في درك اختياري عرفة خاصة
الثامن: درك اختياري عرفة، فإن ترك المشعر متعمّداً بطل حجّه، وإلاَّ فكذلك على الاحوط.[1]
[1] لا شبهة في البطلان فيما إذا ترك الوقوف بالمشعر بأنواعه الثلاثة متعمّداً ولا خلاف فيه أصلاً، وإنّما الإشكال فيما اذا كان الترك كذلك مستنداً إلى العذر كما إذا ضلّ في الطريق بعد الإفاضة من عرفات بحيث لم يتيسر له شي من الوقوفين الاضطراريين للمشعر ولا الوقوف الاختياري، فهل الحكم فيه صحة الحج أو بطلانه؟
قال في المسالك: «لو فرض عدم ادراك المشعر اصلاً صحّ أيضاً فإن إختياري أحدهما كاف» وقال في موضع آخر: «لا خلاف في الاجزاء بأحد الموقفين الإختياريين».
وأورد عليه سبطه صاحب المدارك بانتفاء ما يدل على الإجزاء بإدراك إختياري عرفة خاصة قال: مع انّ الخلاف في المسألة متحقق فإن العلامة في المنتهى صرّح بعدم الإجتزاء بذلك وهذه عبارته: «ولو ادرك أحد الموقفين اختياراً وفاته الآخر مطلقاً فإن كان الفائت هو عرفات فقد صحّ حجّة لادراك المشعر وان كان هو المشعر ففيه تردد، أقربه الفوات».
وقال في التحرير: «ولو أدرك الإختياريين وفات الآخر ـ إختياراً و إضطراراً ـ فإن كان الغائت هو عرفة صح الحج، و إن كان هو المشعر ففي إدراك الحج إشكال، ونحوه في التذكرة قال. فعلم من ذلك ان الإجتزاء بإدراك إختياري عرفة ليس
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إجماعيّاً ـ كما ذكره الشارح، يعني صاحب المسالك ـ وأن المتجه فيه عدم الإجتزاء لعدم الإتيان بالمأمور به على وجه وانتقاء ما يدل على الصحة مع هذا الإخلال.
وأجاب عن الإيراد صاحب الجواهر (قدس سره) بقوله: « قلت قد نفى عنه الخلاف في التنقيح أيضاً وعن جماعة نسبته إلى الشهرة، منهم المحدث المجلسي والسيّد نعمة الله الجزائري في شرح التهذيب وشارح المفاتيح، بل عن الأخير عن بعضهم الإجماع عليه وفي الذخيرة والمختلف أنه المعروف بين الأصحاب، بل في الرياض أنه غراه في الذخيرة إليهم مشعراً بعدم خلاف فيه ـ كما هو ظاهر المختلف والدروس أيضاً ـ بل تسمع تصريح المصنف والفاضل في القواعد وغيرهما بعدم بطلان الحج مع نسيان الوقوف بالمشعر ان كان قد وقف بعرفة كالمحكيّ عن السرائر والجامع والإرشاد والتبصرة والدروس واللمعة وغيرها. بل هو صريح الفاضل في التحرير والمنتهى أيضاً فيكون رجوعاً عن الأوّل، وبه يتمّ نفي الخلاف حينئذ ».
أقول: المهمّ في المقام ملاحظة الادلة فيما يدل منها على البطلان مضافاً إلى ما ذكره صاحب المدارك من عدم الإتيان بالمأمور به على وجه ما يدل على أن فوت المزدلفة موجب لفوات الحج، من بعض الروايات الصحيحة، مثل صحيحة عبيدالله وعمران ابني عليّ الحلبيين عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا فاتك المزدلفة فقد فاتك الحج.(1) فإنّ المراد بالفوت أو القدر المتيقن صورة كون الفوت عن عذر لا بمعنى كون الفوت عن عمد غير موجب لفوات الحج، بل بمعنى كون محطّ النظر في الرواية صورة غير العمد التي ربما يتخيل فيها الصحة وعدم فوات الحجّ، كما ان القدر المتيقن من صورة فوت
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر. الباب الخامس والعشرون. ح1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المزدلفة فوتها بجميع أنواعها الثلاثة. وعليه فمقتضى إطلاق الصحيحة ان فوت المزدلفة موجب لفوت الحج وإن أدرك اختياري عرفة. وكذا يدل على البطلان الروايات الدالة على ان ادراك المشعر إمّا قبل طلوع الشمس وإمّا إلى زوال الشمس موجب لإدراك الحج. وقد تقدم نقل جملة منها. فإن المستفاد منها ان عدم ادراكه كذلك يوجب عدم ادراك الحج من دون فرق بين صورة درك اختياري عرفة وصورة عدمه. ولا مجال لما في الجواهر من وجوب تخصيص ذلك كلّه، بغير الجاهل الذي وقف اختياري عرفة الملحق به الناسي والمضطرّ بعدم القول بالفصل.
نعم لا وجه للاستناد على البطلان بما ورد في بعض الروايات من أن الوقوف بالمشعر فريضة والوقوف بعرفة سنّة.(1) بعد كون المراد من السنّة فيه ما ثبت وجوبه بغير الكتاب لا المستحبّ.
كما أنه لا مجال للاستدلال على الصحة بالنبوي العامي: الحج عرفة بعد عدم إعتباره وكذا بما ورد في بعض ما روى من طرقنا من أن الحج الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار بعد دلالة الروايات الكثيرة الصحيحة على أن الحج الأكبر يوم الأضحى. وفي بعضها التصريح بعدم كونه عرفة. والعمدة في الدليل على الصحة بعض الروايات الخاصة، مثل:
مرسل محمد بن يحيى الخثعمي عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله (عليه السلام) فى من جهل ولم يقف بالمزدلفة ولم يبت بها حتى أتى منى. قال: يرجع. قلت: إن ذلك قد فاته:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب احرام الحج. الباب التاسع عشر. ح11.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقال: لا بأس به.(1)
وصحيح محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال في رجل لم يقف بالمزدلفة ولم يبت بها حتى أتى منى. قال: ألم ير الناس ألم ينكر (يذكرخ ل) منى حين دخلها؟ قلت: فإنه جهل ذلك. قال: يرجع. قلت: إن ذلك قد فاته. قال: لا باس به.(2)
هذا و الظاهر اتحاد الروايتين مع كون الراوي هو محمد بن يحيى الخثعمي و كون الراوي عنه هو محمد بن أبي عمير، لأنه من البعيد جدّاً رواية ابن يحيى تارة بنحو الارسال و أخرى بدون الواسطة. فالرواية واحدة مرددة بين الإرسال و غيره و لاتكون معتبرة مع هذه الكيفية. نعم لامجال للمناقشة في دلالتها بعد ظهورها في درك وقوف اختياري عرفة و فوت وقوف المشعر مطلقاً. و مجرد العبور منه لايكفي بعد كون الوقوف عبادة تحتاج إلى النية و سائر الأمور المعتبرة.
ورواية محمد بن حكيم التي رواها عنه الشيخ والصدوق بطريق صحيح والكليني في أحد النقلين كذلك وبسند ضعيف فيه سهل بن زياد في النقل الآخر. قال: قلت لأبي عبدالله(عليه السلام) أصلحك الله، الرجل الأعجمي والمرأة الضعيفة تكونان مع الجمال الأعرابي فإذا أفاض بهم من عرفات مرّ بهم كما هم إلى منى لم ينزل بهم جمعاً، قال: أليس قد صلّوا بها فقد أجزأهم. قلت: فإن لم يصلوا. فقال: فذكروا الله فيها، فان كانوا ذكروا الله فيها فقد اجزاهم.(3) هذا ولكن محمد بن حكيم لم يوثق وغاية ما ورد فيه انه كان مأموراً من قبل أبي الحسن (عليه السلام) بالجلوس في مسجد المدينة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر. الباب الخامس والعشرون. ح3.
(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر. الباب الخامس والعشرون. ح 5 .
(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الخامس والعشرون، ح 6 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمناظرة مع الناس في المسائل الكلامية ولا مجال لدعوى الإنجبار باستناد المشهور إلى هذه الرواية بعد كون المستفاد منها اعتبار أمرين في الصحة في المورد المفروض. أحدهما: العبور من المشعر بعد الافاضة من عرفات وثانيهما: الصلاة في المشعر أو ذكر الله فيه ولا يوجد شيء من القيدين في كلام المشهور. بل ـ كما قال صاحب الجواهر(قدس سره) ـ لم يجده قولاً لأحد من الأصحاب حتى المتأخرين ومتأخريهم إلاّ صاحب الذخيرة حيث اعتبر في الصحة في الفرض ذلك.
مع أنه يستفاد من الرواية ان المراد من ذكر الله المأمور به في قوله تعالى: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) هو معناه الظاهر الشامل للصلاة ومطلق الذكر مع ان الظاهر ان المراد به هو الوقوف الذي هو امر عبادي متقوم بالقصد المتوقف على تشخيص المشعر وعليه فلا مجال للأخذ بالرّواية.
ودعوى ان استناد المشهور إلى رواية ابن يحيى جابر لضعفها الناشيء عن التردّد بين الارسال وغيره مدفوعة بأن استناد المشهور إليها إن كان مرجعه إلى ترجيحها على الروايات الدالة على ان فوت المزدلفة موجب لفوت الحج، بمعنى الإعراض عنها فملاحظة كلماتهم تقتضي بخلافه، وانهم لم يعرضوا عنها بوجه وإن كان مرجعه إلى الجمع الدلالي; فقد عرفت عدم إمكانه. فاللازم أن يقال: بعدم تمامية دليل القول بالصحة، وانّ الأحوط لو لم يكن أقوى هو البطلان ـ كما في المتن ـ .
في درك اضطراري عرفة خاصة
التاسع: درك اضطراري عرفة فقط. فالحج باطل.[1]
العاشر: درك اختياري المشعر فقط. فصّح حجّه إن لم يترك اختياري عرفة متعمّداً، وإلاّ بطل.[2]
[1] في الدروس أنه غير مجز قولاً واحداً وعن الذخيرة لا أعرف فيه خلافاً، وعن جماعة الإجماع عليه وما يشعر به عبارة المفاتيح من النسبة إلى الشهرة مشعرة بوجود خلاف فيه في غير محله. والوجه في البطلان على تقدير القول بالبطلان في درك اختياري عرفة خاصة ـ كما رجّحناه ـ واضح. وعلى تقدير القول بالصحة هناك ـ كما اختاره المشهور ـ فالوجه في البطلان هنا عدم شمول شيء من ادّلة الصحة للمقام من دون فرق بين النبوّي الحج عرفة أو الحج الأكبر الموقف بعرفة لظهورهما في الوقوف الإختياري، وبين الروايات الخاصة المتقدمة الظاهرة في الإختياري.
[2] نفى الإشكال في الصحة هنا صاحب الجواهر وفي محكي الدروس إنه خرج الفاضل وجهاً بإجزاء إختياري المشعر وحده دون اختياري عرفة، والدليل على الصحة في هذا القسم مضافاً إلى أنه لا خلاف فيه، دلالة جملة من الروايات المتقدمة على أن إدرك المشعر قبل طلوع الشمس إدراك للحجّ أو أن إدراكه قبل زوال الشمس موجب لإدراكه ولا يعارضها في هذه الجهة شيء. وفي رواية محمد بن فضيل المتقدمة في الجواب عن سؤال الحدّ الذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج. قال(عليه السلام): إذا أتى جمعاً والناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد ادرك الحج ولا
في درك اضطراري المشعر فقط
الحادي عشر: درك اضطراري المشعر النهاري فقط. فبطل حجّه.[1]
الثاني عشر: درك اضطراريه الليلي فقط، فإن كان من أولى الأعذار ولم يترك وقوف عرفة متعمّداً صحّ على الأقوى، وإلاَّ بطل.[2]
عمرة له. الحديث.(1) ومن الظاهر خصوصاً بملاحظة السؤال عدم تقييده بما إذا ادرك الوقوف بعرفة، فمقتضاه إن إدراك الإختياري من المشعر يكفي لإدراك الحج. فلا شبهة في هذا القسم.
[1] قد مرّ البحث عن هذا القسم في شرح البحث عن القسم السابع وتقدم انّ الظاهر فيه الصحة، خلافاً لما في المتن الموافق للمشهور. فراجع.
[2] الصحّة فيما إذا كان من أولى الأعذار ولم يترك وقوف عرفة متعمداً، فلأجل أنّه لا يكون ترك الوقوف بعرفة مستنداً إلى التعمد حتى يستلزم البطلان. والمفروض من أولى الأعذار الذين رخص لهم النفر قبل طلوع الفجر من المشعر، وعليه فمنشأ البطلان لا بد وأن يكون إمّا عدم الترخيص والفرض خلافه لأنه من أولى الأعذار ولا مجال لاحتمال كون الترخيص مختصّاً بمن ادرك الوقوف بعرفة فانه خلاف اطلاق ادلة الترخيص مع ورودها في مقام البيان وعدم اشعار في شيء منها بصورة ادراك عرفة. وإمّا عدم كون الترخيص مستلزماً للصحة. ومن الظاهر ثبوت الإستلزام، فإنه لا يكون الترخيص الخالي عن الحكم بالصحة ممّا له وجه. فلا بد من الإلتزام باستلزام الترخيص للحكم بالصّحة، فلا شبهة فيه مع وجود هذين القيدين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب الثالث والعشرون، ح 3 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإمّا مع عدم واحد منهما، فإن كان قد ترك وقوف عرفة متعمّداً، فلا شبهة في بطلان الحج بمقتضى ما مرّ من ركنيّته كركنيّة الوقوف بالمشعر. والمفروض كون الإخلال به ناشياً عن التعمّد. ففي هذه الصورة لا مجال للإشكال في البطلان.
وأمّا إذا كان ترك وقوف عرفة عن غير تعمد واختيار ولم يكن من الطوائف المعذورين الذين رخصّ لهم النّفر من المشعر قبل طلوع الفجر، كما إذا كان قد أفاض قبل طلوع الفجر جاهلاً. فالمحكي عن الشهيد الثاني (قدس سره) الصّحة. ولكنه تردد فيها صاحب المدارك. والوجه في الصحة أحد أمرين:
الأوّل: الأولويّة بالاضافة إلى الإضطرار اليومي للمشعر بناءاً على كون إدراكه فقط موجباً لإدراك الحج وصحته. وجه الاولوية انّ الاضطراري الليلي فيه شائبة الاختيار ولذا يجوز للمرأة اختياراً ومن دون عذر. فإذا كان الاضطراري اليومي كافياً في الصحة فالاضطراري الليلي بطريق أولى. فإذا افاض قبل طلوع الفجر جاهلاً، يكفي ذلك في صحة الحج.
ويرد على هذا الامر مضافاً إلى عدم كون الصحة هناك مسلّمة وإن اخترناها فيه منع الأولوية بعد عدم وضوح الملاكات لنا بوجه، خصوصاً بعد ثبوت الإختلاف في الموارد المشابهة، فإنك قد عرفت أن اختياري كلا الوقوفين ركن، مع أن الاكتفاء بإدراك الوقوف الإختياري للمشعر كاف في صحة الحج بلا كلام. والاكتفاء بإدراك الوقوف الإختياري بعرفة محل خلاف. وإن اختار المشهور ذلك. ومثل ذلك يرشدنا إلى عدم وضوح الملاكات حتى يكون هنا مقايسة أو أولوية، فتدبر.
الثاني: رواية مسمع عن أبي ابراهيم ( عبدالله خ ل ) في رجل وقف مع الناس
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بجمع، ثم أفاض قبل أن يفيض الناس، قال: أن كان جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة.(1)
ولا مجال للتشكيك في سند الرواية ـ كما يظهر من الجواهر ـ فإنه صحيح بنفسه أولاً وعلى تقدير وجود الخلل فيه يكون استناد المشهور إلى الرواية خصوصاً في حكم لم يقع التعرض له في غير هذه الرواية، وهي صحة الحج لو أفاض قبل الفجر عامداً عالماً يكفي في الإنجبار. ونحن وان منعنا ما استفاده المشهور من دلالة الرواية وقلنا: بأن مورد كلتا الشرطيتين هو الجاهل. والإختلاف إنّما هو في الإفاضة قبل طلوع الشمس والإفاضة قبل طلوع الفجر. إلاَّ انّ جبر الضعف على تقديره بالإستناد لا يكاد يصلح للمنع، فالرواية من جهة الحجيّة والإعتبار لا مناقشة فيها.
وأمّا من جهة الدلالة، فان قلنا بثبوت الإطلاق في موردها وانّ المراد منه هو الرجل الذي أدرك الوقوف بالمشعر، ولكنه أفاض قبل إفاضة الناس أعم ممّا إذا كانت الإفاضة قبل طلوع الشمس. وما إذا كانت قبل طلوع الفجر من دون مدخليّة قيد درك الوقوف بعرفة، فاللازم الحكم بالصحة في مفروض المقام لدلالة الرواية على كفاية درك الوقوف الإضطراري الليلي، وان لم يدرك الوقوف بعرفة. والفرض كون الرجل جاهلاً وهو لا يكون من الطوائف المتقدمة.
وإن لم نقل بثبوت الإطلاق في موردها، فلا دلالة لها على الصحة في المقام. بل القدر المتيقن صورة درك وقوف عرفة أيضاً. والظاهر من الرواية هو الثاني لما عرفت سابقاً من ثبوت الفرق بين الحكم بالصحة وبين الحكم بالبطلان في الأعمال
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب السّادس عشر، ح 1 .
القول في واجبات منى
وهي ثلاثة: الأوّل رمى جمرة العقبة بالحصى، والمعتبر صدق عنوانها، فلا يصحّ بالرّمل ولا بالحجارة ولا بالخزف ونحوها. ويشترط فيها ان تكون من الحرم فلا تجزى من خارجه، وأن تكون بكراً لم يرم بها ولو في السنين السّابقة، وأن تكون مباحة فلا يجوز المغصوب، ولا بما حازها غيره بغير إذنه، ويستحبّ أن تكون من المشعر.[1]
المركبة المشتملة على الاجزاء والشرائط، من جهة أنّ البطلان حكم مطلق لا يكون اضافيّاً وحيثيّاً. والصحة تكون خلافه، وعليه فمراد الرواية أن الوقوف الكذائي المفروض فيها يكفي من ناحية الوقوف بالمشعر، ويتصف الحج بالصحة من هذه الحيثية. ولا ينافي أن يكون الحج باطلاً لجهة أخرى مؤثرة فيه كترك الوقوف بعرفة في المقام. وعليه فغاية مفاد الرواية الصحة. بالاضافة إلى موردها ولااطلاق لها يشمل كلتا الصورتين فلا يستفاد منها الصحة في المقام.
ومن جميع ما ذكرنا ظهر أن الحكم بالبطلان في هذه الصورة لو لم يكن أقوى ـ كما في المتن فلا أقل من أن يكون أحوط لعدم ثبوت الترخيص، وعدم وجود دليل على الصحة. فتدبر. هذا تمام الكلام في الوقوفين.
[1] قال في الجواهر في وجه تسمية منى: « سمّيت بذلك لما يمنى بها من الدعاء ولما عن ابن عباس أن جبرئيل (عليه السلام) لما أراد أن يفارق آدم (عليه السلام) قال له: تمنّ، قال: اتمنّى الجنّة. فسمّيت بذلك، لامنيّة آدم. وفي خبر ابن سنان المروي عن العلل عن الرّضا(عليه السلام) لما سأل عن ذلك قال: لأن جبرئيل (عليه السلام) قال هناك لإبراهيم (عليه السلام) تمنّ على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ربكّ ما شئت، فتمنى أن يجعل الله مكان ولده اسماعيل كبشاً يأمره بذبحه فداء له، فأعطاه الله مناه».
وكيف كان فأوّل واجبات منى ومناسكها يوم النحر رمي جمرة العقبة أو الجمرة الكبرى أو العظمى أو القصوى على الإختلاف في تعابير الروايات الناشئ عن الخصوصيات المتعددة الموجودة فيها.
ولا شبهة في وجوبه، وعن المنتهى والتذكرة لا نعلم فيه خلافاً. ومنشأ توهّم وجود الخلاف في الوجوب أحد أمرين:
الأوّل: تعبير الشيخ الطوسي (قدس سره) في محكي كتاب الجمل بأن الرّمي مسنون فربما يتخيل أن مراده من قوله: «مسنون» أنه مستحبّ لا واجب. ولذا ذكر ابن حمزة في محكي الوسيلة أن الرمّي واجب عند أبي يعلى ـ صاحب المراسم ـ مندوب إليه عند الشيخ أبي جعفر (قدس سره).
ولكنّه أبطل هذا التخيل صاحب السّرائر بقوله: « لا خلاف فيه ـ أي في الوجوب ـ بين أصحابنا ولا أظنّ أحداً من المسلمين يخالف فيه وقد يشتبه على بعض أصحابنا ويعتقد أنه مسنون غير واجب لما يجده من كلام بعض المصنفين وعبارة موهمة أوردها في كتابه ويقلّد المسطور بغير فكر ولا نظر. وهذا غاية الخطأ وضدّ الصواب. فإن شيخنا قال في الجمل: «والرمي مسنون»، فظنّ من يقف على هذه العبارة انّه مندوب وإنّما أراد الشيخ بقوله: «مسنون» أن فرضه علم من السنّة لأن القرآن لا يدل على ذلك». ويؤيده بل يدل عليه ما مرّ من بعض الروايات الدالة على أن المشعر فريضة، وعرفة سنة، مع وضوح وجوب الوقوف بعرفات كوجوب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوقوف بالمشعر. والإختلاف بينهما فيما ذكر.
ثانيهما: أن المفيد (قدس سره) في المقنعة والشيخ في المبسوط قد اهملا ذكر الرّمي في تعداد فرائض الحج. فربما يتوهم منه عدم الوجوب. ولكن يدفعه تصريحهما بلزوم إتيان الجمرة التي عند العقبة. أو بأن مناسك منى يوم النحر ثلاثة، أوّلها: رمي الجمرة الكبرى. فيدل ذلك على أن المراد بالفرائض ما يستفاد وجوبها من القرآن. وإن كان يبعده عدم دلالة الكتاب على بعض الفرائض، فتدبر. وكيف كان فيدل على وجوب الرّمي روايات كثيرة، مثل:
صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها ولا ترمها من أعلاها وتقول والحصى في يدك. الحديث.(1)
ورواية عليّ بن أبي حمزة عن أحدهما (عليه السلام) قال: أي امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر الحرام بليل فلا بأس، فليرم الجمرة، ثم ليمض، وليأمر من يذبح عنه وتقصر المرأة ويحلق الرّجل، الحديث.(2)
وصحيحة سعيد الأعرج، قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام) جعلت فداك، معنا نساء فافيض بهنّ بليل؟ فقال: نعم، تريد أن تصنع كما صنع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قلت: نعم، قال: افض بهنّ بليل، ولا تفض بهنّ حتى تقف بهنّ بجمع، ثم أفض بهنّ حتى تأتي الجمرة العظمى فترمين الجمرة، الحديث.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثالث ح1.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الأوّل، ح2.
(3) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع عشر، ح2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والروايات الكثيرة الآتية ـ ان شاء الله ـ الدالة على أنه يرمي عن المريض والمغمى عليه والكسير والمبطون الظاهرة في وجوب الاستنابة ولازمها وجوب الرمي، وكذا الروايات الحاكية لحجة الوداع الصادرة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها، فلا شبهة في اصل الحكم. ثم إنه يعتبر فيما يرمي به أمور:
الأوّل: أن يصدق عليه عنوان الحصى. وفرّع عليه في المتن عدم صحة الرّمي بالرمل ولا بالحجارة ولا بالخزف ونحوها ولكنّه ذكر المحقق في الشرايع: «أنه يشترط فيه أن يكون مما يسمّى حجراً». وقال الشهيد الثاني في شرحه: « احترز باشتراط تسميتها حجراً عن نحو الجواهر والكحل والزرنيخ والعقيق فإنّها لا تجزي خلافاً للخلاف. ويدخل فيه الحجر الكبير الذي لا يسمى حصاة عرفاً. وممّن اختار جواز الرّمي به الشهيد في الدّروس. ويشكل بأنّ الأوامر الواردة انّما دلّت على الحصاة، ولعلّ المصنف أراد بيان جنس الحصى، لا الإجتزاء بمطلق الجنس، ومثله القول في الصغيرة جدّاً، بحيث لا يقع عليها اسم الحصاة. فإنّها لا تجزي أيضاً وأن كانت من جنس الحجر».
وقال سبطه في المدارك: «الأجود تعين الرّمي بما يسمّى حصاة، فلا يجزي الرّمي بالحجر الكبير الذي لا يسمّى حصاة. خلافاً للدّروس وكذا الصغير جدّاً بحيث لا يقع عليه اسم الحصاة ».
ويدل على اعتبار عنوان الحصى الذي يعتبر فيه أمران: كونه من جنس الحجر وكونه غير كبير ولا صغير جدّاً الروايات التي يأتي التعرض لجملة منها ان شاء الله.
الثاني: أن يكون من الحرم لا من خارجه ـ كما هو المشهور ـ بل كما في الجواهر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا أجد فيه خلافاً محقّقاً إلاَّ ما سمعته من الخلاف، ومراده منه تجويزه الرمي بمثل البرام والجواهر مع بُعد حرمتيهما. ويدل على اعتبار هذا الأمر أيضاً بعض النصوص الآتية وفي بعضها استثناء المسجدين: المسجد الحرام ومسجد الخيف. كما عن الأكثر وعن القواعد. والجامع استثناء جميع المساجد.
الثالث: أن يكون بكراً لم يرم به الجمار رمياً صحيحاً، ولو في الأزمنة السابقة والسنين الماضية. وقد نفى وجدان الخلاف فيه في الجواهر بل حكى عن الخلاف والغنية والجواهر الإجماع عليه، ويدل عليه بعض الروايات الآتية:
وامّا النصوص، فمنها:
صحيحة زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: حصى الجمال إن أخذته من الحرم أجزأك وإن أخذته من غير الحرم لم يجزئك، قال وقال: لا ترم الجمار إلاَّ بالحصى.(1)فإن ذيلها ظاهر بل صريح في عدم جواز رمي الجمار إلاَّ بالحصى. وقد عرفت اعتبار امرين في صدق عنوانه. وصدرها دالّ أيضاً على اعتبار أن يكون من الحرم. وأنه لا يجزي الحصى المأخوذ من غير الحرم بوجه. والتعبير بالجمار بصيغة الجمع شامل للجمرة العقبة ومقتضى الإطلاق أنه لا فرق بين ما إذا انفردت بالرمي ـ كما في يوم النحر ـ وبين ما إذا كانت مع الجمرتين الآخرتين ـ كما في اليومين أو الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ـ وعليه فلا إشكال في دلالة الرواية في المقام.
ومنها: رواية حنّان التي رواها الكليني والصدوق مع اختلاف يسير في المتن. ولأجله جعلها في الوسائل روايتين. والظاهر اتحادهما. فقد روى عن أبي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب التاسع عشر، ح 1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبدالله(عليه السلام)أنه قال: يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلاَّ من المسجد الحرام، ومسجد الخيف.(1) والظاهر أنه لا يجوز التعدي من المسجدين إلى جميع ما في الحرم من المساجد، وإن كان ربما يستدل عليه بأنّ إخراج الحصى من المسجد منهي عنه، وهو يقتضي الفساد.
ولكنه يمنع أوّلاً بأن من أحكام المساجد كراهة الإخراج لا الحرمة، وثانياً أن حرمة الإخراج لا تقتضي حرمة الرمّي إلاَّ بناء على مسألة الضد إذا قلنا بوجوب المبادرة إلى العود المنافي له.
