مسألة 33 ـ تجب الكفارة إذا خالف عن علم وعمد فلا تجب على الجاهل ولا على الغافل والسّاهي والناسى [1].
التغطية ثانياً وهذا بخلاف مثل لبس المخيط فانه اذا لبس القميص ثم لبس عليه القباء ثم العباء مثلاً يصدق لكل لبس انه لبس المخيط فيتحقق التعدّد فتدبّر.
[1] الدليل على اختصاص وجوب الكفارة بما اذا كانت المخالفة عن علم وعمد مضافاً الى قصور أصل دليل الثبوت الذي هو الاجماع على تقدير تمامية دليليته في المقام عن الشمول لغير هذه الصورة لما عرفت من انّه دليل لبّى يقتصر فيه على القدر المتيقن والى مثل حديث الرّفع المشتمل على رفع ما لايعلمون ورفع الخطأ والنسيان والى مثل قوله (عليه السلام) في بعض الروايات الواردة في لبس القميص جاهلاً: «ايّما امرء ركب امراً بجهالة فلا شيء عليه»، دلالة بعض الروايات المتقدمة الواردة في أصل مسألة حرمة تغطية الرأس على عدم ثبوت كفارة الشاة فيما اذا غطّى رأسه ناسياً كصحيحة حريز قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن محرم غطّى رأسه ناسياً قال يلقي القناع عن رأسه ويلبّي ولا شيء عليه(1). وصحيحة الحلبي انّه سئل اباعبدالله ـ عليه السلام ـ عن المحرم يغطي رأسه ناسياً أو نائماً فقال: يلبّي اذا ذكر(2). وغيرهما من الروايات وعليه فلا شبهة في الاختصاص بالعالم العامد.
ثم انه لم يقع التعرّض في المتن لثبوت الكفارة على المضطر وعدمه والجمود على ظاهر اللّفظ يقتضي دخوله في العالم العامد لأنّ المضطر ايضاً من مصاديق العالم العامد وان كان اصل العمل جائزاً في حقه ومشروعاً بالاضافة اليه لكنّه لاينافي ثبوت الكفارة كما في الاضطرار الى لبس المخيط أو التظليل ويؤيده عدم التعرض له في عداد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح3.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والخمسون، ح6.
الثامن عشر: تغطية المرأة وجهها بنقاب وبرقع ونحوهما حتى المروحة، والاحوط عدم التغطية بما لايتعارف كالحشيش والطين، وبعض الوجه في حكم تمامه، نعم يجوز وضع يديها على وجهها، ولا مانع من وضعه على المخدّة ونحوها للنّوم [1].
الجاهل والغافل ومثلهما ومع ذلك لايتحقق الاطمينان للنفس بكون مراد المتن ثبوت الكفارة بالنسبة الى المضطر ايضاً ونحن قد قدمنا البحث في ذلك في الأمر الثاني من الاُمور المتقدمة في المسألة السابقة فراجع.
[1] البحث في هذا الأمر أيضاً يقع من جهات:
الجهة الاُولى: في أصل ثبوت هذا الحكم في الجملة ونفي في الجواهر وجدان الخلاف فيه بل ثبوت الاجماع بقسميه عليه بل عن المنتهى انه قول علماء الامصار ويدلّ عليه نصوص متعدّدة.
منها صحيحة عبدالله بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: المحرمة لاتتنقب لأنّ احرام المرأة في وجهها واحرام الرجل في رأسه(1). ومقتضى التعليل عدم اختصاص الحكم بخصوص النقاب.
ومثلها صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال مرّ ابو جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقبة وهي محرمة فقال: احرمي واسفري وارخي ثوبك من فوق رأسك فانّك ان تنقبتِ لم يتغيّر لونك قال رجل: الى أين ترخيه قال تغطي عينها قال: قلت: تبلغ فمها؟ قال نعم(2).
ومنها رواية ابي عينية عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته ما يحلّ للمرأة ان تلبس وهي محرمة فقال: الثياب كلّها ما خلا القفازين والبرقع والحرير(3). الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح3.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والثلاثون، ح3.
. . . . . . . . . . .
ومنها رواية احمد بن محمد «بن ابي نصر خ» عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: مرّ ابو جعفر (عليه السلام)بامرأة محرمة قد استترت بمروحة فأماط المروحة بنفسه عن وجهها(1).
ومنها غير ذلك من الروايات لكن في مقابلها بعض الروايات التي عبّر فيها بالكراهة كرواية يحيى بن ابي العلاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) انه كرّه للمحرمة البرقع والقفازين(2). وصحيحة عيص بن القاسم قال قال ابو عبدالله (عليه السلام) في حديث: كره النقاب يعني للمرأة المحرمة وقال تسدل الثوب على وجهها قلت حدّ ذلك الى أين؟ قال الى طرف الأنف قدر ما تبصر(3).
والرواية الاُولى ضعيفة بحيى بن ابي العلاء لعدم توثيقه والظاهر انه غير يحيى بن العلاء الذي هو ثقة والظاهر انّ المراد من الكراهة في الروايتين الحرمة لدلالة الروايات الظاهرة في الحرمة عليه ولا مجال لاحتمال العكس بجعل التعبير في الكراهة في هاتين الروايتين قرينة على ان المراد من قوله: «المحرمة لا تتنقب»، هو الكراهة لأن حمل مثله عليها لا يلائم مع التعليل الوارد فيها بان احرام المرأة في وجهها واحرام الرجل في رأسه مع انّك عرفت حرمة تغطية الرأس عليه وكذا لايلائم مع التعليل بقوله انّك ان تنقبت لم يتغير لونك وكذا مع اماطة الامام (عليه السلام) بنفسه المروحة عن وجهها.
الجهة الثانية: في التغطية بما لايتعارف كالحشيش والطين بعدما عرفت من دلالة بعض الروايات على حرمة التغطية بالمروحة ايضاً لكنها تغاير مثل الحشيش بثبوت التعارف فيها في الجملة دونه والظاهر انّ حكمهنّ بالاضافة الى مثل هذه التغطية حكم
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح4.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح9.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح2.
. . . . . . . . . . .
الرجال بالنسبة الى الرأس وتغطيته بمثلها، لكن التعليل الوارد في بعض الروايات المقام بقوله مخاطباً لامرأة محرمة متنقّبة انّك ان تنقبتِ لم يتغيّر لونك يزيد في وضوح حكم المقام فانه كما ان النقاب مانع عن تغيّر اللون المطلوب في باب الحج في وجه النساء كذلك الحشيش والطين ومثلهما مانع عن ذلك وعدم التعارف في الاستفادة في التغطية من مثلهما لايقدح في شمول التعليل واقتضائه للحرمة فيما لايتعارف ايضاً فالأحوط لو لم يكن أقوى عدم التغطية بمثلهما.
الجهة الثالثة: في حكم تغطية بعض الوجه ظاهر الكلمات انه لا فرق بين المقام وبين ما تقدم من حرمة تغطية الرجل بعض رأسه وانّ كلتا المسألتين من ورد واحد ولا فرق بينهما اصلاً مع انّك عرفت هناك انّ جلّ الأدلّة الواردة في حرمة تغطية الرأس ظاهرها تغطية الجميع، غاية الأمر ان التعبير بالاصابة في بعض الروايات الصحيحة صار موجباً لتوسعة دائرة الحرمة والشمول لتغطية بعض الرأس لتحقّق الاصابة بسببها.
وامّا المقام فما دلّ على المنع من البرقع لايدلّ على أزيد من حرمة تغطية جميع الوجه لأنّ البرقع يكون ساتراً له ظاهراً وامّا ما دلّ على اماطة الامام (عليه السلام) المروحة عن وجه المرأة المحرمة فلا دلالة له على توسعة دائرة الحرمة لأنه لم يعلم كون المروحة ساترة لبعض وجهها واحتمال كونها ساترة للجميع نعم يدل على عدم اختصاص الحكم بخصوص الثوب بل يشمل المروحة ايضاً فلا ارتباط لهذه الرواية ايضاً بالمقام.
نعم يبقى ما دلّ على حرمة التنقّب والنهي عن النقاب بعد عدم كون النقاب ساتراً لجميع الوجه ولذا استدلّ صاحب الجواهر بهذا الدليل على شمول الحكم لتغطية بعض الوجه نظراً الى ما ذكرنا.
لكن لابد من ملاحظة انّ في النقاب خصوصيتين: احداهما كون المستور به بعض
. . . . . . . . . . .
الوجه، وثانيتهما كون المستور به بعضاً معيناً من الوجه وهو الذقن والفم وجزء من الأنف وفي الحقيقة يكون المستور به هو النصف الأسفل من الوجه تقريباً كما تصنعه نساء المغرب على ما رأيناه في المدينة ومكة.
وعليه فلابد من النظر في انّ الخصوصية المانعة عن الستر بالنقاب وهل هي مجرد كونه ساتراً لبعض الوجه يشمل الحكم ستر كل بعض من ابعاض الوجه ولو كان هو الطرف الأعلى أو خصوص طرف اليمين أو اليسار بل ولو كان البعض المستور جزءً يسيراً من الوجه أو انّ الخصوصية المانعة هي كونه ساتراً للبعض المخصوص من جهة المحلّ والمقدار الذي يستربه؟ فيه احتمالان ظاهر الفتاوى باعتبار عدم التفريق بين الكل والبعض وتنظير المرأة بالرجل الذي يحرم عليه ستر جزء من الرأس بل حتى ستر جزء من الأذن: بناء على كونه جزء من الرأس وان ناقشنا فيه سابقاً هو الاحتمال الاوّل ولكنه يبتنى على الغاء الخصوصية من الجهة الثانية وهو يحتاج الى قيام الدليل أو فهم العرف ومن الظاهر عدم قيام الدليل وتحقق فهم العرف، غير معلوم فالانصاف انه لا محيص عن الالتزام بما أفاده بعض الاعلام (قدس سرهم) من التفصيل بين ما اذا كان المستور محلاًّ يستره النقاب فلا يجوز وان كان الساتر غير نقاب لعدم خصوصية له من جهة العنوان وبين ما اذا كان المستور غير ذلك المحلّ كما اذا كان المستور فوق الوجه ولو كان الساتر هو الثوب، ففي الاوّل لايجوز وفي الثاني يجوز وان كان مقتضى الاحتياط الوجوبي الناشيء عن الفتاوي هو الترك.
الجهة الرابعة: في انه يجوز للمرأة المحرمة وضع يدها بل يديها على وجهها لما مرّ في جواز ستر الرجّل رأسه باليد والذراع نعم في رواية سماعة عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه سأله عن المحرمة فقال ان مرّ بها رجل استترت منه بثوبها ولا تستتر بيدها من الشمس
. . . . . . . . . . .
الحديث(1). ولكنها كما في الجواهر محمولة على ضرب من الكراهة وذلك لعدم الفتوى بالحرمة من أحد من الاصحاب.
الجهة الخامسة: في انه يجوز لها وضع الوجه على المخدة ونحوها للنوم بل يجوز لها تغطية الوجه حين ارادة النوم وذلك لصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال قلت المحرم يؤذيه الذباب حين يريد النوم يغطّي وجهه؟ قال: نعم ولا يخمّر رأسه، والمرأة المحرمة لابأس بان يغطّي وجهها كلّه عند النوم(2).
ولعلّ الحكمة في الجواز حين ارادة النوم هو الخروج بذلك عن المعرضية للنظر لعدم كونها قادرة في حال النوم على التستر بغير التغطية، لكن عرفت سابقاً ان الرواية على نقل الشيخ خالية عن كلمة «عند النوم» وان كان السياق يشعر بإرادة ذلك وامّا على نقل الكليني فمشتملة على الكلمة المذكورة ولايكون في الوسائل اشارة الى اختلاف النقلين بل نقل الرواية في باب عن الشيخ خالية عنها ثم قال: ورواه الكليني كما يأتي، وفي باب آخر عن الكليني مع الاشتمال عليها ثم قال ورواه الشيخ مثله مع انّك عرفت الاختلاف وحيث ان الكليني أضبط من الشيخ، واصالة عدم الزيادة حاكمة في البين فاللازم الاتكال على نقله ولا مانع من ثبوت الاستثناء في حال النوم للحكمة المذكورة كما كان في حرمة تغطية المحرم الرأس بعض الموارد بصورة الاستثناء كعصابة الصداع على ما مر(3).
ثم انه بعد دلالة الرواية الصحيحة على توسعة دائرة حكم الجواز لا مجال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح10.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والخمسون، ح1.
(3) وقد حكى عن تهذيب الشيخ ايضاً الاشتمال على الزيادة.
مسألة 34 ـ يجب ستر الرأس عليها للصلاة، ووجب ستر مقدار من اطراف الوجه مقدّمة لكن اذا فرغت من الصلاة يجب رفعه عن وجهها فورا [1].
لتخصيصه بخصوص وضع الوجه على المخدة ونحوها كما في المتن بل تجوز التغطية ولو بالثوب حال إرادة النوم كما لايخفى وان ذكر في الجواهر بعد نقل الرواية: «ولم أقف على رادّ له كما اني لم أقف على من استثناه من حكم التغطية ويمكن ارادة التغطية بما يرجع الى السّدل أو ما يقرب منه» اقول سيأتي البحث في مسألة السّدل ان شاء الله تعالى ولا مانع من الاستثناء خصوصاً بعد التعبير بالتغطية بالرواية.
[1] قال في الجواهر بعد الحكم بانّه يجب عليها كشف بعض الرأس مقدمة لكشف الوجه كما يجب على الرجل كشف بعض الوجه مقدمة للرأس: «نعم لو تعارض ذلك في المرأة في الصلاة ففي المنتهى والتذكرة والدروس قدمّت ستر الرأس لا لما في المدارك من التمسك بالعمومات المتضمنة لوجوب ستره السالمة عمّا يصلح للتخصيص ضرورة امكان معارضته بمثله بل لترجيحه بما قيل من ان السّتر أحوط من الكشف لكونها عورة، ولأن المقصود اظهار شعار الاحرام بكشف الوجه بما تسمّى به مكشوفة الوجه وهو حاصل مع ستر جزء يسير منه وان أمكن المناقشة فيه ايضاً بتعارض الاحتياط بالنسبة الى الصلاة والاحرام وكونها عورة في النظر، لا مدخلية له في ذلك، وكما يصدق انّها مكشوفة الوجه مع ستر الجزء اليسير منه، يصدق انّها مستورة الرأس مع كشف الجزء اليسير منه، فالمتجه ـ ح ـ التخيير ان لم ترجّح الصلاة بكونها أهم وأسبق حقّاً ونحو ذلك».
أقول بعد ملاحظة ان هذه المسألة مبتنية على حرمة تغطية بعض الوجه ايضاً أيُّ بعض، كان كالكلّ وبعد ملاحظة انه لاتضاد بين الصلاة والاحرام كالتضاد المتحقق بين الصلاة والإزالة في المثال المعروف في مسألة ان الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن
. . . . . . . . . . .
ضده، التي هي معروفة في علم الاصول ضرورة انه لايرى تضاد بين الصلاة والاحرام بوجه بل لا مانع من الجمع بين رعاية التكليفين اصلاً بل التعارض انّما هو بين رعاية الحكم التحريمي المتعلق بالمحرمة وهي حرمة التغطية ورعاية الوجوب الشرطي المتعلق بستر الرأس، من جهة ان تحقق العلم بثبوت الشرط يقتضي ستر جزء من الوجه ايضاً من باب وجوب المقدمة العلمية والعلم بعدم تغطية بعض الوجه ايضاً يتوقف بكشف جزء ولو يسير من الرأس، ولا يتحقق الجمع بين الأمرين وان كان يمكن ان يقال بان وجوب المقدمة العلمية انّما هو بالاضافة الى الستر الذي هو واجب شرطي وامّا بالاضافة الى التغطية فحيث يكون الحكم المتعلق بها هي الحرمة فلا حاجة الى احراز عدم تحقق متعلقها بل يكفي عدم احراز تحقق المتعلق كما لايخفى إلاّ أن يقال بان الحكم الثابت في المقام ايضاً هو الوجوب ومتعلقه هو الاسفار عن الوجه كما وقع التعبير به في الشرايع وعليه فتجب مقدمته العلمية ايضا.
نقول لا مجال لترجيح الصلاة باعتبار كونها أهمّ فان الأهمية انّما تكون متحققة في أصل الصلاة ولا دليل على أهمية رعاية شرطها والوجوب الشرطي المتعلق به على الحرمة الاحرامية الثابتة عليها.
بل ترجيح الصلاة ورعاية شرطها انّما يستفاد من وجهين:
احدهما: استمرار سيرة المتشرعة من النساء المحرمات المتصلة بزمان الائمة (عليهم السلام)على رعاية الستر الصلوتي في حال الاحرام بعين رعايته في غير هذه الحالة ولا فرق عندهنّ عملاً بين الصلاة في الحالتين وهي شاهدة على تقدم الستر الصلوتي وكونه مرتكزاً لديهنَّ.
ثانيهما: انه حيث تكون هذه المسألة من المسائل المبتلى بها في الحج والعمرة
مسألة 35 ـ يجوز اسدال الثوب وارساله من رأسها الى وجهها الى أنفها بل الى نحرها للستر عن الاجنبي، والأولى الأحوط ان يسدله بوجه لا يلصق بوجهها ولو بأخذه بيدها [1].
والعمرة المفردة لاتكون مقيّدة بوقت خاص بل مشروعة في جميع الشهور فلو كان الستر الصلوتي متأخراً في حال الاحرام عن التغطية المحرّمة لكان اللاّزم صدور البيان من قبل الائمة (عليهم السلام) في هذا المجال ولو صدر لبان بلحاظ شدّة الابتلاء التي اُشير اليها.
