مجمع الفائدة

المحقق الأردبيلي ج 8


[ 1 ]

مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الأذهان للفقيه المحقق المدقق وحيد عصره وفريد دهره المولى احمد المقدس الأردبيلي قدس سره المتوفى سنة 993 ه‍ ق. تحقيق: الحاج اغا مجتبى العراقي والحاج شيخ علي پناه الاشتهاردي والحاج اغا حسين اليزدي الاصفهاني الجزء الثامن مؤسسة النشر الأسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

مجمع الفائدة والبرهان (ج 8) المؤلف: المحقق البارع، الشيخ أحمد المعروف ب‍ (المقدس الأردبيلى). التحقيق: الحاج آقا مجتبى العراقي، الشيخ علي پناه الاشتهاردي، الحاج آقا حسين اليزدى. الموضوع: فقه. طبع ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي. المطبوع: 1000 نسخة. الطبعة: الاولى. التاريخ: 1411 ه‍. ق. مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

[ 3 ]

كتاب المتاجر وفيه مقاصد:

[ 4 ]

الأول في المقدمات وفيه مطلبان: الأول: في أقسامها (هذا قسم العقود) (1) إعلم أنه لا خلاف في رجحان الكسب والطلب للرزق في الجملة، خصوصا على طريق (بطريق خ ل) الزراعة والتجارة. وتدل عليه أيضا الآيات (2) والأخبار الكثيرة جدا، المذكورة في الاصول والفروع. حتى أنه روي في الصحيح عن أبي اسامة زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام، اعتق الف مملوك من كد يده (3). وروي عن علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله: ما فعل عمر بن مسلم؟ قلت: جعلت فداك، اقبل على العبادة وترك التجارة، فقال: ويحه، أما

(1) في بعض النسخ المخطوطة هكذا (قوله: وينقسم بانقسام الاحكام الخمسة الخ). (2) قال الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم الاية) سورة البقرة (267) وقوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض الاية) سورة الجمعة (10) وغيرهما من الآيات. (3) الوسائل ج (12) كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب مقدمات التجارة، الحديث (1).

[ 5 ]

[... ] علم أن تارك الطلب لا يستجاب له؟ (دعوة خ) إن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (1) أغلقوا الأبواب واقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك، رسول الله (النبي) صلى الله عليه وآله فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ فقالوا: يا رسول الله، تكفل الله عزوجل لنا بأرزاقنا، فأقبلنا على العبادة، فقال: إنه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب (2). وروى معلى بن خنيس، قال: سئل أبو عبد الله عن رجل وانا عنده فقيل: قد اصابته الحاجة، قال: فما يصنع اليوم؟ قيل: في البيت يعبد ربه عزوجل، قال: فمن أين قوته؟ قيل: من عند بعض إخوانه، فقال أبو عبد الله، والله للذي يقوته اشد عبادة منه (3). وإنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العبادة سبعون جزء، أفضلها طلب الحلال (4). وينبغي الأقتصار على أدنى الطلب، وترك بذل الجهد والطاقة وصرف الوقت فيه كما تدل عليه ا لأخبار. مثل ما روي عن سدير، قال: قلت لأبي عبد الله: اي شئ على الرجل في طلب الرزق؟ فقال: إذا فتحت بابك، وبسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك (5).

(1) سورة الطلاق / 2 - 3. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (5) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (7). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب مقدمات التجارة الحديث (3). (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (4) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (6). (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (15) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (1).

[ 6 ]

[... ] وايضا روى ابن فضال عمن ذكره، عنه " عن ابي عبد الله ئل " عليه السلام: قال: ليكن طلبك للمعيشة فوق كسب المضيع، دون طلب الحريص الراضي بدنياه، المطمئن إليها، ولكن انزل نفسك من ذلك بمنزلة النصف (المنصف خ ل) المتعفف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف، وتكسب ما لابد للمؤمن منه، إن الذين اعطوا المال ثم لم يشكروا، لا مال لهم (1). وينبغي أيضا قصد العفاف، ورفع الضرورة، لا طلب الدنيا، كما تدل عليه - ايضا - الأخبار. مثل ما رواه أبو حمزة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من طلب (الرزق في - كا) الدنيا استعفافا عن الناس، وسعيا على أهله، وتعطفا على جاره، لقي الله عزوجل يوم القيامة ووجهه مثل القمر ل يلة البدر (3). وفي الحسن عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: والله إنا لنطلب الدنيا ونحب أن نؤتى بها (يب) [ نؤتاها كا، نؤتى منها ] (خ ئل) فقال: اتحب ان تصنع بها ماذا؟ قال: أعود بها على نفسي وعيالي، واصل منها (يب) (بها) (كا) واتصدق بها، واحج واعتمر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة (4). وليكن مع الطلب لا يعتمد على كده وما في يده، بل على الله، وايقن أنه لا يزيد على ما سمى له في الذكر الحكيم. ويفهم ذلك من الأخبار مثل خبر اسماعيل بن مسلم قال، قال أبو

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (13) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (3). (2) هكذا في الكافي والتهذيب والوسائل والنسخ المخطوطة، ولكن في النسخة المطبوعة (ابن ابي حمزة). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (4) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (5). (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (7) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (3).

[ 7 ]

[... ] عبد الله: ليس الزهد في الدنيا بإضاعة المال، ولا تحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا ان لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله عزوجل (1). وروي ايضا: ان المؤمن يرزق من غير ما يحتسب (2). وروى عن ابي عبد الله: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى ذهب ليقتبس نارا فانصرف إليهم وهو نبي مرسل (3)، وعن امير المؤمنين مثله. وروي عنه ايضا: ايها الناس إنه لن يزداد امرؤ نقيرا بحذقه، ولم ينتقص امرؤ نقيرا لحمقه، فالعالم لهذا، العامل به، أعظم الناس راحة في منفعة، والعالم لهذا، التارك له اعظم الناس شغلا في مضرته (4)، الحديث. وروي أنه قال: سمعت ابا عبد الله يقول: إن الله عزوجل وسع ارزاق الحمقاء (الحمقى ئل) ليعتبر العقلاء ويعلموا أن الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل ولا حيلة (5). هذا كله واضح، إلا أنه ورد ما يدل على حسن عدم الطلب: روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه قال: من أتاه الله برزق لم يخط إليه برجل، ولم يمد إليه يده، ولم يتكلم بلسانه، ولم يشد إليه بنائه (ثيابه - قيه)، ولم يتعرض له، كان ممن ذكره الله عزوجل في كتابه " ومن يتق الله يجعل له مخرجا

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (8) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (2). (2) لم نعثر على حديث بهذه العبارة، ولكن بمضمونه روايات، مثل ما في الكافي عن ابي عبد الله عليه السلام ان الله عزوجل جعل ارزاق المؤمنين من حيث لا يحتسبون، وذلك ان العبد إذا لم يعرف وجه رزقه كثر دعاءه (ج 5 ص 84) وراجع ايضا الاخبار الواردة في تفسير قوله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا الاية (سورة الطلاق 28). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (14) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (3 - 4). (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (13) من ابواب مقدمات التجارة، قطعة من حديث (4). (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (13) من ابواب مقدمات التجارة الحديث (1).

[ 8 ]

[... ] ويرزقه من حيث لا يحتسب " (1) 2). وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) من طلب العلم تكفل الله برزقه (3). قال في الدروس: " وفسر بأن يعطف عليه قلوب أهل الصلاح ". فيمكن حمل رواية أمير المؤمنين عليه السلام على طالب العلم بقرينة حديث النبي صلى الله عليه وآله ويحمل غيرهما، مما تقدم وغيره، على غيره. ويمكن ان يقال ايضا: مادل حديثه عليه السلام على عدم الطلب، بل دل على أن إتيان مثل هذا الرزق دليل التقوى. ويمكن الجمع بينهما (4) بحمل ما يدل على عدم الطلب على الوجه الذي فهم النهي عنه، مثل بذل الجهد، أو الاعتماد عليه، وعلى وجه حرام، أو غير مستحسن، مثل طلب الدنيا فقط. وما يدل على الطلب الجميل مثل عدم المبالغة في الطلب، مثل فتح الباب - كما تقدم - ومثل الطلب للصرف في وجه الله - كما تقدم من الصلة والحج - ومثل الطلب لا على وجه الأعتماد بل جعله وسيلة في الجملة، بل لمجرد امر الشارع، وتعبدا. أو بحمل النهي على ترك الطلب بالنسبة إلى الكل على وجه المبالغة، لأن ترك الكل ذلك يوجب عدم النظام، على الوجه المتعارف من ترتيب الأمور على الأسباب، [ و ] الله يعلم. ثم اعلم: أنه يحتمل ان يراد بالمتاجر - جمع متجر - المكاسب مطلقا، ولهذا يذكر فيها أحكام غير التجارة ايضا، ومعناها المتعارف وهو المعاوضة للربح ويكون

(1) سورة الطلاق، 2. (2) الفقيه ج 3 (58) باب المعايش والمكاسب والفوائد والصناعات ص (101) الحديث (47). (3) منية المريد، ص (62) ط المصطفوي - طهران. (4) اي بين ما دل على رجحان طلب الرزق وما دل على عدم الطلب.

[ 9 ]

[ وينقسم بانقسام الأحكام الخمسة ] ذكر غيرها استطرادا. وان الانقسسام إلى الخمسة أولى من الثلاثة - كما في الشرايع - ولا يجعلها أولى كون المقسم هو العين أو المنفعة اللتان يكتسب بهما، وأن الوجوب والندب لم يردا عليهما باعتبار نفسهما بل باعتبار فعل المكلف، كما قال في شرح الشرايع (1)، لأن (2) المباح والمحرم والمكروه (3) ايضا كذلك، إذ المنقسم الى الأقسام الخمسة انما هو فعل المكلف مطلقا، لا الواجب والمندوب فقط، وهو ظاهر، فإن العين بذاتها لا تكون محرمة ولا مكروهة ولا مباحة، بل باعتبار ما تعلق (يتعلق خ ل) بها من فعل المكلف، وهو ظاهر. ففي القسمة ثلاثا خلل، بجعل الواجب والندب داخلين في المباح بضرب من التجوز، كما في جعل المقسم هو ما يكتسب به (4). ويحتمل كون تركهما لقلتهما، ولكون المقصود بيان البيع، وجوازه وعدمه، وصحته وعدمها، لا الثواب والعقاب، فتأمل.

(1) قال في شرح الشرايع بعد جعل ما ذكره المصنف من التقسيم إلى الثلاثة احسن، ما لفظه: فان مورد القسمة في الثلاثة ما يكتسب به وهو العين والمنفعة، وظاهر ان الوجوب والندب لا يرد عليهما من حيث انهما عين خاصة ومنفعة، بل بسبب امر عارض وهو فعل المكلف. (2) تعليل لقوله: ولا يجعلها اولى. (3) هكذا في النسخة المطبوعة، وفي النسخ المخطوطة عندنا هكذا (لان الاباحة والحرمة والكراهة). (4) حاصل الاشكال: ان جعل القسمة خمسا كما صنعه المصنف هنا اولى من جعلها ثلاثا كما فعله المحقق في الشرايع وجعله في المسالك احسن، لان المقسم في الانقسام هنا فعل المكلف لا ما يتعلق به فعله، وفعل المكلف انما ينقسم إلى الخمس لا الثلاث، نعم يمكن توجيه كلام المحقق بان يدرج القسمان الباقيان، وهما الوجوب والندب في المباح مجازا بارادة الاعم من المتساوي الطرفين ورجحان الفعل، فيشمل الوجوب والندب، لكنه مجاز لا يصار إليه الا عند الضرورة ولا ضرورة هنا، فانقسام التجارة إلى الخمسة حقيقة اولى من انقسامها ثلاثا مجازا، كما ان انقسامها باعتبار ما يكتسب به مجاز ايضا.

[ 10 ]

[ وا (فا خ ل) لواجب منها: ما اضطر إليه الانسان في المباح والمستحب: ما قصد به التوسعة على العيال والصدقة على المحاويج، والمباح: ما استغنى عنه وانتفى الضرر فيه. والمكروه: ما اشتمل على ما ينبغى التنزه عنه، وهو الصرف وبيع الأكفان، والرقيق، والذباحة، والصياغة. وإنه يريد بما اضطر الأنسان إليه، ما يضطر إليه شرعا - من نفقته، ونفقة من تحبب عليه نفقته - أو عقلا فيكون المراد ما يتوقف عليه حياته، ويكون المقصود الثاني. وإن وجوب التجارة عيني، إن انحصر وجه التحصيل فيه (1)، وإلا فتخييري. وفى قوله: " في المباح " إشارة إلى أنه لا يجوز مع الأضطرار تحصيله إلا من المباح إن امكن، وإلا يجب من غيره أيضا كشراء الميتة. ويريد من " المحاويج " من لم يبلغ إلى حد الوجوب. ويريد ب‍ " ما استغنى عنه " ما لا يحتاج إليه المتجر والمال للضرورة، مع عدم قصد التوسعة على العيال، ولا غيره مثل الهدايا والتحف وغيرها مما يستحب مع عدم النهي عنه بوجه. ولعله يريد ب‍ " ما اشتمل على ما ينبغي التنزه عنه " ما ورد التنزه عنه شرعا، بأن نهى عنه نهي تنزيه، مثل الصرف - وهو بيع الذهب والفضة بمثلما -. تدل على كراهة الأمور المذكورة: الروايات، مثل رواية إسحاق بن عمار - سأل أبا عبد الله عليه السلام في أي الأعمال يضع ولده؟ - قال: إذا عدلته (عزلته خ ل) عن خمسة أشياء فضعه حيث شئت: لا تسلمه صيرفيا، فإن الصيرفي

(1) فيها - ظ. [... ]

[ 11 ]

لا يسلم من الربا، ولا تسلمه بياع أكفان، فإن صاحب الأكفان يسره الوبا إذا كان، ولا تسلمه بياع طعام، فإنه لا يسلم من الأحتكار، ولا تسلمه جزارا، فإن الجزار تسلب منه الرحمة، ولا تسلمه نخاسا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: شر الناس من باع الناس (1). وقريب منه: رواية إبراهيم بن عبد الحميد: عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ولا تسلمه في خمس: لا تسلمه سباء، ولا صائغا، ولا قصابا ولا حناطا، ولا نخاسا، الخبر (2) السباء: الذى يبيع الأكفان (3). ولعل المراد بالطعام الحنطة، ولهذا في رواية ابراهيم بن عبد الحميد ورد المنع منها، لا غير.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 21، قطعة من حديث (1). (2) الوسائل، كتاب التجارة نفس الباب، الحديث 4. (3) لكن الموجود في بعض كتب اللغة أن السباء هو بياع الخمر، والسبيئة: هي الخمر، راجع القاموس والمعجم الوسيط وقال في الحدائق بعد ذكر هذا الحديث: قال بعض مشايخنا: اتفقت نسخ أخبارنا في قوله سباء - بالباء الموحدة - وقال في الوافي: والسباء في النسخ التي رأيناها من الكتب الثلاثة بالباء الموحدة المشددة. اقول: وهذا الخبر قد روته العامة - بالياء المثناة من تحت - كما ذكرههه ابن الاثير في النهاية وجعله من السوء والمساءة، وقد رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه ج 3 / ص 158 عن الامام الكاظم عن رسول الله وجاء فيها التعبير بالسياء - بالياء المثناة من تحت - والاولى نقل تمام الحديث بتمامه (روى ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله قد علمت ابني هذا الكتاب ففي اي شئ اسلمه؟ فقال: اسلمه - لله ابوك - ولا تسلمه في خمس لا تسلمه سياء ولا صائغا ولا قصابا ولا حناطا ولا نخاسا، فقال: يا رسول الله وما السياء؟ قال: الذي يبيع الاكفان ويتمنى موت امتي، وللمولود من امتي احب الي مما طلعت عليه الشمس، واما الصائغ فانه يعالج غبن امتي، واما القصاب فانه يذبح حتي تذهب الرحمة من قلبه، واما الحناط فانه يحتكر الطعام على امتي ولئن يلقى الله العبد سارقا احب الي من ان يلقاه قد احتكر طعاما اربعين يوما، واما النخاس فانه اتاني جبرئيل عليه السلام قال: يا محمد ان شر امتك الذين يبيعون الناس، الفقيه ج 3، كتاب المعيشة ص (158) الحديث (3582) ط قم منشورات جماعة المدرسين.

[ 12 ]

[... ] ويمكن إرادة ما يجري فيه الاحتكار، كما اشار إليه في ذكر العلة في الروايتين - وهي احتمال الوقوع في الاحتكار -. قال في التهذيب: هذان الخبران محمولان على من لا يتمكن من أداء الأمانة، ولا يتحرز في شيئ من هذه الصنايع، فأما من تحفظ فليس عليه في شئ منها بأس، وإن كان الأفضل غيرها. لرواية ابن فضال قال: سمعت رجلا سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام فقال: إني اعالج الدقيق (1) فأبيعه، والناس يقولون: لا ينبغي؟ فقال له الرضا عليه السلام، وما بأسه؟ كل شئ مما يباع إذا اتقى الله عزوجل فيه العبد، فلا بأس (2) به. ولرواية سدير الصيرفي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام (3): حديث بلغني عن الحسن البصري، فإن كان حقا فإنا لله وإنا إليه راجعون، قال: وما هو؟ قلت: بلغني أن الحسن كان يقول: لو غلى دماغه من حر الشمس ما استظل بحائط صيرفي، ولو تفرث (4) كبده عطشا لم يستسق (لم يستق ئل) من دار صيرفي ماء، وهو عملي وتجارتي، وفيه نبت لحمي ودمي، ومنه حجي وعمرتي، فجلس ثم قال: كذب الحسن، خذ سواء وأعط سواء، فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك، وانهض إلى الصلاة، أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا صيارفة؟ (5).

(1) في النسخة المطبوعة من التهذيب: الرقيق. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (20) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (5). (3) في التهذيب والكافي والوسائل: قلت لابي جعفر عليه السلام. (4) وفي الحديث (لو تفرثت كبده عطشا لم يستسق من دار صيرفي) هو مثل قولهم انفرثت كبده، أي انتثرت) مجمع البحرين لغة (فرث). (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (22) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1).

[ 13 ]

[ والحجامة مع الشرط. ] ويؤيده عدم صحة الأخبار، وأنه لو امتنع الكل عن ذلك بطل النظام، فتدل تلك على الكراهة، بل على أن الكراهة بالنسبة إلى بعض الأفراد والأشخاص. ولهذا قيل: المراد من كان ذلك عادته، لا أن يفعل إتفاقا وفي بعض الأحوال، ولعل في بعض الأدلة إشارة إليه ايضا، حيث نهى عن جعله صيرفيا و نخاسا وجزارا مثلا، فإنها لا تقال عرفا إلا على من كان ذلك صنعته وحرفته، ومع ذلك ينبغي الأجتناب مهما أمكن، لعدم التقييد في بعض الأخبار مثل " شر الناس من باع الناس " (1). وأما الحجامة فتدل على عدم كراهة اخذ الأجرة بها أخبار، وعلى الكراهة أخبار، حتى ورد في مضمرة سماعة، قال: قال عليه السلام: السحت أنواع كثيرة منها: كسب الحجام، واجرة الزانية وثمن الخمر (2)، وفي صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام: أن رجلا سأل رسول لله صلى الله عليه وآله عن كسب الحجام فقال له: لك ناضح؟ فقال: نعم، فقال أعلفه إياه ولا تأكله (3). وتدل على العدم: رواية حنان بن سدير، قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام ومعنا فرقد الحجام، فقال له: جعلت فداك إني أعمل عملا، وقد سألت عنه غير واحد ولا اثنين فزعموا أنه عمل مكروه، وأنا احب أن اسألك عنه، فان كان مكروها انتهيت عنه وعملت غيره من الأعمال، فإني منته في ذلك إلى قولك، قال: وما هو؟ قال: حجام، قال: كل من كسبك يا ابن اخي وتصدق

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (21) من ابواب ما يكتسب به، قطعة من حديث (1). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (5) من ابواب، يكتسب به، الحديث (2). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب، الحديث (2).

[ 14 ]

[... ] وحج منه وتزوج فإن نبي الله قد احتجم واعطى الأجر، ولو كان حراما ما أعطاه قال: جعلني الله فداك إن لي تيسا اكريه فما تقول في كسبه؟ قال: كل كسبه فإنه لك حلال، والناس يكرهونه، قال حنان: قلت: لاي شئ يكرهونه وهو حلال؟ قال: لتعيير الناس بعضهم بعضا (1). ولعله يريد بالحرام فيها الكراهة، لمكانها في السؤال، ويحتمل العكس (2). ويؤيده التعليل (3). وفيها اشارة إلى انه على تقدير الحرام لا يجوز الاعطاء، فلا يمكن ان يكون شئ واحد بالنسبة إليه حراما، وبالنسبة إلى المعطي جايزا، فتأمل. وقد قيل بالكراهة مع الشرط للحجام فقط، دون المتحجم، وبعدمها بدونه، لموثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن كسب الحجام، فقال: مكروه له أن يشارط، ولا بأس عليك ان تشارطه وتماكسه، وإنما يكره له، ولا بأس عليك (4). ويحتمل كراهة اخذ الاجرة مطلقا، لما مر في الاخبار مع عدم ما يدل على عدم الكراهة صريحا (5)، ولا دلالة في مثل تلك الموثقة على عدمها بدون الشرط، و يكون مع الشرط آكد، والاجتناب أحوط.

(1) اورده في الوسائل مقطعا في موضعين، جاء القسم الأول منه الي قوله " ولو كان حراما ما اعطاه " في كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 9، الحديث 5. وجاء القسم الأخير منه في نفس الموضع، الباب 12، الحديث 1. (2) بان يكون المراد من الكراهة في الرواية " الحرمة ". (3) اي التعليل الواقع في الخبر بقوله عليه السلام، ولو كان حراما ما اعطاه. (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (9). (5) في هامش بعض نسخ المخطوطة ما لفظه (وانما قال صريحا؟ لاحتمال الفهم من قوله عليه السلام - ولا باس - فانه يستعمل كثيرا مع الكراهة، ويحتمل عدم فهم الكراهة - منه).

[ 15 ]

[ والقابلة معه، ] ويحتمل عدم الكراهة إلا معه، لرواية أبي بصير (يعني المرادى ئل) عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن كسب الحجام فقال: لا بأس به إذا لم يشارط (1). ولصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن كسب الحجام، فقال: لا بأس به، قلت: أجر التيوس، قال: ان كانت العرب لتعاير به، ولا بأس (2). وكأنه يفهم منها ومن رواية سدير (3) كراهة أجر الضراب، فإن التيس قيل: فحل العنز فتأمل ويدل عليها أيضا خبر مروي عن طريق الجمهور: أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن عسيب الفحل (4)، وأنه إذا كان إكراما فلا بأس، أي: هدية وكرامة. وظاهرها كراهة اخذ الأجرة مطلقا بجعل وإجارة، والتخصيص بالأخيرة غير ظاهر. ولعل دليل كراهة اخذ اجرة القابلة مع الشرط هو الخبر، أو الأجماع، وما رأيته (5)، قال في المنتهى: لا بأس بأجرة القابلة لأنه مما يحتاج إليه فساغ أخذ العوض كغيره من المباحات.

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، اورد صدره في باب (9) من ابواب ما يكتسب به الحديث (4) و ذيله في باب (12) من تلك الأبواب، الحديث (2). (3) تقدم آنفا. (4) سنن ابن ماجة ج 2، كتاب التجارات (8) باب النهي عن ثمن الكلب... وعسيب الفحل ص (731) الحديث (2160) ولفظ الحديث (عن ابي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم عن ثمن الكلب وعسيب الفحل). (5) الظاهر رجوعه إلى كل من الخبر والاجماع، وعلى أي حال فلم نجد للخبر اثرا في ما اطلعنا عليه من كتب الحديث والفقه وقال في الرياض: واما الكراهة في القابلة فلم اقف فيها على دلالة، بل اصالة الاباحة المطلقة والضرورة في ردها اوضح قرينة.

[ 16 ]

[ والحياكة، واجرة تعليم القرآن ] وأما كراهة الحياكة، فللأخبار: حتى روي: ان ولد الحايك لا ينجب إلى سبعة بطون. وروى عن امير المؤمنين عليه السلام: أنه قال للاشعث بن قيس: حايك ابن حايك، منافق ابن منافق، كافر ابن كافر (1). وقال الصادق لأبي اسماعيل الصيقل - بعد أن قال: انا حائك -: لا تكن حائكا، وكن صيقلا (2). ولعل المراد اتخاذ ذلك صنعة لما مر في غيره، ولهذا قال في التذكرة: " ويكره اتخاذ الحياكة والنساجة صنعة "، وللتبادر من الحايك، والظاهر انهما واحد، نقل عن الصحاح: نسج الثوب وحاكه واحد. ويمكن اختصاص الكراهة بوقت الفعل، فتزول الكراهة والوضيعة والرذالة التي اتصف بها الحائك بتركه، كما يشعر به قوله عليه السلام: لا تكن حائكا " بعد أن قال: انا حايك. واما دليل كراهة اجرة تعليم القرآن فهو النهي الوارد في الأخبار، مثل رواية حسان المعلم، قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن التعليم، فقال: لا تأخذ على التعليم أجرا، قلت: الشعر (فالشعر ئل) والرسائل وما اشبه ذلك أشارط عليه؟ قال: نعم، بعد ان يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضل بعضهم علي بعض (3). لعل المراد مع التساوي، في الأجرة (4) والشرط لا يجوز تفضيل البعض.

(1) نهج البلاغة، الخطبة التاسعة عشر، لكن فيها (حائك ابن حائك حائك منافق بن كافر. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (23) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1) والحديث منقول بالمعنى. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (29) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1). (4) هكذا في النسخ المخطوطة، وفي المطبوعة (وفي الاجرة) بزيادة الواو.

[ 17 ]

[... ] ورواية قتيبة الأعشى، قال: قلت لأبى عبد الله عليه السلا: انى اقرأ القرآن، فتهدى إلى الهدية فاقبلها؟ قال: لا، قال: قلت: إني لم اشارطه؟ قال: أرأيت لو لم تقرأه كان يهدى لك؟ قال: قلت: لا قال: فتقبله (1). وروى زيد بن على عن آبائه عن علي عليه السلام، أنه أتاه رجل، فقال له: يا امير المؤمنين والله إني احبك لله، فقال له: لكني أبغضك لله، قال: ولم؟ قال: لأنك تبغي في (على - خ يب) الاذان، وتأخذ على تعليم القرآن أجرا، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله) يقول: من اخذ على تعليم القرآن اجرا، كان حظه يوم القيامة (2). ورواية اسحاق بن عمار عن العبد الصالح عليه السلام قال: قلت له: إن لنا جارا يكتب (3)، وقد سألني أن اسألك عن عمله، قال: مره إذا دفع إليه الغلام أن يقول لأهله: إنى إنما اعلمه الكتاب والحساب، واتجر عليه بتعليم القرآن، حتى يطيب له كسبه (4). لعل معنى قوله " انما اعلمه... " أنه اعلمه في علم الكتابة - قرائة أو كتابة - والحساب بالأجرة، ويريد بتعليم القرآن الثواب والتجارة مع الله. ولا يخفى ما في هذه الروايات من المبالغة حتى يعلم أن قصده ما ينفع، بل لابد من إعلام أهل الصبي، ليعلموا أن لا اجرة لتعليم القرآن، وان ما يعطونه

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (29) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (4). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (30) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1). (3) المكتب بفتح الميم والتاء موضع تعليم الكتابة والجمع المكاتيب، وكتبته بالتشديد علمته الكتابة، و منه: ان لنا جارا يكتب، اي يعلم الكتابة (مجمع البحرين لغة كتب) وفي الصحاح والمكتب (بضم الميم وسكون الكاف من باب الافعال) الذي يعلم الكتابة، قال الحسن: كان الحجاج مكتبا بالطائف، يعني معلما. (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (29) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (3).

[ 18 ]

[... ] لاجل غيره، وأنه لا تنفع الحيلة بان يعطى بطريق الهدية والتحفة. وفيه إشعار بل دلالة على عدم الأعتداد ببعض الحيل المشهورة بين الفقهاء فافهم. إلا أنها لعدم صحة سندها والمعارضة بغيرها - وللأصل والشهرة - حملت على الكراهة. ويؤيده قوله: " وسمعت... الخ " (1). ويحتمل حملها على الواجب من تعليم القرآن للصلاة. وقيل: للإجتهاد (2). ولأن يبلغ إلى التواتر، لئلا تنقطع الحجة، وتنفد المعجزة (3). والتقية (4) ايضا: وهو رواية الفضل بن أبي قرة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا أعداء الله، إنما ارادوا أن لا يعلموا اولادهم القرآن، لو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده كان (لكان - كا) للمعلم مباحا (5) ولرواية جراح المدايني عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: المعلم لا يعلم بالأجرة، ويقبل الهدية، إذا اهدي إليه (6). والشيخ حمل ما في رواية الفضل بن أبي قرة على عدم الأشتراط، وما قبله على الأشتراط، وحمل رواية الأعشى على كراهة أخذ الهدية لرواية جراح، فظاهره تحريم الأجر عنده مع الأشتراط. وأنت تعلم عدم صراحة الروايتين الأخيرتين على جواز اخذ اجرة تعليم

(1) تقدم انفا في رواية زين بن على، ولعل وجه التأييد عدم حكمه عليه السلام بحرمة اخذ الاجرة. (2) في هامش بعض النسخ المخطوطة: اي الايات المستنبطة منها الاحكام. (3) حاصل ما افاده قدس سره: انه يجب تعليم القرآن في موارد ثلاثة. الاول تعليم القرآن للصلاة، والثاني تعليمه للاجتهاد، والثالث تعليمه لكي يبلغ إلى التواتر ولا ينقطع الحجة وتنفد المعجزة. (4) عطف على قوله قده على الواجب يعني يحتمل حملها على التقية. (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (29) من ابواب ما يكتب به الحديث (2). (6) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (29) من ابواب ما يكتسب به، الحديث 5.

[ 19 ]

[ ونسخه، وكسب الصبيان، ] القرآن، بل الأخيرة تدل على العدم، فلا تعارضان الأخبار الأولى الدالة على النفي مع المبالغة الكثيرة، فالتجنب أولى. ويدل على كراهة اخذ الأجرة على كتابة القرآن: ما دل على كراهة اخذ الأجرة على تعليمه، وما يدل على عدم بيعه، كما سيجئ، وأنه روي: أنه ما كان المصحف يباع، ولا يوخذ الأجرة على كتابته في زمانه صلى الله عليه وآله (1)، بل كان يخلى الورقة في المسجد عند المنبر وكل من يجي يكتب سورة (2). وما في رواية روح بن عبد الرحيم - عن ابي عبد الله عليه السلام: قال: قلت: فما ترى أن اعطي على كتابته أجرا؟ قال: لا بأس، ولكن هكذا كانوا يصنعون (3) - اشارة إلى ما ذكرناه من أنه كان يخلى عند المنبر، ويكتب كل واحد شيئا كما صرح به في بعض الأخبار. وأما دليل كراهة كسب الصبيان - أي تصرف الولي فيما اكتسبوا بنحو الأحتطاب والأصطياد، وغيره مثل أن يشترى منه - فهو الشبهة الموجودة في ذلك لعدم اجتناب الصبيان عن المحارم لعدم العلم، أو العلم بعدم المؤاخذة، هكذا قيل. وكراهة تصرف غير الولي غير بعيد، لما ذكر ووجوده في كلام الأصحاب، وأما اجتناب الولي فمحل التأمل، بل يجب عليه ان يتصرف فيه كما يتصرف في

(1) نفس المصدر والموضع، الباب 31، الحديث 4، وقد رواه بالمعنى ونص الحديث هو: عن ابي عبد الله، قال: سألته عن شراء المصاحف وبيعها، فقال: إنما كان يوضع الورق عند المنبر، وكان ما بين المنبر و الحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال: فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك، ثم إنهم اشتروا بعد، الحديث. (2) تتمة الحديث السابق، وروى كل من المقطعين بسند مستقل آخر، فالأول، في نفس المكان السابق، الحديث. (3) الوسائل كتاب التجارة ج 12، الباب (31) من ابواب ما يكتسب به، ذيل الحديث (9).

[ 20 ]

[ ومن لا يجتنب المحارم. والاحتكار على رأي، وهو: حبس الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن، والملح إذا استبقاها بالزيادة (للزيادة خ)، ولم يوجد باذل سواه، (غيره خ ل) ويجبر على البيع، لا التسعير على " أو التسعير خ " رأي. ] سائر امواله إذا صار ملكه أو أمكن ذلك، فتحمل (1) على غيره (2)، أو على تصرفه بحيث يجعله لنفسه ببيع وغيره، فينبغي أن يصرفه في مأكله (3)، ومشربه، وكسوته. وكذا يكره التصرف في مال من لا يجتنب المحارم، بل أشد، وكذا المعاملة معه، كالعشار، وحكام الجور، وكذا أخذ جوايزهم، لعموم دلالة الاجتناب، والترغيب إلى التقوى، والزهد في الدنيا، مع عدم المعارض. هذا مع عدم العلم بالأباحة من غير شبهة، أو التحريم، وإلا فلا كراهة، فإنه إما مباح طلق، أو حرام، وهو ظاهر. ويجب (ويمكن خ ل) الأجتناب - فيما يشترط فيه الطهارة - عمن لا يجتنب النجاسة، وقد صرح به في المنتهى، وقد مرت الأشارة إليه في كتاب الطهارة، والأحتياط حسن إن لم يخالف الشرع، فتأمل واحتط. قوله: " والأحتكار على رأى الخ " قيل: من الحكرة بالضم، وهنا أبحاث: الأول: في تحريمه وكراهته وقد قال بكل قائل، ولكل دليل. أما دليل الكراهة فهو أنه لا شك في المرجوحية، والأصل عدم التحريم. وحسنة الحلبي - لإبراهيم - عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن

(1) أي الكراهة. (2) اي غير الولي. (3) اي مأكل الصبي.

[ 21 ]

[... ] الرجل يحتكر الطعام ويتربص به، هل يجوز ذلك؟ (يصلح في كا - ئل) قال: ان كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس به، وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنه يكره ان يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام (1). والأصل يقتضي حمل الكراهة على معناه (2) الحقيقي، وهو: المرجوح مع جواز النقيض. وكذا عموم الأدلة الدالة على أن الناس مسلطون على أموالهم (3) فلهم ان يفعلوا في اموالهم ما يشاؤون. فيحمل دليل التحريم على الكراهة جمعا بين الأدلة، وهو رواية اسماعيل بن ابي زياد عن ابي عبد الله عن ابيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يحتكر الطعام إلا خاطى (4) قيل: هي صحيحة، والمراد بالخاطي: فاعل الذنب، ورواية ابي العلا عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون (5). وفيه تأمل، لأن صحة الرواية الاولى غير ظاهرة لأشتراك اسماعيل بن ابي زياد (6) بين الثقة وبين السكوني العامي المشهور، وان كان الظاهر الأول.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب آداب التجارة، الباب 27، الحديث 2. (2) هكذا في النسخ والصواب معناها. (3) البحار ج 2 ص 272 الطبعة الحديثة. وراجع عوالي اللئالي ج 1 ص 222، الحديث (99) وص (457) الحديث (138) الحديث (383) وج 3 ص (208) الحديث (49). (4) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب آداب التجارة، الباب 27، الحديث 12. (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (27) من اداب التجارة، الحديث (3) وفيه (ابن القداح) بدل (ابى العلاء). (6) سند الحديث كما في التهذيب هكذا: الحسين بن سعيد، عن فضالة بن ايوب، عن إسماعيل بن أبي زياد.

[ 22 ]

[... ] ويؤيد كونه الثاني عدم الأكتفاء بالنقل عن الأمام كما هو دأبه بل اعتقاده. وكأنه لذلك ما سماها في التذكرة بالصحة، بل قال: لقول الباقر عليه السلام " قال:... الى آخره " والخاطئ يحتمل معنى آخر وهو ظاهر. والرواية الثانية ضعيفة بعدة عن سهل بن زياد (1) وغيره، قال في الشرح (2): " واجاب في المختلف بمنع السند. فالحمل على المبالغة غير بعيد " ويؤيده لفظة ملعون، فإن فاعل حرام لا يصير ملعونا. ويمكن حملها على عدم وجدان شئ بحيث لو لم يبع لهلك الناس، فيجب أن يبيع لوجوب حفظ الناس، كما قيل في المخمصة. وكأنه إلى ذلك أشار في الاستبصار حيث اختار التحريم مع عدم وجود الغير. ويمكن الحمل علي الكراهة ما روي عن طريق العامة وما في صحيحة سالم الحناط، ايضا، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما عملك؟ قلت: حناط، وربما قدمت على نفاق، وربما قدمت على كساد فحبست، قال: فما يقول من قبلك فيه؟ قلت: يقولون محتكر، فقال يبيعه احد غيرك، قلت: ما ابيع انا من الف جزء جزء، قال: لا بأس انما كان ذلك رجل من قريش يقال له: حكيم بن

(1) سند الحديث كما في التهذيب هكذا (سهل بن زياد عن جعفر بن محمد الاشعري عن ابي العلاء) وطريق الشيخ الي سهل بن زياد كما في المشيخة هكذا (وما ذكرته عن سهل بن زياد فقد رويته بهذه الاسانيد - عن محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا منهم على بن محمد وغيره عن سهل بن زياد) ومن هنا يعلم ان قوله قدس سره (عن سهل بن زياد وغيره) لا يخلو عن خلل. (2) لم نعثر عليه في المسالك، ولكن ما نسبه في المختلف من منع السند في محله، راجع الفصل الثاني في الاحتكار ص (168).

[ 23 ]

[... ] حزام، وكان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله، فمر عليه النبي صلى الله عليه و آله فقال له: يا حكيم بن حزام اياك أن تحتكر (1). والعجب أنهم ما جعلوا هذه دليلا مع صحتها، فكأنهم نظروا إلى اختصاصه بحكيم بن حزام، فلا يظهر دلالتها إلا بمثل قوله: صلى الله عليه وآله " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " (2). ويؤيد عدم التحريم وجود التقييد في بعض الروايات، مثل رواية السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الحكرة في الخصب اربعون يوما، وفي الشدة والبلاء، ثلاثة ايام، فما زاد على الاربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد على ثلاثة أيام في العسرة فصاحبه ملعون " (3) وهذه تدل على التحريم بعد الاربعين والثلاثة، وما سبق مطلقا، والاختلاف دليل العدم، فالحمل غير بعيد كأنه لذلك فعل المصنف هنا وفى المختلف، حتى (حيث خ ل) افتى بالكراهة، واجاب عن اخبار التحريم بمنع السند، ذكره في الشرح (4). الثاني ان الخلاف مع عدم الضرورة مثل المخمصة، والا فيحرم بالأجماع ظاهرا. الثالث هل يسعر عليه الحاكم على تقدير التحريم؟ أو يبيع كيف يريد؟، فيه

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب (28) من ابواب اداب التجارة الحديث (3). (2) عوالي اللئالي، ج 1 ص (456) الحديث (197) وج 2 ص (98) الحديث (270). (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب (27) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (4) تقدم عدم العثور علي ما ذكره في الشرح.

[ 24 ]

[... ] ايضا خلاف وظاهر ما في رواية حذيفة بن منصور عن ابي عبد الله: - " ثم قال - أي رسول الله صلى الله عليه وآله يا فلان: إن المسلمين ذكروا إن الطعام قد نفد إلا شيئا عندك، فاخرجه وبعه كيف شئت، ولا تحبسه " (1) - يدل على العدم، ولا يضر ضعفها، لأنها موافقة للعقل والنقل، وأحد ادلة المحرمين. وكذا ما روي عن علي بن ابي طالب عليه السلام رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله انه مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم ان تخرج إلى بطون الأسواق، وحيث تنظر الأبصار إليها، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: لو قومت عليهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: انا اقوم عليهم؟ انما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء، ويخفضه إذا شاء " (2). ولا يضر عدم الصحة هنا ايضا لما مر (3). ولعل فيهما اشارة الي عدم التحريم، والا لانتفى فائدة ايجاب البيع بثمن لا يقدر احد على شرائه، إلا ان يوجب التسعير أو البيع بثمن مقدور غير مجحف. وعلى تقديره: هل التسعير مخصوص بالامام، أو بالحاكم مطلقا؟ محتمل، و ويحتمل للمسلمين ايضا، خصوصا مع الضرورة. والظاهر أن الأمر بالبيع على تقدير التحريم للكل مع ثبوته عندهم، فتأمل.

(1) الوسائل، التجارة، ابواب اداب التجارة، الباب 29، الحديث 1، وقد ذكر من الحديث آخره وأول الحديث: عن ابي عبد الله قال: نفد الطعام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، فاتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد نفد الطعام ولم يبق منه شئ إلا عند فلان فمره يبيعه (ببيعه خ ل)، قال فحمد الله واثنى عليه، ثم قال صلى الله عليه وآله: الحديث ". (2) نفس المصدر والموضع، الباب 30، الحديث 1، وفيه: عن علي بن ابي طالب عليه السلام، انه قال: رفع الحديث... الخ. (3) من كونها موافقة للعقل والنقل.

[ 25 ]

[... ] الرابع انه ليس له شرط إلا الاحتياج بحسب العرف والعادة، بان لا يكون الطعام عند الناس غير المحتكر مع الأحتياج إليه عادة لأشتراك العلة ظاهرا، وعموم بعض الأخبار، المفهوم ظاهرا، مثل ما مر من قوله: " يا فلان: إن المسلمين ذكروا أن الطعام... إلى آخره " (1) وحديث امير المؤمنين (2). فلا يختص بمدة، بل مداره الأحتياج وعدم الوجدان، ورواية السكوني (3) ضعيفة ويمكن حملها على شدة الكراهة أو التحريم حينئذ. نعم يدل علي اختصاصه بمن يشتريه للبيع، ويحبسه للزيادة - فلا يكون (4) بحفظ طعامه الحاصل من زراعته وغير ذلك - حكاية حكيم بن حزام، (5) وحسنة الحلبي - لإبراهيم - عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: الحكرة ان تشترى طعاما ليس في المصر غيره فتحتكره، فان كان في المصر طعام، أو يباع غيره فلا بأس بان يلتمس لسلعته الفضل (6)، قال: وسألته عن الزيت، فقال: إذا (ان كا) كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه ". ولا يخفى ان لا دلالة في الاولى، والثانية قد تكون خارجة مخرج الغالب، مع

(1) (2) قد مرت الأشارة إلى هذه الروايات. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (27) من ابواب اداب التجارة، الحديث (1). (4) أي: فلا يكون الأحتكار. (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (28) من ابواب اداب التجارة، الحديث (3). (6) الى ها تنتهى رواية الصدوق، والزيادة تشتمل عليها رواية الكليني والشيخ، وفي الفقيه: " بان تلتمس بساحتك الفضل " مكان " سلعته الفضل " راجع كتاب التجارة من الوسائل، ابواب آداب التجارة، الباب 28، الحديث 1 و 2.

[ 26 ]

[... ] عدم نفي الحكرة عن غير المشتري صريحا، نعم صرح بعدمه عند وجود الغير، ومعلوم ان مراده إذا كان ذلك كافيا، والا فهو مثل المعدوم. فلعل الحصر المفهوم (ظاهرا خ ل) مع عدمه صريحا بالنسبة إلى عدم الوجدان، لا الشراء، ولهذا اقتصر في التفريع بقوله: (فان كان في المصر) علي ذلك، وما ذكر ما حصل بغير شراء مثل الزراعة ونحوها. ويؤيده قوله في آخر الخبر (إذا كان عند غيرك فلا بأس بامساكه) فانه ظاهر في العموم من غير قيد الشراء. وايضا ظاهر هذه الرواية عدم التحريم، حيث يشعر بالبأس في عدم البيع، وهو ظاهر في الكراهة. الخامس: اختصاصه بالطعام الظاهر أنهم يريدون به هنا: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن، ولعله لا خلاف في وجوده فيها. والظاهر أنه يجري في الزيت ايضا، لما تقدم في حسنة الحلبي مع ظهور العلة الجارية فيه، ويدل على الأختصاص بالأول رواية غياث عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ليس الحكرة إلا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والسمن " (1) وهي مع ضعفها بالغياث، يمكن حمل الحصر على الأضافة إلى غير الزيت، وعلى الغالب والواقع. وأما الملح: فما رأيت له دليلا، مع وجود الخلاف فيه، والأصل دليل

(1) هذا بحسب رواية الكليني، اما رواية الصدوق والشيخ ففيها: " والزبيب، والسمن، والزيت " راجع الوسائل، كتاب التجارة، ابواب آداب التجارة، الباب 27، الحديث 4.

[ 27 ]

[... ] العدم، مؤيدا بعدم كونه ضروريا مثل ما ثبت فيه الحكرة. وبالجملة: لا يبعد التعميم في المشتري وغيره والخمسة المذكورة وغيرها بناء على ظهور العلة في الكل إن قلنا بالكراهة، وإن قلنا بالتحريم فينبغي الأقتصار على ما هو المجمع عليه، وما عليه الدليل من الخبر المعتبر، فلا يتعدى عن المشتري، ولا إلى الملح وغيره مما لا دليل عليه. السادس إنه لا شك في عدم دخول الطعام في الحكرة لو حفظه لعياله ونفسه، لا للبيع، ومع ذلك لا يبعد ان يستحب بيعه وشراء ما يأكله الناس، والأكل مما يأكله الناس. لصحيحة حماد بن عثمان، قال: أصاب أهل المدينة قحط حتى أقبل الرجل المؤسر يخلط الحنطة بالشعير، ويأكله ويشتري " فينفق يب " ببعض الطعام، وكان عند ابي عبد الله عليه السلام طعام جيد قد اشتراه اول السنة، فقال لبعض مواليه: اشتر لنا شعيرا، فاخلطه بهذا الطعام أو بعه، فإنا نكره أن نأكل جيدا ويأكل الناس رديا " (1). ورواية معتب، قال: قال لي أبو عبد الله: وقد يزيد السعر بالمدينة، كم عندنا من طعام؟ قال: قلت: عندنا ما يكفينا اشهرا كثيرة، قال: اخرجه وبعه، قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام، قال: بعه، فلما بعته قال: اشتر مع الناس يوما بيوم، وقال: يا معتب، اجعل قوت عيالي نصفا شعيرا ونصفا حنطة فإن الله يعلم أني واجد ان اطعمهم الحنطة على وجهها، ولكني احببت (احب خ كا) ان يراني

(1) نفس المصدر ونفس الموضع، الباب 32، الحديث 1.

[ 28 ]

[ والمحرم ما اشتمل على وجه قبيح، وهو خمسة: الأول: بيع الأعيان النجسة ] الله قد احسنت تقدير المعيشة " (1). و " عن معتب قال: كان أبو الحسن عليه السلام امرنا إذا ادركت الثمرة ان نخرجها فنبيعها، ونشتري مع المسلمين يوما بيوم " (2). قوله: " والمحرم ما اشتمل على الخ " هذا هو القسم الخامس من الأقسام الخمسة للتجارة، فالخامس هو التكسب بما اشتمل على وجه قبيح، ونهي الشارع التكسب بذلك نهي تحريم. وهو ايضا خمسة اقسام. الأول بيع الاعيان النجسة وفي معناه: مطلق التكسب، كالخمر بناء على نجاستها، وما في حكمها مثل النبيذ، قيل: هو الشراب المخصوص المسكر المعمول من التمر، وهو يفهم من الروايات أيضا، والفقاع وهو المعمول من الشعير، والمسمى به عندهم مع عدم العلم بأنه حلال. وكالميتة النجسة، قال المصنف (ره) في المنتهى (3): " قد اجمع العلماء كافة علي تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير بالنص والأجماع، قال تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " (4) وتحريم الأعيان يستلزم تحريم وجوه الاستمتاع،

(1) المصدر والموضع والباب نفسه، الحديث (2). (2) المصدر والموضع والباب نفسه، الحديث 3. (3) لم نعثر علي هذه العبارة في المنتهى، ولكن هذه المضامين موجودة في ضمن مسئلتين راجع ص (1008 و 1009). (4) سورة المائدة، الآية 3.

[ 29 ]

[ كالخمر والنبيذ والفقاع ] و " إنما الخمر... الآية " (1). وفي دلالة الآيتين تأمل. وتدل عليه الأخبار أيضا من طرق العامة والخاصة، مثل رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: السحت (أنواع كثيرة منها خ) ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغي، والرشوة في الحكم، وأجر الكاهن " (2). وروي أنه " لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الخمر وغارسها، و حارسها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبايعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، وعاصرها، وساقيها، وشاربها " (3) ثم قال فيه: وكذا كل نبيذ وكل مسكر، لأنه نجس. وفي رواية عمار بن مروان عن الباقر عليه السلام قال: " السحت انواع كثيرة، منها: ثمن الخمر، والنبيذ المسكر " (4) (5). ولا خلاف بين المسلمين في ذلك. والفقاع حرام، ولا خلاف بين علمائنا أجمع في ذلك. عن الحسن بن علي الوشا، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كل مسكر حرام، وكل مخمر حرام، والفقاع حرام " (6) وروي أنه " خمر مجهول " (7)

(1) سورة المائدة، الآية 90، وتمام الآية " يا ايها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تلفحون ". (2) الوسائل كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 5، إلا أن في أوله، السحت ثمن الميتة... الخ ". (3) الوسائل ابواب، ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 4 مع تقديم وتأخير. (4) هذا في الكافي ولكن في التهذيب والوسائل: والنبيذ والمسكر. (5) نفس المصدر والموضع، الباب 5، الحديث 1. (6) الوسائل كتاب الاطعمة والاشربة، ابواب الاشربة المحرمة، الباب 27، الحديث 3. (7) نفس المصدر والموضع، الحديث 11.

[ 30 ]

[... ] وأنه " خميرة استصغرها الناس " (1). والروايات الدالة على تحريم الفقاع كثيرة (2). ثم إن ظاهر كلامهم تحريم الميتة، وعدم جواز استعمالها في شئ بوجه، وأنه استثني من الميت ما لا تحله الحياة بالاجماع، والخبر (3)، وعدم كونه ميتة، لعدم الحلول. وأنه لا يجوز استعمال جميع اجزاء الميتة حتى جلدها مع الدباغة عند اكثر اصحابنا. وكذا الخنزير، ولكن في الرواية ما يدل علي جواز استعمال شعره، بأن يعمل منه حبال (4)، وأنه يجوز العمل بشعر الخنزير الذي لا دسم فيه (5)، مع غسل اليد عند كل صلاة (6).

(1) نفس المصدر كتاب الاطعمة والاشربة، ابواب الاشربة المحرمة، الباب 28 الحديث 1 ولكن العبارة فيها هكذا: خمرة استصغرها الناس. (2) لاحظ الوسائل الباب 56 من ابواب ما يكتسب به من كتاب التجارة والباب 28 - 27 من ابواب الاشربة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (3) راجع الوسائل ج 2 كتاب الطهارة الباب 68 من ابواب النجاسات وج 16 الباب 23 من ابواب الاطعمة المحرمة من كتاب الاطعمة والاشربة. (4) الوسائل، كتاب الاطعمة والاشربة، الباب (33) من ابواب الاطعمة المحرمة ذيل حديث (4). (5) نفس المصدر والموضع، الحديث 4 - قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، إنا نعمل بشعر الخنزير، فربما نسي الرجل فصلى وفي يده منه شئ، فقال: لا ينبغي أن يصلي وفي يده منه شئ، فقال خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم فلا تعملوا به، وما لم يكن له دسم فاعملوا به، واغسلوا أيديكم منه. (6) نفس المصدر والموضع، الحديث 2 - قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شعر الخنزير يعمل به، قال: خذ منه - (إلى أن قال عليه السلام) واغسل يدك إذا مسسته عند كل صلاة، قلت: ووضوء؟ قال: لا اغسل يدك كما تمس الكلب.

[ 31 ]

[ وما ينجس من المايعات مما لا يقبل التطهير عدى الدهن النجس لفائدة الاستصباح به تحت السماء والميتة. ] وبين في رواية اخرى طريق إخراج الدسم منه (1)، وليست الروايات ضعيفة، وظاهرة في الجواز، بل صريحة. فجواب المصنف في المنتهى بأنها لا تدل على إباحة الاستعمال، بل على نجاسته، للامر بغسل اليد بعيد. والعقل يجوز استعمالها فيما لا يشترط فيه الطهارة، فلو لم يكن المنع من الشرع بإجماع ونحوه فهو حسن، فتأمل. ثم إن ظاهر كلامهم إيضا عدم جواز استعمال الخمر للدواء، ويدل عليه أخبار كثيرة (2). ولا يبعد الجواز إذا علم توقف الحياة عليه، والموت دونه، كما في إساغة اللقمة، وسيجئ تمام البحث في كتاب الاطعمة، إن شاء الله تعالى. قوله: " وما ينجس من.. الخ " وفي حكم النجس العيني ما ينجس به ولم يقبل التطهير مثل الدبس والعسل المذابين، والشيرج (3)، وجميع الادهان، إلا الدهن المتنجس فإنه يجوز استعماله لفائدة الاستصباح تحت السماء، فيجوز بيعه حينئذ مع الاعلام. قال المصنف في المنتهى (4). الاعيان النجسة الجامدة كالثوب وشبهه يجوز

(1) نفس المصدر والموضع، الحديث 3 - عن برد الاسكاف قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني رجل خراز، ولا يستقيم عملنا إلا بشعر الخنزير نخرز به، قال: خذ منه وبره فاجعلها في فخارة، ثم اوقد تحتها حتى يذهب دسمها، ثم اعمل به. (2) راجع الوسائل، الاطعمة والاشربة، ابواب الاشربة المحرمة، الباب 20، تجد احاديث كثيرة في ذلك، وجاء في بعضها: " إن الله عزوجل لم يجعل في شئ مما حرم دواء ولا شفاء. (3) الشيرج: دهن السمسم، معرب شيره قاله في المصباح (مجمع البحرين). (4) لاحظ المنتهى ج 2 ص (10 10).

[ 32 ]

[... ] بيعها اجماعا، والمايعات التي لا يمكن تطهيرها كالخل والدبس فهذا لا يجوز بيعها إجماعا، إلا الدهن المتنجس للاستصباح، وأما ما يقبل التطهير مثل المياه فنقل عن الشافعي القولين، واختار هو جواز بيعه. دليل الجواز: هو الأصل، مع عموم أدلة جواز البيع، وظهور امكان الأنتفاع، فالسرف منتف. وفي عدم تطهير الخل مطلقا وكذا بعض المايعات تأمل. ونقل في شرح الشرايع الخلاف في قبول المايعات التطهير مطلقا. وفيه ايضا تأمل، فإن ذلك في الكل بعيد، نعم يمكن في البعض. ويفهم مما نقلناه من المنتهى عدم الخلاف، فتأمل. وما ترى لهم دليلا على عدم جواز بيع المتنجس الذي لا يقبل التطهير - سوى الدهن - إلا الاجماع المدعى، وتخيل السرف للعدم الفائدة، والأخير غير ظاهر، لأنه قد يظهر له فوائد، مثل أن يستعمل في الأدوية التى تداوى بها من غير أكل، كالجرب (1)، وتداوى بها الحيوانات مثل أن يطعم الدبس النحل، وينتفع بها فيما لا يشترط فيه الطهارة، والاجماع إن كان حاصلا لا مرجع عنه. وأما استثناء الأدهان فكأنه لا خلاف على الاجمال، وتدل عليه الأخبار الصحيحة. مثل: " صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا وقعت الفارة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فألقها وما يليها، وكل ما بقي، وان كان ذائبا، فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك " (2).

(1) الجرب: بثر يعلو أبدان الناس والأبل، قاله ابن سيده، والبثر جمع بثور، وهو مثل الجدري يفتح على الوجه وغيره من بدن الأنسان، قاله ابن منصور، راجع تاج العروس مادة: جرب بثر. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (6) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2).

[ 33 ]

[... ] وصحيحة الحلبي، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفارة والدابة تقع في الطعام والشراب، فتموت فيه، فقال: إن كان سمنا وعسلا أو زيتا، فإنه ربما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله وكله، وإن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، وإن كان بردا (1) فاطرح الذي كان عليه، ولا تترك طعامك من أجل دابة ماتت فيه " (2). وصحيحة سعيد الأعرج، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفارة تقع في السمن والزيت ثم تخرج منه حيا، فقال: لا بأس بأكله، وعن الفارة تموت في السمن والعسل، فقال: قال علي عليه السلام: خذ ما حولها وكل بقيته، وعن الفارة تموت في الزيت، فقال: لا تأكله، ولكن اسرج به " (3). وهذه صريحة في طهارة الفارة، فافهم. وفي الكل دلالة على عدم نجاسة مثل العسل غير المذاب (الذائب خ ل) بوقوع النجاسة فيه، وعلى نجاسة الذائب به، فينجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بالطريق الأولى، أو المساواة - لا اقل. وعلى عدم النجاسة بالسراية حيث حكم بإلقاء ما حولها فقط، وطهارة الباقي، مع عدم انفكاكه عن رطوبة ما. وعلى تحريم النجس وجواز استعمال النجس في غير ما يشترط فيه الطهارة مطلقا، وليس بمخصوص بالأستصباح، لانه المتبادر منها، وإن ذكر الأستصباح لكونه نفعا ظاهرا في الزيت متداولا، ولهذا ما نفى غيره.

(1) في المصدر: ثردا. (2) الوسائل ج 16، كتاب الاطعمة والاشربة، الباب 43 من ابواب الاطعمة الحرمة، الحديث (4). (3) الوسائل ج 16 كتاب الاطعمة والاشربة، الباب 45 من ابواب الاطعمة المحرمة، الحديث (1).

[ 34 ]

[... ] والأصل في ذلك هو الأصل، وعدم العلم بالمنع مع عدم الدليل، والأستصحاب. بل يمكن أن يقال: عدم استعماله وإهراقه يكون إسرافا حراما، ولعدم خروجه بالتنجس عن الملكية، وجواز التصرفات في الأملاك حتى يظهر المنع. وتدل على ذلك - وعلى جواز بيعه أيضا ولكن مع الإعلام، لئلا يستعمل فيما لا يجوز، مثل ما يشترط فيه الطهارة -. صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: جرذ مات في سمن أو زيت أو عسل، فقال: أما السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت فيستصبح به " (1). وقال عليه السلام في بيع ذلك الزيت: " يبيعه ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به " (2). الظاهر عدم تقييد الاستصباح بما تحت السماء، لعموم الأخبار، وعدم دليل مخصص، ويبعد كون نجاسة دخانه سببا لذلك، علي تقدير تسليم عدم طهارة دخانه لوجود اجزاء الدهن فيه - مع أن الأصل هو العدم، ونقل الأجماع في طهارة دخان الأعيان النجسة - لأن نجاسة دخانه لا تستلزم تحريم الاسراج تحت السقف، إذ غاية ما يلزم تنجس السقف، وذلك ليس بحرام، بل أكثر السقوف والجدر نجس، لعدم تجنب العمال عن النجاسة حين العمل، ولهذا جوز استعمال الكفار في البناء.

(1) الوسائل كتاب التجارة الباب (6) من ابواب ما يكتسب به الحديث (1). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (6) من ابواب ما يكتسب به الحديث (4) ولفظ الحديث هكذا (معاوية بن وهب غيره عن ابي عبد الله عليه السلام في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟ فقال: بعه وبينه لمن اشتراه ليستصبح به).

[ 35 ]

[... ] والأجماع بعدم جوازه تحت السقف غير ظاهر، لوجود الخلاف والدليل. وأيضا: الظاهر عدم اختصاص الجواز بفائدة الأستصباح، بل يجوز جميع الانتفاعات، ما لم يكن دليل على تحريمه، مثل الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة، فيجوز صرف الزيت النجس في الصابون، وإدهان الحيوانات كما صرح به البعض. بل الأنسان ثم يطهر البدن، للأصل، وعدم الدليل على المنع، وللإشعار في هذه الأخبار إلى ذلك، حيث ما نفى غير الأكل، وان جواز الأستصباح لعدم شرط الطهارة، ولعدم الفرق. بل الاستعمال في نحو الصابون وإدهان الحيوانات واستعمال الجلود والخشبات وغيرها، أبعد من شبهة وصول دخانه النجس إلى الانسان المنتفع بضوئه، ولهذا نرى وجود الدخان في الدماغ لو جلسنا عند السراج قريبا، خصوصا في بيت ضيق. ولعل هذا هو سبب المنع عن تحت السقف، لا التقييد (التعبد خ ل)، إذ لا نص بل مجرد الأجتهاد على ما يظهر. فالظاهر جواز ساير الأنتفاعات في ساير المتنجسات إلا فيما ثبت عدم الأستعمال بإجماع ونحوه، كما في النجاسات العينية مطلقا، حتى في ألية الميتة، وإن أبينت من حي - على ما قالوا، وإن نقل عن المصنف والشهيد " ره " جواز الاستصباح بها تحت السماء كغيره، فلا إجماع، وشمول الآية (1) له غير ظاهر، والعقل والأصل يجوزه - وفي المتنجس فيما يشترط فيه الطهارة. ثم إن الظاهر وجوب (انه يجب خ ل) إعلام المشتري بالنجاسة في الدهن وغيره من ساير المتنجسات التي تجوز بيعها، للرواية المتقدمة (2).

(1) وهي قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم... الخ " المائدة، الآية 3. (2) وهي قوله عليه السلام: " يبيعه ويبينه لمن اشتراه ليستصبح به ".

[ 36 ]

[... ] ولأن النجاسة عيب مخفي، فيجب اظهاره كما قيل في ساير العيوب، ليسقط خيار المشتري، وإلا يكون تدليسا ويكون له الخيار. فلو لم يبين، فظاهرهم إنعقاد العقد، ويكون الترك سبب الاثم على ذلك التقدير، وموجبا للخيار لا غير، لأن غايته نهي في غير العبادة، وهو ليس بمقتض للفساد كما حقق في موضعه. وقال في شرح الشرايع: أفتى - أي العلامة - بالجواز مطلقا ما لم يعلم أو يظن بقاء شئ من أعيان الدهن، وحيث جاز استعماله على بعض الوجوه جاز بيعه للعالم بحاله، ولو باعه من دون الاعلام قيل: صح البيع وفعل حراما، وتخير المشتري لو علم، ويشكل الجواز بناء على تعليله بالأستصباح في الرواية، فإن مقتضاه الاعلام بالحال، والبيع لتلك الغاية (1). وفي ما نقله وذكره تأمل. (إذ الظاهر ان الاستصباح فائدة انما ذكر للتمثيل، وكونه غايته وفائدته في اكثر الاوقات، لعدم النص مع الاصل، وعلى تقدير تسلم كونه للانحصار كان الواجب عليه ان يبيع ويبين تلك الفائدة التي انحصرت فائدته فيها، فما فعل، ففعل حراما، وما علم كون تلك الفائدة شرطا للصحة ظاهرا - خ). نعم يمكن أن يقال: البيع الصحيح المملك الذي علم كونه مملكا صحيحا، هو المجوز شرعا بقوله: (واحل الله البيع (2) والبيع لتلك الفائدة. وما علم كون غيره مملكا وصحيحا. وهذا لا خصوصية له بهذا المحل بل هو إشكال يحظر بالبال في عدم الفساد بالنهي في المعاملات، وقد اشرنا إليه فيما سبق في بيع يوم الجمعة، وحققناه في الأصول، فتأمل.

(1) إلى هنا كلام المسالك. (2) البقرة - 275.

[ 37 ]

[، وكلب الهراش والخنزير، ] قوله: " وكلب الهراش... الخ " ومن النجاسات العينية: الكلب والخنزير، وقد مر البحث في الثاني. وأما الكلب فقال في المنتهى: وقد اجمع علماؤنا على تحريم بيع ما عدا كلب الصيد والماشية والزرع والحائط من الكلاب، وعلى جواز بيع كلب الصيد واختلفوا في الثلاثة الباقية، وسوغ في المبسوط، وهو اختيار ابن إدريس، وهو الأقوى عندي. ويريد بكلب الهراش هنا ما لا ينتفع به، فيكون مختاره هنا ايضا الجواز، كما قواه في المنتهى، وذلك غير بعيد للأصل مع حصول النفع المطلوب للعقلاء، مع عدم المنع في نص وإجماع، ومجرد كونه نجسا لا يصلح لذلك، ولا لعدم التملك، فالظاهر التملك، وجواز ما يترتب عليه. ويحتمل العدم، لأن الأصل عدم التملك، والبيع فرعه، وللرواية الدالة على أن " ثمن الكلب سحت " (1) خرج كلب الصيد بدليل آخر، وبقي الباقي، ولا دليل على التملك. ويمكن أن يكون عموم خلق الأشياء للانسان (2)، ولانتفاعه بها، وقبضه لها مع صلاحية الانتفاع به، دليلا له، كما في ساير المباحات. ويحمل رواية " ثمن الكلب سحت " (3) - مع عدم ظهور الصحة - على كلب الهراش الذي لا نفع فيه، غير الكلاب الأربعة، فتأمل. ثم نقل في المنتهى عدم الخلاف في تحريم قتل كلب الصيد، وتجويز اقتنائه، وكذا في جواز إتلاف الكلب العقور، والظاهر أن الكلاب الثلاثة ككلب الصيد على ما تقدم.

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (5) و (14) من ابواب ما يكتسب به، فلاحظ. (2) اشارة إلى قوله تعالى " وهو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " سورة البقرة / 29. (3) لاحظ الوسائل باب 5 الحديث 5 - إلى 9 من ابواب ما يكتسب به ج 12 ص 62 - 63.

[ 38 ]

[ والأرواث والأبوال، الا بول الابل، ولا بأس ببيع ما عرض له التنجيس، مع قبول الطهارة، بشرط الاعلام. ] قوله: " والأرواث والأبوال... الخ " سوق الكلام سابقا ولاحقا يدل على أن المراد بالأرواث والأبوال أرواث ما لا يوكل وأبواله، حتى تكون نجسة داخلة تحت الأعيان النجسة. ولكن قوله: " الا بول الابل " يدل على كونهما أعم، فيكون عنده هنا بيع الأبوال والأرواث مطلقا حراما، الا بول الابل للأستشفاء به، للرواية (1). ولكن ذلك خلاف الظاهر لعدم الدليل على التحريم مطلقا، مع وجود النفع المعتاد، خصوصا روث البقر والأبل للزرع، وللإشعال بالحمامات وغيرها للخبز والطبخ وهو المتعارف في أكثر القرى، وخلاف ما ذهب إليه في المنتهى ايضا. قال فيه: " كل روث ما (مما خ ل) لا يؤكل لحمه نجس، حرام بيعه و شراؤه وثمنه. وحمل عليه رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ثمن العذرة من السحت " (2). ثم قال (3): " وأما البول فإن كان مما لا يؤكل لحمه فكذلك حرام بيعه و ثمنه وشراؤه، لأنه نجس، فكان كالدم، واما بول ما يؤكل لحمه فإنه طاهر، فيجوز بيعه حينئذ، قاله السيد المرتضى، وادعى عليه الاجماع، وقال الشيخ في النهاية بالمنع من الأبوال كلها، إلا بول الابل خاصة للاستشفاء.

(1) عن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام - في حديث - قال: سئل عن بول البقر يشربه لرجل؟ قال: إن كان محتاجا إليه يتداوى به يشربه، وكذلك بول الأبل والغنم " الوسائل، كتاب الطهارة، ابواب النجاسات، الباب - 9 - الحديث 15. (2) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 1. (3) اي: المصنف في المنتهى.

[ 39 ]

[... ] واما ما لا ينجس من العذرات، كعذرة الأبل والبقر والغنم، فإنه لا بأس ببيعها لأنها طاهرة ينتفع بها، فجاز بيعها كغيرها. وتؤيده رواية محمد بن مضارب في الكافي - ويحتمل " مصادف " لوجوده في الرجال دونه - عن أبي عبد الله عليه السلام (1)، وسماعة بن مهران عنه عليه السلام ايضا (2)، قال: " لا بأس ببيع العذرة ". فحملها على الطاهر والجمع بين الأدلة يقتضيه، وان لم يكن شئ من هذه الأخبار صحيحة. ويفهم من شرح الشرايع عدم الاشكال في عدم جواز بيع روث ما لا يؤكل لحمه للنجاسة والخباثة، وفي المأكول جوز البعض مطلقا، ومنع الآخرون مطلقا للأستخباث، إلا بول الأبل للإستشفاء للنص. وما فهمت دلالة الأستخباث والنجاسة على عدم الملكية وعدم جواز البيع والقنية، كما ادعيت ايضا في المنتهى (وفي الدروس ايضا خ) قال في التذكره: ولا يجوز بيع السرجين النجس اجماعا منا. ويفهم من المنتهى أن الاجماع على عدم جواز بيع النجس عينا، وذلك يدل على طهارة البول والروث من البغال والحمير والدواب، لعدم المنع من البيع والشراء وفيه تأمل. وينبغى عدم الاشكال في جواز البيع والشراء والقنية فيما له نفع مقصود محلل، لعدم المنع منه عقلا وشرعا، ولهذا ترى أن عذرة الأنسان تحفظ بل تباع، وينتفع بها في الزراعات في بلاد المسلمين من غير نكير، وكذلك أرواث البغال والحمير والدواب، مع الخلاف في طهارتها.

(1) و (2) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 3 و 2.

[ 40 ]

[... ] ولعل هذا مؤيد للطهارة، فلو لم يكن إجماع يمنع من قنية النجاسة وبيعها ينبغي تجويزهما، للأصل، وحصول النفع المقصود للعقلاء، مع عدم دليل صالح لذلك، وإن كان فاقتصر على ما يدل عليه من بيع النجاسة وقنيتها. وتحمل عليه رواية يعقوب المتقدمة، وأما غيرها فينبغي جواز بيعها وقنيتها لما تقدم. وتحمل عليه رواية محمد. وأما الأكل فلا يكون جايزا إلا للإستشفاء إن ثبت بدليل، كما في بول الأبل للنص والاجماع إن صح وثبت، وإلا فالمنع متوجه للإستصحاب (1)، ودليل عدم الشفاء في المحرم (2)، وسيجئ له زيادة تحقيق في محله. والظاهر أنه لا نزاع في جواز اقتناء الأعيان النجسة مع حصول نفع مقصود للعقلاء. قال في المنتهى: " كل ما لا منفعة فيه من الأعيان النجسة يحرم اقتناؤه كالخنزير، لأنه سفه، ولو كان فيه منفعة جاز اقتناؤه، وإن كان نجسا يحرم بيعه كالكلب، والخمر للتخليل، وأما السرجين فإنه يمكن الانتفاع به لتربية الزرع فجاز اقتناؤه، ولكنه يكره، لما فيه من مباشرة النجاسة، وكذا يحرم اقنتاء الموذيات (كلها خ) كالحيات والعقارب والسباع، لحصول الاذى منها ". جواز اقتناء الأعيان النجسة لا كلام فيه، للأصل، وحصول النفع وأما تحريم اقتناء المؤذيات فليس بواضح الدليل إلا مع الخوف الواجب دفعه، وكذا تحريم

(1) يعني ان شرب بول الابل لغير الاستشفاء كان حراما قطعا، وللاستشفاء في جوازه فيستصحب المنع. (2) عن عمر بن اذينة قال: كتبت إلى ابي عبد الله عليه السلام (إلى ان قال) ثم قال عليه السلام: ان الله عزوجل لم يجعل في شئ مما حرم دواء ولا شفاء - الوسائل كتاب الاطعمة والاشربة، ابواب الاشربة المحرمة، الباب 20 الحديث (1) وفي الباب احاديث اخر بهذا المضمون فراجع.

[ 41 ]

[ الثاني، ما قصد به المحرم كآلات اللهو والقمار والأصنام والصلبان ] حفظ الأعيان النجسة، مثل الخنزير والكلب العقور، مع عدم المنفعة بوجه، إلا أن يؤدي إلى الخوف والأسراف والسفه، كما أشار إليه رحمه الله. قوله: " الثاني ما قصد به المحرم الخ " الثاني مما يحرم بيعه والتكسب به: ما يحرم لتحريم ما يقصد به، كالات اللهو، مثل الدفوف، والمزامير، والعود، وغيرها، وكالات القمار. والقمار هو: اللعب بالآلات المعدة له، كالنرد، والشطرنج، حتى اللعب بالخاتم، والجوز، والكعاب، وكالأصنام والصلبان. ودليل تحريم الكل: الاجماع، قال في المنتهى: ويحرم عمل الأصنام وغيرها من هياكل العبادة المبتدعة، وآلات اللهو، كالعود، والزمر، وآلات القمار كالنرد، والشطرنج، والاربعة عشر (1)، وغيرها من آلات اللعب، بلا خلاف بين علمائنا في ذلك. ويدل على بعضها الأخبار بخصوصها، مثل صحيحة معمر بن خلاد الثقة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " النرد والشطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة، وكل ما قومر عليه فهو ميسر " (2). وفي الرواية " قيل: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما الميسر؟ قال: كل ما يقمر به حتى الكعاب والجوز " (3).

(1) قال الطريحي في مجمع البحرين - مادة عشر -: " لعل المراد بالأربعة عشر: الصفان من النقر، يوضع فيها شئ يلعب به، في كل صف سبع نقر محفورة، فتلك أربعة عشر، والله أعلم ". (2) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 104، الحديث 1. والموجود في الوسائل وفي الكافي: " عن ابي الحسن - اي الرضا عليه السلام - " وهو الصحيح فإن معمرا لم يرو إلا عنه عليه السلام. (3) الفروع من الكافي ج 5، ص 122، الرواية فيه هكذا: " عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لما انزل الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وآله " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ما الميسر؟ فقال: كل ما تقومر به حتى الكعاب والجوز، الخ...)

[ 42 ]

[ وبيع السلاح لاعداء الدين ] والرواية في منع الشطرنج والنرد كثيرة (1). وفي رواية زيد الشحام، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبو قول الزور " فقال: الرجس من الاوثان، الشطرنج، وقول الزور، الغناء " (2). وفي رواية عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: ان لله عزوجل في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، إلا من أفطر على مسكر، أو مشاحن، أو صاحب شاهين، قلت: وأي شئ صاحب الشاهين؟ قال: الشطرنج " (3). وهذه موجودة في الفقيه ايضا (4)، وبطرق متعددة في الكتب. ومعلوم تحريم التكسب بما هو المقصود منه حرام، وهو اللعب المحرم، والقمار والعبادة، مع قصد ذلك في البيع، وكذا مطلقا، إلا أن يكون بحيث يمكن الأنتفاع بها في غير ذلك المقصود، فيجوز بيعه حينئذ. ويمكن مطلقا ايضا إذا كان ذلك المقصود واضحا، ولا شك في بعد هذا الفرض، فيحرم مطلقا كعمله، بل حفظه ايضا على الظاهر، ولهذا وجب كسرها. ويحرم بيع السلاح لاعداء الدين، ويدل عليه الأعتبار، وأنه معونة على الأثم والعدوان، فيمكن تحريم بيعه لمطلق من يظلم، مثل قطاع الطريق والظلمة، بل تحريم كل ما يعان به على الظلم، ولو كان مدة قلم مع العلم والقصد (5)، وهو

(1) راجع الوسائل كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به، الباب 35، و 102، و 103، و 104، و الكافي ج 5 ص 122 وج 6 ص 435. والباب (18) من ابواب احكام شهر رمضان. (2) الوسائل، التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 102، الحديث 1. (3) نفس المصدر والموضع، الحديث 4. (4) من لا يحضره الفقيه، ج 2 الطبعة الحديثة، ص 61، وجاء في الكافي ج 6 ص 435. (5) راجع الروايات الواردة في ذلك، في كتاب التجارة من الوسائل، ابواب ما يكتسب به، الباب 42. وما بعده.

[ 43 ]

[... ] ظاهر، كاستحباب المعونة على البر والتقوى. ويدل على تحريم بيع السلاح بخصوصه الروايات، مثل رواية أبي بكر الحضرمي قال: " دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فقال له حكم السراج: ما ترى (1) فيمن يحمل إلى الشام من (2) السروج وأداتها، فقال: لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، إنكم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السرج (3) والسلاح " (4). ولا يضر اشتراك علي بن الحكم (5) لأن الظاهر أنه الثقة لما مر مرارا، ولا أبي بكر الحضرمي، لأنه نقل في باب الكنى ابن داود من الكشى أنه ثقة (6)، فمقتضى ذلك كونها صحيحة، ولكن ليس التوثيق عادة الكشي، وما وثقه غيره، وما نقل عنه، وما نقل هو ايضا عند ذكر اسمه، ورأيت في كتاب ابن داود خلطا كثيرا (7)، بحيث لا يمكن الأعتماد على نقل توثيق مثله عن الكشي، مع سكوت غيره، لأنه كثيرا ما يقول: " كش، ثقة " مثلا، ونرى أنه روى ما يدل على ذلك لا أنه حكم بذلك، والرواية قد تكون صحيحة، وقد لا تكون، وغير ذلك.

(1) و (2) و (3) في المصدر: " ما تقول " " إلى الشام السروج " " تحملوا إليهم السروج ". (4) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 1. (5) سند الرواية كما في الكافي هكذا: " عدة من أصحابنا، عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن ابي بكر الحضرمي... " (6) قال ابن داود: " أبو بكر الحضرمي، ق، كش، جرت له مناظرة حسنة مع زيد " رجال ابن داود ص 393. (7) وقال المحقق المامقاني معلقا علي كلام المصنف: " وهذا اشتباه نشأ من عدم الأنس برجال ابن داود فإن من سبر رجال ابن داود عرف أن مراده ب‍ " كش " غالبا - بل في ما عدا النادر من موارده - هو " جش " وذلك قد نشأ من ردائة خطه فزعم أن المكتوب " كش " فكتب كذلك والحال انه " جش "... إلى آخر كلامه " تنقيح المقال ج 2 ص 205.

[ 44 ]

[... ] فكأنه لهذا ما قيل إنها صحيحة، لكن لا يضر، لانها مؤيدة بالقبول والشهرة. وكذا رواية هند السراج، قال: " قلت لأبي جعفر عليه السلام: أصلحك الله، إني كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم (فيهم خ ل) فلما أن عرفني الله هذا الأمر ضقت بذلك وقلت: لا أحمل إلى أعداء الله، فقال لي: إحمل إليهم، فإن الله يدفع بهم عدونا وعدوكم - يعني الروم - وبعهم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك " (1). ورواية السراد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قلت له: إني أبيع السلاح، قال: فقال: لا تبعه في فتنة " (3). وهند غير ظاهر التوثيق، وكذا السراد. إلا أن الظاهر أن لا خلاف بينهم، والآيات والأخبار الدالة على تحريم معونة الظالمين تدل عليه، إلا أن دلالة هذه الأخبار على التحريم حين عدم الصلح والهدنة، دونهما. والظاهر أن التحريم حينئذ مطلق وإن لم يقصد المعونة، بل مجرد بيعه حين المباينة فقط. ولكن في الخبر ما يدل على أنه حينئذ شرك، فلعله محمول على قصد المعونة على المسلمين، كما يظهر منه، واعتقاد إباحتها، أو على المبالغة. ولا يبعد عدم التحريم حينئذ ايضا لو علم عدم المعونة، بأن يشتروا للتجارة والربح على المسلمين، أو لمعونتهم على الكفار، كالتحريم مع القصد، كما تدل عليه

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 8، الحديث 2. (2) في المصدر: السراج وفي النسخ كما في الكافي (السراد). (3) المصدر السابق والموضع نفسه، الحديث 4.

[ 45 ]

[... ] الآيا ت والأخبار مع الصلح وعدمه. ثم اعلم: أن ظاهر هذه الأدلة - خصوصا هذه الأخبار - تحريم السرج ونحوه ايضا، فلا يكون التحريم مخصوصا بما يعد سلاحا يقتل به. فلا يحرم ما يكن - كما قيل لرواية محمد بن قيس، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال: بعهما ما يكنهما، الدرع والخفين ونحو هذا " - (1). لأن (2) أدلة تحريم المعونة تشمل الكل، والسرج بخصوصه ممنوع في الأخبار المتقدمة (3) وليس الدرع أقل معونة منه، لأنه يصير سببا لأن يقتل المسلم ولا يقتل الكافر اللابس له، لعدم القدرة بسببه على ذلك، وهو فساد عظيم بخلاف السرج، بل احتياج العرب إليه نادر، خصوصا سرج الفرس. قال في المنتهى: " انها صحيحة ". وفي صحتها تأمل، لوجود علي بن الحكم (4) المشترك، وقد اعترض في شرح الشرايع كثيرا على تسمية مثل هذا الخبر بالصحة، لاشتراكه، ولاشتراك محمد بن قيس فإنه يحتمل غير الموثق، وقد صرح ايضا في الدراية بأن خبر محمد بن قيس عن الصادق عليه السلام ليس بصحيح. نعم ليس بضعيف، بل إما حسن أو صحيح، مع أن فيه تأملا ذكرناه هناك.

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (8) من ابواب ما يكتسب به الحديث (3). (2) تعليل لقوله: فلا يكون التحريم. (3) مضى النهي عنه بخصوصه في رواية أبي بكر الحضرمي. (4) سند الرواية كما في الكافي هكذا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن هشام بن سالم عن محمد بن قيس... ".

[ 46 ]

[ وإجارة المساكن للمحرمات والحمولات لها. ] ولكن الظاهر أن علي بن الحكم هو الثقة لما مر، وأن محمدا ايضا هو الثقة، لأن محمد بن قيس إثنان، مع كونهما مصنفين صاحبي أصول، وثبوت نقلهما عن الصادق عليه السلام بخلاف الممدوح، فإنه واحد غير معلوم نقله عنه عليه السلام، ولهذا ما ذكر في الرجال روايته عن إمام فتأمل. وفي دلالته ايضا تأمل، لأنه ليس بصريح في جواز بيع الدرع ونحوه علي الكفار حين حربهم المسلمين، بل جواز ذلك حين حرب إحدى الفئتين من الكفار مع الأخرى منهم، وهو صريح في ذلك. نعم قد يشعر حينئذ بعدم جواز ما لا يكن من السلاح، ويحتمل كون ذلك للاعانة على الظلم حين ما كان قتالهم حقا بل ظلما. وبالجملة: إخراج نحو الدرع، وإدخال السرج بمثل ما تقدم مشكل. نعم لو يقطع النظر عن هذه الأخبار. ويجعل المعونة مع القصد حراما، ويجوز الدرع حين الحرب مع عدم العلم والقصد للأصل وغيره - فهو ممكن، ولكن الظاهر حينئذ لا اختصاص به، بل ما يقطع ايضا كذلك. والظاهر أنه على تقدير التحريم لو بيع لم يصح البيع، لما تقدم، ولان الظاهر أن الغرض عن النهي هنا عدم التملك، وعدم صلاحية المبيع لكونه مبيعا، لا مجرد الاسم، فكان المبيع لا يصلح لكونه مبيعا لهم، كما في بيع الغرر. قوله: " واجارة المساكن الخ " من المحرم الذي يكون القصد منه حراما إجارة المساكن لوضع المحرمات، وبيعها فيها، مثل الخمر، والقمار، وجعلها كنيسة وبيعا، ونحو ذلك، وكذا الدواب والسفن المؤجرة لحمل الخمر ونحوها. قالوا: إن المحرم حينئذ هو الأجارة والأجرة والبيع، بشرط أن يذكر في العقد كونها لذلك، بأن يقول: " آجرتك البيت لأن تبيع فيه الخمر مثلا، أو تحط فيه الخمر، أو تحفظها فيه ". ولكن هذا بأن يكون المراد للشرب أو لبيعه ونحوه، لا حفظها لأن تصير خلا.

[ 47 ]

[... ] لا إجارتها لمن كان عمله ذلك. والتحريم حينئذ ظاهر مما تقدم مما يدل على تحريم المعونة على الاثم و العدوان. وتدل عليه ايضا رواية جابر، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: حرام اجره " (1). وهي محمولة على الشرط، لضعفها، ولدليل عدم التحريم لمن يعمل ذلك بدون الشرط، وهو الأصل. وحسنة ابن اذينة، قال: " كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير، فقال: لا بأس " (2). وعموم أدلة جواز الإجارة والبيع مثل: " أحل الله البيع وحرم الربا " (3). هكذا ظاهر بعض العبارات، ويمكن أن يقال: ينبغي عدم النزاع في عدم تحريم الأجارة مثلا ممن يحمل مع العلم بعدم الحمل، بل مع عدم العلم، والظن بالحمل. ثم إن علم الحمل بعد ذلك يجب عليه وعلى غيره منعه من ذلك من باب النهي عن المنكر مع شرايطه، ولا يسقط بذلك اجرته إن لم يحمل غير المحرم، وكان قصده ذلك. ولا يبعد كراهة الأجارة حينئذ لكراهة معاملة الظالمين والفساق،

(1) الوسائل كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 39، وفيه: صابر بدل جابر، وكذا في التهذيب ج 7 ص 134 وفي بعض نسخ التهذيب. وفي الكافي، والاستبصار: جابر، راجع الكافي ج 5 ص 227، والاستبصار ج 3 ص 55. (2) المصدر والموضع السابق، الحديث 2. (3) سورة البقرة، الآية 275.

[ 48 ]

[... ] لاحتمال ذلك. وكذا ينبغي عدم النزاع في التحريم بل في عدم انعقاد العقد لو آجر للحمل، بأن يقول: " آجرتك لأن تحمل عليها خمرا " بل يكفي في ذلك العلم به، أو الاتفاق بينهما على ذلك، وإن لم يشترط في متن العقد ذلك. ودليله دليل تحريم المعونة على الاثم من الآيات والأخبار، بل العقل، فإنه يجد بالبديهة قبحه وتحريمه، لاستحقاق الذم، وأنه مسرف لعمله الخمر. وكأن الخلاف والنزاع إنما هو فيما ظن الحمل، فيقال بعدم التحريم، لحسنة ابن اذينة المتقدمة، وعموم أدلة جواز عقد الإجارة، وللجمع بينهما وبين رواية جابر، بحملها على الذكر في العقد، وشرطه ذلك، والعلم بالحمل. أو حمل الحسنة على الكراهة. ووجه الكراهة: إحتمال وقوع المحرم، والمعونة ومعونة (ومعاونة خ) الظلمة. ويقال بالتحريم لعموم أدلة تحريم المعونة من الكتاب والسنة، بل العقل ايضا، ولرواية جابر، وتقييد عموم أدلة الجواز بعدم الظن بحمل المحرم ظاهر، لأنه معلوم تقييدها بشرايطها، ومن جملتها عدم ترتب حرام عليه ولو ظنا، فتأمل. ومعلوم ايضا عدم بقاء الأصل مع الدليل، مع عدم صحة رواية ابن اذينة، والحسنة ليست بحجة كما ثبت في الأصول، إذ المحققون القائلون (العاملون خ ل) بالعمل بخبر الواحد لا يقبلون إلا خبر العدل المعلوم عدالته بطريق شرعي، فلا يصلح للمعارضة لما قلناه من الكتاب والسنة بل العقل ايضا. مع أنها مكاتبة، ويجوز حملها ايضا علي من يحمل الخمر للتخليل، وعدم العلم والظن بحمل الخنزير فيها، إذ ليس فيها القيد بذلك. أو يكون المراد الذي يحمل بطريق الوهم، دون العلم أو الظن. أو يكون بالنسبة إلى أهل الذمة الذين لهم أن يفعلوا ذلك.

[ 49 ]

[ وبيع العنب ليعمل خمرا، والخشب ليعمل صنما، ويكره لمن يعملهما. ] ويؤيده أنه لا معنى لعدم البأس بذلك فإن الظاهر أنه لو كان الحمل فيه يجب منعه من باب النهي عن المنكر، فكيف يكون لا بأس فيه، ويجوز إعانته علي ذلك. وبالجملة: ترك مقتضى العقل ظاهرا، وظاهر الآيات والأخبار، لهذا الخبر، مشكل، والإحتياط يقتضي المنع، ولما سيجي في آخر هذا المبحث من الأخبار، فالظاهر التحريم مع العلم، ولا يبعد في الظن المتاخم له، بحيث يعد من العلم عادة، وغير قابل مع مطلق الظن. قوله: " وبيع العنب الخ " قد علم شرحه، فإن البحث فيه مثل بحث السفينة والدابة بعينه من غير فرق. ويدل على جواز البيع ممن يعمله خمرا أخبار مذكورة في التهذيب، في باب الغرر، من كتاب التجارة. مثل صحيحة رفاعة بن موسى، قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن بيع العصير ممن يخمره، فقال، حلال، ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا " (2). وصحيحة الحلبي، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بيع عصير العنب ممن يجعله (خمرا خ ل يب حراما)، فقال: لا بأس به تبيعه حلالا، فيجعله حراما، فأبعده الله وأسحقه " (2). وتدل على الكراهة صحيحته عنه ايضا: " أنه سئل عن بيع العصير ممن

(1) التهذيب ج 7 ص 136، والوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 59، الحديث 8. (2) نفس المصدر والموضع، والوسائل نفس الموضع، الحديث 4.

[ 50 ]

[... ] يصنعه خمرا، فقال: بيعه " بعه خ ل يب - ئل " ممن يطبخه أو يصنعه خلا احب إلي ولا أرى بالأول بأسا " (1). فيحمل ما يدل على الكراهة، لصراحتها فيها، أو على الشرط فيكون بالشرط حراما، وبدونه حايزا مكروها. ولكن في الجواز تأمل إذا علم أو ظن بعمل المبيع خمرا، فإنه معاونة على الاثم والعدوان، وهو محرم بالعقل والنقل - كما مر -. ويمكن حملها على وهم البايع أن المشتري يعمل هذا المبيع خمرا، لكونه ممن يجعله خمرا، أو يكون الضمير راجعا إلى مطلق العصير والتمر، لا إلى المبيع، ولا صراحة في الأخبار ببيعه ممن يعلم أنه يجعل هذا المبيع خمرا، بل لا يعلم فتوى المجوز بذلك. وبالجملة: الظاهر التحريم مع علمه بجعل هذا المبيع خمرا، بل ظنه ايضا، فتأمل. وكذا بيع الخشب وغيره ليعمل صنما، وكذا ليعمل آلات اللهو وأمثالها. ويؤيد التحريم هنا مطلقا ما يجئ من الأخبار من غير قيد بقوله " ليعمل " ويمكن حمل كلام المصنف وغيره في مثل هذه العبارة " ليعمل صنما " في القول بالتحريم على الشرط والذكر في العقد، والأتفاق، فيكون مذهبهم الجواز والكراهة بدون ذلك وإن كان مع العلم، ويكون هو المراد بقولهم: " ويكره لمن يعملهما " وهو الظاهر، ويمكن حمله على العلم والظن ايضا، فإنه إذا باعه مع العلم بأنه يعمله صنما فكأنه باعه لأن يعمله صنما، وهو ظاهر، وكذا الظن، فإن ذلك بحسب ظنه بيع لأن يعمل صنما.

(1) التهذيب، ج 7، ص 137، وكذا الوسائل، الموضع السابق، الحديث 9.

[ 51 ]

[... ] بل يمكن أن يقال: إذا باعه من الذي يعمله، مع العلم بأنه يعمله صنما، وأنه إنما اشتراه ليعمل، وقد عمله، فهو قاصد لذلك. أو يقال: إنه لام عاقبة، فإنه باع وكان عاقبته أن يعمل صنما، كما يقال في " لدوا للموت وابنوا للخراب " (1). ومما يستبعد الجواز وعدم البأس - وهو الباعث على تأويل كلامهم - (2) أن يجوز للمسلم ان يحمل خمرلأن يشرب، والخنزير لان يأكله من لا يجوز له أكله، ويبيع الخشب وغيره ليصنع صنما، والدفوف والمزمار، مع وجوب النهي عن المنكر، وإيجاب كسر الهياكل وعدم جواز الحفظ، وكسر آلات اللهو، ومنع الشرب، والحديث الدال على لعن حامل الخمر وعاصرها المذكور في الكافي (3) - وقد تقدم - وكذا ما تقدم (4) في منع بيع السلاح لأعداء الدين، فإنه يحرم للإعانة علي الإثم، وهو ظاهر، والله يعلم. ويؤيده، ايضا ما يدل على تحريم بيع الخشب ممن يعمله صليبا من غير قيد " ليعمل " ولا معارض، وهي حسنة ابن اذينة، قال: " كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسئله عن رجل له خشب، فباعه ممن يتخذه برابط؟ فقال: لا بأس به. وعن رجل له خشب، فباعه ممن يتخذه صلبانا، قال: لا " (5). ورواية عمرو بن حريث، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن

(1) روي الرضي في نهج البلاغة عن امير المؤمنين ع أنه قال: " إن لله ملكا يناد في كل يوم: لدوا للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب " نهج البلاغة، بشرح محمد عبده، ج 3 ص 169. (2) الذي ذكره انفا بقوله: ويمكن حمل كلام المصنف وغيره. (3) الفروع من الكافي ج 6 ص 398، وجاء في الوسائل، ابواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 4. (4) مثل رواية حكم السراج، ورواية هند السراج، ورواية السراد، وقد تقدمت الاشارة إليها جميعا. (5) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 41، الحديث 1.

[ 52 ]

[ الثالث: ما لا انتفاع فيه كالخنافس، والديدان، والذباب، والقمل والمسوخ البرية: كالقرد، والدب، عدا الفيل، والبحرية: كالضفادع، والسلاحف، والطافي، وفي السباع قولان. ] التوت أبيعه يصنع به الصليب والصنم، قال: لا " (1). فيمكن اسقاط حسنة ابن اذينة (2) بمثل هذه ويبقى باقي الادلة من غير معارض. والعجب أن في الدروس قال: " وفي رواية ابن حريث المنع ممن يعمله، وليس فيها ذكر الغاية " أي: (ليعمل)، مريدا لرجحان التحريم مطلقا، مع عدم صحة السند، وعدم وضوح الدلالة، بل هي ظاهرة في الغاية حيث قال: " أبيعه يصنع به الصليب " وعدم ذكر الغاية في شئ من أخبار التحريم، مثل خبر جابر، بل هو أولى من خبر ابن حريث، وترك حسنة ابن اذينة (3) مع وضوحها سندا ودلالة. قوله: " الثالث ما لا انتفاع فيه الخ " لعل دليل عدم جواز بيع ما لا ينتفع به هو الإجماع، وأن شراءه إسراف، فالبيع معونة، ولا يجوز معاملة المسرف بشرط الرشد، فلا يملك الثمن، لعدم انعقاد البيع. ومنه ظهر أنه على تقدير التحريم إن فعل لم يقع العقد ولا يصح. وكذا الكلام في بيع المسوخ، إن كان مما لا ينتفع به كالقرد. ويدل على منع بيع القرد رواية مسمع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن القرد أن يشترى أو يباع " (4).

(1) نفس المصدر والموضع، الحديث 2. (2) الوسائل كتاب التجارة الباب (39) من ابواب ما يكتسب به الحديث (2). (3) أي الأخيرة، وحاصل المقصود أن الأستناد الي رواية ابن حريث لمطلق التحريم لا محل له مع وجود الروايات الصحيحة السند الظاهرة الدلالة في ذلك مثل خبر جابر، وحسنة ابن اذينة الأخيرة. (4) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 37، الحديث 4.

[ 53 ]

[... ] ونقل عن الشافعي في المنتهى عدم جواز بيعه للإطافة واللعب، دون بيعه لحفظ المتاع والدكان ونحوه. ونقل عن ابن ادريس جواز بيع السباع كلها، سواء كان يصاد عليها كالفهد والهر والبازي، أم لا كالأسد والذئب والدب وغيرها، للإنتفاع بجلودها، ثم قال: وهو حسن. والأصل فيه، أن المنع خلاف الأصل وعموم أدلة البيع، فكل موضع منع بالأجماع ونحوه وإلا فالجواز متوجه. فكل ما يتصور فيه نفع محلل شرعا مقصودا للعقلاء، ولو كان نادرا، مثل حفظ الدكان من القرد، والانتفاع بعظم الفيل، بل بشعور الحيوانات، والاصطياد بها، يجوز بيعه وشراؤه لعدم الأجماع على عدم جوازه، وعدم الاسراف، وعدم دليل آخر، خصوصا فيما يقبل التذكية من الحيوانات، للانتفاع بجلودها. فيمكن جواز البيع على كل مسلم مع العلم بقصده ذلك النفع، بل مع عدمه ايضا، لاحتمال ذلك وحمله عليه. بل يمكن مع العلم بعدم ذلك القصد، بل قصد المحرم عند من يجوز بيع العنب لمن علم جعله خمرا، فإنه ليس بأبعد منه، ولجواز أن يرجع عن ذلك القصد به. ولا ينظر إلى كون ذلك النفع نادرا، وعدم الاعتماد به، مثل حفظ المتاع للقرد، ولا إلى قلته مثل الانتفاع بعظم الفيل. نعم يشترط كونه مقصودا، للعقلاء وتجويز صرف المال فيه. ويؤيد ما ذكرناه، رواية عبد الحميد بن سعيد، قال: " سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن عظام الفيل، أيحل بيعه وشراؤه للذي يجعل منه الامشاط؟ قال: لا

[ 54 ]

[ الرابع: ما هو حرام في نفسه، كعمل الصور المجسمة، ] بأس، قد كان لأبي عليه السلام منه مشط أو أمشاط " (1). وصحيحة عيص بن القاسم، قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الفهود وسباع الطير، هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: نعم ". ويمكن حمل رواية النهي عن بيع القرد على قصد الإطافة واللعب، مع ضعفها بعدة عن سهل (3)، وغيره. قوله: " الرابع... الخ " رابع المحرمات ما هو حرام في نفسه، لا باعتبار ما يقصد، ويفضي إليه، كعمل الصور المجسمة، كأنه احترز بها عن النقوش والتصاوير على البسط، والورق (والاوراق خ ل)، والحيطان، مطلقا، لان الظاهر أنه يريد به تصوير الجسم بحيث يكون له ظل، فيجوز عنده غير ذلك، فظاهره تحريم تصوير المجسمة - أي ذي الظل - مطلقا، ذي الروح وغيره. والظاهر أن للنقش أقساما خمسة: النقش المطلق من غير تصوير صورة شئ، وهو جايز بالأجماع. وتصوير الحيوان ذي الظل بحيث إذا وقع عليه ضوء يحصل له ظل، وهو محرم بالأجماع. والثلاثة الباقية: وهو الحيوان غير المذكور، وغيره: ذي ظل وغيره، مختلف فيه. فالذي لا خلاف فيه لا مصير عنه لذلك، ولما سيجئ من الأخبار، وأما غيره فلا دليل عليه ظاهرا سوى ما روى الصدوق عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه،

(1) التهذيب ج 7 ص 133، ومع اختلاف يسير في الوسائل ج 12 باب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (2) نفس المصدر والموضع، وكذا الوسائل الموضع نفسه. (3) مضت الأشارة إلى مصدر الرواية، وسندها كما في الكافي هكذا: عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن الحسن بن شمون، عن الأصم، عن مسمع، عن ابي عبد الله عليه السلام.

[ 55 ]

[... ] عن آبائه عليهم السلام قال: " قال امير المؤمنين عليه السلام: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن التصاوير وقال: من صور صورة كلفه الله يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ " (1) " ونهى أن ينقش شئ من الحيوان على الخاتم " (2) وهي مع عدم ظهور الصحة تحتمل الإختصاص بذي الروح، بقرينة " من صور الخ " فتفيد تحريم ذي الروح مطلقا، مجسما وغيره، كما هو ظاهر قوله " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن التصاوير. وروى ايضا في عقاب الأعمال عن محمد بن مروان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: ثلاثة يعذبون يوم القيامة: من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيه وليس بنافخ فيها، والذي يكذب في منامه حتى يعقد بين شعيرتين وليس بعاقدهما، والمتسمع من قوم وهم له كارهون، يصب في اذنيه الا فك، وهو الأسرب " (3). وهذه ايضا تدل على عموم تحريم تصوير ذي الروح مطلقا. وقال في شرح الشرايع: إنها صحيحة. ولكن لي في الصحة تأمل، لأن محمد بن مروان غير ظاهر التوثيق فإنه مشترك، والظاهر من كتاب ابن داود أنه الشعيري الذي قال فيه: " قر، ق [ كش ] ممدوح " (4) لأن غيره غير ثابت نقله عن الصادق عليه السلام.

(1) من لا يحضره الفقيه في حديث المناهي الطويل، ج 4 ص 5 الطبعة الحديثة. وفي الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث (6). (2) الوسائل، كتاب الصلاة الباب 46 من ابواب لباس المصلي الحديث (2). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 94 من ابواب ما يكتسب به الحديث (7 و 8). (4) رجال ابن داوود ص 335، ولكن الكشي لم يتعرض لمحمد بن مروان الشعيري وانما ذكر رجلين بهذا الأسم احدهما: محمد بن مروان البصري وثانيهما: محمد بن مروان السدي وهو الذي روى تفسير الكلب [ راجع.

[ 56 ]

[... ] وانت تعلم أن ذلك لا يوجب توثيقا حتى يكون خبره صحيحا، بل ولا اماميا حتى يكون حسنا. مع أنك قد عرفت أن ليس عادة " كش " أن يقول: " ثقة " أو " ممدوح " من عند نفسه، بل ينقل ما ورد في حقه، وحينئذ وجود المدح منه ايضا غير ظاهر وقد تكون رواية ضعيفة. ثم إنه تدل روايات كثيرة على جواز إبقاء الصور مطلقا (1)، وهو يشعر بجوازه وقد نقلنا من قبل روايات صحيحة دالة عليه. وتؤيده رواية أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل ونفترشها، قال: لا بأس بما يبسط منها ويفترش ويوطا، إنما يكره ما نصب منها على الحائط و (على خ) السرير " (2). وبعد ثبوت التحريم فيما ثبت يشكل جواز الأبقاء، لأن الظاهر أن الغرض من التحريم عدم خلق شئ يشبه بخلق الله وبقائه، لا مجرد التصوير. فيحمل ما يدل على جواز الإبقاء من الروايات الكثيرة الصحيحة وغيرها (3) على ما يجوز منها، فهي من أدلة جواز التصوير في الجملة على البسط والستر والحيطان والثياب، وهي التي تدل الأخبار على جواز إبقائها فيها، لا ذو الروح التي

الكشي، الرقم 383 ] وقال المامقاني: محمد بن مروان الشعيري عنونه ابن داوود كذلك وقال: قر، ق، كش، ممدوح انتهى ولم اقف على روايته عن الباقر والصادق عليهما السلام ولا على مدح له في كش ولا جش، ولا لذكر للرجل في كلام غيره ولا استبعد أن غرضه السدي، وأن نسخته كانت مغلوطة مصحة السدى بالشعيري. (تنقيح المقال ج 3 ص 182). (1) الوسائل ج 3 كتاب الصلاة الباب (4) من ابواب المساكن فلاحظ. (2) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 94، الحديث 4. (3) المذكورة في المصدر السابق، الموضع نفسه الوسائل كتاب الصلاة، الباب 3 من ابواب احكام المساكن فراجع.

[ 57 ]

[ والغناء ] لها ظل على حدته التي هي حرام بالأجماع. والإجتناب مطلقا من الإحداث والإبقاء من جميع انواعه احوط، كما يشعر به الرواية: أن الملك لا يدخل بيتا فيه صورة " كلب خ ". قوله: " والغناء " قيل: هو بالمد -: " مد صوت الأنسان المشتمل على الترجيع المطرب " الظاهر أنه لا خلاف حينئذ في تحريمه وتحريم الأجرة عليه، وتعلمه، وتعليمه، واستماعه، ورده بعض الاصحاب إلى العرف، فكل ما يسمى به عرفا فهو حرام، وإن لم يكن مشتملا على الترجيع، ولا على الطرب. دليله: أنه لفظ ورد في الشرع تحريم معناه وليس بظاهر له معنى شرعي مأخوذ من الشرع، فيحال على العرف. والظاهر أنه يطلق على مد الصوت من غير طرب، فيكون حراما، إذ يصح تقسيمه إلى المطرب وعدمه، بل ولا يبعد إطلاقه على غير المرجع والمكرر في الحلق، فينبغي الاجتناب. والأول أشهر. ولعل وجهه أن الذي علم تحريمه بالإجماع هو مع القيدين، وبدونهما يبقى على أصل الاباحة، ولكن مدلول الأدلة أعم مثل: " المغنية ملعونة، وملعون من أكل ثمنها " (2). وما في الفقيه - في حد شرب الخمر - في ذيل ما نقل عن الصادق عليه السلام " والغناء مما أوعد الله عليه النار وهو قوله عزوجل (ومن الناس من يشتري

(1) روى في الكافي ج 3 ص 393 عن ابي جعفر عليه السلام قال: " قال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله إنا لا ندخل بيتا فيه صورة انسان، الحديث " وروى في الفقيه ج 1 ص 246 عن الصادق عليه السلام: " إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، ولا بيتا فيه تماثيل، الحديث " والظاهر أن المصنف نقل الرواية بمعناها. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (15) من ابواب ما يكتسب به الحديث (4) وفيه (ملعون من اكل كسبها).

[ 58 ]

[... ] لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين) (1). وسئل الصادق عليه السلام، عن قول الله عزوجل: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور " (2) قال: الرجس (3) الأوثان، وقول الزور الغناء " (4). والاولى تدل على أنها كبيرة. وما تقدم في استحباب غسل التوبة (5). وعموم الروايات الدالة على تحريم بيع المغنية وتحريم اجرتها وسماعها، مثل رواية إبراهيم بن أبي البلاد، قال: " اوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات، أن نبيعهن نحمل ثمنهن إلى أبي الحسن عليه السلام، قال ابراهيم: فبعت الجواري بثلثماة ألف درهم وحملت الثمن إليه، فقلت له: إن مولى لك يقال له: إسسحاق بن عمر قد اوصى عند وفاته (موته - كا) ببيع جوار له مغنيات وحمل الثمن إليك، وقد بعتهن، وهذا الثمن ثلاثمأة ألف درهم، فقال لا حاجة لي فيه، إن هذا سحت، وتعليمهن كفر، والاستماع منهن نفاق، وثمنهن سحت " (6). ورواية سعيد بن محمد الطاطري، عن أبيه عن أبي عبد الله عليه

(1) سورة لقمان / 6. (2) سورة الحج / 30. (3) في النسخة المطبوعة والمخطوطة (الرجس الاوثان) وفي الفقيه (الرجس من الاوثان الشطرنج). (4) الفقيه ج 4 (11) باب حد شرب الخمر وما جاء في الغناء والملاحى ص (41) الحديث (6) ولفظ الحديث (وقال الصادق عليه السلام: خمسة من خمسة محال: الحرمة من الفاسق محال، والشفقة من العدو محال، والنصيحة من الحاسد محال، والوفاء من المرأة محال، والهيبة من الفقير محال. والغناء مما اوعد الله عز وجل عليه النار، وهو قوله عزوجل (ومن الناس من يشرى لهو الحديث الآية). (5) الوسائل ج 2، كتاب الطهارة، الباب (18) من ابواب الاغسال المسنونة، الحديث (1). (6) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (16) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (5).

[ 59 ]

[... ] السلام قال: " سألته (ساله رجل - كا) عن بيع الجواري المغنيات، فقال: شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن كفر، واستماعهن نفاق " (1). ورواية نضر بن قابوس، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " المغنية ملعونة، ومعلون من أكل كسبها " (2) وغيرها. ولكن ما رأيت رواية صحيحة صريحة في التحريم، ولعل الشهرة تكفي، مع الأخبار الكثيرة، بل الاجماع على تحريم الغناء، والتخصيص يحتاج إلى دليل. ويمكن أن يقال: الأخبار ليست بحجة، وإنما الاجماع والشهرة مع القيدين، فلا حجة على غيره، والأصل دليل قوي، والاحتياط واضح. وقد استثني الحداء (3) - بالمد - وهو سوق الإبل بالغناء لها. وعلى تقدير صحة استثنائه يمكن اختصاصه بكونه للإبل فقط، كما هو مقتضى الدليل، ويمكن التعدي أيضا إلى البغال والحمير. وقد استثني ايضا فعل المغنية في الأعراس، إذا لم تتكلم بالباطل والكذب، ولم تعمل بالملاهي التي لا يجوز لها، ولم تسمع صوتها الأجانب. ويمكن التحريم من جهة الكذب، والعمل باللهو فقط، لا الغناء، وكذا الاستماع. ويدل عليه الأخبار مثل صحيحة أبي بصير، قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال " (4).

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (16) من ابواب ما يكتسب به الحديث (7) وفيه (سأله رجل). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (15) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (4). (3) حدا بالابل حدا وحداء مثل غراب إذا رجرها وغنى لها ليحثها على السير. مجمع البحرين. (4) الوسائل، التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 15، الحديث 3.

[ 60 ]

[... ] ورواية حكم الحناط - المجهول - عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها " 1). ورواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (ابا عبد الله ئل) عليه السلام عن كسب المغنيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، وهو قول الله عزوجل (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) " (2). قال الشيخ: فالرخصة مخصوصة بمن لا يتكلم بالأباطيل والفحش، ولا يلعب بالملاهي من العيدان وأشباهها بل تكون ممن تزف العرايس وتتكلم عندها بإنشاد الشعر والقول البعيد عن الأباطيل والفحش، وأما من عدا هؤلاء ممن يتغنين بساير أنواع الملاهي فلا يجوز على حال، سواء كان في العرائس أو غيرها (3). وقال في شرح الشرايع بعد استثناء ما ذكرناه: " وذهب جماعة من الأصحاب منهم العلامة في التذكرة إلى تحريم الغناء مطلقا، استنادا إلى الأخبار المطلقة ووجوب الجمع بينها وبين ما دل على الجواز هنا من الأخبار الصحيحة متعين، حذرا من اطراح المقيد " (4). ورأيت في التذكرة في هذا المقام قد استثنى العرايس، فإنه قال - بعد الحكم بالتحريم ونقل الأخبار - فقد ورد رخصة بجواز كسبها إذا لم تتكلم بالباطل، ولم

(1) المصدر السابق، الباب نفسه، الحديث 2. (2) المصدر والباب نفسه، الحديث 1. (3) الاستبصار، ج 3 الباب (36) اجر المغنية ذيل اخبار الباب وما يعارضها قال: فالوجه في هذه الاخبار الرخصة فيمن لا تتكلم بالاباطيل الخ مع اختلاف يسير في بعض الكلمات. (4) انتهى كلام المسالك.

[ 61 ]

[... ] تلعب بالملاهي، ولم تدخل الرجال عليها " (1) ثم نقل الرواية الدالة عليه. ولعله في مواضع آخر (2)، أو يريد بعد استثناء ذلك، وكلامه صريح في العدم. وايضا ما رأيت الأخبار الصحيحة في الحداء ولا العرايس. نعم يمكن كون خبر أبي بصير صحيحا كما أشرنا إليه، مع أن فيه تأملا، لأشتراكه، وخبر علي بن أبي حمزة الظاهر أنه ضعيف، لان الظاهر أنه البطائني الضعيف الذي هو قائد أبي بصير يحيى بن القاسم، بقرينة نقله عن أبي بصير، والله يعلم. وقد استثني مراثي الحسين عليه السلام ايضا، ودليله ايضا غير واضح. ولعل دليل الكل أنه ما ثبت بالأجماع إلا في غيرها، والأخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم مطلقا، والأصل الجواز، فما ثبت تحريمه يحرم، والباقي يبقى، فتأمل فيه. ويؤيده أن البكاء والتفجع عليه عليه السلام مطلوب ومرغوب، وفيه ثواب عظيم، والغناء معين على ذلك، وأنه متعارف دائما في بلاد المسلمين في زمن المشايخ إلى زماننا هذا من غير نكير، وهو يدل على الجواز غالبا. ويؤيده جواز النياحة بالغناء، وجواز أخذ الأجرة عليها لصحيحة أبي بصير، قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت " (3). ورواية حنان بن سدير، قال: " كانت امرأة معنا في الحي، ولها جارية نائحة، فجاءت إلى أبي فقالت: يا عم أنت تعلم أن معيشتي من الله تعالى ثم

(1) التذكرة ج 1، الفصل الاول من انواع المكاسب ص (582). (2) يريد ان ما نقله صاحب المسالك عن العلامة في التذكرة، لعله في غير هذا المقام. (3) الوسائل ج 12، كتاب التجارة، الباب (17) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (7).

[ 62 ]

[... ] من هذه الجارية النائحة، وقد احببت أن تسأل أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك، فإن كان حلالا وإلا بعتها وأكلت من ثمنها حتى يأتي الله عزوجل بالفرج، فقال لها أبي: والله إني لأعظم أبا عبد الله عليه السلام أن اسئله عن هذه المسألة، قال: فلما قدمنا عليه عليه السلام اخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أتشارط؟ قلت: والله ما ادري تشارط ام لا، فقال: قل لها لا تشارط، وتقبل كل ما اعطيت " (1). ولا يضر القول في حنان بأنه واقفي، وعدم التصريح بتوثيقه. وحمل مضمرة سماعة: " قال: سألته عن كسب المغنية والنائحة فكرهه " (2) على الكراهة مع الشرط، للجمع. والظاهر أنه لا خلاف في جواز النياحة مع عدم مفسدة اخرى مثل اسماعها الأجنبي إن كان حراما، والكذب. ويؤيده عمل المسلمين في زمانه صلوات الله عليه، وزمنهم عليهم السلام إلى الآن. وقوله صلى الله عليه وآله " أن ليس لحمزة في هذا البلد (هذه البلدة خ) نائحة " (3) وسماع أهل المدينة ذلك، وجعلهم النياحة على حمزة إلى الآن أولا، ثم على ميتهم (موتاهم خ) مشهور.

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 17، الحديث 3. (2) المصدر السابق والباب نفسه، الحديث 8. (3) سنن ابن ماجة، ج 1 (53) باب ما جاء في البكاء على الميت ص (507) الحديث (1591) ولفظ الحديث (عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مر بنساء عبد الاشهل يبكين هلكاهن يوم احد. فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم (لكن حمزة لا بواكي له) فحاء نساء الانصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ويحهن ما انقلبن بعد؟ مروهن فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم).

[ 63 ]

[ ومعونة الظالمين بالحرام، ] يفيد الجواز مطلقا. وكذا صحيحة يونس بن يعقوب عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: قال لي أبي: يا جعفر، اوقف من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى (1) ولعل فيها حكمة يعلمها عليه السلام. وكذا صحيحة أبي حمزة - كأنه الثمالي - عن أبي جعفر عليه السلام حكاية نياحة ام سلمة بحضرة النبي، حين استأذنت الرواح إلى نياحة لابن عمها (2). ويؤيده أن التحريم للطرب على الظاهر، ولهذا قيد بالمطرب، وليس في المراثي الطرب، بل ليس إلا الحزن، واكثر هذا يجري في استثناء مطلق المراثي، وكأنه ترك للظهور. وبالجملة: عدم ظهور دليل التحريم، والأصل، وأدلة جواز النياحة مطلقا بحيث يشمل الغناء بل الظاهر أنها لا تكون إلا معه - يفيد الجواز، والله يعلم. ولكن لابد من قصد التفجع، والندبة عليه عليه السلام في الغناء بمرثيته لا غير، وهو ظاهر. ثم أن الظاهر أن المنع من بيع المغنية للتغني مع العلم، ويمكن المنع مع الظن الغالب المتاخم للعلم كذلك، لا مطلقا، إن لها منافع غير الغناء، ويؤيده جواز بيع العنب لمن يعمل خمرا، كما تقدم، والاجتناب مطلقا اولى واحوط. قوله: " ومعونة الظالمين بالحرام " متعلق بمعونة، أي: يحرم معونة الظالمين بما يحرم، يريد به الاحتراز عن معونتهم بالمباحات، كالخياطة لهم والبناء والزراعة وغيرها، ويمكن كراهة ذلك ايضا، لأنه معاملة مع الظالمين، وتصرف في المشتبهات.

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 17، الحديث 1. (2) نفس المصدر، ونفس الباب، الحديث 2.

[ 64 ]

[... ] من الأجر الذي يؤخذ عن أموالهم، إلا ان تعلم حليته، ولما سيجئ. ولا شك في تحريم معونة أحد من الظلمة والفسقة في الظلم والفسق. ويدل عليه العقل والنقل من الكتاب والسنة والأجماع، مثل " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " (1). قيل: الركون هو الميل القليل، وإذا كان الميل القليل إليهم موجبا لمس النار الذي يدل على أنه كبيرة، فمعاونتهم بالطريق الاولي موجبة لمس النار. لعل المراد ب‍ (الذين ظلموا) حكام الجور وسلاطينهم (وسلاطينه خ ل) الذين يجعلون انفسهم قائمين مقام رسول الله صلى الله عليه وآله والائمة صلوات الله عليهم من بعده كمعاوية واعوانه واضرابه. ويحتمل مطلق من يظلم غيره، لا مطلق العاصي والفاسق، لأنه المتبادر إلى الفهم، ولأن الظاهر الميل إليه - لا غير - يكون بهذه المثابة لعظم عصيانه ووزره، ويكون المراد المنع عن معونتهم وعن الدخول في أعمالهم المحرمة الموبقة. كما تدل عليه الأخبار الكثيرة جدا مثل حسنة وليد بن صبيح، قال: " دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فاستقبلني زرارة خارجا من عنده، فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا وليد، أما تعجب من زرارة؟ سألني عن أعمال هؤلاء أي شئ كان يريد؟ أيريد ان اقول له: لا: فيروي ذلك علي، ثم قال: يا وليد متى كانت الشيعة تسال عن أعمالهم؟ إنما كانت الشيعة تقول: يؤكل من طعامهم ويشرب من شرابهم، ويستظل بظلهم، متى كانت الشيعة تسأل من هذا؟ " (2) وفيه مذمة لزرارة. ورواية محمد بن عذافر عن ابيه، قال: " قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا

(1) سورة هود، الآية 113 (2) الوسائل، التجارة، الباب 45 مما يكتسب به، الحديث 1.

[ 65 ]

[... ] عذافر، نبئت أنك تعامل أبا أيوب والربيع، فما حالك إذا نودي بك في اعوان الظلمة؟ قال: فوجم أبي، فقال له أبو عبد الله عليه السلام لما رأى ما أصابه: أي عذافر إنما خوفتك بما خوفني الله عزوجل به، قال محمد: فقدم أبي فما زال مغموما مكروبا حتى مات " (1) وصحيحة حريز، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " اتقوا الله، وصونوا دينكم (انفسكم خ ل يب) بالورع، وقووه بالتقية، والإستغناء بالله عزوجل عن طلب الحوائج إلى صاحب سلطان، واعلم انه من خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلبا (طالبا يب) لما في يديه (يده يب) من دنياه اخمله الله، ومقته عليه، ووكله إليه، فإن هو غلب على شئ من دنياه، فصار إليه منه شئ، نزع الله البركة منه، ولم يأجره على شئ ينفقه في حج، ولا عتق، ولا بر " (2). وما في حسنة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام (في حديث) " إنه - اي باب الوالي - لباب من ابواب النار " (3) في منع من يهنؤه. وحسنة أبي بصير، قال: " سألت ابا جعفر عليه السلام عن أعمالهم فقال لي: يا أبا محمد، لا، ولا مدة قلم، إن احدكم (هم خ) لا يصيب من دنياهم شيئا أصابوا من دينه مثله، أو حتى يصيبوا من دينه مثله - الوهم من ابن أبي عمير " (4). وحسنة ابن ابي يعفور - كذا في المنتهى، وفي حسنها تأمل، لوجود

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 3. (2) نفس المصدر والباب، الحديث 4. (3) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 45، الحديث 2، صدر الحديث هكذا عن محمد بن مسلم قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام على باب داره بالمدينة، فنظر إلى الناس يمرون أفواجا، فقال لبعض من عنده: حدث بالمدينة أمر؟ فقال: اصلحك الله (جعلت فداك خ) ولي المدينة وال ففد الناس (إليه خ) يهنئونه، فقال: إن الرجل ليغدي عليه بالأمر يهنئا به! الخ. (4) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 5.

[ 66 ]

[... ] بشر (بشيرخ) (1)، وهو مشترك - قال: " كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل (فدخل خ) عليه رجل من أصحابنا فقال له: اصلحك الله (جعلت فداك خ)، إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسناة (2) يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد " (3). وأمثالها مثل ما نقل في المنتهى، قال: " وفي الصحيح عن يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: لا تعنهم على بناء مسجد " (4). ومثلها ما نقله في الكشاف في تفسير قوله تعالى: " لا ينال عهدي الظالمين " (5) في سورة البقرة عن أبي حنيفة أنه قال: " لو اراد المنصور الدوانيقي وأمثاله من الظلمة بناء مسجد، وراودوني على عد آجره لما فعلت " (6). ويفهم منه اشتراط العدالة في الحاكم، بل في امام الجماعة ايضا، مع أن المشهور أنه لا يشترط عندهم العدالة - تدل على تحريم معونتهم مطلقا ولو في المباحات، بل في العبادات، فيمكن حملها على الكراهة وشدة المبالغة، ويمكن حمل الآجر على تقدير العلم بالغصبية، فتأمل.

(1) فإن سنده كما في الكاف هكذا علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير، عن بشير عن ابن ابي يعفور. (2) المسناة: سد يبنى لحجز ماء السيل أو النهر، به مفاتح للماء تفتح على قدر الحاجة. (3) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 6. (4) نفس المصدر والموضع، الحديث 8. (5) البقرة، الآية 124. (6) الكشاف ج 1 ص (184) ط بيروت، وفيه (ارادوني) بدل (راودوني).

[ 67 ]

[... ] وفي الحسن، عن جهم بن حميد - لكنه مجهول - (1) قال: " قال أبو عبد الله عليه السلام لي: أما تغشى سلطان هؤلاء؟ قال: قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: فرارا بديني، قال: وعزمت على ذلك؟ قلت: نعم، قال لي: الآن سلم لك دينك " (2). وفي خبر آخر: (في حديث) " ألم انهاهم - يعنى جماعة من المؤمنين - من الدخول في عمل الظلمة؟ - قاله ثلاثا - هم النار، هم النار، هم النار (3) اي الظلمة - ". ورواية فضيل بن عياض، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اشياء من المكاسب فنهاني عنها، وقال: يا فضيل! والله لضرر هؤلاء على هذه الأمة أشد من ضرر الترك والديلم، قال: وسألته عن الورع من الناس؟، قال: الذي يتورع عن محارم الله عزوجل ويجتنب هؤلاء، وإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام وهو لا يعرفه، وإذا راى منكرا (المنكر - كا) فلم ينكره وهو يقدر عليه فقد أحب ان يعصي الله، عزوجل ومن أحب ان يعصي الله فقد بارز الله عزوجل بالعداوة، ومن احب بقاء الظالمين فقد أحب أن يعصي الله، إن الله تبارك وتعالى حمد نفسه على هلاك الظالمين، فقال: (4) " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " (5). وفيها احكام ودلالة ما على كراهة المعونة مطلقا، فافهم، فالأخبار في ذلك لا تحصى كثرة (6)، وفي هذا القدر كفاية.

(1) يعني السند الي جهم بن حميد حسن بابراهيم بن هاشم، اما جهم فهو مجهول. (2) الوسائل، ابواب ما يكتسب به، الباب 42، الحديث 7. (3) المصدر نفسه، الباب 45، الحديث 3. ومتن الخبر هكذا: الم أنههم؟ ألم أنههم؟ هم النار الخ. (4) الآية 45، سورة الانعام. (5) الفروع من الكاف ج 5 ص 108، والوسائل الباب. (6) لاحظ الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (42) إلى (46) و (48) من ابواب ما يكتسب به.

[ 68 ]

[... ] ومما يؤيد ما قلناه من أن المراد بالظالمين هم حكام الجور صريحا، رواية سهل بن زياد يرفعه (رفعه ئل) عن أبي عبد الله عليه السلام: " في قول الله عزوجل " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " قال هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقائه إلى أن يدخل يده (في خ) كيسه فيعطيه " (1). وما في الفقيه في باب جمل من مناهي النبي صلى الله عليه وآله: " وقال: ومن مدح سلطانا جائرا، أو تخفف وتضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار " وقال صلى الله عليه وآله: " قال الله عزوجل: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " (2). وهذه تدل على أن الميل إليه - ليصل إليه من دنياه شئ - داخل في الآية، وإن احب بقاءه ووجوده لذلك كذلك. فلعله المراد بالخبر السابق ايضا، لا مطلق الميل، ولا مطلق حب البقاء، فلو أحب شخص بقاء حاكم جور مؤمن - لحبه المؤمنين وحفظه الأيمان والمؤمنين ولذبه عن الأيمان وأهله، ومنعه المخالفين عن التسلط عليهم وقتلهم وردهم عن دينهم وايمانهم - فالظاهر أنه ليس بداخل في الآية فإنه في الحقيقة محبة للايمان وحفظه، لا ذلك الشخص وجوره وفسقه، بل ولا ذاته، بل كل ما تأمل ينكره ويكرهه لجوره وظلمه. بل ولا يبعد ذلك في مخالف لو فعل ذلك، بل في كافر بالنسبة إلى حفظ الأسلام والمسلمين. ولهذا يجوز إعطاء المؤلفة من الزكاة حتى يعينوا المسلمين، وطلب الكفار

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 44، الحديث (1). (2) المصدر السابق، الباب 43، ذيل الحديث (1).

[ 69 ]

[... ] للأعانة، ولا شك أنه - حينئذ - حياتهم محبوبة للمسلمين، بل للامام عليه السلام ولا يريدون مغلوبيتهم ومقتوليتهم، بل يريدون أن يبقوا ويقتلوا الاعداء، ولهذا يمنعون عنهم، بل يوجبون لهم قتل المسلمين الذين تترس بهم الأعداء. وايضا لهذا ذكر بعض الاصحاب أن القبيح مدح من هو يستحق الذم من جهة القبيح، لا مطلقا، وهو ظاهر. لكن لا شك أن الدخول في عمله والأختلاف إلى بابه للدنيا مالا أوجاها مذموم مرغوب عنه، وإن لم يكن بمثابة أبواب المخالفين، للإشعار في بعض الأخبار المتقدمة أن لمخالفة الدين ايضا دخلا في المنع والورع والمذمة واستحقاق ما تقدم، وهو ظاهر. والظاهر أن هذا مجرد الميل إليهم والطلب والطمع منهم، وإن لم يعلم تحريم ما أعطوا، فإن علم فذلك وبال آخر، وضمان لأصحابه، ويجب رده إلى أهله مع العلم، ومع الجهل التصدق به، والتوبة كما قاله الأصحاب. ويدل عليه رواية علي بن ابي حمزة قال: " كان لي صديق من كتاب بني امية فقال لي استأذن لي على أبي عبد الله عليه السلام فاستأذنت له فأذن له، فلما أن دخل سلم وجلس ثم كلمه، قال: جعلت فداك إني كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا واغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لولا أن بني امية وجدوا من يكتب لهم ويجبي لهم الفئ، ويقاتل عنهم، و يشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم لما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم، قال: فقال الفتى: جعلت فداك، فهل لي من مخرج منه؟ قال: فقال: إن قلت لك تفعل؟ قال: أفعل، قال له: فاخرج من جميع ما كسبت (اكتسبت خ ل ئل) في ديوانهم فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به، وأنا اضمن لك على الله عزوجل الجنة. فأطرق الفتى طويلا ثم قال

[ 70 ]

[... ] له: لقد فعلت جعلت فداك. قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة فما ترك شيئا على وجه الأرض إلا خرج منه، حتى ثيابه التي كانت على بدنه. قال: فقسمت له قسمة واشترينا له ثيابا وبعثنا إليه بنفقة. قال: فما أتى عليه إلا أشهر قلائل حتى مرض فكنا نعوده، فدخلت يوما وهو في السوق، قال: ففتح عينه ثم قال: يا علي، وفى لي والله صاحبك، قال: ثم مات، فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فلما نظر إلي قال لي: يا علي، وفينا والله لصاحبك، قال: فقلت، صدقت جعلت فداك هكذا والله قال لي عند موته " (1). وأما ما يدل على أن الدخول في عملهم حسن، ويجوز اخذ الولاية عنهم، بل موجب لثواب عظيم، ومرتبة جليلة، مع قضاء حوائج الاخوان، كما ورد في الأخبار. مثل مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: " إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه " (2). ورواية محمد بن إسماعيل بن بزيع وهي مشهورة في ترغيبه مذكورة في الخلاصة. " وحكى بعض أصحابنا عن ابن الوليد قال: وفي رواية محمد بن اسماعيل بن بزيع، قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: إن لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله به البرهان، ومكن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه ويصلح الله به أمور المسلمين، لانهم ملجأ المؤمنين من الضرر وإليه يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، بهم يؤمن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 47، الحديث 1. (2) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 1. وفيه، قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام.

