مسألة 27 ـ يجوز في مقام الضرورة لاثبات حق أو ابطال باطل القسم بالجلالة وغيرها[1].

الزائد على اثنين وعليه تكون الصحيحتان مفسرتين لما وقع فيه التعبير بالثلاث، ومقتضاهما ان الملاك في ثبوت الكفارة ليس هو عنوان الثلاث والخصوصية الموجودة فيه بل الملاك هو عنوان الزيادة على الاثنين والفوقية المضافة اليهما و ـ ح ـ لابد من ملاحظة ان من جادل أربع مرّات ـ مثلاً ـ هل يتحقق منه مصداقان للعنوان المذكور كما انه قد تحققت مصاديق أربعة لطبيعة الجدال وماهيته أو لايكون في البين إلاّ مصداق واحد.

   والظاهر الذي يساعده فهم العرف هو الثاني فانه لو أمر المولى عبده بان يجيئه بازيد من رجلين فلا فرق في تحقق الموافقة وحصول الطاعة بين ان يجيء بثلاثة أو بأربعة أو بخمسة أو بأزيد وليس في الأربعة موافقتان وفي الخمسة موافقات ثلاث وهذا من دون فرق في المقام بين تخلل التكفير وعدمه فان كون الكفارة موجبة لصيرورة ما وجد وتحقّق كان لم يوجد ولم يتحقق، أمر يحتاج الى دليل، ومع عدمه يكون مقتضى الاطلاق عدم الفرق في ذلك.

   وقد ظهر من ذلك انّ الجمود على مقتضى الروايات مع غمض النظر عن الفتاوى يقتضي الالتزام بعدم ثبوت كفارة واحدة في الجدال صادقاً ثلاثاً كان أو أزيد تخلّل التكفير أو لا، وقد مرّ انه يحتمله ضعيفاً كلام بعض الاعلام (قدس سرهم) المتقدم.

   [1] حكى عن الدروس وغيرها انه استقرب الجواز وانتفاء الكفارة فيما لو اضطر الى اليمين لاثبات حق أو نفي باطل والظاهر انه ليس المراد من الحقّ مثل الدين الذي له على الغير في مقابل الباطل بهذا المعنى بل المراد من الحق والباطل ما يرتبط بالشرع من الامور الاعتقادية والاحكام العملية واشباههما والدليل على الجواز انصراف ادلّة


(132)

   الثاني عشر: قتل هوامّ الجسد من القمّلة والبرغوث ونحوهما، وكذا هوامّ جسد ساير الحيوانات، ولايجوز القائها من الجسد، ولا نقلها من مكانها الى محلّ تسقط منه، بل الأحوط عدم نقلها الى محلّ يكون معرض السقوط، بل الاحوط الأولى ان لاينقلها الى مكان يكون الأوّل أحفظ منه، ولايبعد عدم الكفارة في قتلها لكن الاحوط الصدقة بكفّ من الطعام [1].

حرمة الجدال على المحرم عن مثل هذا الجدال المؤثّر في اثبات الحق وابطال الباطل وامّا رواية ابي بصير المتقدمة الدالة على الجواز فيما اذا كان المقصود منه اكرام أخيه فلا دلالة لها على الجواز في المقام بلحاظ قوله في الذيل: «امّا ما كان فيه معصية» فلا بناء على المعنى الذي ذكرنا للذيل نعم لو كان المراد منه تخصيص الجدال المحرَّم بما كان فيه معصية كالكذب والغيبة ونحوهما يمكن الاستدلال بها ـ ح ـ لكن لازمه عدم حرمة الجدال مطلقاً على المحرم مع ان المفروض ثبوتها وترتب الكفارة في مطلقه مع الخصوصيات المتقدمة فتدبر جيداً.

   [1] في هذا الأمر مباحث:

   المبحث الاوّل: في قتل القمّلة والمنسوب الى المشهور عدم جوازه على المحرم. نعم اقتصر جماعة من القدماء على حرمة الالقاء من دون التعرّض للقتل ولكن الظاهر عدم كون مرادهم جواز القتل. نعم صريح ما حكى عن ابن حمزة التفصيل بين القتل والالقاء عن الجسد بجواز الاوّل دون الثاني.

   ويدلّ على القول المشهور روايات دالة بالخصوص أو العموم على الحرمة مثل:

   صحيحة زرارة قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) هل يحكّ المحرم رأسه ويغتسل بالماء قال: يحكّ رأسه مالم يتعمد قتل دابة الحديث(1). ومن الظاهر انّ الدابة التي يمكن ان

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح4.


(133)

. . . . . . . . . . .

يتعمّد قتلها بالحكّ ليست إلاّ القملة التي تتولد وتتكون في الجسد فالرواية ظاهرة في حرمة قتل القمّلة مع التعمد.

   ومعتبرة ابي الجارود قال سأل رجل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل قملة وهو محرم قال: بئس ما صنع قلت فما فدائها قال لا فداء لها(1). وابو الجارود وان كان من الزيدية إلاّ انه موثق بالتوثيق العام وكذا بالتوثيق الخاص من الشيخ المفيد (قدس سره) ولا تنبغي المناقشة في ظهور الجواب في الحرمة فان التعبير بقوله: بئس لا يناسب الكراهة بوجه.

   وصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: اتق قتل الدواب كلّها ولا تمس شيئاً من الطيب الحديث(2).

   ولا مجال للخدشة في كون القملة من الدواب بعد تعبير صحيحة زرارة المتقدمة عنها بالدابة كما لايخفى.

   نعم ربما يمكن ان يقال بدلالة صحيحة اُخرى لمعاوية بن عمار على عدم الحرمة قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) ما تقول في محرم قتل قملّة؟ قال: لاشيء عليه في القمل ولا ينبغي ان يتعمد قتلها(3). وقد رواه بعينها صاحب الوسائل في بعض الأبواب الاُخر فتوهم انهما روايتان مع انها ليست إلاّ رواية واحدة وان كان الراوي عن معاوية مختلفاً والظاهر انّ محطّ السؤال ما يلزم على المحرم الذي قتل قملة بعد وقوعه وتحققه وهذا يكشف عن كون الحرمة مفروغاً عنها عند السائل وان مورد السؤال ما يترتب على فعله من الكفارة فالجواب ناظر الى عدم ثبوت شيء أي كفارة عليه فعليه فقوله: «ولا ينبغي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس عشر، ح8.

(2) الوسائل ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح9.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح2.


(134)

. . . . . . . . . . .

ان يتعمد قتلها» انما يكون تأكيداً لما هو المفروغ عنه عند السائل فاللازم ان يكون المراد من قوله لاينبغي هي الحرمة وان ابيت عن ذلك وقلت بأنّ السؤال انّما هو عن الجواز التكليفي والكفارة معاً والجواب ناظر الى نفي الثاني وثبوت الأوّل، غاية الأمر ثبوت الكراهة.

   فنقول اوّلاً منع كون لاينبغي ظاهراً في نفسه في خصوص الكراهة أو الأعم منها ومن الحرمة بل الظاهر كونه ظاهراً في الحرمة إلاّ في مورد ثبوت القرينة على الخلاف.

   وثانياً على فرض تسليم ظهورها في عدم الحرمة ليس ظهورها فيه بأقوى من ظهور الروايات المتقدمة في الحرمة ولا في رتبته بل الروايات المتقدمة تصير قرينة على كون المراد من قوله: «لاينبغي» هي الحرمة كما هو ظاهر.

   ثم انه يدلّ على عدم جواز قتل القملة أيضاً ما يدلّ على عدم جواز القائها من الجسد ورميها منه مثل صحيحة معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: قال: المحرم يلقي عنه الدواب كلّها إلاّ القملة فانها من جسده، وان أراد ان يحولّ قملة من مكان الى مكان فلا يضرّه(1).

   ورواية الحسين بن ابي العلاء قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام): لايرمي المحرم القملة من ثوبه ولا من جسده متعمّداً فان فعل شيئاً من ذلك فليطعم مكانها طعاماً قلت: كم ؟ قال: كفّاً واحداً(2).

   نظراً الى ان المتفاهم من مثلهما عند العرف عدم جواز القتل أيضاً لا للأولوية حتى يناقش فيها بان الظنية منها لاتجدي والقطعية غير محققة، بل للاستفادة العرفية من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح5.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح3.


(135)

. . . . . . . . . . .

نفس الرواية خصوصاً مع ملاحظة القلّة المذكورة في الصحيحة وهو كونها من الجسد فان مقتضى كون المعيار والملاك هو النشو من الجسد والتكون منه، هو عدم جواز قتلها ايضاً كالقائها ورميها.

   لكن في مقابلهما رواية مرّة مولى خالد قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يلقي القملّة فقال: القوها أبعدها الله غير محمودة ولا مفقودة(1). لكن ضعف سند الرواية بجهالة مرّة يمنع عن صلاحيتها للمعارضة مضافاً الى ما قيل من انه يمكن ان يكون الفوها بالفاء من الاُلفة اي لا تلقوها وان كان هذا الاحتمال في غاية البعد خصوصاً مع قوله (عليه السلام) بعده: أبعدها الله.

   نعم هنا بعض الروايات الدالة على جواز قتل القملة في الحرم مثل صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس بقتل النمل والبق في الحرم ولا بأس بقتل القملة في الحرم(2).

   ومرسلة ابن فضال عن بعض اصحابنا عن زرارة عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس بقتل البرغوث والقملة والبقة في الحرم(3).

   ولكن حيث ان محل البحث في المقام هو الامور المحرمة على المحرم والروايتان واردتان في الحرم ومن المعلوم تغاير العنوانين وثبوت احكام خاصة بالاضافة الى المحرم واحكام اُخرى بالاضافة الى الحرم وان كانا قد يجتمعان في بعض الاحكام، فلا وجه لتوهم المعارضة بين الروايتين الواردتين في الحرم مع الروايات الواردة في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح6.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والثمانون، ح2.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والثمانون، ح4.


(136)

. . . . . . . . . . .

المحرم كما هو ظاهر.

   نعم ربما يستفاد من بعض الروايات جواز القتل مع ارادة القملة ايذاء المحرم مثل مرسلة المفيد المعتبرة، قال: سُئِلَ (عليه السلام) عن قتل الذئب والأسد فقال: لابأس بقتلهما للمحرم ان اراداه (ده خ ل) وكل شيء أراده من السباع والهوام فلا حرج عليه في قتله(1).

   وما رواه ابن ادريس نقلاً من نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن جميل قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يقتل البقة والبراغيث اذا اذاه قال: نعم(2).

   ولكن الرواية الاولى ظاهرة فيما اذا كان الارادة متعلقة بالقتل كما يدلّ عليه ذكر الذئب والأسد والسباع وعليه فالمراد من الهوامّ ما يكون قاتلاً كالعقرب ونحوه.

   والرواية الثانية مضافاً الى ضعف سندها لجهالة طريق ابن ادريس الى نوادر البزنطي، موردها البقة والبراغيث ولم يرد فيها ذكر القمّلة والتقييد بصورة الايذاء لا دلالة فيه على ثبوت الجواز في القملة في هذه الصورة ايضاً مع ان الايذاء لو كان على حدّ يوجب المشقة والحرج، لكان مقتضى القاعدة الجواز وان كان الحكم الاوّلي هي الحرمة كما لايخفى.

   المبحث الثاني: في قتل البقة والبرغوث وغيرهما من هوامّ الجسد غير القملة التي مر البحث فيها تفصيلاً والظاهر انه محل خلاف من حيث الجواز والحرمة ولا تكون فيه شهرة على المنع كالشهرة المحققة في القملة.

   ويدلّ على الحرمة مضافاً الى صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الظاهرة في وجوب اتقاء قتل الدواب كلها وشهادة بعض الروايات الواردة في القملة بكون مثلها

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثمانون، ح13.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح7.


(137)

. . . . . . . . . . .

دابة، صحيحة زرارة المتقدمة في القملة الدالة على جواز حكّ الرأس للمحرم مالم يتعمد قتل دابة، نظراً الى ان الاتيان بكلمة الدابة بصورة النكرة من دون اضافتها الى الضمير حتى يحتمل ان تكون لدابة الرأس خصوصية يقتضى عدم جواز قتل مطلق الدابة سواء كان محلّها الرأس أو غيره.

   وقد مرّ انّ الروايات الدالّة على جواز قتلها في الحرم لا ارتباط لها بالمقام الذي يكون البحث فيه عن محرّمات الاحرام نعم هنا رواية ربما يستدلّ بها على الجواز وهي ما رواه زرارة عن أحدهما (عليهم السلام) قال سألته عن المحرم يقتل البقة والبرغوث اذا رآه؟ قال: نعم(1).

   هكذا في الوسائل ولكن المذيّل حكى عن الكافي ان فيه: اذا أراداه. وهو الظاهر لأنّ أفراد الضمير على النقل الاوّل لايناسب مع كون السؤال عن البقة والبرغوث كما ان تعليق الحكم بالرؤية مما لايعرف له وجه. وعليه فالظاهر كون النسخة الصحيحة: اذا أراداه لكن يرد على الاستدلال بالرواية مضافاً الى ضعف سندها بسهل بن زياد ما أشرنا اليه من ان الحكم بالجواز في صورة تحقق الايذاء غير القابل للتحمل عرفاً لاينافي كون الحكم الاولي بحسب ادلّة المنع هو المنع ضرورة ان قاعدة نفي الحرج حاكمة على ادلّة محرمات الاحرام ايضاً.

   ومثلها رواية جميل المتقدمة التي تكلمنا فيها سنداً ودلالة وعلى ما ذكرنا فالظاهر حرمة قتل البقة والبرغوث ونحوهما ايضاً.

   المبحث الثالث: في قتل هوّام الغير انساناً كان أو حيواناً كالحشرات الموجودة في البعير والشاة ونحوهما والظاهر بمقتضى عموم صحيحة معاوية بن عمار واطلاق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والسبعون، ح3.


(138)

. . . . . . . . . . .

صحيحة زرارة المتقدمتين حرمة قتلها ايضاً وانه لا فرق بين هوام الجسد وبين هوامّ الغير بعد كونها مصاديق لعنوان الدابة كما ان مقتضى اطلاق السؤال في بعض الروايات عن محرم قتل قملة، وترك الاستفصال في الجواب انه لا فرق بين قملّة النفس وقملّة الغير.

   نعم التعليل الوارد في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الدالة على جواز ان يلقى المحرم الدواب كلّها إلاّ القملة بقوله فانّها من جسده، ربما يوهم اختصاص الحكم بما يرتبط بجسد المحرم وامّا ما يرتبط بالغير سواء كان انساناً أو حيواناً فلا دليل فيه على المنع ولكن الظاهر انه لا مدخلية للاضافة الى نفس المحرم فتدبّر.

   المبحث الرابع: في عدم جواز القاء هوامّ الجسد منه وظاهر المتن كما نسب الى المشهور انه لافرق في ذلك بين القملّة وغيرها لكن الروايات الدالّة على عدم الجواز، موردها القمّلة، بل لعلّه يستفاد من بعضها الاختصاص بها نظراً الى التعليل الوارد فيها وهي عبارة عن:

   رواية الحسين بن ابي العلاء قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام): لايرمي المحرم القملّة من ثوبه ولا من جسده متعمّداً فان فعل شيئاً من ذلك فليطعم مكانها طعاماً قلت: كم ؟ قال: كفّاً واحداً(1).

   وصحيحة معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: قال: المحرم يلقي عنه الدوّاب كلّها إلاّ القملّة فانّها من جسده، وان اراد ان يحوّل قملّة من مكان فلا يضرّه(2).

   وربما يقال باستفادة التعميم من العلّة المذكورة في الرواية مع انه عجيب فان المراد من العّلة هو التكون من الجسد والنشوة والتولد منه وهذا منحصر بالقملة، ضرورة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح3.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح5.


(139)

. . . . . . . . . . .

ان مثل البقة والبرغوث لايكون كذلك ولو حملت لفظة «من» على التبعيض بلحاظ الارتباط بالجسد الذي يراد به الاعم من الثوب، لايبقى ـ ح ـ للمستثنى منه مورد فان الحكم بالجواز مورده، القاء المحرم الدواب عن جسده أو ثوبه كما لايخفى.

   وصحيحة حماد بن عيسى قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام): عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها قال: يطعم مكانها طعاماً(1).

   وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن المحرم ينزع القملة عن جسده فيلقيها قال يطعم مكانها طعاماً(2) بناء على ما ذكرنا غير مرة من ان ثبوت الكفارة دليل على الحرمة التلكيفية بالنسبة الى الحكم الاولي ولكن في مقابلها رواية مرّة مولى خالد المتقدمة قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يلقي القملة فقال القوها أبعدها الله غير محمودة ولا مفقودة(3). لكن عرفت ضعفها بمرّة مضافاً الى اختلاف النسخة وان كان هو بعيداً.

   وقد ظهر مما ذكرنا انه لا دليل على عدم جواز القاء غير القملة من سائر هوامّ الجسد، بل ربما يستفاد من رواية جميل جواز القائه قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يقتل البقة والبراغيث اذا آذاه؟ قال: نعم(4).

   نظراً الى انّ جواز قتلهما يستلزم جواز القائهما بطريق اولى ولكن الرواية مضافاً الى ضعف سندها كما عرفت، تدلّ على ان عدم جواز القتل في صورة عدم الايذاء كان مفروغاً عنه عند الراوي وعليه فالحكم بالجواز في صورة الايذاء المستلزم للحرج

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تبقية كفارات الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، ح2.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح7.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والسبعون، ح7.


(140)

. . . . . . . . . . .

والمشقة لايدلّ على الجواز مطلقاً وعليه فالرواية لا دلالة لها على حكم الالقاء بوجه.

   المبحث الخامس: في جواز النقل من مكان الى آخر وعدمه، فنقول ان كان المحلّ المنقول اليه موجباً للسقوط قطعاً فهو بحكم الالقاء بل القاء حقيقة وان كان في معرض السقوط فالظاهر انه بحكم الالقاء وينصرف عنه دليل جواز النقل وهي صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في المبحث الرابع المشتملة على قوله: وان أراد ان يحوّل قملة من مكان الى مكان فلا يضرّه كما انه لا اشكال بحسب الرواية في جواز النقل الى مكان أحفظ وأحرز من المكان الاوّل، وكذا في جواز النقل الى مكان مساو للمكان الاوّل، وامّا النقل الى مكان يكون الاوّل أحفظ منه فمقتضى اطلاق الرواية الجواز وان كان مقتضى الاحتياط الخلاف ودعوى انصراف الرواية عن هذا الفرض ممنوعة.

   ثم انه لو قلنا بجواز الالقاء في غير القملة فجواز النقل فيه مطلقاً ظاهر وان قلنا بحرمة الالقاء فيه فلا دليل على حرمة النقل إلاّ في مورد يكون القاء حقيقة دون غيره من بقية الموارد.

   المبحث السادس: في ثبوت الكفارة وعدمه وظاهر المتن نفي البعد عن عدم ثبوت الكفارة وان مقتضى الاحتياط الاستحبابي الصدقة بكف من طعام ومورد نفي البعد الاختصاص بالقتل من جهة الظاهر في ان مورد الشك صورة القتل فقط لا ما يشمل الالقاء ومثله والعموم من جهة وهي مطلق هوامّ الجسد من دون خصوصية للقملة من بينها مع انّ الروايات الواردة في الكفارة تدلّ على عكس ذلك وهو الاختصاص بالقملة بمعنى ورودها فيها وعدم الاختصاص بالقتل بل موردها الالقاء الذي يكون ثبوت الكفارة فيها مستلزماً للثبوت في القتل عند العرف ولو لم يكن اولى فانّ منها:

   صحيحة حمّاد بن عيسى قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يبيّن القملة عن


(141)

. . . . . . . . . . .

