بسمه تعالى

 

هذا هو الجزء الخامس من كتاب الحج من تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة للامام الخمينى(قدس سره)و كان الشروع فيه ليلة الثامن من شهر ربيع من شهور سنة 1416 من الهجرة النبوية و كانت مصادفة لليلة ولادة الامام الحسن العسكرى صلوات الله عليه و على آبائه و على ابنه المهدى المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.

 


(2)

 

القول في السعي

مسألة 1 ـ يجب بعد ركعتي الطواف السعي بين الصفا و المروة، و يجب أن يكون سبعة اشواط، من الصّفا إلى المروة شوط، و منها إليه شوط آخر، و يجب البدأة بالصفا و الختم بالمروة، ولو عكس بطل و تجب الإعادة أينما تذكر ولو بين السّعي.[1]

 

[1] لاخلاف بين المسلمين في وجوب السعي و كونه جزء من الحج و العمرة. قال الله تعالى: (إنّ الصفا و المروة من شعائرالله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما) و ظاهره الوجوب و الجزئيه و التعبير بقوله: لاجناح انّما هو كالتعبير بمثله قصر الصلاة في السفر، كما أن التعبير بالطواف لا دلالة له على أزيد من السعي و الإتيان بالشوط. خصوصاً مع التعدية بالباء المضافة إلى الجبلين مع أنه هنا روايات مستفيضة تدل على وجوبه في الحج و العمرة بتعبيرات مختلفة. والعمدة أن وضوح المطلب كان بحيث لايحتاج إلى بيانه في الروايات، بل هي غالباً واردة في بعض الفروع و الخصوصيات مثل نقصان السعي أو زيادته أو البدأة بالمروة قبل الصفا أو ترك السعي متعمداً و أنه يجب عليه إعادة حجّه.

كما انّ لزوم كونه بعد ركعتي الطواف و كونه سبعة أشواط، و انّ المراد بالشوط


(3)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ليس مثل الطواف الذى تتوقف تمامية الشوط فيه على جعل الكعبة بأجمعها داخلة في الطواف. بل من الصفا إلى المروة شوط، و من المروة إلى الصفا شوط آخر. و لذاتتحقق السبعة بالشروع من أحدهما و الختم بالآخر.

و أمّا لزوم كون البدأة بالصفا و الختم بالمروة فالمحكي عن الحلبي أن السنة فيه الإبتداء بالصفا و الختم بالمروة. لكنه ليس خلافاً مع قوة احتمال أن يكون مراده بالسنّة هو الوجوب ـ كما ربما يعبّر بها عنه ـ نعم حكي عن أبي حنيفة جواز الإبتداء بالمروة و لكنّه ذكر في الجواهر أنه مسبوق بالاجماع و ملحوق به.

و الروايات الواردة في هذه الجهة انّما يظهر منها المفروغية و كون لزوم البدأة بالصفا امراً مسلّماً عند السائل. و السؤال إنّما وقع عن بعض الفروع، و كيف كان فقد وقع الإشكال بل الخلاف فيما لو بدأ بالمروة قبل الصّفا واللازم فرض الكلام فيما لو تحقق ذلك نسياناً أو جهلاً، فإن العالم العامد القاصد الإمتثال الأمر بالحج أو العمرة لايكاد يتحقق منه قصد القربة بالسعي الذى ابتدأ به من المروة بعد فرض علمه باعتبار كون البدأة من الصّفا; فاللازم فرض الكلام في غير العالم العامد، فنقول:

تارة يتحقق زوال عذره قبل تمامية الشوط الأوّل و أخرى بعد تماميّته والإتيان ببعض الشوط الثاني أو أزيد. ففي الفرض الأوّل يجب عليه طرح ما أتى به وإلغائه و الإبتداء بالسعي من الصّفا. و يدل عليه مضافاً إلى أنه مقتضى القاعدة، لأن المفروض عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، إطلاق الروايات الآتية.

و في الفرض الثاني وقع الإشكال بل الخلاف في أنه هل يجب عليه طرح جميع ما أتى به من أجزاء السعي و لو كان أشواطاً متعددة، أو يجب عليه طرح خصوص


(4)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الشوط الأوّل و يجتزي بما وقع من الصفا من الشوط الثاني بعنوان الشوط الأوّل و يصح و مابعده؟ و منشأ الإشكال اشتمال بعض الروايات الواردة في المسألة على التشبيه بمسألة الوضوء فيما لو ابتدأ بغسل اليسرى قبل اليمنى، و اللازم ملاحظة جميع روايات المقام، فنقول: هي على طائفتين:

الطّائفة الأولى: ما تكون خالية عن التشبيه المزبور، و يكون مفادها لزوم الطرح و الإعادة. مثل صحاح معاوية بن عمّار و هي: ما رواه الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم عن صفوان عن معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا قبل المروة.(1)

و ما رواه أيضاً بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان و فضالة عن معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث، قال: و إن بدأ بالمروة فليطرح ما سعى وبالصّفا.(2)

و ما رواه الكليني عن على بن ابراهيم عن ابيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار في حديث، قال: و إن بدأ بالمروة فليطرح و يبدأ بالصفا.(3)

و الظاهر اتحاد هذه الرّوايات و أن جعلها في الوسائل روايات متعددة و تبعه صاحب الجواهر و بعض آخر. خصوصاً مع كون الراوي عن معاوية في السندين هو صفوان، فتدبر. كما انّ الظاهر ان مورد هذه الطائفة بعد الاختصاص بصورة الجهل أو النسيان ما ذكرنا أعم من الفرضين المذكورين، لأنه قد يصدق في كليهما إن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب السعي، الباب العاشر، ح 1.

(2) وسائل: أبواب السعي، الباب العاشر، ح 2.

(3) وسائل: أبواب السعي، الباب العاشر، ح 3.


(5)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

بدأ بالمروة قبل الصفا لامجال لدعوى أن المراد بطرح ما سعى هو طرح ما بعده من الأشواط، و إلاّ فالشوط الأوّل ملغى و مطروح بنفسه; لأنه على خلاف المأمور به، و ذلك لأنه بعد فرض كون المورد غير صورة العلم و العمد يكون الدليل على البطلان نفس هذه الروايات الدالة على الطرح. و إلاّ فمن المحتمل اختصاص اعتبار البدأة بالصفا بخصوص الصورة المذكورة، فهذه الروايات دليل على البطلان في صورة الجهل أو النسيان و لانضايق من كون مقتضى القاعدة أيضاً ذلك. لأن موافقة الرواية للقاعدة لاتقدح في الأخذ بظهورها.

كما أن ظاهر الجواب لزوم طرح جميع ماتحقق من أجزاء السعي، سواء كان في الشوط الأوّل أو فيما بعده من الاشواط. فالروايات تدل بإطلاقها على بطلان جميع أجزاء السعي في كلا الفرضين و لزوم الاستيناف من رأس و الإبتداء من الصفا.

الطائفة الثانية: ماتكون مشتملة على التعليل و التشبيه المزبور. و هما روايتان:

إحديهما: رواية عليّ بن أبي حمزة، قال: سألت اباعبدالله(عليه السلام) عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: يعيد، ألاترى أنه لوبدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء.(1) ولكنها ضعيفة بعلي بن أبي حمزة البطائنى المعروف.

ثانيتهما: رواية عليّ الصائغ، قال: سئل ابوعبدالله(عليه السلام) ـ واناحاضر ـ عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا، قال: يعيد، ألا ترى أنه لوبدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه ثم يعيد على شماله.(2) و في السند اسماعيل بن مراد الذى يكون موثقاً بالتوثيق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السّعى، الباب العاشر، ح 4.

(2) وسائل: أبواب السّعى، الباب العاشر، ح 5.


(6)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

العام.

وحيث إنه في باب الوضوء لو بدأ بغسل اليد اليسرى قبل اليمنى لايلغى غسل اليمنى لو تحقق منه، بل يكتفى به ويجب غسل اليسرى بعده ثانياً فقد وقع الإشكال في أن مفاد هذه الطائفة بلحاظ التشبيه المذكور هو طرح خصوص الشوط الأوّل الذي ابتدأ به من المروة دون ما بعده من الأشواط. و لذا ذكر صاحب الجواهر بعد نقل الرّوايتين: مقتضى التشبيه المزبور الاجزاء باحتساب من الصّفا اذا كان قد بدأ بالمروة ثم بالصّفا و لايحتاج إلى إعادة السّعي بالصّفا جديداً، كما صرّح به بعض الناس و إن كان هو أحوط، بل ربما أمكن دعوى ظهور النصوص السّابقة فيه.

أقول: بعد ظهور قوله (عليه السلام) يعيد قبل التشبيه في لزوم إعادة جميع الأجزاء والأشواط لاخصوص ما وقع من الشوط الاول، كظهور قوله (عليه السلام) «فليطرح» في صحاح معاوية بن عمار في لزوم طرح الجميع و وجوب الاستيناف المذكور لابد لصرف هذا الظهور من استظهار كون التشبيه في الذيل تنزيلاً وتشبيهاً في جميع الأحكام والخصوصيات. فانه مع احتمال كون التشبيه في خصوص بطلان الجزء الذي ابتدأ به فقط لايكون في مقابل ظهور قوله «يعيد» ما يدل على الخلاف. و أن المراد هو لزوم اعادة ما وقع باطلاً و هو خصوص ما ابتدأ فعدم لزوم اعادة غسل اليمنى في الوضوء لايستلزم عدم لزوم الإعادة في المقام. فالإنصاف دلالة الروايات باجمعها على لزوم استيناف السعي من رأس في كلا الفرضين.

 

 


(7)

مسألة 2 ـ يجب على الأحوط أن يكون الإبتداء بالسّعي من أوّل جزء من الصّفا، فلو صعد إلى بعض الدّرج في الجبل وشرع كفى، ويجب الختم باوّل جزء من المروة، وكفى الصعود إلى بعض الدّرج. ويجوز السّعي ماشياً وراكباً، والأفضل المشي.[1]

 

[1] فرض هذه المسألة إنّما هو بلحاظ الأزمنة السّابقة التي كان الجبلان ـ الصّفا والمروة ـ مشتملين على الدّرج وكان أصلهما الواقع على الارض متميزاً عنها. وأمّا بالإضافة إلى الزمان الحاضر الذي لا تكون الدرج باقية وكان جزء مهمّ منهما واقعاً في المسعى. والدليل عليه ارتفاع الموجود في الجانبين قبل الوصول إلى الجبلين. فلا مجال لفرض هذه المسألة. فإن الشروع من أيّ جزء من ذلك المكان المرتفع يكون شروعاً من وسط الجبل وهكذا الختم بالموضع المرتفع من المروة. ولأجل ما ذكرنا لا مجال للإشكال في السعي من المراكب النقية المتداولة في هذا اليوم، وإن كان بين المبدأ والمنتهى في محلّها وبين الجبلين أزيد من عشرة أذرع. والوجه فيه دخول جزء من المكان المرتفع في مسيرهما بدأ وختماً. وعلى ما ذكرنا فلا يبقى موقع للاحتياط في زماننا بالإضافة إلى أوّل جزء من الجبل المشاهد والختم به وعلى الروحانيين المتصدين لارشاد الحاج والمعتمر إلى مناسكهما التوجه إلى هذه النكتة وعدم ايقاع المسترشدين في الضيق والكلفة متكيّاً على عنوان الاحتياط والأخذ به.

وكيف كان فبالاضافة إلى تلك الأزمنة المتصفة بما ذكرنا، وقع الإشكال في السعي من جهة الإبتداء والختم. وقد ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في صدر كلامه انه يكفي ان يجعل عقبه ملاصقاً للصفا لوجوب استيعاب المسافة التي بينه وبين المروة والأحوط الجمع في ذلك بين القدمين ثم إذا عاد ألصق أصابعه بموضع العقب حتى


(8)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

يحصل الإستيعاب المزبور الذي عليه المدار في الظاهر. قال: وإلاّ فلا دليل على وجوب السّعي منتهياً إلى خصوص قدم الابتداء، بل لعلّ اطلاق الأدلّة يقضي بخلافه. فإنه ليس فيها إلا السعي بينهما الذي يتحقق بذلك والانتهاء إلى ما يحاذي الابتداء وحكي عن الرياض، قوله: لولا اتفاق الأصحاب في الظاهر على وجوب إلصاق العقب بالصفا والأصابع بالمروة لكان القول بعدم لزوم هذه الدقة والاكتفاء بأقل من ذلك مما يصدق معه السعي بين الصّفا والمروة عرفاً وعادة، لا يخلو عن قوة. كما ذكره بعض المعاصرين ... واختار في ذيل كلامه هذا الذي ذكره البعض.

ثانياً: لظهور كلام الأصحاب في ذلك بل هو أمر ذكر بعض متأخري المتأخرين. قال: بل للّ اطلاق الفتاوى بخلافه.

أقول: إن هنا أموراً لابد من ملاحظتها ورعاية الجمع بينها:

الأوّل: فاللازم رعاية هذا الواجب لعدم وجود واجب آخر.

الثاني: إن السعي بينهما وإن كان يتحقق بالسّعي الخالي عن الإستيعاب، إلاّ ان الظاهر ـ كما في كلام صاحب الجواهر (قدس سره) ان المدار على الاستيعاب كما في غسل الوجه واليدين من المرفق في الوضوء فإن اللازم إحاطة الغسل لجميع أجزاء الوجه واليدين وفي مثل هذه الموارد لا يكون تسامح من ناحية العرف بوجه بل العرف يراعي لزوم المقدمة العلمية.

الثالث: إنّه لا إشكال في جواز السّعي راكباً وثبت ان النبي(صلى الله عليه وآله) كان سعى على ناقته. ومن الواضح انه ليس في الضيق من جهة إلصاق العقب أو الأصابع.

الرّابع: إن الصعود على الجبل لا يكون واجباً وإن حكي احتمال وجوبه عن


(9)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الفقيه والهداية والمقنع والمراسم والمقنعة، وعن الدروس إن الأحوط الترقي إلى الدرج وتكفي الرابعة.

وعن التذكرة والمنتهى: إن من أوجب الصعود أوجبه من باب المقدمة، لأنه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا به كغسل جزء من الرأس في الوضوء وصيام جزء من الليل.

ثم قال: وهذا ليس بصحيح لأن الواجبات هنا لا يتفضل بمفضل حسّي يمكن معه استيفاء الواجب دون فعل بعضه فلهذا أوجبنا غسل جزء من الرأس وصيام جزء من الليل، بخلاف المقام، فإنه يمكنه أن يجعل عقبه ملاصقاً للصفا، واستدل للقائل بالوجوب أيضاً بالأمر بصعوده في بعض النصوص وبما روى من أنه (صلى الله عليه وآله)صعده في حجة الوداع التي قال فيها: خذوا عني مناسككم.

والجواب، انّ الأمر للاستحباب وصعوده (صلى الله عليه وآله) لا دلالة له على وجوبه بعد عدم صعوده في غير حجة الوداع وقيامى الدليل على عدم وجوبه وملاحظة هذه الأمور الأربعة رعاية الاستيعاب العرفي الّذي لا محالة يفترق فيه الركوب عن غيره وانّ في الراكب والراجل كلاّ بحسب حاله. وعليه فاللازم الابتداء من الصفا والختم بالمروة ورعاية الاستيعاب لا تقتضي الإلصاق المزبور بوجه. ولكن الأمر سهل بعدما عرفت من عدم تحقق فرض هذه المسألة بالنسبة إلى هذه الأزمنة.

 

 

 


(10)

مسألة 3 ـ لاتعتبر الطهارة من الحدث ولا الخبث ولا ستر العورة في السعي، و إن كان الأحوط الطهارة من الحدث.[1]

 

[1] أمّا عدم اعتبار الطهارة من الحدث فكما في الجواهر هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً بل في محكي المنتهى نسبته إلى علمائنا به مشعر بل هي كذلك إذ لم يحك الخلاف فيه إلاّ من العمّاني.

ومنشأ الخلاف طائفة من الروايات الواردة في هذا المجال. لابد من ملاحظتها لتظهر تمامية دلالتها أوّلاً وصلاحيتها للمعارضة مع الطائفة الدالة على عدم الإعتبار ثانياً. فنقول هي ثلاث روايات:

إحديها: صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المرأة تطوف بين الصفا والمروة وهي حائض. قال: لا. ان الله يقول: (إنّ الصفا و المروة من شعائرالله).(1)

واشتمالها على العلة المذكورة يمنع من ظهورها في الوجوب، لأن الوقوفين وأمثالهما من الشعائر ولا تعتبر فيه الطهارة بوجه، وقد وقع التصريح في الكتاب العزيز بأن ابدنة من الشعائر، ولا يعتبر فيها الخلو من الحدث أصلا.

مع أنّ كون الصفا والمروة من شعائر الله لا يقتضي كون السعي بينهما أيضاً كذلك، والكلام في السعي لافي نفس الجبلين مع أنّ عدم جواز السعي مع الحيض لا يقتضي عدم الجواز مع الحدث الاصغر وكذا الأكبر مثل الجنابة ـ كما في الصّوم ـ فالرّواية في نفسها لا تصلح لاثبات المدّعى.

ثانيتها: صحيحة علي بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن الرجل يصلح أن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب السّعى، الباب الخامس عشر، ح3.


(11)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

يقضى شيئاً من المناسك وهو على غير وضوء؟ قال: لا يصلح إلاّ على وضوء.(1)وظهورها في أنه لا يصلح أن يقضي شيئاً من المناسك على غير وضوء مع وضوح عدم اعتباره في غير الطواف والسعي يقتضى أن لا يؤخذ به وأن لا يكون هو المراد. فلا محالة يكون المراد هو الاستحباب.

ثالثتها: موثقة ابن فضّال. قال: قال ابو الحسن(عليه السلام) لا تطوف ولاتسعى إلاّ بضوء.(2) وهي تامة من حيث الدلالة وظاهرة في النهي عن السعي بدون الوضوء كالطواف بدونه والحمل كما عن الشيخ (قدس سره) على النهي عن مجموع الأمرين لا عن كل واحد بانفراده خلاف الظاهر جدّاً.

وأمّا الطائفة الأخرى، فهي كثيرة جدّاً. مثل:

صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: لابأس أن تقضي المناسك كلّها على غير وضوء إلاّ الطواف. فإنّ فيه صلاة والوضوء أفضل. وفي نقل آخر والوضوء أفضل على كلّ حال.(3) والتعليل يشعر بأن اعتبار الوضوء في الطواف إنّما هو لأجل لزوم الإتيان بالصلاة بعده وكونها مرتبطة ومتصلة به ويحتمل بعيداً أن يكون المراد هو أن الطواف صلاة كما فيما روي من أن الطواف بالبيت صلاة.

وصحيحة رفاعة بن موسى. قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) اشهد شيئاً من المناسك وأنا على غير وضوء؟ قال: نعم، إلا الطواف بالبيت، فإن فيه صلاة.(4)


(12)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وصحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار، إنه سئل ابا عبدالله (عليه السلام) عن امرأه طافت بين الصفا والمروة وحاضت بينهما. قال: تتم سعيها، وسأله عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى. قال: تسعى.(1)

ورواية يحيى الأزرق. قال: قلت لابي الحسن (عليه السلام) رجل سعى بين الصفا والمروة فسعى ثلاثة أشواط أو أربعة، ثم بال ثم أتم سعيه بغير وضوء. فقال: لابأس، ولو أتم مناسكه بوضوء لكان أحبّ إلي.(2) والظاهر اعتبار سند الرواية وأن يحيى الأزرق هو يحيى بن عبدالرحمن الأزرق وهو ثقة. وغير ذلك من بعض الروايات الظاهرة في عدم اعتبار الطهارة من الحدث في السعي.

وهذه الطائفة قرينة على أن المراد بقوله: ولا تسعى في الموثقة هي الكراهة بدون الطهارة أو استحبابها.

ولو اغمض عن الجمع الدلالي وفرض ثبوت التعارض يكون الترجيح مع الطائفة اثانية لموافقتها للشهرة الفتوائية المحققة، وهي أوّل المرجحات في باب التعارض ـ على ما ذكرنا غير مرة ـ .

هذا وربما يقال كما قيل بأنّ الأحوط مانعية خصوص الجنابة عن السعي، الرواية عبيد بن زرارة. قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت أسبوعاً طواف الفريضة، ثم سعى بين الصفا والمروة أربعة أشواط، ثم غمزه بطنه فخرج فقضى حاجته ثم غشى أهله. قال: يغتسل ثم يعود ويطوف ثلاثة أشواط ويستغفر ربّه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السعى، الباب الخامس عشر، ح5.

(2) وسائل: ابواب السعى، الباب الخامس عشر، ح6.


(13)

ولاشيء عليه.(1) الحديث.

نظراً إلى إن الأمر باغتسال مع عدم كونه واجباً نفسيّاً ظاهر في شرطية الطهارة عن حدث الجنابة في السعي، هذا ولكن الرواية مضافاً إلى خلو نقل التهذيب عن قوله: يغتسل، وإلى معارضتها ببعض الروايات الظاهرة في عدم اعتبار الطهور مطلقاً في السعي تشبيهاً للصفا والمروة بالجماد يكون معرضاً عنها لدى المشهور شهرة عظيمة ـ كما عرفت ـ .

وأمّا عدم اعتبار الطهارة من الخبث، فلم ينقل الخلاف فيه من أحد. نعم حكي عن جماعة التصريح باستحببها، وأورد عليه في الجواهر بأنه لا دليل على الاستحباب أيضاً سوى التعظيم. ومن المعلوم ان عنوان التعظيم أيضاً صدقه غير معلوم لعدم وضوح الخصوصيات وإلاّ فاللازم أن يقال بأن التعظيم في مثل الصوم أيضاً يقتضى ذلك. مع انه من الواضح خلافه ومن العجيب ظهور كلام بعض الأعلام في ذهاب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار الطهارة من الخبث، فراجع.

وأمّا عدم اعتبار ستر العورة، فلأجل عدم قيام الدليل على اعتباره في السعي ومجرد وجوبه النفسي في خصوص ما إذا كان معرضاً لنظر الغير لا يستلزم الشرطية بالإضافة إلى السعي التي يكون لازمها رعاية الستر ولو لم يكن هناك ناظر أصلا ـ كما لا يخفى ـ .

 

 

مسألة 4 ـ يجب أن يكون السعي بعد الطواف وصلاته، فلو قدّمه على الطواف أعاده بعده ولو يكن عن عمد وعلم .[1]

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب كفارات الاستمتاع، الباب الحاديعشر، ح2 .


(14)

[1] يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين:

المقام الأوّل: في اصل اعتبار تأخر السعي ولزوم كونه بعد الطواف وصلاته. وقد حكي في الجواهر اعتراف غير واحد بنفي وجدان الخلاف فيه. قال: بل الاجماع بقسيمه عليه. بل يمكن دعوى القطع به.

أقول: وذلك مضافاً إلى ارتكاز المتشرعة وثبوت السيرة العلمية المستمرة منهم على ذلك يدل عليه النصوص المشتملة على بيان الحج قولا وفعلا القدر المتيقن بطلان السعي إذا اقدمه على الطواف أو صلاته عمداً وعن علم لأنه لا يتصور أقل منه بعد ملاحظة دليل الاعتبار وثبوت شرطية الترتب والتأخر.

المقام الثاني: فيما إذا كان التقديم عن غير عمد أو غير علم بأن وقع جهلا أو نسياناً. والظاهر ثبوت البطلان فيهما أيضاً لصحيحة منصور بن حازم. قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت. قال: يطوف بالبيت ثم يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما.(1)

وقد حكي عن الفاضل والشهيد وغيرهما ان مقتضى اطلاق السؤال في الرواية وترك الاستفصال في الجواب، هو البطلان في الصورتين.

هذا والظاهر ان مورد السؤال في الرواية يختص بالمقام ولا يشمل صورة العمد والعلم، بل كان البطلان في هذه الصورة مفروغ عنه عند السائل وكانت الشبهة الموجبة لسؤال هو احتمال الصحة في صورة الجهل أو النسيان. وعليه فلا يبقى مجال
مسألة 5 ـ يجب أن يكون السعي من الطريق المتعارف. فلا يجوز الإنحراف الفاحش. نعم يجوز من الطبقة الفوقانية أو التحتانية، لو فرض حدوثها بشرط أن يكون بين الجبلين لا فوقهما أو تحتهما. والأحوط اختيار

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الطواف، الباب الثالث والستّون، ح2 .


(15)

الطريق المتعارف قبل إحداث الطبقتين. [1]

 

لاحتمال عروض التقييد لإطلاقه بسبب حديث الرفع ولا لرفعه بسبب ذلك الحديث بعد كون الجهل والنسيان دخيلا في ترتب الحكم المذكور في الصحيحة، فتدبر. ثم ان ظاهر المتن في المسألة الرابعة من مسائل الطواف المتقدمة انّ لزوم إعادة السعي في هذا الفرض بعد حمل العبارة عليه إنّما هو بنحو الإحتياط الوجوبي دون الفتوى. حيث إنه قال هناك: لو سعى قبل الطواف فالأحوط إادته بعده. لكن الظاهر ماهنا.

[1] من الظاهر ان المتفاهم العرفي من السّعي الواجب بين الصفا والمروة هو السعي بينهما من الطريق المتعارف. فلا يجوز الانحراف الفاحش يميناً أو يساراً كما إذا ابتدأ بالسعي من الصفا ثم دخل امسجد الحرام ووصل قريباً من الكعبة ثم رجع إلى المسعى وانتهى إلى المروة. فإنه من الواضح عدم جوازه سواء كانت الحركة بنحو الخط المنكسر أو المنحني أو ابتدأ بالسعي من الصفا ثم انحرف عن يمينه إلى الساحة الكبيرة التي احدثت أخير ثم رجع إلى المسعى وانتهى إلى المروة بنحو أحد الخطين المذكورين.

نعم لايجب أن يكون بنحو الخط المستقيم الهندسي الدقيق بل العرفى منه المطابق للسيرة المستمرة العملية من المتشرعة وارتكازهم ايضاً. وأمّا السعي من الطبقة الفوقانية الموجودة بالفعل أو من الطبقة التحتانية لو فرض حدوثها أو الطبقات
مسألة 6 ـ يعتبر عند السّعي إلى المروة أو إلى الصفا الإستقبال إليهما. فلا يجوز امشي على الخلف أو أحد الجانبين. لكن يجوز الميل بصفحة وجهه إلى أحد الجانبين أو إلى الخلف. كما يجوز الجلوس والنوم على الصفا أو المروة


(16)

أو بينهما قبل تمام السعي ولو بلا عذر.[1]

 

المتصلة بإحدى الطبقتين كذلك فجوازه متوقف على صدق عنوان السعي بين الجبلين وأما إذا كان العنوان هو فوقهما أو تحتهما فلا يجزى ب بعد كون المدار ماذكرنا فـي الكتاب والسنّة وارتكاز المتشرعة. ومقتضى الإحتياط الكامل الذي ينبغي أن يراعى سيّما في مثل الحج الذي لا يكاد يتحقق من المكلف في طول العمر إلاّ مرة أو مرات متعددة اختيار الطريق المتعارف قبل إحداث طبقة أخرى فوقانية أو تحتانية ـ كما لا يخفى ـ .

[1] قد عرفت ان المتفاهم من الكتاب والسنة هو المشي على النحو المتعارف المتداول الذي استمرت عليه السيرة العملية من المتشرعة. فلا يجوز المشي على البطن أو على أربع أو معلّقاً أو مثلها مما هو خارج عن النحو المذكور. وعليه فالمعتبر بعد فرض لزوم الابتداء في السعي من الصفا الإستقبال إلى المروة وفي الرجوع الإستقبال إلى الصفا. فلا يجوز المشي على الخلف والقهقري أو أحد الجانبين اليمين واليسار. نعم لا يعتبر عنوان الإستقبال بالنحو المعتبر في باب الصلاة الذي يقدح فيه الإلتفات يميناً أو شمالا بنحو يرى الخلف فإنه يجوز في المقام الميل بصفحة الوجه إلى أحد الجانبين أو إلى الخلف، لعدم كونه منافياً لما هو المتفاهم من عنوان السعي بين الصفا والمروة بالنحو المتعارف.

وأمّا الجلوس أو النوم للإستراحة، فإن كان على نفس الجبلين وعلى الصفا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

والمروة، فلا اشكال في الجواز نصّاً وفتوى. وأمّا إذا كان بينهما من جهد وتعب فلا


(17)

إشكال فيه أيضاً. وأمّا إذا كان لمجرد الإستراحة من دون أن يكون جهد ومشقة فمقتضى جملة من الروايات الجواز، مثل:

صحيحة الحلبي، قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يطوف بين الصفا والمروة أيستريح؟ قال: نعم، إن شاء جلس على الصفا والمروة وبينهما فليجلس.(1)

وصحيحة معاوية بن عمّار في حديث، انه سأل ابا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة يجلس عليهما، قال: أو ليس هو ذا يسعى على الدواب.(2)

ومقتضى بعض الروايات العدم، مثل: صحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: لا يجلس بين الصفا والمروة إلاّ من جهد.(3)

والظّاهر ان استثناء الجهد قرينة على كون المراد من المستثنى منه هو الحكم التنزيهي لا التحريمي. فلا مجال لدعوى التقييد خصوصاً مع التصريح في الصحيحة الأوى بالجواز بينهما معلّقاً على المشيّة لا مشروطاً بالجهد، ولكن الاحوط مع ذلك في هذه الصورة الترك. وقد قيدنا في التعليقة عن المتن أصل الحكم في الجواز بأن الأحوط أن لا يكون بمقدار يقدح في الموالاة العرفية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السعى، الباب العشرون، ح1.

(2) وسائل: ابواب السعى، الباب العشرون، ح2.

(3) وسائل: ابواب السعى، الباب العشرون، ح4.


(18)

 

في أن الأحوط عدم تأخير السّعي الى الليل

مسألة 7 ـ يجوز تأخير السعي عن الطواف وصلاته للاستراحة وتخفيف الحرّ، بلا عذر حتى إلى الليل، والأحوط عدم التأخير إلى اللّيل، ولا يجوز التأخير إلى الغد بلا عذر.[1]

 

[1] أمّا أصل جواز التأخير في الجملة فممّا لا إشكال فيه، بل ولا خلاف، كما في الجواهر نفى وجد انه فيه. وأمّا التأخير إلى الليل فجوازه هو المشهور كما أن عدم جوازه إلى الغد أيضاً كذلك. لكن قال المحقّق في الشرايع في المسألة الخامسة من مسائل الطواف: من طاف كان بالخير في تأخير السّعي إلى الغد ثم لا يجوز مع القدرة. وظاهره جواز الإتيان به في الغد، لظهوره في كون الغاية داخلة في المعنى كدخولها فيه بالإضافة إلى الليل، فإن الظاهر ان المشهور القائلين بجواز التأخير إلى الليل لا يفرقون بين أجزاء الليل أوّلا ووسطاً وآخراً. وعليه فظاهر كلام المحقق أيضاً دخول الغد مع أن الظاهر انه لم يقل به أحد غيره. فلابد من حمل كلامه على خروج الغاية ليخرج من الندرة.