ومما ذكرنا يظهر انه لا وجه للتعبير بالجواز كما في كلام بعض الاعلام (قدس سرهم) بل الظاهر هو التعين والوجوب كما في المتن تبعاً لمن عرفت من الفقهاء في كلام صاحب الجواهر (قدس سره).
لكن لابد من الاقتصار على حال الصلاة والالتزام بانه اذا فرغت منها يجب عليها فوراً إزالة الغطاء ورفعها عن وجهها لأنه لا وجه لجواز البقاء على هذه الحالة بعد الفراغ عن الصلاة كما لايخفى.
[1] قال في الشرايع بعد الحكم بعدم جواز تغطية الرأس للرجل المحرم: «ويجوز ذلك للمرأة لكن عليها ان تسفر عن وجهها ولو أسدلت قناعها على رأسها الى طرف أنفها جاز» وذكر في الجواهر بعده: «بلا خلاف أجده كما عن المنتهى الاعتراف به بل في المدارك نسبته الى اجماع الاصحاب وغيرهم نحو ما عن التذكرة من انه جائز عند علمائنا أجمع وهو قول عامة أهل العلم بل قد يجب بناء على وجوب ستر الوجه عليها. من الاجانب وانحصر فيه».
وكيف كان يحتمل في عبارة الشرايع ان يكون اسدال القناع على الرأس الى طرف الأنف مستثنى من تغطية الوجه المحرّمة عليها ويؤيده التحديد الى طرف الأنف ويحتمل فيها ان يكون مراده اَنَّ الاسدال أمر لاينافي التغطية المحرّمة واللازم في هذا
. . . . . . . . . . .
المقام ملاحظة النصوص المتعددة الواردة فيه ثم بيان وجه الجمع بينها وبين الروايات المتقدمة الناهية عن التغطية الشاملة لتغطية الكل والبعض معاً فنقول:
منها: صحيحة عيص بن القاسم قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام) في حديث: كره النقاب يعني للمرأة المحرمة وقال تسدل الثوب على وجهها، قلت: حدّ ذلك الى أين ؟ قال الى طرف الأنف قدر ما تبصر(1). وقد عرفت انّ المراد بالكراهة فيها هي الحرمة وعليه فقوله: تسدل... هل يكون المراد به وجوب الاسدال على ما هو مقتضى ظاهر الجملة الخبرية الواقعة في مقام انشاء الحكم أو المراد به الجواز بلحاظ وقوعه في مقابل النقاب المحكوم بالحرمة والمقصود عدم جريان الحكم بالحرمة في الاسدال فيجوز لها ذلك.
ومنها صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: مرّ ابو جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقّبة وهي محرمة فقال: احرمي واسفري وارخي ثوبك من فوق رأسك فانّك ان تنقبتِ
لم يتغيّر لونك قال رجل: الى اين ترخيه قال تغطّي عينها، قال قلت تبلغ فمها؟
قال نعم(2). والمراد من قوله: احرمي ليس هو ايجاب الاحرام لعدم معلومية وجوب الاحرام عليها مع انّها كانت محرمة ولا معنى للايجاب عليها بل المراد هو انه بعدما صرت محرمة واتصفت بذلك يجب عليك الاسفار الذي يكون ظاهره اسفار الوجه ويجري الاحتمالان المذكوران في الرواية السابقة في قوله: وارخي ثوبك من فوق رأسك.ومنها صحيحة حريز قال: قال ابو عبدالله (عليه السلام) المحرمة تسدل الثوب على وجهها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والأربعون، ح2.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح3 .
. . . . . . . . . . .
الى الذقن(1).
ومنها صحيحة زرارة عن ابي عبدالله (عليه السلام) انّ المحرمة تسدل ثوبها الى نحرها(2).
ومنها صحيحة معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه قال: تسدل المرأة الثوب على وجهها من اعلاها الى النحر اذا كانت راكبة(3).
ومنها رواية سماعة عن ابي عبدالله (عليه السلام) انه سأله عن المحرمة فقال: ان مرّ بها رجل استترت منه بثوبها ولا تستتر بيدها من الشمس الحديث(4).
ومن طريق العامة ما روى عن عائشة قالت: كان الركبان يمرّون بنا ونحن محرمات مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاذا جاءونا سدلت احدانا جلبابها من رأسها على وجهها فاذا جاوزنا كشفنا(5).
ثم انّه يظهر من صاحب الجواهر انّ الجمع بين هذه الروايات الدالّة على جواز الاسدال والارخاء لو لم نقل بدلالة بعضها على الوجوب وبين الروايات المتقدمة الظاهرة في حرمة تغطية الوجه للمرأة المحرمة يمكن بوجهين:
الوجه الأول: ما جعله دليلاً لما حكى عن المبسوط والجامع والقواعد بل في الدروس انه المشهور وان ناقش هو في تحقق الشهرة من عدم جواز الاسدال بنحو يكون الثوب مماساً للوجه ومصيباً له بل لابد ان تمنعه بيدها أو بخشبة من ان يباشر وجهها من ان مقتضى الجمع بين صحاح السّدل والنصوص المانعة من التغطية حمل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح6.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح7.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح8.
(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والاربعون، ح10.
(5) سنن البيهقى : ج5 ص48.
. . . . . . . . . . .
الاولى على غير المصيبة للبشرة بخلاف الثانية بل لعلّ المرتفعة ليست من التغطية.
ولكنه أورد عليه بقوله: «مع ان الدليل خال عن ذكر التغطية وانّما فيه الاحرام بالوجه والأمر بالاسفار عن الوجه ان السدل بمعنييه تغطية عرفاً وانّها غير سافرة الوجه معه إلاّ ما خرج عنها الى حدّ التظليل ونحوه».
الوجه الثاني: ما جعله صاحب الجواهر (قدس سره) أولى من وجوه ووصفه في ذيل كلامه بانّه مقتضى التحقيق من قوله: «ان الجمع باخراج السدل بقسميه عن ذلك كما كاد يكون صريح النصوص المزبورة بل والفتوى أولى من وجوه ولا يقتضي اختصاص الحرمة ـ ح ـ بالنقاب كما في المدارك والذخيرة وغيرهما بل في الاوّل لايستفاد من الاخبار أزيد من ذلك، ضرورة تعدّد افراد التغطية بغير السدل كالشدّ ونحوه وخصوصاً مع ملاحظة اللطوخ ونحوه، ومن هنا تردد المصنّف ـ يعني المحقق في الشرايع ـ فيما يأتي في كراهة النقاب بل أفتى به الفاضل في الارشاد مع الجزم بحرمة التغطية بل في الدروس عدّ النقاب محرّماً مستقلاً عن حرمة التغطية وان كان قد علّله بها فالتحقيق استثناء السدل من ذلك بقسميه وان كان الاحتياط لاينبغي تركه».
وهنا وجوه اُخر للجمع:
احدها: حمل ما دلّ على حرمة تغطية الوجه على صورة عدم وجود الناظر الأجنبي وحمل ما دلّ على جواز الاسدال على صورة وجوده.
وأورد عليه بان الشاهد على هذا الجمع حديث عائشة المتقدم وحيث انه ضعيف من حيث السند فلايمكن ان يصار الى هذا الجمع لأنه بلا شاهد.
مع ان رواية سماعة المتقدمة المعتبرة ايضاً شاهدة على هذا الجمع كما ان صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الدالة على التقييد بما اذا كانت راكبة تنطبق على هذا
. . . . . . . . . . .
الوجه ايضاً لظهور ان الركوب بما هو ركوب لا مدخل له في ذلك بل لأجل كون المرأة في حال الركوب في معرض نظر الأجنبي غالباً كما لايخفى.
ثانيها: ما أفاده بعض الاعلام (قدس سرهم) ممّا حاصله ان ما دلّ على ان حدّ الاسدال الى طرف الأنف وهو الجانب الأعلى من الأنف صريح في عدم جواز الاسدال الى الزائد من ذلك فيكون ما دل على جواز الاسدال الى الفم أو الذقن والنحر معارضاً له فهذه الروايات تسقط بالمعارضة والمرجع ـ ح ـ ما دلّ على ان احرام المرأة في وجهها فالواجب عليها بمقتضى الاطلاق عدم ستر الزائد من طرف الأنف الأعلى بأيّ ساتر كان نعم لا بأس بالعمل برواية معاوية بن عمّار الدالة على الجواز الى النحر مقيّداً بما اذا كانت راكبة لأنه لا معارضة بينها وبين روايات الحدّ لأنّه لا علم بعدم الفرق بين حال الركوب وغيره وانّما جوّز الستر في حال الركوب لأنّها في معرض نظر الأجنبي فتقيد روايات الحدّ بحال الاختيار وبأنها اذا كانت مأمونة من النظر فالمتحصل انها اذا كانت مأمونة من النظر يجوز لها اسدال الثوب الى طرف الأنف حتى تتمكن من ان تبصر وترى الطريق واذا كانت في معرضه يجوز لها الاسدال الى الفم أو النحر.
ثالثها: ما احتمله بعض الاعاظم (قدس سرهم) على ما في تقريرات بحثه في الحج من انه لا معارضة بين الاخبار حتى تحتاج الى الجمع بتقريب يرجع ملّخصه ان قوله (عليه السلام)«احرام المرأة في وجهها» انما يدلّ على محل الاحرام ولا دلالة له على كيفية الاحرام وانّها عبارة عن كشف تمام الوجه بل لابد من الاستفادة من دليل آخر وعليه فيمكن ان يقال ان المستفاد من صحيحة الحلبي المتقدمة الواردة في المرأة المتنقبة هي حرمة تغطية تمام الوجه لا بعضه للجمع بين ايجاب الاسفار وجواز الارخاء وعليه فالمراد من قوله (عليه السلام) «اسفري» هو لزوم اسفار بعض الوجه ومن قوله (عليه السلام) «وارخي ثوبك» هو
. . . . . . . . . . .
جواز السدل بحيث يستر بعض الوجه لا تمامه واما ما دلّ على جواز الاسدال الى الذقن أو الى النحر فيمكن ان يقال انّ المراد منه انها تجعل الثوب الذي وضعت على رأسها بحيثية يستر جانبي وجهها أو أحد جانبيه به مع بقاء مقدار من وسط الوجه مكشوفاً أو مع الجانب الآخر كذلك.
والتحقيق في المقام ان يقال اوّلاً انك عرفت في مسألة حرمة تغطية الوجه للمرأة المحرمة ان تغطية البعض الخارج عن المحدودة التي يسترها النقاب لا دليل على حرمتها وان قلنا بالاحتياط الوجوبي نظراً الى الفتاوى التي ظاهرها انه لا فرق بين الرجل المحرم والمرأة المحرمة فكما ان تغطيته لبعض الرأس محرمة كذلك تغطيتها لبعض الوجه ولكن الدليل لايساعد على ذلك.
وثانياً ان في جملة من الروايات المتقدمة الدالّة على وجوب الاسدال أو جوازه لم يقع التعرض اوّلاً لبيان الحدّ بل التحديد قد تحقق بعد السؤال عن الحدّ ومرجعه الى انه لو لم يتحقق السؤال لكان مقتضى الاطلاق الاسدال بنحو يشمل جميع الوجه كما لايخفى.
وثالثاً ان في بعض الروايات ما ظاهره تقييد مشروعية الاسدال بما اذا مرّ بالمرأة المحرمة رجل اجنبي أو بما اذا كانت راكبة ومرجعة، الى كونها في معرض النظر.
ورابعاً ان في بعض الروايات قد جمع بين ايجاب الاسفار ووجوب الارخاء المضاف الى الثوب أو جوازه.
وحيث انّ الرواية الجامعة لجميع هذه الخصوصيات هي صحيحة الحلبي المتقدمة فلابد من التكلم في مفادها والدقة في مدلولها فانّها مفتاح حلّ اعضال الجمع بين الروايات لاشتمالها على الخصوصيات المزبورة خصوصاً الاخيرة التي لها كمال
. . . . . . . . . . .
المدخلية في وجه الجمع فنقول:
نفس حكاية الامام الصادق (عليه السلام) انّ ابا جعفر (عليه السلام) مرّ بامرأة متنقبة وهي محرمة تدلّ على عدم اجتماع التنقب مع الاحرام بمعنى انه لايجوز للمحرمة التنقب في حال الاحرام وقد عرفت سابقاً انّ في النقاب خصوصيتين احداهما كونه ساتراً لبعض الوجه، والاُخرى كونه ساتراً للبعض المعين من الوجه دائماً وبلحاظ هذا البحث الذي نحن فيه نقول بان فيه خصوصية ثالثة أيضاً، وهي كيفية ساتريته لبعض الوجه وهي شدّ الثوب على ذلك البعض لا مجرد وضعه عليه فتدبّر.
واما قوله (عليه السلام) مخاطباً للمرأة المتصفة بما ذكر: احرمي واسفري وارخي ثوبك من فوق رأسك فنقول نفس هذه المخاطبة ظاهرة في كون المرأة المذكورة واقعة في معرض نظر الأجنبي وامّا قوله: احرمي فقد مرّ معناه في ذيل نقل الرواية وامّا قوله: اسفري فالظاهر بملاحظة كون المرأة متنقبة هو لزوم الاسفار بالاضافة الى المحدودة التي يسترها النقاب ويوجب التنقب عدم تغيّر لونها والتعليل بقوله «فانك ان تنقبت لم يتغيّر لونك» يؤيد بل يدل على عدم كون المراد بالاسفار هو اسفار تمام الوجه وكشفه بل الاسفار بالنسبة الى المحدودة المذكورة ولا شبهة في كون الرواية ظاهرة في وجوب الاسفار.
وامّا قوله: ارخي ثوبك من فوق رأسك فالظاهر ان المراد به هو وجوب الارخاء الظاهر في ستر جميع الوجه بلحاظ كونها في معرض نظر الأجنبي فان قلنا بوجوب ستر الوجه على المرأة عند المعرضية للنظر فظاهر الرواية باق على حاله وان قلنا بالعدم كما حققناه في كتاب الصلاة في بحث لباس المصلي الذي وقع التعرض فيه للستر الواجب النفسي ايضاً في الرجل والمرأة فاللازم ان يقال بان مفاد هذا القول مجرد المشروعية
. . . . . . . . . . .
لا الوجوب وقد مرّ ان الظاهر منه مع قطع النظر عن التحديد الواقع بعده هو جواز الارخاء بنحو يشمل جميع الوجه لكنه بعد سؤال رجل عن حدّ الارخاء أجاب بقوله: تغطي عينها والظاهر ان المراد من هذه العبارة هو التحديد بما وقع في صحيحة العيص المتقدمة التعبير عنه بقدر ما تبصر فانه مع تغطية العين لاتتمكن من السير والحركة فالمراد هو التغطية الى حدّ العين.
وامّا قوله: نعم في مقام الجواب عن السؤال عن بلوغ الفم فلابد اوّلاً من ملاحظة انه كيف يجتمع مع التحديد الاوّل فان جعل الحدّ هو العين لايجتمع مع تجويز البلوغ الى الفم وثانياً من ملاحظة انه كيف يجتمع التحديد مع اطلاق الحكم بارخاء الثوب ولا محيص من ان يقال ان المراد مجرّد تجويز الارخاء المضاف الى الثوب سواء بلغ الى حدّ العين أو الى حدّ الفم وبقرينة ساير الروايات يستفاد الجواز الى حدّ الذقن بل الى حدّ النحر.
وعليه فهذه الصحيحة شاهدة على انه لا تنافي بين الحدين ولا تعارض بين الأمرين فما عرفت في كلام بعض الاعلام (قدس سرهم) من انه لو كانت هذه التحديدات واقعة في كلام واحد لكانت من المتنافيات، يدفعه هذه الصحيحة المشتملة على الجمع بين التحديدين فاللازم ان يقال بعدم ثبوت التنافي بوجه بل مرجعه الى جواز الجميع ومشروعية الاسدال بكل حدّ غاية الأمر انه حيث يكون موردها ما اذا كانت المحرمة في معرض نظر الأجنبي وقد وقع التصريح بهذا القيد في روايتي سماعة ومعاوية المتقدمتين فلابد من الاقتصار على هذا المورد والحكم بالجواز في هذه الصورة بالاضافة الى جميع الحدود المذكورة في الروايات وامّا في غير هذه الصورة فالحكم فيه ما تقدم في مسألة تغطية الوجه.
مسألة 36 ـ لا كفارة على تغطية الوجه، ولا على عدم الفصل بين الثوب والوجه وان كانت أحوط في الصورتين [1].
التاسع عشر: التظليل... [2]
والظاهر ان قوله (قدس سره) في المتن: للستر عن الأجنبي راجع الى أصل الحكم بجواز الاسدال بناء منه على حرمة تغطية بعض الوجه ايضاً وامّا بناء على ما اخترناه فلا يتوقف جواز الاسدال الى الأنف على ان يكون الغرض هو الستر عن الأجنبي بل يجوز مطلقاً كما ان الاحتياط المستحبي المذكور فيه انّما هو للخروج عن خلاف من اعتبر عدم الالصاق بالوجه مثل الشيخ (قدس سرهم) على ما عرفت.
[1] وجه عدم ثبوت الكفارة عدم الدليل على ثبوتها بنحو الخصوص وامّا الدليل العام فهي رواية علي بن جعفر (عليه السلام) التي تقدم البحث فيها مراراً وقلنا انها ضعيفة سنداً بعبدالله بن الحسن الذي هو حفيد علي بن جعفر (عليه السلام) ودلالة لعدم ثبوت نسخة «جرحت» بل المحكى في الوسائل «خرجت» مضافاً الى عدم ملائمة كلمة الجرح لمثل هذه المقامات.
