المقدمة الخامسة

في الفرق بين الإفتاء والحكم ومساسهما بمسألة الولاية

الإفتاء: بيان حكم شرعي من المجتهد وفق استنباطه الخاص، فالمفتي إنما يحكي حكم الله حسبما وصل إليه تحقيقه عن منابع الحكم؛ فهو في الحقيقة مخبر عن حكم الله في الواقعة، وليس منشئاً لحكم، وإنما هو حاكٍ وناقل ومخبر.

فإذا رجع إليه العامي ليستعلم حكم الله في المسألة فأفتاه المجتهد، كان ذلك عبارة عن بيان حكم الله حسب تحقيقه، لا أنه يرى ذلك حسب عقله وفكرته الخاصة، فليس بياناً لنظره، بل بياناً لنظر الشارع وفق تحقيقه الخاص.

فمورد الإفتاء هو الأحكام الكلية المترتبة على مواضيعها على نحو القضايا الحقيقية، وإنما على المكلف نفسه تطبيقها على مواردها الجزئية، حسب ابتلاءاته الخاصة، وليس من وظيفة الفقيه تعيين الموضوع، ولا التدخل في أمر التطبيق الخارجي، فإن ذلك من وظيفة العرف وتشخيص المكلف نفسه. ومن ثم قيل: تشخيص الموضوع ليس من وظيفة الفقيه من حيث كونه فقيهاً.

أما الحكم في القضاء فهو على خلاف الإفتاء تماماً، لأن القضاء عبارة عن إنشاء الحكم في الموارد الجزئية، ويكون تشخيص الموضوع من وظيفة القاضي، بل من أهم وظائفه، حيث المفروض عليه تشخيص الموضوع أولاً، تشخيصاً كاملاً، ثم إنشاء الحكم عليه؛ وأن لإنشائه الخاص موضوعية، فلا يجوز إجراء الحد أو تنفيذ أمر ما لم يحكم به القاضي عن إنشاء جدّي.

فالإفتاء والحكم على هذا يفترفان:

أولاً: في أن الإفتاء أخبار لا إنشاء، في حين أن الحكم في القضاء إنشاء لا مجرد أخبار.

وثانياً: أن الإفتاء يخص الموارد الكلية، والحكم لخاص بالموارد الجزئية.

وثالثاً: تشخيص الموضوع ليس من وظيفة الفقيه، في حين أن ذلك من أهم وظائف القاضي.

أما مسألة "الولاية العامة" فهي من جهة تشبه مسألة القضاء، نظراً لاختصاصها بالمواضيع، وأن تشخيص الموضوع فيها في مواردها هو وظيفة الولي الفقيه، لكن تختلف عنها من جهة ارتباطها بالقضايا العامة "المصالح العامة" التي هي فوق شأن القضاء، والتي تكون مسألة القضاء فرعاً عليها.

فمثل التصدي لشؤون القصّر والغيّب وتولية الأوقاف وما شاكلها، فإلى إقامة الجمعة والجماعات وإعلام الجهاد والدفاع وعقد الصلح والهدنة وسد الثغور وتشكيل جهاز الحكم في البلاد سياسياً ونظامياً وإدارياً، وحتى في مثل إصدار "الأحكام السلطانية" فيما يكون فصل الخصومات فيه موقوفاً على تحكيم الأحكام الثانوية تمسكاً بحديث "لا ضرر ولا ضرار" وأمثاله؛ كل ذلك يرجع إلى شؤون الولاية العامة، وهي فوق مسألة القضاء. لكن لا يحق لأحد أن يتصدى لشيء من الأمور المذكورة وما ماثلها من الشؤون العامة، إلاّ أن يكون فقيهاً جامعاً لشرائط الإفتاء، عارفاً بمواقع السياسة والشؤون الأممية والأحوال والأوضاع العامة، أو مأذوناً من قبله بإذن خاص أو عام؛ الأمر الذي يربط مسألة "الولاية العامة" بمسألة "الفقاهة" أولاً، ثم بعالم القضاء في مميزاته الخاصة؛ فهي منتشية من مقام الفقاهة، و مسيطرة على شؤون القضاء في آفاق وأبعاد أوسع منها. وقد ذكرنا في مسألة "القضاء": أن تعيين القضاة في الأطراف، إنما هو من شؤون ولاية الفقيه، إذا كانت للحكم الإسلامي تشكلات ونظم سائدة على البلاد.