ومنها: مرسلة حريز عمن اخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال سألته من أين ينبغي أخذ حصى الجمار؟ قال: لاتأخذ من موضعين من خارج الحرم ومن حصى الجمار، ولابأس بأخذه من سائر الحرم.(2) وهي تدل على أن أخذ حصى الجمار من حصى الجمار ومعناه الأخذ من الحصى الذي لا يكون بكراً، بل مستعملاً قبلاً في الرمي غير جايز، وإرسالها منجبر باستناد المشهور إليها.
ثم أن الظاهر استحباب التقاط الحصى من المشعر، لدلالة روايات متعددة عليه وفي بعضها استحباب أخذها من منى بعد المشعر، ولم يوجد من نص عليه.
الرابع: أن تكون الحصيات مباحة، فلا يجوز الرمي بما لا يجوز التصرف فيه، لعدم إذن صاحبه. والوجه فيه أنه حيث يكون الرمّي عبادة ويعتبر فيها قصد القربة. فلا يجتمع ذلك مع المبغوضية المتحققة في الحرام، وهو التصرف في مال الغير، إلاَّ بناءً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب التاسع عشر، ح2.
(2) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب التاسع عشر، ح3.
في وقت الرّمي
مسألة 1 ـ وقت الرّمي من طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروبه، ولو نسى جاز إلى يوم الثالث عشر، ولو لم يتذكر إلى بعده، فالأحوط الرمي من قابل ولو بالاستنابة.[1]
على صحة الصلاة في الدار المغصوبة ـ كما اخترناه في محلّه ـ .
[1] في هذه المسألة أحكام:
الأوّل: وقت الرّمي وهو للمختار وفاقاً للمشهور من طلوع الشمس من يوم العيد إلى غروبها ويدل عليه روايات متعددة، مثل:
صحيحة صفوان بن مهران، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ارم الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.(1) ودلالتها على توقيت رمي جمرة العقبة يوم العيد انّما هي بالإطلاق لشمولها لكلتا حالتي رمي جمرة العقبة حالة الإنضمام مع رمي الجمرتين الآخرتين كما في اليوم الحادي عشر والثاني عشر، بل والثالث عشر في بعض الموارد; وحالة الاستقلال وعدم الانضام وهو رمي يوم النّحر واظهر منه ما رواه الشيخ بالسند المذكور أيضاً عنه (عليه السلام) أنه قال: الرمي ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.(2) فانّ الرمي مطلق ومقتضاه الشمول للرمي يوم العيد.
وصحيحة منصوب بن حازم، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: رمي الجمار ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثالث عشر، ح 3.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثالث عشر، ح3.
(3) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثالث عشر، ح 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصحيحة زرارة وابن اذنية عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال للحكم بن عتيبة: ما حدّ رمي الجمار؟ فقال الحكم: عند زوال الشمس، فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حكم أرأيت لو أنّهما كانا اثنين، فقال أحدهما لصاحبه: احفظ علينا متاعنا حتى ارجع، أكان يفوته الرّمي؟ هو والله ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.(1)
وصحيحة جميل بن دّراج عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث، قلت: له إلى متى يكون رمي الجمار؟ فقال: من ارتفاع النهار إلى غروب الشمس.(2) والمراد من ارتفاع النهار ولو بقرينة الروايات السّابقة هو طلوع الشمس.
لكن يعارض ما ذكر صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ارم في كلّ يوم عند زوال الشمس، وقل كما قلت حين رميت جمرة العقبة.(3) ولو لم تحمل هذه الصحيحة على الإستحباب كما عن الشيخ (قدس سره) لكان اللازم طرحها بعد كون الشهرة الفتوائية على وفق المستفيضة المتقدمة، فلا مجال للإشكال في انّ وقت الرمي مطلقاً هو ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.
الثاني: حكم ما لو نسى رمي جمرة العقبة يوم النحر إلى غروب الشمس. وفي المتن: جاز إلى يوم الثالث عشر، وذكر المحقق في الشرايع: ولو نسى رمي يوم قضاه من الغد مرتباً يبدأ بالفائت ويعقب الحاضر. وهو يشمل نسيان الرمي في المقام أيضاً. وقد نفى وجدان الخلاف في الجواهر في اصل وجوب القضاء وفي لزوم رعاية الترتيب المزبور. بل الإجماع أو حكايته عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثالث عشر، ح1.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثالث عشر، ح5.
(3) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني عشر، ح1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والدليل الوحيد من الروايات في خصوص المقام، ما رواه الشيخ بإسناده عن عبدالله بن سنان في الصحيح، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أفاض من جمع حتى انتهى إلى من فعرض له عارض فلم يرم حتى غابت الشمس قال: يرمي إذا اصبح مرّتين: مرّة لما فاته والاخرى ليومه الذي يصبح فيه، وليفرّق بينهما يكون أحدهما بكرة وهي للأمس والاخرى عند زوال الشمس.(1)
ورواه الكليني عن عبدالله بن سنان مثله، إلاّ أنه قال: فلم يرم الجمرة حتى غابت الشمس، قال: يرمي إذا أصبح مرّتين أحدهما بكرة وهي للأمس والأخرى عند زوال الشمس وهي ليومه. ورواه الصّدوق باسناده عن عبدالله بن سنان مثل رواية الكليني. والعجب انّ صاحب الجواهر (قدس سره) ذكر أن الصدوق والشيخ رويا هذه الرواية في الصحيح عن معاوية بن عمار مع أن صاحب الوسائل نقل عن المشايخ الثلاثة انهم رووها بأسانيدهم عن عبدالله بن سنان ـ كما نقلناه ـ .
وكيف كان فقوله(عليه السلام) في الجواب: يرمي إذا أصبح مرّتين، ظاهر في أصل وجوب القضاء وأن الفائت من رمى جمرة العقبة يوم العيد يجب تداركه في خارج وقته، كما أن ظاهره عدم جواز تقديم القضاء على الغد، بالإتيان به في ليلة اليوم الحادي عشر، وعدم جواز التأخير عن الغد على ما هو المتفاهم منه عرفاً. وأمّا قوله (عليه السلام): «وليفرّق بينهما...» فهو بظاهره يدل على لزوم أمرين: أحدهما التفريق والإتيان بأحدهما بكرة والآخر عند زوال الشمس والآخر الترتيب بتقديم القضاء على الاداء. وحيث انّ ظاهرهم عدم الخلاف في استحباب الأوّل وعدم وجوبه وإن أشعر بوجود
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الخامس عشر، ح1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخلاف بعض العبارات، فهل يوجب ذلك الارتياب في وجوب الترتيب أيضاً، بلحاظ انّ بيانه يكون في ضمن بيان التفريق وكيفيته، فإذا لم يكن التفريق واجباً فالترتيب أيضاً كذلك؟ أو أنه لا يوجب ذلك بملاحظة أن قيام الدليل على عدم وجوب التفريق لا يستلزم الحكم بكون الترتيب أيضاً كذلك بعد كونهما حكمين مستقلين لا يرتبط احدهما بالآخر وإن وقع بيان أحدهما في ضمن بيان الآخر؟ يظهر الأوّل من صاحب الرياض. ولذا استظهر أنه لا مستند لوجوب الترتيب سوى الإجماع.
هذا ولكن الظاهر هو الأوّل وإن الحكمين مستقلان. وحمل أحدهما على الإستحباب لا يوجب حمل الآخر عليه أيضاً. فالإنصاف دلالة الرواية على لزوم الترتيب في المقام ويؤيده الروايات الآتية في نسيان رمي الجمار. وقد وقع في بعضها التصريح بانّه ترمى الجمار كما كانت ترمى.
ثم انّ القدر المتيقن من مورد الرواية صورة النسيان. وأمّا الجهل فالظاهر انّ التعبير بعروض العارض خصوصاً مع التفريع بالفاء لا يشمله، لأنه لا معنى لعروض الجهل بعد الورود بمنى عقيب الافاضة من المشعر، إلاَّ أن يقال بانه لا خصوصية للنسيان في الحكم المذكور، بل الملاك موجود في الجهل أيضاً. وأمّا شموله للترك عن التسامح والتساهل في اتيان الرّمي ونحو ذلك من العوارض والموانع، فمحل نظر بل منع، فتدبر.
ثمّ أنه ذكر بعض الأعلام (قدس سره) أنه يمكن أن يستدلّ ـ أي في المقام ـ بصحيح جميل الوارد في جميع اعمال الحجّ الدال على انّ تأخير ما حقّه التقديم وبالعكس غير ضائر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بصحة العمل، فقد روى المشايخ الثلاثة بسند صحيح عن جميل بن درّاج، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجّل يزور البيت قبل أن يحلق، قال: لا ينبغي إلاَّ أن يكون ناسياً، ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه أناس يوم النّحر، فقال بعضهم يا رسول الله أنّي حلقت قبل أن أذبح، وقال بعضهم: حلقت قبل أن أرمي فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي أن يؤخروه إلاَّ قدّموه، فقال: لا حرج. وفي رواية الصدوق: فلم يتركوا شيئاً كان ينبغي لهم أن يقدموه إلاَّ أخروه، ولا شيئاً كان ينبغي لهم أن يؤخّروه إلاَّ قدّموه، فقال: لا حرج.(1) قال: وصدره وإن كان في مورد النسيان ولكن لا نحتمل أن جميع هذه الموارد التي يقع فيها التقديم والتأخير منشأها النسيان، بل الغالب هو الجهل.
وما استفاده من الصحيحة من الضابطة الكلية وإن كان تامّاً، خصوصاً مع كون مورد السؤال هو الطواف قبل الحلق. واستشهد الإمام (عليه السلام) للصحة فيه بما وقع يوم النحر من المسائل المذكورة التي موردها النسيان والجهل. إلاَّ انّ الظاهر عدم ارتباط الضابطة المذكورة بالمقام. فإن البحث هنا بعد الفراغ عن كون وقت الرمي يوم النحر هو ما بين طلوع الشمس إلى غروبها، في أنه هل يجب قضاء الرمي المسني ام لا؟ وعلى تقدير الوجوب، هل يجب الإتيان به قبل الرمي الادائي الثابت يوم الحادي عشر ـ مثلاً ـ أولا؟ ولا ارتباط للضابطة المزبورة بهذه الجهة أصلاً، فالإنصاف أنه لا دلالة للرواية على حكم المقام بوجه.
الثالث: حكم ما لو يتذكر نسيان رمي جمرة العقبة يوم النحر، إلاَّ بعد انقضاء أيام التشريق ومضى اليوم الثالث عشر. فالمشهور بل عن الغنية الإجماع على أنه لا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب التاسع والثلاثون ح4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شيء عليه، بل تجب عليه الرمي في القابل بالمباشرة إن حجّ. ومع عدمه يستنيب في القابل. لكن في بعض العبارات إجمال، كعبارة المحقق في الشرايع، حيث قال: « ولو نسى رمي الجمار حتى دخل مكّة رجع ورمى وإن خرج من مكة لم يكن عليه شيء إذا انقضى زمان الرمي، فإن عاد في القابل رمى، وإن استناب فيه جاز ».
فإن صاحب المدارك حمل الصدر على إطلاقه وإن مفاده وجوب الرجوع من مكّة والرمي سواء بقى من أيام التشريق أو انقضى واستظهر من الذيل أن العود في القابل لقضاء الرمي أو الاستنابة إنّما هو على سبيل الإستحباب، كما صرح به المحقق في النّافع وأجاب صاحب الجواهر عنه بانّ اطلاق الصدر منزّل على قوله بعده إذا انقضى أيام التشريق الذي عبر عنه بقوله زمان الرمي وبانه لا ظهور في الذيل في الندب، بل قوله فيه: رمي ظاهر في الوجوب. بل حكى عن المسالك دعوى ظهور قوله: وإن استناب جاز فيه أيضاً. ولكن مع ذلك اعترف في آخر كلامه بأن العبارة مجملة.
وكيف كان فقد ورد في المقام روايتان وإن كان ظاهر الوسائل والكتب الفقهية أنه يكون هنا اربع روايات. لكن حيث إن ثلاثاً منها رواها معاوية بن عمار وفي كثير منها يكون الراوي عنه هو ابن أبي عمير. والعبارات غير مختلفة إلاَّ يسيراً. فالظاهر عدم تعدد روايات معاوية بن عمّار.
الأولى: رواية عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق، فعليه أن يرميها من قابل فإن لم يحج رمى عنه وليّه، فإن لم يكن له وليّ استعان برجل من المسلمين يرمي عنه فإنه (وإنّه خ ل) لا يكون
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رمي الجمار إلاَّ أيام التشريق.(1) وفيه سندها محمد بن عمر بن يزيد الذي ذكر صاحب المدارك وغيره إنه لم يرد في توثيق ولا مدح يعتدّ به. فالرواية من حيث هي غير معتبرة، ولكن استناد المشهور إليها يجبر الضعف ـ كما في الجواهر ـ .
الثانية: صحيحة معاوية بن عمار، وقد عرفت انّها واحدة وإن جعلت متعددة ولنقتصر على نقل واحدة منها. قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) رجل نسى رمي الجمار، قال: يرجع فيرميها. قلت: فإنه نسيها حتى أتى مكّة، قال: يرجع فيرمي متفرّقاً يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فإنه نسي أو جهل حتى فاته وخرج. قال: ليس عليه أن يعيد.(2) وفي بعضها التعبير في الجواب عن السؤال الأخير بقوله: ليس عليه شيء.
والإختلاف بين الروايتين بعد اعتبارهما كما مرّ، انمّا هو في أمرين:
الأمر الأوّل: دلالة رواية عمر بن يزيد صدراً وذيلاً وخصوصاً من حيث الذيل الوارد مورد التعليل وهو قوله «فإنّه لا يكون رمي الجمار إلاَّ أيام التشريق» على أنّ مضى الأيام المذكورة يمنع عن صحة الرمي أداء أو قضاء، وأن ظرفه الزماني يختص بتلك الأيام وثبوت الإطلاق في صحيحة معاوية من جهة دلالتها على وجوب الرجوع من مكة للرمّي من دون تقييد بما إذا لم تمض أيّام التشريق وقد مرّ أن صاحب المدارك حمل عبارة الشرايع على الاطلاق وإن مقتضاها وجوب الرجوع من مكّة مطلقاً مع أن مقتضى حمل المطلق على المقيد تخصيص ذلك بصورة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب العود إلى منى، الباب الثالث، ح4.
(2) وسائل: أبواب العود إلى منى، الباب الثالث، ح3 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عدم الانقضاء، وقد مرّ أن صاحب الجواهر حمل عبارة الشرايع عليه بقرينة ما بعدها. فلا إشكال في هذا الأمر.
الأمر الثاني: دلالة رواية عمر بن يزيد على أنه بعد مضي أيام التشريق يلزم الرمي من قابل سواء كان بنفسه أو بوليّه أو نائبه. ودلالة الصحيحة على أنه بعده ليس عليه شيء وظاهره عدم وجوب الرمي في العام القابل وعدم وجوب غيره من الكفارة أو مثلها أو أنه ليس عليه أن يعيد. وظاهره عدم الوجوب في القابل.
هذا والمشهور وإن حكموا بالوجوب نظراَ إلى رواية عمر بن يزيد. إلاَّ انّ الظاهر ثبوت الجمع الدلالي بين الروايتين بجعل قوله «ليس عليه أن يعيد» قرينة على أن المراد من قوله «عليه أن يرميها من قابل» على الإستحباب ـ كما في نظائره ـ فإن قوله «ليس عليه أن يعيد» في الدّلالة على عدم الوجوب أظهر من دلالة قوله «عليه أن يرميها...» على الوجوب فيحمل الثاني على الإستحباب. وعليه فمقتضى القاعدة هو الحكم بالإستحباب كما مرّ أن المحقق صرح به في النافع وتحتمله عبارة الشرايع، لكن حيث إن المشهور حكموا بالوجوب فمقتضى الإحتياط الوجوبي كما في المتن هو الرمي من قابل ولو بالإستنابة.
فيما يعتبر في الرمي من الأمور
مسألة 2 ـ يجب في رمي الجمار أمور:
الأوّل: النيّة الخالصة لله تعالى كسائر العبادات.
الثاني: القاءها بما يسمّى رمياً، فلو وضعها بيده على المرمىّ لم يجز.
الثالث: أن يكون الإلقاء بيده. فلا يجز لو كان برجله، والأحوط أن لا يكون الرّمي بآلة كالمقلاع وإن لا يبعد الجواز.
الرّابع: وصول الحصاة إلى المرميّ، فلا يحسب ما لا تصل.
الخامس: أن يكون وصولها برمية. فلو رمى ناقصاً فأتمّه حركة غيره من حيوان أو إنسان لم يجز. نعم لو رمى فأصابت حجراً أو نحوه وارتفعت منه ووصلت المرميّ صحّ.[1]
[1] قد وقع التعرض في هذه المسألة لما يعتبر في رمي الجمار من الأمور، من دون فرق بين رمي جمرة العقبة فقط الذي هو من اعمال يوم النحر و بين رمي الجمرات الثلاثة الذي يجب في اليومين أو الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، فنقول:
الأوّل: النيَّة وقد مر التحقيق فيها في الطواف والسعي والوقوفين ويزيد هنا وجود القضاء فيه دون الأمور المذكورة. فإذا كان عليه القضاء والأداء، فاللازم التعيين في النيّة لعدم تعين شيء من العنوانين بدون التعيين في النيّة.
الثاني: الإلقاء بما يسمى رمياً. فلا يصح الوضع وإن كان باليد. والوجه فيه أن العنوان المأخوذ في متعلق الوجوب نصّاً وفتوى هو الرمي الذي يعتبر فيه الإلقاء بنحو يصدق عليه هذا العنوان، وهو مغاير لعنوان الوضع، فهو لا يجزي وإن كان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مستلزماً للوصول.
الثالث: أن يكون الإلقاء بسبب اليد في صورة الإمكان فلا يجز لو كان بسبب الرجل. ولو فرض كونه أسهل في بعض الأفراد. والوجه فيه الإنصراف إلى اليد مع استمرار السيرة عليه وإن اختلف المسلمون فيما يرمي من جهة اعتبار كونه حصى أو عدم اعتباره وجواز رمي غيره من الأشياء الآخر، إلاَّ أن العمل استمر على الرّمي باليد. وأمّا الرمي بالآلة كالمقلاع وإن كان بسبب اليد فقد احتاط في المتن أن استحباباً لايتحقق الرمي به مع أن الظاهر إن الاحتياط في ذلك وجوبي ينشأ من الإنصراف المذكور، وأن كان يبعّده في الجملة أن الرمي في الصيد ونحوه يكون بالآلة غالباً. ولا ينافي ذلك صدق الرّمي بوجه.
الرّابع: وصول الحصاة إلى المرمى وعدم كفاية مجرد نية الوصول وقصد الإيصال والسّر فيه عدم تحقق رمي الجمرة، أي الرمي المضاف إليها بدون الوصول والإصابة وإن كان قاصداً له. فالمعتبر مضافاً إلى القصد تحقق المقصود ويدلّ عليه صدر صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث، قال: فإن رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها، وإن اصابت إنساناً أو جملاً ثم وقعت على الجمار، أجزأك.(1)
الخامس: أن يكون وصولها بسبب رميه، بمعنى عدم كون رميه ناقصاً في السببية فلو كان كذلك وكان الإتمام مستنداً إلى حركة غيره من حيوان أو إنسان بحيث لو لم تكن حركة الغير لم يكن رميه كافياً في الإصابة والوصول لا يكون ذلك مجزياً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب السادس، ح1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثاله على ما في الجواهر ما لو اصابت ثوب إنسان فنفضه حتى اصابت عنق بعير فحرّكه فاصابت.
نعم هنا فرضان آخران:
أحدهما: ما لو أصابت في طريقه انساناً أو غيره ووقعت على المرميّ بعد الإصابة المذكورة من دون أن تكون الإصابة المزبورة مؤثرة في الوصول بل واقعة في طريقه والظاهر أنه لا مانع منه. وأن ذيل الصحيحة المتقدمة آنفاً ناظر إليه فهو مجز.
ثانيهما: ما لو اصابت في طريقه شيئاً صلباً فوقعت باصابته على الجمرة. والظاهر فيه عدم الإجزاء خلافاً لصاحب الجواهر حيث حكم بالجواز معلّلاً بالصدق بعد أن كانت الإصابة على كلّ حال بفعله. والوجه في عدم الإجزاء إنّ الإصابة المتحققة في الخارج قد تأثرت من إصابة الحجر الصلب وإن كان لو لم يصبه لأصاب الجمرة أيضاً إلاَّ أن الواقع في الخارج كان متأثراً من غيره أيضاً. وهذا بخلاف الفرض الأول فإن الحكم فيه وإن كان عدم الإجزاء إلاَّ أن الملاك فيه نقصان السببية في نفسه، فتدبّر. ومما ذكرنا يظهر الاشكال على المتن لو كان مراده خصوص الفرض الأخير أو الاعم منه، ومن الفرض السابق.
فيما يعتبر في الرّمي
السّادس: أن يكون العدد سبعة.
السّابع: أن يتلاحق الحصيات. فلو رمى دفعة لا يحسب إلاَّ واحدة، ولو وصلت على المرمىّ متعاقبة، كما أنه لو رماها متعاقبة صحّ، وأن وصلت دفعة.[1]
[1] أمّا اعتبار كون العدد سبعة فيدل على اعتباره مضافاً إلى نفي وجدان الخلاف فيه كما في الجواهر، بل عن المنتهى اجماع المسلمين عليه الروايات المتعددة الواردة في بعض خصوصيات المسألة الدالة على أن اصل اعتبار العدد المذكور كان أمراً مسلّماً مفروغاً عنه عند السائلين والرواة، مثل:
صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال في رجل اخذ أحدى وعشرين حصاة فرمى بها فزادت واحدة فلم يدر أيّهن نقص، قال فليرجع وليرم كلّ واحدة بحصاة، فإن سقطت عن رجل حصاة فلم يدر أيّهن هي فليأخذ من تحت قدميه حصاة ويرمي بها، الحديث.(1) فإن الحكم بلزوم رمي كل واحدة بحصاة مع العلم الاجمالي بنقصان إحديهن، انّما هو للتحفظ على عدد السبع ولزوم رعايته بنحو الجزم واليقين.
ومورد الرواية وإن كان رمى الجمرات الثلاثة ومحل البحث هو رمي جمرة العقبة إلاَّ أن الرواية تدل على اعتبار العدد المذكور فيه ايضاً. إمّا لأجل أنه لا فرق بين رمي الجمرات الثلاثة وبين رمي جمرة العقبة من هذه الجهة قطعاً وإمّا لأجل أن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب العود إلى منى الباب السابع ح2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمرة العقبة إحدى الجمرات فإذا كان العدد معتبراً فيها مع الإنضمام فيكون معتبراً فيها مع الإستقلال أيضاً لانه لا فرق بين الحالتين قطعاً.
ورواية أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) ذهبت أرمي فاذاً في يدي ست حصيات، فقال: خذ واحدة من تحت رجليك.(1) ومورد الرواية امّا خصوص رمي جمرة العقبة الذي هو من مناسك منى أو أن مقتضى الاطلاق الشمول لرمي جمرة العقبة فيدل على المقام بالدلالة اللفظية.
ورواية عبدالاعلى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له رجل رمى الجمرة بستّ حصيات فوقعت واحدة في الحصى، قال يعيدها أن شاء من ساعته وأن شاء من الغد إذا اراد الرّمي، ولا يأخذ من حصى الجمار، الحديث.(2) والظاهر كون الواحدة الواقعة في الحصى هي السّابعة. فيدل على لزوم العدد المذكور واحتمال كون الواحدة من الست. فلا يكون دالاّ على السبع. كما في الجواهر في غاية البعد.
وامّا اعتبار تلاحق الحصيات الذي عبّر عنه صاحب الجواهر بالتفريق في الرمي والمراد لزوم التعدد في الرمي حسب تعدد الحصيات بنحو التعاقب والتلاحق فقد حكي عن الخلاف والجواهر الاجماع عليه. بل لم يحك الخلاف فيه عن أحد من علماء المسلمين إلاَّ عطا حيث حكم بإجزاء الرّمي بها دفعة.
واستدلّ عليه بالتأسي والسيرة المستمرة العمليّة من المسلمين ويوضحه أنه لو لم يكن الرمي بالكيفية المزبورة متعيّناً لكان مقتضى مراعاة الأسهل الرمي دفعة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب العود إلى منى، الباب السابع، ح 2 .
(2) وسائل: أبواب العود إلى منى، الباب السابع، ح3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لسهولته خصوصاً مع ملاحظة الزحام الكثير وحرارة الهواء نوعاً، فعدم التوسل إلى الأسهل قرينة على عدم كفايته وعدم الإجتزاء به.
وأمّا الاستدلال عليه بالروايات الدالة على استحباب التكبير عند رمي كل واحدة من الحصيات نظراً إلى أنه لو جاز الرمى مرة واحدة كفى تكبيرة واحدة، فتعدد التكبيرة يكشف عن تعدد الرمي.
فغريب جدّاً لأن غاية ما يستفاد من ذلك استحباب تعدّد الرمي لتتحقق التكبيرات السبعة. وأمّا الوجوب فلا دلالة له عليه، كما أن الإستدلال عليه باستحباب الرّمي خذفاً، كما في بعض الروايات. وهو أن يضع الحصى على الابهام ويدفعه بظفر السبّابة حيث أنه لا يجتمع ذلك إلاَّ مع تعدد الرّمي كما هو ظاهر، غير تام لأن مقتضاه استحباب التعدد الذي هو الموضوع للكيفية المزبورة ولا دلالة له على الوجوب فالعمدة في الدليل ما ذكرنا.
في فروع الرّمى
مسألة 3 ـ لو شك في أنّها مستعملة أم لا، جاز الرّمي بها، ولو احتمل انّها من غير الحرم وحملت من خارجه لا يعتني به، ولو شك في صدق الحصاة لم يجز الاكتفاء به، ولو شك في عدد الرمي يجب الرّمى حتى يتيقن كونه سبعاً، وكذا لو شك في وصول الحصاة إلى المرّمى يجب الرّمي إلى أن يتيقن به، والظنّ فيما ذكر بحكم الشك، ولو شك بعد الذبح أو الحلق في رمي الجمرة أو عدده لا يعتني به، ولو شك قبلهما بعد الانصرافه في عدد الرّمي فإن كان في النقيصة فالأحوط الرجوع والإتمام ولا يعتني بالشك في الزيادة، ولو شك بعد الفراغ في الصحة بنى عليها بعد حفظ العدد.[1]
[1] في هذه المسألة فروع كثيرة:
1 ـ الشك في أن الحصاة التي يريد الرمي بها هل تكون مستعملة قبل هذا الرمي في رمي صحيح أم لا؟ والحكم فيه جواز الرّمي بها لجريان استصحاب عدم الاستعمال فيها بعد كون معنى البكارة المعتبرة فيها مجرد عدم الاستعمال في الرّمي الصحيح. فلا يكون الاستصحاب بمثبت اصلاً.
2 ـ الشك في كونها من الحرم أو من خارجه. وقد حملت إليه وفي المتن انّه لا يعتني بهذا الاحتمال. والوجه فيه إن كان هو استصحاب عدم الحمل وعدم الإنتقال، فهو لا يثبت كونها من الحرم وإن كان هو الظاهر فيرد عليه مضافاً إلى منع الصغرى أنه لا دليل عليه حجيّته. فالاحوط الاعتناء ورفع اليد عن الرّمي بها.
3 ـ الشك في صدق عنوان الحصى الذي قد عرفت أنه يعتبر فيه أمران: كونه من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جنس الحجر وعدم كونه كبيراً أو صغيراً جدّاً. ولا يجوز الإكتفاء به بعد لزوم إحراز العنوان المأخوذ في متعلّق الأمر، وهو عنوان الحصى.