وامّا الاحتياط المستحبي فمنشأه ما ذكره الشيخ (قدس سره) عقيب الفتوى بلزوم الفصل في مسألة الاسدال بين الثوب والوجه من وجوب الدم مع تعمّد المباشرة واستظهر منه صاحب الجواهر ثبوت الكفارة المذكورة حتى اذا زال أو ازاله بسرعة فاذا كانت الكفارة في هذه الصورة ثابتة ففي التنقب ومثله بطريق أولى لكنك عرفت ان الاسدال جائز ولو كان مصيباً للوجه وملصقاً به وفي التغطية المحرمة لم ينهض دليل على ثبوت الكفارة بوجه.
[2] قد قدّمنا البحث عن التظليل مفصّلاً في أوّل محرّمات الاحرام لأجل شدّة الابتلاء به خصوصاً في هذه الأزمنة فلا مجال للإعادة.
العشرون: اخراج الدم من بدنه ولو بنحو الخدش أو السواك، وامّا اخراجه من بدن غيره كقلع ضرسه أو حجامته فلا بأس به كما لابأس باخراجه من بدنه عند الحاجة والضرورة، ولا كفارة في الادماء ولو لغير ضرورة [1].
[1] قال المحقق في الشرايع في عداد محرّمات الاحرام: «واخراج الدّم إلاّ عند الضرورة وقيل يكره وكذا قيل في حكّ الجسد المفضى الى ادمائه وكذا السّواك والكراهة أظهر» وحكى في الجواهر حرمة اخراج الدم عن المقنعة وجمل العلم والعمل والنهاية والمبسوط والاستبصار والتهذيب والاقتصاد والكافي والغنية والمراسم والسرائر والمهذب والجامع مع اضافة قوله: على ما حكى عن بعضها وعليه فالشهرة انّما هي على الحرمة والمراد من القائل بالكراهة الذي اشار اليه المحقق في عبارته المتقدمة هو الشيخ في الخلاف لكن مورده الاحتجام وعن المصباح ومختصره كراهيته والفصد والكلام في هذا الأمر يقع في مقامين:
المقام الاوّل: في عنوان الادماء واخراج الدم من نفسه بنحو الاطلاق فنقول الدليل على حرمته عدّة روايات:
منها صحيحة معاوية بن عمّار قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم كيف يحكّ رأسه ؟ قال باظافيره مالم يدم أو يقطع الشعر(1). فان المتفاهم العرفي منها انّ حكّ الرأس بالاظافير اذا اتّصف بالادماء وتعقبه خروج الدم يكون محرّماً من جهة الادماء واخراج الدم لا من جهة كون حكّ الرأس متعقّباً بخروج الدم، كما ان الأمر كذلك بالاضافة الى قطع الشعر الذي عرفت انه من الاُمور المحرّمة على المحرم ولا فرق بين ان يكون موجبه حكّ الرأس أو شيئاً آخر غيره، فهذه الرواية تامة من حيث السند والدلالة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح1.
. . . . . . . . . . .
ومنها رواية عمر بن يزيد عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال لابأس بحكّ الرأس واللحية مالم يلق الشعر وبحكّ الجسد مالم يدمه(1).
ومنها صحيحة الحلبي قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يستاك قال: نعم ولا يدمى(2).
المقام الثاني: في العناوين الخاصة الواقعة في الروايات وهي متعددة:
الاوّل الاحتجام وقد وردت فيه طائفتان من الاخبار:
الطائفة الاولى : ما ظاهره المنع وعدم الجواز مثل:
صحيحة الحلبي قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم ؟ قال: لا، إلاّ أن لايجد بدّاً فليحتجم ولا يحلق مكان المحاجم(3).
ورواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال لايحتجم المحرم إلاّ ان يخاف على نفسه ان لايستطيع الصلاة(4).
والرّاوي عن زرارة هو مثنى بن عبدالسّلام الذي هو من رجال صفوان بن
يحيى وقد اشتهر ان روايته وكذا رواية ابن ابي عمير وابن ابي نصر البزنطي
عن شخص دليل على وثاقته وان كان مجهول الحال بنفسه لكن فيه كلام كما قرّر في محلّه.ورواية الحسن الصيقل عن ابي عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم ؟ قال: لا، إلاّ ان يخاف التلف ولا يستطيع الصلاة وقال: اذا آذاه الدم فلا بأس به ويحتجم ولا يحلق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح2.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح3.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح1.
(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح2.
. . . . . . . . . . .
الشعر(1). والمراد هو الشعر الموجود في مكان الحجامة.
ورواية ذريح انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم فقال نعم اذا خشي الدم(2).وظاهرها عدم الجواز مع عدم خشية الدم التي يعبر عنها في الفارسية به «فشار خون».
الطائفة الثانية: ما يدلّ بظاهره على الجواز مثل:
صحيحة حريز عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال لا بأس ان يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر(3).
ومرسلة الصدوق المعتبرة ـ على ما نبهنا عليها مراراً ـ قال: احتجم الحسن «الحسين خ ل» بن علي (عليهما السلام) وهو محرم(4).
ورواية يونس بن يعقوب قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم ؟ قال: لا احبّه(5). بناء على ظهور قوله: لا احبّه في الكراهة الملائمة للجواز وامّا بناء على ظهوره في الحرمة فالرواية تكون من روايات الطائفة الاولى.
ورواية فضل بن شاذان قال سمعت الرضا (عليه السلام) يحدّث عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) احتجم وهو صائم محرم(6).
ورواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال سألته عن المحرم هل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح3.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح8 .
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح5.
(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح7.
(5) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح4.
(6) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح10.
. . . . . . . . . . .
يصلح له ان يحتجم ؟ قال: نعم ولكن لايحلق مكان المحاجم ولا يجزّه(1).
والجمع بين الطائفتين بحيث يخرجهما عن المتعارضين انّما هو بحمل الطائفة الثانية على صورة الضرورة وقد وقع التصريح بالجواز في هذه الصورة في جملة من روايات الطائفة الاولى وبعبارة اُخرى الطائفة الثانية تدلّ على الجواز بنحو الاطلاق وان كان في مرسلة الصدوق لا مجال للاطلاق ايضاً لانّها حكاية فعل الامام (عليه السلام) والفعل لا اطلاق له نعم لو كان الحاكي له هو امام آخر وكان غرضه من الحكاية بيان الحكم وافادته من هذا الطريق كما في رواية فضل بن شاذان يمكن التمسك باطلاقه وبالجملة الطائفة المجوزة مطلقة والطائفة المانعة مفصلة بين صورتي الضرورة وعدمها والجمع يقتضي حمل الاولى على صورة الضرورة ولا حاجة معه الى وجود الشهرة على طبق الطائفة المفصلة لأن الجمع الدلالي يوجب الخروج عن دائرة التعارض والشهرة مرجّحة في باب المتعارضين فلا مجال لما في الجواهر من ان الشهرة ترجح الجمع بين النصوص بالتقييد بالضرورة، ثم ان حمل صحيحة حريز الظاهرة في الجواز المقيدة بصورة الضرورة عليها لاينافي التقييد بعدم الحلق وقطع الشعر نظراً الى انّه لو كانت الضرورة موجودة لكان مقتضاها جواز الحلق والقطع ايضا.
وجه عدم المنافاة ان الضرورة في أصل الاحتجام لا تستلزم الضرورة بالاضافة الى الحلق والقطع ولأجله وقع الجمع بين الأمرين في صحيحة الحلبي المتقدمة حيث انه بعد الحكم بجواز الاحتجام فيما لا يجد بدّاً نهى فيها عن حلق مكان المحاجم.
العنوان الثاني: الاستياك والفرق بينه وبين الاحتجام ملازمة الثاني للادماء وامكان عدم الادماء في الاوّل وقد وقع فيه ايضاً طائفتان من الاخبار:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والستون، ح11.
. . . . . . . . . . .
الطائفة الاولى: ما ظاهره المنع في صورة الادماء مثل:
صحيحة الحلبي قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يستاك ؟ قال: نعم ولا يدمي(1).
الطائفة الثانية: ما ظاهره الجواز في الصورة المذكورة مثل:
صحيحة علي بن جعفر ـ في كتابه ـ عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن المحرم هل يصلح له ان يستاك ؟ قال: لا بأس ولا ينبغي ان يدمى فيه(2). بناء على كون قوله: لاينبغي، ظاهراً في الكراهة المقابلة للحرمة وامّا لو كان المراد به الحرمة فيما لم يقم دليل على خلافها فهذه الرواية تصير من جملة الطائفة الاولى كما انه لو قيل بان المراد به هو الأعم من الكراهة والحرمة لكانت صحيحة الحلبي قرينة على ان المراد بها خصوص الحرمة كما انه على القول الاوّل تصير هذه الرواية قرينة على ان المراد بقوله: ولا يدمي في الصحيحة المزبورة هي الكراهة.
وصحيحة معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) في المحرم يستاك؟ قال: نعم، قلت: فان أدمى يستاك؟ قال: نعم هو من السنّة(3). وفي الوسائل ان الكليني (قدس سره) بعد نقل الرواية بهذه الكيفية عن معاوية بن عمار، قال: قال الكلينى : وروى ايضاً لايستدمي.
واحتمل ان يكون: روى بصيغة المعلوم فيكون ضمير الفاعل راجعاً الى معاوية بن عمّار وعليه فمقتضاه كون الرواية مسندة بنفس السند المذكور قبله واللازم ـ ح ـ ان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح3.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح5.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثاني والتسعون، ح1.
. . . . . . . . . . .
يقال بان موضع «لايستدمي» مكان الجواب عن السؤال الثاني وهو قوله: نعم هو من السنّة فتدلّ الرواية على عدم جواز الاستدماء والظاهر انه لا فرق بينها وبين الادماء المذكورة في السؤال.
ولكن الظاهر ان هذا الاحتمال في غاية الضعف وذلك لأنّه عليه كان اللازم التصريح بكون معاوية روى ذلك بهذا السند كما انه كان اللازم بيان محلّ قوله: لايستدمي بل الرواية مرسلة على نقل الكليني والظاهر ان مراده هي صحيحة الحلبي المتقدمة غاية الأمر ان الشيخ رواها مسندة والكليني مرسلة.
وكيف كان فالمعارضة متحققة بين الطائفتين ولا سبيل الى الجمع الدلالي المخرج لهما عن عنوان المتعارضين وحيث ان الاولى موافقة للشهرة الفتوائية حيث ان جملة من الاصحاب وان اقتصروا على ذكر بعض العناوين كالاحتجام وحكّ الجسد والاستياك ونحوها إلاّ ان المشهور على ما عرفت في أوّل البحث حكموا بحرمة مطلق الادماء من أي طريق تحقق، وعبارة الشرايع المتقدمة التي استظهر فيها الكراهة تحتمل ان تكون راجعة الى العنوانين لا الى عنوان الادماء على سبيل الاطلاق كما فسرها بذلك ابتداء صاحب الجواهر وهو الظاهر وان احتمل في ذيل كلامه رجوعها الى المطلق فاللازم الأخذ بالطائفة الناهية والحكم بحرمة الاستياك مع الادماء.
العنوان الثالث: حكّ الجسد المؤدّي الى ادمائه وقد اقتصر عليه في محكى الاقتصاد والكافى.
ويدلّ على حرمته صحيحة معاوية بن عمّار قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم كيف يحكّ رأسه؟ قال: باظافيره مالم يدم أو يقطع الشعر(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح1.
. . . . . . . . . . .
ورواية عمر بن يزيد التي في سندها ابنه محمد وهو لم يوثق عن ابي عبدالله (عليه السلام)قال: لابأس بحكّ الرأس واللحية مالم يلق الشعر وبحكّ الجسد مالم يدمه(1).
ولا ينافيهما رواية زرارة قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) هل يحكّ المحرم رأسه ويغتسل بالماء؟ قال: يحك رأسه مالم يتعمّد قتل دابة الحديث(2). بعد كون اطلاقها محمولاً على صورة عدم الادماء خصوصاً مع كون الغالب عدم ايجاب حكّ الرأس لادمائه كما لا يخفى.
العنوان الرابع: عصر الدّمل وقد وردت فيه صحيحة معاوية بن عمّار انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم يعصر الدّمل ويربط عليه الخرقة فقال: لا بأس(3). ومقتضى اطلاق السؤال وترك الاستفصال وان كان هو عدم الفرق بين صورة خروج الدم وصورة عدمه خصوصاً مع كون عصر الدمل يتعقبه خروج الدم ايضاً غالباً إلاّ ان الرواية محمولة على صورة الضرورة للتأذي ببقاء الدّمل على حاله وعدم عصره بقرينة ما تقدم من الروايات.
العنوان الخامس: الجرب وقد وردت فيه موثقة عمّار بن موسى عن ابي عبدالله (عليه السلام)قال سألته عن المحرم يكون به الجرب فيؤذيه قال: يحكّه فان سال الدم فلا بأس(4).
وامّا قلع الضرس فهو من محرمات الاحرام وقد وقع البحث فيه مستقلاً وسيأتي انشاء الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح2.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثالث والسبعون، ح4.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السبعون، ح1.
(4) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الواحد والسبعون، ح3.
الواحد والعشرون: قلم الاظفار و قصّها ـ كلاًّ أو بعضاً ـ من اليد أو الرجل من غير فرق بين آلاته كالمقراضين والمدية ونحوهما، والأحوط عدم ازالته ولو بالضرس ونحوه، بل الأحوط عدم قصّ الظفر من اليد الزائدة أو الاصبع الزائد وان لايبعد الجواز لو علم انّهما زائدان [1].
ثم انه لم ينهض دليل على ثبوت الكفارة في الادماء وان حكى عن الدروس ان فدية اخراج الدم شاة وحكاه عن بعض اصحاب المناسك وعن الحلبي في حكّ الجسم حتى يدمي مدّ طعام مسكين لكن لم يعرف الدليل المعتبر على شيء منهما.
[1] الظاهر انه لا اشكال ولا خلاف في اصل الحكم وفي الجواهر بعد نفي وجدان الخلاف فيه بل ثبوت الاجماع بقسميه عليه قال: بلى في المنتهى والتذكرة نسبته الى علماء الامصار.
والأصل في المسألة النصوص المتعددة الواردة فيها وهي على طائفتين:
الطائفة الاولى: ما تدلّ لعى حرمة القصّ أو وجوب الابقاء بالمطابقة مثل:
صحيحة معاوية بن عمّار التي رواها الشيخ (قدس سره) عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل المحرم تطول اظفاره قال: لايقصّ شيئاً منها ان استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصّها «فليقلمها خ ل» وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام(1).
قال في الوسائل بعد نقل الرواية: ورواه الصدوق في المقنع مرسلا.
ولكنه رواه في باب آخر عن الصدوق مسنداً بسند صحيح مع اضافة قوله في السؤال: أو ينكسر بعضها فيؤذيه(2).
ودلالتها على حرمة القصّ بالمعنى الأعم الشامل لمطلق الإزالة والقطع ظاهرة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والسبعون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني عشر، ح4.
. . . . . . . . . . .
خصوصاً لو فرض كون التعبير في صورة الايذاء بالقلم كما في بعض النسخ كما ان دلالتها على حرمة قصّ شيء من الاظفار ايضاً كذلك وعليه فتدلّ على حرمة قصّ ظفر أصبع واحد بل بعضه والاستطاعة المأخوذة في لسان الدليل يكون المراد هي الاستطاعة العرفية كسائر العناوين المأخوذة في الادلّة والظاهر انّ مقابلتها مع الأذية تقتضي ان لايكون المراد بالأذية مطلقها الشامل لما اذا كانت قابلة للتحمل عادة ولا تكون موجبة للعسر والجرح بل خصوص الأذية غير القابلة لذلك الواقعة في مقابل الاستطاعة العرفية وكيف كان فلا شبهة في دلالة الرواية على الحرمة بالمطابقة.
وموثقة اسحاق بن عمّار عن ابي الحسن (عليه السلام) قال سألته عن رجل أحرم فنسي ان يقلّم اظفاره، قال: فقال يدعها قال قلت انّها طوال قال وان كانت قلت فان رجلاً أفتاه أن يقلّمها ويغتسل ويعيد احرامه ففعل قال: عليه دم(1).ورواه صاحب الوسائل في موضع آخر(2) وقد توهم لأجله انّهما روايتان مع وضوح انّهما رواية واحدة خصوصاً مع عدم الاختلاف بينهما في العبارة إلاّ يسيراً كتوصيف الرجل المفتى بكونه من أصحابنا ومثل ذلك.
وظاهر ان مرجع الضمير وان كان هو المحرم الذي قلّم اظفاره استناداً الى فتوى الرجل الذي هو من اصحابنا إلاّ ان الظاهر كون المراد منه هو الرجل المفتى لوجهين:
الاوّل دلالة الروايات المتعددة على نفي ثبوت الكفارة في المقام بالاضافة الى الناسي والساهي والجاهل وسيأتي التعرض لبعضها ومن المعلوم كون المحرم في مورد الرواية جاهلاً واستند في عمله الى فتوى المفتى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والسبعون، ح2.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثالث عشر، ح2.
. . . . . . . . . . .
الثاني التصريح بذلك في رواية اسحاق الصيرفي قال: قلت لأبي ابراهيم (عليه السلام) انّ رجلاً أحرم فقلّم اظفاره وكانت له اصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصّه فأفتاه رجل بعدما أحرم فقصّه فأدماه فقال على الذي أفتى شاة(1). والظاهر عدم مدخلية الادماء في ثبوت الكفارة على المفتي خصوصاً بعد عدم تجاوز الفتوى عن حدّ القصّ وان حكى عن المشهور الفتوى بذلك مقيَّداً بالادماء نظراً الى هذه الرواية.