وأعجب من ذلك. انه حكى عن الحدائق انه نقل عن الشهيد انه قال بعد نقل ذلك من المحقق: وهو مروي مع انه لم يصل إلينا رواية دالة على جواز التأخير الى الغد بالنحو المذكور. اللهم الاّ على سبيل الإطلاق، كما في بعض الروايات ـ وكيف كان فالرّوايات الواردة في هذه المسألة عبارة عن:

صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقدم مكّة وقد اشتد عليه الحرّ فيطوف بالكعبة ويؤخّر السعي إلى أن يبرد. فقال: لا بأس به


(19)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وربما فعلته. وقال: وبما رأيته يؤخر السعي إلى اللّيل.(1)

قال في الوسائل بعد نقل الرواية عن الشيخ: ورواه الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عبد الله بن سنان مثله إلى قوله: وربما فعلته. إلا انه قال: يقدم مكة حاجاً. ورواه الصدوق بإسناده عن عبدالله بن سنان مثل رواية الكليني وزاد: وفي حديث آخر: يؤخره إلى الليل.

والرواية مشتملة على حكايتين، حكاية القول وحكاية الفصل.

أما الاولى فمفادها جواز تأخير السعي إلى أن يبرد. والظاهر أن الجواز لا يختص بصورة الحرج والتعب والجهد لعدم كون اشتداد الحر ملازما للحرج أولا، وظهور الرواية في جواز التأخير إلى البرودة الظارة في جواز الإتيان به عند حدوث البرودة أو في الوسط أو في الآخر ثانياً، وعليه فلا مجال لتوهم كون مفاد الرواية جواز التأخير في خصوص صورة الحرج.

وأما الثانية فلا يستفاد منها الجواز إلى الليل مطلقاً ولو من دون عذر، لأنها حكايه فعل الإمام (عليه السلام) والفعل لا اطلاق له إلا إذا كان الحاكي له هو إمام آخر، وكان غرضه من حكاية بيان الحكم وفي غير ذلك لا وجه للتمسك بالإطلاق. وعليه فيحتمل أن يكون تأخيره (عليه السلام) في مورد العذر، فلا دلالة للرواية على جواز التأخير إلى الليل مطلقاً، كما ان الزيادة في نقل الصدوق لا تصلح لإثباته، فتدبر.

وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت فاعيى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الطواف، الباب الستّون، ح1.


(20)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة ؟ قال: نعم(1) .

وصحيحة العلاء بن رزين. قال: سألته عن رجل طاف بالبيت فاعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة إلى غد قال: لا(2). وفي الوسائل بعد نقل الرواية عن الكليني: ورواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب ورواه الصدوق بإسناده عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) .

ويظهر من الجواهر ان الرواية الأخيرة روايتان يكون الراوي في أحدهما هو العلاء وفي الثانية هو محمد بن مسلم. وعليه فما يدل على عدم جواز التأخير إلى الغد روايتان صحيحتان مع أن ظاهر الوسائل كونهما رواية واحدة. ويؤيده ان الراوي عن محمد هو العلاء.

وعليه فيحتمل اتحادهما مع الصحيحة الأولى أيضاً، وإن كان بينهما اختلاف في الجواب من جهة الإثبات والنفي، وكذا في السؤال من جهة اطلاق التأخير وتقييده بالتأخير إلى الغد ، ولكنه مع ذلك لا يكون احتمال الإتحاد منتفياً خصوصاً بعد اتحاد عبارة السؤال ـ لأنه لا مجال لتعدد السؤال، سواء كان السؤال الأول واقعاً قبل الثاني أو بعده. أمّا في الفرض الأوّل فلأنّه بعد السؤال عن تأخير السعي بنحو الإطلاق الشامل للتأخير إلى الغد والجوا بالإثبات كذلك لترك الاستفصال فيه لا مجال للسؤال الثاني أصلا إلا أن يقال بظهور السؤال في التأخير في الجملة وهو لا يشمل التأخير إلى الغد. وأمّا في الفرض الثاني فمقتضى القاعدة تقييد مورد السؤال بغير الغد ـ كما لا يخفى ـ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الطواف، الباب الستون، ح2.

(2) وسائل: ابواب الطواف، الباب الستون، ح3.


(21)

 

في ركنية السّعي

مسألة 8 ـ السّعي عبادة تجب فيه ما يعتبر فيها من القصد وخلوصه، وهو ركن، وحكم تركه عمداً أو سهواً حكم ترك الطواف، كما مرّ.[1]

 

[1] لا شبهة في كون السعي عبادة عد وقوعه جزء للحج أو العمرة. ولا مجال لأن يكون جزء العباة غير عبادة، وعليه فيعتبر فيه ما يعتبر في العبادة من النيّة والخلوص من الرياء وغيرها فينوى السّعي الذي هو جزء لحجة الاسلام ـ مثلا ـ أو عمرتها امتثالا لأمر الله تعالى. وقد تقدم التحقيق في ذلك في باب الطواف، فراجع. كما أنه قد تقدم معنى الرّكن في باب الحج وأنه مغاير لمعناه في باب الصلاة في أوّل بحث الطواف والذي ينبغي التعرض له هنا أمران:

أحدهما انه بعد وضوح كون الإخلال بالسّعي عالماً عامداً موجباً لبطلان العباده لأنه حدّ اقل آثار الجزئية الثابتة له على ماهو المفروض، اذ لا يجتمع صحة العبادة مع الإخلال بالجزء في صورة العلم والعمد. نعم حكي عن أبي حنيفة ان السّعي واجب غير ركن، فإذا تركه كان عليه دم. وعن أحمد في روايته انه مستحبّ، لكن لا ريب في فسادهما، كما في الجواهر.

وقع الكلام في أنّ الإخلال به عن جهل هل موجب البطلان أم لا؟ سواء كان الجهل عن قصور أو تقصير. والظاهر هو الأوّل، لصحيحة معاوية بن عمّار، قال: قال أبوعبدالله(عليه السلام) من ترك السّعي متعمّداً فعليه الحج من قابل(1). ومقتضى إطلاق المتعمد الشمول للجاهل، لأن الجاهل أيضاً متعمد وعمله صادر عن قصد وإرادة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السّعي، الباب السابع، ح2.


(22)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وإن كان المنشأ هو الجهل، من دون فرق بين قسميه، فالمتعمد في مقابل الناسي وغير الملتفت، لا في مقابل الجاهل. وبذلك يتحقق معنى ركنية السعي وإن الاخلال به عالماً أو جاهلا إذا كان عن قصد وإرادة موجب بطلان الحج ولزومه من قابل.

ثانيهما فرض النسيان. قال المحقق في الشرايع: « ولو كان ناسياً وجب عليه اإتيان به فإن خرج عاد ليأتي به فإن تعذّر عليه استناب فيه» وفي الجواهر بعد العبارة «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل عن الغنية الإجماع عليه» .

وعمدة المستند الروايات الواردة في الباب وهي:

صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له رجل نسى السّعي بين الصفا والمروة، قال: يعيد السّعي. قلت: فانّه خرج (فاته ذلك حتى خرج) قال: يرجع فيعيد السّعي إن هذا ليس كرمي الجمار، إن الرمي سنّة والسعي بين الصّفا والمروة فريضة، الحديث.(1) ومن الواضح ان المراد بالإعادة هو أصل الإتيان لفرض تركه للنسيان.

وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل نسى أن يطوف بين الصفا والمروة، قال: يطاف عنه(2). ورواية زيد الشّحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا والمروة حتى يرجع إلى أهله، فقال: يطاف عنه.(3)

وأنت خبير بأنّ ظاهر الرواية الأولى تعين الإتيان بالسّعي المنسي مباشرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السعي، الباب الثامن، ح1 .

(2) وسائل: ابواب السعي، الباب الثامن، ح3.

(3) وسائل: ابواب السعي الباب الثامن ح2.


(23)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وبنفسه وظاهر الأخيرتين تعين الإستنابة والسعي عنه وهما متنافيان.

لكن في الجواهر بعد نقل الرّوايات: « المتجه الجمع بينها ولو بملاحظة الفتاوى والاجماع المحكي وقاعدة المباشرة في بعض الأفراد ونفي الحرج وقبوله للنيابة في آخر بما عرفت » والباء في قوله بما عرفت متعلقة بالجمع. ومراده من الموصول ما تقدم من عبارة الشرايع التي نفى وجدان الخلاف فيه.

ويظهر منه ان الجمع بين الروايات بما ذكر يحتاج إلى قرائن خارجية، وإنه بدونها لا يتحقق الجمع بالنحو المذكور. ولأجله ذهب الرازقي في محكي المستند إلى أن اللازم الجمع بينها بالحمل على التخيير الذي مرجعه إلى تخيير الناسي للسّعي بين أن يرجع فيسعى بنفسه وبين أن يستنيب فيتحقق من النائب.

هذا ولكن تصدى بعض الأعلام (قدس سره) للجمع بينها بنحو ينطبق على المشهور أوّلا، ولا يكون خارجاً عن الجمع الدلالي العرفي ثانياً. وذكر لتقربه أمرين:

الأمر الأوّل: إنّ الوجوب قد يكون وجوباً شرطيّاً أو شطريّاً، كالإستقبال والتشهد بالإضافة إلى الصلاة، والأمر به يكون إرشاداً إلى الشرطيّة أو الجزئيّة. وكذلك النهي عن إتيان شيء في الصلاة يكون إرشاداً إلى المانعيّة. مثل النهي عن الإتيان بها في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ومقتضى هذه الأوامر والنواهي الشرطية المطلقة والجزئية كذلك، والمانعية أيضاً كذلك، من دون فرق بين صورتي العلم والجهل، وكذا الإلتفات وعدمه. ولأجله لكان مقتضى القاعدة احكم بالفساد في جميع موارد الفعل، لكن حديث «لا تعاد» المعروف في باب الصلاة اقتضى الصحة في غير الخمسة المستثناة فيه.


(24)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وقد يكون مولوياً ـ كما في المقام ـ فإن الأمر بإعادة السّعي هنا أمر مولوي ضرورة عدم بطلان الحج ـ مثلا ـ بسبب نسيان السعي وإن لم يتحقق منه أصلا لا مباشرة ولا تسبيباً . وكذا الأمر بالإستنابة.

ومن الواضح ان التكليف المولوي مشروط بالقدرة وعدم التعذر والحرج عليه. ففي صورة التعذر والحرج يرتفع الوجوب بدليل نفي الحرج، فيكون الوجوب المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار مقيداً بالقدرة وعدم الحرج. وعليه فتكون النسبة بينها وبين صحيحة محمد بن مسلم نسبة التقييد والاطلاق . فإن صحيحة ابن مسلم وإن كانت مقيدة أيضاً بالقدرة وعدم الحرج بالإضافة إلى الإستنابة . إلاَّ انها مطلقة بالإضافة إلى السّعي بنفسه من جهة القدرة وعدهما. فالصحيحة الأولى مقيدة للثانية، والنتيجة ـ حينئذ ـ مع المشهور .

الأمر الثاني: ما وصفه بكونه تقريباً أوضح، وحاصله ان كل أمر نفسي مولوي ظاهر في الوجوب التعيني، فيما لم تكن قرينة على خلافه. فالوجوب التعيني ما يقتضيه اطلاق الدليل. فإذا أورد أمران في موضع واحد ولم ينهض دليل على ان الواجب شيء واحد، بل احتمل انه واجبان فيثبت ان كل واحد واجب تعيني ولا وجه لرفع اليد عن ذلك، بل اللازم الالتزام بالوجوبين معاً. كما ورد الأمر في مورد القتل الخطائي بالدية والكفارة وهما واجبان معاً. وكذا في باب الصلاة بالإضافة إلى بعض الأجزاء المنسيّة.

وأمّا إذا كان التكليف وحداً ولم يحتمل تعدّد الواجب، فلا يجري احتمال الوجوب التعيني لهما معاً. كما في مورد الأمر بصلاة الظهر والجمعة أو بالقصر والإتمام فحينئذ


(25)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

يقع التعارض بين الدليلين. لكن طرفا التعارض ليس هما الوجوبان بذاتهما لعدم المنافاة، بل هي بين الوجوبين التعينيين فالنتيجة سقوط الإطلاقين وثبوت الوجوبين بنحو التخيير .

ولا مجال لتوهم كون المقام من هذا القبيل، لأن سقوط الإطلاقين في المقام لا موجب له، وذلك للعلم بسقوط الإطلاق من صحيحة ابن مسلم، لأنه لا تحتمل أن تكون الاستنابة واجباً تعيينياً، لأنها إمّا تخييري أو في مرتبة متأخرة، فلا إطلاق للصحيحة المذكورة. وأمّا صحيحة معاوية فلا مانع من الأخذ بإطلاقها وبطبيعة الحال يقيد بالتمكن فقط، لأدلّة نفي الحرج. فالوجوب التعييني للاستنابة ساقط، لكن الوجوب المباشري المستفاد من صحيحة معاوية نحتمل تعينه، فيؤخذ باطلاقه. فالنتيجة أيضاً مع المشهور.

لكن هذا الأمر الثاني يبتنى على استفادة التعيينية من اطلاق الوجوب الذي تدل عليه هيأت الفعل أو مثل لفظ «يجب» وقد حققنا في الأصول تبعاً لسيدنا الأستاذ الماتن (قدس سره) انه لا يعقل أن تكون نتيجة الاطلاق الذي ينطبق على المقسم هو واحد القسمين بعد لزوم أن يكون في القسم خصوصية زائده على المقسم مغايرة للخصوصية الموجودة ي القسم الآخر فما أفاده من استفادة الوجوب التعييني من الاطلاق مع كونه قسماً من مطلق الواجب ونوعاً من طبيعته مما لا يستقيم لوجه ومع الإغماض عن هذا المبنى يكون تقريباً صحيحاً، لما ذهب إليه المشهور، ولا يبقى مجال للتخيير الذي أفاده صاحب المستند (قدس سره) .


(26)

 

في الزيادة على السبعة سهواً

مسألة 9 ـ لو زاد فيه سهواً شوطاً أو أزيد صحّ سعيه، والأولى قطعه من حيث تذكر، وإن لايبعد جواز تتميمه سبعاً، ولو نقصه وجب الإتمام أينما تذكره. ولو رجع إلى بلده وأمكنه الرجوع بلا مشقة وجب، ولو لم يمكنه أو كان شاقّاً إستناب، ولو أتى ببعض الشوط الأوّل وسهى ولم يأت بالسّعي، فالأحوط الإستيناف.[1]

 

[1] يقع الكلام في هذه المسألة في مقامين.

المقام الأول: في الزيادة السهوية. ولا شبهة نصّاً وفتوى في عدم كونها قادحة في صحة السّعي وتماميته من دون فرق بين أن تكون الزيادة كذلك شوطاً أو أزيد. إنما الكلام في حكمه بعد التذكر من جهة لزوم القطع أو جواز التتميم سبعاً. وقد ورد فيه طائفتان من الرّوايات:

الطائفة الأولى: ما ظاهرها لزوم القطع والطرح من حيث تذكر، مثل:

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط. ما عليه؟ فقال: إن كان خطأ اطرح واحداً واعتد بسبعة.(1)

وصحيحة معاوية بن عمّار، قال: من طاف بنى الصفا والمروة خمسة عشر شوطاً طرح ثمانية واعتدّ بسبعة، قال: وإن بدأ بالمروة فليطرح ويبدأ بالصفا.(2)

وصحيحة جميل بن درّاج، قال: حججنا ونحن صرورة فسعينا بين الصفا والمروة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السعي، الباب الثالث عشر، ح3.

(2) وسائل: اورد صدرها في ابواب السعي، الباب الثالث عشر، ح4، وذيلها في الباب العاشر، ح3.


(27)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أربعة عشر شوطاً، فسألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: سبعة لك وسبعة تطرح.(1)

ولكن الظاهر ان موردها الجهل. خصوصاً بقرينة قوله: «ونحن صرورة» وغير ذلك من الروايات الظاهرة في ذلك.

الطائفة الثانية: ما ظاهرها لزوم إضافة الستّة إلى الشوط الزائد الذي وقع نسياناً وهي:

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن في كتاب عليّ (عليه السلام) إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستين ثمانية أضاف إليها ستّاً، وكذلك إذا استيقن انه سعى ثمانية أضاف إليها ستّاً.(2) وقد جمع الأصحاب بين الطائفتين بالحمل على التخيير. نعم حكي عن ابن زهرة الإقتصار على الثاني، ولكنه ليس خلافاً ـ كما في الجواهر ـ خصوصاً بعد الحكم بجوازه وكونه مندوباً.

لكنه أشكل التخيير في مجمي الحدائق بقوله: إن السّعي ليس كالطواف والصلاة يقع واجباً ومستحباً فإنا لم نقف في غير هذا الخبر على ما يدل على وقوعه مستحبّاً.

قال في المدارك: ولا يشرع استحباب السعي إلاَّ هنا ولا يشرع ابتداء مطلقاً واللازم من الطواف ثمانية كون الابتداء بالثامن من المروة، فكيف يجوز أن يعتد به ويبني عليه سعياً مستأنفاً مع اتفاق الأخبار وكلمة الأصحاب على وجوب الإبتداء في السعـي من الصفا. وانه لو بدأ من المروة وجب عليه الإعادة، عمداً كان أو سهواً.

وبالجملة فالظاهر بناء على ما ذكرناه هو العمل بالأخبار الأدلة من طرح الزائد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب السّعي، الباب الثالث عشر. ح5.

(2) وسائل: ابواب الطواف، الباب الرّابع والثلاثون، ح10.


(28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

والإعتداد بالسبعة الأوّلة. وأمّا العمل بهذا الخبر فمشكل. قال: والعجب من سيّد المدارك حيث لم ينتبه لذلك وحمل على موافقة الأصحاب في هذا الباب.

وتبعه في ذلك صاحب الرياض مع اضافة انّ صحيحة محمد بن مسلم تحمل على كون مبدأ الأشواط فيها بالمروة دون الصفا، ويكون الأمر بإضافة الست إنّما هو لبطلان السبعة الأولى لوقوع البدأة فيها بها. بخلاف الشوط الثامن لوقوع البدأة فيه من الصّفا.

هذا ولكن الإشكال في غير محلّه، بل كما في الجواهر: اجتهاد في مقابل النص فإنه لا مانع من استحباب السّعي بهذه الكيفية المذكورة في الرواية، وإن كان السّعي الابتدائي لا يكون مستحبّاً لعدم كونه مثل الطواف في الاتصاف بالوجوب والاستحباب. كما ان الدليل على عدم وقوع إبتداء السعي من المروة مطلق قابل للتقييد بهذه الصورة، لأنه ليس من الأحكام العقلية غير القابلة للتخصيص أو الأحكام التي كان طبعها آبياً عن التخصيص. وعليه فلا مانع من اتصاف السعي بالصحة في خصوص المورد وإن كان الإبتداء به من المروة. والحمل المذكور في الرياض خلاف الظاهر جدّاً. وعليه فلا محيص عمّا هو المشهور.

ثم إن من رواية صحيحة يكون مفادها مغايراً لكلتا الطائفتين المتقدمتين المشتركتين في صحة أصل السعي الواقع الذي زيد عليه سهواً. وهي صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن طاف الرجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد وليطرح ثمانية; وإن طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط

 


(29)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فليطرحها وليستأنف السعي، وإن بدأ بالمروة فليطرح ما سعى ويبدأ بالصّفا.(1)

والمحكيّ عن الشيخ (قدس سره) في التهذيب: انه حمل الصحيحة على صورة العمد حيث ذكر ان من تعمّد ثمانية أعاد السعي وإن سعى تسعة لم تجب عليه الإعادة وله البناء على ما زادم واستشهد بالرواية.

ويرد عليه ـ مضافاً إلى ظهور الصحيحة في غير صورة التعمد ـ إن حملها عليها لا يصحّحها لأن الزيادة العمديّة مبطلة في السعي ـ كما عرفت في اوّل البحث ـ مع أن الشوط التاسع الذي يكون ابتدائه من الصفا وإن كان واجداً للشرط من هذه الجهة إلاّ أنه قد أتى به فرضاً بعنوان الجزئية للسعي الأوّل الباطل، فكيف يكون جزء لعبادة مستقلة أخرى.

والمحكي عنه في الاستبصار المتابعة للصدوق في الفقه في حمل الفرضين في الصحيحة على صورة النسيان وإن الفرض استيقان الزيادة وهو على المروة لا الصفا فيبطل سعيه في الفرض الثاني لابتدائه من المروة، لأنه لا يجتمع استيقان الثمانية على المروة إلاَّ مع كون الشروعى منها. ويصحّ اشوط التاسع في الفرض الأوّل لابتدائه التاسع من الصّفا.

ويرد عليه أيضاً إن حمل الصحيحة على صورة النسيان وإن كان صحيحاً إلاَّ أن دعوى كون المراد منها في كلا الفرضين صورة التذكر والاستيقان وهو على المروة لا شاهد لها اصلا. بل الظاهر منها ان شروع السعي في كلا الفرضين كان من الصفا، وإن الإشكال إنّما هو من ناحية الزيادة بحيث لو لم تكن زيادة في البين، لما كان إشكال في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: اورد صدرهيا فيه في الباب الثاني عشر من ابواب السعي، ح1; وذيلها في الباب العاشر منها، ح2.


(30)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

السعي بوجه، وان الفرق بين الصورتين إنّما هو من ناحية الزيادة الواقعة من جهة الشوط أو الشوطين.

ويرد عليه أيضاً ما أوردناه على الحمل الأوّل من عدم وقوع الشوط التاسع بعنوان السّعي الذي هو عبادة مستقلة، بل بعنوان الجزئية للسّعي الأوّل.

والإنصاف ان الصحيحة غير قابلة للحمل والتوجيه ومعارضته للطائفتين الأوّلتين. فامّا أن يقال بلزوم الإعراض عنها لإعراض المشهور، وهو قادح في الحجية. وإمّا أن يقال بأنه على فرض التعارض تصل النوبة إلى المرجحات. وأوّلها ـ كما ذكرنا مراراً ـ هي الشهرة في الفتوى المطابقة لغيرهاز

ثم الظاهر انه إذا كان الزائد المنسيّ أقلّ من شوط واحد. فالروايات وإن كانت لا تشمله لورودها في مورد زيادة شوط واحد أو شوطين أو أزيد، إلاَّ أن دلالة الطائفة الأولى على حكمه إنّما هي بنحو الأولويّة، لأنّه إذا كان الشوط الكامل أو أزيد لازم الطرح في صورة النسيان فطرح الأقل من شوط واحد. وإلغائه إنما يكون بطريق أولى. والشاهد فهم العرف واستفادتهم ذلك.

وأمّا الطائفة الثانية الدالة على التكميل والإضافة، فلا دلالة لها على جواز التكميل في هذه الصّورة لأن موردها ـ مع وحدتها ـ هي صورة إضافة شوط كامل نسياناً ولا تشمل صورة زيادة الأقل ولا أولوية بالإضافة إلى هذه الطائفة لأنه لا يكون في البين أولوية من هذه الجهة. ولا يلازمه بين الجهتين أصلا. نعم يستفاد منها جواز التكميل والتتميم بالإضافة إلى الزائد عن شوط واحد بطريق أولى. فإنه إذا كان التكميل اسبوعين مشروعاً مع زيادة شوط واحد على الأشواط السبعة


(31)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الأصلية فمشروعيته فيما إذا كان الواقع زائداً على شوط واحد بطريق أولى ـ كما لا يخفى ـ هذا تمام الكلام في الزيادة السهويّة.

المقام الثاني: في النقيصة اسهوية. وهي بخلاف الزيادة لا تكاد تتحقق إلاَّ على تقدير فوت الموالات بناء على اعتباره أو الدخول فيما يكون مترتّباً على السعي مثل التقصير.

أمّا الأقوال، فالظاهر اتفاقها على عدم كون الإخلال بالسعي بهذا النحو موجباً لبطلانه في الجملة. إنّما الإختلاف في سعة هذه الدائرة وضيقها. ففي الجواهر: إن مقتضى اطلاق المتن والقواعد والشيخ في كتبه وبنى حمزة وإدريس والبرّاج وسعيد على ما حكي عن بعضهم عدم الفرق بين تجاوز النصف وعدمه. لكن عن المفيد وسلاّر وأبي الصلاح وابن زهرة اعتبار التجاوز عن النصف في البناء مثل الطواف بل عن الغنية الإجماع عليه. ومنه يظهر ان نسبة التفصيل الى الفقهاء (قدس سره) في غير المحلّ بل ظاهر الجواز ان الشهرة على خلافه، وما يمكن أن يستدل به على التفصيل روايتان:

إحديهما: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت وبين الصّفا والمروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع فإذا طهرت رجعت فاتّمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، فإن هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله.(1)

ثانيتهما: مرسلة أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الطواف، الباب الخامس والثمانون، ح1 .


(32)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

طافت خمسة أشواط ثم اعتلت، قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصّفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت فإذا هي قطعت طوافها في أقلّ من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوّله.(1)

والرّوايتان مضفاً إلى ضعف سندهما، يكون اشتمالهما على مانعية الحيض عن السعي. كالطواف مانعاً عن الأخذ بهما لمعلومية عدم مانعية الحيض بالإضافة إلى السعي بوجه، وعدم اشتراط الطهارة فيه كذلك. فإنه يجوز للحائض الشروع في السّعي وتكميله بخلاف الطواف ـ على ما مرّ ـ فلا مجال للأخذ بالروايتين أصلا.

وقد استدل صاحب المستند على الإطلاق برواية صحيحة لمعاوية بن عمار امشتملة على قوله (عليه السلام): فإن سعى الرجل أقل من سبعة أشواط، ثم رجع إلى أهله، فعليه أن يرجع فيسعى تمامه وليس عليه شيء، وإن كان لم يعلم ما نقص فعليه أن يسعى سبعاً، وإن كان قد أتى أهله أو قصّر وقلم أظافره فعليه دم بقرة.

والظاهر انّها لا تكون رواية، بل من كلام الشيخ (قدس سره) في التهذيب ذكره بعد صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة الواردة في الزيادة السّهوية بعنوان صورة المسألة وبيانها أوّلا حتى يستدل عليه بالرواية أو الروايات الواردة فيها ولا تكون رواية اصلا، والشاهد عليه قوله بعده: روى ثم ذكر رواية سعيد بن يسار دليلا وقد اشتبه على مثل صاحب المستند وبعض آخر. فلا مجال للإستناد بإطلاقها بعنوان الرّواية.

والرواية الصحيحة الواردة في المقام هي صحيحة سعيد بن يسار الآتية في المسألة العاشرة الواردة في رجل سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط، ثم رجع إلى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الطواف الباب الخامس والثمانون، ح2.


(33)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

منزله وهو يرى أنه قد فرغ منه وقلم أظافيره وأحلّ ثم ذكر انه سعى ستة أشواط المشتملة على قوله (عليه السلام): إن كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطاً إلى آخر الحديث.(1) ومثلها رواية عبد الله بن مسكان التي في سندها محمد بن سنان.(2)وموردها وإن كان هو السّعي ستة أشواط إلاَّ أنه لا شبهة في إلغاء الخصوصية منه فيما إذا سعى خمسة أشواط وذكر بعد التقصير والإحلال، بل فيما إذا سعى أربعة أشواط التي يتحقق بها التجاوز عن النصف.

وأما التعميم بالإضافة إلى صورة عدم التجاوز عن النصف، كما إذا سعى ثلاثة أشواط أو أقل فيحتاج إلى الدليل. خصوصاً بعدما عرفت من فتوى جماعة من الأصحاب بالتفصيل بين الصورتين وذهاب المشهور إلى خلافه ـ كما عرفت ـ انه مقتضى اطلاق كلماتهم وتصريح صاحب الجواهر (قدس سره) بذلك لا يكون قرينة على سعة دائرة إلغاء الخصوصية وعموميّته لجميع الموارد، خصوصاً بعد ثبوت التفصيل في باب الطواف ـ على ما عرفت ـ ولا ملازمة بين عدم اعتبار مثل الطهارة في السعي وعدم الفرق بين الصورتين ـ كما لا يخفى ـ فالإنصاف ان استفادة الإطلاق من الصحيحة مع ورودها في مورد التجاوز عن النصف مشكلة جدّاً. فمقتضى الإحتياط الوجوبي الاستيناف من رأس إذا لم يتمّ الشوط الرّابع.

ثم إنه في المتن بعد الحكم بلزوم إتمام النقيصة أينما تذكر بنحو الإطلاق إحتياط وجوباً بالإستيناف فيما إذا لم يأت بشوط واحد كامل حنما عرض له النسيان. ففي

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبوب اب السعي الباب الرابع عشر ح1.

(2) وسائل السعي الباب الرابع عشر ح2.


(34)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الحقيقة يكون مقتضاه تفصيلا آخر غير التفصيل المتقدم. ولم يعلم وجه هذا التفصيل بوجه.

بقي في هذا المقام أمران:

الأمر الأوّل: إنه لا اشكال في أنّه إذا أراد الناسي أن يأتي بالنقيصة مباشرة لا يجب عليه إلاَّ الإتمام والتكميل والإتيان بالناقص. وأمّا إذا استناب لأجل عدم التمكن من المباشرة أو العسر والحرج فظاهر الكلمات أن النائب أيضاً يأتي بالناقص ويتم السعي لا انه يأتي بسعي كامل مشتمل على سبعة أشواط. ويمكن أن يقال بعد كون النيابة أمراً على خلاف القاعدة ولابد في مثله من الإقتصار على القدر المتيقن انه إذا وصلت النوبة إلى النيابة والنائب يكون اللازم إتيانه بسعي كامل. خصوصاً مع عدم معهودية النّيابة في بعض العمل العبادي. ومقتضى الإحتياط في الجمع بين هذه الجهة وبين ماهو ظاهر الكلمات أن يأتي النائب بسعي كامل قاصداً به فراغ ذمة المنوب عنه بالتمام أو الإتمام من دون تعيين.

الأمر الثاني: ما نبّه عليه بعض الأعلام (قدس سره) ومحصّله انه في صورة لزوم الإتمام على الحاج مباشرة لا اشكال في لزوم الإتيان به في شهر ذي الحجّة، لأنه من أجزاء الحج ومناسكه. فيجب إيقاعه في أشهر الحج. وأمّا لو تذكر النقص بعد مضي أشهر الحج أو تذكر فيها ولكن لم يمكن له التصدي للاتمام مباشرة في أشهر الحج، بل تمكّن منه بعده. فاللازم أن يقال بأن الإتمام ـ حينئذ ـ غير ممكن لزوال وقته. فالسعي الواقع الناقص باطل. فاللازم الإتيان به قضاء. ولا دليل على الاكتفا بالاتمام وإتيان البـاقي في القضاء بحيث كان العمل الواحد مركبّاً من الأداء والقضاء. واستظهر ان


(35)

 

فيما لو أحلّ قبل تمام السّعي سهواً

مسألة 10 ـ لو احلّ في عمرة التمتع قبل تمام السعي سهواً بتخيل الإتمام وجامع زوجته، يجب عليه إتمام السّعي واكفارة بذبح بقرة على الأحوط ، بل لو قصر قبل تمام السعي سهواً، فالأحوط الإتمام والكفارة، والأحوط إلحاق السعي في غير عمرة التمتع به فيها في الصورتين.[1]

 

مراد الأصحاب من إتيان الباقي بعد الفراغ من الحج إتيانه بعد الفراغ من مناسكه. فطبعاً يقع السعي بأجمعه في شهر ذي الحجة فكلامهم غير ناظر إلى مضي شهر ذي الحجة.

هذا وكن هذا الكلام لا يجري في العمرة المفردة التي لا يكون لها شهر خاص وزمان مخصوص، ولا اختصاص لمورد كلامهم بغير العمرة المفردة ـ كما لا يخفى ـ.