4 ـ الشك في عدد الرمي واحتمال النقص فيه. كما إذا دار الأمر بين الستة والسبعة ومقتضى اصالة عدم الإتيان بالعدد المشكوك، وجوب الرمي حتى يتيقن كونه سبعاً.
5 ـ الشك في وصول الحصى وإصابته الى المرمىّ وعدم إصابته. ومقتضى استصحاب عدم الإصابة وجوب الرمي إلى أن يتيقن بها.
6 ـ لو شك بعد الذبح أو الحلق بعد ملاحظة ترتبهما على رمي جمرة العقبة في أصل رمي الجمرة وجوداً و عدماً أو العدد المعتبر في الرّمي. فلا يعتني بهذا الشك بعد كون الشك بعد التجاوز عن المحلّ والدخول في الغير، لفرض ترتب الذبح والحلق على الرّمي وحدوث الشك بعدهما أو بعد أحديهما.
7 ـ الشك قبل الذبح والحلق بعد الإنصراف عن الرّمي. كما إذا كان في طريق الرجوع وشك في عدد الرمي وإن العدد هل كان ستة أو سبعة ـ مثلاً ـ وقد احتاط في المتن وجوباً بالرجوع إلى الجمرة والاتمام ومنشأه الشك في جريان قاعدة التجاوز هنا. وإن كان الشك بعد الإنصراف لعدم كون الإنصراف مانعاً عن إتمام الرمي ولحوق المشكوك، ومقتضى الإستصحاب عدم الإتيان به.
وفي هذا الفرض لو كان الشك في الزيادة لا يعتني به بعد كون الإستصحاب مقتضياً لعدم الإتيان بالزائد المشكوك. وبعبارة أخرى لا اختلاف بين مفاد الاستصحاب ومقتضى قاعدة التجاوز، بخلاف احتمال النقيصة.
8 ـ الشك بعد الفراغ في الصحة بعد كون العدد محفوظاً. والحكم فيه البناء على
في عدم اعتبار الطهارة في الرمي
مسألة 4 ـ لا يعتبر في الحصى الطهّارة، ولا في الرّامي الطهارة من الحدث أو الخبث.[1]
الصحّة لإصالة الصحة في العمل الصادر قطعاً وشك في صحته وفساده.
[1] أمّا عدم اعتبار الطهارة في الحصى فلعدم الدّليل عليه، ومقتضى القاعدة العدم ومثله عدم اعتبار الطهارة من الخبث في الرامي وامّا عدم اعتبار الطهارة من الحدث في الرّامي فهو المشهور، وإن اعتبارها إنّما هو على سبيل الإستحباب لكن حكي عن السيّد والمفيد وأبي علي التعبير بعدم الجواز وظاهره عدم الجواز الوضعي الذي يرجع إلى الإعتبار.
والرّوايات الواردة في هذا المجال على طائفتين، بمقتضى ظاهرها:
الطائفة الأولى ما هو دليل للمشهور، مثل:
صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث، قال: ويستحبّ أن ترمى الجمار على طهر.(1)
ورواية أبي غسان حميد بن مسعود، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهور، قال: الجمار عندنا مثل الصّفا والمروة حيطان أن طفت بينهما على غير طهور لم يضركّ، والطهّر احبّ إليّ، فلا تدعه وانت قادر عليه.(2)
الطائفة الثانية ما ظاهره الاعتبار، مثل:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني، ح 3 .
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني، ح 5 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجمار، فقال: لا ترم الجمار إلاَّ وأنت على طهر.(1)
ومثلها رواية علي بن الفضل الواسطي المروية في قرب الإسناد عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: لا ترم الجمار إلاَّ وأنت طاهر.(2) والظاهر أن المراد من إسناد الطهارة إلى الانسان لا إلى اعضاء جسده هي الطهارة عن الحدث، كما لا يخفى.
هذا والظاهر أن مقتضى الجمع العرفي بين الطائفتين هو حمل الطائفة الثانية على النهي التنزيهي الذي لا يجتمع مع الإعتبار، والحكم بالإستحباب الذي ذهب إليه المشهور، ويجري هذا الاحتمال في كلام المخالفين للمشهور.
ثم أن صاحب الجواهر حكي عن بعض الأصحاب استحباب الغسل عند إرادة الرّمي. وقد ورد في هذا المجال رواية صحيحة، جعلها فيها في الوسائل روايتين مع وضوح عدم التعدد، وإن كان بينهما اختلاف يسير في الذيل.
أحديهما: صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن الغسل إذا رمى الجمار، فقال: ربما فعلت فأمّا السنّة فلا ولكن من الحرّ والعرق.(3)
ثانيتهما: صحيحة عنه (عليه السلام) قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الغسل إذا أراد أن يرمي، فقال: ربما اغتسلت فأمّا من السنّة فلا.(4)
وصاحب الجواهر بعد المناقشة في الإستحباب لإجل الروايتين، قال: اللهمّ إلا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني، ح 1 .
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني، ح 6 .
(3) وسائل: ابواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني، ح 2 .
(4) وسائل: ابواب رمي جمرة العقبة، الباب الثاني، ح 4 .
في الإستنابة في الرّمي
مسألة 5 ـ يتسناب في الرّمي من غير المتمكن كالأطفال والمرضى والمغمى عليهم، ويستحبّ حمل المريض مع الإمكان عند المرمىّ ويرمي عنده بل هو أحوط. ولو صحّ المريض أو أفاق المغمى عليه بعد تمامية الرمي من النائب لا تجب الإعادة، ولو كان ذلك في الأثناء، استأنف من رأس وكفاية ما يرمي مرماه النائب محلّ اشكال.[1]
أن يكون المراد من نفي السنّة أنه لم يرد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعله لأمور رجّحت ذلك بالنسبة إليه وإن كان هو راجحاً في نفسه.
وهذا التوجيه يجري في الرواية بناء على النقل الثاني، وأمّا على النقل الآخر فظاهره انه بلحاظ الحرّ والعرق، لابلحاظ الإستحباب في نفسه ويؤيده التعبير بـ « ربما » الظاهر في الترك أحياناً.
[1] امّا جريان النيابة التي هي أمر على خلاف القاعدة على ما تقدم في مبحث الحج النيابي في الرمي في موارد العذر المحقق في عناوين خاصة بخلاف الوقوفين حيث إنهما لا يقبلان النيابة إلاَّ في ضمن الحج الواقع نيابة. فيدل عليه روايات مستفيضة عمدتها:
صحيحة معاوية بن عمّار وعبدالرّحمن بن الحّجاج جميعاً عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: الكسير والمبطون يرمي عنهما، قال: والصبيان يرمي عنهم.(1)
وموثقة اسحاق بن عمّار، أنه سأل أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المريض ترمي عنه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب السابع عشر، ح 1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمار؟ قال: نعم يحمل إلى الجمرة ويرمى عنه. قلت لا يطيق « ذلك » قال يترك في منزله ويرمى عنه.(1)
وصحيحة رفاعة بن موسى عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أغمى عليه، فقال يرمي عنه الجمار.(2)
وغير ذلك من الروايات الواردة في العناوين الخمسة مطلقاً أو مع تقييد المريض بعدم الاستطاعة أو المغلوب، فلا إشكال في أصل الحكم وهي مشروعية النيابة في الرّمي في الجملة، انّما الإشكال في بعض الخصوصيات فنقول:
لا اشكال في جريان النيابة في الرمي في مورد العذر إذا كان مستوعباً لجميع الوقت وهو من أول طلوع الشمس إلى غروبها، كما إنه لا اشكال في عدم جريانها إذا لم يكن إلاّ في بعض الوقت بحيث يمكن الإتيان به بالمباشرة بعده لوضوح أن العذر في بعض الوقت لا يكفي في جريان النيابة بعد العلم بزواله في البعض الآخر كذلك.
وأمّا لو فرض وجوده في بعض الوقت مع احتمال بقائه إلى آخر الوقت واحتمال عدم بقائه وارتفاعه، فالظاهر جواز الاستنابة فيه، استناداً إلى استصحاب بقاء العذر إلى آخر الوقت. فإن البقاء مشكوك يجري فيه الإستصحاب بلحاظ اثره الشرعي المترتب عليه في الحال، وهو جواز الاستنابة في اوّل الوقت كجواز البداء في التيمم مع احتمال بقاء الفاقدية إلى آخر الوقت.
ثم أنه لو بقي العذر في الفرض المزبور إلى آخر الوقت، فلا اشكال في الإجزاء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب السابع عشر، ح2.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب السابع عشر، ح 5 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والكفاية. وأمّا لو لم يبق بل ارتفع بحيث يمكن له الرمي بالمباشرة في الوقت، فالظاهر هو الاجزاء وعدم لزوم الاستيناف مباشرة لأجل قاعدة الإجزاء المحققة في الأصول. ولو نوقش فيها لكان مقتضى الروايات الواردة في المقام هو الإجزاء كما هو المتفاهم منها عند العرف فان مفادها لا يكون مجرد بيان المشروعية للنيابة في الرمي في الجملة، بل هو مع صحة الرمي الواقع نيابة في مورد العذر وعدم لزوم الإعادة كما لا يخفى. نعم هنا فرض رابع وهو زوال العذر في أثناء الرمي وامكان الإتيان بالمجموع مباشرة ولاشبهة فيه في عدم جواز اكمال النائب الباقي بعد ارتفاع العذر وزوال الاغماء والمرض ـ مثلاً ـ . إنّما الإشكال في لزوم استيناف المجموع من رأس مباشرة أو كفاية ما رماه النائب وإكمال المنوب عنه الباقي. فيه وجهان، والظاهر هو الوجه الأوّل لعدم وضوح شمول الروايات المتقدمة لهذه الصورة. وقد عرفت انّ النيابة انما تكون على خلاف القاعدة ويحتاج جريانها في مورد إلى قيام الدليل الظاهر فيه. وعليه فاللازم هو الاستيناف من رأس وعدم الاكتفاء بما رماه النائب. نعم مقتضى الإحتياط الراجح هو الجمع بين الامرين.
بقي في هذه المسألة أمران:
أحدهما: انّ الظاهر هو استحباب حمل المريض في صورة الإمكان إلى محلّ الرمي والرمي في حضوره. وإن كان ظاهر الموثقة وبعض الروايات الآتية في مسألة الرمي في الليل هو الوجوب: ولذا جعله في المتن أحوط.
ثانيهما: انّ الظاهر ان جريان النيابة في الموارد الخمسة المذكورة انّما هو بعد تحقق الاستنابة من المنوب عنه وصدور الإذن منه. نعم في الصبي لا يحتاج إلى الإستنابة،
في من كان معذوراً في الرمي يوم العيد
مسألة 6 ـ من كان معذوراً في الرّمي يوم العيد جاز له الرّمي في الليل.[1]
بل يتصدّى الولي لنفسه أو يستنيب هو، ولا حاجة إلى اذن الصبي، كما أنه في المغمى عليه لا مجال للاستنابة لعدم امكانها، بل يتصدّى الولي لذلك، ومع عدمه المؤمنون، بل ربما يستفاد من صحيحة رفاعة المتقدمة الوجوب بنحو الواجب الكفائي بناء على كون قوله: يرمي عنه الجمار دالاًّ على وجوب الرمي عنه لا مجرد مشروعية النيابة بالاضافة إليه.
[1] قال المحقق في الشرايع: ولا يجوز أن يرمي ليلاً إلاّ لعذر كالخائف والمريض والرعاة والعبيد. وقال في الجواهر عقيبه: بلا خلاف أجده فيه.
والمستند الروايات الكثيرة الواردة في هذه المسألة، مثل:
صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل ويضحي ويفيض بالليّل.(1)
وموثقة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: رخّص للعبد والخائف والراعي، في الرمي ليلاً.(2)
وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال في الخائف: لابأس بأن يرمي الجمار بالليل ويضحي بالليّل ويفيض بالليّل.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الرّابع عشر، ح 1.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الرّابع عشر، ح 2.
(3) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الرّابع عشر، ح 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الذي ينبغي له أن يرمي بليل من هو؟ قال: الحاطبة والمملوك الذي لا يملك من امره شيئاً، والخائف والمدين والمريض الذي لا يستطيع أن يرمي، يحمل إلى الجمار فإن قدر على أن يرمي وإلاَّ فارم عنه وهو حاضر.(1)
والمستفاد من الروايات جواز الرّمي في الليل بالإضافة إلى العناوين المذكورة فيها وجامعها عنوان المعذور كما فهمه الفقهاء. وغير خفي انّ هذه العناوين تختلف مع الطوائف الثلاثة الذين رخص لهم النفر من المشعر إلى منى قبل طلوع الفجر حيث انّ الظاهر جواز الرمي لهم بعد الورد إلى منى وإن لم يطلع الفجر من ليلة العيد، فضلاً عن طلوع الشمس يومه. كما وقع التصريح بذلك في بعض الروايات الدالة على الترخيص فان النساء بعنوانهن من جملة ملك الطوائف مع أنه لا يصدق عليهن عنوان المعذور إلاَّ بالإضافة إلى بعضهن كالرجال. والثمرة تظهر في جواز الرمي في الليل في غير ليلة العيد، فإنه لا يجوز على الطوائف المذكورة ذلك إلاَّ مع الدخول في عناوين روايات هذا الباب، كالخائف ـ مثلاً ـ في بعض مصاديقه. وكيف كان ظاهر روايات المقام الدالة على جواز الرّمي في الليل أنه لا فرق في الليل بين المتقدم والمتأخر لعموم النصوص والفتاوى. كما ذهب إليه صاحب الجواهر تبعاً لكاشف اللثام.
ولكن قال في محكّي المدارك: « والظاهر أن المراد بالرّمي ليلاً رمي جمرات كل يوم في ليلته، ولو لم يتمكن من ذلك لم يبعد جواز رمي الجميع في ليلة واحدة، لأنه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الرّابع عشر، ح1.
في جواز الرّمي ماشياً وراكباً
مسألة 7 ـ يجوز الرّمي ماشياً وراكباً، والأوّل أفضل.[1]
أولى من الترك أو التأخير وربما كان في اطلاق بعض الروايات المتقدمة دلالة عليه».
ومقتضى الإطلاق إنه لا فرق بين صورتي التمكن وعدمه، وعليه فيجوز المعذور في الليلة الثاني عشر رمي الجمار مرتين، مرة لليوم الماضي وأخرى لليوم الآتي.
فرع: هل المريض الذي لا يتمكن من الرمي في اليوم، يجب عليه أن يستنيب للرمي في اليوم، أو يتعين عليه أن يصبر ويرمي بالمباشرة في الليل، أو يتخير بين الأمرين; وجوه ظاهر الماتن(قدس سره) في الجواب عن السؤال عنه هو الوجه الثالث ولعلّ وجهه جريان كلا الدليلين بالإضافة إليه الدليل الدال على أن غير المتمكّن يرمى عنه الجمار. وقد ورد بعض رواياته في خصوص المريض. والدليل الدّال على أن المعذور عن الرّمي في اليوم يرمي في الليل وحيث إنه لا ترجيح لإحدهما على الآخر فهو يتخير بين الأمرين ويحتمل ترجيح الثاني على الأوّل، لأن النيابة أمر على خلاف القاعدة لا يصار إليها إلاَّ مع قيام الدليل الواضح عليها. ومع وجود الدليل على توسعة زمان الرّمي بالإضافة إلى الليل ولو بالنسبة إلى خصوص بعض العناوين لا يصار إلى النيابة. ولعلّ في رواية أبي بصير المتقدمة إشارة لولا دلالة إلى ذلك، فتدبر. فالأحوط الرمي في الليل في الفرض المزبور.
[1] قد وقع التصريح في جملة من الكتب الفقهية بانّ المستحب هو الرمي ماشياً. والظاهر انّ المراد هو الرّمي راجلاً. لانّ الرّمي يغاير الطواف والسعي حيث إن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحركة مأخوذة في مفهومهما، بخلاف الرّمي، فإنه لا تعتبر الحركة في معناه ومهيته. فالمراد من عنوان الماشي هو الراجل في مقابل الرّاكب. نعم في الحركة عن الخيمة التي هي مقره إلى محلّ الرمي يتصور عنوان الماشي. وكيف كان فالدليل على الإستحباب وجواز الرّمي راكباً ملاحظة الجمع بين الروّايات المتعددة الواردة في المقام، مثل:
صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عن أبيه عن آبائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرمي الجمار ماشياً.(1)
ورواية أحمد بن محمّد بن عيسى، انّه رأى أبا جعفر (عليه السلام) رمى الجمار راكباً.(2)
ومرسلة محمد بن الحسين عن بعض أصحابنا عن أحدهم (عليه السلام) في رمي الجمار، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رمى الجمار راكباً على راحلته.(3)
ورواية معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل رمى الجمار وهو راكب فقال لا بأس به.(4)
هذا وعن المبسوط والسرائر: انّ الركوب أفضل لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رماها راكباً وفي محكي المدارك: لم أقف على رواية تتضمن ذلك من طريق الاصحاب.
قلت: لو كان المراد أنه(صلى الله عليه وآله وسلم) رماها راكباً أحياناً فهو لا يدل على استحبابه خصوصاً بعد دلالة صحيحة علي بن جعفر، على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرمي الجمار ماشياً. ولو كان المراد استمرار عمله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الرمي راكباً، فلا يكون في البين ما يدل عليه
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب التاسع، ح1.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثامن ح 1.
(3) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثامن ح 2.
(4) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب الثامن، ح 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اصلاً.
ثم إن هنا بعض الروايات المتعرضة لكيفيّة الحركة إلى محل الرّمي، مثل:
رواية عنبسة بن مصعب، قال: رأيت أبا عبدالله (عليه السلام) بمنى يمشي ويركب، فحدثت نفسي أن أسأله حين أدخل عليه، فابتدأني هو بالحديث، فقال: إن علي بن الحسين(عليه السلام)كان يخرج من منزله ماشياً إذا رمى الجمار ومنزلي اليوم انفس ( ابعد ) من منزله فاركب حتى آتي إلى منزله، فإذا انتهيت إلى منزله مشيت حتى ارمي الجمار «الجمرة».(1)
ومرسلة الحسن بن صالح عن بعض أصحابه، قال: نزل أبو جعفر (عليه السلام) فوق المسجد بمنى قليلاً عن دابته حتى توجه ليرمي الجمرة عند مضرب علي بن الحسين (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك لم نزلت هيهنا؟ فقال: انّ هذا مضرب علي بن الحسين (عليه السلام)ومضرب بني هاشم وأنا احبّ أن أمشي في منازل بني هاشم.(2)
ورواية علي بن مهزيار، قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يمشي بعد يوم النحر حتى يرمي الجمرة، ثم ينصرف راكباً وكنت اراه ماشياً بعدما يحاذي المسجد بمنى.(3) وفي دلالة بعضها على استحباب المشي إلى الرّمي بعنوانه تأمل وإشكال، والأمر سهل.
وينبغي في باب الرّمي التنبيه على أمرين:
أحدهما: أنه ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في معنى الجمرة، والمراد منها ما ملخّصه: «أن المراد منها البناء المخصوص أو موضعه، إن لم يكن كما في كشف اللثام. سمّى بذلك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب التاسع، ح 2.
(2) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب التاسع ح5.
(3) وسائل: أبواب رمي جمرة العقبة، الباب التاسع ح2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لرميه بالحجار الصغار المسماة بالحجار، أو من الجمرة بمعنى اجتماع القبيلة لاجتماع الحصى عندها أو من الاجمار بمعنى الاسراع، لما روى ـ في نهاية ابن الأثير ـ أن آدم(عليه السلام) رمى فاجمر إبليس من بين يديه، أو من جمرته وزمرته الى نحيته، وفي الدروس انّها اسم لموضع الرّمي وهو البناء أو موضعه مما يجتمع من الحصى، وقيل هي مجتمع الحصى لا السائل منه. وصرّح علي بن بابويه بأنه الأرض. ولا يخفى عليك ما فيه من الاجمال إلى أن قال بعد ترجيح كلام الدروس على كلام كشف اللثام الظاهر في تقييد الصدق على الأرض بزوال البناء معللاً استبعاد موقف الصدق عليه: ويمكن كون المراد بها المحلّ بأحواله التي منها الارتفاع ببناء أو غيره أو الانخفاض».
وفي رواية ابي غسان المتقدمة، تشبيه الجمار بالصفا والمروة وانّها حيطان وظاهرها كون المراد منها هو البناء، لكن الرواية غير معتبرة.
ثانيهما: ذكر بعض الاعلام (قدس سره) انّ الجمرة الموجودة في زمن النبي والأئمة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لا ريب في تغييرها لعدم امكان بقائها فشخصها لا يلزم رميه جزماً بعد عدم امكان البقاء وبقاء، حكم الرمي إلى يوم القيامة قطعاً. وعليه فإذا كان التغيير بنحو بنى بعد زوالها جمرة أخرى أو رممت أو طليت بالجص والسمنت بحيث يعدّ ذلك جزء منها لا بأس برميها. وأمّا إذا فرض أنه بنى على الجمرة بناء آخر مرتفع أعلى من الجمرة السّابقة الموجودة في زمانهم(عليهم السلام) كما في زماننا هذا فلا يجتزي برمي المقدار الزائد المرتفع لعدم وجود هذا المقدار في زمانهم، فلم نحرز جواز الإكتفاء برمي هذا المقدار. قال: والاحوط لمن لا يتمكن من رمي نفس
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجمرة القديمة أن يرمي بنفسه المقدار الزائد المرتفع ويستنيب شخصاً آخر لرمي الجمرة القديمة المزيد عليها.
ويرد عليه:
أوّلاً: أن البناء على الجمرة بناء آخر مرتفع أعلى من الجمرة السّابقة يستلزم الاضافة والزيادة بالنسبّة إلى الأصل أيضاً ولا يكون التغيير ـ حينئذ ـ بمجرد الكيفية فقط، بل التغيير في الكمية أيضاً أصلاً وفوقاً و ـ حينئذ ـ فاللازم عدم الاجتزاء برمي الأصل أيضاً ولا مجال للالتزام به.
وثانياً: أنه مع قطع النظر عما ذكرنا، نقول: أن ارتفاع الجمرة لا يستلزم خروج المقدار المرتفع عن عنوانها، فإن الجمرة سواء كان المراد بها الارض أو كان المراد البناء باقية بعنوانها، ولا تكون الجمرة المرتفعة جمرة وإضافة بل المجموع هي الجمرة.
ويؤيد ما ذكرنا التوسعة المتحققة في المسجدين، المسجدالحرام ومسجدالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث إنّها لا توجب خروج الزائد عن العنوان ولا عن الاحكام المترتبة عليهما، فإذا قلنا بالتخيير بين القصر والإتمام في خصوص المسجدين لا في مجموع البلدين يكون التخيير المزبور ثابتاً في جميع أجزائهما ولو الاجزاء الحادثة في الازمنة المتعددة.
كما انّ الإحرام للحج بالإضافة إلى المتمتع اللاّزم وقوعها في بلد مكّة قد مّر البحث سابقاً في انه يجوز ايجاده من أية نقطة من نقاط مكة وحتى النقاط الحادثة في الأزمنة الأخيرة، وقد تقدم الإستدلال عليه.
وعليه فالتوسعة لا تقتضي عدم توسعة الحكم والمقام من هذا القبيل فان
في وجوب الهدي
الثاني من الواجبات، الهدي. ويجب أن يكون إحدى النعم الثلاث: الإبل والبقر والغنم، والجاموس بقر، ولا يجوز سائر الحيوانات والأفضل الإبل ثم البقر، ولا يجزي واحد عن اثنين أو الزيادة بالإشتراك حال الإختيار، وفي حال الإضطرار يشكل الإجتزاء، فالأحوط الشركة والصوم معاً.[1]
الارتفاع لا يقتضي سلب العنوان، وهو الملاك في الأحكام كما لا يخفى، فيجوز من المقدار المرتفع الموجود في هذه الأزمنة أيضاً.
[1] في هذا الأمر جهات من الكلام:
الجهة الاولى: في أنه يختص وجوب الهدي بحج التمتع بخلاف رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير. وأمّا غير حج التمتع فلا يجب فيه الهدي. قال الله تبارك وتعالى: (فاذا امنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) الآية.(1) ومقتضى ظاهره أنه في صورة الأمن وعدم الإحصار يجب على المتمع ما استيسر من الهدي والروايات الدالة على ذلك كثيرة، مثل:
صحيحة زرارة، قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل؟ فقال: المتعة، فقلت: وما المتعة؟ فقال: يهلّ بالحج في أشهر الحج فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصّفا والمروة وقصّر وأحلّ، فإذا كان يوم التروية وأهلّ بالحج ونسك المناسك وعليه الهدي، فقلت: وما الهدي؟ فقال: أفضله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة، الآية 192.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بدنة وأوسطه بقرة وأخفضه شاة، الحديث.(1)
ورواية سعيد الأعرج، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام) من تمتع في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى يحضر الحاج من قابل فعليه شاة، ومن تمتع في غير اشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنّما هي حجة مفردة وانّما الاضحى على أهل الامصار.(2) وغير ذلك من الروايات الظاهرة في أن الهدي من خصائص حج التمتع ولا يجب في غيره.
لكن هنا رواية ربما يكون ظاهرها غير ذلك، وهي صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال في رجل اعتمر في رجب، فقال: إن كان أقام بمكّة حتى يخرج منها حاجّاً فقد وجب عليه هدي، فان خرج من مكّة حتى يحرم من غيرها فليس عليه هدي.(3) وقد حملها الشيخ (قدس سره) في التهذيب على من بقى وأقام بمكة ثم تمتع بالعمرة إلى الحج، ولازمه خروجه من مكّة في الحج. لأن إحرام حج التمتع لا بد وأن يقع في مكّة، والشرطية الثانية ناظرة إلى غير المتمتع. ويحتمل الحمل على وجوه أخر، مثل الحمل على ضرب من الندب أو على أنه ليس المراد بالهدي ما هو الواجب في حج التمتع، بل المراد به هي الكفارة بلحاظ وجوب الحج عليه من خارج مكة بالنذر أو غيره فاحرم منها. وقد احتمل في الجواهر أن ما في الدروس بعد نقل الحديث من أن فيه دقيقة إشارة إلى هذا الوجه. وعلى تقدير عدم امكان الحمل لابد من ردّ علمه إلى أهله، كما لايخفى. وكيف كان فلا شبهة في وجوب الهدي في التمتع بل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب اقسام الحج، الباب الخامس، ح3.
(2) وسائل: ابواب اقسام الحج، الباب العاشر، ح 1 .
(3) وسائل: ابواب الذبح، الباب الأوّل، ح2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في اختصاصه به وعدم وجوبه في غيره حتى القران لعدم تعينه بوجه.
نعم وقع الكلام في أن المكي إذا تمتع هل يجب عليه الهدي أم لا؟ فالمشهور شهرة عظيمة هو الأوّل، بل في الجواهر: لم يحك الخلاف فيه إلاَّ عن الشيخ في المبسوط جزماً والخلاف احتمالاً.
والوجه في خلافه قوله تعالى في ذيل الآية المتقدمة: (ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام) بناء على رجوع اسم الاشارة إلى الهدي لا إلى التمتع، لأنه كقوله من دخل داري فله درهم، ذلك لمن لم يكن عاصياً في الرجوع إلى الجزاء دون الشرط.
وأجيب عنه بأن مقتضى كون كلمة « ذلك » إشارة إلى البعيد أن يكون المشار إليه بها هو التمتع دون الهدي.
أقول: البحث في الآية يقع تارة بملاحظة ما هو مقتضاها في نفسها مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها وأخرى مع ملاحظة تلك الروايات.