الطائفة الثانية: ما تدلّ على الحرمة بالدلالة الالتزامية لدلالتها على ثبوت الكفارة مثل:
صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: من قلّم اظافيره ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً فلا شيء عليه ومن فعله متعمّداً فعليه دم(2). وسيأتي البحث انشاء الله تعالى في مسألة الكفارة ان الجمع المضاف الواقع فيها هل يكون المراد به خصوص الجميع أو الأعم منه ومن البعض ثم انه لا فرق في هذا المحرّم بين الرجل والمرأة وان وقع التعبير بالاوّل في جملة من الروايات لكن الظاهر انه لا خصوصية له خصوصاً بعد التعبير بـ «من» في صحيحة زرارة كما انه لا فرق بمقتضى الاطلاق بين اليد والرجل والظاهر انه لا فرق بين آلات القطع لدلالة بعض الروايات على وجوب الابقاء المنافي للقلع ولو بالضرس ونحوه وعليه فالظاهر عدم الجواز بمثله ايضا.
واما اليد الزائدة والأصبع الزائد فظاهر المتن التفصيل بين ما اذا كان الزائد منهما مشخّصاً معلوماً فنفى البعد عن الجواز فيه، وبين ما اذا لم يكن مشخّصاً فاحتاط وجوباً عدم القصّ والقلم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثالث عشر، ح1.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب العاشر، ح5.
مسألة 41 ـ الكفارة في كل ظفر من اليد أو الرجّل مدّ من الطّعام مالم يبلغ في كل منهما العشرة فلو قصّ تسعة أظفار من كل منهما فعليه لكل واحد مد [1].
والظاهر انه لا فرق بين الصورتين في عدم الجواز فان كون اليد زائدة أو الأصبع كذلك لاينافي اضافة الظفر الى الرجل المحرم غاية الأمر انّه انسان له خصوصية كذا ولا يكون الزائد خارجاً عن الجزئية له والاضافة اليه ولذا يجب غسلهما خصوصاً في باب الغسل الذي يعتبر فيه غسل جميع البدن، ودعوى انصراف الادلة المانعة عن ظفر الأصبع الزائد أو اليد الزائدة ممنوعة جدّاً خصوصاً لو قلنا بان الجمع المضاف الى الضمير في مثل قوله: اظافيره ظاهر في جميع الاظافير وهذا هو الذي قواه الفخر وتبعه الشهيد وان احتمل صاحب الجواهر خلافه.
[1] المشهور انّ ثبوت الكفارة بالاضافة الى كل ظفر مالم يبلغ العشرة بالاضافة الى كل من اليد والرجل انّما هو بمقدار مدّ من طعام وظاهرهم تعيّن نفس المدّ وانه لايجتزي بقيمته.
لكن حكى عن الاسكافي انه قال: في الظفر مُدٌّ او قيمته حتى يبلغ خمسة فصاعداً فدم ان كان في مجلس واحد فان فرّق بين يديه ورجليه فليديه دم ولرجليه دم.
وعن الحلبى : في قصّ ظفر كفّ من طعام وفي اظفار احدى يديه صاع، وفي اظفار كلتيهما دم شاة، وكذا حكم اظفار رجليه وان كان الجميع في مجلس فدم.
وظاهر الوسائل في عنوان الباب التخيير بين مدّ من الطعام وبين كفّ منه.
وكيف كان فالدليل على المشهور صحيحة ابي بصير بناء على نقل الصّدوق قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قصّ ظفراً من اظافيره وهو محرم قال: عليه مدّ من طعام حتى يبلغ عشرة فان قلم اصابع يديه كلّها فعليه دم شاة، فان(1) قلّم اظافير يديه ورجليه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا في الوسائل ولكنه حكى عن المصدر زيادة «قلت» وهو الظاهر وإلاّ لايكون كلمة الغاء وكذا ذكر «فقال» ملائماً كما لايخفى.
. . . . . . . . . . .
جميعاً فقال: ان كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، وان كان فعله متفرّقاً في مجلسين فعليه دمان(1). هذا ولكن في نقل الشيخ بدل «عليه مدّ من طعام» قال: عليه في كل ظفر قيمة مدّ من طعام، وعلى ما ذكرنا فالاختلاف انّما هو بين النقلين لا بين النسختين كما هو ظاهر صاحب الجواهر وحيث ان الصدوق اضبط في نقل الرواية عن الشيخ لكثرة اشتغالاته وتأليفاته في الفنون المختلفة الاسلامية بل له تأليفات متعددة في فنّ واحد كالفقه فالظاهر لزوم الأخذ بما رواه الصدوق الذي يؤيّده فتوى المشهور كما انه يؤيده خبر الحلبي وان كان في سنده ضعف انه سأله عن محرم قلّم اظافيره قال: عليه مدّ في كل اصبع فان هو قلّم اظافيره عشرتها فانّ عليه دم شاة(2).
لكن ربما يتوهم انّ في مقابلها روايتين ظاهرتين في خلاف ما ذكر:
احداهما صحيحة معاوية بن عمّار المتقدمة عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته
عن الرجل المحرم تطول اظفاره قال لايقصّ شيئاً منها ان استطاع فان كانت تؤذيه فليقصها (فليقلمها خ ل) وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام(3). ولعله لأجله حكم صاحب الوسائل بالتخيير بين المدّ والكف للجمع بين الروايات ولكن حيث ان مورد ذيل الرواية صورة الاضطرار المسوغ للقصّ فلا دلالة له على ان الكفارة في محلّ البحث الذي هي صورة الحرمة ومخالفة التكليف التحريمي المتعلق بقصّ الظفر ايضاً ذلك.ثانيتهما صحيحة زرارة المتقدمة ايضاً عن ابي جعفر (عليه السلام) قال من قلّم اظافيره
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني عشر، ح1.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني عشر، ح2.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والسبعون، ح1.
. . . . . . . . . . .
ناسياً أو ساهياً أو جاهلاً فلا شيء عليه ومن فعله متعمّداً فعليه دم(1) بناء على عدم ظهور الجمع المضاف الى الضمير في العموم فانّها ـ ح ـ تدل على ثبوت الدم في قصّ ظفر واحد ايضاً.
ولكن الجواب انّ اطلاقها على فرض ثبوته يقيَّد بالمجموع بسبب صحيحة ابي بصير المتقدمة الّتي هي نص في عدم وجوب الدّم في قصّ ظفر واحد أو مثله.
وقد ظهر مما ذكرنا انه لا محيص عن الالتزام بما عليه المشهور وربما يدفع احتمال ثبوت القيمة بانه يلزم ـ ح ـ التخيير بين الأقل والأكثر في الواجب التخييري وهو مستحيل بخلاف نفس المدّ الذي يرجع الى التخيير بين انواع مختلفة مثل الحنطة والشعير وغيرهما ولكن التحقيق كما قرّر في الاصول انه لا استحالة في التخيير بين الأقل والأكثر بوجه هذا كلّه بالنسبة الى ما دون الخمسة.
وامّا في الخمسة وما زاد عليها الى ان تبلغ العشرة ففي المتن تبعاً للمشهور ان في كل ظفر مدّاً من طعام فلو قصّ تسعة اظفار ففي كل واحد منها المدّ ويبلغ المجموع تسعة امداد لكن عرفت في عبارة الاسكافي انّ في الخمسة فما زاد الدّم وفي عبارة الحلبي ان في الخمسة المطابقة لاظفار احدى يديه صاع مع ان الصاع يعادل أربعة امداد.
أقول امّا ما ذكره الحلبي فلا شاهد له اصلاً إلاّ ما ذكره صاحب الجواهر من انّه يحتمل ان يكون مراده من الصاع هو صاع النبي (صلى الله عليه وآله) الذي كان خمسة امداد ومن الظاهر انه بعيد.
وامّا ما ذكره الاسكافي فيمكن ان يكون مستنده في ذلك صحيحة حريز عن ابي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب العاشر، ح5.
. . . . . . . . . . .
عبدالله (عليه السلام) في المحرم ينسي فيقلّم ظفراً من اظافيره قال: يتصدّق بكفّ من طعام قلت فاثنتين قال: كفين قلت فثلاثة قال: ثلث أكفّ كل ظفر كف حتى يصير خمسة فاذا قلّم خمسة فعليه دم واحد خمسة كان أو عشرة أو ما كان(1).
ومرسلته عمّن أخبره عن ابي جعفر (عليه السلام) في محرم قلّم ظفراً قال يتصدّق بكفّ من طعام قلت: ظفرين، قال: كفين قلت ثلاثة قال ثلاثة أكفّ، قلت أربعة قال أربعة أكفّ قلت خمسة قال عليه دم يهريقه فان قصّ عشرة أو أكثر من ذلك فليس عليه إلاّ دم يهريقه(2).
ودلالة الاولى على ثبوت الدم في الخمسة في صورة التوجه والالتفات انّما هي على سبيل الاولوية لأنه اذا كان الدم ثابتاً في الخمسة في صورة النسيان ففي صورة الالتفات لا مجال لاحتمال كون الكفارة أخفّ وأقلّ من الدّم إلاّ ان يكون المراد بالنسيان فيه هو النسيان قبل الاحرام وتقليم الظفر بعده مع الالتفات وعليه تكون دلالتها بالمطابقة كالمرسلة لكن هذا الاحتمال في الصحيحة خلاف الظاهر جدّا.
ثم ان دلالة الروايتين على مدّعى الاسكافي انّما هي بالاضافة الى بعض مدّعاه الذي هو محلّ البحث فعلاً لأنّ بعضه الآخر كان عبارة عن التخيير بين المدّ و قيمته مع ان مقتضى الروايتين ثبوت كفّ من طعام في ظفر واحد وكفين في ظفرين وهكذا الى ان يبلغ الخمسة.
هذا ويرد على الاستناد اليهما انّ الثانية ضعيفة بالارسال ولا مجال للاستناد اليها والاولى وان كانت صحيحة إلاّ انّ ثبوت الكفارة في مورد النسيان في قلم الظفر مضافاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني عشر، ح2.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثاني عشر، ح5.
. . . . . . . . . . .
الى انه خلاف الفتاوى بل الاجماع كما في الجواهر فالرواية تصير معرضاً عنها يكون مخالفاً لحديث الرفع ولما دلّ على ان الناسي أو الجاهل في باب الحج ليس عليه الكفارة إلاّ في مسألة الصيد ولما ورد في خصوص المقام من الرواية الصحيحة الدالة على اختصاص الكفارة بالمتعمد وانه لاشيء على الناسي والساهي والجاهل كصحيحة زرارة المتقدمة في أصل البحث فلا مجال للأخذ بهذه الصحيحة في المقام على انهما موافقتان لمذهب ابي حنيفة في الحكم بالدم في الخمسة.
هذا وامّا المناقشة في الصحيحة بكون أمرها دائراً بين الارسال كالرواية الثانية التي نقلها الكليني وبين كونها مسندة كما في نقل الشيخ كما في كلام بعض الاعلام (قدس سرهم) فمن الغرائب جدّاً فان الدوران انما يكون مورده ما اذا كان الراوي واحداً والامام الذي روى عنه واحداً فانه ـ ح ـ اذا كانت احدى روايتيه بنحو الارسال والاُخرى مسندة يكون أمر الرواية دائراً بين الارسال والاسناد ويخرج بذلك عن الحجية والاعتبار وامّا اذا كان الامام (عليه السلام) متعدداً فأي مانع من ان يكون نقله عن احدهما بنحو الارسال والآخر مسنداً ولا منافاة بين النقلين بوجه والمقام من هذا القبيل فان حريز روى الصحيحة عن الصادق (عليه السلام) بلا واسطة والمرسلة عن الباقر (عليه السلام) مع واسطة مجهولة ولا معنى للحكم بالدوران هنا بل الصحيحة باقية على حجيتها ووجود المرسلة لايقدح فيها بوجه هذا كلّه بالاضافة الى الخمسة وما زاد مالم يبلغ العشرة.
وامّا العشرة فلا شبهة في ان الكفارة فيها نصّاً واجماعاً هو دم شاة وقد وقع التصريح به في صحيحة ابي بصير المتقدمة كما انه لا شبهة في انه اذا كانت العشرة مجموع اليدين أو مجموع الرجلين تكون كفارة الدّم ثابتة وامّا اذا كانت مركبة من اليد والرجل كما اذا قلّم اظافير يد واحدة وكذا رجل واحدة فهل الكفارة الدم أو عشرة امداد
. . . . . . . . . . .
من الطعام ؟
صريح المتن هو الثاني حيث وقع فيه التصريح بانه لو قص من كل واحدة من اليد والرج لتسعة اظفار فعليه لكل واحد مدّ وقد تبع في ذلك صاحبي المسالك والجواهر (قدس سرهما).
والتحقيق يقتضي خلاف ذلك لأنّ المستند الوحيد في هذا المقام هي صحيحة ابي بصير المتقدمة وان جعل في الوسائل روايته متعددة وتبعه بعض الكتب الفقهية إلاّ ان الظاهر عدم كونها اُخرى كما أشرنا اليه مرارا.
وصحيحة ابي بصير الدالة على ثبوت المدّ لكلّ من ظفر لا مجال للاشكال في ثبوت الاطلاق لها بالاضافة الى ما دون العشرة فاذا قصّ اظفار احدى يديه وأربعة اظفار من رجليه ـ كلتيهما أو احديهما ـ فالحكم فيه هي تسعة امداد من الطعام مع عدم التجانس بين الاظفار لكون جملة منها من اليد وجملة اُخرى من الرجل ومن الواضح انّ مبنى الحكم ومستنده هي هذه الصحيحة وعليه فاللازم الالتزام بثبوت الاطلاق للضابطة الكلية المستفادة منها وهي ثبوت المدّ لكل ظفر فيما دون العشرة والحكم بانه لا فرق فيما دونها بين ان يكون الجميع من اليد أو من الرجل أو من كلتيهما على سبيل الاختلاط والتركيب.
فاذا كان الاطلاق ثابتاً لِلْمُعنيّى فالظاهر ثبوته بالنسبة الى الغاية وهي العشرة لأن الصحيحة مسوقة لبيان حكم كل من الصورتين وعليه فكما انه لا فرق فيما دون العشرة بين الفروض الثلاثة المذكورة كذلك لا فرق في العشرة بين تلك الفروض ولا مجال للتفكيك بين العنوانين فاذا كانت العشرة مركبة من اليد والرجل معاً فاللازم الحكم بثبوت كفارة الدّم فيها.
. . . . . . . . . . .
نعم هنا شيء ربما يمكن ان يوهم خلاف ذلك وهو ان التفريع المذكور بعده بقوله: فان قلم اصابع يديه ناظراً الى الاظفار المتجانسة وهي أظفار اليدين ولكن من الظاهر انّ التعرض لبعض الفروض في مقام التفريع لايوجب اختصاص الحكم به ولذا يستفاد منه حكم اظفار الرجلين ايضاً ولا شاهد على الاختصاص بالفرضين بل الظاهر شمول الحكم للفرض الثالث وهي صورة الاختلاط والشاهد على استفادة حكم الرجلين ايضاً السؤال الثاني لأبي بصير المشتمل على فرض الجمع بين اظفار اليدين والرجلين معاً فانه لو لم يكن حكم الرجلين مستفاداً من الجواب عن السؤال الاوّل لكان الاولى بل المتعيّن السؤال عنه قبل السؤال عن الجمع بين أظفار اليدين والرجلين معاً وقد عرفت انّ النسخة الصحيحة الملائمة مع كلمة «الفاء» ومع قوله: فقال هو اضافة كلمة «قلت» الظاهرة في السؤال الثاني قبل قوله فان قلّم اظافير يديه ورجليه معاً وعلى ما ذكرنا فالصحيحة تدلّ بالوضوح على انّ العشرة المركبة من اليد والرجل كفارتها ايضاً دم شاة.
ثم انّ المنسبق الى الذهن والمتفاهم العرفي من الصحيحة انّ ثبوت كفارة الدم فيما اذا بلغ عشراً انّما هو فيما اذا لم يتحقق التكفير عمّا دونه فلو فرض انه كفّر عقيب كلّ ظفر قصّه مدّاً من الطعام فالظاهر انه لا يترتب على قص الظفر العاشر الذي هو ظفر واحد بعد الكفارات المتعددة لما دونه إلاّ المدّ ولا يثبت كفارة الدم بمجرد قصّ ظفر واحد مع هذه الصفة كما انه لو كفر عقيب التسعة عن الجميع تسعة أمداد فقصّ الظفر العاشر فلا يترتب عليه إلاّ كفارة المدّ دون الدّم وهكذا في الفروض المشابهة حتى في مثل ما كفر عن ظفر واحد، فان ترتب كفارة الدم متوقف على العشرة بعده بحيث صار المجموع واحداً وعشرة ولا يكفي مجرّد تحقق العشرة في المجموع وهذا لا فرق فيه
مسألة 42 ـ الكفارة لقصّ جميع اظفار اليد شاة، ولقصّ جميع اظفار الرجّل شاة، نعم لو قصّهما في مجلس واحد فللمجموع شاة إلاّ مع تخلّل الكفارة بين قصّ الاوّل والثاني فعليه شاتان، ولو قصّ جميع اظفار احديهما وبعض الاُخرى فللجميع شاة وللبعض لكلّ ظفر مدّ، ولو قصّ جميع احديهما في مجلس أو مجلسين وجميع الاُخرى في مجلس آخر أو مجلسين آخرين فعليه شاتان، ولو قصّ جميع أظفار يده في مجالس عديدة فعليه شاة وكذا في قصّ ظفر الرجل [1].
بين القول بكون الموضوع لكفارة الدم هي العشرة المتجانسة كعشرة اليدين فقط أو الرجلين كذلك وبين القول بكون الموضوع أعمّ منها ومن العشرة المركبة المختلطة.