[ 71 ]

[... ] حقا، اولئك امناء الله في أرضه، اولئك نور الله في رعيتهم (في رعيته) يوم القيامة، ويزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الكواكب الزهرية (الدرية) لاهل الارض، اولئك من نور هم نور (يوم) القيامة، تضيئ منهم القيامة، خلقوا والله للجنة، وخلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم، ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله، قال: قلت له: بماذا جعلني الله فداك؟ قال: يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمن (المؤمنين خ) من شعيتنا، فكن منهم يا محمد " (1). فبعد (2) صحة السند، الظاهر أن المراد مع التقية، وإمكان الخروج عن عهدة ما يجب عليه ويحرم، وهو ظاهر ومصرح في الأخبار وكلام الأصحاب، وقد مرت الأشارة إليه في الجهاد. وأما الثواب والترغيب فالظاهر أنه بالنسبة إلى من لا يقصد إلا قضاء حوائج الاخوان وسرورهم وامتثال اوامرهم عليهم السلام وقبول قولهم، لا امرا آخر اصلا من المال والجاه، لا لنفسه ولا لغيره، كقرابته، ولم يجعل ذلك في البين ايضا لما عرفت من الأخبار، فإنك إذا تأملتها تجد ما قلت لك. أو المراد أنه مع الأضطرار إلى الدخول في عملهم والجلوس معهم تقية وضرورة، يضم إليه حينئذ ذلك، لا أن يجعل نفسه عاملا لهم ويحبهم للدنيا وقد يفعل قضاء الحاجة في البين، فإن الظاهر أنه داخل فيما تلوناه من الأدلة، وإن فرض له بعض الأجر بذلك لو خلص فيه النية. ولا يجعله سببا لزيادة الرياسة، والرشد، وتوجه الناس إليه وذكره في المجالس ليمدحه الناس بذلك، ولا أن يمن بذلك عليه ويؤذيه، ولو بالاعراض عنه في الجملة،

(1) رجال النجاشي، ط حجر، ص 233، ولم ترد هذه الرواية في كتب الحديث المشهورة. (2) جواب لقوله قده: واما ما يدل الخ.

[ 72 ]

[... ] والتقصير في تعظيمه كما هو، وبالمن عليه حضورا وغيبة، فإن ذلك مبطل للأجر كما نطق به الكتاب العزيز " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " (1). فإن الظاهر أنه يجري في جميع القربات وليس بمختص بصدقة المال، بل موجب للعذاب، لقوله تعالى: " ولا تحسبن الذين يفرحون بما اتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة - أي بمنجاة - من العذاب ولهم عذاب أليم " (2). ولما روي في مذمة المنة: قال في المنتهى في بحث التجارة (في حديث): من اصطنع إلى أخيه معروفا فامتن به أحبط الله عمله وأثبت وزره ولم يشكر له سعيه (3): وبالجملة الأصل والأساس هو الاخلاص وهو قليل جدا وصعب في الغاية كما يشعر به تشبيه من شبهه من العلماء بإخراج اللبن الخالص من بين فرث ودم، وهذا التشبيه في نهاية الحسن وغاية الكمال، فافهم، وفقنا الله للعمل به. ثم مع ذلك قد يكون ما فعله جبرا لبعض ما ارتكبه، وهو حينئذ على خطر، كما تدل عليه الأخبار. مثل ما روي عن طريق العامة والخاصة في الفقيه " كفارة خدمة السلطان قضاء حوائج الأخوان " (4). ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سمعته يقول: ما من جبار إلا ومعه مؤمن يدفع الله عزوجل به عن المؤمنين وهو أقلهم حظا في الآخرة،

(1) سورة البقرة، الآية 264. (2) سورة آل عمران، الآية 188. (3) الوسائل، كتاب الزكاة، ابواب الصدقة، الباب 37 - الحديث 5. (4) المصدر نفسه، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 3. فيه كفارة عمل السلطان.

[ 73 ]

[... ] يعني: أقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار " (1). ورواية الحسن بن الحسين الأنباري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كتبت إليه أربع عشر سنة استأذنه في عمل السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه أذكر أني أخاف على خبط (2) عنقي وأن السلطان يقول لي: إنك رافضي، ولسنا نشك في أنك تركت العمل للسلطان للرفض (للترفض كا)، فكتب إلي أبو الحسن عليه السلام: قد فهمت كتابك وما ذكرت من الخوف على نفسك، فإن كنت تعلم أنك إذا وليت عملت في عملك بما امر به رسول الله صلى الله عليه وآله ثم تصير أعوانك وكتابك، أهل ملتك، فإذا صار إليك شئ واسيت به فقراء المؤمنين حتي تكون واحدا منهم كان ذا بذا، والا فلا " (3). انظر أيها الأخ ما في هذا الخبر من المبالغة بعدم التجويز مع خوف القتل والتصريح بأنه فهمت ما في كتابك من الخوف حتى لا يحمل على غيره بعد طلب اربع عشر سنة إلا مع الخروج عن عهدة ما وجب عليه، وجعل الأعوان من إخوانه المؤمنين، وشرطية إن وصل إليه نفع يكون هو وساير الفقراء من المؤمنين مساويا فيه، وعدم تجويز الدخول بدونه مصرحا - بعد أن شرط - بقوله: وإلا فلا. ولعله عليه السلام كان يعرف عدم حصول القتل وخوفه الموجب لذلك. وتأمل في رواية زياد بن أبي سلمة ايضا حتى تعلم حقيقة الأمر، قال: " دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام فقال لي: يا زياد إنك لتعمل عمل السلطان؟ قال: قلت: أجل، قال لي: ولم؟ قلت: أنا رجل لي مروة وعلي عيال

(1) الوسائل، كتاب التجارة ابواب ما يكتسب به، الباب 44، الحديث 4. وفيه كما في الكافي ايضا: مهران بن محمد بن ابي نصر (بصير خ ئل) وفي التهذيب: مهران بن محمد عن ابي بصير (نصير خ ل). (2) اي ضرب عنقي يقال: خبطت الشجر خبطا، إذا ضربه بالعصا ليسقط ورقه (النهاية). (3) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 48، الحديث 1.

[ 74 ]

[... ] وليس وراء ظهري شئ، فقال لي: يا زياد! لئن أسقط من حالق فاتقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولى لاحد منهم عملا، أو أطأ بساط رجل منهم، إلا لما ذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه، يا زياد! أن أهون ما يصنع الله عزوجل بمن تولى لهم عملا أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله عزوجل من حساب الخلايق (الخلق خ ل) يا زياد! فإن توليت (وليت كا) شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك، يا زياد! أيما رجل منكم تولى لأحد منهم عملا ثم ساوى بينكم وبينهم فقولوا له: أنت منتحل كذاب، يا زياد إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غدا، ونفاد ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما اتيت إليهم عليك " (1). تأمل فيها فإنها صريحة فيما ذكرت. وقد عرفت من هذه الأخبار إهتمامهم عليهم السلام بقضاء حوائج المؤمنين والأخبار في ذلك لا تحصى وليس هنا محل ذكرها. ويفهم من اهتمام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله واهتمامهم عليهم السلام بامر شيعتهم ومحبيهم في امر دنياهم الدنية الفانية - التي لو لم يهتموا بها لم تضر كثيرا لفنائها وسرعة زوال ما فيها من النعم والنقم - هذا المقدار من الاهتمام. والذي فهمته منها - من الثواب للفاعل لهم إحسانا، والعقاب لتاركه وتجويز ارتكاب امر شنيع مثل الوقوع من شاهق، بل جعلهم ذلك افضل الأعمال وأثوبها - اهتمامهم بأمر آخرتهم التي لا مفر منها إلا إلى الله وإلى رسوله وإليهم، والذي لا تفنى عقوبته ولا يوصف ضرره وهوله، وقد يحصل العلم بذلك، والعلم بأنه

(1) نفس المصدر، الباب 46، الحديث 9.

[ 75 ]

[ والنوح بالباطل، وحفظ كتب الضلال، ونسخها لغير النقض و (أو خ ل) الحجة ] لا يردوننا خائبين، فحصل الرجاء التام بمحبتهم صلوات الله عليهم كما هو مذكور في أخبار كثيرة جدا ومذكورة في محالها (1)، فما بقي إلا الموت على الأيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وبهم عليهم السلام رزقنا الله وإياكم ذلك بهم. قوله: " والنوح بالباطل " من المحرم الذي التكسب به حرام في نفسه النياحة بالباطل، بأن يذكر ما لا يجوز ذكره مثل الكذب. ويمكن إسماع صوتها للأجانب داخلا فيه على تقدير تحريمه. ووجه التقييد به أنها بدونه جايزة والكسب حلال، وقد مر ما يدل عليه في بحث الغناء. وأما تحريمه مع القيد فهو ظاهر لان المشتمل على الباطل، باطل، وإذا كان حراما لا يستحق به الأجرة وهو ظاهر عقلا ونقلا. قوله: " وحفظ.. الخ " من المحرم حفظ كتب الضلال، كأن المراد أعم من حفظها عن التلف، أو على الصدر، والأول أظهر، وكأن نسخها ايضا كذلك، بل هو أولى. ولعل المراد بها أعم من كتب الاديان المنسوخة، والكتب المخالفة للحق اصولا وفروعا، والأحاديث المعلوم كونها موضوعة، لا الأحاديث التي رواها الضعفاء لمذهبهم ولفسقهم (2) مع احتمال الصدور. فحينئذ يجوز حفظ الصحاح الستة مثلا - غير الموضوع المعلوم - كالأحاديث التي في كتبنا مع ضعف رواتها لكونها زيدية وفطحية وواقفية، فلا ينبغي الإعراض عن الأخبار النبوية التي رواها العامة فإنها ليس إلا مثل ما ذكرناها.

(1) راجع الوسائل ج 1، الباب (29) من ابواب، مقدمة العبادات. (2) اي الضعفاء بسبب مذهبهم الفاسد أو بسبب فسقهم.

[ 76 ]

[ وهجاء المؤمنين، ] ولعل دليل التحريم أنه قد يؤول إلى ما هو المحرم، وهو العمل به، وأن حفظها ونسخها ينبئ عن الرضا بالعمل والاعتقاد بما فيه، وهو ممنوع، وأنها مشتملة على البدعة ويجب دفعها من باب النهي عن المنكر وهما ينافيانه، وقد يكون إجماعيا ايضا يفهم من المنتهى. ثم إن الظاهر أن الممنوع منه هو الضلال فقط لأ مصنف المخالف في مذهبه مطلقا، وإن وافق الحق، فتفاسير المخالفين ليست بممنوع منها إلا المواضع المخصوصة المعلوم بطلانها وفسادها من الدين. وإن الظاهر (ان خ) لا قصور في أصول فقههم إلا موضع نادر، إذ الحق هنا ما ثبت بالدليل، وليس هنا شئ مقرر في الدين قد خولف، بل كتبهم في ذلك مثل كتبنا في نقل الخلاف واختيار ما هو المبرهن وهو الحق. وكذا بيعها وساير التكسب بها، على أنه يجوز كله للاغراض الصحيحة، بل قد يجب كالتقية والنقض والحجة واستنباط الفروع ونقلها ونقل أدلتها إلى كتبنا وتحصيل القوة وملكة البحث لأهلها. قوله: " وهجاء المؤمنين " قيل: - بالكسر والمد - ذكر الغايب بالشعر، وقيد المؤمنين يخرج غيرهم، فيجوز هجاؤه كما يجوز لعنه. لعل المراد بذكر الغائب بالشعر بما يدل على ما يؤذيه وينقصه، وقيد الغائب كأنه لاعتبار معنى اللغة، وإلا فالتحريم ليس بمخصوص به، بل في الحاضر أشد. ولعل دليل التحريم هو الأجماع، ذكره في المنتهى، وأنه غيبة. والظاهر أن عموم أدلة تحريم الغيبة من الكتاب والسنة يشمل المؤمنين وغيرهم، فإن قوله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضا " (1) إما للمكلفين كلهم، أو

(1) سورة الحجرات، الآية 12.

[ 77 ]

[... ] المسلمين فقط، لجواز غيبة الكافر ولقوله تعالى بعده: " لحم اخيه ميتا " وكذا الأخبار فإن أكثرها بلفظ الناس أو المسلم. مثل ما روى في الفقيه: " من اغتاب امرء مسلما بطل صومه ونقض وضوئه وجاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة انتن من الجيفة يتأذى به أهل الموقف، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرم الله تعالى (1)، ألا من سمع فاحشة فأفشاها فهو كالذي اتاها (2)، ومن اصطنع إلى اخيه معروفا فامتن به أحبط الله عمله وأثبت وزره ولم يشكر له سعيه " (3). وقال (ره) في رسالة الغيبة: " قال النبي صلى الله عليه وآله: كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، والغيبة تناول العرض، وقد جمع بينها وبين الدم والمال وقال صلى الله عليه وآله: لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضا، وكونوا عباد الله إخوانا (4). وعن انس قال: قال البراء: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله حتى اسمع العواتق في بيوتها، فقال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته " (5) وغير ذلك.

(1) إلى ان قال: الا الخ. (2) إلى ان قال: ومن الخ. (3) الفقيه ج 4 (1) باب ذكر جمل من مناهي النبي صلى الله عليه وآله ص (2) وجملة (من اصطنع. إلى قوله... سعيه) وان كانت من الحديث نفسه غير انها ليست متصلة بالجملة التي سبقتها في المتن، ولا نعلم وجها لنقل هذه الجملة في هذا الموضع مع عدم مناسبتها لمحل البحث، وكذا قوله: (الا ومن سمع فاحشة) الوسائل ج 8، كتاب الحج، الباب (152) من ابواب احكام العشرة ص (599) الحديث (13). (4) كشف الريبة، المقدمة في اثبات حرمة الغيبة، ص (6). (5) كشف الريبة، المقدمة في اثبات حرمة الغيبة، ص (7).

[ 78 ]

[ وتعلم السحر، ] وبالجملة: عموم أدلة الغيبة وخصوص ذكر المسلم يدل على التحريم مطلقا، وأن عرض المسلم كدمه وماله، فكما لا يجوز أخذ مال المخالف وقتله لا يجوز تناول عرضه الذي هو الغيبة، وذلك لا يدل على كونه مقبولا عند الله، كعدم جواز أخذ ماله وقتله كما في الكافر. ولا يدل جواز لعنه بنص، على جواز الغيبة مع تلك الأدلة بأن يقول: إنه طويل، أو قصير، وأعمى، وأجذم، وأبرص، وغير ذلك، وهو ظاهر. وأظن أني رأيت في قواعد الشهيد (ره) " أنه يجوز غيبة المخالف من حيث مذهبه ودينه الباطل وكونه فاسقا من تلك الجهة لا غير، مثل أن يقال: أعمى، ونحوه " الله يعلم، ولا شك أن الأجتناب أحوط. قوله: " وتعلم السحر " قال في المنتهى: عقد ورمى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعلم شيئا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له. فكأن تحريم السحر وتعليمه وتعلمه وأخذ الأجرة عليه - قيل: منه عقد الرجل عن امرأته بحيث لا يقدر على وطيها وايقاع البغضاء والفتنة بينهما - اجماع (اجماعي خ ل) بين المسلمين. ويدل عليه الأخبار من العامة والخاصة: " أن رسول الله صلى الله عليه و آله: قال حد الساحر ضربة بالسيف " (1) وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " الساحر كافر " (2) ولعل المراد من يستحل ذلك. والظاهر أن له حقيقة، بمعنى أنه يؤثر في الحقيقة، لا أنه إنما يتأثر بالوهم فقط، ولهذا يقل تأثيره في شخص لم (لا خ) يعرف، ومع ذلك يشعر بوقوعه فيه (3).

(1) سنن الترمذي ج 4 كتاب الحدود (27) باب ما جاء في حد الساحر، الحديث (1460). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (24) من ابواب ما يكتسب به، قطعة من حديث (8) وفيه (والساحر كالكافر). (3) في نسختين من النسخ الخطية (ولا يشعر بوقوعه فيه).

[ 79 ]

[ والكهانة ] نعم يمكن أن لا حقيقة له بمعنى أن لا يوجد حيوان يفعله، بل يتخيل، كقوله تعالى: " وإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " (1) مع أنه لا ثمرة في ذلك، إذ لا شك في عقابه، ولزوم الدية، وعوض ما يفوت بفعل الساحر عليه. ويمكن أن يكون تعلم السحر للحل جايزا، بل قد يجب كفاية لمعرفة المتنبي ودفعه، ودفع الضرر عن نفسه وعن المسلمين، وقد أشار إليه في شرح الشرايع عن الدروس ومنعه في المنتهى. ويدل على الجواز ما في رواية إبراهيم بن هاشم قال: " حدثني شيخ من أصحابنا الكوفيين، قال: دخل عيسى بن السقفي (سيفى خ) على أبي عبد الله عليه السلام - وكان ساحرا يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الأجر - فقال له: جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر، وكنت آخذ عليه الأجر، وكان معاشي، وقد حججت منه، ومن الله علي بلقائك، وقد تبت إلى الله عزوجل، فهل لي في شئ منه مخرج؟ قال: فقال له أبو عبد الله عليه السلام: حل ولا تعقد " (2). قيل: الكهانة - بالكسر - قريب من السحر، قال فيه ايضا: الكاهن - هو الذي له رئي من الجن ياتيه بالأخبار - يقتل ايضا، إلا ان يتوب ويحرم عليه اخذ الأجرة، لما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي، والرشا في الحكم، واجرة الكاهن " (3). لعله يريد قتل المستحل، والذي لم يتب. وإنه لا خلاف فيه ايضا فلا يضر ايضا عدم صحة السند.

(1) سورة طه / 66. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (25) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (5) من ابواب ما يكتسب به، الحديث 5.

[ 80 ]

[ والقيافة ] قيل: القيافة هي الإستناد إلى علامات يترتب عليها إلحاق بعض الناس ببعض ونحوهم، وإنما تحرم إذا جزم، أو رتب عليه محرما. والظاهر أن ترتب الأحوال - من الحفظ، والذكاء، والبلاهة وغيرها على علامات: مثل علو الجبهة، وعلو القفا، ومؤخر الرأس داخل فيها. ولعل دليل التحريم الأجماع المذكور في المنتهى، ولزوم لحوق شخص بآخر، الموجب لترتب أحكام كثيرة بمجرد ظنه الذي لا دليل عليه شرعا، بل عليه دليل نقيضه، فقد يلزم الحكم ببنوته لغير أبيه، وغير ذلك. وكذا لزوم الحكم بترتب امر على امر مع عدم علم ولا ظن معتبر، فقد يحكم بأحمقية شخص بمجرد ذلك، وكذا غيره مع النهي عنه، وقد يكون كذبا، بل قد يشعر بأنه مثل احكام أهل النجوم الذي يحكم بان اعتقاد ذلك حرام بل كفر. قال في المنتهى: التنجيم حرام، وكذا تعلم النجوم مع اعتقاد أنها مؤثرة، أو أن لها مدخلا في التأثير بالنفع والضرر، وبالجملة كل من يعتقد - ربط الحركات النفسانية والطبيعية بالحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية - كافر، وأخذ الأجر على ذلك حرام، أما من يتعلم النجوم ليعرف قدر سير الكواكب وبعدها وأحوالها من التربيع والتسديس وغيرهما فلا بأس به (1). ويؤيده أنه ورد كراهة العقد والسفر، والقمر في العقرب مثلا، وذلك إنما يعلم بالنجوم. ويعلم منه أن ظن ترتب ضرر ما يجري عادة الله تعالى بفعله ذلك الضرر في هذا الوقت ليس بمنهي، فإن ذلك أقل المراتب، فإنه قد يعتقد شخص الأستقلال

(1) إلى هنا كلام المنتهى، وفيه من الربيع والخريف بدل (التربيع والتسديس).

[ 81 ]

[ والشعبدة، ] بالتأثير أو الشركة مع أنه مصرح في الأخبار بالضرر (1)، فلا يكون الكراهة لمحض التعبد. وأمثال ذلك في الشرع كثيرة جدا، مثل الوطي في أول شهر رمضان و وسطه والمحاق والكسوف والرياح وغير ذلك، فالقول بتحريم ذلك الاعتقاد وكراهته غير ظاهر كما قاله في الدروس. إلا أن يقال: الذي علم من الشرع لا بأس باعتقاده، وإنما البأس فيما لم يعلم له من الشرع دليل، بل بمجرد قول المنجم، وذلك غير بعيد، ولذلك ترى اجتناب المسلمين - عن هذه الاوقات التي عدها المنجمون - غير حسن. وقد يفهم - من قوله تعالى - حكاية عن ابراهيم عليه السلام -: " فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم " (2) - الأعتبار بأمثال ذلك، بل أكثر وإن أجاب عنه السيد المرتضى في " التنزيه " ولقد صنف علي بن طاووس قدس الله سره كتابا في تحقيق النجوم وحلية هذا العلم وجواز التأثير، واستدل عليها بالآيات، والاخبار، والاعتبار، ورد كلام من قال بتحريمه وكراهيته، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه. وأما دليل كفر من يعتقد استقلال الفلكيات في التأثير في الأرضيات، وتحريم الأشتراك في التأثير، كأنه الأجماع، والعلم الضروري شرعا بأن الله تعالى هو المؤثر في الارضيات، ووجوب اعتقاد أنه هو المستقل في التأثير في الارضيات من غير مدخلية شئ. وأما الشعبدة، فقال فيه ايضا: هو الحركات الخفيفة (الخفية خ) جدا التي باعتبارها يخفى على الحس، ويعتقد أن الشئ شبيهه (شبهه خ) لسرعة انتقاله إلى شبيهه (شبهه خ) وهو حرام بلا خلاف، وكذا القيافة وكل ما يشاركها في هذا الباب مثل النارنجيات والسيميا وغيرهما.

(1) يريد بالضرر حدوث ما يكرهه العاقد أو المسافر. (2) الصافات، الايتان: 87 - 88.

[ 82 ]

[ والقمار والغش بما يخفى، ] وقد مر ما يدل على تحريم القمار، قال في المنتهي، " القمار حرام بلا خلاف بين العلماء، وكذا ما يؤخذ منه، قال الله تعالى: " إنما الخمر... الآية " (1) - إلى قوله - رجس فإن جميع أنواع القمار حرام، من اللعب بالنرد، والشطرنج، والاربعة عشر، واللعب بالخاتم، حتى لعب الصبيان بالجوز على ما تضمنته الأحاديث، ذهب إليه علماؤنا اجمع، وقال الشافعي: بجواز (يجوز خ) اللعب بالشطرنج، وقد قال أبو حنيفة بقولنا.. إلى آخره ". لعله يريد بقوله: " بلا خلاف " في تحريمه في الجملة، لا جميع أنواعه. قوله: " والغش بما يخفى " من المحرم الغش بما يخفى، أي مزج شئ من غير جنس المبيع به ليستر به عيبه، أو يجعله أكثر بحيث لا يكون ظاهرا بل كان خفيا لا يعلمه المشتري غالبا، كشوب اللبن بالماء، لا كمزج التراب بالحنطة، أو جيدها برديها، فإن ذلك قيل: لا يحرم بل يكره لظهور العيب، فيعلم بالنظر فكأنه يبيع غير الجيد بثمن الجيد مع علم المشتري وهو يشتري، فلا حرج فيه. ولعل الكراهة لانه تدليس في الجملة، ولأنه قد يغفل عنه المشتري لكثرة الجيد، وللأخبار: مثل رواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام: " أنه سئل عن الطعام يخلط بعضه ببعض، وبعضه أجود من بعض، قال: إذا رئيا جميعا فلا بأس، ما لم بغط الجيد الردي " (2) وفي حسنة الحلبي عنه عليه السلام قال: " لا يصلح له ان يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبينه " (3) في جواب سؤال من يريد خلط الجيد

(1) المائدة - 90 - 91 إلى قوله تعالى: فهل انتم منتهون كما ذكر الآيتين في المنتهى. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب احكام العيوب، الحديث (1). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب احكام العيوب، الحديث (2) وتمام الحديث على ما في الوسائل (قال: سألته عن الرجل يكون عنده لونان من طعام سعر واحد سعرهما بشئ (شتى خ ل) واحدهما

[ 83 ]

[ وتدليس الماشطة ] بالردئ، من الحنطة، وكون ثمنه ثمن الجيد. والدليل عليه: ما يعلم من المنتهى حيث قال: الغش بما يخفى حرام بلا خلاف، روى الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " ليس منا من غشنا " (1) وفي الدلالة تأمل. وفي الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله لرجل يبيع التمر: يا فلان! أما علمت أنه ليس من المسلمين من غشهم " (2). وعن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشاب اللبن بالماء للبيع " (3). وعلى تقدير البيع، هل يصح؟ الظاهر: لا، لأن الغرض من النهي في مثله عدم صلاحية بيع مثله على أنه غير مغشوش، ولما مر. وقال في شرح الشرايع: يصح، فتأمل. قوله: " وتدليس الماشطة " المراد: تدليس المرأة التي تريد تزويج امرأة برجل، أو بيع أمة، بأن يستر عيبها، ويظهر ما يحسنها، من تحمير وجهها، ووصل شعرها، مع عدم علم الزوج والمشتري بذلك. والظاهر أنه غير مخصوص بالماشطة، بل لو فعلت المرأة بنفسها ذلك كذلك، بل لو فعلته أولا لا للتدليس، ثم حصل في هذا الوقت المشتري أو الزوج، فإخفاؤه

خير (اجود ئل) فيخلطهما جميعا ثم يبيعهما بسعر واحد، فقال له: لا يصلح له ان يغش المسلمين حتى يبينه) وفي كا - يب - قيه هكذا (لا يصلح له ان يفعل ذلك يغش به المسلمين حتى يبينه). (1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (86) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (86) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (86) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (4).

[ 84 ]

[... ] مثل فعله. ودليل التحريم: كأنه الأجماع، وأنه غش، وهو حرام كما يدل عليه الأخبار وقد تقدمت بعضها. ورواية ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " دخلت ماشطة على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه قالت: يا رسول الله، أنا أعمله، إلا أن تنهاني عنه فأنتهى عنه، فقال: افعلى، فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرقة، فإنه يذهب بماء الوجه ولا تصلي الشعر بالشعر " (1). وهي مع عدم الصحة. ليست بظاهرة في صورة التدليس، ويمكن حملها على الكراهة، ويؤيدها: " فلا تجلي " ولما سيجي من جواز وصل الشعر بالشعر. ورواية القاسم بن محمد قال: " سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس، ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها ضيق، قال: لا بأس، ولكن لا تصل الشعر بالشعر " (2). وفيها منع الصحة والأضمار مع احتمال الكراهة، وعدم الظهور في مقام التدليس. وأما لو فعلت المزوجة (المتزوجة خ) أو المشتراة فلا تحريم، إلا أنه نقل عن البعض استيذان الزوج في ذلك، فكان المولى كذلك. والأصل، وتكليف الزوجة بإزالة المنفرات وبإظهار المحاسن، يدل على

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 19، الحديث 2. وفي التهذيب: فلا تحكى الوجه بالخزف (الخرق خ ل). (2) نفس الموضع والمصدر، الحديث 4، ولكن فيه: " عن القاسم بن محمد عن علي قال: سألته... ".

[ 85 ]

[ وتزيين الرجل بالمحرم والرشا في الحكم، سواء حكم له ام لا (أو خ ل) عليه، بحق أو باطل، ] الإباحة بدون الشرط. ويدل عليه رواية سعد الإسكاف عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: (في حديث) لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، قال: فقلت له: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواصلة والموصلة (الموصولة خ). فقال: ليس هناك، إنما لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الواصلة التي تزني في شبابها، فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال فتلك الواصلة والموصلة (الموصولة خ) " (1) وغيرها مما يدل على ترغيب المرأة للتزيين لزوجها. " وتزيين الرجل بالمحرم " كتزيينه بالذهب والحرير إلا ما استثني، قيل: ومنه تزيينه بما يختص بالنساء كلبس السوار والخلخال والثياب المختصة بها بحسب العادة ويختلف ذلك باختلاف الأزمان والبلاد، وكذا العكس. ولعل دليله الأجماع، وأنه نوع غش، وهو محرم. والأجماع غير ظاهر فيما قيل، وكذا كونه غشا، وهو ظاهر. قوله: " والرشا في الحكم الي آخره " تحريمه ظاهر، سواء حكم على المأخوذ منه، أو له، بحق أو باطل، قال في المنتهى: " هو سحت بلا خلاف وقد مضى ما يدل عليه من الأخبار، وكان في بعضها: " وأما الرشا فهو الكفر بالله " (2) وهو في الروايتين، ولا يخفى ما فيه من المبالغة. والظاهر أنه إذا كان أخذ الحق موقوفا عليه يجوز الأعطاء، لا الأخذ، وهو ظاهر عقلا ونقلا.

(1) نفس المصدر والموضع، الحديث 3. (2) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 1 و 2 و 8 و 12 و 16.

[ 86 ]

[ والولاية من قبل الظالم مع غلبة ظنه على القصور عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وجوائزه المغصوبة فيعيدها لو اخذها على صاحبها أو وارثه، فان تعذر تصدق بها عنه. ] ويمكن فهم الجواز من صحيحة محمد بن مسلم، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحول من منزله فيسكنه؟ قال: لا بأس به " (1). قوله: " والولاية من قبل الظالم... إلى آخره " الظاهر أن المراد بالولاية السلطنة والغلبة على بعض الناس والبلاد، أو كونه حاكما عليهم من قبله، أو كونه عاملا له ووكيلا له ونايبا عنه. وقد مر ما يدل على تحريمها من تحريم معاونة الظالمين، والدليل عليه اكثر من أن يحصى (2). قوله: " وجوائزه المغصوبة... الخ " دليله ايضا ظاهر، وقد تقدم ما يكفي في ذلك (3). نعم الظاهر أنه يجوز قبول ما لم يعلم كونه حراما على كراهية، وان علم كونه حلالا فلا كراهة. ولا يبعد قبول قوله في ذلك خصوصا مع القرائن، بأن يقول: هذا من زراعتي أو من تجارتي، أو أنه اقترضت من فلان، وغير ذلك مما علم حلية ذلك من غير شبهة، وقول وكيله المأمون حين يعطي، وغير ذلك، والظاهر أن كونه زكاة كذلك، ولا ينبغي

(1) المصدر السابق، ابواب ما يكتسب به، الباب 85، الحديث 2. (2) راجع الوسائل الباب 41... 46 من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (51) من ابواب ما يكتسب به، فراجع.

[ 87 ]

[... ] رده لما مر. والظاهر أنه كذلك ساير الواجبات. وإذا كان مشتبها محتملا للأمرين، فالظاهر أنه مكروه (للشبهة خ) ويمكن استحباب إخراج خمسه، ومواساة الأخوان لتزول، كما تدل عليه الروايات و كلمات الأصحا ب. قال في المنتهى: ولا بأس بمعاملة الظالمين وإن كان مكروها - إلى قوله - وإنما قلنا أنه مكروه لاحتمال أن يكون ما أخذه ظلما، فكان الأولى التحرز (التحرى خ) عنه، دفعا للشبهة المحتملة. وقال ايضا: متى تمكن الأنسان من ترك معاملة الظالمين والأمتناع من جوائزهم كان الأولى ذلك، لما فيه من التنزه. وقال ايضا: ولو لم يعلم حراما جاز تناولها، وإن كان المجيز لها ظالما. وينبغي أن يخرج الخمس من جوايز الظالم ليطهر بذلك ماله، لأن الخمس يطهر المختلط بالحرام، فيطهر ما لم يعلم فيه الحرام (به خ) بالأولى، وينبغي أن يصل اخوانه من الباقي، وينتفع هو بالباقي. وأما الرواية فمثل رواية عمار عن أبي عبد الله عليه السلام (قال خ): سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: لا، إلا ان لا يقدر على شئ، ولا يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت " (1). ورواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة وقد ولي ولاية، قال: كيف صنيعه إلى إخوانه؟ قال: قلت: ليس عنده خير، قال فقال عليه السلام: اف! يدخلون فيما لا ينبغي لهم ولا يصنعون إلى

(1) الوسائل كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 48، الحديث 3.

[ 88 ]

[... ] إخوانهم خيرا؟! " (1). ولا شبهة في أن الاجتناب أولى، وهو واضح عقلا ونقلا، ولا يحتاج إلى البحث. وعلى تقدير الأخذ يدل على مواساة الأخوان ما مضى، ويكفي في ذلك ما تقدم في خبر الحسن بن الحسين الأنباري (2). إلا أنه قيخطر بالبال أنه قد يكون الأخذ والقبول وصرفه في المحاويج أولى. ويمكن الأولى منه جعله في المحاويج من المؤمنين باذن أهله من غير تصرف. ويمكن فهمه من الأخبار المتقدمة من الأهتمام بحال المؤمنين ومواساتهم بعد الأخذ، وأنه ليس بحرام، ويحصل به قضاء حوائج المؤمنين المحتاجين مثل سد خلتهم وقضاء ديونهم وتزويج أراملهم، بل يمكن أن يحصل الأذى للمعطي بالرد، فإذا كان مؤمنا يشكل الرد إلا أن يرد به عن عمله، أو أنه قد حصل له الاذى، يستأهل الأرتكاب ما ارتكب. ولكن يخطر بالبال أنه لو كان ذلك حسنا لكان القبول له حسنا مع أنه قد علم أولوية الاجتناب، وايضا كما يكره للآخذ كذا يكره لغيره، فكيف يجعله لهم. إلا أنه قد يقال: الأخذ لنفسه يكون مكروها، لا لغيره، وإلا يلزم كراهة قضاء حوائج الأخوان في مثل هذا الزمان لأن اكثر حوائجهم إلى الحكام، للجوائز، إما تبرعا أو اجرة حج ونحوه، وإن خلى ذلك من التحريم فقليلا ما يسلم من الشبهة، إلا ان يكونوا مضطرين ولا يعلموا به فيمكن حمل قبول الحسنين عليهما السلام ما أعطاهم معاوية - لعنه الله في

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 46، الحديث 10. (2) الوسائل الباب 48 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

[ 89 ]

[ (الخامس): ما يجب فعله، (ما يحرم الاجرة عليه - خ ل) كتغسيل الأموات ] الدنيا والآخرة - على العلم بأنه من المباح، بأن يكون من خاصة ماله لعنه الله، أو كونه مما لهم عليهم السلام، مثل كونه من فيئهم ومن غلة أراضيهم عليهم السلام من فدك وغيره، ولصرفهم في المحاويج، وإنه بعد الخمس والمواساة تزول الكراهة، أو أمرا بأخذه المحاويج ممن ينسب إليهما، أو على الضرورة. ويمكن أنهما اخذا اففعلا ذلك. هذا على تقدير خلو أفعالهم عليهم السلام عن المكروه، على أنه يجوز فعلهم ذلك، إلا أن المناسب مع وجود غرض، وقد يكون الغرض هنا إظهار إباحة أخذ مال الظالمين ما لم يعلم تحريمه، وغير ذلك. قوله: " الخامس ما يجب فعله الخ " الظاهر أنه لا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على فعل واجب على الأجير، سواء كان عينيا، أم كفائيا، فكأن الاجماع دليله. وايضا إنه لما استحق فعله لله لغير غرض اخر، يحرم عليه فعله لذلك الغرض ويحرم الأجر عليه. هذا ظاهر!. ولكن يرد عليه إشكال، وهو: أن اكثر الصناعات واجب كفائي على ما صرحوا، فيلزم عدم جواز الأجر، وكذا يحرم على الطبيب أخذ الأجر لوجوب الطبابة كفائيا كالفقه، بل يلزم عدم جواز أخذ الأجرة لعمله الذي يعمله لضرورة نفسه، أو دفعها عن غيره، أو لتحصيل النفقة الواجبة، وغير ذلك. فالتحقيق بحيث يستحق ببعضه الأجرة دون البعض يحتاج إلى التأمل والدليل. ويمكن أن يقال: بعضها خارج بنص أو إجماع، فكل ما دل عليه أحدهما يخرج، ويبقى الباقي تحت التحريم.

[ 90 ]

[ وتكفينهم ودفنهم، ] وأن يقال ايضا: فعل الواجب إذا لم يكن الاتيان به إلا على الوجه الذي يجب مثل أن لا يرتفع المرض إلا بعلاج الطبيب، ولا يحصل الستر إلا بأن يحوك الحائك وغير ذلك، لا يجوز له الأجر لوجوبه عليه، وإلا فلا، فإنه قد يكون هذا المرض يرتفع بنفسه بغير علاج، أو بعلاج آخر غير هذا العلاج الذي يفعله الطبيب، ويمكن الستر بغير ما يحوكه الحائك بأن يفعله بغير المحوك، وغير ذلك. وأما دفع الضرر، فوجوب الكسب بالأجرة به لدفعه، فلا معنى لعدم جواز اخذ الأجرة حينئذ لوجوبه، فتأمل. هذا! بخلاف العبادات التي يحرم أخذ الأجرة (الأجر خ) عليها مثل التغسيل، فإنه لا يمكن الخروج عن العهدة إلا بالغسل الذي أخذ اجرته. ويمكن التخصيص بالعبادات الواجبة التي لا يمكن ان تقع مقبولة عند الله إلا بالنية والإخلاص، ولا يخرج عن العهدة إلا بها، مثل الصلاة والغسل، ويشكل بالدفن والحمل وغير ذلك. إلا ان يقال: هنا ايضا ما خرج عن العهدة، لعدم حصول الثواب وذلك بعيد، مع أنه يجري في أكثر الواجبات، فتأمل. ونقل عن السيد المرتضى - ره - جواز الاجرة على مثل التكفين والدفن لأنه واجب على الولي، ولا يجوز لغيره إلا بأذنه. ومنع ذلك - بعد تسليم عدم الجواز إلا بإذن الولي بأن الواجب الكفائي لا يختص بالولي، وإنما فائدة الولاية توقف الفعل على إذنه - بعيد، لأنه ما يريد السيد من عدم الوجوب إلا عدم جواز الفعل فإنه إذا لم يكن جايزا فعله فلا يكون واجبا فيمكن الأجر. نعم، يمكن أن يقال: إنه إذا أذن الولي يجب عليه، فلا يستحق الأجرة، لما تقدم، فتأمل. والمشهور أنه يجوز أخذ الأجرة على الزايد على الواجب مثل زيادة الحفر على

[ 91 ]

[ وكذا أخذ الأجرة على الأذان والصلوة بالناس ] ما يستريحه ويحفظه عن السباع، بمقدار الترقوة، وعلى المندوبات، كنقله إلى المشاهد المشرفة، (الشريفة خ) وعلى تثليث الغسلات، قيل: وكتكفينه بالمستحب ايضا وقطع الأكفان، ايضا ووضوءه (1) على القول باستحبابه، وغسل فرجه بالحرض، وغسل يديه، لعموم أدلة جواز الأجرة على مطلق الأعمال، والأصل من غير وجود مانع. وقيل: بالمنع، ووجهه غير ظاهر، لعله: انه عبادة، وهي تنافي الأجرة، ومنعه ظاهر: ألا ترى جواز (2) الاجرة على الحج وساير العبادات بالاجماع والأدلة؟. قيل: لاطلاق النهي، وما رأيت النهي، ولكن يؤيده عدم جواز أخذ الأجرة على بعض المندوبات مثل الأذان. والأحوط: الترك. قوله: " وكذا اخذ الاجرة الخ " تحريم أخذ الأجرة على الأذان هو المشهور، ودليله خبر زيد بن علي عن ابيه عن آبائه عن علي عليه السلام: " أنه أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لأحبك لله، فقال له: ولكني أبغضك لله، قال: ولم؟ قال: لانك تبغي في (على خ) الأذان، وتأخذ على تعليم القرآن أجرا " (3) (أجرا). تنازع فيه. (تبغي): (تأخذ). والشهرة ليست بحجة، والخبر ليس بصحيح لكون عمرو بن خالد بتريا (4)،

(1) في بعض النسخ (وقطع الاكفان وايضا وضوئه). (2) في بعض النسخ (جواز اخذ الاجرة). (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (30) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1). (4) قال الكشي (في الرقم 422 من اختيار معرفة الرجال): والبترية اصحاب كثير النوا والحسن بن صالح بن حي وسالم بن ابي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وابي المقدام ثابت الحداد. وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام ثم خلطوها بولاية ابي بكر وعمر ويثبتون لهما امامتهما، وينتقصون على عثمان وطلحة والزبير. ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن ابي طالب، يذهبون في ذلك إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثبتون لكل من خرج من ولد علي عليه السلام عند خروجه، الامامة. رجال الكشي ص 152 طبع بمبئى.

[ 92 ]

[... ] ولمجهولية الحسين بن علوان (1). ويحتمل الكراهة، ولهذا قيل بكراهة الأجرة على تعليم القرآن مع وجودها فيه، ويبعد كون احدهما مكروها، والآخر حراما. والأصل، وجواز أخذ الأجرة في المندوبات يؤيد عدم التحريم، كما هو مذهب السيد السند حيث جعل التسوية بينه وبين الارتزاق. ثم إن الظاهر عدم الخلاف في جواز اخذ الرزق من بيت المال وما أعد للمصالح من الخراج والمقاسمة، لكن بأذن الامام عليه السلام أو نائبه. والظاهر ايضا جواز اخذ ما وقف أو نذر للمؤذنين، أو جعل لهم تبرعا، لأن للمالك أن يفعل في ماله ما يشاء، ويعين له جهة فيتعين ويحل. والظاهر أنه لا يحرم اخذ ذلك وإن قصد بالاذان ذلك، والفرق بينه وبين الأجرة ظاهر. والظاهر أن الفرق بينه وبين الرزق أن الرزق يؤخذ للاحتياج، كما يأخذه ساير الناس، فإنه لو لم يؤذن - ايضا - لكان يأخذ من بيت المال رزقه وما يحتاج إليه بخلاف الأ جرة. قيل: إن الفرق بينهما أن الاجرة تفتقر إلى تقدير العمل والعوض وضبط المدة والصيغة الخاصة بخلاف الارتزاق فإنه منوط بنظر الحاكم، ولا يتقدر بتقدير، ومحله بيت المال، وما اعد للمصالح من خراج الأرض ومقاسمتها. هذا يشعر بأن كلما لم يشتمل على القيود المذكورة في الأجرة لا يكون حراما، ويكون ارتزاقا، وأنها لا تكون عن بيت المال.

(1) سند الحديث كما في التهذيب هكذا (محمد بن الحسن الصفار عن عبد الله بن المنبه عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي).

[ 93 ]

[ والقضاء ] وفيه تأمل: لأن الظاهر أن المراد من الأجر هاهنا ما يؤخذ من غير ما ذكرناه لفعله الأذان، بحيث لو لم يكن، لم يفعل، بأن قيل له: نعطيك كذا وكذا لتؤذن، وهو يؤذن لذلك، سواء عين المدة والأجرة بحيث لا يقبل الزيادة والنقيصة اصلا، ام لا، وسواء وقع الصيغة المخصوصة العربية ام لا، وسواء كان من بيت المال أو غيره، ومن شخص معين أو قرية أو بلد ام لا. لأن الظاهر أنه يسمى ذلك اجرا حينئذ فيشمله دليله. ولأن المتبادر من الأجر في امثال هذا المقام ذلك. ولان الظاهر أن الحكم هنا لا يتغير بالصيغة والتعيين وعدمهما، بل بالشرط والقصد مع عدم تعينه في نفس الأمر للمؤذنين، وعدم حصوله إلا بالأذان، وعدمهما (1)، فتأمل. وكذا البحث في الصلاة مع الناس، مع عدم ورود نص هنا على ما رايت. وأما الأجر على القضاء والحكم بين المتحاكمين فالظاهر تحريمه مطلقا، سواء كان القضاء متعينا عليه ام لا، وسواء كان بين المتحاكمين أم لا، للاخبار الدالة (2) على أنه رشوة وهي كفر بالله، ولانه واجب، إما كفائيا أو عينيا، ولا أجرة على الواجب، لثبوت استحقاق العمل لأمر الشارع كما مر. وقيل: بالجواز على تقدير الاحتياج، وقيل: مطلقا، وقيل: بعدمه على تقدير تعيين القضاء عليه إما بتعيين الأمام عليه السلام ام لعدم غيره، والأول أظهر، كما هو رأي المصنف.

(1) وعدمها خ. (2) راجع الوسائل ج 12، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 5. والجزء 18، كتاب القضاء، ابواب آداب القاضي، الباب 8.

[ 94 ]

[ ولا بأس بالرزق من بيت المال على الأذان والقضاء مع الحاجة وعدم التعيين. والاجرة على عقد النكاح والرزق من بيت المال للقاسم ] ولا شك في جواز الأرتزاق من بيت المال على الكل، مع الحاجة التي هي شرط الأخذ من بيت المال الذي هو للمصالح. والظاهر أن المراد بالحاجة هي المتعارفة وعلى حسب العادة، لا الضرورة التي لا يعيش بدونها. والظاهر أن ذلك هو مراد المصنف، فلو زاد الصلاة بالناس بعد الأذان لكان اولى (1). والظاهر أن قوله: " مع الحاجة " قيد للاذان ايضا، فتأمل. قوله: " والأجرة.. الخ " عطف على الرزق، أي: لا بأس بالاجرة على عقد النكاح، قيل: المراد ايقاع العقد بالصيغة المعتبرة بطريق التوكيل من الجانبين لا إلقاء الصيغة وتعليمها فإنه واجب لا يجوز أخذ الأجرة عليه. ولا بأس به. قوله: " والرزق... الخ " مفهومه تحريم الأجرة، ومنطوقه جواز الأرتزاق (2) من بيت المال للقاسم الذي عينه الحاكم لقسمة المواريث وغيرها، وكاتب القاضي والمترجم له، وصاحب ديوان القضاء، والعسكر، والكيال والوزان للناس، والذي يعلم القرآن والعلوم الأدبيه العربية لاطفال المسلمين، لأن كل ذلك من مصالح المسلمين وواجب كفاية على الناس أو عينا، فلا يجوز الأجر، ويجوز الأرتزاق.

(1) يعني لو قال المصنف قدس سره: ولا بأس بالرزق من بيت المال على الاذان والصلاة بالناس والقضاء مع الحاجة، الخ لكان اولى. (2) يعني ان الحكم بجواز الارتزاق منطوقا، يفهم منه عدم جواز اخذ الاجرة مفهوما.

[ 95 ]

[ وكاتب القاضي، والمترجم، وصاحب الديوان، ومن يكيل للناس ويزن ويعلم (وتعليم خ ل) القرآن والأدب. وبيع كلب الحايط والماشية والزرع والصيد واجارتها. ] وفي الوجوب وتحريم الأجرة تأمل، خصوصا في تعليم العلوم الأدبية، إلا أن يكون مما يتوقف عليه الواجب مثل الاجتهاد ونحوه، وقد مضى البحث في تعليم القرآن. والظاهر أن الكيل والوزن ايضا واجب على البايع، وشرط لصحة البيع، فالوجوب على غيره غير معلوم، والأصل يقتضي العدم وجواز الأجرة كما هو المتعارف بين المسلمين. ويمكن ان يقال: بعدم فهم التحريم، (1) فانه مفهوم بعيد لا يعتبر، نعم يدل على جواز الأرتزاق لهم من بيت المال، وذلك غير بعيد، لان كل ذلك من المصالح العامة للمسلمين، وإن كان البايع يقدر عليهما (2). قوله: " وبيع كلب الحائط الخ " عطف على الرزق، أي: لا بأس ببيع كلب الحايط الذي يحفظ البساتين، والكلب الذي يحفظ الماشية - مثل الغنم - من الذئب، والكلب الذي يحفظ الزرع من السراق والخنازير، وكلب الصيد، وبالجملة: لا بأس ببيع جميع الكلاب التي لها نفع مقصود محلل. وكذا لا بأس بإجارتها لأنها عين لها نفع محلل مقصود فيجوز بيعها واجارتها كساير المباحات، وللأصل، ولأنه لا خلاف عندنا في جواز بيع كلاب الصيد، ولانه قد استثني في الخبر (3) وكذا غيرها للاشتراك في النفع،. وما ورد من النهي فمحمول على كلاب لا نفع فيها والكلب العقور، مثل

(1) المذكور آنفا. (2) اي على الكيل والوزن. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (14) من ابواب ما يكتسب به، فراجع.

[ 96 ]

[ والولاية من قبل العادل، ومن الجاير مع علمه بالقيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بدونه مع الاكراه. ] ما تقدم: " السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب " (1). ورواية مسمع بن عبد الملك قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن ثمن الكلب الذي لا يصيد؟ فقال: سحت، وأما الصيود فلا بأس " (2). وتأول بأن يراد ما يصيد ونحوه مما له نفع (3)، وهو بعيد، إلا أن الأصل دليل قوي، وخبر المنع غير صحيح، ولعل في الأخبار إشارة إلى جواز بيع الكلاب الأربعة. قوله: " والولاية من قبل العادل الخ " أي: لا بأس بقبول الولاية من قبل الأمام عليه السلام، وذلك ظاهر، وقد يكون واجبا إذا أمر عليه السلام به، أو يكون منحصرا في ذلك الشخص. وقيل يستحب الطلب، وبيان أنه يصلح لذلك الأمر عنده عليه السلام. وأما من قبل الجاير فمع العلم - ويحتمل مع الظن القوي ايضا - بالاحكام وبالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباجتناب المعاصي بأسرها، فلاشك في أنه لا بأس به، بل هو واجب كفاية، ومستحب عينا مع وجود غيره وبدون أمره عليه السلام بخصوصه، ومع عدم الغير أو تعيين الأمام واجب عينا، وإلا فلا يجوز بالأجماع والأخبار (4)، بل بالكتاب والعقل ايضا، إلا مع الاكراه. فيجوز بل قد يجب قبولها للتقية لما مر، ويفعل ما يامره ويلجئه إليه، ويراعي

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (5) من ابواب ما يكتسب به، قطعة من حديث (5). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (14) من ابواب ما يكتسب به الحديث (1). (3) يعني ان الصيود الذي ورد في الحديث كناية عن مطلق الكلب الذي له نفع، فيشمل غير كلب الصيد من الكلاب الاربعة. (4) لاحظ الوسائل ج 12 كتاب التجارة، اللباب (45) من ابواب ما يكتسب به.

[ 97 ]

[ وما يأخذه السلطان الجائر باسم المقاسمة من الغلات، والخراج عن الأرض، والزكاة من الأنعام، وإن علم المالك ] مهما أمكن الحق وعدم التجاوز عن الشريعة الحقة، وإن ألجأه إلي الحكم بغيرها يفعله ويحكم ويأخذ في جميع الأمور، إلا القتل، فإنه لا تقية في الدماء وقد مر (1) دليل المنع والجواز، وهو العقل والنقل من الاجماع والكتاب والسنة، ويجب الاحتياط في ارتكاب الأسهل، فلا يحكم لمجرد حفظ مال قليل وضرر يسير على أموال المسلمين وفروجهم، واعراضهم، وضربهم وشتمهم، بل يراعي فيه الأسهل فالأسهل، والله المعين. قوله: " وما يأخذه السلطان الجائر الخ " أي: لا بأس بذلك كله. إعلم أن الخراج والمقاسمة هما المقدار المعين من المال بمنزلة الأجرة في الأرض الخراجية - أي المعمورة المفتوحة عنوة باذن النبي أو الأمام على المشهور - أو المأخوذة بالصلح، بأن تكون الارض للمسلمين ولهم السكنى، وهي لمصالح المسلمين والامر فيها إليهم صلوات الله عليهم. والمقاسمة: الحصة المعينة من حاصل تلك الأرض مثل العشر، والخراج: المال المضروب عليها غالبا، فلا يضر إطلاق الخراج على المقاسمة، كما ورد في بعض الروايات (2) والعبارات. والأمر في ذلك هين، فإن المقصود ظاهر، لأن المراد منهما ومن الطسق والقبالة واحد، وهو ما يؤخذ من الأرض المذكورة بمنزلة الأجرة. وإنما الأشكال في الأباحة وعدمها حال الغيبة، إذ حين الحضور الأمر واضح والآمر (3) ظاهر فإنه معصوم يفعل ما يريد.

(1) عند شرح قول المصنف (ومعونة الظالين بالحرام). (2) لاحظ الوسائل ج 13 كتاب المزارعة والمساقات، ابواب (17 و 18 و 19). (3) في بعض النسخ الخطية (والآمر طاهر) بالطاء المهملة (معصوم يفعل ما يريد).

[ 98 ]

[... ] وكذا في تحقيق الأرض التي يؤخذ منها ذلك حينئذ، إذ لم يعلم تحقق المفتوحة عنوة بعده صلى الله عليه وآله على التحقيق، وإن علم، ما يعلم المعمورة في ذلك الزمان، وإن علم، لم يعلم كون الفتح باذنهم صلوات الله عليهم. نعم ادعي في أكثر الأراضي ذلك، خصوصا في أرض العراق، فإن في الرواية الصحيحة ما يدل على كونها مفتوحة وأنها للمسلمين ولا يجوز شراؤها. مثل صحيحة الحلبي، قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الأسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد، فقلنا: الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلا أن يشترى منهم على أن يصيرها للمسلمين " (1) الحديث. ويدل عليه ايضا صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن سيرة الامام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " إن أمير المؤمنين عليه السلام قد سار في اهل العراق سيرة فهي إمام لسائر الارضين، وقال: إن أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية، وإنما الجزية عطاء المهاجرين " (2) الحديث. ودلالتها على ثبوت المفتوحة عنوة غير العراق بحيث يكون بإذن الامام عليه السلام غير ظاهر، فتأمل. فمنع الشيخ من ذلك - كما يفهم مما نقل من المبسوط، لاشتراط الفتح بإذن الامام للرواية (3) الدالة على أن غير المأذون من المفتوحة عنوة فئ للامام وليس فئ للمسلمين - بعيد، لصحة هذه الروايات وضعف تلك وإن كانت موافقة للشهرة،

(1) الوسائل ج (17) ابواب احياء الموات، الباب (18) الحديث (1). (2) الوسائل - كتاب الجهاد - ابواب جهاد العدو - الباب 69 - الحديث 2. (3) الوسائل ج 6 كتاب الخمس، الباب (1) من ابواب الانفال الحديث (16).

[ 99 ]

[... ] ولاحتمال حصول الأذن كما نقل من استيذان عمر أمير المؤمنين عليه السلام في فتح العراق. وبالجملة: الظاهر كون العراق مفتوحة، ولكن تعيين ارض منها بأنها كانت معمورة في ذلك الزمان محل التأمل. وأما حليتهما - كما هو ظاهر اكثر العبارات، لكل أحد، مستحقا لذلك كالمصالح ام لا، قليلا كان أو كثيرا بشرط عدم التجاوز عن العادة التي تقتضي كونهما اجرة باذن الجاير مطلقا، سواء كان مخالفا أو موافقا، قبضهما ام لا، وعدمها بدون اذنه مع كونه جايرا وظالما في الأخذ والأذن، وعدم إباحتهما مع وجوب الدفع إليه وإلى من يأمره وعدم جواز كتمان الرعية والسرقة منهما بوجه من الوجوه، مع كونهما اجرة للارض، ومنوطة برأي الأمام وبرضى الرعية للأصل كما هو في الأجارات. فهي بعيدة جدا. يدل على العدم: العقل والنقل والأصل، ولا دليل عليها، مع الأشكال في تحققها وثبوتها في نفسها، ثم العلم بها، ثم ثبوتها بالنقل وحجيته، وما ادعي ولا نقل ايضا الأجماع صريحا. بل قيل: إنه اتفاق، ونقل عبارات البعض في الرسالة المدونة لهذه المسألة بخصوصها مع كثرة الأهتمام بتحقيقها واثبات الأباحة فيها، ثم قال: " فهو اجماع ". وفيه ما فيه، لعدم ثبوت الاجماع بعبارات البعض، مع خلو البعض عنه، ولهذا ترى بعض العبارات خالية عن هذه. وقد ذكر اباحة الشراء فقط مثل عبارة نهاية الشيخ على ما نقل في هذه الرسالة ويظهر من شرح الشرايع أيضا دعوى الأجماع في الجملة، فالسماع منهما مشكل.

[ 100 ]

[... ] وقد ادعى فيهما دلالة الأخبار المتظافرة عليه، وما عرفتها، وما فهمتها من خبر واحد، وكأنه لذلك ما ادعى في المنتهى، بل استدل على ذلك بالضرورة ودفع الحرج، واثبات مثله بمثله بعيد، كما ترى. ومما استدل عليه في الرسالة المنفردة من الأخبار صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: " قال لي أبو الحسن موسى عليه السلام: مالك لا تدخل مع علي في شراء الطعام، إني أظنك ضيقا؟ قال قلت: نعم، فإن شئت وسعت علي، قال: اشتره " (1). وما فهمت منها الدلالة على حل الخراج والمقاسمة، بشئ من الدلالات عقلية وعرفية بوجه من الوجوه، ولا على شرائهما، إلا أن يعلم أن الطعام الذي جوز شراءه، كان من الخراج. وكذا دلالتها على جواز شراء ما اخذه الظالم باسم الزكاة، وكانه لذلك ما ذكرها العلامة في المنتهى دليلا عليهما. وصحيحة جميل بن صالح قال: " أرادوا بيع تمر " عين أبي زياد " فأردت أن اشتريه، ثم قلت: حتى استأذن أبا عبد الله عليه السلام، فأمرت (فاردت خ ل يب) مصادفا فسأله فقال: قل له: فليشتريه، فإن لم يشتره اشتراه غيره " (2). وهذه في الدلالة وعدمها كالأولى. واستدل المصنف في المنتهى بها على جواز بيع المقاسمة والزكاة. وقال ع ل (3) في الرسالة المنفردة احتج بذلك في المنتهى على حلها، فتأمل.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 52، الحديث 1. (2) المصدر نفسه والموضع نفسه الباب 53، الحديث 1. (3) اي الشيخ علي بن عبد العالي الشهير بالمحقق الكركي في رسالة قاطعة اللجاج في حل الخراج.

[ 101 ]

[... ] وفي الصحة ايضا تأمل، لأن الظاهر أن مصادفا نقل إلى جميل قوله: " قل له فليشتريه... الخ " ومصادف ضعيف ذكروه في محله. ويمكن ان يكون المعنى: جواز شراء مال الظلمة مع عدم العلم بالغصب بعينه، كما يدل عليه الأصل والأخبار الكثيرة الدالة على جواز اخذ جوائزهم، مع كراهة، لكن تزول عند الضيق. ويحتمل قوله " فإن لم يشتره... الخ " أن اجتناب ذلك للتنزه لا ينفع، لانه إن لم تشتر أنت يشتريه غيرك، وانت مختلط معه، وتأكل مما يأكل، أو أنه لا يرد به الظالم عن ظلمه كما قيل. وصحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من ابل الصدقة وغنمها (وغنم الصدقة ئل)، وهو يعلم أنهم يأخذون منهم اكثر من الحق الذي يجب عليهم، قال: فقال: ما الأبل والغنم إلا مثل الحنطة والشعير وغير ذلك، لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له: فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ (منا - ئل) صدقات اغنامنا فنقول: بعناها، فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ قال: ان كان اخذها وعزلها فلا بأس، قيل له: فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه فيعزله بكيل فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ يقال: ان كان ما قبضه بكيل وانتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل (من غير ئل) " (1). ولا دلالة فيها ايضا على إباحة المقاسمة بوجه من الوجوه ويمكن ان لها دلالة على جواز شراء الزكاة ولهذا جعلها في المنتهى دليلا عليه فقط، وفي الدلالة عليه ايضا تأمل، إذ لا دلالة في قوله: " لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه إلا على أنه

(1) الوسائل، التجارة، ابواب ما يكتسب به، الباب 52، الحديث 5.

[ 102 ]

[... ] يجوز شراء ما كان حلالا، بل مشتبها ايضا، ولا يجوز شراء ما هو معروف أنه حرام، ولا يدل على جواز شراء الزكاة بعينها صريحا، نعم ظاهرها ذلك، ولكن لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته للعقل والنقل (1). ويحتمل أن يكون سبب الأجمال التقية. ويؤيد عدم الحمل على الظاهر أنه غير مراد بالاتفاق إذ ليس بحلال ما اخذه الجائر فتأمل. وأما قوله: " فما ترى مصدق... الخ " فإن ظاهره يدل على جواز الشراء، ولكن ليس بمعلوم كون المصدق - أي الذي يقبل الصدقة - من قبل الجائر الظالم، فيحمل على كونه من قبل العدل بما تقدم، على أنه قد يكون المراد بجوازه حيث كان المبيع مال المشتري، فإنه قال: " يأخذ صدقات اغنامنا " ولم يصر متعينا للزكاة لاخذه ظلما، فيكون الشراء استنقاذا لا شراء حقيقيا، ويكون الغرض من قوله: " ان كان... الخ " بيان شرط الشراء وهو التعيين، ويعلم منه الكلام في قوله: " فما ترى في الحنطة... الخ " فتأمل. ويمكن عدم الصحة ايضا لاحتمال ان يكون أبو عبيدة غير الحذاء المشهور. وبالجملة: ليست هذه مما يصلح أن يستدل بها على المطلوب، بل على شراء الزكاة ايضا، لما عرفت من أنها مخالفة للعقل والنقل، مع عدم الصراحة واحتمال التقية. وعلى تقدير دلالتها على جواز الشراء من الزكاة فلا يمكن ان يقاس عليه جواز

(1) في هامش النسختين من النسخ المخطوطة ما هذا لفظه (فانهما يمنعان من شراء الزكاة التي هي للمستحقين من الذي اخذها باسمها ظلما ولم يصر زكاة أو صار زكاة، برءت ذمة المالك ام لا كما هو رأي المصنف في التحرير والشهيد في البيان وكذا المقاسمة فان الشراء الحقيقي انما يتحقق من المالك أو وكيله أو وليه وليس الظالم الجائر احدهم، وهو ظاهر (منه رحمه الله).

[ 103 ]

[... ] الشراء من المقاسمة. وعلى تقديره ايضا لا يمكن ان يقاس عليه جواز قبول هبتها وساير التصرفات فيها مطلقا كما هو المدعى، إذ قد يكون ذلك مخصوصا بالشراء بعد القبض بسبب ما نعرفه، كساير الأحكام الشرعية الا ترى أن اخذ الزكاة لا يجوز منهم مطلقا، ويجوز شراؤها عندهم (1). ويؤيده أنه لما وصل العوض إلى السلطان الجاير بكون في ذمته عوض مال بيت المال بخلاف ما لم يكن له عوض، فإنه يصير كالتضييع، فتأمل. ومما نقل ايضا من الأخبار رواية أبي بكر الحضرمي قال: دخلت على ابي عبد الله عليه السلام وعنده اسماعيل ابنه فقال: ما يمنع ابن ابي سماك ان يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس ويعطيهم ما يعطي الناس؟ قال: ثم قال لي: لم تركت عطاءك، قال: قلت: مخافة على ديني، قال: ما منع ابن ابي سماك أن يبعث اليك بعطاءك؟ أما علم أن لك في بيت المال نصيبا؟ (2). وهذه مع أنهم ما سموها بالصحة كأنه لعدم ظهور توثيق أبي بكر الحضرمي، وان نقل في رجال ابن داود عن الكشي توثيقه في باب الكنى، ولكن الظاهر انه غير ثابت، لعدم عادة الكشي ذلك، ولهذا ما نقله غيره ولا هو عند ذكر اسمه، وهو عبد الله بن محمد. على انا نرى في كتابه خلطا كثيرا - لعله من غلط الكتاب - ليس (3) فيها دلالة اصلا الا على الذم على عدم اعطاء مال من بيت المال الذي للمصالح للمستحقين من الشيعة عند اعطائه لغيرهم، اين هذا من الدلالة على جواز

(1) اي الاصحاب. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 51 من ابواب ما يكتسب به، الحديث (6). (3) خبر لقوله قده وهذه الخ.

[ 104 ]

[... ] اخذ المقاسمة من الجائر على العموم الذي تقدم. والعجب انه قال في الرسالة المنفردة (1): هذا نص في الباب، لانه عليه السلام بين ان لا خوف للسائل على دينه ان لم ياخذ الا حقه من بيت المال وقد ثبت في الاصول تعدي الحكم بتعدي العلة المنصوصة. وانا ما فهمت منها دلالة ما، كيف وغاية دلالتها ما ذكر، وذلك قد يكون من بيت مال يجوز اخذه واعطاءه للمستحقين مثل ان يكون منذورا أو وصية لهم بان يعطيه ابن ابي سماك أو غير ذلك ولا يقاس عليه الخراج الذي اخذه الظالم باسم الخراج ظلما، لانه ما علم صيرورته خراجا بحيث يجوز لكل احد الاخذ منه باسمه لا بدونه كما هو المدعى. نعم لو صار المأخوذ خراجا يجوز للمتولي اعطاء المستحق نصيبه الذي فيه ان علم العلة وجواز حصته من المال المشترك لبعض الشركاء، كل ذلك غير ظاهر فيما نحن فيه (2). وبالجملة لم اقدر ان اثبت بمثل هذه الرواية، الامر الذي دل العقل والنقل من الكتاب والسنة على تحريمه وبالقياس الذي فيه ما فيه وان كانت علته منصوصة (3)، والتعدي إلى الاعم مما في الاصل، فانهم يجوزون الاخذ مطلقا كما فهمت. وهو بعيد جدا، فانهم قد يمنعون الوصي الذي لا يكون عدلا عن اعطاء فقير

(1) عبارة المحقق كما في الرسالة ص (181) هكذا (قلت: هذا نص في الباب فانه عليه السلام بين للسائل حيث قال: انه ترك اخذ العطاء للخوف على دينه - بانه لا خوف عليه فانه انما ياخذ حقه حيث انه يستحق في بيت المال نصيبا، وقد تقرر في الاصول تعدي الحكم بالعلة المنصوصة). (2) وفي بعض النسخ المخطوطة بعد قوله (فيما نحن فيه) ما هذا لفظه (بل ما فهم منع السائل عن ذلك القول، بل قد يفهم تقريره على ذلك). (3) لعله اشارة إلى قوله عليه السلام في رواية ابن ابي سماك (اما علم ان لك في بيت المال نصيبا).

[ 105 ]

[... ] مالا موصى به للفقراء، بل الموصى به لمعين ويضمنونه، فكيف يجوزون اخذ مال - يثبت اجرة للارض التي هي ملك للمسلمين بنظر الامام عليه السلام ورضا المستاجر مع اشتراك المسلمين قاطبة فيها - لواحد معين منهم مطلقا لا القدر الضروري ويشترطون فيها اذن الظالم الجائر الذي لا دخل له في هذه الارض ولا في اجرتها بوجه من الوجوه مع كون تصرفه فيها حراما، وكيف يتعين كون هذا المال اجرة ويتعين لهذا المسلم الخاص مثله بتعيين مثله مهما اراد. هذا مع ثبوت كون الارض المعينة مفتوحة عنوة مع الشرط المتقدم. والحاصل انه يشكل بنظري اثبات مثل هذا الحكم بخبر غير صحيح صريح وبقياس يكون هو اصله مع ما فيه وجعل ذلك نصا في الباب. ورواية ابي المعزا قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده فقال: أصلحك الله أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم، آخذها؟ قال: نعم، قلت: وأحج بها؟ قال: نعم (1) قال في الرسالة: ومثل هذا من عدة طرق، وقال: انها صحيحة. والظاهر انها صحيحة ولكن لا دلالة فيها اصلا على المطلوب، نعم فيها دلالة على جواز اخذ جوائز الجائر، ولا شك في ذلك مع عدم العلم بالتحريم، مع الكراهة، وقد تقدم ما يدل عليه. ويدل عليه اخبار كثيرة. وصحيحة ابي ولاد أو حسنة وغيرها (3). وكانه مراده بقوله: ومثل هذا في عدة طرق. ورواية اسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يشتري من العامل وهو

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (51) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2). (2) لاحظ الوسائل، كتاب التجارة، الباب (51) من ابواب ما يكتسب به. (3) الوسائل كتاب التجارة، الباب (51) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (1).

[ 106 ]

[... ] يظلم؟ قال: يشتري منه ما لم يعلم انه ظلم فيه احد (1) قال في الرسالة: وهذا الحديث نقلته من المنتهى وظني انه نقله من التهذيب، وهي مذكورة في باب الغرر والمجازفة من التهذيب (3). ولا دلالة لها اصلا الا على شراء شئ لا يكون ظلم فيه احدا، فالاستدلال بها على المطلوب بعيد. وكانه يرى دلالتها قوية، حيث نقلها مع عدم تحقق كونها في الاصل اكتفاء بنقل العلامة، مع انه اصرح منه في هذا المطلوب وأصح موجود، وهو ظاهر لمن نظر فيه، مع ضعف الطريق والاضمار، لانه قال فيه: احمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن ابان، عن اسحاق. واحمد مشترك، وان سلم انه احمد بن محمد بن عيسى الثقة، والحسن بن علي بن فضال قيل: فطحي، وكذا اسحاق، وابان مشترك، والظاهر انه ابن عثمان، قيل: هو ايضا فطحي (4). تم ذكر ايضا رواية الحسين بن ابي العلا عن ابي عبد الله عليه السلام عن ابيه ان الحسن والحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية (5). وعدم الدلالة على المطلوب غير خفي، بل انما تدل على جواز اخذ جوائز الظالم في الجملة، وقد تكلمنا في دلالتها على ذلك ايضا فيما تقدم، فتذكر.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (53) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2). (2) التهذيب، ج 7 باب الغرر والمجازفة وشراء السرقة وما يجوز من ذلك وما لا يجوز، ص (131) الحديث (48). (3) تعليل لقوله قده: مع ضعف الخ. (4) في هامش بعض النسخ المخطوطة ما هذا لفظه: (وظني ان الحسن واسحاق وابان بن عثمان كلهم يقبل قولهم لا باس في الجملة (بخطه ره). (5) الوسائل كتاب التجارة الباب 51 من ابواب ما يكتسب به الحديث (4).

[ 107 ]

[... ] ويدل على عدم الجواز انه لا نص في جواز التصرف مطلقا فيما يأخذه الجائر باسم المقاسمة، بل في صحيحة العيص دلالة على عدمه، كما سيجي في آخر البحث، ولهذا ما استدل عليه في المنتهى بل ما جعله مسألة على حدة، بل ذكر جوازه في مسألة جواز بيعها، واستدل عليه بالضرورة والحرج. فان تم الضرورة فلا يتعدى، فلا ينبغى جوازه مطلقا، فكلامه يشعر بعدم الجواز الا معها، ونقل (1) عن السيد عميد الدين في شرحه للنافع انه انما يحل ذلك بعد قبض السلطان أو نائبه، ولهذا قال المصنف: ما ياخذه الخ. وفي شرح الشرايع رجح جواز الاخذ إذا كان الجائر مخالفا، واحتمل الجواز مطلقا، فيعلم ان لا اجماع بل كل من ترجح عنده شئ يفتي به، ويؤيده ان الهبة فرع الملك والقبض، فكيف تقع بدونهما. والحاصل ان جواز اخذ ما ليس لاحد فيه التصرف إلا للامام عليه السلام من الجائر مع عدم جوازه له بعيد جدا يحتاج إلى التأمل. واما جواز شراء ما اخذه الجائر باسم الزكاة، فظاهر الاخبار ذلك، وتقدم ادلتها مع البحث فيها، وهذا هو المفهوم من كلام الاكثر. وهو غير بعيد عن الرواية، ولكن ما تقدم ينفيه، فالقول به ايضا لا يخلو عن اشكال، الا ان يكون مجمعا عليه، بحيث لا يمكن البحث فيه والا فللبحث فيه مجال. وبعد القول بالجواز يمكن جواز اخذ الزكاة للفقراء والمستحقين منه، لا غير، وان الظاهر أنه يبرء ذمة المالك. وتوجيهه انه لا ينبغي من الشارع ان يجوز الاخذ للفقراء مما يأخذه السلطان

(1) في الرسالة الخراجية للشارح قدس سره ما لفظه (ونقل الشيخ ابراهيم القطيفي رحمه الله في النقض: ان السيد عميد الدين عبد الحميد قال في شرحه للنافع: وانما يحل بعد قبض السلطان أو نائبه، ولهذا قال المصنف: ما يأخذه باسم المقاسمة، فتقييده بالاخذ الخ).

[ 108 ]

[... ] باسم الزكاة وتصرف الناس فيه، مع بقائه على ملك المالك مع عدم جواز اخذه، أو مع عدم بقائه عليه، مع عدم الاجزاء عن الزكاة، فلعل الزكاة امر موجود عند المالك وغصبه الجائر منه من غير تفريط، فلا ضمان عليه، وبرء ذمته منها، ولعل النية هنا مغتفرة، أو انه له ان ينوي حينئذ. هذا، مع انه قد عرفت ما في النية، فيمكن ان يكفي اعطاءها باسم الزكاة، واخذ ذي الشوكة لشبهة جعل نفسه وكيلا للمستحقين، كامام الاصل، فتأمل. ويؤيده الاخبار مثل ما رواه سليمان بن خالد في الصحيح قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ان اصحاب ابي اتوه فسألوه عما يأخذه السلطان؟ فرق لهم، وانه ليعلم ان الزكاة لا تحل الا لاهلها فأمرهم ان يحتسبوا به، فجاز ذا (فجال فكري - كا) والله لهم، فقلت (له - كا): اي أبه انهم ان سمعوا اذن لم يزك احد؟ فقال: اي بني حق احب الله ان يظهره (1) ولا يضر القول في سليمان لما مر. ولصحيحة عيص بن القاسم عن ابي عبد الله عليه السلام في الزكاة؟ فقال: ما اخذ منكم بنوا امية فاحتسبوا به، ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فان المال لا يبقى على هذا ان تزكيه مرتين (2). وهذه كالصريحة في عدم جواز اعطاء الخراج والمقاسمة والزكاة إلى السلطان الجائر، فلا يجوز الاخذ منهم ولا باذنهم. وصحيحة الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن صدقة المال يأخذها السلطان؟ فقال: لا آمرك ان تعيد (3). وصحيحة يعقوب بن شعيب ققال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن العشور

(1) الوسائل كتاب الزكاة، الباب (20) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (4). (2) الوسائل، كتاب الزكاة الباب (20) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (3). (3) الوسائل، كتاب الزكاة، الباب (20) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (5).

[ 109 ]

[... ] التي تؤخذ من الرجل، أيحتسب هذه (بها - كا) من زكاته؟ قال: نعم (1). ولا تنافيها رواية ابي اسامة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ان هؤلاء المصدقين يأتونا فيأخذون منا الصدقة فنعطيهم اياها، أتجزي عنا؟ فقال: لا انما هؤلاء قوم غصبوكم، أو قال: ظلموكم اموالكم، وانما الصدقة لاهلها (2). لاحتمال حملها على الكراهة كما قاله الشيخ في التهذيب (3). وحملها ايضا على عدم الاجزاء عن الزايد عما اخذ. ويمكن حملها ايضا على تقدير امكان عدم الاعطاء بوجه، فيعطي فتجب الاعادة حينئذ. ويؤيد التأويل عدم صحة هذه ووحدتها، بخلاف الاول، والتعليل فيها وما مر. ولعلك فهمت من هذه الاخبار عدم وجوب اعطاء الزكاة للسلطان الجائر، بل عدم جواز اعطائها اياه مهما امكن. فقول شارح الشرايع بالوجوب - حيث قال: والاقوى عدم الاجتزاء بذلك (4)، بل غايته سقوط الزكاة عما يأخذه إذا لم يفرط فيه، ووجوب دفعه إليه اعم من كونه على وجه الزكاة، أو المضي معهم في احكامهم - محل التأمل فعلم عدم

(1) الوسائل، كتاب الزكاة، الباب (20) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (1). (2) الوسائل، كتاب الزكاة، الباب (20) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (6). (3) قال في التهذيب بعد نقل هذا الخبر ما لفظه (فهذا الخبر يدل على ما ذكرناه: من ان الاولى اعادتها. ويحتمل ان يكون المراد بقوله (لا) انه لا تجزي عن غير ذلك المال، لانهم إذا اخذوا زكاة الغلات اكثر مما يستحق فلا يجوز له ان يحتسب الزائد من زكاة الذهب والفضة وغيرهما، بل يجب اخراجه على حدة، وانما ابيح ورخص ان لا يخرج من نفس ما اخذ منه ثانيا انتهى). (4) وفي هامش نسختين من النسخ المخطوطة اللتي عندنا ما لفظه) وصرح الشهيد ايضا بعدم الاجزاء والمصنف ايضا في التحرير ولا يخفى بعده) منه رحمه الله.

[ 110 ]

[ ولو دفع إليه مالا ليصرفه في قبيل وهو منهم، فان عين لم يجز التخطي، وإلا جاز أن يأخذ مثل غيره، لا ازيد. ] جواز اخذ الزكاة، بل الشراء ايضا منهم، فيحمل ما يدل عليه على التقية والضرورة كما اشرنا إليه، بل اظن عدم جواز غيرها ايضا من المقاسمة والخراج، لعدم الفرق، بل بالطريق الاولى، ولما تقدم من العموم، فلا يجوز اعطاؤها اياه مهما امكن فكيف الوجوب، فلا يجوز الاخذ بعد القبض وقبله لاحد الا المضطر، فتأمل، والله الموفق. قوله: " ولو دفع إليه مالا ليصرفه الخ " لو دفع شخص إلى شخص مالا ليصرفه (ليفرقه خ ل) على اناس يكون هو منهم، لا شك في عدم جواز اخذه شيئا، ان علم عدم دخوله فيهم، ولو كان بقرينة، مثل تعيين حصته على حدة له وكذا في جوازه ان علم الدخول ولو بقرينة حالية أو مقالية، بان يصرح ان الغرض وصوله إلى تلك الاصناف لا غير، اي من كان منهم. واما إذا لم يعلم احدهما فهو محل الخلاف والاشكال، فبعض منع ذلك مثل ع ل (1) لان ظاهر الامر بالدفع يقتضي الدفع إلى غيره، ولان الظاهر كون الدافع والمدفوع إليه متغايرين، ولهذا قالوا: لا يجوز شراء الوكيل مال نفسه من نفسه لموكله في شراء شئ. وكذا البيع وان كان ذلك الشئ الذي عنده احسن مما عند غيره كما دلت عليه الاخبار. وان كان فيه ايضا كلام، لعدم صحة الاخبار وقبولها التأويل، لان فيه خبرين من مكاسب التهذيب غير صحيحين ولا صريحين، وفي احدهما دلالة على ان الوجه هو التدنس والتهمة (2). فيمكن الحمل على الكراهة، وهو جيد، أو على موضع التهمة، ولأن الظاهر

(1) يعني المحقق الشيخ علي الكركي. (2) الوسائل ج 12 الباب (5) من ابواب اداب التجارة الحديث (2 - 3).

[ 111 ]

[... ] قوله: اشتر أو بع، اعم. والظاهر ان ليس الوجه عدم صحة كون طرفي العقد واحدا كما قاله ابن ادريس، ولهذا تنظر المصنف في المنتهى في كلام ابن ادريس، ولم يجوزه من قال بجواز اتحاد طرفي العقد كالمصنف في المنتهى وجوزه مع التصريح به (1). ولانه لو وكل غيره لنفسه ثم باع منه لا يصح لما تقدم، بل ما قلناه (2). وما قيل بعدم تزويج الوكيل موكلتها في تزويجها لشخص (3) لا بعينه، من نفسه ولو بالوكيل. ويؤيده رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن رجل اعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو في مساكين وهو محتاج، أياخذ منه لنفسه ولا يعلمه؟ قال: لا يأخذ منه شيئا حتى ياذن له صاحبه (4). قال في المنتهى وغيره انها صحيحة. وفيه تأمل للاضمار في قوله: سألته، ولعل المراد الصحة إلى المسؤل عنه (5)، أو الاعتماد على ان الظاهر انه الامام عليه السلام لظهور عدم نقل مثله مثل هذا الحكم على طريق يفهم كونه من الامام عليه السلام ويكتب في الكتب الا ان يكون المسؤل عنه اماما كما قيل في مثله كثيرا. ويبعد القول بانها مستندة إلى الصادق أو الكاظم عليهما السلام لانه راو عنهما، وينبغي أو الرضا عليه السلام.

(1) يعني لو قال له: اشتر لي متاعا ولو من نفسك. (2) وهو قوله قبيل ذلك: لان ظاهر الامر بالدفع يقتضي الدفع إلى غيره. (3) وفي بعض النسخ المخطوطة بعد قوله (لشخص) هكذا (لا نفسه ولا بالوكيل). (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (84) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (3). (5) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب اسقاط لفظة (عنه).

[ 112 ]

[... ] وجوزه (1) بعض آخر مثل المصنف هنا وفي غيره لدخوله تحت عموم اللفظ، والاصل عدم التخصيص لعدم المخصص، وكونه مخاطبا ودافعا لا يصلح مخصصا ولهذا يدخل مع القرينة، ولما ثبت في الاصول من دخوله صلى الله عليه وآله تحت الحكم بقوله: يا ايها الناس، والذين آمنوا، مع كونه مخاطبا وآمرا، وتمام تحقيقه في الاصول. ولانه وكيل فهو بمنزلة الموكل، فكما يجوز له اعطاءه، يجوز له ايضا، لان الفرض ان الوكيل من المصرف. وما ذكر من المثال (في البيع والشراء خ) ان سلم فلدليل لا يقاس. والرواية مضمرة وان كان الظاهر انه عن الامام عليه السلام، ولكن ليس كالصريح بكونها عن الامام عليه السلام، وعبد الرحمن يرمى بالكيسانية ولهذا نقله في رجال ابن داود في الباب الثاني ايضا. وان كان الظاهر انه الثقة، لكن ليس كمن لم يرم وليس بتلك الجلالة والثقة. وللجمع بين الادلة بحملها على الكراهة، أو الزيادة على غيره، أو على ما علم ارادة عدم دخوله بقرينة مثل ما تقدم، أو ارادة جماعة معينين، قاله في الاستبصار (2). والعمدة في ذلك الاخبار الكثيرة مثل حسنة الحسين بن عثمان (الثقة) عن ابي ابراهيم عليه السلام في رجل اعطى مالا يفرقه فيمن يحل له، أله ان ياخذ منه شيئا لنفسه وان لم يسم له؟ قال: ياخذ منه لنفسه مثل ما يعطي غيره (3).

(1) اي يجوز الاخذ لنفسه فيما لو دفع إليه مالا ليقسمه. (2) الاستبصار ج 3 ص (54) باب الرجل يعطي شيئا ليفرقه الحديث (1). (3) الوسائل، كتاب الزكاة، الباب (40) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (2).

[ 113 ]

[... ] وصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسمها ويضعها في مواضعها وهو ممن تحل له الصدقة؟ قال: لا باس ان يأخذ لنفسه كما يعطي غيره، قال: ولا يجوز له ان يأخذ إذا امره ان يضعها في مواضع مسماة الا باذنه (1). ولا يضر في صحتها محمد بن عيسى عن يونس (2) لما مر غير مرة انهما مقبولان، وصرح العلامة وغيره به، ولهذا قال في كتبه: صحيحة فلان مع وجوده فيه. وقال في هذه ايضا في المنتهى صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج وكلاهما موجودان في الكافي والتهذيب في كتاب الزكاة. وذكر في الاول رواية سعيد بن يسار الثقة ايضا قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعطي الزكاة يقسمها في اصحابه، أياخذ منها شيئا؟ قال: نعم (3). الظاهر انها صحيحة لان الظاهر ان علي بن الحكم هو الثقة (4) لما اشرنا إليه مرارا من قرائن مثل نقل احمد بن محمد عنه في هذه مع ثبوت نقله عنه لا غير، وتسمية مثل هذا السند بالصحة في الكتب، وقبول ابان بن عثمان في الخلاصة، لكونه ممن اجمعت الصحابة على تصحيح ما يصح عنه وقبوله. ويؤيده جريان كثرة التأويل الواجب للجمع، مهما امكن في خبر عدم الجواز الواحد بخلاف التأويل في اخبار الجواز فانه لا يجرى فيه الا تأويل واحد في اخبار

(1) المصدر، الحديث (3). (2) سند الحديث كما في الكافي هكذا (علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن عبد الرحمان بن الحجاج قال:). (3) الوسائل، كتاب الزكاة، الباب (40) من ابواب المستحقين للزكاة، الحديث (1). (4) سند الحديث كما في الكافي هكذا (محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن ابان بن عثمان عن سعيد بن يسار قال:).

[ 114 ]

[... ] كثيرة بحملها على الجواز مع الاذن. على انه قد لا يمكن حمل بعضها علي الجواز مع الاذن لقوله: ولا يجوز له الخ فانه يدل على ان ما قبله هو الذي ما سمى فيه موضعا، ويجوز من دون التصريح بالاذن بخلاف ما بعده. وامكان ارجاعهما الي العام والخاص والمطلق والمفيد، لان حاصل رواية ابن الحجاج الدالة على الجواز هو جواز الاخذ مع عدم المنع وعدم التعيين والتسمية، فانه لا يجوز الاخذ حيئنذ الا بالاذن الصريح، وبين فيها ان الاذن الصريح لا يحتاج إليه الا في المعين والمسمى، وروايته الدالة على المنع تدل على عدم الجواز مطلقا الا بالاذن، فيحمل على الاولى، لوجوب حمل العام والمطلق على الخاص والمقيد. أو لانها مع رواية الحسين دلتا على عدم الجواز إذا كان زايدا عما اعطى غيره والجواز إذا كان مساويا أو اقل ما لم يصرح بالاذن ودلت تلك على عدم الجواز مطلقا ما لم يأذن بالصريح فيقيد ويخصص بهما. على انه قد يقال: نقول بموجبها (1) لان موجبها ومقتضاها عدم الجواز ما لم يأذن، يعني ما لم يأت بما يدل على الاذن ويفهم ذلك منه، سواء كان ضمنا أو صريحا قولا أو فعلا، ولا شك ان قوله: اعط الفقراء وفرقه فيهم، يدل على اعطاء نفسه فانه اعطاء وتفريق إلى الفقير، ويمكن انه ما اتى بعبارة شاملة له مع اعطاءه ليقسم في المحاويج والمساكين، فتأمل. ثم ان الظاهر انه لا كلام في جواز اعطاءه لاهله وعياله إذا كانوا بالوصف، وهو ظاهر. ويدل عليه ايضا ما روي (في الصحيح) عن عبد الرحمان عن ابي عبد الله عليه

(1) اي موجب صحيحة عبد الرحمان المشتملة على قوله: ولا يجوز له ان يأخذ الخ.

[ 115 ]

[... ] السلام في رجل اعطاه رجل مالا ليقسمه في المساكين وله عيال محتاجون أيعطيهم منه من غير ان يستامر (يستأذن خ ل) صاحبه؟ قال: نعم (1). قال في المنتهى: انها صحيحة، فكان عبد الرحمان هو ابن الحجاج بقرينة ما تقدم فانه منه، فهي قرينة لكونها منه، ككونها قرينة على ان الاولى عن الصادق عليه السلام، فتأمل. وايضا ظاهر كلام المجوزين عدم جواز اخذ الزيادة على من يعطيهم وفهموا ذلك من الروايتين الاولتين بوجوب التسوية بين من يقسم عليهم، وهو بعيد، خصوصا مع عدم حصر من يعطي. نعم قد يتوجه في المحصور كما قال مثله في المال الموصى به لاشخاص معينين، وفيه ايضا تأمل، لعموم الدال، وصدق التفرق والاعطاء مع التفاوت. وان كانوا معينين، فالظاهر جواز التفضيل، ومنع المأمور عن اخذ الزيادة عن غيره، لا يدل علي وجوب التسوية. قال في التحرير، وان لم يعين تخير في اعطاء من شاء من المحاويج كيف شاء. وهو ظاهر في جواز التفضيل، مع تصريحه بعدم تفضيل نفسه على غيره. وفي الوصية لو كان دليل خاص يتبع ولا يقاس والا يناقش هناك ايضا. وقد يكون منع اخذه زائدا - على من اعطاهم - تعبدا، ولعدم توهم خيانة، أو فهم ذلك منه ولو بحسب العادة والعرف على انه يمكن ان يكون معنى قوله: (مثل ما يعطى غيره)، تشبيها في محض الاعطاء، يعني كما يجوز الاعطاء لغيره لفقره، كذلك له الاخذ لنفسه، لذلك، لا

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (84) من ابواب ما يكتسب به، الحديث (2).

[ 116 ]

[ المطلب الثاني في آدابها يستحب التفقه ] في القدر والمقدار. والاحوط عدم الاخذ مطلقا الا مع التصريح. (المطلب الثاني في آدابها) قوله: " يستحب التفقه " لما كان من التجارة ما هو حرام ومكروه، وما هو مباح، كان التاجر محتاجا إلى معرفتها. ولما كانت المعرفة في الجملة حاصلة لاكثر الناس، لظهورها وكثرة تداولها بينهم، وبعض احكام التجارة دقيقا غير ظاهر مثل احكام الربا وفساد بعض العقود، مع عدم حصول الملك في الفاسد، قالوا: يستحب التفقه قبل التجارة، اي معرفة احكام التجارة المتداولة مفصلا. ويدل عليه الاخبار مثل رواية الاصبغ بن نباتة قال: سمعت امير المؤمنين عليه السلام يقول على المنبر: يا معشر التجار، الفقه ثم المتجر. الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الامة اخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا ايمانكم بالصدق، التاجر فاجر والفاجر في النار الا من اخذ الحق واعطى الحق (1). ورواية طلحة بن زيد عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم قال: وكان امير المؤمنين عليه السلام يقول لا يقعدن في السوق الا من يعقل الشراء والبيع (2). يمكن كونه اشارة إلى عدم جواز معاملة السفيه.

(1) الوسائل، كتاب، التجارة، الباب (1) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (2) المصدر، الحديث (2) و (3).

[ 117 ]

[... ] وعن الصادق عليه السلام: من لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات (1) اي هلك فيها، اي بسبب وقوعه فيها. ويمكن حمل الاخبار على وجوب القدر المحتاج إليه، ولا يكفي العلم، بل ليس العلم الا للعمل وهو ظاهر. روي انه لم يأذن رسول الله صلى الله عليه وآله لحكيم بن حزام في تجارة حتى ضمن له اقالة النادم وانظار المعسر، واخذ الحق وافيا أو غير واف (2). فيه مبالغة في استحباب الاقالة والمسامحة وعدم المماكسة في المعاملة، ولو كان لاستيفاء حق كما دلت عليه روايات اخر. مثل رواية هارون بن حمزة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ايما عبد (مسلم خ يل) اقال مسلما في بيع اقاله الله تعالى عثرته يوم القيامة (3) الظاهر ان المسلم اعم من المؤمن. ورواية حماد بن عثمان قال: دخل رجل على ابي عبد الله عليه السلام فشكى إليه رجلا من اصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: ما لفلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني اني استقضيت منه حقي، قال: فجلس أبو عبد الله عليه السلام مغضبا ثم قال: كانك إذا استقضيت حقك لم تسئ ارأيت ما حكى الله عزوجل: يخافون سوء الحساب (4) أترى انهم خافوا الله ان يجور عليهم؟ لا والله ما خافوا الا الاستقضاء، فسماه الله عزوجل سوء الحساب، فمن استقضى

(1) المصدر، قطعة من حديث (4) وصدر الحديث (من اراد التجارة فليتفقه في دينه، ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه) ورواه في المقنعة باب المتاجر ص 91). (2) الوسائل، كتاب التجارة الباب (3) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1) ورواه مسندا في الكافي والتهذيب فراجع. (3) المصدر، الحديث (2). (3) الرعد، (2).

[ 118 ]

[ والتسوية بين المبتاعين ] فقد اساء (1). وروي ايضا عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بارك الله على سهل البيع سهل الشراء سهل القضاء سهل الاقتضاء (2). فما روي من فعله المماكسة في شراء الهدي - وقوله: ان المغبون ليس بممدوح لا في الدنيا ولا في الاخرة (3) - فمحمول على الجواز، وعلى عدم الغبن الفاحش جهلا، لا شئ قليل لملاحظة حال المعامل والنظر إلى المساهلة عمدا. وروى ايضا السكوني عن ابي عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من باع واشترى فليحفظ خمس خصال، والا فلا يشترى (فلا يشترين) ولا يبيع (يبيعن)، الربا والحلف وكتمان العيب والحمد إذا باع والذم إذا اشترى (4) وهي تدل على تحريم هذه الاشياء، وحملت بالنسبة إلى الحلف الصادق، والحمد والذم على الكراهة، كانه لعدم القائل به، وعدم الصحة والظهور، وتدل عليها رواية اخرى (5). قوله: " والتسوية،... الخ " من الاداب المستحبة التي تستفاد من الفقه عدم رجحان بعض المبتاعين (بتقديم الباء المنقطة تحتها نقطة على التاء بالنقطتين فوق - جمع مبتاع اي الذي يباع عليه، اي المشتري) بان يبيع على البعض غاليا لعدم مماكسته وحذاقته وعلى الاخر رخيصا، لهما (6).

(1) الوسائل ج 13، كتاب ابواب الدين والقرض، الباب (16) الحديث (1). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (42) من ابواب اداب التجارة، الحديث (1). (3) الوسائل، كتاب الحج، الباب (19) من ابواب الذبح، الحديث (1) وفيه (ان المغبون لا محمود ولا مأجور). (4) و (5) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (2) من ابواب آداب التجارة، الحديث (2) (6) بمعنى لاجل المماكسة والحذاقة.

[ 119 ]

[ واقالة النادم والشهادتان والتكبير عند الشراء ] والظاهر أن الكراهة في الغلاء فقط، وأنه لو كان سبب الرخص الايمان - أو التقوى، أو العلم أو الفقر أو غير ذلك مما يحسنه العقل والشرع - لا يكون مكروها، ولا يكون التسوية مستحبة ودليل استحبابها الاعتبار، والخبر مثل خبر عامر بن جذاعة عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال في رجل عنده بيع فسعره سعرا معلوما فمن سكت عنه ممن يشتري منه باعه بذلك السعر ومن ماكسه فأبى ان يبتاع منه زاده؟ قال: لو كان يزيد الرجلين والثلاثة لم يكن بذلك بأس، فاما ان يفعله بمن ابى عليه وكايسه ويمنعه ممن لم يفعل فلا يعجبنى الا ان يبيعه بيعا واحدا (1) والظاهر ان الشراء كذلك. قوله: " واقالة النادم " وقد مر دليل استحباب اقالة النادم، مشتريا كان أو بايعا، ولانها مستلزم لقضاء الحاجة وادخال السرور في القلب، فيحوز الفاعل بثوابهما ايضا والتارك يدخل فيمن قصر فيهما، وذلك قبيح جدا في المؤمن. قوله: " والشهادتان الخ " لعل دليل استحباب الشهادتين التبرك بهما، وأنه يكفي ان يقول: اشهد ان لا اله الا الله وأن محمدا رسوله، وكأنه بعد الشراء للمشتري، كالتكبير. وما رأيت فيهما نصا في تعيين القول ولا في وقته ولا في قائله. وأما التكبير فالظاهر أنه مستحب للمشتري بعد الشراء ثلاثا، قبل الدعاء لحسنة حريز عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قل: اللهم اني اشتريته التمس فيه من فضلك (2) اللهم فاجعل لي فيه فضلا، اللهم اني اشتريته التمس فيه من رزقك فاجعل فيه رزقا، ثم اعد كل واحدة

(1) الوسائل، الباب 11 من ابواب آداب التجارة، الحديث 1. (2) هكذا في جميع النسخ المخطوطة والمطبوعة، وفي الكافي والوسائل بعد قوله: (من فضلك) فصل على محمد وآل محمد اللهم الخ.

[ 120 ]

[... ] ثلاث مرات (1). فالظاهر أنه مع كل مرة من الدعاء، التكبير مرة، فيصير المجموع بعد الخلاص ثلاث مرات ولكن في صحيحة محمد بن مسلم في الفقيه - قال: قال احدهما عليهما السلام: إذا اشتريت متاعا فكبر الله ثلاثا ثم قل، اللهم اني، إلى اخر الدعاء، مع قوله: ثم اعد كل واحدة منها ثلاث مرات (2) اي فقرات الدعاء - ما يدل على قول الله اكبر ثلاثا ولاء. وظاهر الدعاء يقتضي كون المشتري للتجارة. والادعية عند المعاملة كثيرة، قال في رواية عن امير المؤمنين عليه السلام كان يقول في كل سوق من اسواق المسلمين: يا معشر التجار قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وانصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، واوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس اشيائهم ولا تعثوا في الارض مفسدين (3). قال في المنتهى: (قدموا الاستخارة) معناه الدعاء بالخيرة في الامور. والظاهر ان معنى (وتبركوا بالسهولة) التسامح والتساهل في المعاملة. وقال في حسنة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا اشتريت دابة فقل: اللهم ان كانت عظيمة البركة، فاضلة المنفعة، ميمونة الناصية، فيسر لي شرائها، وان كان (نت خ) غير ذلك فاصرفني عنها إلى الذي هو خير لي منها فانك تعلم ولا اعلم، وتقدر ولا اقدر وانت علام الغيوب، تقول ذلك ثلاث مرات (4).

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (20) من ابواب اداب التجارة، الحديث (1). (2) المصدر الباب، الحديث (2). (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (2) من ابواب آداب التجارة، قطعة من حديث (1). (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (20) من ابواب آداب التجارة، الحديث (3).

[ 121 ]

[... ] الظاهر أن مراده إذا اردت الشراء، كما (إذا قرأ ت). كما يظهر من مضمون الدعاء ومن الرواية السابقة في تقديم الاستخارة بالدعاء (1)، وهو مذكور في كتب الادعية ايضا مثل صحيفة علي بن الحسين عليهما السلام (2). ومن صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا اردت ان تشتري شيئا، فقل: يا حي يا قيوم يا دائم يا رؤف يا رحيم أسألك بعزتك وقدرتك وما احاط به علمك ان تقسم لي من التجارة اليوم اعظمها رزقا واوسعها فضلا وخيرها عاقبة فانه لا خير فيما لا عاقبة له (3). قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا اشتريت دابة أو رأسا فقل: اللهم ارزقني اطولها حياة واكثرها منفعة وخيرها عاقبة (4). وكذا الدعاء عند دخول السوق كثيرة. روى في الفقيه في الصحيح عن ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: من دخل سوقا أو مسجد جماعة فقال مرة واحدة: اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، والله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة واصيلا ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله عدلت (له خ) حجة مبرورة (5). وكان الرضا عليه السلام يكتب على المتاع: بركة لنا (6).

(1) اشارة إلى ما نقله عن المنتهى من قوله قده قال في المنتهى: قدموا الاستخارة، معناه الخ (2) الصحيفة السجادية الدعاء الثالث والثلاثون. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (20) من ابواب آداب التجارة، الحديث (4). (4) المصدر، الحديث (5) وفيه كما في الكافي ايضا: اقدر لي، بدل، ارزقني. (5) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (18) من ابواب آداب التجارة، الحديث (3). (6) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (20) من ابواب آداب التجارة، ذيل حديث (2).

[ 122 ]

[ وقبض الناقص وإعطاء الراجح ] قوله: " وقبض الناقص الخ " دليل استحبابهما الاعتبار الواضح. ومعلوم عدم جواز الاخذ من العقل والنقل الا باذن مالكه. ويدل على الاستحباب الروايات ايضا، مثل رواية حماد بن بشير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان (1). ورواية اسحاق بن عمار قال: قال: من اخذ الميزان بيده فنوى ان يأخذ لنفسه وافيا لم ياخذه الا راجحا، ومن اعطى فنوى ان يعطي سواء لم يعط الا ناقصا (2). ورواية عبيد بن اسحاق قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني صاحب نخل فخبرني بحد انتهي إليه من الوفا؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: انو الوفاء فان اتى على يدك وقد نويت الوفاء نقصان كنت من اهل الوفاء، وان نويت النقصان ثم اوفيت كنت من اهل النقصان (3). ولا يخفى الدلالة على الاستحبابين، وعلى المبالغة في ان مدار الامور على القصد والنية. ويدل على استحباب الراجح رواية السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: مر امير المؤمنين عليه السلام على جارية قد اشترت لحما من قصاب، وهي تقول: زدني فقال له امير المؤمنين عليه السلام زدها فانه اعظم للبركة (4). ويمكن فهم ترجيح جانب البايع على تقدير المشاحة، في العمل بالمستحب، إذ أمره عليه السلام دونها.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (7) من ابواب آداب التجارة، الحديث (3). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (7) من ابواب آداب التجارة، الحديث (5). (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (7) من ابواب آداب التجارة، الحديث (6). (4) المصدر الباب الحديث (1).

[ 123 ]

[ ويكره مدح البايع وذم المشترى، واليمين عليه: ] ويحتمل كونها جارية منعة (1)، ولان المتعارف ذلك في البايع، والظاهر ان لمن بيده الكيل والوزن، يفعل الاستحباب لنفسه، والقرعة مع المشاحة في غيره محتمل. والظاهر ان من لم يحسن الكيل أو الوزن يكره ذلك كما قاله الاصحاب لعدم الامن عن الزيادة والنقصان. ويمكن فهمهما مما روي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل من نيته الوفاء، وهو إذا كال لم يحسن ان يكيل؟ قال: فما يقول الذين حوله؟ قلت: يقولون: لا يوفي، قال: هذا (هو - يه) لا ينبغي له ان يكيل (2). قال في شرح الشرايع: قيل انه حرام، وفي الاخبار النهي عنه، وما رايته. والظاهر عدم الفرق بين الكيل والوزن، بل هو اشق، وللاشارة إلى العلة وهو عدم المعرفة. قوله: ويكره مدح البايع الخ " قد مر دليل كراهة مدح البايع وذم المشتري. وكذا دليل اليمين على البيع والشراء. ويدل عليهما قول ابي الحسن عليه السلام: ثلاثة لا ينظر الله إليهم، احدهم رجل اتخذ الله بضاعة لا يشتري الا بيمين ولا يبيع الا بيمين (3) هكذا قيل: وهي تدل على الاخص من المدعى. ويدل عليها ايضا ما روي عن امير المؤمنين عليه السلام انه كان يقول: اياكم والحلف فانه ينفق السلعة ويمحق البركة (4).

(1) وفلان ذو منعة، اي عزيز ممتنع على من يريده. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (8) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (25) من ابواب آداب التجارة، الحديث (2). (4) المصدر الباب، الحديث (3).

[ 124 ]

[ والبيع في المظلمة والربح على المؤمن الا مع الحاجة ] هذا إذ كان مع الصدق واما مع الكذب فلا شك في تحريمه في المدح والذم واليمين. والظاهر ان في اليمين اشد، لكراهتها في نفسها وفي البيع بخصوصه. قوله: " والبيع في المظلمة " كان دليله احتمال ستر عيبه، فبيعه فيها مشعر بالتدليس والمدح ويدل عليها حسنة هشام بن الحكم قال: كنت أبيع السابري في الظلال فمر بي أبو الحسن موسى عليه السلام فقال لي: يا هشام ان البيع في الظلال غش، والغش لا يحل (1). لعلها محمولة على المبالغة - والكراهة، لان للمشتري ان ياتي بالسلعة إلى الضوء ثم يشتري، ولعدم الصحة والقائل بالتحريم. قوله: " والربح على المؤمن الخ " يحتمل ان يكون المراد بالحاجة قوت يومه، وحينئذ يوزعه على المؤمنين جميعا، كذا يفهم من شرح الشرايع، وهو بعيد، لان التاجر الذي يشتري ويبيع يبعد في حقه ذلك، الا ان يستثنى ما في يده للمعاملة، أو يكون مال غيره. وايضا يحتمل ان ياخذه من البعض فلا يحتاج إلى التوزيع، بل ياخذه من البعض الذي حصل اولا ثم لا يربح، ويحتمل حملها على الحاجة المتعارفة حتى يدخل عدم التوسعة في الجملة فيها، وعلى حصر المعاملين فيهم. وعلى التقادير لا دليل على الاستثناء الا على الاول، وهو العقل، ويبقى الغير تحت المنع. وظاهر الدليل عدم الربح إذا لم يكن الشراء للتجارة، ولا يكون باكثر من مأة درهم، وان كان اكثر يجوز الربح بقوت يوم، وان كان للتجارة يجوز الربح مطلقا مع الرفق.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (58) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1).

[ 125 ]

[... ] وهو ما روي بالاسناد عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ربح المؤمن على المؤمن ربا الا ان يشتري باكثر من ماءة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم وارفقوا بهم (1). وفي رواية اخرى عن ابي عبد الله عليه السلام قال: غبن المؤمن حرام (2). كأن منه الربح، وظاهره التحريم، فكأن لعدم الصحة واحتمال المبالغة والاهتمام بشأن المؤمنين، حمل على الكراهة. ويؤيده عموم ادلة التجارة وجواز اخذ الربح. وخبر ميسر قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: ان عامة من يأتيني اخواني فحد لي من معاملتهم ما لا اجوزه الي غيره؟ فقال: ان وليت اخاك فحسن، والا فبع (فبعه خ ل) بيع البصير المداق (3). قال في المنتهى: يعني المداقق في الامور، ادغم احد القافين في الاخر وشدد القاف. و (وليت) من التولية، وهو البيع برأس المال، وقوله: (بيع البصير المداق) اشارة إلى انه افعل ما ترى انه خير لك، وابذل في ذلك جهد العارف الحاذق المدقق الذي يدقق في الامور ويختار ما هو خير له وما فيه مصلحته. فيمكن الاشارة إلى التأمل، فان رأيت المؤمن المشتري مثلا تاجرا متمولا لا يضره ربحك منه ويحصل لك به نفع اكثر من ضرره، سيما إذا لم يكن صالحا تقيا، وانك ما تأخذه منه تصرفه في القربات مثل التصدق وصلة الاخوان والوسعة للعيال، ولو بقي عنده لا ينفعه ولا ينتفع به، بل قد يضره لعدم اخراج الحقوق ومواساة

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (10) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب آداب التجارة، الحديث (3). (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (10) من ابواب آداب التجارة، الحديث (2).

[ 126 ]

[ والموعود بالاحسان ] الاخوان، أو تربح منه وتبيع بالنقصان من صالح، وغير ذلك مما لا يخفى على المدقق المتأمل في امره الذي ينفعه دينا أو دنيا بحيث لا يضر ضررا لآخرته. خذ منه الربح. وبالجملة الذي يظهر من عبارة الاصحاب - من عموم الكراهة الا مع الحاجة - لا نعلم له دليلا واضحا. والدليل الذي رأيته قد مر مع ما فيه من عدم الصحة، والمنافاة لما تقرر بالادلة الصحيحة من العمومات وعملهم على ما نرى. والظاهر انه كان كذلك وما امتنع احد من ربح المؤمن والمسلم بالطريق الاولى، الله يعلم. ولكن طرح كلامهم مع الروايات وان كانت ضعيفة، مشكل، والاحتياط حسن يعمل به الحاذق المدقق. وبالجملة قوله عليه السلام: (بع بيع البصير المداق) كلام مجمل تحته معان كثيرة لمن يفهم - فافهم. وفي الخبر المتقدم اهتمام بحال المؤمن حتى انه ما جوز الربح الا مقدار قوت يوم على تقدير الشراء باكثر من ماءة درهم، وجوز فيما فيه للتجارة مع الرفق فافهم. قوله: " والموعود بالاحسان " يعني من المكروه الربح على الذي وعده بالاحسان، بان قال له: تعال إلى واشتر مني احسن اليك، لان اقل الاحسان عدم اخذ الربح وبيع التولية، وخلف الوعد غير مستحسن، بل يدل ظاهر الآية وهي: لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون (1) والاخبار (2) - على التحريم، وحملها الاصحاب على شدة الكراهة، لاجماعهم ونحوه. ولمرسلة علي بن عبد الرحيم عن رجل عن ابي عبد الله عليه السلام قال:

(1) الصف (3). (2) راجع الوسائل باب 10 من ابواب آداب التجارة، ج 12 ص 295.

[ 127 ]

[ والسوم بين طلوع الفجر وطلوع الشمس والدخول إلى السوق اولا ] سمعته يقول: إذا قال الرجل للرجل: هلم احسن بيعك يحرم عليه الربح (1)، حملت على الكراهة، ولا يضر عدم الصحة بالارسال، لقبول الاصحاب، وكونها من المكروهات. قوله: " والسوم بين طلوع الفجر وطلوع الشمس " السوم بمعني المساومة، وهي المبايعة. والظاهر ان المراد المعاملة بيعا وشراء اولا. ولعل دليل كراهته ان هذا وقت الدعاء والتعقيب فيكره صرفه في غيره. ولما روي ان التعقيب في هذا الوقت ابلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد (2) ولان السوم فيه يدل على الحرص في طلب الدنيا، ولقول الاصحاب، ولما روي أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن السوم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس (3) المحمول على الكراهة لعدم الصحة والقول بالتحريم. قوله: " والدخول إلى السوق اولا " قيل: وكذا الخروج اخرا. دليله بعض ما مر. وما روى في الفقيه عن امير المؤمنين عليه السلام قال: جاء اعرابي من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن شر بقاع الارض وخير بقاع الارض؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: شر بقاع الارض الاسواق وهي ميدان ابليس يغدو برايته، ويضع كرسيه ويبث ذريته، فبين مطفف في قفيز أو طايش في ميزان، أو سارق في زرع، أو كاذب في سلعة،

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (9) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (2) الوسائل، كتاب الصلاة، الباب (18) من ابواب التعقيب، الحديث (3). (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (12) من ابواب آداب التجارة، الحديث (2).

[ 128 ]

[ ومعاملة الادنين وذوى العاهات والاكراد ] فيقول: عليكم برجل مات ابوه وابوكم حى، فلا يزال مع ذلك اول داخل واخر خارج، ثم قال عليه السلام: وخير البقاع المساجد واحبهم إلى الله عزوجل اولهم دخولا واخرهم خروجا منها (1). قوله: " ومعاملة الادنين الخ " كانه جمع ادنى أو دنى، وفسر بانه لا يبالي بما قال ولا بما قيل فيه: وذووا العاهات هم الذين فيهم عيوب مثل الجذام والبرص والعمى والعرج وغيرها. والاكراد طائفة مشهورة. دليل كراهة معاملتهم مطلقا عدم خلوص من يعاملهم من اذى بسببهم، لعدم الخيرية فيهم غالبا. والاصل، والرواية - مع قبول الاصحاب - مثل حسنة حفص البختري قال: استقرض قهرمان (2) لابي عبد الله عليه السلام من رجل طعاما لابي عبد الله عليه السلام، فألح في التقاضي فقال لو أبو عبد الله عليه السلام: الم انهك ان تستقرض لي ممن لم يكن له فكان (3)، اي لم يكن له شئ فحصل شيئا، فهو خلاف من نشاء في الخير، يقال له: جديد المال والدولة، فانه ما كان ممن كان لهم شئ، فحصل هو شيئا. قد يعلم منها عموم المعاملة وتفسير الادنين. وعدة اخبار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا تخالطوا ولا تعاملوا الا من نشأ في خير (4). وفي رواية اخرى عنه عليه السلام مسندا انه قال: اياكم ومخالطة السفلة،

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (60) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (2) القهرمان الوكيل، أو امين الدخل والخرج ج قهارمة - المنجد. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (21) من ابواب آداب التجارة، الحديث (2). (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (21) من ابواب آداب التجارة، الحديث (4) و (6)

[ 129 ]

[ والاستحطاط بعد العقد ] فان السفلة لا يؤل إلى خير (21). فيمكن حمل الادنين عليها. وروى ميسر بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: لا تعاملوا ذا عاهة فانهم اظلم شئ (2) ومثلها متعددة. وروى عن ابي الربيع الشامي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام فقلت: ان عندنا قوما من الاكراد وانهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم؟ فقال: يا ابا الربيع لا تخالطوهم فان الاكراد حي من احياء الجن كشف الله عنهم الغطاء فلا تخالطوهم (3). وفي رواية قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تشتر من محارف فان صفقته لا بركة فيها (4). رجل محارف بفتح الراء اي محدود محروم، وهو خلاف قولك مبارك. وأيضا رجل محارف اي منقوص الحظ لا ينمى له مال. وكذلك الحرفة، والحرفة بالكسر أيضا الصناعة، فيدل على كراهة معاملة المحارف كما قيل في غير المتن. قوله: " والاستحطاط بعد العقد " يكره ان يقول المشتري للبايع بعده، حط عني شيئا من الثمن وانقص، لما فيه من الاشعار بدناءة النفس والسؤال والطلب. ويدل عليه أيضا الرواية الدالة على نهى النبي صلى الله عليه وآله عنه (5).

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (24) من ابواب آداب التجارة، الحديث (2). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (22) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1) و (3). (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (23) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (21) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1). (5) الوسائل، كتاب التجارة، الباب (44) من ابواب آداب التجارة، الحديث (1).

[ 130 ]

[... ] وما روى عن الصادق عليه السلام: الوضيعة بعد الصفقة حرام (1) المراد شدة الكراهة. ويمكن ان يكون المراد اخذ بعض الثمن واعطاء الباقي من الحق كما هو الظاهر، لا الاستحطاط الذي هو مكروه. ويدل عليها أيضا رواية ابراهيم الكرخي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: اشتريت لابي عبد الله عليه السلام جارية فلما ذهبت انقدهم قلت: استحطهم؟ قال: لا ان رسول الله نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة (2). وقريب منه رواية ابراهيم بن ابي زياد الكلابي في باب بيع الحيوان (3) وحملتا على الكراهة لاحاديث اخر. مثل رواية معلى بن خنيس عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يشتري المتاع ثم يستوضع؟ قال: لا باس به وأمرني، (يعني ابا عبد الله عليه السلام) فكلمت له رجلا في ذلك (4). وكذا يدل على الجواز روايتا يونس بن يعقوب وعلى ابي الاكراد، كلها في باب الزيادات (5). ويؤيد الكراهة الاصل والعمومات، مع عدم صحة دليل المنع الا ما في

(1) لم نعثر عن الصادق عليه السلام حديث بهذه العبارة، ولكن سيأتي قريبا ما عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 44 من ابواب آداب التجارة، الحديث 1. (3) أورده في التهذيب باب ابتياع الحيوان. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 44 من ابواب آداب التجارة، الحديث 3. (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 44 من ابواب آداب التجارة، الحديث 2 و 4) وفي التهذيب ج 7 باب من الزيادات ص 233 الحديث 39 و 40.

[ 131 ]

[ والزيادة وقت النداء والتعرض للكيل والوزن إذا لم يحسن ] صحيحة زيد الشحام، أما بلغك قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الوضيعة بعد الصفقة حرام (1). وهذا يدل على التحريم من غير استحطاط أيضا، الا ان زيد الشحام كان بايعه عليه السلام وقال: حططت عنك عشرة دنانير، فقال عليه السلام: هيهات الا كان هذا قبل الصفقة اما بلغك الخ (2). والظاهر انه يريد شدة الكراهة، لانه معلوم جواز حط شخص من مال نفسه للمشتري ما يريد من الثمن، بل كله، وهو ظاهر، فكأنه عليه السلام فهم في قبوله شيئا استكرهه أو حرمه فتأمل. وكذا دليل قوله: " والزيادة وقت النداء " هو رواية الشعيري عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: إذا نادى المنادي فليس لك ان تزيد، وانما يحرم (من يب) الزيادة النداء ويحلها السكوت (3). وهي محمولة على الكراهة لعدم الصحة، وعدم ظهور القول بالتحريم، وانه يدل على الحرص، فينبغي ان يصبر حتى يسكت المنادى ثم يزيد من يريد الزيادة. ومضى دليل كراهة التعرض للكيل والوزن إذا لم يحسن مع عدم الكراهة.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 44 من ابواب آداب التجارة، قطعة من حديث 6 وفيه (الوضيعة بعد الضمنة حرام). (2) لفظ الحديث هكذا (عن زيد الشحام قال: اتيت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام بجارية أعرضها عليه فجعل يساومني وانا اساومه ثم بعتها اياه، فضمن على يدي، فقلت: جعلت فداك انما ساومتك لانظر المساومة أتنبغي أو لا تنبغي، وقلت: قد حططت عنك عشرة دنانير فقال: هيهات الا كان هذا قبل الضمنة، اما بلغك قول رسول الله صلى الله عليه وآله: الوضيعة بعد الضمنة حرام) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 44 من ابواب آداب التجارة، الحديث 6 وفي الكافي بدل (الضمنة) الضمة. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 49 من ابواب اداب التجارة، الحديث 1.

[ 132 ]

[ والدخول على سوم المؤمن ] التي اشار إليها بقوله: والتعرض للكيل الخ. قوله: " والدخول على سوم المؤمن " قيل: المراد بالدخول على سوم المؤمن، هو ان يطلب المتاع الذي اراد شراءه المؤمن، وحصل التراضي أو علامته بحيث لو لم تكن غيره لباع عليه بذلك الثمن، بان يزيد على ذلك الثمن، ويمكن تحققه مع عدمها أيضا، والقيد محمول على الغالب. وكذا عرض المتاع للمشتري بحيث يمنعه من شراء مال اخيه الذي حصل التراضي على شراءه، سواء كان احسن منه أو دونه، باقل من ذلك الثمن أو اكثر. قيل: بتحريم ذلك، والظاهر ان دليله كسر قلب المؤمن ومنعه عن الخير وارادته لنفسه، مع ما دل على رعاية حقوقه. والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله لا يسوم الرجل على سوم اخيه (1). وهو خبر معناه النهى، لعلها للكراهة لعدم الصحة، وعدم ثبوت كون هذا المقدار من كسر الخاطر حراما. واحاديث الحقوق محمولة على المبالغة والاستحباب، ولهذا ما قالوا: بوجوب التسوية بين الاخوان في الاموال والجوع والشبع وغير ذلك للاصل. والاحتياط حسن. ومقتضى الادلة الصحيحة الكثيرة في حقوق المؤمن الاجتناب، بل التحريم، الا ان لا يحصل له كسر، أو يقال: هنا يضيع حق البايع، أو يقال: يحرم مع القصد، اي قصد كسره واضراره ويحمل عليه الرواية أيضا فتأمل.

(1) الذي عثرنا عليه في ذلك ما رواه في الوسائل، كتاب التجارة، الباب 49 من ابواب آداب التجارة، الباب 49 من ابواب آداب التجارة، الحديث 3 ولفظه (عن الصادق عليه السلام عن ابائه عليهم السلام في حديث المناهي قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله ان يدخل الرجل في سوم اخيه المسلم) وفي كنز العمال: لا يساوم الرجل على سوم اخيه ويخطببب عى خطبته الخ ج 4 ص 57 حديث 9487.

[ 133 ]

[ وان يتوكل حاضر لباد ] والظاهر انه يجري مثله في جميع الامور حتى في الاتهاب وطلب الدرس والكتابة والاجارة، مثل ان رضي المدرس ان يدرس مؤمنا ثم جاء آخر وعرض نفسه في البين حتى حصل الدرس لنفسه ومنعه عن ذلك لعدم حصول الجمع، وكذا في الاتهاب والكتابات وما في معناها مثل الخطبة على خطبة الاخ المؤمن. واما بدون القيود المذكورة فالظاهر عدم الكراهة والتحريم بالاتفاق. ويؤيده انه لو لم يكن كذلك يلزم ان يكون طلب شراء الاثنين متاعا واحدا اما حراما أو مكروها، ويلزم تعطيل المعاملات، فتأمل. قوله: " وان يتوكل حاضر لباد " قيل: المراد انه إذا حمل البدوي، أو القروي - الذي ليس من البلد ولم يعرف مصره، وهو المراد بالبادي - متاعه إلى بلد ليبيعه فيه، يكره للبلدي، وهو المراد بالحاضر، ان يقول: انا ابيعه لك باعلا مما تبيعه به، قيل: أو يعرفه السعر ويقول: هذا يسوى بكذا وكذا وانا ابيع واكون سمسارا. وقيل بتحريم هذا الفعل. لما روى عنه صلى الله عليه وآله انه قال: لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض (1). والتحريم هنا بعيد، لعدم صحة الرواية، بل اسنادها أيضا غير ظاهر، وعدم صراحة النهي. وأيضا قد يكون البادى فقيرا جدا ولا يعرف السعر ويقصد الحاضر نفعه مع كون المشتري اغنى منه، والعقل يجد حسن هذا الامر. نعم يمكن الكراهة ذلك للخبر، مع الاجرة، وقصده عدم حصول النفع للمشتري، مع احتمال التحريم حينئذ. وقد شرط للتحريم أو الكراهة شروط.

(1) لاحظ عوالي اللئالي، ج 3 ص 206 الحديث 40 و 41 ولاحظ ذيله. والوسائل الباب 37 من ابواب آداب التجارة، الحديث 3.

[ 134 ]

[ والتلقى (وتلقى الركبان خ ل) وحده اربعة فراسخ مع القصد ] (الاول) العلم بورود النهي فبكون معذورا على تقدير جهله، الا انه يكون اسوء، لتقصيره في العلم أيضا كما قيل في غير هذه المسألة فيما لا يعذر فيها الجاهل، فليس هذا شرط يعم جميع المناهي كما قيل. (الثاني) ان يكون سعر ذلك المتاع ظاهرا معلوما، فلو لم يكن ظاهرا معلوما اما لكبر البلد، أو لعموم وجوده ورخصه فلا تحريم ولا كراهة، لعدم فوت الربح. وفيه تأمل، لعموم الدليل، مع أنه قد يظهر الربح ولو كان نادرا أو يحصل الشراء لنفس المشتري رخيصا من البادي وان لم يبعه حتى يربح. (الثالث) كون المتاع الذي يجلبه البادي مما يعم به الحاجة، فلا تحريم ولا كراهة في النادر، فيه أيضا منع، لعموم الدليل. (الرابع) ان يعرض الحضري ذلك على البدوي ويدعوه إليه، فان عرض البدوي ذلك على الحضري فلا يدخل تحتهما. وفيه أيضا منع لما مر، الا ان يقال هذا داخل تحت قضاء الحاجات، فتأمل فان دليلهما يخرجه عنه. (الخامس) ان يكون البادي اهلا بسعر البلد، والا فلا يضر مع انه مساعدة، وفيه أيضا منع، لكنه بعيد، لان الظاهر ان العلة هي الشراء رخيصا من البدوي، لقوله: (دعوا) فينبغي عدم النهي مع انتفاءه، ومنه يعلم ان لو قصد الحضري مجرد المساعدة بما يبيعه البدوي، غير ممنوع، بل ليس هو حينئذ بايعا، ولو كان بايعا بما يبيعه هو لا كراهة ولا تحريم، لعدم العلة. قوله: " والتلقي وحده اربعة فراسخ الخ " من المكروه تلقى الركبان، قيل: المراد بالتلقى الخروج اربعة فراسخ فما دون إلى الركب القاصد بلدا للبيع عليهم أو الشراء منهم. فللتلقى أيضا شروط: (الاول). كون الخروج بقصد البيع أو الشراء عليهم، فلو اتفق الملاقات فلا

[ 135 ]

[... ] كراهة وان اشترى أو باع، وكذا لو تلقى وما اشترى ولا باع، أو حدثا بعد الملاقات. وفيه تأمل، لوجود العلة، وهو مستفاد من الدليل، وهو الظاهر من لفظ التلقي. (الثاني) كونه خارجا عن البلد مع عدم تجاوز اربعة فراسخ، والا يكون في البلد أو مسافرا للتجارة. (الثالث) جهل الركب بسعر البلد فيما يبيعون عليهم ويشترون منهم، ويمكن فهمه من العلة وان لم يكن في الرواية، وكانها ظاهرة، ويمكن شرط العلم بالنهي كما تقدم. واما الدليل فهو النهي الوارد في الروايات مثل رواية منهال القصاب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا تلق ولا تشتر ما تلقي ولا تأكل منه (لا تأكله خ ل) (1). ورواية منهال أيضا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تلق، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نهى عن التلقى قلت: ما حد التلقي؟ قال: ما دون غدوة أو روحة، قلت: وكم الغدوة والروحة؟ قال: اربعة فراسخ، قال ابن ابي عمير: وما فوق ذلك فليس بتلق (2). هذه الرواية تدل على ان حد التلقى دون اربعة فراسخ، لاهى كما هو ظاهر العبارات، فكأنه لعدم التعيين جعل ذلك، وليس بجيد. ورواية عروة بن عبد الله عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يتلقى احدكم تجارة خارجا من المصر، ولا يبيع حاضر لباد،

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 36 من ابواب آداب التجارة، الحديث 2. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 36 من ابواب آداب التجارة، الحديث 1 وسند الحديث محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحمان بن الحجاج عن منهال القصاب.

[ 136 ]

[ ولا خيار للبايع بدون الغبن والنجش وهو الزيادة لمن واطاه البايع ] والمسلمون يرزق الله بعضهم من بعض (1). لكن الرواية الاولى ليست بظاهر الصحة، لعدم ظهور توثيق مثنى الحناط مع اهمال منهال (2) وكذا الثانية للثاني، والاخيرة ضعيفة بعمرو بن شمر (3) فانه قيل ضعيف جدا، وبغيره. وبالجملة الاصل دليل قوى، مع عموم ادلة التجارة، فالقول بالتحريم لمثلها مشكل، ولهذا اختار المصنف الكراهة في الكل. ويمكن الحاق مثل الصلح في تملك مالهم بالعوض. ثم على تقدير وقوع البيع، فان قيل بالكراهة فلا خلاف في صحة البيع وعدم التخيير لهم الا مع الغبن الذي احد اسباب الخيار مع شرائطه. واما مع القول بالتحريم فيحتمل فساد العقد لما مر مرارا، ولانه يتبادر رجوع النهى إلى المبيع لقوله: (لا تأكله) وهو ظاهر، و (هو خ) مذهب ابن الجنيد على ما نقل عنه في شرح الشرائع. ويحتمل الصحة بناء على عدم دلالة النهى في المعاملات على الفساد وقد عرفت ما فيه. قوله: " والنجش وهو الزيادة الخ " نقل عن الصحاح: النجش ان تزيد

(1) الوسائل، كتاب التجارة. اورد صدره في الباب 36 من ابواب آداب التجارة، الحديث 5 وذيله في 37 من تلك الابواب حديث 1. (2) سند الحديث كما في الكافي (عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد واحمد بن محمد عن ابن محبوب عن مثنى الحناط عن منهال القصاب). (3) سند الحديث (كما في الكاف أبو علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن احمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن عروة بن عبد الله عن ابي جعفر عليه السلام).

[ 137 ]

[... ] في بيع ليقع غيرك وليس من حاجتك. والمراد أنه يكره ان يزيد شخص على ثمن بذل لمبيع ليرغب الناس في بيع ذلك المبيع من غير قصد للشراء، وهو المراد بقوله: (وهو الزيادة لمن واطاه البايع) اي وافقه على انه لا يبيع عليه ولا هو يشتري، بل يزيد لترغيب الناس في بيع متاعه (فالزيادة) في كلامه مصدر، لا المزيد، فلا اعتراض عليه بان تلك الزيادة من المشتري، فلا يكره ولا يحرم بلا خلاف، لان المراد بالزيادة التي فعلها من واطاه البايع. أو يقال: ان المراد بالزيادة القدر الزائد الذي اعطاه المشتري بسبب زيادة من واطاه، ولا شك ان تلك الزيادة حرام وغبن، ولهذا يجري عليها احكام الغبن. ثم تحريم ذلك المزيد، واتفاق البايع والبيع على هذا الوجه لا يبعد، لانه غش فيدخل تحته. ويحتمل الكراهة، لانه وان كان ذلك، ولكن ما ستروا في المبيع شيئا، والاصل يقتضى جواز البيع وعدم تحريم الثمن مع تلك الزيادة. ولا يبعد قول المصنف بالكراهة، وكونه مرجوحا ظاهر، لانه غدر وتدليس على الناس وخديعة. ويحتمل صحة البيع وجوازه من الكراهة، لا جواز الزيادة والموافقة من البايع، فان ذلك غش وخديعة، بل كذب، فلا يكون جائزا، مع احتماله فتأمل.

[ 138 ]

[ المقصد الثاني في أركانها وهي ثلاثة: الأول: العقد وهو الايجاب كبعت. والقبول كاشتريت ] المقصد الثاني: في أركانها قوله: " الاول العقد الخ " هذا هو احد المعنيين المشهور، بل المعاني للبيع، فانه قد يطلق على الايجاب والقبول الصادرين عمن يصح عبارته، المشتملين على العوضين للذين يصح وقوع البيع عليهما، وهو المراد في مثل قولهم: واركانه ثلاثة. وقد يطلق على نقل الملك وانتقاله الخ. وقد يطلق على التلفظ بالعبارة الدالة على النقل والانتقال. ويحتمل ان يكون هو المراد بالايجاب والصيغة المخصوصة. وقيل: الاول هو الحقيقي، والثاني هو المسبب والاثر والغاية الحاصلة بالبيع، فالتعريف به حينئذ يكون تعريف بالغاية، فهو راجع إلى الاول. لعل مراده انه حينئذ اطلق المسبب واريد السبب، بان يريد من النقل والانتقال ذو النقل والانتقال، وهو مجاز مشهور، والقرينة هنا أنه معلوم ان البيع هو القصد واللفظ وفعل البايع والمشتري، واكتفى بذلك وجعل ذلك قرينة واضحة.