أمّا مع قطع النظر عنها، فالظاهر أن وقوع إسم الإشارة عقيب الجملة الشرطية التي اشير به إليها يقتضي أن يكون المشار إليها هو مفاد الجملة الشرطية، وهو ثبوت الملازمة بين الشرط والجزاء وترتب الثاني على الأوّل. فالمشار إليه بكلمة «ذلك» في الآية الشرطية هي ترتب وجوب الهدي على حج التمتع الذي هو مفاد الشرطية في قوله تعالى (فاذا امنتم بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) ولا معنى لإرجاعه إلى الهدي وحده، ولا وجه لإرجاعه إلى مشروعية التمتع بعد عدم كون الآية مسوقة لبيانها، بل غاية مفادها أن التمتع يلازم وجوب الهدي. وعليه فلا وجه للإشارة إلى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التمتع، وإن حكى عن أبي حنيفة. فالآية بمقتضى ظاهرها تنطبق على فتوى الشيخ(قدس سره)لا بالتقريب الذي أفاده بل بالتقريب الذي ذكرنا.
وأمّا مع ملاحظة الروايات المفسرة فلا يبقى ارتياب في أن مفاد الآية بلحاظ الذيل هي مشروعية التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، فانظر مثل:
صحيحة عبيدالله الحلبي وسليمان بن خالد وأبي بصير كلّهم عن أبي عبدالله(عليه السلام)قال: ليس لأهل مكّة ولا لأهل مرّ ولا لأهل سرف متعة وذلك لقول الله عزّوجلّ: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).(1) ومرّ موضع على مرحلة من مكّة وسرف ككتف موضع قرب التنعيم، ودلالة الرواية على أن المراد بالكتاب هي مشروعية التمتع ووجوبه واضحة إلاَّ أن الاستشهاد بالكتاب لابد وأن يكون مبتنياً على ظهوره ودلالة العرفية التي يكون العرف حاكماً بمفاده، وقد عرفت منع الظهور في الآية في نفسها.
ومثلها صحيحة علي بن جعفر، قال: قلت لأخي موسى بن جعفر (عليه السلام) لأهل مكة أن تمتعوا بالعمرة الى الحج؟ فقال: لا يصلح أن يتمتعوا لقول الله عزوجل: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).(2)
نعم، صحيحة زرارة ظاهرة في التفسير وخالية عن الإستشهاد. حيث روى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام) قول الله عزوجل في كتابه: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام); قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، الحديث.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب اقسام الحج، الباب السادس، ح 1.
(2) وسائل: أبواب اقسام الحج، الباب السادس، ح2.
(3) وسائل: أبواب اقسام الحج، الباب السادس ح 3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فلا يبقى بملاحظة الروايات المتقدمة ومثلها في المراد من الآية، وعليه فمقتضى اطلاق ما دل على وجوب الهدي على المتمتع أنه لا فرق بين المتمتع النائي وبين المكّي إذا تمتع ولو إستحباباً. فإن استحباب الشروع لا ينافي الوجوب بعد وجوبه بالشروع.
الجهة الثانية: في أن الهدي لابد وأن يكون إحدى النعم الثلاث: الإبل والبقر والشاة. ويدل عليه قوله تعالى: (ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)فإن الأنعام لا يصدق إلاَّ على الثلاث المذكورة التي في رأسها الإبل، بحيث إنه قيل بعدم صدق الجمع إذا لم يكن الإبل في البين، فإضافة البهيمة إلى الأنعام إنما هي من قبيل إضافة الجنس إلى النوع، كما أن التوصيف بالثلاثة انّما هو للتوضيح لا للإحتراز.
وكذا يدل عليه مثل صحيحة زرارة المتقدمة المشتملة على السؤال عن الهدي. والجواب بأن أفضله الإبل وأوسطه البقرة وأخفضه الشاة. فإن مفادها عدم خروجه عن هذه الأنواع الثلاثة، مع أن مقتضى السيرة العملية المستمرة من الصدر الأول إلى يومنا هذا ذلك. ولم ينقل من أحد منهم الخلاف، فلا شبهة في هذه الجهة. وامّا الجاموس فقد وردت فيه رواية علي بن الريّان بن الصلت، كتب إلى ابي الحسن الثالث (عليه السلام) يسأله عن الجاموس عن كم يجزي في الضحية؟ فجاء في الجواب: إن كان ذكراً فمن واحد وإن كان انثى فمن سبعة.(1)
الجهة الثالثة: في عدم إجزاء الهدي الواحد إلاَّ عن الواحد. فلا يجتزي به عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اثنين أو الزيادة بالشركة، كما هو المشهور بل في الجواهر: عن ضحايا الخلاف الاجماع عليه. ويدل عليه مضافاً إلى قوله تعالى: (فما استيسر من الهدي) نظراً إلى انّ «من» للتبيين. والمراد بالهدي المستيسر هو بيان النعم الثلاثة وأن الميسور منها كاف دون اجزاء الهدي وأبعاضه. وكذا قوله تعالى عقيبه: (فمن لم يجد فصيام...)لظهوره في أن المراد عدم وجدان الهدي الكامل التامّ الروايات الكثيرة المتعددة مثل:
صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال: لا يجوز البدنة والبقرة إلاَّ عن واحد بمنى(1) والمراد بعدم الجواز هو عدم الاجزاء ولا اختصاص للحكم بالبدنة والبقرة، بل يشمل الشاة أيضاً. وعدم التعرض لها باعتبار عدم تحقق غرض الشركة فيها غالباً، باعتبار عدم كثرة قيمتها والتخصيص بمنى وأن كان يوجب خروج الاضحية بغيرها إلاَّ أن مقتضى الإطلاق أنه لا فرق في منى بين الهدي وغيره. والقدر المتيقن هو الأوّل.
ورواية محمد بن عليّ الحلبي، قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن النفر تجزيهم البقرة؟ قال: أمّا في الهديّ فلا وامّا في الاضحى فنعم.(2) والرواية ظاهرة الدلالة على عدم إجزاء الهدي الواحد، ولو كان بقرة عن غير الواحد إلاَّ انّ في سندها محمد بن سنان.
وصحيحة الحلبي ـ الذي يراد به عند الاطلاق عبيدالله بن علي الحلبي ـ عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: تجزي البقرة أو البدنة في الامصار عن سبعة ولا تجزي بمنى إلاَّ عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح1.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح10.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحد.(1)
فلا إشكال بملاحظة ما ذكر في عدم الاجزاء في حال الاختيار وعدم الضرورة. وأمّا في حال الضرورة فالمشهور هو عدم الإجزاء أيضاً. ولكنه ذكر في الشرايع بعد الحكم بعدم الإجزاء مطلقاً: وقيل يجزي مع الضرورة عن خمسة وعن سبعة إذا كانوا أهل خوان واحد، وظاهره انّ القول المقابل للمشهور هو الحكم بالإجزاء مع وجود الضرورة وكون المشتركين أهل خوان واحد. وذكر بعده في الجواهر أنه لم يعرف القائل بذلك. بل حكي عن جماعة الجواز عند الضرورة مطلقاً، كالشيخ في جملة من كتبه، وعن بعض الكتب الجواز إذا كانوا أهل خوان واحد. والروايات الواردة في هذا المجال كثيرة. لكن المهمّ منها ثلاث روايات معتبرة:
احديها: صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن قوم غلت عليهم الأضاحي وهم متمتعون وهم مترافقون وليسوا بأهل بيت واحد وقد اجتمعوا في مسيرهم ومضربهم واحد، ألهم أن يذبحوا بقرة؟ قال لا احبّ ذلك إلاَّ من ضرورة.(2) والرواية ظاهرة الدّلالة على جواز الاجتماع في ذبح بقرة واحدة في حج التمتع في حال الضرورة من دون فرق بين القول بأن التعبير في الجواب بقوله: «لا أحبّ» ظاهر في الكراهة المصطلحة، وبين القول بانه ظاهر في المبغوضية التي تجتمع مع الحرمة والكراهة. فإنه على أي تقدير يكون مفاده الجواز في صورة الضرورة، كما أنه من الواضع ثبوت الهدي في حج التمتع مطلقاً، سواء كان واجباً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح4.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح 10.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أومستحبّاً. فإن التمتع المستحب يصير واجباً بالتلبس به والشروع فيه. فيجب فيه الهدي وهذه الصحيحة صالحة للتقييد لإطلاق الروايات المتقدمة الذي كان مقتضاه عدم الفرق بين الإختيار والإضطرار كما لا يخفى.
ثانيتها: صحيحة حمران، قال: عزّت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مأة دينار فسأل أبوجعفر(عليه السلام) عن ذلك، فقال: اشتركوا فيها، قال: قلت: كم؟ قال: ما خفّ فهو أفضل. قال: فقلت عن كم تجزى؟ فقال عن سبعين.(1) والظاهر أنّه لاخصوصية لسبعين، بل هي كناية عن الكثرة. وهذه الرواية وإن كان مفادها جواز الإشتراك مطلقاً إلاَّ أن رواية الحلبي المتقدمة المفصلة بين الهدي وغيره تصلح لتقييد هذه الرواية بغير الهدي وإن كان يبعده أن الحمل عليه يوجب الحمل على الافراد النادرة لندرة غير الهدي بمنى ودعوى كون اكثر الحجاج سابقاً كان حجّهم حجّ افراد ممنوعة جدّاً.
ثالثتها: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: يجزي البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد.(2)
والظاهر أنّها الرواية المعتبرة الوحيدة الدلالة على استثناء ما إذا كان الشركا أهل خوان واحد بعد ظهور أنه لا خصوصية للبقرة بوجه.
وأورد عليه تارة بأن وقوع أبي الحسين النخعي في سند هذه الرواية وفي سند صحيحة الحلبي المتقدمة قرينة على أن مورد هذه الرواية الأضحية لا الهدي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح 11.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن عشر، ح 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الواجب.
وأخرى بأنه على تقدير الإغماض عن تلك الرواية تكون دلالتها على الإجتزاء حتى في الهدي الواجب بالإطلاق. فتقع المعارضة بينها وبين رواية الحلبي المتقدمة الدالة على عدم اجزاء الاشتراك في الهدي. فان مقتضى اطلاقها أنه لا فرق بين ما إذا كانوا من أهل خوان واحد وعدمه. والنسبة عموم من وجه، ومادة الاجتماع هو الهدي بالإضافة إلى جماعة يكونون أهل خوان واحد. فإن صحيحة معاوية تدل بالاطلاق على الاجتزاء ورواية الحلبي على عدمه، فيتعارضان ويرجع إلى إطلاق الادلة العامّة الدّالة على لزوم الهدي التام الكامل على كل متمتع.
والإيراد الأوّل مدفوع بأن وقوع راو واحد في سند الروايتين لا ينافي التعارض بينهما ولا موجب لجعله قرينة على التصرف في دلالة الأخرى بوجه، بل اللازم ملاحظة نفس الدلالتين كما هو ظاهر.
كما أنّ الإيراد الثاني مدفوع أيضاً، مضافاً إلى أن هذه الرواية للحلبي لا تكون صحيحة، لوقوع محمد بن سنان في سندها على ما مرّ بأن وقوع المعارضة بينها وبين صحيحه معاوية بن عمّار بنحو العموم والخصوص من وجه، والحكم بالتساقط ثم الرجوع إلى الادلة العامّة، انّما هو فيما إذا لم يكن لاحد الدليلين خصوصية موجبة لتعين وروده فيه وشموله له، بحيث لا يمكن إخراج مادة الاجتماع عنه. بخلاف الدليل الآخر الذي يكون شموله لها بمجرد الاطلاق ولا مانع من تقييده وإخراج مورد الاجتماع عنه. ففي مثله يجب تقييد اطلاق أحد الدليلين وابقاء الاخر على حاله والمقام يكون ظاهراً من هذا القبيل. فإن تقييد رواية الحلبي الدالة على عدم الاجزاء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الهدي بما إذا لم يكن النفر أهل خوان واحد وأن كان ممكناً لا مانع منه أصلاً. إلاَّ أن تقييد صحيحة معاوية بن عمار الدالة على جواز الإشتراك في بقرة واحدة فيما إذا كان المشتركون أهل خوان واحد بغير الهدي الواجب، بمقتضى رواية الحلبي مشكل بل غير جايز. لأنه لو لم يكن فيه التقييد بمنى لم يكن مانع عن هذا التقييد بوجه. وأمّا مع إضافة عنوان منى يكون مقتضاها ـ حينئذ ـ انّ جواز الاشتراك فيما إذا كانوا أهل خوان واحد يكون مقيّداً بما إذا كان بمنى. مع أنه في الأضحية غير الواجبة لا يكون جواز الاشتراك مقيّداً بمنى بوجه، لوضوح جواز الاشتراك فيها في غير منى مطلقاً، سواء كانوا من أهل خوان واحد أم لم يكونوا. ولا تكون الصحيحة مسوقة لبيان المفهوم حتى يكون الغرض الاصلي منها افادة عدم الجواز في صورة عدم كونهم أهل خوان واحد بل الظاهر أن الغرض الاصلي منها بيان المنطوق وهو الجواز في صورة الاهليّة المذكورة. ومع ملاحظة ما ذكرنا هل يحتمل جواز حمل الضحية على غير الهدي أو أن التقييد بمنى يوجب نصوصيتها في الشمول لمادة الإجتماع؟ فالإنصاف أنه لا مجال لإخراجها عن الصحيحة، فلا وجه للإيراد الثاني.
وعلى تقدير ما ذكر تدل الصحيحة على جواز الاشتراك إذا كانوا أهل خوان واحد. كما أن صحيحة ابن الحجاج المتقدمة دلّت على الجواز في صورة الضرورة. فهل يحكم بلزوم اجتماع القيدين في الحكم بالجواز كما حكاه في الشرايع، أو يحكم بكفاية وجود احدهما في الحكم المذكور وأن كان لا يظهر من الفقهاء بوجه؟ لا يبعد الثاني لما مرّ من وجه.
ثم أنه على تقدير عدم وضوح حكم الضرورة من الأدلة نفياً وإثباتاً يكون
في اعتبار السنّ في الهدي
مسألة 8 ـ يعتبر في الهدي أمور: الأوّل، السنّ، فيعتبر في الابل الدخول في السّنة السادسة، وفي البقر الدخول في الثالثة على الأحوط ، والمعز كالبقر، وفي الضأن الدخول في الثانية على الأحوط .[1]
مقتضى العلم الإجمالي بلزوم الإشتراك أو الصوم الذي هو بدل عن الهدي هو الإحتياط بالجمع بين الأمرين كما افيد في المتن.
[1] اقول أمّا الابل فالنص والفتوى متوافقان على أنّ أقلّ ما يجزي منه هو الثني وهو الذي له خمس ودخل في السّادسة ولا إشكال ولا خلاف في هذا التفسير في صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبدالله (عليه السلام) عن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: الثنية من الإبل والثنية من البقر والثنية من المعز والجذعة من الضأن.(1) فلا شبهة في حكم الإبل.
وأمّا البقر فقد ورد في صحيحة العيص الثني منها أيضاً. والمشهور في كلام الأصحاب كما اعترف به غير واحد، بل في محكي كشف اللثام نسبته إلى قطعهم انّ الثني من البقر ما له سنة ودخل في الثنية. وعن جماعة بل قيل أنه المعروف في اللغة هو ما دخل في الثالثة. فإن فيها تسقط ثنيتها على ما قيل.
وفي صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الإبل والبقر أيّهما أفضل أن يضحي بها؟ قال: ذوات الأرحام. وسألته عن أسنانها، فقال: أمّا البقرة فلا يضرك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بأيّ أسنانها ضحيت، وأمّا الإبل فلا يصلح إلاَّ الثنيّ فما فوق.(1) وهي وإن كانت ظاهرة في عدم اعتبار سن خاص في البقر، إلاَّ أن ملاحظة أن صدق البقرة وانطباق عنوانه يتوقف على مضيّ زمان، لانه قبله يصدق عنوان العجل دون البقر، كما فيما يرادفه من سائر اللغات مثل اللغة الفارسية، وهذا يقتضي مضيّ زمان اقلّه سنة واحدة. فهذا يؤيّد التفسير المشهور في ثني البقر، كما عرفت.
وفي صحيحة محمد بن حمران عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: اسنان البقر تبيعها ومسنّها في الذبح سواء.(2) وقد ذكر عنوان التبعية في باب الزكاة، وقالوا هناك أن المراد منها ما اكمل سنة واحدة ودخل في الثانية، والظاهر عدم اختلاف المراد في الموردين، فيدل ذلك على أن المراد بالتبعية هو الثني بالتفسير المشهور. وعليه فيرتفع اختلاف الروايات، ومنه يظهر أنه لا وجه للإحتياط الوجوبي الذي هو ظاهر المتن. بل الظاهر إن الإحتياط إستحبابي.
وامّا الغنم فالمعز منه يعتبر أن يكون ثنيّاً فما فوق. والمراد من ثنيّه ما هو المراد من ثني البقر ممّا عرفت. وامّا الضأن فمقتضى جملة من الروايات الإكتفاء بالجذع منه. كما في صحيحة العيص المتقدمة وفي رواية ابن سنان، قال: سمعت ابا عبدالله (عليه السلام) يقول: يجزي من الضأن الجذع ولا يجزي من المعز إلاَّ الثنيّ.(3) وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) أنه سأل عن الأضحية، فقال: اقرن إلى أن قال: والجذع من الضأن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح5.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح 7.
(3) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح6.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يجزي والثني من المعز. الحديث.(1)
وفي رواية حمّاد بن عثمان، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) ادنى ما يجزي من اسنان الغنم في الهدي. فقال: الجذع من الضأن. قلت: فالمعز. قال: لا يجوز الجذع من المعز. قلت: ولم؟ قال: لأن الجذع من الضأن يلقح والجذع من المعز لا يلقح.(2)
وفي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث، قال: ويجزي في المتعة الجذع من الضأن ولا يجزي جذع من المعز.(3) وغير ذلك من الروايات الدالة على التفصيل بين المعز والضأن بهذه الكيفية.
وقد وقع الخلاف في تفسير الجذع فعن جملة من أساطين اللغويين: أنه الداخل في السنة الثانية، وعن جملة من كتب قدماءِ الاصحاب: أنه عبارة عما لم يدخل في السنة الثانية. بل عن بعضهم التصريح بانه الذي له سبعة اشهر وعن العلامة في جملة من كتبه: انه الذي له ستة أشهر. وعن ابن الأعرابي: الاجذاع وقت وليس بسن ويختلف باختلاف الحالات.
وكيف كان فإن قلنا بأنّ الثني من الغنم ما أكمل السنة الواحدة، فاللازم أن يكون الجذع أقلّ منه. ليتحقق الإختلاف بين الثني والجذع المصرح به في الروايات المتقدمة. وعليه فالجذع ما لم يكمل السنة والواحدة فينطبق على جملة من التفاسير المتقدمة. ثم إنه يمكن أن يكون مبنى الإحتياط الوجوبي المذكور في المتن في الضأن وفي سابقة من ثنى البقر والمعز هو أن غاية ما يستفاد من الادلة هو اعتبار الثني في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح 3.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح 4.
(3) وسائل: أبواب الذبح، الباب الحادي عشر، ح 6 .
في أنه يعتبر أن لا يكون الهدي مريضاً
الثاني: الصحة والسّلامة، فلا يجزي المريض حتى الاقرع على الاحوط.
الثالث: أن لا يكون كبيراً جدّاً.[1]
البقر والجذع في الضأن. وبعد الرجوع إلى تفسيرهما نرى تحقق الإختلاف في معناهما. وحيث إنه لم يثبت لناشيء من التفسيرين أو التفاسير فيهما; فاللازم الرجوع إلى الاصل العملي وهو يقتضي الإحتياط.
و يرد عليه إنه بعد وصول النبوة إلى الأصل العملى و عدم استفادة شيء من الأدلة اللفظية و القرائن و الشواهد المذكورة فيها مما عرفت يكون مقتضى الاصل العملى هى البرائة عن الكلفة الزائدة والضيق الزائد المشكوك لان المقام من موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الإرتباطى كاشك فى جزئية شيء زائد للمركب أو فى شرطية أمر زائد للمشروط و نحوهما و مقتضى التحقيق فيه جريان إصالة البرأئة لا الإحتياط كما قرر فى محلّه من الاصول فأصالة الإحتياط تستقيم على هذا الفرض ايضاً.
[1] قال العلاّمة في محكي المنتهى: «قد وقع الإتفاق من العلماء على اعتبار هذه الصفات الأربع ـ يعني العناوين الواقعة في الرواية الآتية ـ في المنع وروى البراء بن عازب. قال: قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً، فقال: أربع لا تجوز في الأضحى: العوراء البيّن عورها. والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكبيرة التي لاتنقى. ثم قال: ومعنى البين عورها التي انخسفت عينها وذهبت، فان ذلك ينقصها، لأن شحمة العين عضو يستطاب اكله، والعرجاء البين عرجها التي عرجها متفاحش
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يمنعها السير مع الغنم ومشاركتهن في العلف والرعي فتهزل، والتي لا مخّ لها لهزالها لأن النّقي بالنون المكسورة والقاف الساكنة المخّ. والمريضة قيل هي الجرباء لأن الجرب يفسد اللّحم. والاقرب اعتبار كلّ مرض يؤثر في هزالها وفي فساد لحمها».
ومع قطع النظر عن دعوى العلامة الإجماع والرواية العاميّة المذكورة لا دليل على اعتبار الصحة والسّلامة في مقابل المرض، لأنّ عمدة ما ورد في هذا الباب صحيحة علي بن جعفر انّه سأل اخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يشتري الاضحية عوراء فلا يعلم إلاَّ بعد شرائها، هل تجزي عنه؟ قال: نعم إلاَّ أن يكون هدياً واجباً فإنه لا يجوز أن يكون ناقصاً.(1) ومن المعلوم أن موضوع الحكم بعدم الجواز فيها هو الهدي الواجب الناقص. غاية الأمر أن التطبيق على المورد الذي لا محيص عنه يقتضي الالتزام بكون العوراء ناقصاً، لأنه لا مجال لاحتمال عدم الإنطباق. وعلى أيّ فلا دلالة لها على أزيد من عدم جواز عنوان الناقص. والظاهر عدم انطباقه على المريض. لأن النقص في مقابل الكمال والتمامية والمرض في مقابل الصحة والسّلامة فلا دلالة للصحيحة على المنع من المريض إلاَّ أن دعوى العلامة في العبارة السابقة الإجماع. وظاهره إجماع جميع علماء المسلمين لا خصوص علماء الإمامية فقط، بضميمة الرواية المذكورة، وإن كانت غير معتبرة في نفسها مقتضى لزوم رعاية الإحتياط في هذا الأمر ويمكن أن يكون قوله «على الأحوط» في المتن راجعاً إلى أصل اعتبار هذا الأمر، لا إلى الاقرع، فتدبّر. هذا بالنسبة إلى المرض.
وامّا بالنسبة إلى عدم كونه كبيراً جدّاً، فهو أيضاً كالمريض لا دليل عليه ولا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الواحد والعشرون، ح1.
في أنه يعتبر أن يكون الهدي تام الأجزاء
الرّابع: أن يكون تامّ الأجزاء. فلا يكفي الناقص كالخصيّ. وهو الذي اخرجت خصيتاه، ولا مرضوض الخصية ولا الخصىّ في أصل الخلقة.[1]
تشمله الصحيحة. بل غاية ما فيه ادعاء العلامة بضميمة الرواية المذكورة، والوارد في الرواية هي الكبيرة التي لا تنقى. وقد فسرها بالتي لا مخ لها لأن النقي المخ، ومنشأه الكبر الذي يوجب وهن العظم وخلوّه من الجوف نوعاً. وأقصى ما فيه ايضاً هو الإحتياط اللزومي دون الفتوى كما في المريض. وأن كان ظاهر المتن بناء على الإحتمال الذي ذكرنا هو الفرق بين الأمرين.
[1] أمّا بالنسبة إلى اصل اعتبار التمامية وعدم كفاية الناقص بنحو الإجمال، فتدل عليه صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، ولكنها لا تنافي ثبوت الجواز في بعض مصاديق النقص وموارده، لقيام الدليل عليه، لأن مرجعه إلى صيرورته مقيّداً لإطلاق الصحيحة. فاللازم ملاحظة جملة من الموارد فنقول:
منها الخصّى وفسّره في المتن بالذي أخرجت خصيتاه. واليه يرجع ما في الجواهر من أنه مسلول الخصية. وصرّح غير واحد بعدم إجزائه، بل هو المشهور، بل عن ظاهر التذكرة والمنتهى الإجماع عليه.
ويدل على المنع فيه بالخصوص صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) أنه سأل عن الأضحية، فقال: اقرن فحل، إلى أن قال: وسألته أيضحي بالخصّي؟ فقال: لا.(1)
وصحيحة عبدالرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن الرجل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثاني عشر، ح 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يشتري الهدي، فلمّا ذبحه إذا هو خصّي مجبوب ولم يكن يعلم أن الخصّي لا يجزي في الهدي، هل يجزيه ام يعيده؟ قال لا يجزيه إلاَّ أن يكون لا قوّة به عليه.(1)
لكن في مقابلها صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: النعجة من الضأن ـ ميش مادة ـ إذا كانت سمينة أفضل من الخصيّ من الضأن، وقال: الكبش ـ قوچ ـ السمين خير من الخصّي ومن الانثى. وقال: سألته عن الخصي وعن الانثى، الانثى أحبّ إليّ من الخصّي.(2) فإنّها ظاهرة في جواز الخصي في الاضحية ومقتضى إطلاقها أنه لا فرق فيها بين الهدي وغيره من الأضحية المندوبة. ولكن ظهور صحيحة ابن الحجاج في المنع عن الخصي في الهدي، بل دلالتها على كون عدم الجواز مفروغاً عنه عند السائل يوجب حمل صحيحة الحلبي على الاضحية المندوبة. وإن شئت قلت أن صحيحة ابن الحجاج شاهدة للجمع بين صحيحة ابن مسلم الدالة على إطلاق المنع وصحيحة الحلبي الدالة على إطلاق الجواز، فتدبر.
ومنها مرضوض الخصيتين، وهو الذي رضّت خصيتاه. وظاهر المتن أنه لا يجزي. نعم في بعض نسخة إضافة: «على الأحوط» وعليه فيتحقق الفرق بينه وبين الخصّي ولا يكون بهذا العنوان في شيء من الفتاوى ولا النصوص. نعم يوجد في رواية واحدة وهي رواية أبي بصير. قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن النعجة أحبّ إليك أم الماعز؟ قال: إن كان الماعز ذكراً فهو أحبّ إليّ و إن كان الماعز انثى فالنعجة أحبّ إلىّ. الى أن قال: قلت فى (فاظَ) الخصى أحبّ إليك أم النعجة؟ قال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثاني عشر، ح 3.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثاني عشر، ح 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المرضوض أحبّ إلىّ من النعجة و ان كان خصيّاً فالنعجة.(1) و ظاهرها الفرق بين الخصىّ والمرضوض من حيث الجواز و عدمه. واللازم الأخذ بها.