[1] قال المحقق في الشرايع: ولو كان متمتعاً بالعمرة، وظنّ أنه أتمّ فأحلّ وواقع النّساء، ثم ذكر ما نقص، كان عليه دم بقرة على رواية ويتمّ النقصان. وكذا قيل لو قلّم أظفاره أو قص شعره.

وفي الجواهر حكي القول الأوّل عن الشيخين وأبي إدريس وسعيد وجماعة منهم الفاضل في جملة من كتبه. والقول الثاني عن الشيخ وجمع من الأصحاب على مافي المدارك.

أقول: قد وردت في هذه المسألة روايتان:

إحديهما: صحيحة سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط، ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنه قد فرغ منه وقلم


(36)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أظافيره وأحلّ، ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط. فقال لي: يحفظ انه قد سعى ستة أشواط؟ فإن كان يحفظ انه قد سعى ستة أشواط، فليعد وليتم شوطاً وليرق دماً. فقلت: دم ماذا؟ قال: بقرة، قال: وإن لم يكن حفظ انّه قد سعى ستّة، فليعد فليبتدئ السّعي حتى يكمل سبعة أشواط، ثم ليرق دم بقرة.(1)

ثانيتهما: رواية ابن مسكان، وفي سندها محمد بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل طاف بين الصّفا والمروة ستة أشواط وهو يظن انّها سبعة، فذكر بعدما حلّ وواقع النساء أنه إنما طاف ستّة أشواط، قال: عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطاً آخر.(2) واللازم التكلم في مفاد الروايتين، فنقول:

أمّا الصحيحة، فبعد كون موردها عمرة التمتّع وانه بعد ما طاف ستّة أشواط اعتقد تمامية السّعي وانه أتى بالأشواط السبعة، وإن كان يبعّد هذا الفرض انه في هذه الصورة لا محالة يكون على الصفا، مع أنّ الختم لابد وأن يكون بالمروة، يكون مورد السؤال انّه قلّم أظافيره وأحلّ من إحرام عمرة التمتع. والظاهر انه لم يكن في ذهن السائل خصوصية للتقليم بل كان مراده تحقق الإحلال بالتقصير الذي هو آخر اعمال عمرة التمتع. لعدم وجوب طواف النساء فيها، بخلاف غيرها من أنواع الحج والعمرة المفردة. والتقصير الذي يتحقق به الإحلال في العمرة المذكورة كما يتحقق بالتعليم، كذلك يتحقق بقصّ الشعر ولا اختصاص له بالأوّل. وعليه فمراد السائل هو تحقق الإحلال بالتقصير. لكن لا دلالة له على حصول المواقعة بعد صيرورته

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب السعي، الباب الرابع عشر. ح1.

(2) وسائل: أبواب السعي، الباب الرابع عشر، ح2.


(37)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

محلاًّ. فالرواية تدل لى أنه في هذه الصورة يجب عليه إتمام السعي بإتيان الشوط المنسي، ولزوم كفارة البقرة. ولا مجال لدعوى أنه لا وجه لثبوت الكفارة مع كون المفروض ان موردها الخطأ، خصوصاً بملاحظة مادلّ على أن الكفارة إنما تثبت في حال الخطأ في خصوص الصيد ولا كفارة في غيره في هذا الفرض.

وذلك لأنّ ما دلّ على ذلك لا يكون حكماً غير قابل للتخصيص. لأنه حكم تعبدي شرعي قابل لعروض التخصيص له في هذا المورد أو غيره.

وبالجملة، مفاد الرواية صحة السعي وما يترتب عليه من التقصير الموجب للإحلال. غاية الأمر لزوم الإتيان بالمقدار الناقص وثبوت كفارة البقرة بمجرد الإحلال بسبب التقصير.

وامّا الرّواية الثانية، فاللازم ملاحظة ان مرودها هل هو عمرة التمتع كالصحيحة الصريحة في ذلك؟ أو ان موردها مطلق السعي سواء كان في عمرة التمتع أو في غيرها من العمرة المفردة والحج بأنواعه الثلاثة ؟ ربما يقال بالثاني. نظراً إلى أنه لا إشعار في السؤال بالإختصاص بعمرة التمتع. فمقتضى إطلاقه وترك الإستفصال في الجواب الشمول لجميع الموارد.

هذا ولكن الظاهر الإختصاص. لأن ذكر مواقعة النساء بعد الإحلال لا يلائم إلاَّ مع السعي في عمرة التمتع، لأنّ حلّية النساء في غيرها إنما ترتبط بطواف النساء الثابت فيه دون عمرة التمتع. حيث إنه لا يجب فيها طواف النساء. وعلى ما تقدم من البحث فيها مع أن الإحلال في الحج إنّما يتحقق قبل السعي بتمامية مناسك يوم النحر في منى. حيث إنه يحلّ الحاجّ من جميع محرمات الإحرام، عدى الطيب والصيد


(38)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

والنساء وحلّية الأوّل متوقفة على الطواف والسعي، والثاني من محرمات الحرم، والثالث يرتفع بطواف النساء. وبالجملة فحصول الإحلال بعد السّعي ومواقعة النساء بعد الإحلال إنّما يكون مرتبطاً بالسعي في عمرة التمتع، ولذا فهم المحقق في الشرايع في عبارته المتقدمة من هذه الرّواية عنوان التمتع. فقال: ولو كان متمتعاً بالعمرة....».

مع انّ الإطلاق موجب للإشكال في الرّواية من جهة أنّ وقوع المواقعة وإن كان في حال عدم الإلتفات إلى نقصان السّعي، إلاَّ أن وقوعها قبل طواف النساء إنّما يكون مع الإلتفات واللازم ـ حينئذ ـ ثبوت كفارة البدنة، لما مرّ في بحث الجماع من محرمات الإحرام. إن كفارته إذا وقع قبل الطواف المذكور هي البدنة. مع أنّ ظاهر الرواية عن ثبوت غير كفارة البقرة. ولذا حكي عن المحقق في النكت احتمال أن يكون المراد إنه طاف طواف النّساء ثم واقع لظنّه إتمام السّعي. كما أنه حكي عن المختلف احتمال أن يكون قد قدّم طواف النساء على السّعي لعذر.

ومن الظاهر ان الحمل على عمرة التمتع ـ كما هو الظاهر بقرنية ما ذكرنا ـ يوجب عدم توجه الإشكال وعدم وروده حتى يحتاج إلى دفعه بمثل ما ذكر ممّا يكون خلاف الظاهر جدّاً. هذا من ناحية.

وأمّا من الناحسة الأخرى فربما يقال بعدم كون هذه الرواية مرتبطة بالمقام، نظراً إلى أن الموجب للكفارة فيها إنّما هو الخروج من السعي غير قاطع ولا متيقن لإتمامه، بل خرج منه عن ظنّ منه. ومن المعلوم إنّه لا يجوز أن يخرج منه مع الظن. بل اللاّزم الخروج مع القطع واليقين. فالرواية غير واردة ي الناسي الذي هو


(39)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

المبحوث عنه في المسألة.

هذا ولكن الظاهر بطلان هذا القول. لأنّ منشأه استعمال كلمة «الظن» في السؤال مع ان الظاهر ان المراد منه هو الاعتقاد القطعي واستعمال الظنّ في هذا المعنى شايع حتى في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) ويدل عليه في خصوص مورد الرواية تفريع التذكر عليه وهو لا يلائم الظنّ المصطلح في قبال اليقين. فإن اتذكر فرع النسيان. فالإشكال في الرواية من هذه الجهة لا وجه له أصلا.

وبعد ذلك يقع الكلام في الجمع بين مفاد الروايتين. حيث إن ظاهر الصحيحة ثبوت الكفارة بعد الإحلال وإن لم يتحقق منه مواقعة النساء. وظاهر الرواية الثانية ثبوت الكفارة بعد الإحلال ومواقعة النساء، فكيف يجمع بينهما؟

فنقول، ذكر بعض الأعلام (قدس سرهم) ما يرجع إلى أنّ المواقعة والإحلال حيث لا يكونان في رتبة واحدة وفي عرض واحد. لأن الإحلال متقدم على المواقعة وهي متأخرة عنه. وقد دلّت الصحيحة على أنّ الإحلال بسبب التقصير يوجب الكفارة فهي ثابتة بمجرد الإحلال قبل تحقق المواقعة، فلا يبقى أثر للعمل المتأخر عنه أي شيء كان ـ مواقعة كانت ام غيرها ـ وعليه فتمام الملاك هو الإحلال.

أقول: إن قلنا بأن رواية مسكان لأجل الضعف في سندها بمحمد بن سنان لا تكون معتبرة. فاللازم الإتكال على الصحيحة فقط. وليس فيها إشعار بالمواقعة أصلا، بل مقتضاها ترتب الكفارة على التقصير والإحلال.

وإن قلنا باعتبارها، إمّا لأجل المنع عن ضعف محمد بن سنان، وإمّا لأجل انجباره


(40)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

بفتوى جماعة من أعاظم الأصحاب على طبقها كما مر. فالظاهر ان مقتضى الجمع بينها وبين الصحيحة هو الحكم باعتبار كلا الأمرين معاً في ترتب الكفارة وثبوت الطولية والترتب لا يمنع عن مدخليّة كليهما. فتكون الرواية بمنزلة المقيد لإطلاق الصحيحة. حيث إن ظاهرها ترتب الكفارة على الأمر الأول. سواء وقع الأمر الثاني عقيبه أم لا. فالجمع بينهما يقضي بلزوم تحقق كلا الأمرين حتى تثبت الكفارة التي في البين. ولعلّه لأجل ذلك عنون المسألة في المتن بهذه الصّورة. نعم الأختياط الوجوبي المجامع لاحتمال عدم الوجوب لا مجال له في هذه الصورة، لأن اللازم الإلتزام بثبوت الكفارة. سواء قلنا باعتبار رواية ابن مسكان أيضاً أم لم نقل به. بل اقتصرنا على خصوص الصحيحة لأنه لا إلكال في ثبوتها في مورد اجتماع الأمرين: الإحلال والمواقعة.

نعم للاحتياط الوجوبي في الصورة الثانية التي أفاد حكمها مع كلمة «بل» الظاهرة في الترقي مجال، لأنّ الحكم بثبوت الكفارة مع فرض عدم تحقق المواقعة مخالف للرواية الثانية التي يحتمل اعتبارها. ولكنه حيث لم تكن المواقعة مذكورة في الصحيحة على ماذكرنا فمقتضى الإحتياط الوجوبي ترتب الكفارة عليه أيضاً.

نعم في بعض نسخ المتن إضافة قوله: وفعل ذلك عقيب قوله سهواً في هذه الصورة. والظاهر ان المراد من الجملة الإضافية هو وقوع المواقعة المفروضة في الصورة الأولى. ومن الظّاهر انه على هذا التقدير لا يبقى فرق بين الصّورتين. لأن المفروض في كلتيهما الإحلال والمواقعة. بل الظاهر هو مافي هذه النسخة. والمراد من الصورة الثانية خصوص ما إذا تحقق التقصير والإحلال من دون مواقعة، بخلاف


(41)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الصورة الأولى المشتملة على تحقق المجامعة ـ كما لا يخفى ـ.

بقي الكلام في أمرين:

الأمر الاوّل: إنه احتاط في المتن وجوباً في إلحاق السعي في غير عمرة التمتع بالسّعي فيها. والظاهر ان منشأه وهو توهم الإطلاق في رواية ابن مسكان حيث لم يصرّح فيها بالمتمتع أو مثله. ولكنّك عرفت انّ الدقة في مفادها تقتضي اختصاص مورد السؤال منها بعمرة التمتع. ولذا فهم منها المحقق في الشرايع في عبارته المتقدمة ذلك. فإن الإحلال بالتقصير بعد السعي وترتب جواز المواقعة إنما يكون في السعي في خصوص عمرة التمتع، لما عرفت من أن حليّة النساء في غيرها متوقفة على طواف النساء والإحلال أيضاً يقع في الحج قبل السعي بتمامية مناسك يوم النحر. وعليه فلا يتوجه إشكال على الرواية حتى يحتاج إلى دفعه بأحد الوجهين المتقدمين آنفاً. وعلى ماذكرنا فلا يبقى مجال للإحتياط الوجوبي في هذه الجهة. بل غاية الأمر هو الإحتياط الإستحبابي.

الأمر الثاني: ان مقتضى إطلاق المتن تبعاً للشرايع انه لا فرق في النقيصة السهوية بين أن يكون شوطاً واحداً أو أزيد عليه في الكفاره ثابتة في كلا الفرضين. ولكنه ذكر في الجواهر: ينبغي الإقتصار على الستّة بظنّ انها سبعة لا غير ذلك.

ولعل الوجه فيه انه حيث يكون الحكم بالكفارة في هذا المورد الذي هو من موارد الخطاء والنسيان على خلاف القاعدة، فاللازم الإقتصار فيه على مورد الروايتين، وهو من طاف ستة ونقص واحداً، ولا ينافي عمومية الحكم بلزوم الإتمام، وأحكام النقيصة لجميع الموارد على ما عرفت في المسألة السّابقة مستنداً إلى


(42)

 

في الشك في عدد الأشواط

مسألة 11 ـ لو شك في عدد الأشواط بعد التقصير يمضي ويبني على الصحة، وكذا لو شك في الزيادة بعد الفراغ عن العمل. ولو شك في النقيصة بعد الفراغ والإنصراف ففي البناء على الصحة إشكال، فالأحوط إتمام ما احتمل من النقص، ولو شك بعد الفراغ أو بعد كل شوط في صحة ما فعل، بنى على الصحة، وكذا لو شك في صحة جزء من الشوط بعد المضي.[1]

 

الروايتين لأنه لا ملازمة بين الحكمين. فإذا اقتصر في الثاني على خصوص المورد لأجل المخالفة مع القاعدة، فهذا لا يلازم الإقتصار في الأول عليه أيضاً.

ولكن يرد عليه بعد التفكيك بل منعه. فإنه إذا كان الحكم الأول عامّاً، فالظاهر كون الحكم الثاني أيضاً كذلك، وإن شئت قلت ان العرف يرى انه لا خصوصية للمورد بالإضافة إلى كلا الحكمين من دون ثبوت فرق في البين. فلا مجال لما أفاده صاحب الجواهر (قدس سره).

[1] الشك قد يكون في أصل الوجود وهو العدد، وقد يكون في وصف الموجود وهي اصحة فللشك صورتان:

الصورة الأولى: الشك في أصل الوجود، وهو العدد وحدوثه قد يكون بعد التقصير المترتب على السعي والمتأخر عنه، وقد يكون قبله بعد الفراغ عن السعي والانصراف. ففيها فرضان:

الفرض الأوّل: مالو كان حدوث الشك في العدد بعد التقصير. وقد حكم فيه في


(43)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

المتن بجواز المضي والبناء على الصحّة. ومقتضى إطلاقه أنه لا فرق بين مالو كان للشك طرفان أو ثلاثة اطراف أو أزيد حتى إذا كان له سبعة أطراف، كما إذا احتمل أن يكون قد سعى شوطاً واحداً واحتمل أن يكون المأتي به شوطين وهكذا إلى السبعة.

والوجه في الحكم بالصحة قاعدة الفراغ الحاكمة بالصحة في مورد الشك والمتقدمة على الإستصحاب الجاري في كثير من الموارد المقتضي لعدم الإتيان بالمشكوك من دون فرق بين الفروض المتقدّمة.

وربما يقال بأن مقتضى قاعدة الفراغ وإن كان ذلك إلاَّ أن ذيل صحيحة سعيد بن يسار المتقدمة في المسألة السابقة يقتضي الإعتناء بالشك وترتيب الأثر عليه لا بالإتيان بالناقص المحتمل فقط بل بالاستيناف، حيث إنه قال الامام (عليه السلام) فيه: «وإن لم يكن حفظ انه قد سعى ستة فليعد فليبدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثم ليرق دم بقرة.(1) فإن مفاده أنه مع عدم حفظ الستة يجب عليه الإستيناف من رأس ولعلّه لذا ذكر المحقق في الشرايع: «ان من لم يحصر عدد سعيه أعاده» ومقتضى إطلاقه لزوم الإعادة، ولو كان حدوث الشك بعد التقصير.

هذا ولكن ذيل الصحيحة بيان للشق الثاني من الشقين المحتملين في مورد السؤال، وهو تذكر النقص بعد التقصير والعلم بكون السعي ناقصاً، فإنه في هذا الفرض تارة يكون حافظاً للستة ومتيقناً لها، وأخرى غير حافظ لها وقد حكم في الصحيحة بلزوم إتمام ما نقص في الشق الأوّل والإبتداء بالسعي بجميع أشواطه في

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب السعي، الباب الرابع عشر، ح1.


(44)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الشق الثاني، فكلا الشقّين واردان مع القطع بعدم تمامية السعى وثبوت نقصان شوط واحد فيه يقيناً، وأين هذا من الصورة امفروضة في المقام وهي الشك في عدد الأشواط الحادث بعد التقصير. والفارق جريان قاعدة الفراغ في المقام دون مورد الرواية ـ كما هو واضح ـ وقد حمل صاحب الجواهر (قدس سره) عبارة المحقق في الشرايع على كون الشك في الأثناء، فلا تشمل المقام.

الفرض الثاني: مالو كان الشك حادثاً بعد الفراغ قبل التقصير. واللازم فرضه بناء على إعتبار الموالات في السعي، بخلاف ماهو المشهور وفرض فواتها. وفي هذا الفرض تارة يكون الشك في الزيادة وأخرى يكون في النقيصة. ففي الفرع الأوّل لا إشكال في صحة السعي، لأنه مضافاً إلى جريان إصالة عدم الزيادة، ان الزيادة على تقدير وقوعها حيث تكون زيادة سهوية لا تضرّ بصحة السعي، لما مرّ من عدم كون الزيادة السهوية مبطلة وإن كانت معلومة فضلا عما إذا كانت مشكوكة ـ كما في المقام ـ .

وفي الفرع الثاني وقع الإشكال في جريان قاعدة الفراغ وعدمه ومنشأ الإشكال انه هل يكفي في جريان القاعدة الفراغ ولو كان إعتقاديّاً غير واقعي أو انه يعتبر في جريانها أن يكون الشك متعلقاً بشيء لا يمكن تداركه بالفعل لتعلقه بأمر قد مضى، سواء كان المضي حقيقياً او حكميّاً، كالشك في القرائة بعد الدخول في السّورة فعلى الأوّل تجري القاعدة وتقتضي الصحة وعلى الثاني لا تجرى لعدم تحقق المضيّ بوجه مطلقاً وفوات الموالات بناء على اعتبارها لا يقتضي تحقق عنوان المضيّ. ولذا لو كان بعض الأشواط منسياً يجب إلحاقه بما أتى به وإن فاتت الموالات. وهذا لا


(45)

 

في الشك في عدد الزيادة

مسألة 12 ـ لو شك وهو في المروة بين السّبع والزيادة كالتسع ـ مثلا ـ بنى على الصحّة ، ولو شك في أثناء الشوط انّه السبع أو الست ـ مثلا ـ بطل سعيه، وكذا في أشباهه من احتمال النقيصة، وكذا لو شك في انّ ما بيده سبع أو أكثر قبل تمام الدّور.[1]

 

يستلزم عدم تحقق الفراغ لو شك بعد التقصير ـ كما لايخفى ـ ، ولذا استشكل في المتن في هذا الفرع في البناء على الصحة وإحتاط وجوباً بإتمام ما نعقل وترتيب الأثر على الشك وهو الظاهر.

الصورة الثانية: الشك في الصحة، وهو مجرى إصالة الصحة الجارية في مورد الشك فيها.

[1] الشك في عدد الأشواط تارة يكون متمحّضاً في الزيادة فقط، وأخرى في النقيصة كذلك، وثالثة في الزيادة والنقيصة معاً.

أمّا الصورة الأولى كما إذا شك وهو في المروة بين السبع والتسع ـ مثلا ـ فالظاهر ان الحكم فيها هو عدم الإعتناء بالشك والبناء على الصحة ـ كما في المتن ـ والدليل عليه إنّ الزيادة السهوية المعلومة غير قادحة في صحة السعي ـ كما مرّ ـ فالزيادة المشكوكة التي تجري فيها إصالة عدم تحققها وعدم حدوثها بطريق أولى، فلا حاجة في الحكم بالصحة في هذه الصورة إلى إقامة دليل خاص. ولكنّه مع ذلك يدل عليه التعليل الوارد في صحيحة الحلبي، الواردة في الطواف بالبيت، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أم ثمانية؟


(46)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فقال: أمّا السبعة فقد استيقن وإنّما وقع وهمه على الثامن فليصلّ ركعتين.(1) فانّ مقتضى عموم التعليل وشموله للسعي في الشك في الزيادة الصحة، وعدم الإعتناء بما وقع وهمه عليه منها ـ كما لا يخفى ـ فالحكم في هذه الصورة ظاهر.

وأمّا الصورة الثانية التي لم يقع التعرض لها في المتن بالإضافة إلى حال تمامية الشوط وكان ينبغي التعرض لها كما إذا شك وهو على المروة بين السبع والخمس ـ مثلا ـ فالظاهر ان المتسالم عليه بينهم هو الحكم بالبطلان ولزوم إستيناف السعي من رأس. وقد استدل عليه بأمرين:

أحدهما: صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل لم يدرستّة طاف أو سبعة، قال: يستقبل.(2)

نظراً إلى أن كلمة «الطواف» إذا لم يكن معها عنوان «البيت» أو مثله يشمل السعي بين الصفا والمروة أيضاً لإطلاق الطواف عليه في الآية والروايات الكثيرة التي مرّت جملة منها في المباحث السّابقة.

هذا والظاهر جريان المناقشة في هذا الأمر بأن إطلاق الطواف على السعي في الكتاب والسنّة إنّما كان مقروناً بإضافة «بهما» ـ كا في الآية ـ أو «بين الصفا والمروة» لا بنحو الإطلاق. وهذا بخلاف الطواف بالبيت الذي أطلق عليه الطواف المطلق كثيراً ولأجله لم يحرز ثبوت الإطلاق للطواف في الرواية بنحو يشمل السعي ـ كما لا يخفى ـ .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الطواف، الباب الخامس والثلاثون، ح1.

(2) وسائل: ابواب الطواف، الباب الثالث والثلاثون، ح9.


(47)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ثانيهما: ذيل صحيحة سعيد بن يسار المتقدمة، وهو قوله (عليه السلام) وإن لم يكن حفظ انه قد سعى ستّة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط ثم ليرق دم بقرة.(1)فإنّ ذكر الستّة وان كان لا خصوصيّة فيه كما مرّ البحث فيه ولذا يستفاد من الرّواية بالنسبة إلى موردها أنه لو سهى عن شوطين ـ مثلا ـ وقد حفظ الخمسة يكون سعيه صحيحاً، ولابد من إتمام ما نقص ولا يكون باطلا من رأسه، إلا أنّ الخصوصية الموجودة اثنتان، ولا يجوز إلغاء شئ منهما بوجه.

احديهما: كون الستّة نقيصة والموجب للإعادة ولزوم الإستيناف ليس هو الشوط المنسى، بل عدم كون المأتي مورداً لحفظه فتدلّ على أنّ النقيصة إذا لم تكن محفوظة يكون السعي باطلا من رأس، بخلاف الزيادة. ولذا حكمنا في الصورة الأولى بالصحة ـ كما عرفت ـ.

ثانيتهما: ان الملاك في الحفظ ليس هو وجود القدر المتيقن في البين، ضرورة تحقق عنوان عدم الحفظ فيما إذا شك بين الخمسة والستّة مثلا مع أن القدر المتيقن وهي الخمسة موجود. ولو نوقش في شمول الرواية لهذا الفرض، فنقول: لا شبهة في شمولها لما إذا كان مردداً بين الشوط الواحد أو الإثنين وهكذا مع أنه في هذه الصورة يكون الشوط الواحد متيقناً، فيظهر انّ وجود القدر المتيقن أمر وثبوت الحفظ أمر آخر. والملاك الموجب للإعادة بحسب الرواية هو عدم الثاني. وعليه فيستفاد منها أنه إذا كان عدم الحفظ بالإضافة إلى النقيصة يوجب ذلك طلان السّعي، فتدل على البطلان في الصورة المفروضة في المقام لفرض الشك في النقيصة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب السعي، الباب الرابع عشر، ح1.


(48)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وامّا الصورة الثالثة، وهي حدوث الشك في أثناء الشوط قبل تماميّته بالوصول إلى المروة، فتارة تكون مقرونه باحتمال النقيصة وأخرى باحتمال الزيادة. وقد حكم في المتن بالبطلان في كليهما. ويظهر منه ان الملاك في البطلان هو مجرد كون الحدوث أي حدوث الشك في أثناء الشوط ـ من دون دخل لاحتمال النقيصة في ذلك.

وهو يتفرغ على أن يكون المستفاد من صحيحة ابن يسار المتقدمة هو كون الحفظ المعتبر في ناحية النقيصة متعلقاً بالشوط مع وصف الكمال والتمامية. فإذا لم يكن الشوط بهذا الوصف محفوظاً فهو يوجب البطلان. وفي صورة حدوث الشك في الأثناء ولو كان هناك خطوة إلى المروة لم يكن الحفظ من هذه الناحية متعلقاً بالشوط الكامل، من دون فرق بين صورة احتمال النقيصة وبين صورة احتمال الزيادة. أمّا في الصورة الأولى فواضح. وأمّا في الصورة الثانية فلعدم تعلق الحفظ بالشوط الكامل من هذه الجهة لفرض عدم الوصول إلى المروة.

هذا ويمكن منع استفادة ذلك من الصحيحة، نظراً إلى أن المستفاد منها مدخلية العدد. أي عدد الأشواط في الحفظ وعدمه من دون فرق بين فرض تمامية الشوط وعدمها، فالملاك هو تعلق الحفظ بالعدد في ناحية النقيصة. وعليه فاللازم الفرق بين الصورتين بالحكم بالبطلان في صورة احتمال النقيصة والصحة في الصورة الاخيرة التي لا يكون فيها إلاّ احتمال الزيادة في جهة العدد، لفرض عدم تحقق احتمال النقيصة وعدم اعتبار الحفظ بالإضافة إلى الزيادة. وعليه فلا يستفاد من الرواية الحكم بالبطلان فيه، إلاّ أن يستند فيه إلى كونه متسالماً عليه بيه الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم، فتدبر.


(49)

 

في الشك في الإتيان بالسّعي

مسألة 13 ـ لو شك بعد التقصير في إتيان السّعي بنى على الإتيان، ولو شك بعد اليوم الّذي أتى بالطواف في إتيان السّعي، لا يبعد البناء عليه أيضاً. لكن الأحوط الإتيان به إن شك قبل التقصير.[1]

 

[1] لو شك في أصل الإتيان بالسّعي وعدمه، فإن كان بعد التقصير المترتب على السعي فلا إعتبار بشكّه، بل يبنى على الإتيان وكون التقصير واقعاً في محلّه وهو بعد السّعي، وهذا كما فيما إذا شك بعد الإتيان بصلاة العصر بعنوان العصر في انه أتى بصلاة الظهر قبلها أم لم يأت بها قبل الإتيان بالعصر، فإنه لا يعتنى بهذا الشك ويبنى على الإتيان بصلاة الظهر. وإن كان في صورة النسيان يأتي بصلاة الظهر بعد العصر. وتسقط شرطية الترتيب بالإضافة إلى العصر. أمّا في صورة الشك فلا يجب عليه الاتيان بالمشكوك أصلا. وإن كان الك قبل التقصير. فإن كان في اليوم الذي أتى بالطواف فمقتضى قاعدة الإشتغال لزوم الإتيان به قبله.

وإن كان بعد اليوم الذي أتى بالطواف وهو الغد، فقد نفى البعد عن البناء على الإتيان بالسّعي واحتاط إستحباباً بالإتيان. ولكن مقتضى ما مرّ في مسألة تأخير السعي إلى الغد وإنه لا يجوز التأخير إليه إذا لم يكن هناك عذر. ويجوز مع العذر التفصيل هنا أيضاً، بأن يقال أنّه إن كان المشكوك هو التأخير لعذر على فرض الترك في اليوم الذي أتى بالطواف، فلا مجال لنفي البعد عن البناء على الإتيان بالسعي. لأنه لم يتحقق في البين شيء يقتضي الإتيان بالسعي لا التقصير ـ كما هو المفروض ـ ولا التأخير إلى الغد لأن الفرض أيضاً كونه مع العذر المجوّز للتأخير فلا وجه للبناء على


(50)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الإتيان.

وهذا بخلاف ما إذا كان التأخير على فرضه لا لعذر، فإنه حينئذ لايبعد البناء عليه، لأنّه مع عدمه لابد من الإلتزام بتحقق عمل غير مشروع، وهو التأخير لا لعذر، وهو خلاف ظاهر حال المسلم. ومع ذلك لا ينبغي ترك الإحتياط بالإتيان به ـ كما لا يخفى ـ هذا تمام الكلام في مباحث السعي.


(51)

 

القول في التقصير

مسألة 1 ـ يجب بعد السّعي التقصير. أي قصّ مقدار من الظفر أو شعر الرأس أو الشارب أو اللّحية، والأولى الأحوط عدم الإكتفاء بقصّ الظفر، ولا يكفي حلق الرأس، فضلا عن اللّحية.[1]

 

[1] في هذه المسألة جهات من الكلام:

الجهة الأولى: في أصل وجوب التقصير في عمرة التمتع وجزئيّته لها. وقد ذكر في الجواهر: هو أحد المناسك فيها ـ أي في عمرة التمتع ـ عندنا على وجه يكون تركه نقصاً فيها، بل في المنتهى: إجماع علمائنا عليه وإن حصل الإحلال له منها، خلافاً للشافي في أحد قوليه، فجعله إطلاق محظور كالطيب واللّباس، قال: ولا ريب في فساده عندنا بعدما سمعت من الإجماع بقسميه عليه.

ويدل على الوجوب والجزئية طوائف من الروايات مثل الأخبار البيانيّة الواردة في كيفية الحج والعمرة، ومثل الروايات التي يأتي جملة منها الواردة في كيفية التقصير الظاهرة في مفروغية وجوبه وجزئيته، وفي بعضها إطلاق الطواف عليه كإطلاقه على الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة. فهذه الجهة بملاحظة الروايات لا شبهة فيها أصلا.


(52)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الجهة الثانية: في كيفية التقصير. وقبل الخوض فيها لابد من إيراد جمله معتد بها من الروايات الواردة في هذا المجال، مثل: صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: طواف المتمتع أن يطوف بالكعبة ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر من شعره فإذا فعل ذلك فقد أحلّ.(1)

وصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا فرغت من سعيك وأنت متمتع، فقصر من شعرك من جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك وقلم اظفارك وأبق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد احللت من كل شئ يحلّ منه المحرم وأحرمت منه فطف بالبيت تطوّعاً ماشئت.(2)

ورواية عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ثم ائت منزلك فقصّر من شعرك وحلّ لك كل شيء.(3)

وصحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن متمتع قرض أظفاره وأخذ من شعره. بمشقص، قال: لا بأس. ليس كل احد يجد جلماً.(4)وفي رواية الصدوق: قرض من أظفره بأسنانه والجلم هو المقراض الذي هي الآلة المتعارفة في قص الشعر بخلاف المشقص.

وصحيحة جميل بن درّاج وحفص بن البختري وغيرهما عن أبي عبدالله (عليه السلام) في محرم يقصّر من بعض ولا يقصر من بعض، قال: يجزيه.(5)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب التقصير، الباب الاول، ح2 .

