ولاية الفقيه أبعادها وحدودها

آية الله محمد هادي معرفة

 

قال تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتبع أم من لا يُهدي إلاّ أن يهدى فمالكم كيف تحكمون}. (يونس:35).

وقال أمير المؤمنين (ع): "أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه". (نهج البلاغة، الخطبة 171).

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله الطاهرين.

وبعد... فإن مسألة "ولاية الفقيه" والتعريف بأبعادها وحدودها، أصبحت من أهم المسائل التي تدور عليها رحى العصر؛ إنها مسألة مصيرية للأمة المنتفضة بعد طول العهد، وإنها خطة قيادية وضعها الإسلام منذ أن بزغت مطالعه في ربوع الجزيرة، وإنها النقطة المركزية "حبل الله المتين" التي يجب الالتفاف حولها والتمسك بعروتها الوثيقة، إنها جامعة كلمة المسلمين ولامّة شعثهم، والوسيلة الكبرى لإعادة شاردتهم وإقامة أودهم والاتجاه بهم نحو السعادة في الحياة.

هذا ولاسيما بعد تلك الانتفاضة الكبرى التي قامت بها أمتنا المجيدة في المنطقة، تحت قيادة إمامها الكبير الخميني العظيم (دام ظله) الذي برهن للملأ كفاءته وجدارته في قيادة أمة بكاملها. وقد أعاد إلى الإسلام رواءه الأصيل، ومجده وكرامته التي كانت على عهده الأول صافية ضافية.

وهي مسألة خطيرة بحث عنها الفقهاء في مختلف المجالات، وأخذوا فيها بالرد والنقاش الحر، لخصناها في فصول الرسالة الحاضرة، ولعلها خدمة متواضعة يتلقاها الزملاء الأعزاء، بحسن النظر وغض البصر، إذ من كتب فقد استهدف، ومن ثم فمن الله المستعان وهو الموفق للصواب.

قم ــ محمد هادي معرفة

ربيع الأغر 1402

 

  وظائف الفقيه ومراتب ولايته

ذكروا للفقيه الجامع للشرائط وظائف ثلاث[1]:

1ــ الإفتاء: وهو بيان الحكم الشرعي المرتبط بوظيفة المكلفين، وفق استنباطه من أدلته المعهودة.

2ــ القضاء: وهو الحكم لفصل الخصومات وحل الاختلافات وما شاكلها من مصالح عامة.

3ــ الولاية: وهي تولية شؤون الأمة في جميع جهاتها الإدارية والاجتماعية والسياسية، الداخلية والخارجية، التي يجمعها قولهم: "إدارة البلاد وسياسة العباد".

أما مسألة الإفتاء، فمتفق عليها بين الفقهاء، سوى لفيف من أهل الظاهر، لشبهات عرضت لهم، وكان منشؤها قلة الإمعان والتدبر في نصوص الكتاب والسنة، وكانت مناقشاتهم في الأغلب تعود لفظية.

وأما القضاء فمتفق عليه أيضاً، سوى أن المخالف أنكر ثبوته بعنوان المنصب، فلم يجوّز له التصرف في أموال القصر وتولية الأوقاف بسمة ولايته على ذلك، بل بسبب كونه القدر المتيقن ممن يجب عليه القيام بأمرها.

ومن ثم فإن القيّم الذي نصبه والمتولي الذي عيّنه ينعزل بموت الفقيه، لأنها كانت وكالة ــ والوكيل ينعزل بموت الموكل ــ الأمر الذي لم يكن ينعزل لو كانت من باب الولاية.

وأما مسألة الولاية، فهي التي أصبحت مورد بحثنا في هذه الرسالة، وكانت هي مورد اتفاق الفقهاء فيما سلف حتى عصر صاحب الجواهر حيث بدت بعده وساوس المتشككين، وراق لبعضهم إنكارها رأساً، إنكار أمر كان قد أحكمه أساطين المذهب، حسب تعبيره (قدس سره)[2].

وقد فرض المحقق النائيني (قدس سره) من الولاية ثلاث مراتب:

أولاها ــ وهي المرتبة العليا ــ مختصة بالنبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وهي الولاية على الأموال والأنفس، التي جاءت الإشارة إليها في الآية الكريمة: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[3].

وهذه المرتبة من الولاية غير قابلة للتفويض والانتقال إلى غير المعصوم.