[ 139 ]

[... ] ويمكن الاكتفاء بمثلها في تعريفات الفقهاء، لان غرضهم منها الاشارة إلى ضابطة للعارف، وانها لفظية ومعلوم صحة حمل ذي النقل والانتقال على البيع حينئذ، فليس من اطلاق المسبب على السبب، اعني الانتقال على البيع، ولا يرد انه مجاز لا يجوز في التعريفات، وان التعريف بالغاية انما يكون بالاتيان بما يناسب الغاية بالحمل على المعرف، وليس هنا كذلك كما قيل، وليس ذلك الغرض. وما كان ينبغي التكلم بمثله، وانما تكلمنا اقتداء بهم، واشارة إلى بعض المراد، لعله يزول الاعتراض، ولا نتعرض لبيان الجامعية والمانعية والجنس والفصل، لما عرفت المقصود. مع ان ما قيل يندفع بادنى تصرف كما لا يخفى، وليس ذلك بمهم. وانما المهم الضروري المحتاج إليه هو بيان الاحكام واثباتها بالدليل. فاعلم ان الذي يظهر، انه لا يحتاج في انعقاد عقد البيع - المملك الناقل للملك من البايع إلى المشتري وبالعكس - إلى الصيغة المعينة كما هو المشهور. بل يكفى كل ما يدل على قصد ذلك مع الاقباض، وهو المذهب المنسوب إلى الشيخ المفيد من القدماء والى بعض معاصري الشهيد الثاني رحمه الله. وهو المفهوم عرفا من البيع، لانه كثيرا ما يقال في العرف ويراد ذلك، بل انما يفهم عرفا ذلك من لم يسمع من المتفقهة شيئا، ولهذا تسمع يقولون بعنا ويريدون ذلك من غير صدور تلك الصيغة، بل بدون الشعرو بها، ولهذا يصح انه اوقع البيع بدون الصيغة. وبالجملة الاطلاق واضح عرفا، وليس ذلك المعنى المشهور في اللغة فانه مسبوق باللغة، وهو ظاهر، ولا في العرف لما مر (1)، ولا في الشرع بمعنى وجوده في

(1) من قوله قدس سره: لانه كثيرا ما يقال في العرف الخ.

[ 140 ]

[... ] كلام اصل (1) الشارع من الكتاب والسنة أو الاجماع المستلزم لذلك. وحينئذ نقول: المعتبر ليس الا المعنى الذي ذكرناه، وهو المفهوم عرفا لقوله تعالى: واحل الله البيع (2) وأوفوا بالعقود (3) ولما يدل على اباحته ومملكيته من الاخبار الكثيرة الصحيحة المتواترة (4) وللاجماع المعلوم. إذ لا شك حينئذ في اباحة ومملكية ما يطلق عليه البيع، وإذا لم يكن الا العرفي فلا يكون المباح الا هو. ولانه لو كان المعتبر غيره ما كان يليق من الشارع اهماله مع تبادر غيره، وكمال اهتمامه بحال الرعية في بيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات، إذ يصير تركه اغراء بالجهل، وذلك لا يجوز عندنا، بل السكوت وعدم البيان في مثل هذا المقام صريح ونص في الحوالة إلى العرف كما في سائر الامور المحالة إليه، إذ لا دليل له الا هذا. ولانه لا شك في اباحة التصرف مطلقا بمجرد ما قلناه. وهذا هو المتداول بين المسلمين من زمانه صلى الله عليه وآله إلى الان من غير نكير، بل الظاهر ان ذلك صار اجماعيا، لان القول بانه عقد فاسد كان قولا للعلامة وقد رجع عنه على ما نقل عنه، والتصرف دليل الملك، لانه انما اباح صاحب الملك بقصد الملك والبيع، فلو لم يحصل ذلك ما كان ينبغي الجواز. ولانه يجوز التصرفات التي لا يمكن الا مع الملك، فانه يجوز بيع السلعة لنفسه، لا بالوكالة، فلو كان اباحة لما كان البيع جائزا، إذ لا بيع الا في الملك. ولجواز وطى الامة المبتاعة بالوجه المذكور، ومعلوم انه فرع الملك بالنص والاجماع وهو ظاهر.

(1) هكذا في النسخ، ولكن الصواب (في اصل كلام الشارع) كما لا يخفى. (2) سورة البقرة / 275. (3) سورة المائدة / 1. (4) لاحظ الوسائل ج 12 كتاب التجارة، ابواب عقد البيع وشروطه.

[ 141 ]

[... ] ولانه ما وقع صيغة في زمانهم والا لنقل عادة، وما نقل عند العامة ولا عند الخاصة، وهو ظاهر. ولان الملك حاصل عند الاكثر من غير لزوم كما نقل عن التذكرة ومعلوم ان لا موجب له الا عقد البيع وهو ظاهر. ولان الظاهر ان الغرض حصول العلم بالرضا وهو حاصل. ولان الظاهر انه يصدق انه تجارة عن تراض، وهو كاف كما هو مدلول الآية (1). وللشريعة السهلة السمحة. وللزوم الحرج والضيق المنفي عقلا ونقلا. فان الاكثرين ما يقدرون على الصيغة المعتبرة، يعني يشق عليهم ذلك. ولانه قد يموت احدهما فيبقى المال للوارث، إذ لا دليل على لزومه حينئذ، فتأمل. ولقولهم باللزوم بعد التصرف فلو لم يكن عقدا مملكا له لم يلزم ذلك، وهو ظاهر لان تلف المال ليس بمملك، نعم يمكن عدم الضمان حيث كان التصرف مباحا، ولكن ظاهر كلامهم اللزوم، فتأمل. وبالجملة القول بالملكية وبوقوع البيع الحقيقي هو المتجه، خصوصا مع عدم القائل بانه بيع فاسد، وانه لا يجوز معه التصرف، وانه لا دليل لعدم الملكية الا اصل عدم الملك، واستصحاب الملك على ملك المالك (البايع خ ل) حتى يتحقق، وقد تحقق مع الصيغة المقررة بالاجماع وبقي الباقي، والشهرة. إذ لا اجماع عندنا لما عرفت، ولهذا ما ادعى الاجماع، بل ادعي الشهرة في

(1) سورة النساء / 29 قال تعالى: الا ان تكون تجارة عن تراض منكم.

[ 142 ]

[... ] شرح الشرائع والتذكرة وغيرهما، ولا عن فان المالك واحمد وبعض الحنفية، على ما قلناه، وبعض العامة يقول بذلك في الحقير دون العظيم، وفسر الحقير بنصاب القطع في السرقة. وهذا تحكم، والشهرة ليست بحجة وهو ظاهر. والاصل والاستصحاب متروك بالادلة التي ذكرناها. وهي اربعة عشر دليلا من الكتاب (1) والسنة (2) والاجماع (3)، وترك البيان (4)، وعدم نقل الصيغة (5)، والتصرف المفيد للملكية (6)، والشريعة السهلة (7)، ولزوم الحرج والضيق المنفي عقلا ونقلا (8)، واللزوم بعد التصرف (9)، والتجارة عن تراض (10)، والعلم به (11)، والملك بدون اللزوم عند الاكثر (12)، وغرض حصول العلم (13)، وبقاء المال للوارث بعد موت البايع (14). وابعد من ذلك اشتراط العربية والماضوية من غير نقل. وبالجملة ما نرى له دليلا قويا الا انه مشهور. قال بعض الاصحاب: يجب التوقف معه، وذلك غير واضح الدليل، والاحتياط حسن مع الامكان، ولكن إذا وقع من غير الصيغة قد يشكل العمل بالاحتياط، نعم ينبغي الملاحظة في الامور وعدم الخروج عن الاحتياط علما وعملا. ثم ظاهر كلام المفيد هو اللزوم بهذا الوجه، ووجهه ان هذا العقد افاد الملك، والاصل فيه هو اللزوم، وبهذا يثبت اللزوم في العقود، ولا دليل عليه غيره، وهو ظاهر. ولان الظاهر ان كل من يقول بانه عقد حقيقي يقول باللزوم، لان مقتضى عقد البيع الحقيقي هو اللزوم بالاتفاق. ولانه إذا حصل الملك لشخص فخروجه واخراجه عنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل فيه والاصل عدمه.

[ 143 ]

[... ] ولما مر انهم يقولون باللزوم بعد التلف، وانه دليل اللزوم قبله، إذ اللزوم بالتلف بعيد. ويحتمل عدم اللزوم، لان الاصل عدم اللزوم، والملك اعم، ولان الملك واللزوم متغايران وما كانا (1) وقد دلت الادلة على حصول الاول وبقي الثاني على نفيه، إذ لا دليل عليه، وما لزم من الادلة المذكورة الا الاول، فان زوال الملك بعد الحصول يحتاج إلى الدليل، ولظاهر بعض ما مر. إذا عرفت هذا فاعلم ان النزاع بين القائل بان المعاطاة مفيدة للملك وليس بعقد، والقائل بانه عقد يرجع إلى اللفظي، إلا باعتبار اللزوم وعدمه، وينبغي ان لا ينازع، بل يقول عقد غير لازم، مع ان الظاهر اللزوم بعد تحقق الملك، فلا ينبغي النزاع. وان ما ذكرناه جار في سائر العقود وليس بمخصوص بالبيع، ولعل العلم حاصل بان الهدايا والتحف والهبات - التي كانت في زمانه صلى الله عليه وآله وزمانهم عليهم السلام بالنسبة إليهم والى غيرهم، وكذا ما كانت في زمان الصحابة والعلماء - كانت تقع من غير صيغة، وكانوا يتصرفون فيها تصرف الملاك مثل البيع والهبة والوطى والعتق في حياة المهدي والواهب وبعد مماتهم أيضا، والا لنقل ولو نادرا من طريق العامة والخاصة ولو بسند ضعيف، مع ان الظاهر في نقل مثله التواتر ولهذا لا يقبل البعض في مثله الا التواتر، وهو مؤيد لما قلناه، هذا. وقد جعلها بعضهم مثل المعاطاة وقالوا بانها تفيد الاباحة فقط، لا الملك. وبعضهم انها تفيد الملك، لا اللزوم ويلزم بالتلف ونحوه، مع انه ليس بعقد. والبعض جعلها عقدا فاسدا، ونقل رجوع القائل، عنه.

(1) لفظة (ما) نافية، اي لم يكن الملك واللزوم.

[ 144 ]

[ ولا ينعقد بدونه وان حصلت امارة الرضا في الجليل والحقير ولو تعذر النطق كفت الاشارة ] والمفيد جعلها عقدا حقيقيا. وقد عرفت الكل، والظاهر هو الاخير، والاباحة فقط بعيدة، وابعد منه كونه عقدا فاسدا لا يجوز التصرف، لما مر من جواز التصرف وغيره. نعم الملك محتمل، ولكن لا ينبغي حينئذ النزاع في انه عقد، إذ لا سبب للملك حينئذ الا العقد بقصد المتعاقدين وفي نفس الامر. والقول بان التراضي والتسليم - مع ما يدل عليه مفيد له، وهو المملك وان ليس ذلك بعقد بغير دليل - بعيد. لانا ما نريد من البيع والعقد الا ما يفيد الملك على وجه التراضي مع ما يدل عليه بالقصد، ثم الظاهر من الملك اللزوم، فلا ينبغي النزاع. قوله: " ولا ينعقد بدونه الخ " اي البيع بدون العقد وهو الايجاب والقبول المتقدم، هذا اشارة إلى عدم حصول الملك بالمعاطاة، وقوله: في الجليل والحقير، اشارة إلى خلاف بعض العامة، كما اشرنا إليه. قوله: " ولو تعذر النطق الخ " اشارة إلى ان اللفظ المعتبر انما يشترط مع الامكان، ومع التعذر تقوم مقامه الاشارة، كما في الاخرس ومن بلسانه آفة، فانها بمنزلة تكلمه. ولهذا تجب الاشارة بدل القراءة والتكبير وغيرهما. والظاهر عدم وجوب التوكيل حينئذ كما قيل به، وبجواز غير العربية للعاجز بنفسه. وهذا مؤيد لما قلناه، لانه لو كان اللفظ المعين واجبا، لما جاز التجاوز عنه مع جريان التوكيل وامكانه من غير نص، وليس هذا مثل الصلاة، لعدم جواز التوكيل فيها، ولهذا ما يوجبون هنا الاتيان بالمقدور بتحريك اللسان والاشارة بالاصبع، بل يكتفون بما يفيد الرضا، وهو يدل على انه الغرض من العقد.

[ 145 ]

[ ولا ينعقد الا بلفظ الماضي وفي اشتراط تقديم الايجاب نظر ] ومثل الاشارة الكتابة على الورق والخشب والتراب، بحيث تدل على الرضا. قوله: " ولا ينعقد الا بلفظ الماضي " لا دليل عليه واضحا، الا انه مشهور، ونقل جوازه بالامر مثل بع والمضارع مثل ابيع عن ابن البراج. ولا باس بالانعقاد بغير الماضي مع الدلالة على انشاء العقد ايجابا وقبولا، مع صدق البيع والعقد، لعموم ادلة الصحة، وخصوص الاخبار الدالة عليها بلفظ المضارع كما سيجي في بيع الآبق واللبن. وان نقل في التذكرة الاجماع على عدم الانعقاد بقوله: ابيعك أو اشترى، لاحتمال الاخبار، فتأمل. وكذا ادعى الاجماع على عدم الانعقاد في الاستفهام. نعم لابد معها ما يدل على قصد انشاء البيع، لا الطلب والاخبار فقط كما في الماضي. ويمكن ان يكون قوله ذلك مع التواطي على ذلك قبل العقد كافيا. قوله: " وفي اشتراط تقديم الخ " وجه النظر صدق العقد، والاصل عدم اشتراط شئ وسائر ما تقدم والاحتياط، لوجود الخلاف، وان القبول فرع الايجاب، فلا معنى لتقديمه. والاول اظهر، وقد فهم مما تقدم، ويؤيده جوازه في النكاح مع ان مبناه على الاحتياط التام، والاحتياط ليس بدليل، مع انه لا يمكن بعد الوقوع (1). مع كون القبول فرع الايجاب غير ظاهر ومنقوض بما جوز في النكاح.

(1) اي لا يمكن الاحتياط بعد وقوع العقد الذي قدم قبوله على الايجاب، لانه يدور الامر بين المحذورين. من الصحة والبطلان.

[ 146 ]

[ ولا ينعقد بالكناية كالخلع والكتابة والاجارة ] على انه انما هو مع كونه بلفظ قبلت ونحوه وحده، أو مع انضمام هذا المتاع وشراءه بمبلغ كذا، وذلك غير كاف من غير نزاع على ما نقل في شرح الشرايع، ولهذا لو اتى البايع أيضا بلفظ القبول ونحوه لم ينعقد، لا للتقديم، بل لعدم صحة هذا اللفظ حينئذ. وانما النزاع إذا اتى بمثل قوله ابتعت أو اشتريت أو شريت أو تملكت منك هذا المتاع بكذا بحيث يشتمل على جميع ما يعتبر في صحة العقد في صورة تقديم الايجاب. ولا ينبغي حينئذ النزاع، فان البايع كالمشتري، فيجوز ابتداءه بالصيغة قبل الاخر، فيكون الاول موجبا والثاني قابلا مطلقا، وسيجئ في بيع الابق وبيع اللبن في الضرع اخبار دالة على جواز وقوع البيع بلفظ المضارع مع التقديم، وبعضها صحيح. قوله: " ولا ينعقد بالكناية الخ " اي لا ينعقد البيع بما لا يدل على البيع والشراء الذي هما الايجاب والقبول صريحا، بل يدل كناية، وان قصد ذلك مثل ادخلته في ملكك، أو جعلته لك بكذا، كما لا يصح ذلك في الخلع، وكتابة المماليك، وعقد الاجارة، وهو ظاهر على مذهبه، بل هو مستغن عنه بعد حصر الايجاب والقبول في الماضي. وقد عرفت انه ينبغي الانعقاد بجميع ما يصدق عليه البيع عرفا بحيث يعلم علما متعارفا قصد ذلك ولو بالقرائن لما تقدم. وجعل في التذكرة الكناية كالكتابة، وقال: ولا في الكتابة لامكان العبث. وهو يدل على انه لو علم القصد لصح، وهو مؤيد لما قلناه، وكذا ما قال فيه: ان الصيغة انما يعتبر في غير الضمني، مثل اعتق عبدك عني، فيكفى، فتأمل.

[ 147 ]

[ وكلما يذكر في متن العقد من الشروط السايغة كقصارة الثوب لازم، ما لم يؤد إلى جهالة في احد العوضين ] قوله: " وكلما يذكر في متن العقد الخ " دليل لزوم ما ذكر في العقد - من الامور السايغة غير المنافية للعقد مثل قصارة الثوب - ظاهر، وهو الايفاء بالعقود وهو داخل فيه، ومثل قوله عليه السلام: المؤمنون عند شروطهم (1) وهو المشهور. ومثل صحيحة ابن سنان في الفقيه والتهذيب عن الصادق عليه السلام (2). والادلة الدالة على الايفاء بالوعد من العقل والنقل كتابا وسنة (3) وهي كثيرة جدا. ولكن ينبغي ان يكون بلفظ لا يكون سببا لتعليق العقد، بان يقول: بعتك ان قصرت ثوبي، أو بشرط قصارة الثوب، فانه يدل على تعليق العقد، وظاهرهم عدم انعقاد المعلق. وأيضا لا شك ان مقتضى لفظ العقد حينئذ عدم الانعقاد الا عند حصول ذلك الشرط مع انهم يقولون بالوقوع بعد اتمام الصيغة، فينبغي ان يقول: بعتك وشرطت عليك قصارة هذا الثوب أو استاجرتك لقصارته ونحو ذلك. ومعلوم أيضا انه لو لم يذكر في العقد لم يلزم، ولكن العقد بالمعنى المتقدم صحته (4)، فإذا ذكر واعطى على وجه وقيل على ذلك الوجه، فالظاهر هو اللزوم حينئذ مطلقا مثل الاصل.

(1) الوسائل، كتاب النكاح، الباب 19 من ابواب المهور، الحديث 4. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الخيار الحديث 1 - 2 - 3 - 5. (3) سورة الانعام / 152 قال تعالى وبعهد الله اوفوا، وسورة الاسراء / 34 قال تعالى. واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا، وغيرهما من الآيات. (4) هكذا في النسخة المطبوعة، وفي بعض النسخ ما لفظه (ومعلوم أيضا انه لو لم يذكر في العقد لم يلزم ذلك العقد بالمعنى المتقدم)

[ 148 ]

[ ولو فسد الشرط فسد العقد ولو شرط ما لا يدخل تحت القدرة كجعل الزرع سنبلا بطل ولو شرط عتق العبد لزم معه ولو لم يعتق تخير البايع في الفسخ، وان مات العبد. ] وبالجملة هو تابع للاصل، فإذا ذكر معه بحيث فهم كونه مرادا، وقبل على ذلك الوجه لزوم، والا فلا. هذا هو مقتضى النظر القاصر، وان كان مقتضى كلامهم خلاف ذلك، لعله مبنى على الاصل المتقدم في الصيغة فتذكر. ثم انه معلوم عدم اشتراط غير الجائز مثل ان يعطيه خمرا وخنزيرا، والظاهر حينئذ بطلان العقد أيضا لو كان المقصود انه انما ينعقد البيع ويرضى به على تقدير الاتيان بالجزء الاخر والرضا به، اعني لا يرضى باحدهما دون الاخر، وان لم يكن بصورة الشرط والتعليق. وكذا ما يؤل إلى الجهالة في الثمن، بان يقول: بعتك بهذا وكتابة كتاب، أو في المبيع مثل بعتك هذا وشرطت لك كتابة كتاب بكذا، ان لم نقل حينئذ بصحة هذا الشرط، وانه يصح ويلزمه كتابة ما يصدق عليه كتاب بناء على جعلهم هذا من بيع الغرر، ولهذا قال في التذكرة: لو اشترط شرطا مجهولا، كما لو باعه بشرط ان يعمل فيه ما يأمر، إلى قوله: فالوجهان. ولا ينبغي القول بصحة الاصل وبطلان الشرط في مثله، كما نقل عن بعض علمائنا في التذكرة في بعض المسائل واختار بطلانهما مثل ماهنا، واليه اشار بقوله: ولو فسد الشرط فسد العقد. قوله: " ولو شرط ما لا يدخل الخ " وجهه ظاهر مما تقدم، بل فرع له، لانه شرط فاسد، وهو ظاهر، وفساد الشرط مستلزم لفساد المشروط كما تقدم. قوله: " ولو شرط عتق العبد الخ " اي لو باع العبد وشرط عتقه مطلقا، أو

[ 149 ]

[... ] عن المشتري - وجوز في التذكرة عن البايع أيضا. وفيه تأمل، لعدم الملك - لزم البيع والعتق ايضا. والظاهر انه لو لم يكن عين مدة لزوم في الحال، وبعد تلك المدة مع تعيينها. ولو لم يعتق تخير البايع بين ان يفسخ البيع ويعطي ثمن المشتري ويرد العبد ان كان باقيا، وان كان تالفا يأخذ قيمته يوم التلف ان فسخ، والا الثمن (1)، هذا ظاهر كلامهم وادعى الاجماع على ذلك في التذكرة. ولي فيه تأمل، لانهم يشترطون في جواز الشرط وصحته، عدم كونه خلاف مقتضى العقد، ولا شك ان وجوب العتق خلاف مقتضاه، لانه يوجب كونه ملكا له يتصرف به كيف شاء، ولهذا قيل: ان شرط كونه ان لا يبيع ولا يعتق بطل، لانه خلاف مقتضاه، بل عدم التصرف في بعض الزمان. الا ان يقال: ان العتق مبنى على التغليب، وقد استثنى من تلك القاعدة، وقد اشار إلى التغليب في الذاكرة والى الاجماع في شرح الشرايع في الجملة. ولانه إذا لم يأت بالشرط ينبغي فساد العقد وبطلانه كما هو مقتضى الشرط، فانه يقتضى توقف الصحة على الشرط، لا اللزوم حتى يلزم التخيير. ولعل كونه لعدم صورة الشرط وعدم صحة تعليق البيع على الشرط يقتضي ذلك، فتأمل. ثم ان الظاهر انه على تقدير ذلك يجب عليه العتق بنفسه أو بوكيله، بمعنى حصول العتق في ملكه باختياره للشرط من غير اختيار ما يوجبه عليه مثل التنكيل، بل تبرعا ايضا، لانه المتبادر من شرط العتق، ولذلك نقص من القيمة، فلا يجوز اخراجه عن ملكه ولو كان بشرط العتق، ببيع ونحوه.

(1) الظاهر ان قوله (والا الثمن) عدل لقوله (بين ان يفسخ) اي لو لم يف المشتري بما شرط عليه من العتق، فالبايع مخير بين فسخ العقد ورد العبد وبين امضائه وابقاء الثمن.

[ 150 ]

[... ] ويمكن جواز الاقالة لعموم دليلها، وكذا رده بالخيار والعيب، ولا يجزي التنكيل، فيمكن ان ينعتق، لعموم دليل العتق بالتنكيل، وله الفسخ واخذ القيمة، لانه اتلفه، ولا يمكن الرجوع إليه. وكذا الكلام في العتق في الكفارة مع لزوم العتق. ويحتمل عدم الرجوع وحصول الاتيان بالشرط وهو العتق مطلقا، فتأمل. ثم ان ضابط الشرط وجوازه يحتاج إلى تأمل كثير، فانه مشكل جدا، فان ما قالوه غير منضبط، فان حاصله ان جميع ما جوزه الشارع في العقل والنقل والكتاب والسنة والاجماع يجوز ويترتب عليه الاثر، لا غير، مثل ما لا يقدر عليه المشترط عليه، أو يؤل إلى الجهل في المبيع أو الثمن، وهو ظاهر. واما غيرهما مما هو جائز في نفس الامر وغير معلوم جواز اشتراطه في العقد وعدمه، مثل شرط العتق وسكنى يوم أو سنة في الدار فغير واضح، وتقييده بما هو جائز شرطه في العقد صحيحا، مجمل غير مفهوم، وهو ظاهر. وبالجملة منه ما هو ظاهر جوازه مثل ما هو مقتضى العقد، مثل قبض الثمن وخيار المجلس والحيوان وغير ذلك. ومنه ما لا يجوز يقينا، مثل ان لا يتملك ولا ينتفع به اصلا. ومنه ما فيه الاشكال مثل ما مر. وقد قسموا الشرط باقسام غير واضحة، مثل ما جعل في التذكرة (1) وغيرها وهو يحتاج إلى التأمل. والاصل والاخبار والآيات يقتضي جواز كل شرط الا ما علم عدم جوازه وصحته بالعقل أو النقل فتأمل، والله الموفق. وقد جعل العتق في التذكرة مما ليس بمقتضى العقد، ولا فيه مصلحة للمتعاقدين.

(1) لاحظ التذكرة ج 1 ص 489 إلى 491.

[ 151 ]

[ ولو شرط قرضا أو اجلا معينا أو ضمينا صح الركن الثاني: المتعاقدان ويشترط صدوره من بالغ عاقل مختار مالك أو ماذون له، فلو باع الطفل أو المجنون أو المغمى عليه أو السكران وان أذن لهم أو المكره لم يصح ولو اجازوا بعد الكمال الا المكره. ] وفيه تأمل. ومنه يعلم جواز اشتراط قرض، أو اجل معين في الثمن، وهو النسية، وفي المثمن وهو السلف وسيجئ تحقيقهما ان شاء الله. الركن الثاني: المتعاقدان قوله: " ويشترط صدوره من بالغ الخ " الظاهر ان ذلك كله شرط في عقد البيع على الوجه الذي قلناه وعممناه، وعلى الوجه الذي قالوه، لاشتراك الدليل، فيشترط ذلك في المعاطاة ايضا، لاشتراك الدليل، وكان ظاهر عباراتهم هنا خالية عن ذلك. والظاهر ان لا خلاف في الكل في الجملة، ويدل عليه الاعتبار ايضا في الجملة. قال في التذكرة: الصغير محجور عليه بالنص والاجماع سواء كان مميزا أو لا، في جميع التصرفات الا ما استثنى كعباداته واسلامه واحرامه وتدبيره ووصيته وايصال الهدية واذنه في دخول الدار على خلاف في ذلك، قال الله تعالى: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم اموالهم (1).

(1) سورة النساء / 6.

[ 152 ]

[... ] وقوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياما الآية (1)، يعني اموالهم، ولعل قوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم) (2) قرينة له. وقوله: فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ان يمل هو فليملل وليه، الآية (3). قيل: السفيه المبذر، والضعيف الصبي، لان العرب تسمى كل قليل العقل ضعيفا، والذي لا يستطيع ان يمل، المغلوب على عقله الاجماع مطلقا غير ظاهر. الاجماع مطلقا غير ظاهر. والاية غير صريح الدلالة، لان عدم دفع المال إليهم، وعدم الاعتداد باملائهم، لا يستلزم عدم جواز ايقاع العقد وعدم الاعتبار بكلامهم خصوصا مع اذن الولي والتمييز. ويؤيده اعتبار المستثنى فانه لو كان ممن لا اعتداد بكلامهم ما كان ينبغي الاستثناء، ولهذا قيل بجواز عقده إذا بلغ عشرا، وعقده حال الاختيار. فان ظاهر الآية كون الاختيار قبل البلوغ ولئلا يلزم التأخير في الدفع مع الاستحقاق، والظاهر منه وقوع المعاملة ايضا، والتفويض إليه بالكلية، فإذا تحقق الرشد يكون ما فعله صحيحا. وكون ايقاع العقد عن الولي حال الاختيار بعيد، غير مفهوم من الآية (4) وكذا كون المراد به مجرد المماكسة أو السوم فقط. وبالجملة إذا جوز عتقه ووصيته وصدقته بالمعروف وغيرها من القربات كما هو ظاهر الروايات الكثيرة (5)، لا يبعد جواز بيعه وشراءه وسائر معاملاته إذا كان

(1) و (2) سورة النساء / 5. (3) سورة البقرة / 282. (4) اشارة إلى قوله تعالى: وابتلوا اليتامى الآية كما تقدم ذكرها آنفا. (5) الوسائل، ج 13، كتاب الوصايا، الباب 44 و 45 فلاحظ.

[ 153 ]

[... ] بصيرا مميزا رشيدا يعرف نفعه وضرره في المال وطريق الحفظ والتصرف كما كان نجده في كثير من الصبيان فانه قد يوجد بينهم من هو اعظم في هذه الامور عن آبائهم، فلا مانع له من ايقاع العقد خصوصا مع اذن الولي أو حضوره بعد تعيينه الثمن. الا ان يقال قد لا يقصد لجهله أو علمه بعدم عقابه، ولكن ذلك قد يندفع من العلم بحاله. قال في التذكرة: وهل يصح بيع المميز وشراءه باذن الولي؟ الوجه عندي لا يصح ولا ينفذ الخ. يستشعر منه الخلاف في الجواز والصحة. وقال ايضا: وفي وجه لنا جواز بيعه إذا بلغ عشرا. وبالجملة ظاهر عموم الآيات والاخبار والاصل، هو الجواز مع التميز التام واذن الولي. لعدم المانع الصريح، لعدم تحقق الاجماع كما مر، وصراحة الآيات - وعدم الاخبار، مؤيدا بالاخبار الدالة على ما استثنى مع العقل - يؤيد الجواز، وسيجئ ان شاء الله تعالى له زيادة تحقيق في بحث الحجر، وننقل هنا بعض دليل تحديد البلوغ وبيان الرشد. والظاهر ان البلوغ يحصل بالشروع في خمسة عشر في المذكر كما هو مذهب بعض العامة وبعض اصحابنا ايضا. وفي تحققه بالشروع في اربعة عشر وجه قوى، كما يدل عليه رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا بلغ اشده ثلاث عشر سنة ودخل في اربعة (الاربعة كا) عشر وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شئ الا ان يكون سفيها

[ 154 ]

[... ] أو ضعيفا (1). كأنها صحيحة، حيث ليس فيها من فيه شئ الا الحسن بن الوشا (2)، والظاهر توثيقه من تسمية ما هو فيه بها. ويؤيد الصحة اخبار اخر، مثل رواية ابي حمزة الثمالي عن الباقر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك في كم تجري الاحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث عشرة سنة واربع عشرة سنة، قلت: فانه لم يحتلم فيها قال: وان لم يحتلم فان الاحكام تجري عليه (3). ونقلها في التذكرة في مقام الاعتبار بالسن حجة على العامة. ولكن قال في مسألة اخرى: وفي طريقها قول، على ان جريان الاحكام بمعنى التحفظ على سبيل الاحتياط (4). وهو بعيد، والاجماع على غيره غير ظاهر، بل هو ظاهر الاستبصار والفقيه. وما في رواية حمران (5) - ان البلوغ يحصل بالاحتلام وبلوغ خمسة عشر، وانه لا يجوز بيع الغلام وشراءه حتى يبلغ خمسة عشر سنة (6) - مع ضعفها بعبد العزيز

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3. (2) سند الحديث كما في الكافي: (عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن عيسى عن الوشا عن عبد الله بن سنان). (3) الوسائل، كتاب الوصايا، الباب 45 في احكام الوصايا، الحديث 3. (4) عبارة التذكرة هكذا (ورواية ابي حمزة عن الباقر عليه السلام، في طريقها قول، على ان جريان الاحكام عليه بمعنى التحفظ، أو على سبيل الاحتياط حتى يكلف العبادات للتمرين عليها والاعتقاد لها، فلا يصح منه عند البلوغ الاخلال بشئ منها، انتهى (ج 2 كتاب الحجر ص 75. (5) الصحيح حمزة بن حمران. (6) الوسائل، كتاب الطهارة، ج 1، الباب 4 من ابواب مقدمة العبادات، قطعة من حديث 1 وكتاب التجارة ج 12، الباب 14 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1 ولفظ الحديث هكذا (حمزة بن حمران عن ابي

[ 155 ]

[... ] العبدي وبجهل حمزة بن حمران وعدم توثيق حمران صريحا (1) مع قصور في المتن - يمكن تأويله بحيث ينطق بالحمل على الاستقلال من اذن الولي وعلى الشروع فيه، فتأمل. وان الرشد هو حفظ المال، وعدم صرفه في غير الاغراض الصحيحة عقلا وشرعا، كما هو المفهوم من رواية عيص بن القاسم (في اخر وصية التهذيب) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال: إذا علمت انها لا تفسد ولا تضيع (الحديث) (2). وكأن المصنف اهمل الرشد، ويحتمل ان ادخله في العقل. وقد ادعى الاجماع على اعتبار العقل وعدم صحة معاملة المجنون، ويدل عليه العقل. ويدل على اعتبار الاختيار وعدم الصحة مع الاكراه العقل والنقل ايضا، مثل: ولا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض (3) والظاهر عدم الخلاف فيه ايضا. وكذا على اعتبار كونه مالكا أو من له الاذن. وكانه لا خلاف في جريان الوكالة في المعاملة، وهو ظاهر من الاخبار ايضا، حيث كانوا عليهم السلام يأمرون بالشراء والبيع لهم. ويدل عليه ايضا فعله صلى الله عليه وآله مع البارقي وروايته مشهورة (4) وسيجئ.

جعفر عليه السلام (في حديث) انه قال: الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتيم ودفع إليها مالها، وجاز امرها في الشراء والبيع، واقيمت عليها الحدود التامة واخذ لها وبها، قال: والغلام لا يجوز امره في الشراء والبيع ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك). (1) سند الحديث كما في الكافي هكذا: محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن حمزة بن حمران). (2) الوسائل، كتاب الوصايا، الباب 45 في احكام الوصايا، قطعة من حدث 1. (3) سورة النساء / 29. (4) سيأتي محل ذكرها عن قريب

[ 156 ]

[ ولو باع المملوك بغير اذن مولاه لم يصح، ولو اشترى نفسه من مولاه لغيره صح ] ويؤيده عمل المسلمين والسعة، وأن الغرض هو الرضا فيحمل مثل قوله صلى الله عليه وآله: لا بيع الا فيما يملك (1) على عدم الاذن، أو بجعل الملك اعم من ملك العين أو ملك التصرف فيها، فتأمل. فالتفريع كله ظاهر إلى قوله: ولو اجازوا بعد الكمال الا المكره، فان الاستثناء غير واضح، بل الظاهر البطلان حينئذ، لعدم حصول القصد، بل وعدم صدور العقد عن تراض، والظاهر اشتراطه على ما هو ظاهر الآية، ولانه لا اعتبار بذلك الايجاب في نظر الشارع، فهو بمنزلة العدم، وهو ظاهر، لعدم الفرق بينه وبين غيره من الطفل وغيره (ونحوه خ)، والفرق بين كلامهم - بانه لا اعتبار به، بخلاف كلام المكره فانه معتبر الا انه لا رضاء معه، فإذا وجد الرضا صح لوجود شرطه - بعيد جدا لما عرفت. وبالجملة لا اجماع فيه ولا نص - والاصل والاستصحاب، وعدم الاكل بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض، وما مر - يدل على عدم الانعقاد، وهو ظاهر، الا ان المشهور الصحة، وما نعرف لها دليلا، وهم اعرف رحمهم الله، لعل لهم نصا ما نقل الينا. قوله: " ولو باع المملوك الخ " الظاهر عدم الخلاف في كون العبد محجورا عليه لا يصح افعاله من البيع وغيره، الا باذن مولاه، وان اذن مولاه يصح وان كان في بيع نفسه وشرائها بوكالة غيره باذن مولاه. ويلوح من ظاهر العبارات ان يكون خطاب المولى له بالبيع وايقاع العقد معه كافيا في الاذن ولا يحتاج إلى الاذن سابقا. وفيه تأمل، إذ ينبغي ثبوت الوكالة قبل ايقاع العقد، ويمكن القول بانه حاصل

(1) عوالي اللئالي، ج 2 ص 247 الحديث 16.

[ 157 ]

[ وللمالك ان يبيع بنفسه وبوكيله وللاب والجد له والحاكم وامينه والوصى البيع عن الطفل والمجنون مع المصلحة. ولو باع الفضولي وقف على الاجازة، فيبطل لو فسخ ] هنا، لان خطابه بان يبيعه من موكله يدل على تجويزه الوكالة والعلم به سابقا والرضا به، الا ان يقال: لابد من التصريح حتى يعلم العبد الذي هو الوكيل، وذلك غير معلوم. وقد يناقش في القبلية ايضا، إذ قد يكفى المعية وحين العقد بحيث لا يقع جزء من العقد قبل الوكالة. قوله: " وللمالك ان يبيع الخ " لا خلاف في جوازه بنفسه (1) وبوكيله، لصدق البيع الذي تحقق مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع، وقد مر ما يدل عليه ايضا. قوله: " وللاب والجد له الخ " الظاهر انه لا خلاف ولا نزاع في جواز البيع والشراء وسائر التصرفات للاطفال والمجانين والسفهاء المتصل جنونهم وسفههم إلى البلوغ، من الاب والجد للاب، لا للام، ومن وصى احدهما مع عدمهما، ثم من الحاكم أو الذي يعينه لهم. وكذا لمن حصل له جنون أو سفه بعد البلوغ، فان امره ايضا إلى الحاكم، إذ قد انقطعت ولايتهم بالبلوغ والرشد، ولا دليل على العود، فهم كالمعدوم، فتكون للحاكم كما في غيرهما، فتأمل. والظاهر انه مع عدمه وتعذره يجوز لآحاد المؤمنين ذلك مع المصلحة، والاخبار ايضا تدل عليه وسيجئ ان شاء الله تعالى. قوله: " ولو باع الفضولي الخ " هذا هو المشهور وما نجد عليه دليلا الا ما روى

(1) في بعض النسخ الخطية هكذا: لا خلاف في جواز بيع المالك بنفسه الخ.

[ 158 ]

[... ] عن عروة البارقي انه صلى الله عليه وآله اعطاه دينارا ليشتري له شاة، فاشترى به شاتين، فباع احدهما بدينار فجاء بدينار وشاة وحكى له، فقال صلى الله عليه وآله له: بارك الله لك في صفقة يمينك (1). وذكروا ايضا انه عقد صدر من اهله في محله، وليس شئ منه بمفقود الا الرضا وقد حصل. ومعلوم عدم صحة الرواية، ومعارضتها باقوى منها دلالة وسندا، لقوله صلى الله عليه وآله لحكيم بن حزام: لا تبع ما ليس عندك (2). ويمكن ايضا حملها على فهم الرضا عنه صلى الله عليه وآله، وكونه وكيلا مطلقا. ومعلوم ايضا عدم صدوره من اهله، لان الاهل هو المالك أو من له الاذن. وبالجملة، الاصل، واشتراط التجارة عن تراض - الذي يفهم من الآية الكريمة، والآيات والاخبار الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير الا باذنه، و كذا العقل - يدل على عدم الجواز وعدم الصحة وعدم انتقال المال من شخص إلى آخر. وقد اجاب في التذكرة عن رواية حكيم بان النهى لا يدل على الفساد (3).

(1) عوالي اللئالي ج 3. ص 205 الحديث 36 ولاحظ ما علق عليه ولفظه ما رواه في المستدرك نقلا عن ابي جعفر بن محمد بن علي الطوسي في ثاقب المناقب عن عروة بن جعد البارقي قال: قدم جلب فاعطاني النبي صلى الله عليه وآله دينارا فقال: اشتر بها شاة، فاشتريت شاتين بدينار، فلحقني رجل فبعت احدهما منه بدينار، ثم اتيت النبي صلى الله عليه وآله بشاة ودينار، فرده علي وقال: بارك الله في صفقة يمينك. ولقد كنت اقوم بالكناسة أو قال: بالكوفة فاربح في اليوم اربعين الفا) (المستدرك ج 2، الباب 18 من ابواب عقد البيع ص 462. (2) سنن الترمذي ج 3 كتاب البيوع ج 19 باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، الحديث 1232 و 1233 وبمضمونه ورد في وسائل الشيعة، ج 12 ص 374، الباب 7 من ابواب احكام العقود، الحديث 2. (3) التذكرة ج 1 ص 476 في مسألة بيع الفضولي.

[ 159 ]

[... ] والظاهر ان النهي راجع الى عدم صلاحيته للبيع والانتقال كما هو الظاهر، على انه يلزم القول بتحريم الفضولي، وهو بعيد لا يقولون به، ولا يمكن ذلك في رواية البارقي، فانه يدل عليه غيرها مما ذكرناه. ثم ان الظاهر على تقدير الجواز يكون الاجازة جزء السبب، لا كاشفا وهو على ما اظنه ظاهر، مع اني ارى ان اكثرهم لا يقولون الا بانه كاشف وما ارى له دليلا. واما الدليل على الاول فكثير، منه ان المفهوم من الآية خصوصا قوله تعالى: الا ان تكون تجارة عن تراض، والاخبار، بل العقل والاجماع، ان رضا صاحب المال جزء وسبب وشرط، وله دخل في صحة العقد، وهو ظاهر، فكيف يصح العقد بدونه ويكون ذلك كاشفا لا سببا. وانه إذا لم يكن الرضا جزء - ومعلوم عدم جزء آخر جزء ولا شرطا غير الايجاب والقبول، للاتفاق، ولهذا ما عد احد امرا اخر جزء ولا شرطا غير الايجاب والقبول الصادرين عن الكاملين - حصل جميع ما يتوقف عليه العقد، فلزم (فيلزم خ ل) العلم بالصحة بدون الرضا. وانه على تقدير عدم الرضا، ان عدم شئ له دخل في صحة العقد، اما الرضا أو الذي يقارنه، فلا يكون العقد صحيحا حين الوقوع والا لزم الحكم بفساد العقد مع وجود جميع ما يتوقف عليه، وهو ظاهر البطلان. وان العقد ان كان موقوفا على امر آخر إلى حين تحقق الرضا يلزم عدم صحة العقد حينئذ، فلا يكون الرضا كاشفا، وان لم يتوقف يلزم الصحة بالفعل قبل وجود الرضا. وهكذا الكلام في جميع الامور التي يقال ان الاجازة أو القبول سبب أو كاشف مثل قبول الوصية، وقد فصلناه واوضحناه هناك.

[ 160 ]

[ ولا يكفى الحضور ساكتا فيه. وللحاكم البيع على السفيه والمفلس والغائب. ] واما فائدة الخلاف فهي ظاهرة لا تحتاج إلى البيان. قوله: " ولا يكفى الحضور الخ " اي لا يكفي الحضور ساكتا في بيع ماله فضوليا، بل لابد من التصريح فان السكوت مع الحضور لا يدل على الرضا أو (1)، في الرضا والاجازة، أو في انعقاد الفضولي والمقصود ظاهر. ويعلم مما تقدم انه لو علم الرضا يكفي ذلك لصحة البيع ولا يحتاج إلى التصريح والتوكيل سابقا، بل إذا علم رضا المالك واذنه بوجه من الوجوه يكون ذلك كافيا، وكذا في التصرف في مال الغير مطلقا. فحينئذ لو وقع فضولي من احد الطرفين يمكن التصرف عوضا عن ماله في ذلك المبيع والثمن لمن وقع العقد فضوليا بالنسبة إليه، لحصول العلم برضاء الذي كان حاضرا في العقد، واجازوا بطريق التقاص إذا تعذر الوصول إليه. وكذا في جميع الامور حتى في المعاملات الفاسدة لو علم ذلك فتأمل، فان الذي يظهر من كلامهم عدمه حيث كان عقدا باطلا فاسدا، ولا يجوز التصرف فيه، لانه ما كان الرضا الا بانه بيع صحيح، وقد فسد ذلك ولم يعلم الرضا بوجه آخر غير ذلك، فتأمل واجهد في الاحتياط. قوله: " وللحاكم البيع على السفيه الخ " لعل دليل جواز بيع الحاكم مال السفيه والمفلس والغائب مع المصلحة، هو الاجماع، وكونه احسانا ولا سبيل على المحسن، والضرورة لانه قد يحتاج إلى البيع للحفظ وعدم التضييع والنقص، وقد يعلم رضا كل عاقل به، فصار تجارة عن تراض ووكيلا له لحصول العلم به، ولانه قائم مقام الامام عليه السلام ونائب عنه كانه بالاجماع والاخبار مثل خبر عمر بن

(1) عطف على قوله (في بيع ماله).

[ 161 ]

[ ويشترط كون المشترى للمسلم والمصحف الا فيمن ينعتق بملكه مسلما. ] حنظلة (1) فجاز له ما جاز للامام الذي هو اولى الناس من انفسهم. ويؤيده جواز التصرف في مال الاطفال للاخبار الصحيحة الصريحة (2) ولبعض ما في الآيات مثل خرق السفينة واقامة الجدار في حكاية الخضر وموسى عليهما وعلى نبينا السلام (3) وان كان في شرع من قبلنا. لان ظاهر الجواب يدل على ان سبب جوازه هو اقتضاء العقل وحكمه بانه نافع، فيجوز في كل المذاهب. ويمكن استفادته من مواضع اخر، فافهم. ويمكن جواز ذلك لآحاد المؤمنين الذي يثق من نفسه مع تعذر الحاكم، لبعض ما تقدم (4) فتأمل، وما رايت له دليلا غير ما ذكرناه، ولا تفصيلا في كلامهم. قوله: " ويشترط كون المشتري الخ " يعني لو كان المبيع مسلما أو مصحفا، يشترط كون المشتري مسلما، وهو المشهور، قال في التذكرة في الاول: وهو مذهب اكثر علمائنا، واستدل عليه بقوله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (5) وبانه لا يجوز الاستدامة فلا يجوز الابتداء، فكأنه لا خلاف في الاستدامة، فلو ملكه بالارث يحكم عليه بالبيع. ولعل دليل عدم جواز بيع المصحف عليهم، وعدم جواز شراءه لهم، هو تعظيم كتاب الله العزيز. قال في التذكرة: قال: وهو احد وجهي الشافعي، فتأمل في الدليل.

(1) الوسائل، كتاب القضاء، الباب 1 من ابواب صفات القاضي، الحديث 4. (2) الوسائل، كتاب التجارة الباب 71 من ابواب ما يكتسب به. (3) سورة الكهف، الآية 21 إلى 82. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب عقد البيع وشروطه، فراجع. (5) سورة النساء، الآية 141.

[ 162 ]

[ ولو باع المملوك له ولغيره، فان اجاز المالك صح. والا بطل فيما لا يملك، ويقسط المسمى على القيمتين، ويتخير المشترى في الفسخ (في فسخ البيع خ ل) ] واستثنى من ذلك من كان المشتري ينعتق عليه مثل الاب والابن والمحرمات من النساء نسبا. لعل وجهه انه لا يبقى السبيل والتسلط، لانه ينعتق عليه في الحال، فالبيع عليه اصلح له، فكأنه يحصل في ملكه ثم ينعتق، فتأمل. قوله: " ولو باع المملوك له الخ " اي لو ضم مال غيره إلى مال نفسه وباعهما صفقة، فان كان باذنه فهو صحيح ويقسط المسمى، وان لم يكن باذنه، فان اجاز فكذلك ان قلنا بصحة الفضولي والا بطل في مال الغير فقط، ويقسط الثمن لتمييز ثمن ماله. ويحتمل البطلان رأسا، فانه انما حصل التراضي والعقد على المجموع وقد بطل، وما حصل على البعض التراضي والعقد، إذ حصوله في الكل لا يستلزم حصوله في الجزء. والمشهور انه انما يبطل في مال الغير فقط، فان العقد على الكل بمنزلة عقود متعددة على الاجزاء، ولهذا لو خرج بعض ماله مستحقا لا يبطل الا فيه، ونحو ذلك كثيرة. نعم لما لم يكن ذلك صريحا وكان تبعيض الصفقة عيبا، يكون للمشتري الخيار ان جهل بالحال، والا فلا. وفيه تأمل معلوم مما تقدم، ولان البايع ايضا ما رضي الا على الوجه الخاص، فكيف تلزمه على غير ذلك الوجه. ويحتمل ثبوت الخيار له ايضا إذا ادعى الجهل، أو ظن قبول مالكه العقد

[ 163 ]

[ ولو ضمه إلى غير المملوك كالخمر والخنزير والحر، قوم عند مستحليه، أو على تقدير العبودية، وقسط المسمى (الثمن خ ل) على القيمتين، ولو علم المشترى في الموضعين فلا خيار. ولو باع غير المملوك ورجع المالك في العين رجع المشترى على البايع بالثمن وبما غرمه مما لم يحصل له في مقابلته نفع، كالنفقة وقيمة الولد والعمارة، مع الجهل بالغصب لا مع العلم. ] الفضولي، أو ادعى فيه الاذن ونحو ذلك. وكذا الكلام فيما لو ضم الخنزير أو الخمر، الا انه يثمن عند مستحليه، بان يقوم عدلان عارفان مسلمان جديدا منا انه يسوى عند مستحليه كذا وكذا. ويمكن الاكتفاء بمن يثق منهم على تقدير العجز وحصول العلم أو الظن القريب، ويقوم الحر، بفرضه رقا. ولو كان المشتري عالما لا خيار له في الكل، وهو ظاهر، لانه اقدم على ذلك مع العلم، فكأنه اشترى الجزء الذي هو ملك البايع بثمنه. وقيل طريق التقويم ان يقوما جميعا، ثم يقوم احدهما وينسب قيمته إلى قيمة الكل واخذه هذه النسبة من المسمى لهذا المقوم ويبقى الباقي للاخر، وهو ظاهر. قوله: " ولو باع غير المملوك الخ " يعني لو غصب مال شخص وباعه، فان رضي المالك بعد علمه وقلنا بصحة الفضولي، فلا كلام، والا فالبيع باطل، فيرجع الي عينه ان كانت باقية، والا فالمثل أو القيمة، قيل: اعلى القيم، وقيل: حين التلف. وقيل: حين القبض. وليس ببعيد ايجاب عوض ما نقص عنده ايضا، فلو كان حين الغصب سمينا يسوى عشرين مثلا، ويسوى حين التلف ثلاثين مع ضعفه بحيث لو كان سمينا يسوى أربعين، فيجب حينئذ اربعين على تقدير اعلى القيم وحين التلف.

[ 164 ]

[ وهل يرجع بما حصل له في مقابلته نفع كالسكنى والثمرة واللبن وشبهه؟ قولان ] وبالجملة ينبغي ضم قيمة ما نقص من العين مع القيمة مثل العين، فانه ينبغي ردها مع عوض ما نقص فكذا القيمة، وكلامهم خال عن ذلك، وقالوا: لا اعتبار بتفاوت السوق، وانه لا عوض له، فليس الاعتبار بوقت التلف، مع ملاحظة ما قلناه ببعيد، لان ذلك هو وقت الضمان وقيمة السوق ليست بمعتبرة، واعتبرنا ماله قيمة وعوض في العين ان نقص، فتأمل. والمالك مخير بين الرجوع إلى المشتري أو البايع، ثم يرجع المشتري على البايع بثمنه وبجميع ما غرمه على تقدير رجوع المالك إليه، ان لم يكن حصل في مقابلته له نفع، حتى عوض النقص الحاصل بالهزال، مثل ما انفق عليه، وبقيمة الولد الذي حصل له من العين المشتراة ان كانت جارية، التي اعطاها للمالك لفك ولده، لانه حر. وهل يرجع بما حصل له نفع مثل قيمة اللبن الذي اكله، وقيمة الثمرة التي اكلها، واجرة السكنى التي اخذها منه المالك أم لا؟ فيه قولان، يلتقيان (يلتفتان خ ل)، إلى انه لما حصل له نفع وحصل عنده عوضه، فينبغي ان يعطي، فيحسب انه اشترى واستكرى، فما حصل عليه ضرر، والى انه سلطه عليه البايع بان ياكله ويسكنه مجانا ولا يعطي شيئا غير ثمن المبيع. ويحتمل ان لم يكن له، لم ينتفع به فلم يشتر اللبن ولا الثمرة ولا يسكن دارا له اجرة. والظاهر الرجوع لما مر، ولانه بمنزلة تسليطه على ماله ياكله مباحا. هذا كله مع جهله، واما مع علمه فقيل يرجع إلى البايع بعين ثمنه لو كانت باقية، والا فلا، لانه سلط البايع على ماله مجانا، فلا عوض له، فكأنه ضيع ماله.

[ 165 ]

[ ويجوز ان يتولى الولي طرفي العقد ] فتأمل فيه، لان المشتري انما سلطه لكونه عوضا عن المال المغصوب، اي لأن يسلطه البايع على اخذ مال الناس ظلما، ويخليه ان يفعل ذلك، فهو بذل مال في امر محرم، فلا يملكه الاخذ، ولا يبيح له ان يتصرف مثل الرشوة وعوض الخمر وسائر المحرمات، فالظاهر انه لا يبيح له التصرف فيه حينئذ، ويضمن، فله ان يرجع إلى عوضه كما في الامثلة الا ان يفعل شيئا مملكا أو مبيحا غير ذلك الوجه، ويحمل كلامهم على ذلك، والا فبعيد كما ترى. وقد اشار إلى ما قلناه المحقق أبو القاسم نجم الدين رحمه الله في جواب المسائل التي سئل عنها، فيشكل دعوى الاجماع المنقول في التذكرة على عدم وجوب رد القيمة، ويمكن حمله على ما مر. قوله: " ويجوز ان يتولى الولي الخ " الظاهر من كلامهم عدم الخلاف في ذلك، بل ادعى الاجماع في المنتهى عن ابن ادريس، ويفهم الخلاف في شرح الشرايع. فللاب والجد ان يشتري مال ولده لنفسه، ويشتري له من نفسه، بل في النكاح ايضا بان يزوج جارية ولده من صبي ولده الآخر، وكذا لوكيل الولي ان يفعل ذلك. وانما الخلاف في الوكيل، بان يكون شخص واحد وكيل البايع والمشتري معا ويوقع العقد، أو يكون وكيلا لاحدهما ويوقعه لنفسه. والوصي بان يوقع العقد لنفسه من مال الطفل، أو يكون وليا لاطفال يشتري للبعض من مال الآخر. وعموم ادلة جواز العقود والايفاء بها يدل على الجواز، لصدق العقد عليه من غير نزاع، فيكون تحت اوفوا بالعقود، واحل الله البيع من غير نزاع، ولانه عقد صدر من اهله في محله مع الشرائط، فيصح، والاصل عدم شرط آخر، وعدم كونه من شخص واحد مانعا. وعدم اشتراط التعدد، ولان الغرض الرضا لا غير لما مر،

[ 166 ]

[... ] ولانه تجارة عن تراض، وللجواز في الولي، وهو صريح في عدم مانعية الوحدة وعدم اشتراط التعدد. والاخبار الدالة على ان ليس للوكيل ان يشتري لنفسه، وكذا البيع (1) محمولة بعد تسليم سندها، ودلالتها على التحريم، فانهما خبران غير صحيحين وغير صريحين في التحريم، وفي احدهما اشعار بانه محل التهمة والتدليس، فالكراهة محتمل جيد. وكذا التهمة على عدم الاذن الصريح، فالمنع ليس من جهة الاتحاد، بل من جهة عدم الاذن، فان ظاهر الكلام ان المعاملة يكون من غير الوكيل، وهو الظاهر من الروايات وفهمه الاصحاب الا ابن ادريس، فتأمل، فيشتري لنفسه مع الاذن الصريح، وكذا البيع، نعم الاحتياط يقتضي عدم ارتكاب مثل ذلك سيما في الانكحة، وينبغي الايقاع بينهما (2) وبين نفسه، وان نفسه لم يعرف يجعلها وكيله ويكون هو وكيلها، أو يجعل شخصا آخر وكيلا ويكون هو وكيلها. وقد منع ذلك بعض العامة، نظرا إلى ان الوكيل والموكل بمنزلة شخص واحد، فما خرج من كون طرفي العقد شخصا واحدا، وهو ممنوع كما ترى، ولكن الاحتياط لا يترك. وقد يتخيل ان الاصل عدم انتقال مال إلى غيره، وعدم حصول الاباحة، وقد علم ذلك في المتعدد بالاجماع ونحوه، مثل صدق العقد حينئذ بالاجماع، وذلك غير واضح في الواحد، فيبقى على اصل المنع. ويمكن دفعه بما مر، وهو ان الدليل قد ابطل الاصل، فيترك لذلك. نعم الاحتياط أمر حسن خصوصا في زماننا، لعدم العلم بوجود قول من يعمل به.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب آداب التجارة، الحديث 1 - 2. (2) هكذا في النسخ المطبوعة والمخطوطة ولعل الصواب بينها بالافراد لا بينهما بالتثنية.

[ 167 ]

[ الركن الثالث: العوضان وفيه قطبان: الاول: في الشرائط. يجب كونهما مملوكين، فلا يصح بيع الحر والخنافس (والديدان خ) وشبههما والحشرات والفضلات. وما لا ينتفع به لقلته كالحبة من الحنطة، والمشترك بين المسلمين قبل الحيازة كالماء والوحوش وارض الخراج. ] قوله: " يجب كونهما مملوكين إلخ " اشارة إلى شرائط من الركن الثالث، وهو العوضان. منها ان يكونا مملوكين لمن له البيع والشراء، وهو ظاهر، إذ لا معنى لبيع ما لا يملك ولا الشراء به، وان ذلك سفه وتبذير غير مشروع ولا معقول، ولا إذا كانا لغير من لهما، وهو مجمع عليه. قوله: " ولا ما لا ينتفع به لقلته الخ " كانه اشارة إلى ان المراد بالملك، هو الملك الذي يحصل به النفع، فهو عطف على الحر، فلا يصح ولا يجوز المعاملة بما لا ينتفع به لقلته، وان كان ملكا كحبة من حنطة. ولهذا لا يجوز اخذه من غير اذن صاحبه، وان لم يجب الرد والعوض بناء على ما قيل. ولعل دليله يظهر مما مر من ان بذل المال في مقابلة مثله سفه عقلا وشرعا، فلا يجوز، وانه ليس معاملة مثله متعارفا، والمعاملة المجوزة يصرف اليهما (إليها خ ل). وفيه تأمل لانه قد ينتفع به وذلك يكفى، ولهذا قيل: لا يجوز سرقة حبة من الحنطة، وينبغي الضمان والرد ايضا، وان قيل بعدمهما، ومجرد كونه ليس بمتعارف لا يوجب المنع، نعم لابد من بذل ما لا يزيد عليه، لئلا يكون سفها وتبذيرا كما في سائر المعاملات، فانه قد يشتري حبة حبة ويجتمع عنده يحصل فيه نفع كثير، وقد

[ 168 ]

[ وتمامية الملك. فلا يصح بيع الوقف الا ان يخرب ويؤدي إلى الخلف بين اربابه على رأي. ] يحصل النفع بالانضمام إلى غيره ايضا. وبالجملة ما لا نفع فيه اصلا وبوجه من الوجوه لا يجوز معاملتها، للسرف، واما ماله نفع في الجملة كالحبة فليس بظاهر عدم جواز المعاملة بامثالها. قوله: " كالماء والوحوش الخ " ظاهر العبارة تدل على انهما مملوكان، والملكية مشتركة بين المسلمين كارض الخراج. وكان في المثال مسامحة، إذ الظاهر انهما ليسا بمملوكين، بل قابلان لملكية كل انسان، نعم ارض الخراج مثل المفتوحة عنوة مملوكة، وقد مر عدم جواز بيعه، وقيل: انه يجوز تبعا للآثار، وقد مر ان الظاهر ان لا يجوز بيعها مطلقا، بل انما يجوز بيع الآثار فقط، والاولوية والاحقية ان كانت، تبعية. نعم يمكن ان يبيعها الامام عليه السلام لمصالح المسلمين إذا توقفت عليه. قوله: " وتمامية الملك الخ " معناها غير واضح، نعم الامثلة ظاهرة، وقد يراد بها ما للمالك ان يتصرف كيف شاء، وفيه اجمال لا يعلم انه أي شئ، مما يجوز فيه مطلق التصرف أم لا حتى يعلم جواز بيعه وعدمه. قوله: " فلا يصح بيع الوقف الخ " دليله ظاهر، وهو لزوم اخراجه عما اوقف عليه الذي هو قصد الواقف فانه لابد في الوقف من اعتبار عدم بيعه، بل ذلك داخل في اصل الصيغة والاخراج عما قصده مع كونه جائزا غير جائز، وهو ظاهر. وقد استثنى منه ثلاث مواضع: (احدها) خروجه عن الانتفاع فيما اوقف له، كرث (1) حصر المسجد

(1) الرث الشئ البالي مجمع البحرين.

[ 169 ]

[ ولا بيع ام الولد مادام ولدها حيا، الا في ثمن رقبتها مع اعسار مولاها به ] وكسر جذعه، فلا يبعد بيعه للمتولى وهو الناظر الخاص، ومع عدمه للحاكم، ولآحاد المؤمنين لو لم يكن، وشراء ما ينتفع به فيه، لانه احسان، وتحصيل لغرض الواقف مهما امكن، وكانه إليه اشار بقوله: (الا ان يخرب). ويمكن ادخال ما ينقص نفعه وما ليس فيه نفع في الموقوف عليه - فيه. (وثانيها) ما إذا لحق موقوفا عليهم حاجة شديدة وضرورة كلية، ولا يندفع بغلة الوقف، ويندفع ببيعه. ويدل عليه الاعتبار والاخبار مثل رواية جعفر بن حنان (1). وفيه تأمل، لعدم كونه دليلا، مع وجود المنع، وصحة الخبر غير معلوم، وكان لذلك ما اشار إليه المصنف رحمه الله، وسيجئ في بابه. (وثالثها) إذا ادى إلى الخلف بين ارباب الوقف، بحيث يخاف منه التلف. دليله الضرورة، ووجوب حفظ ما يتلف، وصحيحة علي بن مهزيار (2) وسيجئ في بابها ان شاء الله. وإذا امكن شراء شئ آخر خال عن المفسدة، يمكن وجوبه، لحفظ مقصود الواقف مهما امكن. قوله: " ولا بيع ام الولد الخ " اي لا يصح بيع ام الولد لنقصان في ملكيتها، وهي على ما هو المشهور امة حملت في ملك سيدها، منه. وعدم جواز بيعها ما دام ولدها حيا، مع ايفاء ثمنها، أو القدرة عليه مما لا خلاف فيه بين المسلمين، ولعله دلت عليه بعض الروايات (3) وسيجئ في كتاب العتق.

(1) الوسائل، ج 13، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6 في احكام الوقوف والصدقات، الحديث (2) الوسائل، ج 13، كتاب الوقوف والصدقات، الباب 6 في احكام الوقوف والصدقات، الحديث (3) الوسائل، ج 16: كتاب العتق الباب 2 من ابواب الاستيلاد، فراجع.

[ 170 ]

[... ] وقد الحق بالبيع سائر ما يخرجها عن الملك، قياسا على البيع، لظهور الاشتراك في العلة، ولانه لو جوز غيره لا يبقى فائدة منعه، وهو بقائها على الملك لتعتق، إذ تخرج عن الملك بوجه آخر مثل الصلح والهبة وغيرهما، فتأمل. وقد استثنى مواضع مذكورة في الكتب مجتمعة ومتفرقة: (منها) بيعها بعد موت ولدها، ولا خلاف عندنا فيه على ما نقل في شرح الشرايع وغيره. وكذا بيعها في ثمن رقبتها إذا كان الثمن دينا في ذمة المولى وهو معسر به الان، مع اخراج مستثنيات الدين مثل دست (1) الثوب وبيت السكنى، وقوت يوم وليلة، والظاهر عدم الخلاف إذا كان بعد موت المولى. ويدل عليه رواية ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى جارية يطأها، فولدت له، فمات؟ فقال: ان شاؤا ان يبيعوها باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، وان كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه، وان كان ولدها صغيرا ينظر به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، فان مات ولدها بيعت في الميراث ان شاء الورثة (2). وهذه غير صحيحة لوجود المجهول مثل القصير وخداش، ولوجود محمد بن عيسى وابي بصير المشتركين (3). على ان في متنها ايضا تأملا، وما رايت غيرها (4).

(1) الدست من الثياب ما يلبسه الانسان ويكفيه لتردده في حوائجه، وقيل: كلما يلبس من العمامة إلى النعل والجمع دسوت (مجمع البحرين لغة دست). (2) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 24 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 4 - 5. (3) سند الحديث كما في التهذيب (احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عيسى عن القصري عن خداش عن ابي بصير). (4) نعم روى الكليني في الفروع ج 6 ص 192 الحديث 4 ما لفظه (علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن

[ 171 ]

[ ولا الرهن الا باذن المرتهن. ] ففي استثناء غير الصورتين، بل في استثناء بيعها مع حياة المولى ايضا تأمل. وما عرفت وجه تعليل هذا الفرد بقوله في شرح الشرايع: لاطلاق النص، وما رايت نصا آخر، وفي دلالة هذه الرواية على البيع بعد موت الولد فقط ايضا تأمل ظاهر. فيمكن الاقتصار على موضع الوفاق، وهو البيع في الدين مع موت المولى وموت الولد فلا يستثنى غيرهما عن موضع الاجماع. ولكن لا يبعد ان يقال: ان الاستصحاب وادلة العقل والنقل تدل على جواز التصرف في الاملاك مطلقا، فيجوز مطلق التصرف في ام الولد ببيعها مطلقا وغيره الا ما خرج بدليل، وما ثبت الدليل، وهو الاجماع هنا الا في منع البيع مع بقاء الولد وعدم اعسار المولى بثمنها، فيجوز بمجرد موت الولد مطلقا، لعدم الاجماع، وفي ثمن رقبتها كذلك، لذلك، فتأمل واحتط. ويمكن بيع بعضها لو كان الدين والاعسار في البعض. قوله: " ولا الرهن الا باذن المرتهن " اي لا يصح بيع ما رهنه، لعدم جواز التصرف فيه الا باذن المرتهن والبيع تصرف. لعل دليله. ويمكن فهمه من الاجماع والرواية ايضا (1). والظاهر انه يجوز بيعه للاقتضاء وان لم يرض المرتهن، وقد استثنى في مواضع اخر مذكورة في الكتب مجتمعة ومتفرقة، ولا يحتاج إلى ذكرها هنا، وسيجئ تمامه في بحث الرهن.

ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات ولدها، فقال: ان شاؤا باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، وان كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه) فعليهذا لا مناقشة في السند. (1) الوسائل، ج 13، الباب 8 من ابواب الرهن فلاحظ.

[ 172 ]

[ ويجب القدرة على التسليم، فلا يصح بيع الآبق منفردا ويصح منضما. ] قوله: " ويجب القدرة على التسليم الخ " اي من الشرائط القدرة على تسليم العوضين، قال في التذكرة: وهو اجماع، فلا يصح بيع الآبق منفردا ويصح بيعه منضما إلى ما يصح بيعه منفردا من مالك الآبق كما قيل في شرح الشرايع. ولما كان هذا مخالفا لسائر الشروط - فانه قد يجوز مع عدم القدرة على التسليم بشرط الانضمام إلى المقدور كما في الآبق - غير الاسلوب. واما دليل عدم جواز بيعه وشراءه منفردا، فكأنه السفه، وانه بيع غرر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر (1). واما دليل الجواز مع الانضمام، فكأنه الاجماع، ورضاءه بشراء ما يصح قبضه فقط بذلك الثمن كله. وصحيحة رفاعة النخاس قال: سألت ابا الحسن يعني موسى بن جعفر عليهما السلام قلت له: يصلح لي ان اشترى من القوم الجارية الابقة واعطيهم الثمن واطلبها انا؟ فقال: لا يصلح شراؤها الا ان تشتري معها منهم شيئا ثوبا أو متاعا، فتقول لهم: اشترى منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما، فان ذلك جائز (2). ورواية سماعة عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري العبد وهو آبق عن أهله؟ قال: لا يصلح له الا ان يشتري معه شيئا آخر، ويقول: اشترى منك هذا الشئ وعبدك بكذا وكذا، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى منه (3).

(1) عوالي اللئالي، ج 2، ص 248 الحديث 17. (2) و (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1 - 2.

[ 173 ]

[ ولو ضمه إلى ما يصح بيعه وتعذر القبض لم يرجع على البايع وكان الثمن في مقابلة الضميمة. ] وفي الاولى دلالة على تعيين المبيع وكون المنضم شيئا له قيمة مثل الثوب والمتاع، وفي الاخيرة دلالة على وقوع الثمن في مقابلة المنضم. ولعل فيها دلالة على عدم وجوب مقارنة الايجاب للقبول، بل جواز الاكتفاء بالرضا والاقباض، وعدم اشتراط تقديم الايجاب، بل الماضوية في الصيغة، فتأمل. ونقل في الدروس عن المرتضى جواز بيع الآبق على من يقدر على تحصيله من غير ضميمة، كانه خصص عموم الرواية، أو يردها كغيرها. كانه، لان جوازه حينئذ معلوم بالعقل قوله: " ولو ضمه إلى ما يصح بيعه الخ " اي قبض الآبق مثلا لم يرجع على البايع بشئ من قسط الآبق، لا بمعنى ان لا ثمن له اصلا، وهو ظاهر، لانه كان جزء للمبيع فله جزء من الثمن، بل بمعنى لا رجوع له على البايع بحصته من الثمن، لرضاه بالبيع مع كونه ابقا، فكأنه اقدم على ان ما دفعه في مقابلة المقدور على تقدير عدم الظفر به. ولانه مثل من رضى ببيع المعيب والناقص مع علمه به، وليس له حينئذ ارش، وهو ظاهر، ولما في رواية سماعة المتقدمة، ولا يضر ضعفها، فتأمل. والظاهر ان لا يقاس على الآبق الضالة من البعير والغنم وغيرهما، فان الظاهر جواز بيعها من غير انضمام شئ، للاصل، وعموم ادلة العقود، ولحصول الرضا، مع عدم معلومية دخوله تحت الغرر، لعدم ظهوره، لاحتمال ان يلقيه، والا يرجع بثمنه لعدم حصول التسليم، العقد، وبهذا يخرج عن السفه. ومن هذا علم ان الدليل في الاول هو النص والاجماع، واختار ما ذكرناه في التذكرة ويحتمل بطلان العقد رأسا، فتأمل.

[ 174 ]

[ ويصح بيع الطائر إذا اعتيد عوده. والسمك في المياه المحصورة. ويجب كونهما معلومين. ] قوله: " ويصح بيع الطائر الخ " دليل الصحة شمول عموم ادلة صحة العقود ووجوب الوفاء بها له من غير مانع، لان العادة عندهم بمنزلة المتحقق، فيخرج بها عن الغرر وعدم القدرة على التسليم، وهو مثل بيع الدابة المرسلة والعبد المبعوث وراء الاشغال. وكانه احتمل في النهاية البطلان، وهو احتمال لا يخلو عن بعد، قال في شرح الشرايع: وهو احتمال موجه ولكن الاول اقوى. قوله: " والسمك في المياه المحصورة " المراد صحة بيع السموك المملوكة المشاهدة بحيث يرتفع الغرر المسبب عن الجهل، بان يعرف مقدار الكل في الجملة وكبرها وجسمها، وان لم يعرف عددها. وبالجملة شرط في التذكرة لجواز بيع السموك في الماء شروطا ثلاثة، الملكية، ورقة الماء بحيث لا يمنع عن المشاهدة، وامكان اخذه، بان يكون في موضع محصور، مثل بركة صغيرة، ونقل عنها في شرح الشرايع عدم اشتراط العلم بالعدد في السمك. ودليل الجواز يعلم مما مر، وهو ادلة صحة، العقود، مع عدم العلم بصدق الغرر، على ان سند نهيه صلى الله عليه وآله عن بيع الغرر غير ظاهر، فكأنه قيل بالاجماع، فتأمل. قوله: " ويجب كونهما معلومين " من الشروط معلومية العوضين عند المتبايعين بحيث يعرفان ما يبذل وما يؤخذ عوضه، ليرتفع الجهل الموجب للغرر والسفه، وادعى على ذلك اجماع علمائنا في التذكرة، وهذه المعلومية لا يخلو عن اجمال، وسيعلم بانه يكفي المشاهدة في البعض والوصف في البعض الآخر، وانه لابد

[ 175 ]

[ فلو باعه بحكم احدهما أو بقبضة من فضة أو بقبة من طعام غير معلوم القدر بطل. ] من الكيل والوزن والعد فيما يجري ذلك فيه. قوله: " فلو باعه بحكم احدهما الخ " وكذا بحكم ثالث، والغرض تمثيل، وهو متفرع على اشتراط العلم، ومعلوم ان البيع بثمن يحكم به شخص، اي شخص كان، مجهول. وكذا بقبضة من فضة وقبة من طعام، لانه لم يعلم وزن ما يسعه الكف، وكذا وزن القبة، على ان التفاوت في الاكف موجود، وكذا في القب، ولكن مع تعيينهما من غير العلم بالوزن ايضا لا يصح عندهم، لاشتراط الوزن أو الكيل في الطعام، هذا. ولكن في رواية رفاعة النخاس (دلالة على عدم اعتبار العلم، واظنها صحيحة، وهي مذكورة في باب ابتياع الحيوان من كتاب التهذيب) قال: الحسن بن محبوب عن رفاعة النخاس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: ساومت رجلا بجارية فباعنيها بحكمي، فقبضتها منه على ذلك، ثم بعثت إليه بالف درهم، فقلت: هذه الالف درهم حكمي عليك، فابى ان يقبلها مني، وقد كنت مسستها قبل ان ابعث إليه بالالف درهم؟ قال: فقال: ارى ان تقوم الجارية قيمة عادلة، فان كان قيمتها اكثر مما بعثت إليه كان عليك ان ترد إليه ما نقص من القيمة، وان كان قيمتها اقل مما بعثت إليه فهو له، قال: فقلت: أرايت ان اصبت بها عيبا بعدما مسستها قال: ليس لك ان تردها، ولك ان تأخذ قيمة ما بين الصحة والعيب (1). والظاهر ان طريقة هذا إلى الحسن بن محبوب الثقة، صحيح (2) لانه قد

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 18 من ابواب عقد البيع وشروطه الحديث 1. (2) طريق الصدوق رحمه الله الى الحسن بن محبوب كما في المشيخة هكذا (وما كان فيه عن الحسن بن المحبوب فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه عن عبد الله بن جعفر الحميري وسعد بن عبد الله

[ 176 ]

[ ولو باع المكيل والموزون والمعدود جزافا كالصبرة بطل وان شوهد. ] ذكر ما قبله كما ذكره في رواية رفاعة النخاس في بيع الآبق مع الضميمة، وقال: احمد بن محمد عن الحسن أو ابن محبوب، وان لم يكن صحيحا فهو حسن، لانه قال في الخلاصة: ما ذكره عن الحسن بن محبوب ان كان مما اخذه من مصنفاته فهو صحيح، والا فهو حسن لوجود ابراهيم بن هاشم، هذا مع قطع النظر عما يعلم من فهرسته، واما مع النظر إليه فجميع ما نقله عنه من الروايات والمصنفات فهو صحيح، فكلام الخلاصة محل تأمل. وهي تدل على جواز الجهل في الثمن، وانه يقع البيع صحيحا، وينصرف الي القيمة السوقية إذا بيع بحكم المشتري، ولكن نقل الاجماع في التذكرة على اشتراط العلم مع عدم ظهور خلافه، يمنع القول بها، ولكن تأويلها مشكل وكذا ردها، فيمكن ان يكون حكما في قضية ولا يتعدى. قوله: " ولو باع المكيل والموزون الخ " اعتبارهما فيهما هو المشهور بينهم، ولكن ما رأيت له دليلا صالحا. وادل ما رأيته حسنة الحلبي في الكافي عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال في رجل اشترى من رجل طعاما عدلا بكيل معلوم، ثم ان صاحبه قال للمشتري: ابتع مني هذا العدل الآخر بغير كيل، فان فيه مثل الآخر الذي ابتعت؟ قال: لا يصلح الا ان يكيل، وقال: ما كان من طعام سميت فيه كيلا فانه لا يصلح مجازفة هذا مما (ما خ) يكره من بيع الطعام (1). وفي السند شئ لعدم توثيق الصريح لابراهيم بن هاشم، بل المدح وعدم

عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب) وطريق الشيخ رحمه الله الى الحسن بن محبوب كما في مشيخة التهذيب هكذا (ومن جملة ما ذكرته عن الحسن بن محبوب: ما رويته بهذه الاسانيد عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن الحسن بن محبوب). (1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب 4 من ابواب عقد البيع وشروط، الحديث 2.

[ 177 ]

[... ] قبول الحسنة، هذا هين، لانه صحيح في التهذيب على الظاهر، وان كان فيه ابن مسكان، ولكن الظاهر انه عبد الله، لنقله عن الحلبي، وهو مروية فيه بطريق آخر صحيح من غير وقوع مشترك فيه، مثل ابن مسكان وغيره (1). وبقى في المتن شئ، لانها تدل بظاهرها على عدم الاعتبار بخبر البايع بالكيل، وهو خلاف ما هو المشهور بينهم والمذكور في كتبهم. وفي الدلالة على المطلوب ايضا تأمل، للاجمال، وللاختصاص بالكيل والطعام في قوله: ما كان من طعام سميت فيه كيلا، ولقوله: هذا مما يكره من بيع الطعام. وكانه لذلك قال البعض: بجواز بيع المكيل والموزون بدونهما مع المشاهدة، ويمكن القول به مع الكراهة. ويؤيد الجواز الاصل، وعموم ادلة العقود، ويدل عليه بعض الاخبار، مثل ما يذكر في جواز بيع الطعام من غير قبض (2). ثم اعلم انهم قالوا: المراد بالمكيل والموزون ما ثبت؟ فيهما الكيل والوزن في زمانه صلى الله عليه وآله وحكم باقي (الباقي في - خ ل) البلدان ما هو المتعارف فيها، فما كان مكيلا في بلد أو موزونا فيه، يباع كذلك والا فلا. وفيه ايضا تأمل، لاحتمال ارادة الكيل والوزن المتعارف عرفا عاما وفي اكثر البلدان أو في الجملة مطلقا، أو بالنسبة إلى كل بلد بلد كما قيل في المأكول والملبوس في السجدة من الامر الوارد بهما لو سلم، والظاهر هو الاخير.

(1) سند الحديث كما في الكافي هكذا (علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن حماد عن الحلبي) وفي التهذيب (الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن مسكان عن الحلبي) والطريق الآخر في التهذيب (الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود، فراجع.

[ 178 ]

[... ] ويحتمل عدم جواز بيع المكيل بالوزن وبالعكس بعد ثبوت اشتراطهما كما قيل، وقيل: بجواز الاصل دون العكس، ولعل في بعض الاخبار اشارة إليه (1). وايضا قالوا: لابد من البيع بالكيل المشهور والصنجة (2) المشهورة، لاحتمال ان يتلف غير المشهورة ويقع الخلف بينهما، فلا مرجع حينئذ بخلاف المشهور. ويؤيده حسنة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يصلح للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر (3). وفيه ايضا تأمل، لضعف الوجه الاول، فانه لا يقاوم الادلة العامة الكثيرة الدالة على وجوب الايفاء بالعقود، والرواية على تقدير تسليم العمل بالحسنة، تحمل على البيع بغير صاع البلد بسعر صاع البلد، لاحتمال كونه ناقصا وزائدا. ويؤيده ما في رواية محمد الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يحل لرجل ان يبيع بصاع سوى صاع المصر، فان الرجل يستاجر الحمال، فيكيل له بمد بيته، لعله يكون اصغر من مد السوق، ولو قال هذا اصغر من مد السوق لم يأخذ به ولكنه يحمله ذلك ويجعله في امانته، وقال: لا يصلح الا مد واحد، والامنان بهذه المنزلة (4). وتأمل في التأييد، وسيجئ لهذه زيادة تحقيق. ومنه يعلم البحث في المعدود، والظاهر عدم دليل على عدم جواز بيعه الا عدا، وعموم ادلة جواز العقود والوفاء بها، يدل على الجواز، وعدم اشتراط العد. والاصل مع العمومات وحصول التراضي الذي هو العمدة في الدليل (في

(1) الوسائل كتاب التجارة. لاحظ باب 4 من أبواب عقد البيع لعلك تجد ما أشار إليه. (2) والصنجة، صنجة الميزان معرب، وعن ابن السكيت ولا تقل سنجة (مجمع البحرين). (3) الوسائل، كتاب التجارة الباب 26 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 26 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

[ 179 ]

[ ويفتقر ما يراد منه الطعم أو الريح إلى اختباره بالذوق والشم. ولو بيع بالوصف أو بغير الوصف على ان الاصل الصحة جاز، ] الاصل خ ل). دليل قوي، فاثبات خلافه مشكل، وان كان المشهور عدم الجواز، والاحتياط معه في الجملة، قبل وقوع العقد، نعم الاولى عدم ارتكابه والترك لبايعه على تقدير رضاه، فتأمل. قوله: " ويفتقر ما يراد منه الطعم الخ " يعني يفتقر لزوم البيع - فيما المطلوب منه الطعم ويختلف طعمه - إلى اختباره بطعمه، وكذا المشموم بشمه، أو يكون المراد على سبيل (طريق خ ل) الاستحباب، فان البيع جائز وصحيح على تقدير عدم الاختيار كما صرح به بعده، وان خالف فيه البعض على ما اشار إليه في الشرايع (1)، ويبعد وجوبه مع (بعد خ له) انعقاد البيع بدونه، للاصل وعدم الدليل، وحصول الرضا، وان الغرض من الاختيار هو حصول العلم بالطعم والشم، ليحصل الرضا ببيعه غالبا، وهو حاصل بناء على ما هو المتعارف واصل عدم التغيير عما كان. قوله: " ولو بيع بالوصف الخ " قيل: المراد بيع ما يحتاج إلى اختياره مع مشاهدته من غير وصف، بناء على اصل خلقته ومقتضى طبعه، وعدم تعيبه. وقيد المشاهدة ليعلم غلظه ورقته فيرتفع مطلق الجهالة، وان لم يحصل المعرفة التامة، لانها ليست بشرط، والا لم يجز البيع بالوصف ولا باختيار وجهه لعدم الاستقصاء واحتمال مخالفة باطنها ظاهرها، وهو ظاهر. ويعلم منه انه لو اشترى من غير المشاهدة ولا الوصف لم يجز، ولا يصح البيع

(1) قال في الشرايع في الخامس من شروط المبيع ما هذا لفظه: (وهل يصح شراءه من غير اختبار ولا وصف على ان الاصل الصحة؟ فيه تردد والاولى الجواز).

[ 180 ]

[ فان خرج معيبا تخير المشترى بين الرد والارش، ومع التصرف الارش خاصة. وكذا ما يؤدي اختباره إلى افساده كالبطيخ، ولو لم يكن لمعيبه قيمة كالبيض بطل مع ظهور عيبه، والاعمى كالمبصر. ] من غير خلاف، لانه قال في شرح الشرايع: محل الخلاف ما لو كان المبيع مشاهدا بحيث يرتفع الجهالة عنه من جهة القوام أو اللون، فيلزم عدم صحة شراء الاعمى ما تقدم لا بالوصف. وفيه تأمل، لاحتمال البناء على الاصل والغالب، فان اللبن في موضع معين قد يعلم كونه على وصف من القوام، وكذا العسل والدبس، ولا يتفاوت الحال غالبا في ذلك تفاوتا لا يجوز بيعه الا نادرا وبالتدليس، ويمكن كفاية مقدار ذلك كما في حال الرؤية، فانه لم يسلم من الجهالة التي يتفاوت الحال بها تفاوتا بينا. قوله: " فان خرج معيبا الخ " اي ان خرج بعد البيع بالوصف أو بدونه مع المشاهدة ما المطلوب منه الطعم والشم بوصف يعد ذلك عيبا شرعا وموجبا للتخيير - تخير بين الرد واعادة الثمن، والامساك واخذ الارش كما هو المقرر في سائر المعيبات، ان لم يتصرف فيه تصرفا موجبا لسقوط الخيار، والا فالارش فقط. قوله: " وكذا ما يؤدي اختباره الخ " اي مثل التصرف فيما يختبر - إذا ترك الاختبار وخرج معيبا في لزوم الارش فقط - التصرف فيما لا يمكن اختباره، وهو يبقي على حاله، بل يفسد وينقص قيمته، مثل البطيخ (معيبا خ). ولو لم يكن لمعيب ما يجب فيه الارش قيمة، يبطل البيع ويلزم الثمن مثل البيض الفاسد. قوله: " والاعمى كالمبصر " هما مساويان فيما تقدم من لزوم الثمن على تقدير عدم القيمة، والتصرف، والتخيير بين الارش والرد مع عدمهما، وغير ذلك.

[ 181 ]

[ ويجوز ابتياع جزء مشاع من معلوم بالنسبة كالنصف، اختلفت اجزائه أو اتفقت وابتياع قدر معين من المتساوي كقفيز من قبة وان جهلت، لا من المختلف كالذراع من الثوب والجريب من الأرض ] لعله (1) اشارة إلى خلاف منقول عن سلار، حيث ذهب إلى ان للاعمى الرد مع التصرف، ولعله لعدم امكان معرفته الا بالتصرف بالذوق ونحوه. وهو محل التأمل، وعموم الدليل يدل على العموم. لعل التصرف للاختبار ولتحصيل العلم بحال المبيع، مستثنى من التصرف كما قيل في غير الاختباري، مثل الحيوان وغيره، فتأمل. قوله: " ويجوز ابتياع الخ " يعني يجوز ان يشتري جزء مشاعا معلوما نسبة من مجموع علم كيله أو وزنه، كالنصف من قبة حنطة معلومة، أو ذرعه أو مساحته، مثل النصف من الارض المعلوة، ودليله ظاهر. وكذا يجوز اشتراء قدر معين من مجموع معلوم عنده، بحيث ارتفع الجهل المانع (من مبيع متساوي الاجزاء خ ل) من الشراء منه، متساوي الاجزاء، مثل قفيز من قبة الحنطة والشعير، بشرط العلم باشتماله على ذلك المقدار. ولا يجوز اشتراء قدر معين من مجموع مجهول، ولا مع جهل اشتماله على المقدار المبتاع ولا اشتراء قدر معين من المختلف اجزاءه، كذرع من هذا الكرباس، والثوب المعلوم والجريب من هذه الارض، مع عدم تعيين الموضع. ولو عين الابتداء بان يقول: ابتداء الذرع من هذا الرأس، وابتداء الجريب من هذا الجانب من الارض، لجاز وصح، وان نقل فيه ايضا الخلاف في شرح الشرائع. لعل دليل الجواز عموم الادلة، والعلم، وعدم المانع.

(1) اي لعل وجه تعرض المصنف لمساواة الاعمى للمبصر، هو الاشارة إلى خلاف سلار.

[ 182 ]

[ ويجب المشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة، ويكفي مشاهدة الارض أو الثوب عن المساحة. ولو باع بالوصف ثبت للمشتري الخيار مع التغير، ] ودليل عدم الجواز فيما لم يجوز، الجهل والغرر. ومثل المتن اكثر عباراتهم، وفيه تأمل إذ لم يقم دليل على اعتبار هذا المقدار من العلم، فانهما إذا تراضيا على ذرع من هذا الكرباس من اي رأس اراد المشتري، أو من اي جانب كان من الارض، فما المانع بعد العلم بذلك، مع ان الغالب هو التساوي في طول من الكرباس مثلا، وارض متصلة الاجزاء، بمعنى عدم التفاوت بين اجزائها، المستلزم لتفاوت في القيمة، فتأمل فيه. قوله: " ويجب المشاهدة الخ " اي يجب احد الامرين لصحة البيع في جميع المتعاوضين، وذلك قد يكفى، واليه اشار بقوله: (ويكفي مشاهدة الارض والثوب عن المساحة). وقد لا يكفي ذلك كما في المكيل والموزون والمعدود، فانه يحتاج إليها على ما تقدم. ويمكن المناقشة في الثوب، فان الكرباس مذروع، بقرينة قوله: كالذراع من الثوب ولانه هو المتعارف، فانه يشمل غير المخيط، فكيف يكفي المشاهدة، الا ان يقال: المراد به هنا المخيط فقط، أو يقال: ان الذرع غير شرط في المذروع كالارض، فانها قد تذرع مع انه يجوز بيعها مشاهدة وموصوفة بلا ذرع ومساحة بلا نزاع، ولكن قالوا لابد في الوصف من ذكر الاوصاف التي يتفاوت بها الثمن كما في السلم، فتأمل. قوله: " ولو باع بالوصف الخ " ثبوت الخيار للمشتري إذا لم يكن المبيع بالوصف الذي اشترى به هو المشهور بينهم.

[ 183 ]

[ وان اختلفا فيه قدم قول المشترى مع يمينه. ولو استثنى شاة من قطيع أو جريبا من ارض بطل البيع مع عدم تعيين المستثنى. ] ولعل دليله ثبوت الخيار في المعيب، وهذا مثله، ويحتمل الاجماع والنص. وكذا للبايع إذا باع بوصف غيره ثم ظهر اعلى، أو كان ذلك في الثمن، فانه كما يجوز الوصف في المبيع يجوز في الثمن ايضا، ويجوز للمشتري ايضا في الثمن كما قلناه في المبيع للبايع. ولى في امثال هذا الخيار تأمل، لان العقد انما وقع على الموصوف بوصف خاص، والفرض عدم وجوده في هذا المتاع، فما وقع العقد عليه، فكيف يصح البيع ويثبت الخيار فيه، فمقتضى القاعدة بطلان هذا البيع، لا ثبوت الخيار. قوله: " وان اختلفا فيه الخ " اي ان اختلف البايع والمشتري في المتغير، بان يقول المشتري شرطنا البياض مثلا وهو الآن اسود وينفيه البايع ولا بينة فالقول قول المشتري. ووجهه انه بالحقيقة راجع إلى ان البايع يقول: بعتك هذا المتاع الحاضر والمشتري ينكره فالقول قوله مع يمينه بانه ما اشترى الموصوف بهذا الوصف، فبطل البيع ان كان معينا (معيبا خ ل) والا يطلب موصوفا بوصف عينه، وحينئذ ينقلب مدعيا والبايع منكرا، فالقول قوله في عدم بيع موصوف بذلك الوصف، ولكن تصرف البايع في المبيع الاول وبطلان البيع في نفس الامر، وبينه وبين الله مشكل، فيمكن ان يكون تصرفه في المبيع بطريق المقاصة، وانه يجوز له ان لا يعطي الثمن ويخلي المبيع للمشتري قبل الاحلاف، وبعده يسقط حق البايع في الثمن وحق المشتري في المبيع، فتأمل. قوله: " ولو استثنى شاة من قطيع الخ " دليل البطلان حينئذ ظاهر، لانه.

[ 184 ]

[ ولو تعذر العد اعتبر مكيال وحسب الباقي عليه. ] إذا كان المستثنى شاة واحدا مجهولا من القطيع المعين، أو جريبا كذلك من الارض المعينة، يصير المبيع الذي هو القطيع الا الشاة والارض الا الجريب مجهولا، وهو ظاهر، ولو عين المستثنى في الموضعين يتعين المبيع، فيصح البيع. قوله: " ولو تعذر العد الخ " هذا مشعر باشتراط العد في المعدود. ولعل المراد بالتعذر، المشقة المتعارفة التي لا يتحمل مثلها عادة كما اعتبرت في امثالها، فدليل الحكم المشقة وباقي ادلة جواز العقود مع التراضي، وعدم التفاوت الا قليلا كما في الموازين. ورواية هشام بن سالم وابن مسكان جميعا (كأنها صحيحة) عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن الجوز لا يستطيع ان يعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه، ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد؟ فقال: لا باس به (1). ومثله يمكن في الوزن لو تعذر، فيكال الكيل ثم يزن واحدة يعلم وزن الكل. ويدل عليه رواية عبد الملك بن عمرو قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشترى ماءة راوية من زيت (زيتا يب)، فاعترض راوية أو اثنتين فاتزنهما ثم أخذ سائره على قدر ذلك؟ فقال: لا باس (2). والظاهر جريان ذلك في المكيل ايضا من رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري بيعا فيه كيل أو وزن بغيره (يعيره كا) (3)، ثم يأخذ على نحو ما فيه؟ قال: لا باس (4).

(1) الوسائل، الباب 7 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1. (3) اي بغير ما يكال أو يوزن على نحو ما فيه، اي بغير كيل ولا وزن. ويشبه ان يكون (بغيره) (يعيره) بالمثناة التحتانية والعين المهملة؟ من التعيير، فصحف (الوافي ج 3 باب بيع الغرر، ص 90. وهذا مؤيد لما في الكافي وقوله (يعيره) اي يزنه كما في هامش التهذيب نقلا عن المجلسي الاول. (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4.

[ 185 ]

[ ولا يجوز بيع السمك في الاجام وان ضم إليه القصب أو غيره على رأى. ] ولعل في هذه الاخبار اشارة واشعار بعدم جواز البيع المكيل والموزون والمعدود الا بالوزن والعد والكيل مع الامكان، ولكن ليست بصريحة بل ظاهرة مع عدم الصحة الا الاولى. قوله: " ولا يجوز بيع السمك الخ " الظاهر هو السمك المملوك المقدور قبضه، فان الظاهر عدم الخلاف في عدم جواز بيعه بدونهما (1). وكذا ان لم يضم إليه معلوم على الظاهر. وايضا المراد غير المحصور ولا المشاهد، لان الظاهر عدم الخلاف في جواز بيعه معهما، وانما الخلاف في السمك المملوك المقدور غير معلوم العدد وغير المشاهد مع الضميمة المعلومة. وجه الجواز مع الضميمة مطلقا - كما هو مذهب الشيخ - عموم الادلة، مع العلم في الجملة، وعدم اشتراط المعرفة التامة. ورواية البزنطي عن بعض اصحابه عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا كانت أجمة ليس فيها قصب أخرج شيئا من السمك فيباع وما في الاجمة (2) ويؤيده بيع الابق مع الضميمة. وقيده المتأخرون: بانه ان كان المقصود هو الضميمة، صح، بخلاف العكس، أو كان كلاهما مقصودين. وكذا في بيع كل مجهول مع معلوم مثل اللبن في الضرع والحمل، لان رواية الشيخ ضعيفة بالقطع، وبسهل (3).

(1) اي بدون كون السمك مملوكا ولا مقدور اقبضه. (2) الوسائل، الباب 12 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2. (3) سند الحديث كما في التهذيب (سهل بن زياد عن احمد بن محمد عن ابي نصر عن بعض اصحابه)

[ 186 ]

[ ولا اللبن في الضرع وان ضم إليه، ما حلب ] ويمكن حملها على ما إذا كان السمك المخرج مقصودا، والمؤيد لا يدل وللنهي عن بيع الغرر (1) وعموم الادلة مقيد به، جمعا بين الادلة. هذا دليل عدم الجواز مع عدم مقصودية الضميمة. واما دليل الجواز معها، فهو ان المجهول حينئذ بمنزلة العدم، ويحتمل عدم الخلاف، وللجمع المتقدم. والتحقيق انه ان كان هنا اجماع، فهو المتبع، والا فالظاهر عدم الفرق، فان ما جزءه مجهول مطلقا، فهو مجهول، قال في التذكرة: كما لا يجوز بيع الحمل منفردا لا يجوز منضما إلى غيره، بان يقول: بعتك هذه الجارية وحملها، لان جزء المبيع إذا كان مجهولا كان المبيع مجهولا، نعم يجوز انضمامه تبعا لا مستقلا. وفيه تأمل، الا ان يريد جعله شرطا خارجا عن المبيع، وصرح بانه يجوز جعله شرطا، فتأمل. فان كان بيع المجهول ممنوعا فهو كذلك، والا فلا، ولهذا ما فرق في الضميمة في الآبق، والمنع غير ظاهر بحيث يقاوم عموم ادلة الكتاب والسنة وحصول التراضي، وعموم ان للمالك التصرف في ماله كيف يشاء، لانه فسر بيع الغرر في الصحاح بانه مثل بيع السمك في الماء والطير في الهواء، والاحتياط لا يترك. وقد علم مما تقدم البحث في قوله: (ولا اللبن في الضرع وان ضم إليه ما حلب. والجواز معه (مطلقا خ) هنا ايضا مذهب الشيخ لما مر، ولموثقة زرعة عن سماعة، لهما (2) قال: سألته عن اللبن يشترى وهو في الضرع؟ قال: لا الا ان يحلب

واراد بالقطع الارسال بقوله (عن بعض اصحابه). (1) عوالي اللئالي، ج 2 ص 248 الحديث 17. (2) اي لاجل وجود زرعة وسماعة في طريق الحديث سمي موثقة.

[ 187 ]

[ ولا الجلود على الظهور ولا الحمل ] إلى سكرجة (1)، فتقول: اشترى منك هذا اللبن الذي في السكرجة وما في ضرعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شئ كان ما في السكرجة (2) (3) اي كان المبيع ذلك. وهذه تدل على وقوع البيع بلفظ المضارع، وتقديم القبول، وعدم المقارنة، وعلى انه ان لم يحصل الغائب كان الثمن في مقابلة الموجود كما تقدم في رواية الآبق، وعلى عدم اشتراط الكيل والوزن في اللبن، الا انها مضمرة وموثقة. قوله: " ولا الجلود على الظهور " ما اشار إلى الخلاف هنا، فكأنه غير جائز بالاتفاق. ويحتمل عند الشيخ الجواز مع الانضمام، بل مطلقا، إذ ما نجد مانعا، فانه لا جهل، لانه معلوم في الجملة مع مشاهدة ما عليه الجلد. ودليله معلوم مما تقدم الا ان يكون مجمعا عليه. قوله: " ولا الحمل الخ " يمكن ان يكون مراده، لا يجوز كالجلود ولو كان مع الضميمة مطلقا الا مع امه، إذ الظاهر جواز بيعه مع امه بالاتفاق. قال في التذكرة: لو باع الحمل مع امه جاز اجماعا، سواء كان في الآدمي وغيره. لعل مراده اعتبار كون الام اصلا والحمل تبعا، كما تقدم. قال بعد هذا: لو قال: بعتك هذه الدابة وحملها لم يصح عندنا، لما تقدم ان الحمل لا يصح جعله مبيعا ولا جزء منه، فتأمل. والبحث في عدم جوازه منضما إلى امه أو غيرها مطلقا، يعلم مما تقدم، فلا

(1) هي بضم السين والكاف والراء والتشديد، اناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الآدم، وهي فارسية إلى ان قال: والصواب فتح الراء (مجمع البحرين). (2) الاسكرجة في المواضع الثلاثة - كا - فيقول اشتر مني - كا. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

[ 188 ]

[ ولا ما يلقح الفحل وكذا كل مجهول مقصود اضيف إلى مثله أو معلوم. ويجوز بيع الصوف على ظهر الغنم على رأى ] يبعد الجواز مطلقا مراعاة في الاخير إلى حين القبض كسائر المبيعات. واما بيع ما يلقح الفحل - وهو ما تحمل الناقة، في القاموس لقحت الناقة قبلت اللقاح، اي حملت - فيبعد جوازه مع الضميمة المقصودة ايضا، لكونه معدوما، والوجود شرط بلا خلاف على الظاهر. وقد علم البحث ايضا في عدم جواز بيع كل مجهول الخ. ويفهم منه جوازه مع عدم كون المجهول مقصودا، كما هو رأى المتأخرين، وقد مر البحث فيه، فتأمل. ويشعر بجواز بيع الحمل مع الضميمة مطلقا - وان كانت صوف الحامل - رواية ابراهيم الكرخي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل اشترى من رجل اصواف ماءة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهما؟ فقال: لا باس بذلك، ان لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف (1). وهذه تدل على جواز بيع الاصواف ونحوه من الاوبار والاشعار وحدها. الا ان ابراهيم مجهول، ولكن الظاهر انه لا يضر، لانه مؤيد بعموم الادلة المتقدمة مع عدم ظهور مانع، وهو ظاهر، ولكن ينبغي الجز في الحال، وينصرف إليه العقد مطلقا، أو اشتراط مدة معلومة ان لم يجز في الحال، لانه قد ينبت بعد الجز. والظاهر ان المشاهدة فيهما تكفي وان سلم كونها مما يوزن حال الانفصال، ولا يقيد جواز بيعها بالوزن حينئذ تخمينا، لانه حال كونها على الظهور ليست منه جزما كالثمرة على النخل، فيجوز بيعها على الظهر من غير ضميمة، واشار المصنف رحمه الله بقوله - ويجوز بيع الصوف الخ - إليه. والى قول، بعدم الجواز الا

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب عقد البيع وشروطه، حديث 1.

[ 189 ]

[ والمسك في فأره وان لم يفتق ] بضميمة، فتأمل. واعلم ان الظاهر عدم الانعقاد على القول بعدم الجواز في جميع هذه الصور، لان الظاهر ان مقصود الناهي منه لا يتم الا بعدم الانعقاد، ان مقصوده عدم كون مثلها صالحا للبيع والانتقال للغرر والسفه، فتأمل. وايضا قد جوز الصلح في بعض هذه العقود بدل البيع، مع عدم جواز البيع، وفيه تأمل لاشتراكه مع البيع في المفسدة المشار إليها بالغرر. ونقل اشتراط المعلومية في الصلح كالبيع في الدروس، فتأمل وسيجئ في بابه. قوله: " والمسك في فأره الخ " اي يجوز بيعه في نافجته وان لم يفتق اي تكشف بحيث يعلم كما هو. قال في شرح الشرايع: وهي الجلدة المشتملة على المسك، يجوز بيعه وان لم يفتق بناء على اصل السلامة، فان ظهر بعد الفتق معيبا لزمه حكمه. والمراد بفتقه على ما ذكره جماعة ادخال خيط فيه ثم اخراجه وشمه. قواعدهم تقتضي عدم جواز بيعه في الفأرة للجهالة، فانهم ما يجوزون في ظاهر كلامهم بيع المشموم بالمشاهدة، بل يوجبوان الشم معها. وقد جوزوا بيعه من دون مشاهدته وشمه مع مشاهدة (سعة خ ل) الفأرة في المسك. ولعله لاجماع ونص فهم ذلك من التذكرة، ويؤيده عموم الادلة التي اشرنا إليها غير مرة، مع الاصل وعدم مانع ظاهر يصلح لذلك، ووجود العلم في الجملة، وعدم وجوب الاستقصاء مع عدم تفويت، إذ لو كان معيبا يتخير. وايضا قد يعلمه اهل الخبرة في الفأرة. وهذا مؤيد لعدم اشتراط العلم في كثير مما سبق، فتذكر. ومؤيد ايضا لعدم نجاسة جميع ما ينفصل عن الحي، فانها طاهرة عندهم بالاجماع مع انها جلدة رماها الغزال، فتأمل.

[ 190 ]

[ والاندار للظروف ما يحتمل ] قوله: " والاندار للظروف الخ " اي يجوز بيع الموزون المظروف، بان يوزن مع ظرفه ثم يسقط من المجموع مقدارا للظرف تخمينا، بحيث يحتمل كونه مقدار الظرف لا انقص ولا ازيد يقينا، بل وان تفاوت لا يكون الا قدرا يسيرا يتساهل بمثله عادة، ثم يدفع الثمن الباقي مع الظرف إلى البايع. ويظهر من بعض العبارات مثل عبارة الشرايع - يجوز ان يندر للظروف ما يحتمل الزيادة والنقيصة، ولا يجوز وضع ما يزيد الا بالمراضاة - ان الاندار المحتمل لا يحتاج إلى المراضاة، وانما المحتاج إليه ما يزيد. لعل المراد انه يجوز ذلك للمشتري لقلة التفاوت لو كان، ولتعارف التسامح بمثله بين الناس غالبا مع انه غير معلوم، فيحمل على الغالب مع عدم اليقين، ولا يجوز له اندار الزيادة الا برضا البايع، فلا يرد كلام الشارح: وكذا لا يجوز النقيصة الا بالمراضاة، فتأمل. وهذا الحكم خلاف القواعد، وخلاف ما في رواية علي بن ابي حمزة قال: سمعت معمر الزيات يسأل ابا عبد الله عليه السلام فقال: جعلت فداك اني رجل أبيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي مما ابيع؟ قال: ما احب لك ذلك، قال: اني لست انقص لنفسي شيئا مما ابيع قال: بعه من غيرك ولا تأخذ منه شيئا، أرايت لو ان رجلا قال لك: لا انقصك رطلا من دينار كيف كنت تصنع؟ لا تقربه، قال له: جعلت فداك فانه يطرح ظروف السمن والزيت لكل ظرف كذا وكذا رطلا، فربما زاد وربما نقص؟ قال: إذا كان ذلك عن تراض منكم فلا بأس (1).

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 20 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1 أورد صدره في باب 6 من أبواب آداب التجارة ح 2.

[ 191 ]

[... ] نعم وهو ظاهر رواية حنان قال: كنت جالسا عند ابي عبد الله عليه السلام فقال له معمر الزيات: انا نشتري الزيت في زقاقة (زقا - كا) (1)، ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الازقاق؟ (زقاق - كا) فقال أبو عبد الله عليه السلام: ان كان يزيد وينقص فلا بأس، وان كان يزيد ولا ينفص فلا تقربه) (2). وسند هذه اوضح، وفيها الزيادة، وهي مقبولة، وتحمل على يقين الزيادة كما يظهر من الشرايع فتأمل. يريد بقوله: (فآخذ لنفسي مما ابيع؟ قال: ما احب لك ذلك) عدم جواز البيع على نفسه للوكيل في البيع. وحمل ذلك على الاستحباب مناسب، لعموم ادلة الجواز، وعدم صحة المنع، ويؤيده لفظة (لا احب) فتأمل. والظاهر انه يجوز عدم الاندار، اي الاسقاط، بل بيع الظرف مع المظروف بثمنه، بان يجعل ذلك ايضا جزء من المظروف ويشتري، ولا يضر جهل معرفة الموزون حينئذ، ولا كون الظرف غير موزون، ومعه جهله ايضا، لحصول العلم بالمجموع، ولا يحتاج إلى العلم بكل جزء من المركب بعد العلم بالكل، كما في سائر ما يباع منضما، هكذا قيل. ويفهم منه مساهلة في الوزن على تقدير الجواز الذي ليس ببعيد، لما مر من الدليل، وعدم المانع، وللمشقة، وللتراضي، لانه لم يعلم وزن ما يشترط في بيعه الوزن ولا ثمنه وكون قيمة الظرف مثل قيمة المظروف، مع ان التفاوت موجود في الغالب، فلو لم يكن ما قلناه ويجب ملاحظة الوزن، لما جاز مثله، وكذا الاندار، فتأمل.

(1) الزقاق بكسر الزاء جمع الزق وهو السقأ والقربة. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 20 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4.

[ 192 ]

[ والمقبوض بالسوم أو البيع الفاسد مضمون على المشتري. ] قوله: " والمقبوض بالسوم الخ " المناسب مضمون على القابض، ثم الذي يظهر من كلامهم عدم الخلاف في ان المقبوض بالسوم، اي المال الذي اخذ للبيع أو الشراء مضمون مثل الغصب، فلو تلف مطلقا فالقابض ضامن. وجهه غير ظاهر، مع الاصل، والذي يقتضيه النظر هو كونه امانة، لعل لهم نصا أو اجماعا كما هو الظاهر من تشبيه البيع الفاسد به في الضمان، فتأمل. وكذا المأخوذ بالبيع الفاسد، سواء كان القابض عالما بالفساد أو جاهلا. دليلهم الخبر المشهور: على اليد ما اخذت حتى تؤدي (1) والقاعدة المشهورة. كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. وصحتهما غير ظاهر، والاصل يقتضي العدم. وهو مع الجهل بالفساد قوى، ومع علم الآخر اقوى. ومع ذلك قال في شرح الشرايع: لا اشكال في الضمان مع الجهل بالفساد، فتأمل. ومع علمه بالفساد - وبعدم جواز تصرفه وحفظه ووجوب رده إلى مالكه معجلا - كالمغصوب، وذلك قد يكون بعلمه (2) بطلب من المالك على تقدير الفساد، وعدم رضاه بكونه عنده. وفتوى العلماء له بذلك، فهو ضامن، للاصل وما يتفرع عليه كما قيل في الغصب، حتى انه يضمن العين والمنفعة وان لم ينتفع بها، مثل اجرة الدابة في المدة التي كانت عنده. واما مع الجهل بالفساد - سيما في امر غير ظاهر الفساد، وكذا بعد العلم به ولكن مع عدم العلم بوجوب الرد في الحال - فالضمان غير ظاهر.

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 224 الحديث 106 وص 389 الحديث 22 وج 2 ص 345 الحديث 10 وج 3 ص 246 الحديث 2 وص 251 الحديث 3. (2) في بعض النسخ المخطوطة بدل كلمة (بعلمه) كلمة (بعجلة).

[ 193 ]

[ والزياد المتصلة والمنفصلة للمالك. ولو كانت بفعله شاركه بقدرها، وان لم تكن عينا. ] ولو ظن ان المالك رضي لهذا المال بالبدل المعلوم فهو راض بان يتصرف فيه عوضا عما في يده، فالاكل حينئذ ليس أكلا بالباطل، بل بالرضا، فانه رضي بالتصرف فيه، بان يجوز له التصرف في بدله وقد جوز صاحبه ذلك، وعرف كل واحد عن صاحبه ذلك، فحينئذ يجوز تصرف كل واحد في بدل ماله، وان لم يكن بسبب البيع، بل بسبب الاذن المفهوم مع البدل، وكانه يرجع إلى المعاطاة والاباحة مع العوض من غير بيع، ولا نجد منه مانعا، غاية الامر ان يكون لكل واحد الرجوع عن قصده الاول واخذ ماله عينا وزيادة. نعم إذا علم عدم الرضا الا بوجه البيع أو اشتبه ذلك، يتوجه عدم جواز التصرف، والضمان على تقدير فهم عدم الرضا بالمكث عنده، وكونه امانة على تقدير غيره. ويحتمل جواز التصرف على تقدير التقاص ايضا في بعض المحال، بان غاب المالك وامتنع الاطلاع عليه وايصاله إليه واخذ ماله منه، كما في غير هذه الصورة. وبالجملة دليل الحكم المشهور بينهم - وهو جعل حكم المقبوض بالسوم والعقد الفاسد مثل الغصب في اكثر الاحكام حتى في الزامه بالايصال إلى صاحبه فوريا فلا يصح عباداته في اول وقتها على تقدير القول بمنافاة حقوق الآدمي لها كما هو الظاهر - غير ظاهر، فالحكم مشكل، ولا شك انه ينبغي ملاحظة ذلك مهما امكن، فتأمل. قوله: " والزيادة المتصلة الخ " كالولد والسمن وغيرهما، ومعلوم كونهما للمالك، لانهما تابعان للاصل. قوله: " ولو كانت بفعله الخ " اي لو كانت الزيادة بفعل القابض جاهلا، فهو شريك المالك بالنسبة سواء كانت عينا مثل الصبغ، أو لا مثل تعليم

[ 194 ]

[ ولو نقص بفعله فعليه ارشه ولو تلفت فالقيمة يوم التلف على رأى. ] صنعة، بان يقوم بلا تلك الزيادة مرة ومعها اخرى، ويجعل ما به التفاوت للقابض شريكا بذلك المقدار، فالزيادة مختصة بالقابض. ويحتمل ان ينسب قيمة العين الزائدة واجرة عمله، إلى قيمة العين الخالية عنها، ثم يقوم العين معها ويجعل القابض بتلك النسبة شريكا للمالك في قيمة المجموع، فالزيادة بينهما. هذا إن كانت زائدة على قيمة العين، وعين القابض واجرة عمله منفردين. ويحتمل كون الزيادة الحاصلة في العين بسبب الصبغ مثلا زائدا على قيمة الصبغ وفعل الصباغة، وكذا الزائد عن اجرة التعليم، للمالك، كالاصل، فتأمل. ولو نقص شئ من العين، عينا أو صفة فارشه على القابض، كالاصل، فتأمل. ولا ينظر إلى التفاوت السوقي مع عدم زيادة ونقصان عين أو صفة لا له ولا عليه. قوله: " ولو تلفت فالقيمة الخ " اشارة إلى ما يجب على القابض بعد التلف بعد ان اشار إلى وجوب رد العين مع الزيادة والارش مع النقصان. فقيل: تجب القيمة يوم القبض، لانه يوم الضمان. وقيل: يوم التلف لان العين كانت مضمونة مع الزيادة المتصلة والمنفصلة، فذلك يقتضي كون الضمان يوم التلف، لانه قد يكون ذلك خاليا عنها يوم القبض، فلا يلزم (ضمان خ) الزيادة، هكذا قيل. وفيه تأمل، لان المراد بالضمان يوم القبض مع ضمان الزيادة والارش، وان كانا بعد يوم القبض، والظاهر عدم النزاع في ذلك، ولكن هذا يستلزم عدم

[ 195 ]

[ ولو باعه بدينار غير درهم نسية أو نقدا مع جهالة النسبة، أو بما يتجدد من النقد بطل. ] التفاوت في يوم القبض ويوم التلف الا بالنظر إلى التفاوت السوقي، وهو معتبر، وما قيل لا اعتبار به فانما هو مع رد العين. وقيل بعدم الاعتبار في الزيادة والنقصان بعد يوم القبض على تقدير الضمان يوم القبض، وهو بعيد. والظاهر يوم التلف، لانه مكلف برد العين مادامت باقية، ولم ينتقل إلى القيمة الا بعد التلف فالمعتبر حين التلف. ويحتمل اعلى القيم كما في الغصب، وهو بعيد. ويمكن مع العلم المتقدم، والطلب، ومنع القابض. هذا كله في القيمي، إذ في المثلى، المثل الا مع التعذر، فالقيمة حين الاخذ. قوله: " ولو باعه بدينار الخ " اي لو قال: بعتك هذا بدينار الا درهما مع جهل النسبة بين الدينار والدرهم، سواء كان البيع نقدا أو نسيئة، بطل البيع، لجهل الثمن بسبب الاستثناء المجهول. ويحتمل ان يكون معناها: لو باع بدينار غير درهم نسيئة مما يتعامل به وقت الاجل، أو نقدا مع جهالة النسية بطل. سبب البطلان في الاول عدم وضوح النقد، وفي الثاني عدم وضوح النسية، والكل مشترك في جهل الثمن. وكذا يبطل للجهالة أو باع بما يتجدد من النقد، وهو ظاهر.

[ 196 ]

[ القطب الثاني: في متعلق البيع ومطالبه ثلاثة الأول: في بيع الثمار انما يجوز بيعها بعد ظهورها. وفي اشتراط بدو الصلاح الذى هو الاحمرار أو الاصفرار، أو بلوغ غاية تؤمن عليها الفساد، أو ينعقد حب الزرع والشجر أو الضميمة، أو بشرط القطع - قولان ] في بيع الثمار قوله: " انما يجوز بيعها الخ " اي لا يجوز بيع الثمار قبل ظهورها بوجه من الوجوه، ويجوز بعده في الجملة. وتحقيق الكلام في بيع الثمار انه لو باعها قبل الظهور، اي قبل الوجود والتحقق، وهو معلوم يعلمه العارفون. وفي رواية سماعة ما يدل على ان المراد بالظهور خروج الطلع ايضا (1) وكذلك في صحيحة يعقوب بن شعيب بغير ضميمة إلى شئ اصلا، من أصله وغيره عاما واحدا (2). فقد ادعى في التذكرة والدروس وغيرهما الاجماع على عدم الانعقاد، وعدم الصحة (3)، ولانه بيع غرر، ولانه بيع معدوم غير معلوم ولا موصوف وليس معه شئ

(1) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (2) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، قطعة من حديث 8. (3) عبارة التذكرة هكذا (وان باعها - اي الثمرة منفردة - لا يصح اجماعا، لانه غير موجود ولا معلوم الوجود لاحظ) ج 1 ص 502 في بيع الثمار.

[ 197 ]

[... ] يصلح كون الثمن مقابلا له. ويدل عليه ايضا بعض الروايات، مثل رواية ابي بصير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن النخل والثمرة يبتاعها الرجل عاما واحدا قبل ان يثمر؟ قال: لا حتى يثمر ويأمن ثمرتها من الآفة الحديث (1). وهذه صريحة في الدلالة على عدم الجواز حتى يثمر، ومعلوم ان قبل ظهور الثمر لا يصدق عليه ذلك. ولكنها ضعيفة بالقطع (2) إلى الحسن بن سماعة، وعلي بن ابي حمزة كانه البطائني الذي قائد ابي بصير المكفوف، وهو يحيى بن ابي القاسم الواقفي ايضا، وبالقول بان عبد الله بن جبلة واقفي (3). ورواية ابي الربيع الشامي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر قبل ان يطلع ثمرة سنة واحدة، فلا يبايعن حتى تبلغ ثمرته، وإذا بيع سنتين أو ثلاثة فلا بأس ببيعه بعد ان يكون فيه شئ من الخضرة (4) (5).

(1) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، قطعة من حديث 12. (2) سند الحديث كما في التهذيب هكذا (الحسن بن محمد بن سماعة عن عبد الله بن جبلة عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير). (3) طريق الشيخ إلى الحسن بن محمد بن سماعة كما في مشيخة التهذيبين هكذا (وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن سماعة، فقد اخبرني به: احمد بن عبدون عن ابي طالب الانباري عن الحسن بن محمد بن سماعة. واخبرني ايضا: الشيخ أبو عبد الله والحسين بن عبيد الله واحمد بن عبدون كلهم عن ابي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة) فعلهذا ما ادعاه قدس سره من القطع إلى الحسن بن سماعة غير وجيه. (4) هكذا في النسخ المخطوطة والمطبوعة، ولكن ليس في كتب الحديث جملة (قبل ان يطلع ثمرة). (5) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 7.

[ 198 ]

[... ] وفي المتن شئ، والدلالة خفية، وابي الربيع غير ظاهر التوثيق، ولا اعتبار بما فهم من كلام الشهيد. وفي الطريق خالد بن جرير وهو ممدوح وغير مصرح بتوثيقه وان كان الظاهر مما روى بطريق صحيح عن علي بن الحسن انه قال: خالد بن جرير الذي ينقل عنه الحسن بن محبوب، صالح (1). وعلي بن الحسن كانه ابن فضال، ولا باس به، وان قيل: انه فطحى. قال في شرح الشرايع: رواية ابي بصير ضعيفة، وفي رواية ابي الربيع، ابن الحسن، وفيه تأمل لعدم ابن الحسن، والسكوت عن ابي الربيع وخالد، لعل نسختي غلط. وبالجملة، الخبر ليس ينفي من كل وجه، والاجماع غير ظاهر لفتوى الشيخ في التهذيب والاستبصار على الكراهة والصحة، قال بعد ان نقل الاخبار: قال محمد بن الحسن: الاصل في هذا (الخبر خ) ان الاحوط ان لا يشتري الثمرة سنة واحدة الا بعد ان يبدو صلاحها، فان اشتريت فلا تشتر الا بعد ان يكون معها شئ آخر، فان خاست كان رأس المال فيما بقي، ومتى اشترى من غير ذلك لم يكن البيع باطلا، لكن يكون فاعله قد فعل مكروها. وقد صرح بذلك في الاخبار التي قدمناها أبو عبد الله عليه السلام، منها حديث الحلبي وان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك لاجل قطع الخصومة الواقعة بين الصحابة ولم يحرمه، وكذلك ذكر ثعلبة بن زيد وزاد فيه: انه انما نهاهم ذلك العام بعينه دون سائر الاعوام، وفي حديث يعقوب بن شعيب، ان ابي عليه السلام كان يكره ذلك، ولم يقل انه كان يحرمه. وعلى هذا

(1) سند الحديث كما في التهذيب، ج 7 ص 86 باب بيع الثمار، الحديث 15 هكذا (الحسن بن محبوب عن خالد بن جرير عن ابي الربيع الشامي).

[ 199 ]

[... ] الوجه لا تنافي بين الاخبار (1). ورواية الحلبي حسنة (لابراهيم) في التهذيب والكافي، وصحيحة في الفقيه، مع التصريح فيها بجواز البيع ثلاث سنين من غير انضمام، وفي اولها ما يدل على عدم جواز بيع الثمرة سنة، حيث قال: (وان اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى تبلغ) ولكن قال في اخرها: (وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض فتهلك ثمرة تلك الارض كلها، فقال: - اي أبو عبد الله عليه السلام - قد اختصموا في ذلك - اي في مثل هذه - إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فكانوا يذكرون ذلك، فلما راهم لا يدعون الخصومة، نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من اجل خصومتهم (2). وقد تقدم رواية ثعلبة بن زيد من دون الزيادة التي ذكرها، نعم فيها فقال صلى الله عليه وآله: اما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل، العام حتى يطلع فيه شئ ولم يحرمه (3). فكأنه فهم من ما نقله من قوله: (العام) فافهم. وثعلبة مجهول. ورواية يعقوب بن شعيب (صحيحة) قال سالت ابا عبد الله عليه السلام عن شراء النخل؟ فقال: كان ابي يكره شراء النخل قبل ان يطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث، كان يقول: ان لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاخرى (4).

(1) إلى هنا كلام الشيخ في التهذيب، لاحظ ج 7 ص 88 باب بيع الثمار. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحدث 2. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 8.

[ 200 ]

[... ] ونقل في الدروس عن الصدوق (1). جواز البيع ازيد من سنة من غير الضميمة لهذه الرواية فيمكن ان يكون هو أيضا موافقا للشيخ، فكيف يتحقق الاجماع. ولكن الذي رايته في كتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق رواية الحلبي المتقدمة، وهي صريحة في جواز البيع فوق سنة واحدة من غير انضمام، والنهى عن سنة واحدة في اولها، وفي اخرها انه لم يحرمه. واما الدليل العقلي: وهو انه غير معلوم فلا يجوز بيعه، فقد يقال: انه قد جوز في الرواية وليس بمعدوم بالكلية، فيمكن جوازه، ولهذا يجوز في السنين المتعددة، مع انه يجري فيها، بل ذلك اولى، مع قول البعض بجواز بيعه كذلك للروايات الكثيرة كما ستجئ، وإذا صرح في الرواية فلا مجال للرد بمثله، والجمع بين الادلة واجب ان امكن، وحمل المانعة على الكراهة حمل جيد جدا. مع ان روايتي المنع اللتين ذكرنا سندهما غير سالم، وفي الدلالة ايضا تأمل. ولكن يدل عليه ايضا صحيحة سليمان بن خالد (وان كان فيه ايضا قول) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تشتر النخل حولا واحدا حتى يطعم (2) (وان كان يطعم يب) وان شئت ان تبتاعه سنتين فافعل (3).

(1) عبارة الدروس هكذا (والمشهور عدم جواز بيعه ازيد من عام ولم يخالف فيه الا الصدوق، لصحيحة يعقوب بن شعيب انتهى) ومقصود الشارح قدس سره انه ليس في الفقيه صحيحة يعقوب بن شعيب، بل الموجود فيها صحيحة الحلبي الدالة على خلاف ما نسبه الدروس إليه. (2) قوله (وان كان يطعم) في هامش التهذيب نقلا عن المولى محمد باقر المجلسي ما لفظه (ليس الواو في بعض النسخ المصححة وعلى نسخة الواو، فكان المراد، وان كان يعلم عادة انه يطعم بعد ذلك. وعلى نسخة عدمها فكان المراد، ان كان النخل من شانه ان يطعم بان يكون مضى من زمان غرسه خمس عشر سنين أو اكثر ويمكن ان يكون المراد: إذا كان من نيتهما ان يطعم، اي لم يشتره بشرط القطع والله يعلم). (3) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 9.

[ 201 ]

[... ] ورواية ابي بصير عنه عليه السلام انه قال: لا تشتر النخل حولا واحدا حتى يطعم، وان شئت ان تبتاعه سنتين فافعل (1). وهي ضعيفة، وفي متن الاولى تأمل. ويؤيد المنع الدليل العقلي، والاحتياط، ونقل الاجماع. ويؤيد الجواز، الاصل، وعموم الادلة، فتأمل، فان العقل يقوى الاول، ويمكن حمل الجواز على جوازه مع الضميمة ايضا، لكنه بعيد، وخلاف المشهور ايضا. وان كان مع الضميمة، فان كانت اصلها، فالظاهر الجواز، وكذا غيره، لما مر فيما سبق في بيع الآبق ونحوه، وما تقدم ايضا في جواز بيعه من غير انضمام. ويؤيده مضمرة سماعة قال: سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل ان يخرج طلعها؟ فقال: لا، الا ان تشتري معها شيئا غيرها، رطبة أو بقلة، فيقول: اشترى منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل الحديث (2). وهذه كالصريحة في المطلوب، ولا يضر ضعفها لما مر. وهي تدل على معنى الظهور ايضا. وفيها دلالة على وقوع العقد بالمضارع، مع تقديم الايجاب كما تقدم في غيرها. ولكن قال في التذكرة: وان باعها منضمة إلى الاصول، فالوجه عندي البطلان، الا ان يجعل انضمامها على سبيل التبعية فلا يضر فيها الجهالة كاساسات الحيطان واصول الاشجار. اما إذا جعلت جزء مقصودا من المبيع ففيه الاشكال، يقتضي النص الجواز، وان باعها منضمة إلى شئ غير الثمرة فانه يجوز، وينبغي ان

(1) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 10. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1.

[ 202 ]

[... ] يكون ذلك على سبيل التبعية لا الاصالة لما تقدم، لكن اطلاق النص يقتضي اطلاق الجواز، روى سماعة، ونقل روايته المتقدمة. ثم قال: والوجه عندي المنع، وهذه الرواية مع ضعف سندها، لم يسنده إلى امام، فلا تعويل عليها (1). وقد عرفت التأمل في الفرق، الا ان يكون المراد بالتبعية ان لا يذكر ولا يسمى في المبيع، ويكون ذلك داخلا في الضمن والتبع كما في الامثلة. وفيها ايضا تأمل، لانه ان كان المجهول جزء من المبيع في نفس الامر، وعندهما يلزم مجهولية، والا يلزم ان لا يكون ذلك ملكا للمشتري، فيكون للبايع. والرواية وان كانت ضعيفة الا انها مؤيدة بالعمومات، وما مر من جواز بيعها منفردا في الروايات فمع الانضمام بالطريق الاولى. وبجواز بيعها سنتين واكثر من غير انضمام إلى شئ آخر للروايات، وقد جوزه في التذكرة ايضا، حيث قال: مع الانضمام إلى سنة اخرى يجوز، لما رواه الحلبي في الحسن قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو اربع سنين؟ قال: لا باس به، يقول: ان لم يخرج في هذه السنة خرج في قابل، فان اشتريته سنة فلا تشتره حتى تبلغ، وان اشتريته ثلاث سنين قبل ان يبلغ فلا باس (2). ثم نقل صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدم (3) وقد مر غيرهما مثل صحيحة سليمان بن خالد (4) ورواية ابي بصير (5). وبالجملة الرواية الدالة على جواز البيع اكثر من سنة مطلقا كثيرة معتبرة،

(1) إلى هنا كلام التذكرة ص 502. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 2. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 8. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 9. (5) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 10.

[ 203 ]

[... ] والقائل به موجود مثل العلامة في التذكرة والشيخ والصدوق. وليس القائل منحصرا في الصدوق والدليل في صحيحة يعقوب بن شعيب حتى يحمل على بعد الظهور وقبل البدو كما قاله في الدروس، حيث قال: فالمشهور عدم جوازه ازيد من عام ولم يخالف فيه الا الصدوق لصحيحة يعقوب بن شعيب، وحملت على عدم بدو الصلاح، وإذا عرفت جواز البيع اكثر من سنة من غير انضمام شئ آخر، فمع الانضمام سنة بالطريق الاولى. فقد علم حال الثمرة قبل الظهور، فان كان بعده فالظاهر الجواز مطلقا بالطريق الاولى من غير اشتراطه بشئ من الامور المذكورة شرط القطع، وانضمام شئ آخر، الاصل أو غيره، سواء كان اصلا أو تابعا، وبدو الصلاح فيجوز بعد الظهور قبل بدو الصلاح مطلقا بشرط القطع وبشرط التبعية (البقية خ) وعدمه، وهو مختار التذكرة. وقد علم دليله مما سبق، مثل عموم ما يدل على جواز البيع من الكتاب والسنة، مثل احل الله البيع وغيره، مع عدم المانع، فان احتمال الآفة ليس بمانع، الا ترى انه موجود في اكثر المبيعات مثل الحيوانات والثمر بشرط سنين، أو الانضمام، بل بعد البدو ايضا. نعم قد يدل على المنع بعض الروايات مثل رواية ابي بصير وهي ضعيفة، ومع ذلك حملها في التذكرة على الكراهة للجمع بين الادلة، وكذا حمل ما روى عن العامة والخاصة مثل ما روى الحسن بن علي الوشا قال: سألت الرضا عليه السلام هل يجوز بيع النخل إذا حمل؟ فقال: لا يجوز بيعه حتى يزهو، قلت: وما الزهو؟ جعلت فداك، قال: يحمر ويصفر وشبه ذلك (1).

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 3.