جسده فيلقيها قال يطعم مكانها طعاماً(1).

   ومثلها صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن المحرم ينزع القملة عن جسده فيلقيها، قال: يطعم مكانها طعاماً(2). وغيرهما من الروايات الواردة في القملة الدالة على ثبوت الكفارة في نزعها والقائها بل في بعضها الثبوت في صورة الخطاء وهي رواية حسين بن ابي العلاء عن ابي عبدالله (عليه السلام) المتقدمة، لكن بناء على نقل الشيخ في التهذيب قال: المحرم لاينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمداً وان قتل «فعل وهو الظاهر» شيئاً من ذلك خطأً فليطعم مكانها طعاماً قبضة بيده(3).

   لكن في مقابلها ما يدل على عدم ثبوت الكفارة والفداء في قتل القملة المستلزم لعدم ثبوتها في الالقاء ايضاً مثل صحيحة معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام)ما تقول في محرم قتل قملة قال: لاشيء عليه في القملّة ولا ينبغي ان يتعمّد قتلها(4).

   ومعتبرة ابي الجارود قال: سأل رجل ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل قملة وهو محرم قال: بئس ما صنع قلت فما فدائها قال: لا فداء لها(5).

   والجمع بين الطائفتين امّا يحمل نفي الشيء ونفي الفداء في قتل القملة بين الطائفتين امّا بحمل نفي الشيء ونفي الفداء في قتل القملة على نفي ما هو المتداول في باب كفارات الاحرام والغالب فيه وهو الدمّ الذي أقلّه الشاة فلا ينافي ثبوت الاطعام بطعام وبقبضة من يده وامّا بحمل الروايات الدالة على النفي على صورة عدم التعمّد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس عشر، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس عشر، ح2.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس عشر، ح3.

(4) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس عشر، ح6.

(5) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس عشر، ح8.


(142)

   الثالث عشر: لبس الخاتم للزينة، فلو كان للاستحباب أو لخاصية فيه لا للزينة لا اشكال فيه، والاحوط ترك استعمال الحناء للزينة، بل لو كان فيه الزينة فالأحوط تركه وان لم يقصدها بل الحرمة في الصورتين لاتخلو من وجه، ولو استعمله قبل الاحرام للزينة أو لغيرها لا اشكال فيه ولو بقى اثره حال الاحرام، وليس في لبس الخاتم واستعمال الحناء كفارة وان فعل حراماً [1].

ويؤيده قوله (عليه السلام) في الصحيحة في الذيل: «ولا ينبغي ان يتعمد قتلها» كما انه يبعده قوله (عليه السلام)في المعتبرة: «بئس ما صنع» وحمل الروايات الدالّة على الثبوت على صورة التعمد، وامّا بجعل الروايات النافية قرينة على التصرف في الروايات المثبتة بحملها على الاستحباب، كما في الموارد المشابهة لكن يبعد هذا الحمل ما أشرنا اليه مراراً من انّه لو كان الاثبات بصيغة افعل لكان حملها على الاستحباب غير بعيد وامّا لو كان بالجملة الخبرية التي هي آكد في الدلالة على الوجوب من الصيغة المذكورة لكان الحمل في غاية البعد.

   وبذلك يظهر انّه لو لم نقل بنفي البعد عن ثبوت الكفارة في قتل القملة والقائها فلا أقل من الالتزام بكونه مقتضى الاحتياط الوجوبي فتدبّر جيّداً.

   [1] في هذا الأمر جهات من الكلام:

   الجهة الاُولى: في حرمة لبس الخاتم والمشهور شهرة عظيمة هي حرمة لبسه للزينة وعدم حرمته لغيرها كالاستحباب أو لخاصيّة فيه أو لحفظه من الضياع ونحوها لكن المحكى عن النافع والجامع عدم الحرمة وثبوت الكراهة.

   والرواية الوحيدة الدالة على الحرمة في اللبس للزينة هي رواية مسمع عن ابي عبدالله (عليه السلام) (في حديث) قال: وسألته أيلبس المحرم الخاتم؟ قال: لا يلبسه للزيّنة(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، الباب السادس والأربعون من ابواب تروك الاحرام، ح4.


(143)

. . . . . . . . . . .

وفي سندها صالح بن السندي وهو لم يوثق بالخصوص بل له توثيق عام وهو الوقوع في اسناد كتاب كامل الزيارات ولكن لو لم يكن له هذا التوثيق ايضاً لكان استناد المشهور اليها جابراً لضعيف سندها لأنّها الرواية الوحيدة في الباب الدالة على التفصيل المشهور.

   وامّا من جهة الدلالة فالظاهر كون لا يلبسه انّما هو بصيغة النهي واللام في قوله للزينة لام الغاية والغرض، لا لام التعليل الذي مرجعه الى ان علّة الحرمة هو كون اللبس بنفسه زينة وان لم تكن الزينة مقصودة من لبسه كما في بعض الروايات المتقدمة الواردة في مثل الاكتحال بالسواد.

   وعليه فالرواية ظاهرة في اختصاص الحرمة بما اذا كان الغرض من اللبس خصوص الزينة لكن في مقابلها بحسب الظاهر روايات متعددة:

   منها رواية نجيح عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: لابأس بلبس الخاتم للمحرم(1) فان مقتضى اطلاقها انه لا فرق بين كون المقصود هي الزينة أو غيرها لكن الرواية ضعيفة بنجيح لأنه لم يوثق بوجه.

   ومنها صحيحة محمد بن اسماعيل قال: رأيت العبد الصالح (عليه السلام) وهو محرم وعليه خاتم وهو يطوف طواف الفريضة(2).

   ومنها صحيحة اخرى له قال رأيت علي ابي الحسن الرضا (عليه السلام) وهو محرم خاتماً(3).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، الباب السادس من ابواب تروك الاحرام، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والأربعون، ح3.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والأربعون، ح6.


(144)

. . . . . . . . . . .

   ودلالتهما على جواز لبس المحرم الخاتم في الجملة لا شبهة فيها إلاّ انّ في الرواية الاولى اشكالاً من جهة ظهورها في كون الحج الواجب على العبد الصالح (عليه السلام) انّما هو بعد امامته وتصدّيه لها مع انّ موطنه الشريف كانت هي المدينة المنورة ومن المستبعد جدّاً عدم تحقق الاستطاعة الموجبة للحج له قبل ذلك مع قلّة الفاصلة وتحقق الاستطاعة المالية بالمقدار اليسير ولا مجال لحمل طواف الفريضة على الطواف الواجب بالشروع وان كان اصل العمل مستحباً فان قوله وهو محرم يكفي في الدلالة على ذلك كما ان الحمل على الحج الواجب بالنذر وشبهه لا وجه له بعدما مرّ مراراً من ان النذر لايؤثر في صيرورة المنذور متعلقاً للوجوب، بل الواجب في مثله هو عنوان الوفاء والفعل المنذور باق على حكمه قبل تعلق النذر.

   وكيف كان مقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيد كون رواية مسمع مقيدة لاطلاق دليل الجواز وكاشفة عن كون عمل المعصوم (عليه السلام) انّما هو اللبس لغير الزينة بل للسنّة كما انه بنفسه يناسب السنّة دون الزينة وان كانت غير محرمة مع قطع النظر عن الاحرام وامّا جعل هذه الروايات قرينة على حمل النهي في رواية مسمع على الكراهة، فلا وجه له خصوصاً بعد كون الرواية المطلقة ضعيفة والروايتان الحاكيتان لفعل الامامين (عليهما السلام) لا اطلاق لهما فاللازم بمقتضى القاعدة المذكورة، حمل المطلق على المقيد والالتزام بالتفصيل الذي ذهب اليه المشهور.

   ثمّ ان المعيار في كون اللبس للزينة أو لغيرها والمرجع في الفرق بينهما هو القصد كما عن الذخيرة وجماعة من الاصحاب لأنه ليس لكل منهما هيئة خاصة وضعت لأجله بل ليس في البين غلبته بالنسبة الى أحدهما فان كثيراً من الناس يلبسون الخاتم للزينة كما ان كثيراً منهم سيما المتدينون المتعبدون يلبسونه للسنّة كما انه يوجد بعض


(145)

. . . . . . . . . . .

الاغراض الاُخر احياناً على ما اشرنا اليه، وليس الفارق إلاّ القصد. وعليه فلو كان المقصود خصوص الزينة بحيث لم يكن داع ومحرّك غيرها فلا اشكال بمقتضى الرواية في الحرمة كما انه لو كان الداعي والمحرّك خصوص مثل السنّة فلا شبهة في عدم الحرمة.

   وامّا لو كان الداعي مركباً منهما امّا بان كان اجتماعهما دخيلاً في اللبس بحيث لو لم يكن احدهما، لم يتحقق في الخارج وامّا بان كان كل منهما داعياً تامّاً ومستقلاً بحيث، لو لم يكن الآخر لكان مؤثراً في الايجاد لكن اجتماعهما وعدم ثبوت الرجحان من جهة التأثير أوجب استناد المعلول اليهما معاً لعدم امكان اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد، فهل المستفاد من الرواية الحرمة بلحاظ مدخلية الزينة وثبوت قصدها ولو في الجملة، أو ان المستفاد منها، العدم بلحاظ ظهورها عند العرف في انه لايكون في البين إلاّ قصد الزينة فيه وجهان لايبعد القول بالوجه الثاني وعلى فرض عدم ظهور الرواية في أحد الوجهين وثبوت الاجمال في البين يكون المرجع اصالة الحليّة في الصورتين كما لايخفى.

   ثمّ ان مقتضى الجمع بين ما يستفاد من الروايات الواردة في لبس الخاتم للمحرم من التفصيل المذكور وبين مقتضى عموم التعليل الوارد في بعض روايات الاكتحال بالسواد المتقدمة مثل قول ابي عبدالله (عليه السلام) في صحيحة حريز: لاتكتحل المرأة المحرمة بالسواد ان السّواد زينة وكذا بعض ما ورد في النظر في المرآة مما يشتمل على التعليل مثل قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة: لاتنظر في المرآة وانت محرم فانه من الزينة وان ناقشنا في هذا العموم الثاني فيما سبق انّما هو بأحد أمرين:

   الامر الأوّل: ان يقال بالفرق بين الاكتحال بالسواد وبين لبس الخاتم فان الاوّل


(146)

. . . . . . . . . . .

وضع للزينة ويكون الغرض الغالبي منه هي الزينة وقلّما يتفق ان يراد به غيرها كالمداوى أو حفظ البصر عن التأذي عن نور الشمس ـ مثلاً ـ بخلاف لبس الخاتم الذي لم يوضع للزينة، بل قد عرفت اختلاف الاغراض في لبسه جدّاً بل لعلّ كون الغرض منه هي السنّة امراً غالبيّاً فيه وعليه فالكبرى المطوية في الصحيحة التي يكون مقتضاها حرمة لبس المحرم كل زينة لايكون لبس الخاتم صغرى لها بوجه، بل الصغرى هو ما وضع للزينة مثل الاكتحال بالسّواد خصوصاً بعد ظهور عدم كون التعليل بأمر تعبدي بل بما هو مورد لقبول العرف والعقلاء.

   الامر الثاني: ان يقال انه على تقدير تسليم كون لبس الخاتم من مصاديق الزينة وصغرياتها لا مانع من الالتزام بتخصيص تلك الكبرى المطوية الظاهرة في حرمة الزينة مطلقاً ولو لم يقصد بها الزينة بادلّة المقام التي مقتضاها التفصيل بين الصورتين، ولا مجال لتوهم كون الكبرى بلحاظ وقوعها في مقام التعليل لا تصلح لعروض التخصيص لها، ضرورة ان وقوعها في المقام المذكور لايخرجها عن القابلية له وتطبيقها على الصغرى المذكورة في العلّة انما هو بلحاظ عدم كونها من موارد التخصيص وعليه فالجمع بين ادلّة المقام وبين مقتضى التعليل هو اخراج لبس الخاتم عن العموم والالتزام بالتفصيل.

   ومما ذكرنا ظهر انه لو قطع النظر عن ادلّة المقام وفرضت المناقشة في صحة الاستدلال برواية مسمع التي عرفت انها الدليل الوحيد، لما كان وجه للالتزام بالتفصيل المذكور، بل لابدّ امّا ان يقال بالجواز مطلقاً أو يقال بعدمه كذلك، وعليه فجعل التعليل مستنداً مع قطع النظر عن دليل المقام كما يظهر من بعض الاعلام (قدس سرهم) لا وجه له إلاّ على تقدير كون المراد هي الحرمة المطلقة فتدبّر.


(147)

. . . . . . . . . . .

   ثم ان الظاهر انه لافرق في حرمة لبس الخاتم على المحرم وجريان التفصيل فيه بين الرجل والمرأة لأن عنوان «المحرم» الذي يراد به الجنس شامل لكليهما، وعليه فلابد من تقييد اطلاق ما دلّ على الجواز في المرأة المحرمة وهي رواية عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: تلبس المرأة المحرمة الخاتم من ذهب(1). والحكم بانّ المراد هو ما اذا كان اللبس لغير الزينة كما لو كان الخاتم المذكور ثميناً جدّاً وكان الغرض من لبسه حفظه من الضياع أو كان الغرض شيئاً آخر.

   الجهة الثانية: في استعمال الحناء وقد عدّه المحقق في الشرايع في عداد مكروهات الاحرام مع التقييد بقصد الزينة الظاهر في عدم الكراهة ايضاً بدون قصدها فقال: «واستعمال الحناء للزينة وكذا للمرأة قبل الاحرام اذا قارنته» وفي المدارك وكشف اللثام وغيرهما على ما حكى اسناد الحكم الأول الى الأكثر، ولكن المحكى عن المقنعة والاقتصاد والعلاّمة في المختلف، القول بالحرمة.

   والرواية الواردة في استعمال الحناء بعد الاحرام رواية واحدة صحيحة رواها المشايخ الثلاثة باسنادهم عن عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الحناء فقال: انّ المحرم ليمسّه ويداوي به بغيره (بعيره ظ) وما هو بطيب، وما به بأس(2).

   ومورد السؤال وان لم يكن فيه اشارة الى المحرم ولم يقع التعرض له إلاّ انه حيث يكون استعمال الحناء في غير حال الاحرام امراً جائزاً بل كان استحباب الخضاب ظاهراً لدى المتشرعة، فاللازم ـ ح ـ حمل السؤال على المورد الذي كان الجواز فيه محل الشبهة وهو حال الاحرام مضافاً الى دلالة الجواب عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والأربعون، ح5.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والعشرون، ح1.


(148)

. . . . . . . . . . .

   وامّا الجواب فالظاهر ان قوله (عليه السلام) «ان المحرم ليمسّه» حكم مستقل مرجعه الى جواز استعمال الحناء مطلقاً للزينة أو لغيرها وليس عطف قوله: «ويداوي به بعيره» قرينة على كون المراد من المسّ، ما يرتبط بتداوي البعير ومعالجته. ويؤيده كون العطف بالواو دون الفاء كما انه يؤيده بل يدل عليه قوله «وما هو بطيب» فان نفي كونه من مصاديق الطيب ناظراً الى عدم حرمة مسّه واستعماله كما يحرم مسّ الطيب واستعماله، وجه الدلالة انه لو فرض كونه من الطيب لكان مسّه لتداوي البعير جائزاً ايضاً خصوصاً مع انحصار طريق التداوي به واستلزامه للمسّ.

   واظهر من الجميع في افادة اطلاق الحكم بالجواز قوله في الذيل «وما به بأس» بعد ظهور كون مرجع الضمير هو الحناء الذي نفى كونه من الطيب في الجملة السابقة عليه لا التداوي به بعيره، وعليه فنفي البأس عن الحناء في حال الاحرام ظاهر في جوازه مطلقاً سواء كانت زينة أو غيرها، قصد به الزينة أم لم يقصد، ولولا الرواية الآتية التي يستفاد منها الكراهة لكان مقتضى هذه الرواية عدم الكراهة ايضاً، كما انه لو قلنا باختصاص تلك الرواية بالمرأة التي هي موردها كما يستفاد من عبارة الشرائع المتقدمة لا دليل على الكراهة في المقام بالاضافة الى الرجل وتلك الرواية هي مارواه ابو الصباح الكناني عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة خافت الشقاق فأرادت ان تحرم هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك قال: ما يعجبني ان تفعل(1).

   لكن الظاهر عدم اختصاص الحكم في الرواية بالمرأة كما ان الظاهر اختصاصه بمثل الحناء الذي يبقى اثره الى ما بعد الاحرام، فلو فرض زوال أثره عند الشروع فيه لا مجال فيه لدعوى الكراهة كما ورد في بعض الروايات المتقدمة في النيّة والتلبية من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والعشرون، ح2.


(149)

. . . . . . . . . . .

انه (عليه السلام)أكل خبيصاً فيه زعفران بعد النية وقبل التلبية، وعليه فاذا كان استعمال الحناء قبل الاحرام بلحاظ بقاء أثره مكروهاً يكون استعماله بعد الاحرام مكروهاً بطريق أولى.

   هذا ولكن في دلالة الصحيحة الواردة في المقام شبهة وهي ان المستفاد منها ان الشبهة الموجودة في الحناء الموجبة للسؤال عن حكمه انّما هي احتمال كونه من مصاديق الطيب وافراده، ولذا صرّح (عليه السلام) في الجواب بنفي كونه من الطيب مع ان العمدة في الحناء انما هو انطباق عنوان الزينة عليه وكون الاستعمال الغالبي فيه هي الزينة بخلاف لبس الخاتم الذي مرّ انه لم يوضع للزينة ولو غالباً ولأجل ذلك يجري فيه التعليل المذكور في رواية الاكتحال بالسواد بقوله فانه زينة وما ورد في النظر الى المرآة من قوله فانه من الزينة ولولا اشتمال رواية المقام على نفي كون الحناء من الطيب لكان الحكم بالجواز في الحناء مخصّصاً للتعليل المشتمل على الكبرى المطوية وهي ان كل زينة حرام على المحرم ولازم التخصيص هنا اخراج استعمال الحناء عن الكبرى المذكورة مطلقاً سواء كان المقصود به الزينة أو كان المقصود غيرها بخلاف لبس الخاتم الذي عرفت ان مقتضى الرواية الواردة فيه التفصيل بين قصد الزينة وبين قصد غيرها وامّا اشتمالها على عدم كون الحناء من الطيب فربما يوجب الاشكال في المسألة من جهة احتمال كون الجواز من هذه الجهة فلا ينافي الحرمة من جهة اُخرى ولعلّه لذا نفي خلّو الحرمة عن الوجه في المتن في الصورتين وان كان يرد عليه انّ مجرد احتمال ذلك لايقاوم ظهور الرواية في الجواز بعد كون السؤال عن أصل استعمال الحناء نعم الاحتمال المذكور مؤثر في جعل مقتضى الاحتياط الوجوبي الترك في الصورتين.

   كما انه مما ذكرنا ظهر ان الجمع بين كراهة استعمال المحرم للحناء بقصد الزينة وبين تخصيص الحكم بالكراهة بالمرأة فيما اذا كان الاستعمال قبيل الاحرام وعند


(150)

   الرابع عشر: لبس المرأة الحلّي للزينة فلو كان زينة فالأحوط تركه وان لم يقصدها، ولا بأس بما كانت معتادة به قبل الاحرام ولا يجب اخراجه لكن يحرم عليها اظهاره للرجال حتى زوجها، وليس في لبس الحلّي كفارة وان فعلت حراماً [1].