(2) وسائل: ابواب التقصير، الباب الاول، ح4.

(3) وسائل: ابواب التقصير، الباب الاوّل، ح3.

(4) وسائل ابواب التقصير، الباب الثاني، ح1.

(5) وسائل: ابواب التقصير، الباب الثالث، ح1.


(53)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وصحيحة الحلبي، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) جعلت فداك إنّي لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلى ولم اقصّر، قال: عليك بدنة، قال: قلت: إنّي لما أردت ذلك منها ولم يكن قصّرت امتنعت فلما غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها، فقال: رحمها الله كانت افقه منك، عليك بدنة وليس عليها شيء.(1)

ومرسلة إبن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: تقصّر المرأة من شعرها لعمرتها مقدار الأنملة.(2)

والصحيحة الأولى لمعاوية بن عمار وإن كان ظاهرها لزوم الجمع بين قص الشعر وبين تقليم الأظفار، بل وفي الأوّل يجب الجمع بين الأخذ من الرأس ومن الشارب ومن اللحية، بل وفي الأوّل يجب الجمع بين جوانب الرأس والأخذ من كل جانب إلاّ انّ الروايات الأخرى المؤيدة بالفتاوى وإن كان ظاهر بعض الفتاوى غيره قرينة على عدم لزوم الجمع، بل هو مخير بين الأمور الأربعة المذكورة فيها، وفي الأمر الأوّل بن الجوانب المتعددة. نعم ذكر في المتن ان الأولى الأحوط عدم الإقتصاد على قص الظفر، ولعلّه لعدم صدق عنوان «التقصير» المعروف الذي هو أحد مناسك عمرة التمتع عليه، فلا يطلق على قصّ الظفر انّه قصّره، بخلاف الشّعر. نعم يطلق عليه فيما إذا اجتمع مع الشعر بعنوان التغليب.

وأمّا من جهة الآلة، فالظاهر انّه لا خصوصية فيها وإنّها لا تختص بالآلة المتعارفة في قصر الشعر وقصّ الظفر، بل لو كان بغير الآلة المتعارفة حتى مثل

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب التقصير، الباب الثالث، ح2.

(2) وسائل: ابواب التقصير، الباب الثاني، ح3.


(54)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الأسنان في قرض الشعر أو الظفر فلا مانع ـ كما عرفت التصريح به في جملة من الروايات المتقدمة وقد وقع في بعضها التعبير بأنّه ليس يجد كلّ أحد جلماً أي مقراضاً ـ.

وأمّا من جهة العدد، فالظاهر في باب الأظفار جواز الاكتفاء بظفر واحد، بل بعض ظفر واحد، ولعلّ الوجه فيه كونه محسوساً ملموساً. وأمّا الشعر فالمحكي عن جملة من كتب العلاّمة إنّ أدنى التقصير أن يقصّ شيئاً من شعر رأسه وأقلّه ثلاث شعرات، بل عن المنتهى النسبة إلى إختيار علمائنا. لكن المحكيّ عن المبسوط اشتراط كون المقطوع جماعة من الشعر. والظاهر ان مراده من الجماعة هي معناها العرفي الذي يكون زائداً على الثلاث بكثير.

هذا وينبغي إحالة ذلك إلى العرف بعد كون التقصير الذي هو جزء للعمرة ويجب الإتيان به فيها عنواناً عرفيّاً موكولا إلى العرف. ولذا لم يفسّر في الروايات من هذه الجهة أصل بخلاف عنواني الطواف والسعي اللذين لهما حدود شرعية وخصوصيات تعبدية، فالمعيار فيه هو العرف، واللازم هو الصدق بنظرهم. نعم لا خصوصية من ناحية المقدار الذي يقرض ويقصر من كل شعر. وقد وقع التصريح في مسألة إبن أبي عمير المتقدمة بجواز القصّ بمقدار الأنملة.

وامّا النتف، ففي كلام صاحب الجواهر ومحكّي كلام صاحب الحدائق جوازه. لأن المقصود هي الإزالة بأية كيفية تحققت ومن جملتها النتف.

هذا والظاهر إنّ النتف ليس من أفراد ماهيّة التقصير ومصاديقها، واللازم إيجاد تلك الماهية، وعليه فيرد على القائل بجوازه انه إن أراد انّ النتف من مصاديق عنوان


(55)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

التقصير فيرد عليه وضوح منعه، ضرورة عدم كونه منها، وان أراد الإجتزاء به مع عدم كونه منها، فاللازم إقامة الدليل عليه. وهو غير موجود ـ كما لا يخفى ـ.

الجهة الثالثة: في كفاية الحلق مكان التقصير وعدمها. فالمشهور عدم جوازه وعدم الإجتزاء به. وقد وقع التصريح به من غير واحد من الأصحاب. وقد نسب إلى الشيخ(قدس سره) التخيير بين الأمرين، وإلى العلاّمة ان الواجب هو التقصير، ولكن لو حلق يجزى عن التقصير، وعن صاحب الحدائق جواز الحلق إذا كان متعلقاً ببعض الرأس دون تمامه.

ويرد على الشيخ الروايات المتقدمة الظاهرة في تعين التقصير، والظاهر مغايرة عنوان الحلق مع التقصير. ولذا يكون التخيير بينهما في باب الحج إنّما يرجع إلى التخيير بين العنوانين المتبائنين لا المترادفين ولا الأقل والأكثر. فإن قام دليل على التخيير بين الأمرين في عمرة التمتع ـ كما قام في الحج ـ نقول به. ولكن الظاهر انه ليس في شيء من الرّوايات ذلك. فاللازم الاقتصار على خصوص عنوان التقصير.

ويرد على العلاّمة ما أو مأنا إليه من أنه إن أراد أن الحلق من مصاديق التقصير ولأجله يكفي به، فيرد عليه وضوح منعه ـ كما مرّ ـ وإن أراد الإجتزاء به وإن لم يكن من مصاديقه، فاللازم إقامة الدليل عليه ولم يقع. نعم ربما يوجّه ما أفاده بأن التقصير يتحقق بأوّل جزء من الحلق. لكنه مضافاً إلى منعه لعدم تحقق التقصير ولو بأوّل جزء من الحلق. والشاهد هو العرف الذي يرى العنوانين متبائنين من أوّل الأمر انّ اللازم في التقصير ومثله تعلق النية بعنوانه وإنّ النية كذلك ـ كما سيجيء في المسألة الثانية إن شاء الله ـ اوّل الخصوصية المعتبرة في النيّة. ومن المعلوم انّ من نوى الحلق وشرع


(56)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فيه لم يتحقق منه قصد عنوان التقصير وإن فرض تحققه بأوّل جزء من الحلق، فتدبر.

وممّا ذكرنا ظهر ما يرد على صاحب الحدائق من الإشكال. وإنه لا يتحقق عنوان التقصير ولو بحلق بعض الرأس دون تمامه. ويدلّ على تعين التقصير مضافاً إلى ما عرفت صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: وليس في المتعة إلاّ التقصير.(1)

ثم الظاهر إنه لو حلق مكان التقصير يترتب عليه مضافاً إلى استحقاق العقوبة لانه من محرّمات الإحرام، وقد ارتكبه في حال الإحرام قبل أن يحلّ الكفارة التي تقدّم البحث عنها، وهي دم شاة. للأدلة المذكورة هناك ولا حاجة هنا إلى إقامة دليل خاص على ثبوت الكفارة في المقام، ولكنه مع ذلك يدل عليه رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن المتمتع أراد أن يقصّر فحلق رأسه، قال: عليه دم يهريقه فإذا كان يوم النّحر أمّر الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق.(2)

ولكنها مضافاً إلى ضعف السند لأن في طريق الشيخ (قدس سره) محمد بن سنان وفي طريق الصدوق علي بن أبي حمزة فيها مناقشة من حيث المفاد والدلالة. لأنّ ظاهرها ثبوت الكفارة في صورة الخطأ وقد ادعى ممّن عدى المحقق على عدم وجوب ذلك عليه. ولكنك عرفت انه لا حاجة إلى نص خاص بعد ثبوت كفارة الدم في الحلق في باب محرمات الإحرام، فراجع.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب التقصير، الباب الرّابع، ح2.

(2) وسائل: ابواب التقصير، الباب الرابع، ح3.


(57)

 

في اعتبار النية في التقصير

مسألة 2 ـ التقصير عبادة تجب فيه النيّة بشرائطها، فلو اخلّ بها بطل إحرامه الاّ مع الجبران.[1]

 

[1] لا شبهة في أن التقصير حيث إنه من أجزاء اعمرة يكون عبادة، تجب فيه النية المشتملة على قصد عنوان التقصير وانّه من أجزاء عمرة التمتع مع القربة وتقدم تفصيل البحث في النيّة في باب الطواف وهذا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في التفريع المذكور في المتن. فإن ظاهره انه مع الإخلال بالنيّة يبطل إحرامه، مع ان لازم الإخلال بالنيّة عدم وقوع التقصير الذي هو جزء من العبادة، فلا يترتب عليه الإحلال. فيتوقف تحققه على الإتيان بتقصير جديد مشتمل على النية ليتحقق به الإحلال والخروج عن الإحرام.

وعليه فيرد على المتن إنّه ما المراد بالإحرام الذي يبطل بالإخلال بالنيّة في التقصير؟ فإن كان المراد هو إحرام عمرة التمتع، فمن المعلوم ان بطلان التقصير المأتي به لا يستلزم بطلان الإحرام المذكور. وإن كان المراد هو إحرام حجّ التمتع الذي يكون مترتباً على عمرته، فيرد عليه مضافاً إلى أنه لم يفرض في المتن وقوع إحرام الحج بعد التقصير الذي أخلّ بينّته. بل المفروض فيه مجرد الإخلال بالنيّة فقط، إنه قد تعرض في المسألة الثالثة بصورة ترك التقصير والإحرام بالحج. وذكر انه في صورة العمد تبطل عمرته. ومعناه عدم بطلان إحرامه للحجّ غاية الأمر صيرورته إفراداً وفي صورة السّهو تصحّ عمرته. ومعناه أيضاً صحة إحرامه للحج وتمامية عمرته بعنوان التمتع وعليه فلا يبقى مجال في هذه المسألة للحكم ببطلان إحرامه للحج بمجرد


(58)

 

فيما لو ترك التقصير وأحرم بالحجّ

مسألة 3 ـ لو ترك التقصير عمداً وأحرم بالحجّ بطلت عمرته والظاهر صيرورة حجّه إفراداً، والأحوط بعد إتمام حجّه أن يأتي بعمرة مفردة وحجّ من قابل، ولو نسي التقصير إلى أن أحرم بالحج صحّت عمرته وتستحبّ الفدية بشاة، بل هي أحوط.[1]

 

الإخلال بالنية في التقصير الذي لا يؤثر إلا في بطلانه. ثم إنّ استثناء صورة الجبران من الحكم بالبطلان محلّ إشكال أيضاً. فإنه إن كان المراد بالجبران الإعادة، فيرد عليه مضافاً إلى أن التعبير عن الإعادة بالجبران غير مأنوس أن الإعادة لا يوجب خروج الباطل عن كونه باطلا بل هو أمر مستقلّ. وإن كان المراد بالجبران هي الكفارة والفدية. فلم يعلم مورد تكون الكفارة موجبة لخروج الباطل عن وصف البطلان والإتصاف بكونه صحيحاً. وعليه فلم يعلم المراد من هذا التفريع المذكور في المتن ولذا استشكلنا عليه في التعليقة مما يرجع إلى ما ذكرنا، فتدبر جيّداً.

[1] في هذه المسألة فرضان:

الفرض الأوّل: مالو ترك التقصير في عمرة التمتع عمداً وأحرم بحج التمتع الذي يكون مترتّباً على عمرته وقد حكم في المتن ببطلان عمرته، واستظهر صيرورة حجّه إفراداً. ومن الواضح إن هذا على خلاف القاعدة، فإنّ مقتضاها كون الإحرام بالحج باطلا، لأن المفروض صورة العمد وتكون العمرة صحيحة غاية الأمر نقصانها بسبب ترك التقصير، فاللازم إكمالها بالإتيان بالتقصير ثم الإحرام بالحجّ بعده. وعليه فالحكم المذكور في المتن على خلاف القاعدة، لكنّه منسوب إلى المشهور


(59)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ـ كما عن الدروس ـ بل لم ينقل الخلاف من المتقدمين إلاّ من ابن إدريس بناء على أصله وهو عدم حجّية خبر الواحد مطلقاً. ومنشأ فتوى المشهور روايتان واردتان في هذا الفرض:

إحديهما: موثقة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبّى بالحج قبل أن يقصّر فليس له أن يقصّر وليس عليه متعة.(1) وفي محكي التهذيب وكذا في الجواهر: وليس له متعة، وهو الظاهر.

ثانيتهما: مضمرة العلاء بن الفضيل التي رواها عنه محمد بن سنان، قال: سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهلّ بالحج قبل أن يقصر، قال: بطلت متعته، هي حجة مبتولة.(2)

وقد ناقش سيّد المدارك في سند الأولى بأن الراوي عن أبي بصير هو إسحاق بن عمار وهو مردّد بين الثقة وغيرها. فلا يجوز الأخذ بها ولو بناء على القول بحجية خبر الثقة وفي سند الثانية باشتماله على محمّد بن سنان.

ولكن الظاهر اندفاع المناقشة في الأولى بعدم تردده بين الثقة وغيره. فإن الظاهر أن المراد به هو اسحاق بن عمار الساباطي الصيرفي الفطحي الذي يكون ثقة. ولعل منشأ مناقشته كونه راوياً عن راو آخر وهو أبو بصير، فتدبّر. نعم الإشكال في سند الثانية بحاله.

وامّا من جهة الدلالة، فالرّواية الثانية ظاهرة، بل صريحة في بطلان التمتع وصحة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الإحرام، الباب الرابع والخمسون، ح5.

(2) وسائل: أبواب الإحرام، الباب الرابع والخمسون، ح4.


(60)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

إحرام الحج وصيرورته حجة مبتولة، أي حج إفراد. والوجه فيه إنه بعد بطلان عمرة التمتع لا يمكن أن يقع حجّه حجّ التمتع، لاشراطه بالعمرة السابقة عليه، الواقعة بعنوان التمتع، كما إنه لا يمكن أن يقع حجّ قران بعد عدم وجود الإشعار والتقليد في إحرامه، فلا محالة يكون حجّ إفراد.

امّا الرّواية الأولى، فليس لها الصراحة بل ولا الظهور، لكن الدقة في مفادها تقتضي كونها متحدة مع الثانية في المراد. لأنّ سلب جواز التقصير ونفي ثبوت المتعة له بناء على كون النتيجة هي «له» لا «عليه» يمكن أن يكون منشأه بطلان العمرة والحج معاً. بمعنى أنه لا طريق له إلى إكمال العمرة بالإتيان بالتقصير ولا إلى الإهلال بالحج والشروع فيه. وهذا خلاف الظاهر جدّاً، خصوصاً مع عدم فهم المشهور منها ذلك. ويمكن أن يكون منشأه صحة الإحرام بالحج وبطلان عمرة التمتع، فلا محالة يصير حجّه إفراداً. وهو الذي تدل عليه الرواية الثانية. ويظهر من ذلك دلالة النص على خلاف القاعدة من جهة أخرى أيضاً وهي ان الحجّ الذي أحرم به قد قصده بعنوان حج التمتع. والنص ظاهر في وقوع غير ما قصد ووقوع الحج بعنوان الإفراد. كما أن ظاهر النص تحقق الإنقلاب قهراً وصيرورته حج إفراد كذلك. فيستمرّ في أعماله ويأتي بأجزائه ومناسكه بهذا العنوان. ويقع الكلام في الإحتياط الوجوبي الذي ذكره في المتن بالاضافة إلى إتيان الحج من قابل وظاهره الإتيان بحج التمتع الذي بطلت عمرته في هذا العام ومقتضى إطلاقه إنه لا فرق بين كون حج التمتع في هذا العام الذي صار باطلا حجّاً واجباً عليه أو كان مستحباً عليه، لأن المستحب أيضاً يجب إتمامه بالشروع فيه بنفس العنوان الذي شرع فيه.


(61)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

والوجه في الإحتياط إنه لا دلالة للنص إلاَّ على بطلان حج التمتع وصيرورة حجّه إفراداً. وأمّا الإكتفاء به عن التمتع فلا دلالة له عليه، وقيام الدليل على الإكتفاء في بعض الموارد ـ مثل ما إذا منعها الحيض عن إتمام عمرة التمتع حيث إنه تنقلب وظيفتها إلى الإفراد ويكفي عن التمتع ـ لا يستلزم الإكتفاء به في مثل المقام، خصوصاً

بعد ثبوت الفرق بأن الإنقلاب هناك قهري ناش عن الحيض الذي لا يكون اختيارياً بخلاف المقام الذي يكون منشأه ترك التقصير عمداً على ماهو المفروض.

نعم لو كانت عبارة الرواية: ليس عليه متعة يكون ظاهرها نفي وجوب التمتع عليه. لكن هذه النسخة غير ثابتة فلا دلالة حينئذ على الإكتفاء به عن التمتع ـ كما في مثل الحيض ـ وعليه فمقتضى قاعدة الإشتغال الإتيان بحج التمتع من قابل.

الفرض الثاني: مالو ترك التقصير سهواً إلى أن أحرم بالحج والظاهر إنه لا خلاف في صحة عمرته وحج التمتع. وقد ورد فيه روايتان مشتركتان في هذه الجهة:

إحديهما: صحيحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة ونسى أن يقصّر حتى دخل في الحج. قال: يستغفر الله ولا شيء عليه وتمّت عمرته.(1)

ويجري في قوله (عليه السلام): «ولا شيء عليه» ثلاث احتمالات:

الأول: أن يكون المراد بالشيء المنفي خصوص العقاب والمؤاخذة الاخرويّة. ويؤيّده العطف على قوله: «يستغفر الله» وهذا لا ينافي ثبوت الكفارة.

الثاني: أن يكون المراد به مطلق المؤاخذة الأخروية والدنيوية بمعنى الكفارة،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب التقصير، الباب السادس، ح1.


(62)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فيدل على نفي الكفارة عليه.

الثالث: أن يكون المراد به خصوص دم الشاة الذي هو المتداول والشايع في الكفارة في باب الحج في كثير من الموارد.

ثانيتهما: موثقة اسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) الرجل يتمتّع فينسى أن يقصّر حتى يهلّ بالحج، فقال: عليه دم يهريقه.(1) والرواية ظاهرة في لزوم كفارة الدّم الذي يراد به دم الشاة، لما ذكرنا عليه، كما انّها ظاهرة في عدم بطلان متعته بسبب نسيان التقصير إلى أن أهلّ بالحج وحينئذ إن قلنا بأن المراد من الرواية الأولى هو الإحتمال الثالث، فمقتضى الجمع بينهما حمل هذه على الإستحباب. لظهور الأولى بل صراحتها في عدم الوجوب.

وإن قلنا بأن المراد منها هو الإحتمال الأوّل، فلا منافاة بينهما بوجه لدلالة الأولى على نفي العقاب والثانيه على ثبوت الكفارة. وإن قلنا بأن المراد منها هو الإحتمال الثاني، يكون مقتضى قاعدة الإطلاق والتقييد رفع اليد عن إطلاق الأولى بسبب الثانية. ومما ذكرنا إن الاحوط لو لم يكن أقوى هو لزوم الفدية بشاة لأنه لم يثبت في مقابل النص الدال عليه ما يوجب الصرف عن الظاهر والحمل على خلافه. كما ان الظاهر بمقتضى كلمة «بل» في المتن، الظاهرة في الترقي، انّ الإحتياط المذكور في المتن وجوبي لا استحبابي، فتدبر.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب التقصير، الباب السادس، ح2.


(63)

 

فيما لو ترك التقصير سهواً

مسألة 4 ـ يحلّ بعد التقصير كل ما حرّم عليه بالإحرام حتى النّساء.[1]

 

[1] المشهور شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف إلاَّ من بعض علماء الحديث انه يحلّ بعد التقصير كل ما حرم عليه بالإحرام حتى النساء مع توقف حليتهن في غير عمرة التمتع من العمرة المفردة وجميع أنواع الحج على طواف النّساء وحتى حلق جميع الرأس فإنه يجوز عندهم الحلق في الفصل بين عمرة التمتع وحجّه. والمحكيّ عن بعض المحدثين، انه قال: يحلّ له بالتقصير كل ما حرم عليه بالإحرام إلاَّ الحلق. وهو ظاهر الأصحاب. وقد استشكل في حلّيته المحقق النائيني (قدس سره) في متنه في الحج، حيث قال: يحلّ له بفعله كلّ ما حرّم عليه بعقد إحرامه على إشكال في حلق جميع الرأس، وما استظهره المحدث المزبور من الأصحاب محلّ نظر. فإن الظاهر أنهم قائلون بالحلية ـ كما عرفت ـ ولعلّ المستظهر قد خلط بين الحلق الواقع بعد التقصير وتمامية العمرة وبين الحلق مكان التقصير فيها الذي عرفت البحث فيه. وأنّه لا يجزي عن التقصير عند الأصحاب. وكيف كان منشأ توهّم الحرمة وعدم حلية حلق الرأس بتمامه بعد تمامية العمرة بالتقصير، روايتان:

إحديهما: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث السعي، قال: ثم قصّر (قصّ خ ل) من رأسك من جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك وقلّم أظفارك وأبق منها لحجّك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء يحلّ منه المحرم وأحرمت منه.(1) نظراً إلى ظهورها في وجوب الإبقاء منها للحج كظهورها في أصل وجوب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب التقصير، الباب الأوّل، ح1.


(64)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

التقصير، ووجوب الإبقاء. وإن كان بلحاظ حال التقصير قبل تمامية العمرة، إلاَّ انه يستفاد منه الوجوب بعد التمامية أيضاً. لأنه لايتحقق الإبقاء للحج بدونه، كما انّ الظاهر رجوع ضمير التأنيث الذي يراد منه الحج إلى خصوص شعر الرأس بلحاظ الجوانب المذكورة في الرواية، وذلك بقرينة الإبقاء للحج الذي يراد به الإبقاء للحلق في الحج يوم النّحر. فإن الحلق فيه إمّا متعين ولو في بعض الموارد ـ كالصرورة على احتمال ـ وإمّا أن يكون أحد طرفي التخيير. وفي هذا الفرض أيضاً يكون الحلق أفضل. فالإبقاء للحج قرينة على أن المراد الإبقاء للحج لأجل الحلق المذكور. لكن يرد على الإستدلال بالرواية إنه لو سلّم جميع ما ذكر يكون ظاهرها وجوب الإبقاء لا حرمة الحلق التي هي محل البحث. وقد حقق في محلّه ان وجوب شيء لا يكون ملازماً لحرمة تركه. وكذا العكس. وإلاَّ يلزم اجتماع حكمين في جميع موارد الوجوب أو الحرمة. ومن الواضح خلافه.

ثانيتهما: صحيحة جميل بن درّاج، إنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة، قال: إن كان جاهلا فليس عليه شيء، وإن تعمّد ذلك في أوّل شهور الحج بثلاثين يوماً فليس عليه شيء، وإن تعمّد بعد الثلاثين يوماً التي يوفّر فيها الشعر للحج، فإن عليه دماً يهريقه.(1) وقوله في السؤال «حلق لرأسه بمكة» ظاهر في أن المراد هو الحلق بعد تمامية العمرة والخروج عن إحرامها بالتقصير، لأنه مع عدم تماميتها لا يكون فرق بين مكّة وغيرها لأن حلق الرأس من محرمات الإحرام يتحقق بمجرد تحققه.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب التقصير، الباب الرابع، ح5.


(65)

 

في أنه ليس في عمرة التمتع طواف النساء

مسألة 5 ـ ليس في عمرة التمتع طواف النّساء، ولو أتى به رجاءً واحتياطاً لا مانع منه.[1]

 

كما ان ظاهر السؤال المفروغية عن الحرمة ومحط السؤال هو تحقق الحرام، انه ماذا يترتب عليه؟ والجواب ظاهر في التقرير من هذه الجهة، غاية الأمر التفصيل بين الفروض من جهة ثبوت الكفارة وعدمها، وبالجملة الرواية دلالتها ظاهرة ولكنه حيث يكون معرضاً عنها لدى الأصحاب قاطبة مع كونها بمرئى منهم. فاللازم الإعراض عنها وعدم الفتوى على طبقها والحكم بجواز حلق الرأس بتمامه في الفصل بين العمرة والحج وإن كان الزمان قليلا جدّاً.

[1] قد مرّ البحث في هذه المسألة في البحث عن أعمال عمرة التمتع والفرق بينها وبين العمرة المفردة. وتقدم أنه ليس في عمرة التمتع طواف النساء. نعم يجوز الإتيان به رجاءً واحتياطاً، كما انه قد تقدم الفرق بينهما في محلّ طواف النساء على تقدير إرادة الإتيان به في عمرة التمتع. فإن محلّه في العمرة المفردة بعد اتقصير وفي عمرة التمتع قبله. فراجع ما هناك.

 


(66)

 

القول في الوقوف بعرفات

مسألة 1 ـ يجب بعد العمرة الإحرام بالحجّ والوقوف بعرفات بقصد القربة كسائر العبادات، والأحوط كونه من زوال يوم عرفة إلى الغروب الشرعي، ولا يبعد جواز التأخير بعد الزوال بمقدار صلاة الظهرين إذا جمع بينهما، والأحوط عدم التأخير، ولا يجوز التأخير إلى العصر.[1]

 

[1] لما فرغ من بيان مناسك عمرة التمتع وأحكامه، شرع في بيان مناسك حج التمتع المترتب على عمرته، وأوّل أعماله الإحرام به ـ وقد مرّ البحث في مكانه وزمانه في البحث عن كيفيّة حج التمتع إجمالا فراجع ـ وثاني أعماله الوقوف بعرفات مقروناً بالنية المشتملة على تعلق القصد بالوقوف بعنوان حجّ التمتع مع رعاية قصد القربة المعتبرة في العبادات. ولا شبهة في وجوب الوقوف والجزئية للحج، بل هو من الواضحات بل الضروريات. ولذا لم يقع السؤال عن وجوبه في شيء من الروايات ومخالفة العامّة إنما هي في وجوب النية في الوقوف لا في أصل وجوبه. وبعد ذلك يقع الكلام في مبدأ الوقوف من حيث الزمان وفي منتهاه:

امّا المبدأ فالمشهور انّه الزوال. أي زوال الشمس يوم عرفة ونسب إلى جماعة من القدماء وجملة من المتأخرين جواز التأخير عن الزوال بمقدار الإشتغال بالغسل


(67)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وصلاة الظهرين إذا جمع بينهما.

والعجب إنه ليس في شيء من الأخبار الواردة في هذا المجال ما يظهر منه اعتبار الشروع من الزوال، بحيث كان دخول وقت الظهرين مقارناً لاعتبار الوقوف ودخول وقته. بل ظاهر جملة منها يعطي ما يغاير المشهور، مثل:

صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) المفصلة الطويلة المشتملة على بيان كيفية حج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع، المتضمنة لقوله (عليه السلام): حتى انتهوا ـ إلى النبي ومن كان معه ـ إلى نمرة وهي بطن عرفة بحيال الاراك فضربت قبته وضرب الناس اخبيتهم عندها، فلمّا زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وأمرهم ونهاهم، ثم صلّى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ثم مضى إلى الموقف فوقف به، الحديث.(1)

ودلالتها على عدم وجوب الكون في الموقف من الزوال واضحة ظاهرة، واحتمال كون نمرة موضعاً آخر في عرفة ـ كما في الجواهر ـ خلاف الظاهر جدّاً وخصوصاً مع قوله (عليه السلام): «ثم مضى إلى الموقف فوقف به» كما هو ظاهر.

وصحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إنما تعجل الصلاة وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدّعاء، فإنه يوم دعاء ومسألة، ثم تأتي الموقف، الحديث.(2)

ورواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا ينبغي الوقوف تحت الاراك، فأمّا

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب أقسام الحج، الباب الثاني. ح4.

(2) وسائل: أبوب إحرام الحج والوقوف بعرفة، الباب الرابع عشر، ح1.


(68)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

النزول تحته حتى تزول الشمس وينهض إلى الموقف، فلا بأس.(1)

وصحيحة ثالثة لمعاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) (في حديث) قال: فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، ونمرة هي بطن عرفة دون الموقف ودونن عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصلّ الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين فإنما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فإنه يوم دعاء ومسألة. وحدّ عرفة من بطن عرفة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز وخلف الجبل موقف.(2)

اقول: المهمّ في المقام ان ملاحظة الكلمات والعبارات وخصوصاً الكتب المؤلّفة بيان المسائل الخلافية التي وقع فيها الإختلاف بين فقهاء الشيعة ـ ككتاب مختلف الشيعة للعلامة الحلّي الموضوع لهذه الجهة ـ ترشد إلى أنّ هذه المسألة بهذه الكيفية الراجعة إلى الإختلاف في المبدأ من حيث كونه هو الزوال أو بعده بمقدار ساعة ـ مثلا ـ تكون ظرفاً للغسل والجمع بين الصلاتين بأذان واحد وإقامتين والذهاب إلى الموقف للوقوف، لم تكن محلّ خلاف بين الفقهاء أصلا بحيث كانت الشهرة على الأوّل وجماعة على الثاني، خصوصاً مع الإتفاق على عدم مشروعية الوقوف قبل الزوال ومشروعيّته بعده. فيقوى في النظر إنّ التعرض لعنوان الزوال في المبدأ مع انك عرفت انه لم ينص عليه في شيء من الروايات الواردة في هذا المجال لا يكون مشابهاً لاعتباره في دخول وقت صلاتي الظهر والعصر. فإنّ اعتباره بالإضافة إليه إنّما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة، الباب الرابع عشر، ح7.

(2) وسائل: أبواب إحرام الحج والوقوف بعرفة، أورد صدرها في الباب التاسع، ح1، وذيلها في الباب العاشر، ح1.


(69)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

يكون مرجعه إلى أن الزوال بمعناه الحقيقي شرط لدخول وقت الصلاتين، فلا يتقدم الدخول عليه ولو بلحظة ولا يتأخّر عنه كذلك، بل إنّما يكون في مقابل أحد أمرين:

الأوّل: ماحكي عن أحمد من أنّ أوّله طلوع الفجر من يوم العرفة فيكون المقصود من اعتبار الزوال نفي هذا القول، وأنه لا يجب قبل الزوال.

الثاني: ماحكي عن جماعة من أعاظم الفقهاء من أنّ الواجب في الوقوف لا يغاير ماهو الركن منه. فكما أن الركن لحظة من الوقوف فيما بين الزوال والغروب، فكذلك الواجب ليس إلاَّ هذا المقدار. ولا اختلاف بين الركن والواجب في الوقوف بعرفة. وعليه فيكون المقصود من إعتبار الزوال نفي هذا القول، وإن دائرة الواجب أوسع من دائرة الركن والاختلاف بينهما من جهة السّعة والضيق محقق لاعتباره من أوّله حقيقة كما في وقت صلاتي الظّهر والعصر.