[ 204 ]

[... ] ووجه الحمل على الكراهة ما تقدالجمع بين الادلة، وصراحة الكراهة في صحيحة يعقوب بن شعيب، مع ضعف سند رواية الحسن بن على الوشا في التهذيب، وان كان الظاهر صحتها في الفقيه، ومعارضتها بالاصل وعموم الادلة. ويحتمل ان يكون المراد العام الواحد، لا الاعوام. ثم اعلم ان ظاهر المتن ان لا خلاف في عدم جواز بيع التمر قبل الظهور منفردا ومنضما عاما واحدا ومتعددا، وقد عرفت الخلاف والراجح، وان بعده يجوز ويصح. ولكن في اشتراط (احد خ) الامور الثلاثة قولان: وهنا قول ثالث، وهو انه مراعى بالسلامة لو باعه عاما واحدا من دون الشرط، كانه داخل في عدم الاشتراط. وان لا دليل على الجواز بشرط القطع بخصوصه، الا ما قيل: انه حينئذ اشترى الحصرم أو البسر، وفيه تأمل، فانه في بعض افراد التمر لم يحصل الانتفاع بمجرد الظهور، بل في البعض بعد البدو ايضا على بعض التفاسير، بل في النخل والكرم ايضا قبل البدو، ولا نفع فيه بالفعل حتى يشتري له، فيشكل عند من يشترط الانتفاع في المبيع، شراء مثل هذه بعد الظهور قبل البدو، بل بعده ايضا بشرط القطع، والعمومات تفيد الجواز، فتأمل. ثم اعلم ايضا ان بدو الصلاح الذي هو احد المجوزات للبيع عند المانع بعد الظهور، قيل في ثمرة النخل تغير اللون من الخضرة التي هي لون البلح (1) إلى الحمرة أو الصفرة، لما فهم من بعض الاخبار ان من حد جواز البيع هو الحمرة أو الصفرة،

(1) البلح بالتحريك قبل البسر، لان اول التمر طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب، ثم تمر، الواحدة بلحة (مجمع البحرين).

[ 205 ]

[... ] وبالاتفاق يجوز بعد البدو، فلا يكون بدو قبله. وكانه مما في رواية علي بن ابي حمزة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: وسالته عن رجل اشترى بستانا فيه نخل ليس فيه غير بسر اخضر؟ فقال: لا، حتى يزهو، قلت: وما الزهو؟ قال: يتلون (1) ومن رواية حسن بن علي الوشا المتقدمة، ومثلها رواية العامة عنه صلى الله عليه وآله (2) وما رايت فيه غيرهما، وليس منهما شئ صحيح. فقول شارح الشرايع: واكتفى الاكثر به، لصحة دليله - محل التأمل. ويفهم من بعضها انه عبارة عن الاطعام والادراك، فان في صحيحة يعقوب بن شعيب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فادرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعا (3). وقريب منه رواية اسماعيل بن الفضل (4). وفي رواية علي بن ابي حمزة قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى بستانا فيه نخل وشجر، منه ما قد اطعم ومنه ما لم يطعم؟ قال: لا باس إذا كان فيه ما قد اطعم (5). فتحمل هذه على الكراهة قبل الاطعام والادراك بما تقدم. وإذا انضم إليه، ان بيعه مكروه قبل البدو أو حرام - لا بعده - يدل على ان الاطعام والادراك هو البدو.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 5. (2) سنن ابن ماجه، ج 2، كتاب التجارات 32 باب النهي عن بيع الثمار قبل ان يبدو صلاحهما، الحديث 2217، وفي صحيح مسلم، ج 3، كتاب البيوع 13 باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، الحديث 50. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب بيع الثمار، الحديث 2. (5) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب بيع الثمار، الحديث 3.

[ 206 ]

[... ] فان اراد بالتلون هذا، فصحة دليله غير بعيد. والظاهر من التلون بالاحمرار والاصفرار انه اعم من الاطعام والادراك. وقيل التلون في جميع ما يتلون بذلك اللون، فغير مخصوص بثمر النخل. وقيل: هو بلوغ الثمر، بل مطلق الشئ، غاية يؤمن عليها الفساد. والمرجع في الامن عن العاهة والآفة والفساد، هو اهل الخبرة واهل العرف. ونقل في التذكرة عن بعض العامة ان ذلك بطلوع الثريا، لان ابن عمر روى ان النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع الثمار حتى يذهب العاهة، فقال له: عثمان بن عبد الله بن سراقة متى ذلك؟ قال: إذا طلع الثريا (1). والجواب هذه التتمة من قول ابن عمر، لا من قول النبي صلى الله عليه وآله، ولا عبرة به فتأمل، وهو بعيد فيما رأيناه في العراق، فانه قد يطلع فيه قبل ادراك ثمرة النخل بكثير. وبالجملة ليس بواضح كونه ضابطا، لاختلاف البلدان. ويحتمل في بلد خاص لا نعرفه، ولعل هذا المعنى مأخوذ من رواية ابي بصير المتقدمة، يعني قوله: (لا، حتى تثمر ويأمن ثمرتها من الآفة). وقيل: هو انعقاد الحب في الزرع والشجر، كانه يريد غير النخل، ففي النخل ما تقدم، ودليله غير واضح. الا ان يقال: يمكن اخذه من رواية عمار بن موسى عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الكرم متى يحل بيعه؟ فقال: إذا عقد وصار عروقا (2) العروق اسم الحصرم بالنبطية.

(1) نقله في التذكرة، ج 1 ص 503 في عدم جواز بيع الثمرة قبل بدو الصلاح، ولم نعثر عليه في الصحاح والسنن، وفي صحيح البخاري، باب بيع الثمار ما لفظه (واخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ان زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار ارضه حتى يطلع الثريا فيتبين الاصفر من الاحمر). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الثمار، الحديث 6 وفي ذيله ما هذا لفظه (محمد

[ 207 ]

[... ] ومع عدم صحتها، وعدم عمومها لغير الكرم يدل على اخص المطلوب، فان الحصرم يحصل بعد انعقاد الحب بكثير، فالاول اولى، فتأمل. ولعل كلام المصنف اشارة إلى المذاهب الثلاثة في تفسير البدو، لا التخيير. ويمكن كون فهم الاول اولى، لتقدمه. وايضا قد عرفت مما تقدم انه إذا ادرك بعض ثمرة بستان، يجوز بيع الكل لصحيحة يعقوب وغيرها، بل لبستان آخر، فانه يجوز مع الانضمام والمدرك ضميمة انه لا فرق بين الادراك والبدو بعد القول بالجواز، ولا بين كون الاثمار من اجناس مختلفة أو متحدة، نعم يلاحظ التبعية والاصالة على رأي المصنف، لما صرح به في التذكرة مرارا متعددة. واعلم ايضا ان المصنف رحمه الله ما فرق هنا بين ثمر النخل وغيره، والموجود في اكثر الكتب الفرق بينهما، بجعل كل واحد منفردا في مسائل. ولعل نظر المصنف رحمه الله إلى عدم الفرق بينهما في الاحكام، بانه لا يجوز البيع قبل الظهور مطلقا عنده، وعاما واحدا بالاجماع على ما نقل. وبعده فيه خلاف، بعض يجوز مطلقا، وبعض يشترط احد الشروط الثلاثة، وبعض يقول بالصحة مراعى، ولا فرق الا في تفسير البدو، وقد اشار إليه بقوله: (أو ينعقد حب الزرع والشجر)، حيث اضافه إلى الشجر مطلقا، وغير اسلوب العطف، حيث ما قال: (أو انعقاد الحب). فالاولى اشارة إلى الرأيين في تفسير بدو ثمر النخل، فهو اشارة إلى القولين المشهورين فيه، والثانية إلى بدو

بن الحسن باسناده عن احمد بن محمد عن احمد بن الحسن مثله، الا انه قال: وصار عقودا، والعقود اسم الحصرم بالنبطية).

[ 208 ]

[... ] الصلاح في ثمرة الشجر والزرع، وما نقل فيه الخلاف، وان كان فيه ايضا ذلك استضعافا، أو لوجه آخر. وبالجملة قال في شرح الشرايع: الخلاف، الخلاف، والمختار، المختار. وقال في التذكرة: في جميع مسائل ثمرة الشجرة الخلاف فيه كالخلاف في ثمر النخل وقد مر الا انه اختار في ثمر النخل جواز بيعه بعد الظهور قبل البدو عامين، وفي ثمر الشجر قال: لا يجوز والخلاف كما تقدم، وهو مشعر بالمساوات، مع انه اختار الجواز في النخل وعدمه في الشجر، كانه لوجود النص في ثمر النخل. ويمكن التعميم، فتأمل في دليله المتقدم. ويحتمل كون ذلك مقصود بقول التذكرة: الخلاف كما تقدم، ولم يكن الحكم بعد الجواز قبله في ثمر الشجر معتقدا له، فتأمل. ونقل في شرح الشرايع عن نهاية الشيخ اعتبار نثر الورد، لعل دليله ما في رواية محمد بن شريح عن ابي عبد الله عليه السلام قال: وبلغني انه قال: في ثمر الشجر لا باس بشراءه إذا صلحت ثمرته، فقيل له: وما صلاح ثمرته؟ فقال: إذا عقد بعد سقوط ورده (1). وعن مبسوطه التلون فيما يتلون وصفاء اللون وان يتموه (2) فيه الماء الحلو فيما يتبيض، والحلاوة وطيب الأكل في مثل التفاح والبطيخ، وفيما لا يتلون ولا يتغير طعمه، بل يؤكل صغيرا وكبيرا كالقثا والخيار تناهى عظم بعضه. وفائدة هذا البحث على تقدير عدم الجواز بمجرد الظهور واشتراط بدو الصلاح تظهر، واما على ما تقدم من الجواز بدون الشرط بعده، فلا تظهر فائدته.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب آداب بيع الثمار، قطعة من حديث 13. (2) وفي بعض النسخ المخطوطة (وهو ان ينمو فيه الخ) وعبارة المبسوط هكذا (وان كانت مما تبيض فهو ان يتموه، وهو ان ينمو فيه الماء الحلو ويصفر لونه) المبسوط كتاب البيوع، في بيع الثمار ص 114.

[ 209 ]

[ ويجوز بيع الزرع والسنبل قائما وحصيدا، والخضر بعد انعقادها لقطة ولقطات والرطبة وشبهها جزة وجزات والحناء والتوت خرطة وخرطات. ] ويفهم من شرح الشرايع عدم الفرق بين الظهور المجوز للبيع والبدو إذا كان البدو بمعنى انعقاد الحب من غير الزيادة المذكورة. ويمكن الفرق، فالظهور يكون بظهور اثره مثل الورد وما قبله. وقال ايضا فيه: مستند القولين - اي قول الشيخ وانعقاد الحب وهو المشهور - اخبار لا تبلغ حد الصحة، وما رايت منها غير ما مر. ولعل عموم ادلة جواز البيع مع ما مر دليل على الاول، وهو جواز البيع بعد انعقاد الحب وعدم الاشتراط بالشرائط المذكورة في ثمر النخل. ويؤيده الشهرة وما تقدم في ثمر النخل من الروايات (المذكورة خ) الدالة على جواز البيع بمجرد الظهور، وكذا جواز بيع الزرع. قوله: " ويجوز بيع الزرع الخ " يعني يجوز بيع الزرع بعد الظهور مطلقا قبل البدو (بدو الصلاح خ) وبعده بشرط القطع وشرط التبقية، ومطلقا، وسواء كان قائما أو حصيدا مقطوعا على الارض، ولكن لا يبعد اعتبار بيعه بعد الحزم أو الوزن ان كان ذلك العادة، والظاهر العدم. وكذا يجوز بيع السنبل مطلقا، ولا فرق بين كونه بارزا مثل الشعير ومستورا مثل الحنطة. لعل دليل الكل الاصل والعمومات والتراضي، وللمرء ما يفعل في ماله، مع عدم المانع عقلا وشرعا. ويؤيده ما يدل على جواز بيع الخضر خرطة. قوله: " والخضر بعد انعقادها الخ " لعل المراد بالانعقاد هنا هو الظهور، قال في التذكرة: الخضر كالقثا والباذنجان والبطيخ والخيار يجوز بيعه بعد انعقاده وظهوره، ولا يشترط ازيد من ذلك من تغير لونه أو طعمه أو غيرهما، لانه مملوك ظاهرا منتفع به، فجاز بيعه كغيره من المبيعات، ويجوز بيعها منفردة ومنضمة إلى اصولها وغير اصولها بشرط القطع والتبقية ومطلقا. نعم قد يفرق بينهما ان اريد

[ 210 ]

[... ] بالانعقاد بدو الصلاح بالمعنى المنقول نهاية الشيخ والمبسوط فيما تقدم. وبالجملة الظاهر جواز بيعها بمجرد الظهور لما تقدم غير مرة من العمومات الاصل والتراضي وتسلط الملاك على ملكهم. والأخذ من الخيار والبطيخ ونحوهما، يقال لقطة ان كانت مرة، ولقطات ان كانت متعددة، قال في شرح الشرايع: مقتضى اشتراط الانعقاد كون جميع اللقطات موجودة حال البيع. وهو غير ظاهر، بل عطفه على لقطة يقتضي عدم الاشتراط (في خ) للقطات الا في اللقطة الاولى كما مر مثله في بيع الثمر بعد الظهور أو البدو سنين متعددة، فان حاصل الكلام: انه بعد الظهور يجوز بيعها لقطات كما جاز لقطة بل تصوير ما ذكره مشكل الا بتكلف، بل يمكن قياسا على ما مر في ثمر النخل والشجر جواز بيعها لقطات من غير انعقاد، كما في بيع الثمر سنين، فان المراد بثمرة سنة تحصل في السنة، وان كانت في ستة اشهر، بل شهر لو امكن، فتأمل. والأخذ من الرطبة، بفتح الراء وسكون الطاء، يسمى جزة في المرة، وجزات، في المتعدد، وهو نبت خاص له اوراق صغار، وبسط في الجملة، نقل عن الصحاح انه يقال له بالفارسية (1) (اسپست) وكذا في شبهها ما يجز ويبقى اصله، فيجز مرة اخرى، وهكذا سنين متعددة. ودليل جواز بيعها يعلم مما مر، ويدل عليه ايضا بخصوصه ما تقدم في رواية سماعة فقال: الا ان يشتري معها شيئا من غيرها رطبة أو بقلا، فيقول: اشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا (2).

(1) رطب ايضا گياه تر، رطبة سپست تر رطاب جمع، رطب رطوب سپست تر خورانيدن ستور را (صراح اللغة). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 3 من أبواب بيع الثمار، قطعة من حديث 1.

[ 211 ]

[ واستثناء نخلة معينة وحصة مشاعة وارطال معلومة، فان خاست الثمرة سقط من الثنيا بحسابه ] ومن التوت، بتائين منقطتين من فوق، يسمى خرطة للواحدة وخرطات للكثيرة. ومثله الحنا، وكذا سائر ما فيه الورق. ودليل جواز بيعه يفهم مما سبق، ويدل عليه ايضا مضمرة سماعة قال: وسالته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو اربع خرطات؟ فقال: إذا رايت الورق في شجرة فاشتر منه ما شئت من خرطة (1). لعل اشتراط الرؤية في المرة الاولى للعلم في الجملة. ورواية معاوية بن ميسرة قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن بيع النخل سنين؟ قال: لا باس به، قلت: فالرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا وكذا جزة بعدها؟ قال: لا باس به، قال: ثم قال: قد كان ابي يبيع الحنا كذا وكذا خرطة (2). وفيها دلالة على بيع جزات الرطبة بمجرد وجود الواحدة ورؤيتها. وكذا بيع ثمر النخل سنين من غير اشتراط على ما تقدم. قوله: " واستثناء نخلة معينة الخ " اي يجوز بيع ثمرة بستان النخل واستثناء نخلة معينة، أو حصة مشاعة معينة مثل العشر والنصف، أو ارطال معينة مثل عشرة ارطال من المبيع، ولكن مع ظهور اشتمال المبيع عليه وعلى الزيادة بحيث يصير مبيعا، فان سلمت الثمرة وما تلفت، فالامر واضح، وهوان يأخذ البايع

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب بيع الثمار، الحديث 2. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب بيع الثمار الحديث 3 واورد صدره في باب 1 الحديث 11.

[ 212 ]

[ وبيع الزرع قصيلا وعلى المشتري قطعه، فان لم يقطعه قطعه البايع، أو طالبه بالاجرة، وكذا النخل لو شرط قطع الثمرة وان يبيع ما ابتاعه من الثمرة وغيرها بزيادة ونقصان قبل القبض وبعده. ] المستثنى تماما والمشتري الباقي. واما ان خاست اي تلف بعضها يسقط من المستثنى بالنسبة، بان يخمس جميع ثمر البستان على تقدير السلامة وينسب إليها الارطال المعلومة المستثنيات (المستثناة خ ل)، ثم يأخذ بتلك النسبة من الباقي. ودليل الكل واضح بحمد الله. قوله: " وبيع الزرع قصيلا الخ " اي بشرط القطع، وهو علف، وكان يمكن الاكتفاء في بيانه بما تقدم ولعل ذكره لذكر ما بعده، وهو انه يجب على المشتري قطعه، وبناء على ما شرط تخليصا لملك الغير عن الاشتغال بماله، فان فعل فلا بحث، والا يجوز للبايع قطعه تخليصا لملكه عن شغل الغير وتفريغ ماله عملا بالشرط، وله الصبر وطلب اجرة مثل مدة بقائه فيه من غير استحقاق. وكذا البحث في ثمر النخل لو بيع بشرط القطع، بل في مطلق المبيع في موضع لا يستحق بقائه فيه. ولكن يمكن ان يقال: انه ينبغي طلب القطع منه، فان ابى فاستاذن الحاكم ان امكن بغير كلفة وعدم فوت منفعة إلى حين القطع بعد الطلب والاستيذان. ثم ان الظاهر عدم ضمان ما تلف بالقطع إذا لم يتعد، وكذا بعده. قوله: " وان يبيع ما ابتاعه الخ " يعني يجوز له بيع ما اشترى من الثمرة وغيرها بزيادة على ما اشتراه ونقصان قبل القبض وبعده. ودليله واضح، وهو انه ملكه وله ان يفعل فيه ما يشاء الا (إلى خ ل) ان يمنع مانع عقلي أو شرعي، وليس.

[ 213 ]

[ ويبيع الثمرة على النخلة بالاثمان وغيرها، لا بالتمر، وهي المزابنة، ولا الزرع بحب منه، وهي المحاقلة. ] ويدل عليه ما تقدم وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام انه قال: في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل ان يقبضها؟ قال: لا باس (1). وصحيحة محمد الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل ان يأخذها؟ قال: لا باس به ان وجد ربحا فليبع (2). ومعلوم ان ليس المراد اشتراط الربح في الجواز، وهو ظاهر، فالمفهوم متروك للظهور، والاجماع، وسائر الادلة، ولانه خارج مخرج المتداول والعادة، فلا اعتبار بالمفهوم حينئذ كما بين في موضعه، ولهذا ما قيد في الاولى، هذا كله ظاهر. الا ان في قوله: (وغيرها) تأملا، فان في بيع الطعام بل المكيل والموزون قبل القبض كلاما سيجئ. ويمكن ان يكون المراد بالثمرة ثمرة النخل، وبغيرها غير تلك الثمرة من اثمار سائر الاشجار، فان المتعارف ان الثمرة مطلقا عندهم، هو ثمر النخل. أو ليستثني منه الطعام، بل المكيل والموزون بقرينة ما سيجئ، أو انه يجوز عنده ذلك ايضا، وان كان مكروها فلا يضر دخوله. قوله: " وبيع الثمرة الخ " اي يجوز بيع ثمرة النخل حال كونها على النخل بالاثمان وغيرها مما يجوز ان يكون ثمنا الا التمر، فانه لا يجوز بيع ثمرة النخل به، فان هذه المعاملة تسمى المزابنة، وهي محرمة. وكذا يجوز بيع الزرع بالاثمان وغيرها مما يصح به البيع الا بحب من جنس لمزروع، فانها محاقلة، وقد نهى عنها. هذا هو المراد بقوله: (ولا الزرع).

(1) و (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الثمار، الحديث 3 و 2.

[ 214 ]

[... ] تأمل من جهة عدم حسن التركيب، والامر في ذلك هين، والمقصود واضح. واما دليل جواز البيع مطلقا فهو واضح مما تقدم ولا يحتاج إلى الذكر. واما دليل عدمه بما استثنى، فكأنه الربا، لانه بيع تمر مثلا بتمر، وهو مكيل، والغالب هو التفاوت، فحصل شرط الربا، فيحرم. ولان بيع الربوي مشروط بعلم المساوات، وهي غير ظاهر هنا. وفيه تأمل، لان الظاهر الثمرة على النخل والحب في الزرع ليسا بمكيلين، فانهما لا يباعان كيلا، بل بالمشاهدة. والظاهر انه لم يكف كونه من جنس المكيل، للاصل وسائر ما تقدم. ويؤيد عدم الربا حسنة الحلبي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في رجل قال لآخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو اقل أو اكثر يسمى ما شاء، فباعه؟ فقال: لا باس به (1). وايضا في حسنة عنه عليه السلام وقال: لا بأس أيضا ان يشتري زرعا قد سنبل وبلغ بحنطة (2). وكذا رواية يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجلين يكون بينهما النخل فيقول احدهما لصاحبه: اختر اما ان تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيلا مسمى وتعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص، واما ان اخذه انا بذلك وارد عليك؟ قال: لا باس بذلك (3). وهذه وان كانت ضعيفة في التهذيب، الا انها دليل التقبيل الذي قالوه، فهي

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الثمار، قطعة من حديث 1. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 12 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (3) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1 وليس في كتب الحديث جملة (وارد عليك).

[ 215 ]

[... ] مؤيدة بالعمل. وصحيحة ايضا في الفقيه (1)، وفي الغرر من التهذيب ايضا (2)، فهي مؤيدة للمطلوب هنا في الجملة، وان لم تكن في البيع، فان التقبيل حكمه حكم البيع عند المتتبع، فافهم. وهذه الرواية في الفقيه وفي التهذيب ايضا في باب الغرر قال: وسالته عن الرجل يكون له على الآخر مائة كر تمر، أو له نخل فيأتيه فيقول: اعطني نخلك هذا بما عليك، فكأنه كرهه (3). والظاهر ان المراد ثمر النخل، وظاهرها الجواز، ورواية الكناني التي سنذكر. وبالجملة التعليل بالربا غير ظاهر، لان الاصل العدم حتى يتحقق، وليس بمتحقق، فليس الدليل الا الاجماع والنص. ولكن الظاهر ان الاجماع غير متحقق مطلقا، بل على ما قالوه: فيما إذا باع ثمرة النخلة بتمرة منها، فان بعض الاصحاب يقولون بجواز بيعها بتمر غير الذي عليها، وكذا في المحاقلة. فان الظاهر عدم الاجماع الا في البيع ببعض الحب الذي هو المبيع. وحينئذ يظهر وجه آخر للبطلان، وهو عدم العلم بحصول الثمن، ولا بد من كونه مجزوما به في البيع فتأمل.

(1) طريق الصدوق إلى يعقوب بن شعيب كما في المشيخة هكذا (وما كان فيه عن يعقوب بن شعيب فقد رويته عن محمد بن الحسن رضي الله عنه عن الحسن بن المتيل عن محمد بن الحسين بن ابي الخطاب عن جعفر بن بشير عن حماد بن عثمان عن يعقوب بن شعيب بن ميثم الاسدي). (2) سند الشيخ إلى يعقوب بن شعيب كما في باب الغرر من التهذيب هكذا (الحسين بن سعيد عن صفوان وعلي بن النعمان عن يعقوب بن شعيب). (3) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الثمار، الحديث 2.

[ 216 ]

[... ] واما النص فهو الرواية من العامة (1) والخاصة، اما الاولى فليست بحجة مع عدم تحقق كون تفسيرهما على وجه العموم عنه صلى الله عليه وآله، فانه يحتمل كونه من الراوي قاله في التذكرة (2). واما الثانية فهي رواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله في باب بيع الماء من التهذيب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن المحاقلة والمزابنة، قلت: وما هو؟ قال: ان تشترط حمل النخل بالتمر والزرع بالحنطة (3). قال في شرح الشرايع: انها صحيحة، وفي الطريق ابان وهو مشترك (4). والقرائن تدل على انه ابن عثمان الاحمر، قيل: ناووسي، ويعلم من بعض قيود الشارح انه ليس بمقبول، وكثيرا ما يرد الخبر به. وان كان ظني قبوله، لنقل الاجماع على تصحيح ما صح عنه، وقبول المصنف ذلك الاجماع على ما يظهر من الخلاصة عند ذكره، وعدم ثبوت كونه ناووسيا وان نقل في بعض الحواشي عن الشيخ فخر الدين عن والده عدم قبوله لفسقه، لفساد مذهبه. وبالجملة الطريق لا يخلو عن شئ وليس بنقي.

(1) رواه اصحاب الصحاح والسنن، لاحظ مفتاح كنوز السنة، البيوع، ص 92 النهي عن المزابنة. وان شئت نموذجا منها، فراجع صحيح مسلم، ج 3 كتاب البيوع ص 21 (16) باب النهي عن المحاقلة والمزابنة.. احاديث 81 - 86، وسنن الترمذي، ج 3، ص 527 (14) باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، الحديث 1224 وفيه: والمحاقلة بيع الزرع بالحنطة، والمزابنة بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر. (2) التذكرة، ج 1 ص 508 في احكام بيع الثمار، ولم نعثر في الصحاح والسنن حديثا عن جابر بهذه الالفاظ. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (4) سند الحديث كما في التهذيب احمد بن محمد عن صفوان عن ابان عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله عليه السلام.

[ 217 ]

[... ] ويمكن ان يقال في دلالته: انه لا يبعد كون المراد بتمره وبحنطته بان يكون الالف واللام عوضا عن المضاف إليه، بل هو المتبادر إليه، ولو اراد العموم لكان التنكير اولى، وهو (بتمر وحنطة) وهو ظاهر ولانه المتيقن بالارادة بالاجماع دون الغير الاعم، وللاصل، وعموم جواز البيع والتراضي والتسلط، وللخبرين المتقدمين (1) خصوصا الحسنة، فانها صريحة في جواز بيع ثمر النخل بالتمر، فتحمل المزابنة على التمر منه، للجمع ولان هذا شئ خارج عن القانون، فيقتصر على موضع الوفاق، ولانه حينئذ يمكن تعميمه في كل ثمر وحب للوجه الذي ذكرناه، بخلاف الاعم، فتأمل. ثم ان الظاهر ان المراد من الزرع، هو الزرع مع ظهور الحب وانعقاده وكونه مبيعا، ولهذا عبر في بعض العبارات بالسنبل، وفي رواية أيضا: المزابنة، بيع السنبل بالحنطة، ولانه مع عدم الحب هو علف يجوز بيعه بكل شئ. وفي التذكرة. ولو باع الزرع قبل ظهور الحب بالحب، فلا باس به، والظاهر ان يكون المراد بالحب غير حب ذلك الزرع، ويدل الروايات الكثيرة على جواز بيع الزرع قبل السنبل مطلقا لعلف الدابة (2). ثم ان اراد ان يخليه حتى يصير سنبلا يجوز. وهذا ايضا مؤيد للتخصيص، لانه على تقدير التعميم، اخراج هذا محل التأمل، لظهور النص، وكذا ابقاؤه ايضا لظهور العلة التي ذكرت، وهي الربا. وبالجملة الاصل وعموم الكتاب والسنة والاجماع ادلة قوية، لا يمكن الخروج عنها الا بمثلها، فالذي يظهر تخصيص تحريم المزابنة والمحاقلة بكون التمر

(1) وهما حسنة الحلبي ورواية يعقوب بن شعيب. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب بيع الثمار، فراجع.

[ 218 ]

[... ] والحنطة الثمنين، من المثمن. نعم يمكن التعميم والتى إلى كل شئ يكون الثمن من المثمن، من جهة عدم العلم بوجود الثمن، فانه قد لا يحصل، وان حصل فلا يحصل مقدار الثمن، وان حصل فلا يبقى المبيع. ومن جهة ان المبيع انما يملك بالعقد، فكيف يكون هذا العقد في حال جعله المبيع ملكا للمشتري مملكا بعضه للبايع، مع انه كان ملكا له، فالتعدي مع التخصيص، ظاهر وغير بعيد مع عدم التجاوز عن صورة النص والاجماع، اي كون الثمن من المثمن، لا مع التعميم، فان القائل لا يقول به، مع لزوم قوله به، لظهور العلة وهي الربا، وذلك مما يضعف القول به. ويضعفه ايضا لزوم ترك الاصل، واثبات التحريم بخبر واحد غير متفق على صحته، بل مع القول بعدم صحته، مع احتمال ظاهر في دلالته. وكذا تخصيص الكتاب والسنة والاجماع، وترك ظاهر صحيحة يعقوب وحسنتي الحلبي المتقدمات. ورواية ابي الصباح الكناني قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ان رجلا كان له على رجل خمسة عشر وسقا من تمر، وكان له نخل، فقال له: خذ ما في نخلي بتمرك، فابى ان يقبل، فاتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ان لفلان علي خمسة عشر وسقا من تمر، فكلمه ان يأخذ ما في نخلي بتمره، فبعث النبي صلى الله عليه وآله إليه فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك، فقال: يا رسول الله لا يفي، وابى ان يفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لصاحب النخل اجذذ نخلك، فجذه فكال له خمسة عشر وسقا، فاخبرني بعض اصحابنا عن ابن رباط، ولا اعلم الا اني قد سمعته منه ان ابا عبد الله عليه السلام قال: ان ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن النبي قال: هذا ربا، قلت: اشهد بالله انه لمن الكاذبين

[ 219 ]

[ الا العرية بخرصها تمرا من غيرها بشرط التعجيل، لا القبض، ولا يجب تماثل خرص تمرها عند الجفاف وثمنها، ولا عرية في غير النخل. ] قال: صدقت (1). والظاهر ان نفي الربا وجواز القبول هنا من جهة عدم كونه من المكيل، لا من جهة الموافقة لما عليه، لعدم العلم من الجانبين بذلك، وان فرض علمه صلى الله عليه وآله بذلك بالالهام، وان كان عدم بيانه - وسكوته عن جواب الغريم بانه ناقص عن حقه - يدل على عدم علمه ايضا في ذلك الوقت. ولان السكوت والامر بمثل ذلك - مع كون جوازه مبنيا على امر مخفي لا يعلمه الا الله ورسوله - لا يخلو عن اغراء بالجهل. ولان الظاهر ان التفاوت موجود مع ذلك بالرطوبة وعدمها، فان المأخوذ في الحال من النخل، الظاهر كونه رطبا وغير معلوم كون ما عليه كذلك وان كان خلاف ذلك ايضا محتمل، الله يعلم، فتأمل فان المسألة مشكلة. واعلم ان ظاهر المتن العموم وعدم الجواز مطلقا، والظاهر من التذكرة التخصيص، حيث رد دليل العموم وهو الربا، واستدل على الخاص بالروايات المتقدمة من صحيحة يعقوب وحسنة الحلبي ورواية الكناني وقدم الخاص، ثم قال: وقال بعض علمائنا لا يشترط ذلك، اي اتحاد الثمن والمثمن الخ. قوله: " الا العرية الخ " قيل: هي النخلة تكون لانسان في دار انسان آخر أو في بستانه، قال في شرح الشرايع: انه متفق عليه، ومنقول عن اهل اللغة. قيل: ان الدار اعم من المستاجر والمملوك والمستعار، وكذا البستان، وان

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الثمار، الحديث 3 وفيه (فجذه له فكاله فكان خمسة الخ).

[ 220 ]

[... ] كان مشتر (1) لثمره، لصحة الاضافة. وهي مستثناة من عدم جواز بيع التمر على النخل بالتمر، قال في شرح الشرايع: عند جميع العلماء الا (عند) ابي حنيفة فيجوز بيع ثمر النخلة بالتمر. قيل: بشروط: (الاول) كونه على ذي البستان والدار لا على الغير. (الثاني) كونها واحدة في كل بستان ودار. (الثالث) الخرص والتخمين. (الرابع) عدم الزيادة عند البيع، ولا يضر عند الجفاف. (الخامس) الحول والتعجيل، فلا يجوز التاجيل ولا يشترط التقابض. (السادس) كونه على رؤس النخلة، فلا يجوز بعد قطعه الا مثل بيع غيره، ويمكن الغنا عن هذا الشرط. وكذا عن الشرط (السابع) وهو كونه ثمر النخل فلا يجوز في غيره. (الثامن) كونه بغير تمره لما عرفت من عدم جواز اتحاد الثمن والمثمن. فعلى هذا لا معنى لاستثنائها على تقدير تخصيص المزابنة المحرمة كما قررناها، بل انما استثناها من قال بالعموم، لهذا استثناها العامة القائلة بالعموم. ويؤيده عدم وجود نص صحيح على ذلك من الخاصة. بل روي في التهذيب في باب بيع الماء عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وآله في العرايا بان تشتري بخرصها تمرا قال: والعرايا جمع عرية، وهي النخلة يكون للرجل في دار رجل آخر، فيجوز له ان يبيعها بخرصها تمرا، ولا يجوز ذلك في

(1) هكذا في النسخ والظاهر (مشتريا) كما لا يخفى.

[ 221 ]

[ والتقبيل بشرط السلامة. ] غيره (1). ومعلوم عدم صحة هذا السند وكونه عاميا، مع تأمل في المتن ايضا. ومنه يفهم انها اخص مما تقدم من التفسير من وجوه، فافهم. ولو وجدت صحيحة صريحة لجاز الاستثناء من المزابنة بالمعنى الذي قلناه ايضا تعبدا، ولكن ما رايتها، فلا يجوز هذا الاستثناء الا على المعنى العام القائل به العامة الذين هم اصل هذه المسألة. والى بعض هذه الشروط اشار المصنف رحمه الله، والاستثناء صحيح بناء على ظاهر كلامه المفيد للعموم، وما رايت دليلا على الاصل والاستثناء والشرائط غير ما تقدم فافهم. قوله: " والتقبيل بشرط السلامة " أي يجوز أن يتقبل احد الشريكين أو اكثر من الشريك حصته، واحدا كان أو اكثر من الثمرة بمقدار معلوم من الثمر، عشر تغارات مثلا، لا على سبيل البيع، بل هو على سبيل القبول والمراضاة. دليله الاصل والحاجة، لانها قد تدعو إليه. ودليله العمدة صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة، وهي صحيحة في الفقيه وفي باب الغرر من التهذيب وغير صحيحة في باب بيع الثمار منه (2). ثم ان ظاهر المتن انه مشروط لزومه بالسلامة من الافة، فلو نقص بها، له ان لا يعطي الا حصة الشريك مما حصل، وان زاد فالزيادة له. ويحتمل ان يكون المراد بالشرط عدم الآفة، بحيث تذهبه بالكلية، وهو بعيد، والظاهر ان المراد الاعم، لكن لا يشمل النقص الذي حصل من التخمين

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الثمار، الحديث 2 وقد تقدم ذكر السندين عند قول المصنف (وبيع الثمرة على النخل بالاثمان).

[ 222 ]

[ ولو مر بثمرة لم يجز التناول على رأى ولا اخذ شئ منها ] والغلط فيه، مع انه يحتمل. ويحتمل ان يكون السلامة كناية عن الموافقة، من غير زيادة ونقصان، فيكون النقص والزيادة مشتركا بينهما. والظاهر من الرواية هو اللزوم مطلقا، فكأنه راجع إلى معاملة، فيكون بحسب الطالع النقص والزيادة سواء بسواء. ويمكن ان يكون المراد بقوله في الرواية (زاد أو نقص) (1)، من التخمين لا انه جاءه آفة اولا، وذلك غير بعيد. قال في التذكرة: فان كان ما حصل مساويا لما تقبل به، فلا بحث، وان زاد فله، وان نقص فعليه، وهو مشعر بما في ظاهر الرواية. وقال ايضا: هل يجوز البيع؟ يحتمل ذلك، عملا بالاصل السالم عن معارضة الربا، إذ لا وزن في الثمرة على رأس الشجر، وعلى تقدير جواز البيع يثبت احكامه، وقد تقدم ما يفيد جواز البيع، خصوصا حسنة الحلبي (2)، فتأمل. قوله: " ولو مر بثمرة الخ " اشارة إلى رد قول بعض الاصحاب مثل الشيخ وغيره من المتقدمين، والمصنف في التذكرة، بل نقل عليه الاجماع في الخلاف في شرح الشرايع. وهو انه إذا مر الانسان على ثمر أو زرع من غير قصد الاكل منه، يجوز له الاكل، ولا يجوز الافساد ولا الاخذ منه، لبعض الروايات. مثل ما روي عن ابي داود عن بعض اصحابنا عن محمد بن مروان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: امر بالثمرة فآكل منها؟ قال: كل ولا تحمل، قلت:

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1.

[ 223 ]

[... ] جعلت فداك ان التجار قد اشتروها ونقدوا اموالهم؟ قال: اشتروا ما ليس لهم (1). عدم صحة سندها ظاهر. ويدل على عدم الجواز، كما هو رأي المصنف هنا، العقل والنقل من الكتاب والسنة على العموم وهو ظاهر وكثير. والخصوص مثل صحيحة علي بن يقطين قال: سالت ابا الحسن عليه السلام عن رجل يمر بالثمرة من الزرع والنخيل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الاثمار (الثمر يب)، أيحل له ان يتناول منه شيئا، ويأكل بغير اذن صاحبه، وكيف حاله ان نهاه صاحب الثمرة، أو امره القيم، أو ليس له، وكم الحد الذي يسعه ان يتناول منه؟ قال: لا يحل له ان يأخذ منه شيئا (2). حملها الشيخ على عدم جواز الحمل لا الاكل، وهو بعيد لوجود السؤال عن الاكل ايضا في الخبر. وايده بحديث محمد المتقدم انه قال: (كل ولا تحمل). وبمرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمر، افيجوز له ان يأكل منها من غير اذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال: لا باس (3). ومرسلته عندهم بمنزلة المسند إلى العدل، ولهذا قيل صحيحة ابن ابي عمير، وهي العمدة في هذا الباب. ووجوب الجمع بين الادلة يقتضي الفتوى بالجواز، ولكن قد عرفت ما في

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب بيع الثمار، الحديث 4. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب بيع الثمار، الحديث 7 وفي جميع النسخ (وليس له) وفي الاستبصار كما اثبتناه. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب بيع الثمار، الحديث 3.

[ 224 ]

[... ] العمل بالمرسل مرارا، خصوصا مع معارضة الادلة الكثيرة العقلية والنقلية، العامة والخاصة، فان التصرف في مال الغير من غير اذن صاحبه ممنوع عقلا ونقلا، وقد يؤل الى فناء مال الغير بالكلية، يأكل كل من يمر، وهو ظاهر. مع عدم الصراحة في المرسلة وامكان حملها على حال الضرورة فقط، أو على من يجوز الاكل من بيوتهم الذي تتضمنهم الآية (1) واستقر عليه الاجماع، أو الاكل اليسير جدا للذوق والامتحان فقط، أو على الاذن المفهوم بالفحوى. على انه يمكن حمل المنع على الكراهة، وهو اقرب من الحمل الاول، ولكن الاحوط والاولى هو الاجتناب لما مر، ولتقدم دفع الضرر على جلب النفع مع التعارض، فتأمل. وقد نقل عن المحقق في شرح الشرايع ثلاث شروط للجواز. (احدها) كون المرور اتفاقا، فلو قصدها ابتداء لم يجز الاكل، اقتصارا في الرخصة على موضع اليقين، كانه فهم من لفظ المرور في الخبر، قال في شرح الشرايع: ايضا، ان المراد بالمرور بها كون الطريق قريبا من الثمرة، بحيث لا يستلزم قصدها البعد الخارج عن المعتاد، بحيث يصدق عليه عرفا انه قد مر بالثمرة، لا ان يكون الطريق على نفس الثمرة والشجر، أو ملاصقة الحائط البستان ونحوه. وليس ببعيد اعتبار القرب الحقيقي، فان العرف غير معلوم، والاحتياط حسن. (وثانيها) ان لا يفسد، والمراد ان لا يأكل منها شيئا كثيرا، بحيث يؤثر فيها اثرا بينا، ويصدق معه الفساد عرفا، ويختلف ذلك بحسب اختلاف كثرة الثمرة وقلتها، وكثرة المارة وقلتها، أو بهدم حائط أو بكسر غصن يتوقف الاكل عليه الا (لا ان خ) ان وقع ذلك خطاء، فانه لا يحرم الاكل وان ضمنه، مع احتماله، ويحتمل عدم

(1) سورة النور / 61.

[ 225 ]

[ المطلب الثاني: في بيع الحيوان كل حيوان مملوك يصح بيعه وابعاضه المشاعة، لا المعينة ] الضمان، ويمكن فساد الثمرة بسبب الاكل بان يقع تحت الرجل ونحوه. ومستند هذا الشرط رواية عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: لا باس ان يمر على الثمرة ويأكل منها، ولا يفسد الحديث (1). (وثالثها) ان لا يحمل معه شيئا، بل يأكل في موضعه. وهذا مفهوم من رواية محمد المتقدمة، ومن حمل صحيحة علي بن يقطين عليه. ولو كان سند الجواز نقيا، لامكن حملها على عدم الشرطين الاولين ايضا، وهو حمل ظاهر. وزاد بعض عدم علم الكراهة، بل عدم ظنها ايضا. وبعضه كونه على الشجرة، لا مقطوعا محروزا في حرزه. وان كانت الاخبار مطلقة، ولكن الاقتصار في مثل هذه المواضع على اليقين ومحل الاجماع، مهما امكن، هو المعقول، فتأمل. وينبغي ان يكون فيما لا سور عليه ولا الباب، فلا يفتح الباب ولا يدخل السور بغير الاذن. ويؤيده عدم دخول البيت الا مع الاذن. ويحتمل جواز الاكل بعد الدخول بالاذن، ولكن الاحوط الاجتناب، فتأمل. واعلم ان في اشتراط جواز الاكل بالشرطين الاخيرين تأملا، لاحتمال كون الاكل جائزا، مع تحريم الافساد والحمل. قوله: " كل حيوان مملوك الخ " دليل جواز بيع الحيوان كلا وبعضا

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب بيع الثمار، قطعة من حديث 12.

[ 226 ]

[ الا الآبق منفردا. وام الولد مع وجوده والقدرة على الثمن، أو ايفائه والوقف ] مشاعا، هو الاصل والعمومات، بل الاجماع مع عدم المنع. ودليل عدم جواز البعض المعين منه، مثل يده، هو عدم امكان الانتفاع به، وكانه الاجماع ايضا، وهو ظاهر. واما استثناء الآبق منفردا من جواز البيع، فقد مر دليله. ولعل دليل صحة بيعه منضما يدل على عدم الفرق بين كونه تابعا ام لا، حيث قال: اشترى منك الخ (1) فتذكر. واستثناء ام الولد بالقيدين، يشعر بجواز بيعها في ثمن رقبتها على تقدير كونه دينا وغير مقدور، سواء كان المولى حيا أو ميتا. وكذا بعد موت الولد، الا انه لا دليل الا على جواز بيعها بعد موت الولد وموت المولى، مع كون ثمنها دينا غير مقدور، غير ان يقال الاجماع يسند إلى بعض الاخبار دل على عدم الجواز مع القيدين. والادلة العامة والخاصة - مثل حسنة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: سألته عن ام الولد؟ قال: أمة تباع وتورث وتوهب وحدها حد الامة (2) - تقتضي جواز بيعها وسائر التصرفات مطلقا، خرج منها عدم جواز بيعها مع القيدين بالاجماع، وبقي الباقي على حاله، وسيجئ تمام البحث والاخبار في كتاب العتق ان شاء الله تعالى. وقد مر عدم جواز بيع الوقف ايضا، مع الاشارة إلى جوازه في بعض المحل.

(1) الوسائل، ج 13، كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 24 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3.

[ 227 ]

[ والعمودين للمشتري، والمحرمات عليه نسبا ورضاعة. ] قوله: " والعمودين للمشتري الخ " دليل عدم جواز بيع العمودين ونحوهما، هو عدم استقرار ملكهما، بل ينعتق في الحال عقيب الملك بلا فصل، فعدم جواز البيع ظاهر. وانما يزيد (يؤيد خ ل) الدليل عدم استقراره في الملك وعتقه، فكأنه الاجماع في العمودين، اي الآباء والاولاد في الرجل والمرءة. ومن يحرم على الرجل نكاحها من المحرمات النسبية له، مثل الاخت وبناتها وبنات الاخ وان نزلت والعمة وعمة الاب والام وعمة الاجداد والجدات وان علت وكذا الخالة وخالة الابوين، لا عمة العمة وخالة الخالة. وبالحقيقة يرجع تحريم العمة والخالة إلى تحريم اولاد الجد والجدة، فمن ليست باولاد منهما ليست بمحرمة. في الرجل (1)، دون المرءة، فانها تملك سوى الابوين والاولاد. وانما الخلاف في المحرمات الرضاعية، وسيجئ تحقيق ذلك كله. هذا كله واضح. ولكن في قوله: (للمشتري) تأمل، فان ظاهره انه لا يجوز البيع على المشتري ابويه واولاده الخ. وهو محل التأمل، فان الظاهر يجوز البيع عليه، بل شراءه ايضا، الا انه ينعتق عليه. فيحتمل ان يكون المراد بيعا وشراء مفيدا لاستقرار الملك، ولكن حينئذ ينبغي ان يقال: لا يصح الشراء، أو يكون المراد لا يجوز لمن اشترى ابويه ان يبيعهما، والتخصيص غير جيد، مع المناقشة في كونهما مملوكين حين نفي البيع. وبالجملة

(1) متعلق بقوله: (ومن يحرم على الرجل).

[ 228 ]

[ قيل: ولو استثنى البايع الرأس والجلد كان شريكا بقدر القيمة. وكذا لو اشترك اثنان وشرط احدهما ذلك. ] العبارة غير جيدة، والمقصود ظاهر. قوله: " قيل: ولو استثنى البايع الخ " يعني لو باع شخص الحيوان واستثنى رأسه أو جلده، قيل: كان البايع شريكا مع المشتري في كل الحيوان المبيع بقدر قيمة الرأس أو الجلد، فتنسب القيمة إلى ثمن المشتري ويكون له بتلك النسبة من جميع اجزاء المبيع ويكون للمشتري الباقي، يعني يكون مشتركا بينهما بالنسبة المعلومة. وكذا قيل: لو اشترك اثنان وشرط احدهما الرأس أو الجلد له. وجهه غير ظاهر بحسب العقل، بل النقل (العقل خ ل) يقتضي خلافه. اما صحة الشرط، فلعموم. المسلمون عند شروطهم (1)، والاصل وعموم الادلة والتراضي، وعدم المانع، وليس هنا شئ سوى الجهالة، ولهذا قيل بالبطلان لاجلها، وفيه تأمل لحصول العلم في الجملة، وعدم معلومية الجهل المانع، مع ما مر. وما نجد فرقا بين المذبوح وما يراد ذبحه، وذبح، وقيل: بالصحة فيهما والبطلان في غيرهما. والظاهر ان الغرض فيهما، إذ يبعد استثناء الرأس والجلد فيما لا يراد ذبحه، ولو فرض فالظاهر البطلان، لما تقدم من عدم جواز بيع جزء معين، وذلك يرجع إلى ذلك، لا للجهالة كما قيل، نعم يمكن ان يكون القصد والغرض ذلك ثم ما وقع الذبح بالبرء أو السمن وحصل الزيادة، ولو ذبح يحصل الضرر، فيمكن كون

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الخيار، الحديث 1 و 2 و 5 وصحيح البخاري، كتاب الاجارة باب اجرة السمسرة.

[ 229 ]

[... ] الحكم ذلك. كما يدل عليه رواية الغنوي عن ابي عبد عليه السلام في رجل شهد بعيرا مريضا، وهو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء واشرك فيه رجلا اخر بدرهمين بالرأس والجلد، فقضى ان البعير برء، فبلغ ثمانية (ثمنه كا - يل) دنانير؟ قال: فقال عليه السلام: لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: اريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد اعطى حقه إذا اعطى الخمس (1). وينبغي ان يحمل عليها رواية السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام قال: اختصم إلى امير المؤمنين عليه السلام رجلان اشترى احدهما من الاخر بعيرا واستثنى (البيع خ ل) البايع الرأس والجلد، ثم بدا للمشتري ان يبيعه؟ فقال للمشتري هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد (2). فيمكن حملها على انه كان المقصود الذبح ثم حصل العدول عن ذلك، فيكون البيع صحيحا، ويكون هو شريكا للمشتري في الكل بمقدار ما ادى، لان مصلحتهما في ذلك، فيكون المقصود انه لابد من ان يعطيه بشرط ان ذبح، والا فيكون شريكا. ويمكن ان فعل ذلك صلحا وبرضاهما للمصلحة. وبالجملة صحة البيع على ذلك الوجه غير بعيد ان ذبح، فان لم يذبح فما في الروايتين غير بعيد، ان حصل بالذبح ضرر على الشريك ولم يذبح والا فما شرط. على ان الروايتين ضعيفتان، فيمكن طرحهما ان كانتا مخالفتين للقواعد، فتأمل.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 22 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1 وليس في الوسائل قوله (فجاء) ولكن موجود في الكافي والتهذيب. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 22 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2.

[ 230 ]

[ والوحشي من الحيوان يملك بالاصطياد، أو باحد العقود الناقلة، أو بالاستنتاج، وغير الوحشي بالاخيرين. واما الآدمى فانما يملك في الاصل بالقهر عليه إذا كان كافرا اصليا الا اليهود والنصارى والمجوس مع القيام بشرائط الذمة فان اخلوا ملكوا ثم يسرى الملك إلى اعقابهم (به خ) وان اسلموا. الا الآباء والامهات وان علوا والاولاد وان نزلوا سواء كان المالك ذكرا أو انثى، ولا يملك الرجل الاخوات والعمات والخالات وان علون وبنات الاخ وبنات الاخت وان نزلن، فان ملك احد هؤلاء انعتق في ] قوله: " والوحشي من الحيوان الخ " تملك الحيوان الوحشي بالاصطياد، وباحد العقود - مثل البيع عن مالكه الجائز بيعه، وبحصول النتيجة في ملكه - ظاهر بالنص والاجماع، كظهور التملك في الحيوان الغير الوحشي بالاخيرين، يعني العقود الناقلة مثل البيع والهبة والصدقة وحصول النتيجة، وليس بمنحصر فيما تقدم، تملكهما، فانه يحصل بالارث ونحوه مثل النذر، الا ان يريد بالعقد ما يعم، ولو قال بالامور، لكان اولى من العقود. قوله: " واما الآدمي فانما يملك الخ " يعني انه لا يتملك الآدمي في الاصل الا بهذا الوجه، وهو القهر والغلبة على الكافر الحربي، دون الذمي الذي يقبل من الجزية، ويقوم هو بشرائطه التي كان الاخلال بها خرقا للذمة، وعلة لكون فاعله حربيا حكما، (مثل خ ل) من اليهودي والنصراني والمجوس، فان خرقوا ملكوا مثل الحربي وقد مر تفصيل ذلك في كتاب الجهاد. ثم يسري الملك من ذلك الكافر المملوك الى اعقابه، اي من يحصل منه مسلما كان أو كافرا مسلمين كانوا أو كفارا. قوله: " الا الآباء والامهات الخ " هذا مشعر بان المراد بالملك في قوله

[ 231 ]

[ الحال ولو ملك البعض انعتق ما يملكه وحكم الرضاع حكم النسب على رأى. ] (فانما يملك) وكذا في قوله (ولا يملك الخ) هو الملك المستقر الباقي زمانا، ليحسن الاستثناء، لان الظاهر ان المستثنيات يملكون ولكن يعتقون في الحال، وقد اشار إليه بقوله بعيد هذا (فان ملك آه) ولا بعد في ذلك، فان الظاهر من الملك هو الملك التام الذي يترتب عليه الاثر، بحيث يكون له قدرة بعد وقوع الملك على تصرف ما من التصرفات في المملوك، وظاهر ان لا تصرف له في هؤلاء بعده، فانهم معتقون، بل لولا ضبط قاعدتهم (لا عتق الا في ملك (1)) كان الحكم بالعتق بنفس الشراء مثلا، وهو ظاهر. واما الدليل على ذلك كله فالظاهر انه الاجماع مستندا إلى الاخبار، الا في الرضاع كما اشار إليه المصنف، حيث ما نقل الخلاف هنا الا فيه، وكذا في غير هذا الكتاب. والاخبار في ذلك كثيرة، مثل رواية ابي بصير وابي العباس وعبيد بن زرارة كلهم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا ملك الرجل والدية أو اخته أو عمته أو خالته أو بنت اخيه أو بنت اخته، (وذكر اهل هذه الآية من النساء) عتقوا جميعا، ويملك عمه وابن اخيه وابن اخته والخال، ولا يملك امه من الرضاعة ولا اخته ولا عمته ولا خالته، (انهن يب) فإذا ملكن عتقن، وقال: ما يحرم من النسب فانه يحرم من الرضاعة، وقال: يملك الذكور ما خلا والدا ولدا، ولا يملك من النساء ذوات رحم محرم، قلت: وكيف يجري في الرضاع؟ قال: نعم يجري في الرضاع مثل ذلك (2).

(1) يظهر من كلامه قدس سره انها قاعدة ولكن نقلها في المهذب البارع لابن فهد الحلي بعنوان الرواية، لاحظ عوالي اللئالي ج 2 ص 399 وج 3 ص 421. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

[ 232 ]

[... ] وهذه وان كان في طريقي الكتابين محمد بن عيسى وابان بن عثمان (1)، وفيهما قول، مع اني اظن عدم الباس بهما، الا ان مثلها مكررة في التهذيب والاستبصار مع القول بالصحة، وانها صحيحة في الفقيه، لان الظاهر ان ابي العباس هو الفضل بن عبد الملك وطريقه إليه صحيح (2) وهو ثقة في الكتب، والطريق إلى عبيد بن زرارة ايضا لا باس (3) به. ويؤيدها الشهرة وغيرها. مثل صحيحة الحلبي وابن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: في امرءة ارضعت ابن جاريتها؟ قال: تعتقه (4). وصحيحة عبيد بن زرارة في الكافي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عما يملك الرجل من ذوي قرابته فقال: لا يملك والده ولا والدته (5) ولا اخته ولا ابنة اخيه ولا ابنة اخته ولا عمته ولا خالته، ويملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته، ولا يملك امه من الرضاعة (6).

(1) سند الحديث كما في التهذيب احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن عيسى عن ابن ابي عمير عن ابان بن عثمان عن ابي بصير، وابي العباس وعبيد كلهم عن ابي عبد الله عليه السلام. (2) طريق الصدوق إلى الفضل بن عبد الملك كما في المشيخة هكذا (وما كان فيه عن الفضل بن عبد الملك فقد رويته عن ابي رضي الله عنه عن سعيد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن ابي الخطاب عن جعفر بن بشير عن حماد بن عثمان عن الفضل بن عبد الملك المعروف بابي العباس البقباق الكوفي). (3) وطريق الصدوق الى عبيد بن زرارة هكذا (وما كان فيه عن عبيد بن زرارة فقد رويته عن ابي رضي الله عنه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن ابي الخطاب عن الحكم بن مسكين الثقفي عن عبيد بن زرارة بن اعين). (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3. (5) والديه ولا ولده (يب). (6) الوسائل، ج 16، كتاب العتق، الباب 7 في ان الرجل إذا ملك احد الآباء... انعتق عليه، الحديث 5.

[ 233 ]

[... ] والظاهر عدم الفرق بين الام والابن من الرضاعة وغيرهما. وصحيحة محمد بن مسلم ايضا عن ابي جعفر قال: لا يملك الرجل والده ولا والدته ولا عمته ولا خالته ويملك اخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال (1). ورواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن امرءة ترضع غلاما لها من مملوكة (مملوكها - كا) حتى تفطمه يحل لها بيعه؟ قال: لا، حرم عليها ثمنه (2) اليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. اليس قد صار ابنها؟ فذهبت اكتبه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: وليس مثل هذا يكتب (3) يعني انه ظاهر لا يحتاج إلى الكتابة. قال في شرح الشرايع: انها صحيحة، ولى فيها تأمل، لان الظاهر من التهذيب والاستبصار عدمها، لان الظاهر انه روى فيهما عن الحسن بن محمد بن سماعة بغير واسطة، والسند إليه غير ظاهر (4)، وحاله معلوم (5). ورواية ابي حمزة (الثمالي) قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن المرءة ما تملك من قرابتها؟ قال: كل احد الا خمسة ابوها وامها وابنها وابنتها وزوجها (6). والظاهر ان المراد مع بقاء الزوجية، يعني إذا ملكها تبطل الزوجية للاجماع.

(1) الوسائل، ج 16 كتاب العتق، الباب 7 ان الرجل إذا ملك احد الآباء... الحديث 2. (2) في النسخ التي عندنا (قال ثم قال) والصواب ما اثبتناه كما في التهذيب والوسائل. (3) الوسائل ج 16 كتاب العتق، الباب 8 ان حكم الرضاع في ذلك حكم النسب، الحديث 3. (4) سند الشيخ الى الحسن بن محمد بن سماعة كما في مشيخة التهذيب هكذا (وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن سماعة فقد اخبرني به احمد بن عبدون عن ابي طالب الانباري عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة). (5) وسند الحديث كما في التهذيب هكذا (الحسن بن سماعة عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان). (6) الوسائل ج 16 كتاب العتق، الباب 9 ان المرأه إذا ملكت... الحديث 1.

[ 234 ]

[... ] وهذه وان كانت غير صحيحة الا ان الاصل والعمومات يقتضي تملكها كل احد (1)، ولا خلاف ظاهرا في الاربعة، فثبت عدم تملكها وتملك غيرها، وكانه لا خلاف فيهما في المرءة. هذا، واما ما يدل على خلاف ما تقدم - مثل ما في رواية عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يملك الرجل اخاه من النسب، ويملك ابن اخيه، ويملك اخاه من الرضاعة الخ (2) وغيرهما مما يدل على جواز التملك في الرضاع. مثل رواية الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام في بيع الام من الرضاعة؟ قال: لا باس بذلك إذا احتاج (3). ورواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا اشترى الرجل اباه أو اخاه فملكه فهو حر، الا ما كان من قبل الرضاع (4) -. فمع عدم صحتها - وقلتها بالنسبة إلى ما ينافيها، فانه كثير جدا - يمكن حملها على كراهة التملك، واستحباب العتق بعده. هذا في الخبر الاول ونحوه. وقال الشيخ في الاخيرين: فهذان الخبران لا يعارضان الاخبار التي قدمناها، لانها اكثر، واشد موافقة بعضها لبعض (لبعضها خ ل)، فلا يجوز ترك تلك، والعمل بهذه، مع ان الامر على ما وصفناه. على انه يمكن ان يكون الوجه فيه إذا كان الرضاع لم يبلغ الحد الذي يحرم،

(1) هكذا في النسخ، ولعل الصواب (لكل احد). (2) الوسائل، ج 16 كتاب العتق، الباب 7 ان الرجل إذا ملك احد الآباء... الحديث 7. (3) التهذيب، ج 8 في العتق واحكامه ص 245، الحديث 119. (4) التهذيب، ج 8 في العتق واحكامه، ص 245 الحديث 118. اقول: رواهما في الوسائل، ج 16، كتاب العتق، ص 12 في هامش الصفحة ولم نجدهما في الوسائل.

[ 235 ]

[ ويملك لقيط دار الحرب دون دار الاسلام، ويقبل اقراره بعد بلوغه بالرق، وكذا كل مقر به مع جهالة حريته. ] فانه والحال على ذلك جاز بيعها على جميع الاحوال. على ان الخبر الثاني يحتمل ان لا يكون المراد بالا الاستثناء، بل يكون (إلا) قد استعملت بمعنى الواو، وذلك معروف في اللغة، فكأنه قال: إذا ملك الرجل اباه فهو حر، وما كان من جهة الرضاع. واما الخبر الاول فيحتمل ان يكون انما اجاز بيع الام من الرضاع لابي الغلام حسب ما قدمناه في خبر اسحاق بن عمار عن العبد الصالح (عليه السلام) ولا يكون المراد بذلك انه يجوز ذلك للمرتضع، وليس في الخبر تصريح بذلك، بل هو محتمل لما قلناه، وإذا كان كذلك لم يعارض ما قدمناه (1). وهذه التأويلات وان كانت بعيدة، الا انه لما قوى الحكم الاول، والطرح غير مستحسن عنده - وان كانت الاخبار ضعيفة ونادرة - فليس ببعيد ارتكابها (2)، ولكن لابد من حمل عدم تملك الاخ في الخبر الثاني ايضا، ولعله الذي تقدم في الخبر الاول. قوله: " ويملك لقيط دار الحرب الخ " يعني لقيط دار الحرب التي يسترق اهلها بالسبي. ودليله ظاهر مما تقدم الا انه شرط في جواز ذلك عدم كون مسلم فيها يمكن كون اللقيط ولدا له، وان كان محبوسا، دليله جواز كون الولد منه، وقد ترك الاصل

(1) الى هنا عبارة التهذيب، من كتاب العتق. (2) وفي بعض النسخ وهامش نسخة مخطوطة ما لفظه (ويمكن حملها على التملك في الجملة ثم العتق، لما دل عليه الاخبار المتقدمة، فانها تدل على الملك ثم العتق، فان الذي لا يقولون معنى، نحن نقول بموجبها، إذ لا يدل على التملك فقط ونحن نقول به كما في الابوين من النسب، وانما النزاع في البقاء في الملك وحصول العتق، وان كان ظاهر هما (ها خ) الاول، وهذا لا يجوز (لا يجرى خ) في هذين الخبرين، ولكن الخ).

[ 236 ]

[... ] والظاهر ايضا هنا. وكذا الالحاق بالاغلب والاكثر، كانه بالاجماع مستندا إلى الاخبار. مثل صحيحة حريز عن ابي عبد الله عليه السلام قال: المنبوذ حر (1) الخ، وهي (عامة) في كون اللقيط حرا، خرج منه لقيط دار الحرب الخالي عن مسلم موصوف، بقي الباقي على حاله، فتأمل. ويقبل اقرار اللقيط بالرق بعد بلوغه ورشده، وكذا كل من يقر برقية نفسه مع الجهل بنسبه المقتضى لحريته. وكان دليله الاجماع المستند إلى الحكم بالظاهر. وصحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: كان علي بن ابي طالب عليه السلام يقول: الناس كلهم احرار الا من اقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو امة، ومن شهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا (2). وفيه دلالة على عدم اشتراط الرشد في المقر بالرق، وان العقل يكفي، الا ان يدخل في قوله: (وهو مدرك) وان الاصل هو الحرية، وان الرقية تثبت على الصغير ايضا بالمشهور، ولا يحتاج دعوى ذلك عليه إلى ان يكبر، وان العبد والجارية سواء فتأمل. والخبر المشهور عنه صلى الله عليه وآله: اقرار العقلاء على انفسهم جائز (3) وسائر ادلة قبول الاقرارات الجائزة.

(1) الوسائل، ج 16 كتاب العتق، الباب 62 ان اللقيط حر، الحديث 3. (2) الوسائل، ج 16، كتاب العتق، الباب 29 ان الاصل في الناس الحرية، الحديث 1. (3) عوالي اللئالي، ج 1 ص 223 الحديث 104 وج 2 ص 257 الحديث 5 وج 3 ص 442 الحديث

[ 237 ]

[ ولو اسلم عبد الكافر بيع عليه من مسلم. ] ثم انه لو انكر ورجع لا يقبل رجوعه، بل مع البينة ايضا، لتكذيبه اياها باقراره اولا. ولو ادعى شبهة يمكن الصدق امكن قبوله، للظاهر، ولعدم حصول العلم بمجرد اقراره اولا، والظاهر القبول كما قيل. واختلف في قبول اقرار اللقيط بالرق، فقيل: لا يقبل لعدم علمه بحال نسبه، والظاهر القبول لما مر الا مع اظهار ما يدل على عدمه، فيسمع الرجوع، ومع البينة بالطريق الاولى. وكذا في اعتبار الرشد في الاقرار بالرق، فان اكثر العبارات خالية عنه، ولا يبعد اعتباره، لعدم الاعتداد بكلام السفيه وعدم قبوله في المال، فكذا في النفس بالطريق الاولى، بل قد يستلزم القبول في المال، بان يكون في يده مال أو يكسب، فتأمل، واحتمال ارادته في الرواية عن امير المؤمنين عليه السلام (1). قوله: " ولو اسلم عبد الكافر الخ " يعني لو حكم باسلام عبد كافر، للكافر، يكلف الكافر على بيعه جبرا، من مسلم لعدم السبيل للكافر على المسلم (2) كما تقدم في مسألة عدم جواز شراء الكافر المسلم. لعله لا خلاف فيه، ويمكن وجوب الشراء كفاية حينئذ، والاصل يقتضي العدم ولا يستلزم (3) البيع عليه، ذلك، لانه قد يكون مشروطا. نعم يمكن ان يأخذه الحاكم من يده ويسلمه إلى ثقة، ويوصل إليه النفقة الزائدة عن النفقة، فتأمل.

(1) تقدم آنفا. (2) اشارة إلى قوله تعالى (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). (3) يعني وجوب البيع على الكافر، لا يستلزم الشراء على المسلم، لان وجوب البيع قد يكون مشروطا بوجود المشتري.

[ 238 ]

[ ولو ملك احد الزوجين صاحبه، صح وبطل العقد. ولا يقبل ادعاء الحرية من مشهور الرقية (المشهور بالرقية خ) الا بالبينة. ] قوله: " ولو ملك احد الزوجين الخ " لعله لا خلاف في بطلان العقد حينئذ، وقد مر في خبر عدم تملك المرءة خمسة، ان احدها زوجها (1) وقد عرفت ان معناه عدم بقاء الزوجية مع الملك، يعني تملك ولم يكن زوجا. وقد استدل عليه بوجوه غير تامة، ولا يحتاج إلى ذكرها، لان الاجماع مع الاخبار المعتبرة في الكافي يكفي. مثل ما في حسنة محمد بن قيس في قضاء امير المؤمنين عليه السلام في امرءة مالكة لزوجها: لو كنت فعلت (اي جامعت) لرجمتك، اذهبي فانه عبدك ليس له عليك سبيل الخبر (2). وفي صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام: تفارقه وليس له عليها سبيل وهو عبدها (3) وفي الصحيح عن اسحاق بن عمار عليه السلام ليس بينهما نكاح (4). وفي رواية سعيد بن يسار قال: سألته عن المرءة الحرة تكون تحت المملوك فتشتريه، هل يبطل نكاحه؟ قال: نعم، لانه عبد مملوك لا يقدر على شئ (5). قوله: " ولا يقبل ادعاء الحرية الخ " فيجوز شراؤه والتصرف فيه تصرف الملاك، الا ان يأتي بالبينة.

(1) الوسائل، ج 16 كتاب العتق الباب 9 ان المراة إذا ملكت... الحديث 1. (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 49 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 3. (3) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 49 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1. (4) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 49 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 4. (5) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 49 من ابواب نكاح العبيد والاماء 2.

[ 239 ]

[... ] عدم القبول بمجرد الشهرة مشكل، لان الاصل الحرية، وهي ليست بحجة شرعية لعل المراد ب‍ (المشهور بالرقية) كونه رقا ظاهرا، بان يرى يباع ويشترى من غير انكار كما قال في التذكرة: العبد الذي يوجد في الاسواق يباع ويشترى يجوز شراؤه، وان ادعى الحرية لم يقبل منه ذلك الا بالبينة، وكذا الجارية إلى قوله: اما لو وجد في يده وادعى رقيته ولم يشاهد شراؤه له ولا بيعه اياه، فان صدقه حكم عليه بمقتضى اقراره، وان كذبه لم يقبل دعواه الرقية الا بالبينة، عملا باصالة الحرية، وان سكت من غير تصديق ولا تكذيب، فالوجه ان حكمه حكم التكذيب، إذ قد يكون السكوت لامر غير الرضا. وان كان صغيرا، فاشكال، اقربه اصالة الحرية فيه (1). هذا، وينبغي التأمل في قوله: (وحكمه حكم التكذيب) إذ يمكن جواز الشراء حينئذ دون صورة التكذيب، لانه شخص متصرف وصاحب يد، ويدعي دعوى ممكنا، فالظاهر صدقه ما لم يظهر له مكذب ومنازع، كما إذا ادعى زوجية امرءة وملكية اموال، فيكون الحكم لظاهر (بظاهر خ) اليد، كما نقل عن تحريره في شرح الشرايع، الا انه يكون دعواه مقبولا مع البينة، ويمكن بدونها ايضا، فتأمل. وايضا ان في الحكم الاول تأملا، إذ قد يكون الشراء والبيع الذي رأيناه مع سكوته في الكل مثل هذه الصورة، فكيف يجوز شراؤه مع قوله، فالوجه ان حكمه حكم التكذيب، فتأمل. والظاهر ان مراده بقوله: (فحكمه حكم التكذيب) في عدم قبول دعوى رقيته فقط الا بالبينة.

(1) إلى هنا كلام التذكرة.

[ 240 ]

[... ] والظاهر عدم الاشكال في قبول دعوى الحرية من غير بينة بعد البلوغ والرشد الذي يبيع طفلا. وكذا في جواز شراء الطفل من يد مسلم يدعي رقيته، لما تقدم. وقيل:، هو ايضا مختار التحرير، وان قوله: (اقربه الحرية) يشعر بعدم جواز شراءه، لانه إذا حكم بالحرية فمقتضاه ذلك، فيشكل حينئذ جواز شراء الاطفال التي تحت تصرف البياع، وكذا استخدامهم. والظاهر الجواز، والاحتياط طريق السلامة. ويدل على جواز شراء من يباع وعدم سماع قوله الا مع البينة مطلقا، رواية حمزة بن حمران قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ادخل السوق واريد اشترى الجارية، فتقول اني حرة؟ فقال: اشترها الا ان تكون لها بينة (1). قال في التذكرة: في صحيحة عن حمزة بن حمران، وفي شرح الشرايع صحيحة حمزة بن حمران، وحمزة غير موثق، بل ما ذكره المصنف في الخلاصة، نعم ذكره النجاشي وابن داود من غير مدح ولا ذم. وايضا ما ينبغي ذكر هذه وترك صحيحة عيص الآتية، وكانها حملت على من ثبت رقيتها برؤية بيعها وشرائها ونحوها، وهو بعيد، نعم يمكن اخراج من يكذب بايعها في دعوى الرقية، بالاجماع والاصل وتعارض القولين، وبقي الاطفال والساكت تحتها، ويمكن اخراجهما ايضا، للاصل ولما مر من ان كل انسان حر، فتأمل، والاول اظهر الا ما يدل على خلافه. وصحيحة عيص بن القاسم قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن مملوك ادعى انه حر ولم يأت بينة على ذلك، أشتريه؟ قال: نعم.

(1) و (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2 و 1.

[ 241 ]

[ والآمر بشراء الحيوان بالشركة يلزمه ثمن الحصة، ولو اذن في الاداء رجع عليه ] فان الظاهر ان المراد بالمملوك من ثبت انه كذلك بحسب الظاهر من الشهرة، وراى انه يباع ويشترى، ويحتمل كونه ثابتا بالبينة، بل بالاقرار ايضا، مع عدم اظهار الشبهة الممكنة، في اقراره الاول. وهذه ظاهرة في العبد، فليس مورد النص الجارية فقط، كما قال في شرح الشرايع، فلا يضر ذكر حكم العبد كما قال في الشرايع، على ان الغالب في الاحكام ذكر المذكر، ويحال عليه المؤنث في الكتاب والسنة وكلام الامة. قوله: " والامر بشراء الحيوان الخ " دليل لزوم نصف الثمن - بالامر بشراء حيوان بالمشاركة بينه وبين شريكه - ان الشراء للغير لا يكون الا بالثمن، فالامر توكيل بالشراء بالشركة بينه وبين المأمور مثلا، والظاهر من الشركة هو التساوي، فحملت عليه، الا ان ينصب قرينة تدل على خلافه. فلو اذن له مع ذلك باداء الثمن عنه ايضا يلزمه ان يؤدى عنه، فيرجع إليه بعد الاداء، وذلك الاذن اعم من الصريح والفحوى مثل ان امره بالشراء من موضع بعيد، والمجئ به، مع العلم بانه لا يمكن الا باداء الثمن وغير ذلك. واما إذا ادى من غير اذنه بوجه، بل ادى بغير اذنه شرعا (تبرعا خ ل) فلا يلزمه العوض، لانه متبرع في اداء دين شخص لا عوض له، فلا يرجع إلى المديون بشئ، قاله في التذكرة وغيرها. فتأمل. إذ قد يقال: بان الاذن با (في خ ل) لشراء مطلقا يستلزم (مستلزم خ ل) للاذن في الاداء بحسب العرف والعادة، فهو يرجع دائما. ويؤيده انه رضي بالشراء، فهو انما يكون بالثمن، والغالب انه لا يسلم المبيع الا بعد تسليم الثمن، فالظاهر ان ذلك اذن في التسليم ايضا، ولا يمكن ذلك الا به، فكان الامر والاذن بالشراء مستلزما لتسليم الثمن وتسلم المبيع، فلا يضمن لو اخذ

[ 242 ]

[ ولو تلف الحيوان فهو عليهما ولو وجد المشترى فيه عيبا سابقا على البيع، تخير بين الرد والارش. ولو تجدد بعد العقد قبل القبض تخير بين الرد والامساك، والاقرب الارش. ] من غير اذن جديد، ويرجع بالثمن مطلقا، الا مع ما يدل على عدم الاذن ولا يفهم الاذن بوجه. وليس كلام التذكرة وغيرها بعيدا عن هذا المعنى، بكثير، مع احتمال الضمان وعدم الرجوع كما مر، والظاهر الاول الا مع القرائن. واشار الى عدم الضمان مطلقا بقوله: (ولو تلف الحيوان فهو عليهما) اي لو تلف الحيوان المشترك بعد قبضه من غير تفريط من المأمور، فالتلف منهما جميعا، يعني لا يرجع احدهما إلى غيره، فكأن يد الشريك المشتري يد أمانة لا يد ضمان. قوله: " ولو وجد المشتري الخ " وجود العيب السابق في المبيع مطلقا حيوانا وغيره، مع جهل المشتري به، موجب لخياره بين رده وامساكه بارش العيب، وهو ظاهر كانه لا خلاف فيه، وسيجئ تحقيقه. قوله: " ولو تجدد بعد العقد الخ " اي لو تجدد العيب الموجب للخيار في المبيع قبل القبض الشرعي، تخير المشتري بين الرد والامساك مجانا من غير نزاع، بل بالاجماع. والاقرب ان له الامساك بالارش ايضا. دليله انه إذا كان تلف المبيع قبل القبض فهو من ضمان البايع من غير نزاع عندهم، بل اجماعي على الظاهر فتأمل، فكذلك ما ينقض بالعيب بالطريق الاولى، فان العيب بمنزلة تلف البعض، وإذا كان تلف الكل مضمونا على البايع، فكذلك البعض بالاولى.

[ 243 ]

[ ولو قبضه ثم تلف أو حدث فيه عيب في ثلاثة ايام، فهو من مال البايع ما لم يحدث فيه المشترى حدثا ] ووجه العدم الاصل والنص والاجماع في تلف الكل، لا العيب، ويؤيده ان المال من المشتري، وهو يقتضي كون العيب والتلف منه، وخرج التلف بدليله، وبقي الباقي، فتأمل. نعم يمكن ان يكون العيب حادثا بعد منعه من القبض، ولا شك انه حينئذ اقوى، فتأمل. قوله: " ولو قبضه ثم تلف الخ " اشارة إلى ان التلف والعيب الحادث في زمان الخيار من مال البايع وهو ثلاثة ايام في الحيوان ما لم يتصرف المشتري في المبيع تصرفا مبطلا للخيار. فلعل دليله في التلف الاجماع على ان التلف في زمان الخيار على من ليس له الخيار. وقول الصادق عليه السلام: ان حدث بالحيوان قبل الثلاثة فهو من مال البايع (1). الاجماع ما نعرفه مثل السند (2). نعم الحكم مشهور بينهم من غير ذكر خلاف، والعيب ما تقدم، فهو مبنى على الحكم الاول، وما اشار هنا إلى الخلاف اكتفاء بما تقدم عن قريب بقوله: (والاقرب الخ) فلو تلف يأخذ الثمن، ولو تعيب يأخذ ارش العيب، والعيب الحادث في الثلاثة الموجب للارش، لا يمنع الرد بخيار الثلاثة، بل ولا بالعيب السابق.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب الخيار، الحديث 5. (2) فان السند كما في التهذيب هكذا (الحسين بن سعيد عن الحسن بن علي بن فضال عن الحسن بن علي بن رباط عمن رواه عن ابي عبد الله عليه السلام).

[ 244 ]

[ ولو حدث فيه عيب في الثلاثة من غير جهة المشترى، لم يمنع رد المشترى بالخيار في الثلاثة. والوجه جواز الزام البايع بالارش ولو حدث بعد الثلاثة منع الرد بالسابق. ولو باع الحامل فالولد له، الا ان يشترطه المشتري. ] نعم لا يرد بهذا العيب الحادث، بل له الارش فقط، لانه حصل بعد القبض في زمان الخيار، فهو من مال البايع لما تقدم. ولكن يشترط ان لا يكون العيب من جهة المشتري وبسبب تقصيره، واليه اشار بقوله: (ولو حدث فيه عيب في ثلاثة ايام). وكانه لا يحتاج إلى قوله: (والوجه الزام البايع) بعد قوله: (فهو من مال البايع). اما لو حدث عيب بعد خروج ايام خيار الثلاثة في الحيوان، فانه يمنع من الرد بالعيب السابق على العقد الموجب للخيار مع الجهل وقبل التصرف وحدوث حدث فلا خيار له اصلا، فان الحدوث والعيب يمنعان الرد، لانه انما سلم صحيحا، فله ان لا يأخذ معيبا، ولكن له الارش، وهو التفاوت بين كونه صحيحا بلا عيب اصلا، وكونه معيبا بالعيب السابق فقط، وهو ظاهر. قوله: " ولو باع الحامل الخ " اي لو بيع الحامل المتحقق حملها جارية كانت أو دابة مطلقا، حملها للبايع على المشهور، لانه امر موجود مغاير للحامل، فلا يدخل تحتها حتى يدخل في بيعها، ونقل عن الشافعي كونه للمشتري، لانه كالجزء الظاهر منها، حتى انه قال: لو استثنى لم يصح البيع، كبيعها مع استثناء يدها، وهو قول الشيخ ايضا على ما نقل. ويؤيده رواية السكوني عن جعفر عن أبيه (ابائه - ئل) في رجل اعتق امة وهي حبلى فاستثنى ما في بطنها؟ قال: الامة حرة وما في بطنها حر، لان ما في

[ 245 ]

[ ولو شرطه فسقط قبل القبض رجع المشتري بنصيبه من الثمن، بان يقوم حاملا ومجهضا ويرجع بنسبة التفاوت من الثمن. ] بطنها منها (1). الا انها ضعيفة بالسكوني والنوفلي وغيرهما (2). ولعل الاول اظهر، للاصل والاستصحاب، وعدم ظهور شمول البيع له، للاحتمال الواضح، فمع الاطلاق الولد له كما في الاستثناء، ويصح البيع ويكون للبايع، ومع التقييد بكونه للمشتري يصح البيع ويكون الولد للمشتري بلا نزاع، ولا يضر جهله، لانه منضم إلى المعلوم، بل فيه علم ايضا. فالظاهر انه لا فرق حينئذ بين ان يقول: بعتك هذه الامة وحملها، وبين قوله: بعتك هذه الامة بكذا وحملها، لان الظاهر ان (حملها) عطف على الامة، كما في العبارة الاولى، ولا يجعله توسط الثمن شرطا تابعا، ولا مبيعا اصلا. وفرق بينهما في التذكرة فقال: بعدم صحة الاولى لانه مجهول على ما تقدم، وبصحة الثانية، والفرق غير ظاهر. نعم يمكن الفرق بينهما وبين مثل بعتك هذه الامة وشرطت حملها لك، والظاهر العدم هنا ايضا بعد القول بصحة الانضمام والمعرفة في الجملة. قال المصنف في التذكرة مرارا: انه لابد من كون الضميمة تابعة (لاصله خ)، لا اصلا مقصودا في البيع. وكان قوله هنا وغيره: (ولو شرطه للمشتري) اشارة إلى ان لا يجعل مبيعا، بل شرطا، وهو غير ظاهر، مع انه مجمل، لان الضميمة مثل الحمل مثلا منظور للطرفين ويزيد به الثمن وينقص، فكيف لا يكون مقصودا، وكونه مقصودا

(1) الوسائل، ج 16 كتاب العتق، الباب 69 حكم من اعتق امة حبلى واستثنى الحمل، الحديث 1. (2) سند الحديث كما في التهذيب (محمد بن احمد بن يحيى عن أبي إسحاق عن النوفلي عن السكوني). (3) ليس في عبارة المتن لفظة (للمشتري).

[ 246 ]

[ والعبد لا يملك وان ملكه مولاه. ] بالتبع لا بالذات غير مفهوم. وحينئذ لو سقط الحمل قبل القبض أو بعده في زمان الخيار يكون من مال البايع، ولا شك ان للحمل ثمنا، وان الظاهر انها في حال الاجهاض مريضة، فانه مرض فينقص قيمتها ايضا، فكأنها معيبة بعيب مضمون على البايع وموجب للارش، فيقوم حاملا ومجهضا، فيسترد نسبة التفاوت. وكانه إليه اشار بقوله: (وحاملا ومجهضا)، فهو اولى من قوله: حائلا وحاملا، وان كان قوله: (بنصيبه) مشعرا بان ما به التفاوت فهو قيمة الولد فقط. هذا ظاهر ان نقصت، ولكن قد لا ينقص، بل قد يزيد بوضع الحمل والمسقوط، الثمن، فحينئذ يمكن عدم الارش، لعدم النقصان، ويحتمل ملاحظة الارش كما في الخصى، فتأمل. وقال في شرح الشرايع: ولو لم يكن الحمل متحققا فيقول: (يعني خ) في البيع (العبارة الثانية)، اي بعتكها وشرطت حملها لك، لا بعتكها وحملها. وكانه نظر إلى ان بيع ما لم يعلم وجوده غير معقول، بخلاف الشرط، وفي الشرط ايضا تأمل، وهو ظاهر. والظاهر انه يجوز ويؤل إلى تقدير الوجود والسلامة، ولعل مثله إذا كان منضما وتابعا لا يضر، لعموم الادلة والتراضي. قوله: " والعبد لا يملك الخ " من المشكلات تملك العبد، قال في التذكرة: المشهور عدمه، وقال في شرح الشرايع: القول بالملك في الجملة للاكثر. واستدل على الاول في التذكرة بالآيتين (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (1) (وضرب لكم من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من

(1) سورة النحل / 75.

[ 247 ]

[... ] شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سوآء (1). ولا افهم دلالتهما، فان الاولى على تقدير تسليم كون القيد للبيان وشاملا للتصرف في الاموال، فيدل على كون العبد مهجورا عليه ليس له التصرف من دون اذن المولى. على ان الظاهر انه للتقييد. وانه ليس له شئ من التصرف في نفسه أو ماله ايضا الا باذن سيده، بل ان ليس له شئ الا من عند مولاه، فما لم يملكه المولى أو يأذن له في تملك شئ والتصرف فيه، ليس له ذلك، والقائل بالتملك يقول به. والثانية كذلك، بل ظاهرها ان ليس للعبد شركة في مال مولاه، واما إذا صرفه واذن له في تملك مال الغير بالكسب ونحوه، أو ملكه مالا، فالظاهر انها لا تدل على نفيه، بل الظاهر انه يحصل له ذلك كما في العبيد بالنسبة إلى الله تعالى. وبالجملة دلالتهما على التملك اوضح من دلالتهما على العدم. وكذا بعض الادلة التي استدل بها على التملك، مثل ما يدل على دخول مال العبد في البيع على تقدير علم البايع به، فيكون للمشتري، وعلى عدم الدخول على تقدير عدم علمه بمال عبده فيكون المال له. مثل حسنة زرارة في التهذيب والكافي (وهي صحيحة في الفقيه) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام الرجل يشتري المملوك وله مال لمن ماله؟ فقال: ان كان علم البايع ان له مالا فهو للمشتري، وان لم يكن علم فهو للبايع (2). وما يدل على ان ماله للبايع مطلقا مثل صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما

(1) سورة الروم / 28. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2.

[ 248 ]

[... ] عليهما السلام قال: سألته عن رجل باع مملوكا فوجد له مالا؟ فال: فقال: المال للبايع، انما باع نفسه، الا ان يكون شرط عليه ان ما كان له من مال أو متاع فهو له (1) وغيرهما مما يدل على اضافة المال إلى العبد. وطريق الدلالة ان ظاهر الاضافة، هو الملك. ومثلها اخبار كثيرة في بحث العتق، مثل حسنة زرارة عن احدهما عليهما السلام في رجل اعتق عبدا له وله مال، لمن مال العبد؟ قال: ان كان علم ان له مالا تبعه ماله، والا فهو للمعتق (2) ومثلها متعدد بتقريب ما تقدم. والظاهر ما قلناه من ان دلالتها على عدم الملك اوضح، لانها يدل على انه ان كان البايع عالما وسكت فادخله في المبيع، فهو للمشتري، والا فيكون لنفسه، وكذا في العتق، وهو صريح في انه كان للبايع، إذ لو لم يكن له كيف يجعله للمشتري، وللمعتق مع علمه، وكيف يكون لنفسه مع جهله، وهو ظاهر. ولعل دخوله في المبيع وجعله للمعتق على تقدير القول بانه لا يملك، بناء على انه شرطه للمشتري والمعتق بالصريح أو بالفحوى، دلت القرينة على انه ادخله في المبيع وجعله للمعتق، وعلى تقدير القول بالملك كذلك، واضافة مال البايع إليه باعتبار انه كان عنده ومعه، لا انه كان ملكه وان كان هو يملك. وعليه تحمل الاخبار للجمع بين الادلة للعقل والنقل، مثل صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة، لتعيين حمل المطلق على المقيد، فان الادلة - على ان مال البايع الذي مع العبد لا يدخل في المبيع والمعتق - كثيرة. وكذا على ان مال العبد لا يصير للمشتري بترك البايع، وهو ظاهر، وان نقل

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 16 كتاب العتق الباب 24 حكم مال المملوك إذا اعتق الحديث 2 وبمضمونه اخبار فراجع الباب.

[ 249 ]

[... ] القول من الشيخ بانه مع العبد للمشتري ان علمه البايع، والا فللبايع، حملا لباقي الاخبار على رواية زرارة المتقدمة حملا للمطلق على المقيد فتأمل. واما ما يدل على تملك العبد، فهو عموم ما يدل على تملك الناس، وتملكه البضع بالتحليل، مع انهم يقولون التحليل اما عقد منقطع، أو تمليك منفعة، والاول يحتاج إلى عوض وهو فرع تملكه، والثاني تملك منفعة. والعمدة في ذلك الاخبار الكثيرة الصريحة، مثل صحيحة عمر بن يزيد الثقة وحسنته في التهذيب والكافي في بحث العتق قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اراد ان يعتق مملوكا له وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة فرضى بذلك المولى، فاصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة، قال: فقال: إذا ادى إلى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسب بعد الفريضة فهو للمملوك، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: اليس قد فرض الله تعالى على العباد فرائض فإذا ادوها إليه لم يسألهم عما سواها، قلت له: فللمملوك ان يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده؟ قال: نعم واجيز (واجر يب) ذلك له، قلت: فان اعتق مملوكا مما اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: فقال: يذهب فيتوالى إلى من احب، فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه قلت له: اليس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولاء لمن اعتق؟ قال: فقال: هذا سائبة (1) لا يكون ولاءه لعبد مثله قلت: فان ضمن العبد الذي اعتقه جريرته وحدثه أيلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه؟ قال: فقال: لا يجوز ذلك ولا يرث عبد حرا (2).

(1) وفي الحديث ذكر السائبة وهو العبد يعتق ولا يكون لمعتقه عليه ولاء ولا عقل بينهما ولا ميراث فيضع ماله حيث شاء (مجمع البحرين لغة سيب). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

[ 250 ]

[... ] وما رواه اسحاق بن عمار في الصحيح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في رجل يهب لعبده الف درهم أو اقل أو اكثر، فيقول: احللني من ضربي اياك ومن كل ما كان مني اليك ومما اخفتك وارهبتك فيحلله ويجعله في حل رغبة فيما اعطاه، ثم ان المولى بعد اصاب الدراهم التي (كان يب) اعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد، فاخذها المولى، أحلال هي له؟ فقال: لا تحل له، لانه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة، قال: فقلت: له: فعلى العبد ان يزكيها إذا حال عليها الحول؟ قال: لا الا ان يعمل له بها، ولا يعطي العبد من الزكاة شيئا (1). واسحاق وان كان فيه قول، الا اني اظنه خيرا لا باس به يعلم من محله، خصوصا من النجاشي. وفي رواية اخرى عنه عن جعفر عن ابيه ان عليا عليه السلام اعتق عبدا له، فقال له: ان ملكك لي ولك وقد تركته لك (2). وصحيحة الفضيل بن يسار قال: قال لي: عبد مسلم عارف اعتقه رجل، فدخل به على ابي عبد الله عليه السلام قال: يا هذا من هذا السندي؟ قال الرجل: عارف واعتقه فلان، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليت اني كنت اعتقته، فقال السندي لابي عبد الله عليه السلام اني قلت لمولاي: بعني بسبعماءة درهم وانا اعطيك ثلاثماءة درهم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ان كان يوم شرطت، لك مال، فعليك ان تعطيه، وان لم يكن لك مال يومئذ فليس عليك شئ (3).

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3. (2) الوسائل كتاب العتق ج 16، الباب 24 حكم مال المملوك إذا اعتق، الحديث 7 (3) الوسائل كتاب العتق ج 16، الباب 51 ان المملوك إذا فال لمولاه... الحديث 1.

[ 251 ]

[ فلو اشتراه كان ما معه للبايع. ولو شرطه المشتري صح. ] هذه الروايات صريحة في التملك، بل في استقلال العبد المال، الا رواية اسحاق. قال في التذكرة: وللشيخ قول اخر في عبد قال: اشترني على كذا، انه يجب عليه الدفع ان كان له شئ في تلك الحال، والا فلا وقد روى عن الصادق عليه السلام قال له غلام اني قلت الى آخر الحديث المتقدم، وكانه اشار الى صحيحة الفضيل بن يسار المتقدمة، وانها تدل على قول الشيخ، فتأمل وسيجئ. ويدل عليه ايضا ما رواه أبو جرير في الصحيح قال: سالت ابا الحسن عليه السلام عن رجل قال لمملوكه: انت حر ولى مالك قال: لا يبدء بالحرية قبل العتق، يقول له: لي مالك وانت حر برضاء المملوك فان ذلك احب الي (1). والظاهر ان ابا جرير هو زكريا بن ادريس الذي قيل فيه، انه كان وجها يروي عن الرضا عليه السلام وقال: انه صاحب الكاظم عليه السلام. واما كونه محجورا عليه، فظاهر كلامهم عدم الخلاف فيه، ولكن الاخبار المتقدمة كالصريحة في الاستقلال، الا ان فيما مر في الخبر من عدم وجوب الزكاة (2) ما يشعر به، وسيجئ تحقيقه في باب الحجر ان شاء الله تعالى. قوله: " فلو اشتراه كان ما معه الخ " تفريعه على عدم ملك العبد ظاهر، لان ما معه ملك مالكه البايع، وانما باع نفس العبد لا ماله، وقد دل العقل والنقل على عدم دخول غير المبيع، فيه. قوله: " ولو شرطه المشتري الخ " اي كون ما مع العبد داخلا في المبيع،

(1) الوسائل كتاب العتق ج 16، الباب 24 حكم مال المملوك إذا اعتق، الحديث 5 هكذا في التهذيب والكافي، ولكن في الوسائل (سالت ابا جعفر عليه السلام). (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3.

[ 252 ]

[ إذا لم يكن ربويا أو زاد الثمن. ] صح، دليله ما تقدم، مثل (في خ ل) الخبر الصحيح (1). وهو بناء على عدم التملك ظاهر. واما بناء على تملك العبد، فالخبر وامثاله محمول على كون المال للمولى، وان الاضافة الى العبد للملابسة، لا للملكية، وهي تصح مع ادنى ملابسة كما تقرر في موضعه. فهذه الاخبار لا تدل على تملكه، كما لا تدل على عدم تملكه ايضا. واما غيرها مما يدل على عدم تملكه لو كان، فيمكن حمله على عدم التصرف وكونه محجورا عليه، فكأنه ليس بمالك لكونه ممنوعا من التصرف فيه، وهذا طريق للجمع، وهو يقتضي ترجيح التملك. ولا يمكن الجمع بينهما بحمل الاخبار الدالة على التملك على محض اباحة التصرف، لكونه مأذونا، لا التملك كما قاله في شرح الشرايع. لان ذلك انما يمكن فيما استدل لهم من الاخبار الدالة على الاضافة، لا فيما ذكرناه من الادلة، مع انها لا تحتاج إليه، لما عرفت انها تصح بادنى ملابسة، وهو كون المال معه وكسبه ونحو ذلك، فتأمل. قوله: " إذا لم يكن ربويا الخ " اشارة إلى شرط صحة بيع ما مع العبد معه، وهو ان لا يكون ما معه ربويا أو كون الثمن زائدا، اي لا يكون من جنس الثمن ومما يدخل فيه الربا، أو كون الثمن زائدا على ما معه، بحيث يبقى ما يقابل العبد ليندفع الربا. هذا على تقدير كون الثمن ربويا، واما على تقدير عدمه فلا يحتاج إلى احد هذين الشرطين، وهو ظاهر.

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

[ 253 ]

[ ولو قال اشترني ولك علي كذا لم يلزم مطلقا على رأى. ] قوله: " ولو قال اشترني الخ " يعني لو قال العبد للمشتري اشترني ولك علي كذا لم يلزم العبد شئ مطلقا، سواء كان مع العبد بالفعل ذلك المقدار ام لا على رأى المصنف، لان العبد لا مال له، ولانه لا يلزم للمولى على مولاه مال. وللشيخ قول آخر، وهو انه لو كان معه مال يلزم والا فلا، وكان في صحيحة الفضيل بن يسار اشارة إليه (1)، حيث دلت على جواز اشتراطه للبايع فيلزمه ذلك، فكذا للمشتري. أو انه حمل قوله (بعنى) على (اشترني) البيع قد يطلق على الشراء، لعل في قوله: بعنى بسبعماءة وعلي ثلاثماءة، اشارة إليه، حيث أشار الى انه يعطى بعض الثمن، فليس بغال، (وكذا سؤاله حينئذ، فانه لو كان للبايع لكان هو له فيأخذ ولم يحله، فالمولى هو مولاه بالعقل خ) (2). وقد جعلها دليلا عليه حيث نقلها في التذكرة بعد قول الشيخ بلا فصل، وهي تفيد ان العبد يملك، وان ماله له، فلو بيع وكان له مال يثبت ذلك له. وحينئذ يمكن اشتراطه للبايع وللمشتري، بل لغيرهما ايضا، ولكن لابد من اذن المولى لو ثبت كونه محجورا عليه في مثله. ويمكن ثبوت المال للمولى في ذمته على هذا الوجه، فانه يملكه، ولانه يثبت في ذمة المكاتب فكذا في ذمته. وايضا قد يكون ذلك مسلما على القول بعدم التملك، لانه لا معنى لذلك حينئذ. وبالجملة الخروج عن مضمون حديث صحيح معمول، مشكل، بناء على

(1) الوسائل ج 16 كتاب العتق، الباب 51 ان المملوك إذا قال لمولاه... الحديث 1. (2) هكذا في النسختين المخطوطتين.

[ 254 ]

[ ويكره التفرقة بين الاطفال وامهاتهم (والامهات خ ل) قبل بلوغ سبع سنين. ] ثبوت كونه حجة، وهذا مما يؤيد القول بالتملك كما تقدم. الا ان يقال: معنى لزوم شئ عليه للبايع مع الوجود، اعطاء مال المولى له، لانه كان معه مال المولى، فيلزمه اعطاءه، فلا يدل على مذهب الشيخ (1)، ولا على تملكه، وهو غير بعيد. ويصح هذا مع القول بعدم تملكه. ومعه يقال: اعطاءه ماله للمولى شرط لبيعه اياه، والظاهر جواز مثل ذلك، لعموم: المسلمون على شروطهم. وبالجملة كونها دليل مذهب الشيخ كما جعل، لا يخلو عن بعد. ويمكن المناقشة في الصحة وتاويلها كغيرها، فليس بدليل ملك العبد ايضا. لكنه تأويل والاصل عدمه، ودفع المناقشة ممكن، خصوصا عما في باب بيع الحيوان من التهذيب، فهو دليل الا مع قيام المعارض فتأمل. قوله: " ويكره التفرقة الخ " وقيل: يحرم، اختاره في التذكرة، وقال وهو المشهور، والاخبار التي ذكروها غير صريحة في التحريم. والاصل وعموم التسلط على المال من الكتاب والسنة والاجماع، بل العقل يدل على الجواز، فتقتضي حملها على الكراهة. واما الاخبار فهي مثل صحيحة معاوية بن عمار - في الفقيه، وهي حسنة في التهذيب، وهما معا في الكافي - قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: اتى رسول الله صلى الله عليه وآله بسبي من اليمن فلما بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم، فباعوا جارية من السبي كانت امها معهم، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وآله سمع

(1) اي ما قاله الشارح: بقوله: وللشيخ قول آخر.

[ 255 ]

[... ] بكائها فقال: ما هذه؟ قالوا: يا رسول الله احتجنا الى نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها فاتى بها وقال: بيعوهما جميعا أو امسكوهما جميعا (1). ظاهرها التحريم، بل عدم صحة العقد ايضا، حيث يفهم عدم صلاحية المنفرد للبيع ورد الثمن من غير رضى المشتري على الظاهر. ولكن غير مقيدة لكون البنت طفلا وصغيرة، بل ظاهرها انها كانت كبيرة، حيث بيعت لنفقة العسكر، والغالب انه لا يفي ثمن الطفل بها، وان الطفل لم يشتر، وانها مخصوصة بالبنت. وصحيحة هشام بن الحكم - في الكافي، وهي حسنة في التهذيب - عن ابي عبد الله عليه السلام انه اشتريت له جارية من الكوفة، قال: فذهبت لتقوم في بعض الحاجة، فقالت: يا اماه، فقال لها أبو عبد الله عليه السلام: ألك ام؟ قالت: نعم، فامر بها فردت، وقال: ما امنت لو حبستها ان ارى في ولدي ما اكره (2). وهذه كالاولى في الدلالة، بل انقص، فانها ظاهرة في الكراهة، لقوله: (ما امنت الخ). ورواية سماعة قال: سألته عن اخوين مملوكين هل يفرق بينهما؟ وعن المرأة وولدها؟ فقال: لا، هو حرام الا ان يريدوا ذلك (3). وهذه مع ضعفها واضمارها مشتملة على الاخوين وعلى الولد مطلقا من دون قيد الصغر. وما رواه ابن سنان في الصحيح قال ابن سنان: وقال أبو عبد الله عليه السلام: في الرجل يشتري الغلام أو الجارية، وله اخ أو اخت. (وفي الفقيه، أو

(1) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3. (3) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 4.

[ 256 ]

[... ] اب) () أو ام بمصر من الامصار؟ قال: لا يخرجه من مصر إلى مصر آخر ان كان صغيرا، ولا يشتره. وان كانت له ام وطابت نفسها ونفسه فاشتره ان شئت (2). قيل: هذه هي العمدة في ذلك وغيرها شاهد، مع اشتراك ابن سنان، وان كان الظاهر انه عبد الله الثقة، لبعض القرائن (3). ولكن ليس بنص في الشراء، وان امكن تقييده به، لما قبله وغيرها. واشتمالها على قوله: ان طابت نفس الام ونفس الولد يجوز الشراء، لان طيبة نفس الولد مع الصغر مشكل اعتباره. وانها مشتملة على عدم جواز الاخراج من مصر الى مصر آخر. والظاهر عدم تحريم ذلك، وان قيل ان المراد لا يخرج من مصر فيه الاخ والاخت والام والاب، فذلك ايضا غير معلوم القائل بالتحريم مطلقا، وان كان المراد بالتفرقة ذلك فالعبارة غير جيدة، وتكون مقيدة بالخروج. وبالجملة القول بالتحريم الذي ذكره الاصحاب لهذه الروايات مشكل، ولهذا حملها المصنف هنا وغيره على الكراهة. نعم الاحتياط يقتضي عدم التفريق بين الاقارب من الممالك مطلقا إذا كانوا يتأثرون بالمفارقة. وظاهر صحيحتي معاوية وهشام (4) يقتضي تحريم التفريق حينئذ بين الام والبنت مطلقا. ويؤيده قوله تعالى: (ولا يضار والدة بولدها (5)) فانه يمكن شموله لما نحن

(1) وكذا في الكافي. (2) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1. (3) وهو نقل نضر بن سويد عنه. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2 و 3. (5) سورة البقرة / 233.

[ 257 ]

[... ] فيه، وان فسر بغيره (1) فلا عدول عن مضمونها. ثم ظاهر بعضها عدم التفرقة بين الام والاب، بل الاخ والاخت، والقائل بالحاقهم بالام والولد الصغير مطلقا، غير ظاهر، وان كان، فهو قليل، فلا يبعد على تقدير التحريم، الاختصار على الام والبنت، للتصريح في الاخبار الصحيحة، وعدم ظهور الغير بالارادة الا في مثل رواية ابن سنان، لانها مشتملة على الاب والاخ والاخت، فينبغي الحاقهم بهما. وتخصيص الالحاق - ببعض الاقارب التي بمنزلة الام في التربية بوجه من الاعتبار، وترك الاب والاخ والاخت - خروج عن النص بالقياس. وكذا الحاق غير البيع من العقود المفرقة بينهم، به، فانه وان كان محتملا من جهة ظهور العلة المفهومة، فيمكن ذلك، ولكن يشكل من جهة كونه قياسا مع عدم النصوصية في العلة. وبالجملة اصل المسألة من المشكلات لما مر، وكذا فروعها. ثم الاشكال (اشكال خ) في تعيين وقت المفارقة، مكروهة أو حراما، فانه لا نص فيه بخصوصه، بل على كونه صغيرا ايضا الا ما يشعر به في رواية ابن سنان، ولكن قيد به في كلام الاصحاب. ويمكن الحوالة إلى ما يعتبر في الحضانة بنوع من الاعتبار، ولكن الحد هناك ايضا مشكل، لعدم النص واختلاف الاقوال والروايات، وسيجئ في محلها. والحاصل ما اعرف ما ذكروه في الحضانة ايضا، إذ ما رأيت نصا صريحا صحيحا في ذلك، بل الاخبار تدل على ان الولد للاب، وله ان يعطيه لمن يشاء

(1) مجمع البيان ج 1 ص 333 قال عند تفسيره للآية ما لفظه (اي لا تترك الوالدة ارضاع ولدها غيظا على ابيه، فيضر بولده به، لان الوالدة اشفق عليه من الاجنبية) ولها تفاسير اخر مذكورة فيه.

[ 258 ]

[... ] يرضعه (ترضعه خ) الا ان تطلب الام ذلك (الولد خ) ورضيت بما يرضى به غيرها، فهي احق به مادام لم يفطم (والا فالاب يعطيه لمن يريد خ). وفي الفقيه في رواية غير صحيحة انها احق بولدها إلى سبع سنين (1). وفي رواية في التهذيب ان الام احق بالولد ما لم تتزوج (2). وفي اخرى انه احق بولدها إذا كانت حرة (3). وفي اخرى ان الاب احق بعد الفطم، وهو بينهما حال الفطم، وإذا مات الاب فالام احق به من العصبات (4). في مرسلة صحيحة لابن ابي عمير ان ليس للوصي أن يخرجه من حجر الام حتى يدرك ويعطيه ماله (5). وجمع بينها الشيخ على ان الام احق قبل الفطم، وإذا رضيت بما يأخذه الغير فهي احق بان ترضع، وبان تكون الانثى فانها احق بها ما لم تتزوج. وبالجملة لا نص صريحا صحيحا لحضانة الام، الا انها مشهورة، نعم يمكن بعض الاعتبار بان الام اولى مادام يحتاج إلى الحفظ في الجملة والتربية، ولا ينبغي

(1) الوسائل، ج 15 كتاب النكاح، الباب 81 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 6 ولفظ الحديث (كتب إليه بعض اصحابه: كانت لي امرأة ولي منها ولد وخليت سبيلها، فكتب عليه السلام: المرأة احق بالولد الى ان يبلغ سبع سنين، الا ان تشاء المرأة). (2) الوسائل، ج 15 كتاب النكاح، الباب 81 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 4. (3) الوسائل، ج 15 كتاب النكاح، الباب 70 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 7 وفيه (وهي احق بولدها ان ترضعه) ولم نعثر على ما نقله الشارح قدس سره. (4) الوسائل، ج 15 كتاب النكاح، الباب 81 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 1 والحديث منقول بالمعنى. (5) الوسائل، ج 15 كتاب النكاح، الباب 71 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 1 والحديث عن ابن سنان.

[ 259 ]

[... ] الاخذ منها، لقوله تعالى: (ولا تضار والدة بولدها (1)) فتأمل، ولان شفقتها وحفظها اكثر، فينبغي ان يكون عندها مدة يحتاج إلى الحفظ والتربية، إلى وقت يحتاج إلى تعلم صنعة وعلم كتابة، ولا يبعد إلى السبع مطلقا، لما في الفقيه المضمون صحة ما فيه، وبعده يسلم إلى الاب، ولا يبعد إلى العصبة بعده، وينبغي الرجوع إلى الحاكم أو العلماء العدول، والمصلحة مع تعذره. وما نفهم اكثر المسائل نستفهمها من الله يفهمنا الله اياها. ومقتضى الدليل كونها للاب وبعده للام لصحة الرواية، وليس شئ منها صحيحة الا ما يدل على انها للاب حرا وللام بعده، وإذا كان عبدا، وهي في الكافي والتهذيب والفقيه (3)، مع امكان البحث فيها ايضا. واعتبر المصنف هنا في الذكر الحولين وفي الانثى السبع، كانه احتج بان الحد هو محل الاستغناء، وهو حاصل بالسبع، لا قبله، لانه سن التميز فيستغنى عن التعهد والحضانة، وقيل: هو الاستغناء عن الرضاع، والاول هو المشهور. وانت تعلم ان العلة المفهومة ليست الاحتياج الى التربية والحضانة، بل الشفقة والمحبة والتأثر بالفرقة، وزوالها بما ذكر غير ظاهر، بل كانت في الروايات اشارة إلى عدم التفرقة مطلقا مثل صحيحتي معاوية وهشام (4) الا ان يقال خرج ما فوق السبع بالاجماع، ولكنه غير ظاهر، وفي الحضانة الى البلوغ قول عند اصحابنا وفيه عند العامة. ولا يبعد جعل ذلك حدا مطلقا، فان خروج البلوغ وما فوقه بالاجماع، وقلة

(1) سورة البقرة / 233. (2) الوسائل، كتاب النكاح، الباب 81 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 6. (3) الوسائل، كتاب النكاح، الباب 81 من ابواب احكام الاولاد، الحديث 3. (4) الوسائل، كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2 و 3.

[ 260 ]

[ ووطي من ولد من الزنا. ] التأثر بالمفارقة حينئذ غير بعيد، فان بعد البلوغ قل ما يقتضي الانس، بل محض البلوغ موجب للمفارقة، لانه يستقل بنفسه. ولما نقل في التذكرة عن طريق العامة من رواية عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يفرق بين الام وولدها، قيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية (1). ويمكن ان يقال ايضا: الاصل هو العدم خرج إلى حين كمال الرضاع بالاجماع، إذ لا حد قبله، وعليه يصب الاخبار، وليست رواية عبادة بصحيحة، ولكن صب الاخبار عليه مشكل، والى السبع ممكن، فليس ببعيد كما اختاره المصنف هنا، هذا والاحتياط طريق السلامة. واعلم ان اكثر هذه البحوث جار في الحضانة ايضا، وانهم قالوا: انما الكلام بعد شرب اللبأ، واما قبله فلا نزاع في انه يجب شربها ويحرم المفارقة بينهما بحيث لا يشرب ذلك اللبأ فانه لا يعيش غالبا الا به. وفيه تأمل لانا رأينا عاش بدونه، بل لم يوجد اللبأ في كثير من النساء، وانما يشرب لبن غير امه من الحليب لا اللبأ. قوله: " ووطئ من ولد من الزنا " قد نهى في الاخبار المعتبرة المحمولة على الكراهة، لعموم ادلة جواز النكاح والوطي، وكانه لعدم القائل بالتحريم. ولصحيحة عبد الله بن سنان في الفقيه وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الرجل تكون له الخادم ولد زنا (هل ئل) عليه جناح ان يطأها؟ قال: لا، وان تنزه عن ذلك فهو احب إلى (2).

(1) التذكرة، ج 1 ص 501 في عدم جواز التفريق بين الامهات والاولاد. (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 14 من ابواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1 و 5 واللفظ للحلبي.

[ 261 ]

[ وان يرى العبد ثمنه في الميزان. ] وفي بعض الاخبار. ان وطأها لا يأخذها ام ولده (1). كانه اشارة إلى العزل عنها بحيث لا يحصل منها الولد. قوله: " وان يرى العبد الخ " اي يكره ذلك، ودليله الاخبار. مثل حسنة ابن ابي عمير عن رجل عن زرارة قال: كنت جالسا عند ابي عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل ومعه ابن له، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما تجارة ابنك؟ فقال: التنخس، قال: له أبو عبد الله: لا تشتر سبيا ولا عبيا (شيئا ولا عيبا ئل)، فإذا اشتريت راسا فلا ترين ثمنه في كفة الميزان فما من رأس يرى ثمنه في كفة الميزان، فافلح، فإذا اشتريت رأسا فغير اسمه واطعمه شيئا حلوا إذا ملكته، وتصدق عنه باربعة دراهم (2). فيه جواز اخذ بيع المماليك صنعة، فما يدل على التحريم محمول على الكراهة، كما مر. مثل شر الناس من باع الناس (3). أو على بيع لا يجوز مثل بيع الحر، وعدم الفرق بين العبد والامة، كانه مراد المصنف، الا انه جرى على العادة من ذكر حكم الذكر دون النساء، فيعلم بالحوالة. واستحباب تغيير الاسم واطعام الحلو، اولا والتصدق باربعة دراهم إذا اشترى، سواء كان للبيع أو للخدمة أو الوطي، ام لا كما هو المقرر.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 96 مما يكتسب به، الحديث 1 ولفظ الحديث (عن عبد الله بن سنان قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام ولد الزنا يباع ويشترى ويستخدم؟ قال: نعم، قلت: فيستنكح، قال: نعم ولا يطلب ولدها). (2) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 21 من ابواب ما يكتسب به، قطعة من حديث 1.

[ 262 ]

[ ويجب استبراء الامة قبل بيعها مع الوطى. ] وليس ببعيد كونها غايته، ويكون الاستحباب والتصدق بشئ مطلقا كما قالوا. وظاهرها اختصاص الكراهة بارائة الثمن في كفة الميزان، فلو رآه فيها، أو أراه غيره، أو أراه في غيره فلا بأس. ويمكن ان يكون المراد بالثمن ما يشتري به وان كان غير النقدين، فيشمل الكراهة غيرهما ايضا، ولكن لا يشمل غير الموزون وحال الوزن، فلا يدخل العد، وان كان موزونا في الواقع كالدراهم المتعارفة الان، وان امكن كونه كناية عن عدم رؤيته مطلقا، إذ وزن الدراهم في الميزان قليل، فلا يكون النهى عنه، ولكن الظاهر عدم الخروج عن النص، وان كان الاولى العدم مطلقا. قوله: " ويجب استبراء الامة الخ " يعني يجب على بايع الامة الموطؤة وطيا محللا ان لا يبيعها حتى يمضى خمس واربعون ليلة من حين الوطئ ان كانت بالغة ولم تحض، وحيضة ان كانت تحيض بشرط ان تكون من ذوات العدة، وهي غير الايسة والصغيرة، ومعنى الاستبراء هنا هذا. ولعل دليل وجوبه على البايع، الاجماع مستندا إلى بعض الاخبار. مثل ما في حسنة حفص البختري عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري ا لامة من رجل فيقول: اني لم اطأها؟ فقال: ان وثق به فلا باس بان يأتيها، وقال في رجل يبيع الامة من رجل، قال: عليه ان يستبرء من قبل ان يبيع (1). وفيها دلالة على وجوب الاستبراء على المشتري للاتيان بها في الجملة. ويدل على وجوبها للمشتري.

(1) الوسائل ج 13، كتاب التجارة، اورد صدره في باب 11 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2 وذيله في باب 10 من تلك الابواب، الحديث 2.

[ 263 ]

[... ] رواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الجارية التي لم تبلغ المحيض، وإذا قعدت من المحيض ما عدتها وما يحل للرجل من الامة حتى يستبرئها قبل ان تحيض؟ قال: إذا قعدت من المحيض أو لم تحض فلا عدة لها، والتي تحيض فلا يقربها حتى تحيض وتطهر (1). وما في صحيحة الحلبي وحسنته عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: وسالته عن رجل اشترى جارية وهي حائض، قال: إذا طهرت فليمسها ان شاء (2). وهذه دلت على ان الحيضة في الحائض يكفى للاستبراء، والا لما جاز الوطي، بمجرد الحيض والطهر منه، وهو شرط لحل الوطي لا للاستبراء والعدة. ورواية ربيع بن القاسم قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الجارية التي لم تبلغ المحيض، ويخاف عليها الحبل؟ فقال: يستبرء رحمها الذي يبيعها بخمسة واربعين ليلة، والذي يشتريها بخمسة واربعين ليلة (3). وهي تدل على وجوبها على البايع ايضا. ويدل ايضا عليه حسنة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى جارية لم يكن صاحبها يطاء ها، أيستبرء رحمها؟ قال: نعم، قلت: جارية لم تحض كيف يصنع بها؟ قال: امرها شديد غير انه ان اتاها فلا ينزل عليها حتى يستبين له ان كان بها حبل، قلت: وفي كم يستبين؟ قال: في خمسة واربعين ليلة (4).

(1) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1 وقوله قده (صحيحة) يعني بطريق الشيخ (وحسنة) بطريق الكليني. (3) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 7. (4) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

[ 264 ]

[... ] وهما تدلان على المقدار. وكذا رواية منصور بن حازم قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن عدة الامة التي لم تبلغ المحيض وهو يخاف عليها؟ قال: خمسة واربعون ليلة (1). وعبد الرحمان بن ابي عبد الله (عن ابي عبد الله عليه السلام خ) في الرجل يشتري الجارية ولم تحض أو قعدت من المحيض كم عدتها؟ فقال: خمسة واربعون ليلة (2). وحملهما الشيخ على من هي في سن من تحيض ولم تحض. وتدل على وجوب الاستبراء عليه ايضا للوطي اخبار اخر. مثل صحيحة الحلبي وحسنته عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال في رجل ابتاع جارية ولم تطمث؟ قال: ان كانت صغيرة ولا يتخوف عليها الحبل فليس له عليها عدة وليطأها ان شاء، وان كان قد بلغت ولم تطمث فان عليها العدة الحديث (3). وفي مضمونها تأمل. وتدل على وجوب الاستبراء على البايع مع العزل ايضا صحيحة سعد بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن رجل يبيع جارية كان يعزل عنها هل عليه فيها استبراء؟ قال: نعم (الحديث) (4). وبالجملة وجوب الاستبراء عليهما ظاهر لما تقدم وسيأتي، وان كان الوجوب على البايع، مع علمه بالوطي وعلى المشتري وان لم يعلم ان احتمل ولم يظهر خلافه،

(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 5. (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 6. (3) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1. (4) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 10 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1.

[ 265 ]

[ بحيضة أو بخمسة واربعين يوما. ] كذبا قيل: وفيه تأمل، لعدم الفرق والخبر فيهما عام، نعم البايع إذا لم يطأها - وكانت مستبرءة عند شرائها، ولم تزوج (ولم يجوز خ ل) لغيره -، فلا يبعد جواز بيعها من غير الاستبراء، وكذا لو علم المشتري بعدم حصول الوطي. واما كونه بالمقدار المذكور فدليله ما تقدم من الاخبار، الا انه ليس فيها صحيح صريح، إذ الاخبار بعضها غير صحيح وبعضها غير صريح مع وجود المعارض. مثل ما في صحيحة سعد بن سعد الاشعري: وعن ادنى ما يجزي من الاستبراء للمشتري والبايع؟ قال: أهل المدينة يقولون: حيضة، وكان جعفر عليه السلام يقول: حيضتان، وسالته عن ادنى استبراء البكر؟ فقال: اهل المدينة يقولون: حيضة وكان جعفر عليه السلام يقول: حيضتان (1) وحملها الشيخ على الاستحباب للجمع بين الاخبار. وكذا صحيحة محمد بن اسماعيل قال: سالت ابا الحسن عليه السلام عن الجارية تشتري من رجل مسلم يزعم انه قد استبرئها أيجزى ذلك ام لابد من استبرائها؟ قال: استبرئها بحيضتين (الحديث خ) (2). وايده بمضمرة سماعة بن مهران قال: سألته عن رجل اشترى جارية وهي طامث أيستبرء رحمها بحيضة اخرى ام تكفيه هذه الحيضة؟ فقال: لا بل تكفيه هذه الحيضة، فان استبرئها بأخرى فلا باس، هي بمنزلة فضل (3). هذه مضمرة ضعيفة، مع ما تقدم في ادلة الحيضة الواحدة من عدم

(1) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 10 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1. (2) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 5. (3) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 10 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 2.

[ 266 ]

[ وكذا المشتري. ] الصراحة، مع صحة أدلة الحيضتين وصراحتها، الا ان المشهور ذلك، بل ليس الخلاف عندنا بمعلوم في ذلك، والجمع بين الادلة واجب وهو جمع حسن، فتأمل. واعلم ان البايع لو ترك الاستبراء وباعها قبله، اثم بترك الاستبراء الواجب، وليس بمعلوم اثمه بايقاع عقد البيع، لعدم توجه النهي الصريح إليه، فلا يكون نفس البيع حراما، خصوصا عند من يقول: بعدم استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص، لان المطلوب وقوع هذا قبل هذا، (1) وإذا ترك الاول لا يحرم الثاني، ولهذا لو اشتغل في هذا الزمان الذي اوقع المتأخر بفعل الاخر، لم يأثم بذلك، وانه لم لم يفعل ذلك الفعل المتأخر، لم يأثم بترك الاول، وانه لو فعل المتقدم ثم فعل المتأخر لم يأثم ايضا. وبالجملة الاثم بترك المتقدم، وليس فعل المتأخر اياه، ولا مما لا يمكن فعل المتقدم الا بتركه كما قلناه في استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص مرارا (2)، ولهذا تريهم يقولون بصحة تقدم مناسك المتأخر مع الاثم مع انها عبادة، وقد مر هناك ما يفيد هذا المحل، فتذكر. وعلى تقدير تحريم البيع، تحريم الشراء محتمل، وقد مر مثله في بحث بيع من وجب عليه الجمعة ممن لا يجب، فتذكر. وبالجملة الظاهر صحة العقد لعدم صراحة النهي الدال على الفساد، والاجتناب احوط، لانه فرج.

(1) يعني ان المطلوب وقوع الاستبراء قبل البيع. (2) حاصله: ان الاثم يحصل بترك الاستبراء (الذي هو المتقدم) وليس فعل البيع (المتأخر) اثما، وليس البيع الذي هو المتأخر مما لا يمكن فعله الا بترك الاستبراء الذي هو المتقدم، لان فعل المتأخر، اعني البيع، ليس معلولا للترك المتقدم (اعني ترك الاستبراء) بل فعله مستند إلى ارادة مستقلة كما قرر ذلك في مسألة استلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص.

[ 267 ]

[... ] وانه (1) على تقدير وقوع العقد الحرام عليهما، فالحرام على المشتري هو الوطئ مطلقا، لا سائر الانتفاعات، للاصل، وادلة جواز التصرف في الاملاك، خرج منه الوطي بدليله، وبقي الباقي. ولما في صحيحة محمد بن اسماعيل قلت: يحل للمشتري ملامستها؟ قال: نعم ولا يقرب فرجها (2). ولما في رواية عبد الله بن محمد عن ابي عبد الله عليه السلام لا باس بالتفخيذ لها حتى تستبرأها، وان صبرت فهو خير لك (3). ولان العلة براءة الرحم وعدم الاختلاط. ويحتمل كون الحرام الوطي في القبل كما هو الظاهر مما تقدم، واحتياط الفروج يقتضي الاعم، وكذا اطلاق الفرج، وعموم ظاهر ادلة الاستبراء. وانه ليس وجوب الاستبراء عليهما على نهج واحد، فان الاستبراء واجب، والوطي المنافي الذي يجب وبه يعتد، كذلك لما مر، ولانه المقصود من وجوب الاستبراء بحيضة ثم الوطي مطلقا، وان عزل. وان الظاهر الحاق الامور الناقلة للامة والمبيحة للفرج، وبالبيع والشراء في وجوب الاستبراء وتحريم الوطي، لظهور العلة، مع احتمال الخصوص، وهو بعيد، خصوصا من جانب المتملك، فان المقصود لم يتم الا بذلك، وهو ظاهر. وانه لا كلام في وجوب تسليم البايع الجارية إذا باعها من غير الاستبراء، وهو ظاهر، لان عدم الاستبراء وتركه الواجب لا يستلزم جواز منع المال عن صاحبه،

(1) عطف على قوله قدس سره (واعلم ان البايع لو ترك) وكذا قوله بعد ذلك (وانه ليس وجوب الاستبراء) وقوله بعد ذلك (وان الظاهر) وقوله (وانه لا كلام) وقوله (وان الظاهر ان هذا الحرام). (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 5. (3) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1.

[ 268 ]

[ ويسقط لو اخبر الثقة بالاستبراء ] وهو ظاهر والمنع بعيد. وان الظاهر ان هذا الحرام يكون صغيرة لا تخل بالعدالة، لو لم يصر، فتأمل. قوله: " ويسقط لو اخبر الثقة الخ " لعل المراد من يحصل الوثوق بكلامه في انه لم يكذب في قوله: انه ما وطاءها، أو استبرأها بعد ذلك، لانه مسلم متصرف ويخبر عن فعله، فيحمل على صدقه، خصوصا في عدم وطيه. والظاهر انه لابد من ذلك ولا يجوز حمله على الكذب، ولانه ليس باقل من خبر المرأة بحصول الحيض وانقضاء العدة. ولما مر في حسنة ابن البختري فقال: ان وثق به فلا باس بان يأتيها (1). ولما في رواية ابي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يشتري الجارية وهي طاهر ويزعم صاحبها انه لم يمسها منذ حاضت؟ فقال: ان ائتمنته تمسها (فمسها يب) (2). وقال في شرح الشرايع: انها صحيحة، ولى فيه تأمل، لان الظاهر ان ابا بصير هذا، هو الذي شعيب بن يعقوب العقرقوفي (3) ابن اخته وقائده، فهو يحيي بن القاسم، وهو واقفي، وان كان شعيب ثقة، والقرينة على ذلك نقل شعيب هذه الرواية عن ابي بصير، وان تنزل عن ذلك فلا شك ان شعيبا وابا بصير مشتركان، فلا يصح، وهو اعرف رحمه الله. وما في رواية ابن سنان قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الجارية (وخ) لم تحض؟ قال: يعتزلها شهرا ان كان قد مست، قلت:

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2 وصدر الحديث (في الرجل يشتري الامة من رجل، فيقول: اني لم اطاها، فقال: الخ). (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 4. (3) سندها كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن شعيب عن ابي بصير).

[ 269 ]

[... ] أفرايت ان ابتاعها وهي طاهر وزعم صاحبها انه لم يطأها منذ طهرت، فقال: - اي أبو عبد الله عليه السلام - ان كان عندك امينا فمسها، وقال: ان ذا الامر شديد، فان كنت لابد فاعلا فتحفظ، لا تنزل عليها (1). حملت على من تحيض في كل شهر. ولقول العبد الصالح عليه السلام في رواية محمد بن حكيم قال: إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها انها على طهر فلا باس بان تقع عليها (2). واما ما مر في صحيحة محمد من قول ابي الحسن عليه السلام يستبرئها بحيضتين (3). فيحمل ان يقيد بما إذا لم يكن المخبر ممن يثق به، إذ ليس فيه غير رجل مسلم، لحمل المطلق على المقيد. أو يحمل على الاستحباب، فانها محمولة عليه، لاشتمالها على الحيضتين، لعدم القائل بهما على الظاهر، ولغيرها من الروايات التي مرت، على انه ليست بصريحة في ان الزاعم هو البايع، وانه القائل له عن علم بانها مستبراة أو لم يطاءها وهو ظاهر، فقد يكون الزاعم هو المشتري من عند نفسه أو لعلامة، أو البايع، ولكن من غير علم وخبر، بل فهم زعمه من قرائن، أو قال من غير جزم، والاصل مؤيده، فتأمل. وقال في شرح الشرايع: انما عبر بالثقة لوروده في النصوص المذكورة في هذا الباب، مع قوله: والظاهر ان المراد بالثقة العدل. وما رأيتها في نص، فان النصوص هي التي ذكرتها على ما رايتها، وهو اعرف.

(1) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 2. (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 3. (3) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 6 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 5.

[ 270 ]

[ أو كانت لامرأة. ] والظاهر انه يكفي ذلك للشراء والبيع بعده ايضا، فلا يكون الشراء محرما على تقدير كونه قبل الاستبراء حراما، وكذا البيع بعده. وبالجملة الاستبراء التحقيقي؟ انما يجب على المشتري، للوطي، لما مر، ولهذا قيد المصنف وغيره مثل المحقق وجوب الاستبراء على البايع بقوله: مع الوطي. وكذا في الرواية مثل موثقة عمار الساباطي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الاستبراء على الذي يريد ان يبيع الجارية واجب ان كان يطاءها (1). قوله: " أو كانت لامرأة " دليله الاصل والاخبار الصحيحة. مثل صحيحة حفص عن ابي عبد الله عليه السلام في الامة تكون للمرأة فتبيعها؟ قال: لا بأس بان يطأها من غير ان يستبرئها (2). وصحيحة رفاعة قال: سالت ابا الحسن عليه السلام عن الامة تكون لامراءة فتبيعها؟ قال: لا بأس بأن يطأها من غير ان يستبرئها (3). ومع ذلك الافضل استبرائها لعموم الاخبار المتقدمة. ولرواية زرارة قال: اشتريت جارية بالبصرة من امرأة، فخبرتني انه لم يطأها احد فوقعت عليها ولم استبرئها، فسالت عن ذلك ابا جعفر عليه السلام فقال: هو ذا، انا قد فعلت ذلك وما اريد ان اعود (4). وهي ظاهرة في ان الترك اولى، مع عدم صحة السند. وقد نقل في شرح الشرايع: القول بعدم الجواز عن ابن ادريس وفخر

(1) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 18 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 5 وبعده (وعلى الذي يشتريها الاستبراء ايضا، قلت: فيحل له ان يأتيها دون الفرج؟ قال: نعم قبل ان يستبرأها). (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 7 من ابواب نكاح العبيد والاماء ذيل حديث 1. (3) الوسائل ج 14، كتاب النكاح، الباب 7 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 1. (4) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 7 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 2.

[ 271 ]

[ أو يائسة أو صغيرة أو حاملا أو حائضا. ] لمجتهدين في ذلك، وفي عدم الاكتفاء بخبر البايع بالاستبراء، وكلاهما لا يخلوان عن بعد، وان كان الاحتياط في الفروج الموصى به يقتضي ذلك، ونقل الاول عن ابن ادريس، مع نقله عنه عدم وجوب الاستبراء عليه، ولعله على تقدير الوجوب، أو نسختي غلط (1). قوله: " أو يائسة أو صغيرة الخ " اما دليل سقوط الاستبراء وعدم وجوبه في الصغيرة، ظاهر. وقد مر في الروايات مثل ما في صحيحة الحلبي وحسنته عن أبي عبد الله عليه السلام انه قال: في رجل ابتاع جارية ولم تطمث؟ قال: ان كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحبل، فليس (له ئل) عليها عدة وليطأها ان شاء (2). وفيه تأمل. وفي رواية ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله عليه السلام قال: في الجارية التي لم تطمث ولم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل؟ قال: ليس عليها عدة، يقع عليها (الحديث) (3). وفيها ايضا تأمل لانه يفهم تجويز الوقوع على غير البالغ، مع انه حرام قبل البلوغ عندهم، أو البالغ التي لم يتخوف عليها الحبل لصغرها من غير استبراء، وهو غير جائز. فلعل المراد عدم التحريم من جهة الاستبراء، أو الوقوع بعد البلوغ، فتأمل. واما دليل السقوط عنها وعن الآيسة فهو ايضا روايات.