ارادته كما عرفت في عبارة الشرايع مما لايستقيم، فانه لو كان خبر ابي الصباح المتقدم مختصّاً بالمرأة التي هي مورده لا دليل على ثبوت الكراهة بالنسبة الى الرجال بعد الاحرام لأنّك عرفت ان ثبوت الكراهة بعده انّما هو من طريق الاولوية والمفروض ان مورد الكراهة الاولية خصوص المراة كما تدلّ عليه عبارته.

   الجهة الثالثة: انه ليس في لبس الخاتم المحرَّم وهو ما اذا كان المقصود به الزينة وكذا في استعمال الحناء على تقدير حرمته كفارة لعدم دلالة شيء من ادلّة الحرمة على ثبوت الكفارة والدليل العام الدال على ثبوت كفارة الدم في جميع المحرمات قد عرفت ضعفه سنداً ودلالة وانه لاينهض لاثبات ذلك كما مرّ فلا كفارة في المقام بوجه.

   [1] الظاهر انه لا اشكال في حرمة لبس المرأة الحلّي للزينة في حال الاحرام وفي الجواهر: كما صرّح به غير واحد بل لعلّه المشهور بل في المدارك نفي الاشكال فيه ولولا الروايات الخاصة الواردة في المقام لكان المستفاد من الكبرى المطوية في التعليل الوارد في الاكتحال بالسواد بقوله (عليه السلام) فانه زينة وكذا في بعض روايات النظر في المرآة حرمة لبس المرأة الحلّي الذي يكون زينة بنفسه مطلقاً من دون فرق بين صورة ما اذا كان المقصود هو التزيّن به أو كان الغرض غيره، لكن وردت في الباب طوائف من الروايات.

   الاولى: ما ظاهره حرمة لبس المرأة للحلّي مطلقاً من دون فرق بين صورة قصد الزينة وصورة عدمه وكذا من دون فرق بين أنواع الحلّي واقسامه مثل صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: المحرمة لا تلبس الحلّي ولا المصبغات إلاّ صبغاً


(151)

. . . . . . . . . . .

لايردع(1).

   الثانية: ما ظاهره التفصيل، وان كان بينهما اختلاف في التفصيل ايضاً مثل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: المحرمة تلبس الحلّي كلّه إلاّ حليّاً مشهوراً للزينة(2). وظاهره ان المستثنى من الحكم بالجواز لبس الحلّي المشتمل على خصوصيتين، احداهما كونه مشهوراً اي ظاهراً بارزاً كما في مثل قوله شهر فلان سيفه ثانيتهما كون المقصود من لبسه هي الزينة واحتمال كون اللام في قول للزينة للتعليل مضافاً الى انه خلاف الظاهر في نفسه يلزم منه الحكم بعموم الحرمة لجميع موارد المستثنى منه لأن مطلق الحلّي زينة فلا يبقى مورد للجواز.

   وصحيحة الكاهلي عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه قال: تلبس المرأة المحرمة الحلّي كلّه إلاّ القرط المشهور والقلادة المشهورة(3). والمراد من القرط بالضم ما يلقى في شحم الأذن ومن القلادة ما يجعل على العنق ويعبّر عن الأوّل في الفارسية بـ "گوشواره" وعن الثانية بـ "گردن بند".

   ومن الواضح اختلاف الصحيحتين في المستثنى وكون النسبة عموماً من وجه فان الاوّل عام بالاضافة الى كل حلّى مشهور وخاص من جهة التقييد بقصد الزينة والثاني عام من جهة عدم التقييد بالقصد المزبور وخاص من جهة الاختصاص بالقرط والقلادة فالقدر المتيقن من مورد الحرمة صورة اجتماع كلا العنوانين، وامّا مادتا الافتراق فمورد للاختلاف لكن حيث انه لم يقل أحد بالتفصيل بين القرط والقلادة وبين غيرهما من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والأربعون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والأربعون، ح4.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والأربعون، ح6.


(152)

. . . . . . . . . . .

أنواع الحلّي، فاللازم الأخذ باطلاق صحيحة محمد بن مسلم والحكم بثبوت الحرمة بالنسبة الى جميع الانواع ومرجع ما ذكرنا امّا الى كون الشهرة الفتوائية مرجّحة بعد ثبوت التعارض وامّا الى ان التعارض وان كان موجباً للتساقط لكن اللازم بعد التساقط الرجوع الى مثل صحيحة الحلبي المتقدمة في الطائفة الاولى الظاهرة في حرمة لبس الحلّي مطلقاً.

   الطائفة الثانية: ما يمكن ان يقال بدلالته على الجواز مطلقاً مع استثناء صورة الاظهار للرجال وهي صحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج قال: سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المرأة يكون عليها الحلّي والخلخال والمسكة والقرطان من الذهب والورق تحرم فيه وهو عليها وقد كانت تلبسه في بيتها قبل حجّها، انتزعه (اتنزعه ظ) اذا أحرمت أو تتركه على حاله؟ قال: تحرم فيه وتلبسه من غير ان تظهره للرجال في مركبها ومسيرها(1).

   بناء على كون محطّ نظر السائل هو جواز لبس المرأة الحلّي في حال الاحرام وعدمه وعليه فالجواب دالّ على الجواز واستثناء صورة الاظهار للرجال لكن التأمّل في الرواية يقضي بان محطّ نظر السائل بعد كون المفروغ عنه عنده هي حرمة لبس الحلّي في حال الاحرام وانه لا فرق في ذلك بين القرط وبين الخلخال والمسكة التي هي السوار وغيرهما انّه اذا كان الحلّي على المرأة في حال الاحرام مع كون لبسه مستمرّاً في بيتها قبل ذلك وكانت معتادة له فهل يجب عليها الانتزاع أو يجوز ان تحرم فيه ويدلّ على ان مورد السؤال ما ذكرنا قوله، وقد كانت تلبسه في بيتها قبل حجّها فانّ التعبير بـ «كانت» الظاهر في الاستمرار من جهة واضافة هذه الجملة بعد كون الجملة الاولى دالة على وجود الحلّي في حال الاحرام ولم تكن حاجة الى اضافة الجملة الثانية من جهة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والأربعون، ح1.


(153)

. . . . . . . . . . .

اُخرى شاهد على كون هذه الجملة دخيلة فيما هو محطّ نظر السائل وانّها النقطة المهمة فيما هو مورد السؤال وهو يكشف عن كون أصل الحكم وهو حرمة لبس الحلّي مطلقاً مفروغاً عنه عند الراوي فالرواية من أدلّة الحرمة والفرق بينها وبين صحيحة الحلبي كون دلالة هذه الرواية بالعموم ودلالة تلك بالاطلاق.

   وقد ظهر من جميع ما ذكرنا انه لا فرق بين انواع الحلّي في الحرمة وامّا التقييد بقصد الزينة الذي هو مفاد صحيحة محمد بن مسلم فالظاهر انّه لا معارض لها من هذه الجهة إذ النسبة بعد رفع اليد عن خصوصية القرط والقلادة بينها وبين سائر الأدلّة المانعة هو الاطلاق والتقييد، واللازم رفع اليد عن الاطلاق بسبب دليل التقييد بل بالصحيحة ترفع اليد عن اطلاق صحيحة ابن الحجاج الدالّ على جواز عدم نزع ما كانت معتادة للبسه في بيتها قبل حجّها وجواز ادامة لبسه من دون فرق بين صورتي قصد الزينة وعدمه. ويحكم بالاختصاص بما اذا لم يكن المقصود من الادامة وعدم النزع هي الزينة كما يشعر به نفس عنوان الاعتياد، مضافاً الى استلزام النزع في بعض الموارد للمشقة والحرج والفرق بين صورة الاعتياد وعدمه عدم جريان شبهة الحرمة في الاولى مع عدم القصد بعد تصريح صحيحة ابن الحجاج بالجواز وظهور الروايات المانعة في عدم الاعتياد أو تقييد اطلاقها على فرضه بالصحيحة.

   نعم يقع الكلام في التقييد بقيد الشهرة الذي وقع التصريح به في صحيحتي ابن مسلم والكاهلي والظاهر ان المراد بها هي البروز والظهور في مقابل ما اذا كان مستوراً تحت لباس ونحوه كما ان الظاهر ان هذا القيد له دخل في اتصاف الحلّي بكونه زينة واقعاً فان الزينة الواقعية لاتجتمع مع الخفاء والمستورية كما ان أصل اللبس له دخل في تحقق الزينة وحصولها ضرورة انه بدونه لايكون الحلّي زينة واطلاقها عليه باعتبار


(154)

. . . . . . . . . . .

كونها صالحة لأن يتزّين به لا انه بالفعل تكون زينة، وعليه فالمشهورية كأصل اللبس لها مدخلية في الاتصاف بكون الحلّي زينة، فالرواية تدلّ على ان لبس الزينة الواقعية اذا كان بقصد التزين يكون ممنوعاً وامّا اذا لم يكن مقروناً بالقصد المذكور كما اذا أرادت حفظها من الضياعنحوه فلا مانع منه وقد عرفت انّه بهذه الرواية يخصّص عموم التعليل المستفاد من رواية الاكتحال المتقدمة وتصير النتيجة انّ الحلّي فيما اذا كانت زينة واقعاً يكون لبسه محرّماً اذا قصد به الزينة نعم لاينبغي ترك الاحتياط بترك لبس الزينة مطلقاً والمسألة بعد في غاية الاشكال كما في الجواهر.

   ثم ان صحيحة ابن الحجاج تدلّ على تقييد الجواز في صورة الاعتياد بما اذا لم تظهرها للرجال في مركبها ومسيرها ومقتضى عموم الرجال الشمول للزوج والمحارم والاجانب كما ان مفادها جواز الاظهار للنساء والظاهر ان الاظهار امر وقصد الزينة أمرٌ آخر فانّ الاظهار من الامور الواقعية غير القصدية والنسبة الى الفاعل لا دلالة لها على كونه من الامور القصدية بخلاف قصد الزينة الذي يكون تقوّمه بالقصد في مقابل قصد التحفظ عن الضياع وغيره من الامور الاُخر.

   نعم في بعض الروايات المانعة اعتبار خصوص قصد التزيّن للزّوج وهي رواية النضر بن سويد عن ابي الحسن (عليه السلام) قال سألته عن المرأة المحرمة أي شيء تلبس من الثياب قال: تلبس الثياب كلّها إلاّ المصبوغة بالزعفران والورس، ولا تلبس القفازين ولا حلياً تتزين به لزوجها ولا تكتحل إلاّ من علّة ولا تمسّ طيباً ولا تلبس حلّياً ولا فرندا، ولا بأس بالعلم في الثوب(1).

   لكن الرواية مضافاً الى وقوع سهل بن زياد في سندها يكون قوله (عليه السلام) فيها في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والأربعون، ح3.


(155)

   الخامس عشر: التدهين وان لم تكن فيه طيب، بل لايجوز التدهين بالمطيب قبل الاحرام لو بقي طيبه الى حين الاحرام ولا بأس بالتدهين مع الاضطرار، ولا بأكل الدهن ان لم يكن فيه طيب، ولو كان في الدهن طيب فكفارته شاة حتى للمضطّر به وإلاّ فلا شيء عليه [1].

الذيل ولا تلبس حلّياً قرينة على عدم مدخليّة القيد المذكور في الصدّر وهو التزيّن به للزوج مع انه لا مفهوم له في نفسه، وفرندا ثوب معروف وهو معرّب.

   ثم انه حيث لايكون في شيء من الروايات الواردة في لبس الحلّي ما يدلّ على ثبوت الكفّارة فيه فلا وجه لاحتمال ثبوتها فيه إلاّ بناء على الرواية العامة التي مرّت الاشارة اليها مراراً التي كانت ضعيفة من حيث السند والدلالة.

   [1] قد وقع عنوان هذا الأمر في الشرايع هكذا: «واستعمال دهن فيه طيب محرّم بعد الاحرام وقبله اذا كان ريحه يبقى الى الاحرام، وكذا ما ليس بمطيب اختياراً بعد الاحرام ويجوز اضطراراً».

   والمستفاد من كلا العنوانين انّ ماهو الاصل في هذا الأمر والقدر المتيقن الذي لايعتريه ريب ما يتعلق بالدهن الذي فيه طيب من التدهين به كما في المتن أو استعماله كما في الشرايع مع انك عرفت انه من الامور المحرمة على الطيب صبغاً واطلاء وبخوراً على بدنه أو لباسه وانه لايجوز لبس ما فيه رائحته ولا أكل ما فيه الطيب كالزعفران فيقع الكلام ـ ح ـ في الفرق بين الأمرين فهل الفرق بناء على تعبير المتن ان المتعلق للحكم بالحرمة هنا عنوان التدهين وانّ لهذا العنوان اصالة وبناء على تعبير الشرايع ان المتعلق للحكم بها هو الاستعمال المضاف الى الدهن الذي فيه طيب بخلاف ما هناك فان المتعلق له هو الطيب بجميع انواعه أو ببعضها.

   فان كان الفرق ما ذكر يرد على المتن ان الحكم بعدم جواز التدهين بالمطيب قبل


(156)

. . . . . . . . . . .

الاحرام لو بقى طيبه الى حال الاحرام قرينة على عدم كون عنوان التدهين له موضوعية بل الملاك هو اشتمال الدهن على الطيب الذي قد عرفت ان الرائحة الموجودة فيه متقوّمة لمعناه ومأخوذة في تعريفه وعليه فهو المعيار والملاك لا عنوان التدهين وان كان هذا العنوان مأخوذاً في معقد الاجماع الذي ادّعاه في محكى المنتهى حيث قال: اجمع علمائنا على انه يحرم الادهان في حال الاحرام بالادهان الطيبة كدهن الورد والبان والزيبق وهو قول عامة أهل العلم وتجب له الفدية اجماعاً.

   كما انه يرد على الشرايع انّ الاستعمال وان كان شاملاً للأكل ايضاً بخلاف الادهان إلاّ انه قد مرّ هناك حرمة الأكل ايضاً.

   وعلى ما ذكرنا فالظاهر ان يقال بانّ ما هو الأصل هنا هو الادّهان بدهن ليس فيه طيب اصلاً واللازم البحث فيه فنقول ان المشهور كما في الجواهر هي الحرمة بل عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه لكن ظاهر المحكى عن الجمل والعقود والكافي والمراسم بل صريح المحكى عن المفيد عدم الحرمة.

   ويدلّ على الحرمة صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال لاتدّهن حين تريد ان تحرم بدهن فيه مسك ولا عنبر من أجل انّ رائحته تبقى في رأسك بعدما تحرم، وادّهن بما شئت من الدهن حين تريد ان تحرم، فاذا احرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحلّ(1). وروى مثله علي بن أبي حمزة كما في الوسائل مع اختلاف يسير فان مقتضى اطلاق الذيل الحرمة مطلقاً من دون فرق بين ما كان الدهن فيه طيب وبين ما اذا لم يكن وتفريع الاطلاق في الحكم بالحرمة بعد الاحرام على التفصيل المذكور قبل الاحرام يمنع عن احتمال الاختصاص بما فيه طيب كما انّ التعرض للادهان بالدهن قبل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والعشرون، ح1.


(157)

. . . . . . . . . . .

الاحرام قرنية على كون متعلق الحرمة بعد الاحرام ايضاً هو الادهان فلا يشمل مثل أكل الدهن الذي لايكون فيه طيب كما لايخفى.

   وصحيحة معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال لاتمسّ شيئاً من الطيب ولا من الدهن في احرامك الحديث(1). فان عطف الدهن على الطيب الظاهر في المغايرة يقتضي الحكم بحرمة مسّ الدهن وان لم يكن فيه طيب.

   هذا ويظهر من بعض الاعلام (قدس سرهم) تبعاً لصاحب الجواهر انّ ما يكون في مقابل دليل المشهور من الروايات المانعة هو طائفتان من الروايات احداهما ما وردت في مورد الاضطرار الذي لايرتبط بما هو محل البحث فعلاً وثانيتهما ما وردت في التدهين بعد الغسل قبل الاحرام وهي ايضاً غير مرتبطة بالمقام الذي هو الادهان بعد الاحرام مع ان التتبع في الروايات يقضي بان ما يكون في مقابل دليل المشهور هي بعض الروايات الصحيحة الظاهرة في الكراهة مثل صحيحة معاوية بن عمّار المفصلة المتقدمة في بحث الطيب المشتملة على قوله (عليه السلام): وانّما يحرم عليك من الطيب أربعة اشياء المسك والعنبر والورس والزعفران غير انه يكره للمحرم الادهان الطيبة إلاّ المضطر الى الزيت أو شبهه يتداوى به(2). فان التعبير بالكراهة في لسان الروايات وان لم يكن ظاهراً بنفسه في الكراهة المصطلحة إلاّ ان التعبير بها في مقابل الحرمة كما في الصحيحة يوجب ظهورها في الكراهة المصطلحة في الفقه وعند الفقهاء وعليه فالرواية ظاهرة في الحرمة وليس المراد بالادهان الطيبة ما كانت مشتملة على الطيب المحرم لاستثناء صورة الاضطرار الى الزيت مع انه لايكون مشتملاً على الطيب بوجه فمثل هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والعشرون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن عشر، ح8.


(158)

. . . . . . . . . . .

الصحيحة دليل على الكراهة في مقابل المشهور.

   لكن على هذا التقدير ايضاً لابد من الالتزام بما هو المشهور من الحرمة لأنّ الشهرة الفتوائية هي أوّل المرجحات في الخبرين المتعارضين على ما استفدناه من مثل مقبولة ابن حنظلة المعروفة فلا محيص من الحكم بالحرمة.

   بقي الكلام في المقام في امور:

   الأمر الأوّل انه لايجوز الادّهان بالمطيب قبل الاحرام اذا كان ريحه يبقى الى الاحرام كما في محكّى القواعد والنهاية والسرائر بل في المدارك نسبته الى الأكثر خلافاً للمحكّى عن الجمل والعقود والمهذب والوسيلة حيث انّهم ذهبوا الى الكراهة نظراً الى جوازه ما دام محلاًّ غايته وجوب الإزالة فوراً بعد الاحرام وذكر صاحب الجواهر (قدس سره) انه كالاجتهاد في مقابلة النص نظراً الى ظهور الحلبي المتقدمة في الحرمة والتفصيل قبل الاحرام بين المطيب وغيره معلّلاً للحكم بالحرمة في الاوّل بقوله (عليه السلام): من أجل انّ رائحته تبقى في رأسك بعدما تحرم.

   وهذا التعليل يجري فيه احتمالان:

   احداهما ان الرائحة تبقى قهراً ولا يمكن الإزالة بحيث تنعدم الرائحة بل يحتاج الانعدام الى مرور زمان ومضي مدّة من الاحرام.

   ثانيهما ان الرائحة تبقى لو لم يتصد المحرم للإزالة مقارناً للاحرام وإلاّ فمع التصدي لها تنعدم الرائحة ولايبقى منها شيء فان كان المراد هو الاحتمال الاوّل فلا يجتمع ذلك مع قول القائلين بالكراهة في مقابل المشهور بوجوب الإزالة ضرورة ان وجوبها مشروط بامكانها وعليه فحكمهم بوجوب الإزالة شاهد على ان مورد النزاع صورة الامكان كما هو ظاهر، وان كان المراد هو الاحتمال الثاني فالظاهر انه لايجتمع


(159)

. . . . . . . . . . .