ولابدّ من ملاحظة جملة من الكلمات، مثل:

ماحكي عن الصدوق في الفقيه من قوله: «فإذا أتيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة قريباً من المسجد، فإنّ ثَمّ ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خباره وقبّته فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية واغتسل وصلّ بها الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وإنما يتعجل في الصلاة ويجمع بينهما ثم يقف بالموقف ليفرغ للدّعاء، فإنه يوم دعاء ومسألة، ثم ائت الموقف وعليك السكينة والوقار وقف بسفح الجبل في ميسرته» واحتمال كون ضمير التأنيث في قوله: «صلّ بها راجعاً إلى عرفة لا إلى نمرة ـ كما في الجواهر ـ خلاف الظاهر جدّاً خصوصاً مع قوله في الذيل: ثم يقف بالموقف ـ كما لا يخفى ـ.


(70)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وما حكي عن مقنعة المفيد من قوله: «ثم ليلب وهو غاد إلى عرفات فإذا أتاها ضرب خباه بنمرة قريباً من المسجد، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب قبته هناك ـ إلى أن قال: ـ فإذا زالت الشمس يوم عرفة فليغتسل ويقطع التبلبية ويكثر من التهليل والتمجيد والتكبير ثم يصلي الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ـ إلى أن قال: ـ ثم يأتي الموقف ويكون وقوفه في ميسرة الجبل. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف هناك ويستقبل القبلة».

وقول سلاّر فيما حكي عنه: «فإذا جائها نزل نمرة قريباً من المسجد إن أمكنه، ونمرة بطن عرفة، فإذا زالت الشمس فليغتسل وليقطع التلبية وليكثر من التهليل والتمجيد والتكبير، وليصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ثم ليأت الموقف، وليختر الوقوف في ميسرة الجبل» ودلالته على الإتيان بالموقف بعد الصلاتين واختيار الميسرة بعد الإتيان بالموقف ظاهرة.

وقول ابن إدريس في السرائر كذلك: «فإذا زالت اغتسل وصلّى الظهر والعصر جميعاً يجمع بينهما بأذان وإقامتين لأجل البقعة، ثم يقف بالموقف، إلى أن قال: ولا يجوز الوقوف تحت الأراك ولا في نمرة ولا في ثوية ولا في عرفة ولا في ذي المجاز فإن هذه المواضع ليست من عرفات، فمن وقف فيها بالحج فلا حجّ له، ولا بأس بالنزول بها غير أنه إذا أراد الوقوف بعد الزوال جاء إلى الموقف فوقف، والوقوف بميسرة الجبل أفضل من غيره، وليس ذلك بواجب...».

وقو كاشف اللثام: «وهل يجب الإستيعاب حتى إن أخلّ به في جزء منه اثم، وإن تمّ؟ ظاهر الفخرية ذلك، وصرّح الشهيد بوجوب مقارنة النية لما بعد الزوال، وانه


(71)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

يأثم بالتأخير، ولم أعرف له مستنداً، ثم قال: وظاهر الأكثر وفاقاً للاخبار الوقوف بعد صلاة الظهرين...

والأوضح من الجميع مافي الرياض، حيث قال: «وهل يجب الإستيعاب حتى إن خلّ به في جز منه أثم وان تمّ حجّه ـ كما هو ظاهر الشهيدين في الدروس واللمعة وشرحها بل صريح ثانيهما ـ ؟ أم يكفي المسمّى ولو قليلا ـ كما عن السرائر وعن التذكرة ان الواجب أسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازاً مع النيّة ـ ربما يفهم هذا أيضاً من المنتهى؟ إشكال، وينبغي القطع بفساد القول الأوّل لمخالفته لما يحكي عن ظاهر الأكثر والمعتبرة المستفيضة بأن اوقوف بعد الغسل وصلاة الظهرين. ثم حكى النصوص المتقدمة، ثم قال: والأحوط العمل بمقتضاها وإن كان القول بكفاية مسمى الوقوف لا يخلو عن قرب... ».

ويستفاد من هذه العبارة أن القول بوجوب الإستيعاب ظاهر اوّل الشهيدين وصريح ثانيهما فقط، ولم يذهب إليه غيرهما. وظاهر الأكثر خلافه. وعليه فنسبة الإستيعاب إلى المشهور في غير محلّها وانه مما ينبغي القطع بفساده لمخالفته مع ظاهر الأكثر والمعتبرة المستفيضة، كما انه يظهر منها ان المقابل للاستيعاب هو القول بكفاية المسمّى ولو قليلا ـ كما عن السرائر والتذكرة ـ واختاره هو أيضاً.

ومن العجيب بعد ذلك مافي الجواهر، من قوله: لعلّ الأظهر والأحوط وجوب الإستيعاب وقد تأول مثل الكلمات المتقدمة الظاهرة في تحقق الوقوف بعد الزوال والإشتغال بالغسل والجمع بين الصلاتين في غيرها. وقد تقدم نقل بعض التأويلات مع انه يسأل عنه انه ما الموجب للتأويل وما الداعي إلى التوجيه بما يخالف الظاهر؟


(72)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فإنه لو كان في البين ما يدل على اعتبار كون المبدأ هو الزوال كدخول وقت الصلاتيه بالإضافة إليه لكان وجه للتوجيه، وإن كان بخلاف الظاهر. إلاَّ أنه مع عدم وجود دليل دال عليه لا من الروايات لعدم تعرض شيء منها لعنوان الزوال مبدأ للوقوف ولا من العبارات والكلمات لظهور الأكثر في الخلاف. وقد عرفت تصريح صاحب الرياض بأنه ينبغي القطع بفساده وتصريح كشف اللثام بأنه لم يعرف له مستنداً لأيّ مستند يسوغ التويه وللوصول إلى أيّ غرض يجوز التأويل؟

ولا يوجد في كلام صاحب الجواهر بطوله وتفصيله ما يمكن أن يكون شاهداً لهذا التوجيه، إلاَّ بعض الأمور التي لا ينبغي الإتكال عليها بوجه. مثل ان المستحب في باب الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، هو الجمع بعرفة. وحكي عن التذكرة أنه يجوز الجمع لكلّ من بعرفة من مكي وغيره، وقد أجمع علماء الإسلام على أن الامام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة. قال: وحينئذ فيكون المراد من مضيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الموقف الرواح إلى المكان المخصوص المستحبّ فيه الوقوف، أو التشاغل بما يقتضيه من الدعاء والتمجيد والتهليل والتكبير والدعاء لنفسه ولغيره، ممّا جائت به النصوص في ذلك الموقف.

ومثل انه نسب في المدارك إلى الأصحاب، الوجوب من أوّل الزّوال مع أنه ليس لهم إلاَّ هذه العبادات. إلاَّ من صرح منهم بذلك كالشهيدين والكركي والمقداد.

ومثل انه هو من البديهيات وان عدم ذكر الإتداء في كلامهم إنما هو للإتكال على معلوميته، ومن الواضح بطلان هذه الأمور. فإنه هل يجوز أن ينسب إلى الأصحاب خلاف ماهو معدود من البديهيات. وتعبر صاحب المدارك بأوّل الزوال في مقابل


(73)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

كفاية المسمّى في الاتيان بالواجب لا في مقابل التأخير عنه بالمقدار اليسير المذكور. كما أن الحكم باستحباب الجمع في عرفة يكون المراد به هو الإستحباب في عرفة وما يقاربها مثل النمرة في مقابل منى والأمكنة البعيدة عن عرفات. والشاهد عمل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع على ما عرفت. وقد تحصل مما ذكرنا انه لا مجال لدعوى اعتبار الزوال بمعناه الحقيقي الراجع إلى عدم جواز التأخير عنه. ونسبة صاحب المدارك ذلك إلى الأصحاب ـ إن لم يكن مراده ما ذكرناه ـ يرد عليها وضوح انه لم يكن عنده كلمات أخرى للاصحاب، غير ما نقلنا عنهم ومثله وكيف تصح هذه النسبة مع قول صاحب الرياض انه ينبغي القطع بفساد هذا اقول ولم ينقل إلاَّ عن واحد أو اثنين ـ كما عرفت ـ.

ومع ذلك يكون مقتضى الإحتياط الإستحبابي ـ كما في المتن ـ رعاية اوّل الزوال خصوصاً مع وضوح مشروعية الوقوف من حين الزّوال وعدم مشروعيته قبله ـ كما في صلاتي الظهر والعصر ـ وإن كان الأفضل تأسّياً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع وامتثالا للأمر المحمول على الاستحباب جزماً في بعض الروايات هو التأخير بالكيفية التي فعلها (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهل يجوز التأخير من دون الكيفية المزبورة الراجعة إلى النزول في نمرة حتى تزول الشمس ثم الغسل والجمع بين الصلاتين بأذان واحد وإقامتين، كما إذا تأخرت حركته من مكة إلى زمان يعلم بالورود في عرفات بعد ساعة من الزوال، أم كان جواز التأخير مختصّاً بما إذا كان مراعياً للكيفية المزبورة، فلا يجوز التأخير بغير تلك الكيفية الظاهر هو الأوّل ـ كما في المتن ـ حيث نفى البعد عن جواز التأخير بمقدار


(74)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الصلاتين، وظاهره التأخير بهذا المقدار وإن لم يصلّهما وإن كان مقتضى الإحتياط هو الثاني. نعم ينبغي اضافة مقدار الغسل قبل الصلاتين للتصريح به في جملة من الرّوايات.

هذا وأما التأخير إلى وقت العصر فلا يجوز لعدم دلالة شيء من الرّوايات على جوازه، بل ظهور جملة منها في لزوم إتيان الموقف بعد الأعمال المذكورة بلا فصل. نعم بناء على كون الواجب من الوقوف مطابقاً للركن وهو المسمّى يجوز التأخير إليه فاللازم إحالة هذا البحث إلى المسألة الثالثة الآتية الموضوعة لهذا البحث، فانتظر. هذا تمام الكلام بالإضافة إلى المبدأ.

وأمّا المنتهى فلا خلاف في أنه هو الغروب الشرعي. ويدل عليه نصوص مستفيضة مثل:

صحيحة معاوية بن عمّار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأفاض بعد غروب الشمس.(1)

ورواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، قال: إن كان جاهلا فلا شيء عليه وإن كان متعمّداً فعليه بدنة.(2)

ورواية ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس. قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة، الباب الثاني والعشرون، ح1.

(2) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة الباب الثالث والعشرون ح1.


(75)

 

في المراد بالوقوف

مسألة 2 ـ المراد بالوقوف مطلق الكون في ذلك المكان الشريف من غير فرق بين الركوب وغيره والمشي وعدمه. نعم لو كان في تمام الوقت نائماً أو مغمى عليه، بطل وقوفه.[1]

 

ثمانية عشر يوماً بمكة أو في الطرى أو في أهله.(1) هذا وقد تقدّم التحقيق في ماهيه الغروب الشرعي وحقيقته في باب اوقات الصلاة، فراجع.

[1] وقع التعرض في هذه المسألة لأمرين:

أحدهما: إن المراد بالوقوف الواجب في عرفات أعم من الرّكن وغيره، هو مطلق الكون في ذلك المكان الشريف. سواء كان راكباً أم غيره، وسواء كان ماشياً أم لم يكن. والدليل عليه استمرار السيرة القطعية العملية من المسلمين جميعاً على عدم الاستمرار على الحالة التي كانت عليها عند الشروع في الوقوف والذهاب إلى قضاء حوائجهم المختلفة وصرف الوقت في الصلاة المركبة من حالات مختلفة وغيرها من الحالات، فيدل ذلك على أن المراد بالوقوف ماذكرناه في المتن.

وثانيهما: إنه لو كان في تام الوقت نائماً أو مغمى عليه، يكون وقوفه باطلا. والسرّ فيه إنّ الوقوف الواجب لابد وأن يكون مستنداً إلى الفاعل وصادراً عن إرادة واختيار، وهو لا يتحقق مع كونه نائماً في جميع الوقت ومن الزوال إلى الغروب أو مغمى عليه كذلك وإن كان قبله عازماً على الوقوف وناوياً لإتيانه مع جميع الشرائط المعتبرة في عبادته مثل قصد القربة في ظرفه الزماني، إلاَّ أنه مع استيعاب

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف بعرفة الباب الثالث والعشرون ح3.


(76)

 

في أن الركن مسمّى الوقوف

مسألة 3 ـ الوقوف المذكور واجب، لكن الركن منه مسمّى الوقوف ولو دقيقة أو دقيقتين، فلو ترك الوقوف حتى مسمّاه عمداً، بطل حجّه. ولكن لو وقف بقدر المسمّى وترك الباقي عمداً، صحّ حجّه وإن أثم.[1]

 

النوم أو الإغماء ـ كما لا يخفى ـ.

[1] قد مرّ في المسألة الأولى انّ مبدأ الوقوف الواجب ليس هو الزوال بمعناه الحقيقي، بل يجوز التأخير بمقدار ساعة تقريباً. وظاهر الروايات المتقدمة هناك لزوم الشروع بالوقوف بعد المقدار المذكور. لكنه ذهب جملة من الفقهاء إلى عدم إختلاف الواجب والركن في باب الوقوف وانه في كليهما هو المسمّى واسم الحضور. وقد استدلّ صاحب الرياض في ذيل كلامه المتقدم بالأصل النافي للزائد بعد الإتفاق على كفاية المسمّى في حصول الركن منه وعدم اشتراط شيء زائد منه فيه مع سلامته عن المعارض سوى الأخبار المزبورة ودلالتها على الوجوب غير واضحة. وأمّا ما تضمن منها الأمر بإتيان الموقف بعد الصلاتين فلا تفيد الفورية. ومع ذلك منساق في سياق الأوامر المستحبة. وأمّا ما تضمن منها فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكذلك بناء على عدم وجوب التأسي، وعلى تقدير وجوبه في اعبادة فإنما غاية الوجوب الشرطي لا الشرعي وكلامنا فيه لا في سابقه للإتفاق ـ كما عرلفت على عدمه ـ.

ولكن الظاهر، إن المتفاهم العرفي من النصوص والروايات المزبورة وجوب الإتيان إلى الموقف بعد الفراغ عن الصلاتين مع الجمع بينهما. ودعوى عدم كونه مفيداً للفورية أو عدم ظهوره في الوجوب مندفعة بفهم العرف في خصوص المقام.


(77)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ويؤيّده فهم المشهور منها ذلك. بل قد عرفت أن صاحب المدارك اعتبر الوقوف من أوّل الزوال ناسباً له إلى الأصحاب وأن تقدم توجيه كلامه وتفسير مرامه، مع انه لا خلاف ظاهراً في حرمة الإفاضة قبل الغروب وثبوت الكفارة عليها مع التعمّد. وهذا الحكم لا يجتمع مع كون الواجب هو المسمّى كالركن، لأن الإفاضة مسبوقة بتحقق الواجب حينئذ فلا وجه للحرمة واحتمال كونها حكماً آخر غير وجوب الوقوف، بحيث كان هناك حكمان مستقلان غير مرتبطين لا مجال له أصلا ـ كما هو أوضع من أن يخفى حكمه ـ.

نعم يقع بعد ذلك في أمرين:

الأوّل: إنه لا مجال لاحتمال كون جميع أجزاء الوقوف الواجب ركناً بحيث كان الإخلال بشيء منه عمداً موجباً لبطلان الحج بناء على ما مر مراراً من تفسير الركن في باب الحج ومغايرته مع الركن في باب الصلاة، والدليل على بطلان هذا الإحتمال الروايات التي تقدم بعضها في ذيل المسألة الأولى الدالة على أنّ الإفاضة من عرفات قبل الغروب عمداً يترتب عليه الكفارة. ومعناها عدم كونه موجبة لبطلان الحج مع أنه لو كان الوقوف الركني شاملا لجميع أجزاء الوقت المذكور لكانت الإفاضة العمدية موجبة لبطلان الحج وعدم تماميته. فهذه الروايات شاهدة على عدم كون الركن شاملا لجميع أجزاء الوقت ـ كما هو ظاهر ـ.

الثاني: إنه لا مجال لاحتمال أنه لا يتصف الوقوف بعرفة بالركنية أصلا، بحيث كان واجباً غير ركني ويدل على الإتصاف بالركنية في الجملة مضافاً إلى ما رواه العامّة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويوجد مثله في عض روايات الخاصة، إنه قال: «الحجّ عرفة» فإنّه


(78)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

لامصحح لهذا التعبير بدون الإتصاف بالركنية. كذلك ماورد بطريق صحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إنه قال: «أصحاب الاراك لا حج لهم» مثل ما رواه الحلبي في الصحيح عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الموقف ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: «أصحاب الأراك لا حجّ لهم».(1)

وفي رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب «الهضبات» والهضاب هي الجبال. فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إن أصحاب الأراك لا حج لهم» يعني الذين يقفون عند الأراك.(2)

فإن الأراك من حدود عرفة، وحدود عرفة كلها خارجة عنها. فالحكم بنفي الحج لأصحاب الأراك الظاهر في بطلان حجهم لا يجتمع إلاَّ مع كون الوقوف ركناً في الجملة مؤثراً في البطلان مع الإخلال به ـ كما لا يخفى ـ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف، الباب التاسع عشر، ح10.

(2) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف، الباب التاسع عشر، ح11.


(79)

 

في الإفاضة من عرفات قبل الغروب

مسألة 4 ـ لو نفر عمداً من عرفات قبل الغروب الشرعي وخرج من حدودها ولم يرجع، فعليه الكفارة ببدنة يذبحها الله في أيّ مكان شاء. والأحوط الأولى أن يكون في مكّة، ولو لم يتمكن من البدنة صام ثمانية عشر يوماً. والأحوط الأولى أن يكون على ولاء. ولو نفر سهواً وتذكّر بعده يجب الرجوع، ولو لم يرجع أثم ولا كفارة عليه وإن كان أحوط، والجاهل بالحكم الناسي، ولو لم يتذكّر حتى خرج الوقت، فلا شيء عليه.[1]

 

[1] لا شبهة في أن الإفاضة من عرفات قبل الغروب الشرعي لا توجب بطلان الحج وفساده وإن كان متعمّداً في ذلك ولم يرجع إليها وأمّا بالإضافة إلى الكفارة فتارة تكون الإفاضة عمداً وأخرى جهلا وثالثة سهواً.

ففي الصوره الأولى قد نفى صاحب الجواهر (قدس سره) وجدان الخلاف في ثبوت الكفارة فيها، بل عن المنتهى إنه قول عامة أهل العلم إلاَّ من مالك، فقال: لا حجّ له، وقال: ولا نعرف أحداً من أهل الأمصار قال بقوله.

ويدل على ثبوت الكفارة روايات متعدّدة، مثل:

صحيحة مسمع بن عبد الملك عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس، قال: إن كان جاهلا فلا شيء عليه وإن كان متعمّداً فعليه بدنة.(1)

وصحيحة ضريس الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجل أفاض من

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف، الباب الثالث والعشرين. ح1.


(80)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

عرفات قبل أن تغيب الشمس، قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في الطريق أو في أهله.(1) وبعض الروايات الآخر والصحيحة الأولى الظاهرة في اختصاص الكفارة بالمتعمد مقيدة للصحيحة الثانية الظاهرة في إطلاق ثبوت الكفارة ـ كما هو ظاهر ـ.

والمحكي عن الصدوقين إن الكفارة شاة، ولم يعرف لهما مستند. نعم في محكي الجامع نسبه إلى الرواية، وعن خلاف الشيخ (قدس سره) إنّ عليه دماً، للإجماع والإحتياط وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في خبر ابن عبّاس: من ترك نسكاً فعليه دم، وتمسكه بالإحتياط يشعر بأنّه في مقابل من لم يوجب عليه شيئاً من العامة، فلا يكون مراده من الدم خصوص الشاة، كما هو المنصرف إليه من اطلاق الدم في باب كفارات الحجّ. وكيف كان فلا يجوز رفع اليد عن مقتضى الروايات الصحيحة الظاهرة في ثبوت خصوص البدنة، وفي الصورة الثانية ـ وهي صورة الجهل ـ يكون مقتضى النص والفتوى عدم ثبوت الكفارة.

وفي الصورة الثالثة ـ وهي صورة النسيان ـ فالمشهور إن حكمها حكم الصورة الثانية وانّه لا شيء على الناسي كالجاهل. وعن الحدائق الإستشكال في الإلحاق نظراً إلى أن حكم الناسي غير مذكور في الرواية. والالحاق لا دليل عليه ولا مانع من اختصاص الحكم بالجاهل. لأنه أعذر. والناسي بسبب علمه سابقاً غفلته لاحقاً لا يساوي الجاهل الذي لم يتلبس بالعلم أصلا. ولذا ورد النص على وجوب قضاء الصلاة على ناسي النجاسة دون الجاهل بها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب احرام الحج والوقوف، الباب الثالث والعشرين، ح3.


(81)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ويرد عليه أوّلا ان المراد من المتعمد الذي معناه هو صدور الفعل عنه عن عمد وقصد وإرادة وإختيار، هل هو الذي أفاض قبل الغروب مع قصد الإفاضة وإرادتها في مقابل من أفاض جبراً بلا إرادة وإختيار؟ أو أن المراد منه هو الذي يكون قاصداً للمخالفة ومريداً لها. فعلى الأوّل لا يصح التقابل بينه وبين الجاهل لأنه أيضاً يفيض عن قصد وعمد. غاية الأمر إنه لايكون عالماً بالحرمة، فالمقابلة شاهدة على بطلان هذا الإحتمال، وعلى الثاني يكون الناسي داخلا في الجاهل، لعدم كونه قاصداً للمخالفة بعد فرض النسيان والغفلة عن حرمة الإفاضة كلاًّ. بل الناسي لأجل الغفله يكون أولى من الجاهل في هذه الجهة ـ كما هو ظاهر ـ.

وثانياً انه لو سلم عدم التعرض في الصحيحة لحكم الناسي، يكون مقتضى حديث رفع الخطأ والنسيان عدم وجوب الكفارة على الناسي. ومما ذكرنا ظهر أن الأصل في عدم ثبوت الكفارة بمقتضى الرواية هو الجاهل والناسي ملحق به، بخلاف ماهو المذكور في المتن. ثم إن ظاهر الصحيحة لزوم كون نحرها يوم النحر الذي هو يوم العيد الأضحى الذي يكون الحاجّ فيه بمنى لأجل أعماله ومناسكه. ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع التي يفهمها العرف، ان مكانه أيضاً هو منى، خصوصاً مع التعبير عن العيد بيوم النحر. وعليه فلو لم يكن الذبح يوم العيد وفي منى أقوى من حيث الفتوى، فلا شبهة في أنه مطابق للإحتياط الوجوبي، فتدبّر.

ثم الظاهر بملاحظة صحيحة ضريس ـ مع قطع النظر عن بعض الروايات الواردة في مطلق الصوم المتعدد من جهة اعتبار التتابع والتوالي وعدمه المبحوث عنها في كتاب الصوم ـ عدم إعتبار التوالي في صيام ثمانية عشر يوماً وأن اللازم


(82)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

رعاية نفس العدد المزبور من دون فرق بين الإتّصال والإنفصال. ودعوى الإنصراف إلى التتابع ممنوعة جداً. كما في مثله من الأمور العادية، فإنه لو أمر الطبيب مريضه بالمشي كل يوم ساعتين لا يستفاد منه إلاَّ لزوم المشي فيهما من دون أن يكون منصرفاً إلى اعتبار التوالي بينهما. نعم رعاية الإحتياط الإستحبابي لا.

بقى الكلام في النّاسي من جهة أنه لو لم يتذكر بعد الإفاضة حتى خرج الوقت ودخل الغروب فلا شيء عليه أصلا. وأمّا لو تذكر قبل الخروج بنحو لو رجع إلى عرفات يدرك مقداراً من الوقت قبل الغروب فلا إشكال بمقتضى ما ذكرنا من وجوب الإستيعاب وأن دائرة الواجب في الوقوف أوسع من دائرة الركن الذي هو المسمّى في وجوب الرجوع إلى عرفات لدرك ذلك المقدار من الوقت. فإن امتثل وأتى بالواجب فلا إشكال. وإن خالف ولم يرجع فلا شبهة في تحقق الإثم واستحقاق العقوبة على مخالفة التكليف الوجوبي. وهل يجب عليه الكفارة لأجلها أم لا؟ حكي عن المسالك إنه يكون كالعامد في لزوم الدمّ.

ولكنّه ممنوع، لأن الكفارة لا تكون مترتبة على مخالفة التكليف الوجوبي المتعلق بالوقوف، ولا يكون اللازم ثبوت الكفارة على من ترك الوقوف بعرفات عمداً، عدا لحظة منه قبل غروب الشمس. مع أنه من الواضح خلافه، بل تكون مترتبة على عنوان الإفاضة المحرّمة قبل الغروب، والمفروض أن الإفاضة لا تكون محرمة بالإضافة إلى الناسي. غاية الأمر إنه كان الرجوع إلى عرفات واجباً عليه في هذه الصورة. وقد تحققت المخالفة بالنسبة إلى هذا التكليف. ولم يدل دليل على ايجابه للكفارة. لكن مقتضى الإحتياط الإستحبابي رعايتها.


(83)

 

في الوقوف الإضطراري للعرفات

مسألة 5 ـ لو نفر قبل الغروب عمداً وندم ورجع ووقف إلى الغروب، أو رجع لحاجة لكن بعد الرجوع وقف بقصد القربة، فلا كفارة عليه.[1]

 

[1] الوجه في عدم ثبوت الكفارة على العامد في الفرضين، ان المتفاهم عند العرف من الإفاضة التي علّق عليها الحكم بثبوت الكفارة في الرّوايتين المتقدمتين، هي الإفاضة التي لم يتعقبها الرجوع إلى عرفات، بحيث يدرك مقداراً من الوقوف قبل الغروب. وأمّا الإفاضة المتعقبة بالرجوع بالنحو المذكور، فهي وإن كانت محرّمة أيضاً ضرورة إلاَّ أنه لا يستفاد من الدليل انها أيضاً توجب الكفارة، للفهم العرفي المذكور. وعليه فلا يكون البحث في سقوط الكفارة حتى يقال، أن السقوط بعد الثبوت يحتاج إلى دليل وهو مفقود. كما عن النزهة واستوجهه في مجمي كشف اللثام لما عرفت من عدم دلالة الدليل على ثبوتها في هذه الصورة بوجه. نعم الإستدلال على عدم الثبوت بمثل مافي الجواهر من أنه لو لم يقف إلاَّ هذا الزمان لم يكن عليه شيء، غير صحيح أيضاً. لأنه لا محال لتوهّم المماثلة بعد عدم تحقق الإفاضة في الفرض المذكور بوجه. وقد مرّ آنفاً في ذيل المسألة السابقة، ان الكفارة لا تكون مترتبة على ترك الوقوف الواجب، بل على الإفاضة المحرّمة، فلا وجه للتشبيه أصلا. والعمدة في الدليل ماذكرنا، فتدبّر.

 

 


(84)

 

في الوقوف الإضطراري للعرفات

مسألة 6 ـ لو ترك الوقوف بعرفات من الزوال إلى الغروب لعذر ـ كالنسيان وضيق الوقت ونحوهما ـ كفى له ادراك مقدار من ليلة العيد ولو كان قليلا. وهو الوقت الإضطراري للعرفات، ولو ترك الإضطراري عمداً وبلا عذر، فالظاهر بطلان حجّه وإن أدرك المشعر، ولو ترك الإختياري والإضطراري لعذر كفى في صحة حجّه، إدراك الوقوف الإختياري بالمشعر الحرام ـ كما يأتي ـ .[1]

 

[1] للوقوف بعرفات وقتان. إختياري وإضطراري. أمّا الإختياري فهو ما تقدّم من أوّل الزوال أو مضي مقدار ساعة منه إلى الغروب. ومرّ أن الواجب هو الوقوف في المجموع والإستيعاب والركن هو المسمّى منه المتحقق بدقيقة أو دقيقتين. ومرّ ان الإخلال بالركن إذا كان عن علم وعمد فهو يوجب البطلان. وأمّا إذا كان عن عذر فلا يوجب الفساد بوجه. ولهذه الجهة تصل النوبة بالإضافة إلى هذا النحو من الترك إلى الإضطراري وهو من الغروب إلى طلوع الفجر من يوم النحر. وقد نفى وجدان الخلاف فيه في الجواهر. بل حكي عن المدارك وغيرها الإجماع عليه، وعن الشيخ في الخلاف إطلاق أن وقت الوقوف بعرفة من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم العيد. وأورد عليه إبن إدريس بأن هذا القول مخالف لأقوال علمائنا. وإنما هو قول لبعض المخالفين أورده الشيخ في كتابه إيراداً لا إعتقاداً. وأجاب عنه العلاّمة في المختلف بأن النزاع هنا لفظي. وأن الشيخ قصد الوقت الإختياري، وهو من زوال الشمس إلى غروبها، والإضطراري وهو من الزوال إلى طلوع الفجر، فتوهم إبن


(85)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

إدريس أن الشيخ قصد بذلك الوقت الإختياري، فأخطأ في إعتقاده...

وكيف كان، فالظاهر إن الواجب والركن في الوقت الإضطراري واحد، وهو مسمّى الوقوف ليلا بعرفة. وبهذا يفترق عن الوقت الإختياري، كما أن مقتضاه إنّ الإخلال بالوقوف الإضطراري إذا كان عن غير عذر موجب لبطلان الحج وفساده. فما تشعر به عبارة العلاّمة في محكي القواعد من أنّ الوقوف الإختياري بعرفة ركن، من تركه عامداً بطل حجّه من اختصاص الركن بالوقوف الاختياري لا يكون مقصوداً له ظاهراً، خصوصاً بعد ظهور النصوص والفتاوى في غيره. مثل:

صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال في رجل أدرك الإمام وهو بجمع، فقال: إنه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعاً قبل طلوع الشمس فليأتها، وإن ظنّ أنّه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها وليقم بجمع فقد تم حجّه.(1)

وصحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات، فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتم حجّه حتى يأتي عرفات، وإن قدم رجل وقد فاته عرفات فليقف بالمشعر الحرام فإن الله تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل.(2)

ورواية إدريس بن عبدالله، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أدرك الناس

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثاني والعشرون، ح1.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثاني والعشرون ح2.


(86)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

بجمع وخشي أن مضى إلى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها، فقال: إن ظنّ أن يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات، فإن خشى أن لا يدرك جمعاً فليقف بجمع ثم ليفض مع الناس فقد تم حجّه.(1)

وصحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في سفر فإذا شيخ كبير. فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما تقول في رجل أدرك الإمام بجمع؟ فقال له: إن ظنّ أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعاً قبل طلوع الشمس فليأتها. وإن ظنّ أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها وقد تم حجّه.(2) ويغلب على الظن اتحادها مع صحيحة الأولى، وإن كانت هذه مشتملة على أزيد من تلك. لكن وحدة التعبيرات والراوي والمرويّ عنه يوجب الظنّ الغالب بالإتّحاد. والمستفاد من مجموع هذه الروايات وضم بعضها ببعض أمور:

الأولّ: ثبوت الوقت الإضطراري للعرفات، وعدم الإختصاص بالوقت الإختياري.

الثاني: إختلاف الوقتين الإختياري والإضطراري في مقدار الواجب. فإن الواجب من الوقت الإختياري عبارة عن مجموع ساعات متعددة، والوقت الإضطراري الواجب عبارة عن مقدار قليل من الليل.

الثالث: ثبوت الركن للوقت الإضطراري أيضاً، ولازمه كون الإخلال به لغير عذر موجب لبطلان الحج، وإن كان الإخلال بالوقوف الإختياري لعذر مانع عن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثاني والعشرون، ح3.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثاني والعشرون، ح4.