(1) من قوله قدس سره (ونقل الاول عن ابن ادريس) الى هنا ليس موجود في النسخ المخطوطة التي عندنا، بل هو موجود في النسخة المطبوعة فقط. (2) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1. (3) الوسائل ج 14، كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، حديث 3.

[ 272 ]

[... ] مثل رواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الجارية التي لم تبلغ المحيض، وإذا قعدت عن المحيض ما عدتها؟ وما يحل للرجل من الامة حتى يستبرئها قبل ان تحيض؟ قال: إذا قعدت من المحيض أو لم تحض فلا عدة لها، والتي تحيض فلا يقربها حتى تحيض وتطهر (1). ويمكن ان يكون المراد من نفي القرب حد الجماع والوطي، وهو المتعارف والمتبادر، مثل قوله تعالى: (فلا تقربوهن (2) وغير ذلك. ويؤيده الاصل وانتفاء الحمل الذي هو السبب والحكمة غالبا، وكما يظهر من الروايات والعبارات. فيحمل ما يشعر بالعدة - في بعض الروايات الدالة على ان عدة التي لم تبلغ المحيض، والتي قعدت عن المحيض خمسة واربعون يوما، وهي في روايات متعددة - على الاستحباب. على انها غير صحيحة ومخالفة للاصل والشهرة، بل الاجماع في الصغيرة، وللاكثر الاصح منها، وعدم دليل صحيح عام، وهذا جار في جميع المستثنيات. وحملها الشيخ على انها التي يخاف عليها الحبل، فكأنه قريب البلوغ ومحتمله وغير متحقق. وكذا اليأس، ويؤيد ذلك القيد المذكور في بعضها. قال في رواية منصور بن حازم قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن عدة الامة التي لم تبلغ المحيض وهو يخاف عليها؟ فقال خمسة واربعون ليلة (3). والاحتياط العدة في الآيسة باجتناب الوطي مطلقا، بل سائر الانتفاعات،

(1) الوسائل ج 14، كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 4. (2) سورة البقرة / 222. (3) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 5.

[ 273 ]

[... ] لقوله: (ولا يقربها) ولما في رواية عبد الله بن محمد عن ابي عبد الله عليه السلام فقال: لا باس بالتفخيذ لها حتى يستبرئها، وان صبرت فهو خير لك (1). وفي الصغيرة المتحققة (المتحقق خ ل) صغرها وجوب اجتناب الوطي، لا للاستبراء، واستحباب ترك باقي الانتفاعات. وقد مر دليل السقوط عن الحائض في الرواية (2). ويؤيده حصول الاستبراء بحيضة، والاصل، وعدم دليل عام صحيح، وهذا. جار في الحامل ايضا، وسيجئ حكمه مفصلا. واعلم ان الظاهر عدم الاستبراء في امة الطفل على الولي البايع ولا على المشتري، وكذا على امة المجبوب والعنين، ولا على التي علم عدم الوطي بيقين، مثل ان يملك رجل في مجلس امة لا يجب استبرائها، لكونها ملك امرءة ثم باعها في الحال، فانه لا استبراء عليه ولا على المشتري الذي يعلم ذلك مثلا. وان يكون بعيدا عنها بحيث لا يمكن الوصول إليها، أو قريبا ولكن كان مع المشتري ولم يفارقه زمانا يمكنه الوصول إليها وغير ذلك. ودليله الاصل، مع عدم دليل صحيح على الوجوب، فان عمدة ادلة وجوب الاستبراء على البايع هو الاجماع مستندا إلى بعض الاخبار، ولا اجماع في امثال ذلك على ما يظهر، للاصل، والخبر ليس بحيث يشمل هذه الصور لا عموما ولا خصوصا. ولان المفهوم من الروايات المتقدمات وعبارات الاصحاب، ان ما لم يطأ ولا يتخوف من الحمل لا يجب الاستبراء، ولهذا قيد وجوبه على البايع بالوطي وعلى

(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من الحديث 1. (2) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 3 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 4.

[ 274 ]

[ ويحرم وطئ الحامل قبلا قبل مضى اربعة اشهر وعشرة ايام. ] المشتري باحتماله في الروايات. مثل موثقة عمار الساباطي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الاستبراء على الذي يريد ان يبيع الجارية واجب ان كان يطأها (الحديث) (1). ويؤيده عدم الاستبراء في امة المرأة، والفرض انتفاء الوطي والحبل فيما صورناه، فليس الحكم فيما ذكرناه ملحقا بحكم الامرأة، للاشتراك في عدم الوطي ليكون قياسا يقتضي اصول الشرع عدمه كما قاله في شرح الشرايع. على انه سلم ان الصورة الاخيرة ليست محل الاشكال، فانه لا استبراء فيها من غير اشكال. ثم إذا نظر إلى ما ذكرناه يظهر ان الحيلة - ببيع الامة التي يجب استبرائها على امرأة، ثم الاشتراء منها - لا تنفع ولا تسقط وجوب الاستبراء عن المشتري، فتأمل، واحفظ، وهو حسن في الكل حتى فيما ذكرناه، فانه فرج موصى بالاحتياط فيه في الرواية. قوله: " ويحرم وطي الحامل الخ " قد اختلفت الاقوال والروايات في وطي الامة الحامل. والدليل والجمع بينها يقتضي جواز الوطي إذا كان من الزنا، لانه قد ثبت عندهم الغاء الوطي المحرم وان لا حرمة له ولا عدة، مع حصول العلم به. وهو مشكل، وكانه إليه اشار (بقوله اولا خ) أو حاملا)، حيث استثناها من وجوب الاستبراء (ليندفع التدافع بينه وبين قوله ويحرم وطي الحامل خ)، إذ يحمل الاول على ما بعد الاربعة اشهر وعشرة ايام، وهو الظاهر من المتن، فيكون الوطي بالحامل مطلقا جائزا بعد اربعة اشهر وعشرا وحراما قبله قبلا.

(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 18 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 5.

[ 275 ]

[... ] للجمع بين صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام في الوليدة يشتريها؟ الرجل وهي حبلى؟ قال: لا يقربها حتى تضع ولدها (1). ولا تتوهم عدم الصحة، لاشتراك محمد بن قيس، لاني قد عرفت كونه الثقة، لثبوت نقل عاصم بن حميد (2) عنه كما هنا، دون غيره، ولغير ذلك وقد بينته في غير هذا المحل. وصحيحة ابي بصير قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يشتري الجارية وهي حامل ما يحل له منها؟ فقال: ما دون الفرج، قلت: فيشتري الجارية الصغيرة التي لم تطمث، وليست بعذراء اتستبرئها؟ قال: امرها شديد، إذا كان مثلها تعلق (اي تحمل) فليستبرئها (3). وبين صحيحة رفاعة بن موسى قال: سالت ابا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قلت: اشترى الجارية فتمكث عندي الاشهر لا تطمث وليس ذلك من كبر، قلت: واريتها النساء فقلن ليس بها حبل، أفلي ان انكحها في فرجها؟ قال: فقال: ان الطمث قد تحبسه الريح من غير حبل، فلا باس ان تمسها في الفرج، قلت: فان كانت حبلى فما لي منها ان اردت؟ فقال: لك ما دون الفرج إلى ان تبلغ في حملها اربعة اشهر وعشرة ايام، فإذا جاز حملها اربعة اشهر وعشرة ايام فلا باس بنكاحها في الفرج (4).

(1) الوسائل ج 14 كتاب النكاح، الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 1. (2) فان سندها (كما في الكافي) هكذا: عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد وعلي بن ابراهيم عن ابيه عن عبد الرحمن بن ابي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس. (3) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، اورد صدره في باب 5 الحديث 3 وذيله في باب 3 الحديث 9 من ابواب نكاح العبيد والاماء. (4) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، اورد صدره في باب 4 الحديث 1 وقطعة منه في باب 5 الحديث

[ 276 ]

[... ] لوجوب (1) حمل المطلق والعام على المقيد والخاص، ولا شك ان الاولين بالنسبة إلى هذه كذلك. ويؤيده اصل عدم التحريم، وعدم وجوب الاستبراء (استبرائها خ)، وجواز التصرف فيما ملكت الايمان كما يدل عليه العقل والنقل، واوضحية سند المقيد، إذ يمكن المناقشة في سندهما باشتراك ابي بصير ومحمد وان كانت مما يمكن الدفع، وان النكتة والحكمة عدم اختلاط المنى والانساب، وبعد الاربعة اشهر وعشرة ايام لم يصر كذلك، كما هو المشهور، بل في اربعة اشهر، الا ان العشرة للاحتياط والتحقيق. واما صحيحة رفاعة بن موسى عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الامة الحبلى يشتريها الرجل؟ قال: سئل عن ذلك ابي فقال: احلتها اية وحرمتها اية اخرى، وأنا ناه عنها نفسي وولدي فقال الرجل: فانا ارجو ان انتهى إذا نهيت نفسك وولدك (2). فهي بعيدة عن قانون المذهب، وهو ظاهر، فكأنه للتقية، حيث علم عليه السلام انه لما لم يكن يتبع - في حكمه الذي يحكم -، قال ذلك، وقد رأيت هذا التوجيه في رواية عنه عليه السلام لمثل (3) هذه الرواية ولعل الآيتين (الا ما ملكت ايمانكم (4)) الدالة على جواز الوطي من غير

2 من ابواب نكاح العبيد والاماء وقطعة منه في باب 5 الحديث 2 من ابواب نكاح العبيد والاماء وفيه كما في الكافي ايضا: فأريها بدل اريتها. (1) تعليل لقوله قده: للجمع بين صحيحة محمد بن قيس وبين صحيحة رفاعة. (2) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 2. (3) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 3. (4) سورة المؤمنون / 6.

[ 277 ]

[... ] استبراء في مطلق الاماء وهذه مؤيدة لجميع المواضع التي اخرجت عن وجوب الاستبراء مما تقدمت. (واولات الاحمال اجلهن ان يضعن حملهن (1)) الدالة على عدم جواز دخول الحامل الا بعد وضع الحمل. وظاهر القوانين يقتضي تخصيص الاولى بالثانية على تقدير شمولها للاماء، فان ظاهر (ما ملكت) عامة بالنسبة الى الاحوال والاشخاص الحامل وغيرها، وهذه مخصوصة بالحامل ان فرضنا شمولها للاماء. ولعل هذا اولى من تخصيص هذه بالاولى، بان يجعل في الحرائر فقط لحرمة الولد وعدم الفرق بين الامة وغيرها عقلا في وجوب اصل العدة. وايضا الظاهر منها كراهية ذلك حيث ما نهى الا نفسه ومن خص به، والا لوجب نهى الكل، فهو مؤيد لعدم التحريم مطلقا. ولا شك ان الاجتناب مطلقا احوط واولى لهذه الرواية وغيرها، وقد مر ان الاجتناب مطلقا، - اي من سائر الانتفاعات ايضا - احوط. ودل على جوازها ما في صحيحة ابي بصير المتقدمة (2). ويدل عليه ايضا ما في رواية عمار الساباطي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الاستبراء على الذي يريد ان يبيع الجارية واجب ان كان يطأها وعلى الذي يشتريها الاستبراء ايضا، قلت: فيحل له ان ياتيها دون الفرج؟ قال: نعم قبل ان يستبرئها (3). ويدل على ان الصبر افضل، النهي المطلق في بعض الروايات كما تقدم

(1) سورة الطلاق / 4. (2) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 3. (3) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 18 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 5.

[ 278 ]

[... ] بقوله عليه السلام: (ولا تقربها) (1). وما في رواية ابراهيم بن عبد الحميد قال: سالت ابا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يشتري الجارية وهي حبلى، أيطأها؟ قال: لا، قلت: فدون الفرج؟ قال: لا يقربها (2). قال الشيخ: قوله: ولا يقربها فيما دون الفرج، محمول على الكراهة التي قدمناها، دون الحظر. لما تقدم وصرح بذلك في رواية عبد الله بن محمد عن ابي عبد الله عليه السلام قال: فقال: لا باس بالتفخيذ لها حتى تستبرئها وان صبرت فهو خير لك (3). ورواية ابراهيم بن عبد الحميد الدالة على عدم جواز وطي الحامل مطلقا (4). وكذا ما في رواية اسحاق بن عمار قال: سالت ابا عبد الله عن الجارية يشتريها الرجل وهي حبلى، أيقع عليها؟ قال: لا. محمول على ما تقدم من التخصيص. مع عدم الصحة، لوقف ابراهيم، والقول بفطحية اسحاق. مع وجود ابان المشترك (6)، والظاهر انه ابن عثمان، وفيه ايضا قول بانه ناووسى.

(1) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 5. (3) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 5 من ابواب نكاح العبيد والاماء، قطعة من حديث 1. (4) تقدم بيان موضعها آنفا. (5) الوسائل، الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء، حديث 6. (6) سندها (كما في التهذيب) هكذا علي بن اسمعيل عن فضالة عن ابان عن اسحاق بن عمار.

[ 279 ]

[ ويكره بعده. فان وطئ عزل، ولو لم يعزل كره (له خ) بيع ولدها، واستحب له عزل نصيبه من ميراثه. ] وحملت هذه الروايات كلها على الحامل من غير العلم اليقيني بانه من زنا، لما ثبت عندهم من عدم الحرمة للزنا، وعدم العدة، ولبعده، وللاصل وتبادر كونه من غيره، ولوجوب حمل الحبل الموجود في شخص على غير الزنا وان لم يكن لها زوج حلال، لاحتمال الشبهة، ولهذا لا يجوز الحد بمجرد ذلك فتأمل. ويمكن الجمع ايضا بينهما بحمل ما يدل على عدم الجواز مطلقا على غير الزنا، والمقيد على الزنا، وعلى الوطي بالقبل والمقيدة بالدبر فقط، وغير ذلك. والظاهر ان الدبر كالقبل لما في صحيحة محمد بن قيس (لا يقربها) (1) وكذا رواية ابراهيم (2)، وفي رواية اسحاق (لا يقع عليها (3). ولا يبعد شمول الفرج لهما، وهو في الروايات، ويؤيده التحريم مطلقا في غير المستبرأة، وقد مر، فتأمل. قوله: " ويكره بعده " قد مر دليله، وهو مثل شمول العمومات لها ظاهرا المحمولة عليها، للجمع والاحتياط في الفروج وغير ذلك. قوله: " فان وطئ عزل الخ " يدل على ذلك ما روى عن اسحاق بن عمار (في الصحيح) قال: سالت ابا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى جارية حاملا، وقد استبان حملها فوطئها؟ قال: بئس ما صنع، قلت: ما (فما خ) تقول فيها؟ قال: عزل عنها أم لا؟ قلت: أجبني في الوجهين، فقال: ان كان عزل عنها فليتق

(1) راجع الوسائل الباب 8 من ابواب نكاح العبيد والاماء، حديث 1. (2) تقدم بيان موضعها. (3) تقدم موضع بيانها انفا، وقوله (لا يقع عليها) منقول بالمعنى، فلاحظ.

[ 280 ]

[ ويجوز شراء ما يسبيه الظالم من الكافر واخته وبنته وزوجته. ] الله ولا يعد، وان كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد ولا يورثه، ولكن يعتقه ويجعل له شيئا من ماله يعيش به، فانه قد غذاه بنطفته (1). وهذه تدل على استحباب العزل، وعلى كراهة الوطي ايضا، بل التحريم، كما ترى، حملت عليها، كما تقدم، لما تقدم. ويدل عليه ايضا رواية السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله دخل على رجل من الانصار، وإذا وليدة عظيمة البطن تختلف، فسألها فقال: اشتريتها يا رسول الله وبها هذا الحبل، قال: أقربتها؟ قال: نعم، قال: اعتق ما في بطنها، قال يا رسول الله: وبما استحق العتق؟ قال: لان نطفتك غذت سمعه وبصره ولحمه ودمه (2). وهذه تدل على جواز الوطي مطلقا، فيمكن حملها على ما بعد الاربعة اشهر وعشرة ايام، وعلى وجوب العتق، فتحمل على الاستحباب لعدم الصحة وللجمع، فتأمل. قوله: " ويجوز شراء الخ " الغرض من هذه العبارة انه يجوز تملك العبيد والاماء المسبية من دار الحرب من الكفار، سواء اكتسبت بالقهر والغلبة مثل ما يسبيه حكام الجور وسلاطينه، أو يكون بسرقة ونحوهما، سواء كان السابي مسلما أو كافرا، وان من اخذ وقهر من الكفار اخته وبنته وزوجته وابنه يتملكهم، ثم من بعد تملكهم يجوز الشراء منهم، حتى انه لو قهر حربي حربيا يجوز الشراء منه. فالعبارة غير جيدة، لان قوله: (من الكافر) ان كان صلة السبي لا يحسن، ولا يحسن عطف واخته الخ ايضا عليه.

(1) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 9 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 9 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 3.

[ 281 ]

[... ] وكذا ان كان بيانا لما يسبيه لعدم حسن العطف، واختصاصه بالاخت والبنت والزوجة، فانه يكفي (من الكافر) (1)، أو ضم إليه (من بحكمهم من اطفالهم). وبالجملة هذه العبارة ما فهمتها، لعل المراد جواز التملك مطلقا ثم الشراء منهم. وفيه ايضا تأمل لان التملك لغير الشيعة غير ظاهر، لان الادلة دلت على جوازه لهم خاصة، لطيب ولادتهم بشفقتهم عليهم السلام على مواليهم، بل للشيعة ايضا. لانه ان أخذ بالسرقة ونحوها، فهو وان كان للاخذ ولكن يجب عليه الخمس، ونصفه لغيرهم من الاشراف فكيف يتملكه الاخذ، وهم كيف يجوز لهم ان يبيحوا ذلك. وان أخذ بالقهر والغلبة والقتال بغير اذن الامام عليه السلام، فهو (على المشهور) للامام عليه السلام لمرسلة العباس الوراق التي تقدمت في باب الخمس (2). وهي معارضة برواية زكريا ابن آدم عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن سبي الديلم، ويسرق بعضهم من بعض ويغير المسلمون عليهم بلا امام، أيحل شراؤهم؟ قال: إذا اقروا (لهم ئل) بالعبودية، فلا باس بشرائهم (الحديث) (3). وقال في شرح الشرايع: ان كان، اي المأخوذ سرقة وغيلة ونحوهما مما لا قتال فيه، فهو لآخذه وعليه الخمس، وان كان بقتال فهو باجمعه للامام عليه السلام

(1) يعني ان قول المصنف قدس سره (من الكافر) مغن عن ذكر اخته وبنته وزوجته كما لا يخفى. (2) الوسائل، ج 6 كتاب الخمس، الباب 1 من ابواب الانفال وما يختص بالامام، الحديث 16. (3) الوسائل، ج 13، كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب بيع الحيوان، قطعة من حديث 3.

[ 282 ]

[... ] لرواية البزنطي (1). وان المعروف من المذهب مضمونها، نعلم فيه مخالفا، وحينئذ فلا يضر القطع (2) وما عرفتها، انا الا مرسلة الوراق في اخر باب الانفال من التهذيب، ويظهر من المنتهى (3) ان الشيخ ما عمل به، حيث نقل عنه في ارض السواد: والذي يقتضيه المذهب ان هذه الاراضي وغيرها من البلاد التي فتحت عنوة يخرج خمسها لارباب الخمس، واربعة الاخماس الباقية يكون للمسلمين قاطبة، إلى قوله: وعلى الرواية رواها اصحابنا - ان كل عسكر أو فرقة غزت بغير امر الامام فغنمت تكون الغنيمة للامام خاصة - تكون هذه الارضون وغيرها مما فتحت بعد الرسول صلى الله عليه وآله الا ما فتح في ايام امير المؤمنين عليه السلام ان صح شئ من ذلك، تكون للامام خاصة الخ. وهذه تدل على ان الاول هو المذهب ومقتضاه، وان ارض السواد لا يجري فيه حكم المفتوحة عنوة، بناء على هذه الرواية، وقد مر البحث في ذلك، فتذكر. ويؤيد عدم القول به معارضة رواية العباس (4) برواية زكريا بن آدم (5) المذكورة في باب بيع الحيوان من التهذيب. وان كان للاخذ كما يقتضيه الاصل وعليه الخمس، ففيه ما تقدم.

(1) الوسائل، ج 6 كتاب الخمس، الباب 1 من ابواب الانفال، الحديث 17. (2) الى هنا كلام الشهيد في المسالك، ولكن لا يخفى ان بعد قوله (لرواية البزنطي) ذكروا امورا، ثم قال بعد اسطر (الا ان المعروف من المذهب) فلاحظ. (3) لاحظ كتاب المنتهى ج 2 كتاب الجهاد ص 938. (4) الوسائل، ج 6 كتاب الخمس، الباب 1 من ابواب الانفال، الحديث 16. (5) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 3.

[ 283 ]

[... ] ويمكن ان يقال: المقصود انه ان تملكه الشيعة بالاخذ أو القهر فهو لهم مطلقا، سواء كان الكل لهم عليهم السلام أو البعض، فان كان الكل لهم عليهم السلام، فهو ظاهر ولا اشكال فيه الا ما يتخيل ان الاصحاب قالوا ما اباحوا الا لمستاجر والمساكن والمناكح بالتفسير الذي تقدم، فالعموم لا يجوز. ولكن قد عرفت هناك، ان ظاهر الاخبار التي هي الادلة، العموم، والعلة بطيب الولادة وذكوة الاولاد مذكورة في البعض، وذلك لا يقتضي التخصيص الذي ذكروه، وان كان حقا، فما ذكره هنا ايضا مخصص. وان كان البعض لهم عليهم السلام والباقي للاشراف، فامر حصة الاشراف إليهم عليهم السلام. وبالجملة الادلة إذا اقتضت ذلك فلا وجه للايراد، لانهم معصومون والحكم لهم ومن عندهم، فكل ما يفعلون فهو حق. وانطباقه على القوانين ان يقال: هذا المال مستثنى مما يجب فيه الخمس، سواء قلنا انه غنيمة أو كسب وصنعة. ويؤيده الاصل، وان هذا الاخذ لا يقال له غنيمة، مثل غنيمة الغزاة، ولا يقال ايضا كسب وصنعة، ولم يعلم وجوب الخمس في كل ما يستفيده الانسان. ولكن هذا يقتضي عدم الوجوب على العامة ايضا، وتملكهم ذلك من غير اشكال، وكذا جواز الشراء منهم، فتأمل. واما على ما سبق ففيه الاشكال، ويمكن ان يقال: ان تملك غيرهم وجواز الشراء لهم منهم بحسب الظاهر، والا ففي الحقيقة ليس بملك لهم، بل الشراء منهم يرجع إلى الاستنقاذ، كما يشير إليه المصنف فيما بعد بقوله: والتحقيق الخ، فتأمل. واعلم انه كما يجب الاستبراء في البيع والشراء، يجب ظاهرا في كل ملك حادث وزايل حتى في السبي.

[ 284 ]

[ وكل حربى قهر حربيا صح الشراء منه. ولو قهر من ينعتق عليه ففي صحة بيعه نظر، ينشأ من دوام القهر المبطل للعتق لو فرض ودوام القرابة الرافعة للملك بالقهر. ] ويدل عليه ما تقدم من طهور العلة. وتدل في السبي بخصوصه رواية الحسن بن صالح عن ابي عبد الله عليه السلام قال: نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس يوم اوطاس (1): ان استبرؤا سباياكم بحيضة (2). قوله: " وكل حربي قهر حربيا الخ " يريد الاشارة إلى ان جواز الشراء ليس بمخصوص من القاهر الظالم المسلم بل اعم منه ومن الكافر. تمهيد لو قهر من ينعتق عليه، ففي صحة بيعه نظر، ووجهه ما ذكره، وهو ظاهر. والظاهر عدم جواز البيع، وعتقه، لعموم دليل العتق، وعدم تملك القريب المتقدم، فكأنه يخصص دليل الملك بالقهر، فتأمل. فما يدل على جواز الشراء - مثل رواية عبد الله اللحام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يشتري من رجل من أهل الشرك ابنته يتخذها؟ قال: لا باس (3). تحمل على الاستنقاذ، ويحتمل تخصيص الاول بالمسلم وجعل هذا مؤيدا.

(1) اوطاس اسم موضع معروف وقع فيه غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله (مجمع البحرين لغة وطس). (2) الوسائل، ج 14، كتاب النكاح، الباب 17 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 1. (3) الوسائل، ج 13، كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2.

[ 285 ]

[ والتحقيق صرف البيع إلى الاستنقاذ وثبوت ملك المشترى بالتسلط ] قوله: " والتحقيق صرف البيع الخ " ظاهر هذا الكلام انه رجح عدم تملك الكافر الاقارب وعدم جواز البيع كما اشرنا إليه، والا كان بيعا حقيقيا وهو ظاهر. ومعنى الاستنقاذ رفع يد شخص شرعية ام لا عن مال بعوض أو بغير عوض، والاولى الشراء (1) كما قاله في القواعد. ويدل عليه ما بعده. وقوله: " وثبوت ملك المشتري بالتسلط " باطلاقه غير جيد، إذ قد يكون المملوك ومن بيده ممن ينعتق عليه مأمونا، فيشكل حينئذ تملك المشتري له بالتسلط ايضا. ولا ينبغي النظر في لحوق احكام البيع بالنسبة إلى البايع بعد حكمه بالاستنقاذ ايضا كما فعله في القواعد، لانه عقد واحد يبعد كونه بيعا حقيقيا بالنسبة الى البايع وغير بيع بالنسبة إلى المشتري. على ان سبب عدم كونه حقيقيا بالنسبة إليه انما هو عدم صلاحية المبيع لتملك البايع، وهو موجب لعدم كونه حقيقيا بالنسبة إليه ايضا. الا ان يقال: انه يملكه باعتقاده وفي مذهبه، لا عندنا، فيكون بيعا عنده لا عندنا. ويفهم (2) من شرح القواعد عدم لحوق احكام البيع بالنسبة الى البايع،

(1) يعني ان الاولى ان يقول: والتحقيق صرف الشراء، كما عبر به في القواعد. (2) قوله قدس سره (ويفهم من... الخ) اعلم ان النسخ التي عندنا من المخلوطة والمطبوعة مختلفة جدا ففي بعض النسخ المخطوطة هكذا (ويفهم من شرح الشرائع عدم بعد لحوق احكام البيع الخ). وفي بعضها هكذا (ويفهم من شرح، عدم بعد لحوق احكام البيع الخ). وفي ثالثة هكذا (ويفهم من شرح القواعد عدم بعد لحوق احكام البيع الخ).

[ 286 ]

[... ] لان ما بيد الحربي إذا دخل بامان محترم - فلا يجوز انتزاعه بغير السبب المبيح شرعا - ووجب ان يترتب عليه احكامه، فيكون له خيار المجلس والرد بعيب الثمن ونحو ذلك، ولا يكون للمشتري ذلك، ولا الارش بالعيب وغير ذلك. وفيه تأمل لان المشتري إذا رده بالعيب أو اخذ الارش، ما اخذ شيئا محرما

وفي النسخة المطبوعة بالطبع الحجري هكذا (ويفهم من شرح القواعد عدم لحوق احكام البيع الخ). ولعل الاخير اصوب. وكيف كان: فان كانت نسخة الاصل (ويفهم من شرح الشرائع) فالذي وجدناه مناسبا، ما ذكره في المسالك عن قول المحقق (ره) في اوائل كتاب العتق (ولو اشترى انسان من حربي ولده أو زوجته الخ) بعد توجيه عبارة المحقق بجواز التوصل للمسلم لتملك اموال اهل الحرب بكل سبب الذي منه الشراء. وبعد قوله (ره): وليس هذا بيعا حقيقيا وانما هو وسيلة إلى وصول المسلم إلى حقه، بما هذا لفظه (وهذا كله إذا لم يكن مال الحربي معصوما بان دخل دار الاسلام بامان، فلا يجوز أخذ ماله بغير سبب مبيح له شرعا، وحينئذ صحة البيع ولزوم احكامه التي من جملتها جواز رده معيبا أو أخذ ارشه) انتهى. واما ان كانت نسخة الاصل (ويفهم من شرح القواعد) فالذي وجدناه مناسبا، هو ما ذكره فخر المحققين في ايضاح القواعد (ج 1 ص 436) عند قول والده العلامة قدس سرهما في القواعد (والتحقيق صرف الشراء إلى الاستنقاذ وثبوت الملك للمشتري بالتسلط الخ) بعد بيان التدافع بين عللة الملك، وهو القهر، وعلة العتق وهو القرابة، قال: والحق ان البيع هنا استنقاذ وافتداء، ومعناه، عوض عن يد شرعية في نفس الامر كهذه، أو ظاهرا، أو غير شرعية، ثم قال: ويتفرع على ذلك: انه هل يلحقه احكام البيع من الخيار والارش وغير ذلك؟ يحتمل ذلك، لانه بالنسبة إلى المشتري كالبيع، والا لزم ضرره وقال عليه السلام: لا ضرر ولا ضرار، ومن انتفاء العلة وهي البيع انتهى. ولعل اصح ما نقلناه من النسخ هو الاخير، وهو اسقاط لفظة (بعد). واوضح ما احتملناه من كون نسخة الاصل (شرح الشرائع، أو شرح القواعد) هو الاخير أيضا لاستلزام الاول زيادة لفظة (عدم) أيضا، ولقول الشارح قدس سره هنا: (بالنسبة الى البايع) وما في المسالك مطلق أو مخصوص بالمشتري، نعم قد يؤيد الاول (وهو شرح القواعد) تعليل الشارح بقوله (لان ما بيد الحربي إذا دخل بامان محترم) وهذا التعبير موجود في المسالك كما نقلنا عبارته دون ايضاح القواعد، والله العالم. هذا كله ان قرء لفظة (بعد) بفتح الباء، والا فلو قرء بضم الباء ينعكس الحكم المستفاد من المخطوطة والمطبوعة، فتصح على النسخ المخطوطة دون المطبوعة.

[ 287 ]

[ ولو ظهر استحقاق ما اولده رد الام على المالك وغرم عشر القيمة مع البكارة والا فنصفه وقيمة الولد يوم سقوطه حيا ورجع على البايع بالثمن وقيمة الولد دون العقر على رأى. ] حتى يكون منافيا للامان، وهو ظاهر. ويشكل تملك البايع الثمن ايضا، إذ لا بيع بالنسبة إليه، فلا يستحق العوض بوجه، لانه ليس ما في يده ملكه، فكيف يكون بيعا بالنسبة إليه. ولانه بالنسبة الى المشتري ليس ببيع، لعدم صلاحيته لملك البايع، فكيف يكون بالنسبة إليه بيعا حقيقيا. ومجرد كونه مأمونا داخلا بلاد الاسلام بالامان لا ينفع، لكون ما بيده معتوقا عليه. والظاهر ان الكلام على هذا التقدير، والا يكون بيعا وشراء حقيقيين مع الامان. ويمكن كون التملك باعتبار اعراض المشتري ورضاه بذلك وتسليطه عليه. وهو ايضا مشكل، لانه انما اعطاه عوضا عن المبيع، وهو لا يستحق ذلك فالظاهر بقاؤه على ملكه حينئذ. وبالجملة مقتضى النظر عدم تملكه الثمن على هذا التقدير، وعدم تحقق بيع شرعى اصلا، لا بالنسبة إليه ولا بالنسبة إلى المشتري، فتملكه ايضا للمبيع مشكل الا ان تفرض في دار يمكن التملك هناك بالتسلط. فتأمل في اطلاق قول المصنف بانه يملك بالتسلط، وكذا في اطلاق قول المحشى. قوله: " ولو ظهر استحقاق ما اولده الخ " اي لو اشترى امة ظنا انها

[ 288 ]

[... ] مال البايع، واولدها، ثم ظهر انها لغير البايع، وجب ان ترد الامة الى مالكها، ويغرم عشر قيمتها ارشا للبكارة، ان كانت باكرة وازال بكارتها، وان كانت ثيبا فيغرم نصف عشر القيمة للدخول، والولد حر، ويجب ان يغرم قيمته يوم سقوطه حيا للمالك، إذ لا قيمة قبله، وبعده حر، ما ثبت لمالك الجارية عليه سبيل، مع انه نماء ملكه وفوته عليه المشتري، فيغرم القيمة، ثم يرجع على البايع بالثمن الذي اعطاه وقيمة الولد ايضا. هذا كله ظاهر، إذ الكلام مع الجهالة كما يشعر به قوله (ولو ظهر) فانه يدل على عدم العلم والظهور. وهل يرجع بما حصل له في مقابلته نفع، مثل ما دفع إليه للعقر، وهو العشر ونصفه في مقابلة الانتفاع بالبضع وكاجره خدمة، ام لا؟ اختار المصنف هنا العدم، لانه بسبب ما حصل له من الانتفاعات، فما ذهب عليه شئ، فان رجع يلزم حصول المعوض من غير عوض، فيحصل الظلم على البايع. واستشكل في التذكرة، وقال في الكتاب قبل الركن الثالث: فيه قولان (1): والظاهر الرجوع لانه غره وحثه بالانتفاع بها بمجرد دفع ثمن المبيع من غير عوض، ولو عرف ان له عوضا لم ينتفع به، فلو لم يرجع يلزم الظلم والغرم عليه مع كونه جاهلا من جهة البايع العالم الغاصب، دونه وقد مر هناك ايضا. وهذا كله ظاهر، واما وجوب كون العقر هو المذكور، فهو المشهور، ومستنده الرواية المذكورة في باب التدليس، وهي صحيحة العباس بن وليد بن صبيح

(1) حيث قال العلامة قدس سره في المتن: وهل يرجع بما حصل له في مقابلته نفع كالسكنى والثمرة واللبن وشبهه؟ قولان.

[ 289 ]

[... ] الثقة (1) عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل تزوج امرءة حرة، فوجدها امة قد دلست نفسها له؟ قال: ان كان الذي زوجها اياه من غير مواليها فالنكاح فاسد، قلت: فكيف يصنع بالمهر الذي اخذت منه؟ قال: ان وجد مما اعطاها شيئا فليأخذه، وان لم يجد شيئا فلا شئ له عليها، وان كان زوجها اياه ولي لها، ارتجع على وليها بما اخذت منه، ولمواليها عليه عشر قيمتها (ثمنها ئل) ان كانت بكرا، وان كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها بما استحل من فرجها، قال: وتعتد منه عدة الامة، قلت: فان جاءت بولد؟ قال: اولادها منه احرار إذا كان النكاح بغير اذن الموالي (2). وهذه وان كانت في غير ما فرضناه، وفي متنها شئ الا انه عممها الاصحاب، وان الظاهر عدم الفرق بين موردها وما نحن فيه، لان المأخوذ بسبب الدخول بالبكر أو الثيب مع جهل الواطي بالحال، بل الظاهر هنا ثبوت ذلك بالطريق الاولى، لان المولى ليس له علم، وفي المورد كان المدلس هو المولى على الظاهر، الا ان يحمل على كون المدلس هي، ولكن المزوج هو المولى كما هو الظاهر من اول الرواية، فتأمل. وتدل على رد الجارية إلى صاحبها مع قيمة الولد والرجوع إلى البايع بها (فيها خ ل) وبالثمن. صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها ثم يجئ مستحق الجارية؟ فقال: يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة

(1) هكذا في الكافي، ولكن في الوسائل والتهذيب هكذا (العباس بن وليد عن الوليد عن ابي عبد الله عليه السلام). (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 67 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 1.

[ 290 ]

[ ولو كانت الجارية سرقت من ارض الصلح ردها على البايع أو وارثه واستعاد الثمن، ولو فقد الوارث سلمت الى الحاكم ولا تستسعى في ثمنها على رأى. ] الولد التي أخذت منه (1). ومثلها رواية اخرى (2). وكأن في الرجوع بقيمة الولد على البايع إشارة إلى الرجوع إليه بما انتفع في مقابله، لان الولد نفع عظيم، ومع ذلك رجع الى ما دفع عوضا له. ولا يدل السكوت عن غرم العقر على عدم وجوبه على المشتري الواطي، لثبوته عند الاصحاب بدليل آخر مثل ما تقدم. وقيل: يجب عليه مهر امثالها للمالك، والاصل، والندرة - مع عدم ظهور دليل، مع ظهور ما تقدم - دليل العدم، فتأمل. واما حال العلم، فيعلم مما تقدم فيما أشرنا إليه فيما قبل الركن الثالث، في شرح قوله: " ولو باع غير المملوك الخ " من لزوم كون الولد رقا للمولى الجارية، وغير ذلك، فتأمل. قوله: " ولو كانت الجارية الخ " دليل وجوب ردها الى البايع مع كونها مملوكة من ارض الصلح. رواية مسكين السمان (في الصحيح) عن أبي عبد الله قال: سألته عن رجل اشترى جارية سرقت من ارض الصلح؟ قال: فليردها على الذي اشتراها منه، ولا يقربها ان قدر عليه أو كان موسرا، قلت: جعلت فداك فانه قد مات ومات

(1) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 88 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 5. (2) الوسائل، ج 14 كتاب النكاح، الباب 88 من ابواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 3 وفي الباب روايات اخر بهذا المضمون.

[ 291 ]

[... ] عقبه؟ قال: فليستسعها (1). وقد عمل بها البعض فأيدت بالعمل، الا ان مسكين مجهول، ومضمونه خلاف القوانين، ولهذا قال البعض: يجب ردها إلى المالك وورثته بعده، ثم إلى الحاكم لانه وكيل الامام عليه السلام، وهي حينئذ ماله عليه السلام فيفعل بها ما يفعل بسائر امواله التي استورثها ممن لا وارث له، وهو الظاهر. ولا تستسعى، إذ لا دليل على الاستسعاء الا هذه الرواية وقد عرفت حالها من الضعف، وفي متنها ايضا شئ وانها مخالفة للقوانين، إذ تحصيل الثمن الذي اعطاه إلى البايع السارق، من مال المسروق منه بعيد جدا. ولكن يلزم من العمل بها القول بذلك ايضا، لوجوده فيها، الا ان المصنف رحمه الله رده (2) مع القول بمضمونها في الجملة، فكأنه رأه غير معقول اصلا، فتأمل. وقيل بوجوبه كما هو ظاهرها. والظاهر تركها بالكلية والعمل بالادلة، ولكن يلزم ان يذهب ثمن المشتري ان لم يقدر على السارق البايع ولا محذور في ذلك وهو ظاهر. ويمكن حمل الرواية على صيرورة السارق البايع مالكا لها بشراء أو ارث أو هبة ونحوها، فلا يبعد حينئذ الاستسعاء في ثمنها، لانه نوع مقاصة، فانه تعذر أخذ الثمن، بل لا يستبعد بيعها في ذلك، وتملكها مقاصة من التعذر، وينبغي استيذان الحاكم لو امكن، والا بنظارة العدول للتقويم. والحمل بعيد، وقد تصدى لتوجيه ظاهرها بعض، وليس بتمام، فالترك اولى لما مر.

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 23 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1. (2) اي الاستسعاء.

[ 292 ]

[ ولو وطئ احد الشريكين سقط عنه الحد مع الشبهة، والا قدر (بقدر خ) نصيبه. ] قوله: " ولو وطئ احد الشريكين الخ " دليل عدم وجوب الحد مع الشبهة، هو الاصل، وعدم تحقق الزنا، واداؤا الحدود بالشبهات. ودليل سقوط ما يقابل ملكه فيها من الحد، هو عدم تحقق الزنا في الكل، ولهذا لا يسترق ولدها مع علمه بالتحريم المقتضى للرقية. واما دليل ضرب الباقي الذي ليس بنصيبه مع علمه بالتحريم من غير شبهة، فكأن كونه زنا بالنسبة إلى حصة الشريك حينئذ، ولانه لو لم يحد في مثله يلزم الفساد، وهو ظاهر، فيجب سد هذا الباب ودفع المفاسد. وأيضا يدل عليهما رواية عبد الله بن سنان قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجال اشتركوا في امة فأتمنوا بعضهم على ان تكون الامة عنده فوطئها؟ قال: يدرء عنه من الحد بقدر ماله فيها من النقد ويضرب بقدر ما ليس له فيها، وتقوم الامة عليه بقيمة ويلزمها، وان كانت القيمة اقل من الثمن الذي اشتريت به الجارية الزم ثمنها الاول، وان كانت قيمتها في ذلك اليوم الذي قومت فيه أكثر من ثمنها الزم ذلك الثمن وهو صاغر، لانه استفرشها، قلت: فان اراد بعض الشركاء شرائها دون الرجل؟ قال: ذلك له، وليس له ان يشتريها حتى تستبرأ، وليس على غيره ان يشتريها الا بالقيمة (1). وهي ضعيفة باشتراك يونس ومجهولية إسماعيل بن مرار (2) مع مخالفتها للقوانين أيضا كما مر، ولعل لا خلاف فيه مستندا إلى ما تقدم.

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1. (2) سند الحديث كما في الكافي: (علي بن إبراهيم عن ابيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن عبد الله بن سنان).

[ 293 ]

[ فان حملت قوم عليه حصص باقي الشركاء من الام والولد يوم سقوطه حيا. ] ومعلوم ان المراد بالحد، هو الجلد، لعدم تبعيض الرجم، فكان الاحصان الموجب له لا يتحقق في الشركة، لعدم كونه زنا في الكل، وإذا احتيج الى تبعيض الواحد فيحتمل باعتبار مقدار السوط، أو كيفية الضرب، فتأمل. قوله: " فان حملت قوم عليه إلخ " دليل تقويم الامة، انها صارت ام ولد للواطي، فيجب ان يكون بحيث لا يمكن بيعها، وتنعتق بموت مولاها، فيرد على الشركاء قيمة حصصهم، لان الحمل بمنزلة اتلاف العين، والولد حر (1) حصل من امة للغير فيها حصة، فوجب عليه قيمته يوم ولد حيا. وهو ظاهر في صورة الجهل مما تقدم. واما مع العلم فيقتضي القاعدة ان يكون حصص الشركاء رقا لهم، فلا يكون كله حرا، ويمكن التقويم حينئذ من جهة السراية ان قيل بها في مثله، فانه فهري، وقد اشترط فيها الاختيار، وسيجئ تحقيقه ان شاء الله تعالى. وظاهر كلام الاصحاب ان كله حر، ويقوم ويعطى حصة الشركاء اياهم. ثم ان الظاهر انه ينبغي ايقاع البيع لتنتقل إليه، ويحتمل كون التقويم وحده، أو مع الضمان، أو الدفع كافيا. والظاهر ان القيمة هي اكثر القيم من حين الحمل الى زمان الانتقال، لا باعتبار السوق، ويحتمل حين الحمل لانه وقت الاتلاف. والاول اظهر، لانه لو زاد زاد في ملك الاول، ومعلوم ان قيمة الولد انما تعطى إذا لم يقوم حاملا.

(1) عطف على قوله (الامة) يعني تقويم الولد انه حر.

[ 294 ]

[ ولو اشترى عبدا في الذمة فدفع إليه عبدين ليتخير احدهما، فابق واحد منهما ضمن التالف بقيمته وطالب بما اشتراه. ] وانه لابد من العقر لحصة الشركاء العشر أو نصفه. وفي ارش البكارة تأمل، والظاهر العدم لدخوله تحت عقر البكر، فتأمل، وكذا في غير هذه، ولهذا سكت عنه الاكثر. قوله: " ولو اشترى عبدا في الذمة الخ " اي لو اشترى شخص من آخر عبدا موصوفا غير معين، فدفع البايع إليه عبدين بالوصف ليختار احدهما، فابق احدهما بعد ان وصل الى المشتري، من عنده، قيل: يضمن ذلك العبد الابق بقيمته، بناء على ان المقبوض بالسوم مضمون، على ما هو المشهور عندهم، وان لم يكن دليله واضحا. هذا ان لم يقصر، فان قصر في الحفظ فالضمان ظاهر، ويطلب ما اشتراه، فان اختار الآبق أو الموجود فهو له، والآخر للمالك. وليس له عدم الرضا ان كان بالوصف، وله طلب الموصوف، بل يمكن عدم الضمان أيضا مع عدم التفريط ان لم يكن بالوصف، لعدم كونه بالوصف، فلا يكون مأخوذا بالسوم، بل معه أيضا، لعدم معلومية صدق المأخوذ بالسوم، إذ قد لا يكون هو راضيا ببعث الاثنين، هذا. ولما كان مقتضى رواية محمد بن مسلم غير موافقة للاصول، مع عدم الصحة، ما ذهب هنا إليها. رواها الشيخ في التهذيب عن السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى، وفي الكافي عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل اشترى من رجل عبدا وكان عنده عبدان، فقال للمشتري: اذهب بهما فاختر ايهما شئت ورد الاخر، وقد قبض المال، فذهب (وذهب ئل) بهما المشتري فابق احدهما من عنده؟ قال: ليرد الذي عنده منهما ويقبض نصف الثمن مما أعطى

[ 295 ]

[ ولو دفع الى مأذون مالا ليشترى نسمة ويعتقها ويحج بالباقي فاشترى اباه، ثم ادعى كل من مولاه ومولى الاب وورثة الآمر شراءه من ماله حكم به لمولى المأذون، الا ان يقيم احد الآخرين البينة بما ادعاه. ] من البيع (البايع خ ل ئل)، ويذهب في طلب الغلام، فان وجده يختار (اختار كا) ايهما شاء ورد النصف الذي أخذه، وان لم يجد (يوجد كا) كان العبد بينهما نصفه للبايع ونصفه للمبتاع (1). وقد عمل بها البعض كالشيخ وجماعة، وفي مضمونها تأمل واضح، لانها مخالفة للاصول من وجوه، لهذا تصدى الاصحاب لتأويلها لتوافقها. وفي التأويلات أيضا تأمل، والاولى تركها لعدم الصحة والعمل باصول وقوانين المذهب، وهو ظاهر وقد علم، فتأمل. قوله: " ولو دفع إلى مأذون مالا الخ " اي لو دفع شخص إلى عبد مأذون في المعاملة والتجارة مالا واوصى بان يشتري به مملوكا ويعتق ويعطي الباقي ليحج عن الموصى، فمات الموصى، فاشترى المأذون اباه، واعتقه واعطاه الباقي حتى حج، ثم يدعى مولى المأذون ان الاب مملوك له لان عبده المأذون اشتراه، ومولى الاب يدعى انه قد اشتراه بمالي، بان يكون وكيلا له أيضا بالاذن وله عنده مال، أو انه أخذ الاب من مالي واعطاه ابنه ليشتريه وغير ذلك، وورثة الموصى انه اشترى بما دفعه إلى المأذون مورثنا، فهو اشترى بمالنا. ففي رواية ابن اشيم عن ابي جعفر عليه السلام عن عبد لقوم مأذون له في التجارة دفع إليه رجل الف درهم فقال له: اشتر بها نسمة واعتقها عني وحج عني بالباقي، ثم مات صاحب الالف فانطلق العبد فاشترى اباه فاعتقه عن الميت ودفع إليه الباقي يحج عن الميت، فحج عنه، فبلغ ذلك موالى ابيه ومواليه وورثة الميت

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1.

[ 296 ]

[... ] جميعا فاختصموا جميعا في الالف، فقال موالى العبد المعتق: انما اشتريت اباك بمالنا، وقال الورثة، انما اشتريت اباك بمالنا، وقال مولى العبد: انما اشتريت اباك بمالنا؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: اما الحجة فقد مضت بما فيها لا ترد، واما المعتق فهو رد في الرق لموالي أبيه، واي الفريقين بعد، اقاموا البينة انه اشترى اباه من اموالهم كان له رقا (1). وقد عمل الشيخ بمضمونها، ولما كان فيه تأمل. من جهة كون ان ظاهرها انه مأذون في التجارة فقط، فكيف يصح له ان يكون وكيلا من غير اذن المولى. وان يحج بنفسه فكيف يستاجر الغير. وانه كان وكيلا له فكيف يفعل ما فعل بعد موته. وانه فعله بالالف الذي أخذ من الامر فكيف يتصور الدعوى المذكورة. وانه ما كان لمولى الاب شيئا (شئ ظ) في يد المأذون ولا هو وكيل له. وانه لا يمكن شراء مال شخص، منه بماله فكيف يدعى ذلك. ومن جهة انه كيف يكون الحج؟ صحيحا مع الحكم بان العبد لمولى العبد من غير اذنه فيه. ومن جهة ان ظاهره ان ليس للورثة عليه شئ مع تحقق تسلمه المال. ومن جهة ان مولى الاب مع بعد دعواه كيف حكم بان العبد له والشراء بماله، على ان العبد وما في يده يكون لمولاه. وان كان يمكن دفعها بتصرف ما، مثل ان المراد بدعوى مولى الاب بالشراء عدم صحة بيع الغير، بل بقاءه في ملكه فيكون له حتى يثبت الغير، وكذا

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 25 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1 وراجع عوالي اللئالي ج 2 ص 250 الحديث 22.

[ 297 ]

[ ولو اشترى كل من المأذونين صاحبه من مولاه صح عقد السابق ولو اقترنا بطلا. ] الباقي، الا انها تأويلات بعيدة في خبر مخالف للقوانين. وضعيف لجهل صالح بن رزين وابن اشيم، كانه علي بن احمد بن اشيم المذكور في الخلاصة، ورجال ابن داود انه مجهول (1) وقال في شرح الشرائع: ان ابن اشيم غال، وهو اعرف. فالحكم بما هو مقتضى القوانين انه إذا حصل الدعوى في العبد الذي اشتراه المأذون المذكور، فهو رق لمولى المأذون، لانه مال في يد عبده فهو له كالعبد كما إذا كان هو المشتري وسلم له ذلك المال، ولهما يمين عليه مع عدم البينة، ومع اقامتهما فقط البينة ينظر الى الترجيح وبعد التساوي من جميع الوجوه، يمكن ترجيح ورثة الآمر باصل صحة البيع، وبان مولى الاب بمنزلة الداخل حيث يدعى بقاءه على رقه وعلى تقدير اقامة الكل البينة، فيحتمل ذلك أيضا، مع القول بتقديم بينة الخارج، والا فهو لمولى المأذون للتساقط بالتعارض. ويحتمل أخذه منه لحصول الشهود الاربعة بانه ليس له، ويحكم لمن تخرجه القرعة بعد اليمين من المدعيين. والمصنف سكت عن حال الحجج، ودعوى الورثة على العبد فان كان ثابتا وعينا، يؤخذ ويعمل بالوصية مع الثبوت، وان كان في الذمة ينتظر العتق، الا ان يعلم صرفه للموالي باذنهم. وبالجملة دعواهم وحكمه معلومان، ولا يحتاج إلى الذكر هنا. قوله: " ولو اشترى كل من المأذونين الخ " دليل صحة الشراء السابق ظاهر،

(1) سند الحديث كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن ابن محبوب عن صالح بن رزين عن ابن اشيم عن ابي جعفر عليه السلام).

[ 298 ]

[... ] لانه عبد مأذون في التجارة مطلقا واشترى عبدا من مولاه للتجارة. واما بطلان اللاحق، فلان العبد المشترى لاحقا صار ملكا لغير الاذن له، فلا يصح شراؤه له، وهو أيضا ظاهر. واما بطلانهما إذا اقترنا وهو باعتبار القبول، فكأنه لخروج العبد عن ملك الاذن؟ حين التكلم بالكلمة الاخيرة (بالتكلم الاخير خ ل) فحينئذ لا يكون وكيلا ولا مأذونا، فلا يصح شراؤه له. ولان المالك إذا تصدى لبيعه وتكلم بالايجاب فكأنه عزله عن الوكالة واخرجه عن كونه مأذونا كما هو المتبادر، والظاهر، فلا يصح شراء احدهما. وبالجملة صحة الشراء موقوفه على بقاء الوكالة، وهو غير ظاهر حينئذ. ويمكن الرجوع الى الموليين، فمن عزله لا يصح، ومن لا فلا. ومع الاشتباه والغفلة يمكن ان يقال بالصحة، لاصل البقاء، والظاهر انه حين ايقاع الصيغة كان وكيلا، وان خرج عن الوكالة والملكية بعدها بلا فصل، فلا يبعد صحة العقدين حينئذ، فينتقل كل الى مولى الاخر، فتأمل. ولكن قال في التذكرة: دليل البطلان معا، ان حالة شراء كل واحد منهما لصاحبه، هي حالة بطلان الاذن (1). والظاهر ان الشراء مقدم، نعم وقت الانتقال الى ملك الغير بعد الشراء، اي وقوع الصيغة وقت البطلان، والظاهر انه مع ذلك بينهما ترتب عقلي، وذلك كاف، لان الاذن شرط في موجب الانتقال، لا فيه، وهو التكلم بالصيغة لا غير. وأيضا الاصل الصحة مع وجود الصيغة والشرائط الموجبة للصحة.

(1) عبارة التذكرة هكذا (وان اقترن العقدان في وقت واحد بطلا، لان حالة الشراء كل واحد منهما لصاحبه هي حالة بطلان الاذن من صاحبه له (ج 1 ص 499).

[ 299 ]

[... ] واعلم انه يفهم من التذكرة الفرق بين الاذن والوكالة. وان في عدم بقاء الوكالة للمملوك تأملا دون اذنه. وانه على تقدير الوكالة يصح العقدان ان قيل بعدم بطلان الوكالة بالبيع، لانه يفهم ان الاذن يبطل البيع جزما، وفي بطلان الوكالة تأمل يحتمل البقاء والصحة مع انتقاله إلى الغير، فيصح وكالته من دون اذن مولاه الجديد. وما يفهم الفرق بينهما، الا ان يقال: الاذن ما يفهم جواز التصرف معه مادام عبدا مأذونا، بخلاف الوكالة، وذلك يفهم من قصده وكلامه. وهذا تصرف في مفهوم الوكالة والاذن معا بالتخصيص. ثم التردد في بقاء الوكالة وعدمه في الاذن، فان الظاهر ان بقائهما يحتاج إلى اذن المولى الجديد. ثم صحة العقد على تقدير عدم بطلانها ظاهرة، لكن بقائها غير ظاهر، لان الظاهر انها موقوفة على اذن المولى الجديد، فتأمل. وقال أيضا: ما نريد ببطلان العقد فساده، بل هما موقوفان مثل الفضولي. وذلك غير بعيد فان جوزا صحا، والا فالمجوز دون الاخر. ويؤيد ما ذكره في اصل المسألة من صحة السابق وبطلان المقترن رواية ابي خديجة (الا انها مخالفة لبعض القوانين، مع ضعفها بابي خديجة ومعلى بن محمد وغيره (1). عن ابي عبد الله عليه السلام في رجلين مملوكين مفوض اليهما، يشتريان ويبيعان باموالهما، وكان بينهما كلام، فخرج هذا يعدو إلى مولى هذا، وهذا إلى مولى هذا، وهما في القوة سواء، فاشترى هذا من مولى هذا العبد وذهب هذا فاشترى هذا من مولى هذا العبد الآخر،

(1) سند الحديث كما في الكافي (الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي عن احمد بن عائذ عن ابي سلمة (خديجة يب) عن ابي عبد الله عليه السلام.

[ 300 ]

[... ] فانصرفا إلى مكانهما، فشبث كل واحد منهما بصاحبه، وقال له: انت عبدي قد اشتريتك من سيدك؟ قال: يحكم بينهما من حيث افترقا، يذرع الطريق، فايهما كان اقرب فهو الذي سبق الذي هو ابعد، وان كانا سواء فهما ردا (1) على مولاهما، جاءا سوآء وافترقا سوآء، الا ان يكون احدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له، ان شاء باع وان شاء امسك وليس له ان يضربه (2). ثم قال الشيخ عقيبها (3): وفي رواية اخرى: إذا كانت المسافة سواء، يقرع بينهما فايهما وقعت القرعة له (به خ) كان عبدا (4) للآخر (5). قال في التذكرة: الرواية بالقرعة لم نقف عليها، لكن الشيخ رحمه الله ذكر هذا الاطلاق في النهاية والتهذيب (6). والظاهر ان القرعة لاستخراج الواقع اولا مع علم المتقدم واشتباه تعيينه، أو مع الشك في التقدم وعدمه، اما مع الاقتران فلا وجه للقرعة (7). هذا كلام معقول، ولكن ظاهر كلام الشيخ ان القرعة في المساواة، الا انه قد يظهر من رواية ابي خديجة انه حينئذ يكون الاقتران، ولكنه ليس بلازم وهو ظاهر، ولكن ينبغي ضرب القرعة بحيث يطلع المتقدم لو كان والاقتران الموجب للبطلان أيضا وهو ظاهر، فيكون ثلاثا، احدها المتقدم والآخر المتأخر والآخر المقترن. ولا يخفى ان ظاهر رواية ابي خديجة ان الشراء للعبدين انفسهما، وكذا ظاهر رواية

(1) فهور رد - كا وخ ل يب. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 18 من ابواب بيع الحيون، الحديث 1. (3) وكذلك في الكافي أيضا. (4) كان عبده كا. (5) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 18 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 2. (6) لا يخفى ان هذه الرواية لم يذكرها الشيخ فقط، بل نقلها الكليني في الكافي، وانما نقلها الشيخ عن الكافي فلاحظ (باب نادر من كتاب المعيشة ج 5 ص 218 ذيل حديث 3. (7) إلى هنا كلام التذكرة.

[ 301 ]

[ ويستحب تغيير اسمه واطعامه الحلاوة، والصدقة عنه. المطلب الثالث: في الصرف انما يصح بيع الاثمان بمثلها مع التقابض قبل التفرق. ] القرعة لقوله: (كان عبدا للآخر) الا ان يحمل على المسامحة، ولا يحتاج إذ قد عرفت جواز التملك مع تمليك المولى، بل غيره أيضا. قوله: " ويستحب تغيير اسمه الخ " قد مر ما يدل عليه، في الاخبار الدالة على كراهة اراءة المملوك الثمن في الميزان (1) في موضعها. المطلب الثالث في الصرف قوله: " انما يصح بيع الاثمان الخ " يفهم تعريف الصرف من قوله: انما يصح الخ إذ هو بيع الاثمان بالاثمان، والثمن هنا هو الذهب والفضة مطلقا مسكوكين ام لا. قيل: انما سميا بالثمن لانهما يقعان عوضا عن الاشياء، ويقترنان بباء العوض غالبا قاله في شرح الشرائع، ثم قال بل نقل العلامة قطب الدين الرازي عن الفاضل، انهما ثمن وان اقترنت الباء بغيرهما حتى انه لو باعه دينارا بحيوان ثبت للبايع الخيار، مدعيا على ذلك الاتفاق. وكان معنى الثمن هو ما يعوض به وما يشترى به، وهو غير ظاهر. وكونه دائما من جانب المشتري - ولو كان هو الطالب لبيعه ويوقعه مقدما بلفظه - غير ظاهر. بل الظاهر وقوعه مبيعا ومشترى، ولهذا يصح بيع بعضه ببعض. ثم اعلم ان مقصود المصنف ان بيع الصرف يعتبر في صحته شرط آخر سوى الشروط

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب بيع الحيوان، الحديث 1 و 2.

[ 302 ]

[... ] المعتبرة في البيع، وما يعتبر في الربويات، وهو التقابض في مجلس البيع، بمعنى انه لا بد ان يقبض كل واحد من المتبايعين مال الآخر قبل ان يفترق احدهما عن الآخر، وان لم يكن ذلك التقابض في مجلس العقد، ولهذا قال المصنف: قبل التفرق، وما قال في المجلس كما قال غيره مثل الشرائع، فلو فارقا مجلس العقد مصطحبين لم يبطل. ثم ان المصنف في التذكرة صرح بان القبض قبل التفرق شرط وواجب أيضا، بمعنى انه لو تركا يأثمان بذلك كما يأثمان بالربا، وان ارادا التفرق قبله يفسخان العقد ثم يفترقان، والا يأثمان. وفيه تأمل، إذ الاثم بذلك مشكل، فان غاية ما يلزم ابطال عقد قبل حصول شرائطه. ولعله مفاد دليل اشتراط الصحة بذلك كما هو مذهب الاكثر، وقيل: بل كاد ان يكون اجماعا، إذ ليس المخالف الا الصدوق، لروايات ضعيفة. ودليل المشهور الروايات عن العامة (1) والخاصة، مثل رواية محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا يبتاع رجل فضة بذهب الا يدا بيد ولا يبتاع ذهبا بفضة الا يدا بيد (2). والظاهر انها صحيحة، إذ لا يضر اشتراك محمد بن قيس لما تقدم غير مرة، انه إذا نقل عاصم عنه، فالظاهر انه الثقة (3)، فتذكر.

(1) سنن ابن ماجة، ج 2، كتاب التجارات (51) باب اقتضاء الذهب من الورق والورق من الذهب، الحديث 2262 ولفظه (عن ابن عمر قال: كنت ابيع الابل فكنت اخذ الذهب من الفضة والفضة من الذهب والدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير فسالت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم؟ فقال: إذا أخذت احدهما واعطيت الاخر فلا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس). (2) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، الحديث 3. (3) سند الحديث كما في الكافي هكذا (علي بن إبراهيم عن ابيه عن ابن ابي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس).

[ 303 ]

[... ] وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يبتاع الذهب بالفضة مثلين بمثل؟ فقال: لا بأس به يدا بيد (1). ولا يضر الاضمار لما مر. وصحيحه منصور بن حازم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا اشتريت ذهبا بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذ منه، وان نزا حايطا فانز معه (2). وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألته عن الرجل يشتري من الرجل الدرهم بالدنانير فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو دينارا، ثم يقول: ارسل غلامك معى حتى اعطيه الدنانير، فقال: ما احب ان تفارقه حتى تأخذ الدنانير، فقلت: انما هم في دار واحدة وامكنتهم قريبة بعضها من بعض وهذا يشق عليهم؟ فقال: إذا فرغ من وزنها وانتقادها (انقادها خ ئل) فليأمر الغلام الذي يرسله ان يكون هو الذي يبايعه ويدفع إليه الورق ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق (3). ولا يضر الاضمار فيه أيضا لما مر، ولانه نقل قبلها في التهذيب خبرا عن عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله عليه السلام، فالظاهر ان هذا أيضا منه. وصحيحة الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل ابتاع من رجل بدينار واخذ بنصفه بيعا وبنصفه ورقا؟ قال: لا باس به، وسالته هل يصلح ان يأخذ بنصفه ورقا أو بيعا ويترك نصفه حتى يأتي بعد فيأخذ به ورقا أو بيعا؟ فقال: ما احب ان اترك منه شيئا حتى آخذه جميعا، فلا تفعله (4). وفي دلالة الكل تأمل، إذ ليست بصريحة في الاشتراط، بل ولا في الاثم، فان يدا بيد كانه كناية عن النقد لا النسية، فلا يدل على اشتراط القبض، ولفظة (ما احب) تشعر

(1) و (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، الحديث 7 - 8. (3) و (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، الحديث 1 - 9.

[ 304 ]

[... ] بالاستحباب، وهو ظاهر وفي التهذيب والاستبصار اخبار كثيرة صريحة في جواز النسية في بيع الذهب والفضة بعضه بعضا (1). واصل الصحة وعموم الادلة أيضا يقتضي عدم البطلان بالمفارقة. مع ان الأولى أيضا غير صريحة في الاشتراط والبطلان بعدها. ولكن ليس شئ منها مع كثرتها صحيحة ولا حسنة، بل موثقة، وحملها الشيخ حملا بعيدا (2). ويمكن الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب والكراهة. ولكن الشهرة بل دعوى الاجماع مع الاخبار الكثيرة الصحيحة، وعدم الصراحة في التعارض والصحة التي تصلح له، تمنع ذلك. ويمكن حمل المعارض، وهو ما يدل على النسية، على ان يكون بشرط القبض قبل التفرق، إذ النسية لا يستلزم عدم القبض في المجلس. وهو وان كان الظاهر ذلك، ولهذا يقول الاصحاب بعدم جواز النسية في الصرف، قال في التذكرة: لا يجوز النسية في الصرف وان كانت ساعة واحدة وحصل الحلول أو

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، لاحظ احاديث 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - اربعة منها عن عمار وواحدة منها عن زرارة. (2) في التهذيب بعد نقل الاخبار هكذا (قال محمد بن الحسن: الوجه في هذه الاخبار انها لا تعارض ما قدمناه: من انه لا يجوز بيع الذهب بالفضة نسية متفاضلا، لان تلك الاخبار كثيرة، وهذه الاخبار اربعة منها الاصل فيها عمار بن موسى الساباطي، وهو واحد قد ضعفه جماعة من اهل النقل وذكروا ان ما ينفرد بنقله لا يعمل به، لانه كان فطحيا، غير انا لا نطعن عليه بهذه الطريقة، لانه وان كان كذلك فهو ثقة في النقل لا يطعن عليه فيه، واما خبر زرارة فالطريق إليه علي بن حديد، وهو مضعف جدا لا يعول على ما ينفرد بنقله. ويحتمل هذه الاخبار وجها من التأويل، وهو ان يكون قوله عليه السلام (نسية) صفة الدنانير ولا يكون حالا للبيع فيكون تلخيص الكلام: ان من كان له على غيره دنانير نسية جاز ان يبيعها عليه في الحال بدراهم سعر الوقت، أو اكثر من ذلك ويأخذ الثمن عاجلا (التهذيب ج 7 (8) باب بيع الواحد بالاثنين ص 101).

[ 305 ]

[ فلو تفرقا قبله بطل، ولو قبض البعض بطل في الباقي. ولو فارقا مصطحبين أو وكل في القبض فقبض الوكيل قبل التفرق صح (لا بعده خ). ] القبض قبل التفرق، لما في الرواية يدا بيد، وكانه كناية عن النقد. لكن في قولهم تأمل، إذ الروايات كثيرة في جواز النسية في الصرف، مع عدم المعارض الصريح. مثل موثقة عمار الساباطي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة؟ قال: لا باس (1). ومثلها كثيرة، الا ان اصل الاربعة منها عمار، وهو فطحي، قال الشيخ: غير انا لا نطعن عليه بهذه الطريقة، لانه وان كان كذلك، فهو ثقة في النقل لا يطعن عليه فيه. والاحتياط ينبغي ان لا يترك مهما امكن. قوله: " فلو تفرقا قبله الخ " هو مقتضى شرط عدم التفرق في صحة بيع الصرف، وقد عرفت التأمل في دليله. ويمكن ان يكتفى في التفارق بتفرق احدهما من الاخر ولو بمثل ما يحصل تفارق المجلس المبطل لخيار المجلس، كما سيجئ، لانهما واحد على الظاهر، فتأمل وسيجئ تحقيقه. قوله: " ولو فارقا مصطحبين الخ " أي فارق المتعاقدان المجلس مصطحبين، لا يضر في صحة الصرف، لان المعتبر عدم مفارقة احدهما عن الاخر، لا مفارقة المجلس كما تقدم. ويدل عليه صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (2).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، الحدث 11. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، الحديث 8.

[ 306 ]

[ وإذا اتحد الجنس وجب التساوي قدرا، وان اختلفا في الجودة والردائة والصنعة، وإذا اختلفا فيه جاز الاختلاف. ] ولكن الظاهر ان مجرد تقدم البعض على البعض - ما لم يصدق التفرق بينهما عرفا وان حصل لغة - لم يضر لان الظاهر ان المراد هو العرفي، ولان الغالب انه لا يحفظ النسبة التي كانت بينهما في مجلس العقد بعد مفارقتهما اياه، سيما وقت صعود الحائط ونزوله، ويمكن فهم جوازه من رواية منصور وعدم الضرر (التضرر خ) بذلك. وكذا يصح لو تقابض وكيلاهما أو احدهما مع وكيل الاخر قبل تفرق المتعاقدين، وهو ظاهر لان الشرط وهو القبض قبل تفرق المتعاقدين، وقد دل عليه صحيحة عبد الرحمان المتقدمة (1). وكذا لو اوقع الوكيل مع احدهما، أو الوكيلان وتفرقا غير المتعاقدين من المالكين وغيرهما وحصل القبض قبل تفرق المتعاقدين. وبالجملة الشرط عدم تفرق المتعاقدين، لا المالكين ولا غيرهما. واعلم انه لو قبض البعض دون البعض قبله، صح في البعض المقبوض وبطل فيما دونه، ولكل منهما الخيار لتبعض الصفقة. قاله في التذكرة. قوله: " وإذا اتحد الجنس الخ " اشارة إلى شرط آخر لصحة بيع الصرف وجوازه، وهو عدم زيادة مقدار احدهما على الاخر مع اتحاد الجنس مطلقا، سواء كان (احدهما خ) الناقص اجود ام لا، وسواء كان مع الناقص صنعة تكافي الزيادة في الاخر ام لا، لا مع اختلاف الجنس فانه يجوز ويصح التعارض مطلقا بشرط اشتمال البيع على شرائط صحته. ولعل دليل ذلك الاجماع المستند إلى الاخبار مثل صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال الفضة بالفضة مثلا بمثل (والذهب بالذهب مثلا بمثل قيه)، ليس فيه زيادة ولا نقصان، الزائد والمستزيد في النار (2).

(1) و (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 و 1 من ابواب الصرف، الحديث 1.

[ 307 ]

[ والمغشوش من النقدين يباع بالآخر مع جهل الغش، ومع علمه يجوز بصافيه مع زيادة تقابل الغش ] وصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1). ولان الزيادة في المتجانسين ربا دون غيرهما كما سيجيئ ويشير إليه في رواية الوليد بن صبيح الثقة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، الفضل بينهما هو الربا المنكر (2). قوله: " والمغشوش من النقدين إلخ " يعني إذا كان احد النقدين ذهبا أو فضة ممزوجا بغيره مثل نخاس وغيره يجوز بيعه بالنقد الآخر، وكذا بغيره من الامتعة والاموال مع الجهل بمقدار الغش. لكن قالوا: لابد من العلم بمقدار المجموع، لاعتبار الوزن فيهما. وفيه تأمل إذ قد لا يتعارف الوزن في امثال ذلك فلا يبعد (ولا يبعد خ ل)، لو كان ذلك المتعارف في بيعه. والظاهر انه لابد عندهم من القبض قبل تفرق المجلس ايضا إذا كان بحيث يصدق عليه بيع الذهب أو الفضة، لما تقدم. ودليل جوازه مع جهل الغش ظاهر، وهو حصول الشرائط، وصدور بيع من اهله في محله، ومعلوم انه يجوز مع العلم بالغش ايضا بالنقد الآخر، وهو ظاهر، وما ذكره لظهوره، لا لعدم الجواز. وكذا يجوز بمثل النقد الخالي عن الغش الموجود فيه، مع العلم بمقدار الغش، مع اشتمال هذا النقد على زيادة تقابل الغش ان كان له ثمن، بمعنى كونها مما يتمول ويصح بها الشراء، لا مساواتها بقيمة الغش.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الصرف، الحديث 6 و 7. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب بيع الصرف، الحديث 2 وفيه جملة (هو الربا المنكر) مرتين وفي التهذيب ما يوافق المتن.

[ 308 ]

[... ] وفي الاخبار الكثيرة المعتبرة انه يجوز بيعه بمثل ما فيه ان كان الغالب هو، أو الغش، بحيث يطلق عليه اسم ذلك، فالظاهر ان المراد ان احدهما مضمحل ولا قيمة له. مثل حسنة عمر بن يزيد (الثقة) عن ابي عبد الله عليه السلام في انفاق الدراهم المحمول عليها؟ فقال: إذا كان الغالب عليها الفضة فلا باس بانفاقها (1). وحسنة علي بن رئاب فيه - قال: لا اعلمه الا عن محمد بن مسلم - قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس أو غيره ثم يبيعها؟ قال: إذا بين (الناس خ ل) ذلك فلا باس (2). وهما صحيحتان في التهذيب. وقريب منها صحيحة فضل ابي العباس الثقة (3). وصحيحة عبد الرحمان الحجاج عن ابي عبد الله عليه السلام في الا سرب يشتري بالفضة؟ قال: إذا كان الغالب عليه الا سرب فلا بأس به (4). وكذا في رواية اخرى عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن جوهر الا سرب وهو إذا خلص كان فيه فضة ايصلح ان يسلم الرجل فيه الدراهم المسماة؟ فقال: إذا كان الغالب عليه اسم الا سرب فلا باس بذلك (5). وكذا في رواية اخرى عنه، وقال في اخرها بعد لا باس: يعني لا يعرف ذلك الا بالاسرب (6) تفسيرا للغلبة.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الصرف، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الصرف، الحديث 2 وفي التهذيب (إذا بين ذلك). (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الصرف، الحديث 9. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الصرف، الحديث 1. (5 و 6) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الصرف، الحديث 2 هكذا في المطبوعة وبعض

[ 309 ]

[ ومعدن (تراب خ) احدهما يباع بالاخر. ولو جمعا جاز بيعه بهما، ] والظاهر منها عدم الاعتبار بالغش القليل إذا تعارف بيعه باسم ما غشى به، وانما الاعتبار بذلك الغالب. ويجوز بيعه بما فيه من الصافي مع الجهل ايضا إذا تحقق اشتماله على تلك الزيادة، وهو ايضا ظاهر، الا انه تركه لبعد وقوع المعاملة حينئذ بمثله، فليس الترك والقيد لعدم الجواز هنا ايضا (وهو ايضا ظاهر خ). قوله: " ومعدن احدهما الخ " لا شك في جوازه، لعدم حصول الربا بالزيادة، لاختلاف الجنس، ويمكن بالمثل ايضا لو علم المقدار والتساوي، ان لم يكن لما معه من جزء المعدن قيمة، والا فبالمثل مع اشتماله على زيادة لمقابل ذلك الجزء، ولكن كلاهما بعيد، ولهذا ترك وقيد (1). ولو جمع بين المعدنين في البيع، جاز بيعه بهما، للتخالف، لتقابل كل بما يخالفه. ولصحيحة عبد الله بن مسكان (2) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الجوهر الذي يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضة وصفر جميعا، كيف يشتريه؟ فقال: يشتريه بالذهب والفضة جميعا (3). وبالجملة لابد من عدم تحقق شرط الربا، وهو اتحاد الجنسين مع تحقق الزيادة، أو احتمالها وهو ظاهر. بل يمكن بيعه باحدهما إذا تحقق اشتمال ذلك على مثل معدنه وزيادة

النسخ المخطوطة ولكن في الكافي والتهذيب والوسائل عقيب قوله (فلا باس بذلك) ما لفظه (يعني لا يعرف الا بالأسرب). (1) اي ترك حكم بيع احدهما بمثله، وقيده بكونه بالاخر. (2) هكذا في النسخ كلها، ولكن في الكافي والتهذيب والوسائل هكذا (عن ابن مسكان عن ابي عبد الله مولى عبد ربه عن ابي عبد الله عليه السلام) فعليهذا لا تكون الرواية صحيحة. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب الصرف، الحديث 5.

[ 310 ]

[ والمصوغ من النقدين يباع بهما أو بغيرهما ان جهل قدر كل منهما وامكن تخليصه، وان لم يمكن بيع بالاقل ومع التساوي بهما، ولو علم (قدر خ) كل منهما جاز بيعه بجنسه متساويا وبغير الجنس مع التفاوت وعدمه. ] تقابل المعدن الآخر وهو ظاهر، ولكن لبعد فرضه ووقوع المعاملة حينئذ، ترك. واظهر منه جواز البيع بغيرهما، ولكن يعتبر في الكل شرائط صحة البيع، وليس بواضح كونه داخلا في الصرف حتى يجب القبض ويكون شرطا في الصحة قبل التفرق، لعدم ظهور صدق بيع الاثمان بالاثمان والذهب بالذهب بهما، عليهما حينئذ. ولكن يظهر من الخبر في السيف المحلى اعتبار القبض (1)، فهنا كذلك، فتأمل، والاحتياط لا يترك. قوله: " والمصوغ من النقدين الخ " يعني إذا صيغ شئ من النقدين يجوز بيعه بالنقدين معا وبغيرهما من الاموال التي يجوز كونها ثمنا، وهو ظاهر، كما تقدم في بيع المعدنين بهما معا مع جهل مقدار كل واحد منهما وامكان تخليص كل واحد منهما من الاخر. وظاهر ان ليس مراده عدم جواز بيعه بهما وبغيرهما الا في هذه الصورة، إذ معلوم جواز بيعه بهما وبغيرهما مع عدم الشرطين ايضا، بل انما قيد بهما لعسر بيعهما حينئذ باحدهما فقط، كما نبه عليه بقوله: وان لم يمكن الى اخره، اي ان لم يمكن تخليص احدهما عن الاخر بيع ذلك المصوغ منهما باحدهما الذي هو الاقل منهما، مع اشتماله على زيادة تقابل الجنس الاخر الذي هو اكثر والمراد بالزيادة ما يتمول عادة ويصح به الشراء، وان لم يكن مساويا لمقابله كما مر.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 من ابواب الصرف، فلاحظ.

[ 311 ]

[... ] وهذا ايضا غير مخصوص بصورة عدم العلم وعدم امكان التخليص ولا بالاقل، بل بتلك (بذلك خ) ارغب واسهل، كما ان صورة التساوي غير مخصوصة بالبيع بهما معا، فانه يجوز بغيرهما وباحدهما مع الشرط المذكور. وبالجملة العبارة لا تخلو عن قصور، والمقصود ظاهر. والضابط (1) تحقق شرايط صحة البيع بحيث لا يشتمل على احتمال الزيادة والنقصان المستلزمين للربا. ثم ظاهر هذه العبارة يدل على جواز بيع امثال هذه المذكورات من غير العلم بوزن كل واحد، بل المجموع ايضا (2)، مع انهم قد اشترطوا ذلك في محله، فكأنه في المجموع معتبر لما تقدم، لا في الاجزاء فتأمل. وايضا ظاهرها انه من بيع الصرف فلابد من التقابض قبل التفرق. ويمكن ان يقال: انه ليس من ذلك، لانه عرفا لا يطلق بيع الاثمان والذهب والفضة على نحو ذلك خصوصا المركب المحلى والسيف، فتأمل. فان في السيف المحلى خبر دال على ان مقدار ما فيه من النقد (ما فيه خ) صرف. وهو خبر ابي بصير قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن بيع السيف المحلى بالنقد؟ فقال: لا باس به، قال: وسالته عن بيعه بالنسية؟ فقال: إذا نقد مثل ما في فضته (قبضته خ ل يب)، فلا بأس به، أو ليعطي الطعام به (3). والطريق الى ابي بصير صحيح، ولكن انه يحيى بن ابي القاسم المكفوف الواقفي، بقرينة نقل شعيب بن يعقوب العقرقوفي عنه، لانه قائده وابن اخته والراوي

(1) في النسختين المخطوطتين (والظاهر تحقق الخ) وما اثبتناه اصوب. (2) فان قوله قدس سره (ان جهل قدر كل منهما) قد يصدق على الجهل بالمجموع أيضا. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 من ابواب الصرف، الحديث 3.

[ 312 ]

[ والمراكب المحلاة أو السيوف تباع بغير جنس الحلية مع الجهل، أو بالجنس مع العلم والزيادة، أو الاتهاب. ولو كان له عليه دراهم فاشترى بها دنانير أو بالعكس صح وان لم يتقابضا. ] عنه (1). وهذه تدل على اعتبار النقد في الفضة والذهب سواء كانا منفردين بحيث يصدق الاسم ام لا كاعتبارهما في الربا، الا ان يكون مضمحلا جدا، كما في الجدران وسقوف البيوت فلا يعتبران، وسيجئ خبر آخر في ذلك. ويمكن عدم اعتبار الوزن في امثاله، لعدم تعارف الوزن فيها، وان كان، فيقيد بذلك كسائره. قوله: " والمراكب المحلاة الخ " قد علم مما تقدم معناه ودليله، وانه معلوم ان ليس المراد - ببيعه بغير الجنس مع الجهل وبجنس حلية السيف والمركب مع العلم بشرط الزيادة، أو اتهاب ما يحلى به - الحصر في ذلك، بل السهولة وكونه ارغب، ولا يجوز مع الزيادة مطلقا كما مر. قوله: " ولو كان له عليه دراهم الخ " يعني إذا كان لزيد مثلا على عمرو في ذمته دراهم فضة، وقال: اشتريت منك الدنانير بها، صح الصرف، ولا يحتاج الى التقابض، بان يوكله في قبضه له الدنانير، ولا لتعيينه لنفسه ما به الدنانير من الدراهم وان كان مطلقا وفي الذمة، ولا الى مضى زمان يسع التقابض، فلو تفرقا قبله لم يبطل ويطالبه بالدنانير لحصول القبض. وفيه تأمل واضح، لان الدراهم وان كانت مقبوضة، ولكن الدنانير غير

(1) سند الحديث كما في الكافي (عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن شعيب العقرقوفي عن ابي بصير).

[ 313 ]

[ ولو زاد الثمن عن المقدر بما تجري العادة به فهو للبايع، والا فللمشتري. ] مقبوضة للمشتري، فما حصل التقابض، وهو قبض كل واحد مال الاخر الذي انتقل إليه بواسطة البيع والشراء وهو ظاهر. نعم يمكن ذلك لو وكله في القبض والتعيين للمشتري الدنانير، بل ينبغي تعيينه الدراهم ايضا ثم القبض لنفسه قبل التفرق. ويمكن ان يكون المراد، ان يكون الدنانير ايضا في ذمة المشتري، فهي ايضا مقبوضة له، وحينئذ يكون كل المال المنتقل الى الاخر مقبوضا له. والظاهر حينئذ صحة البيع وعدم الاحتياج إلى التوكيل للتعيين والقبض، ولا الى مضى زمان، لصدق القبض المفهوم من الاخبار التي هي دليل اصل الحكم، لانه يصدق انه باع يدا بيد والمبيع والمشتري مقبوض لهما، وانه اخذ قبل التفرق، وهو ظاهر من غير فرق بين المتجانسين المتساويين والمختلفين مطلقا الا انه يجئ فيه الاشكال من جهة انه حينئذ بيع دين بدين، والظاهر عدم جوازه. قوله: " ولو زاد الثمن الخ " كانه مأخوذ من العادة والمسامحة في المعاملة بالقدر القليل، ولهذا يستحب اخذ الناقص واعطاء الزايد، فقد يكون اعطاء الزيادة للاستحباب. وايضا قد يكون ذلك لاختلاف الموازين فانه كثيرا ما يكون كذلك وكذا الحال في المبيع. واما إذا كان كثيرا فمحمول على الغلط والسهو، فهو مال للمالك، والظاهر كونه امانة في يد الاخر فيكون يده يد امانة، فيحفظه على طريق الامانات، فلا يضمن الا مع التفريط والافراط. ويفهم من قول بعض الاصحاب: انه امانة شرعية، الا ان يكون عمدا وعلما من المالك، فوجب اعلام صاحبه فوريا أو ايصاله إليه مع الامكان، فلو ترك

[ 314 ]

[ وروي تجويز بيع درهم بدرهم مع شرط صياغة خاتم. ] يأثم ويضمن. وفيه تأمل، لانه تكليف شاق، والاصل عدمه، ولانه قد يتلف في الطريق الذي يريد ايصاله إليه، مع انه غير مأذون. وان امكن ان يقال: الظاهر انه محسن غير مفرط، إذ الغرض ذلك مع الامن من التلف في الطريق، وان الغالب رضا صاحبه بذلك. ولا يبعد وجوب الاعلام أو الرد في صورة الجهل أما فوريا فغير ظاهر، نعم ينبغي ذلك بحيث لا يفوت غرض متعلق بذلك المال، ولا يعد القابض مهملا ومقصرا. والظاهر انهما يصيران شريكين بالنسبة. ويحتمل ثبوت الخيار لمن عنده الزيادة، للتعيب بالشركة. ولعله اريد القدر القليل المتسامح به (1)، لما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن فضول الكيل والموازين؟ فقال: إذا لم يكن تعديا (تعدى يه خ) فلا باس (2). وحسنة علي بن عطية قال سالت ابا عبد الله عليه السلام: فقلت: انا نشتري الطعام من السفن ثم نكيله فيزيد؟ قال: فقال لي: وربما نقص عليكم؟ قلت: نعم، قال: فإذا نقص يردون عليكم؟ قلت: لا، قال: لا باس (3). قوله: " وروي تجويز بيع درهم الخ " اشارة الى انه قد تقرر عندهم ان الزيادة مطلقا هنا هو ربا سواء كانت عينا أو منفعة، الا انه قد وردت رواية بجواز

(1) اي في كلام المصنف. (2) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 27 من ابواب احكام العقود الحديث 3. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 27 من ابواب احكام العقود، الحديث 2 وفي الفقيه (الحسن بن عطية) بدل (علي بن عطية).

[ 315 ]

[... ] بيع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم، وقد عمل البعض بها مثل الشيخ رحمه الله، وعداها الى غير الصورة المذكورة من امثالها، وهو قريب من مذهب ابن ادريس الذي هو تحريم الزيادة العينية. والمشهور خلافه وعمومه في العينية والحكمية. لعل دليله عموم ادلة تحريم الربا وهو الزيادة مطلقا حتى ان الاجل زيادة وسيجئ تحقيقه. وهي رواية محمد بن الفضيل عن ابي الصباح الكناني قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقول للصائغ صغ لي هذا الخاتم وابدل لك درهما طازجا (1) بدرهم غلة (2)؟ قال: لا باس (3). ولعل المصنف متردد فيه كغيره، حيث قال: وروى. ويؤيده انها غير معلوم الصحة، لعدم العلم بتوثيق محمد، ولهذا لم يسم الاخبار التي هو فيه بالصحة، ولا بالحسن. ودلالتها ايضا على ما صورها غير ظاهرة، إذ ليس فيها بيع درهم بدرهم وشرط الصياغة، بل جعل صياغة خاتم الصايغ في مقابلة تبديل درهم جيد بدرهم ردي، الا ان يجعل التبديل كناية عن البيع، ويقال: لا فرق بين جعل الصياغة اصلا والبيع شرطا وبالعكس، وهو غير بعيد. ولكن بقي انه قد يكون صياغة الخاتم مقابلا لرداءة الدرهم الغلة، فكأنه باع درهما وجيادته بدرهم ردى مع الصياغة، فهو بيع جنسين بجنسين.

(1) في الحديث الدراهم الطازجية بالطاء الغير المعجمة والزاء والجيم اي البيض الجيدة وكانه معرب تازه (مجمع البحرين). (2) الغلة بالكسر الغش قاله في الصحاح (مجمع البحرين). (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الصرف، الحديث 1.

[ 316 ]

[ ولو اشترى بنصف دينار لزمه شق دينار، ولو اراد النصف صحيحا عرفا أو نطقا لزم. ] أو انه جبر نقص الردائة بالصياغة، فلا زيادة من احد الجانبين على الاخر، وهذا غير بعيد. ولكن ظاهر قوانينهم ان ليس الجيادة زيادة تجبر بشئ، ولهذا لا يتحقق الربا بين الجيد في غاية الجيادة والردى في نهاية الرداءة مع التساوي في المقدار ويتحقق مع التفاوت وان كان في جانب الردى بشئ يسير لا يقابل الجيادة التي في الجيد، وهو صريح كلامهم. نعم لو صحت الرواية يمكن الاقتصار عليها أو على امثالها أيضا قياسا. وعلى التقديرين (1) يكون هذه نكتة غير مطردة، أو لا يثبت الربا الا في العينية، أو اعتبر الجيادة وجعلت بمنزلة العين، ليتم العمل والتعدي، ولكن (في الصورتين الاخيرتين خ) في الحقيقة ليس دليله هذه الرواية. قوله: " ولو اشترى بنصف دينار الخ اي لو قال في الصيغة: اشتريت بنصف دينار مثلا، لزمه ان يشق الدينار بنصفين، فيعطي نصفه، لانه ظاهر في ذلك والالفاظ محمولة عليه، الا ان تكون قرينة تدل على غيره، بان يكون المتعارف في البلد نصف الدرهم (2) المسكوك الصحيح، أو نطق به وقال: اشتريت بنصف درهم مسكوك وكان موجودا، لزمه ذلك حينئذ، بل لا يبعد انصراف المطلق إلى غيره أيضا بحسب العادة كما هو الآن فانه يقال: نصف تبريزي يراد به اربع شاهيات ونصف دهنيم (3) ويراد به عثمانيا فلوسا وغير ذلك. وبالجملة يتبع العرف في ذلك كما في غيره.

(1) اي المذكورين في قوله قدس سره (ولكن قد بقى الى قوله وهذا غير بعيد). (2) هكذا في النسخ كلها والصواب نصف الدينار كما لا يخفى. (3) يگ قسمت از بيست قسمت: نيم عشر (لغت نامه دهخدا كلمه (5). [

[ 317 ]

[ وتراب الصياغة يباع بالنقدين معا، أو بغيرهما ويتصدق بالثمن لجهالة اربابه. والاثمان يتعين بالتعيين ] قوله: " وتراب الصياغة الخ " قد علم وجه بيعه بهما أو بغيرهما من الاموال، لا باحدهما فقط، لاشتماله على النقدين وعدم العلم بكون ذلك مشتملا على جنسه وزيادة تقابل ما سواه. ولو علم فالظاهر الصحة به أيضا كما تقدم، خصوصا في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (1). وتدل على ما ذكره ايضا - مع التصدق بالثمن المجهول اربابه - رواية علي بن ميمون الصايغ قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عما يكنس من التراب فابيعه، فما اصنع به؟ قال: تصدق به، فاما لك واما لاهله، قلت: فان فيه ذهبا وفضة وحديدا، فباي شئ أبيعه؟ قال: بعه بطعام قلت: فان كان لي قرابة محتاج اعطيه منه؟ قال: نعم (2). وكانه ترك بيعه بالنقدين، لبعد ذلك، ولظهور جوازه (لو فرض خ). ولا يضر عدم صحة هذا الخبر لوجود غيره كما عرفت. وقوله رحمه الله: (لجهالة اربابه) يدل على جواز التصدق في كل مجهول مالكه، كما هو مضمون الاخبار. قوله: " والاثمان يتعين الخ " دليله واضح لانه امر موجود محقق وقع العقد عليه، فينتقل هو بعينه الى من اشتراه أو باعه فلا يجزى البدل، وهو ظاهر متفق الاصحاب على الظاهر، وخلاف بعض العامة غير ملتفت إليه.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الصرف، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الصرف، الحديث 1.

[ 318 ]

[ فلو اشترى احد النقدين بالمثل معينا فوجده من غير الجنس بطل، وكذا لو باع ثوب كتان فخرج صوفا أو ابريسما ولو وجد البعض بطل فيه. ويتخير المشتري ولو كان منه معيبا فله الرد أو الامساك بغير شئ، وليس له رد المعيب وحده ولا الابدال. ] قوله: " فلو اشترى احد النقدين الخ " دليل بطلان الصرف لو قال: بعتك هذه الفضة بهذه وخرج المبيع (مثلا خ) غيرها مثل النحاس، ظاهر، إذ الذي وقع عليه البيع غير مراد، والمراد ما وقع عليه العقد وهو ظاهر. وتخيل تغليب الاشارة باطل، وكذا في كل بيع. أما لو كان البعض من الجنس والبعض من غيره، فلا شك في البطلان في البعض الغير الجنس، وظاهر كلامهم الصحة في البعض الذي من الجنس، لوجود شروط العقد فيه من غير مانع، واصل عدم توقف صحة البعض على البعض الاخر، ولان العقد على الكل بمنزلة العقد على كل جزء جزء، ولعله لا خلاف بينهم. وقد يتخيل ان الرضا انما حصل بالمجموع، وكذا العقد، لا بالبعض، وهو جار في كثير من المسائل، مثل بيع مال نفسه وغيره، فانهم يقولون بالصحة في ماله دون غيره، فتأمل. ولكن للمنتقل إليه الخيار، لتبعض الصفقة، وان لم يكن مشاعا فله ان يقبل البعض الذي من الجنس بقسطه من الثمن وان يرد الجميع ويأخذ ثمنه، ولعله اجماعي، وهو دليله، وليس له طلب بدل البعض من غير الجنس، لوقوع العقد عليه ولم يصح، فليس له عنده لا هو ولا غيره، وهو ظاهر، وكانه مجمع عليه ايضا. قوله: " ولو كان منه معيبا الخ " لو كان احد النقدين الذي وقع العقد على عينه من جنس ما وقع عليه العقد، مثل ان كان ذهبا، فخرج ذهبا، ولكن

[ 319 ]

[ ولو كان غير معين فوجده من غير الجنس فله الابدال قبل التفرق وبعده يبطل. ولو وجده (منه خ) معيبا فله الرد والامساك بغير ارش والبدل وان تفرقا. ] ذهبا معيبا لا خالصا، فللمنتقل إليه الخيار بين رد الكل وامساكه كما في سائر المعيبات، الا انه لا ارش هنا، لانه يلزم الربا، لان الغرض هو التساوي بين الجنسين والارش زيادة جزء - لذي الارش المعقود عليه حقيقة - عندهم، فكأنه وقع العقد بين الربويين مع التفاضل وان كان بعد مفارقة المجلس يلزم عدم الصحة في الارش من وجه آخر، وهو فوت شرط الصحة. وليس له ان يرد البعض المعيب من المبيع ان كان البعض مخصوصا بالعيب، لان العقد وقع على الكل، وتبعيض (وتبعض) الصفقة ضرر وعيب لا يلزم (لا يجوز) صاحبه الاجبار والالزام، للزوم الضرر. تأمل فيه، فانه قد يشم منه رائحة المخالفة، لما تقدم من الصحة في البعض والبطلان في البعض الاخر، ولان العقد وقع على انه صحيح، فكيف يصح في المعيب، وهو جار في كل المعيبات فتأمل. وكانه للاجماع والنص صح ذلك وثبت الخيار. وليس له هنا ايضا طلب بدل هذا المعيب، لما مر. قوله: " ولو كان غير معين الخ " يعني لو وجد احد النقدين المأخوذ على انه المنتقل إليه بالعقد مع عدم تعيينه فيه غيره، بان كان عشرين مثقالا ذهبا مثلا، فسلم المالك عشرين فوجد ذلك العشرين المأخوذ نحاسا. ليس له الا طلب ما اشتراه صحيحا، وهو المراد بالابدال. وهو ظاهر، لانه اشترى شيئا وما سلمه إليه فله مطالبته به، ولكن إذا حصل قبل التفرق صح البيع، والا بطل لفوت شرط الصحة. اما لو وجده من جنس ما وقع عليه العقد، وهو الذهب مثلا ولكن معيبا

[ 320 ]

[... ] غير خالص، فقال المصنف: فله الرد وابطال العقد رأسا، لانه قد تعين بالقبض، المقبوض لكونه مبيعا، فهو مبيع معيب يجوز الرد كما في غيره أو الامساك والرضا به من غير ارش، إذ في الارش ما مر. والظاهر ان له رد المعيب ايضا وطلب التبدال الصحيح ايضا قبل تفرق المجلس، وهو الظاهر ايضا، لانه انتقل إليه بالعقد الصحيح، وما وصل إليه فله طلبه. ولكن هل له ذلك بعد ذلك؟ قال المصنف: له ذلك لان المقبوض معين لكونه مبيعا وقد حصل الشرط، وهو قبض ما هو من جنس ما وقع عليه العقد قبل التفرق الا انه لما كان فيه نقصا عن حقه من جهة الوصف، جاز له مطالبة تلك النقيصة بأخذ العوض، وذلك غير ما وقع عليه العقد، فلا يحتاج صحة العقد الى قبضه قبل التفرق. وفيه تأمل لان بعد الرد انكشف عدم صحة القبض وعدم كونه متعينا لما وقع عليه العقد، والا ما كان له الرد وطلب التبديل، ولهذا قال في الدروس: الاقرب ان ليس له الابدال، فتأمل. ثم ان ظاهر المتن ان يكون له الرد وابطال العقد بالكلية كما في سائر المعيبات لما مر. وفيه تأمل لما علم من بطلان التعيين بالرد، وهو ظاهر، ولهذا نقل في الدروس عن المختلف الابدال دون الفسخ، وعلى تقدير بقائه لا ينبغي البدل. ويمكن ان يكون قوله (البدل) من تتمة قوله (فله الرد) قبل قوله (أو الامساك ذكره للتصريح بجواز ذلك بعد التفرق ايضا، وفيه بعد لفظا ولكنه قريب معنى، وامر اللفظ هين، فتأمل. وبالجملة لا منافاة بين اخذ البدل وتجويز الرد من غير بدل فافهمه.

[ 321 ]

[ ويجوز اخراج الدراهم المغشوشة مع جهالة الغش إذا كانت معلومة الصرف بين الناس. ولا يجوز إذا كانت مجهولة الصرف إلا بعد الاعلام. ] قوله: " ويجوز اخراج الخ " يعني يجوز المعاملة بالدرهم والدينار المشتملين على غش من غير جنسه واخراجهما والشراء بهما من غير اعلام، مع جهالة قدر الغش، ان كانتا معلومتي الصرف والبيع، بشئ معين عند الناس في بلد الصرف. ولا يلتفت إلى انه مغشوش، فيلزم الغش الذي هو حرام، أو الجهالة فيهما، إذ جهالة قدره مستلزمة لجهالة قدرهما. لقلة ذلك وجريان العرف به، وعدم الالتفات بمثل هذا المقدار بين الناس الى الان، ولانه قليلا ما يوجد الصافي بحيث لا غش فيه اصلا فيلزم تعطيل المعاملات لو شرط ذلك، ولانه المتداول من اول الدهر الى الان، فكان المثقال من الذهب مثلا عبارة عن مجموع من ذهب وغش ما. ولا يجوز لو كان مجهول الصرف اي لا يعلم انه بكم يؤخذ هذا من الذهب أو الفضة مثلا، للغرر والجهالة ويدل عليه الروايات ايضا وقد تقدمت مثل حسنة عمر بن يزيد (1) ومحمد بن مسلم (2) وصحيحة فضل (3) وعبد الرحمان بن الحجاج (4). ورواية حريز بن عبد الله قال: كنت عند ابي عبد الله عليه السلام فدخل عليه قوم من اهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: لا باس إذا كان جواز المصر (5).

(1 - 2 - 3 - 4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الصرف الحديث 4 و 2 و 9 و 7. (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الصرف، الحديث 10.

[ 322 ]

[ ويجوز أن يقرضه شيئا ويشترط أن ينقده بأرض اخرى. ] قوله: " ويجوز ان يقرضه الخ " اشارة الى ان القرض ليس ببيع صرف يحتاج إلى التقابض في المجلس، بل هو معاملة اخرى برأسه، وليس فيه التقابض قبل التفرق شرطا، وهو ظاهر، للاصل، ولانه قد شرع لاجل دفع الضرورة، إذ كثيرا ما لا يكون للانسان شئ فيستقرض ويقضى غرضه، ولو اشترط التقابض لا يبقى ذلك. ويدل عليه الاخبار ايضا مثل صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت: يسلف الرجل الورق على ان ينقدها اياه بارض اخرى ويشترط عليه ذلك؟ قال: لا باس (1).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الصرف، الحديث 1 وقريب منه الحديث 6 من تلك الباب.

[ 323 ]

[ المقصد الثالث في انواعها وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول: في النقد والنسية من باع مطلقا أو شرط تعجيل الثمن كان الثمن حالا. وان شرط التاجيل لزم ان كان مضبوطا، والا بطل. ] في النقد والنسية قوله: " من باع مطلقا الخ " اشارة الى بيع النقد والنسية، فان شرط الحلول والتعجيل أو أطلق لزم كون الثمن حالا وكذا المثمن، وهو النقد، وان اجل الثمن فقط فهو النسية، أو المثمن فقط فهو السلف والسلم ولا فرق في لزوم الدفع في الحال على سبيل العرف بين ذكر التعجيل أو اهماله فيهما، فان الاطلاق ينصرف الى التعجيل، وتقييده ما يفيد إلا التأكيد. وقال في الدروس: فان شرطه تأكد، وافاد التسلط على الفسح إذا عين زمان النقد فاخل المشتري به. لعله نظر الى انه شرط مثل سائر الشروط، فلو اخل به من اشترط عليه حصل لصاحبه الخيار، فان فائدة الشرط هو اللزوم من جانبه، والخيار له على تقدير عدم اتيان من شرط عليه به. ولا يجب عليه الاتيان بالشرط، بل له ان لا يفعل فيفسخ صاحبه كما فهم

[ 324 ]

[... ] من حاشيته على الدروس. وفيه تأمل، لان ظاهر دليل الشرط، هو اللزوم والوجوب، مثل (اوفوا بالعقود) و (المسلمون عند شروطهم) فيمكن ان يجب عليه ويعاقب بتركه، ويجبر على ذلك، وان كان موجبا لجواز الفسخ للمشترط بعد العذر، بل قد يحظر بالبال عدم جوازه في مثل شرط العتق، إذ فيه حق لله وحق للبعد أيضا فكيف يجوز له ابطاله. وقد يتخيل ايضا بطلان البيع بنفسه، لعدم تحقق الشرط، الا ان الظاهر ان الشرط ليس بشرط صحة العقد حتى يبطل البيع بعدمه، والا لم يصح بدونه في مثل شرط العتق، فانه فرع صحة العقد وبعده، وإذا كان العقد موقوفا عليه يلزم الدور، فكأنه عقد وشرط، وقصد لزوم العقد معه من صاحبه مع اتيان الاخر به، وجواز الفسخ له بدونه، وهذا هو المفهوم من كلامهم عند ذكر احكام الشرط. واما عباراتهم في ذكر الشرط وايقاع الصيغة مع الشرط فلا تفيد ذلك، بل قاصرة عن ذلك وهو ظاهر لمن تأمل كلامهم، فتأمل. ولان جواز الفسخ إذا اخل المشتري باعطاء الثمن في الزمان المعين غير ظاهر - إذا سلم في الشروط لاجماع ونحوه - لاحتمال عدم دخوله في الشرط الموجب لذلك عندهم، ولو دخل فالظاهر عدم الفرق بينه وبين عدمه مع التعجيل والاطلاق، بل مع التاجيل ايضا بعد حضور الاجل، إذ لا شك ان المقصود والمفاد وصريحه، لزوم الاعطاء بعد العقد بلا فصل، وبعد الاجل عرفا، وانتقال المبيع إليه بذلك الشرط، وليس مفاد الاعطاء في زمان معين اكثر من ذلك، بل هو بعينه. الا انه قد يستفاد من التعيين عدم لزوم الاعطاء قبله وعدمه يفيده دائما، فهذا لو لم يكن مؤكدا للمقصود من لزوم جواز الفسخ (1)، لم يكن مضعفا له، بل

(1) هكذا في اكثر النسخ ولعل الصواب (من جواز الفسخ) وفي بعض النسخ المخطوطة (من لزوم الفسخ).

[ 325 ]

[... ] هذا المعنى بعينه موجود في الاجل، وهو ظاهر. وبالجملة مقتضى العقد اللزوم لما مر وعدمه يحتاج الى دليل وفعل غير مشروع، والخروج عن مقتضى الشرع لا يستلزم جواز الفسخ، بل يجبر على اداء الحق ويلزم به كما في سائر الحقوق، فان تعذر استيفاء الثمن في وقته بوجه يمكن التصرف في المبيع والاخذ منه على طريق المقاصة بشرائطها. نعم لو قيل بعدم لزوم البيع في الاصل حتى يقبض الثمن أو كان باذلا، فإذا امتنع كان للآخر الفسخ كما يقال ذلك في التسليم، فانه لا يجب التسليم حتى يتسلم، وقيل: يجب على البايع اولا، وليس بثابت، والظاهر الزامهما معا، أو الزام احدهما بالتسليم الى الحاكم أو الامين حتى يتسلم العوض ونحو ذلك. لكان وجها (1)، لان الاصل عدم اللزوم وبالعقد يتحقق الملك واللزوم غير لازم منه، والذي قيل في اللزوم بالعقد مما يمكن المناقشة فيه (2). وكذا ما قيل: ان الغرض هو التصرف ولا يتم الا باللزوم، إذ (3) على تقدير عدمه قد يخاف من الرجوع، فلا يتصرف. لانه وان سلم ذلك، يبذل العوض حتى يتم مقصوده، وسقوط المقصود بسبب تقصيره في البذل، لا ينافي كون ذلك غرضا للشارع، وهو ظاهر. وبالجملة يكون لازما مع البذل وجائزا مع الامتناع، فيجوز للآخر الفسخ. ويؤيده الاصل وعدم الضرر على الممتنع وحصوله على الآخر، فتأمل. الا ان في صحيحة على بن يقطين انه سأل ابا الحسن عليه السلام عن

(1) جواب لقوله قدس سره قبل اسطر (نعم لو قيل). (2) وفي بعض النسخ بعد قوله (مما يمكن المناقشة فيه) ما لفظه (وفي نسخة: لان الاستصحاب على تقدير التسليم هنا لا يفيد اللزوم). (3) هكذا في النسخة المطبوعة، وفي النسخ المخطوطة (أو) بدل (إذ) والصواب ما اثبتناه.

[ 326 ]

[ وان شرط التأجيل لزم ان كان مضبوطا، والا بطل. ] الرجل يبيع البيع، فلا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال: (فان ئل) الاجل بينهما ثلاثة ايام فان قبض بيعه، والا فلا بيع بينهما (1). وقريب منها رواية اسحاق بن عمار (2). وكذا في رواية زرارة لزوم البيع ثلاثة ايام، وانفساخ العقد بعدها (3). وكانه محمول على الخيار وعدم اللزوم، لكن مع عدم قبض المبيع ايضا، فالعمل بهما لا باس به، كما فعل في الاستبصار، وحمل على الاستحباب رواية علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى جارية وقال: اجيئك بالثمن، فقال: ان جاء فيما بينه وبين شهر، والا فلا بيع له (4). وقوله عليه السلام: (فلا بيع له) (5) الخيار في البطلان وان كان ظاهرها يدل على بطلان البيع عن رأس بعد شهر مع الاطلاق، والقائل به ايضا غير ظاهر. وفي السند أبو اسحاق وهو مذكور في باب الكنى من القسم الاول من غير مدح ولا ذم، ومحمد بن ابي حمزة وهو مشترك بين البجلي الثقة والثمالي المهمل (6). فحمل الشيخ غير بعيد. قوله: " وان شرط التاجيل الخ " قد ادعى الاجماع في التذكرة على جواز بيع مؤجل الثمن مستندا إلى دعوى الضرورة إليه، إذ قد يحتاج الانسان الى شئ وليس عنده الثمن، ومعلوم جواز ذلك من عموم ادلة البيع ايضا، وخصوص السلف،

(1) و (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 3 - 4. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 1. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 6. (5) يعني اريد من قوله عليه السلام (فلا بيع له) الخيار. (6) سند الحديث كما في التهذيب (محمد بن احمد بن يحيى عن (ابن يب) ابي اسحاق عن ابن ابي عمير عن محمد عن ابي حمزة عن علي بن يقطين).

[ 327 ]

[ ويبطل لو باعه بثمنين الى اجلين، أو الى اجل بثمن وحالا بدونه. ] والبيوع المؤجلة الواقعة ايضا. واما دليل كون الاجل مضبوطا فكأنه الاجماع ايضا مستندا الى لزوم الغرر المنفي بالخبر (1) وغيره لان للاجل قسطا من الثمن عند التجار، فيتفاوت الغرض ويحصل الغرر باجماله وبذكر ما لا ينضبط مثل قدوم الحاج وادراك الغلات، ولانه قد يؤل الى النزاع والتشاجر، فيبطل حينئذ لو باع باجل مجهول. ثم قيل: لا فرق في الصحة في الاجل المعين بين القليل والكثير، مثل الف سنة، وان علم عدم بقاء العاقد إلى ذلك الوقت، للعموم، وانتقاله إلى الوارث، وحلوله بموت المشتري على ما تقرر عندهم، ومنعه بعض العامة. قوله: " ويبطل لو باعه الخ " ظاهر الاكثر البطلان في المسئلتين كما في المتن. ووجهه يظهر مما تقدم، وهو لزوم الغرر المنهى، والجهل بالثمن، ووقت الانتقال، لانه مردد. ويؤيده ما نقل عن العامة (2) والخاصة من النهي عن بيعين في بيع واحد (3) وقد فسر بمثل ذلك. ولكن ذهب جماعة إلى الصحة، وانه إذا وقع على هذا الوجه، وقبل المشتري يلزمه اقل الثمنين بابعد الاجلين، والمؤجل، للرواية في الثانية وحملت الاولى

(1) عوالي اللئالي ج 2 ص 248 الحديث 17. (2) سنن الترمذي ج 3، كتاب البيوع (18) باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة الحديث 1231 ولفظ الحديث (عن ابي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عن بيعتين في بيعة. وقال في شرح الحديث: وقد فسر بعض اهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة انه يقول: ابيعك هذا الثوب بنقد بعشرة وبنسيئة بعشرين إلى اخره. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العقود، الحديث 4 - 5.

[ 328 ]

[... ] عليها لعدم الفرق. وهي رواية النوفلي عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السلام ان عليا عليه السلام قضى في رجل باع بيعا واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسية كذا، فأخذ المتاع على ذلك الشرط؟ فقال: هو باقل الثمنين وابعد الاجلين. يقول: ليس له الا اقل النقدين إلى الاجل؟ الذي اجله بنسية (1). في قوله: بابعد الاجلين، تغليب ومسامحة، فانه ليس الا اجل واحد، واشار الى ذلك بقوله: يقول: ليس له الا اقل النقدين اي الثمنين إلى الاجل الذي الخ. وقال في التذكرة: وهي ضعيفة جدا، لضعف النوفلي والسكوني. ورواية عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: من باع سلعة وقال: ان ثمنها كذا وكذا يدا بيد، وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها باي ثمن شئت واجعل صفقتها واحدة، فليس له الا اقلهما وان كانت نظرة، قال: وقال عليه السلام: من ساوم بثمنين احدهما عاجلا والآخر نظرة، فليسم احدهما قبل الصفقة (2). لعل معناه انه يبين كل واحد منهما قبل وقوع البيع، وهذه ما ذكرها في التذكرة. واظن حسن سندها، لان الظاهر ان محمد بن قيس هو الثقة الذي ينقل عنه عاصم بن الحميد قضايا امير المؤمنين عليه السلام، وانه الذي طريق الفقيه إليه صحيح، لان الطريق الواصل إليه في مشيخة الفقيه يصل إليه بنقل عاصم المذكور عنه.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العقود، الحديث 2. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العقود، الحديث 1.

[ 329 ]

[... ] وبالجملة قد علم بقرائن متعددة - وقد ذكرت من قبل بعضها وقد حققتها في محله - ان محمد بن قيس الذي ينقل عنه عاصم المذكور خصوصا قضايا امير المؤمنين عليه السلام هو البجلي الثقة، دون الضعيف وان نقل هو ايضا عن ابي جعفر عليه السلام، ولا يضر وجود ابن ابي نجران، لان الظاهر انه عبد الرحمان بن ابي نجران الثقة (1)، لان الظاهر انه ليس بكنية شخص آخر وبقرينة ما قبله وما بعده. وبالجملة الظاهر اعتبار سندها، ولكن في مضمونها تأمل، وان عمل به جماعة، لان المالك انما رضي بالبيع بالثمن الكثير نظرة، فكيف يلزم باقلهما نظرة، ومعلوم اشتراط رضا الطرفين في العقد، ولا يحل مال امرء الا بطيب نفس منه. والحاصل ان الادلة العقلية والنقلية كثيرة على عدم العمل بمضمونها، فلا يعمل بها ان كانت صحيحة، فكيف العمل بها مع كونها حسنة لوجود ابراهيم بن هاشم لو سلم ما تقدم، وان كان الظاهر ان ابراهيم لا بأس به وما تقدم صحيح. وتقديم مثل هذه على الادلة العقلية والنقلية وتخصيصهما بها والحكم بصحة البيع لا يخلو عن شئ، لاجل ذلك. لا لانها مستلزمة للجهالة والغرر كما فهم من التذكرة، لان دخوله تحت الغرر المنفي والجهل الممنوع غير ظاهر، لان الاختيار إليه، وعلى كل من التقديرين الثمن معلوم، على انه قد تقرر ان له الاجل بالاقل. ولا لان في سندها جهالة أو ضعفا كما قال في شرح الشرايع، لان ذلك غير ظاهر. بل الظاهر ما عرفت.

(1) سند الحديث كما في الكافي هكذا (علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام). [

[ 330 ]

[ ولو باع نسية ثم اشتراه قبل الاجل من غير شرط في العقد صح، بازيد وانقص حالا ومؤجلا. ] فينبغي اما العمل بمضمونها وفيه بعد، واما تأويلها، فتأمل. قوله: " ولو باع نسية الخ " الظاهر عدم الخلاف في صحة البيع لو اشترى الانسان ما باعه نسية قبل الاجل بازيد مما باعه، أو انقص، والمثل حالا ومؤجلا، بجنس ما باعه وبغيره، بشرط ان لا يشترط في العقد الاول بيعه عليه. فكان الاجماع دليله، وكذا ادلة صحة العقود، مثل (اوفوا) (1) و (احل الله البيع) (2) و (الناس مسلطون على اموالهم) (3) و (التجارة عن تراض) (4) وغير ذلك، مع عدم المانع من ذلك عقلا ولا شرعا. والظاهر ان البطلان مع الشرط كذلك (5)، وان لم يتم ما استدل به من لزوم الدور، وعدم قصد الخروج عن ملكه لتعلقه بشراءه بعده. إذ الدور انما يلزم ان لو كان صحة العقد موقوفة على الشرط، والذي تقرر عندهم توقف سقوط خيار ونحوه، كذا قيل في شرح الكتاب وشرح الشرايع. وان امكن دفعه بان الظاهر من الشرط في العقد، والبيع بالشرط هو توقف صحته، لا لزومه وما قيل من اللزوم في المواضع، للاجماع وغيره، وقد لا يسلم الاجماع هنا على كونه شرطا للزوم. وكذا القصد، فانه كان شرطا لاصل العقد على ما قلناه، فلا شك في عدم تحقق القصد باخراجه عن الملك، لانه مشروط فلا يحصل قبله، فتأمل.

(1) سورة المائدة / 1. (2) سورة البقرة / 257. (3) عوالي اللئالي ج 1 ص 222 ح 99 وص 457 ح 198 وغيرهما فلاحظ. (4) سورة النساء / 29. (5) في هامش بعض النسخ المخطوطة هكذا (قد اشير إليه في شرح المتن للشهيد رحمه الله).

[ 331 ]

[... ] واما على تقدير ما قيل، فظاهر تحققه. إذ حاصل الشرط حينئذ عدم سقوط الخيار واللزوم مع انتقاله إليه، وذلك لا ينافي انتقاله إليه مرة اخرى، وهو صحيح ظاهر. ثم ان قلنا الاعتبار بهذا الشرط وسائر الشروط الفاسدة المفسدة والصحيحة المصححة، انما هو بذكرها في نفس العقد. ولا يبعد اعتباره لو ذكر قبل العقد، مع ايقاع العقد منهما على ذلك الشرط متذكرا له ايضا. ولو كان الايقاع على ذلك في قصدهما مع عدم الذكر، فالظاهر انه كذلك، فان حكمه الذكر، لان الرضا ما حصل الا معه بالقصد مع علم الطرفين بذلك حينئذ، فلا يحصل الا معه، فيصح مع صحته ويبطل ببطلانه. نعم ان كان في بالهما ذلك، وما ذكرا وما وقع العقد على ذلك الوجه قصدا وما حصل التراضي الا به، فلا يؤثر (1)، فتأمل.

(1) توضح قوله قدس سره (الظاهر عدم الخلاف) إلى قوله (فلا يؤثر). ان نقول: الصور التي يستفاد من عبارته قدس سره في المسألة خمسة. اوليها صحيحة بالاجماع، وثلاثة منها باطلة عنده قدس سره، وواحدة صحيحة ايضا عنده. (الاولى) صحة بيع ما اشتراه نسية قبل الاجل مطلقا، إذا لم يشترطا في العقد الاول بيعه عليه، وهي اجماعية. (الثانية) البطلان مطلقا مع الشرط المذكور في نفس العقد لفظا. (الثالثة) البطلان ايضا مع ذكر الشرط قبل العقد مقاولة وايقاع العقد مبنيا عليه وان لم يذكراه لفظا حين العقد. (الرابعة) البطلان ايضا لو كان ايقاع العقد بذلك؟ قصد إذا كان كل واحد منهما يعلم قصد الاخر ذلك وان لم يكونوا قد ذكرا قبل العقد، أو اوقعاه مبنيا عليه. (الخامسة) اصحة إذا كان كل واحد منهما قاصدا لذلك من دون علم بقصد الاخر ذلك والصحة في هذه الاخيرة كالبطلان في الثلاثة قبلها استظهاري، وفي الاولى اجماعي، والله العالم.

[ 332 ]

[ ولو حل الأجل فاشتراه بغير الجنس صح، سواء ساواه أو لا، وان كان بالجنس صح مع المساواة، والاقوى الجواز مع التفاوت. ] ويؤيد ما قلناه صحيحة يعقوب بن شعيب الثقة قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام قلت له: اعطى الرجل له الثمرة (الثمن قيه) عشرين دينارا واقول له: (على ان اقول له كا) إذا قامت ثمرتك بشئ فهي لك (لي) بذلك الثمن ان رضيت اخذت وان كرهت تركت، فقال: أما (وما كا) تستطيع ان تعطيه ولا تشترط شيئا؟ قلت: جعلت فداك لا يسمى شيئا (و - كا قيه) الله يعلم من نيته ذلك، قال: لا يصلح إذا كان من نيته (ذلك كا) (2). واما بعد الحلول، فالظاهر ان لا كلام ايضا في صحة شراء البايع الاول إذا اشتراه بغير جنس الثمن الاول الذي باعه وما اخذ، سواء كان بالازيد أو الاقل أو المساوي حالا ومؤجلا. واما بالجنس ففيه الخلاف، فذهب الشيخ إلى عدم الجواز وعدم الصحة مع التفاوت مطلقا، سواء كان مع الزيادة أو النقيصة، ودليله الروايات، والجمع بينهما بحمل ما يجوز على المساوي وما لا يجوز على التفاوت. مثل رواية خالد بن الحجاج قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل بعته طعاما بتأخير إلى اجل مسمى فلما جاء (حل ئل) الاجل اخذته بدراهمي، فقال: ليس عندي دراهم ولكن عندي طعام فاشتره مني فقال: لا تشتره منه فانه لا خير فيه (2). وهذه مع عدم صحة سندها، وعدم صراحتها في المطلوب - لانها مخصوصة بالطعام، وكانه لذلك خص التحريم البعض بالطعام على ما نقل في بعض

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب بيع الثمار، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 12 من ابواب السلف، الحديث 3.

[ 333 ]

[... ] الحواشي، وليست في الطعام الذي مال المشتري الذي فيه النزاع - معارضة باصح منها واكثر، والتأويل المذكور لا تأييد له بوجه. ويمكن الجمع بوجوه اخر، مثل الكراهة، والربا المذكور في الاستبصار ما نفهمه، الا ان يخرج عن المسألة المفروضة، ولهذا ذهب الاكثر إلى الجواز والصحة، وما تقدم من ادلة عموم جواز البيع دليله. وتدل عليه بالخصوص رواية بشار بن يسار قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع المتاع بنسأ، فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال: نعم لا باس به فقلت له: أشترى متاعي؟ فقال: ليس هو متاعك، ولا بقرك ولا غنمك (1). وهذه ظاهرة في جواز الشراء بالزيادة والنقيصة ايضا. وقال بعد ذلك في الكافي والتهذيب بسند آخر عن بشار بن يسار عن ابي عبد الله عليه السلام: مثله. وهذا السند صحيح (2) لان شعيب الحداد الذي فيه، هو شعيب بن اعين الثقة، والباقي ظاهر التوثيق. ويمكن الجمع والتأويل بحمل ما ينافي ذلك على الكراهة، ويؤيده اخبار اخر. ولكن قد يوجد في اخبار السلم الذي عجز صاحبه، ليس له الا ثمنه أو ما اشتراه لا ازيد الا ان دلالتها على ما هنا يحتاج إلى تكلف، مع انها ايضا معارضة،

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب احكام العقود، الحديث 3. (2) سند الحديث كما في الكافي هكذا (أبو علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن شعيب الحداد عن بشار بن يسار عن ابي عبد الله عليه السلام). (3) راجع الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف.

[ 334 ]

[ ولا يجب دفع الثمن قبل الاجل ولا قبضه. ويجب بعد الاجل، فان امتنع دفعه إلى الحاكم، فان تلف عند الحاكم فمن البايع. ] وسيجئ ان شاء الله، فتأمل. قوله: " ولا يجب دفع الثمن الخ " عدم وجوب دفع الثمن قبل الاجل في النسية معلوم، لانه فائدة الاجل بل لا يجوز طلبه، لوجوب الايفاء بالشرط والعقد والعهد. وكذا لا يبعد عدم وجوب قبضه على البايع لو دفع إليه المشتري قبل الاجل لما تقدم. وقد يتخيل الوجوب لان الاجل لرعاية حال المشتري والترفه له كالرخصة له، لا لاجل البايع، ولهذا يزاد الثمن، فإذا حصل الثمن الزائد للبايع نقدا فهو غاية مطلوب التجار، فلا ينبغي الامتناع عنه. وايضا قد يتضرر المشتري بعدم الاخذ. ولان الظاهر ان الحق ثابت والاخذ مع دفع صاحبه واجب عندهم عقلا ونقلا، وقد افاد الاجل عدم وجوب الدفع، لا عدم وجوب الاخذ، فتأمل. ولان الظاهر من قولنا بعتك هذا بكذا إلى مدة كذا، ان زمان الاداء إلى تلك المدة توسعا (موسعا خ ل) فذلك الزمان نهاية الاجل للتوسعة، بمعنى عدم التضييق الا في ذلك الزمان كالواجبات الموسعة، ولا شك ان الاخذ احوط الا مع ظهور ضرر عليه. قوله: " ويجب بعد الاجل الخ " اي يجب دفع الثمن على المشتري بعد الاجل مع الطلب ويجب على البايع اخذه حينئذ، فان امتنع المشتري رفع امره إلى الحاكم ليأخذه له، وان تعذر فالظاهر ان له الأخذ على وجه قهري أو مقاصة، ان تمكن منه، ولكن يجب مراعاة الاسهل فالاسهل، فان وجد الجنس المساوي

[ 335 ]

[ وكذا كل حق حال أو مؤجل حل فامتنع صاحبه من قبضه. ] لا يتعدى إلى غيره، وان امكن رضاه على وجه بتوسط (يتوسطه خ) بعض الناس، لا يفعل غيره. ولا يرجعه حينئذ إلى حكام الجور والطاغوت المنهي عنه في الاخبار الكثيرة (1)، بل لا ينبغي الاقتضاء، والتضييق عليه ان كان مؤمنا، للنهي عن ذلك والترغيب إلى التسامح معه في القضاء والاقتضاء وسائر المعاملات (2). وان امتنع البايع عن الاخذ دفع الثمن إلى الحاكم الشرعي وبذلك تبرء ذمته، فان تلف، فمن مال البايع ولا ضمان على المشتري ولا على الحاكم لانه وكيله وهو امين. وكذا في كل حق لازم القبض، ثمن مبيع أو غيره. ولعل دليله اعتبار العقل والاجماع. فان تعذر يمكن ان يخلى عنده بحيث يسهل عليه اخذه ويرفع يده عنه ويسلط صاحبه عليه، فلا يضمن، بل يخرج عن العهدة، فيجب عليه اخذه، والا يكون مضيعا لماله. بل يمكن جواز ذلك مع امكان الحاكم ايضا، لوجوب الأخذ عليه، وهو متمكن فلا عذر له، فان الممتنع عن اخذ حقه مع امكانه هو مضيع لماله، والاصل عدم وجوب الدفع إلى الحاكم الذي هو الوكيل مع وجود الموكل وامكان تسلمه، وقد اشار إليه في التذكرة في احكام السلف. لعلي رايت خبرا دالا على ان يخليه عنده من غير قيد تعذر الحاكم وعدمه، وتخصيصه به يحتاج إلى دليل غير ما مر، فتأمل، نعم لا شك ان ذلك احوط.

(1) الوسائل، ج 18 كتاب القضاء، الباب 1 من ابواب صفات القاضي فراجع. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب 42 من ابواب آداب التجارة، الحديث.

[ 336 ]

[ ويجوز بيع المبتاع حالا ومؤجلا بازيد من ثمنه أو انقص مع علمهما بالقيمة. ] قوله: " ويجوز بيع المبتاع الخ " ظاهرها ان شرط العلم بالقيمة، لجواز البيع بالزيادة والنقيصة. ويمكن الجواز مطلقا ويكون للمغبون الغير العارف خيار الغبن. ويحتمل ان يريد بقوله: (يجوز) جوازا يترتب معه جميع احكام البيع حتى سقوط خيار الغبن، فيرجع إلى ان العلم شرط اللزوم. والظاهر ان المراد بالزيادة والنقيصة ما لا يؤدي إلى الاسراف وان كان عدم ادائهما إليه بان ينضم إليه غرض صحيح شرعي، أو لا يصلان إلى مرتبة السرف والاسراف، فتأمل. ثم اعلم ان ظاهر هذه العبارة جواز بيع المبتاع والمشتري مطلقا قبل القبض وبعده في المكيل طعاما كان أو غيره، اولا، بيع تولية وغيرها. والمسألة مشكلة، وفيها اقوال، والروايات مختلفة، يمكن القول بالجواز كما هو الظاهر مطلقا، مع الكراهة في المكيل خصوصا الطعام، سواء اريد به الحنطة والشعير كما هو مصطلح في كلام البعض، أو ما يطلق عليه لغة وعرفا، وبيع المرابحة، إذ غير التولية اشد. والوجه هو الجمع بين الادلة، فان عموم القرآن والاخبار الدالة على جواز البيع، يدل على الجواز، مع الاصل والعقل المؤيد لهما، وبان الناس مسلطون على اموالهم، وحصول التراضي، مع عدم المانع عقلا، وعدم الخروج عن قانون وقاعدة. ويزيده تقوية ما ورد في الاخبار الصحيحة من جواز بيع ما اشتراه، مثل صحيحة منصور بن حازم بن ابي عبد الله عليه السلام في رجل امر رجلا يشتري له متاعا فيشتريه منه؟ قال: لا باس بذلك انما البيع بعد ما يشتريه (1).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب احكام العقود، الحديث 6.

[ 337 ]

[... ] وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل اتاه رجل فقال: ابتع لي متاعا، لعلي اشتريه منك بنقد أو نسية، فابتاعه الرجل من أجله؟ قال: ليس به باس، انما يشتريه منه بعد ما يملكه (1). ولا يخفى ان في الابتياع مسامحة بان يشتري ثم هو يشتري منه كما هو ظاهر، وان قوله: بعد التملك وبعد الشراء، كالصريح في الجواز قبل القبض مطلقا فافهم. ويدل عليه ايضا صحيحة محمد الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل ان يأخذها؟ قال: لا باس به، ان وجد ربحا فليبع (2). وصحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام انه قال في رجل اشترى الثمرة ثم يبيعها قبل ان يقبضها؟ قال: لا باس (3). ولا يخفى ان الثمرة مكيل، بل طعام على بعض الاطلاقات، وان الاولى صريحة في الجواز مع ارادة المرابحة ايضا، فيحمل ما يدل على عدم جوازها، على شدة الكراهة للجمع. فتأمل فيهما، فاني ما رايت الاستدلال بهما الا بالاخيرة في التذكرة. ويؤيد الجمع رواية ابي بصير قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل ان يكيله؟ فقال: لا يعجبني ان يبيع كيلا أو وزنا قبل ان يكيله أو يزنه الا ان يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع، وما كان من شئ عنده ليس بكيل ولا وزن فلا باس ان يبيعه قبل ان يقبضه (4).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب احكام العقود، الحديث 8. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الثمار، الحديث 2. (3) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الثمار، الحديث 3. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود، الحديث 16.

[ 338 ]

[... ] وهذه صريحة في الكراهة مرابحة، وكراهة المكيل والموزون قبل القبض، وعدم الباس في غيرهما. ولا يضر الكلام في سندها بجهل القاسم بن محمد واشتراك غيره أو ضعفه (1) لانه مؤيد. وكذا ما في رواية ابن الحجاج الكرخي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام اشترى الطعام إلى اجل مسمى، فيطلبه التجار بعد ما اشتريته قبل ان اقبضه؟ قال: لا باس ان تبيع إلى اجل كما اشتريت الخ (2). وظاهرها في المرابحة، حيث انه طلبه التجار، وحيث قال: لا بأس ان تبيع الى اجل، فانه اشارة إلى عدم البيع نقدا مرابحة، لدخول الاجل في بيعه، وهو المقرر عندهم وسيجئ. ولا يضر جهل ابن الحجاج واشتراك ابن مسكان (3) لما تقدم. وكذا رواية جميل بن دراج عن زرارة عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل ان يقبضه؟ قال: لا باس، ويوكل الرجل المشتري منه بكيله وقبضه؟ قال: لا باس (4). ولا يضر وجود علي بن الحديد الضعيف (5) لما مر. ويؤيده ايضا ان اكثر اخبار المنع وردت بلفظة (لا يصلح) كما ستسمع، وهو ظاهر في الكراهة.

(1) سند الحديث كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي عن ابي نصير). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود، قطعة من حديث 19. (3) سند الحديث كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن ابن مسكان عن ابن الحجاج الكرخي). (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود، الحديث 6. (5) مسند الحديث كما في الكافي (محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن حديد عن جميل بن دراج).