ومنها الموجوء. و هو كما في الجواهر: مرضوض عروق الخصيتين حتى تصنبد. و قدوردت فيه صحيحة معاوية بن عمار فى حديث، قال: ابو عبدالله(عليه السلام) اشتر فحلاً سميناً للمتعة. فإن لم تجد فموجوءاً، فإن لم تجد فمن فحولة المعز فإن لم تجد فنعجة، فإن لم تجد فما استيسر من الهدى، الحديث.(2) و صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما(عليه السلام) فى حديث قال: والفحل من الضأن خير من الموجوء، والموجوء خير من النعجة، و النعجة خير من المعز.(3) و رواية أخرى لمعاوية بن عمّار عن ابى عبدالله(عليه السلام) فى حديث قال: فان لم تجد كبشاً فموجاء من الضأن.(4)
وبملاحظتها يظهر أن الحكم فيه هوالجواز، و أن حكى عن السرائر أنه غير مجز، و لكنه قال قبله بأسطر إنه لابأس به و إنه أفضل من الشاة. ثم إن الظاهر جريان حكم الخصىّ و هو عدم الإجزاء فى الخصىّ بحسب أصل الخلقة. و ذلك لإطلاقات الواردة فى الخصىّ الدالة على عدم الجواز الظاهرة فى عدم الفرق بين الخصىّ بالعرض والخصىّ بحسب أصل الخلقة ولا اشعار فى شئ منها بالإختصاص بالأوّل. و تؤيده صعوبة التمييز بين الأمرين و تشخيص الذاتى من العرضى.
والظاهر أن توصيف الخصىّ بالمجبوب كما في بعض الروايات المتقدمة ليس قيداً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع عشر، ح 3.
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى عشر، ح 7.
(3) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع عشر، ح 1.
(4) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع عشر، ح 2.
فى حكم مقطوع الذنب والأذن
ولامقطوع الذنب ولا الأذن، ولايكون قرنه الداخل مكسوراً ولابأس بما كسر قرنه الخارج، و لايبعد الإجتزاء بما لايكون له أذن ولاقرن فى اصل خلقته، والأحوط خلافه.[1]
توضيحيّاً ثابتاً فى جميع موارد الخصىّ بل احترازيا مفاده هو الخصىّ بالذات في مقابل الخصىّ بالعرض، ولكنه يحتاج الى تتبع في كتب اللغة و الدقة فيها، و إن كان جميع العناوين الواردة في هذا المجال كذلك، فراجع و تأمل.
[1] أمّا مقطوع الأذن فقد ورد فيه بعض الروايات مثل رواية السكونى ـ المعتبرة ـ عن جعفر عن أبيه عن آبائه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لايضحى بالعرجاء بيّن عرجها، و لابالعوراء بيّن عورها و لابالعجفاء و لابالخرفاء «بالخرقاء بالحرباء خ» و بالجزعاء و لا بالعضباء، العضباء مكسورة القرن، و الخدعاء المقطوعة الأذن.(1) والظاهر ان التفسير فى الذيل من الإمام(عليه السلام) و مرسلة محمد بن ابى نصر بإسناد له عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سأل عن الأضاحى إذا كانت الاذن مشقوقة او متقوبة بسمة، فقال: مالم يكن منها مقطوعاً فلا بأس.(2) فلا اشكال فى حكم مقطوع الاذن.
وامّا مقطوع الذنب فلم يرد فيه رواية خاصّة، بل عن العلاّمة فى المنتهى: أنه استقرب اجزاء التبراء و قد فسر بمقطوع الذنب، و إن كان يحتمل أن يكون المراد به
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الواحد والعشرون، ح 3.
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثالث والعشرون، ح 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مالاذنب له خلقة وبالإصالة.
و كيف كان فيدل على المنع عنه صحيحة علىّ بن جعفر (عليه السلام) المتقدمة الدالة على أنه لايجوز أن يكون الهدى ناقصاً بدعوى تحقق النقص فيه، خصوصاً مع ملاحظة وجود الذنب بحسب اصل الخلقة، مع أن الظاهر إن المناط في الحكم بعدم الجواز في مقطوع الأذن هوالنقص المتحصّل بذلك. ولافرق من جهة المناط بينه و بين مقطوع الذنب بنظر العرف. فالظاهر إنه لامجال للأشكال هنا أيضاً.
وامّا كون القرن مكسوراً فمقتضنى بعض الروايات عدم الجواز مطلقاً من دون فرق بين قرنه الداخل و قرنه الخارج، كرواية السكوني المتقدمة التى نهى فيها عن العضباء مع تفسيرها بمكسورة القرن لكن مقتضى بعض الروايات التفصيل كما فى المتن، و هى صحيحة جميل عن ابى عبدالله(عليه السلام) في الأضحية يكسر قرنها، قال: إن كان القرن الداخل صحيحاً فهو يجزى.(1)
وقد جعلها في الوسائل روايتين مع وضوح الوحدة و إن كان بينهما إختلاف في التعبير قلة و كثرة. والمراد من القرن الداخل هو الابيض الذى في وسط الخارج.
و امّا ما لايكون له اذن ولاقرن فى أصل خلقته، فقد نفى البعد عن الإجتزاء به كما فى المتن. قال في المدارك: قد قطع الأصحاب بإجزاء الجماء و هي التى لم يخلق لها قرن والصّمعاء و هى الفاقدة الأذن خلقة للاصل ولأن فقد هذه الاعضاء لايوجب نقصاً في قيمة الشاة ولا فى لحمها...» وذكر فى الجواهر بعده: «قلت إن كان إجماع على إجزاء المزبورات فذاك وإلاّ فقد يمنع، لأنه مناف لاطلاق عدم جواز كون الهدي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى والعشرون، ح 1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ناقصاً فى الصحيح المزبور الشامل للجماء والبتراء والصمعاء ولو خلقة ضرورة كون المراد النقص بالنسبة الى غالب النوع لاخصوص الشخص، و عدم النقصان في القيمة واللحم لايمنع صدق النقص الذى ينقطع به الأصل المزبور، مع أنه يمنع عدم النقص فى القيمة...»
و أورد عليه بعض الاعلام(قدس سره) بما ملّخصه أنه لو فرض انّ معزاً لاذنب له حسب جنسه و خلقته الاصلية فلا ريب في عدم صدق عنوان الناقص عليه و مجرد وجوده فى صنف آخر لايوجب صدق الناقص. و أمّا لو فرض أن فرداً من أفراد نوع لاذنب له خلقة اتفاقاً فالامر كذلك ايضاً. لأن النقص إنما يلاحظ بحسب حياته و عيشه كالعوراء والعرجاء. و بعبارة أخرى الأعضاء التى تساعد الحيوان على عيشه و حياته يعتبر فقدها نقصاً. و أمّا فقد العضو الذى لايؤثر في استمرار حياته و عيشه فلا يصدق عليه النقصان و يجوز الإجتزاء به إلاّ إذا كان هناك نص على عدم الجواز كمقطوع الأذن و مكسور القرن الداخل.
والجواب عنه أنه لاشاهد على دعوى اختصاص عنوان الناقص بما إذا كان العضو يساعده على استمرار الحياة والعيش، بل هو أمر عرفى لابد من الرجوع فيه الى العرف و هو لايفرق بين الفرضين اصلاً و عليه فمقتضى اطلاق الصحيحة المنع لكن دعوى القطع بالنسبة إلى الاصحاب من مثل صاحب المدارك مع دقّته و وسوسته توجب الاطمينان بكون الحكم هو الجواز. و قد عرفت انّ صحيحة على بن جعفر لاتكون بمثابة لاتصلح للتقييد. ولكن مع ذلك الاحتياط فى خلافه.
و لو كان عماه او عرجه واضحاً لايكفى على الاقوى وكذا لو كان غير واضح على الأحوط.[1]
[1] امّا العرج الواضح او البين فقد وقع النهي عنه في رواية السكوني المتقدمة و في رواية براء بن عاذب المتقدمة فى كلام العلاّمة فى المنتهى. و قد عرفت إنه ادعى اتفاق جميع العلماء من المنع من الصفات الأربع التي منها العرجاء. بيّن عرجها. فلا إشكال فيه مضافاً إلى شمول اطلاق صحيحة على بن جعفر له، لأنه لاشبهة في كون العرج كذلك من مصاديق النقص بأىّ معنى فسّر. نعم مقتضى الصحيحة أنه لافرق بين البيّن و غيره لعدم الفرق بينهما فى صدق عنوان النقص. لكن التقييد بالبيّن في النصوص والفتاوى يقتضى الفرق بينهما في الحكم، لكنه جعل فى المتن الاحتياط في خلافه، و هوالظاهر.
وامّا العمى الواضح، فقد ذكر العلاّمة بعد عبارته المتقدمة في المنتهى: كما وقع الإتفاق على الصفات الاربع المتقدمة فكذا وقع على ما فيه نقص أكثر من هذه العيوب بطريق التنبيه كالعمى فإنه لايجزى لأن العمى أكثر من العور ولايعتبر مع العمى انخساف العين اجماعاً، لأنه يخل بالسعي مع الغنم والمشاركة فى العلف أكثر من إخلال العرج.
و ظاهره استفادة حكم العمى من طريق الأولوية الذى عبر عنه بطريق التنبيه مع أن انطباق عنوان الناقص المذكور في الصحيحة على الاعمى لامجال للمناقشة فيه فلا حاجة إلى الطريق المذكور.
نعم مقتضى الصحيحة أنه لافرق بين الواضح و غيره، لأن الوضوح لايوجب الإختلاف في صدق عنوان الناقص ولم يقيد بالبين كما في الأعرج، فلذا يكون الإحتياط هنا أشدّ منه، فتدبّر.
في اعتبار أن لايكون مهزولاً
ولابأس بشقاق الأذن و ثقبه والأحوط عدم الإجتزاء به، كما أن الأحوط عدم الإجتزاء بما ابيضّت عينه.[1]
الخامس: أن لايكون مهزولاً ويكفى وجود الشحم على ظهره، والأحوط أن لايكون مهزولاً عرفاً.[2]
[1] مقتضى رواية السكوني و مرسلة ابن أبى نصر المتقدمتين اختصاص المنع بمقطوع الأذن، خصوصاً مع وقوع الثاني جواباً عن السؤال عما إذا كانت الأذن مشقوقة أو مثقوبة بسمة. فان دلالتها على الاختصاص قوية جدّاً.
لكن في صحيحة الحلبي، قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن الضحيّة تكون الأذن مشقوقة. فقال: إن كان شقّها وسماً فلا بأس و أن كان شقاً فلا يصلح.(1) و مقتضاها التفصيل في الشق بين ما إذا كان وسماً فلا مانع منه و ما إذا لم يكن كذلك فلا يصلح. والظاهر كون الطائفة الاولى قرينة على كون المراد بما لايصلح في الضحيّة هي الكراهة لا المنع. و يؤيده ما قيل من أن شق الأذن في الحيوانات كثير جداً. و مما يكثر الابتلاء به، فيكف يخفى المنع عنه على الأصحاب، مع أنهم صرحّوا بالجواز، مع أن القطع مسبوق بالشق نوعاً، فلو كان الشق مانعاً لما تصل النوبة في المانعية الى القطع، فجعله مانعاً دليل على عدم كون الشق كذلك، فتدبّر.
[2] أمّا أصل عدم اعتبار الهزال في الهدى فقد نفى وجدان الخلاف فيه في الجواهر. و يدل عليه روايات متعددة، مثل:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثالث والعشرون، ح 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما(عليه السلام) في حديث، قال: و إن اشترى أضحية و هو ينوى أنّها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، و إن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه و إن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم يجزعنه.(1)
و رواية سيف عن «بن خل» منصور عن ابى عبدالله (عليه السلام) قال: و إن اشترى الرجل هدياً و هو يرى أنه سمين أجزأ عنه و إن لم يجده سميناً، و من اشترى هدياً و هو يرى أنه مهزول فوجده سميناً أجزأ عنه، و أن اشتراه و هو يعلم أنه مهزول لم يجز عنه.(2)
و صحيحة الحلبي عن أبى عبدالله (عليه السلام) قال: إذا اشترى الرجل البدنة مهزولة فوجدها سمينة فقد أجزأت عنه، و إن اشتراها مهزولة فوجدها مهزولة، فانها لاتجزى عنه.(3)
و صحيحة عيص بن القاسم عن أبى عبدالله (عليه السلام) في الهرم الذى قد وقعت ثناياه، أنه لابأس به في الأضاحي، و إن اشتريته مهزولاً فوجدته سميناً اجزأك وإن اشتريته مهزولاً فوجدته مهزولاً فلا يجزي.(4)
و مرسلة الصدوق المعتبرة، قال: قال علىّ (عليه السلام) إذا اشترى الرجل البدنة عجفاء فلاتجزى عنه، و إن اشتراها سمينة فوجدها عجفاء أجزأت عنه، و في هدي المتمتع مثل ذلك.(5)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس عشر،، ح 1.
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 2.
(3) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 5.
(4) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 6.
(5) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 8.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و غير ذلك من الروايات الظاهرة في مانعية الهزال في الجمله، فلا إشكال في الحكم كذلك.
و أمّا معنى الهزال، فقد ورد فيه رواية غير نقية السند مضافة إلى الإضمار، و هي رواية الفضل، قال: حججت بأهلي سنة فعزّت الأضاحي فانطلقت فاشتريت شاتين بغلاء، فلمّا ألقيت أهابيهما ندمت ندامة شديدة لما رأيت بهما من الهزال، فأتيته فأخبرته بذلك، فقال: إن كان على كليتيهما شىء من الشحم أجزأت.(1)
وقد أفتى على طبقها جمع كثير من الفقهاء حتى مثل ابن ادريس في السرائر مع عدم حجية الخبر الصحيح عنده فضلاً عن غيره. نعم ذهب بعض متأخرى المتأخرين إلى خلافه و أحال الأمر إلى العرف. ولكن الرواية موافقة للإعتبار، كما في الجواهر و كشف اللثام وهو الوجه فى العمل بها.
و أمّا التعبير بوجود الشحم على الظهر كما في المتن فلم يعرف له وجه إلاّ أن يكون بين الأمرين التلازم، كما لا تبعد دعويه. و مما ذكرنا ظهر الوجه في الإحتياط الإستحبابي المذكور فيه، بالاضافة إلى حكم العرف و مرجعيته فى الهزال و عدمه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 3.
فيما لو لم يوجد غير الخصىّ
مسألة 9 ـ لو لم يوجد غير الخصىّ لايبعد الإجتزاء به، و إن كان الأحوط الجمع بينه و بين التام في ذي الحجة فى هذا العام و إن لم يتيسّر ففى العام القابل أو الجمع بين الناقص والصوم، ولو وجد الناقص غير الخصىّ فالأحوط الجمع بينه و بين التام في بقيّة ذي الحجة فإن لم يكن ففى العام القابل، والإحتياط التام الجمع بينهما و بين الصوم.[1]
[1] امّا بالنسبة إلى الخصىّ لو لم يوجد غيره فقد نفى البعد عن الاجتزاء به فى هذا الفرض. لكن مقتضى إطلاق الإصحاب عدم الإجزاء، كما اعترف به في الحدائق حتى قال: لم اقف على من قيّد إلاّ على الشيخ في النهاية و تبعه الشهيد في الدروس و بعض من تأخر عنه والروايات التى استدل لها أو يمكن الإستدلال بها على الإجزاء في صورة عدم وجدان غير الحضىّ، ثلاثة:
إحديها: ما استدل به في المدارك من صحيحة معاوية بن عمّار في حديث، قال: قال ابوعبدالله(عليه السلام) اشتر فحلاً سميناً للمتعة فإن لم تجد فموجوءاً، فان لم تجد فمن فحولة المعز، فان لم تجد فنعجة، فان لم تجد فما استيسر من الهدى.(1)
والإستدلال إن كان بلحاظ وجود عنوان الموجوء في الرواية، فقد عرفت أن الموجوء غير الخصىّ بل غير المرضوض أيضاً. فلامجال للإستدلال بها على حكم الخصىّ و أن كان بلحاظ الاستشهاد بقوله تعالى: (فما استيسر من الهدى) و أنه يدل على جواز الميسور من الهدى و إن كان فاقداً لبعض الامور المعتبرة فيه. و بعبارة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى عشر، ح 7.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اخرى تدل الرواية على أنه مع فقد بعض تلك الأمور ينطبق قوله تعالى: (فما استيسر من الهدى) لاقوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج...)فلابأس بهذا النحو من الإستدلال.
ثانيتها: رواية ابى بصير عن أبى عبدالله (عليه السلام) في حديث، قال: فالخصىّ يضحى به؟ قال: لا إلاّ أن لايكون غيره.(1)
ولكنها مخدوشة من حيث السند بعلى بن ابى حمزة الرّاوي عن ابي بصير.
ثالثتها: صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يشتري الهدي فلمّا ذبحه إذا هو خصىّ مجبوب ولم يكن يعلم أنّ الخصىّ لايجزى الهدى هل يجزيه أم يعيده؟ قال: لايجزيه إلاّ أن يكون لاقوّة به عليه.(2)
وهذه الرواية لاتنطبق على المدعى، لأنه عبارة عما لو لم يوجد غير الخصىّ و هذه الرواية تدل على الاجزاء فيما لو لم يقدر و لم يؤسر على الخصىّ. و يدلّ عليه صحيحته الأخرى، قال: سألت ابا عبدالله(عليه السلام) عن الرجل يشترى الكبش فيجده خصيّاً مجبوباً، قال: إن كان صاحبه موسراً فليشتر مكانه.(3) الاّ أن يقال أن الإجزاء في صورة عدم اليسر يدل على الاجزاء في صورة عدم وجدان غير الخصىّ بطريق اولى فتدبّر.
و بملاحظة ما ذكرنا ينقدح أنه لايبعد الحكم بالاجتزاء في مفروض المسألة كما في المتن، و إن كان مقتضى الإحتياط الإستحبابى ما هو المذكور فيه ايضاً. هذا بالنسبة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى عشر، ح 3.
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى عشر، ح 3.
(3) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى عشر، ح 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى الخصىّ.
وأما بالنسبة إلى الناقص غير الخصىّ فالظاهر أن العنوان المفروض في المتن يغاير ما هو المفروض في كلام الفقهاء من زمن الشيخ(قدس سره) إلى زمان المحقق و من بعده. فإن المفروض في المسألة هو عدم وجدان غير الناقص و مورد كلام الفقهاء هو ما لو اشترى هدياً على أنّه تام الأجزاء و خال عن النقص فانكشف بعد الشّراء أنه ناقص غير تامّ و هما أمران لابد من البحث في كل منهما مستقّلاً، فنقول:
الأمر الأوّل: ما هو المذكور في المتن و قد احتاط فيه وجوباً بالجمع بين الناقص يوم العيد و بين التام في ذي الحجة في هذا العام أو العام القابل مع عدم التمكن في هذا المقام ولازمه أنه لم يستفد من الأدلة شيئاً من الإجزاء و عدمه فوصلت النوبة إلى الإحتياط اللّزومى و اللازم في هذا الأمر ملاحظة صحيحة على بن جعفر(عليه السلام)المتقدمة الدالة على أنّه لايجوز أن يكون الهدي ناقصاً من جهة أنّ المستفاد منها هل هو اعتبار عدم النقص و شرطيته بنحو الإطلاق الذى مرجعه إلى ثبوت الشرطية سواء وجد التام أم لم يوجد؟ أو أن مفادها شرطية التمامية فى الجملة و مرجعها إلى أن القدر المتيقن هي الشرطية في خصوص صورة وجدان التام لامطلقاً، فعلى الأوّل يكون مقتضى اطلاق دليل المقيّد أنه مع عدم وجدان غير الناقص ينتقل إلى الصيام و أن المورد داخل في قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام).
كما أنه على الثاني يكون مقتضى الإقتصار في دليل المقيد على القدر المتيقن و هى صورة وجدان التام لزوم اشتراء الهدى الناقص مع عدم وجدان التام و أن المورد داخل في قوله تعالى: (فما استيسر من الهدى).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والظاهر من المتن بملاحظة الإحتياط الوجوبى أنه لم يظهر له من الدليل و هى الصحيحة شىء من الإطلاق و عدمه مع أن الظاهر ثبوت الإطلاق لها و لازمه الانتقال إلى البدل و ارتفاع الحكم بلزوم الهدى في الأضحى، و إن كان المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، أن قوله تعالى: (فما استيسر من الهدى) يدل على الإكتفاء بالميسور منه، لكنه مجرد استيناس لايقاوم الإطلاق الذي يدل عليه صحيحة علي بن جعفر(عليه السلام) فتدبّر.
الأمر الثاني: ماوقع التعرض له في صدر المسألة العاشرة الآتية و هو ما لو انكشف بعد شراء الهدى بعنوان أنّه تام خلافه و أنه ناقص والمحكّى عن الأكثر هو عدم الإجزاء مطلقاً، سواء ظهر النقص بعد نقد الثمن أو قبله أو بعد الذبح أو قبله، والدليل عليه صحيحة على بن جعفر(عليه السلام) بلحاظ كون موردها هذه الصورة حيث إنّه روى عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام) أنه سأل عن الرجل يشترى الأضحية عوراً فلا يعلم عورها الاّ بعد شرائها هل تجزى عنه؟ قال: نعم، إلا أن يكون هدياً واجباً فإنه لايجوز (ان يكون ظ) ناقصاً.(1)
فانّ مقتضى إنطباق الجواب على السؤال الحكم بعدم الإجزاء في الهدى في مورده الذى هو المقام، و مقتضى إطلاق السؤال و ترك الإستفصال في الجواب أنه لافرق في الحكم بعدم الإجزاء بين جميع صور المسألة المتقدمة و غيرها.
لكن هنا روايتان آخرتان صالحتان لتقييد إطلاق الصحيحة المتقدمة:
احديهما: صحيحة معاوية بن عمّار عن ابى عبدالله(عليه السلام) في رجل يشترى هدياً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع والعشرون، ح 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فكان به عيب، عور أو غيره، فقال: إن كان نقد ثمنه فقد أجزأ عنه، و إن لم يكن نقد ثمنه ردّه و اشترى غيره، الحديث.(1)
والظاهر ان موردها صورة العلم بعدالشراء فتدل على التفصيل بين صورة نقد الثمن وصورة عدمه بالاجزاء في الأولى والرّد في الثانية، لأجل خيار العيب و عدم إجزاء المعيب في الهدي.
ثانيتهما: صحيحة عمران الحلبى عن ابى عبدالله(عليه السلام) قال: من اشترى هدياً ولم يعلم انّ به عيباً حتّى نقد ثمنه ثم علم فقد تمّ.(2) والظاهر بلحاظ كون القيود مأخوذة في كلام الإمام(عليه السلام) في بيان موضوع الحكم بالاجزاء خصوصاً مع كونه مخالفاً للضابطة المستفادة من صحيحة علىّ بن جعفر(عليه السلام) هي مدخلية الجميع في الحكم المذكور. فكما أن نقد الثمن دخيل في الإجزاء، كذلك الإنكشاف بعد النقد فبملاحظة هذه الصحيحة يقيد اطلاق صحيحة على بن جعفر بالقيدين المذكورين هنا. و قد أفتى على طبقها الشيخ(قدس سره) في محكّي التهذيب.
ولكن الإشكال في أنّ فتوى المشهور على طبق رواية على بن جعفر(عليه السلام) والحكم بعدم الإجزاء بنحو الإطلاق، هل لأجل إعراضهم عن هاتين الروايتين فلا يبقى مجال للجمع الدلالي وبينهما و بينها؟ أو لأجل الجمع الدلالى بالحمل على بعض الوجوه كحمل الإجزاء على صورة عدم القدرة على استرجاع الثمن أو على الاضحية غير الواجبة. ولكن الظاهر هو الأول كما في الجواهر حتى ذكر أن الشيخ في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع والعشرون، ح 1.
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع والعشرون، ح 3.
فيما لو اعتقد السمن ثم انكشف الخلاف
مسألة 10 ـ لو ذبح فانكشف كونه ناقصاً أو مريضاً يجب آخر، نعم لو تخيل السّمن ثم انكشف خلافه يكفي، ولو تخيل هزاله فذبح برجاء السمن بقصد القربة فتبيّن عدمه يكفي، ولو لم يحتمل السّمن أو يحتمله لكن ذبح من غير مبالاة لابرجاء الإطاعة لايكفي. ولو اعتقد الهزال و ذبح جهلاً بالحكم ثم انكشف الخلاف فالأحوط الإعادة ولو اعتقد النقص فذبح جهلاً بالحكم فانكشف الخلاف فالظاهر الكفاية.[1]
غير التهذيب أعرض عنه.
[1] في هذه المسألة فروع متعددة:
الفرع الأول: ما لو ذبح فانكشف كونه ناقصاً أو مريضاً وقد تعرضنا له في الأمر الثاني من الأمرين المتقدمين في ذيل المسألة التاسعة.
الفرع الثاني: ما لو اعتقد السمن واشتراه مع هذه النية ثم انكشف الخلاف وانه كان مهزولا، وفيه صورتان:
الصورة الأُولى: ما لو كان انكشاف الخلاف بعد تحقق الذبح ظاهر النصوص والفتاوى بل صريحها هو الإجزاء وعدم لزوم هدي آخر، وهو القدر المتيقن من النصوص الواردة في هذا المجال، مثل:
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) (في حديث) قال: وإن اشترى أضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سمينة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم يجز عنه(1).
ورواية منصور عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: وأن اشترى الرجل هدياً وهو يرى أنه سمين أجزأ عنه وإن لم يجده سميناً ومن اشترى هدياً وهو يرى أنه مهزول فوجده سميناً أجزأ عنه، وإن اشتراه وهو يعلم انّه مهزول لم يجز عنه(2).
ومرسلة الصدوق المعتبرة، قال: قال علي(عليه السلام) إذا اشترى الرجل البدنة عجفاء فلا تجزي عنه، وإن اشتراها سمينة فوجدها عجفاء أجزأت عنه، وفي هدي المتمتع مثل ذلك(3). فلا إشكال في الحكم بالاجزاء في هذه الصورة.
الصورة الثانية: ما لو كان الإنكشاف بعد الشراء وقبل الذبح. ظاهر إطلاق كلام الأصحاب الإجزاء في هذه الصورة، مثل عبارة المحقق في الشرايع، حيث قال: وكذا ـ يعني تجزي ـ لو اشتراها على أنها سمينة فخرجت مهزولة. ولكنه قيده في شرح الشرايع ببعد الذبح وقال في ذيل كلامه: «نعم لو ظهر الهزال قبل الذبح لم يجز لإطلاق عدم الإجزاء في الخبر السابق السالم عن المعارض بعد السياق ما بعد الذبح من الوجدان نصّاً وفتوىً...».
ومراده بالخبر السابق صحيحة محمد بن مسلم التي نقلها في صفحتين قبل ذلك هكذا عن أحدهما(عليهما السلام) سأل عن الاُضحية، فقال: أقرن فحل سمين عظيم الأنف والاُذن ـ الى أن قال: ـ أن اشترى اُضحية وهو ينوي إنها سمينة فخرجت مهزولة لم تجز عنه. وقال: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يضحي بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 1 .
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس عشر، ح2.
(3) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس عشر، ح1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سواد وينظر في سواد، فإذا لم يجدوا من ذلك شيئاً، فالله أولى بالعذر.
وأورد عليه بعض الأعلام(قدس سرهم) بأن ما نقله من صحيح محمد بن مسلم قد سهى في نقل متنه وخلط بين روايتين لمحمد بن مسلم وليس فيهما هذه الجملة ـ أي المشتملة على عدم الإجزاء ـ بل الموجود في الصحيحة أجزأت عنه. فالإستدلال بالصحيحة ساقط بالمرة.
والاعتراض عليه بأنه قد سهى في نقل متنه، وإن كان صحيحاً وارداً إلاّ أنه ليس لمحمد بن مسلم روايتان، بل رواية واحدة مفصلة قد قطعها صاحب الوسائل وأورد كل قطعة في الباب المناسب. وهي ما رواه في التهذيب بعد قوله في الاذن: والجذع من الضأن يجزي والثنى من المعز، والفحل من الضأن خير من الموجوء، والموجوء خير من النعجة، والنعجة خير من المعز. فقال: وإن اشترى اُضحية وهو ينوي انها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، وإن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، وأن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجز عنه، وقال: أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يضحي بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في سواد وينظر في سواد، فإذا لم تجدوا من ذلك شيئاً فالله أولى بالعذر. وقال: الأناث والذكور خير من الإبل، والبقر يجزي، وسألته أيضحى بالخصي؟ فقال: لا(1).