نعم على الاوّل ربما يتحقق الاشكال من جهة انه لو كفّر عن ظفر واحد فالعشرة المتجانسة لا تتحقق ـ ح ـ إلاّ على فرض كون الظفر المذكور من غير جنس البقية لعدم تحقق التجانس ـ ح ـ كما لو فرض انّه قصّ ظفراً واحداً من الرجل فكفّر ثم قصّ جميع اظفار اليد وإلاّ فلو فرض كون الظفر الذي كفّر عنه من اليد ثم قصّ ساير اظفارها وضم اليه واحداً من الرجل لايترتب عليه كفارة الدم لعدم التجانس ومن الواضح انه من المستبعد جدّاً فيصير مثل ذلك قرينة اُخرى على عدم اعتبار التجانس بوجه كما لايخفى.
[1] امّا ثبوت كفارة الشاة لقصّ جميع اظفار اليد أو جميع اظفار الرجل فقد مرّ البحث فيه في المسألة السابقة وتقدم انّ ذلك انّما هو فيما اذا لم يكن القصّ المذكور مسبوقاً بالتكفير عن بعض ما دون العشرة فضلاً عن جميعه وإلاّ لايترتب كفارة الشاة إلاّ اذا كان اللاحق على التكفير بالغاً الى العشرة مطلقاً أو خصوص المتجانسة على اختلاف الرأيين.
وامّا قصّ جميع اظفار اليدين والرجلين معاً فهو مورد للسؤال الثاني في صحيحة
. . . . . . . . . . .
ابي بصير المتقدمة وقد وقع التفصيل في جوابه بين ما اذا كان ذلك في مجلس واحد فعليه دم وبين ما اذا فعله متفرّقاً في مجلسين فعليه دمان، لكنه قد قيد في المتن الصورة الاولى بما اذا لم يتحقق التكفير بين القصين وانه مع تخلله بينهما ففيه ايضاً شاتان وهذا هو الظاهر لما عرفت في ذيل المسألة السابقة من ان المتفاهم العرفي من الصحيحة صورة عدم التخلل فكما انه في أصل ثبوت الشاة في العشرة يعتبر ذلك كذلك في ثبوت شاة واحدة في العشرين في مجلس واحد فلا اشكال في ذلك.
انّما الاشكال والمهم في هذه المسألة في ما لو قصّ جميع أظفار احداهما وبعض الاُخرى حيث انه في المتن تبعاً لصاحب الجواهر (قدس سره) الحكم بثبوت شاة بالاضافة الى عشرة اليد أو الرجل وبالاضافة الى البعض الزائد لكلّ ظفر مد.
وجه الاشكال انّ ظاهر الصحيحة المفصلة بين العشرة وما دونها بالحكم بثبوت كفارة الشاة في الاولى وثبوت المدّ لكل ظفر في الثانية ان العشرة الملحوظة فيها هي العشرة في مقابل النقيصة وما دونها لا خصوص عنوان العشرة في مقابل النقيصة والزيادة معاً وعليه فالعشرة في المقام انّما هي كالعشرة المعتبرة في قصد الاقامة في باب السفر الموجبة للاتمام في الصلاة والقاطعة لحكمه وتفريع قصّ اظفار اليدين عليه في الرواية على كون المراد بالعشرة ذلك لما عرفت من انّ التفريع يشتمل على بعض فروض المسألة والجواب عن السؤال الثاني فيها بما عرفت من التفصيل بين مجلس واحد وبين مجلسين بثبوت دم في الاوّل ودمين في الثاني يؤيد ما ذكرنا من انه مع بلوغ العشرة يرتفع كفارة المدّ وتتحول الى الدم والشاة، غاية الأمر ثبوت واحدة في بعض الموارد واثنتين في بعض الموارد الاُخر.
وبالجملة فظاهر الصحيحة التي حكم فيها بثبوت المدّ لكل ظفر وجعلت الغاية
مسألة 43 ـ لو كان اظفار يده أو رجله أقلّ من عشرة فقصّ الجميع فلكلّ واحد مدّ والأحوط دم شاة، ولو كانت أكثر فقص الجميع فعليه شاة، وكذا لو قصّ جميع اظفاره فيها هو بلوغ العشرة انّه مع البلوغ اليها ينقلب الحكم ويتحول من المدّ الى الدم ومن الطعام الى الشاة وهذا لافرق فيه بين العشرة وما زاد عليها نعم يعتبر فيه عدم تخلل التكفير فاذا كفر عن العشرة بشاة ثم قص البعض من الاخرى يجب عليه ان يكفر عن البعض لكلّ ظفر مدّ وامّا مع عدم التخلل فلا وجه لثبوت كفّارتين.
ويؤيد بل يدلّ على ما ذكرنا مضافاً الى ظهور نفس الصحيحة في ذلك، ظهور صحيحة زرارة المتقدمة الدالّة على اختصاص ثبوت الكفّارة بالمتعمد وعدم ثبوتها على الناسي والسّاهي والجاهل حيث ان مدلولها انّ من قلّم اظافيره يجب عليه دم شاة وقد تقدم ان اطلاقها وان كان يقيّد بما دون العشرة إلاّ انه لا دليل على تقييدها في العشرة فما زاد فمقتضاها ثبوت الدم في كلتا الصورتين.
كما انه يدل على ما ذكرنا ان لازم ما في المتن ان تكون الصورة المذكورة أشدّ من حيث الكفارة ممّا اذا قصّ جميع الاظفار من اليدين والرجلين في مجلس واحد حيث لايكون فيه إلاّ شاة واحدة والصورة المذكورة يكون فيهما الشاة مضافة الى المدّ بالاضافة الى كل ظفر فهل يمكن استفادة ذلك من الصحيحة الواردة في المسألة.
ويؤيده ايضاً روايتا حريز المتقدمتان فانا وان لم نقل بمفادهما من جهة جعل الملاك في كفارة الدم هي الخمسة دون العشرة إلاّ انّهما ظاهرتان في انّ الملاك هي الخمسة او العشرة أو ما كان فتدلان على ان البلوغ الى الحد المعتبر يكفي في الانتقال ولا فرق بين نفس الحدّ والزائد عليه ولعمري ان ما ذكرنا بمكان من الوضوح.
ثم انه لايخفى ما في المتن من تطويل العبارة في ذيل المسألة من دون ان يكون له طائل ومن الممكن افادة المطالب من دون التطويل المذكور فتدبّر جيّدا.
الاصليّة على الاحوط، ولو قصّ بعض الاصليّة وبعض الزائدة فلكلّ من الاصلية مدّ والاولى الاحوط تكفير مدّ لكل من الزائدة [1].
[1] يقع البحث في هذه المسألة في مقامين:
المقام الاوّل: فيما لو كان اظفار يده أو رجله أقل من العشرة وقد قصّ الجميع وقد حكم فيه في المتن بثبوت المدّ لكل واحد وان مقتضى الاحتياط الاستحبابي ثبوت دم شاة وفي الجواهر ثبوت الاشكال في الناقصة من صدق اليدين، ومن الأصل والنصّ على العشر في الاخبار.
أقول العمدة في المسألة صحيحة ابي بصير المتقدمة وفيها ظهوران متنافيان في بادئ النظر بالاضافة الى هذا المقام الذي نبحث فيه احدهما ظهور جعل الغاية بلوغ العشرة في ان هذا العدد له مدخلية في انتقال الكفارة من الطعام الى الشاة وقد مرّ انّ ذكر هذا العدد انّما هو بالاضافة الى ما دون العشرة وما نقص منه وعليه فمقتضاه في مورد البحث ثبوت المدّ لكل واحد.
ثانيهما ظهور التفريع في انّ ما يترتب عليه كفارة الدم ويوجب التحوّل والانتقال قصّ جميع اظفار اليدين فيما لو قصّه ومن الواضح تحقق هذا العنوان لو كان الاظفار أقلّ من العشرة لنقصان اصبع واحد ـ مثلاً ـ أو نقصان محل الظفر، ضرورة انه لاشبهة في انّه قصّ جميع اظفار يديه.
وعليه فاللازم ملاحظة انّ الظهور الاوّل هل يكون هو الأقوى فاللازم حمل مورد التفريع على ما اذا كان اظفار يديه عشرة أو ان الظهور الثاني هو الأقوى فتحمل العشرة على الغالب المتعارف من سلامة اليدين والرجلين، وما في المتن يبتنى على الاوّل، ولكن الظاهر هو الثاني على ما هو مقتضى الفهم العرفي بعد ملاحظة كلا الأمرين ومقايسة كلا الظهورين.
. . . . . . . . . . .
ويؤيد بل يدلّ على ما ذكرنا ان مقتضى صحيحة زرارة المتقدمة الواردة فيمن قلّم اظافيره المفصلة بين الناسي والساهي والجاهل وبين المتعمد، بانّه لا شيء في الاوّل ويثبت الدم في الثاني، الاطلاق وقد قيد بصحيحة ابي بصير على ما تقدم فلو فرض الاجمال في الصحيحة وعدم ثبوت ترجيح لأحد الظهورين على الآخر يصير المقيّد مجملاً مردّداً بين الأقل والأكثر لتردد العشرة المأخوذة فيها بين ان تكون لها موضوعية بحيث لايكون اقلّ منها ولو في محلّ البحث موجباً لثبوت كفارة الدم وبين ان لاتكون لها موضوعية فتشمل الأقل في الناقصة وفي مثل ذلك لابد من الاقتصار على الأقل من جهة التقييد وهو يقتضي ثبوت الدم في المقام كما هو ظاهر.
ثم ان رعاية الاحتياط ولو كان استحبابياً تقتضي الجمع بين المدّ لكل ظفر وبين كفارة الدم لا خصوص الاقتصار على الثاني كما لايخفى.
المقام الثاني: فيما لو كان اظفار يديه ـ مثلاً ـ أكثر من عشرة وفيه فروض:
الفرض الاوّل ما لو قصّ الجميع وفيه دم شاة فقط لا أزيد امّا على ما اخترناه فلانّا وان قلنا بثبوت المدّ لظفر الأصبع الزائد ايضاً ولو كان معلوم الزيادة إلاّ انه حيث كانت العشرة المأخوذة في الصحيحة في مقابل النقيصة دون الزيادة مضافاً الى صدق عنوان القصّ بالاضافة الى جميع اظفار اليدين دون الجميع والزيادة لكان اللازم هو الالتزام بدم الشاة فقط لا مع اضافة المد.
وامّا على ما اختاره الماتن (قدس سره) من التفصيل في الاصبع الزائد بين معلوم الزيادة فنفي البعد عن جواز قصّ ظفره وبين ما لم يكن معلوم الزيادة إلاّ اجمالاً فاحتاط بالاجتناب عن القصّ فلأنه في الصورة الاولى تحقق قصّ عشرة اظفار متجانسة وضم الزائد الذي لايكون قصه محرّماً لايوجب شيئاً زائداً على الشاة بوجه وفي الصورة
. . . . . . . . . . .
الثانية التي يكون مقتضى الاحتياط الوجوبي الناشئ عن العلم الاجمالي بكون أحد الأصابع زائداً يكون قصّ الجميع موجباً لقص جميع ما هو من أظفار اليد التي هي عشرة فيترتب عليه كفارة الدم ولا يترتب على الزائد غير المعلوم شيء بعد فرض كونه زائداً والمفروض ثبوت التجانس المعتبر عند الماتن (قدس سره).
الفرض الثاني ما لو قصّ جميع اظفاره الاصليّة دون الزائد ومقتضى الفرض كون الاظفار الاصلية متميزة عن غيرها وقد احتاط وجوباً في المتن بثبوت دم شاة في مقابل احتمال ثبوت المدّ لكل ظفر.
ويرد عليه انه لايجتمع مع مبنى المتن من عدم حرمة قص الظفر الزائد المتميز حيث انه نفى البعد عن جوازه في أصل المسألة وثبوت الموضوعية لعنوان العشرة كما دلّ عليه الحكم بثبوت المدّ دون الدم فيما لو كان اظفار يديه ـ مثلاً ـ ناقصة على ما صرّح به في أوّل هذه المسألة فان مقتضى المبنيين الحكم بثبوت الشاة هنا بنحو الأقوى إذ لا مجال لاحتمال ثبوت المدّ مع قصّ جميع الاظفار الاصلية التي هي عبارة عن العشرة المتسانحة وعدم حرمة قصّ الظفر الزائد المتميز فانه ـ ح ـ ليس بحرام حتى يترتب عليه الكفارة أو يؤثر في تشديدها كما لايخفى فاللازم الفتوى بذلك دون الاحتياط الوجوبى.
نعم بناء على ما اخترناه من حرمة قلم الظفر الزائد ولو كان متميزاً كما مرّ في صدر البحث عن هذا المحرّم الاحرامي ومن عدم كون العشرة المذكورة في صحيحة ابي بصير المتقدمة لها موضوعية بل الملاك هو ظهور التفريع الدال على ترتب دم الشاة على قلم جميع اظفار اليد، يمكن ان يقال بان ثبوت الشاة في هذا الفرض انّما هو بنحو الاحتياط الوجوبي لعدم تحقق قلم جميع اظفار اليد بعد عدم قص الزائد وكون قصّه
مسألة 44 ـ لو اضطّر الى قلم اظفاره أو بعضها جاز، والأحوط الكفارة بنحو ما ذكر [1].
داخلاً في دائرة الحرمة وأحوط من ذلك الجمع بين عشرة امداد وبين دم الشاة.
الفرض الثالث: ما لو قصّ بعض الاظفار الاصلية وبعض الزائدة ومقتضى هذا الفرض ايضاً تميز الاصليّة عن الزائدة ولا اشكال في ثبوت المدّ بالنسبة الى كل ظفر من الاظفار الاصلية وامّا بالنسبة الى الاظفار الزائدة فالحكم بثبوت الكفارة وعدمها يبتنى على القول بالحرمة وعدمه حيث ان مختار المتن العدم وان مقتضى الاحتياط الاستحبابي الاجتناب فمقتضى الاحتياط الاستحبابي ثبوت الكفارة لكل منها مد.
لكن عرفت منّا انه لا فرق بين الاصلية والزائدة وعليه فيترتب على الزائدة ايضاً الكفارة ولا أقل من الاحتياط الوجوبي كما انه لو بلغ المجموع العشرة يترتب عليه كفارة الشاة كذلك فتدبّر.
[1] لا اشكال في ارتفاع الحرمة بسبب الاضطرار العرفي كما في ساير موارد الاضطرار الرافع للحكم ويدلّ عليه وعلى ثبوت الكفارة في خصوص المقام صحيحة معاوية بن عمّار عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن الرجل المحرم تطول اظفاره قال: لايقصّ شيئاً منها ان استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصّها (فليقلّمها خ ل) وليطعم مكان كلّ ظفر قبضة من طعام(1). وظاهرها ان الكفارة الثابتة في صورة الاضطرار قبضة من طعام ولا محيص عن الأخذ بها وتقييد صحيحة ابي بصير المتقدمة بسببها من دون فرق بين الأقل من العشرة وبين العشرة فما زاد، على ما هو مقتضى اطلاق الرواية وعليه فالظاهر ثبوت قبضة من الطعام مطلقاً لا المدّ ولا دم الشاة فلا وجه للاحتياط الوجوبي المذكور في المتن كما لايخفى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والسبعون، ح1.
الثاني والعشرون: قلع الضرس ولو لم يدم على الاحوط، وفيه شاة على الأحوط [2].
[2] قلع الضرس ان كان مدمياً وموجباً لخروج الدم فالحكم فيه ما مرّ في مطلق الادماء لأنه من مصاديقه كما ذكرنا سابقاً وان لم يكن موجباً للادماء فقد وقع ثبوت الحرمة فيه محلّ خلاف فعن ابني بابويه والجنيد نفي البأس عن قلع الضرس ولم يوجبا شيئاً لكن المحكى عن النهاية والمبسوط والكافي والمهذب، ثبوت الشاة على من قلع ضرسه وظاهرها عدم الفرق بين صورة الادماء وغيرها وحكى عن الغنية ثبوت مدّ من الطعام وعن بعض طعام مسكين ولعلّ المراد واحد ولكن الجميع مشترك في الحكم بالحرمة لما عرفت من ان ثبوت الكفارة تدلّ بالدلالة التزامية على ثبوت الحرمة بلحاظ الحكم الاوّلي كما مرّ مراراً نعم حكى عن بعض ثبوت الشاة في خصوص صورة الادماء.
هذا وامّا ما ورد في المقام من الروايات فروايتان احداهما واردة في أصل الحكم والثانية في الكفارة:
امّا الاولى فحسنة الحسن الصيقل انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام) عن المحرم تؤذيه ضرسه أيقلعه ؟ فقال: نعم لا بأس به(1). وقد ورد في الحسن بن زياد الصيقل بعض المدائح وحكى عن المجلسي الاوّل انه يظهر من الصدوق ان كتابه معتمد عند الاصحاب وقال في محكى المستدرك: أوضحنا وثاقته، ويجري في مفاد الرواية بالاضافة الى مورد السؤال احتمالان:
الأوّل أن يكون السؤال عن صورة الايذاء كاشفاً عن مفروغيّة عدم جواز قلع الضرس في صورة الاختيار وعدم الايذاء وانّما كان مورد شكه صورة الايذاء، ولذا سأل عنها وعليه فالجواب بقوله (عليه السلام) «نعم لابأس به»، لايدلّ على أزيد من الحكم بالجواز
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والتسعون، ح2.
. . . . . . . . . . .
في الصورة المذكورة وفيه التقرير بالاضافة الى ماهو المفروغ عنه عند السائل فيكون مفاد الرواية ثبوت الحرمة ومقتضى الاطلاق انه لا فرق بين صورتي الادماء وعدمها.