[ 339 ]

[... ] قال الشهيد رحمه الله في شرح الكتاب: في قوله: ولو باع نسية الخ وقوله (لا يصلح) من عبارات الكراهية في بعض الموارد، فليست بصريحة في التحريم، والتي بغير لفظة (لا يصلح) ليست بصريحة ايضا في التحريم قبل القبض، مثل رواية معاوية الآتية، لان فيها النهي عن البيع قبل الكيل مع الاجمال في قوله: الا ان توليه الذي قام عليه. نعم رواية منصور ظاهرة فيه، ويمكن تأويلها كما سيجئ. وبالجملة الادلة التي افادت العلم لا ينبغي الخروج عنها الا بدليل قوى، ولا شك في ثبوت جواز البيع يقينا قبل القبض، فتأمل. واما روايات المنع فهي كثيرة، واكثرها مخصوصة بالطعام. والظاهر عدم الاختصاص لوجود مطلق المكيل والموزون في البعض. ولا ينبغي حمله على الطعام، لعدم المنافاة. ويؤيده صحيحة الحلبي (ولا يضر اشتراك ابن مسكان) لما مر (1) قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن قوم اشتروا بزا - فاشتركوا فيه جميعا ولم يقتسموه، ايصلح لاحد منهم بيع بزه قبل أن يقبضه؟ قال: لا باس به وقال: ان هذا ليس بمنزلة الطعام، لان الطعام يكال (2). وهذه كالصريحة في عدم الفرق بين الطعام وغيره من المكيلات، وان العله والمدار هو الكيل، وفهم من غيرها الوزن ايضا، وهي تدل على عدم الباس في غيرهما، فتأمل. والتي تدل على النهي في الطعام في صحيحة الحلبي (ولا يضر اشتراك ابن

(1) سند الحديث كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن صفوان، عن ابن مسكان عن الحلبي). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود، الحديث 10.

[ 340 ]

[... ] مسكان لما مر (1)) عن ابي عبد الله عليه السلام (انه خ) قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل ان يكتاله؟ قال: لا يصلح له ذلك (2). قال في التهذيب: عن عبد الرحمان بن ابي عبد الله وابي صالح عن ابي عبد الله عليه السلام مثل ذلك وقال: لا تبعه حتى تكيله (3). كان هذه ايضا صحيحة، ولا ينبغي حمل غيرهما عليهما لما تقدم، ولا يخفى عدم صراحة دلالتها على التحريم فافهم. نعم ينبغي حمل المطلق الوارد في منع بيع المكيل والموزون على بيع المرابحة أو غير التولية مطلقا، والاول مفاد بعض الاخبار والثاني مفاد الاكثر لما يدل على عدم نهى غير ذلك. مثل صحيحة معاوية بن وهب قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع البيع قبل ان يقبضه؟ فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه الا ان توليه الذي قام عليه (4). ومثله صحيحة منصور بن حازم عنه عليه السلام ايضا قال: إذا اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا ان توليه، فان (فإذا ئل) لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه (1).

(1) سند الحديث كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن مسكان وفضالة بن ايوب عن ابان جميعا عن الحلبي). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود، الحديث 13. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 14. (4) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 11. (5) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 1 وتمامه (يعني انه يوكل المشتري بقبضه). [... ]

[ 341 ]

وقال في التهذيب: وسأل علي بن جعفر اخاه موسى بن جعفر عليها السلام عن الرجل يشتري الطعام ايصلح بيعه قبل ان يقبضه؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض، وان كان يوليه فلا باس. وسأله عن الرجل يشتري الطعام أيحل له أن يولى منه قبل ان يقبضه؟ قال: إذا لم يربح عليه شيئا فلا باس، فان ربح (فلا يبع ئل) فلا يصلح حتى يقبضه (1). واول هذه يدل على عدم المرابحة فقط، فيحتمل جواز المواضعة ايضا، لكن الاولتين تنفيانها ايضا، واخرها يفيد عدم الباس في التولية فقط، فيحتمل ان يريد بالتولية غير المرابحة بقرينة المقابلة، واصل عدم المنع، ولما في اخرها من عدم الباس ما لم يربح والباس معه، فتأمل. والظاهر انها صحيحة، لان طريق الشيخ في التهذيب إلى علي بن جعفر صحيح (2)، فقول شارح الشرايع: وهذه الرواية ذكرها في التهذيب بغير اسناد، لكن في معناها اخبار كثيرة صحيحة، فينبغي ان نقول بها، الا انها مصرحة بالمنع في ما عدا التولية، وهذه جعلت المنفي فيها مرابحة، والجواز التولية، وبينهما واسطة - لا يخلو عن شئ. ثم انه يمكن حمل اخبار المنع - مع ما عرفت فيها من عدم التصريح بالنهي والتحريم، وامكان التأويل للجمع المذكور - على عدم وقوع الكيل والوزن في الشراء؟ الاول، وهي ليست بصريحة في وجودهما فيه، وقد مر ان في اشتراط الكيل والوزن

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب احكام العقود الحديث 9. (2) طريق الشيخ في التهذيب إلى علي بن جعفر كما في مشيخة التهذيب هكذا (وما ذكرته عن علي بببن جعفر فقد أخبرني به الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن يحيى عن العمركي النيسابوري النوفلي عن علي بن جعفر).

[ 342 ]

[... ] مطلقا تأملا. وعلى تقدير التسليم يحتمل ان يكون اشترى اولا بقول البايع والاكتفاء بخبره، كما دلت عليه الاخبار في الكيل. مثل رواية محمد بن حمران قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله فصدقناه وأخذناه بكيله؟ فقال: لا باس، قلت: ايجوز ان ابيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال: لا اما انت فلا تبعه حتى تكيله (1). وصحيحة عبد الرحمان بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري الطعام، أشتريه منه بكيله واصدقه؟ فقال: لا باس، ولكن لا تبعه حتى تكيله (2). وكذا في الوزن واظن ورود خبر فيه ايضا بخصوصه " (3). ونظيره؟ في الاخبار انه يجوز شراء مال شخص بانه يقول مالى وفي يده، ولا يجوز بيعه بان يخبر انه ماله، نعم يجوز ان يقول: ان الذي باعه قال: انه ماله. ثم انه لما لم يمكن الاخبار بالكيل والوزن لعدم العلم، فيجبان للبيع ثانيا، اظن ان هذا توجيه لا باس به، فالجواز مطلقا غير بعيد، وهو مذهب الشرايع والمختلف، مع الكراهة خصوصا في المكيل والموزون، وشدتها في الطعام، ومع المرابحة وغير التولية اشد. وانك قد عرفت مما تقدم ان لا اشكال الا في بيع غير التولية إذا كان مكيلا أو موزونا بحمل العام على الخاص والاجتناب مطلقا احوط.

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4. (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8. (3) لعل مراده ما في الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 7.

[ 343 ]

[... ] ثم ان الظاهر ان الحكم مخصوص بالبيع، ولا يتعدى إلى غيره، فيجوز بيع ما انتقل إليه بغير البيع قبل القبض، وكذا ما انتقل إليه بالبيع (1 لعدم الدليل، فتأمل. ثم اعلم ايضا انه قال في الارشاد: ان خيرة المنصف في التذكرة والتحرير، المنع، والعبارة المتقدمة تدل على الجواز، الا انه سيقول فيما بعد، انه مكروه الا الطعام، فانه يحرم الا مع التولية، فيخصص هذه به. وصرح في التذكرة ايضا بالكراهة، حيث قدم الكراهة، ثم قال في اخر البحث: الاقرب عندي الكراهة الا في الطعام، فالمنع اظهر، وان كان فيه اشكال. فقد ظهر منه التردد في التحريم في الطعام مع الجزم بالكراهة في غيره، فكيف يكون خيرته المنع من بيع ما يكال أو يوزن في التذكرة، فتأمل. وايضا قد ورد بجواز التولية ايضا اخبار صحيحة، كما اعترف هو أيضا به ولهذا اخرجه من التحريم بل الكراهة أيضا في الارشاد، فلا يكون خيرته ما ذكره من وجه آخر. فالكراهة في مطلق المكيل والموزون الا في التولية غير بعيد، كما هو مذهب المختلف، لحمل العام على الخاص، ثم حمله على الكراهة لرجحان المجاز في البعض على التخصيص هنا كما تقدم، ويحتمل مطلقا مع التفاوت فيهما كما مر. وأيضا الظاهر البطلان على القول بالتحريم في أي موضع كان، لانه الظاهر من الدليل هنا، وان لم يكن النهى في المعاملات مطلقا يفيد البطلان، وسيجئ في بحث السلم ما يفيد هذا المحل، اي الجواز قبل القبض وعدمه، وقد مر

(1) اي وكذا يجوز انتقال ما انتقل إليه بالبى 0 ع 0 بغير البيع مثل الصلح والهبة ونحوهما.

[ 344 ]

[ ولا يجوز تأخير الحال بالزيادة ويجوز تعجيله باسقاط بعضه. ] في شرح قوله: ولو باع نسية ثم اشتراه منه الخ ما يفيد ذلك أيضا. قوله: " ولا يجوز تأخير الحال الخ " أي لا يجوز ان يستأخر الحال بزيادة مال لمن هو ماله حال. فيؤخره لتلك الزيادة، ولكن يجوز ان يعجل المؤجل بالاستنقاص، بان ينقص عن ماله المؤجل شيئا ويأخذه نقدا. والجواز لا باس به، إذ لا مانع منه مع تسلط الناس على اموالهم، ولان للاجل قسطا من الثمن، فإذا اسقط بعضه ببعض المال جاز، لانه معاملة كسائر المعاملات، فتأمل. واكثر هذا يجري في الاول أيضا، ووجه التحريم لعله اجماع، أو الربا، لان حاصله يرجع إلى اعطاء الزائد في مقابلة الناقص، كان يعطي احد عشر في مقابلة عشر للاجل، وهو ربا، إذ لا ثمن للاجل على حدة، وهذا لا يجري في النقصان، لانه حقيقة حذف شئ من ماله عن الغريم، ولا شك في جواز حط الكل فالبعض بالطريق الاولى، خصوصا إذا حصل له نفع ما، في الجملة، وهو اخذ الباقي حالا. قيل: بابراء أو صلح، والظاهر انه يكفى في اللزوم حط البعض بالاخذ حالا للشرط بينهما، ولا شك ان ما ذكره احوط، فظهر الفرق بينهما. ولكن هذا مؤيد لجريان الرباء في جميع المعاوضات، والمصنف لا يقول به كما سيجئ، الا ان يحمل على ان الاول كان ثمن بيع (مبيع خ ل) فالزيادة فيه زيادة في البيع، أو انه يقول بالربا في القرض، فان الظاهر عدم الخلاف فيه، إذ أخذ الزيادة (1) في القرض حالا ومؤجلا، ظاهر الاصحاب انه حرام مطلقا، وكان هذا منه.

(1) هكذا في النسخة المطبوعة، ولكن في النسخ المخطوطة التي عندنا (أو اخذ الزيادة) والصواب ما اثبتناه.

[ 345 ]

[... ] ويدل عليه أيضا ما روى عن ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الاجل وازيدك في المال، فيتراضيان عليه، ويعملان به، فإذا قيل لهم هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك ان الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الاجل عند محل الدين سواء فذمهم الله به، والحق الوعيد بهم وخطئهم في ذلك بقوله: واحل الله البيع الآية كذا في مجمع البيان (1) فتأمل. قال في التذكرة: يجوز تعجيل المؤجل باسقاط بعضه، لانه ابراء، وهو سائغ مطلقا، ولا يجوز تأخير المعجل بزيادة فيه، نعم يجوز اشتراط التأجيل في عقد لازم كالبيع وشبهه، لا بزيادة في الدين، بل بزيادة في ثمن ما يبيعه اياه، فلو كان عليه دين حال فطالبه فسأل منه الصبر عليه إلى وقت معلوم بشرط ان يشترى منه ما يساوي ماءة بثمانين، جاز، لان التأخير امر مطلوب للعقلاء لا يتضمن مفسدة، وهو غير واجب على صاحب الحق، بل له المطالبة بالتعجيل، وبيع ما يزيد ثمنه على قيمته، جائز مطلقا، فلا وجه لمنعه مجتمعا. ولان محمد بن اسحاق بن عمار قال: قلت للرضا عليه السلام: الرجل يكون له المال فدخل على صاحبه يبيعه لؤلؤة تسوى ماءة درهم بالف درهم ويؤخر عنه المال إلى وقت؟ قال: لا باس (2). وروى محمد بن إسحاق أيضا قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: يكون لي على الرجل دراهم، فيقول: اخرني (3) بها وانا اربحك، فابيعه جبة تقوم على بالف درهم بعشرة الف درهم، أو قال: بعشرين الفا وأوخره بالمال؟ قال:

(1) مجمع البيان سورة البقرة، ذيل آية 275. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب احكام العقود، الحديث 6. (3) إلى هنا كلام التذكرة.

[ 346 ]

[ المطلب الثاني: في السلف وفيه بحثان: الأول: في شرائطه وهي ثمانية الايجاب، كبعت واسلفت واسلمت، والقبول، وذكر الجنس والوصف الرافع للجهالة، لا من كل وجه، بل من الوجه الذي يختلف (فيه خ) الاغراض بتفاوته. ] لا باس (1). قوله: " المطلب الثاني في السلف وفيه بحثان " قال في التذكرة: السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد وهو بيع شئ وصوف في الذمة بشئ حاضر، يقال: سلف (بالتشديد) واسلف واسلم، وجاء فيه سلم أيضا غير ان الفقهاء لم يستعملوه، وذكروا في تعريفه عبارات متقاربة، والاولى انه عقد على موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلا، إلى قوله: وقد اجمع المسلمون على جوازه (2) مستندا إلى الكتاب والسنة. في السلف قوله: " الاول في شرائطه وهي ثمانية " المراد بالشرائط ما يحصل به عقد السلف. قوله: " الايجاب " اي الاول الايجاب، كبعت هذا من البايع، واما اسلفت واسلمت فهما من المشتري، والثاني القبول.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب احكام العقود، الحديث 4. (2) إلى هنا كلام التذكرة.

[ 347 ]

[ وقبض الثمن قبل التفرق، فلو تفرقا قبله بطل. ولو قبض البعض صح فيما قابله خاصة. وتقدير المبيع بالكيل والوزن المعلومين ان دخلا فيه. ] دليل الايجاب والقبول ظاهر لانه قسم من البيع. ودليل ذكر الجنس والوصف الرافع للجهالة الذي هو الشرط الثالث هو ما تقدم من لزوم الغرر المنفي لولا الذكر. ويشعر به مثل صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام لا باس بالسلم في الحيوان إذا سميت الذي تسلم فيه فوصفته إلى آخره (1). وصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام (2) قال: لا باس بالسلم في الحيوان والمتاع إذا وصفت الطول والعرض، وفي الحيوان إذا وصفت اسنانها (3). قوله: " وقبض الثمن الخ " هذا هو الشرط الرابع قال في التذكرة: فلا يجوز التفرقة قبله، فان تفارقا قبل القبض بطل السلم عند علمائنا اجمع. ظاهره انه يحصل الاثم أيضا مع البطلان، وفي الاثم تأمل كما مر في الصرف، ويحتمل ان يريد الشرط، وان دليل اعتبار القبض قبل التفرق هو اجماعنا. وقد علم مما سبق شرح قوله: ولو قبض البعض صح فيما قابله خاصة، وانه يحصل الخيار في البعض الصحيح للتبعيض. قوله: " وتقدير المبيع الخ " هذا هو الشرط الخامس " يعني انه لابد من

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب السلف قطعة من حديث 9 وتمامه (فان وفيته والا فانت احق بدراهمك). (2) هكذا في النسخ المطبوعة والمخطوطة كما في الفقيه والتهذيب، وفي الوسائل عن ابي عبد الله عليه السلام. (3) الوسائل ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب السلف، الحديث 10.

[ 348 ]

[... ] تقدير الكيل في المكيل عرفا، والوزن في الموزون كذلك، لعله لا خلاف فيه. ويدل عليه بعض الاخبار أيضا من العامة (1) والخاصة مثل رواية غياث بن ابراهيم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا باس بالسلم كيلا معلوما إلى اجل معلوم (2). وصحيحة محمد الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن السلم في الطعام بكيل معلوم إلى اجل معلوم؟ قال: لا باس به (3). وفي دلالتهما على اشتراط الكيل والوزن تأمل، ولكن يؤيده أيضا ما تقدم من الادلة الدالة على اشتراطهما فيهما، الا انها كانت هي أيضا محل التأمل، والاحتياط حسن. ثم انه قيل: انما الاعتبار بهما فيما ثبتا في عهده صلى الله عليه وآله مثل ثبوت الكيل في الاربعة: الحنطة والشعير والتمر والملح على ما ادعى في التذكرة وغيرها، واما غير ذلك فلكل بلد حكم نفسه، وكذا كل وقت له اعتبار بنفسه. ثم ان مقتضى دليلهم اعتبار الكيل فقط في المكيل وكذا الوزن في الموزون. الا انه قال في التذكرة: ما اصله الكيل يجوز بيعه وزنا سلفا وتعجيلا، ولا يجوز بيعه بمثله وزنا، لان الغرض في السلف والمعجل تعيين جنسه ومعرفة المقدار، وهو يحصل بهما، والغرض هنا المساواة، فاختص المبيع في بعضه بنقص به (فيه خ ل)

(1) صحيح مسلم، ج 3، كتاب المساقاة (25) باب السلم ص 1226 الحديث 127 ولفظه (عن ابن عباس قال: قدم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: من اسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى اجل معلوم) وفي اخرى (فقال لهم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: من اسلف فلا يسلف الا في كيل معلوم ووزن معلوم). (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب السلف، الحديث 5 وتمام الحديث (ولا تسلم إلى دياس ولا إلى حصاد). (3) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب السلف - الحديث 1.

[ 349 ]

[... ] وبمثل هذا صرح في التذكرة مرارا في بحث السلف والربا. يعني إذا بيع المكيل بمثله لابد ان يكون بالكيل مع التساوي ولا يجوز بالوزن الا مع الموافقة بالكيل، فهو حينئذ بالكيل، لانه يحصل الربا. واما بغير الجنس فيجوز به وبالوزن وبالعكس، لان المقصود في بيعه بجنسه من اشتراط الكيل والوزن، هو حصول التساوي وعدم التفاضل في البيع المتعارف فيه والغرض في السلف والتعجيل بغير الجنس، هو العلم بالقدر، وهو حاصل بالكيل والوزن وهذا خروج عن مقتضى دليلهم، وهو ظاهر بعض الروايات، ولكن لما لم يكن في الدليل قوة كما عرفت، والمقصود دفع الغرر والجهل، اكتفى في المكيل بالوزن في غير الجنس وبالعكس وهو يقتضى جواز ذلك في الجنس أيضا، إذ صار بيع المكيل بالوزن جائزا اجماعا (عرفا خ ل)، ولا يشترط في غير الجنس المساواة الا بحسب المقدار المتعارف الجائز في بيعه. الا ان تحريم الربا امر عظيم، فينبغي الاحتياط فيه اكثر. ويؤيد جواز المكيل بالوزن وبالعكس، الرواية. مثل ما في رواية علي بن إبراهيم عن رجاله، إلى قوله: وما كيل بما يوزن فلا باس به يدا بيد ونسية جميعا (1). وهي طويلة مشتملة على احكام كثيرة من الصرف والسلم في الكافي، وان كانت مرسلة وغير منقولة عن احدهم عليهم السلام. وغيرها، مثل رواية وهب عن جعفر عن ابيه عن علي عليهم السلام قال: لا باس بالسلف، ما يوزن فيما يكال، وما يكال فيما يوزن (2).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا، قطعة من حديث 12. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب السلف، الحديث 1.

[ 350 ]

[ ولو احالا على مكيال مجهول القدر لم يصح وان كان معينا. ] ويحتمل ان يكون المراد اسلاف احدهما في الآخر، بل هو الظاهر، وسيجئ له زيادة تحقيق في بحث الرباء. قوله: " ولو احالا الخ " اشارة إلى ان الكيل والوزن الذين هما المعتبران لابد من كونهما معلومين ومتعارفين في البلد، فلا يصح السلم بالكيل الغير المتعارف، والصنجة (1) كذلك، وان كانا معلومين بينهما. والذي استدل به عليه، هو انه يفوت المعلومة بينهما، فيحصل النزاع فلا اعتبار به. وفيه تأمل، ويمكن ان يستدل بانهما ينصرفان إلى العرف والمشهور بين الناس في البلد، كسائر الامور فلا بد منهما ولا يصح بدونهما. وبحسنة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يصلح للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر (2). ولكن في الاول تأمل، والخبر كانه محمول على كونه اصغر، كما يدل عليه صحيحة سعد بن سعد عن ابي الحسن عليه السلام قال: سألته عن قوم يصغرون القفيزان يبيعون بها؟ قال: اولئك الذين يبخسون الناس اشياءهم (3). وما في رواية الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يحل لرجل ان يبيع بصاع سوى صاع اهل المصر، فان الرجل يستاجر الحمال فيكيل له بمد بيته، لعله يكون اصغر من مد السوق، ولو قال: هذا اصغر من مد السوق لم يأخذ به ولكنه يحمله ذلك ويجعله في امانته، وقال: لا يصلح الا مد واحد، والامنان بهذه المنزلة (4)

(1) الصنجة، صنجة الميزان مجمع البحرين. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 26 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 1. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 26 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

[ 351 ]

[ وتقدير الثمن كذلك ولا يكفى المشاهدة ولا يصح في المذروع جزافا، ويصح فيه اذراعا، ولا يجوز في القصب اطنانا، ولا في الحطب حزما، ولا الماء قربا، ولا المعدود عددا مع اختلاف قدره، ولا المجزوز جززا. ] فتأمل واحتط. قوله: " وتقدير الثمن الخ " هو السادس من الشروط: دليله ما مر من لزوم تعيين العوضين في العقد، فإذا كان مما يكال أو يوزن لا يكفي المشاهدة، بل لابد من العلم بالقدر، نعم المشاهدة يكفي عن الوصف ان احتيج إليه، قال في التذكرة: وبالجملة كلما جاز ان يكون ثمنا جاز ان يكون رأس مال السلم. قوله: " ولا يصح في المذروع جزافا الخ " كالثياب والحبال، للجهالة المؤدية إلى الغرر المنهي، وان قيل انه جايز مشاهدة، لدفع الجهالة بها. وكذا لا يجوز في القصب اطنابا ولا الحطب حزما ولا الماء قربا ولا المجزوز جزازا، لاختلافها وعدم ضبطها بالصغر والكبر، ولو ضبطه بالوزن جاز، وجاز معاينة من دون ذلك. لرواية جابر قال: سالت ابا جعفر عليه السلام عن السلف في اللحم؟ قال: لا تقربنه فانه يعطيك مرة السمين ومرة التاوي ومرة المهزول، واشتره معاينة يدا بيد، وسالته عن السلف في روايا الماء فقال: لا تقربنها (1) فانه يعطيك مرة ناقصة ومرة كاملة، ولكن اشتراها معاينة يدا بيد وهو اسلم لك وله (2). وكذا المعدود عددا مع اختلاف القدر المانع من ذلك، لوقوع الغرر والنزاع، ويندفع ذلك عند المعاينة، فتأمل.

(1) وفي التهذيب وفي النسخ المخطوطة والمطبوعة (لا تبعها) وفي الفقيه (لا) من دون لفظة اخرى. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب السلف، الحديث 1.

[ 352 ]

[ وتعيين الاجل بما لا يحتمل الزيادة والنقصان، فلو شرط قدوم الحاج أو ادراك الغلات لم يجز، وغلبة وجوده وقت الحلول فلا يصح اشتراط الاجل للفواكه في وقت لا توجد فيه، وعدم استناده إلى معين، فلو شرط الغلة من زرع ارض معينة أو الثمرة من شجرة معينة أو الثوب من غزل امراة بعينها أو نسج رجل بعينه أو الصوف من نعجات بعينها لم يصح. ] قوله: " وتعيين الاجل الخ " هذا هو السابع ودليله قد تقدم في النسية، فتذكر وتأمل. قوله: " وغلبة وجوده الخ " هذا هو الثامن من الشروط، الا ان دليله غير واضح، بل الظاهر عدم ذلك، والاكتفاء بامكان وجوده كما هو عبارة القواعد والتذكرة على ما نقل في شرح الشرايع، بمعنى القدرة على تسليم المبيع حين الاجل بناء على ظنه كما يشعر به عبارة الدروس، حيث جعل الشرط القدرة على التسليم عند الاجل. ويؤيده ما في موثقة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا باس بان يشتري الطعام وليس هو عند صاحبه إلى اجل، وحالا لا يسمى له اجلا، الا ان يكون بيعا لا يوجد، مثل العنب والبطيخ وشبهه في غير زمانه، فلا ينبغي شراء ذلك حالا (1). وصحيحة زرارة قال: سالت ابا جعفر عليه السلام عن رجل اشترى طعام قرية بعينها؟ فقال: لا باس، ان خرج فهو له، وان لم يخرج كان دينا عليه (2).

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب السلف، الحديث 5 الا ان فيه (اسحاق بن عمار وعبد الرحمان بن الحجاج جميعا عن ابي عبد الله عليه السلام فيه ايضا فقال: لا يسمى له اجلا. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب السلف، الحديث 1.

[ 353 ]

[... ] ورواية خالد بن الحجاج عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري طعام قرية بعينها، وان لم يسم (له خ) قرية بعينها اعطاه من حيث شا (1). وهما يدلان على جواز اشتراط القرية المعينة، والمشترطون اغلبية وجود المسلم فيه لا يقولون به، بل صرحوا بانه لو شرطت بطل السلم. ويظهر ان ظن الوجود وامكانه حين الاجل في الجملة يكفي، ولا شك في حصول الظن بحصول غلة قرية وان كانت صغيرة، بل ولو أرضا معينة قليلة، ولهذا يتكل صاحبها على غلة تلك الارض، ولا يذرع غيرها ظنا بانه يحصل له منها الغلة ويبيع ويشتري رجاء للوفاء منها. وكذا غزل امرءة معينة، ولا اعتبار بامكان موتها، لحصول الظن بالحياة، للاستصحاب، ولهذا يكتب إليها كتابة ويبعث إليها بهدايا بعد الغيبة بمدة طويلة، وبمثل هذا جعل الاستصحاب دليلا. فعدم صحة مثله على ما قالوه محل التأمل، ولا يحتاج إلى تأويل الرواية بالقرية العظيمة والبلد العظيم وهو ظاهر. واعلم ان ظاهر الرواية، ان بعد فقد غلة تلك القرية، تكون ذلك دينا على البايع، والمناسب للقوانين بطلانه، الا ان يحمل على تساوي غلتها لغيرها، والمراد مثلها، فان الغلة مثلية، فلا يكون اكثر من تفويت البايع غلة المشتري من تلك القرية، فيؤاخذ بالمثل، فتأمل. ومما تقدم علم شرح قوله: فلا يصح (2) الخ وهو صحيح ووجهه ظاهر. كعدم وجه قوله: وعدم (3) الخ، بل الذي ظهر صحة السلم فيه، فان صح

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب السلف، الحديث 3. (2) وفي النسخ المخطوطة (فلا يصح اشتراط اجل للفواكه في وقت لا يوجد فيه). (3) وفي النسخ المخطوطة (وعدم استناده إلى معين، فلو شرط الغلة من زرع أو ارض معينة الخ)

[ 354 ]

[ البحث الثاني: في الاحكام يجب على البايع دفع اقل ما يطلق عليه الوصف، وعلى المشترى قبول الاجود. ] وسلم فهو، والا يؤخذ بالمثل، أو قيل: بظهور البطلان فيأخذ المشتري ثمنه ولعل في التذكرة اشارة إلى التأمل في المسألة وعدم الاجماع، حيث اسند القول بها إلى الشافعي لا إلى الاصحاب، ثم قال: ينبغي حيث قال لا يجوز السلف في ثوب بشرط ان يكون من غزل امرءة معينة، أو نسج شخص بعينه، ولا في الثمرة بشرط ان يكون من نخلة معينة، أو بستان بعينه، ولا في زرع بشرط ان يكون من ارض معينة أو قرية صغيرة، وبه قال الشافعي، لتطرق الموت إلى تلك المرءة أو النساج المعين أو تعذر غزلها ونسجه، وقد تصيب تلك النخلة أو البستان الجائحة، فينقطع الثمرة، وكذا الغلة فقد تصيب تلك المعينة أو القرية الصغيرة آفة لا يخرج لزرع تلك السنة إلى قوله: ينبغي ان يكون دينا مرسلا في المدينة ليتيسر اداءه. وقد اشار في موضع من التذكرة إلى ان القدرة على التسليم تكفي في امكان وجود المسلم فيه عند الحلول، وهذا الشرط ليس من خواص السلم، بل هو شرط في كل مبيع، وانما يعتبر القدرة على التسليم عند وجوب التسليم إلى قوله: ولو غلب على الظن وجوده وقت الاجل لكن لا يحصل الا بمشقة عظيمة، فالاقرب الجواز لامكان التحصيل عند الاجل. ثم قال: ويجوز ان يسلم في شئ ببلد لا يوجد ذلك الشئ فيه، بل ينقل إليه من بلد آخر، إلى قوله: ولا فرق بين ان يكون قريبا أو بعيدا ولا ان يكون مما يعتاد نقله إليه أو لا الخ. وهذه كالصريحة في عدم اشتراط الغلبة، بل عدم الظن ايضا، فتأمل. قوله: " البحث الثاني في الاحكام، يجب الخ " وجه وجوب دفع أقل

[ 355 ]

[... ] ما يصدق عليه، اسم المسلم فيه بمعنى ان هذا اقل الواجب عليه، هو صدق ما شرط عليه، وعدم التكليف بغير ما شرط. وكذا وجوب قبول ذلك على المشتري، والاولى وجوب قبول الاجود من افراد ما اسلم فيه وما صدق عليه اسم المسلم فيه، مثل دفع عبد كاتب يعرف ادنى الكتابة وقبوله، أو قبول من يعرف كتابة حسنة جيدة، وهو ظاهر، لعله مراد المصنف. واما قبول الاجود من غير جنس ما شرط، فالظاهر عدم وجوب قبوله. يشعر به مع الاعتبار خبر سليمان بن خالد قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يسلم في وصيف (وصف خ ل) اسنان معلومة ولون معلوم، ثم يعطي فوق شرطه؟ فقال: إذا كان على طيبة نفس منك ومنه فلا بأس به (1). ولا يضر اشتراك ابن مسكان، ولا القول في سليمان بن خالد (2) ولا كون الدلالة بالمفهوم. وهي تدل على جواز التجاوز عما شرط، بالتراضي. مثل خبر ابي بصير قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن السلم في الحيوان؟ فقال: ليس به بأس، قلت: ارأيت ان اسلم في اسنان معلومة، أو شئ معلوم من الرقيق فاعطاه دون شرطه وفوقه بطيبة أنفس منهم (3)؟ فقال: لا بأس (4).

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب السلف، الحديث 8. (2) سند الحديث كما في التهذيب (عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن هشام بن سالم عن سليمان بن خالد). (3) في بعض النسخ (نفس منهما). (4) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب السلف، الحديث 2.

[ 356 ]

[ ولا يصح اشتراط الاجود ويصح اشتراط الاردأ (المدفوع خ). وكل ما ينضبط وصفه يصح السلم فيه كالحيوان والالبان والسمون والشحوم والأطياب والثياب والثمار والادوية. ] قوله: " ولا يصح اشتراط الخ " وجه الاول انه لا يمكن تسليم المشترط، إذ لا متاع الا ويمكن ان يوجد اجود منه الا ان يكون المتعارف اطلاقه على معين. ووجه الثاني انه ان كان اردى حصل الشرط، وإلا يكون اجود مما شرط، فيجب قبوله لما مر. وفيه تأمل لان للقبول شرطا تقدم ولكن يمكن حمله عليه، ولانه قد شرط ان المسلم فيه يجب ان يكون غالب الوجود حين الاجل، وقد يقال هنا لا يمكن ذلك، إذ مامن جنس خسيس وادنى إلا ويمكن ان يوجد ادنى منه، الا ان يكون صدقه على قسم متعارف عرفا كما قلنا في الاجود، فلا فرق. قوله: " وكلما ينضبط الخ " هذا الضابط ظاهر، ولكن العلم بتحققه في بعض الجزئيات دون البعض غير ظاهر والفرق مشكل. نعم قد يوجد في بعض الافراد، ولكن غير معلوم لنا كلية، فان الفرق بين الحيوان ولحومه مشكل، وكذا بين اللحم والشحم حتى لا يصح في الاول منهما ويصح في الثاني، وان تخيل الفرق بينهما. ويمكن ان يقال بالصحة فيما ينضبط في الجملة الا ما ورد النهي عن مثله وما علم التفاوت العظيم بين افراده مثل اللحم، فانه ورد النهي عنه كما مر. ومثل اللؤلؤ الكبير فان التفاوت بين افراده باللون والوضع كثير جدا بحيث يشكل ضبطه في العبارة. وكذا اكثر ما يباع عددا مشاهدة كالبطيخ والباذنجان والقثاء والنارنج وغير ذلك، ولهذا قد مر في الاخبار الاشارة إلى عدم الجواز في امثالها، فلا يجوز السلم فيها عددا ولا كيلا للتفاوت والتجافي، ويمكن وزنا مع الوصف المعتبر.

[ 357 ]

[ وفي شاة لبون، ويلزم ما من شأنها. ] وفي رواية سماعة (1) عنه عليه السلام في الكافي اشارة إلى جوازه في الجلود (2) مع نفي بعض الاصحاب ذلك كما في المتن. وفي صحيحة ابي ولاد الحناط عن ابي عبد الله عليه السلام دلالة على جوازه في الالبان (3) كما ذكره الاصحاب. ويؤيد ما قلناه من الاكتفاء بالوصف في الجملة، عدم ذكر جميع الاوصاف في الاخبار مثل ما تقدم. وكما في حسنة جميل بن دراج عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول والعرض (4). وحسنة زرارة عنه ايضا عليه السلام قال: لا باس بالسلم في الحيوان إذا وصفت اسنانها (5) وامثالها كثيرة وفي ذلك كفاية. قوله: " وفي شاة لبون الخ " يصح السلف في شاة لبون بشرط كونه لبونا، ولكن يلزم ما من شأنه (6) لبونا، لا ان يكون لبونا بالفعل، فإذا كان قريبا ان يحلب حين الاجل يكفى. فالظاهر انه لا يكفي الحامل وان قرب وصفه، لبعد صدق اللبون عليه، فالمراد به ما يقرب ان يحلب قريبا من ذلك الزمان، بان يصبر بساعة ونصف نهار

(1) هكذا في النسخ المخطوطة والمطبوعة، ولكن الصواب (حديد بن حكيم) بدل (سماعة) لاحظ الكافي باب السلم في الرقيق من الحيوان. (2) الوسائل، ج 13، كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب السلف، الحديث 7. (3) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب السلف، الحديث 1. (4) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب السلف، الحديث 1. (5) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب السلف، الحديث 3 ولاحظ باقي احاديث الباب. (6) هكذا في النسخ ولعل الصواب (ما من شانه ان يكون لبونا).

[ 358 ]

[ وحامل وذات ولد. ولا يجوز في اللحم والخبز والجلد والنبل المعمول والجواهر واللئالي والعقار والارض. ] مثلا، ليحصل فيه لبن ويحلب. ولا يجب كون اللبن في ضرعه بالفعل، لما مر ان المراد ما من شأنه قريبا عرفا، لا ان يكون بالفعل موجودا، لانه المفهوم عرفا، بل قيل: لو كان اللبن بالفعل يجوز حلبه ودفعه، وهو ظاهر. فلا يرد قول بعض الشافعية: بعدم الجواز لجهالة اللبن في الضرع، على انه تابع، وقيل: لا يضر جهالته، وقد مر. والمراد بالحامل ما يكون فيه الحمل بالفعل، لا ما يمكن ان تحمل، للعرف، فان الحامل لا يطلق عرفا الا على ما هو حامل بالفعل، بخلاف اللبون، فانه يطلق على ما يحلب في ذلك اليوم والليل، وان لم يكن في ضرعه لبن حين الاطلاق، وكذا في ذات الولد. قوله: " ولا يجوز في اللحم الخ " قد مر ان سببه الاختلاف، ووجوده في الرواية (1)، والخبز مثله عددا، ويرتفع الجهالة في المشاهدة والوصف الرافع لها، ولا يبعد الصحة فيه مع الوزن. وسبب المنع في، الجلد ايضا هو الاختلاف الكثير بالغلظ، وكذا النبل المعمول دون عيدانه ان ضبط بالوصف. وكذا سبب عدم الجواز في الجواهر واللالي، كانه الكبار منه لا الصغار التي تشترى للادوية فالظاهر انه يجري فيها السلف، لعدم الاختلاف التام فيها، وتباع وزنا.

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب السلف، الحديث 1.

[ 359 ]

[ ولو قال: إلى ربيع حمل على الاول وكذا الخميس، والى شهرين يحل بآخرهما والى شهر كذا، باوله، وليس ذكر موضع التسليم شرطا فان شرطاه لزم ] وفي عدم الجواز مطلقا في العقار (1) تأمل، وابعد منه في الارض، فانه بجوز بيعها من غير مشاهدة على الظاهر، وغير مساحة على ما قيل: وان قال بعض بالمساحة، ولا شك انه احوط، ويمكن حملهما على عقار وارض يكون المشتري جاهلا بامثالهما مطلقا، فتأمل. قوله: " ولو قال: إلى ربيع الخ " كل ما يطلق على شيئين واكثر إذا علق الاجل به، مثل ان يقول: إلى الربيع، والجمعة والخميس ينصرف إلى اولهما، للعرف والصدق، مثلا إذا قيل إلى ربيع وحصل الربيع الاول صدق عليه حلول الاجل، لوجود ما شرط فيه وصدقه عليه، فلا جهالة فيصح، ويحمل عليه مثل الجمعة والخميس. واما إذا قيل إلى شهرين فيحل الاجل بمضيهما معا، فيحل بآخر الاخير ودخول ما بعده من الشهر وهو ظاهر، لان معنى قوله: إلى شهرين أو شهر، مضى ذلك عرفا كما هو المتبادر، واما إذا قيل إلى شهر رمضان مثلا، فيحل بدخوله لما مر. قوله: " وليس ذكر موضع الخ " دليل عدم الاشتراط، هو عموم ادلة جواز هذا البيع وخصوصها مع خلوها عن سبب اشتراط ذكر موضع التسليم مع عدم المانع والجهالة. واحتمال النزاع واختلاف الاغراض، يندفع بانصرافه إلى موضع يقتضيه العرف، كما في سائر البيوع والعقود خصوصا النسية.

(1) وفي الحديث ذكر العقار، كسلام، وهو كل ملك ثابت له اصل كالدار والارض والنخل والضياع (مجمع البحرين لغة عقر).

[ 360 ]

[ والا انصرف إلى بلد العقد. ولا يجوز بيعه قبل حلوله ويجوز بعده قبل قبضه على البايع وغيره. ] نعم الاحوط ذلك، خصوصا مع وقوعه في موضع يعلمان مفارقته قبل حلول الاجل، أو يحتاج نقله إلى مؤنة ولم تكن عادة، فان كان مقتضى العادة أو القرينة شيئا، والا ينصرف إلى موضع الحلول، لان مقتضى العقد وجوب تسليم المبيع عند الحلول في اي مكان كان مع وجود المسلم فبه عادة وعدم قرينة ارادة خلافه. ولكن ظاهر كلام الاصحاب حينئذ ان موضع التسليم موضع العقد، فان كان لهم دليل من اجماع أو غيره، والا فالظاهر ما مر، لما مر. واعلم ان الظاهر ان مراد المصنف (والا انصرف إلى بلد العقد) مع اقتضاء العادة، فقد يراد إلى تلك المحلة، بل إلى بيته كما هو المتعارف، ان من اشترى سلما من اهل القرى انهم يجيئونه إلى بيت صاحبه، وكذا في بيع الماء والحطب، ومع قرينة وعادة غير ذلك، يتبع. ومع العدم بوجه اصلا، يحتمل مكان الطلب بعد الحلول خصوصا إذا لم يكن على احدهما ضرر، فلا ينبغي التحجج انه ما يجب الاعطاء الا في بلد العقد وكذا عدم الاخذ، والقول بذلك، فتأمل. قوله: " ولا يجوز بيعه الخ " اي لا يجوز بيع ما اشترى بالسلم قبل حلول أجله، لا حالا لعدم الاستحقاق ولا مؤجلا. فكان دليله الاجماع واحتمال دخوله تحت بيع الدين بالدين، فتأمل. خصوصا على من عليه، لانه مقبوض له، ويجوز بعده، وبعد القبض من غير خلاف. واما قبل القبض فالظاهر الجواز على كراهية في المكيل والموزون، خصوصا الطعام، عدا التولية، لما مر في جواز بيع المبتاع. ثم انه يظهر من التهذيب عدم جواز بيعه بجنس ما اشتراه من الدراهم،

[ 361 ]

[... ] لاحتمال الزيادة والنقصان الموجبين للربا. وهو وجه الجمع بين ما يدل على المنع مثل رواية علي بن جعفر قال: سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة، أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال: إذا قومه دراهم فسد، لان الاصل الذي اشترى (يشتري خ ل) دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم (1) قال في التهذيب: الذي افتى به ما تضمنه هذا الخبر، من انه إذا كان الذي اسلف فيه دراهم لم يجز له ان يبيع عليه بدراهم، لانه يكون قد باع دراهم بدراهم، وربما كان فيه زيادة ونقصان وذلك ربا. وفي هذا الكلام تأمل، إذ قد لا يكونان، مع ان الظاهر ان ليس هنا بيع الدراهم بالدراهم وان كان الاصل الدراهم، لان المشتري الاول ما يملك الا المتاع المشترى. وايضا ظاهر الرواية انه لا يجوز بيع الدراهم بالدراهم. مع انها غير مسندة إلى الامام عليه السلام، وفيه بنان بن محمد (2) وقد نقل عن الصادق عليه السلام انه لعنه. وبين معارضه (3) من عموم الكتاب والسنة الدالة على الجواز وخصوص الاخبار، وقد مر البعض في شرح قوله: ولو باع نسية. ويدل عليه ايضا مرسلة ابان بن عثمان عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يسلف الدراهم في الطعام إلى اجل، فيحل الطعام،

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، قطعة من حديث 12. (2) سند الحديث كما في التهذيب (عن محمد بن (احمد بن خ) يحيى عن بنان بن محمد عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر). (3) عطف على قوله قبل اسطر (بين ما يدل على المنع).

[ 362 ]

[ ولو رضى باقل، صفة وقدرا صح، ولو دفع الاجود (اجود خ) وجب القبول بخلاف الازيد ] فيقول: ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه؟ قال: لا بأس بذلك (1). ورواية الحسن بن علي بن فضال قال: كتبت إلى ابي الحسن عليه السلام الرجل يسلفني في الطعام فيجئ الوقت وليس عندي طعام، أعطيه بقيمته دراهم؟ قال: نعم (2). قال الشيخ: الخبر الاول مرسل (3). ويمكن ان يقال: ان الثاني مكاتب وما قاله. ثم قال: لو كان مسندا لكان قوله: (انظر ما كان قيمته فخذ مني ثمنه) يحتمل ان يكون اراد ما قيمته على السعر الذي اخذت مني، لانا قد بينا انه يجوز له ان يأخذ القيمة برأس ماله من غير زيادة ولا نقصان. والخبر الثاني ايضا مثل ذلك (إلى قوله): على ان الخبرين يحتملان وجها اخر، وهو ان يكون انما جاز له ان يأخذ الدراهم بقيمته إذا كان قد اعطاه في وقت السلف غير الدراهم. ولا يخفى بعد التاويلين مع عدم الحاجة، لما تقدم. على انه قد ادعى الاجماع على تصحيح ما صح عن ابان بن عثمان، فهو اوضح سندا من رواية علي بن جعفر. نعم هنا اخبار تدل على عدم اخذ الزيادة على رأس المال إذا تعذر ما سلف فيه مع المعارض وسيجئ. قوله: " ولو رضي باقل الخ " وجهه ظاهر، وقد مر، الا قوله: (بخلاف

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، الحديث، 5 (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، الحديث 8. (3) من قوله قدس سره (ويمكن ان يقال الى قوله: وما قاله) من كلام الشارح وليس في كلام الشيخ، لاحظ (باب بيع المضمون).

[ 363 ]

[ ولو دفع من غير الجنس افتقر إلى التراضي. ولو وجد به عيبا رده، وعاد الحق إلى الذمة سليما. ولو ظهر ان الثمن من غير الجنس بطل العقد. ] الازيد) اي قدرا، فانه اعاده لذلك. ووجهه الاصل، وان في قبوله منة غالبا، هذا إذا كان الزائد ممتازا فلا باس، واما إذا كان ممزوجا ويكون في التخليص مشقة ما ينبغي القول بالقبول. والحاصل انه ينبغي التسامح في القضاء والاقتضاء كما مر وعدم اللجاجة، فلو كان غرض صحيح متعلق بعدم اخذ الزيادة فهو حسن، والا ينبغي القبول مع الدعاء لصاحبه. قوله: " ولو دفع من غير الجنس الخ " الافتقار إلى التراضي حينئذ واضح، بل ينبغي ايقاع امر مملك شرعا من صلح وابراء ما في الذمة وتمليك الموجود. ولا يبعد اللزوم مع التراضي قولا وفعلا، مع احتمال العدم، للاصل وعدم ثبوت كونه لازما. قوله: " ولو وجد به عيبا الخ " اي لو اخذ المسلم فيه ووجد فيه عيبا سابقا فله رده وطلب الصحيح منه، ويصير الحق في ذمة المسلم إليه سليما (سلما خ ل) صحيحا كما كان، يعني لا يتعين بمجرد الدفع فيما دفع مع كونه من جنسه للعيب. قوله: " ولو ظهر ان الثمن الخ " اي لو ظهر الثمن الذي دفعه المسلم من غير جنس ما شرط، بان يكون نحاسا مع كون الشرط فضة، بطل العقد من رأسه. هذا ظاهر إذا كان بعد التفرق، لان القبض قبله شرط في السلم على ما مر، واما قبله فلا، فلو قبض قبله ما شرط، صح العقد.

[ 364 ]

[ وان كان منه معيبا كان له الارش والرد. ويقدم قوم مدعى القبض قبل التفرق، ] قوله: " وان كان منه معيبا الخ " يعني لو كان المدفوع من جنس ما شرط، ولكن كان معيبا، فله ارش العيب، والرد ايضا كما هو المقرر في كل المعيبات. وفيه تأمل إذ قد يكون الثمن في الذمة، فالتعيين بمجرد الدفع والاخذ مشكل، بل ينبغي ان يكون له الرد حينئذ وطلب ما شرطا صحيحا، كما في غير الجنس، إذ ما وقع عليه العقد امر كلي صحيح، وليس هذا من افراده، فكيف يتعين بأخذ ما ليس من افراده، بل ولو سلم كونه من افراده، يمكن القول بعدم التعيين، لانه مشروط بالصحة. ولكن الظاهر انه حينئذ إذا كان غير معين ينبغي البطلان إذا ظهر بعد التفرق والصحة وطلب البدل الصحيح قبله، لعدم تحقق القبض، لان المقبوض ليس من افراد ما شرط قبضه، واما ان كان معينا فليس ببعيد ما ذكره، وكانه مراده. والظاهر ان اخذ الارش ايضا مشروط بكونه قبل التفرق، فيبطل ما قابله من المبيع لو لم يقبض الارش قبله، لان الارش جزء من الثمن وله جزء من المبيع ولم يقبض قبل التفرق، وهو شرط للصحة في الكل، وقد مر انه إذا قبض البعض دون البعض قبله، صح في المقبوض وبطل في غيره. ويحتمل هنا الصحة وان كان القبض بعد التفرق، لان المقبوض من جنس ما شرط، كأنه ضعيف بما تقدم، فتأمل. قوله: " ويقدم قول مدعي الخ " يعني إذا اتفقا على قبض ثمن المسلم فيه - فادعى احدهما ان القبض وقع قبل التفرق، فصح العقد لوجود شرطه، والآخر انه كان بعده، فبطل - فالقول قول مدعي الصحة مع عدم البينة، ويمكن معها من

[ 365 ]

[ ولو اخر التسليم فللمشترى الفسخ أو الالزام. ] الطرفين ايضا مع اليمين ترجيحا لجانب الصحة، وتكافؤ الدعوى والبينة، فتأمل. قوله: " ولو اخر التسليم الخ " يعني لو اخر المسلم إليه تسليم المسلم فيه في وقته الواجب دفعه فيه، تخير المسلم بين فسخ العقد واخذ ثمنه، وبين الزامه باعطاء المسلم فيه، هذا ظاهر العبارة. وفيه تأمل، لانه ان كان مع التأخير، سواء كان من جانب المسلم إليه أو المسلم، يمكن اخذ المسلم فيه شرعا. فالظاهر عدم التخيير، بل له الالزام باخذ حقه على اي وجه امكن، فان ابى ولم يمكن اخذه منه بوجه فله المقاصة ان امكنت، والا فالصبر حتى يأخذه، إما في الدنيا أو في الاخرة كما في سائر الحقوق، وان لم يمكن بان انقطع المسلم فيه وما بقي منه شئ يمكن تحصيله عادة وشرعا، فلا يكلف المسلم إليه، ولا خيار للمسلم في الالزام والفسخ واخذ الثمن. والمشهور ان له الصبر إلى ان يوجد، أو الفسخ واخذ ما سلم عينا أو قيمة ان كان قيميا، أو تعذر المثل، أو مثلا ان كان مثليا. يدل عليه موثقة عبد الله بن بكير قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اسلف في شئ يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها (ثمارها قيه) ولم يستوف سلفه؟ قال: وليأخذ رأس ماله، أو لينظره (1). ولا يضر توثيقها بعبد الله، لانه ممن اجمعت عليه الصحابة، على ان وجه الإنظار ظاهر. ويدل على اخذ ما اعطاه لا ازيد روايات كثيرة، مثل صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: من اشترى

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، الحدث 14.

[ 366 ]

[... ] طعاما أو علفا إلى اجل ولم يجد صاحبه، فليس شرطه الا الورق فان قال: خذ مني بسعر اليوم ورقا، فلا يأخذ الا شرطه، طعامه أو علفه، فان لم يجد شرطه واخذ ورقا لا محالة قبل ان يأخذ شرطه، فلا يأخذ الا رأس ماله لا تظلمون ولا تظلمون (1). ولا يضر اشتراك محمد بن قيس لما مر غير مرة. مع ان هنا اخبارا كثيرة، مثل صحيحة يعقوب بن شعيب (الثقة) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يسلف في الحنطة والتمر (ثمرة ئل) بماءة درهم، فيأتي صاحبه حين يحل الدين (الذي خ) له فيقول: والله ما عندي الا نصف الذي لك فخذ مني ان شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصفه ورقا؟ فقال: لا باس به إذا أخذ منه الورق كما اعطاه (2). ولا يضر ان دلالة هذه بالمفهوم، لانه مفهوم الشرط المعتضد بالاخبار الكثيرة جدا (3). ويحمل على المساوات لرأس ماله ما يدل على جواز اخذ قيمة المسلم فيه. مثل صحيحة عيص بن القاسم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل اسلف رجلا دراهم بحنطة حتى إذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دوابا ورقيقا ومتاعا، أيحل له ان يأخذ من عروضه تلك بطعامه؟ قال: نعم، يسمى كذا وكذا، بكذا وكذا صاعا (4). ولكن مقتضى القاعدة الفقهية ان يكون له حينئذ المسلم فيه بأي ثمن

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، الحديث 15. (2) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، الحديث 16 وفي الفقيه (ابا جعفر) بدل (ابا عبد الله) عليهما السلام. (3) لاحظ الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف. (4) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب السلف، الحديث 6.

[ 367 ]

[ ويجوز اشتراط سايغ مع (في خ) السلف. ] كان، كما هو ظاهر هذه الرواية. ويمكن حمل الاول (1) على الاستحباب، أو تقصير المسلم، أو ارادة (اراد خ) قيمة المسلم فيه، هذا. ويمكن حمل المتن على انه إذا كان المسلم فيه موجودا عند غيره وهو قادر على تحصيله، فان لم يفعل يكون للمشتري ذلك (2)، وذلك غير بعيد، لتقصيره. وليس في ظاهر الاخبار ما ينافي ذلك، بل ظاهرها عدم وجوده عند المسلم إليه نعم ظاهر القوانين عدم الفسخ حينئذ. ويمكن حمله، على تقدير المشتقة، وكون رأس المال المسلم فيه اقل أو مساويا. ويمكن ان يكون المراد بالالزام، الزامه بالمسلم فيه عند امكان حصوله ولو كان في سنة اخرى فتكون العبارة موافقة للمشهور والمذكور في سائر الكتب. هذا كله مع عدم تقصير المسلم في الاخذ مع الدفع، إذ مر انه لا يضمن الغريم بعد الدفع والتسليط، فإذا عزله وسلطه على الاخذ وتلف لم يضمن المسلم إليه، وليس له حينئذ احد الامرين، وهو ظاهر فتأمل. قوله: " ويجوز اشتراط الخ " كالقرض والبيع والاستسلاف والرهن والضمان، وقد مر دليله، فتذكر، وهو انه عقد قابل للشرط الذي لا يوجب جهالة في احد العوضين، ولا موجبا (موجب خ) لامر غير جائز، فيجوز بالكتاب والسنة، مثل اوفوا بالعقود (3)، والمسلمون عند شروطهم (4).

(1) الظاهر ان المراد منه موثقة عبد الله بن بكير. (2) اي الفسخ أو الالزام. (3) سورة المائدة / 1. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الخيار، فراجع.

[ 368 ]

[ المطلب الثاني: في المرابحة والمواضعة يجب ذكر راس المال قدرا ونقدا فيهما وقدر الربح والوضيعة. ] قوله: " المطلب الثاني: في المرابحة والمواضعة " من الربح والوضع، وهما المعاملة برأس المال وزيادة، ونقصان، ولما كان برضاء الطرفين صح المفاعلة، وان كانا من جانب واحد. واقسام البيع - باعتبار الخبر برأس المال وعدمه - اربعة: 1 - البيع مع عدم الاخبار، وهو المساومة، قيل: هو افضل الاقسام، لسلامته عن الاخبار، إذ قد يقع المخبر في الكذب وصعوبة اداء الامانة، وبعده عن مشابهة الربا، ولورود الرواية الدالة بالتنزه عن غيرها، واستعمالها (1). 2 - والبيع بالزيادة مع الاخبار، وهو المرابحة. 3 - وبالنقصان حينئذ، وهو المواضعة. 4 - وبالمساوي، وهو التولية. والظاهر ان جواز الجميع عند الاصحاب مجمع عليه، وسنده الكتاب (2) والسنة (3). قوله: " يجب ذكر رأس المال الخ " اشارة إلى المرابحة والمواضعة وشرط جوازهما. وهو ذكر رأس المال جنسا وقدرا مهما كان، وقدر الربح كذلك، بحيث تزول الجهالة المانعة من المعاملة كما تقدم.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب احكام العقود، فراجع. (2) مثل اية التجارة وآية الايفاء وحل البيع. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 12 و 13 و 14 و 25 و 35.

[ 369 ]

[ فيقول: اشتريت بكذا، أو رأس مالى (له خ ل) بكذا، أو تقوم على بكذا، أو هو علي بكذا، ولو عمل فيه قال: رأس ماله (لى خ) بكذا وعملت فيه بكذا، ولو عمل فيه باجرة جاز ان يقول: تقوم على، أو هو على بكذا. ويسقط الارش من رأس المال، لا ارش الجناية ولا ما يحطه عنه البايع و (لا خ) ثمرة الشجرة. ] والظاهر انه يكفي كون الربح والوضع معلومين، وان لم يكونا معلومين حال البيع عند المتعاقدين مع امكان العلم به عند الحساب، كما في بعض المسائل الجبرية عند العارف، ويشعر به تجويز المسائل الجبرية. وقوله: " ووضيعة (1) كل عشرة الخ " (2) حيث لا يعلم الا بعد الحساب والتأمل فيه، كما هو معلوم، وسيجئ. ويظهر من شرح الشرايع منع ذلك، فتأمل. قوله: " فيقول اشتريت الخ " يشير إلى عبارات المرابحة، وهي ما يدل على تعيين رأس المال والربح، بحيث لا يلزم منه كذب، مثل ان يقول: اشتريت بعشرة، أو رأس ماله (مالى خ) عشرة، وبعتك بما اشتريت به، أو به وبربح درهم، أو تقوم على بكذا، أو هو على بكذا وبعتك به وبربح دينار مثلا. وهذه العبارات تصح إذا اريد الخبر برأس المال فقط. والاخيرتان تصحان مع الاخبار بما اخرج عليه ايضا، لصياغة وغيرها، دون الاولتين، واليه اشار بقوله: (ولو عمل فيه باجرة). قوله: " ويسقط الارش الخ " يعني إذا ظهر المبيع معيبا واخذ ارشه ثم اراد البيع مرابحة، يسقط الارش المأخوذ من الثمن ثم يخبر بالباقي، لانه جزء من الثمن

(1) اي فيما سيأتي من الماتن قدس سره. (2) في النسخة المطبوعة (والوضيعة).

[ 370 ]

[ ولو فدى جنايته لم يجز ضمها. ولو اشترى جملة لم يجز بيع بعضها مرابحة وان قوم بنفسه، الا ان يخبر بالحال، ] وقد رد الى اهله، فصار الثمن هو الباقي، فلا يجوز الخبر الا به. ولا يسقط ارش الجناية الواقعة على العبد المبيع، أو الدابة المبيعة عند المشتري الذي اخذه، لانه ليس من الثمن، بل هو بمنزلة كسب ونفع استحصله المشتري بعده. نعم لو تعيب أو نقص منهما عضو بحيث يوجب انتقاص القيمة، يجب الاعلام واظهار انه اشترى بكذا وكان صحيحا ثم صار عليه هذا العيب الخاص. وكذا لا يسقط ما حطه البايع عن المشتري، لانه ابراء وهبة مستانفة، الا ترى انه قد يبرء جميع الثمن، ولا شك انه (حينئذ خ) يجوز له المرابحة. وكذا لو اخذ الثمر من الاشجار المبتاعة، لا يسقط الثمرة بل يخبر بما اشترى من غير اسقاط الثمرة. والظاهر ان هذا في الثمرة المجددة الغير الموجودة حال شراء الشجرة، والا يجب الاخبار بانه اشترى مثمرة بكذا واخذ الثمرة التي كذا وكذا، لانها جزء من المبيع حينئذ. قوله: " ولو فدى جنايته الخ " يعني لو جني العبد المبتاع ثم فداه المولى بمال لم يجز ان يضم الفداء إلى رأس المال ويخبر انه المجموع وهو ظاهر كما مر من عدم اسقاط ارش الجناية. قوله: " ولو اشترى جملة الخ " يعني لو اشترى امتعة في بيع واحد لم يجز بيع بعضها مرابحة، وان قوم كل واحد عنده بشئ وجعل لكل واحد ثمنا معينا، وان كان بجعله الثمن الادنى في مقابلة اعلاها، لانه كذب، لان بيع الجملة ليس بيع كل جزء بشئ معين.

[ 371 ]

[ وكذا الدلال لو قوم عليه التاجر. ويجوز ان يشترى ما باعه بزيادة أو نقيصة حالا ومؤجلا، ويكره قبل القبض في المكيل والموزون. ] نعم يجوز له ان يبيع ذلك على هذا الوجه، بان يخبر باني اشتريت الجملة التي كانت كذا وكذا، وقومت هذه منها بكذا وكذا وابيعها به وبربح كذا، وحينئذ يصح وان لم يكن مرابحة حقيقية، ولكن يجري عليه حكم المرابحة في الجملة، وهو ظاهر. وموجود في صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال: وسألته عن الرجل يشتري المتاع جميعا ايبيعه مرابحة ثوبا ثوبا؟ قال: لا حتى يبين له بما قومه (1). قوله: " وكذا الدلال الخ " اي لا يجوز للدلال ان يخبر بان رأس مال هذا كذا لو قوم عليه صاحب المتاع بان قال له: بع هذا بكذا وكذا والفاضل لك، لانه كذب. وقد ورد اخبار صحيحة بصحة ذلك، وورد في خبر اخر عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن الرجل يحمل المتاع لاهل السوق وقد قوموا عليه قيمة، ويقولون: بع فما ازددت فلك؟ قال: لا بأس بذلك ولكن لا يبيعهم مرابحة (2). والظاهر حينئذ لزوم الوفاء بذلك القول، للايفاء بالقول والعهد، ولانه الظاهر من هذه الاخبار الصحيحة الدالة على عدم الباس بمثل قوله: بع متاعي بكذا والفاضل لك وما ازددت على كذا وكذا فهو لك، ولانه جعل الجعالة. قوله: " ويجوز ان يشتري الخ " قد مر هذا مرارا، وينبغي التقييد بكون

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 21 من ابواب احكام العقود، الحديث 2 كذا في النسخة المطبوعة وبعض المخطوطة وفي الفقيه والوسائل (انه انما قومه). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب احكام العقود، الحديث 3 وراجع في الباب الاخبار الاخر.

[ 372 ]

[ ولو شرط الشراء في العقد لم يصح ويجوز مع الاطلاق وان قصداه. فلو باع غلامه الحر سلعة ثم اشتراها بازيد جاز الاخبار بالزيادة. ] ما يشتري الان حالا حين الشراء، وتقييد الزيادة والنقيصة بما لا يوصلان الشراء الى عدم الجواز، لاشتماله على الاسراف، وتخصيص الكراهية بغير الطعام وبعير التولية، لما تقدم ان الطعام حرام (1)، والتولية ليست بمكروهة ايضا على الظاهر. وكذا مر شرح قوله: " ولو شرط الشراء في العقد لم يصح الخ " وانه يصح مع الاطلاق، وان كان من قصدهما البيع على البايع بعده، يعنى غرضهما ذلك اول مرة وكان في خاطرهما ذلك، ولكن ما شرطاه، لا لفظا ولا قصدا، نعم قصدهما انه إذا وقع هذا البيع المطلق ان يتعاكسا البيع بعده من غير شرط لفظا ولا معنى، بل اوقعا من دون قصد ذلك وخالية عنه لفظا ونية، الا انهما يريدان ذلك بعده تبرعا واستينافا، لا وفاء للشرط وهو ظاهر. وقد نقل هنا سؤال وجواب في شرح الشرايع وما فهمته (2). واما إذا كان القصد الشرط، وذكر ذلك مقدما، وان لم يذكر في العقد وكان المعاملة على ذلك فالظاهر عدم الانعقاد، كما مر، فتذكر، فلا يحمل القصد على ذلك فان العقود تابعة للقصود، فتأمل. قوله: " فلو باع غلامه الحر الخ " اشتراط الحرية ليصح البيع الاول حتى

(1) يعني ان هذه المعاملة في الطعام حرام. (2) قال في المسالك ج 1 ص 197: ما لفظه: (قيل عليه: ان مخالفة اللفظ (القصد خ) تقتضي بطلان العقد، لان العقود تتبع القصود، فكيف يصح العقد مع مخالفة اللفظ للقصد، واجيب بان القصد وان كان معتبرا في الصحة، فلا يعتبر في البطلان، لتوقف البطلان على اللفظ والقصد، وكذلك الصحة، ولم يوجد في الفرض، وفيه منع ظاهر فان اعتبارهما معا في الصحة يقتضي كون تخلف احدهما كافيا في البطلان، ويرشد إليه عبارة الساهي الغالط والمكره وغيرها، فان التخلف الموجب للبطلان هو القصد خاصة، والا فاللفظ موجود).

[ 373 ]

[ ولو بان الثمن اقل تخير المشتري بين الرضا بالمسمى والرد، ولا يقبل دعواه في الشراء باكثر. ] يجوز الاخبار بالشراء للبيع الثاني وكانه مبني على عدم تملك العبد، واما إذا قيل بتملكه كما هو مذهب الاكثر والمشهور، فالظاهر عدم الاحتياج إلى ذلك لصحة البيع الاول بما وقع، فيصح الاخبار بما وقع. وينبغي ان لا يكون الغرض مجرد الاخبار برأس المال حيلة، ليتحقق البيع الحقيقي فتأمل. قوله: " ولو بان الثمن الخ " يعني لو ظهر ان الثمن الذي وقع عليه العقد اولا، اقل مما اخبر به المشتري ليبيع ثانيا تخير المشتري حينئذ بين الرضا بالبيع الواقع واعطاء الثمن الذي وقع عليه، العقد، لان البيع انما وقع عليه وما حصل الرضا الا به، وما وقع (الا خ) كذب وخيانة من البايع حينئذ، وهو مما لا يوجب البطلان ولا نقص الثمن، نعم يوجب اثما، وبين رد المبيع إلى صاحبه لخيانته وغشه، فتأمل، فانه قد يتخيل عدم الانعقاد رأسا لعدم حصول الرضا الا مبنيا على ذلك القول. واعلم انه ينبغي عدم الايقاع الا المساومة، وعلى تقدير غيرها ينبغي الاخبار بجميع ما يمكن له تأثير في كثرة الثمن، مثل ان كان البيع مع ولده وزوجته وغلامه وامثالهم مما يسامحونهم، لان النفع لم يخرج منهم بالكلية، أو كان غبنا في البيع الاول وما كان المشتري بصيرا مدققا وغير ذلك. قوله: " ولا يقبل دعواه الخ " يعني لو باع المشتري اولا مع الاخبار برأس المال بثمن معلوم ثم ادعى ان رأس المال كان اكثر مما اخبره به لم يقبل دعواه ذلك، ولم تسمع بينته ايضا، لتكذيبه نفسه بالاقرار الاول، ومثل هذا غير مسموع، والا لم يتم اكثر الاقرارات، لانه قد ينقضه ثانيا. ويمكن ان يقال: ينبغي سماع دعواه مع البينة إذا اظهر لاخباره الاول تأويلا مقبولا، مثل ان يقول: قلت لوكيلي ان يبيع بعشر وذهب واشترى وجاء وقال: اشتريته مع جواز الشراء له باكثر وما ذكر الثمن، وتوهمت انه اشتراه بما قلت له، فإذا قد تحقق انه

[ 374 ]

[ وينسب الربح إلى المبيع فيقول: هو على بكذا، واربح فيه كذا، ويكره نسبته إلى المال، فيقول: هو على بكذا واربح في كل عشرة كذا. ] اشتراه باكثر، أو علم غلط الوكيل سهوا وغير ذلك. وتوهم عدم إتمام الاقرارات، مندفع بالشرط والبينة، بل لا يبعد الاحلاف والسماع من غير بينة ايضا، لا مع الظن بصدقه وكونه غالطا في الخبر الاول، فتأمل. قوله: " وينسب الربح الخ " المراد بانتسابه إليه، معنى بالاضافة إليه، سواء كان بواسطة حرف الاضافة مثل اربح فيه، والربح فيه، أو بغير واسطة مثل ربحه كذا. ويكره نسبته إلى الثمن مثل ربح كل عشرة كذا وربح الثمن كذا، واربح في رأس المال كذا وغير ذلك. قيل: لانه يشبه بالربا، مثل ان يقول: (ده دوازده، وده يازده). وللرواية الدالة بالمنع عن مثله، مثل رواية محمد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اني لاكره بيع عشرة باحدى عشرة وعشرة باثنى عشر ونحو ذلك من البيع، ولكن ابيعك بكذا وكذا مساومة، قال: واتاني متاع من مصر فكرهت ان ابيعه كذلك وعظم علي فبعته مساومة (1). ورواية الجراح المدايني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اني اكره بيع ب‍ (ده يازده وده دوازده) ولكن ابيعك بكذا وكذا (2). ودلالتهما غير ظاهرة، بل الظاهر كراهة المرابحة بمثل هذا واولوية المساومة. كما يدل عليه رواية الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قدم لابي عليه السلام متاع من مصر فصنع طعاما ودعا له التجار، فقالوا: ناخذه منك ب (ده دوازده)

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب 14 من ابواب احكام العقود، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب 14 من ابواب احكام العقود، الحديث 2.

[ 375 ]

[ ولو اشترى نسية اخبر بالاجل، فان اهمل تخير المشتري بين الرد والاخذ حالا على رأي. ] فقال لهم ابي عليه السلام: وكم يكون ذلك؟ فقالوا: في كل عشرة آلاف الفين، فقال لهم: اني ابيعكم هذا المتاع باثنى عشر الفا (1). وكانه لما ورد عدم الباس بالمرابحة الغير المضافة إلى الثمن، حمل ما تقدم على الكراهة فيه. وهو في رواية علي بن سعيد قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يبتاع ثوبا فيطلب منه مرابحة، ترى ببيع المرابحة بأسا إذا صدق بالمرابحة وسمى ربحا دانقين أو نصف درهم؟ فقال: لا باس الحديث (2). والعجب ان الدليل قاصر عن الدلالة على الكراهة، نقل في شرح الشرايع القول بالتحريم، مع التصريح بالكراهة، لاجله، لعل عنده دليل غير ما نقلناه، فتأمل. قوله: " ولو اشترى نسية الخ " يعني لو كان في البيع الاول اجل، لابد ان يخبر انه كان مؤجلا بكذا لان الاجل له قسط من الثمن، ولان تركه خيانة وغش، فان اهمل وترك ذكر الاجل، كان كمن زاد في الثمن، فكان للمشتري ثانيا الخيار، قال المصنف: تخير المشتري بين الرد والاخذ بالثمن حالا، كما مر في الزيادة على الثمن، ولانه ليس باعظم منه، ولانه ما وقع البيع الا على الثمن حالا فلما تبين خيانته وغشه يكون للمشتري الخيار في الرد والرضا بما وقع. هذا مقتضى القواعد، واما مقتضى الرواية، فهو ان له المتاع مؤجلا بمثل الاجل الذي اشتراه البايع اولا. كانه ارغاما لانفه حتى لا يعمل الخيانة.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب احكام العقود، الحديث 1 وتمام الحديث (فباعهم مساومة). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 12 من ابواب حكم العقود، الحديث 1.

[ 376 ]

[ ولو قال: بعتك بماءة وربح كل عشرة درهم فالثمن ماءة وعشرة. ولو قال: وضيعة كل عشرة درهم، أو مواضعة العشرة درهم فالثمن تسعون، ويحتمل احد وتسعون الا جزء من احد عشر جزء من درهم. ] ولانه انما اراد المقدار المعلوم من الزيادة على رأس المال فيحمل على رضاه بالاجل، الا انه ما ذكره. ولانه ذكره من غير قيد الاجل. والحلول يحمل على الاجل هنا، لكونه مرابحة مع الاجل في الاول، وان كان محمولا في غير هذه الصورة على الحال (1). لصحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يشتري المتاع إلى اجل؟ فقال: ليس له ان يبيعه مرابحة الا إلى الاجل الذي اشتراه إليه، وان باعه مرابحة ولم يخبره كان للذي اشتراه من الاجل مثل ذلك (2). وهذه صريحة وما رأيت غيرها. وقيل ظاهر الاخبار يقتضي ثبوت مثل الاجل، والظاهر ان تكون مخصوصة بصورة ترك الاجل والحال، ويكون الحكم في صورة ذكر الحال ما ذكره المصنف. قوله: " ولو قال: بعتك بماءة الخ " هو ظاهر، لان ربح كل عشرة خارج عنها، فتزيد على الماءة عشرة دراهم، فيكون مجموع الثمن الثاني ماءة وعشرة. قوله: " ولو قال: وضيعة كل الخ " اشارة إلى حكم المواضعة، وهو القسم الثاني، اي لو قال: بعتك هذا بماءة وهو رأس المال ووضيعة كل عشرة،

(1) في النسخة المطبوعة بعد قوله (على الحال) ما لفظه (ولصحة الرواية وان لم يكن منطبقا على القاعدة، فيكون الحكم تعبديا خارجا عنها، وهي صحيحة هشام الخ). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 25 من ابواب أحكام العقود، الحديث 2.

[ 377 ]

[... ] درهم، أو مواضعته ذلك، والوضيعة والمواضعة بمعنى واحد والاول اولى، لعدم الوضيعة الا من جانب واحد، فلا يحتاج إلى التكلف. كان قوله: " وضيعة الخ " جملة حالية، أو يكون الواو بمعنى مع، وهو بعيد، فالظاهر وجود الواو قبل قوله: وضيعة. قيل: وجه كون الثمن حينئذ تسعون (1)، ان الاضافة بمعنى (من) التبعيضية، فكأنه قيل: والوضيعة من كل عشرة دراهم، درهم، وذلك يقتضي كون الوضيعة لكل عشرة جزء لها، فإذا وضع من كل عشرة من ماءة واحدا يبقى تسعون، وهو واضح. ووجه الثاني (2) احتمال كون الاضافة بمعنى اللام، فكأنه قيل (يقول خ): الوضيع لكل عشرة درهم، فيكون الوضيعة حينئذ خارجة عما وضع عنه، كالربح لكل عشرة، وإذا اخذ لكل عشرة درهم من خارج، يجتمع الوضيعة تسعة، ويبقى واحدة، وإذا جزءت باحد عشر جزء وحذف احدها صار الوضيعة تسعة دراهم وجزء واحد من احد عشر جزء من درهم واحد، فالثمن احد وتسعون جزء الا جزء من احد عشر جزء من درهم، وهو ظاهر. وكانه اخذ من القواعد حيث ذكر انه إذا قال: والوضيعة من كل عشر (عشرة خ) درهم يكون الثمن تسعين، وإذا قال: لكل عشرة يكون واحدا وتسعين الا جزء من احد عشر جزء من درهم واحد. فيه تأمل فانه يحتمل كون الاضافة بالمعنيين، ولا ترجيح، فينبغي البطلان، لعدم العلم.

(1) هكذا في النسخ والصواب (تسعين). (2) اي الاحتمال المذكور في المتن من قوله (ويحتمل احد وتسعون).

[ 378 ]

[... ] ويحتمل رجحان الاول للتبادر إلى الذهن، وكانه لذلك قدمه، ولان اللام لا يقتضي خروج الوضيعة عن الموضوع، ولهذا يصح ان يقال: والوضيعة لرأس المال كذا وغير ذلك. ويحتمل رجحان الثاني، بان الاصل عدم الوضع، فكل ما يحتمل الاقل بكون الحمل عليه اولى. ثم على تقدير تسليم أن مقتضى الكلام ان الوضع لكل عشرة درهم، فبعد حذف التسعة من ماءة لا ينبغي وضع شئ آخر عن تلك الواحدة، إذ لا دليل عليه، فيكون الثمن واحدا وتسعين. ويؤيده ان الاصل عدم الوضع، فلو ادعى هذا المعنى تقبل عنه، ولو مات أو تعذر التفسير يحمل عليه جزما. ومنه قد علمت ان البناء الثاني غير جيد وان هنا احتمالا آخر اولى من الاحتمالين، وما تعرض له الاصحاب. والبناء الاول ايضا غير جيد، لان الاضافة بمعنى (من) لا تكون الا في من البيانية، وذلك مشهور ومبين في موضعه في كتب النحو، الا اني رأيت في حاشية السيد على الكشاف (1) في بيان معنى فاتحة الكتاب ان الاضافة بمعنى (من) قد

(1) المناسب هنا نقل عبارة السيد في حاشيته على الكشاف (قال صاحب الكشاف: وهذه الاضافة بمعنى (من) لان اول الشئ بعضه، ورد عليه بان البعض قد يطلق على ما هو فرد الشئ كما يقال: زيد بعض الانسان، وعلى ما هو جزء له كما يقال: ان اليد بعض زيد، واضافة الاول إلى الشئ بمعنى (من) دون الثاني، ومن ثمة اشترط في الاضافة بمعنى (من) كون المضاف إليه جنسا للمضاف صادقا عليه، وجعل (من) بيانية، كخاتم فضة، إلى ان قال: فان قلت: جوز العلامة في سورة لقمان الاضافة بمعنى (من) التبعيضية وجعلها قسيم الاضافة بمعنى (من) البيانية، حيث قال: معنى اضافة اللهو إلى الحديث التبين، وهي الاضافة بمعنى (من) كقولك: باب ساج والمعنى: من يشتري اللهو من الحديث، واللهو يكون من الحديث ومن غيره، فبين بالحديث، والمراد بالحديث، الحديث المنكر (إلى ان قال): ويجوز ان تكون الاضافة بمعنى (من) التبعيضية، كانه قيل: ومن

[ 379 ]

[... ] تكون في من التبعيضية، نقله عن البعض وعن صاحب الكشا ف انه قال: يجوز ذلك في (لهو الحديث) كما سيجئ. وعلى تقدير جواز كونها للتبعيض حينئذ، الحصر فيه غير ظاهر، لجواز كونها لغيره، فيحتمل ان يكون الوضيعة من كل عشرة سالمة، درهم، فيؤل إلى الاحتمال الذي ذكرناه، وهو الاولى، لما مر. فعلم ان الاحتمالين غير جيدين، بل هنا احتمال ارجح، وان البناء غير جيد (وانه على تقديره لا يثبت عليه المبنى عليه خ) وان ما رتب على البناء الثاني لا يترتب عليه. ثم الظاهر ان ليس ببعيد كون مراد المصنف ان الاولى الاحتمال الاول مبنيا على تقدير كون الوضيعة من كل عشر، والثاني على تقدير كونها لكل عشر لما تقدم انه صرح في القواعد بل في غيره ايضا انه إذا قال من كل عشر يكون الحكم ما تقدم، وكذا (لكل) ولكن لا بمعنى كون الاضافة الاولى بمعنى (من) والثانية بمعنى (اللام)، بل بمعنى تقدير (من، واللام) وحذفهما منه لفظا مع وجودهما نية والايصال كما يؤخذ في الفعل. وايضا ليس ببعيد دعوى التبادر من قوله: " من كل عشر درهم) ما ذكره، ولهذا ما نقل الخلاف فيما إذا تلفظ ب‍ (من) وقيل، من كل. على انه قد نقل في حاشية (الكشاف) وجود الاضافة بمعنى (من) التبعيضية في فاتحة الكتاب، كما في قوله تعالى (لهو الحديث). فالمناقشة بان الاضافة بمعنى (من) انما يكون في (من) البيانية ساقطة، إذ

(1) الناس من يشتري بعض الحديث الذي اللهو منه الخ (نقلا من حاشية السيد - على الكشاف -، ط بيروت ص 22.

[ 380 ]

[... ] لا يخفى على مثل المصنف وغيره خفاء هذا المعنى مع وجوده في اكثر كتب النحو ويعرفه المبتدؤن، بل يكون نظره إما الى ما قلناه، أو الى ما ذكره في حاشية الكشاف. قال في اضافة فاتحة الكتاب: وذكر بعضهم ان هذه الاضافة بمعنى من التبعيضية، لان (فاتحة خ) الشئ بعضه. وقال في الكشاف - في اوائل سورة لقمان في تفسير (ومن الناس من يشترى لهو الحديث) ان معنى اضافة اللهو إلى الحديث، والتبيين، وهي الاضافة بمعنى من (إلى قوله): ويجوز ان يكون الاضافة بمعنى (من) التبعيضية، كانه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه، وقال: المراد الحديث المنكر، كما ورد: (الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش). وبالجملة قد علم من صاحب الكشاف تجويز الاضافة بمعنى (من) التبعيضية في لهو الحديث، ونقله المحشى عن البعض ايضا في فاتحة الكتاب، فسقط المناقشة بعدم كون الاضافة بمعنى (من) الا البيانية. وايضا يمكن ان يقال: ان المتبادر خروج الوضيعة عن العشرة إذا كان الكلام بتقدير اللام. ويكون تقسيم الدرهم الواحد بناء على ان المقصود تجزي كل جزء من رأس المال باحد عشر جزء، والوضيعة لكل عشرة جزء من خارجها (خارجا)، بناء على ملاحظة الاحتياط لجانب المشتري، والاصل (ولاصل خ ل) عدم الزيادة. ولكن بقي بعض المناقشات مع المناقشة في التوجيه، فتأمل فان ما ذكرناه غاية ما امكن.

[ 381 ]

[ والتولية، البيع برأس المال، فإذا قال وليتك اياه، أو بعتك بمثل ما اشتريت لزم المشترى ما وقع عليه العقد. ] قوله: " والتولية البيع الخ " اشارة إلى القسم الثالث، وهو اولى من الاوليين إذا كان المشتري مؤمنا لكراهة الربح على المؤمن، والثاني يمكن ان يكون اولى منهما، وكون الثالث اولى من الاول لحفظ رأس المال خصوصا مع حاجة البايع وغنى المشتري. وقد ترك المساومة التي هي اولى من الكل، لما مر دليله، ودلت عليه الاخبار المتقدمة ايضا في كراهة اضافة الربح إلى الثمن، ولعل وجه الترك ظهورها وشهرتها، لكون اكثر البيوع على ذلك الوجه، فتأمل.

[ 382 ]

[ المقصد الرابع في اللواحق وفيه مطالب: الأول: في الخيار وفيه فصلان: الأول: في أقسامه وهي سبعة: خيار المجلس، ويثبت في البيع خاصة ما لم يفترقا اختيارا، أو يشترطا سقوطه، أو يوجباه، ولو اوجبه احدهما سقط خياره خاصة. ] قوله: " المقصد الرابع في اللواحق " الى قوله: خيار المجلس إلخ " قال في التذكرة: الاصل في البيع اللزوم، لان الشارع قد وضعه مفيدا لنقل الملك من البايع إلى المشتري، والاصل الاستصحاب وكون الغرض تمكين (تمكن خ) كل من المتعاقدين من التصرف فيما صار إليه، وانما يتم باللزوم، ليؤمن من نقض صاحبه عليه، وانما يخرج عن اصله بامرين احدهما ثبوت الخيار، والثاني ظهور عيب في احد العوضين (1). لعله يظهر عدم الخلاف في ان مقتضى البيع هو اللزوم مستندا إلى الكتاب

(1) إلى هنا كلام التذكرة، وزاد فيه بعد قوله (ثبوت الخيار): إما لاحد المتعاقدين أو لهما من غير نقص في احد العوضين بل للتروي خاصة.

[ 383 ]

[... ] والسنة، مثل قوله تعالى: اوفوا بالعقود (1). ومثل قول ابي عبد الله عليه السلام: المسلمون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله فانه لا يجوز، في صحيحة عبد الله بن سنان (2) وغير ذلك كما سيجئ، فهو مؤيد لما قلناه من اللزوم في بيع المعاطاة، فتذكر. ثم ان اقسام الخيار سبعة: (الاول) خيار المجلس، لعل الاضافة من قبيل اضافة المسبب إلى السبب كما في خيار الغبن، اي خيار سبب ثبوته كون المتعاقدين في مكان العقد، أو في حكمه، مثل ان فارقاه مصطحبين، وبقاءه بقائهما على تلك الحالة ولم يفارق احدهما الآخر تفارقا عرفيا. دليله اجماع الاصحاب كما يفهم من التذكرة، مستندا إلى الاخبار. مثل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (3). وصحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البايعان (البيعان ئل) بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان ثلاث (4). وفي حديث آخر (التاجران) بدل (البايعان) (5).

(1) سورة المائدة / 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الخيار، الحديث 2. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 3. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 6. (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الخيار، الحديث 6 ولفظ الحديث (عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا التاجران ان صدقا وبرا بورك لهما فإذا كذبا وخانا لم يبارك لهما وهما بالخيار ما لم يفترقا الحديث).

[ 384 ]

[... ] وفي صحيحة الفضيل عن ابي عبد الله عليه السلام (كانه ابن يسار الثقة) في حديث: البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما (1)، اي في البيع. وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار إلى ثلاثة ايام (2) وغير ذلك. ثم انه ذكر في التذكرة: ان مسقط هذا الخيار اربعة: (الاول): الافتراق، الظاهر ان المراد تفرق احدهما عن الاخر، بحيث يقال: انه تفرق لغة وعرفا. قال فيها: السقوط به اجماعي، ولما ثبت في الشرع كونه مسقطا ولم يبين معناه شرعا، كان المراد به العرفي كما في غيره، مثل القبض والحرز والاحياء. والظاهر انه يتحقق بالخطا، للصدق. ويدل عليه صحيحة محمد بن مسلم قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: اني ابتعت ارضا، فلما استوجبتها قمت فمشيت خطا ثم رجعت فاردت أن يجب البيع (3). وحسنة محمد بن مسلم قال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: بايعت رجلا، فلما بايعته قمت فمشيت خطا، ثم رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا (4).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الخيار، الحديث 3. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الخيار، الحديث 1. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الخيار، الحديث 2. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الخيار، الحديث 3.

[ 385 ]

[... ] وهذه كالصريحة في ان الاعتداد بمجرد المفارقة بالخطئ. ويفهم من كلامهم انها يتحقق بشئ يسير، مثل خطوة، كما صرح في التهذيب والاستبصار (1). وحسنة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ايما رجل اشترى من رجل بيعا، فهو بالخيار حتى يفترقا، فإذا افترقا وجب البيع، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: ان ابي اشترى أرضا يقال لها العريض من رجل، فابتاعها من صاحبها بدنانير، فقال: اعطيك ورقا بكل دينار عشرة دراهم، فباعه بها، فقام ابي فاتبعته، فقلت: يا ابه لم قمت سريعا؟ قال: اردت ان يجب البيع (2) اي فقمت فمشيت، كانه المراد بقرينة قوله: فاتبعته، فمجرد القيام لا يكفى. لعل فيها دلالة على جواز بيع ما في الذمة قبل القبض وفي زمان الخيار في الجملة. ومنها يعلم ان تفرق احدهما يكفي ولو كان قليلا، وقد مر في الصرف ما يدل على ان مفارقتهما عن المجلس لا يضر، بل لابد من تفرق احدهما الاخر، وان ضرب الحائل لا يضر، لانه ليس بمفارقة. ويحتمل عدم تحقق المفارقة بموت احدهما، فيثب الخيار للحي ولورثة الميت لقيامهم مقامه. وفيه تأمل لعدم صدق البايع والتاجر المذكور في الاخبار، عليهم، لعل العدم اظهر، فتأمل. والظاهر ان الثبوت لمن اوقع العقد سواء كان مالكا أو وكيلا، وليس

(1) قاله في مقام الجمع بين الاخبار المتعارضة في هذه المسألة: بقوله (لان القدر الموجب للبيع شئ يسير ولو مقدار خطوة فانه يجب به البيع). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الخيار، الحديث 4.

[ 386 ]

[... ] ببعيد ثبوته للوكيل بمجرد التوكيل في العقد، لكونه من توابع العقد، وهو الظاهر من الاخبار، لصدق البايع، وهو المذكور فيها، من دون قيد المالك، والوكيل مع الوكالة في الخيار، ويمكن توقفه على الوكيل، وترك للظهور وقيد به، لان الاصل عدم دخوله في توكيل العقد والظاهر انه يحصل بالتوكيل قبل العقد، وان قلنا بعدم جواز الوكالة فيما ليس للموكل فعل ذلك حين الوكالة، لانه تابع اصل تجري الوكالة فيه، مثل ان يوكل في بيع شئ ثم بيع ذلك الشئ وآخر وهكذا، بل عتقه واجارته وغير ذلك، كما يظهر من باب الوكالة وسيجئ تحقيق ذلك ان شاء الله تعالى. هذا، قال في التذكرة: لو اشترى الوكيل أو باع أو تعاقد الوكيلان، فالاقرب تعلق الخيار بهما وبالموكلين جميعا في المجلس، والا فبالموكلين (1). وفيه خروج عن ظاهر النص في الجملة، فتأمل وانه لا يبعد ثبوت الخيار للمالك ايضا على تقدير كون العاقد وكيله، لان يده يد الموكل بل هو البايع حقيقة. وعدمه اظهر، لعدم صدق البايع والتاجر في هذا العقد والبيع لغة وعرفا وشرعا الا على الوكيل، فتأمل. (الثاني) اشتراط سقوط الخيار في متن العقد بالمعنى الذي تقدم، ولعله لا خلاف عندنا فيه ايضا، واوفوا بالعقود وصحيحة المسلمون عند شروطهم وغيرها. دليله ايضا. (الثالث) الاختيار، قال في التذكرة: يقطع خيار المجلس اجماعا، وصورته ان يقولا تخايرنا أو اخترنا امضاء العقد، أو امضيناه أو اخترناه أو التزمناه وما اشبه ذلك.

(1) هكذا في النسخ وفي التذكرة (والا فبالوكيلين) وهو الصواب.

[ 387 ]

[... ] والظاهر ان ذلك بعد العقد، ولو كان قبله أو في اثنائه فهو يلحق بالشرط المسقط كما اشار إليه في التذكرة. وان تلك الصيغة من الاثنين، فإذا قال احدهما بوكالة الاخر ايضا يمكن صحة ذلك. وانه إذا قال احدهما ما يدل على الاختيار والامضاء دون الاخر يسقط خياره دونه. (الرابع) التصرف، فان كان من البايع في المبيع فهو فسخ منه للعقد، فيبطل، وان كان من المشتري فهو التزام منه فما بقى له الخيار، وان كان في الثمن فالظاهر ان الامر بالعكس، وان كان منهما فالظاهر انه يقدم من تصرفه فسخ، وهو ظاهر. قال في التذكرة: لو اختار احدهما الامضاء والاخر الفسخ قدم الفسخ على الاجازة، إذ لا يمكن الجمع ولا انتفائهما لاشتماله على الجمع بين النقيضين، فيتعين تقديم احدهما، لكن الذي اختار الامضاء، قد دخل في عقد ينفسخ باختيار صاحبه الفسخ، ورضى به، فلا اثر لرضاه به لازما بعد ذلك (1). ثم ان المراد بالتصرف غير ظاهر، هل هو اللازم والمخرج عن الملك أو اعم؟ فهو مجمل، وكذا دليله ايضا غير واضح، إذ مجرد التصرف في المبيع مثلا لا يدل على الفسخ من جانب البايع، إذ قد يكون سهوا أو لغرض اخر مباح أو حرام. وبالجملة انه اعم، الا ان تدل قرينة، ومع ذلك قد لا يكون الفعل كافيا في اختيار الفسخ، ويحتاج إلى اللفظ، فتأمل. ولعله موكول إلى العرف، فكل ما يعد تصرفا مؤذنا إلى انه في ملكه

(1) إلى هنا كلام التذكرة.

[ 388 ]

[... ] واختياره وقصده، فهو التصرف المعتبر، دون الغير، فتأمل. لعله يظهر فيما سيجئ له وجه تحقيق ما. والمصنف هنا اشار إلى الثلاثة وما ذكر التصرف، ولعله لظهوره، ولما سيجئ في خيار الحيوان انه مسقط. وقيد المفارقة المسقطة، بالاختيار، وما رايت له دليلا في النص، ولعل وجهه ما يتخيل ان الفعل الجبري بمنزلة العدم، فانه ما فعله باختياره، فكأنه بعد باق في محله، خصوصا إذا كان عارفا بالمسألة واراد الجلوس، لعله يظهر له وجه يدل على عدم مصلحته في هذا العقد. ولانه لولا ذلك لم يتم لاثبات هذا الخيار كثير فائدة، إذ قد يجبر احدهما الاخر على المفارقة. وفي الكل تأمل، خصوصا الاخير، إذ الظاهر ان مفارقة احدهما يسقط خيار الاخر ايضا كما مر في الخبرين، فالفسخ بيده من دون ان يجبر الاخر على التفرق. قال في التذكرة: لو اكرها على التفرق وترك التخاير لم يسقط خيار المجلس، الا ان يوجد منه ما يدل على اللزوم، وهو اظهر الطريقين عند الشافعية، إلى قوله: ولو ضربا حتى يفترقا بانفسهما، فالاقرب عدم انقطاع الخيار، هذا. وظاهر الاخبار عام، فلو لم يكن اجماع ونحوه، يمكن القول بالسقوط، ويؤيده ان الامر بيده لو اراد الفسخ لقال: فسخت (1)، الا ان يمنع عن ذلك ايضا قهرا وكان جاهلا، أو يكون له بعد تأمل، فتأمل. واعلم ان الظاهر ان هذا الخيار مخصوص بالبيع عند الاصحاب، حتى انه لم

(1) وفي بعض النسخ هكذا (ولو اراد عدم الفسخ لقال: التزمت).

[ 389 ]

[... ] يجر في الصلح في المعاوضة التي شبيه بالبيع، لعدم كونه بيعا، وكون الدليل مخصوصا بالبيع، مع عدم القول بالقياس، وقد صرح به في التذكرة. وايضا الظاهر ان ثبوته في انواع البيع اجماعي، الا في صورتين نقل الخلاف فيهما في التذكرة. الاولى: من باع مال نفسه من ولده، ومثله بيع مال احد ولديه على الاخر، قال: فالاقرب ثبوت الخيار هنا، وهو اصح وجهي الشافعية. وفيه تأمل إذ لا اجماع فيه على ما يظهر، والاخبار التي هي المستند لا تشملهما، لقوله عليه السلام: البيعان. ولانه جعل له غاية لا يمكن هنا، وهي تفرق احدهما عن الاخر، وقد مر ان اصل العقد يقتضي اللزوم. واجاب في التذكرة عن القول بالعدم - لعدم البيعان الذي في الخبر - بانه ورد على الغالب. وفيه تأمل، لانه غير معلوم، وعلى تقدير التسليم فمن اين يعلم هنا الخيار، والدليل الذي ورد مخصوص بالغالب. ثم العجب انه جعل هذا الخيار للطرفين في يد الولي دائما ما لم يسقط بالشرط والتخاير، مع ان في الاصل المنصوص عليه ما كان كذلك، فينبغي السقوط بالتصرف هنا وبمفارقة المجلس، بجعله نازلة منزلة الرفيق. كما انه جعله بمنزلة الشخص وقال: هو احد وجهي الشافعية، وليس بجيد، وحينئذ انما يلزم باسقاط الخيار أو اشتراط سقوطه في العقد، والا يثبت دائما. والثانية لو اشترى من ينعتق عليه بالملك كالاب، فالظاهر هنا عدم ثبوت الخيار للمشتري، ترجيحا لادلة العتق التي دلت على ان من اشترى اباه مثلا، ينعتق عليه فلا خيار له ان يجعله رقا بعد ان صار معتقا، فتخير البيعين انما يكون في

[ 390 ]

[... ] المبيع الذي يجوز تملكهما، وهنا ليس كذلك. ولانه لم يعهد في الشرع عود المعتق رقا، ويبعد القول بعدم الملك في زمان الخيار، لما ثبت ان العقد مملك، وسيجئ. ويشعر به ادلة عتق من ينعتق على المشتري، ويبعد ايضا القول بانه بالفسخ ينكشف عدم الملك، وهو ظاهر. ثم الظاهر ان ليس للبايع ايضا الخيار هنا، لبعض ما تقدم، خصوصا مع علمه. وبالجملة لعل ترجيح العتق - الذي يترجح عندهم بادنى شئ - لا يبعد، عملا بمقتضى العقد من غير لزوم محذور، الا تخصيص دليل الخيار على تقدير القول بعمومه، على ان في عمومه تأملا، فتأمل ولا اجماع حتى يلزم خلافه، بل تخصيصه ايضا. قال في التذكرة: لو اشترى من ينعتق عليه بالملك كالاب والابن لم يثبت خيار المجلس هنا ايضا (1) إلى قوله: النظر إلى جانب العتق اقوى، وهو احد قولي الشافعية (2) لقوله صلى الله عليه وآله: لن يجزى ولد والده الا بان يجده مملوكا يشتريه فيعتقه (3) فانه يقتضي انشاء اعتاق بعد العقد، وهو ممنوع، إلى اخره وهذا يشعر بعدم الخلاف عند الاصحاب، حيث خص المدعى، ودليله باحد قولي الشافعية، فان عندنا انه ينعتق ولا يحتاج إلى انشاء عتق، فكأنه إليه اشار بقوله: وهو ممنوع، نعم يمكن الاستدلال بعموم ادلة خيار المجلس، وقد مر جوابه.

(1) وتمامه: لانه ليس عقد مغابنة من جهة المشتري، لانه وطن نفسه على الغبن المالي والمقصود من الخيار ان ينظر ويتروى لدفع الغبن عن نفسه، واما من جهة البايع فهو وان كان عقد معاوضة، لكن النظر الخ. (2) وفي التذكرة (وفي الاخر يثبت لقوله الخ). (3) سنن ابن ماجة، ج 2، (33) كتاب الادب (1) باب بر الوالدين، ص 1207 الحديث 3659.

[ 391 ]

[ وخيار الحيوان وهو ثابت للمشترى خاصة ثلاثة ايام من حين العقد على رأي شرطاه اولا. ] قوله: " وخيار الحيوان الخ " الظاهر ان ثبوت الخيار ثلاثة ايام للمشتري في الحيوان، مما لا خلاف فيه للاصحاب وقد ادعى عليه الاجماع في التذكرة قال: وهو عند علمائنا اجمع، خلافا للجمهور كافة، لنا الاخبار المتواترة عن اهل البيت عليهم السلام بذلك، وهم اعرف بالاحكام، حيث هم مظنتها ومهبطها وملازموا الرسول صلى الله عليه وآله. قد مرت الاخبار الدالة عليه في خيار المجلس. ويدل عليه اخبار اخر، مثل صحيحة علي بن رئاب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الشرط في الحيوان ثلاثة ايام للمشتري اشترط أم لم يشترط، فان احدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة ايام فذلك رضى منه فلا شرط له، قيل له: وما الحدث؟ قال: ان لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم قبل الشراء (1). لعل فيها دلالة على جواز النظر إلى وجه الامة مطلقا، فافهم. وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: في الحيوان كله شرط ثلاثة ايام للمشتري وهو بالخيار فيها ان اشترط أو لم يشترط (2). وصحيحة ابن سنان (كانه عبد الله الثقة) قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري الدابة أو العبد، ويشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد أو الدابة أو يحدث فيه الحدث على من ضمان ذلك؟ فقال: على البايع حتى ينقضي الشرط ثلاثة ايام ويصير المبيع للمشتري (شرط البايع أو لم

(1) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 392 ]

[... ] يشترط يب) (1). والاخبار في ذلك كثيرة وليس فيه النزاع والشك. انما الشك في موضعين، (احدهما) ثبوته لبايعه ايضا و (2) لمن يبيع الدراهم والمتاع بالحيوان، مثل ان يقول: بعتك هذه الدراهم أو المتاع بهذا الحيوان ويقول صاحبه اشتريتها به، والظاهر ثبوته حينئذ له. وبالجملة الظاهر انه ثابت لمن ينتقل إليه الحيوان بعقد البيع، سواء يقال له البايع أو المشتري، واتى في الصيغة بلفظ البيع أو الشراء، قدمها أو اخرها، لان الحكمة في الخيار فيه ان الحيوان مظنة العيب، ويختفى عيبه كثيرا ولا يظهر غالبا. وايضا يتعلق به اغراض كثيرة مختلفة، ولا يعلم حصولها منه الا بالاختيار ومرور الايام، فشرع الخيار ليعلم ذلك، وهو يدل على ثبوته لكل من ينتقل إليه. والعمدة في ذلك الاخبار المتقدمة، مثل صحيحة وحسنة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البايعان (البيعان كا - ئل) بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان ثلاث (ثلاثة - كا) (3). الظاهر ان المراد ان صاحبه الذي عنده ومالكه بالفعل - لا الذي كان - مخير ثلاثة ايام. وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة ايام (4).

(1) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب الخيار، الحديث 2. (2) يعني ثانيها لمن يبيع الدراهم الخ. (3) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 6 وقوله قدس سره (صحيحة وحسنة) يعني حسنة بطريق الكافي وصحيحة بطريق التهذيب. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 393 ]

[... ] وما في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام قال: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة ايام ان كان بها حبل أو برص أو نحو هذا (1) تأمل فيه. وبالجملة الظاهر شمول هذه الاخبار لمن قلناه، وان قلنا بشموله لغيره ايضا. ويمكن ان يراد بالمشتري في سائر الاخبار ايضا ما يعمه بنوع من الاعتبار، فافهم. واما ثبوته لبايعه الذي انتقل عنه، فالاصل، وما تقدم من الكتاب والسنة الدالة على لزوم البيع دليل عدمه. مؤيدا بالشهرة، بل الاجماع المدعى، قاله في الدروس، لان القائل به السيد المرتضى على ما نقل، وما ذهب إليه بعده احد، فصار بعده اجماعا. وبمفهوم الاخبار المتقدمة، وان لم يكن المفهوم حجة مطلقا، ولكن يفهم من سوق الاخبار كونه حجة هنا، حيث قال: الخيار للمتبايعين حتى يفترقا ولصاحب الحيوان ثلاثة، في الخبرين المتقدمين، ولو كان الخيار لهما في الحيوان ايضا ما كان ينبغي ان يخصص باحدهما بعد ان ذكر الخيار لهما في غيره، ولا يفصل، بل يقول: هما بالخيار ما لم يفترقا وفي الحيوان ثلاثة ايام، هذا هو مقتضى كلام من بكلامه الاعتداد والاحتجاج. وكذا في سائر الاخبار المتقدمة. مثل ما في رواية فضيل عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ فقال: ثلاثة ايام للمشتري، قلت: فما الشرط في غير الحيوان؟

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب بيع الخيار، الحديث 7 وتمام الحديث (وعهدته سنة من الجنون، فما بعد السنة فليس بشئ).

[ 394 ]

[... ] قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا الخ (1). وهو كالصريح في النفي عن البايع، فليس الاستدلال بمفهوم اللقب الضعيف جدا، بل بسوق الكلام والمقابلة ولزوم اللغوية، ويحتمل كونه مفهوم الوصف كما ذكره في التذكرة فتأمل. ولعل دليل السيد على ثبوت الخيار له، عموم بعض ما يدل على الخيار في الحيوان ثلاثة ايام، وشمول لفظة صاحب الحيوان الذي تقدم في الاخبار، له ايضا، وما ذكر له هذا الدليل. ورواية محمد بن مسلم المتقدمة عن ابي عبد الله عليه السلام قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة ايام في الحيوان وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (2). ويمكن ان يقال: بمنع العموم بحيث يظن شموله لمحل النزاع، وظاهر صاحب الحيوان، هو الصاحب الآن كما تقدم. نعم رواية محمد بن مسلم ظاهرة في ذلك، وقيل: صحيحة وصريحة في الثبوت، وهو الظاهر. الا ان فيه بعض الشك والمناقشة، لوجود ابي ايوب الخزاز، وهو محتمل لغير المشهور الثقة، وان كان الظاهر انه هو، ومحمد بن مسلم ايضا مشترك، وان كان الظاهر فيه ايضا انه المشهور الثقة (3). ولعدم صراحتها في ثبوت الخيار لبايع الحيوان بغيره، لاحتمال ان يكون لواحد منهما الخيار، لا لكل واحد، وهو المشتري لما تقدم، ولاحتمال ان يكون

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، اورد صدره في باب 3 الحديث 5 وذيله في باب 1 الحديث 3 من ابواب الخيار. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 3. (3) سند الحديث كما في التهذيب (الحسين بن سعيد عن صفوان عن أبي ايوب عن محمد بن مسلم).

[ 395 ]

[... ] لاحدهما وعلى الاخر القبول، فبينهما خيار ولا ينافيهما قوله بعده: وفيما سوى الخ كما يفهم من شرح الشرايع، إذ يقال: بجريانهما فيه ايضا. وليس دليل خيار المجلس منحصرا فيهما، لما تقدم من الاجماع والاخبار مع عدم المعارض. ويمكن ان يقال ايضا: لا عموم في المتبايعين، فيحتمل العهدين والجنس في الجملة، لا الاستغراق، ويكون المراد المتبايعان اللذان باع احدهما حيوانا واشترى الآخر ايضا بحيوان، فيكون لكل واحد منهما الخيار في الحيوان في الجملة وفي بعض الصور، وهي هذه. ويؤيده ما تقدم من ثبوت الخيار لمن انتقل إليه الحيوان مطلقا. وايضا على تقدير تسليم الاستغراق، ما قال في كل بيع وشراء، يعني حصل له عموم الافراد لا عموم الاحوال والاوضاع، فيحتمل ان يكون المراد كل المتبايعين بالخيار في الحيوان الذي انتقل إليه أو في حيوانه، سواء كان لهما الخيار في عقد واحد، بان يكون الثمن والمثمن كلاهما حيوانا، أو لكل في عقد، للمشتري فقط فيما إذا كان في المبيع فقط حيوان، أو للبايع فقط فيما إذا كان الثمن ذلك فقط. ويؤيده ايضا ما تقدم في بعض الاخبار والاعتبار والجمع في الجملة، إذ يمكن الاستدلال بالاخبار على نفيه للبايع كما تقدم من سوق الكلام، أو من جهة المفهوم وارجاعه إلى مفهوم الوصف لا اللقب كما اشار إليه في التذكرة، وحفظ عمومات الكتاب والسنة الدالة على وجوب الوفاء بالعقد ولزومه مهما امكن والشهرة، بل الاجماع. ويؤيده ايضا ان القائل به لم يعمل بالخبر الواحد مع سلامته من الضعف فكيف معه مما تقدم، فالعجب من السيد القائل بعدم العمل به، الفتوى بمثل هذا الخبر في مثل هذه المسألة، وامثاله كثيرة منقولة عنه قدس الله سره، ولعل له دليلا

[ 396 ]

[ ولو شرطا سقوطه أو اسقطاه (اسقاطه خ) بعد العقد، أو تصرف المشترى سقط. ] اخر غير ما وصل إلى الجماعة الناقلين، الله يعلم. والثاني في ابتداء هذه الثلاثة، هل هو من حين العقد، أو بعد التفرق؟. الظاهر الاول حيث دلت الاخبار على ان خيار الحيوان ثلاثة ايام، وخيار غيره ما لم يتفرقا، فانه يفهم منه ان كليهما في الابتداء سواء، وانما الاختلاف في النهاية. وما في رواية محمد بن مسلم - من قوله: وفيما سوى ذلك من بيع - حتى يفترقا، اظهر، فافهم. ولان المتبادر في الاجل المذكور بعد العقد، اتصاله بزمان العقد. ولان الاصل اللزوم وعدم الخيار، ومعلوم كونه ثلاثة من زمان العقد وبعده غير معلوم، فلا يصار إليه لعدم دليل يقاوم ما يدل على اللزوم. وما يستدل على غير ذلك ضعيف، ولهذا اختار في الشرايع الاول، والمصنف هنا ايضا، كما اشار إليه بقوله: ثلاثة ايام من حين العقد على رأى، اي على رأيي، كما هو المشهور والمنقول عنه ان الرأي المطلق رأيه. ولكن في اختياره الثبوت للمشتري خاصة، تأمل تقدم، وقوله: شرطاه اولا، يعني الخيار ثابت ثلاثة في الحيوان سواء شرط المتبايعان ذلك ام لا، كانه اشارة إلى ان ما ورد فيها، الشرط في الحيوان ثلاثة ايام للمشتري اشترط ام لم يشترط، معناه ان الخيار الذي جعله الله شرطا له ولابد منه (فيه خ) ثلاثة، لا انه خيار مع الشرط، لقوله: اشترط ام لا يشترط، ولانه مع الشرط تابع له، وليس مخصوصا بالثلاثة ولا بالحيوان. قوله: " ولو شرطا سقوطه الخ " دليل سقوط خيار الحيوان بالشرط في العقد بالمعنى الذي تقدم، وكذا سقوطه بالاسقاط وبالتزام العقد وامضائه بعده،

[ 397 ]

[... ] ظاهر، وقد تقدم. واما السقوط بالتصرف المعبر عنه في الاخبار بالحدث، فدليله ايضا الاجماع المدعى في التذكره، مستندا إلى ما تقدم في صحيحة علي بن رئاب مع تفسير الحدث، وهو التصرف باللمس والتقبيل والنظر إلى ما لا يجوز له النظر إليه قبل الشراء (1). ولكن معلوم كون هذه التصرفات في الجارية، فما علم حال غيرها من الحيوانات، وسائر التصرفات الاخر فيها. قال في التذكرة: ولا فرق بين ان يكون التصرف لازما كالبيع أو غير لازم كالهبة قبل القبض والوصية فانه باجمعه مسقط للخيار، ثم قال: وكما كان يسقط هذا الخيار بالتصرف كيف كان، فكذا يسقط باشتراط سقوطه في العقد، وكذا بالتزامه واختيار الامضاء بعد العقد. وهذه العبارة تدل على ان كل ما يسمى تصرفا فهو مسقط، وظاهر رواية على مشعر بخلافه، لحصره في الجارية باللمس والتقبيل والنظر، فيمكن ما كان مثلها أو اعلى كذلك، واما الادنى فلا. ويؤيد العموم صحيحة محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت الى ابي محمد عليه السلام في الرجل اشترى من رجل دابة، فاحدث فيها حدثا من اخذ الحافر أو نعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردها في ثلاثة ايام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها، أو الركوب الذي ركبها فراسخ؟ فوقع عليه السلام: إذا احدث فيها حدثا فقد وجب الشراء ان شاء الله (2).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب الخيار، الحديث 2.

[ 398 ]

[... ] هذه وان كانت دالة بظاهرها على ان كل حدث مسقط للخيار، الا ان الحدث مجمل، ويمكن ان يكون كل ما هو عيب مسقطا. وكذا كل ما هو ظاهر انه تصرف ويسمى حدثا، واخراج التصرف نسيانا وغلطا. وكذا التصرف للاصلاح مثل جله وستره وعلفه وسقيه وربطه وجعله في مكان وامثال ذلك، واخراج التصرفات للامتحان والاختبار ايضا، لان الغرض من الخيار ثلاثا ذلك كما اشير إليه. ويمكن ان تحمل عليها ما في رواية الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى شاة فامسكها ثلاث ايام ثم ردها؟ قال: ان كان في تلك الثلاثة يشرب لبنها رد معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شئ (1). يحتمل ان يكون المراد بالرد في الثلاثة، مع انها ضعيفة بعلي بن حديد (2) ومخالفة للقوانين، حيث اوجب رد عوض اللبن وهو ملك المشتري في زمان الخيار عند الاكثر، وانه ثلاثة امداد مع احتمال كونه اقل أو اكثر، كانه محمول على كونه كذلك. قال بعض المحققين: المراد بالتصرف المسقط للخيار، هو ما يكون المقصود منه التملك، لا الاختبار ولا حفظ المبيع كالركوب لسقى الدابة. وفيه تأمل، لان ظاهر الروايات اعم من ذلك، فان ظاهر هذا الكلام انه إذا تصرف فيه لا لغرض، بل لعبا ولهوا، أو يكون لغرض غير التملك لا يكون مسقطا، والرواية بخلافها. فهذه العبارة غير جيدة حيث يفهم منها ان التصرف المسقط، منحصر فيما

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) سند الحديث كما في التهذيب (عن احمد بن محمد بن عيسى عن علي بن حديد عن ابي المعزا) ولا يخفى ان ضعفه من طريق الشيخ في التهذيب واما بطريق الكليني فحسن أو صحيح باحد الطريقين، فراجع.

[ 399 ]

[ وخيار الشرط وهو ثابت لمن شرطاه سواء كان احدهما أو هما معا أو اجنبيا أو لاحدهما معه. ] يكون المقصود منه التملك، وقليلا ما يوجد التصرف الذي يكون المقصود منه التملك، فان التملك حاصل قبله، ولا يحصل به. لعل مراده: ان قصده التصرف في ماله وجعله به لازما، والظاهر انه غير منحصر في ذلك كما مر. وغير المسقط في الاختبار والحفظ، وجعل الركوب للسقي كذلك، على انه قد لا يكون السقى محتاجا إلى الركوب، فتأمل فان المسألة مشكلة كسائرها. قوله: " وخيار الشرط وهو ثابت لمن شرطاه الخ " اي له، فحذف للظهور، وجواز حذف العائد الفضلة. هو ثالث الاقسام، ودليل ثبوته - باقسامه وعمومه، مع عدم مخالفته للشرع - الاجماع المدعى في التذكرة. والمستند ما تقدم، من مثل (اوفوا) و (المسلمون عند شروطهم ما لم يخالف الكتاب والسنة). وتدل عليه ايضا بخصوصه رواية اسحاق بن عمار قال: اخبرني (حدثني يب ئل) من سمع ابا عبد الله عليه السلام يقول: وقد سأله رجل وانا عنده فقال له: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فمشى إلى اخيه فقال له: أبيعك داري هذه، وتكون لك احب إلى من ان يكون لغيرك على ان تشترط لي ان انا جئتك بثمنها إلى سنة ان ترد على؟ فقال: لا باس بهذا، ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه، قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فاخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ قال: الغلة للمشتري، الا ترى انها لو احرقت لكانت من ماله (1).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 400 ]

[ ويجب ضبط المدة، ومبدأها العقد ما لم يشترطا غيره، ويجوز اشتراط المؤامرة. ] ولا يضر ارسال اسحاق، لانه مؤيد ومقبول. ولا يخفى ان فيها عدم سقوط الخيار بالتصرف في المبيع والمثمن، وان النماء في زمان الخيار للمشتري فيكون المبيع ملكا له، وان التلف في زمان خيار الشرط من المشتري، وهو موافق للمشهور ان التلف بعد القبض في زمان الخيار من مال من لا خيار له. واخبار اخر مثل صحيحة سعيد بن يسار في الكافي: ارى انه لك ان لم يفعل، وان جاء بالمال للوقت فرد عليه (1). قوله: " ويجب ضبط المدة الخ " دليل وجوب ضبط المدة بحيث لا يزيد ولا ينقص، رفع الجهالة الممنوعة المبطلة للعقد وان كان مثل مجى ء الحاج وادراك الغلات، بعد ما مر من ان الاجل له قسط من الثمن، فيؤل إلى جهل احد العوضين. ودليل ان مبدئها حين الفراغ من العقد ايضا ما مر، وهو ان كل ما يشترط من الاجل في العقود، المتبادر منه كون ابتداءه من حين العقد، وهو ظاهر، ولا دليل على غيره، فيتبع. وثبوت خيار المجلس باصل الشرع لا يدل على كون مدة الخيار المشروط غير ذلك حتى يكون ابتداءه بعد انقضائه كما نقل عن الشيخ، إذ لا مانع من التداخل في بعض المدة، كما في خيار الحيوان. قوله: " ويجوز اشتراط الخ " يعني يجوز لكل واحد من المتعاقدين ان يشترط ان يشاور من يريد. دليله ما تقدم من عموم جواز الشرط الا المخالف، والمخالفة ليست هنا

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب الخيار، قطعة من حديث 1.

[ 401 ]

[ واسترجاع المبيع بعد مدة إذا رد الثمن. ] بظاهرة، وصرح به في التذكرة، ونقل عدمه ايضا عن الشافعي، وقال: الاولى قوله الاول. ولكن الظاهر انه لا يشترط تعيينه باسمه. نعم الظاهر انه يشترط فيه ايضا تعيين المدة في العقد بحيث لا يزيد ولا ينقص لما مر، فينبغي ان لا يخرج عما يشاور فيقول به، قال في التذكرة: ليس للشارط ان يفسخ حتى يستامر، ويامره بالرد، لانه جعل الخيار إليه دونه. والظاهر ان الالتزام كذلك، ويمكن ان يكون له الفسخ قبلها، والمخالفة لعدم لزومه، الا ان يشترط ذلك. قال في التذكرة: هذا القول الثاني للشافعي، كما ان الاول قوله الاول، وانه المعتمد. قوله: " واسترجاع المبيع الخ " اي يجوز ان يشترط في العقد ان يكون للبايع استرجاع المبيع إذا رد الثمن، يعني الفسخ واخذ ماله، فينبغي ايقاع الفسخ ولا يكتفي بمجرد اعطاء المال، وان كان ذلك ظاهر الروايات. والظاهر جواز العكس ايضا، وان التعدي إلى المثل والقيمة بحسب الشرط لكن في مدة معينة، بان يعين مدة مضبوطة، مثل سنة ان رجع بالثمن في طولها يكون له مبيعه، والا يلزم البيع. وحاصله البيع مع شرط الخيار للبايع مثلا وزيادة شرط في الخيار، وهو رد الثمن، كانه بيع الوفاء. وقد تقدم ما يدل عليه، وهو عموم ادلة الشرط، مع عدم المانع عقلا وشرعا، ومرسلة اسحاق (1).

(1) تقد آنفا.

[ 402 ]

[... ] وقول الباقر عليه السلام في رواية اخرى: ان بعت رجلا على شرط فان اتاك بمالك، والا فالبيع لك (1). وغيرهما مثل صحيحة سعيد بن يسار: ارى انه لك ان لم يفعل، وان جاء بالمال للوقت فرد عليه (2). والظاهر عدم سقوط هذا الخيار بالتصرف لما مر، ولما سيجئ ولا بالشرط، وهو ظاهر. نعم يمكن بالاسقاط والالتزام بعده كما في غيره. والعمدة في ذلك قول الاصحاب في الكل، والتسلط للانسان على ماله، والترغيب على العمل بالقول وعدم مخالفته له، ولأنه لا شك في لزوم الفسخ باختياره، وكذا اللزوم. ويدل عليه ايضا رواية السكوني عن ابي عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام قضى في رجل اشترى ثوبا بشرط إلى نصف النهار فعرض له ربح فاراد بيعه؟ قال: ليشهد انه قد رضيه واستوجبه، ثم ليبعه ان شاء فان اقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه (3). والظاهر انه لا يضر السكوني، للقبول. وقد ظهر مما تقدم ايضا كون الشرط في متن العقد بين الايجاب والقبول، فيقول مثلا: بعتك ذلك بكذا ولى الخيار مدة كذا، ويقول: قبلت أو اشتريت، قاله في التذكرة، ثم قال: لا اعتداد بالشرط قبله وبعده، وقد مر الاشارة إلى الجواز بالشرط في القبل، فتذكر وتأمل.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب الخيار، الحديث 2. (2) تقدم آنفا. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 12 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 403 ]

[ وخيار الغبن، وهو ثابت للمغبون بما لم تجر به العادة. ] قوله: " وخيار الغبن الخ " هذا هو الرابع. الظاهر ان دليله ما اشار إليه في التذكرة: وهو اي خيار الغبن ثابت عند علمائنا وبه قال مالك واحمد، لقوله: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام (1) ولقوله تعالى: الا ان تكون تجارة عن تراض منكم (2) ومعلوم ان المغبون لو عرف الحال لم يرض، ولان النبي صلى الله عليه وآله اثبت الخيار في التلقى، وانما اثبته للغبن وقال: انما يثبت للمغبون خاصة اجماعا (3). وانما يثبت له بالشرطين، الزيادة والنقيصة الفاحشتين اللتين لا يتغابن الناس بمثلهما وقت العقد. والحد في ذلك العرف، لما تقرر في الشرع ان ما لم يثبت له الوضع الشرعي يحال الى العرف، جريا على العادة المعهودة من رد الناس إلى عرفهم. واليهما اشار هنا بقوله: وهو ثابت للمغبون بما لم تجر به العادة. واهمل الثاني وهو عدم علم المغبون بالنقصان، لظهوره، بل لا يقال المغبون الا معه. فيتخير بين الرد والامساك مجانا، وليس له الارش، اي طلب التفاوت

(1) رواه في التذكرة في البحث الرابع في خيار الغبن ص 522 ج 1 كما في المتن، وفي عوالي اللئالي في ج 1 ص 220 الحديث 93 كما في المتن ايضا. ورواه في عوالي اللئالي بزيادة حرف الالف (لا ضرر ولا اضرار في الاسلام) في ج 1 ص 383 الحديث 11 وج 2 ص 74 الحديث 195 ج 3 ص 210 الحديث 54 ورواه في الوسائل ج 17 كتاب احياء الموات، الباب 12 الحديث 4 بلفظ (لا ضرر ولا ضرار على مؤمن): ورواه اصحاب الحديث من الخاصة والعامة بلفظ (لا ضرر ولا ضرار) أو مع زيادة حرف الالف، لاحظ الوسائل ج 17 كتاب احياء الموات الباب 12 الحديث 3 و 5 وكتاب الشفعة، الباب 5 الحديث 1 ومسند احمد بن حنبل ج 1 ص 313 وج 5 ص 327 وسنن ابن ماجة ج 2 كتاب الاحكام (17) باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، الحديث 2340 و 2341 وموطأ مالك ج 2 كتاب الاقضية (26) باب القضاء في المرفق ص 745 الحديث 31 إلى غير ذلك مما يعثر عليه المتتبع. (2) سورة النساء / 29. (3) إلى هنا كلام التذكرة.

[ 404 ]

[ ولا يسقط بالتصرف، ولا يثبت به ارش، ] اجماعا، ذكره في التذكرة، قال: ولو دفع الغابن التفاوت، احتمل سقوط خيار المغبون، لانتفاء موجبه، وهو النقص، وعدمه لانه ثبت له، فلا يزول عنه الا بسبب شرعي، لعله الاظهر بعد الثبوت، لما مر. قوله: " ولا يسقط بالتصرف الخ " اي لا يسقط خيار الغبن بالتصرف. ظاهره مطلق، والظاهر انه لا يسقط بتصرف الغابن في مال المغبون مطلقا، سواء كان تصرفا مخرجا عن الملك ام لا فيبطل الكل على تقدير الفسخ، ولو كان عتقا أو كتابة أو استيلادا، فيرجع المال إليه. وقيل: انه على تقدير الفسخ والاخراج عن الملك، له المثل أو القيمة، فلا يبطل شيئا من العقود، بل هو بمنزلة التلف. وفيه تأمل، ومقتضى الخيار ما تقدم، نعم ذلك معقول مع التلف وعدم امكان الرد بوجه فتأمل. واما تصرف المغبون في مال الغابن، فيحتمل ذلك ايضا، لان الجهل عذر، وكانه ما رضي ولهذا ثبت له الخيار. ولكن ظاهر عبارة التذكرة ان ليس له الفسخ مع الاخراج عن ملكه، قال: ولا يسقط هذا الخيار بتصرف المغبون، لاصالة الاستصحاب، الا ان يخرج عن الملك ببيع وعتق وشبهه، لعدم التمكن من استدراكه، وكذا لو منع مانع من الرد كاستيلاد الامة (ووقفها - تذكرة) وعتقها وكتابتها اللازمة، ولا يثبت الارش هنا ايضا، لاصالة البراءة. وفيه تأمل لحصول الضرر المنفي، مع انه ما اثبت له ذلك الا لدفعه وما فعله الا جهلا واعتقاد عدم الغبن، نعم لا شك ان الاحوط ذلك. وما نجد الفرق بين الغابن والمغبون كما فرق الشارح، وكذا المحقق الثاني وشارح الشرايع، ولا بين كونه بايعا ومشتريا، وهم اعرف.

[ 405 ]

[ وخيار التأخير، فمن اشترى شيئا ولم يشترط تأخير ثمن ولا قبض (المشترى خ) السلعة ولا قبض البايع الثمن، تخير البايع بعد ثلاثة ايام في امضائه أو فسخه. ] والمسألة مشكلة، ولها اقسام كثيرة وفروع متكثرة مذكورة في شرح الشرايع، وليست بواضحة لعدم النص وقول للاصحاب. وقد ظهر شرح قوله: ولا يثبت به ارش، اي التفاوت مطلقا، وليس له الا الرد أو القبول. والظاهر انه فوري، للاقتصار على موضع الوفاق في غير المنصوص. قوله: " وخيار التأخير الخ " خامس الاقسام خيار التأخير، ودليل ثبوت الخيار للبايع - بين الامضاء والفسخ إذا باع شيئا ولم يقبض المشتري المبيع ولا سلمه الثمن، ولا شرط خياره بوجه - بعد ثلاثة ايام - هو الاجماع المدعى في التذكرة، مستندا إلى الاخبار الكثيرة. مثل صحيحة علي بن يقطين انه سأل ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يبيع البيع فلا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال: (فان خ ئل) الاجل بينهما ثلاثة ايام، فان قبض بيعه، والا فلا بيع بينهما (1). ومثلها ما في رواية زرارة عن ابي جعفر عليه السلام (2) الا ان في الطريق علي بن حديد الضعيف (3) ولا يضر، لفتوى العلماء وغيرها. وما في رواية عبد الرحمن بن الحجاج، قال له أبو بكر بن عياش: سمعت

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 3. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 1. (3) سند الحديث كما في الكافي (عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن حديد عن جميل عن زرارة) باحد الطريقين من الكافي.

[ 406 ]

[ ولو تلف بعد الثلاثة فمن البايع وكذا قبلها على رأى. ] صاحبك (يعني احدهما " ع ") يقول: من اشترى شيئا فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة ايام، والا فلا بيع له (1) وغير ذلك من الاخبار. الا ان ظاهر الاخبار هو فسخ البيع من رأسه وبطلانه بغير اختيار الفسخ، وكانهم حملوها على عدم لزوم بيع له، لاصل البقاء من غير فاسخ. والاصل متروك بالاخبار، ولا اجماع هنا، لانه نقل في شرح الكتاب في شرح الرأي بعده، ان ظاهر كلام ابن الجنيد والشيخ هو بطلان البيع، والاول عن الجماعة، فلا يبعد القول بما يدل عليه الاخبار. ولعل مراد التذكرة بالاجماع في الفسخ على عدم لزوم البيع، وجواز المشتري منع البايع عن التصرف في المبيع، الله يعلم. ويدل على بقاء البيع إلى شهر، خبر مع ضعفه (2) وعدم القائل به ظاهرا، وقد تقدم. ويحتمل الحمل على استحباب الصبر له وعدم الفسخ، فتأمل. قوله: " ولو تلف بعد الثلاثة الخ " دليل كون تلف المبيع بعد الثلاثة من البايع، ما تقرر عندهم، ان المال إذ اتلف قبل القبض فهو من مال مالكه الاول، فكأنه اجماع، وظاهر الاخبار المتقدمة ايضا ذلك، وهو ظاهر. واما قبلها فيدل عليه بعض الاخبار ايضا، مثل رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل اشترى متاعا من رجل واوجبه، غير انه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غدا ان شاء الله تعالى فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، قطعة من حديث 2. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 6.

[ 407 ]

[... ] من بيته فإذا اخرجه من بيته، فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله (1). وما روى عنه صلى الله عليه وآله: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه (2). ومقتضى القاعدة المذكورة ذلك ايضا، لانه يصدق عليه انه تلف قبل القبض، وهو ظاهر الاخبار الدالة على ذلك مثل رواية عقبة كما مرت. ولكن قد تقرر ايضا عندهم انه إذا تلف المال في زمن الخيار فهو من مال من لا خيار له، وان كان بهما الخيار فتلف المبيع من البايع والثمن من المشتري، وذلك يقتضي كون التلف بعدها من المشتري. الا ان يقال: ان ذلك بعد القبض، أو يقال: ببطلان البيع حينئذ كما هو مذهب البعض ومدلول الاخبار، لكن ليس مذهب المصنف هنا. ويظهر من المتن والشرح ايضا ان لا نزاع في كون الضمان على البايع لو كان التلف بعدها، وانما النزاع في القبل فانه من البايع بناء على القاعدة المقررة، ومن المشتري لانه ماله، ولم تثبت القاعدة، فهو مؤيد للبطلان، والذي نقل لكون الضمان حينئذ على البايع انه قبلها لما كان لازما فالمال للمشتري مخلصا، فكأنه وديعة عند البايع، فهو ليس بضامن، بل التلف من مال صاحبها وهو المشتري، بخلاف ما بعدها، فان له الخيار فكان المال له حينئذ، فالتلف منه حيث ما فسخ. وفيه تأمل، مع انه مناف لما تقرر عندهم، وكان القائل بان التلف من البايع لا يقول بتلك القاعدة، فهي غير مسلمة ولا مجمع عليها. قال في الشرح: ورواية عقبة ليست بصريحة في محل النزاع، ولا عموم لها،

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) عوالي اللئالي ج 3 ص 212 الحديث 59.

[ 408 ]

[ والخيار فيما يفسد إلى الليل، فان جاء بالثمن، والا فالبايع أحق. ] إذ لا اداة فيه. لكن لا يخفى الصراحة وفهم العموم عرفا كما قيل في احل الله البيع ونحوه، الا انها معتبرة الاسناد، لمجهولية عقبة ومحمد بن عبد الله بن هلال المذكور في سندها (1) الا ان الظاهر انها مقبولة الاصحاب. وبالجملة لو قلنا ببطلان العقد كما هو ظاهر الاخبار، فلا شك في كون الضمان من البايع، وكذا ان قلنا بالصحة والفسخ، ان ثبت عموم تلك القاعدة، اي كون التلف قبل القبض ممن في يده، والا فالظاهر انه من مال المشتري لانه ماله، فتأمل. قوله: " والخيار فيما يفسد الخ " هذه من توابع خيار التأخير، والعبارة لا تخلو عن شئ. لعل المقصود ان الصبر واجب على البايع إلى الليل إذا باع ما يفسد ولم يبق إلى الليل ولم يقبض الثمن. قيل: المراد بالفساد ما يعم نقص القيمة بتغيير الطعم والوصف المفضي إلى ذلك، مثل بعض المطبوخات كالهريسة وبعض الفواكه إلى ان يقرب الليل، بحيث لو لم يبع حينئذ لم يحصل له المشتري بعد ذلك، لفساده عرفا، حينئذ يثبت له الخيار بين الصبر حتى يتلف ويأخذ الثمن من المشتري، والفسخ وبيعه، أو يتصرف بوجه آخر، فلا يطالب المشتري بشئ، لان في الابقاء ضرر على البايع مع عدم الخيار والزام المشتري بالثمن ضرر على المشتري مع امكان التخلص في الجملة بالخيار، وذلك يقتضي عدم البيع كما في خيار التأخير الذي اصل هذه المسألة، ويدل عليه دليلها.