مع قول صاحب الجواهر في ذيل البحث حيث انه قال: «ثم لايخفى عليك ان تحريم الادهان بالمطيب الذي يبقى اثره انما يتحقق مع وجوب الاحرام وتضييق وقته وإلاّ لم يكن الادّهان محرماً وان حرم انشاء الاحرام قبل زوال أثره كما هو واضح» فان مقتضى هذا الكلام ارادة تطبيق الحكم في الرواية على القاعدة وانّها تقتضي التحريم في صورة وجوب الاحرام كما اذا كان لحجة الاسلام وتضييق الوقت وعدم امكان التأخير مع انه لو كان المراد صورة امكان الازالة عند الاحرام ومقارنة معه لا حاجة الى فرض وجوب الاحرام وتضييق وقته بل مقتضى القاعدة لزوم الإزالة ولو مع عدم الشرطين فالجمع بين كون مراد القائلين بالكراهة وجوب الازالة وبين التطبيق على القاعدة بالنحو المذكور كما في الجواهر ممّا لايستقيم.

   هذا ولكن الظاهر ان المراد من التعليل هو الاحتمال الاوّل الذي مرجعه الى بقاء الأثر قهراً ولازمه عدم الحرمة مع عدم بقاء الرائحة من دون فرق بين بقاء العين وعدمه فانّ المحرّم في الادهان بغير المطيب بعد الاحرام انّما هو المعنى المصدري وهو احداث الادّهان بعد الاحرام لا المعنى الاسم المصدري الذي يرجع الى كون المحرّم هو اتصافه بكونه مدهناً ولو كان حدوثه قبل الاحرام وذلك لظهور صحيحة الحلبي المتقدمة الدالة على جواز الادهان بغير المطيب قبل الاحرام بأيّ دهن كان في جواز الادهان قبيل الاحرام ايضاً وعدم وجوب الإزالة حاله مع انه تبقى عينه نوعاً كما لايخفى هذا مضافاً الى الروايات الدالة على جواز الادهان قبل غسل الاحرام ومعه وبعده.

   الامر الثاني انه يجوز الادهان بعد الاحرام في صورة الضرورة لأجل التداوي والعلاج ويدلّ عليه روايات متعددة مثل صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبدالله (عليه السلام)


(160)

. . . . . . . . . . .

قال اذا خرج بالمحرم الخراج أو الدمّل فليبطه وليداوه بسمن أو زيت(1). وفي بعض النسخ كما في الجواهر الجراح مكان الخراج كما ان المحكى عن الكافي فليربطه مكان فليبطه والخراج ـ كما في مجمع البحرين ـ بضم المعجمة وكسرها وخفّة الراء ما يخرج في البدن من القروح والورم والواحدة خراجة كما انّ البط بمعنى الشقّ ومعنى الربط واضح.

   وصحيحة محمد بن مسلم عن احداهما (عليهما السلام) قال سألته عن محرم تشققت يداه قال فقال يدهنها بزيت أو بسمن أو اهالة(2). والاهالة هو الشحم المذاب.

   وامّا رواية ابي الحسن الاحمسي قال سأل ابا عبدالله (عليه السلام) سعيد بن يسار عن المحرم تكون به القرحة أو البثرة أو الدمّل فقال اجعل عليه بنفسج واشباهه مما ليس فيه الريح الطيّبة(3). فلابد من ان تحمل على عدم انحصار التداوي بما يكون فيه الريح الطيبة ودوران الأمر بينه وبين مثل البنفسج وامّا في صورة التوقف والانحصار فالظاهر الجواز كما لايخفى نعم ورد في مورد البنفسج رواية دالة على ثبوت الكفارة يأتي التعرض لها في الأمر الآتي انشاء الله تعالى.

   الأمر الثالث انه لابأس بأكل الدهن بعد الاحرام اذا لم يكن فيه طيب وذلك لما عرفت من ان المتعلق للحكم بالحرمة في مثل صحيحة الحلبي هو عنوان الادهان حيث قال (عليه السلام) فيها: فاذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحلّ وقد مرّ ان الحكمين المذكورين السابقين على هذه الفقرة الواردين في مورد الادّهان قرنية على كون المراد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح1.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح3.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والثلاثون، ح3.


(161)

. . . . . . . . . . .

من هذا الحكم تعلق الحرمة بالادهان بعد الاحرام دون عنوان الدهن حتى يشمل الأكل ايضاً نعم عبارة الشرايع ظاهرة في حرمة مطلق الاستعمال وهو شامل للأكل لكنه لم ينهض دليل عليه.

   الأمر الرابع في ثبوت الكفارة الظاهر انه لا خلاف ولا اشكال في عدم ثبوت الكفارة في الادهان بدهن ليس فيه طيب وامّا بما فيه طيب فالظاهر ان المشهور فيه ثبوت كفارة الشاة وقد مرّت حكاية الاجماع على لزوم الفدية عن العلاّمة في المنتهى وقد وقع التصريح كما في المتن بثبوت الكفارة حتى للمضطّر به.

   وقبل البحث في ذلك نقول انه قد ذكر المحقق في باب الكفارات في كفارة الطيب: «المحظور الثاني الطيب فمن تطيب كان عليه دم شاة سواء استعمله صبغاً أو اطلاءً ابتداءً أو استدامة أو بخوراً أو في الطّعام».

   وقال في كفارة الادهان: «ومن استعمل دهناً طيّباً في احرامه ولو في حال الضرورة كان عليه شاة على قول» وعليه فقد أورد عليه بانه لايمكن الجمع بين الجزم بلزوم دم شاة في التطيب وبين الترديد الذي يدلّ عليه قوله: على قول في استعمال الدّهن الطيب.

   وقد تصدى بعض الاعلام (قدس سرهم) للتوفيق بين الكلامين بما يرجع محصلّه الى انّ الادهان بالدهن الطيب ليس من استعمال الطيب المتعارف المسمّى في عرفنا بالعطور فان الطيب اسم لجسم خاص تكون فائدته الاستشمام والتطيب به وليس مجرد وجود رائحة طيبة في جسم موجباً لدخوله في عنوان الطيب والعطور فاذاً يقع الكلام في تقييد الدهن بكونه طيباً في كلام المحقق فنقول ان الدهن على قسمين قسم لايعد للأكل بل يتنفر منه الطبع وانما يستعمل للاسراج أو العلاج ونحو ذلك كالدهون المتخذة من النفط وقسم يعدّ للأكل وله رائحة طيبة لطيفة كدهن الزيت وغيره من الدهون المعدّة للأكل


(162)

. . . . . . . . . . .

التي يقبله الطبع ولكن مع ذلك لايدخل في عنوان الطيب والعطور فالمراد بالدهن الطيب هو الذي يستعمل في الأكل ثم اخذ في الاشكال على المحقّق بما يأتي البحث فيه.

   ويرد عليه مضافاً الى انّ دخول العطور المتعارفة في الطيب المحرم على المحرم محلّ خلاف واشكال فان القدر المتيقن منه كما اختاره (قدس سره) بنفسه هو مثل الزعفران والمسك والعنبر والعود كما تقدم البحث فيه مفصّلاً.

   انّ حمل كلام المحقق في كفارة المقام على استعمال الدهن الذي لايكون فيه طيب محرم بل يشتمل على رائحة طيبة لطيفة ممنوع جدّاً ضرورة انّ الموضوع للكفارة هو الذي ذكره في محرمات الاحرام وجعل تركه من التروك الواجبة في حال الاحرام مع انك عرفت ان عبارته في هذا المقام مشتملة اوّلاً على اتصاف الدهن بكونه فيه طيب ومن الواضح وجود الفرق بين ثبوت الطيب فيه وبين كونه له رائحة طيبة، وثانياً على حرمة استعمال الدهن المزبور اذا كانت رائحته تبقى الى ما بعد الاحرام، مع ان الدليل عليه هي صحيحة الحلبي التي وقع التعبير فيها بكون الدهن فيه مسك أو عنبر وهما من الانواع المسلّمة للطيب التي لا يرتاب فيه ولا مجال لدعوى كون المراد من المحرم الاحرامي غير ما هو الموجب للكفارة هنا انَّ المراد من قوله في عداد محرّمات الاحرام واستعمال دهن فيه طيب محرم بعد الاحرام وقبله اذا كان ريحه يبقى الى الاحرام غير ماهو المراد في موجب الكفارة من قوله «ومن استعمل دهناً طيّباً»، ضرورة وضوح الاتحاد وظهوره، فالتوفيق بالوجه المزبور مما لايستقيم بوجه.

   نعم يقع الكلام في الدليل على ثبوت الكفارة بالادهان بالدهن الذي يكون فيه طيب أي يكون مشتملاً على مثل الزعفران والمسك والعنبر خصوصاً بعدما عرفت منّا


(163)

. . . . . . . . . . .

هناك من ان الأكل يكون فيه الكفارة بنحو الاقوى، وغير الأكل لا دليل على ثوبت الكفارة فيه، غاية الأمر الحكم بالثبوت بنحو الاحتياط الوجوبي ومن المعلوم ان الادهان لايشمل الأكل بوجه.

   وكيف كان فان قلنا في ذلك البحث بثبوت الكفارة في مطلق استعمال الطيب والانتفاع به فالحكم بثبوتها في المقام لايحتاج الى دليل خاص لشمول ذلك الدليل للمقام ايضاً نعم يقع الكلام على هذا التقدير في تعميم الحكم بثبوت الكفارة لصورة الضرورة ايضاً كما وقع التصريح به في المتن هنا تبعاً للسرائر والنهاية.

   وان لم نقل بذلك بل باختصاص الكفارة بخصوص الأكل الذي لايصدق على الادّهان بوجه فربما يقال ان المستند في ثبوت الكفارة في المقام، ما رواه ابن ابي عمير عن معاوية بن عمّار في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج، قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين وان كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه(1).

   قال في الجواهر بعد نقل الرواية: «والمناقشة بكونه مقطوعاً يدفعها الانجبار بالعمل كاندفاع الاضمار بظنّ ارادة الامام (عليه السلام) منه ان لم يكن القطع وكذا دعوى اخصيّته من المدعى واشتماله على ما لايقول به الاصحاب من الكفارة على الجاهل يدفعها عدم القول بالفصل وعدم خروج الباقي عن الحجية و ـ ح ـ فلا مناص عن القول بوجوبها فيه».

   ولكن يرد على الاستدلال بالرواية وجوه من الاشكال اكثرها غير قابل للجواب أصلاً:

   الاوّل: انّ ما ذكر لايكون رواية لمعاوية بن عمار بل ظاهره كون ما ذكره فتوى منه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع، ح5.


(164)

. . . . . . . . . . .

اجتهاداً، وله نظائر كثيرة خصوصاً بعد ملاحظة ثبوت الاجتهاد في ذلك الزمان وأمر الامام (عليه السلام) بعض اصحابه بالجلوس في المسجد والافتاء للنّاس وعليه فالظاهر كون المنقول غير الرواية، بل هو النظر والرأي واذا لم تكن رواية فهي غير قابلة للانجبار لأن الشهرة الجابرة انّما تكون جابرة للرواية الضعيفة من بعض الوجوه ولا تكون جابرة للفتوى إلاّ على تقدير القول بحجية الشهرة الفتوائية في نفسها وهي مع انها غير ثابتة كما حقق في محلّه توجب ان تكون هي المستند في المقام دون الرواية.

   الثاني: انّ دهن بنفسج ليس فيه طيب ولا له رائحة طيبة كما قد وقع التصريح به في رواية الاحمسي المتقدمة في ذيل الأمر الثاني ولم يقل أحد بثبوت الكفارة في الدهن الذي لايكون فيه طيب ولا له رائحة طيبة اصلاً.

   الثالث: اشتماله على ثبوت الكفارة على الجاهل ايضاً وهو مما لايقول به الاصحاب كما عرفت في عبارة الجواهر المتقدمة انفاً. نعم لو اغمض النظر عن الاشكالات المذكورة، لكانت دلالة الرواية على ثبوت الكفارة في صورة الضرورة والتداوي واضحة، ومنه يظهر الثبوت في صورة الاختيار بطريق أولى كما لايخفى.

   ثم انه استدلّ صاحب الجواهر (قدس سرهم) في ذيل كلامه لوجوب الكفارة برواية عمر بن يزيد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: قال الله تعالى في كتابه: «فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك»، فمن عرض له اذى أو وجع فتعاطى ما لاينبغي للمحرم اذا كان صحيحاً فصيام ثلاثة أيام والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم وانّما عليه واحد من ذلك(1).

   ولكن الرواية مضافاً الى ضعف سندها بمحمد بن عمر بن يزيد، واردة في تفسير

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع عشر، ح2.


(165)

   السادس عشر: ازالة الشعر، كثيره و قليله حتى شعرة واحدة عن الرأس واللحية وسائر البدن بحلق أو نتف أو غيرهما بأيّ نحو كان ولو باستعمال النورة سواء كانت الإزالة عن نفسه أو غيره ولو كان محلاًّ [1].

الآية الشريفة التي موردها الاحصار بقوله تعالى «فان احصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محلّه» وما بعده تفريع عليه ولا تشمل مثل المقام مع انّ الكفارة المخيّرة بين الاُمور الثلاثة لم يقل به أحد فيما نحن فيه فلا مجال للاستدلال بها هنا.

   [1] لا خلاف في حرمة ازالة الشعر على المحرم في حال الاختيار بل قال في الجواهر: الاجماع بقسميه عليه بل في التذكرة والمنتهى اجماع العلماء والظاهر انه لم ينهض دليل لفظي على حرمة هذا العنوان بنحو الاطلاق بل هي مستفادة من ملاحظة مجموع ما ورد في الباب فنقول:

   امّا ما يدل على حرمة الحلق المضاف الى الرأس فهو قوله تعالى: «ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محلّه»، ومورده وان كانت صورة الاحصار التي يدل عليها قوله تعالى قبله «فان احصرتم فما استيسر من الهدى»، لكن الظاهر انّ حرمة حلق الرأس لاتكون حادثة بسبب الاحصار بل المراد ان الاحصار لايوجب ارتفاع الحرمة المتحققة بالاحرام بل هي باقية الى ان يبلغ الهدى محلّه فتدلّ الآية على انّ حرمة حلق الرأس من احكام الاحرام واثاره سواء كان احرام الحج أو احرام العمرة.

   وامّا ما يدلّ على حرمة حلق غير الرأس بالمطابقة أو بالملازمة من طريق ثبوت الكفارة فهي صحيحة الحلبي قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم؟ قال: لا إلاّ أن لايجد بدّاً فليحتجم ولا يحلق مكان المحاجم(1).

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح1.


(166)

. . . . . . . . . . .

   وصحيحة حريز عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس ان يحتجم المحرم مالم يحلق أو تقطع الشعر(1). وهما وان كانا متعارضيتين في جواز الحجامة وعدمه إلاّ ان المقصود هنا استفادة حرمة الحلق المضاف الى غير الرأس منهما وهما مشتركتان في ذلك وغيرهما من الروايات الدالة على ذلك.

   وامّا ما يدلّ على حرمة غير عنوان الحلق ايضاً من العناوين الاُخر فمثل صحيحة حريز التي عطف فيها القطع على الحلق وصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: من حلق رأسه أو نتف ابطه ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً، فلا شيء عليه، ومن فعله متعمداً فعليه دم(2).

   ولايخفى ان صاحب الوسائل أورد هذه الرواية بصورة أربع روايات في باب واحد مع انه من الواضح وحدتها.

   وصحيحة معاوية بن عمّار قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم كيف يحكّ رأسه؟ قال باظافيره مالم يدم أو يقطع الشعر(3). والوجه في لزوم الحكّ بالاظافير عدم تحقق تغطية الرأس التي هي من محرّمات الاحرام من دون فرق بين الجميع وبين البعض وكذا بين الستر باعضاء البدن أو بأشياء اُخر.

   ورواية عمر بن يزيد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لا بأس بحكّ الرأس واللحية مالم يلق الشعر ويحكّ الجسد مالم يدمه(4). ولكنها ضعيفة بمحمد بن عمر بن يزيد.

   وموثقة الهيثم بن عروة التميمي قال سأل رجل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يريد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح5.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب العاشر، ح1.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح1.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح2.


(167)

. . . . . . . . . . .

اسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو شعرتان فقال: ليس بشيء ما جعل عليكم في الدين من حرج(1). فان السؤال في نفسه يدلّ على مفروغية حرمة الإزالة اختياراً وان مورد الشبهة هو السقوط من غير اختيار في حال الوضوء والجواب ظاهر في ان الدافع للحرمة هو الحرج غير المجعول في الشريعة ولولاه لكانت باقية بقوّتها.

   وكذا الروايات الدالّة على ثبوت الكفارة مثل صحيحة معاوية بن عمار قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) المحرم يعبث بلحيته فيسقط منها الشعرة والثنتان قال: يطعم شيئاً(2). وغير ذلك من الروايات المتعددة الواردة في الكفارة.

   والمستفاد من جميع ما ذكرنا حرمة الإزالة سواء كانت بنحو الحلق أو النتف أو القطع أو الالقاء أو غيرها كالقصّ واستعمال النورة وحتى مثل الاحراق كما انه يستفاد مما ذكرنا انه لا فرق بين الرأس واللحية والأبط ومكان الحجامة وغيرها من سائر اعضاء البدن.

   بقي الكلام فيما أفاده في المتن في الذيل بقوله: سواء كانت الإزالة عن نفسه أو غيره ولو كان محلّلاً فنقول:

   امّا اذا كان الغير محلاًَّ فهو وان كان محلّ خلاف من حيث الجواز وعدمه حيث انّ المحكى عن الشيخ (قدس سره) في الخلاف الجواز في التهذيب عدم الجواز إلاّ انه قد ورد فيه رواية صحيحة رواها الكليني والشيخ عن معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لايأخذ المحرم من شعر الحلال(3). وروى في الوسائل رواية اُخرى مرسلة معتبرة عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح6.

(2) ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح2 .

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والستون، ح1.


(168)

   مسألة 28 ـ لابأس بإزالة الشعر للضرورة كدفع القملّة وايذائه للعين ـ مثلاً ـ الصدوق قال: قال (عليه السلام) لايأخذ الحرام من شعر الحلال(1). ولكن الظاهر عدم كونها رواية اُخرى بل اتحادها مع الرواية الاولى كما ان الظاهر ان المراد من الأخذ المنهي عنه أو المنفي الذي تكون دلالته على الحرمة أقوى من النهي معناه الكنائي الذي يرجع الى الازالة. وعليه فلا مجال للاشكال في الدلالة على الحرمة بالاضافة الى المحل.

   وامّا بالنسبة الى المحرم الذي نفي في الجواهر الخلاف بل الاشكال في عدم جوازه بل حكى عن المدارك الاجماع عليه، فالدليل عليه هي الاولوية القطعية لأنه لا مجال لاحتمال كون الحكم في المحلّ أشدّ من المحرم.

   ولكن ذكر بعض الاعلام (قدس سرهم) انه يمكن الاستدلال له بوجه آخر وهو ان الحكم اذا كان عامّاً شاملاً لافراد قد يفهم منه عرفاً عدم جواز التسبيب اليه ايضاً وعدم اختصاصه بالمباشرة نظير ما اذا قال المولى لعبيده لا تدخلوا عليّ في هذا اليوم، فان المتفاهم من ذلك، عدم جواز ادخالهم الغير ايضاً وان هذا الفعل مبغوض من كلّ احد ولا يختص بالمباشرة ودخول العبيد أنفسهم.