(87)

 

فيما لو لم يثبت هلال ذي الحجة عندنا

مسألة 7 ـ لو ثبت هلال ذي الحجّة عند القاضي من العامّة وحكم به ولم يثبت عندنا فإن أمكن العمل على طبق المذهب الحقّ بلا تقية وخوف وجب، وإلاَّ وجبت التبعية عنهم وصحّ الحج لو لم تبين المخالفة للواقع، بل لا تبعد الصحة مع العلم بالمخالفة ولا تجوز المخالفة، بل في صحة الحج مع مخالفة التقية إشكال، ولما كان أفق الحجاز والنجد مخالفاً لآفاقنا، سيّما أفق إيران، فلا يحصل العلم بالمخالفة إلاَّ نادراً.[1]

 

بطلان الحج.

الرابع: إنه لو كان ترك الوقتين مستنداً إلى العذر، يكفي في صحة الحج وتماميته إدراك الوقوف الإختياري للمشعر الحرام، المتحقق بالإدراك قبل طلوع الشمس وقبل الإفاضة من المشعر إلى منى. وسيأتي البحث في هذا الأمر في مباحث الوقوف بالمشعر إن شاء الله.

[1] لو لم يثبت هلال ذي الحجة عندنا ولكنه ثبت عند القاضي من العامّة وحكم على طبقة فإن لم يكن في البين تقيّة ولا خوف وجب العمل على طبق المذهب الحق وهو مقتضى استصحاب عدم ثبوت الهلال في ليلة اليوم المشكوك وعدم كون اليوم المزبور أوّل ذي الحجة. ولكنه لابد وأن يعلم انه ربما لا يكون في البين خوف شخصي وخطر متوجه إلى الشخص نفساً أو غيرها، بل يكون في البين هتك حرمة الشيعة وانحطاط شأنهم وجعلهم في معرض التهمة ومظنة السّوء، كما إذا كانوا مجتمعين في الحج والوقوف ـ كما في هذه الأزمنة ـ فإنه لابد في هذه الصورة من حفظ


(88)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

مقامهم لئلاّ يقعوا في معرض الإتهام وينظر الناس إليهم بعين الإبتعاد عن الإسلام والإلتزام بشؤونه. فلا يجوز التخلف عنهم في الوقوف ونحوه، وإن لم يكن تقية ولا خوف في البين أصلا.

وكيف كان ففي صورة التقية ومثلها تجب المتابعة عنهم ورعاية شؤون التقية ولا شبهة في هذه الجهة من حيث الحكم التكليفي. فقد وردت روايات متواترة، بل فوق حدّ التواتر في مشروعيه التقية ولزوم رعايتها. وفي بعضها أنه لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً.

إنّما الكلام في الإجزاء عن الواجب الواقعي الأولي وللاتصاف بالصحة والتمامية. ومحلّ البحث في الإجزاء في باب التقيّة ما إذا كانت التقية موجبة للإخلال بالجزء أو بالشرط أو الإتيان بالمانع أو القاطع، كما إذا كانت التقية موجبة لترك مسح الرجلين والغسل بدل المسح في باب الوضوء أو غسل اليد منكوساً ومعكوساً أو التكتف أو قول آمين في الصلاة. وأمّا إذا كانت التقية موجبة لترك الواجب رأساً كما في الإفطار في يوم الشك من آخر رمضان إذا حكم قاضيهم بكونه يوم العيد، فإنه لا مجال لتوهم الإجزاء بعد ترك العبادة رأساً. وعليه فالحكم بالقضاء في مثله لا يستلزم الحكم بعدم الإجزاء في محلّ البحث. كما في مرسلة رفاعة عن رجل عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: دخلت على أبي العبّاس في الحيرة، فقال: يا أبا عبدالله ما تقول في الصيام اليوم؟ فقال: ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا. فقال: يا غلام عليَّ بالمائدة، فأكلت معه وأنا أعلم والله أنه يوم من شهر رمضان، فكان


(89)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

إفطاري يوماً وقضائه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد الله.(1)

فمحلّ الكلام ما ذكرنا وحينئذ إن قلنا بأن الضابطة في المسألة الأصولية التي يبحث فيها عن إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الإضطراري وأنه يجزي عن الإتيان بالمأمور به بالأمر الإختياري ـ كما هو الظاهر ـ أم لا بالاجزاء، فاللازم هو القول بالإجزاء في امقام لانّ التقية من موارد الإضطرار، وقد عبّر عنها به في بعض الروايات الصحيحة المعروفة بصحيحة الفضلاء، قالوا سمعنا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن التقية في كل شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له.(2)

وإن لنا بعدم الإجزاء في المسألة الأصولية، فاللازم هو القول بالإجزاء في خصوص المقام لا لما ذكره صاحب الجواهر من انّه لا يبعد القول بالإجزاء هنا إلحاقاً له بالحكم للحرج، واحتمال مثله في القضاء. قال: وقد عثرت على الحكم بذلك منسوباً للعلامة الطباطبائي (قدس سره) ولكن مع ذلك فالإحتياط لا ينبغي تركه.

بل لأنّه قد مضى على الائمة(عليهم السلام) وشيعتهم ما يزيد عن مأتي سنة كان ثبوت الهلال مرتبطاً بحكم الحاكم وقاضيهم ولم يكن مورد واحد ولو إشارة وإشعاراً حكموا فيه ببطلان الحج، بلحاظ كون الوقوف مستنداً إلى حكم قاضي النّاس مع عدم ثبوته عند الشيعة. وكون مقتضى الإستصحاب العدم. ومن الواضح ثبوت الإختلاف كثيراً بهذه الكيفية الراجعة إلى الثبوت عندهم والشك عند الشيعة. ولا مجال لدعوى عدم وقوع الاختلاف أصلا في هذه المدة الكثيرة، خصوصاً مع ملاحظة مثل موثقة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب السابع والخمسون، ح

(2) وسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب السابع والخمسون، ح


(90)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) وكان بعض أصحابنا يضحي، فقال: الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، والصوم يوم يصوم الناس.(1)

كما أن دعوى إن ذلك من جهة عدم تمكن الشيعة من الوقوف الثاني مدفوعة بمنع عدم التمكن دائماً، لا مكان الوقوف في برهة من الزمان، ولو مرّة واحدة في طول هذه المدّة، ولو بعنوان آخر بحسب الظاهر. فلا وجه لذلك غير الإجزاء وكفاية الوقوف الصّادر تقيةً.

مع أنه هنا شيء آخر ينبغي الإلتفات إليه وهو أنّ الأئمّة(عليهم السلام) وشيعة المدينة كانوا يحجون من المدينة وهم باعتبار قرب بلدهم إلى مكة لم يكن اللازم عليهم الخروج عنها قبل هلال ذي الحجة. فالقاعدة تقتضي الخروج بعده وإن كانت المراكب السابقة غير المراكب الفعلية، لكنه مع ذلك لم يكن الخروج قبله بلازم وحينئذ في مورد الشك وعدم الثبوت لو كان الحج كذلك غير صحيح. ولا محالة لا يكون مستحبّاً أيضاً. لأن العمل الباطل لا يتصف بشيء من الوجوب والإستحباب، لما كان وجه للخروج إلى الحجّ، خصوصاً بعد وضوح عدم اختلاف أفق مدينة ومكة، وكون حكم القاضي في الأولى نافذاً بالإضافة إلى الثانية أيضاً، مع أنه لم يعلم ولو مرة واحدة إمتناعهم عن الخروج لأجل ذلك. وتبيين هذه العلة ولو لخواصّ أصحابهم مع التعرض لمثله في موارد كثيرة، فلا مجال لاحتمال عدم الإجزاء مع التوجه إلى ما ذكرنا في صورة عدم العلم بالمخالفة.

وأمّا في صورة العلم بالمخالفة وعدم موافقة حكم القاضي للواقع قطعاً، فقد نفى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب السابع والخمسون، ح7.


(91)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

البعد في المتن عن الحكم بالصحة فيها، ولكنه ذكر بعض الأعلام (قدس سره) في مناسكه انه في هذه الصورة لا يجزي الوقوف معهم. فإن تمكن المكلف من العمل بالوظيفة ـ والحال هذه ولو بان ـ يأتي بالوقوف الإضطراري في المزدلفة دون أن يترتب عليه أيّ محذور ـ ولو كان المحذور مخالفته للتقية ـ عمل بوظيفته. وإلاَّ بدّل حجه بالعمرة المفردة ولا حج له. فإن كانت استطاعته من السنة الحاضرة ولم تبق بعدها سقط عنه الوجوب، إلاَّ إذا طرأت عليه الإستطاعة من جديد.

أقول: الظاهر هو الحكم بالصحة في هذه الصورة أيضاً، لأن تحققها في ذلك الزمان الطويل الذي أشرنا إلى أنه يزيد عن مأتي سنة، وإن كان قليلا بالإضافة إلى صورة الشك وعدم العلم بالمخالفة، إلاَّ أنه لا مجال لإنكاره. وقد مرّ في مرسلة رفاعة، أن الإمام (عليه السلام) حلف بأن اليوم الذي أفطر فيه تقية كان من شهر رمضان، وإنه كان عالماً بذلك حين الإفطار، ومع ذلك أفطر كذلك. فيدل ذلك على وقوع هذه الصورة أحياناً. ومع ذلك لم نر ولم نعهد منهم (عليهم السلام) الإشارة إلى عدم الإجزاء ولزوم التطرق إلى طريق صحيح، ومع عدم إمكانه لزوم تبديل الحج بالعمرة المفردة، ولو في مورد واحد مع كون فريضة الحج من الفرائض المهمة الإلهية.

ودعوى كون السيرة العملية من الأدلة اللبية التي لابد فيها من الإقتصار على القدر المتيقن ـ وهي صورة الشك وعدم العلم بالمخالفة ـ مدفوعة بأنه مع ملاحظة ما ذكرنا لا يكون شمولها لصورة العلم مشكوكاً حتى لا يجوز الإستدلال له بها. بل الظاهر إنه لا شك في الشمول نعم ربما يستدل على عدم الإجزاء ـ كما في تقريرات بعض الأعلام (قدس سره) في شرح المناسك ـ بأنه بعد عدم ثبوت السيرة في هذه الصورة


(92)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وعدم نص خاص على الإجزاء ليس في البين إلاَّ أدلة التقية، وهي مع أنها لا تدل على الإجزاء تكون دلالتها عليها على تقديرها في خصوص صورة الشك لا في مورد القطع بالخلاف أيضاً. فإن العامّة لا يرون نفوذ حكم حاكمهم حتى عند القطع بالخلاف، فالعمل الصادر منه لا يكون مصداقاً للتقية.

أقول: الظاهر ان عدم نفوذ حكم حاكمهم في صورة القطع بالخلاف إنّما هو بالإضافة إلى متابعيهم من الناس، وأمّا بالإضافة إلينا فحيث إنه لا دليل على كون المخالفة مستندة إلى القطع بالخلاف تجري التقية ويكون العمل الصادر مصداقاً لها. ولولا ذلك ينسد باب التقية في مثل الوقوف وأعمال منى وعيد الفطر إذ كان للشيعة الإعتذار عن المخالفة بالعلم بالخلاف وعدم نفوذ حكم الحاكم في هذه الصورة. مع أنك عرفت تحقق الإفطار منه (عليه السلام) مع العلم بالخلاف. فلم لم يعتذر عن عدمه بالعلم بكون الواقع مخالفاً بحكم القاضي؟ وبالجملة لازم هذا القول إنسداد باب التقية في الوقوف مطلقاً، ولا اقلّ في خصوص صورة العلم بالمخالفة واقعاً. وهذا ما لا يقول به المستدل، فالجمع بين جريان التقية الخوفية في صورة العلم بالمخالفة، كما لا محيص عن الالتزام به، ولذا حكم بإتمام حجه عمرة مفردة في هذه السنة في كلامه المتقدم وبين عدم الإجزاء وبين عدم نفوذ حكم حاكمهم في هذه الصورة لا يكاد يمكن، فلابد إمّا أن يقال بأنه لا تقية في هذه الصورة أصلا، وإمّا أن يقال بالإجزاء، كما في صورة الشك وحيث إنه لا سبيل إلى الأوّل فيتعين الثاني.

بقى الكلام في المسألة في حكم مخالفة التقيّة وإن العمل العبادي المخالف للتقية هل يتصف بالصحة والإجزاء أم لا؟ وفيه إحتمالات، بل أقوال:


(93)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أحدها: القول بالبطلان مطلقاً. وهو المحكي عن شارحي الشرايع صاحبي الجواهر والمصباح (قدس سرهما).

ثانيها: القول بالصحة كذلك. وهو المحكي عن جماعة. وذهب إليه الامام الخميني (قدس سره)وإن إستشكل فيها هنا.

ثالثها: التفصيل بين الأجزاء والشرائط التي تكون متحدة مع العبادة، وبين الأجزاء والشرائط التي تكون خارجة عنها. ففي الأوّل ترك التقية موجب للبطلان ـ كالسجدة على التربة ـ إذا كانت التقية مقتضية لتركها وفي الثاني لا يوجب البطلان ـ كترك التكتف في الصّلاة كذلك ـ وهو المحكي عن الشيخ الأعظم الأنصارى وتبعه المحقق النائيني وبعض آخر.

والعمدة ملاحظة مايمكن أن يكون وجهاً للبطلان، وهو أحد أمرين:

الأمر الأوّل: كون العمل المخالف للتقية منهيّاً عنه. والنهي المتعلق بالعبادة يوجب فسادها.

ولكنه يرد عليه إن تعلق النهي بالعمل المذكور إن كان من جهة أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد، فقد حقق في المباحث الاصولية إنه لا يقتضي النهي عن الضد، إلاّ يلزم اجتماع حكمين في موارد ثبوت الوجوب.

وإن كان من جهة استفادة الحرمة من بعض التعبيرات الواردة في التقية، مثل ماورد من أن تركها موجب لوهن المذهب، أو أن تركها ذنب لا يغفر. فمن الواضح إنه لا وجه للإستفادة المزبورة أصلا ـ كما هو غير خفي ـ.

الأمر الثاني: إن العمل المخالف للتقية وإن لم يكن منهيّاً عنه ومتعلقاً للحرمة


(94)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

بوجه، إلاَّ أن بطلانه فيما إذا كان عبادة ـ كما هو المفروض ـ إنّما هو لأجل خلوّه عن الأمر وعن الملاك والمناط الذي يكون طريق استكشافه نوعاً هو الأمر.

والوجه في خلوّه ما عرفت من أنّ التقية من موجبات الإضطرار ـ كما عبّر به عنها في صحيحة الفضلاء المتقدمة ـ وعليه فموردها من مصاديق المأمور به بالأمر الإضطراري أو الواقعي الثانوي، كالأمر بالصلاة مع التيمم عند عدم وجدان الماء، أو كون استعماله حرجيّاً موجباً للوقوع في العسر والمشقة الشديدة. فالمكلف عند تحقق شرائط التيمم لا يكون مكلّفاً إلا بالصلاة مع التيمم. ومرجعه إلى عدم كون الصلاة مع الوضوء مأموراً بها بالإضافة إليه أصلا. وعليه فإذا تحمّل المكلف الحرج والمشقة وتوضّأ مكان التيمم، تكون صلاته فاقدة للأمر، ولا تقع صحيحة. ولا دليل على كونها واجدة للملاك والمناط. ولذا رجحنا في البحث عن قاعدة الحرج، أن الترخيص المستفاد منها إنما يكون بنحو العزيمة دون الرخصة.

وهذا بخلاف ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) في بحث الصلاة المزاحمة مع الإزالة التي هي واجب أهم، من أنه لو اختار الصلاة وترك الإزالة تكون صلاته صحيحة، لأنها وإن لم تكن غير مأمور بها إلاَّ انّها تشتمل على المناط والملاك، وهو يكفي في صحة العبارة.

فإن إحراز الإشتمال على الملاك إنما هو لأجل عنوان التزاحم الذي مرجعه إلى ثبوت الملاك في كلا الطرفين ـ سواء كان هناك أهمّ في البين أم لم يكن ـ وأمّا في مثل المقام فلا سبيل إلى إحراز الملاك واستكشاف المناط بوجه والطولية في التقية ومثلها لا تقتضي كون الإتيان بالواقع مجزياً ومسقطاً، وعليه فيقوى في النظر رجحان القول


(95)

 

القول في الوقوف بالمشعر الحرام

يجب الوقوف بالمشعر من طلوع الفجر من يوم العيد إلى طلوع الشمس، وهو عبادة تجب فيه النيّة بشرائطها، والأحوط وجوب الوقوف فيه بالنيّة الخالصة ليلة العيد بعد الإفاضة من عرفات إلى طلوع الفجر، ثم ينوي الوقوف بين الطلوعين، ويستحبّ الإفاضة من المشعر قبل طلوع الشمس بنحو ا يتجاوز عن وادي محسّر، ولو جاوزه عصى ولا كفارة عليه، والأحوط الإفاضة بنحو لا يصل قبل طلوع الشمس إلى وادي محسّر، والركن هو الوقوف بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بمقدار صدق مسمى الوقوف ـ ولو دقيقة أو دقيقتين ـ فلو ترك الوقوف بين الطلوعين مطلقاً، بطل حجّه بتفصيل يأتي.[1]

 

بالبطلان.

وأمّا ما حكي عنه الشيخ الأعظم في توجيه التفصيل المتقدم من أن ترك التكتف لا يكون إخلالا بالمأمور به، فإن التكتف واجب مستقل خارج عن المأمور به، فيرد عليه إن أريد باستقلال وجوب التكتف إنه واجب غير مرتبط بالصلاة بل ظرفه إنّما تكون هي الصلاة، فالظاهر عدم كونه بهذه الكيفية واجباً عندهم. وإن أريد به إن الإخلال به لايوجب الإخلال بالوظيفة المقررة الشرعية من جهة الصلاة، فالظاهر انه بعد ارتباطه بها تكون الصلاة مع الإخلال به غير ماهو المأمور به، فيرجع إلى القسم الأوّل، فيبطل التفصيل. هذا تمام الكلام في مباحث الوقوف بعرفات.

[1] لا خلاف بين المسلمين في أن الوقوف بالمشعر من واجبات الحج وأجزائه.


(96)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ويدل عليه قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام)ولذا أطلق عليه عنوان «الفريضة» في الروايات باعتبار دلالة القرآن عليه وعلى عرفة «السنّة» باعتبار عدم التصريح به. وفي جملة من النصوص: «إن من فاته الوقوف بالمشعر فلا حج له» وفي بعضها: «إن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» ويطلق عليه المشعر المزدلفة بكسر اللام وجمع بإسكان الميم، والمشعر واحد المشاعر التي هي مواضع المناسك. والتسمية بالمزدلفة باعتبار أنه يتقرب فيه إلى الله تعالى. وفي بعض الروايات الصحيحة: «مالله تعالى منسك أحبّ إلى الله تعالى من موضع المشعر الحرام وذلك أنه يذل فيه كل جبّار عنيد»، أو باعتبار إزدلافها فيها إلى منى بعد الإقامة، أو لمجيء الناس إليها في زلف من الليل، أو لأنها أرض مستوية مكنوسة كما أن التسمية بالجمع على مافي بعض الروايات، لأجل أنّ آدم (عليه السلام) جمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء.

وكيف كان ففي بعض كتب اللغة: إن المشعر الحرام جبل بآخر مزدلفة واسمه قزح. لكن في القاموس: ووهم من قال جبلا يقرب من البناء الموجود الآن، وهو الظاهر.

وبعد ذلك يقع الكلام في جهات:

الجهة الأولى: إنه لا شبهة في وجوب الوقوف بعد طلوع الفجر في الجملة. وفي جملة من الكتب دعوى الإجماع عليه. إنّما الإشكال في الوجوب قبل طلوع الفجر، فالمشهور ـ كما قيل ـ هو العدم، ولكن صاحب الجواهر قد قوى الوجوب بل نسبه إلى ظاهر الأكثر، واستدل عليه بوجوه:

الأوّل: التأسي بالنبي والأئمة (عليهم السلام) حيث إنهم كانوا يقفون في المشعر قبل طلوع


(97)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الفجر.

ويرد عليه إن الفعل أعم من الوجوب، ومن المحتمل انه كان الوجه فيه هو استحبابه أو تأكد إستحبابه من دون أن يكون هناك وجوب.

الثاني: صحيحة الحلبي التي رواها عنه معاوية بن عمّار وحمّاد، قال: قال لا تصل المغرب حتى تأتي جمعاً فصلّ بها المغرب والعشاء الآخر بأذان وإقامتين، ولا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة، وتقول اللّهم هذه جمع، اللهم إني أسألك أن تجمع لي فيها جوامع الخير ـ إلى آخر الدعاء ـ الحديث(1). نظراً إلى أن الحياض من حدود المشعر الخارجة عنه كخروج حدود عرفات عنها على ما مرّ. فالنهي عن تجاوزها في الليلة المزبورة التي تكون تماميتها بطلوع الفجر دليل على وجوب الوقوف قبل الطلوع أيضاً.

ويرد عليه مضافاً إلى أنّ قرينة السّياق تقتضي كون النّهي للكراهة لا للحرمة وإلى أنّها أخصّ من المدّعى. لأن عدم تجاوز الحياض يجتمع مع تأخير الإفاضة من عرفات وعدم الوود في المشعر ليلة العيد، إلاَّ في الأجزاء الآخرة ومع التوقف بين عرفات والمشعر.

انّ الظاهر كون النهي عن تجاوز الحياض بلحاظ التحفظ على إمكان الوقوف بالمشعر نظراً إلى أنه يحتمل مع التجاوز أن لا يدرك المشعر بين الطلوعين ويفوت عنه كذلك، كالنهي عن الخروج عن مكة، بعد الفراغ عن عمرة التمتع. على ما مرّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، أورد صدرها في الباب السادس، ح1، ووسطها في الباب الثامن، ح3، وذيلها في الباب العاشر، ح1.


(98)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

التحقيق فيه سابقاً من أنّه إنما هو بلحاظ خوف عدم إمكان الرجوع إلى مكة والإحرام منها لأجل الحج، فلا يكون هناك نهي، بالإضافة إلى من يعلم بإمكان الرجوع وعدم كون الخروج مورد الخوف بالنسبة إليه. وعليه فلا دلالة للصحيحة على ما رامه صاحب الجواهر (قدس سره).

ثم إنه جعل فيها هذه الرواية صحيحة معاوية بن عمّار مع أنك عرفت أنه قد رواها هو وحمّاد عن الحلبي.

الثالث: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إصبح على طهر بعدما تصلّي الفجر، فقف إن شئت قريباً من الجبل، وإن شئت حيث شئت. فإذا وقفت فاحمد الله عزّوجلّ وأثن عليه واذكر من آلائه وبلائه ما قدرت عليه، وصلّ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)... الحديث(1) وفي الجواهر: بل ربما ظهر منه المفروغية عن ذلك.

ويرد عليه منع المفروغية، بل غاية مفادها لزوم تحقق الإصباح في المشعر. ومن المعلوم انه لا يتوقف الإصباح على المبيت فيه ـ الذي هو مدعى صاحب الجواهر (قدس سره)ـ ضرورة أن الإصباح يتحقق بالكون فيه قبل الطلوع دقائق فقط ولا محيص عنه حتى على القول بعدم الوجوب. لأن العلم بتحقق الوقوف من اوّل طلوع الفجر لا يتحقق نوعاً إلا بالوقوف فيه قبله الدقائق، كما أن الوقوف في عرفات من أول الزوال بناء على اعتباره لا يتحقق العلم به، إلاَّ بالوقوف فيها قبل الزوال بالمقدار المذكور فالرواية اجنبية عن الدلالة على مرامه.

الرّابع: رواية عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمى الأبطح

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الحادي عشر، ح1.


(99)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أبطح، لأن آدم (عليه السلام) أمر أن يتبطح في بطحاء جمع، فتبطح حتى انفجر الصّبح، ثم أمر أن يصعد جبل جمع، وأمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه ففعل ذلك، فأرسل الله ناراً من السماء فقبضت قربان آدم.(1)

ويرد عليه أوّلا: ضعف سند الرواية بمحمد بن سنان الواقع في سند الرواية وبعبد الحميد، فلا مجال للاستدلال بها.

وثانياً: عدم انطباقها على المدّعى. لأنّ التبطّح المأمور به بالإضافة إلى آدم (عليه السلام)لايتوقف على المبيت، بل يتحقق بالمكث قبل الفجر ولو بقليل.

فانقدح من جميع ما ذكرنا إنه لم ينهض شيء مما استدل به صاحب الجواهر (قدس سره)لإثبات مدعاه الذي قواه ونسبه إلى ظاهر الأكثر. نعم حكي عن العلامة في التذكرة إنه إستدل للقول بعدم الوجوب مضافاً إلى الأصل صحيحة هشام بن سالم وغيره عن أبي عبدالله (عليه السلام) إنه قال: في التقدم من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس به، والتقدم من مزدلفة إلى منى يرمون الجمار ويصلون الفجر في منازلهم بمنى لا بأس.(2) نظراً إلى أن الظاهر كون وقوع صلاة الفجر في أوّل وقتها، وهو يستلزم الإفاضة من المشعر قبل الفجر بساعتين أو ساعات. فنفي البأس به ظاهر في عدم وجوب المبيت. وصحيحة مسمع عن أبي إبراهيم «عبدالله خ ل» (عليه السلام) في رجل وقف مع الناس بجمع، ثم أفاض قبل أن يفيض الناس، قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاه.(3) بناء على كون المراد من الشرطية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبوب الوقوف بالمشعر، الباب الحادي عشر، ح6.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع عشر، ح8.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثامن عشر، ح1.


(100)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الثانية صورة العلم والعمد على ما تقتضيه قرينة المقابلة مع الشرطية الأولى.

هذا ولكن الظاهر ان الرّواية الأولى تختص بالمعذور بقرينة الروايات الأخرى، والرواية الثانية على فرض كون المراد منها ذلك ـ كما فهمه المشهور ـ يكون الحكم فيها بثبوت دم شاة كاشفاً عن ثبوت الإثم وتحقق العصيان الموجب للكفارة نوعاً. لكن سيجيء التحقيق في معنى الرّواية إن شاء الله تعالى، كما أنه لا حاجة لإثبات عدم الوجوب إلى إقامة الدليل عليه، بل القائل بالوجوب لابدّ له من إقامته.

ثم إنه قال المحقق (قدس سره) في الشرايع في عدد واجبات الوقوف: وأن يكون الوقوف بعد طلوع الفجر. فلو أفاض قبله عامداً بعد أن كان به ليلا ـ ولو قليلا ـ لم يبطل حجّه، إن كان وقف بعرفات وجبره بشاة، وتجوز الإفاضة قبل الفجر للمرأة ومن يخاف على نفسه من غير جبران، ولو أفاض ناسياً لم يكن عليه شيء.

والبحث معه في أمرين:

الأمر الأوّل: صحة التفريع الذي تفيده كلمة «الفاء» وعدمها. ووجّهه صاحب الجواهر (قدس سره) بأن المراد من الجبر بيان الإثم المترتب على ترك الواجب المزبور.

ويرد عليه مضافاً إلى أنّ التفريع بلحاظ المدلول الإلتزامي الذي يدل عليه كلمة الجبر في غير المحل، إن الظاهر كون الجملة التفريعية مسوقة لإفادة عدم بطلان الحج ـ كما وقع التصريح به فيها ـ ومن الواضح انّ تفريع عدم البطلان بترك الواجب على بيان الواجب لايخلو من التهافت. فإنّ مايناسب أن يفرّع على بيان الواجب، هو البطلان بتركه، لاعدم البطلان بسبب الترك. نعم تجوز اضافة الحكم بالعدم عليه، لكن الإضافة غيرالتفريع. ومما ذكرنا ظهر انّه لاوجه للتفريع المذكور في كلام


(101)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

المحقق(قدس سره).

الأمر الثاني: صحة الفرع الذي ذكره وعدمها. والمنشأ له صحيحة مسمع المتقدمة آنفاً، بناء على كون المراد من الجملة الشرطية الثانية بيان حكم العالم في مقابل الجاهل الواقع في الشرطية الأولى. وعلى هذا التفسير تدل الصحيحة على أن الرّكن من الوقوف بالمشعر الذي يوجب الإحلال به عمداً البطلان، أعم ما بين الطلوعين، فيكون الركن مسمى الوقوف بالمشعر من الليل إلى طلوع الشمس. وعليه فلو أفاض قبل الفجر عامداً بعد أن وقف به ليلا ـ ولو كان قليلا ـ لا يتحقق ترك الركن بوجه; لأن مقتضى لزوم الجبر بالشاة عدم البطلان. ولكنه ذكر صاحب الحدائق (قدس سره) ان معنى الرواية أمر آخر غير ما ذكر. قال: إن الرواية غير ناظرة إلى حكم العامد، وإنما نظرها إلى حكم الجاهل من حيث الإفاضة قبل الفجر وبعده. فموضوع السؤال في الرّواية إنه وقف مع الناس الوقوف المتعارف. وهو الوقوف من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، خصوصاً ان قوله: «وقف مع الناس» ظاهر جدّاً في أنه وقف معهم في هذا الوقت. فإن الناس يقفون ويجمعون في هذا الوقت. ولكن أفاض قبل أن يفيض الناس. أي: قبل طلوع الشمس. فقال: لا شيء عليه، ثم إنّ الإمام (عليه السلام) تدارك وذكر انه إنما لا شيء عليه إذا أفاض بعد الفجر وإن لم يصبر إلى طلوع الشمس. ولكن لو أفاض الجاهل قبل الفجر، فعليه دم شاة. فالرواية في الحكمين ناظرة إلى حكم الجاهل. وأمّا العالم العامد فالرواية ساكتة عنه، ولا دليل عليه بخصوصه. فإذاً تشمله الروايات الدالة على أن من لم يدرك المشعر مع الناس، فقد فاته الحج. ولا أقلّ من إجمال رواية مسمع، فالمرجع أيضاً تلك العمومات الدالة


(102)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

على بطلان الحج بترك الوقوف في المشعر، فحاصل المعنى من الروايه بعد فرض االإفاضة في كلام السائل بعد الفجر وقبل طلوع الشمس هكذا: إن كان جاهلا فلا شيء عليه في إفاضته في ذلك الوقت، وإن كانت إفاضته قبل طلوع الفجر، فعليه شاة.

والإنصاف إن ما أفاده في معنى الرواية مما تقتضيه الدقة فيه. وقد أيّده بعض الأعلام (قدس سره) بصحيحة علىّ بن رئاب، ان الصّادق (عليه السلام) قال: من أفاض مع الناس من عرفات فلم يلبث معهم بجمع ومضى إلى منى متعمّداً أو مستخفّاً فعليه بدنة.(1) نظراً إلى أن وجوب البدنة على المتعمد يكشف عن أنّ وجوب الشاة عليه ـ كما في رواية مسمع في مورد الجاهل ـ وإلاّ فكيف يحكم في مورد واحد تارة بأنه عليه شاة، وأخرى بأنّه عليه بدنة.