الثاني أن يكون السؤال عن الصورة المذكورة بلحاظ كونها مورداً لابتلائها من دون أن يكون عدم الجواز في غيرها مفروغاً عنه عند السائل وعليه فلا دلالة للرواية على الجواز في صورة الاختيار نفياً واثباتاً هذا والظاهر ان المتفاهم العرفي من الرواية هو الاحتمال الأوّل ويؤيده ما ورد في الكفارة على تقدير تماميته سنداً ودلالة.
وامّا الثانية فهي ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عيسى عن عدّة من أصحابنا عن رجل من أهل خراسان انّ مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شيء، محرم قلع ضرسه فكتب (عليه السلام) بهريق دما(1).
والاشكال فيها من حيث السنّد بالارسال لكون الرجل الذي هو من أهل خراسان مجهولاً مضافاً الى الاضمار وان كان السيّاق يشهد بكون الكاتب هو الامام (عليه السلام)خصوصاً لو كان السلام عليه من كلام الراوي وان كان قابلاً للدفع لانحصار دليل القائلين بكفارة الشاة بهذه الرواية وهذا القول على تقدير ثبوت الشهرة على طبقه كما ربما يقال يكفي في الانجبار إلاّ أن يقال بعدم تحقق الشهرة الفتوائية وفتوى من عرفت لاتكون بحدّ يبلغ الشهرة إلاّ أن في دلالتها أيضاً اشكال من جهة احتمال كون مورده خصوص صورة الادماء كما هو الغالب وان كان يدفعه الاطلاق خصوصاً مع ما عرفت من عدم ثبوت الكفارة في الادماء ومن جهة احتمال كون مورده خصوص صورة الجهل التي لا يكون فيها كفارة إلاّ أن يقال بمنعه غاية الأمر ثبوت الاطلاق ويقيده ما يدلّ على نفي الكفارة على الجاهل، وقد انقدح مما ذكرنا ان ما في المتن من الاحتياط الوجوبي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب التاسع عشر، ح1.
الثالث والعشرون: قلع الشجر والحشيش النابتين في الحرم وقطعهما، ويستثنى منه موارد: الأوّل ما نبت في داره ومنزله بعدما صارت داره ومنزله فان غرسه وأنبته بنفسه جاز قلعهما وقطعهما، وان لم يغرس الشجر بنفسه فالأحوط الترك وان كان الأقوى الجواز، ولا يترك الاحتياط في الحشيش ان لم ينبته بنفسه. ولو اشترى داراً فيه شجر وحشيش فلايجوز له قطعهما. الثاني شجر الفواكه والنخيل سواء أنبته الله تعالى أو الآدمي. الثالث الأذخر وهو حشيش [1].
في أصل الحكم وكذا في الكفارة في محلّه فتدبّر جيدا.
[1] هذا الأمر كما وقع التصريح به في بعض المسائل الآتية لايكون من محرّمات الاحرام بل يكون من أحكام الحرم ويشترك فيه المحرم والمحلّ والكلام فيه يقع في مقامين:
المقام الأول: في أصل ثبوت الحكم اجمالاً قال في الجواهر بعد نفي وجدان الخلاف فيه بل الاجماع بقسميه عليه بل في المنتهى وعن التذكرة نسبته الى علماء الأمصار.
والأصل في المسألة الروايات المستفيضة الواردة فيها مثل:
صحيحة حريز عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كل شيء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين إلاّ ما أنبتّه أنت وغرسته(1). والحرمة في الرواية وان كانت متعلّقة بالشيء النابت في الحرم إلاّ أن الاستثناء قرينة على كون المراد من متعلق الحكم ما يكون مثل القلع والقطع ولا يشمل مثل مجرد النظر أو التصرفات غير المتنافية لبقاء النابت من دون حصول تغيّر فيه أصلاً مع ان بعض الروايات الآتية مُبَيِّنةٌ لذلك.
وصحيحة اُخرى لحريز عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثمانون، ح4.
. . . . . . . . . . .
يوم افتتحها فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست فأخذ بعضادتي الباب فقال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ قالوا نظنّ خيراً ونقول خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت قال فانّي أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، إلاّ أنّ الله قد حرّم مكّة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله الى يوم القيامة لاينفر صيدها، ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا تحلّ لقطتها إلاّ لمنشد فقال العبّاس: يا رسول الله إلاّ الاذخر فانّه للقبر والبيوت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ الأذخر(1).
والعضد في قوله (صلى الله عليه وآله) ولا يعضد... بمعنى القطع وقد وقع الخلاف بين اللغويين في معنى الخلا بعد الاتفاق على كونه مقصوراً فعن الجوهري: الخلا مقصوراً الحشيش اليابس تقول خلّيت الخلا واختليته جززّته وقطعته. وعن القاموس: الخلا مقصوراً الرطب من النبات أو كل بقلة قلعتها. وعن النهاية لابن الاثير الخلا مقصوراً النبات الرقيق مادام رطبا. وعن مجمع البحرين: لايجتز نبتها الرقيق مادام رطباً واذا يبس سمّي حشيشا.
والمراد من انشاء اللقطة تعريفها وقد ذكر في كتاب اللقطة اِن للقطة الحرم بعض الاحكام الخاصة.
وقد مرّ في باب الطيب انّ الأذخر من النباتات البريّة التي لها رائحة طيبة ومراد العباس من قوله فانه للقبر والبيوت انه يحتاج اليه في القبور لتسدّ به فرج اللحدّ المتخلّلة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أوردها بأجمعها في الكافي ولكن أورد صاحب الوسائل ذيله من قوله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أن... الخ في الباب 88 من أبواب التروك، ح1.
. . . . . . . . . . .
بين اللبنّات ويحتاج اليه في سقوف البيت يجعل فوق الخشب كما ذكره العلاّمة المجلسي (قدس سره) في الميراث.
هذا ولكن الرواية موردها مكّة ومورد الفتاوى والنصوص الاُخر هو الحرم وقد وقع التصريح في بعضها بانه بريد في بريد.
ورواية محمد بن مسلم التي رواها الصدوق باسناده عنه عن أحدهما (عليهما السلام) قال قلت: المحرم ينزع الحشيش من غير الحرم؟ قال: نعم، قلت فمن الحرم؟ قال: لا(1). لكن تقدم مراراً ان اسناد الصدوق الى محمد بن مسلم لايكون صحيحا.
وصحيحة معاوية بن عمّار قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) من شجرة أصلها في الحرم وفرعها في الحلّ فقال حرم فرعها لمكان أصلها قال: قلت: فانّ أصلها في الحلّ وفرعها في الحرم فقال: حرم أصلها لمكان فرعها(2). وهذه الرواية تدلّ على ان الحرمة المرتبطة بالشجر لاتختص بالقلع الذي معناه القطع من الأصل الواقع في الأرض وكذا لاتختص بما يشمل خصوص القطع الذي مرجعه الى حفظ الأصل وقطع الشجر وإزالة ارتباطه به بل تشمل الفروع من الأغصان بل والأوراق والثمر ايضاً كما لايخفى.
وغير ذلك من الروايات المتعددة الواردة في هذا المجال.
هذا وقد حكى عن العلاّمة في المنتهى انه لابأس بقلع اليابس من الشجر والحشيش لأنه ميّت فلم تبق له حرمة لكن عن التذكرة عدم جواز قلع اليابس وانه ان قلعه فعليه الضمان لأنه لو لم يقلع لنبت ثانياً وظاهره الفرق بين القلع والقطع ولكن الظاهر بمقتضى اطلاق الروايات انه لا فرق بين الرطب واليابس ولا فرق بين القلع والقطع بل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والثمانون، ح2 .
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التسعون، ح1.
. . . . . . . . . . .
لايجوز قطع الغصن اليابس والحشيش كذلك وان فسر الخلا بالرطب في بعض الكلمات المتقدمة لكنّه لا دلالة للرواية على نفي حرمة غيره فالظاهر هو العموم.
المقام الثاني: فيما استثنى من الحكم بعدم جواز القلع والقطع وهي موارد:
المورد الأوّل: ما أنبته أو غرسه في داره أو منزله والكلام فيه يقع من جهتين:
الجهة الاُولى: في أصل ثبوت هذا الاستثناء في الجملة يستفاد من صاحب الرياض على ما مَرَّ في الجواهر الترديد فيه وان الاستثناء يبتنى على انجبار الخبرين الواردين فيه بفتوى الجماعة قال: وإلاّ يشكل هذا الاستثناء.
مع انّ الظاهر انه لا مجال للمناقشة في أصل الاستثناء بعد دلالة صحيحة حريز المتقدمة في المقام الأوّل(1) على ان ما أنبته بنفسه أو غرسه خارج عن دائرة الحرمة ولا تأمّل فيها من حيث السند ومن جهة الدلالة وعليه فالاستثناء لايبتنى على ما أفاده صاحب الرياض.
والغالب على الظنّ انّ الرياض اعتمد على نقل الوسائل الخالي عن كلمة «إلاّ» الدالة على الاستثناء مع ان الرواية في التهذيب الذي هو مصدرها مشتمل عليها وبدونها تكون العبارة غير صحيحة نعم هذه الرواية في نقل الكليني(2). لاتكون مشتملة على شيء من اداة الاستثناء وذكر المستثنى اصلاً ويمكن ان يكون هذا النقل مستند الرياض والكليني وان كان أضبط من الشيخ لكن في الدوران بين النقيصة وبين الزيادة تكون اصالة عدم الزيادة مقدمة ويؤيده ان نقل الصدوق ايضاً موافق لنقل الشيخ كما في الوسائل وكيف كان لا شبهة في أصل الاستثناء في الجملة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثمانون، ح4.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثمانون، ح1.
. . . . . . . . . . .
الجهة الثانية: في محدودة المستثنى في هذا المورد فنقول:
انّ المحقق في الشرايع جعل عنوان المستثنى قوله: إلاّ ان ينبت في ملكه، والظاهر انّ مراده استثناء ما اذا كان الشجر أو الحشيش نابتاً في الأرض التي هي ملكه وظاهره كونه مالكاً لعينها فلا يشمل المستأجر الذي لايكون مالكاً إلاّ للمنفعة وكذا الأرض المباحة أو المغصوبة بطريق أولى، واحتمال كون مراد المحقق من العبارة المذكورة جعل «ملكه» فيها مصدراً على معنى كون النبات في ملكه في مقابل المغصوب ونحوه في غاية البعد ولا مجال لحملها عليه.
وامّا المتن فقد وقع فيه التفصيل بين ما نبت في داره ومنزله بعدما صارت داره ومنزله فان غرسه وأنبته بنفسه جاز قلعهما وقطعهما وبين ما لو اشترى داراً فيه شجر وحشيش فلا يجوز له قطعهما ـ وبطريق أولى قلعهما ـ وفي الصورة الأولى فيما اذا لم يغرس الشجر بنفسه ولم ينبت الحشيش كذلك جعل مقتضى الاحتياط الاستحبابي في الاول الترك ومقتضى الاحتياط الوجوبي في الثاني الترك واللازم ملاحظة النصوص الواردة في هذا المجال فنقول:
عمدتها صحيحة حريز المتقدمة وظاهره ان عنوان المستثنى كون الانبات أو الغرس مستنداً اليه من دون فرق بين ما اذا كان بالمباشرة أو بالتسبيب وكذا من دون فرق بين ان يكون النبات أو الشجر ملكاً له أو مباحاً أو مغصوباً وكذا من دون فرق بين ما اذا كان المحلّ الذي ينبته فيه أو يغرسه ملكاً له أو مباحاً أو مغصوباً فانه في جميع هذه الموارد يصحّ الاسناد اليه حقيقة.
ومنها رواية حمّاد بن عثمان التي رواها الشيخ باسناده عن سعد بن عبدالله عن محمّد بن الحسين بن ابي الخطّاب عن محمد بن يحيى عنه قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام)
. . . . . . . . . . .
عن الرجل يقلع الشجرة من مضربه أو داره في الحرم فقال ان كانت الشجرة لم تزل قبل ان يبني الدار أو يتخذ المضرب فليس له ان يقلعها، وان كانت طريّة عليه فله قلعها(1). والرواية ضعيفة بمحمد بن يحيى لأن الظاهر ان المراد به هو محمد بن يحيى الصيرفي الذي وقع التصريح به في سند الرواية الآتية وهو مجهول وامّا من حيث الدلالة فموردها قلع الشجرة ولا تعرض فيه للحشيش ولكنها عامة من جهة عدم الاختصاص بالدار والمنزل للتصريح بالمضرب الذي معناه هو محلّ ضرب الخيمة والفسطاط كما انّها عامة من جهة جعل المناط في جواز القلع كون الشجرة طارئة على بناء الدار ـ مثلاً ـ من دون فرق بين ان يكون غرسها مستنداً اليه وبين غيره.
ومنها رواية اُخرى لحمّاد بن عثمان التي رواها الشيخ أيضاً باسناده عن سعد بن عبدالله عن محمد بن الحسين عن ايوب بن نوح عن محمد بن يحيى الصيرفي عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الشجرة يقلعها الرجل من منزله في الحرم فقال: ان بنى المنزل والشجرة فيه فليس له ان يقلعها، وان كانت نبتت في منزله وهو له فليقلعها(2). وليس فيها تعرض لغير المنزل كما ان ذيلها ظاهر في ان اضافة المنزل اليه اضافة ملكيته الظاهرة في ملكية العين كما ان المراد من قوله (عليه السلام): وان كانت نبتت ليس هو النبات بنفسها حتى يخرج ما اذا كان انباتها مستنداً الى مالك الدار بل المراد هو لحوق نباتها على بناء الدار وطروه عليه في مقابل السبق.
هذا والعجب من صاحب الوسائل حيث جعلهما روايتين تبعاً للشيخ في التهذيب مع انه من الواضح وحدة الرواية خصوصاً بعد كون الراوي عن حمّاد في كلتيهما هو
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح2 .
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح3.
. . . . . . . . . . .
محمد بن يحيى الصيرفي وأعجب من ذلك انه أورد صاحب الوسائل في نفس هذا الباب رواية ثالثة لحمّاد بن عثمان قد رواها الكليني عن الحسين بن محمّد عن معلى بن محمّد عن الحسن بن علي الوشاء عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) انّ الشجرة يقلعها الرجل من منزله في الحرم قال: ان بنى المنزل والشجرة فيه فليس له ان يقعلها، وان كانت نبتت في منزله وهو له فليقعلها(1). مع وضوح انّها ايضاً لاتكون رواية اُخرى بل هي بعينها رواية حمّاد غاية الأمر ان الكليني قد رواها باسناده عنه وسنده ايضاً ضعيف.
نعم هنا رواية موثقة لاسحاق بن يزيد انه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يدخل مكّة فيقطع من شجرها، قال: اقطع ما كان داخلاً عليك ولا تقطع ما لم يدخل منزلك عليك(2).وقد رواها الصدوق باسناده عنه وفي سنده علي بن الحسين السعد آبادي وهو موثق بالتوثيق العام لوروده في اسناد كتاب كامل الزيارات وهو حجّة مالم يعارضه قدح خاص والفقرة الاولى وان كانت خالية عن ذكر المنزل إلاّ ان التعرض له في الذيل قرينة على كون المراد من الصدر أيضاً ذلك وان كان يحتمل ان يكون ذكر المنزل باعتبار كونه ملكاً له نوعاً من دون ان يكون له خصوصية.
وكيف كان فهذه الروايات الأخيرة واردة في الشجرة وليس في شيء منها التعرض للحشيش بخلاف صحيحة حريز الواردة في مورد كل ما ينبت في الحرم الشامل لكليهما والظاهر ان منشأ التفصيل المذكور في المتن بينهما هي هذه الجهة مع ان الظاهر عدم خصوصية بنظر العرف للشجرة المذكورة في هذه الروايات وشمول حكمها للحشيش ايضاً وعليه فلا مجال للاحتياط الوجوبي بالاضافة اليه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح8.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح6.
. . . . . . . . . . .
وامّا العنوان المستثنى فالظاهر انّ مقتضى الجمع بين صحيحة حريز وبين سائر الروايات الواردة في هذا المقام التي لايبعد دعوى انجبارها باستناد المشهور اليها ولذا نفى صاحب الجواهر (قدس سره) وجدان خلاف محقق بالاضافة الى الدار أو المنزل ويبعد كون مستندهم خصوص الموثقة بعد عدم ذكر «المنزل» في الفقرة الاولى خصوصاً بعدما عرفت من الاحتمال المتقدم في ذكر المنزل في الفقرة الثانية ودعوى ان ذكر عنوان «المنزل» في غير الموثقة من سائر الروايات قد وقع في مورد السؤال وهو لايدلّ على ثبوت مدخليّة له، مدفوعة بان التعرض في كلام السائل وان كان لا دلالة له على ذلك إلاّ أن توصيف المنزل في بعضها بقوله (عليه السلام): وهو يدلّ على ثبوت خصوصية من هذه الجهة.
وكيف كان فالظاهر ان مقتضى الجمع هو الالتزام بان العنوان المستثنى هو أحد أمرين على سبيل منع الخلّو امّا ان يكون انبات الشجر أو الحشيش مستنداً اليه ومضافاً بنفسه لا في مقابل التسبيب بل في مقابل ما اذا أنبته الغير أو نبت بنفسه من دون فرق بين ان يكون في ملكه فضلاً عن منزله وداره وبين ان يكون في ملك الغير أو في أرض مباحة، وامّا ان يكون الشجر والحشيش نابتاً في ملكه بعدما صار ملكه من دون فرق بين المنزل والدار وبين مثل المزرعة سواء كان نباتهما بانباته أو بنفسهما كما لايخفى.