   والظاهر انّ هذا هو مراد صاحب الجواهر حيث استدلّ بعد الاجماع بقوله مضافاً الى ما يفهم من الأدلة من عدم جواز وقوع ذلك من أيّ مباشر كان.

   ومقتضى كلاهما عدم جواز تحقق الإزالة من المحلّ بالنسبة الى المحرم أيضاً، والظاهر انه لايقول به أحد مع ان مرجع التسبيب الى مدخلية المحرم الذي يؤخذ من شعره في تحقق الإزالة والمدعى حرمتها ولو كان المحرم المأخوذ عنه نائماً أو غافلاً فتدبّر فالظاهر انه لا محيص عن الرجوع الى الاولوية المذكورة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والستون، ح2.


(169)

ولابأس بسقوط الشعر حال الوضوء أو الغسل بلا قصد الإزالة [1].

   [1] في هذه المسألة فرعان:

   الفرع الاوّل: جواز إزالة الشعر للضرورة من حيث الحكم التكليفي قال في الجواهر: «بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه.

   ويدلّ على الجواز قوله تعالى بعد النهي عن حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محلّه «فمن كان مريضاً أو به اذى من رأسه ففدية» فانّ مدلوله المطابقي وان كان هو ثبوت الفدية بالاضافة الى المريض أو من به اذى من رأسه إلاّ ان مراده ارتفاع الحرمة بذلك وثبوت الفدية فنفس الآية تدلّ على الجواز في حال الضرورة في مورد حلق الرأس الذي هو المصداق الكامل لإزالة الشعر ففي ساير الموارد يكون بطريق أولى.

   مع انّ مقتضى قاعدة نفي الحرج ايضاً ذلك ولكنه مع ذلك قد ورد في الروايات المتعددة التي بعضها واردة في شأن نزول الآية ما يدل على الجواز.

   ففي صحيحة حريز التي رواها الشيخ عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)على كعب بن عجرة الانصاري والقمل يتناثر من رأسه «وهو محرم» فقال أتؤذيك هَوامّك؟ فقال: نعم، قال فانزلت هذه الآية: «فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك»، فأمره رسول الله بحلق رأسه، وجعل عليه الصيام ثلاثة أيام والصدقة على ستّة مساكين لكل مسكين مُدّان، والنسك شاة قال: وقال ابو عبدالله (عليه السلام) وكل شيء في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، وكل شيء في القرآن «فمن لم يجد فعليه كذا» فالأول بالخيار(1). يعني لابد وان يختار الاوّل ابتداءً ومع عدم وجدانه ينتقل الى الثاني وهكذا بخلاف ما اذا كان بصورة العطف باو فانه مخيّر من اوّل الأمر بين الطرفين أو الاطراف هذا ولكن في اتصاف سند الرواية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع عشر، ح1.


(170)

. . . . . . . . . . .

بالصحة اشكالاً من جهة انّ الشيخ وان كان رواها عن حريز بطريق صحيح وهو عن الامام (عليه السلام)من دون واسطة لكن الكليني رواها بعينها من دون فرق إلاّ في عدم ثبوت الباء في قوله في آخر الرواية بالخيار عن حريز عمن أخبره عن ابي عبدالله (عليه السلام) وعليه فالرواية من هذا الطريق تكون مرسلة وحيث انّ الرواية واحدة والراوي لها هو حريز ونقله مردّد بين الارسال وغيره فلا تتصف الرواية بالاعتبار والحجّية لأن موضوعها الرواية المسندة الصحيحة ـ مثلاً ـ وهذا الموضوع غير محرز في المقام.

   نعم لو كان الراوي متعدداً لم يقدح ارسال احداهما في صحة الاُخرى، كما انه لو كانت رواية الصدوق لها في المقنع بنحو الإرسال من قبيل المرسلات المعتبرة التي أشرنا اليها مراراً لكانت معتبرة لكن لايحضرني فعلاً كتاب المقنع حتى اراجعه، مع انّك عرفت انه لا حاجة الى الرواية اصلاً بعد دلالة الآية بوضوح على ارتفاع الحرمة لمن كان مريضاً أو به اذى من رأسه، مضافاً الى قاعدة نفي الحرج وان كانت قاعدة نفي الضرر محلّ خلاف واشكال.

   الفرع الثاني: انه لابأس بسقوط الشعر حال الوضوء أو الغسل مع عدم قصد الإزالة ويدلّ عليه مضافاً الى قاعدة نفي الحرج، موثقة الهيثم بن عروة التميمي، قال: سأل رجل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يريد اسباغ الوضوء فتسقط من لحيته الشعرة أو شعرتان فقال: ليس بشيء، ماجعل عليكم في الدين من حرج(1). ومن الواضح انه لا فرق بين الوضوء والغسل كما ان الظاهر انه لا فرق بين الوضوء الواجب على تقدير وجوبه وبين الوضوء المستحب وكذا في باب الغسل والاستدلال في الرواية على عدم الحرمة بقاعدة نفي الحرج لايوجب الانحصار بالوضوء والغسل الواجبين كما لايخفى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح6.


(171)

   مسألة 29 ـ كفّارة حلق الرأس ان كان لغير ضرورة شاة على الأحوط بل لايبعد ذلك، و لو كان للضرورة اثنا عشر مدّاً من الطعام لستة مساكين لكل منهم مدّان، او دم شاة او صيام ثلاثة ايام، والأحوط في إزالة شعر الرأس بغير حلق، كفارة الحلق [1].

   [1] الكلام في هذه المسألة يقع في اُمور:

   الأمر الاوّل: كفارة حلق الرأس في حال الاختيار وعدم الضرورة. والمشهور بل ربما يستظهر من المنتهى، الاجماع على عدم الفرق في الفدية التي تدلّ عليها الآية الشريفة وهي المخيّرة بين الاُمور الثلاثة، بين الضرورة وغيرها وفي كلام المحقّق اطلاق الحكم حيث قال: «الخامس حلق الشعر وفيه شاة أو اطعام عشرة مساكين لكل منهم مدّ وقيل ستّة لكل منهم مدّان أو صيام ثلاثة أيام».

   والتحقيق انّ الآية الشريفة لا تدلّ على ثبوت الكفارة في حلق الرأس اختياراً وثبوتها في صورة الضرورة لا تستلزم الثبوت في صورة الاختيار فضلاً عن الدلالة بصورة الاولوية وعلى تقدير الدلالة لا دلالة لها على وحدة الكفّارتين وعدم ثبوت المغايرة في البين فلابد في استفادة كفارة صورة الاختيار من الرجوع الى ما يدلّ عليه من الروايات وإلاّ فالآية والروايات الواردة في تفسيرها وبيان شأن نزولها قاصرة عن بيان كفارة الاختيار، فانظر الى صحيحة زرارة عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال اذا أحصر الرجل فبعث بهديه فآذاه رأسه قبل ان ينحر هديه فانه يذبح شاة في المكان الذي احصر فيه أو يصوم أو يتصدق على ستّة مساكين، والصوم، ثلاثة ايام، والصدقة، نصف صاع لكل مسكين.

   وتؤيدها رواية حريز المتقدمة المرددة بين المسندة الصحيحة والمرسلة.

   وكيف كان فالذي يمكن ان يستدلّ به لحكم صورة الاختيار صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: من حلق رأسه أو نتف ابطه ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً، فلا شيء


(172)

. . . . . . . . . . .

عليه، ومن فعله متعمداً فعليه دم(1).

   فان الظاهر بقرينة المقابلة سيما مع الجاهل ان المراد بالمتعمد ليس هو الملتفت القاصد فقط بل هو مع عدم المشروعية في حقّه فتدلّ على ثبوت الدم في الحلق الاختياري غير المشروع والظاهر ان ثبوت الدم انّما هو بعنوان التعين لا بعنوان أحد الاُمور الثلاثة المخيّرة.

   والظاهر اتّحاد هذه الرواية مع الرواية التي جعلت رواية اُخرى لزرارة قال سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف ابطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء، ومن فعله متعمّداً فعليه دم شاة(2).

   وعلى ما ذكرنا يظهر اختلاف الصورتين من جهة الكفارة فان كان هناك اجماع على الاتحاد، فلابدّ من الأخذ به وان لم يكن كما هو الظاهر، فمقتضى الدليل عدم الاتحاد، ولأجله نفي البعد في المتن عن ثبوت الدم في صورة الاختيار في المتن.

   الأمر الثاني: كفارة حلق الرأس في صورة الضرورة وصريح الآية ثبوت الكفارة المخيرة فيه بين الصيام والصدقة والنسك ولا اشكال ولا خلاف في ان الصيام ثلاثة أيام وان المراد بالنسك هي الشاة وامّا الصدقة فالأشهر في الرواية والفتوى كما في الجواهر حاكياً عن كشف اللثام ما في المتن من كون الصدقة على ستّة مساكين لكل مسكين مدان ويدلّ عليه مضافاً الى رواية حريز المتقدمة المرددة بين المسندة والصحيحة، صحيحة زرارة على نقل الشيخ في التهذيب عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال اذا احصر الرجل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب العاشر، ح10.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.


(173)

. . . . . . . . . . .

فبعث بهديه فاذاه رأسه قبل ان ينحر هديه فانه يذبح شاة في المكان الذي احصر فيه أو يصوم أو يتصدق على ستة مساكين والصوم ثلاثة أيام والصدقة نصف صاع لكل مسكين(1).

   لكن في مقابلها مرسلة الصدوق المعتبرة قال مرّ النبي (صلى الله عليه وآله) على كعب بن عجرة الانصاري وهو محرم وقد أكل القمل رأسه وحاجبيه وعينيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)ماكنت أرى ان الأمر يبلغ ما أرى فأمره فنسك نسكاً لحلق رأسه لقول الله عزوجل فمن كان منكم مريضاً أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فالصيام ثلاثة أيام والصدقة على ستة مساكين لكل مسكين صاع من تمر(2). قال روى مدّ من تمر والنسك شاة لايطعم منها أحداً إلاّ المساكين(3).

   هذا ولكن حيث ان الظاهر انه لم يقل أحد من الأصحاب بالصدقة على ستة مساكين لكل مسكين صاع الذي هو أربعة أمداد فاللازم طرح المرسلة وان كانت في نفسها معتبرة.

   هذا وظاهر عبارة الشرايع المتقدمة ترجيح اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مدّ ولعلّ مستنده رواية عمر بن يزيد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: قال الله تعالى في كتابه: «فمن كان منكم مريضاً أو به اذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك» فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لاينبغي للمحرم اذا كان صحيحاً فصيام ثلاثة أيام والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم وانّما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع عشر، ح3.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع عشر، ح4.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع عشر، ح5.


(174)

. . . . . . . . . . .

عليه واحد من ذلك(1) بنائ على كون المدّ ملازماً غالباً للاشباع. ولكن الرواية ضعيفة سنداً بمحمد بن عمر بن يزيد ودلالة حيث ان مفادها جواز الأكل من الشاة بل وجوبها مع ان الظاهر عدم جواز الأكل من الكفارة كما يدلّ عليه ذيل مرسلة الصدوق المعتبرة، فلا مجال للأخذ بها. ولكن الشيخ حملها على التخيير في كمية الاطعام بين ان يطعم ستّة مساكين لكل مسكين مدّان وبين ان يطعم عشرة يشبعهم.

   وعن النافع التخيير بين عشرة امداد لعشرة واثني عشر لستّة، وعن النهاية والمبسوط الاحتياط باطعام عشرة وعن المختلف الاحوط الستّة لكل واحد مدان، وعن المقنعة والنهاية والمبسوط والسرائر ستّة امداد لستّة ويدلّ عليه ذيل مرسلة الصدوق حيث قال وروى مدّ من تمر.

   ولكن بعد الاحاطة بما ذكرنا يظهر انه لامحيص عن الأخذ بما في المتن لصحة مستنده ووجوه الشهرة على طبقه بل قال في الجواهر لا ريب في ان الأقوى الستّة لكل واحد مدان.

   الأمر الثالث: هل في إزالة شعر الرأس بغير الحلق كالنتف أو النورة أو الاحراق كفارة أم لا ظاهر المحكّى عن التذكرة ان المراد بالحلق مطلق الإزالة كما وقع التعبير بها من بعضهم ولا يبعد الالتزام به لأنّ العرف لايرى لعنوان الحلق المضاف الى الرأس خصوصية وان كانت الخصوصية بلحاظ المضاف اليه وهو الرأس متحققة ولذا عطف نتف الابط على حلق الرأس في بعض الروايات الواردة في الكفارة. والظاهر ان المغايرة التي يدلّ عليها العطف من جهة المضاف اليه لا من جهة المضاف، وعليه فالأحوط لو لم يكن ثبوت كفارة الحلق في الإزالة من دون فرق بين صورتي الاختيار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الرابع عشر، ح2.


(175)

. . . . . . . . . . .

والاضطرار.

   كما انّ تحريم الحلق على المحرم مع ملاحظة انّ حلق الرأس لايكاد يمكن ان يتحقق من نفس الشخص بالمباشرة نوعاً يرشد الى ان مجرد الاضافة اليه ولو بالرّضا أو الاستيجار ونحوهما، يكفي في تحقق المحرم وان لم يكن هو المباشر ولأجله يصدق هذا العنوان على من حلق رأسه كذلك نعم لايصدق لو حلق رأسه في صورة النوم والاغماء ونحوهما كما ان ثبوت الحرمة للمحرم بالاضافة الى رأس نفسه يقتضي عدم الثبوت على الحالق سواء كان محرماً أو محلاًّ كما انه لاتثبت للمحرم فيما اذا حلق رأس غيره وعليه فلا كفارة ايضاً.

   ثم انّ الظاهر ان الحلق الموجب للكفارة هو حلق جميع الرأس أو ما يصدق عليه عرفاً حلق الرأس فلو أبقى جزءً يسيراً منه بحيث لايقدح في صدق حلق الرأس يكفي في تحقق موضوع الحرمة وثبوت الكفارة.

   امّا فيما اذا حلق نصف الرأس ـ مثلاً ـ ففي الجواهر: امكن القول بوجوب دم عليه اذا كان مساوياً لنتفه الابط أو أزيد وان كان لايخلو من نظر ثم حكى عن المنتهى انه قال: والكفارة عندنا تتعلق بحلق جميع الرأس أو بعضه قليلاً كان أو كثيراً لكن يختلف ففي حلق الرأس دم وكذا فيما يسمّى حلق الرأس وفي حلق ثلاث شعرات صدقة بمهما كان.

   أقول ان ثبوت الكفارة في حلق الرأس وفي نتف الابطين والأبط الواحدة وفي سقوط شعرة أو أزيد اذا مسّ لحيته أو رأسه كما يأتي البحث في الاخيرتين في المسألة الآتية انشاء الله تعالى وان كان يؤيد ثبوتها في حلق الرأس غير ما يصدق عليه حلق الجميع عرفاً ايضاً إلاّ ان الاقتصار على مقتضى الدليل يقتضي عدم الثبوت خصوصاً مع


(176)

   مسألة 30 ـ كفارة نتف الابطين شاة، والاحوط ذلك في نتف احداهما، واذا مسّ شعره فسقط شعرة أو أكثر فالأحوط كف طعام يتصدق به [1].

ملاحظة ان نتف بعض الابط لايترتب عليه كفارة كما صرّح به صاحب الجواهر (قدس سره)وعليه فمقتضى القاعدة عدم ثبوت شيء وان كان الاحتياط في خلافه.

   [1] الكلام في هذه المسألة يقع في أمرين:

   الأمر الاوّل: في كفارة نتف الابط والمعروف انه لو نتف أحد ابطيه اطعم ثلاثة مساكين ولو نتفهما لزمه شاة، بل قال في الجواهر: بلا خلاف أجده في الثاني منهما بل والاوّل إلاّ من بعض متأخري المتأخرين.

   والروايات الواردة في هذا الأمر ثلاث:

   احدهما صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال من حلق رأسه أو نتف ابطه ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً فلا شيء عليه ومن فعله متعمداً فعليه دم(1).

   ثانيتها مارواه الشيخ في التهذيب بطريق صحيح عن حريز عن ابي عبدالله (عليه السلام)(ابي جعفر خ ل) قال: اذا نتف الرجل ابطيه بعد الاحرام فعليه دم(2). قال في الوسائل بعد النقل المزبور ورواه الصدوق باسناده عن حريز مثله إلاّ انه قال: ابطه بغير تثنية.

   ثالثتها رواية عبدالله بن جبلة عن ابي عبدالله (عليه السلام) في محرم نتف ابطه قال: يطعم ثلاثة مساكين(3).

   وعبدالله من رجال كامل الزيارات فهو موثق بالتوثيق العام وهو حجّة اذا لم يعارضه قدح خاص وتضعيف كذلك مع انّه على تقدير الضعف يكون منجبراً بفتوى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب العاشر، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الحادي عشر، ح1.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الحادي عشر، ح2.


(177)

. . . . . . . . . . .

المشهور على طبقه والاستناد اليه حيث انّ اطعام ثلاثة مساكين لايوجد في غير هذه الرواية.

   ثمّ انّ التحقيق في الجمع بين الروايات ان يقال انه تارة يفرض كون صحيحة حريز مشتملة على حكم نتف الابطين كما في نقل الشيخ (قدس سره) واخرى يفرض كونها مشتملة على حكم نتف الابط بصورة الافراد دون التثنية كما في نقل الصدوق الذي هو أضبط من الشيخ كالكليني.

   فعلى التقدير الاوّل تكون صحيحة حريز دالة على ثبوت الدم في نتف الابطين ولا تنافيها صحيحة زرارة الدالة على ثبوت الدم في مطلق النتف سواء تعلق بابط واحدة أو بابطين إذ ليس لصحيحة حريز مفهوم من جهة العدد بل مطلقاً على ما حققناه في محلّه من بحث المفاهيم. نعم تنافيها رواية ابن جبلة، تنافي الاطلاق والتقييد، فيقيد اطلاقها بالصحيحة.

   واما بالاضافة الى نتف ابط واحدة فالمعارضة واقعة بين صحيحة زرارة الظاهرة في تعين الدم وبين رواية ابن جبلة الظاهرة في تعيّن اطعام ثلاثة مساكين، فيرفع اليد عن ظهور كلتيهما بصراحة الاُخرى في جواز الاقتصار على مفادها، وعليه فاللازم هو القول بالتخيير في نتف ابط واحدة بين الدم وبين الاطعام.

   والعجب من بعض الاعلام (قدس سره) حيث انه بعد ان جعل مقتضى الجمع هو الحمل على الوجوب التخييري قال: وبما ان الأمر دائر بين التعيين والتخيير فمقتضى الاحتياط هو التعيين بوجوب الشاة فالاكتفاء عنها بالاطعام مما لا وجه له وخلاف الاحتياط. وذلك لأنّ اصالة الاحتياط الجارية في مورد الدوران بين التعيين والتخيير انّما يكون مجريها صورة الشك بينهما كما لو فرض العلم اجمالاً في يوم الجمعة بان الواجب امّا


(178)

. . . . . . . . . . .

خصوص صلاة الجمعة وامّا التخيير بينها وبين صلاة الظهر فمقتضى اصالة الاحتياط الاتيان بصلاة الجمعة وامّا في المقام فلايكون شك في البين بعد كون مقتضى الجمع بين الدليلين هو الحمل على التخيير ولو فرض ثبوت الشك بلحاظ الفتاوى فقد عرفت ان الشهرة المحققة انما هي على الاطعام في نتف الابط الواحدة فلا يكون مقتضى الاحتياط هو الدم.