 

المقدمة السادسة

في تقسيم الولاية إلى تكوينية وتشريعية

تنقسم الولاية ــ حسب المصطلح ــ إلى تكوينية وتشريعية. وتعني الأولى ولاية التصرف في التكوين إبداعاً أو تبديلاً من حقيقة إلى أخرى، أو من صورة إلى غيرها، بغير أسباب طبيعية متعارفة.

والتصرف في التكوين والإبداع من شأنه تعالى "لا مؤثر في الوجود إلاّ الله"، قال تعالى: {هل من خالق غير الله}[1].

نعم قد يظهر على أيدي بعض أوليائه المقربين بعض التصرف في التكوين، ويسمي بالإعجاز الخارق، كالذي ظهر على أيدي الأنبياء دليلاً على نبوتهم، وآية على صلتهم بعالم الغيب.

وهل يمكن ظهوره على يد غير الأنبياء من عباد الله الصالحين؟

الجواب: نعم. وقضية آصف بن برخيا حجة قاطعة على إمكان الوقوع، {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربّي}[2].

ويبدو من كثير من رواياتنا المتظافرة المأثورة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) أن هذا المقام كان ثابتاً للأئمة المعصومين، خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله أجمعين).

قال الإمام أبو جعفر الباقر(ع) في قوله تعالى: {قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}: "هو علي بن أبي طالب(ع)"[3]. وفي حديث آخر قال: "علي عنده علم الكتاب"[4].

وفي حديث عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، قال: قرأ أبو عبد الله الصادق(ع) {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك}، ثم فرج أصابعه ووضعها على صدره فقال: "والله عندنا علم الكتاب كله"[5].

والأحاديث بهذا المعنى كثيرة جداً.

روى جابر عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: "إن اسم الله الأعظم على ثلاث وسبعين حرفاً، وإنما عند آصف منها حرف واحد ــ إلى أن قال ــ ونحن عندنا من الاسم اثنان وسبعون حرفاً، وحرف استأثر الله به، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم"[6].

بل يبدو من تعابير وجمل الزيارة الجامعة الكبيرة، أن للأئمة المعصومين مقاماً شامخاً، ومنزلة رفيعة عند الله لا يماثلها أي منزلة أخرى، تقول: "بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يسمك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه، وبكم ينفس الهم ويكشف الضر، وعندكم ما نزلت به الرسل، وهبطت به ملائكته ــ إلى أن تقول ــ وأشرقت الأرض بنوركم وفاز الفائزون بولايتكم".

فالجملتان الأخيرتان، تشير الأولى منهما إلى مقام ولايتهم التكوينية: "هم أواصر ثبات هذا الكون ومصادر ازدهار هذه الحياة" {وأشرقت الأرض بنور ربها}[7]، والثانية تشير إلى ولايتهم التشريعية: "بموالاتكم علّمنا الله معالم ديننا وأصلح ما كان فسد من دنيانا، وبموالاتكم تمّت الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة، وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة".

وفي الزيارة الأولى من الزيارات السبع المطلقة لأبي عبد الله الحسين (ع) التي رواها ابن قولويه بإسناد صحيح عن الإمام الصادق (ع) ما هو أعظم: "وبكم يباعد الله الزمان الكلِب[8]، وبكم فتح الله وبكم يختم الله وبكم يمحو الله ما يشاء وبكم يثبت وبكم يفكّ الذل من رقابنا، وبكم يدرك الله ِترَة[9] كل مؤمن يطلب، وبكم تنبت الأرض أشجارها، وبكم تخرج الأرض أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها ورزقها، وبكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبّح الأرض التي تحمل أبدانكم، وتستقر جبالها على مراسيها. إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم"[10].

والجملة الأخيرة هي التي تستلفت النظر وهي جديرة بالعناية والتدقيق. وهي إشارة إلى أنهم (ع) وسائط فيضه تعالى على الإطلاق[11].

أما الولاية التشريعية، فعبارة عن وجوب طاعتهم، وامتثال أوامرهم، ومتابعتهم في شؤون الحياة الدينية والإدارية والسياسية والاجتماعية.

{قل إن كنتم تحبّون الله فاتبعوني}[12]، {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}[13]، {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[14].

قال أبو جعفر(ع) "ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمان تبارك وتعالى، الطاعة للإمام، بعد معرفته تعالى، ثم تلا: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}[15].

وقال أبو عبد الله (ع): "نحن قوم فرض الله طاعتنا وأنتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته". وقال: "الناس عبيد لنا في الطاعة"[16].

هذه هي الولاية التشريعية العامة الثابتة للإمام المعصوم، بنص القرآن الحكيم والسنة القطعية، فهل هي أيضاً ثابتة للفقيه العادل في عصر الغيبة، بنفس السعة والشمول الذي كان ثابتاً للنبي والإمام (ع)؟

الأمر الذي هو مدار بحثنا في هذه الرسالة.  

 

المقصد الأول

في إثبات الولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط

وفيه فصول:

الفصل الأول  

في بيان الآراء في المسألة

الآراء في المسألة ثلاثة:

الأول: قول المشهور[17] بثبوت ولاية الفقيه ولاية عامة في جميع شؤون الأمة، تلك الولاية التي كانت للإمام المعصوم، وهي رئاسة الدنيا والدين، ومن ثم فله ما كان للإمام من إقامة الجمعة والجماعة مع بسط اليد، والأمر بالجهاد والدفاع عن الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإجراء الحدود، والقضاء والإفتاء وعقد الصلح وقبول الهدنة، وتقسيم الغنائم، وأخذ الأخماس والزكوات، وتولية أمر القصّر والغيّب والأوقاف العامة وتجهيز من لا وليّ له ووراثة من لا وارث له، وأن حكمه نافذ وتوليته باقية؛ كل ذلك من باب ولايته على هذه الأمور.

قال الشهيد: "والحدود والتعزيرات إلى الإمام ونائبه ولو عموماً، فيجوز في حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتي ــ في القضاء ــ إقامتها مع المكنة. ويجب على العامة تقويته ومنع التغلب عليه. ويجب عليه الإفتاء مع الأمن، وعلى العامة المصير إليه والترافع في الأحكام"[18].

وقال الشهيد الثاني: هذا مذهب الشيخين (المفيد والطوسي)[19] وجماعة الأصحاب، وبه رواية[20] عن الصادق(ع) في طريقها ضعف، ولكن رواية عمر بن حنظلة مؤيدة لذلك، فإن إقامة الحدود ضرب من الحكم وفيه مصلحة كلية ولطف في ترك المحارم وحسم لانتشار المفاسد وهو قوي[21].

وقال العلامة: وفي رواية حفص بن غياث أنه سأل الصادق(ع) من يقيم الحدود، السلطان أو القاضي؟ فقال: "إقامة الحدود إلى من إليه الحكم"[22].

وهل يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال الغيبة؟ جزم به الشيخان عملاً بهذه الرواية، كما يأتي أن للفقهاء الحكم بين الناس فكان إليهم إقامة الحدود، ولما في تعطيل الحدود من الفساد. ثم قال: الحكم والفتيا بين الناس منوط بنظر الإمام (ع)، فلا يجوز لأحد التعرض له إلاّ بإذنه، وقد فوض الأئمة(ع) ذلك إلى فقهاء شيعتهم المأمونين المخلصين العارفين بالأحكام ومداركها. ثم ذكر رواية ابن حنظلة وأبي خديجة[23].

قال صاحب الجواهر: بل هو المشهور، بل لا أجد فيه خلافاً، إلاّ ما يحكي من ظاهر ابن زهرة وابن إدريس، ولم نتحققه، بل لعل المتحقق خلافه[24].

قال ابن زهرة في الغنية: من شرائط وجوب الجهاد أمر الإمام العادل أو من ينصبه الإمام... بلا خلاف أعلمه[25].

وقال ابن إدريس: الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعاً أنه لا يجوز إقامة الحدود، ولا المخاطب بها إلاّ الأئمة والحكام القائمون بإذنهم في ذلك[26]. قال صاحب الجواهر: ويمكن اندراج الفقيه في الحكام عنهم(ع)[27].

وعبارة سلار في المراسم أصرح: قال في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فأما القتل والجراح في الإنكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان، فإن تعذر الأمر لمانع، فقد فوضوا (ع) إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس... وأمروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة ولم يحيدوا[28].

قال صاحب الجواهر تعقيباً على ذلك: فمن الغريب بعد ذلك ظهور التوقف فيه من المصنف وبعض كتب الفاضل، لا سيما بعد وضوح دليله الذي هو قول الصادق(ع) في مقبول عمر بن حنظلة... ومقبول أبي خديجة والتوقيع...

ثم أخذ في الاستدلال بنصوص روايات كثيرة، وأخيراً قال: فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم (ع) أمراً، وتأمل المراد من قولهم: "إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجةً وخليفة" ونحو ذلك، مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم. وقد قال قبل ذلك: بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة[29].

وأخيراً قال: "هذا حكم أساطين المذهب".[30] كلمة قاطعة، جديرة بالتفخيم والإعظام.

وهذا الرأي هو الذي ارتآه سيّدنا الإستاد الإمام الخميني (دام ظله)، وقام بإعلامه والتشييد من مبانيه في قوة بيان وتمام برهان. وكل ما ذكرته في هذا المجال هو رشفة من بحره الزاخر ونشفة من قطره الغزير[31].

الثاني: رأي المحقق النائيني (قدس سره)؛ فقد أثبت للفقيه حق الإفتاء والقضاء وكل ما يكون راجعاً إلى شؤون القضاء، كأخذ المدّعى به من المحكوم عليه، وحبس الغريم المماطل، والتصرف في بعض الأمور الحسبية كحفظ مال الغائب والصغير، ونحو ذلك، كالحكم بثبوت الهلال، والفصل في الديون والمواريث؛ كل ذلك لولايته على هذه الأمور.

هذه هي المرتبة النازلة من مراتب الولاية، المقصورة على شؤون القضاء فحسب، أما المرتبة العليا منها وهي الولاية على الأنفس وفق نص الآية الكريمة {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} الأحزاب:6، فهي خاصة بالمعصوم لا يتقمصها غيره إطلاقاً.

وبعدها مرتبة أخرى قابلة للتفويض؛ فقسم منها يرجع إلى الأمور السياسية التي ترجع إلى نظم البلاد وانتظام أمور العباد وسد الثغور، والجهاد ضد الأعداء والدفاع ونحو ذلك، مما يرجع إلى وظيفة الولاة والأمراء، وقسم يرجع إلى الإفتاء والقضاء. فقد كان هذان المنصبان في عصر المعصوم لطائفتين: الولاة والقضاة. و ربما كانتا لشخص واحد إذا كانت له الأهلية لكلتا الجهتين، فكانت له الوظيفتان إما أصالة كالنبي (ص)، أو إعطاء في غيره.

قال: لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة، وهكذا ما يكون تابعاً لشؤون القضاء، بعنوان المنصب والولاية عليها، إنما الإشكال في ثبوت الولاية العامة، وأظهر مصاديقها: سد الثغور ونظم البلاد والجهاد والدفاع، وكذا مثل إجراء الحدود وأخذ الزكوات والأخماس وإقامة الجمعة ونحوها.

ثم أخذ في مناقشة أدلة المثبتين، وأخيراً أنكرها وقال: وكيف كان فإثبات الولاية العامة للفقيه، بحيث تتعين صلاة الجمعة بإقامته لها أو نصب إمام لها مشكل[32].

الثالث: رأي سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله) حيث أنكر مطلق الولاية للفقيه حتى ولايته في شؤون القضاء، وقال بقصور الأدلة عن إثبات أية ولاية للفقيه إطلاقاً.

قال: إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه، وحجّية فتواه. وليس له التصرف في أموال القصّر أو غير ذلك مما هو من شؤون الولاية، إلاّ في الأمر الحسبي، فإن الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى، بل معنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته، وذلك من باب الأخذ بالقدر المتقين، لعدم جواز التصرف في مال أحد إلاّ بإذنه، كما أن الأصل عدم نفوذ تصرفانه.. إلاّ أنه لما كان من الأمور الحسبية ولم يكن بدّ من وقوعها في الخارج، كشف ذلك كشفاً قطعياً عن رضى المالك الحقيقي وهو الله تعالى.

والقدر المتقين ممن رضي المالك الحقيقي بتصرفاته هو الفقيه الجامع للشرائط، فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية[33].


[1] فاطر:3.

[2] النمل:40.

[3]  بصائر الدرجات، ص213، رقم4.

[4]  بصائر الدرجات، ص214، رقم5.

[5]  المصدر نفسه، ص212، رقم2.

[6] المصدر نفسه، ص208، رقم1.

[7]  الزمر:69.

[8]  أي الشديد، على وزن خشن.

[9]  على وزن (عِدَة) من الوتر، بمعنى الانتقام.

[10] كامل الزيارات، ص200، ب79.

[11] وهو بحث مذيل يمس أساس المذهب عند الخواص.

[12] آل عمران:31.

[13]  الأحزاب:21.

[14] النساء:59.

[15] النساء:80.

[16] الكافي الشريف، ج1، ص186، رقم1 و3 و10.

[17]  لأنهم أطبقوا على جواز إقامة الجمعة وإجراء الحدود وتولّي شؤون الأمة للفقيه، مع اشتراطهم أن يكون ذلك بأمر الإمام أو نائبه. راجع باب الجهاد والحدود، والفروع المتعلقة بالأمور الحسبية ــ كل ذلك أجازوه للفقيه من باب الولاية لا من باب القدر المتيقن الذي راج أخيراً في بعض الأوساط.

[18] الدروس، ص165، كتاب الحسبة.

[19]  قال المفيد: "فأما إقامة الحدود فهي إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى وهم أئمة الهدى من آل محمد (ص) أو من نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان ــ إلى أن قال ــ وللفقهاء من شيعة آل محمد (ص) أن يجمعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس وصلوات الأعياد والاستسقاء والخسوف والكسوف إذا تمكنوا من ذلك وأمنوا فيه من معرّة أهل الفساد، ولهم أن يقضوا بينهم بالحق ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البيّنة، ويفعلوا جميعاً ما جعل إلى القضاة في الإسلام؛ لأن الأئمة (ع) قد فوّضوا إليهم ذلك عند تمكنهم منه، بما ثبت عنهم فيه من الأخبار وصح به النقل عند أهل المعرفة من الآثار". المقنعة، كتاب الأمر بالمعروف، ص129.

وقال الشيخ: "فأما الحدود، فليس يجوز لأحد إقامتها إلا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى أو من نصبه الإمام لإقامته ــ إلى أن قال ــ وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين، فلا يجوز أيضاً إلا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك، وقد فوّضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكّنون فيه من تولّيه بأنفسهم ــ إلى قوله ــ ويجوز للفقهاء من أهل الحق أن يجمعوا بالناس الصلوات ...الخ". النهاية، طبعة بيروت، ص300 و302.

[20] هي رواية حفص بن غياث الآتية.

[21]  مسالك الإفهام، كتاب الأمر بالمعروف.

[22]  الوسائل، ج18، ص338، باب 28 من مقدمات الحدود، حديث 1.

[23] التذكرة، ج1، ص459.

[24] الجواهر، ج21، ص394.

[25]  الجوامع الفقهية، ص583ــ584.

[26] السرائر، ص161.

[27]  الجواهر، ج21، ص394.

[28]  الجوامع الفقهية، ص661.

[29] جواهر الكلام، ج21، ص394ــ397.

[30]  المصدر نفسه، ص397.

[31] حضرت دروسه ذات التحقيقات الموسّعة في جامع الأنصاري بالنجف الأشرف مدة عكوفه في تلك الديار المقدسة بجوار مولانا أمير المؤمنين (ع). وقد سجل طرفاً من أبحاثه القيّمة بيمناه الكريمة ضمن مسائل البيع، ج2، ص459 فما بعد.

[32] منية الطالب، ج1، ص325ــ327.

[33] التنقيح، الاجتهاد والتقليد، ص424.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصفحة التالية

 

الصفحة السابقة

 

أعلى