وثانيتها: ولاية إدارة نظم البلاد وانتظام شؤون العباد، الخاصة بولاة الأمر، وهي قابلة للتفويض إلى من له أهلية ذلك، إلاّ أنه ــ بحسب رأيه ــ لم يثبت تفويضها إلى الفقيه في عصر الغيبة.

وثالثتها: ولاية ما يرجع إلى شؤون القضاء، فقال بثبوتها للفقيه في عصر الغيبة.

وهذه قد أنكرها سيدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله) أيضاً، فلم يقل بثبوت ولاية للفقيه إطلاقاً.

وسوف نتعرض لهذه الآراء تفصيلاً ونستوضح أدلتها نفياً وإثباتاً بما يكشف لنا الطريق إلى اختيار الأرجح.

ولكن قبل الخوض في صلب البحث، ينبغي تمهيد مقدمات ربما تسهل علينا الوقوف على حقيقة الأمر في المسألة، وبالله التوفيق.

 

المقدمة الأولى

الإسلام دين جامع وكافل لجميع أبعاد الحياة

لعله من الضروري ــ عند من درس الإسلام ولمس جوانبه التشريعية الغنية ــ أنه دين جامع وشامل لكل جوانب الحياة: الإدارية والاجتماعية والسياسية. برامجه العريقة تشمل شؤون الفرد والمجتمع من عبادات ومعاملات وانتظامات.

المعروف عن الدين الإسلامي ــ لدى المحققين ــ أنه لم يترك شيئاً يمس حياة الإنسان في حاضره ومستقبله إلاّ وتعرض له، وجعل له برنامج يسير عليه الإنسان، إذا أراد الاستقامة في الحياة، حتى الأرش في الخدش.

الإسلام دين الكمال ودين التمام ومن ثم فهو دين الخلود:

1ــ قال الإمام محمد بن الباقر (ع): "إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة، إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله (ص)، وجعل لكل شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً".

2ــ وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع): "إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى (والله) ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن[4] إلاّ وقد أنزل الله فيه".

3ــ وقال (ع): "ما خلق الله حلالاً ولا حراماً إلاّ وله حدّ كحدّ الدار؛ فما كان من الطريق فهو من الطريق، وما كان من الدار فهو من الدار، حتى أرش الخدش فما سواه، والجلدة ونصف الجلدة".

4ــ وقال: "ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنة".

5ــ وقال: "ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله عز وجل، ولكن لا تبلغه عقول الرجال"[5].

والروايات معتبرة الأسناد وفق ما أثبته الكليني (قدس سره) في الكافي الشريف، والرابعة صحيحة حسب مصطلحهم.

قوله ــ في الرواية رقم 1 ــ "جعل لكل شيء حدّاً" أي برنامجاً ودستوراً.

وقوله "وجعل عليه دليلاً" أي بيّنه واضحة حتى لا تبقى الأمة في غموض أو شك من أمرها.

وقوله ــ في الرواية رقم 2 ــ "ما ترك شيئاً يحتاج إليه العباد" أصرح في الشمول والإطلاق.

وقوله ــ في الرواية رقم 3 ــ "حلالاً وحراماً..." أي ما من شيء يجابهه الإنسان في حياته وإلاّ وله حكم، حلالاً أو حراماً، وله برنامج و دستور سماوي جامع ومانع يشمل كل جوانب الأمر بدقة فائقة. وهذا يعني التفصيل والتدقيق في برامجه الأصلية الشاملة لكل جوانب الحياة.

وقوله ــ في الرواية رقم 5 ــ "ولكن لا تبلغه عقول الرجال" لعله إشارة إلى مسألة: "عجز العقول عن إدراك حقائق التشريع"؛ فإن للتشريع أصولاً مثبتة في الكتاب والسنة، تبتنى عليها فروع متصاعدة حسب حاجة الإنسان في مزاولة حياته في مختلف الأبعاد. وتلك الأصول لابدّ من أخذها من شريعة السماء. أما العقل فهو أعجز عن دركها لولا التشريع الإلهي {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}[6].

{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}[7].

 

المقدمة الثانية

الإسلام دين الخلود، ويشمل كل العصور

من الضروري أن دين الإسلام دين الخلود؛ الإسلام جاء ببرنامج الحياة وجعله في ذمة البقاء مع الأبدية، الإسلام خاتمة الأديان السماوية؛ فهو دين الكمال والبقاء، الصالح لإسعاد البشرية في جميع الأعصار والأدوار، مهما تطورت الحياة وتنوعت وسائل المعيشة، وهذا هو مفهوم الخاتمية والكمال؛ فلا شريعة بعد الإسلام، ولا قوانين أكمل من قوانين الإسلام أبدياً.

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}[8].

{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}[9].

فقد بطلت شريعة النسخ بكمال هذا الدين وتمام هذه النعمة الباقية، ولم تقبل شريعة خارج شريعة الإسلام أبدياً.

قال الإمام الصادق (ع): "حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة؛ لا يكون غيره ولا يجيء غيره"[10].

{وتمّت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته}[11].

{لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}[12].

 

المقدمة الثالثة

الإسلام نظام ذو مسؤولية قائمة في كل زمان

الإسلام أتى ببرنامج الحياة السعيدة جامعة كاملة وكافلة بإسعاد البشرية في جميع أبعاد حياتها مادية ومعنوية؛ فالإسلام نظام للحياة السعيدة، لكنه نظام ذو مسؤولية محدودة، قد تعيَّن فيه مسؤول تفسيره وبيانه، مسؤول بثّه وإعلامه، مسؤول تنفيذه وإجرائه، مسؤول حفظه وحراسته عن الضياع والإهمال والدفاع عن تناوش الأعداء.

فالإسلام ذو نظام عام، ونظامه ذو مسؤولية محدودة، مسؤولية البيان والإعلام والتنفيذ والحراسة، إنها مسؤوليات قد عيّنها الإسلام وعيّن حدودها وأبعادها واتجاهاتها، فلم يترك نظامه سدى، ولا أطلق مسؤوليته هملاً، لأن المسؤولية المطلقة هي بعينها الفوضوية وسيادة الهرج والمرج في البلاد؛ وهو نقض للغرض ومضادة عارمة للنظم والانتظام.

ليس من المعقول أن يأتي الإسلام بنظام ولا يعيّن مسؤول بيانه وإجرائه؛ كما ليس من المعقول أن يترك المسؤولية مطلقة، لتكون الأمة هي بذاتها تتبنى تفسير بنود النظام، وتتعهد النشر والإعلام، وتتكفل التنفيذ والإجراء.

هذا غير معقول، لأن ذلك هو النقطة الأولى لإثارة الفتنة بين الأمة وتفاقم الاختلاف؛ لأن كل أحد يجر النار إلى قرصه، فينفسح المجال لذوي الإطماع.

قال تعالى: {...ولا يزالون مختلفين * إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم...}[13].

قال أمير المؤمنين (ع): "فرض الله الإمامة نظاماً للأمة".

قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام: "لأن الخلق لا يرتفع عنهم الهرج والعسف والظلم إلاّ بوازع قوي، وليس يكفي في ردعهم تقبيح القبيح ولا وعيد الآخرة، بل لابدّ من سلطان قاهر ينظم مصالحهم ويردع ظالمهم و يأخذ على أيدي سفهائهم"[14].

وقال الإمام الرضا (ع): "فإن قال: لم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة:

منها: أن الخلق لما وقفوا على حدّ محدود وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحدّ، لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم؛ لأنه إن لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره. فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام"[15].

نعم كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وهذا يعني الإطلاق في المسؤولية، بل لكل أحد مسؤوليته في إطارها الخاص، فابتداءً كل أحد هو مسؤول نفسه: {عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم}[16].

وتتسع المسؤولية في الحياة العائلية {يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً}[17].

وهكذا تتوزع المسؤولية حسب تنوع المقامات الاجتماعية من أدنى إلى أعلى، الأمر الذي يحقق النظام القائم على أساس العدل.

هذا هو مفهوم النظام الذي رسمه لنا الإسلام.

وعليه فنتساءل: هل الإسلام الذي أتى ببرنامج الحياة كاملة أبدية، هل عيّن مسؤولين عن نظامه هذا العريض؟ أم ترك المسلمين لا مسؤول عنهم ولا عن النظام الذي يحكم فيهم؟!

لاشك أن الجواب مع الإثبات، إذ الإهمال يتنافى مع حكمة الباري عزّ اسمه.

ثم فنتساءل: هل كان ذلك مقصوراً على فترة من الزمن كعهد حضور الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أم يعم جميع الأعصر والأدوار حتى عصر الغيبة والانتظار؟.

لاشك أن الجواب أيضاً مع الإثبات، لأن الدليل العقلي لا يقبل الاختصاص؛ فالعقل الذي يحكم بلزوم وجود مسؤولين عن النظام في العهد الأول، هو الذي يحكم بضرورة وجودهم في سائر العصور.

قال الإمام الصادق (ع): "إن الأرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم وإن نقصوا شيئاً أتمّه لهم".

السند الصحيح. وقوله "ردّهم" دليل على ضرورة بسط يده في إدارة شؤون المسلمين.

وقال: "ما زالت الأرض إلاّ ولله فيها الحجة؛ يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله". وقوله "يدعو..." دليل على قيامه بالدعوة، لا مجرد بيان الأحكام.

وقال: "إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل"[18].

وقال: "إن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل".

وعن أمير المؤمنين (ع) قال: "اللهم إنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك"[19].

وقال النبي (ص): "يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد"[20].

هذا الحديث رواه الكشي بسنده المعتبر عن الإمام الصادق (ع) عن النبي (ص). وقوله "يحمل" دليل على قيامه بأمر الدين، وضرب المناوئين ضرباً قاضياً كتأثير النار في إزالة خبث الحديد.

وخلاصة هذه المقدمات، أن الإسلام هو برنامج الحياة في كافة الشؤون الفردية والاجتماعية من عبادات ومعاملات وانتظامات، وأنه دين الخلود والأبدية ليس مقصوراً على فترة من الزمن، بل إن أنظمته مستمرة عبر القرون والأعصار، وإنه نظام ذو مسؤولية قائمة، حفظاً على سلامته، ووقوفاً دون تحكّم الفوضى في جامعة المسلمين.  

 

  المقدمة الرابعة

في ولاية النبي والأئمة (عليهم السلام)

قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}[21].

والمقصود من الأولوية بالأنفس: الأولى بالتصرف في مطلق شؤون المؤمنين الخاصة والعامة. فتصميمه (ص) في أي شأن من شؤون المسلمين، أحق بالمراعاة من تصميمهم أنفسهم.

نعم كان (ص) مأموراً بمشاورتهم في الأمور، أما الاختيار النهائي والبت في الأمر فقد كان إليه (ص): {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله}[22]، ومن ثم قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً}[23]. فليس للمسلمين الخيرة من أمرهم بعد حكم الرسول (ص)، ومن ثم فإن في مخالفته عصياناً وضلالاً.

وهذه الولاية العامة أثبتها النبي (ص) لعلي (ع) يوم الغدير، قال (ص) في حشد المسلمين: "أيها الناس، من أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن الله مولاي. وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه". يقولها ثلاث مرات، ثم أمرهم بتبليغ الشاهد للغائب.

ونزل جبرئيل بآية الإكمال، فقال (ص): "الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتي[24] والولاية لعلي من بعدي"[25].

قوله (ص): "من أولى بالمؤمنين من أنفسهم" إشارة إلى الآية الكريمة {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} تدليلاً على المقصود من الولاية التي أعلن بها بشأن علي(ع). وفي مثل هذه الخطبة، ولا سيما في ذلك الحشد الرهيب، شواهد كثيرة على إدارة ذلك المعنى الخاص: "الولاية العامة على الناس"، "الخلافة الكبرى".

وفي خطبة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (سلام الله عليها): "ففرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك ــ إلى أن قالت ــ وطاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا لمّاً من الفرقة"[26].

وهكذا قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[27] فيه دلالة صريحة على هذه الولاية، إذ لا طاعة إذا لم تكن ولاية، لأنه لا تجوز إطاعة أحد إطلاقاً إلاّ إذا ثبتت ولايته بدليل قاطع، الأمر الذي يختلف عن أخذ الفتوى من الفقيه، حيث لا أمر هناك ولا نهي، وإنما هو بيان حكم الله حسب استنباطه ونظره الخاص، وهذا على خلاف مسألة "الولاية" حيث الإطاعة المحضة، والتسليم والانقياد المطلق، في كل ما يأمر أو ينهي، مطلقاً سواء في الأحكام الشرعية أو غيرها، مما يمس سياسة العباد وإدارة البلاد على الإطلاق.

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً}[28].

قال الشيخ: المستفاد من الأدلة الأربعة أن للإمام سلطنة مطلقة على الناس من قبل الله، وأن تصرفه نافذ ماض مطلقاً.

نعم قال بعضهم: لا ملازمة بين وجوب الطاعة وثبوت الولاية[29]، وهو كلام غريب عن طبيعة الفقه، ولعله صدر من غير تأمل.

وذلك لأن الطاعة المفروضة على الناس تجاه أوامر النبي وأولي الأمر الشرعيين هي الطاعة المطلقة، سواء استصوبها رعاع الناس وعامة أفرادهم أم لم يستصوبوها، الأمر الذي يعني أعرفية ولاة الأمر بمصالح العامة من أنفسهم، فلولاة الأمر حق التصرف في شؤون العامة إدارياً وسياسياً، ويكون تصرفهم هو النافذ إطلاقاً، وليس لعامة الناس حق أي اعتراض، حسبما الآية الشريفة: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}، ومن ثم عقبها بقوله: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً}.

وعليه، فهذه الإطاعة المطلقة لا تعني سوى أولوية ولي الأمر من الناس بأنفسهم، وأن أي تصميم يتخذه ولي الأمر أولى من تصميم سائر الناس فيما يرجع إلى صلاح أنفسهم، ومقدم ذلك عليه وأولى بالاتباع والعمل عليه.

وليس ذلك سوى "الولاية العامة" الثابتة لولي الأمر ــ الإمام المعصوم أو الفقيه الجامع للشرائط ــ فهو أولى بالتصرف في شؤونهم على الإطلاق.


[1]  ولو أردنا الدقة في تعيين وظائف الفقيه الرئيسية، فإنها تتجاوز العشرة، التي منها المحافظة على المصالح العامة سياسياً وأخلاقياً وثقافياً واقتصادياً وما شاكل، والقيام دون تسرب الفساد إلى المجتمع الإسلامي، سواء كان خطراً يهدد كيان الإسلام، أم يطيح بسلامة أخلاق العامة.

وكذا القيام ببث الدعوة خارجياً وداخلياً بالسعي وراء تنشيط الوعي الإسلامي في نفوس المسلمين، وهو المعبر عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مستوى مسؤوليته الكبرى بشكل عام.

وهكذا السعي لإقامة الحكم الإسلامي وسيادته على البلاد في حقيقته الأصيلة، وتحمل هذه المسؤوليته من أخطر وظائف الفقيه. ومنها إقامة الجمعة والجماعات وتعيين أئمتها، وكذا القضاة العدل والمراقبة على أعمالهم. ومنها التصدي لإصدار أحكام (تعرف بالأحكام السلطانية) في مواقع ضرورية حفظاً على منافع المسلمين. ومنها القضاء والإفتاء وتصدي الأمور الحسبية على مصطلحهم.

كل ذلك داخل في إطار "ولاية الفقيه" العامة، وسنشير إليها وإلى مستنداتها إجمالياً في خاتمة المطاف إن شاء الله.

[2] قال: "هذا حكم أساطين المذهب". الجواهر، ج21، ص398.

[3] الأحزاب:6.

[4]  الظاهر أن "لو" هنا للتمني، والمقصود من نزوله في القرآن، نزول حكمه فيه عموماً أو خصوصاً، ولو بحسب فهم أهل الاستنباط ولا سيما أهل العصمة.

[5] الروايات مستخرجة من الكافي الشريف، ج1، ص59ــ60.

[6] الإنسان:3.

[7]  الأعراف:43.

[8] المائدة:3.

[9] آل عمران:85.

[10]  الكافي الشريف، ج1، ص58، باب البدع والرأي والمقاييس، رقم10.

[11] الأنعام:115.

[12] يونس:64.

[13]  هود:118 ــ 119.

[14]  شرح النهج، ج19، ص90.

[15]  علل الشرائع، طبعة النجف، ص253، باب 182.

[16]  المائدة:105.

[17] التحريم:6.

[18] هذا الحديث صحيح الإسناد على مصطلحهم.

[19]  الأحاديث مستخرجة من الكافي الشريف، ج1، ص178.

[20]  رجال الكشي، ص10.

[21]  الأحزاب:6.

[22] آل عمران:159.

[23]  الأحزاب:36.

[24]  إشارة إلى قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً} المائدة:3، وقوله {يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس} المائدة:67.

[25]  هذا النص الذي أثبتناه مما اتفق عليه الفريقان. راجع الغدير للعلامة الأميني (قدس سره)، ج1، ص10ــ11.

[26] كشف الغمة، طبعة النجف، ج2، ص110.

[27] النساء:59.

[28] الأحزاب:56.

[29]  ولاية الأولياء، ص46.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة التالية

 

الصفحة السابقة

 

أعلى