وأما انسياق ما بعد الذبح من الوجدان فممنوع جدّاً، وإن كان ربما يؤيده أن المعيار في السمن على ما تقدم هو وجود الشحم على الكلية، وهو لا يعلم نوعاً إلاّ بعد الذبح، إلاّ أنه ليس بمثابة توجب الإنصراف فالإطلاق ثابت في النصوص
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التهذيب: ج1، ص 505.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالفتاوى.
الفرع الثالث: ما لو تخيل الهزال فتبين عدمه، وفيه صورتان أيضاً:
الاُولى: ما لو تخيل الهزال فذبح برجاء السمن بقصد القربة فتبين عدمه، وقد حكم في المتن في هذه الصورة بالكفاية والإجزاء الثانية ما لو لم يحتمل السمن أو احتمله لكن ذبح من غير مبالاة لا برجاء الإطاعة، وقد حكم فيه في هذه الصورة بعدم الكفاية. والأصل في هذا الفرع روايات متعددة أكثرها صحاح، مثل:
صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة المشتملة على قوله(عليه السلام): وإن نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، ورواية منصور المتقدمة أيضاً المشتملة على قوله(عليه السلام)ومن اشترى هدياً وهو يرى أنه مهزول فوجده سميناً أجزأ عنه.
وصحيحة الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إذا اشترى الرجل البدنة مهزولة فوجدها سمينة فقد أجزأت عنه، وأن اشتراها مهزولة فوجدها مهزولة فانها لا تجزي عنه(1).
وصحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبدالله(عليه السلام) المشتملة على قوله(عليه السلام) وإن اشتريته مهزولا فوجدته سميناً أجزأك(2).
وبملاحظة هذه الروايات لا موقع للاشكال في أصل الحكم، إنما الإشكال في أنه إذا كان وجدان الخلاف وتبين كونه سميناً قبل الذبح يتمشى منه قصد القربة حال الذبح الذي يكون من مناسك الحج ويكون عبادة يعتبر فيها قصد القربة كما سيأتي
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 5.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس عشر، ح 6.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في بعض المسائل الآتية. وأما إذا لم يتبين الخلاف قبل الذبح بل بعده فكيف يتمشى منه قصد القربة مع اعتقاد الهزال، والعلم باعتبار عدمه في الهدي ولأجله حكى خلاف المشهور عن العماني، حيث إنه لم يقل بالإجزاء في أصل هذا الفرع.
وكيف كان فالروايات المتقدمة الظاهرة في الإجزاء هل تكون مخصصة لدليل عبادية الذبح في بعض الموارد وتكون حاكمة بعدم اعتبار قصد القربة في تلك الموارد؟ أو أنه لا مجال لدعوى عدم اعتبار العبادية ولو في بعض الموارد؟ والظاهر هو الثاني وعليه فكيف يجمع بين العبادية وبين الروايات الظاهرة في الإجزاء؟ يظهر من المتن إنه لابد من التصرف في مورد هذه الروايات، والحكم بأن موردها ما إذا اجتمع هناك خصوصيتان: إحديهما: عدم الاعتقاد الكامل بالهزال بحيث كان عالماً به من غير احتمال خلاف ولو كان ضعيفاً. ثانيتهما: الذبح برجاء المطلوبية الراجع الى الاكتفاء به على تقدير السمن وذبح هدي آخر على تقدير عدمه. ومع إنتفاء إحدى الخصوصيتين أو كلتيهما لا يحكم بالإجزاء، بل يجب هدي آخر.
ويمكن التصرف في الروايات بالحمل على صورة الإنكشاف قبل الذبح. لكن هذا التفصيل مخالف لجميع الفتاوى في هذا الفرع.
الفرع الرابع: ما لو اعتقد الهزال اعتقاداً يقينياً وذبح جهلا بالحكم، وانه يعتبر عدم المهزولية في الهدي ثم انكشف الخلاف وانه كان سميناً، وقد احتاط في المتن وجوباً بالاعادة وتكرار الهدي. والظاهر أنه لا سبيل إلى الإحتياط الوجوبي، بل لا يزيد عن الإحتياط الإستحبابي. وذلك لأن الخارج من مورد الروايات المتقدمة بعد انكشاف الخلاف وعدم الهزال ما لو كان الذبح الصادر فاقداً لوصف العبادية
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وخالياً عن قصد القربة. وأما في المقام فحيث أنه كان الذبح مقروناً بالجهل بالحكم وإن كان معتقداً للهزال، فلا مانع من تمشى قصد القربة وحصوله. وعليه فالذبح قد وقع عبادة. والمفروض كونه سميناً واقعاً، فلا مجال للإرتياب في شمول الروايات المتقدمة الدالة على الإجزاء له. واقترانه باعتقاد الهزال والجهل بالحكم لا دليل على قدحه ومانعيته عن صحة الذبح بعنوان العبادية. وعليه فالظاهر هو الإجزاء وأن كان مقتضى الإحتياط الإستحبابي الإعادة، فتدبر.
الفرع الأخير: ما لو اعتقد النقص فذبح جهلا بالحكم، فانكشف الخلاف وانه يكون تامّاً خالياً عن النقص، وقد استظهر في المتن فيه الكفاية والإجزاء والوجه فيه أن شرطية التمامية وعدم النقص وإن كانت شرطية واقعية لا اعتقادية، ولذا ذكر في الفرع الأول أنه لو ذبح فانكشف كونه ناقصاً يجب آخر، إلاّ أن المفروض في المقام تحقق هذا الشرط وكون الحيوان تاماً بحسب الواقع. وحيث إنه كان جاهلا بالحكم حال الذبح ولم يكن عالماً باعتبار التمامية، فالذبح الصادر قد تحقق متصفاً بالعبادية ومقروناً بقصد القربة فالحيوان المذبوح واجد للشرط الواقعي و ذبحه مقرون بقصد القربة، فلا وجه لعدم الإكتفاء به إلاّ مجرد اعتقاد النقص والجهل بالحكم، وهما بعد عدم دلالة دليل على قدحهما أو قدح واحد منهما يكونان كالحجر في جنب الانسان، وعليه فالظاهر هي الكفاية كما في المتن.
في انه يعتبر أن يكون الذبح بعد رمي جمرة العقبة
مسألة 11 ـ الأحوط أن يكون الذبح بعد رمي جمرة العقبة، والأحوط عدم التأخير من يوم العيد، ولو أخّر لعذر أو لغيره فالأحوط الذبح أيام التشريق وإلاّ ففي بقية ذي الحجة، وهو من العبادات، يعتبر فيه النية ونحوها، ويجوز فيه النيابة وينوي النائب والأحوط فيه نيّة المنوب عنه أيضاً، ويعتبر كون النائب شيعياً على الأحوط، بل لا يخلو عن قوة. وكذا في ذبح الكفارات [1].
[1] قد وقع التعرض في هذه المسألة لاُمور:
الأمر الأول: الظاهر اعتبار أن يكون الذبح بعد رمي جمرة العقبة وأن جعله في المتن مقتضى الإحتياط الوجوبي. ويدل عليه مضافاً إلى الأخبار البيانية الحاكية لعمل النبي(صلى الله عليه وآله)في حجة الوداع الدالة على تأخر النحر عن الرمي، مع أن الغرض من حكايته بيان الحكم بهذه الصورة لا مجرد الحكاية والنقل بعض الروايات، مثل:
صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبدالله(عليه السلام) إذا رميت الجمرة فاشتر هديك إن كان من البدن أو البقر وإلاّ فاجعله كبشاً سميناً فحلا... الحديث(1). فإنها ظاهرة في ترتب اشتراء الهدي الذي يكون مقدمة لذبحه أو نحره على رمي جمرة العقبة يوم النحر.
وصحيحة سعيد الأعرج في حديث، أنه سأل أبا عبدالله(عليه السلام) عن النساء، قال: تقف بهنّ بجمع، ثم أفض بهنّ حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فان لم يكن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن، ح4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليهنّ ذبح فليأخذن من شعورهن ويقصرن من أظفارهن(1). وهي أيضاً ظاهرة في تأخر الذبح عن رمي الجمرة وانه مع عدم وجوبه تصل النوبة إلى التقصير.
وكذا الروايات الدالة على أن عدم رعاية الترتيب في صورة العذر لا يكون قادحاً في الصحة بوجه، وعليه فاعتباره إنما هو بنحو الفتوى.
الأمر الثاني: في جواز التأخير عن يوم العيد وعدمه وقد احتاط في المتن وجوباً بعدم التأخير، وأضاف اليه قوله «ولو أخّر لعذر أو لغيره فالأحوط الذبح أيام التشريق، وإلاّ ففي بقية ذي الحجة».
قال المحقق في الشرايع: ويجب ذبحه يوم النحر مقدماً على الحلق ولو أخّره أثم وأجزأ. وكذا لو ذبحه في بقية ذي الحجة جاز.
وقد ذكر في الجواهر في شرح الفقرة الاُولى: أن المسلّم منه كونه بمعنى عدم جواز تقديمه على يوم النحر الذي يمكن تحصيل الاجماع عليه كما ادعاه بعضهم. امّا عدم جواز تأخيره عنه فهو وإن كان مقتضى العبادة، لكن ستعرف القائل بالجواز صريحاً وظاهراً.
والقائل بالجواز صريحاً على ما ذكره بعده صاحب المصباح ومختصره حيث إن فيهما أن الهدي الواجب يجوز ذبحه ونحره طول ذي الحجة، ويوم النحر أفضل. والقول به ظاهراً محكي عن النهاية والغنية والسرائر، حيث عبّروا بالجواز الظاهر في الحكم التكليفي، ويحتمل أن يراد منه الإجزاء كما في الشرايع.
وكيف كان فالقائل بالتعين لا يقول به بنحو وحدة المطلوب، بل بنحو التعدد،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب التاسع والثلاثون، ح2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولازمه أن الاخلال بالذبح يوم النحر ولو كان عن عمد واختيار لا يوجب سقوط أصل التكليف بالذبح. ولازمه حصول الإمتثال بعد يوم النحر أيضاً.
وقد استدل له أولا بالتأسي وقد أورد عليه مضافاً إلى المناقشة في الكبرى بأنه لم يعلم كون ذبحه في ذلك اليوم نسكاً ضرورة احتياج الذبح إلى وقت.
وثانياً ببعض الروايات، مثل: صحيحة سعيد الأعرج المتقدمة في الأمر الأول فانها ظاهرة بحسب المتفاهم العرفي في أن الإنتقال إلى التقصير ووصول النوبة اليه إنما هو بعد الذبح في مورد ثبوته ووجوبه.
ورواية أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: رخّص رسول الله(صلى الله عليه وآله) للنساء والصبيان أن يفيضوا بليل، وأن يرموا الجمار بليل، وأن يصلوا الغداة في منازلهم فإن خفن الحيض مضين إلى مكة ووكّلن من يضحي عنهن(1). نظراً إلى أن لزوم التوكيل والاستنابة في الذبح عليهن مع خوف الحيض المقتضي لتعجيل الطواف وصلاته دليل على تعين وقوعه يوم النحر. وإلاّ فمع جواز التأخير يؤخرن الذبح إلى بعده من دون لزوم التوكيل.
هذا ولكن الظاهر أن لزوم التوكيل لأجل ترتب الطواف على الذبح ولزوم تأخره عنه لا لأجل التعين المذكور. ولا أقل من احتمال كلا الأمرين. فلا مجال للإستدلال بها على التعين.
ورواية عمر بن يزيد عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر الباب السابع عشر، ح3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واغتسل وقلم أظفارك وخذ من شاربك(1). بناء على لزوم وقوع الحلق أو التقصير يوم النحر.
وبملاحظة هذه الروايات يظهر أن لزوم وقوع الذبح أو النحر يوم النحر لو لم يكن أقوى يكون مقتضى الإحتياط الوجوبي كما في المتن.
وأما ما يدل على الإجزاء في أيام التشريق ثم في بقية ذي الحجة فقط في الجملة أو مطلقاً، فعدة من الروايات، مثل:
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(عليهما السلام) في حديث، قال: وقال إذا وجد الرجل هدياً ضالاًّ فليعرّفه يوم النحر والثاني والثالث، ثم ليذبحها عن صاحبها عشية الثالث(2).
وصحيحة حريز عن أبي عبدالله(عليه السلام) في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم، قال: يخلف الثمن عند بعض أهل مكة ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزي عنه. فإن مضى ذو الحجة، أخّر ذلك إلى قابل من ذي الحجة(3).
وصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله(عليه السلام) في رجل نسى أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثم ذبح، قال: لا بأس قد أجزأ عنه(4).
وصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: سألته عن الأضحى كم هو بمنى؟ فقال: أربعة أيام، وسألته عن الأضحى في غير منى، فقال: ثلاثة أيام،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الحلق والتقصير الباب الأول ح1.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب الثامن والعشرون، ح1.
(3) وسائل: أبواب الذبح، الباب الرابع والأربعون، ح1.
(4) وسائل: أبواب الذبح، الباب التاسع والثلاثون، ح5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقلت: فما تقول في رجل مسافر قدم بعد الأضحى بيومين، أله أن يضحي في اليوم الثالث؟ فقال: نعم(1).
وموثقة عمار الساباطي عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن الأضحى بمنى، فقال: أربعة أيام، وعن الأضحى في سائر البلدان، فقال: ثلاثة أيام(2).
ورواية منصور بن حازم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: النحر بمنى ثلاثة أيام. فمن أراد الصوم لم يصم حتى تمضي الثلاثة الأيام. والنحر بالأمصار يوم، فمن أراد أن يصوم صام من الغد(3). لكن التفريع من جهة الصوم ربما يشعر بل يدل على أن المراد بكون الأضحى بمنى ثلاثة أيام، هي من جهة الصوم لا من جهة زمان الذبح أو النحر. فإن للأضحى خصوصيتين: الظرفية الزمانية للذبح أو النحر، وعدم جواز الصوم فيه.
نعم هنا رواية ربما يكون ظاهرها خلاف الروايات المتقدمة، وهي رواية أبي بصير عن أحدهما(عليهما السلام) قال: سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم؟ قال: بل يصوم، فإن أيام الذبح قد مضت(4).
واحتمل صاحب الجواهر فيها إرادة يوم النفر من مكة، وقد كان بعد ذي الحجة. ولعله لأن حملها على إرادة يوم النفر من منى إلى مكة الذي هو اليوم الثاني عشر نوعاً لا يجتمع مع مضي الأيام بصيغة الجمع، لأن أقلّها الثلاثة مع أنه حينئذ لم يمض إلاّ يومان لا الثلاثة. وحكي عن الشيخ أنه حملها على من صام ثلاثة أيام فمضى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس، ح1.
(2) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس، ح2.
(3) وسائل: أبواب الذبح، الباب السادس، ح5.
(4) وسائل: أبواب الذبح، الباب الرابع والأربعون، ح3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيامه بمعنى مضيّ زمان أسقطه عنه للصوم فيه، وهو في غاية البعد. وحمل صاحب الجواهر أقرب. لأن ظهور الجمع في الثلاثة فما فوق أزيد من ظهور يوم النفر في يوم النفر من منى لا من مكة، كما هو ظاهر.
الأمر الثالث: في كون الذبح أو النحر عبادة. ولأجلها يعتبر فيه ما يعتبر في سائر أجزاء الحج من النية المشتملة على قصد القربة وغيره مما مر البحث عنه مفصلا في الطواف وما يترتب عليه والوقوفين وما بعدهما ولا حاجة إلى الإعادة.
الأمر الرابع: في جريان النيابة في الذبح ونحوه ولو مع عدم الضرورة وفقدان العذر. والكلام في هذا الأمر يقع في مقامين:
المقام الأول: في أصل جريان النيابة فيه مطلقاً. والدليل عليه وجوه:
أحدها: استمرار السيرة العملية من المتشرعة المتصلة بزمان المعصوم(عليه السلام) على الإستنابة في الذبح ونحوه مطلقاً. والمعاملة مع الذبح معاملة خاصة مغايرة لسائر أجزاء الحج. حيث إننا نرى وقوع الإستنابة من أكثر الحجاج. بل لا يتصدى له بنحو المباشرة، إلاّ قليل منهم. بخلاف ساير الأجزاء.
ثانيها: كون مسألة الذبح حتى في الغنم فضلا عن البقر وكذا النحر بطريق آكد مسألة فنية لا يعرفه إلاّ القليل من الناس، فإن المتصدين لذلك أفراد خاصة معدودون. وفي مثل هذا الأمر لو فرض توجه التكليف إليه من الشارع لا يكاد يفهم منه، إلاّ أن مقصود الشارع تحقق الفعل من المكلف، لا بنحو المباشرة فقط، بل أعم منها ومن الإستنابة المتعقبة للصدور من النائب. وهذا بخلاف مثل الرمي والطواف والسعي ونحوها من الأفعال التي يمكن صدورها بنحو المباشرة من أغلب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الناس، لعدم كونها من الأفعال الفنية. ففي مثل المقام لا حاجة إلى اقامة دليل خاص على مشروعية النيابة، ولو في حال الإختيار بل المتفاهم العرفي من نفس التكليف أعم من المباشرة، فتدبر.
ثالثها: دلالة روايات كثيرة، مثل:
صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: رخص رسول الله(صلى الله عليه وآله) للنساء والضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل، وأن يرموا الجمرة بليل. فإذا أرادوا أن يزوروا البيت وكّلوا من يذبح عنهن (عنهم خل)(1). وظاهرها أن جواز التوكيل في الذبح للنساء معلّق على مجرد إرادة زيارة البيت وطوافه والتعجيل فيه. كما ورد هذا التعبير في النقل الآخر لأبي بصير. لكن في النقل الثالث التعليق على خوف الحيض، كما تقدم.
وصحيحة حريز المتقدمة في الأمر الثاني، نظراً إلى أن عدم لزوم بقائه في مكة للتصدي لأمر الذبح، ظاهر في جواز الاستنابة فيه مطلقاً وغير ذلك من الروايات التي تشعر بل تدل على الجواز مطلقاً، فلا شبهة حينئذ في هذا المقام.
المقام الثاني: في المتصدي للنية المعتبرة في عبادية الذبح أو النحر، وانه هل هو النائب الذابح أو المنوب عنه أو كلاهما؟ قال المحقق في الشرايع: والنية شرط في الذبح ويجوز أن يتولاها عنه الذابح. وقال في الجواهر بعده: «بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن بعض الإجماع عليه، بل في كشف اللثام الاتفاق على توليه لها مع غيبة المنوب عنه، لأنه الفاعل. فعليه نيته. فلا يجزي حينئذ نية
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: أبواب الوقوف بالمشعر، الباب السابع عشر، ح6.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المنوب عنه وحدها. لأن النية إنما تعتبر من المباشر...».
وقد ذكر بعض الأعلام(قدس سرهم) في هذا المقام كلاماً محصلّه: «إن باب الوكالة غير باب النيابة، فإن الفعل قد يصدر من المباشر ولكن ينسب إلى الأمر والسبب من دون دخل قصد قربة العامل فيه أصلا. كبناء المساجد وإعطاء الزكاة بالواسطة. حيث إن المعتبر فيه قصد قصد قربة الأمر ومن يجب عليه الزكاة. وقد يصدر من نفس النائب ويكون العمل عمله دون المنوب عنه. ولكن يوجب سقوط ذمة المنوب عنه بالدليل الشرعي، مثل موارد مشروعية النيابة، فإن النائب هو الذي يقصد القربة ويقصد الأمر المتوجه إلى نفسه لأن قصد القربة بالأمر المتوجه إلى الغير أمر غير معقول، فلابد من فرض توجه الأمر إلى شخص النائب، سواء كان الأمر وجوبياً، كالأمر المتوجه إلى الولد الأكبر بالنسبة إلى قضاء ما فات عن أبيه. أو أمراً استحبابياً تبرعياً فيتقرب النائب بالأمر المتوجه إليه وبه يسقط ما في ذمة المنوب عنه. فلو لم ينو يقع العمل باطلا فلا يوجب فراغ ذمة المنوب عنه وبه يظهر أن مورده ما إذا ثبتت مشروعية النيابة وتوجه الأمر إلى النائب. وأما الموارد التي لم تشرع فيها النيابة، فلا معنى لنية العامل كاعطاء الزكاة من الواسطة. والذبح في المقام من هذا القبيل، لأن الذبح المباشر لا أمر له ولم يرد في النصوص أنه يذبح عنه. فالنيابة غير مشروعة فيه. بل الذابح حاله حال العامل في بناء المساجد من توجه الأمر العبادي إلى شخص الآمر لا العامل».
ويرد عليه في أصل النيابة المشروعة في مواردها، انّ الظاهر كون النائب في عمله العبادي النيابي بقصد تقرب المنوب عنه لا تقرب نفسه. وهذا وأن كان على خلاف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القاعدة، إلاّ أن النيابة كما ذكرنا في فصل الحج النيابي أمر على خلاف القاعدة مطلقاً ولا يكاد يصار إليها إلاّ في مورد ثبوت المشروعية ونهوض الدليل. لكن كون شيء خلاف القاعدة أمر، وكونه أمراً غير معقول أمر آخر. فالنائب يقصد تقرب المنوب عنه لا تقرب نفسه، وهذا هو الذي يساعده الاعتبار أيضاً، حتى فيما لو كان المنوب عنه ميتاً أو مغمى عليه وغير قابل لصدور قصد القربة منه.
وما أفاده من توجه الأمر الوجوبي أو الإستحبابي الشرعي إلى النائب مطلقاً يرد عليه أن العمل الصادر من النائب الأجير لا يكاد يصدر منه إلاّ بعنوان الوفاء بعقد الإجارة الذي هو وجوب توصلي لا يتوقف سقوطه على تحقق قصد القربة. وفي هذه الصورة لا يتحقق العمل من الأجير بقصد الأمر الإستحبابي التبرعي، وإن كان ثابتاً في مورده مع قطع النظر عن الإستيجار. بل ربما يوجد بعض الموارد التي لا يكون التبرع فيه مشروعاً بوجه، كالنيابة التبرعية عن الحي في الحج مع استقرار الحج عليه وكونه غير قادر على الإتيان به لهرم أو مرض لا يرجى زواله على ما تقدم البحث فيه مفصلا. ففي هذا الفرض لا يكون الأمر الإستحبابي التبرعي ثابتاً بوجه، بل اللازم الاستنابة الملازمة لثبوت الاُجرة نوعاً.
ويرد على ما أفاده في خصوص الذبح في المقام، أن دعوى أنه لم يرد في النصوص انه يذبح عنه ممنوعة جداً. فإنك عرفت في الأمر الثاني المتقدم دلالة طائفة من الروايات الواردة في الضعفاء والنساء والخائف والذي يكون واجداً للثمن ولم يجد الهدي على أن الوكيل يذبح عنه بعين التعبير الوارد في سائر أجزاء الحج، مثل الطواف والرمي وغيرهما. فدعوى عدم مشروعية النيابة في الذبح غير مسموعة
بوجه.
ويترتب على ما ذكرنا أنه لو كانت النيابة في الذبح على نحو النيابة في الطواف والرمي بنحو كان المتصدي للنية وقصد التقرب هو النائب الذابح، لكان اللازم اعتبار الايمان أيضاً مضافاً إلى الإسلام. أما الإسلام فلإعتباره في صحة الذبح وترتب حلية اللحم عليه واما الايمان فلما عرفت في فصل الحج النيابي من إعتبار الإيمان في النائب لعدم صحة عبادة غير المؤمن العارف بالإمامة.
ولو كانت النيابة في أصل ايجاد الذبح لابوصف العبادية والجزئية للحجّ بنحو كان المتصدى للنية وقصد التقرب هو المنوب عنه دون النائب، لايكون اعتبار الايمان فيه لازماً، لأن العبادية لاتكون مرتبطة بالنائب، بل لايكون النائب متصدياً الا للذبح فقط. و هو لايعتبر فيه الزائد عن الإسلام. فاللازم حينئذ التفصيل في الاعتبار، أى اعتبار كون الذابح شيعيّاً، كمالايخفى.
تتمّة
كان المناسب بل اللازم أن يقع التعرض في المتن لمكان الذبح الواجب و لعلّه اكتفى بعنوان كون واجبات منى ثلاثة، فإن الإضافة المذكورة ظرفية مكانية، ولكن هذا المقدار لايكفي خصوصاً بلحاظ الفرع الحادث في الأزمنة الأخيرة. و هو كون المذبح المقرر من قبل السلطة الحاكمة واقعاً بأجمعه أو بكثيره في خارج منى. و هو وادى محسّر. و خصوصاً مع تعرض مثل المحقق له في الشرايع. فنقول: قال فيها: ويجب ذبحه بمنى و ذكر بعده صاحب الجواهر: عند علمائنا في محكّى المنتهى و التذكرة و عندنا في كشف اللثام، و هذا الحكم مقطوع في كلام الاصحاب فى المدارك.
و حكى عن العامة جوازه في أىّ مكان من الحرم، بل جوازه في الحلّ إذا فرّق لحمه في الحرم.
و يدل على ما ذهب اليه اصحابنا، قوله تعالى: (ولاتحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محلّه). فإن ظاهره انّ لطبيعة الهدي لاخصوص الهدي الواجب في صورة الإحصار الذى هو الموضوع في هذه الأية في هذه الفقره محلّ خاص و مكان مخصوص. و من المعلوم إنّ ذلك المحلّ بحسب ارتكاز المتشرعة ليس الاّ منى. فتدل الآية بنفسها على كون منى محل الذبح و إن ابيت عن ذلك، فهنا رواية واردة فى تفسير الآية دالة على هذا المعنى و هى مضمرة رزعة، قال: سألته عن رجل، أحصر في الحج، قال: فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه و محلّه أن يبلغ الهدى محلّه، و محلّه منى يوم النحر إذا كان في الحج، و إن كان في عمرة سخر بمكّة فإنما عليه أن يعدهم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لذلك يوماً، فإذا كان ذلك اليوم فقد وفى، و إن اختلفوا في الميعاد لم يضره ان شاءالله تعالى.(1)
و يدّل على مذهبهم ايضاً روايات مثل:
صحيحة منصور بن خادم عن ابى عبدالله(عليه السلام) فى رجل يضلّ هديه فوجده رجل آخر فينحره، فقال: إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذى ضلّ عنه، و إن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه.(2) فإنها تدل على عدم الإجزاء في صورة الإختيار بطريق أولى.
ولكن المناقشة فيها إنّها تدل على إجزاء التبرع مكان الإستنابة، و هو محلّ الكلام.
و رواية ابراهيم الكرخي عن ابى عبدالله(عليه السلام) في رجل قدم بهديه مكّة في العشر فقال: إن كان هدياً واجباً فلاينحره إلا بمنى، و إن كان ليس بواجب فلينحره بمكّة إن شاء، و إن كان قد أشعره أو قلّده فلاينحره إلاّ يوم الأضحى.(3)
ولكن ابراهيم الكرخى ضعيف.
و رواية عبدالأعلى، قال: قال ابوعبدالله(عليه السلام) لاهدي إلاّ من الإبل، ولاذبح الاّ بمنى.(4)
والمناقشة في سندها من جهة تردد عبدالأعلى بين عبدالأعلى بن أعين العجلى
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الاحصار والصّد، الباب الثانى، ح 3 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثامن و العشرون، ح 2 .
(3) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع، ح 1 .