هذا ولا يخفى جريان المناقشة في التأييد. وإن كان أصل ما أفاده صاحب الحدائق حقّاً. فإنه لو قلنا بأن الشرطية الثانية في رواية مسمع واردة في مورد العالم المتعمد ـ كما فهمه الأكثر ومنهم المحقق في الشرايع على ما عرفت في عبارته المتقدمة وصاحب الجواهر في الشرح ـ يكون موردها مختلفاً مع مورد هذه الرواية. ولا يستلزم الحكم في مورد واحد تارة بثبوت الشاة وأخرى بثبوت البدنة، ضرورة أنّ مورد رواية مسمع من وقف بالمشعر وأحدث الوقوف فيه مع النية وسائر الشرائط المعتبرة فيها. غاية الأمر إنه أفاض قبل طلوع الفجر مع انه لم يكن له الإفاضة حينئذ وأمّا مورد هذه الرواية فهو «من ترك الوقوف بالمشعر رأساً» لأن التعبير الوارد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب السادس والعشرون، ح1.


(103)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فيها «انه لم يلبث بعد الإفاضة من عرفات بالمشعر أصلا بل مضى إلى منى» ومن المعلوم انّ مجرد الكون في المشعر مقداراً من الزمان في حال السير والحركة لا يكفي في الووف الذي تعتبر فيه النيّة وغيرها. وعليه فمورد هذه الرواية هو ترك الوقوف بالمشعر رأساً مع العلم والعمد. ومن الواضح انه يوجب بطلان الحج في هذا الحال، بعد كون الوقوف بالمشعر ركناً ـ كالوقوف بعرفه ـ.

وبالجملة ظاهر رواية مسمع ثبوت كفارة الشاة مع عدم بطلان الحج. وأمّا هذه الرواية فالحكم بثبوت كفارة البدنة إنّما هو لأجل البطلان. فيكون الموردان مختلفين ولأجل ما ذكرنا ترى أن صاحب الوسائل ذكر في عنوان الباب الذي لم يورد فيه إلاّ هذه الرواية باب ان من ترك الوقوف بالمشعر عمداً بطل حجّه ولزمه بدنة فالتأييد في غير محلّه.

الجهة الثانية: في أن الوقوف الواجب بين الطلوعين يجب أن يكون شروعه من حين طلوع الفجر ومنتهاه طلوع الشمس. فيجب الإستيعاب بالإضافة إلى أجزاء هذا الزمان ـ كما هو المشهور ـ أم لا يجب الإستيعاب ـ كما يظهر من جماعة منهم صاحب الجواهر (قدس سره) ـ وقد استدل لعدم الوجوب من طلوع الفجر، بقوله (عليه السلام) في صدر رواية معاوية بن عمار المتقدمة: إصبح على طهر بعدما تصلّى الفجر، قف إن شئت قريباً من الجبل وإن شئت حيث شئت، فإذا وقفت فاحمد الله واثن عليه...(1) نظراً إلى ظهوره في عدم وجوب النيّة عند طلوع الفجر.

والظاهر ابتنائه على كون الظرف في قوله بعدما تصلّى الفجر متعلّقاً بالإصباح.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب الحادي عشر ح1.


(104)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وعليه فالوقوف واقع عقيب الإصباح المتأخر عن طلوع الفجر، فيكون الوقوف متأخراً عن الطلوع مع أنّ الظاهر إن الإصباح الذي يكون معناه هو الدخول في الصبح والورود فيه لا يلتئم مع البعدية عن صلاة الفجر، وان كانت واقعة في أوّل وقتها ـ كما هو المتعارف خصوصاً في المشاعر والمواضع المعدة للعبادة ـ فإنّ الإصباح قد تحقق قبلها لا محالة. فاللازم أن يقال بتعلق الظرف بالطهر ومرجعه إلى إدامة الكون على حالة الطهارة بعد صلاة الفجر المقارنة مع هذه الحالة لا محالة. وعليه فالوقوف واقع عقيب الإصباح المتحقق بطلوع الفجر. فالإستدلال في غير المحلّ.

كما انه قد استدل لعدم الوجوب في ناحية المنتهى، وهو طلوع الشمس بعدّة من الروايات:

منها: ذيل الصحيحة المتقدمة المشتملة على قوله (عليه السلام) ثم أفض حيث يشرق لك بثير وترى الإبل مواضع اخفافها.(1) وقد رواه في الوسائل بالفاء بقوله «حيث يشرف» مع ان الظاهر كونه بالقاف لشهرة هذا التعبير، مع كونه في المصدر أيضاً كذلك. قال في الجواهر: «إن الأمر بالإضافة حين يشرق له بثير وحين ترى الإبل مواضع اخفافها» أعم من ذلك ـ أي من طلوع الشمس ـ والظاهر إرادة الأسفار من الإشراف فيه بقرينة قوله: «وترى الإبل» إلى أخره الذي لا يعبر به عن بعد طلوع الشمس. ومنه يعلم رجحان ما قلنا على صوره العكس.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب الحادي عشر ح1.


(105)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ويرد عليه أوّلا:

ان قوله «يشرق لك بثير» الذي معناه الحقيقي هو إشراق بثير الذي هو جبل بمكة. والظاهر ان خصوصيته إنما هي بلحاظ كونه أوّل جبل يطلع الشمس عليه من ناحية المشرق له معنى كنائي وهو طلوع الشمس. ومن الواضح إن الإستعمالات الكنائية يكون المقصود الأصلي ماهو الملزوم، لا المعنى الحقيقي الذي هو لازم لذلك المعنى. والملاك في الصدق والكذب فيها هي مطابقة المقصود الأصلى للواقع وعدم مطابقته لا مطابقة المدلول المطابقي ومخالفته. فقوله: زيد كثير الرماد يكون الملاك في صدقه وكذبه هو كونه ذا جود وسخاء وعدم كونه كذلك، لا كونه كثير الرّماد واقعاً وعدمه.

والدليل على كون المعنى الكنائي في المقام هو طلوع الشمس، مضافاً إلى دلالة اللغة عليه تفسيره بذلك في بعض الروايات المعتبرة. ففي رواية معاوية بن عمار ـ التي يحتمل قويّاً أن تكون هي الرواية المتقدمة، غاية الأمر إشتمالها على اضافة في الذيل ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ قال «ثم أفض حيث يشرق لك بثير وترى الإبل مواضع اخفافها» قال ابو عبدالله (عليه السلام) كان أهل الجاهلية يقولون أشرق بثير يعنون الشمس كما يغير (نغير) وإنّما أفاض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خلاف أهل الجاهلية كانوا يفيضون بإيجاف الحيل وإيضاح الإبل، فأفاض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خلاف ذلك بالسكينة والوقار والدعة، فأفض بذكر الله والإستغفار وحرّك به لسانك.(1)

والعجب انّ صاحب الوسائل نقل قوله: حيث يشرق أيضاً بالفاء مكان القاف، ولم ينقل قوله: يعنون الشمس مع وجوده في المصدر الذي هو التهذيب على ما

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب الخامس عشر ح5.


(106)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

راجعت. وعليه فالرواية دالة على التفسير بطلوع الشمس. وأمّا قوله: «كيما نغير» ففي محكي النهاية: «أشرق بثير كيما نغير» أي نذهب سريعاً. يقال: أغار إذا أسرع في العدو. وقيل: أراد نغير على لحوم الأضاحي من الإغارة والنهب. وفي القاموس: غار أسرع ومنه أشرق بثير كيما نغير، أي: نسرع إلى النحر. وأمّا قوله: إيضاع الإبل ففي الصحاح: وضع البعير أو غيره. أي: أسرع في سيره. وعليه فلا يبقى مجال لتفسيره بالأسفار ـ كما في الجواهر ـ.

ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا تجاوز وادي محسّر حتى تطلع الشمس.(1) بناء على كون المراد من التجاوز المنهي عنه هو العبور والمجاوزة المتحققة بالعبور عن جميع أجزاء الوادي. ومن الواضح ان وادي محسّر من حدود المشع الخارجة عنه، وهو الواقع بين المشعر ومنى. ولا يكون جزء من شيء منهما. فتدل الرواية على جواز الخروج من المشعر قبل طلوع الشمس بشرط عدم التجاوز عن الوادي المذكور.

هذا ولكن الظّاهر أن المراد من التجاوز المنهي عنه هو الدخول. ومعناه النهي عن الدخول في الوادي الملازم للخروج عن المشعر قبل الطلوع، كما أن المراد من التجاوز المنهي عنه في ليلة المزدلفة بالإضافة إلى الحياض الذي أو أيضاً من حدود المشعر، قد عرفت انّه الدخول فيه، لا العبور عنها. ويؤيده بل يدل عليه إنه لو كان المراد منه ذلك لكان المناسب التعبير بالدخول في منى، لأن التجاوز عن وادي محسّر يلازم الدخول والورود فيها. فالتعبير بالتجاوز دونه قرينة على كون المراد منه هو

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الخامس عشر، ح2.


(107)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الدخول. والعجب من صاحب الجواهر (قدس سره) حيث جعل الصحيحة دالة على مرامه، وان جعل التجاوز المنهي عنه بمعنى الدخول، نظراً إلى أنه أعم من لاأسفار المتحقق قبل طلوع الشمس مع أنه على هذا التقدير لا يبقى للأسفار موقع أصلا.

ومنها: مرسلة ابن مهزيار عمّن حدثه عن حماد بن عثمان عن جميل بن دراج عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: ينبغي للإمام أن يقف بجمع حتى تطلع الشمس، وسائر النّاس إن شاؤوا عجّلوا، وإن شاؤوا أخّروا.(1) والمراد بالإمام هو أمير الحاج. والرواية ظاهرة في جواز تعجيل سائر الناس عنه، ولازمه الخروج عن الموقف قبل طلوع الشمس.

ولكن الرواية مضافاً إلى كونها غير معتبرة بسبب الإرسال، فلا ينبغي الإتكال عيها تجري المناشقة في دلالتها أيضاً، نظراً إلى أن المناسبة تقتضى أن يكون المراد بوقوف الإمام بالمشعر هو الوقوف في خصوص الموضع الذي اختاره للوقوف من المشعر وكان الناس يرجعون إليه في مقاصدهم ومشاكلهم، لا الوقوف الشامل للخروج عن ذلك الموضع والحركة عنه بطرف منى، وإن كان محل سيره وحركته هو المشعر بعد. وعليه فالمراد من تعجيل الناس هو تعجيلهم في الحركة عن الموضع الذي قد اختاروه للوقوف بجمع أثاثهم ولوازمهم. ومن الواضح ان الحركة عنه لا تستلزم الورود في وادي محسّر، بل يحتاج إلى زمان معتد به وحركة معتد بها. فلا دلالة للرواية على مرام صاحب الجواهر (قدس سره).

ومنها: موثقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) أيّ ساعة أحبّ إليك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الخامس عشر، ح4.


(108)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أن أفيض من جمع؟ قال: قبل أن تطلع الشمس بقليل، فهو أحبّ السّاعات إليّ، قلت: فإن مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال: لا بأس.(1)

والجواب عن الاستدلال بها هو الجواب عن الرواية السابقة، بالإضافة إلى الدلالة ويزيده وضوحاً في هذه الرواية السؤال الثاني الظاهر في وجود الشبهة للسائل من جهة أصل الجواز، فسئل عن جواز المكث حتى طلوع الشمس، مع انه لو كان امراد منها ما أفاده صاحب الجواهر ولازمه أن يكون المراد هو المكث في المشعر حتى طلوع الشمس لم يكن في البين مايوجب الشبهة والإرتياب. فإن جوازه يكون أمراً مسلّماً لا شبهة فيه. وقد احتاط رعايته صاحب الجواهر، فاللازم أن يقال بأن المراد به هو المكث في خصوص الموضع الذي اختار الوقوف فيه من المشعر. وحيث إنه (عليه السلام)حكم بأن الساعة التي يجب الإفاضة فيها من المشعر، هو قبل طلوع الشمس بقليل توهم السائل ان التأخير عنها حتى تطلع، هل يكون جائزاً أم لا ؟ فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس. فالموثقة ظاهرة في خلاف ما عليه الجواهر، فتدبر.

الجهة الثالثة: فيما هو الركن من الوقوف بالمشعر. ففي المتن أن الرّكن هو المسمّى من الوقوف بين الطلوعين. وعليه فالإخلال به عمداً يوجب بطلان الحج، كما صرّح به ابن إدريس وقال العلامة في المختلف، ان قول الشيخ في الخلاف يوهم ذلك. فإنه قال: فإن دفع قبل طلوع الفجر مع الإختيار لم يجزئه. وفي الجواهر: انه ربما كان هذا ظاهر عبارة الدروس بناء على إرادة عدم الدخول في وادي محسّر، من قوله فيها:

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الخامس عشر، ح1.


(109)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ولما يتجاوز، وتبعه الكركي وثاني الشهيدين.

أقول: لابد في هذه الجهة من ملاحظة أمرين:

الأوّل: عدم سعة دائرة الركن بالإضافة إلى الوقوف قبل طلوع الفجر. وحيث إن المختار عندنا عدم وجوب الوقوف قبله. فيظهر عدم سعة دائرته بالنسبة إليه، لأنّه بعد عدم اتصافه بالوجوب لا مجال للإتصاف بالركنيّة أصلا، لأن الركنيّة إنّما هي في المرتبة المتأخرة عن الوجوب، لأنه لا يجتمع الإستحباب مع الركنيّة بوجه.

الثاني: إن الركن الذي تكون دائرته محدودة بما بين الطلوعين يكون مجرد المسمّى لا المجموع. ويدل عليه مضافاً إلى اتفاق الأصحاب على أن الركن هو المسمى ـ سواء قيل بسعة دائرته بالإضافة إلى قبل طلوع الفجر، أم لم يقل بذلك ـ الرّوايات الكثيرة التي يستفاد منها ذلك، مثل:

صحيحة محمد بن فضيل، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عند الحدّ الذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج، فقال: إذا أتى جميعاً والناس في المشعر قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الحج ولا عمرة له; وإن لم يأت جمعاً حتى تطلع الشمس، فهي عمرة مفردة ولا حجّ له، فان شاء اقام بمكّة وان شاء رجع، وعليه الحج من قابل.(1)

وصحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك المشعر الحرام وعليه خمسة من الناس فقد أدرك الحج.(2)

ورواية إسحق بن عبدالله، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكّة مفرداً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح3.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح10.


(110)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

للحج فخشي أن يفوته الموقف، فقال: له يومه إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حجّ، فقلت له: كيف يصنع بإحرامه؟ قال: يأتي مكّة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد؟ قال: إن شاء أقام بمكة وإن شاء رجع إلى الناس بمنى وليس منهم في شيء، وإن شاء رجع إلى أهله وعليه الحج من قابل.(1)

وصحيحة عبيدالله وعمران ابنى عليّ الحلبيين عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا فاتتك المزدلة فد فاتك الحج.(2) بناء على كون المراد بفوت المزدلفة هو فوتها في جميع أجزاء بين الطلوعين لا في المجموع. والأوّل هو الظاهر. وغيرها من الروايات.

الجهة الرابعة: في لزوم تعدد النية وعدمه. فنقول: قال في محكي المسالك: ثم إن لم نقل بوجوبه (أي المبيت) فلا إشكال في وجوب النيّة للكون عند الفجر، وإن أوجبنا المبيت فقدم النيّة عنده، ففي وجوب تجديدها عند الفجر نظر، ويظهر من الدروس عدم الوجوب، وينبغي أن يكون موضع النزاع مالو كانت النيّة للكون به مطلقاً، أمّا لو نواه ليلا أو نوى المبيت ـ كما هو الشايع في كتب النيّات المعدة لذلك ـ فعدم الإجتزاء بها عن نيّة الوقوف نهاراً متّجه، لأن الكون ليلا والمبيت مطلقاً لا يتضمنان النّهار، فلابد من نيّة أخرى، والظاهر ان نيّة الكون به عند الوصول كافية عن النيّة نهاراً، لأنه فعل واحد إلى طلوع الشمس ـ كالوقوف بعرفة ـ وليس في النصوص ما يدل على خلاف ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح5.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح2.


(111)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

وأورد عليه في الجواهر بقوله: وهو محلّ النظر، إذ عدم الوجوب بخصوصه لا ينافي الإجتزاء به باعتبار كونه أحد أفراد الوقوف لو حصل، كما أن الوجوب بخصوصه لا يقتضي الإجتزاء بالنيّة الواحدة، مع فرض وجوب الكون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بخصوصه، على وجه يكون فعلا مستقلاًّ، كما هو الظاهر من نصّهم عليه بالخصوص.

أقول: الظاهر إنه على تقدير القول بوجوب الوقوف قبل طلوع الفجر أيضاً هو الإجتزاء بالنيّة الواحدة. لأنه من المستبعد أن يكون في الوقوف بالمشعر واجبان مستقلان. خصوصاً مع التسانخ والاتصال وعدم الانفصال.

وأمّا بناء على مافي المتن من كون الوقوف الواجب إنّما هو الوقوف بين الطلوعين وأن مقتضى الإحتياط الوجوبي هو الوقوف قبل طلوع الفجر بعد الوصول إلى المشعر. فالظاهر إنه لا مجال للإكتفاء بالنية الواحدة، لأنّ نيّة الواجب المحرز تغاير نية الواجب الإحتياطي، ولا يمكن الإجتزاء بالثانية في الواجب المحرز. وعليه فاللازم ـ كما في المتن ـ هو التعدّد.

بقي في المتن قوله: «وتستحب الافاضة...» ومنشأ الإستحباب ما تقدم من بعض الروايات الدالة على ذلك، وانّ أحبّ الساعة إليه (عليه السلام) ذلك. وقد مرّ أن المراد من عدم التجاوز عدم الدخول، كما انه على تقدير الدخول لا كفارة عليه.وإن حكي عن بعض المشايخ ذلك، لكنه لا دليل عليه إلاّ الفقه الرضوي الذي لا اعتبار به، ولا مجال للقياس على الإفاضة من عرفات قبل غروب الشمس، لبطلان القياس.


(112)

 

في جواز الإفاضة في الليل للضعفاء

مسألة 1 ـ يجوز الإفاضة من المشعر ليلة العيد، بعد وقوف مقدار منها للضّعفاء ـ كالنّساء والأطفال والشيوخ ـ ومن له عذر ـ كالخوف والمرض ـ ولمن ينفر بهم ويراقبهم ويمرضهم، والأحوط الذي لا يترك أن لا ينفروا قبل نصف الليل. فلا يجب على هذه الطوائف الوقوف بين الطلوعين.[1]

 

[1] قال في مجمي المنتهى: يجوز للخائف والنساء ولغيرهم من أصحاب الأعذار ومن له ضرورة، الإفاضة قبل طلوع الفجر من المزدلفة. وهو قول كل من يحفظ عنه العلم.

وقال في المدارك عقيب قول المحقق «وتجوز الإفاضة للمرأة ومن يخاف على نفسه من غير جبران»: هو مجمع عليه بين الأصحاب. والمنشأ وجود روايات متعددة في هذا الباب، مثل:

صحيحة معاوية بن عمار المفصلة المشتملة على بيان حجّ النبيّ في حجة الوداع المتضمّنة لقوله (عليه السلام): ثم أفاض وأمر الناس بالدّعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام، فصلّى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثم أقام فصلّى فيها الفجر وعجّل ضعفاء بني هاشم باللّيل. الحديث.(1)

وصحيحة سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) جعلت فداك، معنا نساء فأفيض بهنّ بليل؟ فقال: نعم ما تريد أن تصنع، كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قلت: نعم، قال: أفض بهنّ بليل، ولا تفض بهنّ حتى تقف بهنّ بجمع، ثم أفض بهنّ حتى

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب اقسام الحج، الباب الثاني، ح2.


(113)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

تأتي الجمرة العظمى فترمين الجمرة، فإن لم يكن عليهن ذبح، فليأخذن من شعورهن ويقصرن من أظفارهن ويمضين إلى مكّة في وجوههنّ، ويطفن بالبيت ويسعين بين الصفا والمروة، ثم يرجعن إلى البيت ويطفن أسبوعاً، ثم يرجعن إلى منى وقد فرغن من حجّهن; وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل معهنّ أسامة.(1)

وصحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: رخّص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للنساء والصّبيان أن يفيضوا بليل، وأن يرموا الجماد بليل، وأن يصلّوا الغداة في منازلهم، فإن خفض الحيض مضين إلى مكّة ووكّلن من يضحي عنهنّ.(2)

وصحيحة الأخرى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس بأن يقدم النّساء إذا زا الليل فيفضن عند المشعر الحرام في ساعة، ثم ينطلق بهنّ إلى منى فيرمين الجمرة، ثم يصبرن ساعة، ثم يقصرن وينطلقن إلى مكّة فيطفن، إلاّ أن يكن يردن أن يذبح عنهنّ فإنهنّ يوكلن من يذبح عنهنّ.(3) والظاهر ان المراد من زوال الليل هو انتصافه، لا زواله بمعنى ارتفاعه ودخوله الفجر. فإنه كان المناسب حينئذ التعبير بطلوع الفجر، لا زوال الليل.

ومرسلة جميل بن درّاج عن بعض أصحابنا عن أحدهما(عليهما السلام) قال: لا بأس أن يفيض الرجل بليل إذا كان خائفاً.(4)

ورواية علي بن عطيّة، قال: أفضنا من المزدلفة بليل أنا وهشام بن عبد الملك

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع عشر، ح2.

(2)

(3) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع عشر، ح7.

(4) وسائل: ابواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع عشر، ح1.


(114)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الكوفي، فكان هشام خائفاً فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع الفجر، فقال لي هشام: أيّ شيء أحدثنا في حجّنا؟ فنحن كذلك إذ لقينا موسى قد رمى الجمار وانصرف، فطبت نفس هشام.(1)

إذا عرفت ذلك، فالكلام يقع في أمور:

الأمر الأول: لا إشكال في دلالة كثير من الروايات المتقدمة على جواز التعجيل بالنساء للإفاضة من المشعر في الليل وقبل طلوع الفجر وكذا الشيوخ والصبيان، وقد وقع التصريح في إحدى روايتي أبي بصير.

وأمّا الشيوخ فهم داخلون في الضعفاء الذي يستفاد جواز تعجيلهم من صحيحة معاوية بن عمّار، وكذا يستفاد الجواز لمن ينفر بهم من صحيحة سعيد الأعرج الدالة على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسل مع النساء أسامة.

وأمّا الخائف فيدل على جواز تعجيله المرسلة والرواية الأخيرة وإن كان فيهما ضعف من حيث السند، فهو منجبر بفتوى المشهور، على ما يستفاد من تعبير المنتهى والمدارك، على ما مرّ في اوّل البحث.

وأمّا المريض فيدل على جواز تعجيله مضافاً إلى إمكان دعوى انطباق عنوان الضعيف عليه لحاجته إلى غيره نوعاً استفادة المناط من الجواز في مثل النساء والخائف، فإن العرف يستفيد من العنوانين ثبوت العذر، سواء كان أصلياً ـ كما في الاوّل ـ أو عارضيّاً ـ كما في الثاني ـ المرض من هذه القبيل خصوصاً مع ملاحظة عطف جميع أصحاب الأعذار ومن له ضرورة على الخائف والنساء في عبارة

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: ابواب رمى جمرة العقبة، الباب الرابع عشر، ح3.


(115)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

المنتهى المتقدّمة. مع أنّ الظاهر إن تعجيل أبي الحسن (عليه السلام) على مافي رواية ابن عطية
كان لأجل مرضه، لأنه بدونه لاوجه له.

وأمّا الناسي فيدل على جواز افاضته حديث رفع الخطأ والنسيان. كما أنه لا كفارة عليه.

وأمّا الجاهل فبناءً على التفسير المتقدم عن صاحب الحدائق الذي اخترناه في رواية مسمع المتقدمة المشتمل ذيلها على قوله: «وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» يكون مفادها ثبوت الكفارة على الجاهل الذي أفاض قبل طلوع الفجر. وثبوت الكفارة يكشف عن ثبوت الحرمة وتحقق الإثم ـ كما اعترف به صاحب الجواهر ـ وعليه فلا يجوز للجاهل الإفاضة المذكورة للرّواية.

الأمر الثاني: إن ظاهر المتن أن مقتضى الإحتياط الوجوبي أن لا ينفروا قبل نصف الليل. ويظهر من الجواهر كون الإحتياط المذكور استحبابيّاً، حيث قال: وينبغي للمعذورين أن لا يفيضوا إلاّ بعد انتصاف الليل.

ولم يظهر لي وجه لهذا الإحتياط، إلاّ قوله (عليه السلام) في إحدى روايتي أبي بصير: إذا زال الليل بناء على كون المراد من زواله هو انتصافه لا زواله وارتفاعه.

الأمر الثالث: إن الظاهر هو الإختلاف بين الطوائف المذكورة من جهة أنه لا يجب على النساء والشيوخ العود إلى المشعر لإدراك الوقوف بين الطلوعين، وإن كانا قادرين على ذلك، بخلاف غيرهما من الخائف والمريض ومن ينفر بالنساء ويمرض المريض، فإنه بعد جواز الإفاضة لهم يكون الجواز باقياً ما دام كان العنوان باقياً. وأمّا إذا ارتفع الخوف والمرض بعد الإفاضة وأمكن العود إلى المشعر للوقوف


(116)

 

من خرج قبل طلوع الفجر متعمداً

مسألة 2 ـ من خرج قبل طلوع الفجر بلا عذر ومتعمّداً ولم يرجع إلى طلوع الشمس فإن لم يفته الوقوف بعرفات ووقف بالمشعر ليلة العيد إلى طلوع الفجر، صحّ حجّه على المشهور وعليه شاة. لكن الأحوط خلافه، فوجب عليه بعد إتمامه الحجّ من قابل، على الأحوط.[1]

مسألة 3 ـ من لم يدرك الوقوف بين الطلوعين والوقوف باللّيل لعذر وأدرك الوقوف بعرفات، فإن أدرك مقداراً من طلوع الفجر من يوم العيد إلى الزّوال ووقف بالمشعر ولو قليلا، صحّ حجّه.[2]

 

المذكور فالظاهر هو الوجوب، خصوصاً بعد كون الواجب محدوداً ببين الطلوعين وكون الركن مسمّى هذا الواجب. وجواز الإفاضة لا يستلزم جواز عدم العود بعد زوال العنوان وإمكانه. ومنه يظهر الحال بالإضافة إلى من ينفر بهم، وكذا بالإضافة إلى الجاهل والناسي بعد زوال الجهل والنسيان بطريق أولى، فتدبر.

[1] قد مرّ البحث في هذه المسألة في أوال بحث الوقوف بالمشعر. وتقدم أن المستند في ذلك هي رواية مسمع المتقدمة(1) على مافهم منها المشهور. ومرّ أيضاً أن مقتضى التحقيق في مفاد الرواية ما استفاد منها صاحب الحدائق، وعليه لا دلالة لها على صحة الحج في مفروض المسألة، بل مقتضى ما تقدم من أن الركن في باب الوقوف المشعر هو المسمى ممّا بين الطلوعين هو البطلان، للإخلال به متعمّداً، فيجب عليه بعد الإتمام، الحج من قابل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثامن عشر، ح1.


(117)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

والذي ينبغي البحث عنه هنا، انه لو سلم دلالة الرواية على مرام المشهور فما الوجه في تقييد الحكم بعدم فوت الوقوف بعرفات ـ كما في المتن ـ تبعاً للمحقق في الشرايع مع أنه لا يوجد هذا التقييد في الرّواية أصلا؟

والظاهر ان الوجه في عدم تقييد الحكم به في الرواية ان الصحة التي دلت عليه الرواية على هذا التقدير هو حكم حيثى، وبالإضافة إلى خصوصية الوقوف بالمشعر ولا يكون حكماً مطلقاً حتى يكون مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين صورة إدراك الوقوف بعرفات وصوت الفوت ـ كما في جميع الموارد التي يحكم فيها بالصحة في الأعمال المركّبة ـ فإن الظاهر ثبوت الفرق فيها بين الحكم بالصحة والحكم بالبطلان. فإنّ الأوّل إضافي والثاني مطلق. وعليه فلابد في الحكم بالصحة المطلقة من فرض عدم فوت الوقوف بعرفة، فتدبر.

[2] من لم يدرك الوقوف بالمشعر أصلا لا في الليل ولا فيما بين الطلوعين وكان السبب في عدم الإدراك هو العذر، كما إذا أفاض منه عرفات بعد غروب الشمس ولم يصل إلى المشعر لأجل الإنحراف عن طريقه أو كثرة الزحام والوسائل النقلية وعدم إمكان المشي بدونها. فالظاهر إن وقت الوقوف بالمشعر يمتدّ بالإضافة إليه إلى زوال الشمس. وحكى إبن إدريس عن السيّد: الإمتداد إلى الغروب، لكن في مجمي المختلف أنكره أشدّ الإنكار. وقد ادعى صاحب الجواهر الاجماع بقسميه على الأوّل.

ومنشأه روايات متعددة واردة في هذه المجال، مثل:

صحيحة جميل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك المشعر الحرام يوم النّحر من قبل زوال الشمس فقد أدرك الحجّ.(1)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح9.


(118)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ورواية عبدالله بن المغيرة، قال: جائنا رجل بمنى، فقال: إنّي لم أدرك الناس بالموقفين جميعاً ـ إلى أن قال ـ فدخل إسحاق بن عمّار على أبي الحسن (عليه السلام) فسأله عن ذلك، فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر، فقد أدرك الحج.(1)

ورواية يونس ان عبدالله بن مسكان لم يسمع من أبي عبدالله (عليه السلام) إلاّ حديث «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» قال: وكان أصحابنا يقولون من أدرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج. فحدثني محمد بن عمير وأحسبه رواه: إن من أدركه قبل الزوال من يوم النحر فقد أدرك الحجّ.(2)

ورواية الحسن العطّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر، فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد أفاضوا، فليقف قليلا بالمشعر الحرام وليلحق الناس بمنى، ولا شيء عليه.(3)

وغير ذلك من الروايات الدالة عليه.

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح6.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح13.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الرابع والعشرون، ح1.


(119)

 

في أقسام إدراك الوقوفين

مسألة 4 ـ قد ظهر ممّا مرّ انّ لوقوف المشعر ثلاثة أوقات: وقتاً إحتياريّاً وهو بين الطلوعين، ووقتين اضطراريين: أحدهما ليلة العيد لمن له عذر، والثاني من طلوع الشمس من يوم العيد إلى الزوال كذلك. وانّ لوقوف عرفات وقتاً إختياريّاً هو من زوال يوم عرفة إلى الغروب الشرعي، اضطرارياً هو ليلة العيد للمعذور. فحينئذ بملاحظة إراك أحد الموقفين أو كليهما إختيارياً أو اضطرارياً، فرداً وتركيباً، عمداً أو جهلا أو نسياناً أقسام كثيرة. نذكر ماهو مورد الإبتلاء:

الاوّل: إدراك إختياريهما. فلا إشكال في صحة حجّه من هذه الناحية.

الثاني: عدم إدراك الإختياري والإضطرارى منهما، فلا إشكال في بطلانه عمداً كان أو جهلا أو نسياناً، فيجب عليه الإتيان بعمرة مفردة مع إحرامه الذي للحج ، والأوى قصد العدول إليها، والأحوط لمن كان معه الهدي أن يذبحه، ولو كان عدم الإدراك من غير تقصير لا يجب عليه الحج إلاّ مع حصول شرائط الإستطاعة في القابل، وإن كان عن تقصير يستقر عليه الحج ويجب من قابل، ولو لم يحصل شرائطها.[1]

 

[1] أشار في المتن إلى أنّ منشأ الأقسام الكثيرة تعدّد الموقف وثبوت الإختياري والإضطراري لكل منهما، بل ثبوت اضطراريين للثاني من جهة وكون الإدراك فرداً وممتزجاً تركيبيّاً من جهة ثانية. وكون المنشأ لعدم الإدراك، التعمد أو الجهل أو


(120)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

النسيان من جهة الثالثة، فاللازم التعرض لما وقع التعرض له في المتن مما هو مورد الإبتلاء; فنقول:

أمّا القسم الأوّل: وهو فرض إدراك الإختياري من الوقوفين، فلا إشكال في صحة الحج فيه من هذه الجهة; وإن كان يمكن عروض البطلان له من ناحية ـ مثل الجماع على ما مرّ تفصيله ـ.

