاً لايجب عليه إلاّ كفارة واحدة واذا كفّر بعد الثلاث الاوّل فالموجب للتكرّر هو الثلاث الثاني واذا كفّر بعده فالموجب هو الثلاث الثالث ومع عدم تخلل التكفير لاتجب إلاّ واحدة.

ومقتضى ما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره) في كلامه المتقدم هو ان الاعتبار بالثلاث، سواء تحقق التكفير أم لم يتحقق فاذا لم يكفر عن الثلاث الاول يكون في الثلاث الثاني كفارتان احداهما للأول والثانية للثاني هكذا في الثلاث الثالث.

ومقتضى ماذكره بعض الاعلام (قدس سرهم) انّ الملاك هو تحقق عنوان الزيادة على الاثنتين وعنوان فوقهما ولازم ذلك بعد تقييد اطلاق صحيحة ابن خالد الدالة على ثبوت الكفارة في مطلق الجدال واخراج المرة الأولى وكذا المرة الثانية منه، ترتب الكفارة على العنوان المذكور الذي يكون أول مصاديقه المرة الثالثة، وعليه فكما انه فيها شاة كذلك في المرّة الرابعة وكذا في المرّة الخامسة وهكذا بمعنى ثبوت الشاة في كل مرّة من الثلاث وما بعدها ويحتمل ضعيفاً ان يكون مراده عدم التكرار اصلاً من دون فرق بين ما اذا كفّر بعد الثلاث وما اذا لم يكفّر.

والتحقيق بناء على الطريق الذي سلكناه انّ الدليل في المقام لو كان منحصراً بما ورد في اليمين الثالث في الجدال الصادق، من الروايات المتقدمة، لامكن الذهاب الى ما أفاده صاحب الجواهر لكن صحيحتي الحلبي ومحمد بن مسلم المتقدمتان وان قلنا بثبوت الاعراض عنهما في اليمين الكاذبة لدلالتهما على ثبوت البقرة في الثالثة على خلاف المشهور إلاّ أنه لم يتحقق الاعراض عنهما بالاضافة الى الجدال الصادق في


(131)