(1) سند الحديث كما في الكافي (محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن هلال عن عقبة بن خالد).

[ 409 ]

[... ] وهو رواية محمد بن ابي حمزة أو غيره عمن ذكره عن ابي عبد الله عليه السلام، أو ابي الحسن عليه السلام في الرجل يشتري الشئ الذي يفسد من يومه ويتركه حتى يأتيه بالثمن؟ قال: ان جاءه فيما بينه وبين الليل بالثمن، والا فلا بيع له (1). فلعله يريد ب‍ (بين الليل) المقدار الذي يبتاع فيه ويتصرف فيه قبل ان يفسد، كما اشرنا إليه، لظهور المقصود، فيمكن ان يكون الخيار في العبارة بمعنى الصبر، ولم يبين الخيار لظهوره انه بعد ذلك له الخيار، لكن بالمعنى الذي قلناه، أو يكون إلى الليل، صلة الفساد، يعني الخيار ثابت فيما يفسد إلى الليل، اي لم يبق إلى الليل الا مع الفساد، ومعلوم ان الخيار في وقت يقرب إلى الفساد بالمقدار الذي قلناه، والامر في العبارة هين ان علم المقصود، لعله علم. ثم ان الظاهر عدم عد هذا الخيار من السبعة، لانه من توابع خيار التأخير وفرد منه، كما يفهم من التذكرة، حيث ذكرها في مسألة بين مسائل خيار التأخير، وكانه يقول: خيار التأخير في غير الفاسد بعد ثلاثة ايام وفيما يفسد إلى الليل بعد مضى زمان امكان حفظه بحيث لو لم يبع حينئذ لم يمكن بيعه بعد ذلك عادة لفساده. ولانه لو عد منها، يلزم كون الخيار ثمانية مع خيار العيب، ولا يناسب ادخال بعض في البعض وعدم عد واحد منها الا هذا، فتأمل. فروع من التذكرة (الاول): لو قبض المشتري السلعة ولم يقبض البايع الثمن فلا خيار له.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 410 ]

[ وخيار الرؤية ثابت لمن اشترى أو باع موصوفا أو غائبا، بعد مشاهدة، فان خرج على الوصف أو العهد فلا فسخ والا تخير البايع ان زاد وصفه، والمشترى ان نقص. ] الظاهر انه مطلقا، حالا ومؤجلا بعده، لان ثبوت الخيار على خلاف الاصل، فيقتصر فيه على موضع الوفاق والنص، فتأمل فيه. (الثاني): انه لو قبض البعض لم يبطل خياره، وهو مذكور في رواية عبد الرحمان المتقدمة (1) ولكن يدل على عدم البيع، لقوله (فلا بيع له) فليس له الا دفع الكل، أو قبوله لعدم التبعيض. (الثالث): لو سلم بعض المبيع، كان له الخيار في الكل لما تقدم، ولعل فيما يأتي في خيار الرؤية دلالة عليه. قوله: " وخيار الرؤية الخ " هو سادس الاقسام، لعل في ثبوت اصل هذا الخيار ايضا عندنا لا خلاف فيه، ان لم يوافق الوصف ما وصف وتغير الغائب بعد الرؤية تغيرا موجبا لزيادة الثمن أو نقصانه عادة وعرفا، ففي الزيادة الخيار للبايع وفي النقصان للمشتري، وهو ظاهر. لعل المستند صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلما ان نقد المال صار إلى الضيعة فقلبها (ففتشها - قيه) ثم رجع فاستقال صاحبه ولم يقله، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لو انه قلب منها، أو نظر إلى تسعة وتسعين قطعة منها ثم بقي منها قطعة لم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية (2). لعلها محمولة على عدم كونها على الوصف الذي بيع به، ويدل على ان

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 2 (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 411 ]

[ وخيار العيب سيأتي. الفصل الثاني: في الاحكام خيار الشرط يثبت في كل عقد سوى النكاح والوقف والابراء والطلاق والعتق. ويسقط بالتصرف، ] خروج البعض يكفى. قوله: " وخيار العيب " هو السابع لما عرفت. قوله: " الفصل الثاني: في الاحكام الخ " قال في التذكرة: الاقرب عندي دخول خيار الشرط في كل عقد معاوضة، خلافا للجمهور ويدل على عدم الخلاف عندنا، ما تقدم من عموم ادلة العقود والايفاء بها، وبالشرط دليل واضح على الكل حتى يوجد المانع من اجماع ونحوه، وقد ادعى الاجماع (1) في شرح الشرائع على النكاح والوقف والطلاق والعتق والابراء لعله دليلها. وبالجملة الاجماع والنص دليل الجواز واللزوم في كل عقد الا ما ثبت فيه الدليل على المنع. وقد الحق بالطلاق الخلع والمباراة وبالعتق التدبير والمكاتبة المطلقة. وقد استدل على المستثنيات ببعض المناسبات، وليس بتام، والعمدة الاجماع ان كان. وقد استثنى من العقود بعض ما تقدم، مثل بيع من ينعتق، وبيع العبد على نفسه إن جوز، ولعل مقصود المصنف من قوله: (في كل عقد) ما يعم الايقاعات مما يحتاج في ترتب الاثر الشرعي على لفظ، فلا يحتاج بل لا يمكن جعل (سوى) للاستثناء المنقطع، مع قلة وجوده بلفظ (سوى) والامر في ذلك هين. قوله: " ويسقط بالتصرف " ظاهره ان التصرف مطلقا يسقط خيار

(1) اي على المنع.

[ 412 ]

[ فلو تصرف احدهما سقط خياره خاصة. ] الشرط، وقد مر ان التصرف المسقط ما يصدق عليه عرفا مطلقا الا ما استثنى مثل ركوب الدابة للسقي والعلف والحفظ والركوب للرد. قال في التذكرة: سواء كانت المسافة قصيرة أو طويلة، فتأمل. والظاهر انه كذلك إذا كان للامتحان والاختبار، واما ما سوى ذلك فالظاهر انه كلما صدق عليه انه تصرف، فهو مسقط عندهم. قال في التذكرة: ولو كان شيئا خفيفا - مثل اسقنى وناولني الثوب أو اغلق الباب - سقط الرد. ثم اعلم اني ما رأيت دليلا على كون التصرف مطلقا مسقطا، ولا بيانا للتصرف المسقط الا ما تقدم من الرواية الدالة على بطلان الخيار بالتصرف في الدابة بالحدث وفي الجارية باللمس والتقبيل والنظر إلى ما لا يجوز قبل الشراء (1). وايضا ان ليس كل التصرف في كل خيار مسقط، لما تقدم من ان التصرف في خيار الغبن وخيار المجلس ليس بمسقط ولعل عندهم دليلا ما نعرفه من اجماع ونحوه فيما يقولون بسقوطه بالتصرف وبيان المسقط وما فهمنا نستفهم الله يفهمنا بفضله ولطفه. والظاهر انه يسقط بالاسقاط ايضا، لما مر غير مرة. قوله: " فلو تصرف احدهما الخ " ان كان التصرف من المشتري في المبيع، فمعنى سقوط الخيار واضح، وكذا ان كان من البايع في الثمن. واما ان كان من المشتري في الثمن ومن البايع في المبيع فالظاهر انه موجب لفسخ العقد، ويمكن اطلاق سقوط الخيار عليه، إذ لا خيار له حينئذ، إذ ليس له ان يلتزم لبطلانه، ولا ان يبطله لتحصيل الحاصل.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 413 ]

[... ] فلا مناقشة في العبارة بخصوص تصرف البايع كما قال في شرح الشرايع وحاشية الارشاد: ان هذا في طرف المشتري واضح، فان تصرفه يوجب البيع له ويسقط خياره، واما في طرف البايع فهو فسخ للبيع، فان الضابط ان ما كان اجازة من المشتري كان فسخا من البايع واطلاق سقوط الخيار عليه حينئذ تكلف، نعم يمكن ثبوت الحكم في طرف البايع إذا تصرف في الثمن فانه يسقط خياره في المبيع ومعه يصح الحكم (1). إذ لا مناقشة كما فهمت، وعلى تقديرها ليست مخصوصة بالبايع، فان تصرف المشتري في الثمن ايضا كذلك، فلا ينبغي جعل التصرف منه مسقطا وانشاء مناقشة في طرف البايع، والامر في ذلك هين. وانما العمدة والمقصود تحقيق المسألة بدليلها، وقد عرفت عدم فهمنا دليلها. على ان الظاهر عدم سقوط خيار الشرط بالتصرف مطلقا، لان غالبه الاحتياج إلى الثمن والتصرف فيه فلو كان تصرف البايع فيه مسقطا لخياره فلا يترتب عليه الفائدة. ويؤيده ما تقدم من مرسلة بن عمار انه باع رجل داره إلى سنة للاحتياج إلى ثمنه، قال: لا باس بهذا ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه (2). ودلت على انه لو تصرف المشتري ايضا فيه بأخذ الغلة لم ينفسخ، وهو ظاهر. ويؤيده ايضا عمل الناس، فان مدار شرط استرجاع الثمن، على التصرف فيه، وليس الغرض من بيعه بذلك الشرط الا التصرف في الثمن وبقاء الخيار إلى المدة المشترطة، فالظاهر عدم السقوط حينئذ، بل عدم سقوط خيار المشتري ايضا

(1) إلى هنا عبارة المسالك. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 414 ]

[... ] بالتصرف في المبيع، للاصل والادلة المتقدمة، مع عدم دليل في السقوط بالتصرف مطلقا. ولان الغالب انما يشتري للانتفاع - في الجملة في هذه المدة - بالمبيع في مقابلة ثمنه، والا كان يقرضه ويترك هذا البيع ليفوز بثواب القرض. نعم يمكن ذلك في خيار الشرط الذي ما اشترط فيه استرجاع المبيع، ولا استرجاع الثمن، فانه كما يجوز اشتراط استرجاع المبيع يجوز اشتراط استرجاع الثمن ايضا، وهو ظاهر والدليل مشترك، الا ان مرسلة اسحاق في المبيع فقط. ثم على تقدير تسليم ذلك مطلقا يمكن اخراج ما شرط فيه عدم سقوطه بالتصرف، سواء تلفظ ذلك، أو يكون ذلك من نيتهما وقصدهما، ويكون علمهما - بانه انما يفعلان ذلك للتصرف - كافيا. ويمكن: حمل كلام الاصحاب: ان التصرف في خيار الشرط مسقط، على غير الصور التي ذكرناها، أو حمل على تصرف المشتري في الثمن والبايع في المبيع تصرفا دالا على الملك والفسخ مثل البيع والعتق، وقد عرفت صحة اطلاق سقوط الخيار عليه مع الفسخ. فقد علم ان حمل العبارة على ما استشكلوه من تصرف البايع في المبيع اسهل، وخلافه اشد اشكالا واصعب. هذا كله مع عدم الدليل اصلا على ما رأيناه، على سقوط خيار الشرط بالتصرف، مع ثبوته بالدليل اليقيني من الكتاب والسنة والاجماع. ثم ان الظاهر انه على تقدير اشتراط الاسترجاع، ان جئ بعين الثمن أو مثله ان كان مثليا مع وجوده أو قيمته مع عدمه، أو كان قيميا ينبغي القبول ورد المبيع، لاقتضاء العرف ذلك سيما إذا كان معلوما بينهما، الا ان يعلم ان المقصود رد العين لغرض من الاغراض، فلابد منه الا ان يصطلحا.

[ 415 ]

[ ولو تصرفا أو تصرف احدهما باذن الآخر سقط خيارهما. والخيار موروث، ] والظاهر انه كذلك فيما اشترط استرجاع المبيع، خصوصا إذا كان مثليا موجودا مثله، مثل النقدين وبعض الغلات، الا ان يعلم ان المقصود استرجاع العين كما قلناه في الثمن، الا ان الظاهر ان الغالب يكون المقصود استرجاع المبيع، لكونه غالبا من الاعيان التي يتعلق الاغراض بها، فلعل تجويز المثل في الاول واشتراط العين في الثاني في شرح الشرايع مبنى عليه وهو اعلم. قوله: " ولو تصرفا أو تصرف احدهما الخ " اما سقوط خيار المتصرف فلما ثبت عندهم ان التصرف مسقط، وقد تقدم، واما سقوط خيار الآذن فانه يدل على رضاه بثبوت البيع ان كان من البايع لتصرف المشتري في المبيع، فكان قوله (تصرف فيه) بمنزلة ان المال لك والبيع لازم ثابت فافعل ما تريد. وفيه تأمل لعدم ظهور الدلالة، خصوصا إذا كان التصرف غير مستلزم للزوم المال للمتصرف. وان كان في الثمن فهو دال على بطلان البيع والفسخ، فكأنه يقول: فسخت فتصرف في مالك. وفيه ايضا تأمل. نعم يمكن الفهم مع القرينة في الصورتين، فافهم. ويعلم منه ما إذا كان الاذن المشتري والمتصرف البايع في الثمن والمبيع. وإذا عرفت ان سقوط الخيار مبنى على دلالة اللفظ بالاختيار والفسخ، فلا فرق في سقوط في سقوط خيار الآذن بين تصرف المأذون وعدمه، فخياره يسقط بمجرد الاذن، سواء تصرف المأذون ام لا، ولهذا حكم جماعة بذلك، فتأمل. قوله: " والخيار موروث " ظاهره ان مطلق الخيار موروث، ولعل دليله انه حق من الحقوق المالية قابل للانتقال، فينتقل إلى الوارث كالمال، مثل الشفعة واستيفاء الدية والقصاص، فيقوم الورثة مقام المورث في جميع احكام الخيار، ولكن

[ 416 ]

[ ويقوم الولى مقام من تجدد جنونه، ويملك المشتري بالعقد على رأى. ] في ثبوت خيار المجلس له تأمل. ثم في مدة بقائه: الظاهر انه مادام عدم حصول التفرق بين الميت والطرف الآخر. والظاهر انه لا فرق بين تعدد الوارث ووحدته في الثبوت لهم وبقائه إلى مدة عدم التفرق بين الميت ومبايعه. والظاهر ان ليس لاحدهم الفسخ وللآخر البقاء، للتبعيض المنفي، فلو اختلفا قدم الفسخ، فتأمل. قوله: " ويقوم الولى الخ " الظاهر ان الولى حينئذ هو الحاكم على ما تقرر عندهم، ان الجنون المتعقب على البلوغ والرشد سبب لولاية الحاكم، لانقطاع ولاية الآباء عنه بهما، فيكون الجنون بمنزلة الموت في توقف خيار المجلس على تفرقه وصاحبه، فتأمل. قوله: " ويملك المشتري بالعقد الخ " الرأي هو المشهور ومذهب الاكثر، وقيل به وبانقضاء الخيار. يحتمل كون الانقضاء سببا وكاشفا، والظاهر الاول لما مر غير مرة. ولعل دليل الرأي انه لا شك في تحقق العقد بالاجماع، فيمكن ان يستدل بمثل اوفوا بالعقود فافهم. ويؤيده تعريف العقد بانه انتقال ملك، أو سبب انتقاله، ولانه يجوز له تصرف الملاك الذي هو فرع الملك مثل العتق من غير تقدير انتقال لازم إليه بالعزم المقارن للصيغة، فانه تكلف بعيد. مع انه لا يمكن هذا ولا يفيد الا في صورة كان الخيار مخصوصا بالمشتري. ولما في الاخبار التي تقدمت في جواز بيع المبتاع قبل القبض: انه يجوز البيع بعد الشراء وبعد التملك.

[ 417 ]

[... ] ولما مر في بعض الاخبار الصحيحة هنا ايضا انه يجوز البيع قبل القبض على مالكه الاول فقال المالك: اشترى متاعي؟ فقال عليه السلام: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك (1). فإذا لم يكن له يكون للمشتري، وليس فيها قيد بعد خروج زمان الخيار. ولما في خيار التأخير: ان من اشترى شيئا فجاء بالثمن قبل الثلاثة فله بيعه، والا فلا، فافهمه (2). ولما في اخبار اسقاط خيار المجلس بالخطئ والتفرق، فانه يدل على حصول الملك والبيع قبله (3)، وانما يجب بعده. وللاخبار الدالة على ان مال العبد للمشتري مطلقا، أو مع علم البايع من غير قيد بمضي زمان خيار الثلاثة وغيره، بل ظاهرها ان ذلك بمجرد الشراء، فتأمل (4). ولعل دليل القول (5)، الاصل، خرج بعد الانقضاء بالاجماع بقي الباقي. وجواز تصرف البايع في المبيع قبله، وهو فرع الملك. الجواب ان الاصل يضمحل مع الدليل، وجواز التصرف المخرج الذي هو فرع الملك لحصول الفسخ بالعزم - ممنوع، ولهذا قيل: إذا باع أو اعتق لم يصح وان افاد الفسخ، والذي يقول بالصحة، يقول انتقل إليه قبل البيع ثم خرج عن ملكه بالعقد.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من احكام العقود، الحديث 3. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الخيار، الحديث 1. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب الخيار، فراجع. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب بيع الحيوان، فراجع. (5) اي القول الآخر.

[ 418 ]

[ ولو فسخ بعد النماء، فالنماء للمشتري. وكل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال البايع. ] وبالجملة الاول اظهر واشهر، ويؤيده وجود الاختلاف في كلام الشيخ الذي نقل الخلاف عنه وعدم الصراحة، حيث قال: فان كان الشرط لهما أو للبايع فإذا انقضى الخيار ملك المشتري بالعقد المتقدم (1). فانه يفيد عدمه للمشتري فقط، وما نقل عن القول المطلق السالم عن المعارض في المشهور، مع ان المشهور انه المخالف، وما ذكر في الدروس والشرح وغيره الا خلافه، الا انه اشار في شرح الشرايع إلى خلاف ابن الجنيد، ويمكن كونه ايضا مثل خلاف الشيخ رحمه الله، إذ الخلاف مطلقا بعيد، الله يعلم. قوله: " ولو فسخ بعد النماء الخ " اشارة إلى فائدة الخلاف، وهي كثيرة، مثل ان النماء الحاصل بعد العقد وقبل الفسخ، مثل كسب المملوك ومهر الامة الموطوءة بالشبهة، والبيض واللبن والثمرة والاصواف وغيرها، فانها للمشتري فيأخذها ويرد المبيع على الاول، للبايع على الثاني، وهو ظاهر. قوله: " وكل مبيع تلف الخ " المراد تلف المبيع المعين الذي ورد العقد على عينه بآفة من الله لا بجناية جان، قبل القبض، سواء كان في زمان الخيار مطلقا ام لا، فالظاهر ان الثمن ايضا كذلك، من غير فرق. ودليل كون التلف حينئذ من مال مالكه الاول - قبل قبضه مطلقا، في زمان الخيار ام لا، سواء قصر في الحفظ والتسليم ام لا ثمنا كان أو مبيعا، مع انه ليس بملك له الآن وحين التلف - كانه الاجماع المستند إلى بعض الاخبار.

(1) قال الشيخ في الخلاف مسألة 19 من كتاب البيوع ما هذا لفظه (العقد يثبت بنفس الايجاب والقبول، فان كان مطلقا فانه يلزم بالافتراق بالابدان، وان كان مشروطا يلزم بانقضاء الشرط، فان كان الشرط لهما أو للبايع فإذا انقضى الخيار ملك المشتري بالعقد المتقدم، وان كان الخيار للمشتري وحده زال ملك البايع عن الملك بنفس العقد، لكنه لم ينتقل إلى المشتري حتى ينقضي الخيار فإذا انقضى ملك المشتري بالعقد الاول).

[ 419 ]

[... ] مثل رواية عقبة بن خالد المتقدمة في شرح قوله: ولو تلف بعد الثلاثة الخ (1) وقوله عليه السلام: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه على ما روى في التذكرة، وفي الاولى ايماء إلى التعميم في البايع والمشتري ويمكن ارادة المشتري ايضا من البايع في الثانية، فانه يطلق عليهما. ولا يضر عدم ظهور صحة السند، لعدم الخلاف في العمل والقبول على الظاهر. فتأمل فان الامر مشكل، لكون الملك للمشتري مثلا قبل القبض في زمان الخيار على ما مر وبعده، فالبايع غير مقصر، والقاعدة تقتضي كونه من ماله. وايضا قالوا: ان المراد بكونه من مال البايع، فسخ العقد، فيكون التالف من مال البايع مثلا وفي ملكه، فليس للمشتري الا الثمن أو مثله لو اعطاه، وليس له طلب مثل المبيع وقيمته، والنماء الحاصل إلى حين التلف ايضا مثل الولد والكنز الذي وجده المملوك، والمال الذي وهب له، وقبل وقبض وقيل: وهو مشكل ايضا إذ كان ملكا للمشتري وتلف كيف يصير التلف في ملكه، فقيل بتجدد الملك للبايع قبل الهلاك بجزء لا يتجزى من الزمان، مثل دخول العبد المأمور بعتقه في ملك الامر المعتق عليه (منه خ)، ودخول الدية في ملك الميت، فتأمل فيه. هذا إذا كان بآفة إلهية لا بجناية جان، فان كان بها، فان كان المتلف هو المشتري فذلك قبض منه فتلف من ماله ولا ضمان على البايع، فان لم يكن له خيار يأخذ الثمن، وان كان له خيار أو لاجنبي له، فله الرضا وأخذ الثمن والفسخ وأخذ القيمة أو المثل، وان كان البايع أو الاجنبي، فان لم يكن للمشتري ولا للاجنبي له (2) خيار يأخذ من المتلف المثل أو القيمة، وكذا لو كان له خيار واختار البيع

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) هكذا في النسخ كلها والظاهر زيادة لفظة (له).

[ 420 ]

[ وبعد القبض وانقضاء الخيار من المشتري. وان كان في الخيار فهو ممن لا خيار له، ولو كان الخيار لهما معا فالتلف من المشتري، ولو ابهم الخيار في احد المبيعين صفقة بطل العقد، ] واختار الفسخ، يأخذ الثمن من البايع ويرجع هو على الاجنبي بالقيمة أو المثل. قوله: " وبعد القبض الخ " هذا مما لا شك فيه، لان المال صار له بحيث لا تعلق لاحد به بوجه. قوله: " وان كان في الخيار الخ " ان كان التلف بالآفة الالهية بعد القبض في ايام الخيار، فالحكم ما ذكره، والظاهر انه ان كان الخيار للاجنبي فان كان المشترط له الخيار، أيا منهما فحكمه حكم الخيار لهما، وان كان المشتري فحكمه حكمه، وكذا ان كان البايع، وظاهر كلام البعض مثل المحقق الثاني وغيره ان خيار الاجنبي مثل خيار البايع، أو هما، هذا. واما إذا كان بجناية جان فهو كما تقدم، ولكن دليل المسألة بفروعها غير ظاهر، سوى ما يتخيل في البعض من الاعتبار وما فهمنا، نستفهمه يفهمنا الله تفضلا منه وكرما. قوله: " ولو أبهم الخيار الخ " اشارة إلى شرط من شروط صحة خيار الشرط، وهو تعيين محل ما يشترط فيه الخيار مع تعدد ما يقع عليه العقد، مثل ان يبيع عبدين ويريد اشتراط الخيار في احدهما فلابد ان يعين، فان لم يعين بل قال: في احدهما فقط، بطل العقد للزوم الجهل في الشرط، فيبطل، وبابطاله يبطل المشروط. يعني انه انما وقع التراضي الذي هو مدار صحة العقد على هذا الوجه الخاص وما حصل، فلا يحصل اصلا، لعدم هذه وعدم وقوع عقد غير ذلك، فافهم.

[ 421 ]

[ ويجب في بيع خيار الرؤية ذكر الجنس والوصف الرافع للجهالة، فان اخل باحدهما بطل. وان ظهر على خلاف ما وصف (له خ) تخير المشتري بين الفسخ والامضاء بغير ارش، ] قوله: " ويجب في بيع خيار الرؤية الخ " اشارة إلى شرط صحة بيع الغائب الذي هو اصل ما ثبت فيه خيار الرؤية، وهو ذكر الجنس الذي يقع عليه العقد، وذكر الوصف الذي يختلف بوجوده وعدمه الثمن كما مر في السلم. وبالجملة صرح في التذكرة: بان جميع ما لابد ذكره في بيع السلم، لابد ذكره في بيع الغائب ولا فرق بينهما الا بذكر الاجل وعدمه وهو ظاهر. وقد مر تفصيل الوصف فيه، فتذكر. فان اخل بالجنس وان ذكر الوصف ولكن بحيث لم يتحقق الجنس، أو العكس، بطل البيع لما مر آنفا. قوله: " وان ظهر على خلاف الخ " يعني لو ظهر المرئي على جنس الموصوف، ووصف ادنى من الوصف الذي وصف به، فالمشتري مخير بين الرد واخذ ثمنه وبين قبوله بالثمن من غير نقصان، وليس له اخذ الارش، يعني التفاوت بين الوصفين الذي وصف والذي وجد. دليل عدم الارش ظاهر، وهو الاصل مع عدم كونه معيبا. وكذا دليل الرد واخذ الثمن، هو عدم خروجه على وجه رضي به. واما وجه جواز الاخذ والرضا به، فكأنه الاجماع، وانه له ان ينقص من ماله وليس الضرر الا عليه وله ارتكابه مع عدم السرف. وقد يتخيل انه ليس مما وقع عليه البيع فليس له قبوله بالعقد (1).

(1) وفي هامش النسخة المطبوعة ما لفظه (وليس له قبوله بالعقد الفضولي، وفيه تأمل، مع انهم لا يجعلون

[ 422 ]

[ ولو كان البايع باعه بوصف الوكيل فظهر اجود فالخيار له، ولو اشترى ضيعة شاهد بعضها ووصف له الباقي ولم يوافق تخير بين (في خ) فسخ الجميع وامضائه. المطلب الثاني: العيب وهو كل ما يزيد أو ينقص عن المجرى الطبيعي. ] ومثله يجري في المعيب وامثاله وقد مر إليه الاشارة فتذكر وتأمل. قوله: " ولو كان البايع الخ " ومثله ان باع المالك بعد ان غاب عنه مدة يمكن التغيير فيها وقد مر دليله، وهو ظاهر. قوله: " ولو اشترى ضيعة الخ " قد مر مثل هذه في صحيحة جميل بن دراج في بحث خيار الرؤية (1)، ولكن ليس فيها ووصف له الباقي ولم يوافق الخ، فهي دليله مع قول الاصحاب، كانه مجمع عليه. وكانه اشار بقوله: تخير في فسخ الجميع، إلى ان ليس له فسخ البعض الذي ما رأى واخذ الذي رأى، لعدم تبعض الصفقة، فانه عيب ونقص عندهم، كانه بالاجماع. قوله: " المطلب الثاني: في العيب الخ " هذا اشارة إلى ذكر خيار العيب الذي هو السابع، وهو موقوف على ذكر العيب الموجب لذلك وتحقيقه واحكامه والامور الاستطرادية. والمراد بكل ما يزيد أو ينقص عن المجرى الطبيعي، كل ما يزيد أو ينقص عن اصل الخلقة التي عليه خلق اكثر ذلك النوع واغلبه.

هذا من ذلك القبيل، ذلك المختلف، ثم فيه الخلاف هل هو كاشف أو لا، خلاف فيه على الظاهر). (1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 من ابواب الخيار، الحديث 1.

[ 423 ]

[... ] وقيد في التذكرة وغيرها الزيادة أو النقيصة بكونهما موجبتين لنقصان مالية، واعترض عليه بان عدمه اولى كما في الشرايع والمتن، إذ قد يكونان عيبا مع الزيادة المالية كما في الخصى والمجبوب وعدم الشعر على العانة كما في الرواية (1). ويمكن ان يقال: المراد كون ذلك موجبا بالنسبة إلى التجار في معاملاتهم ورغبة اكثر الناس فيهم. والظاهر انهما كذلك، إذ لا يرغب فيهما ولا يزيد الثمن الا من كان سلطانا أو حاكما، أو ان ذلك النفع المرتب الموجب للزيادة ليس بمعتبر في نظر الشرع، بل فعل ذلك النقصان والانتفاع الذي قصدوه - وهو رؤية النساء واختلاطهما معهن - حرام عند الاكثر، فلا اعتداد بها، فإذا اسقطت بقيا ناقصين نقصانا مالية، ولهذا لو اريد الارش ينبغي ان يقطع النظر عن تلك الزيادة، بان يفرض سلب المنفعة المرتبة على تلك النقيصة، فيكون عندنا ناقصا لا يقدر على كثير افعال الفحول ولا قابلا لحصول النسل منه، فيقوم، ثم يقوم صحيحا قابلا لذلك كله. أو يقال: ان المراد بالنقصان المالي، ان يقال في العرف في هذا المال نقص، لا القيمة، فتأمل. وينبغي ملاحظة ذلك فانه قد استشكل في التذكرة في الارش وهنا كما سيجئ. وايضا لو اسقط ذلك واختصر على غيره يلزم ان يدخل كثير من الامور في العيب، مثل ان يزيد الشعر في بعض اعضائه بحيث يزيد في حسنه مثل الاشفار والحواجب خارجا عن العادة والغالب، بل ما وجد مثله قطعا، ولا شك ان ذلك ليس بعيب.

(1) سيجئ عن قريب.

[ 424 ]

[... ] نعم يمكن ان يسقط الكل واكتفى بما يعد عرفا نقصا وعيبا، اي كل زيادة ونقيصة يقال في العرف انه نقص وزيادة فهو عيب والا فلا، ولا يضر اجماله كسائر ما يحال إلى العرف الا ما ورد في الشرع كونه عيبا وان لم يعد في العرف ذلك كما لو فرض في عدم شعر العانة. ولكن الظاهر انه لابد من نقصان القيمة وعدم الزيادة والا لم يمكن الارش مع ثبوته في كل معيب. واصل التعريف مأخوذ مما روى عن الحسين بن محمد عن السياري قال: روى عن ابن ابي ليلي انه قدم ططاليه رجل خصما له فقال: ان هذا باعنى هذه الجارية فلم اجد على ركبها (1) حين كشفتها شعرا وزعمت انه لم يكن لها قط، قال: فقال له ابن ابي ليلي: ان الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهبوا به، فما الذي كرهت؟ فقال: ايها القاضي ان كان عيبا فاقض لي به، فقال: اصبر حتى اخرج اليك فاني أجد أذى في بطني، ثم دخل وخرج من باب آخر فاتى محمد بن مسلم الثقفي فقال له: اي شئ تروون عن ابي جعفر الباقر (عليه السلام) في المرئة لا يكون على ركبها شعرا يكن ذلك عيبا؟ فقال له محمد بن مسلم: اما هذا نصا فلا اعرفه ولكن حدثني أبو جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: كل ما كان في اصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، فقال له ابن ابي ليلى: حسبك، ثم رجع إلى القوم فقضى لهم بالعيب (2). والظاهر أن المراد كل ما يعد عرفا نقصا وزيادة في الخلقة المطلوبة في ذلك النوع، ولا يضر عدم صحة السند، للقبول، بل الاجماع في الجملة، فتأمل.

(1) الركب بالتحريك منبت العانة. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب احكام العيوب، الحديث 1.

[ 425 ]

[ ولو شرط المشتري وصفها لم يوجد فله الفسخ وان لم يكن فواته عيبا كالجعودة في الشعر، واطلاق العقد يقتضي التسليم فان ظهر فيه عيب سابق على العقد تخير المشترى بين الرد والارش. ] قوله: " ولو شرط المشتري الخ " دليل الخيار بعدم وجدان الشرط المذكور في متن العقد - سواء كان عدمه عيبا ام لا، وسواء كان في الثمن ام المبيع للمشتري والبايع - هو ما تقدم ان الشروط لازمة وملزمة للعقد وموجبة له، فلو فقدت لم يجب، بل يثمر الخيار لمن شرط له ذلك، بل يتخيل البطلان لفقده رأسا، لان فقد الشرط موجب لفقد المشروط وهو صحة العقد. ولكن ذكروا ان الشرط للزوم لا للصحة، والا يلزم الدور في بعض الصور، فلو قصد ذلك فلا بأس، وإذا قصد الصحة فالظاهر البطلان على تقدير الدور، وكذا على تقدير عدم الموافقة والوفاء به، والاطلاق يحمل على اللزوم ترجيحا لجانب الصحة، وتبعا للاصحاب، خصوصا من يعرف ان ذلك هو المذهب، فتأمل. قوله: " واطلاق العقد الخ " هذا ايضا بناء على ما يفهم من كلامهم، ان معنى مقتضى العقد السلامة، اللزوم معها، والخيار مع عدمها إلا (1) ما هو الظاهر من وقوع العقد على السالم دون المعيب كما هو الظاهر، والا يلزم البطلان لو ظهر معيبا مع تعيينه، ومع الاطلاق لا يكون ذلك مبيعا مورد العقد، فيطلب المبيع ان وجد والا بطل العقد مع الياس، أو ينتظر، مثل ما مر في السلم. هذا مثل ما تقدم من الشروط، ومثل قولهم: اطلاق الوكالة يفيد التوكيل في شراء الصحيح دون المعيب، وامثالها كثيرة، ثم يجوزون الخيار فيه للمالك، وهو بحسب ظاهر العبارات لا يخلو عن مناقشة، فتأمل.

(1) هكذا في النسخة المطبوعة، وفي النسخ المخطوطة (لا) بدل (الا).

[ 426 ]

[ وهو جزء من الثمن نسبته إليه كنسبة نقص قيمة المعيب عن الصحيح، ولو تبرأ البايع في العقد اجمالا وتفصيلا، أو علم المشترى به، أو اسقط خياره سقط الارش والرد. ] قوله: " وهو جزء من الثمن الخ " يعني الارش جزء من الثمن وله نسبة إليه بالنصف أو الثلث مثلا، مثل نسبة النقصان الذي في قيمة المعيب إلى قيمة الصحيح. بمعنى ان يقطع النظر عن الثمن الذي وقع عليه العقد، ويقوم ما وقع عليه العقد صحيحا قيمة عادلة بنظر اهل الخبرة المعتبرين في ذلك، ثم يقوم بنظرهم مرة اخرى معيبا بالعيب الموجود، كل ذلك وقت وقوع العقد عليه، ثم ينسب النقصان الذي في المعيب إلى قيمة الصحيح ويحط (1) تلك النسبة عن الثمن الذي وقع عليه العقد، وهو الارش الذي يرد إلى المشتري بسبب العيب السابق. قوله: " ولو تبرء البايع الخ " يعني لو قال: انا برئ من عيبه، بمعنى انه لا يلزمني لوازم العيب، مثل ان يقول: بعتك هذا بكل عيبه، أو انا برئ من كل عيبه، هذا المجمل. والمراد بالتفصيل ان يقول: بعتك بالعيب الفلاني، أو انا برئ عن عيب كذا وكذا ونحو ذلك مما يدل على اعلام المشتري بانه بيع مع ذلك العيب ورضي المشتري بذلك. الظاهر انه يكفي الذكر قبل العقد كما في الاثناء، لانه إذا حصل رضا المشتري بالعيب، لا خيار له، إذ سبب الخيار هو جهله به، ولهذا قال: أو علم

(1) هكذا في النسخة المطبوعة، وفي النسخ المخطوطة بعد قوله (إلى قيمة الصحيح) ما لفظه (وتحفظ بذلك النسبة ويؤخذ النسبة من الثمن).

[ 427 ]

[ ولو تصرف سقط الرد دون الارش، سواء تصرف قبل العلم به أو بعده ] المشتري به، أو اسقط خياره سقط الارش والرد. ولا فرق بين العيوب القديمة والمتجددة في الايجاب لهما، ولا بين علم البايع وعدمه. دليل الكل ظاهر، وقد مر ما يستفاد منه، مثل ان يقال: اصل العقد اللزوم (لاوفوا) ونحوه، خرج الصور المذكورة، فبقى الباقي، ولان المسلمين عند شروطهم، وقد شرط البايع ان لا ضمان عليه من جهة العيب، ولانه قد علم واشترى، فقد رضي بالثمن مع العيب ولزم البيع فليس له الا هو. ولان في الاخبار مثل رواية جعفر بن عيسى في اخر باب عيوب التهذيب (1) اشارة إلى السقوط مع البراءة والعلم، ولانه قد اسقط حقه فسقط كما في الابراء عن الحقوق، وللترغيب بالعمل على القول، والترهيب عن ترك العمل بمقتضى القول. والظاهر انه لم يرد انه ابراء عما لم يجب في العيوب المتجددة، لما تقدم، وللتأمل في عدم سقوط مثل هذه الامور بالاسقاط، لان الظاهر العمل بمقتضاه والمؤاخذة به بناء على الظاهر من الشرع ولم نجد لذلك مانعا، فتأمل. قال في التذكرة: لو شرط البراءة من العيوب الكائنة والحادثة جاز عند علمائنا، عملا ب‍ (المؤمنين عند شروطهم)، فيفهم انه اجماع ويشمله الدليل، فتأمل. واما التصرف بالمعنى الذي تقدم، فهو مسقط للرد لا الارش، لان كليهما

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب احكام العيوب، الحديث 1 ولفظ الحديث (عن جعفر بن عيسى قال: كتبت إلى ابي الحسن عليه السلام جعلت فداك، المتاع يباع فيمن يزيد فينادى عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه، فإذا اشتراه المشتري ورضيه ولم يبق الا نقد الثمن فربما زهد، فإذا زهد فيه ادعى فيه عيوبا وانه لم يعلم بها، فيقول المنادي: قد برئت منها، فيقول المشتري: لم اسمع البراءة منها، أيصدق فلا يجب عليه الثمن، ام لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن).

[ 428 ]

[... ]. كانا ثابتين، وقد سقط الرد بالرواية وبقي الارش على حاله، وللاستصحاب ولانه ما حصل منه الرضا بالثمن في المعيب، فكأنه يحتاج إلى جبر ذلك النقص لتحصل (فيحصل خ) الاسترضاء. ولا فرق في ذلك بين التصرف قبل العلم بالعيب وبعده، للعموم، وقد مر دليل السقوط بالتصرف، وبيان التصرف المسقط، والمستثنى منه وعدمه فتذكر. وقد يسقط الرد دون الارش ايضا فيما إذا اشترى من ينعتق عليه وظهر عيبه. قال في التذكرة: لو اشترى من ينعتق عليه ثم وجد به عيبا، فالاقوى ان له الارش دون الرد، لخروجه عن الملك بالعتق، وللشافعية في الارش قولان: الثبوت وعدمه. وكذا إذا اسقط الرد دون الارش. وقد يعكس بان يسقط الارش دون الرد، قيل: فيما إذا زاد القيمة بالعيب مثل ان يظهر العبد خصيا. وفيه تأمل، لاحتمال ثبوت الارش ايضا على الوجه الذي قلناه، ولكن الظاهر العدم، إذ يلزم الظلم على البايع. قال في التذكرة: لو خرج خصيا كان له الرد، لانه نقص في الخلقة خارج عن المجرى الطبيعي، وكان له الرد، وفي الارش اشكال، ينشأ من عدم تحققه، إذ لا نقص في المالية هنا الخ. وفيه تأمل، فانه موجب لعدم كونه معيبا، فلا رد ايضا. ثم اعلم انه ينبغي التأمل في الدليل الموجب للرد والارش، فان كان بحيث يشمل العيب الذي يزيد به القيمة يلزم ذلك للدليل، والا فما ذكر من سقوط الارش جيد، ثم ينظر في دليل جواز الرد، فان شمله يرد والا فلا، فحينئذ بالحقيقة

[ 429 ]

[... ] ليس بعيب فتأمل. والدليل على الرد كثير من روايات الاصحاب (1). واما على الارش فقليل فقال في التذكرة: والاصل فيه ما رواه الجمهور ان رجلا اشترى غلاما في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عنده ما شاء الله ثم رده من عيب وجد به (2). ومن طريق الخاصة قول احدهما عليهما السلام: في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيبا؟ قال: ان كان الثوب قائما بعينه رده على صاحبه واخذ الثمن، وان كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ رجع (يرجع ئل) بنقصان العيب (3) (4). وفي افادتهما المطلوب تأمل واضح، في السند اولا والدلالة ثانيا، إذ الاولى خالية عن الارش بالكلية، مع ان الظاهر منه جواز الرد بعد التصرف ايضا، إذ يبعد ان يكون العبد عند العرب ما شاء الله وما قال له اسقني ماء أو رد الجمل ونحو ذلك. مع انه مخصوص بالعبد وما علم النقل عنه صلى الله عليه وآله ولا تقريره. وكذا في الثانية فانها مرسلة جميل (5) عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام الخ.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - من ابواب احكام العيوب، فلاحظ. (2) مسند احمد بن حنبل ج 6 ص 80 و 208 ولفظه (حدثنا عبد الله، حدثني ابي، حدثنا اسحاق بن عيسى قال: حدثني مسلم عن هشام بن عروة عن ابيه عن عايشة ان رجلا ابتاع غلاما فاستغله، ثم وجد أو رأى به عيبا فرده بالعيب، فقال البايع: غلة عبدي، فقال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: الغلة بالضمان). (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الخيار، الحديث 3. (4) انتهى كلام التذكرة. (5) سند الحديث كما في الكافي (علي بن ابراهيم عن ابيه عن ابن ابي عمير عن جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما عليهما السلام).

[ 430 ]

[ إلا وطي الحامل وحلب المصراة. ] وتدل على جواز الرد مادام عينه باقيا وعدمه بعد ذلك. وفيه تأمل يعرف من مسائل العيب المقرة عندهم. وانه ان كان ثوبا تصرف فيه احد التصرفات المذكورة ونحوها، يرجع إلى الارش. فما يفهم كلاهما في صورة واحدة، بل الظاهر وجود ثبوت الرد في البقاء مع عدم التصرف بتلك التصرفات المذكورة في الصورة الثانية والارش في الثانية، وهو ظاهر، فبقي المسألة بلا دليل على الحكم المشهور المقرر كالمتيقن. مع كونها على خلاف الاصل من وجوه، من جهة الفروع المتكثرة، الا ان تكون اجماعية، فيكون دليله، وذلك غير ظاهر. وعلى تقديره يتعطل اكثر فروعاته، مثل ما تقدم من حكاية الخصى والمجبوب والعنين، لعدم الاجماع على انه ما ادعى في التذكرة الاجماع على اصله، بل اقتصر في ذكر الدليل على الروايتين اللتين ذكرناهما كما قال: فتأمل فانه من المهمات والمشكلات يستفهمنا الله يفهمنا مع سائر المشكلات الغير المفهومة الكثيرة جدا. نعم يوجد في الاخبار ما يدل على الرد بالعيب قبل الحدث والتصرف والارش بعده، مع عدم البرائة من العيوب، وكذا ارش الجارية المعيبة بعد الوطي دون الرد الا ان تكون حاملة كما سيجئ (1). قوله: " إلا وطي الحامل الخ " قد استثنى من عدم جواز رد المعيب بالعيب امران (2). الاول: وطى الحامل (إذا تصرف فيها بالوطي خ) فإذا اشترى شخص امة

(1) راجع الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب 4 و 5 وغيرهما من ابواب احكام العيوب. (2) في بعض النسخ المخطوطة هكذا: قد استثنى من التصرفات المسقطة للرد بالعيب امران.

[ 431 ]

[... ] ووطئها ثم ظهر انها كانت حاملا قبل الشراء، فله الرد، ومعلوم ان الحمل عيب لانه زيادة معرضة للتلف ومانعة من بعض الانتفاعات في الجملة، ولا شك ان الوطي ايضا تصرف. فمقتضى القاعدة عدم جواز حينئذ، بل الاقتصار على الارش كما في سائر العيوب مع التصرفات. ولكن قد استثنى هذه كانه - بالاجماع - مستند إلى النصوص، مثل رواية ابن سنان (كانه عبد الله فهي صحيحة) قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية حبلى ولم يعلم بحبلها فوطئها؟ قال: يردها على الذي ابتاعها منه ويرد عليه نصف عشر قيمتها، لنكاحه اياها، وقد قال علي عليه السلام: لا يرد التي ليست بحبلى إذا وطئها صاحبها ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيب ان كان فيها (1). وقريب منها رواية عبد الملك بن عمرو (2) ورواية سعيد بن يسار (3). وهي صحيحة الا ان فيها ارسال ابن ابي عمير (4). وفي بعضها يرد معها شيئا (5). وفي بعضها يكسوها (6). وفي الرواية الاخرى لعبد الملك بن عمرو عشر ثمنها (7).

(1) اورد صدرها في الباب 5 الحديث 1 وذيلها في الباب 4 الحديث 1 من ابواب احكام العيوب. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب احكام العيوب، الحديث 3. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب احكام العيوب، الحديث 9. (4) سند الحديث كما في التهذيب (احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابنا عن سعيد بن يسار). (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب احكام العيوب، الحديث 5. (6) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب احكام العيوب، الحديث 6. (7) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب احكام العيوب، الحديث 7.

[ 432 ]

[... ] حمل الشيخ الاولتين على نصف العشر، والاخيرة على غلط الكاتب أو الراوي. ويمكن حملها على كونها مع البكارة، لما تقرر عندهم. ولولا الاجماع لامكن الجمع بينهما بحمل ما فيه العشر أو نصفه على الاستحباب، والباقية على كفاية ما يصدق عليه الشئ والكسوة، لعل الاخيرة حسنة، (والاولى يحتمل كونها صحيحة أو حسنة خ). فقد استثنى من بين العيوب الحمل، ومن التصرفات الوطي، للاجماع والنص. فلو كان العيب غير الحمل فالحكم ليس كذلك، وان كان التصرف هو الوطي ويدل عليه اخبار كثيرة (1) وكذا لو كان التصرف غير الوطي وان كان العيب حملا. وعلى تقدير كون التصرف حينئذ لمسا وتقبيلا ونظرا احتمال المساواة للوطي، من باب مفهوم الموافقة، واستلزام الوطي لها غالبا، قاله في شرح الشرايع: وليس ببعيد، وليس في الاستثناء قصور أو خرق للقاعدة، إذ ما من عام الا وقد خص، وتخصيص القواعد بالحجة كثيرة، مثل ثبوت التخيير بين الرد والارش قبل التصرف، وقد لا يجوز الرد مثل ان خرج من ينعتق على المشتري معيبا، وقد لا يجوز الا الرد مثل الخصى، وامثالها كثيرة، ولا يحتاج إلى الذكر. وكذا لا استبعاد في استثناء هذه عن لزوم العشر على من وطئ بكرا، مع ان ذلك ليس بمتفق عليه، للنص والاجماع. ويؤيده ان البكارة هنا قد صارت بمنزلة الزائلة، لانها قد تزول بوضع

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب احكام العيوب، فراجع.

[ 433 ]

[... ] الحمل، فحكمها حكم العدم، فانه ما فوت شيئا على البايع. على انه يمكن حملها على الثيب، ويكون سبب الاطلاق والعموم كون الغالب ذلك. نعم قد يستبعد بعض ما في الاستثناء مثل لزوم شئ على المالك من جهة وطئه ماله، إذ قد تقرر عندهم ان المال بعد العقد ينتقل إلى المشتري، وان الانتفاعات والنماء له وان رد المبيع بالعيب وغيره واخذ ثمنه. على ان ذلك ايضا غير مجمع عليه، بل ولا منصوص عليه بخصوصه، ولهذا ذهب البعض إلى ان المبيع في زمان الخيار والنماء للبايع. ويؤيده بعض الاخبار مثل ما روى في الفقيه، حيث قال فيه: وقال عليه السلام: في رجل اشترى عبدا أو دابة وشرط يوما أو يومين فمات العبد أو نفقت الدابة أو حدث فيه حدث على من الضمان؟ قال: لا ضمان على المبتاع حتى ينقضى الشرط ويصير المبيع له (1). وقد قال فيه قبله: روى الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام الخبر (2) ثم قال: وقال: الخ. فهو يدل على ان هذا ايضا عن الحلبي، فيكون صحيحا، الا ان في قوله: (يوما أو يومين) تأملا. وفيها دلالة على ان التلف والعيب في زمان خيار البايع منه وان حملت على اللازم له بحيث لا خيار للبايع، لما تقدم، فعلى تقدير القول به - كما هو الظاهر للنص والاجماع - فلا استبعاد بعدهما، فان وطي امة الناس ثم الرد لا يخلو عن نقص،

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب الخيار، الحديث 2 ورواه في الفقيه ج 3، باب الشرط والخيار في البيع، ص 202. (2) يعني قال الصدوق (ره) في الفقيه قبل هذا الخبر (روى الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام الخ).

[ 434 ]

[... ] فيمكن ان يكون ذلك الرد جبرا لذلك. وما اجد هنا شيئا من المخالفة غير ما تقدم. وقد جعله (1) في شرح الشرايع مخالفة لمقدمات وذكرها وما فهمتها، وهو اعرف ثم قال: لذلك حمل البعض الحكم في الحمل الذي يكون من البايع - فظهر كونها ام ولد فبطل البيع وصار الدخول في ملك الغير، وحينئذ يكون الرد واجبا، بل لا يكون المسألة مما ذكروه من جواز الرد بسبب العيب مع التصرف. وهذا الحمل ما هو اقرب واولى من ارتكاب الاستثناء المذكور، لانه موجب لتخصيص النصوص والاجماع بفرد نادر واخراجهما من ظاهرهما. على انه لا يوجبه حقيقة كل ما ذكره، بل انما الموجب بعض ما فيه من لزوم

(1) قال في المسالك بعد نقل مقدمات سبعة ما هذا لفظه (إذا تقررت هذه المقدمات فنقول: إذا اشترى امة وتصرف فيها ثم علم فيها بعيب سابق لم يجز له ردها، بل يتعين الارش، لكن وردت النصوص هنا باستثناء مسألة، وهي ما لو كان العيب حبلا وكان التصرف بالوطي، فانه حينئذ يردها ويرد معها نصف العشر لمكان الوطي، وهذا الحكم كما ترى مخالف لهذه المقدمات من حيث جواز الرد مع التصرف، وفي وجوب شئ على المشتري مع انه وطئ امته، وفي اطلاق وجوب نصف العشر مع ان ذلك عقر الثيب، والمسألة مفروضة فيما هو اعم منها. ولاجل هذه المقدمات التجاء بعض الاصحاب إلى حملها على كون الحمل من المولى البايع، فانها حينئذ تكون ام ولد، ويكون البيع باطلا، والوطي في ملك الغير جهلا، فيلزم فيه العقر، واطلاق نصف العشر مبنى على الاغلب من كون الحمل مستلزما للثيبوبة، فلو فرض على بعد كونها حاملا بكرا كان اللازم العشر. وفي هذا الحمل دفع لهذا الاشكالات، الا انه يدافع لاطلاق النصوص بالحمل وبنصف العشر من غير تقييد بكونه من المولى وكونها ثيبا. وفيه ايضا لا وجه لتقييد التصرف بكونه بالوطي، بل اللازم حينئذ الرد على كل حال، لبطلان البيع وليس تقييد الحمل المطلق في النصوص الصحيحة وفتوى اكثر الاصحاب وكون المردود نصف العشر خاصة اولى من استثناء هذا النوع من التصرف من بين سائر التصرفات، وكون المنفعة مضمونا على المشتري (المسالك ج 1 كتاب التجارة ص 194).

[ 435 ]

[ ولو تجدد قبل القبض فله الرد ايضا، وفي الارش خلاف، ولو ظهر العيب في البعض فله الارش أو رد الجميع دون المعيب خاصة، ] الشئ على الواطي المالك، إذ لا موجب لعدم القول بالاستثناء برد الجارية الحامل بعد التصرف بالوطئ الا الرد بعد التصرف وعموم ذلك لا نص فيه ولا اجماع، وعلى تقديره يخرج هذه بهما كما مر، فالمشهور غير بعيد، فتأمل. (الثاني) حلب المصراة، فانه إذا ظهر العيب بالتصرية بعد ان تصرف بالحلب، يجوز الرد مع التصرف، وسيجئ احكام التصرية. قوله: " ولو تجدد قبل القبض الخ " اي لو تجدد العيب الموجب للرد والارش - لو كان سابقا على العقد - بعد العقد وقبل القبض، فللمشتري الرد بغير خلاف. وهل له الارش ايضا ام لا؟ ففيه خلاف، والظاهر ذلك لما ثبت عندهم من كون التلف بالكلية حينئذ على البايع، والعيب (ايضا خ) تلف للبعض فهو منه بالطريق الاولى. ولما تقدم في الرواية المنقولة عن الفقيه عن قريب من كون المبيع والنماء في زمان الخيار للبايع، وهو على ذلك القول اظهر. ونقل عن الشيخ منع الارش الا برضا البايع وادعاء الاجماع. وحمل على اجماع العامة، وهو بعيد بعدا واضحا. قوله: " ولو ظهر العيب الخ " دليل الارش ما تقدم من ثبوت الارش بالعيب عموما، وكذا رد الجميع واما رد المعيب فقط دون الصحيح فلا دليل عليه، مع انه موجب للتشقيص (للتنقيص خ) الذي هو عيب لا يجب على البايع ارتكابه.

[ 436 ]

[ وكذا لو اشترى اثنان صفقة لم يكن لهما الاختلاف بل يتفقان على الارش أو الرد. وله الرد بالعيب السابق (على العقد خ) وان اخره عالما به ما لم يصرح بالاسقاط، سواء كان غريمه حاضرا أو غائبا، ] قوله: " وكذا لو اشترى الخ " دليل وجوب الاتفاق هو ما تقدم من لزوم تشقيص العيب بالتفريق. ويمكن جواز التفرق إذ ببيعه على اثنين، ارتكب التشقيص فان كل واحد منهما صار مشتريا للبعض، فهو بمنزلة بيعين مع كل واحد بيع. ويؤيده عدم ثبوت كون التشقيص عيبا مطلقا بالدليل مع عموم دليل ثبوت الخيار بين الرد والارش، الا ان يكون جاهلا بذلك، فلا يكون لهما حينئذ الا الاتفاق في الرد والارش. ويمكن حمل كلام المصنف على ذلك، ولكنه بعيد، وان كان التفصيل بالعلم والجهل غير بعيد كما نقل عن المصنف في التحرير. وقال في شرح الشرايع: وان كان القول بالجواز مطلقا متوجها، وفيه تأمل، لان الظاهر ان الجهل عذر. قوله: " وله الرد بالعيب السابق الخ " يعني ان خيار العيب ليس بفوري، فان اخره عالما بالعيب يجوز له الرد والارش ايضا، وان تصرف له الارش دون الرد، فانه مؤذن بالرضا بالعقد فيسقط الرد دون الارش، لا باسقاط الخيار والارش حتى لا يكون له ذلك ايضا وهو ظاهر، كانه لا خلاف في ذلك كله. ومستنده عموم ادلة ثبوت الخيار من غير قيد، وقد مر في الخبر ايضا: انه يجوز الرد وان كان عنده ما شاء الله (1)، فالخيار باق ما لم يسقطه ويصح الاختيار

(1) راجع ص: 429.

[ 437 ]

[ ولو ادعى البايع البرائة فالقول قول المشترى مع اليمين وعدم البينة. وقول البايع في عدم سبق العيب مع عدم البينة وشهادة الحال، وترد الامة الحامل إذا وطئها مع نصف عشر قيمتها، ] والاسقاط، سواء كان الغريم حاضرا أو غائبا ولا يحتاج إلى الشهود ولا الحاكم مطلقا، الظاهر انه لا خلاف في ذلك ايضا بين الاصحاب. قوله: " ولو ادعى البايع الخ " اي من العيب سواء كان مفصلا أو مجملا. ودليل كون القول قول المشتري مع اليمين وعدم البينة، هو كونه منكرا وكون البايع مدعيا، مع ما اشتهر في الخبر: البينة على المدعي واليمين على من انكر (1) وسيجئ تحقيق المنكر والمدعى وكون القول قول المنكر في محله. ويؤيده ان الاصل عدم صدور البرائة منه حتى يتحقق، والغرض ثبوت العيب السابق الا انه يحلف على عدم علمه من براءة البايع. ولا يلتفت إلى ما في الخبر عن جعفر بن عيسى في مكاتبته إلى ابي الحسن عليه السلام فيقول له المنادي قد برئت منها فيقول المشتري: لم اسمع البرائة منها، أيصدق فلا يجب عليه الثمن ام لا يصدق فيجب عليه الثمن؟ فكتب عليه الثمن (2) لضعفه للكتابة ومخالفته للقاعدة. قوله: " وقول البايع في عدم الخ " دليله ظاهر مما تقدم، مع عدم البينة وعدم شهادة الحال الموجبة للقطع على ان العيب سابق عادة. قوله: " وترد الامة الحامل الخ " قد مر عن قريب فتذكر، وانما الاعادة

(1) لاحظ عوالي اللئالي ج 1 ص 244 وص 453 وج 2 ص 258 وص 345 وج 3 ص 523 وفي الوسائل ج 18 كتاب القضاء، الباب 25 من ابواب كيفية الحكم، ذيل حديث 3 نقلا عن تفسير علي بن ابراهيم. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب احكام العيوب، قطعة من حديث 1.

[ 438 ]

[ والشاة المصراة مع اللبن، أو مثله مع التعذر، أو القيمة مع عدم المثل. ] لعدم استيفاء حكمه من لزوم نصف العشر مطلقا، وقيد بالثيب، فاثبت العشر ان كانت بكرا، واطلاق الاخبار وعدم التفصيل دليل الاول كما هو في اكثر العبارات، فالشهرة ايضا يؤيده. والظاهر عدم الفرق بين الوطي قبلا ودبرا في لزوم نصف العشر، لثبوت التساوي بينهما في ايجاب المهر، ولصدق الوطي، فيشمله الاخبار. قوله: " والشاة المصراة الخ " عطف على الامة، وقد مر ايضا واعادها لما مر، فيردها مع اللبن عينا ان كانت والا فمثلها لو كان والا فالقيمة. وقد علم مما مر ان هذا ايضا خلاف القاعدة، والامر هين مع النص أو الاجماع ان كان وان استبعد رد اللبن، لما تقرر انه ملك للمشتري، فهذا ايضا (خلاف القاعدة خ) مثل عقر الامة مؤيد للقول بان المبيع ملك للبايع في زمن الخيار. ولكن لما تقرر ذلك عندهم، خصوصا عند القائل بانه ملك للمشتري كالمصنف لما تقدم - فلابد لاخراجهما من دليل. ولكن الظاهر انه لا دليل للاصحاب على رد الشاة واللبن عينا أو مثلا أو قيمة، بعد التصرف الموجب للسقوط، بل هذه المسألة مما لا نص للاصحاب فيها كما قال المصنف والشارح وغيرهما، وانما هي مذكورة في كتب بعض العامة (على ان الدليل عام، ولهذا ترى عبارات المتون المختصرة كذلك) واخبارهم (1)، ولهذا قالوا: المراد برد اللبن، رد اللبن الموجود حال البيع وقبل ان تصير الشاة للمشتري. ولكن الظاهر ان ظاهر دليل بعض العامة اعم، وهو بناء على مذهبهم من

(1) سنن ابن ماجة، ج 2، كتاب التجارات، ص 752 (42) باب بيع المصراة، الحديث 2240 ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: يا ايها الناس من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة ايام، فان ردها رد معها مثلي لبنها، (أو قال) مثل لبنها قمحا).

[ 439 ]

[ وتختبر التصرية بثلاثة ايام. ] كون المبيع في زمن الخيار ملك البايع فلا اشكال حينئذ. ولكن يشكل ذلك على مذهب الاصحاب بناء على ما تقرر عندهم، لان ظاهر كلامهم انه يرد جميع البن الذي كان في ايام الاختبار، ومعلوم ان ليس كله موجودا في ملك البايع، الا ان يكونوا بنوا على ان الاصل عدم وجود لبن اخر ووجود ما كان، فتأمل وان علم شئ لا يرد (1)، وان مزجا اصطلحا. والظاهر ان لا خلاف عندهم في رد الشاة المصراة، بل لبنها ايضا في الجملة، لانه غر (2) المشتري بها. إذ لو لم تكن الشاة مصراة لم يشترها، ولما كان عندهم ان ذلك ليس بعيب - بل هو اظهار شئ لم يكن فيه، وعدمه ليس بعيب وان مثله لا يجوز، كتحمير وجه الامة وتلوين شعرها ووصلها وغير ذلك مما يدلس به ويكون (به خ) مخفيا في الجملة وظاهرا فيما قصده المدلس ويختلف به الثمن، لا كتسويد ثياب العبد لظن الكتابة، وتعليف الدابة لتنفخ بطنه ليظن الحمل والسمن، لانه غير ظاهر فيها، بل هو اعم، والتقصير من المشتري حيث ظن ظنا باطلا - قالوا بان له الرد فقط دون الارش للتدليس، واللبن ماله. ويؤيده اخبار العامة. واما وجه رد اللبن فقط مع وجوده من غير تغيير، فظاهر، ومعه مثل الحموضة الموجبة لنقص القيمة مع الارش كذلك، وكذلك مع التلف، أو التغيير المفسد رد المثل مع الامكان والقيمة مع التعذر، والكل واضح. قوله: " وتختبر التصرية الخ " اعلم انه إذا كانت التصرية معلومة باقرار البايع أو البينة، فالظاهر انه لا يحتاج إلى الاختبار ثلاثة، بل يمكن ان يكون له الرد في الحال.

(1) اي لو علم حدوث شئ من اللبن بعد البيع، فلا يرد، لانه ملك المشتري. (2) وفي بعض النسخ هكذا (لانه تدليس موجب لغرر المشتري).

[ 440 ]

[... ] قال في الشرح: لو لم يحلبها وعلم كونها مصراة - قبل الحلب وبعد العقد - ثبت له الخيار على الفور الخ. اي في الحال، لان التصرية التي هي تدليس وموجبة لجواز الرد قد ثبتت، فيكون مقتضاه ايضا ثابتا. الا انه قد يجوز له هنا ايضا الصبر والاختبار، لاحتمال الارتفاع بسبب ما، مثل تغيير المرعى والمكان، أو بهبة من الله، فلا يثبت، لزوال الموجب، لان مجرد التصرية غير موجبة من حيث هي، بل انما هي موجبة لاظهار ما ليس فيه مما يوجب زيادة الثمن والرغبة، فلو لم يكن كذلك بل وجد ما اظهره ليس له ذلك. وكانه لذلك اوجب البعض هنا ايضا الاختبار للرد ولا يجوزونه في الحال. قال في شرح الشرايع: فلو ثبت باقرار البايع أو البينة جاز الفسخ قبل الثلاثة لكن بشرط النقصان. ولكن نقل في الشرح عن الشيخ انه قوى في الخلاف جواز الرد مع ثبوت التصرية وان زالت، وصار اللبن زائدا كل يوم على اللبن الاول أو ساواه، وقال في المبسوط بسقوط الخيار. ويؤيد الاول ان التدليس ثابت، يعني قد علم ان ما لم يكن فيه ثابت، ولا اعتداد بما وجد مع العلم، إذ قد يزول، بخلاف ما لو لم تكن ثابتة وثبت التساوي ثلاثة ايام، كما انه لو علم التصرية بالاختبار في الثلاثة، ثم زال بعد الثلاثة لم يزل جواز الرد مع عدم علم المشتري، لانه قيل: فورى، وان قاله في الشرح. ويظهر عدمه هنا ايضا كالاول من شرح الشرايع حيث قال: لو علم التصرية بالاقرار أو البينة ولم ينقص في الثلاثة، بل زاد أو ساوى هبة من الله، فالاشهر زواله كالاول، كما إذا علم بالعيب قبل العقد بعد زواله، واما إذا لم تكن

[ 441 ]

[... ] معلومة، حصل شك ام لا تختبر بثلاثة ايام، بمعنى انه جوز الاختبار بالحلب في الثلاثة، فان ظهرت في ظرفها فله الرد، لا انه لابد عن الثلاثة والنقص بعد الاول في كلها، فانه إذا حلب اولا مقدارا ثم حلب آخر كان انقص من الاول نقصانا بينا عرفا - بحيث لا يقال له المساوي لقلة التفاوت المتعارف في العادة والغالب - كان له الرد في الحال، وان زاد بعد ذلك على الاول أو ساواه، لتحقق التصرية الموجبة، ولا تزول بالتساوي اخيرا، لاحتمال كونه بسبب أو هبة من الله قاله في الشرح ايضا. وقال ايضا: واما جعل الثلاثة، لمصلحته لجواز ان يحلب الاخير فقط ناقصا عن الاولين فان له الخيار. وبالجملة ان كان الكل مساويا مساواة عرفية، وهي عدم تفاوت فاحش عرفي، فلا خيار. وكذا ان كان الاول ناقصا، وان كان الاولان مساويين والاخير ناقصا، أو الوسط ناقصا، فالخيار ثابت كذا يفهم من الشرح، وشرح الشرايع ايضا. وفيه تأمل خصوصا إذا كان الاخير بعد الناقص في الوسط مساويا للاول وزايدا، لانه قد يختلف باختلاف الزمان والمكان والمأكول والمشروب فبمجرد ثبوت نقصان ما، يشكل القول بثبوت التصرية الموجبة للرد، مع اقتضاء العقد اللزوم بعد التصرف، وهو خلاف الاصل والدليل، من وجهين مع عدم النص فيه، فيبنغي الاقتصار على الموضع الذي ثبت انه مصراة بالنص والاجماع. وبالجملة هذه المسألة مشكلة، لانها مخالفة لاصل اللزوم، من جهة الرد مع عدم العيب، والرد بعد التصرف الممنوع فيما ثبت له الرد مع عدم النص. ولكن لما كانت تدليسا - وقاعدة عدم الضرر، تقتضي جواز الرد وان تصرف في ايام الثلاثة التي هي محل خيار المشتري في سائر الحيوانات - جوز الرد مع التصرف، مؤيدا باخبار العامة، ولكن تصرفا يعلم به حال اللبن، لا غير، لان في

[ 442 ]

[ وتثبت في الشاة والبقرة والناقة على اشكال، لا في الامة والاتانة، ولو صارت التصرية عادة في الثلاثة سقط الخيار، لا بعدها. ] التصرية ضررا عظيما فيما المطلوب منه اللبن ولا تعلم الا بالحلب ولا تظهر باليوم واليومين غالبا، وكثيرا ما يتفق في يومين بسبب التصرية أو مع موجب للزيادة أو المساواة لليوم الاول فنيطت (اي علقت خ) بالثلاثة لدفع ذلك، مع الخيار في الثلاثة في كل الحيوان، وجوز مع التصرف ايضا لدفع الضرر، وهو منتف في غير هذه الصورة بتجويز اخذ الارش، وهو هنا غير مجوز، لعدم كونه عيبا، ولا قائل به. مع ما عرفت من عدم النص الصحيح الصريح في ان كل تصرف مسقط للخيار. ومع ذلك ينبغي الاقتصار على ما يتحقق ذلك لا مجرد الاختلاف بسبب ما، نعم ذلك مع الاقرار أو البينة لا باس به. ونجد في شرح الشرايع انه عكس الامر، حيث ما اكتفى بالاقرار والبينة، بل شرط معهما النقص ايضا، واكتفى بمجرد وجود الاختلاف في الوسط وان كان الاول والاخير متساويين، أو الاخير زائدا على الاول مع نقص في البين، وهو اعرف، فافهم. قوله: " وتثبت في الشاة والبقرة الخ " الاشكال في البقرة والناقة، لا في الشاة، فان ثبوت التصرية فيها مما لا خلاف فيه على الظاهر. ووجه الاشكال عدم وجود النص والاجماع، ووجود العلة الموجبة في الشاة، فالثبوت ليس ببعيد، لما تقدم من العلة في الشاة، إذ لا نص، بل التدليس الموجب لذلك، والا لزم الضرر المنفي عقلا ونقلا (1) مؤيدا باخبار العامة. فانه ذكر في التذكرة: ان الاقرب ثبوتها في الناقة والبقرة وبه قال الشافعي

(1) قد مر في شرح قول المصنف قدس سره (وخيار الغبن) فراجع.

[ 443 ]

[... ] وغيره ممن اثبت الخيار الا داود، لان النبي صلى اله عليه وآله قال: لا تصروا الابل والغنم (1). وفي رواية اخرى: من باع محفلة ولم يفصل الخ. وفي دلالة الرواية تأمل، ولكن الظاهر ان امثالها دليل الغنم، وانه لو ثبت كونها منهيا عنها، مع انها موجبة لضرر المشتري، لدل على جواز الرد وان تصرف لعدم القائل بالفرق، ولما تقدم. وقال ايضا: ولان لبن البقرة اكثر نفعا من الابل والغنم، فتجويز داود فيهما (2) دونها ضعيف. وبالجملة: ينبغي جواز الرد في كل تدليس بشئ يوجب زيادة الثمن باظهار ما ليس فيه، مع كونه مطلوبا منه، فلهذا لا يثبت بالتصرية في غير الثلاثة عند اصحابنا كما يظهر من التذكرة مثل الامة، والاتان، هي بفتح الهمزة جمعها الاتن، وهي الحمارة، لان اللبن غير مقصود منهما. نعم يمكن اثبات جواز الرد في الامة بتحمير الوجه واسوداد الشعر الابيض ووصله وغير ذلك، وان لم يكن عدمه عيبا، فتأمل، خصوصا مع التصرف. قال في التذكرة: وقد يلحق بها التدليس، فلو حبس ماء القنات ثم ارسله عند البيع أو الاجارة فيخيل (فيتخيل خ) المشتري كثرته ثم ظهر له الحال، وكذا لو حمر وجه الجارية أو سود شعرها وجعده، أو ارسل الزنبور في وجهها فظنها المشتري سمينة ثم بان الخلاف فله الخيار. اما لو لطخ ثوب العبد بسواد فتخيل المشتري كونه كاتبا فلا خيار، فان

(1) التذكرة ج 1 ص 526 في احكام خيار العيب. (2) اي في الشاة والابل دون البقرة.

[ 444 ]

[ والاباق القديم، ] الذنب للمشتري حيث اغتر بما ليس فيه كثير تغرير الخ. ومنها يعلم انه لو اقر وقال انه كاتب مثلا، يكون له الخيار وان لم يشترط في متن العقد، وهو ظاهر فتأمل. ثم ان الظاهر عدم الفرق في التصرية بين كون البايع فعل ذلك قصدا، أو صار من عند نفسه ذلك لعدم الحلب اتفاقا، ويؤيده ثبوت الرد للمشتري بالعيب السابق، وان كان البايع جاهلا به قاله ايضا في التذكرة، فتأمل حيث فهم في التصرية الرد من النهي (1). ولعلك فهمت شرح قوله (ولو صارت التصرية عادة الخ) يعني إذا صارت الحلبات في الثلاثة كلها متساوية أو الاولى انقص لا خيار، واما ان لم تصر في الثلاثة كذلك بل اختلفت بالزيادة والنقصان بان صار مثلا، أو لا زيادة ثم نقص الثاني، فله الخيار وان عادت بعد الثلاثة إلى الاول أو زادت، لما مر. وظاهره ان ما ذكره في مطلق التصرية، ويمكن جعله في غير المعلوم، بالاقرار والبينة، لما مر ايضا فتذكر وتأمل. قوله: " والاباق القديم ": ظاهره ان مجرد الاباق قبل البيع عيب يثبت به الرد أو الارش للمشتري وان لم يابق عنده اصلا، وان كان قديما، بل وجد عند غير البايع. وفيه تأمل، إذ ينبغي صدق العيب، وبمجرد ذلك، الصدق غير ظاهر، خصوصا إذا كان عتيقا وصغيرا وانتقل إلى ايدى متعددة وهو الان يكون مقيدا ومسلوبا عنه ذلك عيبا عنده، نعم لو ابق مع ذلك عند المشتري، أو علم منه ذلك مكررا، أو عادة، أو ان حاله ذلك، الا انه قد حفظ وما حصل له ذلك والا لفعل

(1) يعني فهم العلامة قدس سره من قوله صلى الله عليه وآله (لا تصروا) جواز الرد بعد تحقق التصرية.

[ 445 ]

[ وعدم الحيض ستة اشهر ممن شانها الحيض. ] ذلك مهما قدر، فهو عيب، وتجدده عند المشتري في زمان الخيار كالقديم والحديث عند البايع قبل القبض مثل سائر العيوب. ويدل على كونه في الجملة عيبا، ما قال في التهذيب: قال محمد بن علي: فابق؟ قال: لا يرد الا ان يقيم البينة انه ابق عنده (1). كانه تتمة صحيحة ابي همام الاتية في عيوب السنة. فظاهر المتن كما هو ظاهر اكثر العبارات غير بعيد، فتأمل. قوله: " وعدم الحيض الخ " دليل كون عدم الحيض ستة اشهر ممن شأنها الحيض، عيبا ترد به. رواية داود بن فرقد قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض عنده حتى مضى لها ستة اشهر وليس بها حمل؟ قال: ان كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب ترد منه (2) وهى صحيحة ودلالتها واضحة وموافقة للاعتبار من ان عدم الحيض غالبا موجب لعدم النسل وانه موجب لبعض الامراض. ولكن ينبغي ان لا يكون مجرد بلوغ تسع سنين والتأخير ستة اشهر موجبا لذلك لانه قد عرف بالتجارب انه متأخر عن اربعة عشر سنة وزيادة من غير ان يعد عيبا ونقصا. بل ينبغي ان ينظر إلى امثالها سنا مع الاتفاق بالبلد والمزاج في الجملة، فان وجد منها الحيض دونها يكون عيبا ترد به، وكانه إليه اشار عليه السلام بقوله: (ان كان مثلها تحيض) وما يريد منه البلوغ الشرعي مثل تسعة سنين لما مر، ولانه

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العيوب، قطعة من حديث 2. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب احكام العيوب، الحديث 1.

[ 446 ]

[ والثفل في البرز وشبهه الخارج عن العادة، ] كان مفروضا في السؤال، وحينئذ يستفاد انها مع ذلك وعدم الكبر وحبس الحيض ستة اشهر عيب ترد به، ولا يعلم حكم الاقل (1) من ستة اشهر نفيا واثباتا. وظاهر شرح الشرايع (2) انها تدل على الاقل ايضا، فان ظاهرها عدم التقييد بستة، بل البناء على عدم حيض مثلها ونفي الكبر فلو قيل: بانه متى تأخر عن عادة امثالها في تلك البلاد، ثبت الخيار - كان حسنا. والظاهر انها خالية عن ذلك، لان فيها حكم من تأخر حيضها ستة اشهر مع كون امثالها تحيض وعدم الكبر، فتأمل. نعم يمكن ان يقال: ان ثبت عرفا أن تأخر الحيض اقل من ستة اشهر ايضا عيب، فهو كذلك، لا لهذا الخبر، بل لما تقدم والا فلا. ثم انه يعلم جواز الرد بعد ستة اشهر، ولا شك في ذلك مع عدم التصرف، واما معه فظاهر هذا الخبر ذلك، لان عدم التفصيل دليل العموم في امثال هذا المقام، على ان الغالب ان لا يتم الخادم (3) ستة اشهر من غير تصرف موجب للسقوط المقرر عندهم، مثل اسقنى ماء واغلق الباب، فيكون هذا العيب ايضا مستثنى لعدم ثبوته الا بعد ذلك. ويحتمل تقييده بعدم التصرف لما تقدم، وظاهر الدليل الاول. قوله: " والثفل في البرز الخ " الثفل بالضم، والثافل ما استقر تحت

(1) وفي بعض النسخ هكذا (ولا يعلم حكم الا باقل). (2) قال في المسالك بعد نقل صحيحة داود ما هذا لفظه: (وفي دلالته على اعتبار ستة اشهر نظر، فانه عليه السلام انما علق الحكم على حيض مثلها واراد به نفي الصغر والياس، وان كان ذلك مستفادا من اثبات الادراك ونفي كونه عن كبر، فان من المعلوم ان مثلها تحيض في تلك المدة واقل منها، والسؤال وقع عن تأخر الحيض ستة اشهر، والجواب لم يتقيد به وحينئذ فلو قيل بثبوت الخيار متى تأخر حيضها عن عادة امثالها في تلك البلاد كان حسنا) المسالك ج 1 ص 195. (3) اي الجارية المذكورة في الصحيحة.

[ 447 ]

[ وبول الكبير في الفراش عيوب (عيب خ ل). اما تحمير الوجه ووصل الشعر والثيبوبة فليست عيوبا، لكن يثبت بها الرد لو شرط اضدادها ولا ارش، ] الشئ، والبرز بالفتح والكسر حب يؤخذ عنه دهن يقال له دهن الكتان، كانه بتقدير المضاف دهن البرز ويطلق على الدهن كما في الصحاح. دليل عدم الخيار بمقدار العادة، هو اقتضاء العادة، فكأنه عالم به واشترى فلا خيار، فان معنى قوله بعتك هذا الدهن بتقدير الدهن مع الثفل، ولا يضر الجهل الحاصل بالدهن من جهة جهل ذلك الثفل، لعدم الاعتداد به، وعدم اشتراط العلم بالوزن إلى هذا المقدار، كالتراب والتبن في الطعام والدهن مع الظرف، وللضرورة غالبا. وكذا لو كان كثيرا وعالما به، ومع عدم ذلك فالظاهر انه عيب يترتب عليه احكامه. وقوله (بول الكبير) عطف على الثفل، أو ما قبله، أو مبتداء وخبره عيب. والظاهر ان بول المملوك في الفراش - كبيرا سواء كان عبدا أو امة - عيب، وما يعرف به الكبر الذي كون البول حينئذ عيبا، هو العرف والبلوغ بسن يكون ذلك حينئذ قليلا. قوله: " اما تحمير الوجه الخ " قد مر ما يستفاد ذلك منه، ويدل على اللزوم مع الاشتراط، ادلة جواز الاشتراط واللزوم بعده. وقد مر انه مع عدم الاتيان بالشرط ثبت لمشترطه الخيار في الرد فقط، بان يخرج العقد من اللزوم والوجوب إلى الجواز، ولا يثبت به الارش لعدم الموجب. والذي يتخيل كما مر إليه الاشارة، عدم صحة العقد عليه، لعدم ورود العقد والصيغة والرضا على ما لم (1) يوجد فيه الشرط.

(1) هكذا في النسخ كلها، والظاهر زيادة كلمة (عدم) أو لفظة (لم).

[ 448 ]

[ ويرد الرقيق من الجنون والجذام والبرص الحادثة ما بين العقد وسنة لا ازيد مع عدم التصرف. ] فتأمل فيه، لعل العلم بان الشرط مقتضاه عدم اللزوم لا عدم البطلان، أو وقع العقد عليه، فتأمل. قوله: " ويرد الرقيق الخ " دليل جواز الرد مع هذه العيوب - وان حدثت في آخر السنة، وان كان عند المشتري، وانقضاء زمان الخيار، مع كونه مخالفا للاصل والقوانين -. هو الرواية (الروايات خ) الكثيرة، مثل صحيحة ابي همام قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: يرد المملوك من احداث السنة من الجنون والجذام والبرص، فإذا اشتريت مملوكا فوجدت به شيئا من هذه الخصال ما بينك وبين ذي الحجة فرده على صاحبه. قال في التهذيب: قال محمد بن علي: فابق، قال: لا يرد الا ان يقيم البينة انه ابق عنده (1). كأنها تتمة الرواية، لعل محمدا كان حاضرا فقال: فان ابق فالى متى يكون الرد؟ قال الرضا عليه السلام: لا يرد الخ. وهذه تدل على ان مجرد الاباق مرة واحدة عند البايع بعد ان وجد عند المشتري موجب للرد كما اشرنا إليه هناك. واظن ان محمد بن علي هو الحلبي لبعض القرائن (2).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العيوب، قطعة من حديث 2 وهذا المتن بنقل الشيخ في التهذيب، واما بنقل الكليني فبعد قوله (والبرص) ما هذا لفظه (فقلنا: كيف يرد من احداث السنة؟ قال: هذا اول السنة فإذا اشتريت (إلى ان قال) فقال له محمد بن علي: فالاباق من ذلك؟ قال: ليس الاباق من ذلك الا ان يقيم البينة انه كان ابق عنده). (2) ان كان المراد منه محمد بن علي بن ابي شعبة الحلبي، فليس بجيد، لانه قد مات في زمن الصادق

[ 449 ]

[... ] وفي رواية علي بن اسباط عن الرضا عليه السلام ضم القرن ايضا إلى الثلاثة، حيث قال: سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة ايام للمشتري، وفي غير الحيوان ان يتفرقا، واحداث السنة ترد بعد السنة، قلت: وما أحداث السنة؟ قال: الجنون والجذام والبرص والقرن، فمن اشترى فحدث فيه هذه الاحداث فالحكم ان يرد على صاحبه إلى تمام السنة من يوم اشتراه (1). ورواية محمد بن علي قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: يرد المملوك من احداث السنة من الجنون والجذام والبرص والقرن قال: فقلت: وكيف يرد من احداث السنة؟ فقال: هذا اول السنة يعني المحرم، فإذا اشتريت مملوكا فحدث به من هذه الخصال ما بينك وبين ذي الحجة رددته على صاحبه (2). ولعل المراد ان العقد وقع في اول المحرم، فهو اول السنة حينئذ، ويتم السنة آخر ذي الحجة الآتية. ولا يضر عدم صحة سند الخبرين، لجهل محمد في الاخيرة (3) على اني اظنه محمد بن علي الحلبي، فصح ووقف علي بن اسباط وغيره فيما سمعته (سبقها خ ل) (4). ولكن اثبات القرن مشكل، لعدم وقوعه في المقطوع بالصحة، وعدم ظهور

(1) عليه السلام على ما نقله في تنقيح المقال عن السيد صدر الدين رحمه الله، وان كان غيره فحاله مجهول. (1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العيوب، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من ابواب احكام العيوب، نحو الحديث 2 بسند الثاني للشيخ. (3) سند الحديث كما في التهذيب ص 135 محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن عبد الحميد عن محمد بن علي قال: الخ. (4) سند الحديث كما في الكافي عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن علي بن اسباط عن ابي الحسن الرضا عليه السلام.

[ 450 ]

[ ومعه الارش خاصة. ] القول به. وفي البرص ايضا اشكال لورود ان العهدة فيه ثلاثة ايام في رواية عبد الله بن سنان المتقدمة في خيار الحيوان عن ابي عبد الله عليه السلام: عهدة البيع في الرقيق ثلاثة ايام ان كان بها حبل أو برص أو نحو هذا، وعهدته سنة من الجنون، فما بعد السنة فليس بشئ (1). والظاهر انها صحيحة، إذ ليس فيه من به شئ الا الحسن بن علي الوشا، الظاهر توثيقه من كتاب الرجال (2) ولهذا قد سمى ما هو فيه بها، والاصل وادلة لزوم البيع يؤيده. ويمكن حمل غيرها على استحباب قبوله للبايع، أو الثانية على كراهة (هية خ ل) رده وان جاز، لعله اولى من الحمل الاول وانسب بالعبارة ويوافق الشهرة، فتأمل. واما انه إذا تصرف - فليس له الا الارش، فلا يجوز الرد وقبله كان مخيرا - فلما تقدم وثبت عندهم ان الرد يسقط مع التصرف في المبيع مطلقا دون الارش الا ما استثنى، وهذا ليس منها. وقد مر الاشارة إلى اني ما رايت دليلا صحيحا صريحا في التخيير مطلقا، ولكن يظهر عدم الخلاف (فيما خ) بينهم، وهم اعرف. وقد علمت ايضا ان الاخبار الدالة على الرد هنا خالية عن قيد عدم التصرف، بل ظاهرها الرد مع التصرف ايضا، لبعد عدم التصرف سنة في مملوك اشترى للخدمة ولو بمثل اسقني كما مر غير مرة.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الخيار، الحديث 7. (2) سند الحديث كما في التهذيب ص 125 احمد بن محمد عن الوشا عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله عليه السلام.

[ 451 ]

[ المطلب الثالث: في الربا ] ولان عدم التفصيل في مثله يفيد العموم، بل نص في ذلك، فلا يبعد استثناء هذه العيوب ايضا من عدم جواز الرد مع التصرف. على انه قد تقدم عدم نص صريح في المنع كلية، وعلى تقديره ايضا يجوز التخصيص بهذه الرواية، وليس تقييد هذه بعدم التصرف باولى من عدم تقييد تلك بعدم هذه العيوب واستثنائها منه، بل الظاهر ان هذه اولى كما تقدم من البعد، ولكن القائل به غير ظاهر وهم اعرف رحمهم الله. قوله: " المطلب الثالث: في الربا " وهو في اللغة بمعنى الزيادة مطلقا. واما في الشرع، فالظاهر انه الزيادة التي في المعاملة مطلقا مع الشرايط الآتية، ومن خصه بالبيع كالمصنف بدل (المعاملة) ب‍ (البيع). واصطلاحا بيع احد المثلين بالآخر مع الزيادة وانضمام شرايطه التي تأتي. ثم ان الظاهر ان المحرم عند الاصحاب، هو المعاملة وما يحصل بها مما يأخذه من صاحبه ما يقابل رأس المال والزيادة، وكذا ما يعطيه كما يدل عليه دليله الذي سنذكر، فيمكن تعريفه بها، بل هذا اولى بحسب المعنى، ولهذا (1) قال في مجمع البيان: معنى (احل الله البيع وحرم الربا) احل الله البيع الذي لا ربا فيه وحرم الذي فيه الربا، وهذا مؤيد للمصنف من تخصيص التحريم بالبيع، والاول انسب باللفظ ولكثرة المناسبة للمعنى اللغوي، والامر في ذلك هين بعد تحقيق المراد بالدليل. والظاهر انه لا يحتاج إلى استثناء الزيادة التي تجوز بين الولد والوالد والزوجين والحربي والمسلم في التعريف كما فعله في شرح الشرايع، لانها ايضا ربا،

(1) اي لاجل ما نقله من الاصحاب من ان المحرم هو المعاملة.

[ 452 ]

[... ] الا انه جائز بالدليل، ولهذا يقال: لا يحرم الربا بين هؤلاء، والامر فيه ايضا سهل. ثم الظاهر ان دليل المخصص، كالمصنف، ان الربا حرام (1) بالكتاب، مثل قوله تعالى (الذين يأكلون الربا، إلى قوله واحل الله البيع وحرم الربا) (2) وسيجئ الاشارة إليه، والسنة والاجماع. ولا شك في تحقق ذلك في البيع، ويمكن في القرض ايضا، واما غيرهما فلا يعلم ثبوته فيه، مع اصل الاباحة المؤيد بظواهر الآيات والاحاديث الدالة على ان حصول التراضي يكفي للاباحة، وعلى حصر المحرمات، وليس هذا منها، وان الناس مسلطون على اموالهم (3) وخرجا هما بها، وبقي الباقي. والاكثر على العموم، ويمكن ان يستدل لهم: بان الربا معلوم تحريمه بالثلاثة المتقدمة، ومعلوم كونه لغة بمعنى الزيادة، وليس بمعلوم نقله عنه في اصطلاح الشرع، نعم قد يوجد في اصطلاح الفقهاء، فكل يصطلح على ما اقتضاه دليله. فذلك (4) ليس بدليل، لانه ليس بحقيقة شرعية ولا عرفية، بل هو ظاهر ومبين في محله، فبقى الحمل على معناه اللغوي، الا انه يخرج عنه ما هو حلال بالاجماع ونحوه، ويبقى الباقي تحت التحريم، وهذا مسلك مقرر في الاستدلال. ويؤيده ما نقل في مجمع البيان في علة تحريم الربا: انها عدم تعطيل المعاش والاجلاب والتجارة، إذ لو وجد المدين من يعطيه دراهم وفضلا بدراهم لم يتجر، وقال الصادق عليه السلام: انما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا ورفدا الخ (5) (6).

(1) قوله (ان الربا حرام) خبر لقوله (ان دليل المخصص). (2) سورة البقرة / 275. (3) عوالي اللئالي ج 1 ص 222 الحديث 99 وص 457 الحديث 198 وج 2 ص 138 الحديث 383 وج 3 ص 208 الحديث 49. (4) أي ما اصطلح عليه الفقهاء ليس بدليل. (5) الرفد بالكسر، العطاء والعون. (6) إلى هنا كلام مجمع البيان.

[ 453 ]

[... ] والذي رايته في الكافي حسنة (في الحسن عن خ ل) هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: انما حرم الله عزوجل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف (1). ورواية سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرره، فقا: أو تدري لم ذلك؟ قلت: لا قال: لئلا يمتنع من اصطناع المعروف (2). كان ما في المجمع اشارة إلى هذا، وقوله (قرضا ورفدا) يكون تفسيرا منه. ومعلوم انه انما يلزم ذلك ان لو كان التحريم مخصوصا بالبيع دون سائر المعاوضات، لاخذ الزيادة بتبديل صيغة بعت بصالحت ونحو ذلك وهو ظاهر. بل هذا يدل على عدم جواز اكثر الحيل التي تستعمل في اسقاط الربا، فافهم. ويؤيده ايضا ما نقل فيه عن ابن عباس، قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له: زدني وازيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان، فإذا قيل لهم هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك ان الزيادة في الثمن حال البيع والزيادة فيه بسبب الاجل عند محل الدين سواء، فذمهم الله والحق بهم الوعيد به وخطأهم في ذلك بقوله (واحل الله البيع وحرم الربا) اي احل الله البيع الذي لا ربا فيه وحرم البيع الذي فيه الربا، والفرق بينهما ان الزيادة في احدهما لتأخر الدين وفي الآخر لاجل البيع الخ. وكانه لذلك حرموا الزيادة لزيادة الاجل في الفروع، وليس ذلك بيعا

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الربا، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الربا، الحديث 3. (3) رواه في مجمع البيان ج 2 ص 389 في بيان المعنى لآية 275 من سورة البقرة (الذين يأكلون الربا الآية).

[ 454 ]

[... ] ولا قرضا، فيعلم العموم عندهم حتى انه ذكر ذلك من ينكر العموم، كالمصنف في سائر كتبه كالمتن. وكان ذلك دليل تحريم الزيادة الحكمية. ويؤيده ايضا ما ذكره في الفقيه في ذيل صحيحة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله عليه السلام (1). حيث يظهر انه منها: والربا رباآن ربا يؤكل وربا لا يؤكل، فاما الذي يؤكل فهو هديتك إلى الرجل تريد الثواب افضل منها، وذلك قول الله تعالى (وما آتيتم من ربا ليربو في اموال الناس فلا يربو عند الله) (2). واما الذي لا يؤكل فهو ان يدفع الرجل إلى الرجل عشرة دراهم على ان يرد عليه اكثر منها فهذا الربا الذي نهى الله عنه الخ. وهذا كالصريح في ان الربا ليس بمخصوص بالبيع بل ولا بالدين ايضا، لان اعطاء غيره لأن يرد عليه الاكثر، يشملهما وغيرهما. وايضا ظاهر ان الربا ليس له معنى شرعي يختصه (يخصصه خ) باسم الحرام، بل له معنى لغوي، وانه قد يكون حراما وقد لا يكون، فهو يدل على صحة الاستدلال المتقدم. وانه لا يحتاج إلى القيد في تعريف الربا ليخرج ما حل منه كما مر، وهو ظاهر. ولا يخفى ان هذا الكلام يصح جعله دليلا ومؤيدا لما جعلناه مؤيدا، من غير ان يكون من تتمة الرواية الصحيحة ليعقوب بن شعيب لاستناده إلى الآية الكريمة، وهي قوله تعالى (وما اتيتم) الآية، حيث دلت على تقسيم الربا والحلال منه، فيكون

(1) من لا يحضره الفقيه ج 3 (87) باب الربا ص 182 ذيل حديث 41. (2) سورة الروم / 39.

[ 455 ]

[... ] هو الزيادة مطلقا، ويتم الدليل، فتأمل. وروى في الفقيه عن ابراهيم بن عمر (كأنها صحيحة لان طريقه إليه صحيح، وهو ايضا ثقة في النجاشي وغيره، ومقبول في الخلاصة) عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى (وما آتيتم من ربا ليربو في اموال الناس فلا يربو عند الله) قال: هو هديتك إلى الرجل تطلب (تريد ئل) منه الثواب افضل منها فذلك ربا يؤكل (1). وقد نقل في الكافي عن ابراهيم هذا ما تقدم بعينه بطريق حسن، وقد وثق ابراهيم، النجاشي وغيره وقبله لمصنف في الخلاصة، وان ضعفه الغضائري، والاول ارجح وهو ظاهر، لان الغضائري مع كونه واحدا ما ثبت توثيقه، فانه الحسين بن عبيد الله. ويؤيده ايضا ما يدل على عدم الزيادة مع الشرط في القرض، وبدونه لا بأس به. وهي في روايات كثيرة، مثل صحيحة الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددا ثم يعطي سودا (وزنا خ) وقد عرف انها اثقل مما اخذ وتطيب نفسه ان يجعل له فضلها؟ فقال: لا باس إذا لم يكن فيه شرط ولو وهبها له كلها صلح (2). وامثالها كثيرة، وكانه لذلك ما ظهر الخلاف في القرض من المصنف وغيره، وان خص التعريف بالبيع في التذكرة وغيرها، فتأمل. وايضا يؤيده عموم بعض الروايات، مثل عموم ما في صحيحة عمر بن يزيد

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 3 من ابواب الربا الحديث 2. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب 12 من ابواب الصرف، الحديث 2

[ 456 ]

[... ] (الثقة) عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث انه قال يا عمر قد احل الله البيع وحرم الربا، بع واربح ولا تربه قلت: وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل (1) فان الدراهم بالدراهم تعم جميع المعاوضات التي يكون فيها الشرط الدراهم بالدراهم مثلان بمثل وهو ظاهر، ومثلها ايضا موجود. وظاهر ان ليس مخصوصا بالدراهم ولا بالمثلين لدليل اخر. ومثلها موثقة عبيد بن زرارة (لابن بكير المجمع عليه) عن ابي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن (2). ما في صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام: لا يصلح التمر اليابس بالرطب (3). وما في صحيحة ابي بصير وغيره عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الحنطة والشعير (بالدقيق خ) رأسا برأس لا يزداد واحد منهما على الآخر (4). ورواية عبد الرحمان بن ابي عبد الله قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ قال: لا يجوز الا مثلا بمثل، ثم قال: ان الشعير من الحنطة (5). وصحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الربا، الحديث 2. وتمام الحديث (وحنطة بحنطة مثلين بمثل). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الربا، الحديث 3 هكذا في النسخ ولكن في الكافي والتهذيب والوسائل (سمعت ابا عبد الله عليه السلام). (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الربا، قطعة من حديث 1. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، الحديث 3. (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، الحديث 2.

[ 457 ]

[ وتحريمه معلوم من الشرع، ] فيقاطعه على ان يعطي صاحبه لكل عشرة ارطال اثنى عشر دقيقا، فقال: لا قلت: فالرجل يدفع السمسم إلى العصار ويضمن له لكل صاع ارطالا مسماة، قال: لا (1). وهذه اوضح دلالة، ولا يضر الاضمار في سنده، لما مر غير مرة. وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الفضة بالفضة مثلا بمثل والذهب بالذهب، ليس فيه زيادة ولا نقصان، الزائد والمستزيد في النار (2). وهذه اوضح دلالة وسندا. وبالجملة امثال ذلك كثيرة، وان لم يكن نصا في جميع المعاملات، ولكن ظاهر فيها، وبعضها نص في دخول بعض المعاملات، مثل تقبيل الحنطة بالدقيق على الطحان، وكذا السمسم على البزار على ما تقدم في الصحيح ومثل القرض على ما تقدم، فلابد من القول بهما. ولهذا يظهر القول من المصنف ايضا بهما، واستدل برواية محمد المتقدمة على تحريم التقبيل، وحينئذ لا يحسن اخراج البعض وادخال البعض، فان حمل الربا في الآية على البيع فقط لم يحسن، لخروجهما مع التحريم. ويبعد حمله على البيع، وعليهما، لعدم الفهم، ولهذا لم يحمله عليهما احد. وكذا يبعد تخصيص الآية بالبيع مع التحريم فيهما واثباتهما بالخبر وغيره، وهو ظاهر. فالظاهر العموم، وهو الاحوط، فتأمل. قوله: " وتحريمه معلوم من الشرع " يدل عليه الثلاثة كما مر، والاخبار في

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الربا، الحديث 3 والحديث عن ابي جعفر عليه السلام فلا يكون مضمرا. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الصرف، الحديث 1.

[ 458 ]

[ وانما يثبت في بيع احد المتساويين جنسا بالآخر مع زيادة عينية أو حكمية، إذا كانا مقدرين بالكيل أو الوزن. ] ذلك كثيرة (1) وقد مر البعض. وتكفي في ذلك صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: درهم ربا اشد عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم (2). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه في الوزر سواء (3). وقال علي عليه السلام: لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الربا واكله وموكله وبايعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه (4). الظاهر ان المراد بالاكل، التملك والتصرف، الا انه لما كان الاكل عمدة في التصرف، عبر به كما قاله المفسرون في تفسير (الذين يأكلون الربا الآية) (5). وقد اشار المصنف بقوله (معلوم) إلى انه يقيني، بل ضروري دين الاسلام، فيكفر مستحله كغيره وصرح بذلك في التذكرة، ومعلوم ان الشبهة المحتملة مسموعة كما في غيره. قوله: " وانما يثبت في بيع الخ " اشارة إلى تعيين محل الربا. وظاهره انه البيع فقط، مع انه يوجد في كلامه وجوده في غيره ايضا، مثل القرض وتقبيل

(1) لاحظ الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الربا. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب الربا، الحديث 1. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب الربا، الحديث 1 والحديث عن علي عليه السلام. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 4 من ابواب الربا، الحدث 2. (5) قال في مجمع البيان في تفسيره لآية 275 من سورة البقرة (الذين يأكلون الربا الخ) ص 389 وانما خص الاكل لانه معظم المقاصد من المال، إلى ان قال بعد الاستشهاد ببعض الآيات: والمراد بالاكل في الموضعين سائر وجوه الانتفاع دون حقيقة الاكل.

[ 459 ]

[... ] الطحان الحنطة بالدقيق، والبزار السمسم بالزيت، وقد صرح بذلك في التذكرة، ومثل عدم جواز الزيادة لزيادة الاجل، وقد تقدم هنا ايضا. لعل مراده الاشارة إلى الشرطين الاخيرين. (الاول) اتفاق العوضين في الجنس. (والثاني) كونهما مقدرين بالكيل أو الوزن، والزيادة لابد منها، لتحقق حقيقة الربا. قالوا: هي اعم من ان تكون عينية مثل درهم بدرهمين وقفيز بقفيزين، أو حكمية، وتحصل بانضمام الاجل، بان يبيع قفيزا نقدا بقفيز نسية، فان فيه زيادة حكمية وان لم تكن ظاهرة وعينية، لان للاجل عندهم قسطا من الثمن. وكذا يقال: فيما إذا كانت الزيادة منفعة، مثل زيادة صنعة أو اجرة دار ودابة، وهذا في الحقيقة داخل في الاول. فاما دليل اشتراط اتفاق الجنس والكيل والوزن، فالظاهر هو الاجماع عند الاصحاب، وان كان في النسية الاجماع محل التأمل كما سيظهر مستندا إلى الاخبار. مثل صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به باس، وقال: لا باس بالثوب بالثوبين يدا بيد، ونسية، إذا وصفتهما (1). وصحيحة سعيد بن يسار قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن البعير بالبعيرين يدا بيد ونسية؟ فقال: نعم لا باس (2).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا قطعة من حديث 7.

[ 460 ]

[... ] وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: في حديث لا باس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلا ولا وزنا (1). وما في صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: إذا اختلف الشيئان فلا باس مثلين بمثل يدا بيد (2). وما في صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ويكره قفيز لوز بقفيزين وقفيز تمر بقفيزين، ولكن صاع حنطة بصاعين تمر، وصاع من تمر بصاعين من زبيب (2). ورواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال: لا باس به، والثوب بالثوبين؟ قال: لا بأس به، والفرس بالفرسين؟ قال: لا باس به ثم قال: كل شئ يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن فلا بأس به اثنين بواحد (4). ولا يضر اشتراك ابن مسكان ولا ابن رباط (5). وما تقدم في باب الصرف من الروايات الصحيحة الدالة على جواز بيع المثلين بمثل مع التخالف. مثل صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن بيع الذهب بالفضة مثلين بمثل يدا بيد، فقال: لا باس (6) وامثالها كثيرة.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا الحديث 3. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الربا الحديث 1. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الربا قطعة من حديث 3. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الربا الحديث 3. (5) سند الحديث كما في التهذيب (عن الحسن بن محمد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن منصور بن حازم). (6) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب 2 من أبواب الصرف، الحديث 6.

[ 461 ]

[... ] والظاهر ان التقييد يدا بيد لاعتبار القبض قبل التفرق في الصرف كما تقدم. ومثل صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شئ من الاشياء يتفاضل فلا باس بيعه مثلين بمثل يدا بيد، فاما نظرة فلا يصلح (1). ولكن هذه تدل على عدم الجواز في المختلفين نسية متفاضلا، وهو موجود في كثير من الروايات. بل قد يوجد في بعض الروايات عدم الجواز في المتجانسين مطلقا مع عدم الكيل والوزن حتى في الثياب والدواب. مثل صحيحة محمد بن مسلم قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الثوبين الرديين بالثوب المرتفع، البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين؟ فقال: كره ذلك علي عليه السلام فنحن نكرهه الا ان يختلف الصنفان، قال: وسالته عن الابل والبقر والغنم أو احداهن في هذا الباب؟ قال: نعم نكرهه (2). ورواية ابن مسكان عن ابي عبد الله عليه السلام انه سئل عن الرجل يقول: عاوضني بفرسي وفرسك وازيدك؟ قال: لا يصلح، ولكن يقول: اعطني فرسك بكذا وكذا واعطيك فرسي بكذا وكذا (3). وقد قيد في الروايات الكثيرة عدم الباس في المختلفين إذا كان نقدا، فهي بمفهومها تدل على الباس في النسية. مثل صحيحة الحلبي قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن الزيت

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الربا، الحديث 2. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الربا، الحديث 7. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا، الحديث 16.

[ 462 ]

[... ] بالسمن اثنين بواحد؟ قال: يدا بيد لا باس به (1). ومثل صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يدا بيد ليس به باس (2). ويمكن ان يقال (3): لا دلالة فيها على التحريم، فينبغي حملها على الكراهة للجمع، ولقوله عليه السلام (كره ذلك) وظاهر لفظة (لا يصلح) أيضا ذلك كما تقدم. ولهذا حمل الشيخ عليها في الاستبصار روايتي عبد الله بن سنان وهما معتبرا الاسناد قال: سمعت ابا عبد الله يقول: لا ينبغي للرجل اسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن (4). وروايته ايضا عنه قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام في رجل اسلف رجلا زيتا على ان يأخذ منه سمنا قال: لا يصلح (5). قال في الاستبصار: ولاجل انه مكروه قال: (لا يصلح) و (لا ينبغي) ولم يقل: لا يجوز، أو ان ذلك حرام (6). ويؤيد الحمل صحيحة احمد بن ابي عبد الله البرقي عن ابيه محمد بن خالد عن ابي جعفر (7) عن ابيه عن علي عليهم السلام قال: لا باس بسلف ما يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن (8).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الربا، الحديث 7. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا، الحديث 4. (3) شروع في جواب قوله قبل اسطر (ولكن هذه تدل على عدم الجواز في المختلفين إلى آخر ما نقله من الروايات). (4) و (5) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب السلف، الحديث 3 و 2. (6) الاستبصار، ج 3 ص 79، ذيل باب 50. (7) هكذا في النسخة المطبوعة، ولكن في النسخ المخطوطة (عن جعفر) بدل (عن ابي جعفر). (8) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب السلف، الحديث 1 والسند فيه كما في التهذيب والاستبصار هكذا (احمد بن [ محمد بن - صا - ] ابي عبد الله عن ابيه عن وهب عن جعفر عن أبيه عن علي

[ 463 ]

[... ] هذا جيد، ولكن احتمل في الاستبصار كون التحريم في المختلفين ايضا، حيث قال: في الجمع بين الاخبار الثلاثة الاخيرة، بان الاوليين يحتملان شيئين: احدهما انه انما منع من اسلاف السمن بالزيت إذا كان بينهما التفاضل، لان التفاضل بين الجنسين انما يجوز إذا كان نقدا، فإذا كان نسية فلا يجوز، والثاني ان يكون ذلك مكروها، ولذلك قال: (لا يصلح) و (لا ينبغي) الخ (1). فيحتمل عدم الاجماع في اشتراط اتحاد الجنس في الربا، الا ان يقال: في ثبوت الربا مطلقا شرط فانه ثبت في النسية بين الجنسين، مع التساوي ايضا. وبالجملة: بيع المال بالمال اقسام. (الاول): ان لا يكون شيئا منهما ربويا، بان لا يعتبر فيه الكيل والوزن والعدد ايضا ان كان ربويا وهذا يجوز بيعه مطلقا متفاضلا وغيره، حالا ومؤجلا، مع اتحاد الجنس واختلافه مثل عبد بعبدين وثوب بثوبين وبعير ببعيرين، نقدا ونسية. قال في التذكرة: ذلك جائز عند علمائنا اجمع، وقد مر الدليل عليه، وحمل ما ينافيه على الكراهة. فيمكن الكراهة هنا ايضا مع التفاضل واتحاد الجنس ولو كان نقدا، لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (2) فينبغي ايقاع العقد على غير الجنسين كما مر في الرواية المتقدمة في الفرس، ويكون الكراهة في النسية اشد لكثرة الرواية. (الثاني): ان يكون احدهما ربويا دون الاخر كالثوب بالحنطة والدابة بها، وظاهر التذكرة انه مثل الاول في الاجماع مطلقا، وهو غير بعيد. (الثالث): ان يكون كلاهما ربوبين مع الاختلاف، وظاهرها ايضا انه

(1) عليهم السلام) ورواه في الفقيه عن وهب بن وهب. (1) الاستبصار ج 3 (50) باب اسلاف السمن بالزيت، ذيل حديث 3. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الربا، الحديث 7.

[ 464 ]

[... ] مثلهما في الاجماع على الجواز مطلقا، بل صرح بذلك وقال: الثالث كالاول عندنا، للاجماع على اسلاف احد النقدين في البر والشعير. وأدلة السلف دليله، وقال: يكره بيع الجنسين المختلفين متفاضلا نسية، لصحيحة الحلبي المتقدمة (1). وكانه ما اعتبر ما نقلناه عن الاستبصار، لكونه احتمالا مع وجود احسن منه كما عرفت، ولكن ما كان ينبغي تخصيص الكراهة بما ذكر لما عرفت، ولهذا ذكر بعد هذا: انه يكره بيع افراد الجنس الواحد إذا لم يدخله الكيل والوزن متفاضلا نسية، لقوله عليه السلام: البعير بالبعيرين الخ. ولكن الظاهر ان الكراهة حينئذ ليست مخصوصة بالنسية، لصحيحة محمد بن مسلم (2)، بل مكروه مع التفاضل مطلقا مع عدم وجود شرط الربا. (الرابع): ان يكون مع اتحاد الجنس من غير التفاضل ولو حكما مثل الاجل. والظاهر ان جوازه ايضا اجماعي، الا انه يشترط في الصرف التقابض في المجلس كما سبق. (الخامس): الربويين مع الاتحاد والتفاضل، والظاهر ان لا خلاف في تحريمه، وقد مر دليله، فتأمل. واما دليل الثاني: وهو كونهما مما يكال أو يوزن بالمعنى الذي سيجئ - فهو الاجماع المدعى في التذكرة المستند إلى الاخبار، وقد تقدم بعضها، مثل ما في صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بمعاوضة المتاع ما لم يكن كيلا ولا وزنا (3). ومثل رواية منصور بن حازم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 13 من ابواب الربا، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الربا، الحديث 7 وفيه وفي الكافي (ما لم يكن كيلا أو وزنا). (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 17 من ابواب الربا، الحديث 3.

[ 465 ]

[ والجنس هنا هو الحقيقة النوعية كالحنطة والارز والتمر، ولا يخرج الحقيقة باختلاف الصفات العارضة. ] الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين، قال لا بأس ما لم يكن فيه كيل ولا وزن (1). ورواية عبيد عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لا يكون الربا الا فيما يكال أو يوزن (2). ورواية اخرى عن منصور بن حازم عنه عليه السلام: فإذا كان لا يكال ولا يوزن فليس به باس اثنين بواحد (3). والاصل، وادلة جواز البيع المتقدمة، وهذه الاخبار مع عدم الدليل على خلاف - يدل على عدم دخول الربا في المعدود وغيره إذا لم يكن احدهما، وهو ظاهر، فتأمل. ثم اعلم ان الكيل والوزن المعتبرين، معتبران في العوضين بخصوصهما، ولا يكفي كونهما في جنسهما واصلهما كذلك، فلابد من وجودهما مثلا في الجبن والمخيض والزبد، ولا يكفي كون الحليب واللبن كذلك، وكذلك في الحنطة والدقيق والخبز والثمار والفواكه وغيرها، وهو معلوم، ومفهوم من التذكرة ايضا. ونقل في التذكرة اجماع المسلمين على ان الربا في النقد مشترط باتحاد الجنس، وانما وقع الخلاف في النسية، وانهم اتفقوا ايضا على وجود الربا في امور ستة، البر والملح والذهب والفضة والتمر والشعير. قوله: " والجنس هنا الحقيقة النوعية الخ " اشار بلفظ هنا، اي الفقه والاصول، أو باب الربا، إلى ان الجنس له اطلاق اخر، وهو الجنس المنطقي المقابل

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الربا، الحديث 5. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 6 من ابواب الربا، الحديث (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الربا، قطعة من حديث 3.

[ 466 ]

[... ] للنوع، فهذا الاصطلاح عكس ذلك في الجنس والنوع والامر في ذلك هين. ولكن تحقيق ما يعرف به الجنس مشكل جدا، فانه تارة يعلم ان المراد به النوع، فكلما تحقق حقيقة واتفاق افرادها فيها، فهو النوع الواحد المراد بالجنس الواحد الذي هو شرط الربا، وتحقيقه متعسر جدا، بل قد ادعى كونه متعذرا. وتارة ان المراد به ما يشمله لفظ واحد ويخصه، مثل الحنطة والارز والتمر، فان لكل واحد اسما خاصا وتحته افراد متكثرة، وان وجد بين الافراد اختلاف كثير الا انه ليس له اسم خاص، ولا حقيقة خاصة، بل الاختلاف بالصنف، وان كان له اسم فهو بانضمام الاسم الاول مثل سن الجمل فانه الحنطة (سمي خ) بسن الجمل (1) والمولاني، فانه الارز المولاني. وينبغي ان يضم إليه ان لا يكون اسم لبعض افراده يختص به، فان الطعام مثلا اسم خاص يطعم به ولكن لبعض افراده مثل الحنطة اسم خاص. وفيه ايضا تأمل، لعدم ضبط ذلك، مع ان لكل قوم لسانا واصطلاحا، فهو ايضا ليس بضابط واضح فانه لابد مع ذلك من المناسبة الكلية بين افراده، الا ان يقال: انه لازم فان الاسم الخاص لا يكون الا معه. ولكن قد يشكل بامور مثل الحبوب وما يعمل به مثل التمر ودبسه والعنب وخله ودبسه وغير ذلك، فتأمل. ولعلك تفهم اتحاد الجنس بملاحظة كلتا الضابطتين ويتبع كلامهم فما يكون له اسم واحد وحقيقة واحدة - بحسب الظاهر، والذي يجده العقل بحسب تفاهم العرف كذلك - فهو جنس واحد مع فروعه، وما يعمل منه أو (إذ خ) ما يخرج عن الحقيقة بعمل فيها عن اصلها، وان خرج عن ذلك الاسم والحقيقة عرفا وخاصية

(1) هكذا في جميع النسخ وفي بعض النسخ المخطوطة (الحمل) بالحاء المهملة بدل (جمل) بالجيم.

[ 467 ]

[ فالحنطة ودقيقها جنس (واحد خ)، والتمر ودبسه جنس والعنب والزبيب جنس، واللبن والمخيض والحليب جنى واحد، وجيد كل جنس ورديئه واحد، وثمرة النخل جنس، وكذا الكرم. ] وطعما، فاستفهم الله يفهمك. قوله: " فالحنطة ودقيقها جنس الخ " لان حقيقتهما واحدة، إذ التصرف في الحنطة بالطحن مثلا لا يخرجها عن حقيقتها، وهو ظاهر. وكذا كل جنس مع فرعه مثل التمر والدبس، والرطب والعصير، والزبيب والعنب والدبس وغير ذلك فيجوز بيع الحنطة بدقيقها نقدا متساويا لا متفاضلا ولا نسية. قال في التذكرة: قد بينا ان اصل كل شئ وفرعه واحد، يباع احدهما بالاخر متساويا لا متفاضلا ولا يجوز نسية إذا كان مما يكال أو يوزن، فيجوز بيع الحنطة بدقيقها ودقيق الشعير، وتسويقهما والسويق بالدقيق عند علمائنا اجمع. وادعى ايضا الاجماع في الاتحاد بين الحنطة وجميع ما يعمل منه حتى بينها وبين الخبز والهريسة. وكذا بين جميع انواع اللبن وما يحصل منه حتى بين الحليب والكشك والكافح، فتأمل. ويدل على اتحاد الحنطة والدقيق والسويق صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: الدقيق بالحنطة والسويق بالدقيق مثلا بمثل لا باس به (1). وما في مضمرة سماعة قال: وسالته عن الحنطة والدقيق؟ فقال: إذا كانا سواء فلا باس (2).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الربا، الحديث 4. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، قطعة من حديث 6.

[ 468 ]

[... ] ومثله مرسلة صفوان عن رجل من اصحا به عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الحنطة والدقيق لا باس به راسا برأس (1). وصحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: قلت له: ما تقول في البر بالسويق؟ فقال: مثلا بمثل لا باس. قال: قلت له: ان يكون له ربع أو يكون له فضل، فقال: أليس له مؤنة؟ قلت: بلى، قال: فهذا بذا وقال: إذا اختلف الشيئان فلا باس به مثلين بمثل يدا بيد (2) وغير ذلك من الاخبار. وكذا قال في التذكرة: يجوز بيع الحنطة بالخبز متساويا نقدا، ولا يجوز نسية ولا متفاضلا، ويجوز بيع الخبز بالخبز رطبا ويابسا ومختلفين، وبيع الفا لوذج بالحنطة. ونقل منع العامة في الكل، ودليله اتحاد الحقيقة والرواية. ولكن فيه تأمل من حيث انطباقه على القوانين، من حيث انه لا يصدق على الكل اسم خاص وان له حقيقة واحدة، ولهذا لو حلف شخص ان لا يأكل احدهما لا يحنث باكل الآخر، فيحتمل ان يكونا جنسين، وجواز بيع احدهما بالاخر يكون لذلك، ويكون الشرط للكراهة مع عدمه كما مر في سائر المختلفات. ويمكن ان يقال: الضابط احد الامرين: اما الاتفاق في الحقيقة، أو الاتحاد في الاسم، وهنا الاول متحقق وان لم يتحقق الثاني. وفيه تأمل. ومن حيث انه لا شك ان الحنطة إذا جعلت دقيقا تزيد، وهو ظاهر، ودلت عليه صحيحة محمد المتقدمة، وانطباق الوجه المذكور فيها على قواعدهم يحتاج إلى

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الربا، الحديث 5. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الربا، الحديث 1.

[ 469 ]

[... ] التأمل، فلا ينبغي صحة بيع احدهما بالاخر متساويا ايضا للزيادة، كما في اليابس من جنس باخر رطبا مثل الرطب والتمر والعنب والزبيب كما سيجئ، فلا ينبغي النظر الى مثل هذه الزيادة في وقت اخر بتبديل وتغيير مع انه معتبر عندهم كما سمعت في الرطب والتمر، فتأمل في الفرق، ومن حيث انه قيل احدهما مكيل والاخر موزون، كان الحنطة مكيل والدقيق موزون وانهما معتبران في البيع. ويمكن ان يقال كلاهما مكيل، إذ الظاهر كونهما في زمانه صلى الله عليه وآله كانا كذلك، كما نقل ذلك في الحنطة بالاجماع. على انه يمكن ان يختار الوزن لانه اصل ويجوز بيع المكيل به للاجماع المنقول في شرح الشرايع على جواز بيع الحنطة بالوزن مع كونه مكيلا بالاجماع. ولكن الظاهر انه تحصل الزيادة في الحنطة على الدقيق بعد الطحن، فان اختار الوزن تحصل هذه باعتبار الكيل، وان اختار الكيل تحصل الزيادة باعتبار الوزن، وهو ظاهر، فيمكن التوجيه بما تقدم ولعل الاول اولى، والاجتناب احوط. ثم اعلم انه لا يعلم من قول المصنف هنا: (جنس) جواز بيع احدهما بالاخر، إذ قد يكون جنسا واحدا ولا يجوز بيع احدهما بالاخر، للجهل بالتساوي، فانه كما تمنع الزيادة من البيع كذا يمنع عدم العلم بالتساوي واحتمالها، وهو مصرح في كتب العامة والخاصة، الا ترى انه قال: (والتمر ودبسه جنس والعنب والزبيب جنس وثمرة النخل جنس) مع انه قال: ولا يجوز بيع الرطب بالتمر متفاوتا ولا متساويا لانه إذ اجف نقص. والظاهر انه كل ما شابهه كذلك، فبعض البحوث المتقدمة لا ترد على المتن. نعم لما صرح في التذكرة وادعى الاجماع على ذلك، وردت البحوث وهي مشتركة في امثالهما فتأمل.

[ 470 ]

[ واللحوم مختلفة، فلحم البقر والجاموس واحد. ولحم البقر والغنم جنسان، والوحشي مخالف لأنسيه. ] قوله: " واللحوم مختلفة الخ " اي لحم كل جنس متحد ومختلف مع لحم جنس اخر كاصله، وبالجملة انه تابع لاصله كما ستعلم. قوله: " فلحم البقر الخ " فيه تأمل، لاختلاف الاسم بالعرف المقدم على اللغة، وان كان متحدا لغة، بل الحقيقة ايضا، فان للحم البقر خاصية غير لحم الجاموس، وبينهما تفاوت كثير، الا انهما جنس واحد في الزكاة. ويفهم دعوى الاجماع عندنا على كونهما جنسا واحدا من التذكرة، فالاجتناب جيد ثم ان الظاهر جواز بيع الجنس بعضه ببعض مع ملاحظة اليبوسة والرطوبة، فيجوز الرطب بالرطب واليابس بمثله، وصرح به في التذكرة، وان وجد فيه التفاوت الا انه يسير لا يتغابن بمثله فلا يضر كما في الخبر بعضه ببعض والحنطة المبلولة بمثلها وامثلتها كثيرة، مثل التمر والرطب وسائر الفواكه بامثالها، قالها في التذكرة. وبغير الجنس يجوز متفاضلا. والظاهر انه يجوز اللحم بالحيوان وان كان من جنسه لعدم تحقق الوزن والكيل في احد الطرفين وان قلنا باتحاد الجنس، على انك قد عرفت التأمل في مثله ويمكن كراهة ذلك لما روى عن امير المؤمنين عليه السلام برواية غياث بن ابراهيم عن ابى عبد الله عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام كره بيع اللحم بالحيوان (1). ويمكن جعلها أيضا دليل الجواز، والسند غير صحيح لغياث بن إبراهيم وغيره (2). قوله: " ولحم البقر والغنم الخ " وهو ظاهر، لكون الوحشي من البقر

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (11) من ابواب الربا، الحديث (1) (2) سند الحديث كما في التهذيب (احمد بن محمد بن علي (يحيى خ ل) عن غياث بن ابراهيم).

[ 471 ]

[ والحنطة والشعير هنا جنس واحد (واحد خ) على رأى. ] مخالفا لأنسيه، وكذا كل حيوان، لاختلاف الحقيقة، بل الاسم ايضا، لانه لا يطلق البقر من غير قيد على الوحشي. وبالجملة جواز البيع بادلته مع تحقق الربا دليل الجواز حتى يتحقق المنع، فليلحظ ذلك مع الاحتياط. قوله: " والحنطة والشعير هنا جنس على رأي " دليل رأيه روايات كثيرة. مثل صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال: لا يباع مختومان من شعير بمختوم (1) من حنطة الا مثلا بمثل والتمر مثل ذلك (2). ولها دلالة على اتحاد مطلق التمر. وما في صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث قال: ولا يصلح الشعير بالحنطة الا واحدا بواحد (3). وعدم الجواز فرع الاتحاد لما عرفت. وما في صحيحته ايضا عنه عليه السلام: وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد صاحبها الا شعيرا، ايصلح له ان يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، انما اصلهما واحد (4). وصحيحة محمد بن قيس الثقة (على ما بيناه مرارا) قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا تبع الحنطة بالشعير الا يدا بيد، ولا تبع قفيزا من حنطة بقفيزين من

(1) في الحديث: سئل عن رجل اسلم دراهم في خمسة مخاتيم حنطة أو شعير، كانه يريد بالمخاتيم ما ختم عليه من صبر الطعام المعلومة الخاتم وهو ما يختم به الطعام من الخشب وغيره (مجمع البحرين لغة ختم). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، قطعة من حديث 4. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، الحديث 5. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، قطعة من حديث 4.

[ 472 ]

[... ] شعير، وقال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: يكره وسقين من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لان تمر المدينة اجودهما (1). قال: وكره ان يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى اجل، من اجل ان التمر ييبس فينقص من كيله (2). وفيها دلالة على تحريم الزيادة الحكمية وهو الاجل، وعدم بيع الرطب بالتمر للرطوبة الموجبة للنقصان. والظاهر ان المراد بالكراهة، التحريم، لما مر في بعض الروايات: ان عليا عليه السلام لا يكره الحلال (3) فتأمل. وصحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الرجل يبيع الرجل لطعام (طعاما يب) الا كرار فلا يكون عند ما يتم له ما باعه، فيقول له: خذ مني مكان كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل؟ قال: لا يصلح، لان اصل الشعير من الحنطة ولكن يرد عليه من الدراهم بحساب ما نقص من الكيل (4). ورواية عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيجوز قفيز من حنطة بقفيزين من شعير؟ قال: لا يجوز الا مثلا بمثل، ثم قال: إن الشعير من الحنطة (5).

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، اورد صدره في باب 8 من ابواب الربا، الحديث 8 وذيله في الباب 15 من تلك الابواب الحديث 4. (2) الوسائل، كتاب التجارة، ج 12 الباب 14 من ابواب الربا الحديث 2 وفيه: ان امير المؤمنين عليه السلام الخ. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 من ابواب الربا، قطعة من حديث 1. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، الحديث 1. (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 8 من ابواب الربا، الحديث 2.

[ 473 ]

[... ] ودليل الرأي الآخر خبر عن العامة: بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد (1). وان حقيقتهما مختلفة لاختلاف الخواص، وكذا الاسم. ولهذا لم يحنث باكل احدهما الحالف على عدم اكل الآخر، وهو ظاهر، ولأنهما جنسان في الزكاة بالاتفاق. والجواب عن الرواية: بعدم صحة السند، مع ان المتن ايضا لا يخلو عن شئ، فافهم. وعن اختلاف الحقيقة والاسم: انه إذا دلت الادلة التي سمعتها على عدم جواز البيع الا مثلا بمثل وانهما واحد في باب الربا، ما بقي للاستدلال في مقابلتها مجال. نعم لابد من تصحيح القاعدة التي وضعوها: فيمكن ان يقال: الاختلاف في الاسم لا يكفي في اختلاف الجنس الا مع عدم ظهور الاتحاد، فمعه انما يتبع ذلك. وبالجملة: ان اتحاد الاسم واختلافه علامة غالبية يبنى عليها الشئ ما لم يحصل اقوى منها، فمع الاقوى يعمل به، ولهذا عمل بالاسم في غير الحنطة والشعير، وفيهما ايضا في غير باب الربا، مثل الزكاة والحلف، فان الزكاة يجب في الحنطة، اي ما يسمى بذلك بشرط بلوغها وحدها نصابا، فلا يضم إليها الشعير، إذ لا يسمى حنطة وان كانت حقيقتهما واحدة واصلهما واحد، لكون احكام الشرع مبنية على الاسم والاطلاق العرفي غالبا، لا الحقيقي النفس الامري الا مع دليل يدل عليه،

(1) سنن ابن ماجة ج 2 كتاب التجارات ص 757 (48) باب الصرف وما لا يجوز متفاضلا يدا بيد الحديث 2254 ولفظه (عبادة بن الصامت، فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عن بيع الورق بالورق والذهب بالذهب والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر. وامرنا ان نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا) وفي السنن المأثورة للشافعي، كتاب البيوع تحت رقم 226 وفيه (كيف شئتم) بدل (كيف شئنا).

[ 474 ]

[ والالبان مختلفة كاللحمان. ] ومثله احكام الحلف واخويه وغير ذلك. ولما دلت الادلة على اتحادهما حقيقة - وان ذلك كاف في باب الربا، ولا يحتاج إلى الاسم وليس الامر منوطا على الاسماء كما في غير باب الربا - وجب التمسك به. وكذا اختلاف بعض الخواص، لا يدل على اختلافهما حقيقة وفي باب الربا للدليل، لان ذلك ايضا علامة، لا امر موجب لليقين، ولهذا قيل: معرفة الحقيقة متعسر بل متعذر. والحاصل: انه لابد من اتباع النص، فان قدرنا مع ذلك حفظ قوانين الاصحاب، والا نقول بخرمها والاعتراض عليها، ولا يمكن رد النصوص لذلك الا ان يؤل بالكراهة، وهو بعيد. وكانه إلى ما ذكرنا اشار في التذكرة، قال: وبالجملة: الاعتماد على احاديث اهل البيت عليهم السلام والاختصاص بالاسم لا يخرج الماهية عن التماثل كالحنطة والدقيق، فافهم. ولا ينبغي جعل الاتحاد شرطا واخراج الحنطة والشعير عن ذلك، بان يقال: يشترط في الربا اتحاد الجنس الا في الحنطة والشعير كما فعله في شرح الشرايع، لما سمعت ان لا خلاف في ذلك، وما وجد الاستثناء في كلام احد ممن رأيناه، ولان النصوص صريحة في اتحادهما، لا في وجود حكم الربا فيهما فقط مطلقا، أو مع الاختلاف، وهو ظاهر فليتأمل. قوله: " والالبان مختلفة الخ " الالبان جمع لبن كاللحمان جمع لحم. والمراد ان لحم كل حيوان ولبنه بالنسبة إلى الآخر المخالف له في الجنس، مخالف، ودليله اختلاف الحقيقة والاسم المضاف، كاصلهما، مثل البقر والغنم ولحمهما ولبنهما.

[ 475 ]

[ والشئ واصله واحد كالزبد والسمن واللبن والسمسم ودهنه والخلول تابعة لاصولها. ] قوله: " والشئ واصله واحد الخ " قد مر بيانه وان كان فيه تأمل، من جهة عدم اتحاد الاسم والخاصية، فلولا الاجماع المفهوم من التذكرة، لامكن القول بالاختلاف. وبالجملة فيه ايضا اشكال من جهة القاعدة، ولكن قد عرفت ايضا ان الانطباق ليس بشرط كما في الحنطة والدقيق والشعير والحنطة، وان كان اتحاد الحقيقة ايضا غير ظاهر، الا ان الدليل على الكلية غير واضح، لانه ما وجد شئ صحيح صريح في الكلية، والاسم غير صادق والاختلاف ممكن حقيقة، بل هو الظاهر لاختلاف الخواص مثل الخل والتمر والجبن والحليب. ويؤيده ما في صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله قال: سالت ابا عبد الله عليه السلام عن بيع الغزل بالثياب المبسوطة والغزل اكثر وزنا من الثياب قال: لا باس (1). ويؤيده ايضا ما مر صحيحة محمد بن مسلم من ان التفاوت ينجبر بزيادة العمل المقتضي للاجرة في السويق وكذا في هذا الثياب. وبالجملة الدليل غير قائم على الاتحاد بين الشئ الربوي واصله كلية، بل قائم على عدمه، والاصل وادلة اباحة البيع دليل الجواز، الا ان كلام الاصحاب ذلك، فالخروج عنه مشكل، والاحتياط يقتضيه والمسألة من المشكلات يحلها محلها. وقد ادعى الاجماع في اكثرها في التذكرة حتى بين الحليب واللبن والكشك والكافح والحنطة والخبز بجميع انواعه والهريسة، فما ثبت الاجماع فيه

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 19 من ابواب الربا، الحديث 1.