(4) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع، ح 6 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذى هوثقة، و بين عبدالأعلى بن أعين مولى آل سام و هو لم تثبت وثاقته، و في دلالتها باعتبار كون الفقرة الأولى مرتبطة بنفي الكمال لصحة الهدي من غير الابل. وعليه فالظاهر بلحاظ وحدة السياق كون الفقرة الثانية ايضاً ناظرة إلى نفي الكمال، فلا دلالة لها على عدم إجزاء الذبح في غير منى.
و رواية مسمع التى في سندها الحسن اللؤلؤى عن ابى عبدالله(عليه السلام) قال: منى كلّه منحر، و أفضل المنحر كلّه المسجد.(1) و المناقشة في سندها من جهة الحسن بن الحسين اللؤلؤى حيث إن جماعة من الأجلاء قد ضعفوه و إن كان النجاشى وثّقه. و فى دلالتها من جهة عدم ظهورها في اختصاص النّحر بمنى. و يحتمل أن يكون المراد به ثبوت المزية لمنى من جهة ان كلّه منحر، فتدبر. و فى مقابل هذه الروايات، روايتان:
إحديهما: صحيحة معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبى عبدالله(عليه السلام) إنّ أهل مكّة أنكروا عليك إنّك ذبحت هديك فى منزلك بمكة، فقال: إن مكّة كلّها منحر.(2)
ثانيتهما: صحيحة أخرى لمعاوية و إن جعلها في الجواهر صحيحة عمار عن ابى عبدالله(عليه السلام) في رجل نسى أن يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكّة ثم ذبح، قال: لابأس قد أجزاء عنه.(3)
و قد حملهما في الجواهر على غير الهدى الواجب. كما انّ الشيخ حمل الأولى على ذلك واستشكال الشهيد على الثانية بأن المراد منها الذبح في غير المحلّ المعدّ للذبح
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع، ح 7 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع، ح 1 .
(3) وسائل: ابواب الذبح، الباب التاسع والثلاثون، ح 5 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بمنى، مدفوع بصراحتها في الذبح بغير منى.
و إن ابيت عن الحمل المذكور و بنيت على المعارضة، فمقتضى كون اوّل المرجحات هي الشهرة الفتوائية ثبوت الترجيح مع الطائفة الأولى، فانقدح انّ محل الذبح أو النحر هو منى من دون فرق بين أبعاضه.
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في المذبح الجديد الذّى عرفت انه بجميعه أو بكثير أبعاضه واقع فى خارج منى، و هو وادي محسّر تارة من جهة اجزاء الذبح فيه و كفايته في مقام إمتثال الأمر به. وأخرى من جهة تعين وقوع الذبح فيه بالإضافة إلى الأمكنة البعيدة عن منى و عدم التعين، و جواز الذبح فى تلك الامكنة، غاية الأمر بسبب الإستنابة و المواعدة على وقوع الذبح في زمان خاص متأخر عن رمى جمرة العقبة و متقدم على الحلق أو التقصير. فنقول:
أمّا من جهة الإجزاء فإن قلنا بأنّ في منى أيضاً يوجد بعض المذابح القديمة التى يمكن الذبح فيها من دون عسر و حرج و خوف و خطر كما ربما يقال، فلا إشكال في لزوم الذبح فيها و عدم جواز الإكتفاء بالذبح في المذبح الجديد اصلاً أو في الأجزاء الخارجة منه عن منى، لما عرفت من قيام الدليل من الكتاب و السنة و اتفاق الفتاوى على كون منى ظرفاً مكانيّاً للذبح بنحو اللزوم.
كما أنه لو قلنا بأن جزء من المذبح الجديد واقعاً في منى و يمكن تشخيصه اوّلاً و الذبح فيه ثانياً من دون ممانعة أو عسر و مشقة، فلاشبهة في لزوم الذبح في خصوص ذلك الجزء و عدم جواز الإكتفاء بالذبح في غيره.
و أمّا لو قلنا بأنه بجميع أجزائه يكون واقعاً فى خارج منى، أو بعدم إمكان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تشخيص الجزء الواقع أو كون الذبح في ذلك الجزء مقروناً بالمنع الحكومي أو العسر و الحرج، فإن لم يمكن الذبح في منى و لو مع التأخير عن يوم النحر كأيام التشريق فاللازم الإلتزام بإجزاء الذبح في المذبح الجديد، و الإكتفاء به لسقوط الشرطية المكانية بلحاظ عدم التمكن من رعاية الشرط و عدم القدرة عليها. و لامجال لتوهم سقوط أصل التكليف بالذبح بعد كون قيد المكان كالزمان مأخوذاً بنحو تعدّد المطلوب لاوحدته كما مرّ، فمع عدم القدرة على رعاية منى تسقط الشرطية المكانية، فيجوز الذبح في المذبح الجديد.
و إن امكن الذبح في منى مع التأخير عن يوم العيد، فإن قلنا بأن عدم التأخير عن اليوم المذكور يكون إعتباره بنحو الإحتياط الوجوبى ـ كما اختاره الماتن(قدس سره) ـ فاللازم هو التأخير لاالذبح يوم العيد في المذبح الجديد. لان الأمر دائر بين رعاية ظرف الزمان التي يكون إعتبارها بنحو الإحتياط و بين رعاية ظرف المكان التي يكون إعتبارها مسلّماً لدى الأصحاب. و من الواضح ان الترجيح من الثاني.
و إن قلنا بأن عدم التأخير عن اليوم المذكور انما يكون اعتباره بنحو الفتوى ـ كما اخترناه ـ فالأمر يدور بين رعاية أحد الظرفين، ولاترجيح في البين، فيكون مخيّراً بين الأمرين. هذا من جهة الإجزاء.
و أمّا من جهة التعين بالمعنى الذي ذكر، فربما يقال انه بعد سقوط لزوم رعاية شرطيّة الظرف المكاني بسبب عدم التمكن و القدرة ـ كما هو المفروض ـ لامجال لدعوى التعين بالمعنى المذكور، لأنه لاخصوصية للمذبح الجديد و ما يشابهه في الخصوصية، فيكون المكلف مخيراً بين المذبح الجديد و بين ساير الأمكنة و لو كانت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعيدة، بل فى غاية البعد. غاية الأمر بنحو الإستنابة و المواعدة المذكورتين لكنه مبنى اوّلاً على دعوى انتفاء إحتمال لزوم رعاية الأقرب فالأقرب إلى منى بعد عدم إمكان الذبح في منى، و ثانياً على عدم دلالة الدليل على لزوم وقوعه بصورة الإجتماع، و كلاهما ممنوعان.
أمّا الأوّل فلوجود هذا الإحتمال و عدم كون منى مثل المسجد الذي إذا نذر أن يصلى فيه فلم يتمكن من الصلاة فيه، لاينتقل الحكم إلى الأقرب إلى المسجد فالأقرب و مع وجوده يدور الأمر بين التعيين و التخيير، و إصالة الإحتياط في مثله تقتضى التعيين.
و أمّا الثاني فيستفاد من قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائرالله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صوافّ فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها و اطعموا القانع و المعتر...)(1) إنّ البدن قد جعلها الله من شعائرالله. والظاهر إن هذا العنوان ينطبق على الأعمال العبادية الإجتماعية كصلاة الجماعة ـ كما انه يستفاد منه ـ انه بعد ما وجبت جنوبها و تحقق النحر يتحقق التمكن من الأكل و الإطعام و الصدقة، سواء كانت هذه الأمور واجبة أو مستحبة. ـ كما يأتى البحث فيه ان شاءالله تعالى ـ .
و هذا الأمران لايتحققان إلاّ في الذبح في المذبح الجديد أو مثله من الأمكنة المتصلة بمنى الواقع فيها الذبح بنحو العموم والجماعة، و هذه الجهة مما يساعدها الإعتبار الدالّ على أن اجتماع حجاج المسلمين للذبح بمقدار يتجاوز عن الف الف من الأنعام الثلاثة يكشف عن شدة إتصالهم بالمسائل الشرعية و إعتقادهم بالأمور
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحج، الآية 36 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المعنوية. و هذا يدل على كون الإسلام محقّاً في دعويه صادقاً في خبره، بخلاف صورة التشتت في الذبح و التفرق الذي ليس فيه هذه الحكاية بوجه.
نعم يبقى إشكال تضييع اللحوم بالذبح أو النحر و عدم الإستفادة منها إلاّ قليلاً مع في انه في صورة الذبح في محلّ كل مكلف و بلده لاتحقق هذا التضييع بوجه.
و الجواب عن هذا الإشكال مع أنّ الوجه فيه ضعف القوى الحاكمة على الحرمين و إلا كان اللازم خصوصاً في هذه الأزمنة الإستفادة من الإمكانيات و الوسائل الموجودة بنحو لايتحقق التضييع بوجه انّ كون أحكام الحج مع أنه من الفرائض المهمة الإسلامية تعبدية محضة، لاتكاد تنال عقولنا الناقصة و علومنا الضعيفة إلى مغزاها و عللها و حكمها يقتضى عدم الاتكال على مثل هذا الإشكال، فتأمل حتى لايشتبه عليك الحال. و قد انقدح أنه لاتبعد دعوى تعين الذبح في المذبح الجديد بالنحو المذكور.
فروع في الذبح و النيابة فيه
مسألة 12 ـ لو شك بعد الذبح في كونه جامعاً للشرائط أولا، لايعتني به، ولو شك في صحة عمل النائب لايعتنى به، ولو شك في أن النائب ذبح أولا، يجب العلم بإتيانه ولايكفي الظنّ، ولو عمل النائب على خلاف ماعيّنه الشرع في الأوصاف أو الذبح، فان كان عالماً عامداً ضمن و تجب الإعادة، فإن فعل جهلاً أو نسياناً و من غير عمد، فإن أخذ للعمل أجرة ضمن أيضاً، و إن تبرع فالضمان غير معلوم، و فى الفرضين تجب الإعادة.[1]
[1] فى هذه المسألة فروع:
الأوّل: ما لو شك بعد الفراغ عن الذبح و تماميته في كونه جامعاً للشرائط المعتبرة فى المذبوح أو الخصوصيات المعتبرة فى الذبح المحلّل ففي المتن انه لايعتنى بهذا الشك و يبنى على صحته و تماميته من كلتا الجهتين. و الوجه فيه جريان قاعدة الفراغ الحاكمة بالصحة. ولكن موردها ما اذا احتمل أنه كان محرزاً للشرائط حين الذبح. و أمّا مع العلم بالغفلة حال الذبح بحيث كان ثبوت الشرائط مستنداً إلى الصدفة فلاتجري قاعدة الفراغ ـ كما في نظائره من الموارد ـ .
الثانى: ما لو وقع الذبح من النائب ثم شك فى صحة عمله و تماميّته، و فى المتن ايضاً انه لايعتنى به. والوجه فيه جريان اصالة الصحة فى عمل المسلم من دون فرق بين العبادات و المعاملات. ففي العبادات الصادرة من الغير نيابة يحكم بالصحة، مع عدم إحراز خلافها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثالث: لو شك في تحقق الذبح من النائب و عدمه. ولايكون في هذا الفرع ما يدل على البناء على الوقوع من أصل أو قاعدة، بل اللاّزم إحرازه بالعلم أو الإطمينان القائم مقامه عند العقلاء ولايكفى الظن، فضلاً عن الشكّ.
الرّابع: مالو عمل النائب على خلاف الوظيفة المقررة الشرعية في الأوصاف أو الذبح، فإن كان عالماً عامداً، فالنائب ضامن لقيمة المذبوح بالنسبة إلى المنوب عنه و الوجه فيه انه تصرف فيه بالنحو الذي لايكون مأذوناً فيه من قبل المنوب عنه فيكون ضامناً، و ان كان جاهلاً أو ناسياً من دون أن يكون هناك عمد فإن لم تكن النيابة المتعقبة للاستنابة تبرعيّة، بل كانت في مقابل الأجرة، فالظاهر أيضاً ثبوت الضمان لعدم العمل على طبق الإجارة و وقوع الذبح غير مطابق لما هو نائب فيه فيكون ضامناً، و الجهل أو النسيان لايقتضي عدمه لعدم مدخلية العلم و العمد في الأحكام الوضعية.
و إن لم تكن في مقابل الأجرة بل كانت النيابة تبرعية محضة ففي المتن ان ثبوت الضمان عليه غير معلوم. و الوجه فيه جريان قاعدة الإحسان بالإضافة إليه، ولازمه عدم الضمان. و قد حققنا الكلام في مفاد القاعدة في كتابنا «القواعد الفقيهة» فراجع. و في الفرضين الأخيرين يجب على المنوب عنه الإعادة لعدم وقوع الذبح المطابق للمأمور به على ما هو المفروض.
في الأكل من الهدي
مسألة 13 ـ يستحبّ أن يقسّم الهدى ثلاثلاً، يأكل ثلثه، و يتصدق بثلثه، و يهدي ثلثه، والأحوط اكل شيء منه و إن لايجب.[1]
[1] يقع الكلام في هذه المسألة في أمرين:
الأمر الاوّل: في لزوم الأكل من الهدي و عدمه بل استحبابه. فالمشهور هو عدم اللزوم. و المحكي عن إبن إدريس و المحقق في الشرايع و العلاّمة و جمع آخر هو اللزوم و قد اختاره بعض الأعلام(قدس سره).
و منشأ اللزوم هو الأمر به في قوله تعالى في آيتين من سورة الحج تفريعاً على البدن و بهيمة الانعام: (فكلوا منها) و ظهوره في خصوص الوجوب. لكن حكي عن كشاف الزمخشرى أنه قال: «الأمر بالأكل منها أمر إباحة لأن أهل الجاهلية ما كانوا يأكلون من نسائكهم و يجوز أن يكون ندباً لمافيه من مواساة الفقراء و مساواتهم من استعمال التواضع و من ثم استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحية مقدار الثلث». و مراده انه حيث يكون الأمر في مقام توهم الخطر فلايكون ظاهراً في الوجوب، بل في الجواز بالمعنى الأعم في مقابل الحرمة.
وأورد بعض الأعلام(قدس سره) على ذلك مضافاً إلى أنه لم يثبت قول الزمخشري و حكايته عن الجاهلية ثبوت الحرمة في الأكل من النسائك، بأن الدين الإسلامي كان ناسخاً لأحكام الجاهلية و مجرد الحرمة عند أهل الجاهلية لايوجب رفع اليد عن ظهور الأمر ولايوجب وقوع الأمر في مقام توهم الخطر حتى لايكون الأمر ظاهراً في الوجوب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجواب عنه مضافاً إلى أنه لامجال للمناقشة في صحة حكاية الزمخشري مع جلالة قدره و عظمة شأنه، و كان تفسيره الكشاف له موقعية صارت موجبة لتأليف الطبرسى صاحب مجمع البيان كتاباً آخر في التفسير بعد ملاحظة تفسيره سماه جوامع الجامع.
انّ كون الإسلام ناسخاً لأحكام الجاهلية لايتقضى أزيد من نفي الحرمة التي كانوا يعتقدون بها. و أمّا ثبوت الوجوب مكانه فلا، إلاّ أن يقال انه مع العلم بعدم الحرمة لايبقى مجال لتوهم الخطر حينئذ فيبقى ظهور الأمر في الوجوب بحاله لكنه يرد عليه حينئذ ان كون الإسلام ناسخاً لجميع أحكام الجاهلية ممنوع سواء كان في المسائل الإعتقادية أو في الفروع العمليّة ـ كما لايخفى ـ فالأمر المذكور واقع في مقام توهم الخطر فلايبقى له ظهور في الوجوب.
و ربما يستدلّ على وجوب الأكل ببعض الروايات الحاكية لحج رسول الله(صلى الله عليه وآله)مثل صحيحة معاوية بن عمار عن أبى عبدالله(عليه السلام) المشتملة على قوله: امر رسول الله(صلى الله عليه وآله)حين نحر أن يؤخذ من كل بدنة جذوة (حذوه) من لحمها ثم تطرح فى مرقة (برمة) ثم تطبخ و أكل رسول الله(صلى الله عليه وآله) و على(عليه السلام) منها وحسيا من مرقها.(1)
و ما رواه الشيخ عن صفوان و ابن أبي عمير و جميل بن درّاج و حمّاد بن عيسى و جماعة عن أبي جعفر و أبي عبدالله(عليهما السلام) قالا: انّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمر أن يؤخذ من كلّ بدنة بضعة فأمر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) فطبخت و اكل هو و علي(عليه السلام) و حسوا المرق و
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الاربعون، ح 2 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قد كان النبي(صلى الله عليه وآله) أشركه في هديه.(1)
ولكن الظاهر إنه لادلالة لها على الوجوب أيضاً، لأن عمله(صلى الله عليه وآله) أعمّ منه، و من الممكن أن يكون الوجه فيه هو الاستحباب خصوصاً بعد اشتمال مثل هذه الروايات على جملة من المستحبات أيضاً. و يأتي تتمة البحث في ذيل الأمر الثاني ان شاءالله تعالى، فانتظر.
الامر الثاني: في التقسيم أثلاثلاً، قال المحقق فى الشرايع: و يستحب أن يقسمه أثلاثلاً يأكل ثلثه و يتصدق بثلثه ويهدى ثلثه. و ذكر بعده في الجواهر: كما هو ظاهر جماعة و صريح أخرى، بل في كشف اللثام نسبته إلى الأكثر و عن الدروس الوجوب و تبعه ثاني الشهيدين و الكركى و عن ابن إدريس لزوم الصرف في الأكل و التصدق و لم يذكر الاهداء، بل خصّه بالأضحية. والأصل في ذلك الإتيان المذكورتان و قد عطف في الأولى قوله: (و اطعموا البائس الفقير) و في الثانية قوله: (و اطعموا القانع و المعتر) نظراً إلى إنّ القانع و المعتر إن كانا نوعين من الفقير غاية الأمر إن القانع هو الفقير الذي يقنع بما يعطى و يرضي به من غير اعتراء. و المعتر هو الفقير المعتري و المعترض لنفسه على المعطي. فاللازم إتحاد مفاد الآيتين و دلالتهما على لزوم الاطعام، أي التصدق على الفقير عطفاً على الأكل. فلا دلالة فيهما على التثليث بوجه لعدم إشعار شيء منهما بالإهداء إلى الغير و لو لم يكن مؤمناً. و إحتمال كون الإهداء داخلاً في قوله تعالى: (فكلوا منها) على معنى إرادة أكل الناسك و من يهدى إليه من أصدقائه و جيرانه، لأنه من المعلوم عدم اِرادة أكل الناسك الثلث
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الاربعون، ح 3 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بتمامه ضرورة تعذره غالباً مدفوع بكونه خلاف الظاهر جدّاً و إن ذكره صاحب الجواهر(قدس سره).
و إن كان القانع و المعتر خارجين عن الفقير و داخلين في الغنّي ـ كما ربما يستفاد من بعض الروايات الآتية ـ فيرد في بادي النظر إنه كيف يتحقق الجمع بين الآيتين بعد كون الأولى ظاهرة في الأكل و الصدقة و الثانية في الأكل و الإهداء. فاللازم حملهما على الجمع بين الأمرين، و هو مخالف للظاهر جدّاً. خصوصاً بعد اشتراكهما في التعرض للأكل.
و الظاهر إن مستند ابن إدريس هو الإحتمال الأول، حيث أوجب الأكل و الصدقة إلى الفقير و لم يذكر الإهداء في مسألة الهدي. و كيف كان فاستفادة التثليث من الآيتين ولو بعد الإنضمام مشكل. ولامجال لدعويه بوجه. هذا مع قطع النظر عن الروايات الظاهرة في تفسير الآيتين أو الدالة على بيان مصرف الهدي. و أمّا مع ملاحظتها فنقول:
منها: صحيحة سيف التمار، قال: قال ابوعبدالله(عليه السلام) إن سعيد بن عبدالملك قدم حاجّاً فلقى أبي، فقال: إنّي سقت هدياً فكيف أصنع؟ فقال له أبي: أطعم أهلك ثلثاً، و أطعم القانع و المعتر ثلثاً، و أطعم المساكين ثلثاً. فقلت: المساكين هم السؤال؟ فقال: نعم و قال: القانع الذى يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعتر ينبغي له أكثر من ذلك هو أغنى من القانع بعتريك فلايسألك.(1) و قد استفاد منها بعض الأعلام(قدس سره)ان جعل المساكين فيها في مقابل القانع و المعتر، دليل على عدم اعتبار
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الاربعون، ح 3 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفقر فيهما، و أنهما يصدقان على الغنى أيضاً و عليه فتدل على أن الآية الكريمة بنفسها متكفلة للتقسيم الثلاثى بين الصدقة و الإهداء و الأكل. و موردها و ان كان هدي القرآن الذي يساق في إحرامه. الاّ أن الظاهر إنه لافرق من جهة المصرف بينه و بين الهدي في حج التمتع. و لذا استدل بالاية فيه.
و يؤيد ما أفاده التعبير في ذيل الصحيحة بأن المعتر أغنى من القانع فإن هذا التعبير ظاهر في اشتراكهما في الغنى و الخروج عن الفقر.
و يمكن الإيراد عليه بأن جعل المساكين في مقابل القانع و المعتر لادلالة له على خروجهما عن عنوان الفقير، خصوصاً بعد تفسير المساكين بأهل السؤال مع أنه من الواضح إنه لامدخلية للسؤال في حقيقة الفقر بوجه. و عليه فيحتمل أن تكون المقابلة بين المساكين و بين القانع و المعتر هي المقابلة بين الفقير والمسكين لأنهما إذا اجتمعا افترقا و إذا افترقا اجتمعا.
و يؤيده أن مفاد القانع والمعتر لايلائم مع الغنى بوجه. فإنّ الغني لايحتاج إلى إرسال شىء إليه حتى يقتنع به. كما انه لايناسبه الإعتراء و إرائة نفسه إلى الغير و جعلها في معرض نظره ليتحقق منه الإطعام. فإن هذه المعاني لايلائم مع الغنى بوجه. بل المستفادة من الصحيحة ولو احتمالاً لايكون مخالفاً للظاهر ان المسكين لشدة فقره يرى نفسه محتاجاً إلى السؤال و دونه في الفقر القانع و المعتر حيث إن فقرهما لايكون بمرتبة يرى أنفسهما محتاجين إلى السؤال بوجه. بل يكون فى أحدهما الاعتراء و في الآخر القناعة. و التعبير في الصحيحة بأن أحدهما أغنى من الآخر إنما هو للإختلاف في مراتب الفقر لا للإشتراك في الغنى. و عليه فلا دلالة للصحيحة على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ان مفاد الآيتين هو التثليث بالمعنى المعروف، فتدبّر.
و منها: صحيحة شعيب العقرقوفى، قال: قلت لابى عبدالله(عليه السلام) سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال: بمكة. قلت: أيّ شيء أعطي منها؟ قال: كل ثلثاً و أهد ثلثاً و تصدق بثلث.(1) و موردها و إن كانت البدنة التي لاتكون إلاّ مستحبة في العمرة لاواجبة، إلاّ انه لافرق في المصرف بين الموارد ـ كما عرفت ـ و دلالتها على التثليث ظاهرة، إلاّ انها لا إشعار يكون مفاد الآية ايضاً ذلك، كما انه لا دلالة لها على وجوب التثليث بعد عدم كون الأكل واجباً و وقوع الإهداء و التصدق في سياقه.
و منها: صحيحة معاوية بن عمار ـ التي جعلها في الوسائل روايتين مع وضوح اتحادهما ـ عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: إذا ذبحت أو نحرت فكل و أطعم كما قال الله: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) فقال: القانع الذي يقنع بما أعطيته و المعتر الذي يعتريك والسائل الذي يسألك في يديه، و البائس الفقير.(2)
و هذه الرواية و إن كانت ظاهرة في التفسير للآية، بل الآيتين الواردتين فى المقام، الاّ أنه لادلالة لها على أنّ مفاد الكتاب هو التثليث الذي يكون أحد أقسامه الإهداء الذي لايعتبر في المهدى إليه الفقر بوجه. بخلاف التصدق الذي يجب أن يكون إلى الفقير. بل ظاهرها الأكل و الإطعام فقط. و إن الإختلاف بين الآيتين إنّما هو في بيان مراتب الفقير و إن القانع و المعتر يكونان كالسائل من مصاديق عنوان الفقير. فهذه الصحيحة ظاهرة في خلاف ما استفاده بعض الأعلام من صحيحة سيف
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الاربعون، ح 18 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الاربعون، ح 1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التمار، فتدبّر.
و منها: صحيحة أبي الصباح الكناني، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن لحوم الأضاحي فقال: كان على بن الحسين(عليه السلام) و ابوجعفر(عليه السلام) يتصدقان بثلث على جيرانهم، و ثلث على السؤال، و ثلث يمسكانه لأهل البيت(1) و المراد بالتصدق على الجيران هو إطعامهم لوضوح عدم كونهم بأجمعهم فقراء، كما ان المراد بالإمساك لأهل البيت هو الاكل من هذا الثلث للملازمة العادية بين الامرين، و لا دلالة فى الصحيحة على لزوم التثليث المزبور، لأن الفعل أعم منه، مع أنه يمكن أن يقال بأن الحكاية المزبورة ظاهرة في عدم الوجوب لإشعارها بل دلالتها على الإختصاص بهما(عليهما السلام) فلا دلالة لها على الوجوب.
و منها: موثقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله(عليه السلام) في قول الله ـ عزّوجل ـ : (فإذا وجبت جنوبها) قال: إذا وقعت على الارض فكلوا منها و أطعموا القانع و المعترّ قال: القانع الذي يرضي بما أعطيته ولايسخط ولايكلح ولايلوى شدقه غضباً، والمعتر المارّ بك لتطعمه.(2) و الكلوح تكثر في عبوسة. و يقال: لوى الرجل رأسه وألوى برأسه أمال و أعرض و الشدق جانب الفم، و هو الذي يعبر عنه فى الفارسية بـ «دهن كجى».
و قد انقدح انه لايستفاد لامن الآية و لامن الرواية لزوم التثليث. و قد قال صاحب الجواهر: لم أعرف قائلاً بوجوبها ـ يعني القسمة أثلاثا ـ و قد ذكر قبله أن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الاربعون، ح 13 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، ح 12 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مقتضى كلام الشهيدين والمحقق الكركي جواز الإقتصار على مصرف واحد منها ولو أكله أجمع. قال: بل قد يستفاد من نحو عبارة المتن المقابل فيها القول بوجوب الأكل للقول باستحباب التثليث ـ حيث ذكر عقيب الحكم باستحباب التثليث المتقدم نقل عبارته، و قيل يجب الأكل منه و هو الأظهر ـ إن أصل الصرف مستحبّ.
و يؤيد ما ذكرنا من عدم لزوم التثليث خلو الروايات البيانية الحاكية لحجة الوداع من رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن تثليثه و إنه بعد النحر قد قسّم لحوم البدن ثلاثة أقسام. بل مفادها أكل النبى و اميرالمؤمنين(عليهما السلام) من المرق الذي كان لحمه بضعة من كل إبل من مأة. نعم في ذيل بعضها انه تصدق بجلودها و أمثالها الفقراء و لم يعطها الجزارين.
كما انه يؤيد عدم لزوم الاكل ملاحظة جملة من الروايات الظاهرة فى انه يؤكل من الهدي ولايؤكل من غيره من الكفارة ومثلها، مثل قوله(عليه السلام) في رواية عبدالرحمن: كل هدى من نقصان الحج فلا يأكل منه و كل هدى من تمام الحج فكل.(1)
فإنها ظاهرة في أن الأكل من الهدي الذي يكون من تمام الحج يكون في مقابل عدم جواز الأكل من هدي غيره و رواية جعفر بن بشير عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن البدن التي تكون جزاء الايمان و النساء و لغيره يؤكل منها. قال: يؤكل من كل البدن.(2) فإنها ظاهرة في كون السؤال عن الجواز. فالجواب بقوله: «يؤكل» لا دلالة له على أزيد من الجواز. فلو لم يثبت كلام الزمخشرى و نقله عن الجاهلية تكون مثل هذه الروايات ظاهرة في ان المحتمل في ذهن الرواة هو عدم الجواز، فتدبّر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، ح 4 .
(2) كل ابواب الذبح، ح 7 .
في الإنتقال إلى الصيام مع عدم الهدى
مسألة 14 ـ لولم يقدر على الهدي، بأن لايكون هو ولاقيمته عنده يجب بدله صوم ثلاثة أيام في الحجّ و سبعة أيام بعد الرجوع إليه.[1]
مسألة 15 ـ لوكان قادراً على الإقتراض بلامشقة وكلفة وكان له ما بإزاء القرض، أي واجد ما يؤدّى به وقت الأداء وجب الهدي، ولوكان عنده من مؤن السفر زائداً على حاجته و يتمكن من بيعه بلامشقة وجب بيعه لذلك، ولايجب بيع لباسه كائناً ما كان، ولو باع لباسه الزائد وجب شراء الهدى، والاحوط الصوم مع ذلك.[2]
مسألة 16 ـ لايجب عليه الكسب لثمن الهدي، ولو اكتسب وحصل له ثمنه يجب شرائه.[3]
[1] يدل على الإنتقال إلى البدل و هو صيام عشرة أيام بالكيفية المذكورة في الآية والرواية، قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) و هذا التعبير عين التعبير في آية التيمم: (و إن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيّباً) والتعليق على عدم الوجدان ظاهر في أن المعلق عليه هو عدم الوجدان بحسب نظر العرف، فهو الحاكم في الباب. و اللازم مراعاة نظره و تشخيصه. كما إنّ الظاهر ان المراد هو عدم الوجدان حال توجه التكليف و هو فى المقام يوم النحر لا العدم قبله أو بعده. و أمّا قوله تعالى: (تلك عشرة كاملة)فقد ورد في رواية عبدالله بن سليمان الصيرفي قول أبي عبدالله(عليه السلام) لِسفيان الثورى: ما تقول في قول الله ـ عزّ وجلّ ـ (فمن تمتع بالعمرة) الآية. أىّ شيء يعني بالكاملة؟
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: سبعة و ثلاثة. قال: ويختل ذا على ذي حجي إن سبعة و ثلاثة عشرة. قال: فأىّ شيء هو اصلحك الله، قال: الكامل كمالها كمال الأضحية سواء اتيت بها أو أتيت بالأضحية تمامها كمال الاضحية.(1) و احتمل في الجواهر ـ مع قطع النظر عن الرواية ـ أن يكون لرفع احتمال إرادة معنى «أو» من «الواو» و يدل على ثبوت البدل أيضاً الروايات المستفيضة الآتية في المسائل الآتية.
[2] و [3] قد عرفت إن المعيار في عدم الوجدان هو عدمه عند العرف و بحسب نظره. و عليه فإذا لم يكن الهدي و لاقيمته عنده ولكنه يكون قادراً على الإقتراض بلامشقة ولاكلفة لوجود المقرض و عدم كون الاقتراض منافياً لشأنه و هتكاً لحيثية، هذا من ناحية و من ناحية اخرى يكون له ما بازاء القرض و واجداً ما يؤدّى به وقت أداء القرض يجب عليه الهدي، لكونه مصداقاً للواجد بنظرالعرف ولاينطبق عليه عدم الوجدان عندهم.
كما أنه لو كان عنده من مؤن السفر و لوازمه زائداً على حاجته فيه و يتمكن من بيعه بلامشقة ولا إستلزام للهتك المذكور يجب بيعه لذلك. نعم في خصوص اللباس كلام يأتي.
كما أنه لايجب عليه الكسب لثمن الهدي، كما أنه لايجب عليه تحصيل أصل الإستطاعة التي يترتب عليها وجوب الحج. نعم لو اكتسب و حصل له ثمنه يجب شراء الهدي. ولكنه يظهر من المسالك انه مع القدرة على التكسب اللائق بحاله يجب عليه ذلك. ولكنه ذكر في الجواهر أنه لايخفى عليك ما فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس و الابعون، ح 1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما انّه لو توقف تحصيل الهدي على بيع ماله الذي في بلده فإن كان بما يساوي ثمن المثل فلا إشكال في وجوبه إذا لم يكن مقروناً بالمشقة و إن كان بدونه فإن كان بمقدار يتضرّر به تضرراً متعدّاً به، فالظاهر أنه غير واجب. و إن كان بغيره يجب البيع لصدق الوجدان عند العرف.
و أمّا اللّباس فقد قال المحقق فى الشرايع: «ولايجب بيع ثياب التجمل فى الهدي، بل يقتصر على الصوم» و في الجواهر: بلاخلاف اجده فيه. بل في المدارك و غيرها إنه مقطوع به في كلام الأصحاب.
و قد استدل فيها له بأمور. عمدتها: فحوى استثنائها فى دين المخلوق الذي هو اهمّ في نظر الشارع من دين الخالق. و بعض الروايات الواردة فى المسألة مثل مرسلة على بن أسباط عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الرّضا(عليه السلام) قال: قلت له رجل تمتع بالعمرة الى الحج و في عيبته ثياب له، أيبيع من ثيابه شيئاً و يشتري هديه؟ قال: لا، هذا يتزين به المؤمن، يصوم ولايأخذ من ثيابه شيئاً.(1)
و صحيحة ابن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المتمتع يكون له فضول من الكسوة بعد الذي يحتاج إليه فتسوي بذلك الفضول مأة درهم يكون ممّن يجب عليه؟ فقال: له بدّ من كسر (كرى خ ل) أو نفقة، قلت له: كسر (كرى خ ل) أو ما يحتاج إليه بعد هذا الفضل من الكسوة. فقال: و أيّ شيء كسوة بمأة درهم؟ هذا ممّن قال الله (فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج و سبعة إذا رجعتم).(2) وليس ظهور
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السابع و الخمسون، ح 2 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب السابع و الخمسون، ح 1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هذه الصحيحة بمثابة ظهور المرسلة و انجبارها باستناد المشهور إليها ظاهر.
ولاخفاء في ظهور المرسلة في مشروعية عدم البيع و ثبوت الإنتقال إلى الصّوم. و أمّا دلالتها على جواز بيع الثياب و اشتراء البدنة فتبتنى على دعوى كون المراد من قول السائل: أيبيع من ثيابه شيئاً و يشترى بدنة؟ هو السؤال عن الوجوب دون الجواز إذ على التقدير الأوّل يكون الجواب ناظراً الى نفى الوجوب. كما أنه على التقدير الثاني يكون مفاد الجواب هو عدم الجواز. كما أن قوله(عليه السلام) فى الجواب «ولا يأخذ من ثيابه شيئاً» سواء كانت الجملة خبرية نافية واقعة فى مقام الانشاء أو إنشائية ناهية يمكن أن يكون المراد منه هو عدم مشروعية الأخذ من الثياب. ويمكن أن يكون المراد منه هو عدم الوجوب، فعلى التقدير الثاني إذا باع لباسه الزائد لاينتقل فرضه إلى الصيام، و على التقدير الأوّل الانتقال باق بحاله و مخالفة التكليف بعدم جواز البيع لايؤثر في العدم. و مما ذكرنا يظهر وجه الإحتياط الوجوبي في المتن بالنسبة إلى الصوم إذا باع لباسه الزائد و اشترى الهدي لتحقق الوجدان بعد البيع، فتدبّر.
في لزوم وقوع صيام الثلاثة في ذي الحجة
مسألة 17 ـ يجب وقوع صوم ثلاثة أيّام في ذي الحجّة، و الأحوط أن يصوم من السّابع إلى التاسع ولايتقدم عليه، ويجب التوالي فيها، و يشترط أن يكون الصوم بعد الإحرام بالعمرة ولايجوز قبله، ولولم يتمكن من صوم السابع صام الثامن و التاسع و أخّر اليوم الثالث إلى بعد رجوعه من منى، والأحوط أن يكون بعد أيام التشريق، أي الحادى عشر و الثاني عشر و الثالث عشر.[1]
[1] قد وقع التعرض فى هذه المسألة لأمور ترتبط بصيام ثلاثة أيام:
الأمر الأوّل: في لزوم وقوع صيام ثلاثة أيّام في خصوص ذي الحجة و إن كان أشهر الحج ثلاثة و أوّلها الشوّال إلاّ أن المراد بقوله تعالى (في الحج) هو خصوص ذي الحجّة قال صاحب الجواهر: و شهره، و هو هنا ذوالحجة عندنا و في بعض الروايات تفسير: في الحج بذي الحجة، فلا إشكال في هذا الأمر، كما أنه لاخلاف فيه بل الإجماع عليه.
الأمر الثاني: فى تعين اليوم السابع الى اليوم التاسع للصيام و عدم التقدم عليه و لا التأخر منه مع التمكن، و يدلّ عليه روايات متعددة:
منها: صحيحة معاوية بن عمّار عن ابى عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن متمتع لم يجد هدياً، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج، يوماً قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة. قال: قلت فإن فاته ذلك، قال: يتسحّر ليلة الحصبة و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده. قلت: فإن لم يقم عليه جمّاله أيصومها في الطريق؟ قال: إن شاء صامها في الطريق، و
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إن شاء إذا رجع إلى أهله.(1)
و يستفاد منها مضافاً إلى لزوم وقوع صيام الثلاثة في ذي الحجّة و إلى لزوم التوالي و التتابع و عدم التفريق في الثلاثة تعين الأيام الثلاثة المذكورة، فلايجوز التقدم عليها و لا التأخر عنها ولو كان في الجملة فى صورة التمكن و عدم العذر.
و منها: موثقة رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبدالله(عليه السلام) عن المتمتع لايجد الهدي، قال: يصوم قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة. قلت: فانه قدم يوم التروية قال: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق، قلت لم يقم عليه جمّاله، قال: يصوم يوم الحصبة و بعده يومين، قال: قلت و ما الحصبة؟ قال: يوم نفره، قلت: يصوم و هو مسافر. قال: نعم، أليس هو يوم عرفة مسافراً؟ إنّا اهل بيت نقول ذلك لقول الله ـ عزّوجلّ: (فصيام ثلاثة ايام في الحج)يقول في ذي الحجة.(2)
و قوله: و يصوم قبل التروية و إن كان له إطلاق في نفسه يشمل اليوم المنفصل عن التروية بيوم أو أزيد أيضاً، إلاّ أن قوله: و «يوم التروية و يوم عرفة» بعده يوجب ظهوره في خصوص اليوم المتصل بيوم التروية ـ كما وقع التصريح به في الصحيحة المتقدمة ـ كما ان تحقق السفر في يوم عرفة عند الذهاب اليها انّما هو لاجل الخصوصيّة الموجودة فيها فى زمن صدور الرواية، و هي كون الفصل بينها و بين مكة أربعة فراسخ، و عليه فالصلاة فيها كانت قصراً سواءٌ كان قد قصد الإقامة بمكة عشرة أيام أم لم يكن قد قصد الإقامة. و أمّا في زماننا هذا فحيث إن بلد مكّة قد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السّادس و الاربعون، ح 4 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس و الاربعون، ح 1 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
توسّع في الأزمنة الأخيرة توسّعاً شديداً فلايكون الفصل بينها و بين عرفات أربعة فراسخ، بل نصفها أو أقل، فلا تكون الصلاة فيها قصراً لمن قصد الإقامة بمكة.
و منها: صحيحة حمّاد بن عيسى المروية في قرب الإسناد، قال: سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول: قال على(عليه السلام) فى قول الله ـ عزّوجلّ ـ (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة) قال: قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، فمن فاتته هذه الأيّام فلينشئ يوم الحصبة، و هي ليلة النفر.(1)
و منها: غير ذلك من الروايات المتعددة الواردة بهذا المضمون.
و الإشكال في مفادها بأنه لامعنى للإتيان بالبدل و ثبوت الإنتقال قبل يوم النحر الذي هو زمان توجه التكليف بالهدي، لأنه من مناسك منى و واجباته مدفوع، مضافاً إلى أنه لامجال للشبهة في الأمور التعبدية مع قيام الدليل الواضح عليها، بأنه حيث يأتي البحث في أنه يجب أن يكون الصيام المذكور بعد التلبس بإحرام عمرة التمتع و إن لم يأت بجميع مناسكها، و انّه لايجوز الإتيان بالصوم قبل التلبس بإحرام عمرة التمتع، فلامحالة يصير وجوب جميع المناسك فعليّاً و إن كان الواجب معلقاً على زمان أو شيء آخر، من دون فرق بين كون التمتع واجباً او مستحباً، لوجوب الإتمام على كلا التقديرين ولامعنى للإتمام الاّ الإتيان بكل منسك في ظرفه، فالوجوب بعد التلبس بالإحرام متحقق بالفعل، كأصل وجوب الحج بعد تحقق الإستطاعة و إن كان قبل أشهره فالشبهة مندفعة.
ثمّ انّ في مقابل الروايات المتقدمة طائفتين من الأخبار:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس و الاربعون، ح 14 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطائفة الأولى: ماتدل بظاهرها على لزوم التأخير عن يوم النحر، و هي ما رواه الكليني عن بعض أصحابنا عن محمد بن الحسين عن أحمد بن عبدالله الكرخي، قال: قلت للرّضا(عليه السلام) المتمتع يقدم و ليس معه هدي، أيصوم مالم يجب عليه؟ قال: يصبر إلى يوم النحر فإن لم يصب فهو ممّن لم يجد.(1)
والجواب عنها مضافاً إلى عدم اعتبارها من حيث السنّد انه يمكن أن يقال بأن موردها ما إذا احتمل وجود الهدي في يوم النحر. و يؤيده التعبير بالصبر. و قوله «فإن لم يصب» و مورد الروايات المتقدمة صورة إحراز عدم وجود الهدي في اليوم المذكور مع أنه على تقدير التعارض يكون الترجيح مع تلك الروايات لقيام الشهرة، بل الإجماع على مشروعية الصيام في الأيام الثلاثة المذكورة فيها و إن وقع الإختلاف في التعين و عدمه، فلامجال لهذه الرواية الدالة على عدم المشروعية، كما هو ظاهر.
الطائفة الثانية: ما تدل بظاهرها على جواز الاتيان من أوّل الشهر و هي روايتان:
احديهما: ما رواه عبدالله بن مسكان، قال: حدثني أبان الأزرق عن زرارة عن أبي عبدالله(عليه السلام) انه قال: من لم يجد الهدي و أحبّ أن يصوم الثلاثة الأيام في أوّل العشر فلابأس بذلك.(2) و أبان المذكور لم يوثق بالخصوص. بل له توثيق عام باعتبار وقوعه في اسناد كتاب كامل الزيارات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الرابع و الخمسون، ح 2 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس و الاربعون، ح 8 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانيتهما: رواية أخرى لزرارة، و قد رواها صاحب الوسائل في بابين: أحدهما: الباب السادس والأربعون، الحديث الثاني بهذه الكيفية، و عنهم ـ يعنى محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا ـ عن سهل عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبدالكريم بن عمرو عن زرارة، عن أحدهما(عليه السلام) انه قال: من لم يجد هدياً و أحبّ أن يقدّم الثلاثة الأيام في أوّل العشر فلابأس. ثانيهما: الباب الرابع و الخمسون، الحديث الاوّل بهذه العبارة، محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد و سهل بن زياد جميعاً عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبدالكريم بن عمرو عن زرارة عن أحدهما(عليه السلام) انه قال بنفس العبارة.
و انت ترى وجود سهل فى السند الأوّل منفرداً و في الثاني منضماً إلى أحمد بن محمد و هو يوجب الخلل في اعتبار الأولى دون الثانية، مع أنه لايكون في الكافي الذي نقل عنه صاحب الوسائل الاّ رواية واحدة لامتعددة.
مع انّ المراجعة إلي الكافي تبيّن عدم صحة نقل الوسائل عنه بوجه، فإنه قد عقد باباً بعنوان: «صوم المتمتع إذا لم يجدى» ثم ذكر في الحديث الأوّل هكذا: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد و سهل بن زياد جميعاً عن رفاعة بن موسى، ثم نقل رواية رفاعة بن موسى المتقدمة في الأمر الأوّل، ثم عقبه بالحديث الثاني بهذا النحو: أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبدالكريم بن عمرو عن زرارة عن أحدهما(عليهم السلام) ثم نقل متن رواية زرارة.
و من الواضح ان الحديث الثانى لا ارتباط له بالحديث الأوّل، بل الظاهر انّ قوله أحمد بن محمد بن أبي نصر شروع في السند الثاني من دون وقوع عدة من أصحابنا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن سهل منضماً أو منفرداً في هذا السّند، و عدم إمكان نقل الكلينى عن ابن أبي نصر بلاواسطة، بل اللازم وجود واسطة بل واسطتين لايوجب كون نقله عن العدة عن سهل عنه كذلك. و لعلّ هذا هو الذي أوقع صاحب الوسائل في الإشتباه، فتخيل أن الواسطة ما هو المذكور في الحديث الأوّل.
نعم يرد على السند الأوّل ان سهلاً لايمكن له النقل عن رفاعة بلاواسطة. و لذا ذكر العلامة المجلسي(قدس سره) في شرح الحديث الأوّل إن الظاهر ان فيه سقطاً، إذ أحمد بن محمد و سهل بن زياد لايرويان عن رفاعة لكن الغالب ان الواسطة امّا فضالة أو ابن أبي عمير أو ابن فضال أو ابن أبي نصر، قال: والأخير هنا أظهر بقرينة الخبر الآتي، حيث علقه على ابن أبي نصر إلي آخر كلامه.
هذا و التحقيق اتحاد الروايتين لزرارة و ان كان الراوى عنه في أحديهما هو أبان الأزرق و في الثانية هو عبدالكريم بن عمرو. و قد عرفت ان في السند الثاني سقطاً، لأنه لايمكن للكلينى أن ينقل عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر من دون واسطة. فهى بهذا السّند غير معتبرة. و امّا بالسند الأوّل فالإشكال إنّما هو في أبان المذكور، و قد عرفت وجود التوثيق العام بالإضافة إليه و هو حجة فيما إذا لم يكن قدح خاص على خلافه. و ليس في المقام قدح أصلاً، و عليه فالظاهر اعتبارها بهذا السّند، و مقتضى الجمع بينها و بين الروايات المتقدمة هو حملها على الاستحباب والفضيلة، و حمل رواية زرارة على الجواز و المشروعية. ولكن حيث إن المشهور ذهبوا إلي عدم جواز التقديم على الثلاثة الأيام لعدم اعتبار التوثيق العام عندهم، نقول بأن مقتضى الإحتياط الوجوبي هو العدم ـ كما في المتن ـ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأمر الثالث: فيما لو لم يتمكن من صوم السابع. ففي المتن صام الثامن و التاسع و أخر اليوم الثالث إلي بعد رجوعه من منى. قال والأحوط أن يكون بعد أيام التشريق، أي الحادى عشر و الثانى عشر و الثالث عشر و قد تبع المتن في أصل الحكم المشهور، بل عن ابن إدريس و غيره الإجماع عليه. و يدل عليه روايتان:
إحديهما: رواية عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي عبدالله(عليه السلام) فيمن صام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يجزيه ان يصوم يوماً آخر.(1) و في سندها مفضل بن صالح ابو جميلة و هو ضعيف.
ثانيتهما: رواية يحيى الأزرق التي رواها الشيخ بإسناده عن موسى بن القاسم عن النخعي عن صفوان عنه عن أبي الحسن(عليه السلام) و الصدوق بإسناده عنه، إنه سأل أبا ابراهيم(عليه السلام)قال: سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعاً و ليس له هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يصوم يوماً آخر بعد أيام التشريق. و في رواية الصدوق زيادة بيوم.(2)
و الظاهر انّ المراد هو يحيى بن عبدالرحمن الأزرق و هو ثقة، لكن الإشكال في أن الصدوق صرّح في المشيخه بيحيى بن حسان الأزرق، و هو مع أنه لم يوثق ليس له بهذا العنوان رواية في الكتب الأربعة، و يحتمل قويّاً وقوع الإشتباه في الكتابة منه أو من النسّاخ. لكن الذى يسهّل الخطب انه لامستند للمشهور في هذا الحكم المخالف للقاعدة، و هي اعتبار التوالي في صيام الثلاثة أيام الاّ هاتين الروايتين فلامحالة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 1 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 2 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ينجبر سندهما باستناد المشهور إليهما، ولامجال لتوهم كون المسألة إجماعية مع قطع النظر عن الروايتين ـ كما ربما يظهر من الجواهر ـ بل الظاهر ثبوت الإستناد و هو جابر على ما هو التحقيق، فلا اشكال فيهما من حيث السّند.
ثم إنه هل يختص الحكم بصورة عدم التمكن من صوم اليوم السابع ـ كما هو ظاهر المتن ـ أو يعم صورة التمكن أيضاً؟ كما ربما يظهر من مثل عبارة الشرايع حيث قال فيها: ولو لم يتفق ـ أي صوم اليوم السابع ـ اقتصر على التروية و عرفة ثم صام الثالث بعد النفر. وجهان. استظهر الجواهر من الرواية التناول لحال الاختيار نظراً إلي أن القدوم يوم التروية لاينافي صوم يوم قبله قبل القدوم. ولكن الظاهر من السؤال بلحاظ الصوم يوم التروية بمجرد القدوم إنه كان عالماً بلزوم صوم اليوم السابع أيضاً و إن الباعث له على الترك هو عدم التمكن منه فى حال السفر، و الحركة الملازم خصوصاً في تلك الأزمنة للمشقة والكلفة الشديدة. وإلاّ فلم يكن وجه للترك فيه مع الصوم بمجرد القدوم، فلا دلالة للرواية على عمومية الحكم لصورة التمكن أيضاً.
مع أنه لو قلنا بأن المستند في أصل هذا الحكم هو الإجماع ـ كما ربما يظهر من صاحب الجواهر ـ يكون مقتضى الإقتصار في الأدلة اللبيّة على القدر المتيقن هو تخصيص الحكم بصورة عدم التمكن أيضاً.
ثم إنه ربما يظهر في بادي النظر وجود روايات متعددة في مقابل الروايتين الواردتين في المقام، و قد جعلها بعض الأعلام(قدس سره) على طوائف ثلاث:
الطائفة الأولى: ما تدل بالإطلاق على لزوم التتابع و انه لو صام يومين
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولايتابع اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيام، مثل رواية عليّ بن الفضل الواسطي، قال: سمعته يقول: إذا صام المتمتع يومين لايتابع الصوم اليوم الثالث، فقد فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، فليصم بمكة ثلاثة أيام متتابعات، فإن لم يقدر و لم يقيم عليه الجمّال، فليصمها في الطريق أو إذا قدم على اهله صام عشرة أيام متتابعات.(1)
و الرواية مع كونها مضمرة و ضعيفة بعلى بن الفضل الواسطي، مطلقة شاملة للفروض والصور المتعددة كصيام اليوم السابع و الثامن و صيام يومين قبل الأيام الثلاثة أو مع بهضها و للمقام أيضاً فأدلة المقام صالحة لتقييد إطلاقها و إخراج المقام منها فالتعارض بدوى.
الطائفة الثانية: ما يدل على ان من فاته صوم هذه الأيام ولو بفوت يوم واحد، يصوم ثلاثة بعد أيام التشريق، مثل صحيحة حمّاد بن عيسى، قال: سمعت ابا عبدالله(عليه السلام)يقول: قال علّى(عليه السلام) صيام ثلاثة أيام في الحجّ قبل التروية بيوم، و يوم التروية، و يوم عرفة فمن فاته ذلك فليستحر ليلة الحصبة يعنى ليلة النفر، و يصبح صائماً، و يومين بعده و سبعة إذا رجع.(2)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن متمتع لم يجد هدياً، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج، يوماً قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، قال: قلت فإن فاته ذلك، قال: يتسحّر ليلة الحصبة و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 4 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثالث و الخمسون، ح 3 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلت: فإن لم يقم عليه جمّاله ايصومها في الطريق؟ قال: إن شاء صامها في الطريق، و إن شاء إذا رجع إلي أهله.(1)
و احتمال كون المراد بالفوت هو فوت صيام ثلاثة أيام بأجمعها يدفعه صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عبّاد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي، قال: يصوم ثلاثة أيام قبل التروية بيوم و يوم التروية ويوم عرفة، قال: فإن فاته صوم هذه الأيام فقال: لايصوم يوم التروية ولايوم عرفة ولكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيّام التشريق.(2) فإن النهي عن صوم يوم التروية و يوم عرفة في صورة فوت صوم الأيام الثلاثة قرينة على عدم كون المراد بالفوت هو فوت الجميع ـ كما هو ظاهر هذا ـ ولكن الرواية بهذه الكيفية المنقولة في الطبع الحديث من الوسائل الذى يكون من ناحية المكتبة الاسلامية بطهران لاتكون موجودة في التهذيب والإستبصار، بل الموجود فيهما ما هو المنقول في الطبعة الحديثة لآل البيت(عليهم السلام)من قوله(عليه السلام): يصوم ثلاثة أيام قبل يوم التروية، ثم قول السائل فإن فاته صوم هذه الأيام، فقال: لايصوم يوم التروية ولايوم عرفة...
و عليه فظاهر الرواية تعين صيام ثلاثة أيام قبل يوم التروية ولاشهادة فيها على ما ذكرنا. لكن الرواية(عليه السلام) مع انها مخالفة للنصوص المختلفة الواردة في صيام ثلاثة أيام تكون مخالفة للفتاوى أيضاً. حيث إنه لم يقل أحد من الأصحاب بتعين قبل يوم التروية، بل الظاهر عدم ثبوت الاستحباب له أيضاً. و عليه فالرواية تكون معرضاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب السادس و الاربعون، ح 4 .
(2) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 3 .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنها.
هذا و الظاهر انّ نسبة هذه الطائفة المعارضة في بادي النظر للروايتين اليهما مع قطع النظر عن احتمال كون المراد بالفوت هو فوت جميع الايام الثلاثة لامطلق الفوت الشامل لفوت صوم يوم واحد او يومين ايضاً هو الاطلاق والتقييد، لأنّ مفاد هذه الطائفة لزوم التسحر ليلة الحصبة في جميع موارد الفوت و فروضه و صوره الشامل لفوت يوم واحد أو يومين أو جميع الثلاثة و في فوت اليوم الواحد مطلق شامل لفوت اليوم السابع أو الثامن أو التاسع، كما ان الفوت مطلق شامل للفوت الإختيارى و للفوت مع عدم التمكن، و دليل المقام يخرج مورداً واحداً يكون مشتملاً على خصوصيتين، إحديهما: كون الفوت مستنداً إلى عدم التمكن، لما عرفت من الإختصاص بهذه الصورة و ثانيتهما: كون الفائت يوماً واحداً و هو خصوص اليوم السابع دون شيء من اليومين بعده أو أزيد من يوم واحد، فالنسبة هي الإطلاق و التقييد، ولاتعارض بحسب الحقيقة بوجه.
الطائفة الثالثة: ما تدل بظاهرها على النهى عن صوم يوم التروية و كذا صوم يوم عرفة للمتمتع الذى ورد يوم التروية، مثل صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي، قال: فلايصوم ذلك اليوم ولايوم عرفة و يتسحّر ليلة الحصبة، فيصبح صائماً و هو يوم النفر و يصوم يومين بعده.(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل: ابواب الذبح، الباب الثانى و الخمسون، ح 5 .