المورد الثاني: شجر الفواكه والنخيل سواء أنبته الله أو الآدمي وقد نفى وجدان الخلاف فيه في الجواهر ثم قال: بل نسبه غير واحد الى قطع الأصحاب كما عن ظاهر المنتهى الاتفاق عليه.
والأصل في ذلك روايتان:
أحداهما مارواه الشيخ بسند فيه الطاطري ـ الذي هو واقفي ولكنّه ثقة كما ذكرنا
. . . . . . . . . . .
سابقاً عن سليمان بن خالد، والصدوق بسند صحيح عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث قال: لاينزع من شجر مكّة شيء إلاّ النخل وشجر الفاكهة(1).
ثانيتهما مرسلة عبدالكريم عمّن ذكره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لاينزع من شجر مكّة إلاّ النخل وشجر الفاكهة(2). وقد استدلوا بهاتين الروايتين على جواز قلع شجرة النخل والفاكهة فضلاً عن القطع وعن قطع بعض أغصانه وأوراقه وفاكهته وقد صرّح المحقق بجواز القلع مع انه من المستبعد جدّاً أن يكون اشتمال الشجرتين على الفاكهة والنخل موجباً لجواز قلعهما في مقابل الشجرة التي لايترتب عليها أثر إلاّ مجرد الخضروية والاشتمال على الظلّ الموجودين في شجرة الفاكهة مع اضافة الفاكهة ويغلب على الظن بمقتضى التأمّل في الروايتين المشتملتين على ذكر عنوان «النزع» مع ضمّ كلمة «من» ان المراد جواز النزع من الشجرتين الراجع الى جواز نزع ثمرتهما لكونهما موضوعتين لذلك ولازمه جواز نزع الأغصان الزائدة المانعة عن الاثمار أو كماله وبالجملة لا دلالة في شيء من الروايتين على جواز قلع الشجرة المثمرة أو قطعها على ما هو ظاهر المتن تبعاً للمشهور والاحكام المرتبطة بمسائل الحرم والمناسك وان كانت تعبدية محضة إلاّ ان الالتزام بها انّما هو في صورة قيام الدليل عليها ومع عدمه لا مجال للزوم التعبّد بها بوجه.
المورد الثالث الأذخر الذي هو نبات بريّ له رائحة طيبة ويدلّ على استثنائه صحيحة حريز المفصلّة المتقدمة في أوّل هذا الأمر(3). الدالة على انّ العبّاس عمّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح9.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والثمانون، ح1.
مسألة 45 ـ لو قطع الشجرة التي لايجوز قطعها فان كانت كبيرة فعليه بقرة، وان كانت صغيرة فعليه شاة على الأحوط [1].
مسألة 46 ـ لو قطع بعض الشجر فالأقوى لزوم الكفارة بقيمته وليس في الحشيش كفارة إلاّ الاستغفار [2].
النبي (صلى الله عليه وآله) قد طلب منه استثناء الأذخر منه (صلى الله عليه وآله) يوم فتح مكة بعد قوله (صلى الله عليه وآله) ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها مستنداً الى انه للقبر والبيوت فقبل منه النبي (صلى الله عليه وآله)واستثنى الأذخر.
ورواية زرارة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول حرّم الله حرمه بريداً في بريد ان يختلي خلاه أو يعضد شجره إلاّ الأذخر أو يصاد طيره. الحديث(1)
[1] و [2] المشهور كما حكى عن غير واحد بل عن الخلاف الاجماع عليه ان قلع شجرة الحرم ان كانت كبيرة فيه بقرة ولو كان القالع محلاًّ وفي الصغيرة شاة وفي أبعاضها القيمة.
لكن عن ابن ادريس انه لا كفارة في هذا المورد مطلقاً، وعن القاضي ثبوت البقرة مطلقاً، وعن ابن الجنيد الاسكافي ثبوت القيمة مطلقاً واختاره العلاّمة في محكّى المختلف ومن المعاصرين بعض الاعلام (قدس سرهم) وعن الحلبيين في قطع الأبعاض ما يتيسر من الصدقة.
والروايات الواردة في هذا المقام لا تتجاوز عن ثلاث:
احديها ما أورده الصدوق باسناده عن منصور بن حازم انه سأل أبا عبدالله (عليه السلام) عن الاراك يكون في الحرم فأقطعه ؟ قال عليك فدائه(2). والاستدلال بها للمشهور مبني على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السابع والثمانون، ح4.
(2) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن عشر، ح1.
. . . . . . . . . . .
كون المراد من الاراك هي الشجرة الصغيرة لأنه هي الشجرة التي يؤخذ منها السواك وهي صغيرة. ومن الفداء هو الشاة.
لكنه قد استشكل في الروايه من جهة السند والدلالة معاً امّا من جهة السنّد فلأنّ في طريق الصدوق الى منصور بن حازم محمد بن علي ماجيلويه وقد وثّقه العلاّمة في الخلاصة ولا عبرة بتوثيقه فيها ومجرّد الشيخوخة لايوجب الوثاقة.
وامّا من جهة الدلالة فلأنه لا دليل على كون المراد بالفداء هي الشاة بل الظاهر من الفداء هو البدل كما هو الشايع في الاستعمالات الواردة في الآيات والروايات ومرجعه الى المثل في المثليات والقيمة في القيميات فالمراد من الفداء في الرواية هو ثمن الشجر وقيمته.
والجواب عن الأوّل مضافاً الى ان ضعف السند غير قادح في مثل المقام مما كانت الرواية الضعيفة مورداً لاستناد المشهور اليها والى ما ذكره المستشكل في ذيل كلامه من انه قد يكون للصدوق طريقان الى كتب الاصحاب والرواة ومع ذلك لايذكر في مشيخة الفقيه إلاّ الطريق الذي يكون ضعيفاً ولا يذكر الطريق الآخر لكن الشيخ (قدس سره) في الفهرست أو في مشيخة التهذيب يتعرض لذلك الطريق الذي لايكون ضعيفاً والمقام من هذا القبيل.
انّ عدم العبرة بتوثيق العلاّمة في الخلاصة لا وجه له بعد وضوح ثبوت المستند له في التوثيق ولا يكون مجرّد الفصل الزماني الكثير بينه وبين الرواة مانعاً عن اعتبار توثيقه ضرورة ان هذا الفصل موجود في النجاشي والكشي بالاضافة الى أصحاب الباقر أو الصادق (عليهما السلام).
وعن الثاني ان الفداء وان كانت لغة بالمعنى المذكور إلاّ ان الظاهر كون المراد بها
. . . . . . . . . . .
في باب كفارات الحج هي الشاة دون البدل يعني المثل أو القيمة ويؤيده مضافاً الى فهم المشهور منه ذلك مع كون أكثرهم من أجلّة علماء الأدبيّة والمطلّعين على اللغة العربية انه لو كان المراد منه القيمة لما كان وجه للعدول عن التعبير عنها به خصوصاً مع ملاحظة التصريح بالثمن في الرواية الآتية الواردة في قطع الابعاض والظاهر ان كلمة الفداء في باب كفارات الحج انما هي كاطلاق كلمة «الدم» المنصرف الى خصوص دم الشاة كما مرّ مراراً وعليه فالاستناد الى الرواية لما ذهب اليه المشهور بالاضافة الى الشجرة الصغيرة تامّ لا مناقشة فيه.
ثانيتهما رواية سليمان بن خالد التي قد عرفت انّها موثقة على نقل الشيخ وصحيحة على نقل الصدوق عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يقطع من الاراك بمكّة قال عليه ثمنه يتصدّق به ولا ينزع من شجر مكّة شيئاً إلاّ النخل وشجر الفواكه(1). وظاهرها ثبوت الثمن على بعض الشجر المقطوع من الاراك من أغصانه وفروعه لظهور الفرق بين قطع الاراك الظاهر في قطع الجميع كما هو مورد السؤال في الروايه المتقدمة حيث وقع التعبير فيه بقوله: فاقطعه وبين القطع من الاراك كما هو مورد السؤال في هذه الرواية فان ظاهره قطع بعضه من أغصانه وفروعه وعليه فدلالة الرواية على ثبوت كفارة القيمة في قطع ابعاض الشجرة ظاهرة ودعوى انّها تدلّ بالأولوية على ثبوت الكفارة في القلع يدفعها انه ان كان المراد الأولوية بالنسبة الى أصل الكفارة فهو واضح ولكنه لايستلزم كون الكفارة الثابتة فيه هو الثمن والقيمة ايضاً ومن الممكن ان تكون كفارته الشاة كما في الرواية السابقة وان كان المراد الاولوية بالنسبة الى خصوص كفارة الثمن فهو ممنوع جدّاً وكيف كان فدلالة الرواية على بعض مدّعي المشهور لا مجال للارتياب فيها
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن عشر، ح2.
. . . . . . . . . . .
بوجه.
ثالثتهما مارواه الشيخ باسناده عن موسى بن القاسم قال روى اصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام)انه قال اذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم تنزع، فان أراد نزعها كفّر بذبح بقرة يتصدّق بلحمها على المساكين(1). هذا وفي محكى التهذيب الذي هو مصدر الرواية وكل من حكى عنه ذكر فان أراد نزعها نزعها وكفّر....
هذا وقد استشكل بعض الاعلام (قدس سرهم) سنداً ودلالة في هذه الرواية التي وقع فيها التعرض للبقرة فقط ولا يكون في هذا المجال رواية دالة على ثبوت كفارة البقرة غير هذه الرواية.
امّا من جهة السند فقال: «انّ المراد باحدهما كما هو الشايع في كثير من الروايات هو الباقر والصادق (عليهما السلام) وموسى بن القاسم من أصحاب الرضا والجواد (عليهما السلام) وله روايات عنهما وله رواية من بعض أصحاب الصادق (عليه السلام) كعبد الله بن بكير، ومن كان من اصحاب الجواد والرضا (عليهما السلام) كيف يمكن له الرواية من اصحاب الباقر (عليه السلام) ولا نحتمل انّه يروي مباشرة ومشافهة من أصحاب الباقر (عليه السلام) خصوصاً عن جماعة منهم لبعد الزمان فمن المطمئن به انه روى وسمع ممّن روى له رواية الأصحاب عن أحدهما (عليهما السلام) ويؤيد ما ذكرناه انه لو كان ما رواه رواية عنهم لقال موسى بن القاسم عن أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) فالتعبير بـ قال روى اصحابنا ظاهري الارسال».
والجواب عنه ـ مضافاً الى انّ غاية ما أفاده ثبوت الضعف في السند بسبب الارسال وهو لايقدح بناء على ما اخترناه من ان استناد المشهور الى رواية والفتوى على طبقها يجبر ضعف السند وتصير الرواية سبب الاستناد حجة معتبرة ـ انه قد ذكرنا مراراً ان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب بقية كفارات الاحرام، الباب الثامن عشر، ح3.
. . . . . . . . . . .
مرسلات مثل الصدوق تكون على قسمين فان التعبير الواقع قد يكون بصورة الاسناد الى الرواية مثل قوله: روى وقد يكون بصورة الاسناد الى شخص الامام (عليه السلام) من دون واسطة وذكرنا ان القسم الثاني معتبر مع وصف الارسال لأنّ مرجعه الى توثيق الوسائط بنحو لايحتمل الكذب في روايتهم أصلاً ولذا يسند الى نفس الامام (عليه السلام) بقوله: وقال الصادق (عليه السلام) مثلا.
والظاهر ان المقام من هذا القبيل فان قول موسى بن القاسم: روى اصحابنا ظاهر في ثبوت الرواية قطعاً وان الواسطة لم يكن يجري فيه احتمال الكذب بوجه ولذا لم يتعرض له ولو بنحو الاجمال والابهام وبدونه يكون عدم التعرض للواسطة اغراء بالجهل غير الملائم لشأن الثقة ومن الظاهر ان التعبير باصحابنا بصورة الجمع انّما هو نظير «عدّة من اصحابنا» أو «غير واحد من أصحابنا من التعابير غير الملائمة مع كون الجميع ضعافاً فالانصاف انه لا مجال للمناقشة في الرواية من حيث السّند.
وامّا من جهة الدلالة فأورد عليها أوّلاً بان مدلولها لزوم ذبح البقرة لمطلق الشجرة صغيرة كانت أو كبيرة وهذا ممّا لم يفت به أحد فظاهر الرواية معرض عنها.
وثانياً انّها تدلّ على وجوب الكفارة قبل القطع يعني اذا أراد قلع الشجرة كفّر أولاً بذبح بقرة ثم يقلعها فالقلع يكون جائزاً بعد التكفير مع انه غير جائز قطعاً هذا بناء على نسخة الوسائل وامّا بناء على نسخة التهذيب فلا يرد هذا الاشكال بل يرد اشكال آخر وهو انّها تدلّ على جواز القلع في نفسه ولكن مع التكفير فلا يكون القلع محرّماً وهذا مقطوع البطلان. والجواب عن الايراد الأوّل ظاهر فانّ الاطلاق انما يكون مقيّداً بسبب الروايتين المتقدمتين سيّما رواية منصور بن حازم الواردة في قطع شجر الاراك سواء قلنا بانّ المراد بالفداء فيها هو الشاة كما اخترناه أو القيمة كما هو مختاره (قدس سره) فانّه على أيّ
. . . . . . . . . . .
تقدير يكون مقيّداً لإطلاق هذه الرواية فلا مجال لدعوى كونها معرضاً عنها كما لايخفى.
وعن الايراد الثاني بناء على نقل التهذيب الذي هو مصدر الرواية انّه مع دلالة صدر الرواية وظهورها في عدم جواز نزع شجر من شجر الحرم ومن الواضح انّ المراد من النزع المحرم هو النزع عن ارادة وقصد ضرورة انّ النزع غير الاختياري لايكون محرّماً قطعاً كيف يمكن ان يكون مفاد الذيل هو الحكم بالجواز مع ارادة النزع ولكن يجب ان يكفّر بعده بل كيف يجتمع الحكم بالجواز مع ثبوت الكفارة وقد مرّ مراراً ان الجواز الذي يجتمع مع الكفارة هو الجواز بحسب الحكم الثانوي كالتظليل الاضطراري أو لبس المخيط كذلك وامّا الجواز بحسب الحكم الأولي فلا يلتئم مع الكفارة بوجه ولذا استفدنا أصل حرمة جملة من محرمات الاحرام من طريق الحكم بثبوت الكفارة فيه كما تقدم.
وعليه فالمراد من التفريع انّه ان أراد النزع ومخالفة الحكم التحريمي لابد وان يتوجّه الى ان النزع لايكون مجرد معصية ومخالفة للحكم التحريمي بل يترتب عليه كفارة مهمة وهي ذبح بقرة يتصدّق بلحمها على المساكين وعليه فالمراد من قوله: نزعها، ليس الحكم بجواز النزع بل هو بيان للسبب الموجب للكفارة ومثل هذا التعبير شايع في الاستعمالات العرفية فانه ربما ينهي الوالدة ولده عن شيء ويقول بعده مخاطباً له ان خالفت ما نهيتك عنه فخالف ولكن انتظر للعقوبة المترتبة على مخالفتك ومن المعلوم انّ مرجع ذلك ليس الى جواز المخالفة بل كان ذكرها تمهيداً لبيان ما يترتب عليها من التبعات فالانصاف انه لا مجال للمناقشة في الرواية من حيث الدلالة أيضاً وعليه فينقدح تمامية التفصيل الذي أفتى به المشهور.
مسألة 47 ـ لو مشى على النحو المتعارف وقطع حشيشاً فلا بأس به، كما جاز تعليف ناقته به، لكن لايقطع هولها [1].
بقي الكلام في الحشيش وفي المتن تبعاً لهم انه لا كفارة فيه سوى الاستغفار وذلك لأن الروايات الواردة في الكفارة كلّها واردة في الشجرة وليس في شيء منها التعرض للحشيش خصوصاً أو عموماً ودعوى انّه لِمَ لايجري هنا الغاء الخصوصية عن عنوان الشجر مع الغائها عن عنوانه في أصل الحكم بالحرمة في أصل هذا الأمر مدفوعة بانه لو كانت الكفارة في الشجر شيئاً واحداً من دون فرق بين الكبير والصغير وكذا بين الأصل والغصون والفروع لكان لإلغاء الخصوصية مجال وامّا مع التفصيل الذي عرفت فمن المعلوم ان مورده خصوص الشجرة ولا يجري في الحشيش اصلاً فتدبّر جيدا.
[1] امّا جواز المشي على النحو المتعارف ولو استلزم قطع الحشيش فيدلّ عليه السيرة المستمرة القطعية المتصلة بزمن المعصوم (عليه السلام) مضافاً الى ان المشي بنحو لا يستلزم ذلك يكون حرجاً ومشقة لا تتحمل عادة نعم لابد وان يكون على النحو المتعارف لأنه القدر المتيقن من السيرة المذكورة.
كما انه لابأس ان يترك المحرم فضلاً عن غيره أبله ترعى في الحشيش لوجود السيرة القطعية عليه ايضاً مضافاً الى صحيحة حريز بن عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: تخلّى عن البعير في الحرم يأكل ما شاء(1).
انّما الاشكال في جواز قطع العلوفة للناقة ظاهر الجواهر ان مقتضى اطلاق النص والفتوى ومعقد الاجماع عدم الجواز بل ذكر ان الرواية الدالة بظاهرها على الجواز يكون معرضاً عنها لدى الاصحاب ولذا صار الشيخ في التهذيب بصدد تأويله نظراً الى انّ التأويل خير من الطرح نعم حكى عن الاسكافي انه قال: لا اختار الرّعي لأن البعير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والثمانون، ح1.
. . . . . . . . . . .
ربما جذب النبت من أصله فامّا ما حصده الانسان منه وبقى أصله في الأرض فلا بأس.