   وعلى التقدير الثاني الذي يكون مورد جميع الروايات نتف الابط بصورة الافراد فاللازم حمل الصحيحتين على نتف الابطين لأنه مضافاً الى كون الغالب في نتف الابط هو نتفهما لا نتف واحدة منهما ان العلم بثبوت الدم في نتف الابطين على نحو التعيّن كما عرفت انه لا خلاف فيه يقتضي حمل رواية عبدالله بن جبلة على نتف الواحدة وحمل الاخريين على نتف الابطين فينطبق على ما هو المشهور من التفصيل.

   ثم انّه على تقدير الشك في كون صحيحة حريز واردة في مورد المفرد أو التثنية يدور الأمر في نتف الواحدة بين تعيّن الاطعام وبين التخيير وبينه وبين الدم ومقتضى اصالة الاحتياط في دوران الامر بين التعيين والتخيير هو الأخذ بالاطعام دون الدم.

   الأمر الثاني: في مسّ الشعر الموجب لسقوط شعرة أو أزيد قال في الشرايع: ولو مسّ لحيته أو رأسه فوقع منهما شيء أطعم كفّاً من طعام واضاف اليه في الجواهر قوله: كما في النافع والقواعد ومحكى الغنية والسرائر بل في المدارك نسبته الى قطع الاصحاب بل عن ظاهر المنتهى والتذكرة الاجماع عليه.

   والروايات الظاهرة في ثبوت الكفارة فيه كثيرة قد جمعها صاحب الوسائل في الباب السادس عشر من ابواب بقيّة كفارات الاحرام:

   منها صحيحة منصور عن ابي عبدالله (عليه السلام) في المحرم اذا مسّ لحيته فوقع منها


(179)

. . . . . . . . . . .

شعرة قال: يطعم كفّاً من طعام أو كفين(1).

   ومنها صحيحة معاوية بن عمّار قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) المحرم يعبث بلحيته فيسقط منها الشعرة والثنتان قال: يطعم شيئاً(2). وهذه قرنية على عدم لزوم مقدار الكف ايضاً.

   ومنها رواية الحسن بن هارون قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) اني اولع بلحيتي وانا محرم فتسقط الشعرات، قال: اذا فرغت من احرامك فاشتر بدرهم تمراً وتصدّق به فان تمرة خير من شعرة(3).

   ومنها غير ذلك من الروايات الدالة على لزوم التصدّق بكف من طعام أو كف من سويق أو بكفّ من كعك أو سويق أو لزوم ان يطعم مسكيناً في يده.

   احداهما رواية جعفر بن بشير والمفضل بن عمر قال: دخل السّاجبي على ابي عبدالله (عليه السلام) فقال: ما تقول في محرم مسّ لحيته فسقط منها شعرتان؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام)لو مسست لحيتي فسقط منها عشر شعرات ما كان عليّ شيء(4).

   والرواية بهذا السند لا مجال للمناقشة فيها من حيث السنّد لأنّ منشأ المناقشة وجود المفضل فيه مع انه على هذا التقدير يكون نقل الرواية مشتركاً بينه وبين جعفر بن بشير الذي هو ثقة.

   لكن المحكّى عن التهذيب جعفر بن بشير عن المفضل بن عمر ويؤيده انه على تقدير التعدد لكان اللاّزم ان يقول: قالا مكان قال مع ان اختلاف طبقتهما يقتضي عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح2.

(3) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح3.

(4) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح3.


(180)

   السابع عشر: تغطية الرجل رأسه بكلّ ما يغطّيه حتى الحشيش والحناء والطين ونحوها على الاحوط فيها، بل الأحوط ان لايضع على رأسه شيء (شيئاً ظ) ويغطي به رأسه، وفي حكم الرأس بعضه، والاذن من الرأس ظاهراً فلا يجوز تغطيته، ويستثنى من الحكم عصام القربة كما انه يستثنى منه عصابة الصداع [1].

كونهما روايين عن امام واحد و ـ ح ـ ان قلنا بضعف المفضل فالرواية ساقطة عن درجة الاعتبار ولا تصلح لمعارضة ما تقدم من الروايات وان قلنا بوثاقته كما هو الظاهر ويؤيده كتاب توحيده المعروف فلابد ـ ح ـ من الجمع بينهما وبينه وسيأتي وجهه.

   ثانيتهما رواية ليث المرادي قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن رجل يتناول لحيته وهو محرم يعبث بها فينتف منها الطاقات يبقين في يده خطاءاً أو عمداً فقال لايضرّه(1). والرواية ضعيفة بمفضل بن صالح مع ان ظاهرها عدم الاضرار في صورة العمد ايضاً مع وضوح ترتب العقاب واستحقاقه في هذه الصورة.

   ومع قطع النظر عن ذلك يكون مقتضى الجمع هو حمل الروايات المتقدمة على الاستحباب خصوصاً مع ملاحظة الاختلاف بينهما ايضاً على ما عرفت ولكن الاحتياط الوجوبي التصدق بكف من طعام كما في المتن.

   ثم ان مورد هذه المسألة ما اذا لم يكن ذلك في حال الوضوء أو الغسل وإلاّ فقد عرفت في بعض المسائل السابقة انّه لا كفارة في سقوط الشعرة أو أزيد في احدى الحالتين وورد فيه رواية دالة على الجواز مستدلّة بآية نفي الحرج.

   [1] في هذا الأمر جهات من الكلام:

   الجهة الاولى: في أصل الحكم بنحو الاجمال وكون تغطية الرجل رأسه في الجملة من محرمات الاحرام وفي الجواهر بعد المتن: بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب السادس عشر، ح8 .


(181)

. . . . . . . . . . .

عليه، بل عن التذكرة والمنتهى اجماع العلماء عليه بل النصوص فيه مستفيضة حدّ الاستفاضة ان لم تكن متواترة، ومراده من التواتر الذي احتمله هو التواتر المعنوي أو الاجمالي الذي يرجع الى العلم بصدور بعض الروايات الواردة في هذا المجال ولا بأس بنقل بعضها فنقول:

   منها صحيحة عبدالله بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: المحرمة لاتتنقب، لأن احرام المرأة في وجهها واحرام الرجل في رأسه(1).

   ووقوع هذه العبارة في مقام التعليل على النهي عن التغطية والتنقب للمرأة يرشد الى أمرين: احدهما حرمة تغطية الرأس على الرجل المحرم الذي هو المهم في هذه الجهة وثانيهما بيان المراد من هذه العبارة التي لولا وقوعها في مقام التعليل لكانت مجملة في نفسها، فان كون احرام المرأة في وجهها لامعنى له بعدما عرفت في البحث عن ماهية الاحرام من انّها امر اعتباري يعتبره الشارع عقيب النية فقط أو بضميمة التلبية، وهذا الأمر الاعتباري لايرتبط الى الوجه في المرأة والرأس في الرجل. نعم يحتمل ان يكون المراد هو استكشاف احرام الرجل والمرأة من هذا الطريق، وفيه ايضاً ما لايخفى، هذا ولكن وقوعها تعليلاً للنهي عن التغطية يبين المقصود منها وان المحرمة لايجوز لها تغطية وجهها والمحرم تغطيته رأسه.

   ومنها صحيحة حريز قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن محرم غطّى رأسه ناسياً قال: يلقي القناع عن رأسه، ويلبّي ولا شيء عليه(2). والسؤال فيها يدلّ على مفروعية حرمة التغطية عند السائل وان مورد شكّه ما اذا وقع نسياناً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح3.


(182)

. . . . . . . . . . .

   ومثلها صحيحة الحلبي انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يغطي رأسه ناسياً أو نائماً فقال يلبّي اذا ذكر(1). والمراد هي التغطية في حال النوم لا في حال ارادته والشروع فيه.

   ومنها صحيحة زرارة قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الرجل المحرم يريد ان ينام يغطّي وجهه من الذباب؟ قال: نعم ولا يخمّر رأسه، والمراد لا بأس ان تغطّي وجهها كلّه(2). والجملة الاخيرة محمولة على صورة الضرورة من جهة ايذاء الذباب أو ساقطة باعتبار كون مقتضى النص والفتوى عدم جواز تغطية المرأة وجهها.

   ومنها صحيحة عبدالله بن سنان قال سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول لأبي وشكى اليه حرّ الشمس وهو محرم وهو يتأذّى به فقال: ترى ان استتر بطرف ثوبي؟ قال لابأس بذلك مالم يصيبك رأسك(3). ومفادها حرمة اصابة الرأس ولو بعضه فضلاً عن الجميع.

   ومنها غير ذلك من الروايات وعليه فلا مجال للشبهة في أصل الحكم.

   الجهة الثانية: في عموم الحرمة لكلّ ما يغطّي الرأس حتى مثل الأشياء المذكورة في المتن وعدمه فنقول حكى في الجواهر عن تصريح غير واحد الاوّل وقال بل لا أجد فيه خلافاً بل عن التذكرة نسبته الى علمائنا.

   وفي المدارك بعد ان حكى التصريح المذكور عن العلامة وغيره قال وهو غير واضح لأنّ المنهيّ عنه في الروايات المعتبرة تخمير الرأس ووضع القناع عليه والستر بالثوب لا مطلق السّتر مع ان النهي لو تعلّق به لوجب حمله على ماهو المتعارف منه

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح6.

(2) ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح5 .

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والستون، ح4.


(183)

. . . . . . . . . . .

وهو السّتر بالمعتاد إلاّ ان المصير الى ما ذكروه أحوط، وتبعه في محكى الذخيرة وأورد عليه صاحب الجواهر (قدس سره) بقوله: «وفيه ـ مضافاً الى قوله (عليه السلام) ـ احرام الرجل في رأسه وغيره من الاطلاقات واستثناء عصام القربة وغير ذلك ـ ان النهي عن الارتماس في الماء وادخال الرّأس فيه ـ بناء على انه من التغطية أو بمعناها ولذا لايختص ذلك بالماء ـ ظاهر في عدم اعتبار المتعارف من السّاتر وكذا ما تسمعه من منع المحرمة تغطية وجهها بالمروحة بناء على انّها من غير المتعارف وعلى تساويهما في ذلك وان اختلف محلّ احرامهما بالوجه والرأس وغير ذلك ولعلّه لذا ونحوه كان الحكم مفروغاً منه عند الاصحاب بل ظاهر بعضهم الاجماع عليه بيننا».

   ويمكن دفع الايراد بانّ مثل قوله (عليه السلام) احرام الرجل في رأسه قد عرفت انه مع قطع النظر عن وقوعه تعليلاً للنهي عن تنقب المرأة المحرمة التي احرامها في وجهها لايمكن استفادة شيء منه ولايكون له مفهوم مبيّن ومعنى ظاهر، فلابد من ملاحظته مع الوصف المذكور ومن الظاهر انّه بهذه الملاحظة لا دلالة له على حرمة مطلق التغطية ولو بغير المتعارف بعد كون متعلق الحكم المعلل هو التنقب بالنقاب الذي يكون ستراً متعارفاً نعم مقتضى عموم التعليل عدم اختصاص الحكم بخصوص النقاب بل يشمل سائر اصناف الستر المتعارف.

   وامّا استثناء عصام القربة وعصابة الصداع فمن الواضح ان العصابة هي الثوب الذي يكون من الستر بالمتعارف وامّا عصام القربة فالنص وان دلّ على جوازه إلاّ ان كون عنوانه هو الاستثناء، الظاهر في الاستثناء المتصل، محل اشكال لعدم ورود هذا العنوان في الرواية بل ورد في مثل المتن ولا شاهد عليه.

   وامّا النهي عن الارتماس في الماء الذي قد ورد فيه الرواية الصحيحة فاستكشاف


(184)

. . . . . . . . . . .

حكم المقام منه وان دائرة التغطية المحرّمة واسعة، مبنى علي ثبوت امرين وهما عدم اختصاص حرمة الارتماس بخصوص الماء، بل يعمّ سائر المايعات وكون الارتماس من مصاديق التغطية وان الحرمة المتعلقة، انّما هي لأجل تحقق التغطية به وفي كلا الأمرين نظر خصوصاً الأمر الثاني وسيأتي البحث عنه في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى وقد ذكر المحقق في الشرايع بعد الحكم بحرمة التغطية: وفي معناه الارتماس وهو يشعر بل يدلّ على عدم كون الارتماس من مصاديق التغطية.

   نعم ما أفاده أخيراً من منع المحرمة تغطية وجهها بالمروحة يمكن الاستيناس به للتعميم وان كان يمكن المناقشة فيه ايضاً بانّ الظاهر كون المروحة ساتراً متعارفاً لوجه المرأة ولو في بعض الأحيان.

   وكيف كان فلم ينهض دليل على عمومية الحكم خصوصاً بعدما حكى عن التحرير والمنتهى من جواز التلبيد بان يطلي رأسه بعسل أو صمغ ليجتمع الشعر ويتلبّد فلا يتخلّله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يقع فيه الذبيب وقال: روى ابن عمر قال: «رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يهلّ ملبّداً» وحكاه في محكى التذكرة عن الحنابلة. وفي بعض رواياتنا الصحيحة اشعار بذلك، وانه كان معروفاً في السابق كما في الجواهر ومن الواضح ان التلبيد المذكور موجب لغطاء الرأس كلاًّ أو جلاًّ.

   وينقدح بملاحظة ما ذكرنا انه لا مجال للتفوى بالحكم بالعموم بل غايته الاحتياط الوجوبي كما في المتن.

   الجهة الثالثة: في حكم ما اذا حمل شيئاً على رأسه وكان الحمل ملازماً لتغطية الرأس كلاًّ أو بعضاً واللازم قبل البحث في هذه الجهة من البحث في ان تغطية بعض الرأس محرّمة فيما اذا كانت تغطية الكل كذلك كالثوب ونحوه والدليل عليه بعد عدم


(185)

. . . . . . . . . . .

شمول أدلّة حرمة تغطية الرأس لصورة تغطية البعض، لظهورها في تغطية الكلّ من دون ان يكون لها مفهوم، هي صحيحة عبدالله بن سنان المتقدمة الظاهرة في النهي عن الاستتار بطرف الثوب اذا أصاب رأسه لأن الإصابة أعمّ من تغطية الكلّ كما في سائر موارد استعمال هذه اللفظة كما في صحيحة زرارة المعروفة في باب الاستصحاب وحجّيته المذكورة في علم الاصول التي تكون مشتملة على سؤال زرارة بمثل قوله اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني... فانه من الظاهر ان الاصابة أعمّ من اصابة الجميع وكذلك في الموارد الاُخر، وعليه فاصابة طرف الثوب الرأس أعمّ من اصابته الجميع فالصحيحة ظاهرة في حرمة تغطية بعض الرأس ايضاً.

   اذا عرفت ذلك فاعلم انّ صاحب الجواهر (قدس سره) ذكر حمل المتاع أو الطبق أو نحوه في عداد الطين والدواء والحناء، وظاهره عدم وجدان الخلاف بل النسبة الى علمائنا كما في التذكرة فيه ايضاً وعليه فمقتضى ما ذكر عمومية الحكم لما اذا كان الحمل مستلزماً لستر بعض الرأس أيضاً.

   ولكنّه فصّل بعض الاعلام (قدس سرهم) في خصوص الحمل بين صورتي الكل والبعض وذكر في وجهه ما ملخّصه: «ان حمل الشيء على رأسه اذا كان ساتراً لجميع رأسه وتمامه كحمل الحشيش ونحوه فلا كلام في المنع لشمول الاطلاقات المانعة لذلك بعدما عرفت من انه لا خصوصية لنوع من انواع الساتر، واما اذا كان موجباً لتغطية بعض الرأس كحمل الطبق والكتاب فلا دليل على المنع لأنّ ما دلّ على المنع من اصابة بعض الرأس انّما يدلّ عليه في خصوص ما اذا كان الستر ولو ببعض الرأس مقصوداً وامّا اذا لم يكن قاصداً لستر الرأس بل كان قاصداً لأمر آخر وذاك يستلزم الستر فلا يكون مشمولاً، فالذي يستفاد من النص ان يكون الستر مقصوداً في نفسه وامّا المطلقات فالمستفاد


(186)

. . . . . . . . . . .

منها عدم جواز ستر تمام الرأس والحاصل انه لو كنّا نحن والمطلقات فقط فلا دليل على منع ستر بعض الرأس وانّما منعنا عنه لخصوص صحيحة عبدالله بن سنان والمستفاد منها ان يكون الستر بنفسه مقصوداً لكن حيث ان المشهور حكموا بالمنع فلا ينبغي ترك الاحتياط».

   ويردُ عليه اوّلاً ان شمول المطلقات لصورة الحمل محل نظر بل منع وان قلنا بشمولها لمثل الستر بالحشيش والطين والحناء لما أفاده من الظهور فيما اذا كان الستر مقصوداً ومتعلقاً للإرادة بنفسه من دون فرق بين مثل الثوب وبين الاُمور المذكورة وهذا ليس لأجل كون الستر من العناوين القصدية التي يعتبر في تحققها القصد اليها كعنواني التعظيم والتوهين، ضرورة ان مثل عنوان الستر لايكون من العناوين القصدية بوجه بل لأجل كون المتفاهم العرفي من المطلقات ما اذا تعلّق القصد بالستر والاستتار والتنقب في المرأة والخمار على الرأس في الرجل بل وبالستر بالحشيش ونحوه على تقدير التعميم وعليه فدعوى كون المطلقات شاملة لصورة الحمل مع عدم تعلق الغرض إلاّ به لا بالستر الذي يكون ملازماً للحمل ممنوعة جدّاً.

   وثانياً انه على تقدير شمول المطلقات لصورة الحمل فالتفصيل بين الكل والبعض في غاية الاشكال ضرورة ان التعبير الوارد في صحيحة عبدالله بن سنان ليس هو السّتر حتى يقال بطهوره فيما اذا كان مقصوداً بنفسه بل التعبير انّما هو بإصابة طرف الثوب رأس الرجل ومن الواضح ان الاصابة لايعتبر فيها القصد اصلاً وبعبارة أوضح ان عبارة السؤال وان كانت مشتملة على الاستتار المضاف الى الرجل المحرّم لكن المنهي عنه في الجواب هو عنوان الاصابة المتحقق في الحمل كما هو واضح والظاهر انّه (قدس سره) قصّر النظر على عبارة السؤال ولم يدقّق في تعبير الجواب وعليه فلا مجال للتفصيل المذكور


(187)

. . . . . . . . . . .

بوجه بل الظاهر انه لو قلنا بشمول المطلقات للحمل ايضاً لايكون فرق فيه بين الكلّ والبعض لكن قد عرفت ان أصل الشمول محل نظر بل منع.

   الجهة الرابعة: في حكم تغطية الاذنين من حيث الحرمة وعدمها والكلام فيه تارة مع قطع النظر عن النصّ الوارد فيه واُخرى مع ملاحظته فنقول:

   امّا من الحيث الأوّل فقد ذكرنا في الشهيدين (قدس سرهما) في المسالك انّ الرأس ـ الذي نهى عن تغطيته للرجل المحرم في الروايات المتقدمة الواردة في أصل المسألة ـ عبارة عن منابت الشعر حقيقة أو حكماً وفرّع عليه عدم وجوب تغطية الاذنين وحكاه في المدارك عن جمع من الاصحاب، والمحكى عن ظاهر التذكرة والمنتهى التردّد في الاذنين لكن في التحرير الوجه دخولهما.