وأمّا القسم الثاني: الذي يكون مقابلا للقسم الأوّل وهو ما إذا لم يتحقق إدراك شيء من الوقوفين لا الإختياري ولا الإضطراري. فالكلام فيه يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في بطلان الحجّ والذي يحتاج إلى إقامة الدليل صورة عدم التعمد، لأنّ مقتضى الركنية البطلان مع الإخلال بواحد منهما عمداً، فضلا عن كليهما. والدليل عليه الروايات الكثيرة الدالة عليه، مثل:

صحيحة الحلبي: قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات، فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلة فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتم حجّه حتى يأتي عرفات، وإن قدم رجل وقد فاتته عرفات، فليقف بالمشعر الحرام; فانّ الله تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل.(1)

فإنّ قوله (عليه السلام) في الذيل: «فإن لم يدرك المشعر الحرام» إن كان المراد منه هو عدم

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، باب الثاني والعشرون، ح2.


(121)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

إدراكه بكلا وقتيه الإختياري والإضطراري ـ أي: النهاري الذي يكون شروعه من طلوع الشمس ومنتهاه الزوال ـ فيدلّ على البطلان بالمطابقة في المقام وهو عدم الإدراك لعذر. وإن كان المراد منه هو عدم إدراكه بوقته الإختياري الذي وقع التعرض له قبله، فدلالته على البطلان في المقام إنما هي بالأولوية ـ كما لا يخفى ـ وعلى أيّ تدل الرواية على البطلان مع عدم الإدراك لعذر.

وصحيحة عبيدالله وعمران ابني عليّ الحلبيّين عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا فاتك المزدلفة، فقد فاتك الحج.(1) والرواية الة بالمنطوق على أن فوت المزدلفة سبب لفوت الحج وعدم إمكان إدراكه. والقدر المتيقن من موردها هو المقام من جهة كون المفروض فيه فوت الوقوف بعرفات أيضاً، ومن جهة كون فوت المزدلفة شاملا لفوت أوقاته الثلاثة بأجمعها، ومن جهة كون الفوت لو لم يكن منحصراً بالفوت لعذر فلا أقل من شموله له وعدم الإختصاص بخصوص الترك عن عمد ـ كما لا يخفى ـ.

وصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك جمعاً فقد أدرك الحج. الحديث.(2) فإن المتفاهم العرفي منها انه مع عدم إدراك الجمع والمشعر الحرام لا يكاد يتحقق إدراك الحج بوجه.

وصحيحة ضريس بن أعين، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتّعاً بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكّة إلاّ يوم النحر، فقال: يقيم على إحرامه ويقطع التلبية

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، باب الخامس والعشرون، ح1.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، باب الخامس والعشرون، ح2.


(122)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

حتى يدخل مكة، فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق رأسه وينصرف إلى أهله إن شاء. وقال: هذا لمن اشترط على ربّه عند إحرامه، فإن لم يكن اشترط فإن عليه الحج من قابل.(1) قال في الوسائل بعد نقل الرواية عن الشيخ: ورواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب، إلاّ انه قال: يقيم بمكة على إحرامه ويقطع التلبية حين يدخل الحرم، فيطوف بالبيت ويسعى يحلق رأسه ويذبح شاته ـ إلى أن قال: ـ عند إحرامه ان يحلّه حيث حبسه. فإن لم يشترط. فإن عليه الحج والعمرة من قابل.

والظاهر بقرينة تعين الحلق، كون المراد من الأعمال التي يجب عليه الإتيان بها هي أعمال العمرة المفردة، مع أن عمرة التمتع لا تتخلف عن الحج.

وصحيحة حريز، قال: سئل ابو عبدالله (عليه السلام) عن مفرد الحج، فاته الموقفان جميعاً، فقال له إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإن طلعت الشمس يوم النحر، فليس له حجّ ويجعلها عمرة، وعليه الحجّ من قابل، قلت: كيف يصنع؟ قال: يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فإن شاء أقام بمكّة، وإن شاء أقام بمنى مع النّاس، وإن شاء ذهب حيث شاء ليس هو من الناس في شيء.(2)

وصحيحة جميل عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس، فقد أدرك الحجّ.(3) وغير ذلك من الروايات الدالة عليه. ومعها لا يبقى مجال للإشكال في البطلان، مع أنه لم ينقل الخلاف فيه عن أحد.

المقام الثاني: في أنه بعد طلان الحج فيما هو المفروض من فوت الموقفين مطلقاً،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح2 .

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع والعشرون، ح4.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح9.


(123)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

لاشبهة في لزوم الإتيان بالعمرة المفردة، سواء كان إحرامه الأول للحج او لعمرة التمتع ـ كما في مورد صحيحة ضريس المتقدمة ـ وذكر صاحب الجواهر (قدس سره) انّ انصوص في أعلى درجات الإستفاضة، إن لم تكن متواترة بمعنى القطع بما تضمّنه من وجوب العمرة حينئذ، بسبب نية العدول، أو يتحقق الإنقلاب إليها قهراً من دون توقف عى نيّة العدول؟ ظاهر الروايات الواردة في هذا المجال مختلف، فطائفة منها ظاهرة في النية وطائفة أخرى ظاهرة في الإنقلاب القهري.

أمّا الطائفة الأولى: فهي الروايات الدالة على أنه يجعلها عمرة مفردة، مثل:

ذيل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في المقام الأوّل، وهو قوله: وقال أبو عبدالله(عليه السلام) ايّما حاجّ سائق للهدي، أو مفرد الحج أو متمتع بالعمرة إلى الحج قدم وقد فاته الحج فليجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل.(1)

وصحيحة حريز المتقدمة آنفاً.(2) وصحيحة الحلبي المتقدمة في صدر المقام الأوّل أيضاً.(3)

وأمّا الطائفة الثانية: فهي ما تدل بظاهرها على الإنقلاب القهري وصيرورة الحج بعد بطلانه وفواته عمرة مفردة كذلك، مثل:

رواية محمد بن فضيل، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحدّ الذي إذا أدركه الرج أدرك الحج، فقال: إذا أتى جمعاً والناس في المشعر قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الحج ولا عمرة له، وإن لم يأت جمعاً حتى تطلع الشمس، فهي عمرة مفردة ولا حجّ

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح1.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح4.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح2.


(124)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

له، فإن شاء أقام مكّة وإن شاء رجع وعليه الحجّ من قابل.(1) وروى مثلها محمد بن سنان قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) وذكر نحوه.(2)

وصحيحة ضريس المتقدمة آنفاً.(3)

وصحيحة معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل جاء حاجّاً ففاته الحج ولم يكن طاف، قال: يقيم مع الناس حراماً أيّام التشريق ولا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصّفا والمروة وأحلّ وعليه الحج من قابل، يحرم من حيث أحرم.(4) وبعض الروايات الاُخر.

والظاهر إن دلالة هذه الطائفة على الإنقلاب القهري أظهر من دلالة الطائفة الأولى على اعتبار نيّة التبدّل والإنقلاب، فيجب حملها عليها بكون مفادها هو لزوم الإتيان بأعمال العمرة المفردة عن نيّة وإختيار وإن لم يكن الإنقلاب مفتقراً إلى النيّة والقصد، لكن الإحتياط رعاية النيّة ـ كما في المتن ـ تبعاً للجواهر.

بقي اكلام في هذا القسم في أمرين:

الأمر الاوّل: في لزوم الإتيان بالحج في العام القابل وعدمه. قال المحقق في الشرايع: من فاته الحج تحلّل بعمرة مفردة ثم يقضيه إن كان واجباً على الصفة الّتي وجب تمتعاً أو قراناً أو إفراداً. وقد فسّره صاحب الجواهر بأن المراد بالوجوب ما إذا كان وجوب الحج قد استقر عليه أو استمرّ إلى العام القابل، وعليه فمقتضى كلام

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح3.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح4.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح2.

(4) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح2.


(125)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

المحقق انه لا يجب عليه الإتيان بالحج في القابل، إذا كان الحج واجباً عليه في هذا العام أو مستحبّاً ولم تستمرّ الإستطاعة إلى العام القابل.

وعن الصدوق في الفقيه والشيخ في التهذيب: إنّ من اشترط في حال الإحرام يسقط عنه القضاء، ومع عدم الإشتراط يجب عليه الحج من قابل.

وعن ابني حمزة والبرّاج: إن فائدة الإشتراط جواز التحلّل، فيكون المراد حينئذ ان عليه البقاء على إحرامه إلى أن يأتى بالحج من قابل إن لم يشترط، ومع الإشتراط يجوز له التحلل.

وفي المتن التفصيل بين ما إذا كان عدم الإدراك من غير تقصير. فلا يجب عليه الحج، إلاّ مع حصول شرايط الإستطاعة في القابل; وإن كان عن تقصير يستقر عليه الحج ويجب من قابل، ولو لم يحصل شرائطها.

ثم إنّ مستند الصدوق والشيخ ظاهراً صحيحة ضريس المتقدمة المشتمل ذيلها على قوله (عليه السلام) بعد الحكم بلزوم الاتيان بأعمال العمرة المفردة بعد فوات الحج، وجواز الإنصراف إلى الأهل الظاهر في تمامية المسألة ودم لزوم الحج من قابل: «هذا لمن اشترط على ربّه عند إحرامه، فإن لم يكن إشترط، فإن عليه الحج من قابل».(1)وهي خالية عن المناقشة في السند والدلالة، بل لو كان في مقابلها ما يدل على لزوم الحج من قابل مطلقاً أو عدم لزومه كذلك، أو الطائفتان معاً، تصلح هذه الرواية للتقييد في الأوليين وشاهده للجميع بينهما في الصورة الثالثة.

ولكنه ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في مقام الجواب قوله: «ويشكل بعد الإعراض

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح2.


(126)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

عن الصحيح المزبور ومنافاته، لما هو المعلوم من غير نصّاً وفتوى بأنه إن كان مستحباً لم يجب القضاء، وإن لم يشترط، وكذا إن لم يستقرّ ولا استمر وجوبه، وإن كان واجباً وجوباً مستقرّاً أو مستمرّاً وجب. وإن اشترط. فالوجه حمله على شدة استحباب القضاء إذا لم يشترط وكان مندوباً أو غير مستقر الوجوب ولا مستمرّه».

قلت: مع ان تأثير الأمر الإستحبابي وهو الإشتراط وجوداً وعدماً في ثبوت تكليف إلزامي مثل الحج المشتمل على مشتقات كثيرة وعدمه في غاية الإستبعاد. فهذا القول غير قابل للقبول.

نعم يرد على تفصيل المحقق في الشرايع، انه لا مستند له ظاهراً سواء فسّرنا الوجوب في كلامه بما فسّره به صاحب الجواهر فيما تقدم، أم قلنا بأن المراد بالوجوب فيه أعم من المستقر والمستمرّ، بل هو شام للوجوب في هذا العام، بمعنى كون إحرامه بنيّة حجة الإسلام، وإن لم يستقر عليه سابقاً ولم يستمرّ لاحقاً.

كما ان تفصيل المتن لا شاهد له، بل شواهد من الروايات على خلافه. ففي صحيحة الحلبي المتقدمة، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات، فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلة فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتم حجّه حتى يأتي عرفات، وإن قدم رجل وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فإن الله تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل.(1)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثاني والعشرون، ح2.


(127)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فإنّ الرواية ظاهرة في مورد العذر في جميع الصور الثلاثة، ومع ذلك تدل على لزوم الحج من قابل ومقتضى إطلاقها أنه لا فرق في لزومه بين وجود الإستطاعة في العام القابل وعدمها فيه. كما أن مقتضى اطلاق السؤال فيها وترك الإستفصال في الجواب، انه لا فرق بين كون الحج الذي أحرم له وفاته الموقفان واجباً أو مستحبّاً، وفي صورة الوجوب بين كونه مستقراً أو حاصلا في عام الحج. وبهذه الرواية تجاب عن تفصيل المحقق بكلا تفسيريه.

ومثلها رواية محمد بن فضيل، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحدّ الذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج، فقال: إذا أتى جمعاً والناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج ولا عمرة له، وإن لم يأت جمعاً حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حج له، فإن شاء أقام بمكّة وإن شاء رجع، وعليه الحج من قابل.(1)

وصحيحة حريز، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مفرد للحج، فاته الموقفان جميعاً، فقال له إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حجّ ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل.(2)

وأظهر منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك جمعاً فقد أدرك الحج، قال: وقال أبو عبدالله (عليه السلام) أيّما حاجّ سائق للهدي أو مفرد للحج أو متمتع بالعمرة إلى الحج قدم وقد فاته الحج فليجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل.(3)

وصحيحة أخرى لمعاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل جاء حاجّاً

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث والعشرون، ح3.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث والعشرون، ح1.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح1.


(128)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ففاته الحجّ ولم يكن طاف، قال: يقيم مع الناس حراماً أيام التشريق ولا عمرة فيها فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ، وعليه الحجّ من قابل، يحرم من حيث أحرم.(1)

وفي هذه الروايات، مضافاً إلى ما استظهرنا منها من الإطلاق بالنسبة الى الحج الذي أحرم له، والتعبير بالفوت في أكثرها الذي يكون القدر المتيقن منه صورة الترك لعذر، نكتة أخرى. وهي انّ الظاهر منها بملاحظة عطف لزوم الحج من قابل على جعل الإحرام عمرة مفردة ثبوت الأوّل في جميع موارد ثبوت الثاني. فكما انه لا يختص التبديل بالعمرة المفردة بصورة وجوب الحج أو كون الترك عن تقصير، كذلك لا يختص لزوم الحج من قابل بإحدى الصورتين، بل يكون مورده جميع موارد التبديل.

نعم هنا رواية رواها داود بن كثير الرّقي، قال: كنت مع أبي عبدالله (عليه السلام) بمنى، إذ دخل عليه رجل، فقال: قدم اليوم قد فاتهم الحج، فقال: نسئل الله العافية، قال: أرى عليهم أن يهريق كل واحد منهم دم شاة ويحلّون «يحلق» وعليهم الحج من قابل إن اصرفوا إلى بلادهم، وإن أقاموا حتى تمضي أيام التشريق بمكّة، ثم خرجوا إلى بعض مواقيت أهل مكّة فأحرموا منه واعتمروا، فليس عليهم الحج من قابل.(2)

والرواية مخدوشة من حيث السند والدلالة معاً.

أمّا من جهة السند، فلوقوع الإختلاف في داود، حيث إنه ضعفه النجاشي وابن

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح3.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب السابع والعشرون، ح5.


(129)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الغضائري. ولكن يظهر من المفيد والعلاّمة قبول روايته ووثاقته.

وأمّا من جهة الدلالة، فلأنّ مفادها لزوم اراقة دم شاة في مورد فوت الحج، وهو موافق لمذهب الشافعي وأكثر العامّة، نعم قال في الدروس: أو جب علي بن بابويه وابنه على المتمتع بالعمرة يفوته الموقفان، العمرة ودم شاة ولاشيء على المفرد سوى العمرة، وقال صاحب الجواهر: لا ريب في ضعفه وإن كان أحوط.

ولانّ مفادها جواز الإحلال بل وجوبه بمجرد فوت الموقفين، وهو مخالف لجميع الروايات المتقدمة والفتاوى، كما انّه لو كان الصادر «يحلق» يكون مفادها لزوم الحلق بمجرده وحصول الإحلال بعده من دون لزوم الإتيان بأعمال العمرة المفردة وهو أيضاً كذلك، كما إن التخيير بين الإتيان بالعمرة المفردة مع إحرام جديد بعد مضيّ أيام التشريق، وبين الحج من قابل مخالف للنص والفتوى. وعليه فاللازم طرح الرواية، وإن حملت على محامل متعددة من القدماء والمتأخرين.

وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا إنّه لو كنّا نحن والقواعد ولم يكن في البين شيء من الروايات المتقدمة الواردة في المسألة، لكان مقتضى القاعدة عدم لزوم الحج من قابل فيما إذا كان الحج مستحبّاً، أو كان وجوبه في نفس العام الذي وقع فيه فوت الموقفين في الحج ولم يكن وجوبه مستقراً ولا الاستطاعة باقية إلى العام القابل. لأنّ غاية الأمر بطلان الحج بسبب فوت الموقفين، وهو يستلزم التبدل إلى العمرة المفردة، لأنه لا طريق إلى الإحلال غيره. وأمّا لزوم الحج من قابل فلا وجه له، وإن كان الفوت لا لعذر، لأن ابطال العمل الاستحبابي لا يكون موجباً لقضائه والإتيان به ثانياً، وإن كان الإبطال عمداً. نعم لو كان الحج مستقراً عليه، وجب عليه الحج من


(130)

 

في درك اضطراري المشعر النهاري

الثالث: درك اختياري عرفة مع اضطراري المشعر النّهاري، فإن ترك اختياري المشعر عمداً بطل، وإلاّ صحّ.[1]

 

قابل. وكذا لو بقيت الإستطاعة إليه ولا يكفي حصولها في هذا العام، لأنّ الفوت يكشف عن عدم الإستطاعة، إلاّ إذا كان الإطال عمداً.

ومنه يظهر وجه التفصيل المذكور في المتن. وإن كان يرد عليه انّ اللازم استثناء صورة الإستقراء أيضاً من مورد عدم وجوب الحج من قابل، بل الإستثناء هذه الصورة أولى من استثناء صورة حصول الإستطاعة في العام القابل ـ كما لا يخفى ـ.

هذا كلّه مع قطع النظر عن الروايات الواردة. وأمّا مع ملاحظتها فاللازم أن يقال ـ بمقتضى الدقة في مفادها والتأمل في مدلولها ـ بلزوم الحج من قابل، في جميع موارد التبدل إلى العمرة المفردة في مورد بطلان الحج. ولا يكون في البين ما يقتضي التقييد والإختصاص. فالأحوط لو لم يكن أقوى ذلك. والإستبعاد في مورد الحج الإستحبابي خصوصاً مع فرض كون الفوت لعذر لا وجه له مع وجود الدليل.

[1] أمّا البطلان في صورة ترك اختياري المشعر الذي هو الوقوف بين الطلوعين من يوم العيد عمداً، فلأنه مقتضى الركنيّة التي عرفت البحث فيها، وعرفت ان الركن هو المسمى من الوقوف بين الطلوعين، والإخلال به عمداً يوجب البطلان.

وأمّا الصحة في صورة الترك لعذر، ودرك اضطراري المشعر النهاري الذي هو مسمّى الوقوف من طلوع الشمس من يوم العيد إلى الزوال ـ على ما مرّ ـ فهو المشهور ويدل عليه روايتان، وإن جعلهما في الوسائل ثلاث روايات:


(131)

 

في درك اختياري المشعر مع اضطراري عرفة

الرّابع: درك اختياري المشعر مع اضطراري عرفة، فإن ترك اختياري عرفة عمداً بطل، وإلاّ صحّ.[1]

 

إحديهما: صحيحة معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) ما تقول في رجل افاض من عرفات فأتى منى؟ قال: فليرجع فيأتي جمعاً فيقف بها وإن كان الناس قد أفاضوا من جمع.(1) والظاهر إنّ مورد الترك العمدي خارج عن محطّ السؤال.

ثانيتهما: رواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل أفاض من عرفات فمرّ بالمشعر فلم يقف حتى انتهى إلى منى، فرمى الجمرة ولم يعلم حتى ارتفع النهار، قال: يرجع إلى المشعر فيقف به، ثم يرجع ويرمى الجمرة.(2)

فالحكم في هذا القسم ظاهر.

[1] أمّا البطلان في صورة ترك اختياري عرفة عمداً، فلأنه مقتضى ركنيّة الوقوف بعرفة ـ على ما مرّ ـ فإن لازمها كون الإخلال العمدي به موجباً للبطلان.

وأمّا الصحة في صورة كون الترك مستنداً إلى العذر فمضافاً إلى أنّها مقتضى القاعدة. لأن المفروض درك اختياري المشعر، وكون ترك الوقوف الاختياري بعرفة ناشئاً عن العذر، وهو يوجب الإنتقال إلى الإضطراري منه. وقد فرض دركه وعدم فوته منه. فلا يكون في البين ما يوجب البطلان، وإلى الروايات الدالة على أنّ من أدرك المشعر أدرك الحج ـ كما مرّ نقل بعضها وسيأتي أيضاً ـ.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الواحد والعشرون، ح2.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الواحد والعشرون، ح3.


(132)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

يدل عليها الروايات الخاصّة الواردة في فرض المسألة، مثل:

صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال في رجل أدرك الإمام وهو بجمع، فقال: (إن ظنّ ظ) انه يأتي عرفات فيقف بها قليلا، ثم يدرك جمعاً قبل طلوع الشمس فليأتها، وإن ظنّ أنه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها وليقم بجمع، فقد تمّ حجّه.(1)

وصحيحة الحلبي، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعدما يفيض الناس من عرفات، فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجّه حتى أيأتي عرفات، الحديث.(2)

ورواية إدريس بن عبد الله، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أدرك الناس بجمع وخشي إن مضى إلى عرفات يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها، فقال: ان ظن أن يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات، فإن خشي أن لا يدرك جمعاً فليقف بجمع، ثم ليفض مع الناس فقد تم حجّه.(3) وغير ذلك من الروايات الدالة على الصحة في هذا الفرض.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثاني والعشرون، ح1.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثاني والعشرون، ح2.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثاني والعشرون، ح3.


(133)

 

في درك اختياري عرفة مع اضطراري المشعر الليلي

الخامس: درك اختياري عرفة مع إضطراري المشعر الليلي، فإن ترك اختياري المشعر بعذر صحّ، وإلاّ بطل على الأحوط.[1]

السادس: درك اضطراري عرفة واضطراري المشعر الليلي، فإن كان صاحب عذر وترك اختياري عرفة عن غير عمد، صحّ على الاقوى، وغير المعذور إن ترك اختياري عرفة عمداً بطل حجّه، وإن ترك اختياري المشعر عمداً فكذلك على الأحوط، كما ان الأحوط ذلك في غير العمد أيضاً.[2]

 

[1] الوجه في الصحة في صورة ترك اختياري المشعر بعذر واضح، لأن المفروض إنه أدرك اختياري عرفة وكون ترك اختياري المشعر مستنداً إلى العذر المجوّز له كالطوائف المتقدمة اللاّتي رخّص لهن النفر من المشعر قبل طلوع الفجر ـ كالنساء والخائف والمريض ـ فإنّ الترخيص مرجعه إلى الصحة والتماميّة ـ كما هو ظاهر ـ.

وأمّا إذا كان ترك اختياري المشعر لغير عذر ـ كما إذا نفر من المشعر قبل طلوع الفجر عالماً عامداً ـ فهو مورد المسألة الثانية المتقدمة التي ذكرنا فيها ان المشهور حكموا فيه بالصحة نظراً إلى ما فهموا من رواية مسمع من كون ذيلها ناظراً إلى العالم العامد. وقد مرّ ان مقتضى التحقيق في مفاد الرواية ما استفاد منها صاحب الحدائق من عدم تعريض الرواية لحكم العالم العامد. بوجه وان اللازم فيه الرجوع إلى القاعدة المستفادة من سائر الروايات، من أنّ الركن من الوقوف بالمشعر هو المسمى ممّا بين الطلوعين وان الاخلال العمدي به موجب للبطلان، فالأقوى في هذا


(134)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الفرض هو البطلان ـ كما تقدّم ـ.

[2] الوجه في الصحّة في صورة وجود العذر، بالإضافة إلى ترك اختياري عرفة ودرك اضطراريها، وكذا بالإضافة إلى الخروج من المشعر بعد الوقوف فيه في اللّيل والنفر فيه قبل طلوع الفجر هو الترخيس بالنسبة إلى كليهما. فإن مقتضى قيام اضطراري عرفة مقام الاختياري والترخيص في النفر عن المشعر قبل طلوع الفجر بالنسبة إلى المعذورين، الصحّة مع رعاية كلا الامرين. إلاّ أن يناقش بعدم معلومية شمول دائرة الترخيص للمعذورين لمن لم يدرك اختياري عرفة بل أدرك اضطراريهما. فإن القدر المتيقن منها خصوص من أدرك الاختياري من عرفة. ولكن المناقشة مدفوعة بثبوت الإطلاق في أدلة الترخيص وعدم الإختصاص بمن ذكر حتى الصحيحة الحاكية لحجّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع المشتملة على قوله(عليه السلام)«وعجّل ضعفاء بنى هاشم بالليل» فإن العمل وإن كان لا اطلاق له، إلاّ انّه إذا كان الحاكي له هو الإمام (عليه السلام) وكان الغرض من حكايته بيان الحكم يستفاد من الإطلاق وعدم التقييد ثبوته بنحو الإطلاق. وعليه فلا مجال للمناقشة المزبورة بوجه.

وأمّا ترك اختياري المشعر بالنفر منه قبل طلوع الفجر عامداً، فقد عرفت انّ الحكم فيه هو البطلان. خلافاً للمشهور الذي حكموا فيه بالصحّة ـ على ما مرّ ـ ومما ذكرنا ظهر وجه الإحتياط في الحكم بالبطلان في صورة غير العمد أيضاً.

 

 


(135)

 

في من أدرك الاضطراريين

السابع: درك اضطراري عرفة واضطراري المشعر اليومي. فإن ترك أحد الإختياريين متعمّداً بطل، وإلاّ فلا يبعد الصحة، وإن كان الأحوط الحج من قابل، لو استطاع فيه.[1]

 

[1] الفتوى بالبطلان فيما إذا كان ترك أحد الإختياريين مستنداً إلى التعمد مع أنه قد احتاط بالبطلان في ترك اختياري المشعر كذلك، إنّما هو لأجل الفرق بين الموردين، لأنّ مورد الإحتياط المتقدم ما إذا كان المتعمد مدركاً للوقوف بالمشعر بالليل، غاية الأمر النفر منه إلى منى قبل طلوع الفجر كذلك ومورد الفتوى هنا ما إذا كان ترك الوقوف بالمشعر في مجموع الليل وفيما بين الطلوعين عامداً، فإنه في هذا الفرض لا محيص عن الحكم بالبطلان، سواء قلنا بأن الركن هو المسمى مما بين الطلوعين ـ كما اخترناه ـ أو قلنا بأن الركن هو المسمّى منه ومن الوقوف بالليل.

وأمّا إذا لم يكن ترك شيء من الإختياريين عمداً بل كان مستنداً إلى العذر، فقد ورد فيه نص خاص ظاهر في الصحّة والتمامية، وهي صحيحة الحسن العطّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا أدرك الحاجّ عرفات قبل طلوع الفجر فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد أفاضوا، فليقف قليلا بالمشعر الحرام وليلحق الناس بمنى ولا شيء عليه.(1)

ثم إنه لو قلنا في القسم الحادي عشر الآتي وهو ما إذا أدرك اضطراري المشعر النهاري فقط بالصحة وعدم البطلان، فاللازم الحكم بالصحة في هذا القسم بطريق

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الرابع والعشرون، ح1.


(136)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

أولى. لأنّ المفروض فيه درك اضطراري عرفة أيضاً. وهذا بخلاف مالو قلنا هناك بالبطلان، فإنه لا يستلزم الحكم بالبطلان هنا بعد ورود رواية خاصة دالة على الصحة ـ كما مرّ ـ فاللازم البحث في ذلك القسم هنا، فنقول:

المشهور هو البطلان بل عن المنتى والمختلف والتنقيح انه موضع وفاق، لكن المحكّي عن ابن الجنيد والصدوق والسيّد والحلبيين وجماعة من المتأخرين كالشهيد الثاني وصاحب المدارك هو العدم. ومنشأ الخلاف وجود الروايات المختلفة في هذا المجال. وهي على طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: ما تدل بظاهرها على انّ عدم إدراك المشعر قبل طلوع الشمس من يوم النحر يوجب البطلان. وهي كثيرة، مثل: ذيل صحيحة الحلبي المتقدمة وهو قوله(عليه السلام): وإن قدم رجل وقد فاتته عرفات ـ يعني الاختياري والاضطراري منه ـ فليقف بالمشعر الحرام، فإنّ الله تعالى أعذر لعبده فقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام، فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة وعليه الحج من قابل.(1) والظاهر ان المراد من قوله في الذيل «إن لم يدرك المشعر الحرام» هو عدم إدراك المشعر قبل طلوع الشمس بقرينة الجملة السابقة والتفريع، فتدلّ على ان عدم درك الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس يوجب البطلان. والمفروض فيها صورة فوت الوقوف بعرفة مطلقاً.

وصحيحة حريز، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مفرد للحج، فاته الموقفان جميعاً، فقال له: إلى طلوع الشمس يوم النحر، فإن طلعت الشمس من يوم النحر،

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثاني والعشرون، ح2.


(137)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

فليس له حجّ، ويجعلها عمرة، وعليه الحجّ من قابل.(1)

وغير ذلك من الروايات المتعددة الدالة على هذا المعنى.

الطائفة الثانية: ما تدل بظاهرها على أن إدراك المشعر قبل زوال الشمس من يوم النحر يكفي في إدراك الحج وعدم فوته. وهي أيضاً كثيرة، مثل:

صحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك المشعر يوم النحر قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج، ومن أدرك يوم عرفة قبل زوال الشمس فقد أدرك المتعة.(2)

وصحيحة إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أدرك المشعر الحراموعليه خمسة من الناس قبل أن تزول الشمس، فقد أدرك الحج.(3) وفي رواية الصدوق ترك قوله: وعليه خمسة من الناس.

وغير ذلك من الروايات الدالة على هذا الأمر.

الطائفة الثالثة: ما جعلت شاهدة للجمع بين الطائفتين الأوّلتين، وهي روايتان:

إحديهما: صحيحة عبدالله بن المغيرة، قال: جائنا رجل بمنى، فقال: إنّي لم أدرك الناس بالموقفين جميعاً ـ إلى أن قال ـ فدخل إسحاق بن عمّار على أبي الحسن (عليه السلام)فسأله عن ذلك، فقال: إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر، فقد أدرك الحجّ.(4)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث والعشرون، ح1.

(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث والعشرون، ح8.

(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث والعشرون، ح11.

(4) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث والعشرون، ح6 .


(138)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 

ثانيتهما: موثقة الفضل بن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرف فبعث به إلى مكّة فحبسه، فلمّا كان يوم النّحر خلّى سبيله، كيف يصنع؟ فقال: يلحق فيقف بجمع، ثم ينصرف إلى منى، فيرمى ويذبح ويحلق ولا شيء عليه.(1) الحديث.

والوجه في كونها شاهدة للجمع، نصوصية هذه الطائفة في الصحة في مفروض المقام وظهور الأوليين في البطلان مطلقاً، من دون فرق بين صورة درك الوقوف بعرفة وصورة عدمه وفي الصحّة المطلقة كذلك. وعليه فالظاهر هي الصحة، ولازمها الحكم بها في المقام بنحو أولى.

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر ، الباب الثالث، ح2.