والرواية هي صحيحة محمد بن حمران قال سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن النبت الذي في أرض الحرم أينزع ؟ فقال امّا شيء تأكله الابل فليس به بأس ان تنزعه(1). قال في التهذيب: قوله: ليس به الى آخره يعني الابل فانّه يخلّى عنها ترعى كيف شاءت.
لكن قال في المدارك لو قيل بجواز نزع الحشيش للابل لم يكن بعيداً للأصل وللصحيحة المزبورة لكن قال ان الراوي جميل ومحمد بن حمران قالا سألنا ابا عبدالله (عليه السلام)... مع ان جميلاً وعبدالرحمن بن ابي نجران قد رويا عن محمد بن حمران وكيف كان لا شبهة في انّ ارجاع الضمير في قوله ليس به... الى الابل خلاف الظاهر خصوصاً مع كون الفعلين بصورة التأنيث. لكن هنا رواية اُخرى رواها عبدالله بن سنان قال قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) المحرم ينحر بعيره أو يذبح شاته ؟ قال: نعم، قلت له ان يحتش لدابته وبعيره؟ قال: نعم، ويقطع ما شاء من الشجر حتى يدخل الحرم فاذا دخل الحرم فلا(2).
وربما يتوهم ثبوت المعارضة بينها وبين الرواية السابقة وانه بعد التساقط يرجع الى عموم المنع من قطع نبات الحرم وذكر بعض الاعلام (قدس سرهم) انه لا مجال للمعارضة لثبوت الجمع الدلالي بينهما لأن الوجوب والحرمة ليسا من مداليل اللفظ وانّما يستفاد كل منهما من عدم اقتران الأمر بالترخيص في الترك وعدم اقتران النهي بالترخيص في المحلّ فحينئذ يحكم العقل بالوجوب أو الحرمة وامّا مع الاقتران فلا والنهي الوارد في خبر ابن سنان مقرون بالترخيص في الفعل الوارد في الرواية الاُخرى فلا يستفاد من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب التاسع والثمانون، ح2.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الخامس والثمانون، ح1.
مسألة 48 ـ لايجوز للمحلّ ايضاً قطع الشجر والحشيش من الحرم فيما لايجوز على المحرم [1].
النهي الحرمة مع ان الرواية ضعيفة بعبد الله بن القاسم الحضرمي الراوي عن ابن سنان لأنه قال في حقه النجاشي انه كذّاب.
ويرد على ما ذكر اوّلاً ان الظاهر كون التفصيل المذكور في ذيل الرواية بين صورة الدخول في الحرم وصورة عدم الدخول مربوط بخصوص الجملة الأخيرة التي أضافها الامام (عليه السلام) وهو قطع الشجر ولا ارتباط لها بمسألة الاحتشاش للدابة وعليه فلا معارفته بين الروايتين ولعلّه لذا لم يتعرض صاحب الجواهر (قدس سره) لرواية ابن سنان اصلا.
وثانياً انه على تقدير كون الغاية المذكورة في الذيل راجعة الى الاحتشاش ايضاً لا مجال لرفع اليد عن الظهور في الحرمة وان قلنا بمقالته في أصل مسألة الوجوب والحرمة وانهما ليسا من مداليل اللفظ لأنّ حمل قوله: فلا، على الجواز ينافي التفصيل لأنه لا فرق ـ ح ـ بين فرض الدخول وعدمه مع ان لازمه الجواز بالاضافة الى قطع الشجر ايضاً من دون اختصاص بالحشيش ولا يقول به بوجه هذا والظاهر انه لا محيص عن الأخذ برواية محمد بن حمران لأنّها صحيحة من حيث السّند وظاهرة من حيث الدلالة ولم يثبت الاعراض عنها لأن الاصحاب لم يتعرضوا لخصوص هذه المسألة حتى يحكموا فيها بالمنع بل كما عرفت من الجواهر ان مقتضى اطلاق النص والفتاوى ومعقد الاجماع هو العدم وعليه فالتعرض له انما هو بمقتضى الاطلاق وهو لايوجب الاعراض بل يمكن ان يقال ان حكمهم بجواز تعليف النافة ان يخلى سبيلها.
[1] قد عرفت ان هذا الحكم وهو عدم جواز قطع نبات الحرم لايكون من محرّمات الاحرام بل يكون من أحكام الحرم ولا فرق فيها بين المحرم والمحلّ وقد عرفت في صحيحة حريز المتقدمة في أوّل البحث قوله (عليه السلام): كل شيء ينبت في الحرم
الرابع والعشرون لبس السّلاح كالسيف والخنجر والطبنجة ونحوها مما هو آلات الحرب إلاّ لضرورة، ويكره حمل السّلاح اذا لم يلبسه ان كان ظاهراً والأحوط الترك [1].
فهو حرام على الناس أجمعين..(1). إلاّ ان الذي ينبغي البحث فيه هنا ان كثيراً من الروايات الواردة في هذا المجال دالة على المنع عن قطع نبات الحرم ولكن في جملة من الروايات كصحيحة اُخرى لحريز المتقدمة أيضاً المشتملة على نقل ما وقع يوم فتح مكة(2) جعل الموضوع هو عنوان مكّة وانها حرام بحرام الله الى يوم القيامة لاينفر صيدها ولايعضد شجرها ولا يختلى خلاها... ومن المعلوم ان مكّة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)بل في زمن الأئمة (عليهم السلام) كان جزء من الحرم وبعضاً منه ولذا وقع في بعض الروايات التصريح بان الحرم بريد في بريد والظاهر انه لا منافاة بين الطائفتين لأنّ مقتضى الجمع بينهما هو الحكم بكون حرمة قطع شجر مكة ونباتها انّما هو لأجل كونها بعضاً من الحرم لا لأجل نفس عنوان مكّة وعليه فانقلاب النسبة بين مكة وبين الحرم من العموم والخصوص مطلقاً الى العموم من وجه كما في زماننا هذا حيث تكون مكة في بعض جوانبها أوسع من الحرم لايوجب توسعة دائرة الحكم بالاضافة الى ماهو خارج عن عنوان «الحرم» وهذا بخلاف بعض الاحكام التي موضوعها عنوان «مكّة» مثل الاحرام لحج التمتع حيث انه يجب ان يكون من مكّة وقد عرفت في المباحث السابقة ان سعة بلد مكة توجب سعة دائرة جواز الاحرام للحجّ المذكور ولا يختص الحكم بمكّة في عصر الرسول أو الائمة عليه وعليهم الصلاة.
[1] المشهور كما عن كشف اللثام وغيره حرمة لبس السّلاح على المحرم في غير صورة الضرورة وقال المحقق في الشرايع: وقيل يكره وهو الأشبه وفي الجواهر: لكن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب السادس والثمانون، ح4.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الثامن والثمانون، ح1.
. . . . . . . . . . .
لم نعرف القائل قبل المنصف نعم هو خيرة الفاضل في المحكى عن جملة من كتبه وتبعهما غيرهما وكيف كان اللازم ملاحظة الروايات المتعددة الواردة في الباب فنقول:
منها وهي العمدة مارواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبدالله عن أبي جعفر ـ يعني أحمد بن محمد بن عيسى الذي يكون هو وأبوه من الثقات ـ عن أبيه عن عبدالله بن المغيرة عن عبدالله بن سنان قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) أيحمل السلاح المحرم؟ فقال اذا خاف المحرم عدوّاً أو سرِقاً فليلبس السلاح(1). والكلام في دلالة الرواية بعد ظهور صحة سندها يقع من جهات:
الجهة الاُولى في أن دلالة الرواية على حرمة لبس السلاح في غير مورد الخوف من العدوّ أو السّارق انّما هي من طريق ثبوت المفهوم للقضية الشرطية وهو مورد للمناقشة امّا لأجل انكار المفهوم لها كما اخترناه في المباحث الأصولية وامّا لأجل ان المفهوم على تقدير القول بثبوته لها انّما يكون مورده ما اذا لم يكن الشرط في القضية الشرطية مسوقاً لبيان الموضوع وفي غير هذه الصورة لا مفهوم لها كما في مثل قوله ان رزقت ولداً فأختنه وفي المقام يكون من هذا القبيل فان المحرم اذا لم يكن خائفاً من الأمرين المذكورين لا داعي له الى لبس السّلاح بوجه خصوصاً بعد لزوم رفع اليد عن لبس المخيط ايضا.
ويدفع المناقشة من الجهة الاُولى انّ القائل بعدم ثبوت المفهوم للقضية الشرطية لا يدّعي ان ذكر الشرط فيها يكون لغواً ولا أثر بحيث لم يكن فرق عنده بين وجود الشرط وعدمه في ثبوت الجزاء حتى يكون مفاد قوله ان جائك زيد فأكرمه ثبوت وجوب الاكرام بنحو الواجب المطلق بل مدّعاه عدم كون الشرط علّة تامة منحصرة فيمكن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والخمسون، ح2.
. . . . . . . . . . .
ان يكون هناك شرط آخر مؤثر في ترتب الجزاء وعليه فالمستفاد من الرواية ان جواز لبس المحرم السّلاح لايكون بنحو الاطلاق بل يكون مشروطاً بحيث لولا الشرط الواحد أو الأكثر لايتحقق الجواز فيستفاد منها الحرمة في صورة الاختيار وعدم تحقق الشرط.
ومن الجهة الثانية وضوح عدم كون الشرط في الرواية مسوقاً لبيان الموضوع فانه يمكن ان يلبس المحرم السلاح لأجل اظهار الشخصية أو لكونه معتاداً بذلك أو لغيرهما من الدواعي ويدلّ على ذلك جعل اللبس في غير حال الضرورة من محرمات الاحرام أو مكروهاته فانّه لو لم يكن له مورد في الخارج أصلاً لم يكن وجه للتعرض لذلك وبيان حكمه ولو كان هي الكراهة كما هو واضح ولذا ذكر صاحب الجواهر ان هذه الدعوى لاتستأهل جوابا.
الجهة الثانية في ان العنوان المأخوذ في السؤال هو عنوان «الحمل» والذي جعل متعلقاً للحكم في الجواب هو عنوان «اللبس» وقد جعل الفقهاء ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ في مثل كتاب الصلاة في بحث اعتبار الطهارة في لباس المصلي هذين العنوانين متغايرين حيث ان اللباس المتنجس أمر والمحمول المتنجس أمر آخر وعليه فاللازم بمقتضى لزوم تطابق الجواب والسؤال وانه لايجوز ان يكون مورد السؤال أمراً ومورد الجواب أمراً آخر ان توجه الرواية بإحدى التوجيهات الثلاثة.
أحدها ان يقال ان مورد السؤال وان كان هو الحمل إلاّ ان الجواب بالاضافة الى اللبس بالجواز فيه في صورة الخوف يدل بالاولوية على جواز الحمل في الصورة المذكورة فانه لو كان اللبس جائزاً لكان جواز الحمل بطريق أولى لكون اللبس أشدّ اضافة الى المحرم من الحمل.
ويردّ عليه مضافاً الى ان افادة الجواب عن مورد السؤال من طريق الأولوية خلاف
. . . . . . . . . . .
الظاهر وخلاف ماهو المتعارف في باب السؤال والجواب انّ الأولوية انّما هي متحققة في ناحية المنطوق الذي يكون الحكم فيه الجواز وامّا في ناحية المفهوم الذي يكون الجزاء فيه عدم الجواز تكون الأولوية بالعكس لأن عدم جواز اللبس في صورة عدم الخوف لايستلزم عدم جواز الحمل ايضاً كما لايخفى.
ثانيها ما أفاده بعض الاعلام (قدس سرهم) ممّا يرجع مع توضيح منّا الى ان لا مغايرة بين الحمل بالمعنى اللغوي لا بالمعنى العرفي الذي أشرنا اليه وبين اللبس إلاّ بنحو العموم والخصوص مطلقاً نظراً الى ان اللبس من مصاديق الحمل بل أظهر مصاديقه وافراده والتعبير به في الجواب مع كون السؤال عن مطلق الحمل انّما هو لأجل غلبة اللبس في الخارج وكونه أظهر مصاديقه وعليه فمتعلق الحكم في الجواب هو الحمل بحسب الواقع وإلاّ يلزم عدم التطابق بين السؤال والجواب.
ويرد عليه ان حمل الرواية على خلاف المعنى العرفي وان كان موافقاً للمعنى اللغوي خلاف الظاهر جدّا.
ثالثها ما يستفاد من صاحب الجواهر (قدس سره) وهو ان حمل السلاح تارة يكون بنحو يصدق على الشخص الحامل انه مسلّح فكما يصدق على اللابس هذا العنوان كذلك يصدق على الحامل ايضاً مثل ما اذا أخذ السلاح بيده أو وضعه في جيبه أو في كمّه أو تحت لباسه فانه يصدق في جميع هذه الموارد عنوان «المسلح» واُخرى بنحو لايصدق على الحامل ذلك كما اذا وضعه في الصندوق الذي أخذه بيده وهو يحمله وعليه فيقال في الرواية ان ذكر عنوان الحمل في السؤال وعنوان اللبس في الجواب قرينة على كون المراد هو عنوان المسلّح الجامع بين اللابس وبين الحامل بالنحو الأوّل والظاهر انّ هذا التوجيه هو الظاهر ولا منافاة بين هذه الرواية وبين الروايات الدالة على حرمة عنوان
. . . . . . . . . . .
اللبس مثل:
صحيحة عبيدالله بن علي الحلبي عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال «انّ خ» المحرم اذا خاف العدوّ «و خ» يلبس السّلاح فلا كفارة عليه(1). لكن مفادها ثبوت الكفارة في صورة اللبس من غير خوف العدو ولم يعرف به قائل كما في الجواهر.
وما رواه الصدوق باسناده عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: المحرم اذا خاف لبس السلاح(2). ولكن الظاهر عدم كونها رواية اُخرى لعبد الله بن سنان بل اتحادها مع روايته السّابقة وان كان بينهما الفرق في بعض الجهات. ورواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال لابأس بان يحرم الرجل وعليه سلاحه اذا خاف العدو(3).
الجهة الثالثة في ان الظاهر ان الحكم يختص بما يعدّ عرفاً سلاحاً كالأمثلة المذكورة في المتن وامّا الآلات التي يستفاد منها في الحرب لكن بعنوان التحفظ والوقاية ولا يصدق عليها السلاح وعلى اللابس لها انه مسلّح كالدرع والمغفر والترس ونحوها فالظاهر انه لا دليل على حرمة لبسها وان حكى عن البعض التعميم لكن لا مستند له نعم يمكن ان يقال بالمنع في بعضها لأجل كونه موجباً لتغطية الرأس المحرمة على الرجل المحرم أو لأجل كونه شبيهاً للمخيط الذي يحرم لبسه كذلك وامّا من جهة الدخول تحت السلاح المأخوذ في روايات المقام فلا.
وقد انقدح من جميع ما ذكرنا ان الأقوى ما عليه المشهور من ان لبس السلاح في حال الاحرام حرام لا مكروه كما انه ظهر ان مقتضى التأمل في صحيحة عبدالله بن سنان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والخمسون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والخمسون، ح3.
(3) الوسائل، ابواب تروك الاحرام، الباب الرابع والخمسون، ح4.
. . . . . . . . . . .
هي حرمة احدى صورتي الحمل وعليه فما هو ظاهر المتن من كراهة حمل السلاح اذا لم يلبسه الظاهر بمقتضى اطلاقه انه لا فرق بين صورتي الحمل في الكراهة نظراً الى ان الحمل مغاير للبس غير وجيه لثبوت الحرمة في احدى الصورتين وعدم الدليل على الكراهة ايضاً في الصورة الاُخرى كما ان التقييد بصورة الظهور والاشتهار مع انه لايكون من هذا العنوان أثر في الروايات الواردة في المقام، لا وجه له ايضاً نعم حكى عن الحلبيين تحريم الاشتهار وان لم يكن معه لبس ولا حمل يصدق عليه انّه متسلح بل كان معلّقاً على دابة ونحوها.
نعم هنا روايات واردة في مورد الدخول في الحرمة كصحيحة حريز عن ابي عبدالله (عليه السلام)قال لاينبغي ان يدخل الحرم بسلاح إلاّ أن يدخله في جوالق أو يغيبه يعني يلفّ على الحديد شيئا(1). ورواية ابي بصير عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يريد مكّة أو المدينة يكره ان يخرج معه بالسّلاح فقال: لابأس بان يخرج بالسلاح من بلده ولكن اذا دخل مكّة لم يظهره(2). وغير ذلك ممّا ورد في هذا الباب ولكن البحث في المقام في محرّمات الاحرام لا في أحكام الحرم وقد مرّ انه ليس في شيء من الروايات الواردة في هذا البحث اشعار بعنوان الاظهار وعدمه فالتقييد في غير محلّه.
ثم انّك عرفت انه لا كفارة في المقام وانه لا قائل بثبوتها فيه لكن الظاهر انّ اطلاق الكفارة ينصرف الى دم الشاة كاطلاق الدّم في كثير من الروايات الواردة في الكفارات ودعوى انّ مقتضى اطلاقها جواز الاكتفاء بقبضة من الطعام أو مدّ منه مدفوعة بثبوت الانصراف المذكور لكن الأمر سهل بعد عدم ثبوت القائل بها في المقام واِن كان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل، ابواب مقدمات الطواف، الباب الخامس والعشرون، ح1.
(2) الوسائل، ابواب مقدمات الطواف، الباب الخامس والعشرون، ح2.
مقتضى المفهوم في بعض الروايات المتقدمة عبارة عن الثبوت. الى هنا انتهى ـ بحمد الله والمنّة ـ البحث في محرمات الاحرام ويتلوه البحث في الطواف ان شاء الله تعالى.