   والظاهر انّ البحث فيه من هذه الحيثية يقتضي المصير الى ما في المسالك فانّ اختصاص بعض اجزاء عضو واحد باسم مخصوص غير اسم نفس ذلك العضو كالرجل ـ  مثلاً ـ حيث ان لكل من ابعاضه اسماً مخصوصاً ومع ذلك يطلق الرجل على الجميع وان كان لا مانع منه إلاّ ان ذلك لايقتضي كون الاُذن بعضاً للرأس ومنطبقاً عليه هذا العنوان فانّ من ابتلى بمرض في الاذن لايقال عليه ان رأسه مبتلى بذلك المرض وعليه فلا دلالة للنصوص الناهية عن تغطية الرأس على النهي عن تغطية الاذن ايضاً فالحقّ في هذه الجهة مع صاحب المسالك، لكن يرد عليه، انّه لِمَ افتى بعدم وجوب تغطية الاذنين مع وجود النص الصحيح الدال عليها أي على حرمة التغطية.

   واما من الحيث الثاني، فالنصّ الوارد فيه هو ما رواه صفوان عن عبدالرحمن ـ الذي قد عرفت ان المراد به ابن الحجّاج الذي هو ثقة ـ قال سألت ابا الحسن (عليه السلام) ـ عن
. . . . . . . . . . .


(188)

المحرم يجد البرد في اُذنيه يغطيّهما؟ قال: لا(1). والجواب قرينةٌ على ان المراد بوجدان البرد فيهما ليس بمرحلة يبلغ حدّ الحرج والمشقة غير القابلة للتحمل عادة ضرورة انه في هذه الصورة يرتفع الحكم بالحرمة لقاعدة نفي الحرج.

   وهل المستفاد من الرواية ان النهي عن تغطية الاُذنين انّما هو لكونهما من ابعاض الرأس وتكون تغطيتها موجبة لتغطية بعض الرأس التي قد عرفت انّها ايضاً محرّمة كتغطية الكلّ أو انه لايستفاد من الرواية أزيد من حرمة تغطية الاذنين من دون ان تكون مرتبطة بحرمة تغطية الرأس بل يكون هذا حكماً آخر ومحرّماً مستقلاً من محرمات الاحرام، غاية الامر اشتراكه مع حكم تغطية الرأس في الاختصاص بالرجّل المحرم يظهر الاوّل من المتن بل ربما يظهر منه انه لولا النص، لكان الحكم فيهما الحرمة لانّهما جزء من الرأس.

   هذا ولكن الظاهر انه لا ظهور في الرواية بل لا اشعار فيها بالاحتمال الاوّل لا سؤالاً ولا جواباً بل ربما تكون ظاهرة في الاحتمال الثاني، ويؤيده انه لولا ذلك لكان اللازم حمل الرواية على بيان أمر تعبدي لايساعده اللغة والعرف لما عرفت من مغايرة عنوان الاذنين مع عنوان الرأس وعدم صحة توصيف الرأس بالوصف الذي يعرض الاذنين.

   وتظهر ثمرة الاحتمالين في تغطية بعض الاذن لو قلنا بشمول الرواية ودلالتها على حرمة تغطية اذن واحدة نظراً الى ما هو المتفاهم عند العرف من الرواية وان كان في استفادة ذلك منها نظر وتأمل فانه على تقدير كون حرمة تغطية الاذنين من شؤون حرمة تغطية الرأس لكان اللازم حرمة تغطية بعض اذن واحدة لعموم حرمة تغطية الرأس للكلّ والبعض.

. . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح1.


(189)

   وامّا على تقدير عدم الارتباط فلا يستفاد من الرواية الحرمة المذكورة لظهورها في حرمة تغطية الجميع كما انّك عرفت ان ادلّة حرمة تغطية الرأس لا دلالة لها في نفسها على حرمة تغطية البعض بل الدليل على العموم هي صحيحة عبدالله بن سنان المتقدمة الظاهرة في النهي عن اصابة الرأس والاصابة لا تختص باصابة الجميع كما مرّ.

   وتظهر الثمرة أيضاً في بعض المواضع الذي لايكون من الاذن ولا يكون منبتاً للشعر حقيقة أو حكماً كالموضع الواقع بين فوق الاذن وبين المنبت فانه على تقدير كون مفاد الرواية جزئية الاذنين للرأس لكان مفادها جزئية الموضع المذكور بطريق أولى فلا تجوز تغطيته ايضاً بخلاف ما اذا كان مفاد الرواية هو الاحتمال الآخر فانه لم ينهض دليل على حرمة تغطيته وقيام الدليل عليها في الرأس وفي الاذنين لايستلزم ثبوت الحرمة فيه وقد ذكر في الجواهر انه لم يجد من ذكر وجوب غير الاذنين زائداً على المنابت، وقال بل لعلّ السيرة ايضاً على خلافه.

   وكيف كان فلا دلالة للرواية على الارتباط بين الحكمين وان حرمة تغطية الرأس شاملة لحرمة تغطية الاذنين وعليه فالظاهر لايساعد ما في المتن.

   الجهة الخامسة: في الامرين اللذين استثناهما في المتن فنقول:

   الامر الاوّل: عصابة الصداع فانّها قد نفي البأس عنها في صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس بان يعصّب المحرم رأسه من الصّداع(1). والظاهر ان نفي البأس انّما هو بحسب الحكم الاولي لا بحسب الحكم الثانوي المستند الى قاعدة نفي الحرج وعليه فاللازم الحكم بثبوت الاستثناء بعد كون العصابة ثوباً داخلاً في أدلّة حرمة تغطية الرأس وعليه فلا مجال للاشكال في أصل الحكم وكذا في كونه بنحو
. . . . . . . . . . .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والخمسون، ح1.


(190)

التخصيص والاستثناء المتصل.

   الأمر الثاني: عصام القربة فقد روى الصدوق باسناده عن محمد بن مسلم انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يضع عصام القربة على رأسه اذا استسقى ؟ فقال: نعم(1).

   هذا وفي السند اشكال من جهة وجود علي بن أحمد بن عبدالله البرقي وكذا ابوه فيه وهما غير موثّقان لكن الظاهر ان كل من تعرّض لهذا الأمر حكم بجوازه واستند الى هذه الرواية وان لم يقع التعرّض له في مثل الشرايع وعليه فيمكن دعوى الانجبار فتدبّر.

   واما من جهة الدلالة فالحكم بالجواز المستفاد من الجواب وان كان ظاهره هو الجواز بحسب الحكم الاوّلي كما في الرواية السابقة إلاّ انه لا دلالة في الرواية
بل ولا اشعار فيها بكون الحكم انّما هو على سبيل الاستثناء من الأدلّة الناهية عن تغطية الرأس لما عرفت من الاشكال في شمول تلك الأدلّة للحمل نظراً الى عدم كون الغرض فيه متعلّقاً بالستر والتغطية وعليه فيمكن ان يكون الحمل جائزاً مطلقاً غاية الأمر
انّ مورد السؤال حيث كان هو عصام القربة كان الحكم بالجواز وارداً فيه من دون
ان يكون الاثبات فيه نافياً لغير مورده من موارد الحمل كحمل غير العصام أو الحمل المستلزم لستر جميع الرأس وعليه فالتعبير بالاستثناء كما في المتن لا شاهد عليه
اصلاً.

   هذا ولو لم نقل بحجيّة الرواية وقلنا بشمول الأدلّة الناهية للحمل ايضاً وعدم الاختصاص بالحمل المستلزم لستر جميع الرأس لكان الدليل على الجواز في خصوص عصام القربة للمستسقى هي السيرة المستمرة الى زماننا وعدم الانكار من ناحية الائمة عليهم الصلاة والسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والخمسون، ح1.


(191)

   مسألة 31 ـ لايجوز ارتماسه في الماء ولا غيره من المايعات، بل لايجوز ارتماس بعض رأسه حتى اُذنه فيما يغطّيه ولايجوز تغطية رأسه عند النوم فلو فعل نسياناً أزال فوراً ويستحبّ التلبية ـ ح ـ بل هي الأحوط، نعم لابأس بوضع الرأس عند النوم على المخدّة ونحوها، ولا بأس بتغطية وجهه مطلقاً [1].

   [1] في هذه المسألة ايضاً جهات من البحث:

   الجهة الاُولى: في حكم الارتماس وقد نفى وجدان الخلاف في حرمته اذا كان بالماء بل ذكر ان الاجماع بقسميه عليه، والاصل في ذلك، الروايات المتعددة الواردة في المقام.

   منها صحيحة عبدالله بن سنان قال سمعته يقول: لا تمسّ الريحان وانت محرم ولا تمسّ شيئاً فيه زعفران، ولا تأكل طعاماً فيه زعفران ولا ترتمس في ماء تدخل فيه رأسك(1).

   ومنها رواية حريز عن ابي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: ولا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم(2). وقد جعلها في الوسائل ثلاث روايات مع وضوح انّها رواية واحدة وحيث انّ حريز روى في احداها عمّن أخبره عن ابي عبدالله (عليه السلام) تسقط الرواية عن الحجية رأساً كما مرّ نظيره فيما تقدم.

   ومنها صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لايرتمس المحرم في الماء ولا الصائم(3).

   ومنها رواية اسماعيل بن عبدالخالق قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) هل يدخل الرجل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والخمسون، ح1، لكنه أورد جزءً منه في الباب 18، ح10.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والخمسون، ح 2ـ 3ـ 5.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والخمسون، ح4.


(192)

. . . . . . . . . . .

الصائم رأسه في الماء قال: لا ولا المحرم وقال: مررت ببركة بني فلان وفيها قوم محرمون يترامسون فوقفت عليهم فقلت لهم انكم تصنعون ما لا يحلّ لكم(1).

   وهل المستفاد من الروايات انّ حرمة الارتماس في الماء انّما هو لأجل كونه من مصادق تغطية الرأس أو انّ ظاهرها كونه محرّماً مستقلاً من محرمات الاحرام ولابد من الاقتصار فيه على خصوص ما هو مفادها.

   وتظهر الثمرة في الاختصاص بالرجل وعمومه لكلّ محرم وكذا في سعة دائرة الحرمة لغير الماء من الماء المضاف وساير المايعات وعدمها وكذا في سعتها لارتماس بعض الرأس وعدمها، فمقتضى الاحتمال الاوّل الاختصاص بالرجل والعموم من الجهتين الاخرتين ومقتضى الاحتمال الثاني انعكس لأن عنوان «المحرم» جنس صادق على المرأة المحرمة ايضاً وظاهر الروايات خصوص الارتماس في الماء كما ان ظاهرها ادخال جميع الرأس.

   ظاهر المتن تبعاً لصاحب الجواهر (قدس سره) هو الاوّل وربما يظهر من الشرايع ايضاً حيث انه جعل الارتماس في معنى التغطية وبمعناها وان تعرّض في باب الكفارات لخصوص الارتماس في الماء.

   هذا ولكن الظاهر هو الثاني خصوصاً مع عطف الصائم على المحرم مع انه لايكون الارتماس في المايعات محرّماً على الصائم نعم احتاطوا في الماء المضاف كما انه لايكن ارتماس بعض الرأس ولو في الماء بمحرّم على الصائم ولا دلالة، بل ولا اشعار في شيء من الروايات على ارتباط مسألة الارتماس بموضوع التغطية بوجه.

   ويؤيّد بل يدل على ما ذكرنا انّ مقتضى النصوص المتعددة والفتاوى بل في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والخمسون، ح6.


(193)

. . . . . . . . . . .

الجواهر نفي الاشكال والخلاف فيه، جواز غسل الرأس بافاضة الماء عليه، بل عن التذكرة الاجماع عليه ومن الواضح انّها تغطية لبعض الرأس ولو في زمان قليل ودعوى انه ليس تغطية ولا في معناها كما في الجواهر واضحة المنع.

   ومن الروايات، صحيحة حريز عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال اذا اغتسل المحرم من الجنابة صبّ على رأسه الماء يميّز الشعر بانامله بعضُه عن بعض(1).

   وصحيحة يعقوب بن شعيب قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يغتسل ؟ فقال: نعم يفيض الماء على رأسه ولا يدلكه(2). وحملها على التخصيص والاستثناء في غاية البعد.

   الجهة الثانية: في حكم تغطية الرأس عند النوم ففي المتن تبعاً للفتاوى عدم الجواز ويدلّ عليه ـ مضافاً الى اطلاق الروايات الناهية عن تغطية الرأس للرجّل المحرم الشاملة لحال ارادة النوم وعدم الاستفصال في بعضها ـ صحيحتان واردتان في هذا الغرض:

   احداهما صحيحة زرارة قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الرجل المحرم يريد ان ينام يغطّي وجهه من الذباب ؟ قال: نعم ولا يخمّر رأسه، والمرأة لابأس ان تغطّي وجهها كلّه(3). وقد وجهّنا ذيل الرواية سابقاً لكن هذا انّما هو على نقل الشيخ وامّا في نقل الكليني ففيه اضافة كلمة «عند النوم» في آخرها(4) ويجيء البحث في هذه الجهة في مسألة حرمة تغطية المرأة وجهها ان شاء الله تعالى.

   ثانيتهما: صحيحة الحلبي التي رواها الصدوق باسناده عنه انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والسبعون، ح2.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والسبعون، ح1.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح5.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والخمسون، ح1.


(194)

. . . . . . . . . . .

عن المحرم يغطّي رأسه ناسياً أو نائماً فقال: يلبّي اذا ذكر(1). ولا اشكال في كون المراد من قوله: أو نائماً ليس هي التغطية في حال النوم بل في حال ارادته ولولا الجواب لكان ظاهره التغطية كذلك في حال الالتفات والتوجه ولكن الجواب بملاحظة قوله (عليه السلام) اذا ذكر قرنية على كون المراد هي التغطية في حال ارادة النوم نسياناً كما لايخفى وعلى التقديرين تدلّ على الحرمة، غاية الأمر انه على أحد التقديرين تكون دلالتها بالمطابقة وعلى الثاني بالمفروغية عند السائل بالاضافة الى حال الذكر وتقرير الامام (عليه السلام) له.

   لكن في مقابلهما ما رواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبدالله عن موسى بن الحسن (الحسين خ ل) والحسن بن عليّ عن احمد بن هلال ومحمد بن ابي عمير واميّة بن عليّ القيسي عن عليّ بن عطية عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) في المحرم قال: له ان يغطي رأسه ووجهه اذا أراد أن ينام(2).

   وفي الجواهر بعد ان عبّر عنه بالخبر ووصفه بانّه لايكون جامعاً لِشرائط الحجية ذكر ان ما فيه مطرح أو محمول على حال التضرر بالتكشف أو على التغطية التي هي تظليل أو غير ذلك، ولكن الظاهر صحّة سند الرواية فان موسى بن الحسن بن عامر بن عمران الاشعري، ثقة وموسى بن الحسين وان كان مجهولاً إلاّ انّ الراوي في هذه الطبقة حيث يكون اثنين والحسن بن علي بن الفضال الذي هو الراوي الآخر ثقة لايقدح ضمّ المجهول اليه في اعتبار الرواية وحجيّتها، كما ان اشتراك الطبقة السابقة بين ثلاثة، أحدهم محمد بن ابي عمير الذي هو ثقة بلا ريب، لايكون قادحاً فيه، لما ذُكِرَ، وامّا علي بن عطية فهو الحناط الكوفي الثقة فلا ينبغي الاشكال في صحة الرواية والمناقشة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح6.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والخمسون، ح2.


(195)

. . . . . . . . . . .

فيها اصلاً، كما ان دلالتها على الجواز في صورة ارادة النوم ظاهرة بحيث لو لم يكن في مقابلها الصحيحتان المتقدمتان لكان اللازم الالتزام بتقييد المطلقات بهذه الرواية وجعل هذه الصورة مستثناة من أصل الحكم، لكن معارضتهما معها توجب الأخذ بهما لأن الشهرة الفتوائية التي هي اوّل المرجحات على ما اخترناه موافقة لهما، فاللازم الأخذ بهما دونها والجمع الدلالي بينهما غير ممكن وعلى ما ذكرنا فلا اشكال في الحكم.

   بقي الكلام في هذه الجهة في أمرين:

   أحدهما: لزوم رفع التغطية لو فعلها نسياناً بمجرد رفع النسيان فوراً لعدم اختصاص حرمتها بالابتداء بل تشمل الاستدامة ايضاً فاللازم الإزالة فوراً بمجرد التذكر ورفع النسيان.

   ثانيهما: ظاهر بعض الروايات الواردة في مورد النسيان كصحيحة الحلبي المتقدمة انفاً وصحيحة حريز قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن محرم غطيّ رأسه ناسياً قال: يلقي القناع عن رأسه ويلبّي ولا شيء عليه(1)، وجوب التلبية بعد القاء القناع وحصول التذكر لكن المحكّى عن المدارك وغيرها انه لا قائل بالوجوب وأورد عليه في الجواهر بان الوجوب محكّى عن ظاهر الشيخ وابني حمزة وسعيد.

   وكيف كان فلم يثبت اعراض المشهور عمّا يدلّ على الوجوب وعدم فهمهم الوجوب منه لايكون حجّة فالأحوط لو لم يكن أقوى هي رعاية التلبية كما في المتن.

   الجهة الثالثة: في انه يجوز وضع الرأس عند النوم على المخدّة والوسادة كما صرّح به جماعة والوجه فيه امّا عدم صدق التغطية والستر ولو بالاضافة الى بعض الرأس على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح3.


(196)

. . . . . . . . . . .

الوضع المذكور وامّا انصراف الأدلّة الناهيه عن ستر الرأس للرجل المحرم عن هذا النوع من الستر وتدلّ عليه السيرة القطعية المستمرة عند المتشرعة على النوم بالنحو الطبيعي المستلزم عادة لوضع الرأس على شيء وان كان هو الأرض الخالية وعليه لا مجال لتوهم اختصاص الجواز بصورة كون النوم بغير النحو الطبيعي موجباً للحرج والمشقة بل يجوز مطلقاً ولو مع عدم المشقة في ذلك.

   والمناسب في هذه الجهة التعرّض لما لم يقع التعرض له في المتن وهو انه هل يجوز تغطية الرأس ببعض أعضاء الجسد كاليد ـ مثلاً ـ أو لا يجوز.

   المحكى عن المبسوط والمنتهى والتذكرة جواز الستر باليد وعن الدروس ان الاولى المنع واستدلّ له في الجواهر بان السّتر بما هو متّصل به لايثبت له حكم الستر ولذا لو وضع يديه على فرجه لم يجزه في الصلاة وبانه مأمور بمسح رأسه في الوضوء وببعض الروايات التي يجيء التعرض لها.

   أقول عدم ثبوت حكم الستر للستر بما هو متصل بالبدن أوّل الكلام وعدم اجزاء وضع اليدين على الفرج في حال الصلاة لا دلالة له على ذلك ولذا يكفي التستّر باليد في الستر الواجب النفسي.

   وامّا مسح رأسه باليد في الوضوء الذي هو مأمور به فالظاهر تماميّة دلالته بعد ملاحظة عدم لزوم الاقتصار على أقل ما يتحقق به المسح وجواز المسح بالزائد عن الاقل وبعد ملاحظة عدم كون الجواز انّما هو بنحو التخصيص المستلزم للدخول في الدليل المطلق بل الظاهر كون الجواز انّما هو بنحو التخصص الذي مرجعه الى عدم شمول الادلة الناهية لهذا النوع من الستر.

   وامّا الروايات فمنها صحيحة معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لابأس


(197)

. . . . . . . . . . .

ان يضع المحرم ذراعه على وجهه من حرّ الشمس، ولا بأس ان يستر بعض جسده ببعض(1).وذيله مسوق لبيان ضابطة كلية ومن الواضح انّ مورده ما اذا كان الستر بغير الجسد محرّماً على المحرم فيشمل تغطية الرجل الرأس والمرأة الوجه ويدلّ على الجواز اذا كان ببعض الجسد كاليد ـ مثلاً ـ وذكر في الدروس انه لايكون صريحاً في الدلالة مع ان الظهور يكفي فيها.

   ومنها رواية زرارة قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) هل يحك المحرم رأسه ويغتسل بالماء؟ قال: يحكّ رأسه مالم يتعمد قتل دابة(2). وامّا صحيحة معاوية بن عمار الاُخرى قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم كيف يحكّ رأسه ؟ قال: باظافيره مالم يدم او يقطع الشعر(3)، فلا دلالة لها على اختصاص الجواز بالاظافير بل الظاهر ان المراد هو الجواز باليد مطلقاً وانّ خصوصية الاظافير انّما هي لتحقق الحكّ بها نوعاً كما لا يخفى.

   الجهة الرابعة: في تغطية الرجل المحرم الوجه وانّها هل تكون جائزة ام لا كما في المرأة المحرمة فنقول المشهور هو الجواز بل عن الخلاف والتذكرة والمنتهى الاجماع عليه والمحكّى عن ابن ابي عقيل، عدم الجواز وان فيه كفارة اطعام مسكين، وعن الشيخ في التهذيب الجواز مع الاختيار غير انه تلزمه الكفارة بل قال: ومتى لم ينو الكفارة لم يجز له ذلك.

   والدليل على الجواز مضافاً الى مادلّ على ان احرام المرأة في وجهها واحرام الرجل في رأسه بعدما عرفت من ارتباطه بمسألة حرمة التغطية فان التفصيل قاطع

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابواب تروك الاحرام ، الباب السابع والستون، ح3.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح4.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح1.


(198)

. . . . . . . . . . .

للشركة ولا ينطبق إلاّ على اختصاص كل واحد من الرجل والمرأة بشيء من الأمرين روايات متعددة مثل:

   رواية منصور بن حازم قال: رأيت ابا عبدالله (عليه السلام) وقد توضّأ وهو محرم ثم أخذ منديلاً فمسح به وجهه(1).

   ورواية عبدالملك القمي قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) الرجل يتوضّأ ثم يجلل وجهه بالمنديل يخمرّه كلّه. قال: لا بأس(2). والظاهر ما ذكرنا من قوله: يجلل ـ بالجيم ـ لا كما في الوسائل من قوله: يخلل ـ بالخاء ـ ومعناه هو التغطية.

   ورواية ابي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال المحرم يغطّي وجهه عند النوم والغبار الى طرار شعره(3).

   لكن ظاهر بعض الروايات الكراهة مثل صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبدالله (عليه السلام)قال: يكره للمحرم ان يجوز بثوبه فوق أنفه ولا بأس ان يمدّ المحرم ثوبه حتى يبلغ أنفه. قال الصدوق يعني من أسفل(4).

   وصحيحة حفص بن البختري وهشام بن الحكم جميعاً عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال انه يكره للمحرم ان يجوز ثوبه أنفه من اسفل وقال: اضح لمن احرمت له(5).

   وربما يستشهد لابن ابي عقيل برواية صحيحة للحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال المحرم اذا غطّى وجهه فليطعم مسكيناً في يده ولا بأس ان ينام المحرم على وجهه على

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والستون، ح3.

(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والخمسون، ح2.

(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح8.

(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والستون، ح1.

(5) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والستون، ح2.


(199)

. . . . . . . . . . .

راحلته(1).

   والاشكال في الرواية من وجهين:

   احداهما: انّ المنقول في الوسائل وان كان بصورة الاسناد لكن المحكّى عن التهذيب الذي هو مصدر الرواية انّها مضمرة وقد وصفها بذلك صاحب الجواهر ايضاً إلاّ انّ الاضمار من مثل الحلبي لايقدح في اعتبار الرواية وحجيّتها وان لم يبلغ مرتبة الاضمار من مثل زرارة.

   ثانيهما: انّ صدر الرواية فنقول في الوسائل بهذا السند في ابواب بقية كفارات الاحرام لكن فيه الرأس بدل الوجه(2) والنقل بهذه الكيفية وان كان بعيداً في نفسه بملاحظة ذيل الرواية الظاهر في جواز النوم على الوجه في الراحلة مع انه على هذا التقدير تجوز التغطية للوجه اختياراً ايضاً وبملاحظة انه لم يقل أحد بان كفارة تغطية الرأس هو اطعام المسكين في يده بل الكفارة فيها على تقدير ثبوتها هو دم شاة إلاّ انه مع ذلك يوجب الترديد في الرواية من جهة كون موردها تغطية الوجه أو تغطية الرأس التي هي محرّمة للرجل المحرم على ما عرفت.

   ثم انه لو فرض كون مورد الرواية هي تغطية الوجه ودلالتها على حرمتها للملازمة بين الكفارة وبين الحرمة على ما عرفت مراراً لاتصلح الرواية للنهوض في مقابل الادلّة الكثيرة المتقدمة خصوصاً ما دلّ منها على ان احرام الرجل في رأسه في مقابل احرام الامرأة حيث يكون في وجهها سيما مع اعتضادها بفتوى المشهور بل الاجماع المحكى على ما عرفت فالظاهر ـ ح ـ ما في المتن من جواز تغطية الوجه للرجل المحرم مطلقاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، أورد صدره في الباب 55 ح4 وذيله في الباب 60، ح1.

(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الخامس، ح1.


(200)

   مسألة 32 ـ كفارة تغطية الرّأس بأيّ نحو شاة، والأحوط ذلك في تغطية بعضه، والاحوط تكرّرها في تكرّر التغطية وان لايبعد عدم وجوبه حتى اذا تخلّلت الكفارة وان كان الاحتياط مطلوباً فيه جدّاً [1].

في حالة النوم وغيرها وفي الراحلة وغيرها.

   [1] ذكر في الشرايع في باب الكفارات: «وكذا ـ يعني تجب الشاة ـ لو غطّى رأسه بثوب أو طيّنه بطين يستره أو ارتمس في الماء أو حمل ما يستره» وذكر بعده صاحب الجواهر (قدس سره): «بلا خلاف اجده في شيء من ذلك كما عن المنتهى والمبسوط والتذكرة الاعتراف به بل في المدارك وغيرها هو مقطوع به في كلام الاصحاب بل عن الغنية الاجماع عليه صريحاً».

   والعمدة في مستند هذا الحكم هو الاجماع لعدم تمامية غيره من الأدلة التي يأتي التعرض لها ان شاء الله تعالى والظاهر انّ الاجماع ايضاً غير تام لعدم تعرض جملة معتنى بها من المتون الاصلية الفقهية لثبوت الكفارة في التغطية كالمقنع والنهاية وجمل العلم والعمل والمقنعة والمراسم والمهذب والسرائر والجامع وعدم التعرض يكشف عن عدم الثبوت وإلاّ لكان اللازم التعرض كما في سائر موارد ثبوت الكفارة كالصيد والجماع ولبس المخيط والتظليل وغيرها، ولو سلّمنا عدم الكشف واحتمال ثبوت الكفارة عندهم ايضاً لكن مجرد الاحتمال لايكفي في تحقق الاجماع الذي يكون مبنى حجّيته هو الكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) وموافقة فتواه لفتواهم ولا مجال لما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) ان ذلك ليس خلافاً.

   ويؤيّد عدم ثبوت الاجماع ما أفاده صاحب الوسائل في عنوان الباب الخامس من أبواب بقية كفارات الاحرام من انّ المحرم اذا غطّى رأسه عمداً لزمه طرح الغطاء وطعام مسكين وأورد فيه رواية الحلبي المتقدمة.


(201)

. . . . . . . . . . .

   وقد استدلّ صاحب الجواهر مضافاً الى الاجماع بثلاث روايات:

   احداها: صحيحة زرارة بن أعين قال سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول من نتف ابطه أو قلّم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوباً لاينبغي له لبسه أو أكل طعاماً لاينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسياً أو جاهلاً فليس عليه شيء ومن فعله متعمّداً فعليه دم شاة(1). ورواها في الوسائل بسند آخر وجعلهما روايتين مع وضوح كونهما رواية واحدة وقد أورد بعض الاعلام (قدس سرهم) على الاستدلال بها بعد توصيفه بانه ينبغي ان يعدّ من الغرائب بان اللبس شيء والتغطية وستر الرأس شيء آخر فانه قد يتحقق اللبس بلا تغطية الرأس كما اذا لبس القميص ونحوه، وقد يتحقق ستر الرأس وتغطيته بدون اللبس كما اذا طيّن رأسه أو حمل على رأسه وقد يتحقق الأمران كما اذا لبس قلنسوة ونحوها وكلامنا في الستر والتغطية وان لم يتحقق عنوان اللبس.

   وظاهره انّ النسبة بين العنوان الموجب للكفارة في الصحيحة وبين ما هو المدّعى في المقام عموم من وجه ويجتمعان في مادة الاجتماع وعليه فيمكن ان يجيب صاحب الجواهر (قدس سره) عن الايراد بانه لو دلّت الصحيحة على الكفارة في مادة الاجتماع فيمكن تعميمها لمادة الافتراق من ناحية المقام بضميمة عدم الفصل جزماً فيتم الاستدلال ـحـ.

   لكن التحقيق في الايراد على الاستدلال بالصحيحة ان محطّ النظر في هذه الجملة فيها الى لبس ما يكون منشأ المنع فيه وكان الملبوس مشتملاً على خصوصية لايصلح لأن يلبسه المحرم وهذا العنوان لاينطبق على المقام بوجه فان الساتر للرأس ولو كان هو الثوب لايشتمل على هذه الخصوصية لأن المحرَّم هو الستر به ولا يرتبط ذلك بالساتر، وعليه ففي مثل القلنسوة اذا كانت مخيطة تكون فيها الخصوصية التي يدل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح1.


(202)

. . . . . . . . . . .

عليها الرواية ويدخل في لبس المخيط وامّا اذا لم تكن كذلك فلا تشمله الرواية بوجه وان كان لا فرق بينهما من الحيثية المبحوث عنها في المقام فالرواية أجنبية عن الدلالة على وجوب الكفارة هنا بل ترتبط بلبس المخيط ونحوه كالحرير ـ مثلاً ــ .

   ثانيتها: رواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: لكلّ شيء خرجت من حجّك فعليه (فعليك في ل) فيه دم يهريقه( فيهريقه) حيث شئت(1). وقد مرّ مراراً ان الرواية ضعيفة من حيث السند بعبدالله بن الحسن العلوي ومن حيث الدلالة لتوقف الاستدلال بها على كون المتن جرحت مكان خرجت وهو لم يثبت مع انه لايناسب قوله من حجّك فتدبّر.

   ثالثتها: مرسلة الخلاف قال في محكيه: «اذا حمل مكتلاً أو غيره لزمه الفداء دليلنا عموم ماروى فيمن غطى رأسه انّ عليه الفدية» والمكتل كمنبر هو الزنبيل الكبير قال في الجواهر يكفي هذا المرسل المنجبر بما عرفت مع الاجماع المحكى صريحاً وظاهراً دليلاً في الحكم خصوصاً بعد اعتضاده بنفي الخلاف الذي يشهد له التتبع.

   وأورد على الاستدلال بها بعدم نقلها في شيء من الكتب الفقهية والروائية حتى ان الشيخ (قدس سره) بنفسه لم يذكره في كتابي التهذيب والاستبصار، فلم يحرز وجود الرواية حتى يكون استناد المشهور اليها جابراً لضعفها بالارسال.

   ولكن يرد على الاستدلال بها ايضاً ان المدّعى في المقام ثبوت كفارة دم الشاة وما في الخلاف من الدليل والمدعى عبارة عن ثبوت الفداء وهو أعمّ من الشاة وقد مرّ ان الشيخ التزم بثبوت الكفارة في تغطية الرجل المحرم وجهه وظاهره ان المراد بها هي اطعام مسكين الذي وقع التصريح به في فتوى ابن ابي عقيل ورواية الحلبي المتقدمة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن، ح2.


(203)

. . . . . . . . . . .

وعليه فلا دلالة في المرسلة المزبورة على المدّعى.

   وقد انقدح انه لم ينهض دليل على ثبوت كفّارة دم الشاة في تغطية الرأس إلاّ انّ الاحتياط الوجوبي يقتضي الثبوت لأنّ كلّ من تعرّض له، حكم بثبوتها إلاّ هذه العبارة الواردة في الخلاف على ما عرفت من عدم ظهورها في ثبوت كفارة الشاة وإلاّ ما عرفت من الوسائل على ما مرّ ايضاً.

   بقي الكلام في اُمور:

   الأمر الاوّل: هل الكفارة على تقدير ثبوتها في تغطية جميع الرأس ثابتة في تغطية بعض الرأس التي عرفت انّها محرمة ايضاً أم لا ؟

   التحقيق ان يقال انه لو كان المستند في أصل الحكم هو الاجماع على تقدير تحققه وصحة الاستناد اليه فاللازم هو الاقتصار على تغطية الجميع لانّها القدر المتيقن من معقده وهو دليل لبّى لا اطلاق له يشمل تغطية البعض ايضاً كسائر الادلّة اللبيّة.

   وان كان المستند هي صحيحة زرارة المتقدمة أو رواية علي بن جعفر المتقدمة ايضاً فالظاهر شمولهما لتغطية البعض ايضاً لأنّه يصدق عليه انه لبس ما لاينبغي له لبسه وكذا يتحقق الجرح من ناحية تغطية بعض الرأس وان كان المستند هي مرسلة الخلاف فظاهرها تغطية الجميع وان كان الاستدلال بها لصورة حمل المكتل كما في كلام الشيخ مشعر هل يدلّ على الشمول لتغطية البعض ايضاً لأن المكتل وان كان هو الزنبيل الكبير إلاّ انه لايشمل جميع الرأس خصوصاً اذا كان الاذنان جزئين من الرأس مع ان عطف عنوان الغير على المكتل لايختص بما اذا كان مغطيّاً لجميع الرأس.

   وقد انقدح ممّا ذكرنا من عدم صحة الاستدلال بشيء من الروايات الثلاثة وان العمدة هو الاجماع الذي هو غير خال عن المناقشة انه لو قلنا بثبوت الكفارة في تغطية


(204)

. . . . . . . . . . .

الجميع فلا دليل على الثبوت في تغطية بعض الرأس فالأحوط فيها استحباباً ذلك بعدما كان أصل الحكم ثابتاً بنحو الاحتياط الوجوبي على ما مرّ.

   الأمر الثاني: فيما لم يتعرض له في المتن بالصراحة وان كان ربما يشعر به ما أفاده في المسألة الآتية وهو ان الكفارة ثابتة في مورد الاضطرار الرافع للحكم التكليفي كما في مثل التظليل ولبس المخيط أو انّها ثابتة في خصوص صورة الاختيار ؟

   الظاهر ما ذكرنا من ان المستند لو كان هو الاجماع فاللازم الاقتصار على القدر المتيقن وهي صورة الاختيار وان كان المستند هي الروايات فالظاهر اختصاصها بهذه الصورة لأن قوله لبس ما لاينبغي له لبسه لايتحقق في صورة الاضطرار الذي يكون اللبس جائزاً في حقّه ومشروعاً عنده وكذا لايتحقق الجرح بعد عدم ثبوت الحرمة والظاهر من قوله في المرسلة: «غطّى رأسه» هو التغطية الاختيارية ولكن صاحب الجواهر قد صرّح في العبارة التي يأتي نقلها في الأمر الثالث ان شاء الله تعالى، بانه لا فرق بين المختار والمضطر لا في أصل ثبوت الكفارة ولا في تكرارها مع التعدد وان الملاك في التعدّد فيهما واحد وسيأتي البحث في التكرّر في ذلك الأمر فانتظر.

   الأمر الثالث: في تكرر الكفارة بتعدّد التغطية وعدمه قال صاحب الجواهر (قدس سره) في هذا المجال: «قد ذكر الحلبيان انّ على المختار لكل يوم شاة وعلى المضطّر لكل المدّة شاة بل عن ابن زهرة منهما الاجماع على ذلك وان كان التتبع يشهد بخلاف الاجماع المزبور فالأصل ـ ح ـ عدم الفرق بينهما. وفي الدروس عدم تكررها بتكرر تغطيته نعم لو فعل ذلك مختاراً، تعددّت ولا تتعدّد الغطاء مطلقاً، ووافقه ثاني الشهيدين إلاّ انه حكم بعدم التكرر ولو اتّحد المجلس، وربما نوقشا بعدم نص أو اجماع على ذلك فالأصل ـ ح ـ بحاله ولكن قد عرفت سابقاً في التظليل ما يستفاد منه صحة ذلك في الجملة».


(205)

. . . . . . . . . . .

   وهذه الأقوال بعد اشتراكها في ثبوت الكفارة بالاضافة الى المضطر مع انّك عرفت في الأمر الثاني المناقشة فيه وبعد اشتراكها في عدم التعدد مع التكرر في صورة الاضطرار والتكرر في صورة الاختيار مختلفة في ملاك التعدد والتكرّر الموجب لتعدد الكفارة في هذه الصورة. فصريح الحلبيين ان الملاك هو اليوم فاذا تعدد تتكرر الكفارة وظاهر الدروس ان الملاك تعدّد التغطية فاذا تحققت مراراً ولو في اليوم الواحد تتعدّد الكفارة نعم لا عبرة بتعدد الغطاء وما يغطى به الرأس فاذا غطى رأسه بثلاثة أثواب ـ مثلاً ـ متلاصقة دفعة واحدة لايوجب تعدّد الكفارة بخلاف ما اذا كان الثوب والغطاء واحداً والتغطية به متعددة فانها تتكرر ـ ح ـ وظاهر كلام الشهيد الثاني ان الملاك وحدة المجلس وتعدّده.

   هذا ولكن الظاهر انه بعد عدم ثبوت نص في خصوص التكرر في المقام ولا اجماع، يكون المرجع هو الأصل بمعنى القاعدة ومقتضاها انه لو كان المستند في أصل الكفارة في المقام هو الاجماع فكما انه لا اطلاق له يشمل صورة الاضطرار لأنه دليل لبّى يقتصر فيه على القدر المتيقن كذلك لا اطلاق له يشمل صورة التكرار ولو بعد تخلل التكفير فلا تتكرر الكفارة مطلقاً كما في المتن حيث نفى البعد عن عدم وجوب التكرر ولو في الصورة المذكورة.

   ولو كان المستند هي الروايات الثلاثة المتقدمة على فرض تمامية دلالتها وسندها فالتكرر وعدمه مبني على المسألة الاصولية المعروفة التي وقع فيها الاختلاف في كون مقتضى الأصل التداخل أو عدمه لكن ينبغي هنا التنبيه على أمر وهو ان الملاك في التعدد في المقام هي التغطية وهي لا تتعدد بتكرر الغطاء وعدمه فاذا غطى رأسه بثوب ثم القى على الثوب ثوباً آخر لايتحقق التعدد بالاضافة الى التغطية لأن المغطى لايقبل


(206)