[ 476 ]

[ فلا يجوز بيع احد المتجانسين بالاخر مع زيادة كقفيز حنطة بقفيزين منها، ولا قفيز حنطة مقبوض بقفيز منها مؤجل، ] لا يمكن الخروج عنه، وظاهر التذكرة الاجماع في كل اصل مع فرعه وفرع كل اصل مع اخر، فتأمل. والزبد اصل السمن والسمسم اصل لدهنه، ومثله قوله: (الخلول تابعة لاصولها)، فليتأمل فيه، إذ قد يقال: ان الكل مشترك في اسم الخل، والاضافة بالعنب مثلا لا يميزه عن خل التمر، ولم يكن سببا لاسم خاص له كما مر، الا ان الظاهر ان الحقيقة مختلفة، فتأمل. قوله: " فلا يجوز بيع الخ " دليله قد مر مفصلا. وفيه اشعار بالجواز في كل المتجانسين مع التساوي نقدا، وهو صحيح لما مر، الا انه يشترط في الصرف القبض قبل التفرق، فتذكر. قوله: " ولا قفيز حنطة الخ " اشارة الى عدم جواز الزيادة الحكمية وهو الاجل، فالمراد بالمقبوض، الحال المقابل للمؤجل. ومثله تأخير الحال للزيادة كما عرفت. ودليله ما تقدم في سبب نزول الآية في مجمع البيان وصحيحة محمد بن قيس التي تقدمت في كون الحنطة والشعير جنسا واحدا. ويظهر من الشرايع التردد في السلف حيث قال: ولا يجوز اسلاف احدهما على الاظهر. ويظهر من شرحه عدم الخلاف في ذلك الا ما يشعر به عبارة الخلاف والمبسوط من لفظ الكراهة، على انها يحتمل التحريم كما هو واقع فيهما بهذا المعنى كثيرا، فتأمل.

[ 477 ]

[ ويجوز التفاضل مع اختلاف الجنس نقدا وفي النسية قولان. وكل ما ثبت انه مكيل أو موزون في عهده (النبي خ) بنى عليه والا اعتبر البلد، فان اختلف البلدان فلكل بلد حكم نفسه. ] وتردد في الشرايع في النسية، حيث قال: وفي النسية تردد. قوله: " ويجوز التفاضل الخ " الظاهر عدم الخلاف في النقد والخلاف في لنسية، وقد مر دليل طرفيه، وان الظاهر هو الجواز مع الكراهة مطلقا مع الزيادة، فتذكر. قوله: " وكل ما ثبت انه مكيل الخ " اشارة إلى ضابط الشرط الثاني وهو الكيل والوزن، فقال: كلما ثبت انه مكيل أو موزون في عهده صلى الله عليه وآله، بني عليه، اي فهو كذلك دائما، ولا يتغير عن حكمه وان غيرهما الناس (والا اعتبر البلد) اي كلما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده صلى الله عليه وآله، فحكمه حكم البلدان، فان اتفق البلدان فالحكم واضح، وان اختلفت ففي بلد الكيل والوزن يكون ربويا تحرم الزيادة، ففي غيره لا يكون ربويا فيجوز التفاضل. والظاهر ان الحكم للبلد، لا لاهله، وان كان في بلد غيره (1). ولعل الاول مجمع عليه بين الامة، حتى حكى عن ابي حنيفة الحكم بعادة البلدان مطلقا، ولكن نقل عنه ايضا المكيلات المنصوصة مكيلات ابدا وكذا الموزونات ما لم ينص عليه، فالمرجع إلى عادة الناس. فكان المراد بما في عهده، ما ثبت علمه به وتقريره، والا فلا حجية فيه. ويحتمل ما كان عادة في زمنه مطلقا كما هو اكثر العبارات، لان دليل

(1) في هامش بعض النسخ المخطوطة بعد قوله (في بلد غيره) ما لفظه (وصرح بالاجماع في شرح الشرايع، فهو محل التأمل بحسب القانون، ولا نص على الظاهر، وادلة جواز البيع والاصل يقتضي العدم، وعموم ادلة تحريم الربا يقتضي المنع، مع دعوى الاجماع، مع الاحتياط، فلولا دعوى الاجماع لأمكن ترجيح الاول، وهو ظاهر).

[ 478 ]

[... ] التحريم المشترط بذلك انما وجد (في خ) بذلك الزمان مطلقا، الا ان يختلف في بلده وغيره. وحينئذ يشكل، لاحتمال رجوعه إلى بلده وكون كل بلد حكم نفسه، فلولا الاجماع على الاول لامكن القول بالحوالة على العرف مطلقا كما حكي عن ابي حنيفة، لانه العادة في الاحكام الشرعية كالقبض والحرز والاحياء وغيرها والمأكول والملبوس الغير الجائز السجود عليه في الصلاة. والفرق غير واضح، الا ان الاجماع متبع، لعدم امكان المخالفة، لفقدان الشريك في المسألة كما تقرر في الفروع والاصول من العامة والخاصة. واما الثاني فعلم دليله منه، وقيل: بتغليب التقدير، ولو في بلد واحد، فيجعل مكيلا وربويا لو كان كذلك في بلد واحد، لصدق اسم المكيل الموجب للتحريم. ويمكن ان يقال: انه محمول على العرف والعادة في بلاد المعاملة والمعاملين، لما تقدم، وادلة الجواز، الايفاء بالعقود مطلقا، مع عدم تحقق دليل التحريم، لتقييده بالاجماع بالكيل، وليس بمعلوم تحققه فيما نحن فيه، وهو الظاهر، ولكن الاحتياط يتبع مهما امكن. ثم انه نقل في التذكرة: الاجماع من الامة في ثبوت الكيل في الاجناس الاربعة، الحنطة والشعير والتمر والملح. والظاهر ان الوزن ايضا ثابت بالاجماع في الذهب والفضة، لانه نقل في التذكرة ثبوت الربا في هذه الستة، وقد علم الاشتراط باحدهما، فلما لم يكن الكيل فيهما فكانا موزونين فيثبت فيهما حكم الربا بالاجماع للشرايط بالاجماع، وقد مر عليها الاخبار ايضا، فلا يباع بعض الاربعة ببعض منها الا كيلا متساويا تساويا عرفيا، نقدا لانسية ولا متفاضلا، لما مر، ولا يضر مع الاستواء كيلا. التفاضل وزنا.

[ 479 ]

[... ] والظاهر ان النقدين كذلك، لا يباع الا وزنا نقدا متساويين، ولا يضر التفاوت الكيلي مع ذلك لو كان، ولا يجوز شئ من (الاول خ) المكيل بشئ من جنسها، وزنا بوزن وان تساويا وكذا في الاخيرين قاله في التذكرة. وفيه تأمل، لانه قد جعل اصل كل شى وفرعه جنسا واحدا، وكذا فروع اصل واحد حتى الهريسة والحنطة والكشك، والظاهر انه يحصل التفاوت الكثير بينهما في الكيل مثل الحنطة والدقيق، ولان ثبوت الكيل في كل اصناف الحنطة مثلا بالمعنى المذكور في زمانه غير ظاهر حتى الدقيق، ولهذا قيل انه موزون، وهو مصرح به، فاطلاق جواز بيع شئ منها بجنسه كيلا وعدمه بدونه محل التأمل، الا ان يقيد بالثابت فيخصص بنحو الحنطة، ويشكل حينئذ بيعها بغيرها من اصنافها، فيمكن عدم الربا ببيعها بما لم يثبت فيه الوزن ولا الكيل في بلد المبايعة، لانهما شرط في كلا الطرفين بخصوصهما ولا يكفي وجودهما في الجنس فقط كما مر، وهو يظهر من التذكرة وغيرها. واذ اثبت الكيل فيما يقابل الحنطة مثلا يمكن البيع متساويا نقدا وان وجد التجافي في الجملة في احدهما ونقيصة في غيره مثل الحنطة والشعير بدقيقهما. وان ثبت فيه الوزن فيشكل البيع، ويمكن اعتبار الكيل لثبوته في احدهما بالاجماع، والوزن لانه اصل الكيل، فليتأمل. ولانه حينئذ ينبغي عدم جواز بيع ما ثبت فيه الكيل بغير جنسه ايضا الا كيلا، لما ثبت عندهم من عدم جواز المكيل كذلك. وكذا الموزون، وقد صرح به في كتب الشافعية ايضا. ولا معنى لاعتباره بالنسبة إلى بيعه بجنسه دون غيره مع ان المتعارف في اكثر البلدان الآن بيع الحنطة وزنا من غير نكير. وايضا قال في التذكرة: ما اصله الكيل يجوز بيعه وزنا سلفا وتعجيلا،

[ 480 ]

[ وما لا يدخله الكيل والوزن فلا ربا فيه كثوب بثوبين ودابة بدابتين ودار بدارين وبيضة ببيضتين. ] ولا يجوز بيعه بمثله وزنا، لان الغرض في السلف والمعجل تعيين جنس معرفة المقدار، وهو تحصل بهما، والغرض هنا المساواة، فاختص المنع في بعضه ببعض به. وفيه تأمل، لان الدليل هو النص، فكيف يخرج عنه بالوجه المذكور. قال في التذكرة: كما لا يجوز بيع الموزون بجنسه جزافا، كذا لا يجوز بيعه مكيلا، الا إذا علم عدم التفاوت فيه. وكذا المكيل لا يجوز بيعه جزافا ولا موزونا الا مع عدم التفاوت. وقال ايضا: لو كان حكم الجنس الواحد مختلفا في التقدير كالحنطة المقدرة بالكيل والدقيق المقدر بالوزن، احتمل تحريم البيع بالكيل والوزن، للاختلاف قدرا وتسويغه بالوزن، فتأمل. الا ان يقال خروج ذلك بالاجماع، وادعى في شرح الشرايع ذلك في بيع الحنطة وزنا، ويؤيده ان لا نص صريح صحيح في عدم جواز ما يكال الا كيلا وكذا ما يوزن وقد مر عموم ادلة الجواز وخرج المحقق المعلوم مثل بعض الجنس بالجنس وبقي الباقي، فتأمل واحتط في ذلك وغيره مهما امكن. وكذا الاشكال في المكيل تارة والموزون اخرى، فيمكن التخيير للصدق والاعتبار. قوله: " وما لا يدخله الكيل والوزن الخ " قد مر وجهه ولا يحتاج إلى ذكره، لكن قد يتخيل عدم الجواز في الثوب بالثوبين، من جهة ان الغزل موزون والثوب لا يخرج عن جنسه، فيكون بيع الربوي مع التفاضل. وايضا يلزم عدم جواز بيعه الا وزنا كاصله، لانه من جنس الغزل الذي لا يباع الا وزنا. ويضمحل بانه يشترط في كل من الطرفين الوزن عادة، وليست العادة

[ 481 ]

[ وقيل: يثبت الربا في المعدود. ] في الثوب ذلك وان كان اصله لا يباع الا وزنا وهو معلوم، وهو وجه جواز بيعه من غير كيل. ويؤيد الجواز الروايات الدالة على جواز بيع الغزل بالثوب مع زيادة الغزل على وزنه، مثل صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله المتقدمة (1) ومثلها ايضا موجودة. ويمكن ان يقال ايضا: ان الزيادة عوض العمل، وقد تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (2) وفيه تأمل. قال في التذكرة: إذا خرج بالصنعة عن الوزن جاز التفاضل فيه كالثوب بالثوبين الخ. ويمكن كون ذلك في مثل المصوغ من النقدين مثل الخاتم والحلي والظروف، بل يمكن في النقدين ايضا ولهذا يعامل بهما من غير اعتبار الوزن فيهما مع قولهم باعتبار الوزن فيهما. ولكن يمكن ان يكون للاعتماد على التعارف في الوزن فهو بمنزلة العلم به واخبار البايع، وقد عرفت عدم الدليل على الاصل، ويؤيده ما تقدم في بيع المصوغ من النقدين والمراكب المحلاة، حيث سكتوا عن اعتبار الوزن. قوله: " وقيل: يثبت الربا في المعدود " قد تقدم ضعفه، فتذكر. وفي تأخير هذا عن بيع الثوب بالثوبين الخ اشارة إلى ان ليس ذلك كله من المعدودات، كما يتوهم من شرح الشرايع، لان المراد ما هو العادة في بيعه ذلك، نعم يمكن كون البيض من ذلك، كما هو في اكثر البلاد.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 19 من ابواب الربا، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 9 من ابواب الربا، الحديث 1.

[ 482 ]

[ ولا يجوز بيع الرطب بالتمر متفاوتا ولا متساويا، لانه إذا جف نقص. ] قوله: " ولا يجوز بيع الرطب بالتمر الخ " دليله وجود الزيادة الممنوعة بالاجماع والكتاب والسنة المتقدمة وعدم العلم بالتساوي الذي هو الشرط بالاجماع. ويؤيده الروايات من طريق العامة (1) والخاصة. مثل ما في صحيحة الحلبي: لا يصلح التمر اليابس بالرطب، من اجل ان اليابس يابس والرطب رطب، فإذا يبس نقص، وقال في اخرها: والفاكهة اليابسة تجري مجرى واحدا (2). وفي رواية الابزاري عنه عليه السلام مثل الاول (3). وما في صحيحة محمد بن قيس (الثقة) عن امير المؤمنين عليه السلام، وقال: سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: إلى قوله وكره ان يباع التمر بالرطب عاجلا بمثل كيله إلى اجل، من اجل ان التمر ييبس فينقص من كيله (4). والظاهر ان المراد بالكراهة هنا التحريم، لما مر ان عليا عليه السلام ما يكره الحلال (5). وغيره كذلك، وهذه تفهم من صحيحة محمد بن مسلم حيث قال: علي عليه السلام يكره ذلك ونحن نكرهه، ثم قال: وعلى لا يكره الحلال الخ (6).

(1) سيأتي عن قريب. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الربا، الحديث 1 والباب 13 من تلك الابواب، الحديث 3. (3) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الربا، الحديث 7. (4) الوسائل، ج 12، كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الربا، الحديث 2. (5) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 من ابواب الربا، قطعة من حديث 1 ولفظه (ولم يكن علي عليه السلام يكره الحلال). (6) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 16 من ابواب الربا، الحديث 7 وفيه (فقال عليه السلام

[ 483 ]

[... ] والظاهر انه لا دخل هنا لقوله (إلى اجل) بل هو ليس في بعض النسخ، وهو الاظهر، فكأنه من غلط الكاتب في نسختي لقوله عليه السلام من اجل الخ. ولما في رواية العامة لما سئل صلى الله عليه وآله عن بيع الرطب بالتمر، فقال صلى الله عليه وآله: اينقص إذ اجف؟ فقالوا: نعم فقال: فلا إذا (1). وقيل: بالجواز، ودليله الاصل، وعموم ادلة جواز البيع، مع عدم تحقق المانع. وكانه حمل الروايات على الكراهة، ويؤيده لفظة (يكره) و (لا يصلح) فانه يستعمل غالبا في المباح المرجوح. وهو للجمع بينهما، وبين رواية سماعة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن العنب بالزبيب؟ قال: لا يصلح الا مثلا بمثل، قال: والتمر والرطب مثلا بمثل (2). وقد عرفت ان الاصل لم يبق مع الدليل، والعموم يخصص، وان روايات عدم الجواز كثيرة صحيحة ظاهرة في التحريم، ورواية الجواز غير صحيحة ولا صريحة، لاحتمال حملها على بيع العنب بالعنب والزبيب بالزبيب، وكذا الرطب والتمر، وهذا اظهر. ويمكن حمله على عنب يابس مثل الزبيب، أو الزبيب الرطب اللذين

كره ذلك علي عليه السلام فنحن نكرهه، وليس في هذه الرواية جملة (وعلى لا يكره الحلال). (1) سنن ابن ماجة ج 2 كتاب التجارات ص 761 الحديث 2264 ولفظه (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم، سئل عن اشتراء الرطب بالتمر؟ فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم، فنهى عن ذلك). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الربا، الحديث 3 وفي الكافي بعد قوله (بمثل) قلت والتمر والزبيب؟ قال: مثلا بمثل.

[ 484 ]

[ وكذا كل ما شابهه كاللحم الطري بالمشوي والعنب والزبيب ومبلول الحنطة بيابسها. ] لا تفاوت بينهما بعد اليبوسة، وكذا الرطب والتمر. إذ الظاهر ان التفاوت اليسير بينهما لا يضر، بل انما المضر التفاوت الفاحش الذي لا يتغابن بمثله كما مر في المكيال والميزان، لانه قد يتسامح بمثله، ولا يجب الرد، فحكمه حكم العدم. ولان الغالب لا ينفك عنه، إذ التساوي الحقيقي متعسر، بل متعذر، للتفاوت بين المكائيل والموازين، بل يوجد التفاوت في مكيل واحد وميزان واحد في الحالين، وهو ظاهر، ولهذا جوز في التذكرة وغيرها بيع الخبز بالخبز مع الاختلاف في الاجزاء المائية المستلزمة للتفاوت بين اجزاء الحنطة. والظاهر انه كذلك وان كان وزنيا. ويؤيده رواية غياث عن جعفر عن ابيه قال: لا باس باستقراض الخبز، ولا بأس بشراء جرار الماء والروايا ولا بالفلس بالفلسين ولا بالقلة بالقلتين، ولا بأس بالسلف في الفلوس (1). وجوز ايضا العسل بالعسل، مثل ان يصفى من الشمع، والحنطة المبلولة بالمبلولة واللحم الطري بمثله والمقدد بمثله والمشوي بمثله، مع ان الغالب وجود التفاوت وهو واضح. وكذا جميع الفواكه مثل العنب بمثله والتمر بمثله مع وجود النوى، والرطب بمثله وكذا الالبان وغيرها، وبالجملة وهو ظاهر فليلحظ ذلك. ثم ان الظاهر هو العموم وعدم الفرق بين امثال الرطب والتمر وغيرهما مثل العنب والزبيب إذا كان التفاوت بينهما فاحشا، للدليل الدال على عدم

(1) الوسائل، ج 13 كتاب التجارة، الباب 1 من ابواب السلف، الحديث 12.

[ 485 ]

[ ويجوز بيع لحم الغنم بالشاة على رأى. ] جواز الرطب بالتمر، فان الاول جار في الكل. وكذا ما في اخر صحيحة محمد الحلبي (1). ولان قوله: من اجل ان اليابس يابس الخ ظاهر في العموم. وللقياس ايضا، فليس الدليل في غير التمر هو القياس فقط، مع انه منصوص العلة، فالظاهر جريانه في الفروع فتأمل. وفي المتن ايضا اشارة إلى ان المراد، هو التفاوت الفاحش، حيث قال: وكذا كل ما شابهه، وقيد اللحم بالطري ومقابله بالمشوي، فيجوز الطري بمثله وكذا بمثله المشوي لعدم التفاوت الفاحش، مع ظهور التفاوت في الجملة. قوله: " ويجوز بيع لحم الغنم الخ " ينبغي عدم الخلاف في الجواز بالشاة حال حياتها متفاضلا ونسية، والخلاف بعد الذبح مع احد الامرين. فمن حيث ان العادة بيعها بالوزن بعده، فيتحقق شرط الربوي وهو الجنسية والوزن هنا. ومن حيث ان المذبوح ليس يتعين بيعه بالوزن، لعدم تحقق ذلك عادة بل الظاهر جواز بيعه حينئذ جزافا، فليس بموزون. وعموم ادلة البيع والعقود، - مع عدم ثبوت دليل وجود الكيل والوزن في مثله - يفيد الجواز، مستندا بعموم ما يستفاد من اكثر العبارات كالمتن والتذكرة وغيرهما. وبالحديث المتقدم عن امير المؤمنين عليه السلام كره بيع اللحم بالحيوان (2). ويمكن جعله دليل التحريم ايضا لما تقدم، والحمل على المذبوح. ولكن السند غير معتبر، لوجود غياث بن ابراهيم التبري (3) وغيره.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الربا، الحديث 1. (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب الربا، الحديث 1. (3) سند الحديث كما في التهذيب (احمد بن محمد بن علي (يحيى خ) عن غياث بن إبراهيم).

[ 486 ]

[ وبيع قفيز حنطة بقفيز حنطة وفي احدهما عقد التبن ويسير التراب وشبهه. وبيع درهم ودينار بدرهمين أو بدينارين، ومد تمر ودرهم بمدين أو بدرهمين وكذا ما شابهه. ] وبالجملة لو ثبت ان بيع الحيوان المأكول بعد الذبح لا يجوز الا وزنا، لا يجوز الا باللحم من جنسه متفاضلا ونسية، والا جاز. قوله: " وبيع قفيز حنطة الخ " معطوف على بيع اللحم، اي يجوز ذلك. وهو اشارة إلى دفع التوهم بانه إذا كان في احدهما عقد تبن أو تراب ونحوه، أو في كليهما، يمكن عدم الجواز، لعدم العلم بالتساوي في اجزاء الربوي، فصرح بالجواز لرفع ذلك، لان امثال ذلك لا يضر، للتعارف، وعدم الخلو عنه غالبا، فيحصل الضرر المنفي بالعقل والنقل لو كان معتبرا، وللمسامحة بمثل هذا المقدار في المعاملة. ولهذا لا يثبت بمثله الغبن، وقد تقدم امثال ذلك، فكأنه مجمع عليه. قال في التذكرة: يجوز بيع مد حنطة فيها فضل وهو عقد تبن، أو حب اسود، أو تراب بمجرى العادة بمد حنطة مثله، أو بخالص عن ذلك عند علمائنا. وكذا إذا كان في احدهما شعير سواء كثر (كان اكثر خ) عن الاخر أو ساواه، زاد في الكيل اولا، عملا بالاصل السالم عن الربا، لان التقدير تساويهما وزنا أو كيلا، والفضل بالتراب وغيره بمجرى العادة، والشعير لا يضر، لقلته كالملح في الطعام والماء في الخل. قوله: " وبيع درهم الخ " وهو ايضا عطف على فاعل (يجوز) يريد الاشارة إلى انه إذا كان احد الطرفين مشتملا على المخالف جنسا للطرف

وفي موضع اخر من التهذيب هكذا (محمد بن احمد بن يحيى عن الحسن بن علي عن النوفلي عن غياث بن إبراهيم).

[ 487 ]

[... ] الاخر، بحيث يصلح كونه في مقابلة المخالف، لا بمعنى ان يسوى ذلك، بل بمعنى ان يكون ما لا يجوز المعاملة به ومقصودا في العقد، ولا يكون تابعا، ولا يسوي شيئا، يجوز البيع حينئذ، مع حصول بيع الربويين متفاضلا. قال في التذكرة: وهو جائز عند علمائنا اجمع، وبه قال ابو حنيفة: حتى لو باع دينارا في خريطة بماءة دينار جاز له. ومستند الاجماع: عموم ادلة الجواز، مع عدم تحقق الربا، لانه انما يكون في بيع احد المتجانسين المقدرين بالكيل أو الوزن، متفاضلين أو نسية بالاخر، وهنا ليس كذلك، لان المركب من الجنسين ليس بجنس واحد، وهو ظاهر. ولاحتمال ان يكون المقابل للمجانس ما يساويه قدرا، من جنسه، ويبقى الباقي في مقابل غير المجانس، وان كان اضعاف ذلك، فلا يحصل الربا، وهو ظاهر. وبالجملة: الامر إذا احتمل الصحة محمول عليها. ويؤيده الروايات في بيع المراكب المحلاة، والسيوف كذلك بهما. مثل رواية ابي بصير قال: سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم قال: إذا كانت فضته اقل من النقد فلا باس، وان كان اكثر فلا يصلح (1). وسأله عبد الرحمان بن الحجاج عن شراء الف درهم ودينار بالفى درهم، قال: لا بأس بذلك (2). ولا يضر عدم صحة السند والاضمار (3)، لانه مؤيد ومسند (4).

(1) و (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 15 و 6 من ابواب الصرف، الحديث 8 و 1. (3) سند الحديث كما في الكافي (محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن صفوان عن عبد الرحمان بن الحجاج). (4) هكذا في النسخ ولعل الصواب " لا سند " قال العلامة المجلسي في مرآة العقول في شرح الحديث: التاسع صحيح وسنده الآخر حسن كالصحيح.

[ 488 ]

[ وان يبيع الناقص بمساويه من الزايد ويستوهب الزيادة. ولا ربا بين الولد ووالده. ] قوله: " وان يبيع الناقص الخ " عطف مثل ما تقدم واشارة إلى التخلص عن الربا إذا اراد التفاضل في بيع الربويين، مثل ان اراد بيع قفيز حنطة بقفيزين من شعير، أو الجيد بالرديين وغير ذلك، يبيع المساوي بالمساوي قدرا ويستوهب الزايد. وهو ظاهر لو حصل القصد في البيع والهبة. وينبغي الاجتناب عن الحيل مهما امكن، وإذا اضطر يستعمل ما ينجيه عند الله ولا ينظر إلى الحيل وصورة جوازها ظاهرا لما عرفت من علة تحريم الربا، فكأنه إلى ذلك اشار في التذكرة بقوله: لو دعت الضرورة إلى بيع الربويات مستفضلا مع اتحاد الجنس الخ وذكر الحيل منها ما تقدم. الجنس الخ وذكر الحيل منها ما تقدم. قوله: " ولا ربا بين الولد ووالده الخ " عموم ادلة تحريم الربا يقتضي وجود الربا بين كل احد تصح بينهم المعاملة ولكن المشهور استثناء المذكورات، ونقل الاجماع عن السيد بعد خلافه، على عدم ثبوت الربا بين الولد ووالده، مستندا إلى رواية عمرو بن جميع عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا (1). ورواية زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السلام قال: ليس بين الرجل وولده، وبينه وبين عبده ولا بين اهله ربا، انما الربا فيما بينك وبين ما لا تملك، قلت: فالمشركون بيني وبينهم ربا؟ قال: نعم، قلت: فانهم

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب الربا، الحديث 1.

[ 489 ]

[ ولا بين السيد وعبده المختص. ] مماليك، فقال: انك لست تملكهم، انما تملكهم مع غيرك، انت وغيرك فيهم سواء، فالذي بينك وبينهم ليس من ذلك، لان عبدك ليس مثل عبدك وعبد غيرك (1). والاجماع غير ظاهر، ولهذا ذهب السيد اولا إلى الثبوت، وقال: معنى نفي الربا، نهى، مثل معنى (لا رفث) (2). وقيل مثل ذلك في (لا غيبة للفاسق) (3). وابن الجنيد ذهب إلى عدم الثبوت من جانب الوالد فقط. والحديث غير صحيح. وعموم ادلة التحريم قوى. ويمكن ان يقال: لا ربا بين الرجل وولده، بمعنى جواز اخذ الوالد من مال ولده، لا العكس. ويؤيده اخبار اخر، مثل ان الولد وماله لوالده (4). فيمكن الاقتصار على موضع الاجماع لو كان، وهو اخذ الوالد عن الولد الصلبي فقط. واما عدم الثبوت بين العبد وسيده، فبناء على القول بانه لا يملك واضح. واما على القول الاخر، فلا يظهر، إذ الرواية غير صحيحة، ولا نعرف غيرها، الا ان يدعى الاجماع، فيقتصر على موضعه، وهو القن الخاص، لا المكاتب مطلقا، ولا المشترك، كما تشعر به الرواية المتقدمة.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب الربا، الحديث 3. (2) سورة البقرة / 197. (3) لاحظ عوالي اللئالي ج 1 ص 438 الحديث 153 وهامشه. (4) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب 78 من ابواب ما يكتسب به فراجع.

[ 490 ]

[ ولا بين الرجل وزوجته. ولا بينه. وبين الحربي. ويثبت بين المسلم والذمي على رأي ] واما بين الزوج والزوجة فمثل ما تقدم، فان كان اجماع فنقتصر عليه، مثل الدائمة كما اختاره في التذكرة، مؤيدا بجواز اكلها من بيت زوجها، وفي بعض الروايات الصحيحة تسلط الزوج على مالها بحيث لا يجوز لها العتق وغيره الا باذنه. فلا يبعد عدمه بينهم من الطرفين على تقدير الاجماع، والا فعموم ادلة منع الربا متبع. واما بين المسلم والكفار، فظاهر رواية زرارة تحققه مطلقا. ولكن صريح روايته في الكافي والتهذيب، حيث قال بعد رواية عمرو بن جميع: وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس بيننا وبين اهل حربنا ربا، (فانا يب) ناخذ منهم الف درهم بدرهم، وناخذ منهم ولا نعطيهم (1) خلافه. الا ان سند رواية زرارة اوضح (2)، ويؤيده عموم الادلة. ويمكن حمل الاخيرة على من كان ماله فيئا، فيجوز اخذه منه، وهو الحربي الغير المأمون، فبالحقيقة ليس ربا وبيعا، بل استنقاذا وفيئا. واما بين المسلم والكتابي، أو المأمون، فالظاهر ثبوته مطلقا، لتحقق الربا، فيجري دليله هنا، ولهذا لا يجوز من جانبه. واما العدم، فما نعرف له وجها الا ما سيأتي مع ما فيه. وبالجملة ان ثبت دليل من اجماع ونحوه على عدم الربا فيتبع، والا

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب الربا، الحديث 2. (2) سند الحديث كما في الكافي (محمد بن يحيى عن محمد بن احمد عن محمد بن عيسى عن ياسين الضرير عن حريز عن زرارة).

[ 491 ]

[ المطلب الرابع: فيما يندرج في المبيع وألفاظه ستة: الأول: الارض والساحة والبقعة والعرصة، ] فعموم الكتاب والسنة، بل الاجماع متبع كما هو مقتضى الاصول، فتأمل. ونقل في الفقيه ايضا روايتي عمرو بن جميع، ولكنه بغير سند، ثم قال: وقال الصادق عليه السلام: ليس بين المسلم وبين الذمي ربا، ولا بين المرأة وبين زوجها ربا (1). ولكن هذا ايضا بغير سند، وتعارضها رواية زرارة، مع انها اوضح سندا، إذ ليس فيها الا (محمد بن احمد عن محمد بن عيسى) والاول مشترك، وفي الثاني قول. فالقول بعدم الربا في الذمي مثل الحربي، بل ابعد، لقلة القائل وعدم امكان التأويل وارسال الخبر الا انه في الفقيه المضمون. ولكن الخروج عن الادلة القطعية التي تقدمت، بمثله، مشكل. ولهذا اختار المصنف والاكثر الثبوت بين المسلم والذمي مطلقا. قوله: " المطلب الرابع: فيما يندرج في المبيع الخ " اي الفاظ البيع - التي تستعمل غالبا، ويندرج تحتها اشياء التي باحث عنها العلماء ولها توابع وامثال - ستة، حتى في كتب العامة ايضا. اولها الارض وتابعها الساحة، وهي ساحة الدار، والبقعة، وهي قطعة من الارض، والعرصة، عرصة الدار، وهو ما في وسطها.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب الربا، الحديث 5.

[ 492 ]

[ فلا يندرج تحتها الشجر والزرع والبذر الكامن. ويتخير المشترى مع جهله به بين الرد والاخذ بالثمن. ] قوله: " فلا يندرج تحتها الخ " دليل عدم الدخول، ان الالفاظ محمولة على المعاني العرفي الشرعي لو كان (1)، وعلى اصطلاح المخاطبين ان كان، والا فالعرفي العامي، والا فاللغوي. والمراد بالمعاني ما يفهم منها بحسب التخاطب ارادة اللافظ ذلك مطابقيا كان أو تضمنيا، أو التزاميا. ومعلوم عدم فهم المذكورات من تلك الالفاظ. وكانه لذلك لا خلاف فيه عندنا، كما لا خلاف في عدم الدخول مع الاستثناء، والدخول فيما إذا قال: بما فيها ونحوه. قوله: " ويتخير المشتري الخ " اي لو كان المشتري جاهلا بوجود الاشياء في الارض المبتاعة - كما لو اشتراها بالوصف، أو رآها قبل الزرع والغرس - له الخيار في فسخ العقد واخذ ثمنه، وابقائه واخذها بالثمن، والرضا به مجانا بغير شئ. ولعل دليله: ان وجود هذه الاشياء فيها سبب لتعطيلها غالبا، والعقد يقتضي الانتفاع بالفعل، من غير مضى زمان كثير عادة، ففيه ضرر على المشتري، ولا ضرر كالعيب، وليس اياه حتى يكون الارش ايضا جائزا، وهو ظاهر. ويمكن سقوط خياره ان قطع النظر عن الزرع والبذر مع عدم الضرر على المشتري كما في الاحجار المدفونة. قال في التذكرة: فان ترك البايع له سقط خياره قاله الشافعي، وعندي

هكذا في جميع النسخ والصواب (على المعاني العرفية الشرعية لو كانت).

[ 493 ]

[ ويدخل في ضمان المشترى بالتسليم إليه، وان تعذر انتفاعه به. وتدخل الحجارة المخلوقة فيها دون المدفونة. ] فيه اشكال ولعل الاول اولى للاصل وزوال ضرره الموجب له، لانه المفروض. ولعل اشكال المصنف في غيره (1). قوله: " ويدخل في ضمان المشتري " اي مع كون الارض المبتاعة مشغولة ويتعذر الانتفاع بها فيدخل في ضمان المشتري بالقبض والتسليم، لان مقتضى القبض والتسليم ذلك، والاصل عدم مانعية عدم الانتفاع، خصوصا مع العلم والرضا. ويؤيده (على اليد ما اخذت) (2). ولعله لا خلاف عند الاصحاب حينئذ. نعم فيه تأمل مع عدم العلم بما فيها، ان لم نقل بان المأخوذ بالسوم مضمون، كما هو الظاهر، ومذهب المختلف، لعدم الدليل عليه، وتقدم. ويظهر من التذكرة عدم حصول القبض في الدار بالتسليم مع شغله بالامتعة. وهو غير بعيد، لان التسليم غير تام، فان تسليم التام للدار انما يتحقق بكونها مفرغة. لعل قوله (به) في المتن راجع إلى المبيع المفهوم، أو الارض باعتباره، أو إلى ما فيها مثل البذر والباء سببية. قوله: " ويدخل الحجارة الخ " دليل دخولها فهمه من اللفظ عرفا،

(1) قال في التذكرة ج 1 ص 571 وللمشتري الخيار مع جهله، فان تركه البايع له سقط خياره وعليه القبول، قاله الشافعي: وعندي فيه اشكال. (2) لاحظ عوالي اللئالي ج 1 ص 224 الحديث 106 وص 389 الحديث 22 وج 2 ص 345 وج 3 ص 246 الحديث 2 وص 251 الحديث 3.

[ 494 ]

[ وعلى البايع النقل وتسوية الحفر. ويتخير المشترى مع الجهل، ولا خيار للمشترى بترك البايع لها، مع انتفاء الضرر بها، الثاني: البستان ويدخل فيه الارض والشجر لا البناء على اشكال، ] فانها جزء مفهوم كالتراب وسائر الاجزاء. ودليل عدم دخول المدفونة، عدمه، لعدم الجزئية المفهومة، فانها بمنزلة البذر والامتعة المدفونة فيها، وهو ظاهر. والظاهر ان له الخيار على تقدير الضرر العرفي، ولو كان بسبب طول زمان التفريغ بالاحجار المخلوقة ونحوها مع الجهل، لما تقدم، قاله في التذكرة: بقوله: يتخير المشتري الخ. قوله: " وعلى البايع النقل الخ " الظاهر ان هذا ايضا على تقدير الضرر العرفي، فلو لم يكن لا يجب، كالكنوز المدفونة، والاحجار تحت الارض بحيث لا يصل إليها الزرع وعرق الغرس. والحاصل ان ذلك مع الضرر الذي يعد عرفا ضررا وعيبا، ولكن له ذلك ان لم يتضرر المشتري بالتطويل ونحوه. وعليه على التقديرين طم الحفر وتسوية الارض، بحيث يزول عنه ما يعده وجوده في الارض عيبا وضررا، وان لم يكن كذلك، لا يجب، وهو ظاهر. قوله: " ويتخير المشتري مع الجهل الخ " دليله قد مر. ويمكن تعليق قوله (ولا خيار للمشتري الخ) إلى الموضعين اللذين ذكر فيهما الخيار له، وان بعد. قوله: " الثاني: البستان الخ " دخول الارض والاشجار والكلاء

[ 495 ]

[ نعم يدخل في القرية والد سكرة مع الشجر دون المزارع. الثالث: الدار ويندرج فيه الارض والحيطان والسقوف الاعلى والاسفل الا ان يستقل الاعلى بالسكنى عادة. ] والحيطان وغيرها، مما يفهم كونه كالجزء فيه، ظاهر. واما البناء فان كان هناك قرينة دالة على دخوله فيه - أو كان العرف يقضي دخول مثل ذلك البناء في البستان، لانه بمنزلة الجزء، كالموضع الذي يعمل لحافظه، ووضع الثمرة، ولجلوس من يدخله وطبخه - يدخل، والا فلا. يعلم ذلك من الضابط، مع اصل عدم البيع، فما يدخل عرفا، يدخل، والا فلا. واختار في التذكرة عدم الدخول، قال: وهو عندنا، وعند الشافعي يدخل. لعل مراده ما ليس بداخل فيه عرفا، مثل ما ذكرنا. واعلم ان جهل مثل هذا لا يضر في صحة البيع، وقد اشرنا إليه فتذكر. قوله: " نعم يدخل القرية الخ " كان الدسكرة قرية صغيرة. دخول البناء الذي فيهما ظاهر مما تقدم. وكذا دخول الشجر الذي فيهما. وكذا الساحات الداخلة في السور، والسور ايضا ونحوها مما يفهم، كعدم دخول مزرعة (مزارعة خ) من الاراضي البعيدة والقريبة الا مع القرينة الظاهرة، مثل بذل ثمن كثير في مقابلة بيوت ثلاثة لا يسوى عشر عشير. قوله: " الثالث الدار ويندرج فيه الارض الخ " الظاهر ان لا خلاف ولا شبهة في دخول الارض والبيوت الداخلة فيها تحتانية وفوقانية مع الحيطان الدائرة عليها، والسقوف الاسفل والاعلى (1)، الا ان يكون الاعلى مستقلا

(1) هكذا في جميع النسخ والصواب (السقوف السفلى والعليا).

[ 496 ]

[ والثوابت وما اثبت من المرافق كالسلم المثبت والخشب المستدخل في البناء والابواب المغلقة والاغلاق والرفوف المثبتين. ولا يندرج الاشجار، وان قال بحقوقها، ] بالسكنى، بان يكون لها باب على حدة من غير هذه الدار المبتاعة ويكون ممتازا كالدار على حدة، وحينئذ لا يدخل البيت الاعلى وحيطانه وسقفه. والظاهر دخول ارضه التي هي سقف البيوت التحتانية الداخلة في الدار المفروضة. قوله: " والثوابت وما اثبت من المرافق الخ " يدخل في بيع الدار ما اثبت فيها ليدوم ويبقى مثل المرافق كالسلم الخ. لعل المراد المرافق الذي تحتاج إليه (1) غالبا مما هو الجزء ونحو ما ذكر. والظاهر دخول ما على الابواب مثل السلاسل الحلق. وكذا لو كان على الحيطان. وكذا الحمام الداخل، والبئر ومائهما وغير ذلك. ودليله ما تقدم. والظاهر عدم الخلاف فيه، كعدم دخول المنقولات مثل الدلو والبكرة والرشا والسرير والرف الموضوع على الخشب من غير ان يثبت بالاوتار، والسلم الغير المثبت، والاقفال الحديدة ومفاتيحها والكنوز والدفاين، كل ذلك ظاهر مما تقدم. قوله: " ولا يندرج الاشجار الخ " لان الشجر ليس جزء من الدار ولا من حقوقها، إذ حق الدار ما يتعلق بها ويستعمل فيها، وكان مما يحتاج إليه فيها، والشجر ليس كذلك. وفيه تأمل، لان المتبادر من الدار ما دار عليه الحيطان مما اثبت فيه الغير المنقول، فالظاهر الدخول وان لم يقل (بحقوقها)، الا ان تدل قرينة أو عرف على

(1) هكذا في جميع النسخ والصواب (المرافق التي تحتاج إليها).

[ 497 ]

[ الا ان يقول: وما اغلق عليه بابه وشبهه. والمنقولات الا المفاتيح، ولا الرحى المنصوبة. ] عدم الارادة، بان يكون فيها اشجار كثيرة، مثل بستان ونحو ذلك. واما الشجرة الواحدة في الساحة، فالذي يفهم من العرف دخولها. ولهذا نقل عن المبسوط دخول النخل والشجر في بيع الدار في الدروس، فتأمل. قوله: " الا ان يقول وما اغلق عليه بابه الخ " مثل وما دار عليه حائطه. وجه دخول الشجر ونحوه حينئذ ظاهر، لدخوله تحت اللفظ. قيل: يصح مثل هذا الكلام وان لم يكن هناك حائط وباب، مثل الاراضي الخالية عنهما، فلا فرق في الصحة بينهما، الا ان الدلالة في الاولى صريحة، والاستعمال حقيقة، وفي الثانية كناية ومجاز، وهو ظاهر. قوله: " والمنقولات الا المفاتيح الخ " اي لا يدخل المنقولات في بيع الدار مثل الدلو وغيره مما تقدم بما تقدم، الا مفتاح الغلق الذي من الخشب المنصوب في الباب أو الحايط، لانه يدخل مثله اصله دون مفتاح القفل الحديد، لان مفتاحه لم يدخل كاصله. قوله: " ولا الرحى المنصوبة الخ " اشارة إلى عدم دخول ما اثبت، لا على وجه الدوام، بل اثبت لسهولة الانتفاع. لعدم الدليل، مثل الحجر التحتاني للرحى والرف والرف والاجانة (1) والسلم المثبتات بالمسمار والاوتاد المثبتة في الارض والجدار، ومعجن الخباز، وخشب القصار ونحوها. والظاهر ذلك، لاستصحاب تملك البايع، واصل عدم الدخول، مع عدم ظهور دخولها تحت الاسم دلالة مفهومة معتبرة.

(1) الاجانة واحدة الا جانين، وهي المركن والذي يغسل فيه الثياب (مجمع البحرين لغة اجن).

[ 498 ]

[ الرابع: العبد ولا يتناول ماله وان قلنا انه يملك بالتمليك، وفي الثياب الساترة للعورة اشكال. ] قوله: " الرابع العبد الخ " الظاهر عدم دخول المال الذي مع العبد في بيعه، سواء قلنا انه يملك ام لا يملك، وقد مر هذه فتذكر. وظاهر المتن انه على تقدير عدم تملكه يدخل ما معه، وهو غير ظاهر. وايضا لا يظهر لقوله: (بالتمليك) كثير فائدة. قوله: " وفي الثياب الساترة الخ " يفهم منه عدم الاشكال في عدم دخول غير الساتر في بيع العبد والاشكال فيه. وفيه اشكال، لان الظاهر انه يحتمل دخول ما هو لابسه غالبا، والعادة يقتضي عدم نزعه عنه، وانه يكون معه غالبا، فيدخل تحت بيعه، فانه صار كالجزء. ويحتمل عدمه، للاستصحاب، وعدم شمول اللفظ له. وهما جاريان في الساتر مع زيادة كون الساتر ضروريا شرعا، وذلك يقوى دخوله. وقال في التذكرة: لا باس به، اي بقول الشافعي: بان ما على العبد من الثياب يدخل، اعتبارا للعرف وهو الذي اخترناه في القواعد، ولا وجه لدخول الساتر الا ان العرف يقضي دخول ما عليه، وان كانت اللغة تقتضي عدم دخول شئ اصلا، لعدم صدق العبد على ما عليه لغة اصلا، وانما باع العبد، وذلك جار في غير الساتر ايضا. وكذا البحث في عذار الدابة (1) ومقودها ويدخل نعلها، لانه كالجزء. وإذا خلع الثياب من العبد وجرده وباعه لم يدخل الثياب قطعا، والعرف في العبد غير بعيد، بخلاف الدابة فانها يباع من غير عذار ومقود والاصل عدم

(1) وعذار اللحية جانباها يتصل اعلاها بالصدع واسفلها بالعارض، استعير من عذر الدابة، وهو ما على خديها من اللجام (مجمع البحرين لغة عذر)

[ 499 ]

[ الخامس: الشجر ويندرج فيه الاغصان والورق والعروق، ويستحق الابقاء مغروسا، ولا يستحق المغرس، بل يستحق منفعته للابقاء. ويدخل في بيع النخل خاصة الثمرة غير المؤبرة. ولو انتقل النخل بغير البيع، أو انتقلت شجرة غيره به أو كانت الثمرة مؤبرة فلا انتقال. ] الدخول حتى يتحقق، فتأمل. قوله: " الخامس الشجر الخ " دليل الدخول ما تقدم، من كون العرف يقضي بالشمول، لان الغصن مطلقا رطبا ويابسا والورق كذلك حتى ورق التوت الذي بمنزلة ثمرته كالجزء، وكذا العروق، وهو ظاهر، الا في ورق التوت فان فيه تأملا. قوله: " ويستحق الابقاء الخ " كان المراد: الشجر الرطب الذي يقضي العادة بانه انما اشتراه للابقاء، لا الذي يقتضي انه للقطع للسقف أو الحطب. وايضا المراد مع خلوه عن قيد بمغرسه وبشرط بقائه وعدمه، والا فالشرط متبع، وحينئذ الظاهر عدم دخول المغرس، لعدم شمول اللفظ له بوجه، ولا يقتضي العرف ايضا ذلك، نعم يقتضي بقائه في ذلك المغرس فقط، وشرائه بان يكون دائما له، لا يستلزم ذلك ايضا، فانه يجوز الانتفاع دائما بالاستحقاق دون الملكية، وما علم من البيع الا ذلك. وبالجملة الاصل دليل قوى، وما يعلم نقل المغرس بمثل بيع الشجر، وكانه لا خلاف عندنا فيه كما يظهر من التذكرة. وحينئذ لو انقلع الشجر ليس للمشتري غرس اخر، ولا التصرف في ذلك المغرس بوجه. قوله: " ويدخل في بيع النخل الخ " إذا بيع النخل، فان كانت مؤبرة ولم يشترط كون الثمرة للمشتري، فهو للبايع، لما تقدم وللاجماع المدعى في التذكرة.

[ 500 ]

[... ] ويدل عليه الاخبار ايضا من العامة (1) والخاصة. مثل قول الصادق عليه السلام: من باع نخلا قد أبره فثمرته للذي قد باع الا ان يشترط المبتاع، ثم قال: ان عليا عليه السلام قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك (2). ومثلها من طريق العامة (3). ومعلوم كونه له مع الشرط عملا به. واما إذا لم يؤبر، فالظاهر انه للمشتري عند علمائنا، لما يظهر من التذكرة وغيرها، الاجماع عليه. ويؤيده مفهوم الاخبار المتقدمة. ولان الغالب انه قبل ان أبر يعد من جزء النخل، فتأمل. فان صح الاجماع فيها، والا فبعد الظهور لا يدخل كما في غير النخل، وفي النخل بالانتقال بغير البيع وبعد التأبير فانه للبايع، واليه اشار بقوله (ولو انتقل النخل بغير البيع الخ) لعدم الدليل، إذ لا حجية في المفهوم المتقدم، وهو ظاهر، وذلك معلوم مما تقدم. وللاخبار الدالة على ان الثمرة في غير النخل بعد الظهور للبايع. قال في التذكرة: لو انتقل بغير البيع النخل، فالثمرة بعد الظهور لمن كان له أو لا مطلقا مؤبرة كانت ام لا، دليله ظاهر مع الاجماع.

(1) لاحظ صحيح البخاري ج 2 كتاب البيوع، باب من باع نخلا قد ابرت أو ارضا مزروعة أو باجارة. وصحيح مسلم ج 3 كتاب البيوع (15) باب من باع نخلا عليها تمرص (1172) الحديث (77) والموطأ ج 2 كتاب البيوع (7) باب ما جاء في تمر المال يباع اصله (617) الحديث (9) وسنن ابن ماجة ج 2 كتاب التجارات ص (745) (31) باب ما جاء فيمن باع نخلا مؤبرا أو عبدا له مال، الحديث (2210). (2) الوسائل ج 12 كتاب التجارة الباب (32) من ابواب احكام العقود، الحديث (3) الا انه اسقط قوله (ثم قال: ان عليا عليه السلام الخ). (3) لفظ الحديث في الصحاح والسنن كما نقلناه انفا هكذا (عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: من اشترى نخلا قد ابرت فثمرتها للبايع الا ان يشترط المبتاع).

[ 501 ]

[ ولو ابر البعض انتقل غيره خاصة. وللبايع ابقاء الثمرة إلى وقت اخذها. ولكل من البايع والمشترى السقى إذا لم يتضرر به صاحبه ولو تقابل الضرران قدمت مصلحة المشتري. ] قوله: " ولو أبر البعض الخ " اي لو أبر بعض النخيلات من بستان دون البعض، وباع الكل، انتقل ثمرة الغير المؤبرة إلى المشتري، لا ثمرة المؤبرة، وجهه ظاهر مما تقدم. واما لو ابر بعض الطلع من نخلة واحدة ثم باعها، فالظاهر انه لم ينتقل إليه شئ، بل الكل للبايع، ذكره في التذكرة، لصدق البيع بعد التأبير المستلزم لكونه للبايع، وللاصل، وعدم العلم بخروجه للاجماع ونحوه قوله: " وللبايع ابقاء الثمرة الخ " اي في كل موضع حكم بكون الثمرة للبايع مع كون الاصل للمشتري، يجوز للبايع ابقاء ثمرته إلى وقت اخذه العرفي. دليله ظاهر، فان كون الثمر له يقتضي ذلك، فان الاصل والقاعدة اقتضى بقاء هذه الثمرة إلى اوانها، ومع ذلك تصدى المشتري للشراء. والظاهر عدم الفرق بين كون المشتري عالما بالمسألة ام لا، لعدم الضرر المنفي. قوله: " ولكل من البايع والمشتري الخ " وذلك ظاهر، لحصول النفع وعدم الضرر على الاخر. وكذا مع عدم النفع اصلا لمن يريد السقي مع عدم ضرر الآخر بوجه. ولكن إذا حصل الضرر لاحدهما بالسقي، وللآخر بعدمه ففيه التأمل، ولا يبعد ترجيح جانب المشتري، لانه اشترى لينتفع (انما اشترى لان ينتفع خ ل) بالمشترى، والظاهر ان البايع قد اقدم على البيع لذلك وان حصل الضرر على نفسه، فتأمل.

[ 502 ]

[ السادس: الثمرة ويستحق المشتري الابقاء إلى القطاف ويرجع فيه إلى العرف ويختلف باختلاف الثمار. ولو استثنى نخلة فله الدخول والخروج ومدى جرائدها من الارض. ] قوله: " السادس الثمرة الخ " في جعل هذا سادس الالفاظ تأمل، لعدم شمولها الاشياء يدخل أو لم يدخل، بل هي من تتمة بحث النقل (النخل خ)، كما ان القرية والد سكرة من توابع الدار بالتقريب والاستطراد، ولهذا جعلها في التذكرة وغيرها كذلك، وزيد على ما عداه القرية والد سكرة، لتتم الستة، والامر في ذلك هين. قوله: " ويستحق المشتري الخ " يعني إذا اشترى الثمرة دون الاصل، بان اشترى الثمرة ولم يدخل فيها الاصل يستحق الابقاء على الشجرة إلى اوان اخذها وان لم يشترط، ويعلم ذلك مما تقدم، وهو ظاهر. والمرجع في وقت القطاف والاخذ، هو العرف المعلوم في كل فاكهة وثمرة وغيرهما. ودليله ثبوت الرجوع إليه مع عدم الشرع والرجوع إلى اوان كل شئ إلى العرف فيه، فما يؤخذ بسرا يؤخذ كذلك، وكذا رطبا وتمرا وقصبا وغير ذلك، وهو ظاهر. قوله: " ولو استثنى نخلة الخ " يعني لو باع بستانا مثلا واستثنى نخلة، وكذا إذا اشترى نخلة معينة فله الدخول والخروج والتردد إلى تلك النخلة من غير اذن المشتري وصاحب البستان، مع انه ما يدخل فيه ليس ملكه، لان ذلك مقتضى الاستثناء والشراء، فكأنه استثناها أو اشتراها وشرط على المانع التردد إلى تلك النخلة لاصلاحها واخذ ثمرتها وذلك مقتضى العرف وانه مثل استحقاق صاحب الثمرة على النخلة مع انتقالها عن ملكه.

[ 503 ]

[ وكلما قلنا بعدم دخوله فانه يدخل في الشرط، المطلب الخامس: في التسليم يجب على المتبايعين دفع العوضين من غير اولوية تقديم، مع اقتضاء العقد التعجيل، ولو اقتضى تأخير احدهما وجب على الاخر دفع المعجل. ] ولكن ينبغي ان لا يكون ذلك الا لمصلحة النخلة المتعارفة لا غير اقتصارا على العرفي فيما دليله العرف. وكذا له (مدى جرائدها) اي مقدار ما يطول ويذهب في الارض من اغصان تلك الشجرة. وكذا عروقها، فليس للمالك منعه وقطع الاغصان أو العرق، أو شغل تلك الارض بما يمنع ذلك ويضر. وكذا موضع جمع ثمرة النخلة وغيرها من مصالحها، فان ذلك كله استحق صاحب النخلة، لا بمعنى انه يملك الارض، بل ليس له الملك الا النخلة. وهذه كلها يستحق الانتفاع بها في مصالحها، حتى ان الظاهر ان ليس له الجلوس في تلك الارض تحتها والتردد إليها عبثا ومن غير مصلحتها، اقتصارا على ما يستحقه عرفا للمصلحة التي للنخلة، لا غير، فلو قطع النخلة يبطل الاستحقاق بالكلية، وهو ظاهر مما تقدم. قوله: " وكلما قلنا الخ " اي كلما قلنا بعدم دخوله في بيع شئ من الارض في الشجر، يدخل إذا قيد في العقد، بحيث يعلم كونه مبيعا، وهو ظاهر ومجمع عليه. واعلم ان الذي يفهم من البحوث، والنزاع في دخول شئ وعدمه، وجواز البيع مع ذلك مطلقا يدل على عدم الاحتياج إلى العلم التام بالعوضين، وهو ظاهر فافهمه. قوله: " المقصد الخامس في التسليم الخ " اعلم ان الاكثر هكذا قالوا:

[ 504 ]

[... ] وحاصله: انه انما يجب عليهما معا الدفع، أو بعد أخذ العوض، ويجوز لكل المنع حتى يقبض. وكانهم نظروا إلى ان البيع معاوضة محضة، ولا يجب على كل منهما الدفع الا لعوض مال الآخر، فما لم يأخذ ذا العوض، لا يجب اعطاء العوض. والمسألة مشكلة كسائرها، لعدم النص. وثبوت الانتقال بالعقد، يقتضي وجوب الدفع على كل واحد منهما عند طلب الآخر وعدم جواز الحبس حتى يقتص (يقبض خ) حقه، وجواز الاخذ لكل حقه من غير اذن الآخر ان امكن له على اي وجه كان، لان ذلك هو مقتضى الملك. ومنع احدهما حق الآخر وظلمه، لا يستلزم جواز الظلم للآخر، ومنعه من حقه. فيجبرهما الحاكم معا على ذلك ان امتنعا، فيعطى من يد ويأخذ من آخر، أو يقبض لاحدهما ويأمره بالاعطاء. هذا كله مع اقتضاء العقد التعجيل والحلول، سواء شرط أو اطلق، فانه المقتضى لما عرفت، فلو كان احدهما حالا والآخر مؤجلا، اختص بالوجوب صاحب الحال، وللآخر الصبر إلى الحلول، فيجب عليه أيضا حينئذ كالحال. ولكن نقل عن الشيخ في التذكرة: جبر البايع أولا، وقال: هذا رابع وجوه الشافعي. كأن وجهه: ان العرف يقتضي ان البايع أحوج إلى المعاملة، فهو احق بالدفع اولا، وانه المتداول بين التجار فانه ما لم يسلم المبيع لم يطلب الثمن، بل يعاب على ذلك. ولما كان اكثر الامور مبنيا على عرف الناس والعادة فليس ذلك ببعيد (يبعد) كثيرا. وحينئذ لا يجب الاعطاء والدفع اولا الا عليه، لا على المشتري. الا انه ذكر في التذكرة في هذا المقام اكثر من مرتين: ان للبايع حق الحبس مع تعجيل الثمن، وليس له ذلك في المؤجل، ولا في المعجل بعد نقد الثمن.

[ 505 ]

[ والقبض في المنقول، القبض باليد، وفي الحيوان الانتقال به، وفي المكيل الكيل، وفي الموزون الوزن وفي نحو الارض التخلية. ] وهذا يقتضي عدم وجوب الدفع اولا عليه، بل له الحبس. والظاهر أن للمشتري أيضا ذلك، ويؤيده الاصل، وان الرضا بالبيع انما حصل للانتفاع بالعوض وأخذه، لا مجرد تملكه، وان امتنع صاحبه، فكأن العقد وقع بشرط عدم المنع، فيجوز له المنع. ويؤيده ما ذكروه في النكاح: من جواز امتناع الزوجة حتى يقبض مهرها مع الحلول فجاء الاشكال، الله يرفعه. قوله: " والقبض في المنقول الخ " هذا اشد اشكالا، لعدم النص، والخلاف الكثير، مع عدم ظهور العرف الذي هو مرجع الامور، مع عدم الشرع، على انه مما يعم به البلوى، لانه ذو فروع كثيرة، لما يعلم من التذكرة وغيرها، ومبنى كلى لأحكام كثيرة مثل الوصية والهبة والرهن. فان للقبض فيها دخلا، اما شرطا للصحة، أو اللزوم، والبيع باعتبار جواز البيع قبله ام لا، وسقوط الضمان من المالك وعدمه، وجواز فسخ البايع مع تأخير الثمن وعدم قبض المبيع بعد ثلاثة ايام وغير ذلك، فان للقبض فيها دخلا. والذي يقتضيه النظر: رجوع امثاله إلى العرف، إذ لا شرع هنا على ما نعرف. وحينئذ لا فرق بين المنقول وغيره، والمكيل وغيره في كون المرجع فيها إلى العرف، الا ان العرف فيها يكون مختلفا وغير ظاهر. ولهذا اختار البعض التخلية مطلقا. قيل: المراد بها حيث تعتبر رفع المانع للمشتري من قبل البايع ان كان والاذن فيه، ولا يختص بلفظ، بل كل ما دل عليه كاف، وقد لا يكفي اللفظ الصريح، لوجود المانع منه. الظاهر ان يقال: المراد اظهار عدم المنع بوجه ما، مع عدم المانع. وعلى التقديرين قد يتحقق في بيع المنقولات إذا كانت في بيت المالك

[ 506 ]

[... ] وليس يقبض، فانه بمجرد ذلك مع كونه في بيت المالك انه قبضه وسلمه. ولرواية عقبة بن خالد المتقدمة قال عليه السلام: من مال صاحب المال حتى يقبض المال ويخرجه من بيته (1). ولا يضر عدم صحة سندها (2) ولا القول بظاهرها، ظاهرا. إذ الظاهر عدم اعتبار الاخراج عن بيت المالك اتفاقا. لانه مؤيد، على انها الدليل على كون التلف قبل القبض من مال البايع. نعم لا يمكن جعلها حجة على من اعتبر التخلية مطلقا، أو في سقوط الضمان فقط كما فعله في شرح الشرايع لعدم الصحة وعدم القول. وأيضا لما قلنا رجوع الامر إلى العرف، فعلم (علم) عدم كونه بالكيل والوزن في المكيل والموزون، ولا العدد في المعدود. والاول موجود في اكثر العبارات، والحق به الأخير الشهيد في الدروس، وهو بعيد، لعدم الدليل، إذ لا يقال عرفا على ذلك فقط القبض. وأيضا يلزم ان لو اشترى شيئا بخبر المالك بالكيل، بل مع علم المشتري به أيضا، ثم تصرف فيه بالطحن والعجن والخبر والاكل، لم يكن قابضا له، مع كون كل ذلك باذن المالك. على انهم صرحوا بان اتلاف المشتري قبض، فتأمل. وأيضا لا يكون تسليمه إلى المستحق بعد ان كان مكيلا عند الشراء وغيره الا بكيل آخر، إذ لا شك ان التسليم لابد له من التسلم وما تسلمه بالكيل، والظاهر خلاف ذلك كله.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة الباب (10) من ابواب الخيار، الحديث (1). (2) سند الحديث كما في الفروع (محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن هلال عن عقبة بن خالد).

[ 507 ]

[... ] وأيضا يلزم ان يجب على البايع الكيل للقبض مرة اخرى بعد ما كاله للبيع، لان القبض واجب عليه، مع انه قد لا يقبله المشتري، فلا يتحقق. ولانه لا دليل على اخراجهما عن القاعدة إلا ما روى في صحيحة معاوية بن وهب (المتقدمة في جواز البيع قبل القبض) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبيع المبيع قبل ان يقبضه فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه الا ان توليه الذي قام عليه (1). وقد جعلت هذه مع المتقدمة حجة على من يعتبر التخلية مطلقا، والاولى حجة على من اعتبر الكيل والوزن فيهما وذكرها مرتين. وانت قد عرفت المتقدمة، وهذه ما افهم دلالتها، لان ظاهرها ان البيع قبل القبض لا يجوز حتى يكيل أو يزن وذلك لا يدل على كون القبض ذلك، وهو ظاهر، ولا يدل على ذلك بضم السؤال، إذ يصح جواب السائل، هل يجوز قبل القبض؟ بانه لا يجوز بدون الكيل، يعني لابد من الكيل الذي القبض حاصل في ضمنه، أي لابد من القبض وشئ آخر. لا يقال: قد نقل في التذكرة لاتمام الاستدلال بهذه: ان الاجماع عندنا حاصل على منع جواز بيع الطعام قبل القبض، فلو لم يكن الكيل المطلوب هو القبض ويتحقق القبض بدونه لم يكن لقوله (حتى يكيله) معنى. (لانا نقول): على تقدير تحقق الاجماع، معناه الجواز بعد القبض. مع باقي الشرايط، والكيل من جملته، لا أن كيله هو القبض. وقد علم بذلك انها لا تدل على كون القبض المعتبر في بيع الطعام ايضا ذلك، وان لم يكن في نقل الضمان، كما هو مذهب الدروس على ما قاله في شرح

(1) الوسائل ج 12 كتاب التجارة، الباب (16) من ابواب احكام العقود، الحديث (11) وفي التهذيب والوسائل (البيع).

[ 508 ]

[... ] الشرايع، فيمكن ان يكون القبض في الطعام ايضا بالنقل أو غيره لاسقاط لضمان كما هو مذهب البعض، مع عدم جواز البيع الا كيلا أو وزنا، لان الظاهر انه مذهب لمختلف وغيره، فليس ذلك احداث قول كما يفهم من شرح الشرايع، حيث رجع عن كونها حجة وكونها صريحة في كون القبض بالكيل أو الوزن في الطعام، وقال: التحقيق ان الخبر (1) دل على النهي، عن البيع قبلهما، لا أن القبض لا يتحقق بدونهما، فلو قيل بالاكتفاء في نقل الضمان فيهما بالنقل امكن، ان لم يكن احداث قول، فتأمل لان الظاهر انه مذهب المختلف وغيره. ثم انه على تقدير القول باعتبارهما في المكيل والموزون، الظاهر انه انما يكون فيما لم يعلم كيله ووزنه، مثل ان اشترى كيلا من صبرة مشتملة عليه، أو باخبار البايع، واما إذا حضر المشترى الكيل فاخذه وحمله إلى بيته، فالظاهر ان لا شك في ان كونه قبضا لاسقاط الضمان، ولا في جواز البيع، لما تقدم من لزوم المحذورات عن قريب، مثل تكلف البايع بالكيل مرة بعد اخرى للاقباض، على انه قد لا ياخذه المشترى، فلا يقع، وغير ذلك، وللاصل، ولعدم الفائدة، لانه تحصيل للحاصل، ولدلالة رواية معاوية المتقدمة حيث قال: (ما لم يكن كيل (أو وزن) فانه كالصريح في ان الاحتياج انما يكون مع عدم الكيل، لا معه. غاية الامر انه حينئذ يلزم ان يكون اشتراه بغير كيل ولا وزن، فان ثبت عدم جواز ذلك بالدليل، يقيد به، ولكن ما ثبت ولا اجماع، لانه نقل في شرح الشرايع عن بعض الاصحاب جواز بيع المكيل والموزون مع المشاهدة بغيرهما، وعن ابن الجنيد بيع الصبرة مع المشاهدة من غير كيل، وقد علمت من قبل عدم النص في ذلك الا حديث واحد (2)، مع عدم ظهور الدلالة.

(1) هكذا في جميع النسخ التي عندنا، ولكن في المسالك هكذا (والتحقيق ان الخبر الصحيح دل على النهى عن بيع المكيل والموزون قبل اعتباره بهما له، لا على ان القبض لا يتحقق الخ). (2) وهو خبر معاوية بن عمار المتقدم آنفا.

[ 509 ]

[... ] وما يدل على عدم الجواز قبل القبض الا مع الكيل أو الوزن مثل هذه في غير التولية، وذلك غير كاف، وقد قدمنا الاشارة إليه وقلنا لا يلزم ذلك، إذ قد يكون اشتراه بخبر البايع، أو كيلا من صبرة كما مر. ثم انه لما اراد البيع ولم يمكنه الخبر لعدم العلم، فلا بد من الكيل أو الوزن. ويؤيده خبر محمد بن حمران الدال على ان شرائه بالخبر يجوز، ولا يجوز بيعه الا بالكيل لا بالخبر وقد تقدم (1). وحينئذ يكون معنى قوله عليه السلام (الا ان توليه الذي قام عليه) (2) الا ان تسلطه وتبيعه من شخص حضر على كيله ووزنه، أو يلتزم ان بيع التولية يكفي فيه ذلك الذي وقع اولا، أو يقال: لا يحتاج اليهما اصلا، ولابد لنفي ذلك مع الاخبار الصحيحة من دليل، أو يكون مخصوصا بما لم يقبض، فدلت على ان المكيل الغير المقبوض لابد في بيعه من المكيل. فقد علم وسبق ايضا انها لا تدل على وجوب الكيل والوزن فيهما مرة اخرى للقبض، فتأمل وتذكر. فكون وجوب الكيل مرة اخرى للقبض مع تحققه اولا عند الشراء - كما نقل في شرح الشرايع التصريح به عن العلامة والدروس وجماعة، وقواه - ليس بقوى لما تقدم من المحذورات. والرواية التي هي الحجة كالصريحة في ذلك، ولا دلالة في قوله (الا ان توليه الذي قام عليه) لان مقتضى قوله عليه السلام (الا ان توليه) انه لا يحتاج

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 5 من ابواب عقد البيع وشروطه، الحديث 4 ولفظ الحديث (عن محمد بن حمران قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله فصدقناه واخذناه بكيله، فقال: لا باس، فقلت: أيجوز ان ابيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال: لا، اما انت فلا تبعه حتى تكيله). (2) اي في صحيحة معاوية المتقدمة.

[ 510 ]

[... ] حينئذ إلى كيل ووزن، فلو لم يكن الكيل المذكور المحتاج إليه، للقبض والبيع ثانيا، بل يكون كيل واحد كافيا، وذلك منفي عن التولية، يلزم جواز بيع التولية من غير كيل، وذلك غير جائز كما قاله في شرح الشرايع، لما قد عرفت معنى الرواية. وايضا نقل فيه عن التذكرة: الاكتفاء بالخبر الذي حصل من البايع بالكيل الاول ايضا، فلا يحتاج مرة اخرى مع الحضور. ثم ان ظاهر كلامه انه لابد للقبض فيهما الكيل والوزن مرة اخرى مطلقا. والظاهر ان مراد العلامة والدروس والجماعة الاحتياج اليهما فيهما مرة ثانية للبيع الثاني، لا لتحقق مطلق القبض حتى في اسقاط الضمان وفي جميع ما يعتبر فيه ذلك، فان ذلك بعيد جدا لما اشرنا إليه. قال في الدروس: بعد ان قال: ولا باس بالقول بالتخلية مطلقا في نقل الضمان لا في عدم التحريم والكراهة (1)، ولا يكفي الاعتبار الاول عن الاعتبار للقبض. وهذه العبارة غير صريحة في اعتبارهما مرة ثانية في جميع الامور، ولو كان الاعتبار بحضور المشتري للقبض فيمكن حملها على ما ذكرناه من الاحتياج إليه عند القائل به إذا لم يحضر المشتري الاعتبار الاول. وما رايت تصريح العلامة وجماعة، فيمكن هو مرادهم ايضا، ولهذا نقل عن التذكرة عدم الاحتياج في صورة عدم الحضور ايضا، بانه ان اشترى بالخبر يجوز البيع بالخبر، فيبعد حينئذ التصريح باعتباره ثانيا مع حضور الاعتبار الاول في كل شئ. ولكن رأيت في حاشيته (حاشية خ): فلو كان قد وزن قبل البيع وجب ان

(1) اي في تحريم البيع قبل القبض على القول به أو الكراهة.

[ 511 ]

[... ] يزنه مرة اخرى للقبض (سماع) (1). وبالجملة المعتبر هو العرف مطلقا. ولا يبعد عدم النزاع في الاكتفاء بالتخلية فيما لا ينقل، خصوصا في سقوط الضمان مثل الاراضي والعقارات. ويمكن دعوى العرف ايضا في ذلك. ويؤيده الاصل، وانه قد يكون المشتري بعيدا، فتكليفه بالذهاب إليها وبوضع اليد عليها بعيد، مع ان وضع اليد على الكل متعسر، بل متعذر، وكون البعض كافيا وقبضا عرفا، غير ظاهر، ولا يمكن غير الوضع. والظاهر حينئذ انه لا يحتاج إلى مضى زمان يمكن الوصول إليه. ويؤيده انه قد يوصى ويوهب بمثل الاراضي في بلد بعيد، والقول بعدم حصول الملك الا بعد الوصول هناك ووضع اليد، أو مضى الزمان بعيد، والاصل بنفيه، وعدم دليل على اشتراط القبض في سقوط الضمان خصوصا على مثل الاراضي، إذ ما رأيت شيئا الا رواية عقبة بن خالد المتقدمة وقد عرفت حالها مع انها في غير الارض. ودعوى عدم الخلاف عندنا في التذكرة، في ان التلف قبل القبض على البايع. ومعلوم الخلاف وعدم الاجماع على انه لابد هناك من وضع اليد، أو مضى الزمان للخلاف المقرر. ولا يبعد الاكتفاء في الامور البعيدة مطلقا بالتخلية في سقوط الضمان للاصل، وما مر. واما في غير سقوط الضمان - مما له دليل على اعتبار القبض في تملكه أو لزومه، ولو كان بعيدا مع تأييده بالاصل - فمشكل.

(1) في جميع النسخ هنا كلمة (سماع).

[ 512 ]

[... ] ثم ان الظاهر في غيرها، لا يبعد القول بالاكتفاء بوضع اليد والقبض بها وهو راجع إلى مذهب المختلف، حيث اعتبر القبض باليد، أو النقل به، أو الكيل أو الوزن المستلزمين له مطلقا لان الظاهر انه إذا اخذ المبيع وان كان مكيلا يقال انه قبضه عرفا ولغة. والظاهر انه لا نزاع في ذلك في غير المكيل والموزون والحيوان، فبقى التأمل في التحقق بالنسبة اليهما، وحيث علمت عدم النقل في الاولين، فالظاهر انه ما بقى فيهما ايضا الاشكال، كما يفهم من كلامهم ايضا، لان المفهوم ان سبب القول به - مع انه خارج عن العرف - هو النص، وهو رواية معاوية وقد عرفت عدم دلالتها كما يدل عليه شرح الشرايع وغيره. والظاهر عدم نص في الحيوان ايضا، وانه إذا ركبه من غير ان ينقله ويذهب به، يقال انه قبضه عرفا من غير شك، وكذا الحمل، فعلم عدم انحصار قبضه في النقل به وعدم اعتباره فقط، وحيث علم ان ليس هنا شئ اخر، فينبغي القول بوضع اليد فيه ايضا، والعرف غير بعيد عن ذلك. ولكن ينبغي ان يكون ذلك بقصد التملك وانه ملكه، لا سهوا، ولا لغرض الامتحان ونحوه. ويؤيده ما تقدم في بيان ما يوجب سقوط الخيار، فانه يقال: المس تصرف، وهو قريب من القبض، هذا، فتأمل. ثم ان الظاهر ان القبض والتسليم الذي يجب على البايع مثلا، ليس هو النقل الذي هو فعل المشتري ولا وضع اليد والقبض بها، لان ذلك فعل المشتري، ولا معنى لايجابه على الغير. ولان الظاهر انه لا يجب عليه ان يجئ ويأخذ يد المشتري ويضعها على المبيع.

[ 513 ]

[... ] وكذا الظاهر عدم ايجاب كيل عليه ان باعه مكيلا بحضوره وعلمه، فالظاهر ان ليس عليه الا التخلية، اي رفع يده والاذن في القبض مع عدم المانع، بحيث يسهل على المشتري قبضه بسرعة عرفا، فلا يبعد كونها هي المعتبرة بسقوط الضمان مطلقا من جانبه، والظاهر انه المعقول، ولا ينبغي النزاع في ذلك كما في سائر الحقوق، فانهم صرحوا بان الغاصب إذا وضع المغصوب عند المالك بحيث يسهل عليه تناوله تبرأ ذمته، وكذا في الديون وغيرها، بل صرحوا في هذا المقام ايضا، ان لو جعل المبيع إليه ومكنه منه، ولا يأخذه المشتري لا ضمان عليه. فبعد ذلك كله لا معنى للنزاع في ان التخلية تكفي للقبض الذي هو مسقط للضمان وانتقاله ام لا. وكانه لذلك قال في الدروس: انه التخلية لسقوط الضمان مطلقا من جانب البايع. واما لغيره فالظاهر عدم الفرق ايضا بين الكل في ان المراد هو العرفي، وكانه يتحقق بما مر من القبض باليد مطلقا ولما بين ان قبض البايع لسقوط الضمان عنه في الشرع لا يكون الا بالتخلية، قلنا فيه بها، ولا يدل رواية عقبة على عدم اعتبارها لما مر، فتذكر، الله يعلم. فروع (الاول): لو كان المبيع بيد المشتري، فالظاهر انه لا يحتاج إلى تجديد القبض والاذن مطلقا ولا مضى الزمان، لوجود القبض الذي هو المسقط، والموجب لجواز البيع وغيره، كما قيل ذلك في الهبة المقبوضة. والتفصيل بما إذا كان القبض مشروعا، وعدمه - فانه لابد حينئذ لرفع التحريم والكراهة ويحتمل لرفع الضمان ايضا - ليس بواضح.

[ 514 ]

[... ] (الثاني): قيل: ان القبض المعتبر يكفى لاسقاط الضمان، وان كان مشغولا بامتعة المالك، مثل الصندوق فيه المتاع، والبيت الذي فيه الامتعة، ويكون مكلفا بان يفرغه. ويحتمل العدم، وجواز الامتناع لقبضه، لعدم الفراغ، وعدم حصول الفائدة المطلوبة من شرائه، نعم لو رضى مع ذلك وقبض، الحصول غير بعيد. (الثالث): الظاهر جواز قبض المشترك إذا كان تخليته من غير اذن الشريك، لعدم التصرف الممنوع الا باذن المالك، بل اعطاء تسلطه له للمشتري، ولان الناس مسلطون على اموالهم. واما فيما يحتاج إلى التصرف مثل النقل والقبض، فالظاهر طلب الاذن، فانه تصرف في مال الغير، ولا ينبغي من غير اذن صاحبه. والظاهر ان ليس له الامتناع، فيجبره الحاكم، أو يسقط اعتباره. ويمكن ذلك في الغائب. نعم لا ينبغي ان يفعل ذلك بغير اذن الحاكم، مع عدم الوكيل، الا ان يكون فيه ضرر، فيقسم ان قبل القسمة، والا فيصلح الحاكم بينهما ببيع الكل ونحوه على تقدير اعتبار النقل. (الرابع): الظاهر عدم الفرق بين النقل باذن المالك وعدمه في سقوط الضمان وحصول القبض مع اثره، لحصوله كالوضع والقبض والكيل، ولا بين كونه في ارض يختص بالمالك وعدمه، لحصول ما هو شرط، وهو القبض، للصدق على الجميع، والاصل عدم اعتبار شئ اخر حتى يثبت. وقد فرق في شرح الشرايع، بانه ان كان فيما لا يختص بالبايع يكفي نقله من حيز إلى اخر، وان كان فيما يختص به، فان كان باذنه فهو كاف، والا فهو كاف لسقوط الضمان لاغير، إذ لا يشترط سقوطه بالقبض بالاذن، فانه لو قبض بغير اذنه

[ 515 ]

[... ] يسقط (لسقط خ ل). (الخامس): لو اشترى الارض التي فيها الحيوان المشترى، فيحتمل القبض الجديد بالنقل على تقديره، ويحتمل الاكتفاء بالتخلية الكافية في قبض الارض، ولعل الاول اظهر، لعموم اعتبار النقل مثلا، وليس بمقبوض قبل البيع (السادس): انه لو كان يحتاج إلى النقل، مع القول به، يمكن ان لا يكفى كونه مقبوضا بل يحتاج إلى النقل وهو الظاهر. الحق في الدروس المعدود بالمكيل والموزون، فاعتبر العد فيه. وهو غير واضح الطريق، وان قلنا انه يشترط في بيعه العد، وهو ظاهر، لعدم الدليل وبطلان القياس وهو اعرف. واكتفى فيه ايضا بالنقل في المكيل والموزون والمعدود، ولا باس به كما عرفت. وقال في شرح الشرايع: والخبر الصحيح حجة عليه (1)، وقد عرفت عدمها، ولهذا قال هو ايضا بعد اسطر والتحقيق: ان الخبر الصحيح دل على النهي عن بيع المكيل والموزون قبل اعتباره بهما له، لا على ان القبض لا يتحقق بدونهما، إلى (ان قال) وحينئذ لو قيل بالاكتفاء في نقل الضمان فيهما، بالنقل - عملا بمقتضى العرف والخبر الآخر وبتوقف البيع ثانيا على الكيل والوزن - امكن، ان لم يكن احداث قول. هذا رجوع بعد ان بالغ مرارا في كون الخبر حجة على كون اعتبار الكيل والوزن فيهما، وحجة على من يقول بالاكتفاء بالتخلية مطلقا، أو في اسقاط الضمان، والرجوع جيد، إذ قد عرفت عدم الدلالة مرارا، وانه ليس باحداث، بل

(1) وهو صحيحة معاوية بن عمار.

[ 516 ]

[ وكل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال البايع. ] هو قول ابن ادريس، بل قول سائر من يقول بالنقل، بل قول من يقول به وبالوضع والكيل كما نقل عن المختلف، حيث قال - بعد نقله عن الدروس، الاكتفاء في المكيل والموزون والمعدود بالنقل - انه قريب من مختار العلامة في المختلف، فانه اكتفى فيه باحد امور ثلاثة، النقل والقبض باليد، والاعتبار بالكيل أو الوزن. وان كان فيه تأمل. فتأمل لانهم إذا قالوا بحصول القبض بالنقل - مع انهم قد صرحوا في محله: بوجوب الكيل، واشتراط البيع بالكيل إذا اراد بيعه مثلا، لازالة الكراهة أو التحريم - فهو هذا القول بعينه. والظاهر ان لا خلاف عندهم في ان الكيل مثلا معتبر حينئذ، ولا يكفى مجرد النقل، فليس باحداث قول، وهو ظاهر. على انك قد عرفت عدم الدلالة على النهي عن مطلق بيع المكيل والموزون قبل اعتبارهما فتذكر. ثم اعلم ان ظاهر المتن: ان حكم المشتري حكم البايع فيما سلف وتسليم الثمن وقبضه، وان الموزون ليس مثل المكيل بل يكفي فيه النقل كالمعدود، الا ان يقال: تركه لظهور ان حكمه حكم المكيل، لعدم القائل بالفرق، والظاهر ان ليس المعدود مثلهما، لما تقدم. قوله: " وكل مبيع تلف الخ " قد مرت هذه المسألة، كانه اعادها لبعض الفروعات، وقد مر ما دل عليها ايضا. وانه لا دليل سوى رواية عقبة، ودعوى عدم الخلاف عند علمائنا في ذلك، على ان الاصل عدم الضمان على البايع بعد انتقال المال عنه الا بالتفريط، ولو كان بمنعه المالك. ويمكن حمل الرواية مع ما فيها، عليه، وكذا الاجماع لو كان. فيمكن ان يكون التلف عن المشتري، الا ان طلبه المشتري وما سلمه البايع كما نقل عن مالك واحمد واسحاق ذلك في التذكرة لقوله صلى الله عليه

[ 517 ]

[... ] وآله: الخراج بالضمان والنماء للمشتري، فضمانه يكون عليه، لخراج الغلة. واجاب عن الرواية بانه يأول بالضمان الخراج (1)، فافهم. فلو تلف المبيع قبل القبض قال في التذكرة: انفسخ البيع (العقد - تذكرة)، وكان المبيع تالفا على ملك البايع، فيرد الثمن على المشتري ان اخذه، والا فلا يطالبه، فمؤنة تجهيزه لو كان عبدا، على البايع. وهل بتقدير انه ينتقل الملك إلى البايع قبل التلف، أو يبطل العقد من اصله، فيه احتمال، واضح وجهي الشافعي الاول، فالزوايد الحادثة في يد البايع كالولد والثمرة والكسب للمشتري، وعلى الثاني للبايع. اتلاف البايع كتلفه. نقله في التذكرة عن الشيخ (2). ولى فيه تأمل: لانه قد تقرر ان الملك للمشتري، فينبغي ان يكون التلف منه، لما مر. فان لم يكن كذلك لما مر من عدم الخلاف والرواية، فينبغي ان يكون

(1) قال في التذكرة ج 1 في احكام القبض ص 473 وقال ابو حنيفة: كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من ضمان البايع الا العقار، وقال المالك: إذا هلك البيع قبل القبض لا يبطل البيع ويكون البيع من ضمان المشتري الا ان يطالبه به فلا يسلمه فيجب عليه قيمته للمشتري، وبه قال: احمد واسحاق، لقوله عليه السلام الخراج بالضمان ونمائه للمشتري فضمانه عليه، ولانه من ضمانه بعد القبض وكذا قبله كالميراث، ولا حجة في الخبر لانه لم يقل الضمان بالخراج والخراج الغلة، والميراث لا يراعى فيه القبض فهنا يراعى، فانه يراعى في الدراهم والدنانير بخلاف الميراث فيهما، وهذا مذهب مالك وهو اختيار احمد. (2) قال في التذكرة ج 1 في احكام القبض ص 474 مسألة إذا تلف المبيع قبل القبض، فان تلف بآفة سماوية فهو من مال البايع على ما تقدم، فان اتلفه المشتري فهو قبض منه، لانه اتلف ملكه فكان كالمغصوب إذا اتلفه المالك في يد الغاصب تبرأ من الضمان وبه قال الشافعي وله وجه انه ليس بقبض، ولكن عليه القيمة للبايع ويسترد الثمن ويكون التلف من ضمان البايع، وان اتلفه البايع قال الشيخ: ينفسح البيع وحكمه حكم ما لو تلف بامر سماوي لامتناع التسليم، وهو اصح وجهي الشافعية الخ.

[ 518 ]

[... ] التلف من ملك المشتري، للاستصحاب واصل عدم رجوعه إلى ملك البايع، وعدم الفسخ من الرأس أو الان، وبقاء البيع، وحينئذ لما تعذر التسليم ينبغي ان يكون على البايع المثل أو القيمة، ويكون الثمن له، والمبيع يكون تالفا في ملك المشتري مضمونا على البايع، ويكون النماء له إلى حين التلف، ومؤنة التجهيز عليه. ويؤيده انه كما ان النفع له يكون الضرر ايضا عليه. وايضا ما قيل في التذكرة وغيرها: انه لو اتلفه اجنبي، فالمشتري مخير بين فسخ العقد لتعذر التسليم وبين ابقائه واخذ القيمة أو المثل من المتلف. وايضا انهم قالوا: ان اتلاف المشتري قبض له. وايضا عدم حصول العلم بالانتقال إلى ملك البايع، وانه كان إلى زمان التلف محكوما بانه ملك المشتري، فالانتقال إليه قبل التلف يحتاج إلى ناقل، وليس، فلا انتقال، والابطال والتلف المتأخر لا يمكن ان يكون سببا للانتقال، وكذا كونه سببا للانفساخ من الرأس، إذ لابد من سبب له ومن ناقل إلى ملك البايع، والتلف لا يصلح لذلك، ولا ما يقاربه، وكشف ذلك بالموت، يحتاج إلى ناقل غير الكاشف، وهو ان كان موجودا قبل التلف، فيكون الانتقال معلوما قبله، وان كان يوجد حين التلف، فلا سبب. ويبعد ان يقال: ان السبب كان غير التلف ولا ما يقاربه، بل امر اخر موجود حين البيع، أو بعده قبل التلف، وما حصل العلم به الا بعد الموت. إذ شرايط صحة العقد وبطلانه وابطاله محصورة عندهم فتأمل وهم اعلم، ولا يضرك ما قلنا. ثم ان الظاهر عدم الفرق بين المبيع والثمن، فحكم الثمن المعين حكم المثمن المعين، فلو تلف عند المشتري قبل القبض حكمه حكم المبيع، وان الاكثر سكتوا عنه، إذ معلوم ان ذلك الحكم في المثمن المعين، ولا يجرى في المثمن الذي في الذمة،

[ 519 ]

[ وكذا ان نقصت قيمته بحدث فيه. ] وان عينه البايع عند نفسه، فان العقد حينئذ يبقى على حاله ويطالب بالبدل. ولما كان الغالب ان يكون المبيع معينا والثمن في الذمة، مثل ان يقال: بعتك هذه بعشرة دراهم، مع ظهور الاشتراك في الحكم، خص ذلك بالذكر. قوله: " وكذا ان نقصت الخ " يعني لو نقصت قيمة المبيع عند البايع قبل قبضه بافة. ويمكن كون اتلافه كذلك، فالضمان على البايع مثل الكل. فلو تعيب بعيب يرد به، ثبت له الخيار بين الرد واخذ الثمن، وبين الامساك واخذ الارض، وقيل: من غير ارش، ولعل الاول اقوى كما قيل في التذكرة وغيرها، لان ضمان الكل يستلزم ضمان البعض بالطريق الاولى. وفيه تأمل، لان هناك يبطل البيع وينتقل المال إلى البايع، بخلاف ما هنا على ما قالوه. ولعله لا يؤثر ذلك في الضمان، لان العيب بمنزلة ابطال البيع في قبض (بعض خ) المبيع وانتقاله إليه قبله مثل الكل. والظاهر عدم الفرق بين حدوث عيب ونقص شئ، وجزء له قسط من الثمن، مع عدم صحة ايقاع العقد عليه، مثل يد عبد ورجليه. واما فوت الجزء الذي له قسط منه ويصح العقد عليه كموت عبد من عبدين، فالظاهر انه يبطل في الميت، فيقسط، ويسترد قيمته مثل ما قيل في امثاله. وفي الاخر يثبت الخيار للمشتري بين الفسخ واخذ الثمن، والرضا به بقيمته، من غير شئ اخر، لتبعيض الصفقة، ولعله يفهم عدم الخلاف عندنا عن التذكرة، ويمكن ثبوته للبايع ايضا، لذلك، وعدمه لان التلف في يده، كالاتلاف على نفسه، فتأمل. وكذا الكلام في الثمن، وهو ظاهر.

[ 520 ]

[ والنماء قبل القبض للمشتري، فان تلف الاصل رجع بالنماء والثمن. ولو باع القابض ما قبضه وتلف الاخر قبله، بطل الاول دون الثاني، فيلزم بايعه المثل أو القيمة ] واعلم ان التشبيه (1) بين الكل والجزء في لزوم العوض فقط. قوله: " والنماء قبل القبض الخ " قد مر انه بعد العقد يكون المبيع للمشتري والثمن للبايع، فنماء كل منهما لمن انتقل إليه، فلو تلف الثمن اخذ البايع المبيع مع نماء الثمن المعين، ان كان، ولو تلف المبيع اخذ المشتري الثمن مع نماء المبيع، وهو ظاهر. قوله: " ولو باع القابض الخ " اي لو تبايع اثنان بعينين، وقبض احدهما ما انتقل إليه بالعقد، وما قبض الاخر عوضه، ثم باع الذي قبضه مقبوضه، فتلف بعد البيع الثاني وقبل القبض، ذلك الغير المقبوض، صح البيع الثاني وبطل الاول، فلما صح الثاني فليس لغير القابض شئ على المشتري الثاني، لانه قبض عوض ماله، ولما بطل الاول فله عين ماله الذي باعه القابض، ولما حكم بصحة العقد تعذر ارجاعه، فوجب على القابض المثل أو القيمة له. دليل البطلان: ما تقدم، أن التلف قبل القبض مبطل. ودليل صحة الثاني: وجود العقد مع الشرائط، ولانه باع ما يملك، وبطلان العقد السابق المتأخر عن البيع الصحيح لا يبطله. وفيه تأمل. لأن مبنى صحة العقد الثاني على الاول، لانه مبني على كون العوض المبتاع ثانيا ملكا لبايعه، وهو يخرج عن ملكه ببطلان البيع الاول. وهو واضح على احتمال ان البطلان من الرأس، لما مر.

(1) اي في عبارة المصنف في قوله وكذا ان نقصت الخ.

[ 521 ]

[ ولو امتزج المبيع بغيره بحيث لا يتميز، تخير المشتري بين الشركة والفسخ. ولو تلف بعض الجملة وله قسط من الثمن كعبد من عبدين، فللمشترى الفسخ والاخذ بالحصة، ولو لم يكن له قسط كيد العبد تخير بين الرد والاخذ بالارش على رأى. ويجب تسليم المبيع مفرغا، ] واما على احتمال البطلان حين التلف وانتقاله إلى المالك الاول قبله بقليل، فلان البطلان في اي وقت كان في احد الطرفين يستلزم البطلان في الطرف الاخر، ويبعد البطلان بالنسبة إلى احد الطرفين والصحة في الاخر في عقد واحد، لانه تصرف فيه تصرفا ناقلا حين ملكه، فلا سبيل لابطاله فتأمل. وبالجملة ان كان البيع الثاني قبل التلف كما حررناه، فذلك غير بعيد، واما إذا كان اعم كما هو ظاهر المتون فليس بواضح، فتأمل. قوله: " ولو امتزج المبيع بغيره الخ " وجه التخيير بين الشركة بنسبة المبيع، وبين الفسخ واخذ ثمنه، هو ان الشركة عيب مقرر عندهم، فوجودها قبل القبض بمنزلة العيب قبله، ولما لم يفت هنا شئ. وما حصل ما يوجب نقصه، فلا معنى للارش، فتعين ما تقدم. قوله: " ولو تلف بعض الجملة الخ " قد مر شرحه عن قريب. قوله: " ويجب تسليم المبيع مفرغا الخ " اي من الامتعة، فلو كان سفينة أو بيتا أو صندوقا يجب ان يفرغه ثم يسلمه، لان الانتفاع موقوف على التفريغ، ويجب ان يعطيه بحيث ينتفع به على ما هو عليه. والظاهر انه يحصل التسليم المسقط للضمان إذا خلى بينه وبينه، أو سلمه، أو نقل به على القول به من دون الفراغ، وان وجب التفريغ، صرح به في التذكرة.

[ 522 ]

[ ولو غصب من البايع فان استعاده بسرعة، والا تخير المشترى بين الصبر بغير اجرة والفسخ. ولو منعه البايع لزمه الاجرة. ] ويظهر من شرح الشرايع الاجماع حيث قال: عندنا، والاصل يؤيده، مع صدق ما شرط في القبض من التخلية والتمكين، أو النقل. ويمكن الاشتراط فارغا. قوله: " ولو غصب من البايع الخ " اي لو غصب المبيع قبل القبض من عند البايع، فان استعاده بسرعة بحيث لا يتأخر عادة حتى يفوت منفعته المطلوبة عرفا، لم يتخير المشتري، بل له ان يأخذه بثمنه، وليس له ايضا التخيير قبل الاسترجاع مع الامكان بسرعة. فان لم يمكن بسرعة، أو امكن ولم يفعل بسرعة، فله الفسخ والرجوع إلى الثمن، وان كان حين الفسخ استرجعه، مع تأمل فيه، والصبر حتى تحصل بغير اجرة على البايع. للاصل، ولان البايع لا يجب عليه استنماء المبيع واعطاء نمائه، ولانه كان مخيرا، فان لزمت اجرة على الغاصب فتلك للمشتري ايضا، مع عدم الفسخ، لانه نماء ماله، وله ان يتصرف بما لا يتوقف على القبض مثل العتق. اما لو منعه البايع عن التسليم، ولم يسلمه، فله الاجرة ان سلمه بعد مدة لزم فيها الاجرة. ويمكن ان يكون له الفسخ ايضا حينئذ، كما فيما اخذه الغاصب ظلما، بان يأخذ الثمن، أو يكون مؤجلا، بخلاف ان لو حبس لنقد الثمن، فانه له ذلك على ما قيل في التذكرة، فلا اجرة عليه حينئذ، فتأمل. وكل موضع يجوز الحبس والمنع عن التسليم، نفقة المبيع مثلا على المشتري، لانه ملكه، وان لم يكن في قبضه ويكون في ضمان غيره، وهو الظاهر.

[ 523 ]

[ ويكره بيع ما لم يقبض من المبيعات، ويحرم لو كان طعاما على رأي الا تولية. ولو باع ما لم يقبض من الميراث والصداق وشبهه صح، ويصح ان يتولى الواحد طرفي القبض. واتلاف المشتري قبض منه واتلاف الاجنبي ليس بفسخ، ] قوله: " ويكره بيع ما لم يقبض الخ " قد مر تفصيله وتحقيقه بما لا مزيد عليه، فتذكر وتأمل. قوله: " ولو باع ما لم يقبض الخ " اشارة إلى ان المنع عن بيع ما لم يقبض مخصوص بالمبيع، كما انه مخصوص بالبيع فلا منع من بيع الصداق ونحوه قبل القبض، وان كان طعاما، وبغير التولية، كما ان لا منع من هبة المبيع الغير المقبوض، قبله، وكذا الايصاء به وغير ذلك، لان الدليل مخصوص بمنع بيع المبيع. والملكية يقتضي عدم المنع في الغير، مع الاصل، وقد مر ايضا. قوله: " ويصح ان يتولى الواحد الخ " بان يكون البايع مثلا وكيلا للمشتري في القبض، فيقبض بوكالته وكالولي مثل الاب والجد، بل الوصي ايضا يقبض لنفسه من مال المولى عليه، وبالعكس. وقد مر دليله في جواز تولى طرفي العقد لواحد، بل هنا اولى، إذ حقيقة، لا عقد، ولا يحتاج إلى مسلم ومسلم إليه، وانما المقصود وصول الحق إلى يد المالك، أو من يقوم مقامه، وقد حصل في الفرض. ولعل المراد بكون اتلاف المشتري قبضا، كونه مثل القبض في سقوط الضمان للبايع، فافهم. قوله: " واتلاف الاجنبي الخ " دليله الاصل وبقاء الملك على ملك مالكه، فيكون للمشتري الخيار لتعذر تسليم المبيع إليه، فيفسخ ويأخذ الثمن، ويرجع

[ 524 ]

[ وكذا الوجه في اتلاف البايع، ويثبت الخيار للمشتري فيهما. " نكت متفرقة " لا يجوز بيع الصبرة مجهولة، ولا جزء مشاعا منها. ولو باعها كل قفيز بدرهم، بطل ولو باع قدرا معلوما كقفيز صح. ] البايع إلى المتلف، أو يرضى ويطلب المشتري المتلف بالمثل أو القيمة، وفي القيمة تأمل، وقد مر مثله. قوله: " وكذا الوجه في اتلاف البايع الخ " هو مقتضى القانون كما اشرنا في التلف في يد البايع بافة ايضا. ولكن نقل في التذكرة عن الشيخ كون اتلاف البايع كالتلف في يده بافة. ودليله غير واضح، كانه عموم، التلف في يده وقبل القبض، ولكنه يشمل اتلاف المشتري والاجنبي ايضا، على انه ليس ذلك في دليل بل كلام البعض، وليس ذلك بسند، والاجماع غير ظاهر، لوجود الخلاف، ولو ثبت في التلف بافة، اقتصر عليه، هذا واضح. ولكن ثبوت الخيار للمشتري في اتلاف الاجنبي والبايع غير واضح الدليل، فتأمل. قوله: " (نكت متفرقة) لا يجوز بيع الخ " لما وجب عندهم العلم بالعوضين كيلا أو وزنا فيما يكال أو يوزن، علم منه عدم جواز بيع الصبرة المجهولة، ولا جزء مشاعا منها، مثل الثلث، وان كانت مشاهدة. وهو اشارة إلى خلاف العامة وبعض الاصحاب، فانهم جوزوا بيع المكيل والموزون بالمشاهدة من غير كيل ولا وزن، والى خلاف ابن الجنيد حيث جوز بيع الصبرة المشاهدة فقط، على ما نقل في شرح الشرايع.

[ 525 ]

[ ولو باعه جزء من المشاهد غير المكيل والموزون صح كنصف الدار والثوب ولو باعه كل ذراع بدرهم، صح مع العلم بقدر الاذرع. ولو قال بعتك عشرة اذرع من هاهنا إلى حيث ينتهى صح، ولو لم يعين، المبدأ ولا المنتهى بطل، وان كانت الاذرع معلومة. ] وكذا لا يصح لو باعها كلها، كل قفيز بشئ معلوم، مثل درهم، لعدم العلم الآن بالمبيع والثمن وهو اشارة إلى خلاف بعض العامة ايضا، فانه جائز عندهم، ويمكن خلاف بعض الاصحاب ايضا. وفيه تأمل، لما مر من عدم لزوم العلم بالمبيع إلى هذا المقدار، كما في المسائل الجبرية، فتذكر. واما إذا عين منها مقدارا معينا بكيل متيقن وجوده فيها، فالظاهر عدم الخلاف عند الاصحاب في جوازه، لعدم المانع عقلا وشرعا، مع عموم ادلة جواز البيع. قوله: " ولو باعه جزء من المشاهد الخ " اي لو باع من احد جزء مشاعا من المشاهد الغير المكيل ولا الموزون - وان كان مذروعا أو معدودا على الظاهر، كنصف الدار المعلومة والثوب كذلك - صح، لوجود شرائط البيع وادلة جوازه، وعدم المانع، إذ لا يعلم اشتراط العلم بالكلية ذرعا أو عددا، للاصل ولا عذر (1)، للعلم بالمشاهدة، كما في بيع كله، بان قال: بعتك هذه الدار بكذا، أو الثوب والكرباس بكذا، فالظاهر الصحة من غير علم بمقدار ذرعاتهما. نقل الاجماع في التذكرة على جواز بيع الثوب والارض بالمشاهدة بغير مساحة، كانه اجماع اهل العلم. والظاهر انه يكفي ذلك في الفرش، والبسط منشورة ومطوية مع العلم بعدم

(1) كذا في النسخ.

[ 526 ]

[... ] التفاوت ولو عادة. وكذا لو باع من شخص كل الارض والثوب كل ذرع بدرهم مثلا مع العلم بذرعان المجموع وهو ظاهر. واشتراط العلم بالذرعان هنا، لدفع جهالة الثمن حين البيع. ولو قال: بعتك عشرة اذرع من هذا الثوب أو من هذه الارض مبتدئا من هذا الموضع إلى حيث ينتهي، فقال المصنف: انه يصح وهو الظاهر، لعموم ادلة البيع وصدقه عليه، مع عدم ظهور المانع عقلا وشرعا. ولا جهل هنا بالمبيع لمعرفة مقداره ومشاهدته، ولا بالثمن، وهو المفروض، فلا غرر. ولا يضر عدم العلم بانه إلى اين ينتهى، للاصل، وعدم ظهور كونه غررا وجهلا مانعا، والاصل عدم ذلك. ويؤيده جواز شراء شئ مع رؤية بعضه، مثل الصبرة، وزق السمن والارض والثوب والبسط والفرش وغير ذلك بغير خلاف. وما تقدم من عدم دليل قوى على اشتراط العلم، وجواز بيع شئ مع عدم العلم بدخول ما يدخل فيه عرفا مما يجوز النزاع فيه، والرجوع إلى الشرع، ويحكم له باطلاق اللفظ عرفا، مع عدم علم المتعاقدين بذلك، بل كان في علم احدهما غير الذي في علم الاخر، ولهذا تنازعا، وهو ظاهر. وقال بعض: والمصنف ايضا في التذكرة بعدم الجواز، وليس بواضح، فتأمل. اما لو لم يعين المبدء ولا المنتهى ولا يحتاج إليه و (لو خ) عين الاذرع،

(1) فلا - ظ.

[ 527 ]

[ ولو باعه على انها جربان معينة، فنقصت تخير المشترى بين الرد واخذ الناقص بالحصة من الثمن على رأي. ] فيبطل، لانه غير معلوم مع التفاوت فيه، فهو كالمجهول بالكلية، لانه ما يعلم من هنا أو من هناك، مع انه قد يقع النزاع. فتأمل، فانه يحتمل الجواز، وجعل التعيين إلى المشتري. قوله: " ولو باعه على انه جربان معينة الخ " لو باع من شخص ارضا معينة على انها عشرة اجربة مثلا، فتبين انها تسعة، ففيه ثلاثة مذاهب. (الاول ما اختاره المصنف هنا: وهو ان المشتري مخير بين الرد بالكلية واخذ ثمنه، وبين ان يأخذ التسعة الموجودة بتسعة اعشار الثمن. وجه جواز الرد ظاهر، لانه ليس باقل من نقص الوصف الذي هو عيب موجب لجواز الرد. وهو ظاهر، وهو وجه جواز أخذ الناقص الموجود بحصته من الثمن، فيسترد ما هو مقابل للناقص فكأنه بمنزلة الارش للعيب. (والثاني) انه يتخير بين الرد وأخذ الموجود بكل الثمن، لان الرضا من البايع ما حصل الا به، فالزامه باقله ظلم، فلما نقص من الشرط شئ ينبغي جواز الرد واخذ ثمنه، واما الاخذ بانقص فلا. وهذا هو المضعف للاول. وفيه تأمل، لما نقل انه ليس بانقص من العيب، وفي المعيب ايضا انما رضى بالثمن ولكن الزم بالنقص للعيب، وليس نقصان العيب اقل من نقصان الوصف، ولان الثمن متوزع على المبيع، فلكل جزء، فإذا فات من المبيع جزء، يفوت من الثمن كذلك، ان كان في العيب نص ولم يكن هنا، الا ان ذلك مؤيد لهذا فتأمل. ويؤيده الرواية الاتية ايضا في الجملة، فافهم (الثالث): انه ان كان بجنب الارض المبتاعة ارض للبايع، يأخذ مقدار

[ 528 ]

[... ] النقص من تلك الارض، والا فهو مخير بين الاخذ بجزء الثمن وبين الرد واخذ الثمن كله. وهو وان كان خارجا عن القانون المقررة عندهم، الا ان به رواية. وهي رواية عمر بن حنظلة عن ابي عبد الله عليه السلام في رجل باع ارضا على ان فيها عشرة اجربة فاشترى المشتري منه (ذلك قيه) بحدوده ونقد الثمن ووقع صفقة البيع وافترقا، فلما مسح الارض فإذا هي خمسة اجربة، قال: ان شاء استرجع (فضل قيه) ماله واخذ الارض، وان شاء رد المبيع واخذ ماله كله، الا ان يكون إلى جنب (حد قيه) تلك الارض له ايضا ارضون، فليوفه (فيوفيه قيه) ويكون البيع لازما له، وعليه الوفاء (له خ) بتمام البيع، فان لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع، فان شاء المشتري اخذ الارض واسترجع فضل ماله، وان شاء رد الارض واخذ المال كله (1). ويمكن حملها على احتمال قصد ذلك الارض التي في جنب المبيع المفروض، ففي الحقيقة المبيع عشرة اجربة من ماله إلى ان ينتهى. فتأمل فيها، لان سندها غير واضح، لمجهولية البعض، وواقفية داود بن الحصين، ومجهولية عمر بن حنظلة ايضا (2) وان كان يظهر انه مقبول، لقبول خبره في جعل الامام، المجتهد قاضيا. وفي الدلالة تأمل لاحتمال قبول الخبر، مع عدم قبوله وكونه عدلا (3). وقال الشيخ زين الدين (4) في دراية الحديث: قد عرفت كونه عدلا من

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 14 من ابواب الخيار، الحديث 1. (2) سند الحديث كما في التهذيب (محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن ذبيان عن موسى بن اكيل عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن ابي عبد الله عليه السلام). (3) اي لو سلمنا قبول خبر عمر بن حنظلة على اعتبار الاجتهاد ولزوم الرجوع إليه، لا يستلزم منه قبول خبره في جميع الموارد. (4) يعني الشهيد الثاني رحمه الله.

[ 529 ]

[ ولو زاد متساوي الاجزاء، فالزيادة للبايع. ] موضع اخر، وان لم يكن وثق في موضع ذكره. وما فهمت ذلك وما بينه، لعله لا يكفى، لانه قدسي (1) عن الاجتهاد في تحصيل كونه ثقة، لا انه ثبت عنده عدالته بالشهادة أو الممارسة، ويشهد بذلك. وفي متنها ايضا شئ، الا انها غير بعيدة. وفيها بعض الاحكام، مثل لزوم البيع بعد التفرق، وجوازه قبله، وجواز البيع مع عدم ذرع الارض، وكذا في فرض الاصحاب هذه المسألة، فافهم، والخيار بين الرد واخذ الموجود بحصته من الثمن كالاول ان لم يكن هناك ارض. قوله: " ولو زاد متساوي الاجزاء الخ " يعني لو اشترى متساوي الاجزاء، مثل ان اشترى صبرة معينة من حنطة بخبر البايع على انه كذا قفيزا، فان ذلك جائز، والتصرف ايضا فيه كذلك قبل الكيل، يفهم من التذكرة اجماعنا عليهما، ان كاله المشتري وخرج زايدا عما قال زيادة فاحشة، لا يتغابن، ولا يتسامح بمثلها، ولا تنسب إلى تفاوت المكائل، فانه لو لم يكن كذلك، لكان للمشتري التصرف من غير اعلام، للعرف بالتسامح في مثله، وقد مر الاخبار المحمولة على ذلك أيضا. فلا شك انه للبايع، فيكون شريكا بالنسبة. وحينئذ يمكن ان يكون للمشتري الخيار بين الفسخ والرضا بالبيع مع الشركة، للشركة التي هي عيب عندهم، وتبعض الصفقة، وعدمه، لاصل اللزوم في البيع بادلته. والزيادة التي حصلت في المبيع، مثل ان باعه قفيزا من صبرة، فيحتاج إلى الكيل، وكانه ما كيل، ويحتاج التمييز إليه، وعدم الكيل بعد ان باعه بالكيل، لا تضر. فالظاهر ان الزيادة امانة، لا مضمونة، مع الاحتمال لما تقدم.

(1) هكذا في النسخ.

[ 530 ]

[ ولو زاد المتخلف تخير البايع بين الفسخ والامضاء. ويجوز الجمع بين المختلفين كبيع واجارة ونكاح وسلف بعوض واحد، ويقسط على ثمن المثل واجرته ومهره. ] وعلى التقديرين لا يتصرف فيه الا باذن البايع، كما هو شان الشركة. ومع عدم العلم به، يمكن التصدق بمقدار حقه مثل سائر الاموال المجهول صاحبها. ومع الغيبة يمكن الرجوع إلى الحاكم، ومع تعذره الصبر اولى من العزل والقسمة بحضور العدل والضبط له. وظاهر عبارة المتن انه حينئذ لا خيار للبايع، لما تقدم، ويحتمله لما تقدم. وعموم كلامهم في اثبات الخيار بالتشقيص يقتضي ذلك، الا انه يحتمل هنا العدم، لان التقصير منه. وفيما نقص المتساوي المعين ايضا يحتمل ان يكون للمشتري الخيار. قوله: " ولو زاد المختلف الخ " الظاهر ثبوت الخيار فيه للمشتري ايضا، كما ان له الخيار في النقصان في المختلف والمتساوي، ولكن في المختلف كون الخيار لهما اظهر، للاختلاف الذي قد لا يرضى احدهما بما يقع له بالقسمة، للتفاوت في الاجزاء بحسب النفع والثمن، بخلاف المتساوي، مع ان التقصير من البايع في الزيادة. وكانه لذلك سكت عن ذكر الخيار له في المتساوي. وظاهر القوانين ثبوت الخيار لهما في زايد القسمين، وللمشتري في الجميع اظهر، وان الاخذ بالحصة لا بكل الثمن. ويحتمل الخيار للبايع في الناقص المختلف ايضا، فتأمل. قوله: " ويجوز الجمع بين المختلفين الخ " مثل ان يقول: بعتك هذا الثوب، واجرتك هذه الدار إلى سنة، وانكحتك بنتي، وبعتك طعاما وحنطة إلى شهر بماءة دينار، فقال: قبلت، فهو صحيح عند المصنف والاكثر.

[ 531 ]

[... ] دليله: عموم ادلة جواز العقود، وعدم ظهور المانع. ويمكن عدم الجواز لجهالة ثمن المبيع، واجرة السكنى، ومهر الابنة حال البيع، وهو ليس باقل في الجهل مما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بكذا، وهو غير جائز عندهم للجهالة، ولهذا نقل في التذكرة عن الشيخ عدم جواز بيع عبدين يكون كل واحد من شخص وباعهما صفقة، لجهالة ثمن كل واحد. ويمكن الفرق بان هنا الكل لشخص واحد. والظاهر انه لا ينفع، على ان المهر للبنت، وانهم ما يفرقون. ويؤيد عدم الجواز ما روى من طرقهم (1) وطرقنا المنع من جواز بيع وشرط. مثل رواية عمار عن ابي عبد الله عليه السلام قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله رجلا من اصحابه واليا، فقال له: اني بعثتك إلى اهل الله، يعنى اهل مكة، فانههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن (2). ويطلق الشرط على المبيع كثيرا. ورواية سليمان بن صالح عن ابي عبد الله عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (3). والمصنف في التذكرة رد دليل الشيخ: بانه يكفي معلومية ثمن الكل،

(1) مسند احمد بن حنبل ج 2 ص 205 ولفظ الحديث (عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عن سلف وبيع، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع ما ليس عندك. وعن ربح ما لم يضمن). (2) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 10 من ابواب احكام العقود، الحديث 6، التهذيب ج 7 (21) باب من الزيادات ص 231 الحديث 26. (3) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 7 من ابواب احكام العقود، الحديث 2.

[ 532 ]

[ وإذا ادعى المشتري النقص ولا بينة، فان حضر الكيل أو الوزن قدم قول البايع مع اليمين، والا قوله معها ] ولا يحتاج إلى معرفة ثمن الاجزاء، لان الصفقة الواحدة، تكفي معلومية الثمن الذي فيها. وقال: ليس المراد بالشرط كل الشرط، لجواز البعض بالاتفاق، فكأنه محمول على الشرط المخالف للكتاب والسنة، فحمل الشرط على معناه. والظاهر ما قلناه كما يفهم من هذه الرواية. ويمكن ان يقال: الروايتان غير صحيحتي السند (1)، فلا تصلحان للمعارضة بعموم الادلة من الكتاب والسنة والاصل. ويمكن حملهما على بعض الشرائط المخالفة للكتاب والسنة، والبيوع الغير الجائزة، فتأمل والاحتياط واضح. وطريق التقسيط ظاهر، وهو ان يلاحظ قيمة الكل ومهر المثل، ثم كل واحد واحد فقيست (فنسب خ) إلى قيمة الكل والمهر ويؤخذ بالنسبة من الثمن لكل واحد. قوله: " وإذا ادعى المشتري الخ " يعني إذا اشتري مكيلا بكيل معين، ثم ادعى ان المقبوض ناقص عما بيع، فان لم يكن بينة لأحد فالقول قول المشتري مع يمينه ان لم يكن حضر الكيل، بل اشتراه بخبر البايع مثلا، لانه منكر لوجود معناه فيه، ولأصل عدم وصول حقه إليه، فيبقى في ذمة البايع حتى يعطي. وهذا هو الظاهر مع الحضور ايضا، لاحتمال الغفلة والسهو، الا انهم قالوا

(1) سند الحديث الاول كما في التهذيب (محمد بن احمد بن يحيى عن احمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار) وسند الحديث الثاني كما في التهذيب (عنه عن محمد بن الحسين عن علي بن اسباط عن سليمان بن صالح).

[ 533 ]

[ وإذا اسلف في موضع وطالبه به في غيره لم يجب دفعه، وكذا لو طالبه بالقيمة، وكذا القرض، ولو طالبه بسعر موضع القرض لم يجبر. ولو كان غصبا وجب دفع المثل اين طلب، فان تعذر فالقيمة عند المطالبة في بلدها. ] مع الحضور القول قول البايع مع يمينه، إذ الظاهر وصول حق المشتري حينئذ وعدم غفلته وسهوه. قوله: " وإذا اسلف في موضع الخ حاصله انه إذا اسلف وطلب المسلف المسلف فيه في موضع غير موضع تعين شرعا للاعطاء فيه - مثل بلد العقد مع الاطلاق وعدم القرينة، مع القول بعدم شرطية ذكر موضع التسليم - لم يجب على البايع الدفع في بلد الطلب. وكذا لا يجب عليه دفع قيمته لو طلب القيمة في موضع تعين القيمة بان تعذر المسلف فيه، وغير ذلك. وكذا لو اسلفه تغار حنطة مثلا في موضع وطلبه في موضع اخر لم يجب دفع العوض عند الطلب. وكذا لو طلب قيمة القرض، ولو طلب بسعر موضع القرض كل ذلك ظاهر مما تقدم، إذا قيل بتعين موضع السلف والقرض للطلب فيه. وهو محل التأمل، ويمكن الرجوع إلى القرائن، ومع عدمها إلى العرف الغالب بين الناس كما سلف في تعيين زمان السلف ومكانه. ثم انه مع اقتضاء العقد مكانا، لا يجب الدفع في غير ذلك، وهو ظاهر سواء كان عينا أو قيمة، مساويا أو اقل. ومع العدم يجب قيل بخبر الدافع في القرض والسلف لو رضى بالادون في اي موضع طلب، وهو غير واضح. نعم لو كان ما في ذمة الدافع غصبا، يجب دفعه أو مثله أو قيمته اينما

[ 534 ]

[ واطلاق النقد والوزن ينصرف إلى البلد، ولو تعذر فالاغلب، فان تساويا بطل وان لم يعين. ولو اختلفا في قدر الثمن ولا بينة فالقول قول البايع مع يمينه، ان كانت السلعة قائمة. وقيل: ان كانت في يده وقول المشتري مع التلف، وقيل: ان كانت في يده. ] طلب، بل اينما امكن مع عدم الطلب ايضا. وظاهر المتن وجوب اعطاء القيمة عند الطلب في بلد المطالبة. وقيل: اعلى القيم، وقيل: غير ذلك، وقد سلف مثله وسيجئ ايضا. قوله: " واطلاق النقد والوزن الخ " انصراف النقد والوزن والكيل إلى المتعارف في بلد العقد مع وجودها فيه، وعدم ما يصرفها عنه ظاهر، للعرف. فمع الواحد يتعين، ومع التعدد يتعين الغالب المتداول في الاكثر والاغلب، لانصراف الامور إلى الغالب والمعروف. ومع التساوي وعدم الغلبة التي يقتضي العرف الانصراف إليها، قال المصنف: يبطل مع عدم التعيين، للجهل المبطل في الثمن أو المبيع كما تقدم. ويحتمل الانصراف إلى الاقل وما يريد المشتري في المبيع والبايع في الثمن، ان لم يكن خلاف الاجماع. قوله: " ولو اختلفا في قدر الثمن الخ " بان ادعى المشتري ثمنا قليلا، والبايع كثيرا ولا بينة (حينئذ خ). الحكم مع البينة لاحدهما فقط واضح. ومع وجودها لهما، ايضا ظاهر، بعدم الحكم بدون البينة، فانه لو قدم بينة الخارج، فيقدم هنا بينة من رد قوله، والا فبينة من قدم قوله. واما مع العدم، فالظاهر تقديم قول المشتري مطلقا، لانه منكر على ظاهر

[ 535 ]

[... ] تعريفه، ولاصل عدم زيادة الثمن بعد الاعتراف بالبيع، وهو الظاهر الموافق للقوانين، فتأمل. الا انهم قالوا: القول قوله مع تلف المبيع. وقيل: ان كانت في يده، ومع البقاء قول البايع. وقيل: ان كانت في يده. وجه القيل: ان من كان المبيع في يده، فالاخر هو المدعى، فالقول قوله مع يمينه، لان البينة على المدعي واليمين على من انكر. ووجه الاول المشهور، انه إذا كان المبيع باقيا، فالاصل عدم انتقاله من ملك البايع الا برضاه، وهو لا يرضى الا بما يدعيه، وبعد التلف قول المشتري، لانه غارم، والقول قول الغارم وعدم لزوم شئ عليه الا بما ثبت. وفيه بعد يعلم مما تقدم من الاتفاق على انتقال المبيع إلى المشتري سواء كان باقيا أو تالفا فهو المنكر فينبغي كون القول قوله كما مر. ولعل عمدة المشهور وحجته مرسلة ابن ابي نصر (الذي أجمع العصابة على تصحيح ما صح عنه) عن (بعض اصحابه خ) رجل عن ابي عبد الله عليه السلام، في الرجل يبيع الشئ، فيقول المشتري هو بكذا وكذا، باقل مما قاله البايع، قال: قال القول قول البايع إذا كان الشئ قائما بعينه مع يمينه (1). ومنها يفهم: ان القول قول المشتري مع يمينه مع عدم بقائه، مع عدم القول بالواسطة. ومرسلته بمنزلة المسند إلى عدل عندهم، كابن ابي عمير، فهي صحيحة عندهم.

(1) الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 11 من ابواب احكام العقود، الحديث 1.

[ 536 ]

[ ولو اختلفا في تأخير الثمن أو قدر الاجل، أو اشترط رهن من البايع على الدرك أو ضمين أو قال ثوبا فقال: بل ثوبين فالقول قول البايع مع اليمين. ] والشهرة تؤيده، بل نقل الاجماع على ذلك في شرح الشرايع عن الشيخ. ويحتمل التحالف، فيبطل البيع. وفيه ايضا تأمل كعين الاول، لان موضع التحالف، هو ارجاع الدعوى إلى دعويين، وعدم قطع الدعوى بحلف المنكر. والظاهر انه هنا ليس كذلك، إذ الظاهر انه دعوى واحد، وإذا حلف المشتري على عدم الزيادة التي يدعيها البايع، يقطع الدعوى والخصومة. وبالجملة الاول (1) هو الظاهر ان لم يعمل بالخبر المرسل المؤيد بالشهرة، وإلا تعين ذلك (2)، ولعل الاول نقل في التذكرة عن بعض العامة وقواه، وذكره في القواعد احتمالا، فتأمل. قوله: " ولو اختلفا في تأخير الثمن الخ " لا شك في ان القول قول البايع في ادعاء المشتري تأخير الثمن، لان العقد يقتضي التعجيل، والاصل عدم اشتراط ما يؤخره، ولا يوجد التأخير الا معه. وإذا فرض العكس - إذا قد يكون تأخير الثمن مصلحة للبايع - فالقول قول المشتري، فيجب القبول على البايع على تقدير وجوب قبول الثمن الحال دون المؤجل. وكذا لو اتفقا في اشتراط الاجل والتأخير في الثمن، الا انهما اختلفا في قدره، فالقول قول البايع مع دعوى المشتري الزيادة، وبالعكس لو انعكس الدعوى، والوجه ما تقدم بعينه.

(1) اي تقديم قول المشتري مطلقا كما تقدم. (2) اي لو عملنا بالخبر المرسل المؤيد بالشهرة تعين القول بتقديم قول البايع.

[ 537 ]

[... ] وكذا القول قوله مع دعوى المشتري الرهن، على انه ان خرج المبيع مستحقا، يأخذ منه عوض ثمنه، وهو ظاهر. وكذا في دعواه اشتراط ضمين لو خرج المبيع مستحقا بأخذ عوض ثمنه منه، مع انكار البايع ذلك. والحكم ينعكس في الكل مع وجود التحالف المذكور في المبيع، بان ادعى البايع تأخيره، أو زيادة اجله، أو الرهن على الثمن، أو الضمين، وذلك كله ظاهر مما تقدم. وكذا الكلام في دعواه زيادة المبيع، بان قال: كان ثوبين، وقال البايع: بل ثوبا واحدا أو بالعكس في الثمن، فالقول قول البايع في الاول، وقول المشتري في الثاني. وجهه ايضا ظاهر لانه منكر، والاصل عدم دخول الزيادة، واصل عدم ما يدعيه في البيع دخوله فيه (1)، وهو ايضا ظاهر. الا انه قد قيل هنا بالتحالف مع الاختلاف في الثمن ايضا، بان يدعي البايع الثمن الكثير في مقابل الثوب الواحد، والمشتري الثوبين بثمن قليل، فالتحالف هنا غير بعيد، وهو ظاهر، لكنه خارج عن فرض المتن في الجملة، لان الفرض اتحاد الثمن بحسب الظاهر. وكذا يتوجه التحالف لو كان الثوب الذي يقول البايع بانه المبيع، غير الثوبين الذين يدعيهما المشتري، إذ على تقدير حلف البايع على عدم البيع في الثوبين، لا ينقطع دعواه، إذ له ان يقول: بعتك هذا الثوب بالثمن الذي تقول هو ثمن الثوبين، ولا يعطيه المشتري بمجرد ذلك، لانه ينكر ذلك البيع والثوب الواحد، فاما ان يعطي الثمن ويأخذ، أو يحلف.

(1) هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب (والاصل عدم دخول ما يدعى دخوله فيه في المبيع).

[ 538 ]

[ ولو قال: بعتك العبد، فقال: بل الامة، تحالفا وبطلا (طل خ). ولو قال بعتك بعبد فقال: بل بحر. أو قال فسخت قبل التفرق فانكر، قدم قول مدعى الصحة مع اليمين. ] ولا يخفى انه يمكن التحالف هنا مطلقا. قوله: " ولو قال بعتك العبد الخ " تعين التحالف هنا ظاهر، لكون ذلك دعويين حقيقة، فكل واحد مدع ومنكر، فيحلف كل واحد لاخر، فيبطل البيع والدعوى. وكذا لو كان مثل هذا الاختلاف في الثمن من غير فرق. قوله: " ولو قال بعتك بعبد الخ " لو يدعى احدهما كون الثمن عبدا، فيصح البيع، والاخر كونه حرا، فيبطل فالقول قول مدعي الصحة، لانها الاصل، وعليها يحمل فعل المسلمين. هذا مع عدم البينة، وعدم ظهور كون الثمن اي شئ بان تلف أو مات أو انهزم، وحينئذ يأخذ ثمنه من المشتري مع يمينه في قيمته ان لم يكن معلوما. واما مع ظهوره وظهور كونه حرا فلا شك في البطلان، كما في الصحة على تقدير الرقية ولو كان باقراره مع البلوغ، أو الحكم عليه بذلك، لكونه تحت يده يباع ويشترى، وبكونه طفلا تحت يده، مع عدم ظهور الحرية، فتأمل. والظاهر عدم الفرق بين المعنيين بان يقول بعتك بهذا العبد وانكر الاخر، وقال: بل بهذا الحر، والمطلقين، بان يقول: بعتك بالعبد وانكر الاخر وقال: بل بالحر. ولا بين كون مدعى الصحة البايع أو المشتري، وان كان ظاهر المتن ان المنكر للصحة، هو المشتري، فلا يظهر فائدة تعميم قول مدعي الصحة، فتأمل. وكذا القول قول مدعي الصحة فيما إذا يدعى (ادعى خ) احدهما الفسخ قبل التفرق، وينكر (وانكر خ) الاخر، لاصل بقاء الصحة وعدم وقوع المفسد، ولكن مع اليمين على عدم الحرية، وعدم العلم بالفسخ قبل ان كان المدعي يدعي

[ 539 ]

[ واجرة الكيال ووزان المتاع على البايع، واجرة الناقد ووزان الثمن على المشترى، واجرة الدلال على الآمر. ولو باع واشترى فاجرة البيع على آمره واجرة الشراء على آمره. ] الفسخ بنفسه، وعلى عدم فسخه ان كان المدعي يدعي انه فسخ العقد بحضوره، وهو الظاهر. قوله: " واجرة الكيال الخ " معلوم ان اجرة الكيل والوزن للمبيع على البايع، لانه لمصلحته، ولما هو واجب عليه، لانه يجب عليه كيله للبيع، وكذا للقبض والاقباض على هذا الوجه على ما تقدم، فتأمل. وكذا على المشتري لو كان الثمن منهما، كاجرة نقاد الثمن، لما تقدم. ولو كان من جانب البايع فعليه، وهو ظاهر. وكذا إن اجرة الدلال على الآمر، لانه معلوم ان اجرة عمل ذي اجرة تكون على الآمر به لا على الغير. قوله: " ولو باع واشترى الخ " قد دلت اخبار كثيرة على جواز أخذ الاجرة للدلال والسمسار من المشتري (1). ويدل عليه ايضا الاعتبار، وعلى جواز الاخذ من البايع ان امر بالبيع له، وهو ظاهر. وظاهر العبارة انه لو اشترى لشخص بامره متاعا، لشرائه اجرة عادة، وان لم يقل له بذلك. وكذا لو باعه لاخر، يكون له اجرة اخرى، وان كان الشئ واحدا، لحصول العمل الموجب للاجر بالامر، فيأخذ ما يستحقه من كل منهما بعمله، وان كان واحدا.

(1) لاحظ الوسائل، ج 12 كتاب التجارة، الباب 18 و 20 من ابواب احكام العقود فلاحظ.

[ 540 ]

[ والدلال امين، فالقول قوله في عدم التفريط والقيمة معه. ] فقد يتخيل عدم استحقاق اجرتين، بل اجرة واحدة، إذ لا اجرة في عمل واحد، الا واحدا. ولان الاجرة للبيع مثلا، انما هو للسعي في بيعه في ازدياد الثمن مهما امكن، وكذا في الشراء. وذلك لا يمكن من شخص واحد في متاع واحد. نعم ان كان وكيلا في ايقاع طرفي العقد، على القول بجوازه، ويكون ذلك مما له الاجرة، يستحقهما بذلك، هكذا قيل. ويمكن ان يقال: قد يكون الغرض مجرد البيع والشرى، لا السعي في كمال ما يسوى مثلا، وذلك قد يرى في بعض الامتعة، بحيث يرضى صاحبه في بعض الاوقات بيعه بادنى شئ، أو يصر به، وان يخليه ويترك، وحينئذ يرضى بان يباع له بمهما يباع، ويأخذ الاجرة. على انه قد يمكن بذل الجهد والسعى من الجانبين على سبيل المتعارف، بان يقال: هذا لو كان سوقا رايجا يباع بكذا وكذا، وان كان الان لا يباع بكذا، وعن قريب يجئ الموسم ويكثر المشتري، فيشترى باكثر (من هذا الثمن خ) وهذا للترغيب إلى شرائه بالزايد الان، ويقول مع هذا: هذا وان كان الان قليلا، ولكن انك إذا بعت هذا واخذت بثمنه شيئا اخر واتجرت به، يحصل لك الربح، وهو اولى من ان لا تبيعه ويخليه إلى ان يجئ الموسم ويبيعه باكثر من هذا الثمن. وبالجملة: قد يتخيل النفع في قوله لكل منهما، بحيث يكون قوله باعثا للشراء والبيع والرغبة، وذلك كاف للاجرة فتأمل. قوله: " والدلال امين الخ " يعني لا يضمن ما تلف في يده الا مع الافراط أو التفريط، وقوله مقبول في التلف والقيمة وعدم التفريط. ولعل ذلك مجمع عليه ولهم عليه دليل غير ما يتخيل انه لو لم يكن ذلك لم يصر احد دلالا، وفي ذلك ضرر عظيم، كما قيل ذلك في الودعى.

[ 541 ]

[... ] فان مجرد ذلك يشكل ان يكون كافيا في مثل ذلك مع اصل عدم التلف. نعم ذلك متوجه في عدم التفريط، وعدم زيادة القيمة، لاصل عدم الزيادة وبراءة الذمة، فتأمل.

[ 542 ]

تم الجزء الثامن من كتاب مجمع الفائدة والبرهان في " شرح إرشاد الأذهان " حسب تجزئتنا، ويتلوه - إن شاء الله - الجزء التاسع من أول " كتاب الدين " والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على محمد وآله الطاهرين في ربيع الاول 1411 من الهجرة النبوية على مهاجرها آلاف الثناء والتحية الحاج آغا مجتبى العراقي الحاج الشيخ علي پناه الاشتهاردي الحاج آغا حسين اليزدي الاصفهاني عفا الله عنهم بحق النبي وآله ائمتهم صلوات الله عليهم آمين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية