جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 12


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وأمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنه 1266 الجزء الثاني عشر قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچاني نهض بمشروعه الشيخ علي الآخوندي ناشر: دار الكتب الاسلامية

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (الفصل الرابع) من الفصول السابقة (في الصلاة على الأموات) (وفيه أقسام): (الأول من يصلى عليه وهو كل من كان مظهرا " للشهادتين) بحيث صار بذلك من المسلمين، ولم يكن قد صدر منه مع ذلك ما يوجب اندراجه في الكافرين، فتجب الصلاة عليه حينئذ بلا خلاف فيه في المحكي عن المنتهى وإن كان المعقد فيه المسلم كالمحكي عن الاجماع في التذكرة وعن مجمع البرهان، إذ هو هو، ضرورة عدم إرادة ما يشمل الخوارج والعلاة ونحوهما ممن انتحلوا الاسلام وكفروا بانكار ضرورياته منه، ولذا فرع بعضهم خروجهم على اعتبار الاسلام في المصلى عليه، وفي الخلاف والمحكي عن المبسوط لا يصلى على القتيل من البغاة لكفره، لكن عن الأول في قتال أهل البغي أنه يصلى عليه للعموم والاحتياط، وقد يريد بالثاني من لم يصل ببغيه إلى حد الكفر بخلاف الأول فيرتفع الخلاف، كما أنه يرتفع بما سمعته بين المتن ومن عبر كعبارته كالقواعد والجمل والعقود والاصباح على ما حكي عن الأخيرين وبين المشهور من التعبير بالمسلم، بل عرفت

[ 3 ]

أنه معقد الاجماع ونفي الخلاف فضلا عما عن كشف الرموز من أنه المذهب، إذ هو المراد من المظهر فيها لا ما يشمل الخوارج والغلاة والمنافقين ونحوهم وإن توهم، إلا أنه ينبغي القطع بعدمه في مثل المتن الذي ستسمع تقييده في الأطفال بمن له حكم الاسلام، وتقدم تصريحه في الغسل بعدم غسل الخوارج والغلاة، مع أن الصلاة أولى بالمنع، ويعتبر فيها تقدم الغسل، فيستقر الاجماع حينئذ على عدم إلحاقهم بالمسلمين في ذلك، فيبقى أصل البراءة بلا معارض. نعم ما عن المقنعة والوسيلة والسرائر والكافي والاشارة من قصر الوجوب على المؤمن ظاهر أو صريح في الخلاف، بل في الذكرى (وشرط سلار في الغسل اعتقاد الميت للحق، ويلزمه ذلك في الصلاة) قلت: لعله لتأخرها، كما أنه لعل ذلك منهم بناء على كفرهم في الدنيا كما صرح به بعضهم، أو إلحاق ما بعد الموت بعالم الآخرة، وقد بينا ضعف الأول بما لا مزيد عليه في النجاسات، كما أنا بينا ضعفه وضعف الثاني في التغسيل، ونزيد هنا بما عرفت من محكي الاجماع إن لم يكن محصله باعتبار متروكية الخلاف المزبور كما اعترف به الشهيد في البيان، وبعموم قوله (عليه السلام) في خبر السكوني (1): (لا تدعوا أحدا " من أمتي بلا صلاة) وقول الصادق (عليه السلام) في خبر طلحة بن يزيد (2): (صل على من مات من أهل القبلة، وحسابه على الله) ومرسل الدعائم (3) عن الباقر (عليه السلام) (الصلاة على الميت فرض على الكفاية لقول النبي (صلى الله عليه وآله): صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله) وفيها (4) عنه (عليه السلام) أيضا " (أنه قال: صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3 - 2 من كتاب الطهارة (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 281 ذكره في ذيل الصفحة (4) المستدرك - الباب - 29 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1

[ 4 ]

على امرأة ماتت في نفاسها من الزنا وعلى ولدها، وأمر بالصلاة على البر والفاجر من المسلمين) وغير ها من الاطلاقات في الميت ونحوه وما يوجد من الصدر خاصة أو مع باقي الأعضاء وغير ذلك، والضعف منجبر بما عرفت. فمن الغريب ميل بعض متأخري المتأخرين إليه للأصل المقطوع بما سمعت، وبأن الصلاة كرامة ودعاء وغير المؤمن منهما محروم، وفيه منع انحصار وجهها في الاكرام، وعليه فلعله لاظهار الشهادتين، وعدم اعتبار الدعاء فيها للميت خاصة بل له أو عليه كما كان يصنعه النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) على المنافقين الذي منه يظهر أن المراد من النهي في قوله تعالى (1): (ولا تصل على أحد منهم) إلى آخره. الدعاء لهم كما اعترف به في كشف اللثام، ولجهل عمر بذلك وبمرتبة النبي صلى الله عليه وآله (النبوة خ ل) وأنه مستغن عن تعليمه وغيره وشدة نفاقه وريائه أساء الأدب مع النبي (صلى الله عليه وآله) لما تقدم للصلاة على ابن أبي كما عن كتاب سليم بن قيس (2) (فأخذ عمر بثوبه من ورائه وقال: (لقد نهاك الله أن تصلي عليه ولا يحل لك أن تصلي عليه فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما صليت كرامة لابنه، واني لأرجو أن يسلم به سبعون رجلا من بني أبيه وأهله، وما يدريك وما قلت إنما دعوت الله عليه) هذا، وقد ظهر لك أولوية وجوب الصلاة على الفرق المخالفة منا كالفطحية والناووسية ونحوهم من المخالفين، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في المبحثين المزبورين، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فالمصلى عليه إما أن يكون مسلما " (أو طفلا " له ست سنين ممن له حكم الاسلام) بالتولد أو السبي أو الالتقاط من أرض المسلمين أو الوصف بناء على


(1) سورة التوبة - الآية 85 (2) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 2 من كتاب الطهارة

[ 5 ]

اعتباره منه أو نحو ذلك، فتجب حينئذ الصلاة عليه عند الأكثر بل المشهور بل في التذكرة نفي الخلاف فيه، بل في الانتصار وظاهر الخلاف أو صريحه وصريح المحكي عن المنتهى الاجماع عليه، بل عن المقنعة أنه مذهب آل الرسول (عليهم السلام)، بل إليه يرجع ما عن المقنع والجعفي (لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة) بناء على أن المراد بعقلها إمكان معرفتها، والغالب حصوله ممن بلغ ذلك، سأل الحلبي وزرارة أبا عبد الله (عليه السلام) في الصحيح (1) (عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه ؟ فقال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى يجب عليه الصلاة ؟ فقال: إن كان ابن ست سنين والصيام إذا أطاقه) وسأل زرارة (2) أيضا " أبا جعفر (عليه السلام) في ذيل خبره المتضمن سقوط الصلاة عن ذي الثلاث (فمتى تجب عليه الصلاة ؟ فقال: إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين، قال: قلت: فما تقول في الولدان ؟ قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنهم فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين) وفي ذيل مرسل الفقيه (3) المتضمن نفي الصلاة على ذي الثلاث أيضا، (وسئل أبو جعفر (عليه السلام) متى تجب الصلاة عليه ؟ قال: إذا عقل الصلاة وكان ابن ست سنين) والمراد بالوجوب في الجميع الثبوت لا الشرعي قطعا، أي متى يعقل فتثبت له الصلاة ؟ فقال: إذا كان لست سنين، كما رواه محمد بن مسلم في الصحيح (4) عن أحدهما (عليهما السلام) (في الصبي متى يصلى عليه ؟ فقال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى يعقل الصلاة وتجب عليه ؟ فقال: لست سنين).


* (1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة (2) الكافي ج 4 ص 207 المطبوع بطهران عام 1377 باب (غسل الأطفال والصبيان والصلاة عليهم) - الحديث 4 من كتاب الجنائز (3) الفقيه ج 1 ص 105 - الرقم 488 المطبوع في النجف (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها - الحديث 2 وفيه (متى يصلى ؟ قال: إذا عقل الصلاة) إلى آخره

[ 6 ]

بل منه وغيره يعلم أن المراد تفسير العقل بالست في الصحيح السابق وذيل المرسل لا اشتراط الست مع عقل الصلاة، بل ولا أن المراد أحدهما، على أن الواو بمعنى (أو) كما عساه يوهمه أنه مقتضى الجمع بين النصوص السابقة وبين صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) (سألته عن الصبي أيصلى عليه إذا مات وهو ابن خمس سنين ؟ قال: إذا عقل الصلاة فصل عليه) بل بقرينة الصحيح وغيره مع الاتفاق ظاهرا " يجب حمله على إرادة الكناية بذلك فيه عن بلوغ الست وعدم العبرة بالخمس، فتأمل، نعم الظاهر إرادة التحديد بذلك على الغالب في القابلية، فالنادر ممن يعقلها قبل ذلك كغيره ممن لا يعقلها فيه أو فيما بعده لا عبرة به، خصوصا إذا كان بالجهد في التعليم أو التقصير في المقدمات، فهو تحقيق في تقريب حينئذ. وكيف كان فقد بان لك أن مقتضى الجمع بين النصوص السابقة والاجماعات المحكية هو ما عرفت، خصوصا بعد فهم الوجوب، فانا لم نعرف خلافا فيه إلا من ابن أبي عقيل فلم يوجب الصلاة إلا بعد البلوغ، ومال إليه الكاشاني في الوافي للإصل المقطوع بما عرفت، وعدم حاجة الطفل إلى الاستغفار ونحوه المراد من الصلاة الممنوع على مدعيه بالصلاة على المجنون مثلا أولا "، وبعدم انحصار وجه مشروعيتها في ذلك بحيث يدور الحكم عليه ثانيا، ولموثق عمار (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه ؟ قال: لا إنما الصلاة على الرجل والمرأة إذا جرى عليهما القلم)) وخبر هشام (3) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (إن الناس يكلموننا ويردون علينا قولنا إنه لا يصلى على الطفل لأنه لم يصل، فيقولون: لا يصلى إلا على من صلى،


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 4 من كتاب الطهارة (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5 من كتاب الطهارة (3) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة

[ 7 ]

فنقول: نعم، فيقولون: أرأيتم لو أن رجلا " يهوديا أو نصرانيا أسلم ثم مات من ساعته فما الجواب فيه ؟ فقال: قولوا لهم: أرأيتم لو أن هذا الذي أسلم الساعة ثم افترى على الناس ما كان يجب عليه في فريته فانهم سيقولون: يجب عليه الحد، فإذا قالوا هذا قيل لهم: فلو أن هذا الصبي الذي لم يصل افترى على إنسان هل كان يجب عليه الحد ؟ فانهم سيقولون: لا، فيقال لهم: صدقتم إنما يجب أن يصلى على من وجبت عليه الصلاة والحدود، ولا يصلى على لا يجب عليه الحدود) القاصرين عن معارضة ما عرفت من وجوه، خصوصا بعد اعتضاده بعموم الصلاة على الميت وعلى الأمة، وبعد عدم ثبوت اعتبار سند الثاني منهما، وظهوره في إرادة الرد على العامة القائلين بالوجوب إذا استهل وظهور الأول منهما في سقوط الصلاة عن المجنون الذي لم يقل به، وكونهما معا من العام الذي يجب تخصيصه بما ذكرنا، بل في الذكرى إمكان إرادة ما يشمل التمريني من جري القلم في الإول، قلت: بناء على شرعية عبادته كما هو الأصح يقوى الاحتمال المزبور، ومع تعذر جميع ذلك فالطرح والرد إليهم (عليهم السلام) متعين في مقابلة ما ذكرنا، لا أنه تحمل الاخبار السابقة من جهتهما على الندب كما التزمه الكاشاني. (و) على كل حال ف‍ (يتساوى في ذلك) عندنا (الذكر والأنثى والحر والعبد) بل في التذكرة نفي الخلاف فيه، بل الاجماع عليه معلوم. وأما إذا كان دون ذلك فلا وجوب بلا خلاف فيه بيننا إلا من الاسكافي الذي لا يقدح خلافه في دعوى تحصيل الاجماع هنا فضلا " عن محكيه في الانتصار والغنية والخلاف وغيرها، وهو الحجة بعد الاصل والنصوص السابقة وغيرها، كخبر علي بن عبد الله (1) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (لما قبض إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن قال: ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 من كتاب الطهارة

[ 8 ]

انتهى به إلى قبره، فقال الناس: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نسي أن يصلي على إبراهيم لما دخله من الجزع عليه فانتصب قائما ثم قال: أيها الناس أتاني جبرئيل (عليه السلام) بما قلتم، زعمتم بأتي نسيت أن أصلي على ابني لما دخلني من الجزع ألا وإنه ليس كما ظننتم، ولكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات، وجعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة، وأمرني أن لا أصلي إلا على من صلى) التي لا يعارضها خبر السكوني (1) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: (يورث الصبي ويصلى عليه إذا سقط من بطن أمه فاستهل صارخا، فإذا لم يستهل صارخا لم يورث ولم يصل عليه) وصحيح ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) (لا يصلى على المنفوس وهو المولود الذي لم يستهل ولم يصح ولم يورث من الدية ولا من غيرها، وإذا استهل فصل عليه وورثه) وخبر ابن يقطين (3) عن أبي الحسن الماضي عليه السلام (قلت له: لكم يصلى على الصبي إذا بلغ من السنين والشهور ؟ قال: يصلى عليه على كل حال إلا أن يسقط لغير تمام) لرجحانها عليها من وجوه لا تخفى، خصوصا بعد موافقتها لما عليه العامة عدا النادر. بل قد يشكل لذلك ولخبري زرارة المشتملين على موت ولدين لأبي عبد الله وأبي جعفر (عليهما السلام) فصلى عليهما أبو جعفر (عليه السلام) واعتذر عن ذلك فقال تارة لزرارة (4) بعد أن أخذ بيده وتنحى: (إنه لم يكن يصلى على الأطفال إنما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر بهم فيدفنون من وراه ولا يصلى عليهم، وإنما صليت


(1) التهذيب ج 3 ص 431 الرقم 1035 من طبعة النجف (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 - 2 من كتاب الطهارة (4) الوسائل الباب - 15 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة الجواهر 1

[ 9 ]

عليه من أجل أهل المدينة كراهة أن يقولوا: لا يصلون على أطفالهم) وأخرى (1) (أما أنه لم يكن يصلى على مثل هذا وكان ابن ثلاث سنين، كان علي (عليه السلام) يأمر به فيدفن ولا يصلى عليه ولكن الناس صنعوا شيئا فنحن نصنع مثله) بل وخبر علي بن عبد الله (2) حمل تلك النصوص على الندب، بل جزم بعدمه في الحدائق مشددا " للتكبير على دعوى ذلك، بل ربما حكي عدم الندب أيضا عن الكليني والصدوق والمفيد. لكن قال المصنف (و) غيره: إنه (يستحب الصلاة على من لم يبلغ ذلك) أي الست (إن ولد حيا) بل قيل: إنه المشهور لظهور الخبرين المزبورين في أن الفعل للتقية، ولو أنه ندب ما احتيج إلى الاعتذار بما سمعت، بل ربما كان الحمل على التقية مع إمكانه في نفسه أرجح من الندب، لما فيه من بقاء اللفظ على حقيقته، بل ربما توقف في حمل الأمر على الندب وإن لم يقم احتمال التقية لمجرد رجحان دليل عدم الوجوب، لعدم كونه قرينة على ذلك، لكن قد يقال بعد التسامح في السنن والشهرة في المقام: إن الندب هو الموافق لمقتضى حجية الأخبار، وان كلامهم (عليهم السلام) بمنزلة متكلم واحد، وتقع الكلمة فيه على وجوه متعددة، وان أفقه الناس من يعرف معاني تلك الكلمات وما يلحن له في القول، وانها بمنزلة الكلام المسموع منهم (عليهم السلام) الذي لا ريب في ظهور الأمر فيه بعد فرض التصريح منه بعدم الوجوب في الندب الذي هو أشهر المجازاة وأقربها إلى الحقيقة، فيترجح حينئذ على إبطال الدليل وطرحه، فتأمل. وكيف كان (فلو وقع سقطا) ميتا (لم يصل عليه) ندبا فضالا " عن الوجوب (وإن) كان (قد ولجته الروح) قبل خروجه بلا خلاف أجده فيه، للأصل والنصوص السابقة، بل لعله كذلك لو خرج بعضه واستهل إلا أنه سقط ميتا لخبر السكوني المتقدم


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 15 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 من كتاب الطهارة

[ 10 ]

وربما كان هو ظاهر المتن والقواعد وغيرهما، لكن عن صريح المعتبر والمنتهى ونهاية الأحكام والتذكرة وغيرها الاستحباب ولو كان البعض الخارج أقله، خلافا لأبي حنيفة فاعتبر خروج الأكثر، قيل لاطلاق خبر ابن سنان (1) المتقدم، وفيه أن ظاهره المولود الذي يمكن دعوى عدم صدقه إلا على الخارج، نعم يمكن الاستناد له بعد التسامح إلى إطلاق خبر ابن يقطين (2) فتأمل، هذا، وقد تقدم البحث في باب الغسل في الصلاة على الشهيد ونحوه وصدر الميت وتحقيق الحال في المحكوم بتبعيته من الأطفال وولد الزنا وغير ذلك، فلا نعيده، فلا حظ وتأمل، والله أعلم. القسم (الثاني في المصلي) وقد أشبعنا الكلام في التغسيل في بيان أن (أحق الناس بالصلاة) وغيرها من أحكام الميت (عليه أولاهم بميراثه) إذ هو أولى أولي الأرحام الذين بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وفي بيان عدم منافاة الأولوية المزبورة لوجوب هذه الأحكام على سائر المكلفين كفاية وإن قلنا بوجوب مراعاتها وفساد الفعل لو كان عبادة إن وقع بدونها، إنما الكلام في أولوية أولى أولي الأرحام، إذ قد يكون متعددا "، ضرورة كون المراد منه طبقات الارث، فقال: (والاب أولى من الابن) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المدارك، بل في التذكرة (أنه أولى منه ومن الجد وغيره من الأقارب كولد الولد والاخوة عند علمائنا) مشعرا " بالاجماع عليه، وهو مع أقربية إجابته للدعاء باعتبار كونه أشفق وأرق، وولايته على الولد، وما روي (3) من تولي الصادق (عليه السلام) أمر إسماعيل دون أولاده إن لم نقل إنه من حيث الامامة أو أنه ليس لاسماعيل ولد قابل لذلك - يصلح مستندا " للحكم، وأكثرية نصيب الولدية


(1) و (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 - 2 من كتاب الطهارة (3) الوسائل الباب 29 من أبواب التكفين - الحديث 2 من كتاب الطهارة

[ 11 ]

من الوالدية، كما في كشف اللثام وغيره لعده في باب الفرق أضعف لو سلم كشفه عن الأولوية ولو بدعوى أن المراد (من أولاهم بميراثه) أكثرهم نصيبا كما يؤمي إليه في الجملة صحيح الكناسي (1) المتقدم سابقا في التغسيل بل قيل: إنه يعطيه كلام الشيخ وابن حمزة، بل عن الفاضل القطع به، وفرع عليه أولوية العم من الخال والأخ من الأب من الأخ من الأم - يجب الخروج عنها هنا بما سمعت، حتى أن الفاضل الذي هو القاطع بذلك وافق هنا على أولوية الأب وإن قل نصيبه. وكيف كان فما عن ابن الجنيد من تقديم الجد عليه وعلى الابن في غاية الضعف بما ظهر لك سابقا من النصوص والفتاوى من إرادة الأولى بالميراث من الولي هنا، ومن المعلوم أنهما أولى منه بذلك، واحتمال إرادة الأولوية بالميراث ولو في بعض الأحوال - فيكون مساوقا لآية أولي الأرحام (2) الظاهرة في إرادة بيان أولويتهم من الاجانب فحسب من غير تعرض للترجيح فيما بينهم، فلا تنافي حينئذ أولوية الجد من جهة أنه أليق بمنصب الامامة وأن له الولاية عليهما - كما ترى، ضرورة ظهور الإولوية بالميراث في الترجيح بين أولي الأرحام، بل ظاهر المحكي عن المختلف من رده كلام الاسكافي بآية أولي الإرحام أنها هي كذلك فضلا " عن تلك الفقرة، وإن كان فيه نظر واضح، لكن قد يؤيده قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (3): (قول الله عز وجل وأولوا لاأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن بعضهم أولى بالميراث من بعض، لإن أقربهم إليه أولى به) كل ذلك مع ظهور أقربية الولد للصلب من الجد عرفا خصوصا لو علا، نعم قد يساويه ولد الولد، فمن الغريب ما في المدارك من أنه لو كان الدار في


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب موجبات الارث - الحديث 2 من كتاب الارث (2) سورة الإنفال - الاية 76 (3) تفسير البرهان سورة - الإنفال الآية 76 عن تفسير العياشي

[ 12 ]

الأولوية على الإمس رحما وشدة العلاقة من غير اعتبار لجانب الارث يقرب ما ذكره ابن الجنيد، نعم يمكن الاستدلال لابن الجنيد بتولي الباقر (عليه السلام) أمر ولد الصادق (عليه السلام) (1) وفيه أنه لعله لأنه إمام العصر الذي ستعرف أولويته من كل أحد أو لغير ذلك كما هو واضح. فلا إشكال حينئذ في أولوية الأب (وكذا الولد) وإن نزل (أولى من الجد) أب الأب وإن اتصل فضلا " عن العالي والجد للام (والأخ والعم) وباقي الأرحام لما عرفت من أن مدارها على الأولوية بالارث، وهو مختص به هنا لا يشاركونه فيه، نعم لو كان صغيرا " ففي انتقالها لخصوص الجد لأنه وليه وإن لم نقل بتقديمه في الطبقة الثانية، أو إلى الاناث لو كانوا معه، أو إلى المرتبة الثانية من الأرحام، أو إلى حاكم الشارع، أو تسقط وجوه مترتبة في القوة والضعف. ثم إن ظاهر المصنف وغيره بل لا خلاف أجده فيه بينهم بل هو مقتضى الأصل وإطلاق الأدلة اشتراك الأولاد في ذلك لو تعددوا، لكن في الحدائق أن المفهوم من صحيحة محمد بن الحسن الصفار (2) المروية بطريق المشايخ الثلاثة، قال: (كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين وخمسة أيام الآخر ؟ فوقع (عليه السلام) يقضي عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء إن شاء الله) كون الأكبر الولي شرعا، وفيه أنه في القضاء، بل هو صريح أو كالصريح في ثبوت الولاية لغيره في غيره، فتأمل. (و) أما الطلبقة الثانية ف‍ (الأخ من الإب والأم أولى ممن يمت بأحدهما)


(1) الوسائل الباب - 85 - من أبواب الدفن - الحديث 6 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 23 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3 من كتاب الصوم

[ 13 ]

لعدم إرث المتقرب بالأب معه، وتقرب الثاني بمن لا ولاية لها مع الأب، فكذا فرعها مع فرعه، ولإنه أكثر نصيبا منه، ولتقربه من جهتين، ولقول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح عن بريد الكناسي (1) المتقدم في التغسيل: (وأخوك لا بيك وأمك أولى بك من أخيك لأبيك، وأخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمك) ضرورة دلالته على أولويته منهما صريحا في الأول وفحوى في الثاني، لأن الأولى من الأولى أولى، بل الظاهر كون أولادهم كذلك، قال في الصحيح المزبور: (وابن أخيك من أمك وأبيك أولى بك من أخيك لابيك، وابن أخيك لأبيك أولى بك من عمك) إلى آخره معتضدا " ذلك كله بعدم الخلاف فيه فيما أجد، بل ولا في تقديم الأخ للأب على الأخ للأم للصحيح المزبور، ولأنه أكثر نصيبا، ولتقربه بمن له الولاية. أما الجد فقد يظهر من المصنف وغيره ممن ترك التعرض له مساواته للأخ مطلقا لانه من الاولى بالميراث، لكن عن الشيخ وابن إدريس تقديمه على الأخ للأبوين فضلا " عن غيره، قالا: (الأب أولى الأقارب، ثم الولد، ثم الجد من قبل الأب، ثم الأخ من قبل الأب والأم، ثم الأخ من قبل الأب، ثم الأخ من قبل الأم، ثم العم ثم الخال، ثم ابن العم، ثم ابن الخال) وزاد في المحكي عن جامع المقاصد (ثم المعتق ثم الضامن ثم الحاكم ثم عدول المسلمين) وعن المنتهى أنه يلزم على قول الشيخ أن العم من الطرفين أولى من العم من أحدهما، وكذا الخال، قال: (ولو اجتمع ابنا عم: أحدهما أخ لأم كان الأخ من الإم على قوله أولى من الآخر، وهو أحد قولي الشافعي) وفي تذكرته بعد أن ذكر قولي الشافعي في تقديم العم للأبوين على العم للأب قال: (وعندنا أن المتقرب بالأبوين أولى، لأنه الوارث خاصة - وقال: إن ابن العم إذا كان أخا لأم يقدم عندنا على ابن العم الآخر لاختصاصه بالميراث) وعن جامع المقاصد وغيره


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب موجبات الارث الحديث 2 من كتاب الارث

[ 14 ]

(المشهور أن الأخ من الأم أولى من العم والخال، والعم أولى من الخال، والخال أولى من ابن العم وابن الخال، ثم ابن العم أولى من ابن الخال). وكيف كان فليس في النصوص ما يدل على تقديم الجد على الإخ، بل لعل الإخ منهما أولى منه باعتبار تقربه من وجهين، نعم هو مساو للأخ من الأب فيقدم حينئذ على الأخ من الأم، أللهم إلا أن يقال باعتبار أن له الولاية على الميت وأبيه في بعض أحوالهما يقدم على الأخ مطلقا، لكن على كل حال ينبغي الاقتصار عليه من قبل الإب كما قيداه به، أما إذا كان من قبل الأم فهو مساو للأخ منها خاصة، كما هو واضح. وكذا ينبغي تقديم العم للأبوين على العم لأحدهما، والعم للأب خاصة عليه للأم، والجميع على الخال، لما عرفت من أن المدار على أولوية الميراث أو التقرب بالأب الذي له الولاية، قال (عليه السلام) في الصحيح المزبور: (وعمك أخو أبيك من أبيه وأمه أولى بك من عمك أخي أبيك من أبيه - قال -: وعمك أخو أبيك لأبيه أولى بك من عمك أخي أبيك لأمه - قال -: وابن عمك أخي أبيك من أبيه وأمه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لبيه - قال -: وابن عمك أخي أبيك لابيه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأمه) وهو كالصريح فيما قلناه، ومن ذلك كله يظهر لك ما في مناقشة سيد المدارك فيما سمعته من الشيخ بأنه إن أراد بالأولوية أن من يرث أولى ممن لم يرث لم يلزم منه أولوية بعض الورثة على بعض كالأب على الابن، والجد على الأخ، والعم على الخال، وإن أراد بها كثرة النصيب انتقض بالأب فانه أولى من الابن مع أنه أقل نصيبا منه، وكذا الجد فانه أولى من الأخ مع تساويهما في الاستحقاق إلا أن يقال: إن التخلف في هاتين الصورتين لعارض وهو قوة جانب الأب والجد باختصاصهما بزيادة الحنو والشفقة وحصول النسل منهما، لكن في ذلك خروج عن اعتبار الارث، إذ قد عرفت أن المدار على ما ذكرنا.

[ 15 ]

وأما انتقال الولاية عند فقد ذوي الأرحام إلى المعتق ثم الضامن فلعلهما لأنهما الأولى بالميراث حينئذ، إذ احتمال التخصيص بأولى الأرحام يدفعه إطلاق اللفظ، نعم قد يشكل ذلك في الحاكم وعدول المسلمين لعدم إرثهما، ونيابتهما عن إمام الأصل الذي له الارث في الفرض لو كان مؤثرة لاستحقا التقديم بها على الأرحام، لما ستعرف من تقدمه (عليه السلام) عليهم، على أنه لا عموم فيها يشمل المقام، فسقوط الولاية حينئذ غير بعيد وإن كان الأحوط خلافه، هذا. (و) ينبغي استثناء (الزوج) من أولوية الإرحام، فانه (أولى بالمرأة من عصباتها وإن قربوا) لما عرفته مفصلا " في التغسيل، كما عرفت البحث في قوله: (وإذا كان الأولياء جماعة فالذكر أولى من الأنثى) ولو كان الذكر صغيرا " أو مجنونا أو غائبا ففي الذكرى (أن الأقرب كون الولاية لها، لأنه نقصه كالمعدوم) ومال إليه في كشف اللثام، والمحكي عن جامع المقاصد ولو لم يكن في طبقته مكلف ففي كون الولاية للأبعد أو للحاكم عليه نظر، من عموم آية أولى الأرحام، والناقص كالمعدوم، وأنه أولى بالارث فلتكن الولاية له يتصرف فيها الولي) قلت: مثله يأتي في الأول أيضا، وقد ذكرنا في التغسيل قوة السقوط في ذلك، فلا حظ وتأمل، هذا. وعن المبسوط والسرائر (أن الذكر أولى من الأنثى إذا كان ممن يعقل الصلاة) وفي الذكرى (وهذا يشعر بأن التمييز كاف في الامامة كما أفتى به في المبسوط والخلاف في جماعة اليومية) قلت: ولو صلى فرادى فالظاهر عدم الاجتزاء بها وإن قلنا بشرعيتها، استصحابا للشغل، ومعلومية عدم إجزاء الندب عن الواجب، وبه صرح الاستاذ في كشفه. (و) أما أن (الحر) وإن بعد (أولى من العبد) وإن قرب فمعلوم، بل عن المنتهى (لا أعلم فيه خلافا) قلت: لانتفاء ولايته عن نفسه فعن غيره بطريق أولى ولأنه هو الوارث دونه، بل منه يعلم الحال في باقي موانع الارث من القتل وغيره،

[ 16 ]

لكن في القواعد والفقيه (العبد أولى من الحر) بل في جامع المقاصد (هذا الحكم مذكور في كلام الأصحاب وهو مشكل إن أريد الولاية، إذ العبد لا إرث له فلا ولاية له، وإن أريد بأولويته أفضلية تقديم الولي فهو صحيح إلا أنه خلاف المتبادر من كلامهم والظاهر أن مرادهم الإول بدليل أنهم في ترجيح الهاشمي اشترطوا تقديم الولي له) قلت: لابد من إرداة ذلك وبيان أن الحرية لا يقدم على الفقاهة وإن كانت في العبد كما جزم به في الكشف، نعم يمكن التوقف في ذلك بالنسبة إلى باقي المرجحات. ولو كان الميت عبدا فسيده أولى به من أرحامه كما في حال حياته، ولا ميراث له على الاصح، فلا أحد أولى بميراثه، أللهم إلا أن يحمل على إرادة المنشأية لولا المانع بل آية أولى الارحام مطلقة، لكن على كل حال لا يعارض السيد، نعم لو كان هو مولى عليه احتمل الرجوع حينئذ إلى الارحام وإلى ولي السيد. وكيف كان فقد ظهر من ذلك كله فساد ما حكاه في المدارك عن بعض مشايخه المعاصرين أنه قيل باشتراك الورثة بالولاية، إذ هو مع أنه مجهول القائل مخالف لما عرفت مما يقتضي تقديم بعضهم على بعض، كفساد ما يقال أو قيل: إن الاثنى لا ولاية لها أصلا لقول الصادق (عليه السلام) في حسنة حفص (1) (في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس به أمرأة قال: لا إلا الرجال) إذ هو مع أنه في خصوص القضاء معارض باطلاق الادلة السابقة وبصحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) (قلت: المرأة تؤم النساء قال: لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن في الصف معهن تكبر


(1) الوسائل الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 5 من كتاب الصوم (2) الوسائل الباب 25 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة الجواهر 2

[ 17 ]

ويكبرن) المعتضد بالاجماع على الظاهر. (ولا يتقدم الولي إلا إذا) كان عالما بالواجب من أحكام الصلاة و (استكملت فيه) مع ذلك (شرائط الامامة، وإلا قدم غيره) الجامع لذلك، بل يجوز له التقديم وإن كان صالحا لها أيضا، للأصل، وإطلاق النصوص (1) بالتخيير، إلا أن الظاهر استحباب مباشرته مع المساواة فضلا " عما لو كان أكمل، لأنه ادعى للاجابة، بل له احتمل في كشف اللثام وغيره عدم استحباب تقديم للغير وإن كان أكمل، نعم قوى الندب في الذكرى، بل حكي عن المفيد في الغرية أنه جعل من السنة تقديم العالم الفقيه إلا أنه بعد الهاشمي، والأمر سهل. والظاهر جواز الرجوع بالاذن قبل التلبس، لأنها كالوكالة، أما بعده ففي الذكرى (أن الأقرب المنع لما فيه من اختلال نظم الصلاة، ووجه الجواز أنها صلاة عن إذنه الذي هو جائز في الاصل فيستصحب، وحينئذ يصلون فرادى، إذ لا طريق إلى الابطال والعدول إلى إمام آخر بعيد) قلت: قد يمنع حرمة الابطال هنا بدعوى إرادة خصوص الصلاة الفريضة من العمل في قوله تعالى (2): (ولا تبطلوا أعمالكم) بعد تسليم دلالته على حرمة القطع وأنه غير مراد منه خصوص الارتداد ونحوه، وحينئذ فيقوى جواز الرجوع. وكيف كان فان لم يقدم أحدا فعن غير واحد سقوط اعتباره، قال في المحكي عن الذكرى: (لاطباق الناس على صلاة الجنازة جماع من عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الآن، وهو يدل على شدة الاهتمام، فلا يزول هذا المهم بترك إذنه، نعم يعتبر إذن حاكم الشرع) قلت: يتجه سقوط اعتباره لو ترك مع ذلك الصلاة فرادى، أما


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة (2) سورة محمد صلى الله عليه وآله - الآية 35

[ 18 ]

لو اختارها فالوجه عدم مزاحمته والاجتزاء بها، لإن ذلك مقتضى أولويته، واحتمال أن ولايته نظرا " للميت فمع عدم إذنه في الجماعة خيانة للميت ومناف لصلاحه فلا يعتبر ضعيف بل مخالف لظاهر الأدلة، وعلى كل حال فليس للغير المبادرة للتقديم من دون استئذانه لعدم سقوط ولايته في الاختيار كما هو واضح، وسيصرح به المصنف، ولذلك لا تنتقل الولاية عنه بذلك إلى غير من في طبقته من الأرحام، بل ولا تنحصر في المشاركين له في الطبقة بناء على اشتراك الجميع في الولاية. (وإذا تساوى الأولياء) في الصلاحية للامامة (قدم الأفقه فالأقرأ فالأسن فالأصبح) كما في القواعد والتحرير والبيان، والمشهور نقلا " في كشف اللثام وغيره تقديم الأقرأ على الافقه، قلت: ويؤيده أنه لم نقف على مأخذ لذلك في خصوص هذه الصلاة كما اعترف به غير واحد، بل مقتضى تعليلاتهم أخذ ذلك مما ورد في الجماعة اليومية، بل في الذكرى أن ظاهر الأصحاب إلحاق هذه الجماعة بتلك، وقد قدم المصنف وغيره هناك الأقرأ على الأفقه، بل نسبه في الذكرى إلى الأصحاب، فينبغي أن يكون هنا كذلك، خصوصا مع إطلاق الدليل، أللهم إلا أن يكون وجه الفرق ما في كشف اللثام تبعا للذكرى من أن نص تقديم الأقرأ صريح في قراءة القرآن، ولا قرآن في صلاة الأموات، مع عموم تقديم الإعم والأفقه، وهو لا يخلو من قوة، لكن قد يقال باعتبار كثير من مرجحات القراءة في الدعاء، وإلا فلا ينبغي اعتبارها رأسا لا تقديم الإفقه عليها، مع أن ظاهرهم الانفاق على اعتبارها في الجملة، نعم في الارشاد خاصة اقتصر على الإفقه. وعلى كل حال ففي كشف اللثام أنه ليس في المبسوط والخلاف والسرائر والاصباح والمنتهى ونهاية الإحكام والتذكرة للأصبح ذكر، بل انتقلوا فيما عدا الأول والاخير بعد الأسن إلى القرعة، نعم في الأخير بعد الأسن، وبالجملة يقدم الأولى في المكتوبة

[ 19 ]

وهو يعطي الصباحة وغيرها كقدم الهجرة، وهو الذي ينبغي إذا عمم المأخذ المكتوبة وصلاة الجنازة، قلت: قد عرفت أنحصار المأخذ في ذلك، فالمتجه حينئذ مراعاة ذلك كله فيما لم يظهر فيه فرق بين المقامين، وقد استقصينا الكلام هناك في ذلك وفي المراد من هذه اللأفاظ في بحث الجماعة قبل كتابة المقام، فلا حظ وتأمل. لكن بقي شئ وهو انه في جماعة اليومية يتجه تأخير القرعة لو تشاعوا عن وجود المرجحات، لإن الحاصل استحباب تقديم الواجد للمأمومين على الفاقد، أما المقام فباعتبار اشتراك الولاية وأنه لا يجب على الفاقد تقديم الواجد كما في اليومية على ما عن بعضهم التصريح به هنا للأصل أو إطلاق الإدلة يمكن حينئذ تصور التشاح مع الأوصاف المزبورة، فيحتاج حينئذ إلى القرعة، ولعله لذلك ترك ترتيبها على الأوصاف المزبورة في المتن وغيره، لانها تأتي مع التشاح وان امتاز أحدهما بالصفات كما عن القاضي في المهذب إطلاق القرعة إذا تشاح الاثنان وإن حكى عنه في الكامل أنه اعتبرها مع التساوي في العقل والكمال، فتأمل جيدا ". والظاهر الترجيح بهذه الإوصاف في الامام من غير الأولياء أيضا كما صرح به في كشف اللثام لاتحاد طريق المسألتين، بل في الترجيح بها أو بعضها في الفرادى وجه، لكن ظاهر المتن بل وغيره خلافه، ولعله لامكان وقوع الصلاة منهم جميعا فرادى، فلا تشاح حينئذ، بخلافه في الجماعة وإن قال في كشف اللثام: إنه لا بأس عندي لو عقدوا جماعة أو جماعتين أو جماعات دفعة، لكن الأفضل الاتحاد، إذ يمكن تشاحهم حينئذ على الأفضل، أو يفرض عدم تيسر الزائد على الجماعة الواحدة، مع أنه يمكن منع ذلك من أصله بعدم المعهودية على وجه يشكل اندراجه في إطلاق الادلة، بل قد يتوقف فيما ذكرناه أيضا وإن كان الأقوى الجواز، بل تسمع إن شاء الله في جواز تعاقب المصلين ما يقتضي بالجواز حتى في الجماعة، وعلى كل حال فالمخاطب بالتقديم الفاقد حينئذ

[ 20 ]

كما أنه هو والجماعة مخاطبون بتقديمه في الجماعة: بل يستحب للواجد أيضا ذلك، فتأمل جيدا ". (و) كيف كان فقد ظهر لك مما دل على ثوبت الأولوية المزبورة أنه (لا يجوز أن يتقدم أحد) للصلاة جماعة أو فرادى كما عرفته مفصلا " في بحث التغسيل (إلا باذن الولي سواء كان بشرائط الامامة أو لم يكن بعد أن يكون مكلفا) ضرورة عدم اعتبار صلاحية لما هو ولي عليه في ثبوت الولاية، لاطلاق الأدلة الممنوع انصرافه إلى ذلك على وجه الشرطية، بل ثبوت الولاية في التغسيل لمن لا يجوز له المباشرة مع وجود المماثل أوضح شئ في الدلالة على العدم، نعم يعتبر فيه الصلاحية للاذن أو الفعل، أما إذا لم يكن كذلك ففي سقوط الولاية أو انتقالها إلى وليه أو إلى غيره من الأرحام أو إلى الحاكم وجوه، كما لو امتنع أو كان غائبا وإن كان الإقوى الإول فيهما، خصوصا في الأول منهما، وظاهر العبارة وغيرها تقديم الولي على الموصى إليه بالصلاة، بل عن المسالك أنه المشهور، بل في المحكي عن المختلف لم يعتبر علماؤنا ما ذكره ابن الجنيد أي من تقديم الوصي، وهو كذلك لأني لم أجد من وافقه عليه، نعم عن المحقق الثاني احتماله، بل نفى عنه البأس في المدارك لعموم ما دل (1) على النهي عن تبديل الوصي ولاشتهار ذلك بين السلف، ولإن الميت ربما آثر شخصا لعلمه بصلاحه وطمعه في إجابة دعائه، فمنعه من ذلك وحرمانه ما أمله غير موافق للحكمة، ولإن الولاية نظر للميت في أحد الاحتمالين، لكن ذلك كله كما ترى لا يصلح معارضا لاطلاق الإدلة بعد منع عموم النهي عن تبديل الوصية لذلك، كما أن ما يحكي عن ابن حنبل من ترجيح الوصي بأن أبا بكر أو صى أن يصلي عليه عمر وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأوصت عائشة أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير، ويونس


(1) الوسائل الباب - 32 - من كتاب الوصايا

[ 21 ]

ابن حسر (1) أوصى أن يصلي عليه مالك بن أنس، وأبو شريحة هكذا في النسخ والصحيح على مافى التراجم أبو سريحة بالسين المهملة قبل الراء المهملة أوصى أن يصلي عليه زيد ابن أرقم - لا حجة فيه مع عدم ثبوته، وعلى كل حال فالإقوى ما ذكرنا، لكن لا ريب في أولوية صلاة الوصي باذن الولي لما فيه من الجمع بين الحقين بل الحقوق والاحتياط، والله أعلم. (وإمام الإصل (عليه السلام) أولى بالصلاة من كل أحد) بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه، بل لعله ضروري المذهب كما اعترف به في كشف اللثام، لإنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أو قائم مقامه في ذلك كما نادى به النبي (صلى الله عليه وآله) في الغدير (2) وإن كان مورده أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا أن المعلوم اشتراك الأئمة (عليهم السلام) جميعا به، لاشتراكهم (عليهم السلام) في الامامة المقتضية له، ولقول الصادق (عليه السلام) (3): (إذا حضر الامام (عليه السلام) الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في مرسل الدعائم (4): (إذا حضر السلطان الجنازة فهو أحق بالصلاة عليها من وليها) ولأنه هو الموافق لصلاح الميت ودفع الضرر عنه الذين ينبغي مراعاة الولي إياهما، بل ربما كان منشأ ولايته أنه أدعى من غيره لصلاح الميت، وتقديم الحسين (عليه السلام) سعيد بن العاص (5) في الصلاة على الحسن قائلا: (لو لا السنة لما قدمتك) لعله لاطفاء الفتنة كما في الذكرى، فان من السنة إطفاؤها، على أنه غير ثابت عندنا، كما أنه لم يثبت عدم مسبوقية تلك الصلاة بصلاته (عليه السلام) ولا لحوقها، مع أنه يمكن أن يكون قد أذن له


(1) والصحيح يونس بن جبير على ما في المعنى لابن قدامة ج 2 ص 420. (2) الغدير للأميني ج 1 ص 14 إلى ص 73 (3) الوسائل الباب - 23 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 من كتاب الطهارة (4) المستدرك الباب - 21 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5 من كتاب الطهارة (5) كنز العمال - ج 8 ص 114 - الرقم 2145

[ 22 ]

في الائتمام بغيره ولم ينو الائتمام هو به، بل صلى بنية الانفراد، على أن التقية باب واسع، وعلى كل حال فهو غير مناف لما دل على أن المعصوم لا يصلي عليه إلا معصوم كما هو واضح. وكيف كان فلا يحتاج الامام بعدما عرفت من أولويته إلى الاذن ممن هو أولى به من نفسه أيضا كما هو صريح جماعة وظاهر آخرين، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما يحكى عن مبسوط الشيخ ومعتبر المصنف ومختلف الفاضل فاعتبروا الاذن جمعا بين الحقوق (الحقين خ ل) والإدلة، ولخبر السكوني (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: (قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر سلطان من سلاطين الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها إن قدمه الولي، وإلا فهو غاصب) وهو - مع ضعفه وإشعاره بعدم وجوب الاذن ولا يقولون به - محتمل كما في الذكرى لغير سلطان الإصل كما يشعر به التنكير المشعر بالكثرة، بل يمكن أن يكون ذلك تعريضا في الولاة والخلفاء الذين يتقدمون بسلطانهم كقول النبي (صلى الله عليه وآله) (2): (لا يؤم الرجل في سلطانه) بل حمله في كشف اللثام على تقدير جزاء للشرط فيه وإرجاع (هو) إلى الولي: أي إن قدمه الولي فذاك وإلا فهو غاصب) قلت: يمكن احتمال ذلك في المحكي من عبارة المبسوط، قال: فان حضر الامام العادل كان أولى بالتقديم، ووجب على الولي أن يقدمه (تقديمه خ ل) فان لم يفعل لم يجز له أن يتقدم، وإن كان ذيله يشهد لارادة الامام من الضمير المجرور على معنى وجوب الاذن على الولي فان لم يفعل أثم، لكن ليس للامام التقدم، إلا أنه في غاية البعد، ضرورة كون المناسب عدم مراعاته بعد إقدامه على المعصية إن لم يجبر على اذ لان كما صرح به في الذكرى على تقدير اعتبار الاذن، لا أنه يؤثر منعا في الأولوية


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 4 من كتاب الطهارة (2) سنن أبي داود ج 1 ص 127 المطبوعة عام 1371

[ 23 ]

المزبورة، خصوصا والامام أولى منه بماله من الاذن أيضا إن كان من المؤمنين، فلو أذن لغير الولى نفذ فضلا عن مباشرته. نعم قد يقال بأن ولاية الامام حال حضوره الجنازة لا أنه متى أمكن الرجوع إليه لم يجز مباشرة أولياء الميت شيئا من أموره حتى يأذن لهم، لما فيه من العسر والحرج بل يمكن كون المعهود من حال السلف خلاف ذلك، كما أن اشتراط الحضور في الخبرين يؤمي إليه أيضا، فما عساه يظهر - من إطلاق الأولوية في المتن وغيره من كونه كباقي الأولياء، بل عن أبي الصلاح التصريح بذلك، قال: الامام أولى، فان تعذر حضوره وإذنه فولي الميت لا يخلو من نظر، كالمحكي عن ابن الجنيد من أن الإولى الامام، ثم خلفاؤه، ثم إمام القبيلة كباقي الصلوات محتجا بأن له ولاية الصلاة في الفرائض، ففي الجنائز أولى، وهو مناف لاطلاق ولاية الأولى بالميراث بلا مقتض بعد وضوح منع الملازمة المزبورة، بل هو مناف للضرورة إن أريد بالخلفاء ما يشمل المجتهدين في هذا الزمان، بل عن التذكرة (أن الولي أولى من الوالي عند علمائنا) لكن في الذكرى (إن أراد: اي الفاضل توقفه على تقديمه وإن كان تقديمه مستحبا فحسن، وإن أراد نفي استحباب تقديمه فظاهر الخبر: أي خبر السكوني يدفعه) قلت: قد عرفت ما في الخبر المزبور لكن لا بأس به بعد التسامح وفرض كون الوالى جامعا لشرائط الامامة، والله أعلم. (والهاشمي أولى من غيره إن قدمه الولي وكان بشرائط الامامة) بلا خلاف أجده فيه، بل حكي الشهرة عليه غير واحد، بل عن المعتبر والتذكرة ونهاية الأحكام الاجماع عليه لكن بمعنى أنه ينبغي للولي تقديمه، فالاجماع المزبور كاف حينئذ في ثبوته فلا يقدح حينئذ عدم استثبات الشهيد في الذكرى للمرسل النبوي (1) (قدموا قريشا ولا تقدموها) في رواياتنا، مع أنه أعم من المدعي، وربما كان من ترويجات السقيفة، نعم ما عن المفيد من وجوب التقديم في غاية البعد لعدم الدليل، ولولا أن المحكي من


(1) الجماع الصغير للسيوطي ج 2 ص 85

[ 24 ]

عبارته يأبى الحمل على الامام لكان المتجه حمله عليه، ويمكن أن يريد تأكد الندب، والمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) الذي هو عين المحكي عن رسالة علي بن بابويه لو قلنا بحجيته لا دلالة فيه على الوجوب، قال: (واعلم أن أولى الناس بالصلاة على الميت الولي أو من قدمه الولي، فان كان في القوم رجل من بني هاشم فهو أحق بالصلاة إذا قدمه الولي، فان تقدم من غير أن يقدمه الولي فهو غاصب) أللهم إلا أن يدعى ظهوره في إرادة وجوب تقديم الولي إياه كما سمعته من كشف اللثام في خبر السكوني، ويؤيده أنه لا معنى لاشتراط الاحقية بتقديم الولي، إذ لا فرق بينه وبين غيره في ذلك، فلابد حينئذ من جعل الشرط مستأنفا ويقدر له جزاء، لكن كفانا مؤنة ذلك عدم حجية الكتاب المزبور مع مخالفته هنا للمشهور، فتأمل. وكيف كان فالمراد هنا ثبوت أصل الترجيح بالهاشمية لا رجحانها على سائر المرجحات، وتخصيص المصنف هنا بالذكر لها لعله لخلاف المفيد، أو لارادة بيان ترجيحها في غير الأولياء، لكن يبعد الأخير ظهور الفتاوى ومعاقد الاجماعات في عدم الفرق في الترجيح بها بين الأولياء وبين غيرهم، كما أن الظاهر عدم اختصاص تلك المرجحات السابقة في الأولياء كما عرفت، هذا، وفي الذكرى (قال ابن الجنيد: ومن لا أحد له فالأقعد نسبا برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحاضرين أولى به) وهو إنما يقتضي ثبوت الولاية مع عدم الولي، ويقتضي تقديم الأقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالأقرب، ولعله إكرام لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكلما كان القرب منه أكثر كان أدخل في استحقاق الاكرام) قلت: يمكن أن لا يكون مخالفا فيما نحن فيه من ترجيح تقديم الهاشمي على غيره، إذ هو أمر غير الولاية، وفيه حينئذ أنه مناف لما سمعته من ترتب الولاية على طبقات الارث، فلا بد من انتهائه إلى الامام (عليه السلام)، الجواهر 3

[ 25 ]

ويأتي البحث السابق فيما لو غاب الولي، والله أعلم. (ويجوز أن تؤم المرأة النساء) بلا خلاف أجده فيه، بل في التحرير الاجماع عليه، وقال زرارة (1) في الصحيح لأبي جعفر (عليه السلام): (المرأة تؤم النساء قال: لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن معهن في الصف فتكبر ويكبرن) وسأل (عليه السلام) الصيقل (2) في خبره أيضا (كيف تصلي النساء على الجنازة إذا لم يكن معهن رجل ؟ قال: يصففن جميعا ولا تتقدمهن امرأة، يقمن جميعا في صف واحد ولا تتقدمهن امرأة، قيل ففي صلاة مكتوبة أيؤم بعضهن بعضا ؟ قال: نعم) وقال الباقر (عليه السلام) في خبر جابر (3): (إذا لم يحضر الرجل تقدمت امرأة وسطهن وقام النساء عن يمينها وشمالها وهي وسطهن تكبر حتى تفرغ من الصلاة) وظاهر الجميع وجوب القيام وسط الصف، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر لظاهر الأخبار، لكن قال المصنف هنا: (ويكره أن تبرز عنهن بل تقف في صفهن) واقتصر في الكشف على نقل خلافه، وكأنه حمل النص والفتوى على ذلك ولا بأس به. وكيف كان فظاهر النص والفتوى ومعقد الاجماع عدم اشتراط صلاتهن بعدم الرجال، بل يجزي ذلك منهن عنهم كما هو مقتضى الوجوب الكفائي الشامل للرجال والنساء والخناثي، فما عساه يحكى عن ظاهر السرائر من اشتراط صلاتهن بعدم الرجال في غير محله، مع انه يمكن إرجاعه إلى الأصحاب (وكذا الرجال العراة) في الائتمام وعدم البروز عن الصف بل يقف معهم كالمرأة بلا خلاف، بل في جامع المقاصد وفوائد


(1) و (3) الوسائل الباب - 25 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 - 4 من كتاب الطهارة (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 25 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 وذيله في الباب 20 من أبواب صلاة الجماعة - الحديث 2

[ 26 ]

الشرائع نسبته إلى الشيخ والأصحاب، لكن قال في الإخير مع أنهم صرحوا بأن العراة يجلسون في اليومية وكأنه بناء على أن الستر ليس شرطا في صلاة الجنازة ونحن نشترطه أو للفرق بينها وبين اليومية بالاحتياج إلى الركوع والسجود هناك بخلافه هنا، وليس بشئ لوجوب الايماء، والمتجه فعلها من جلوس واستحباب عدم التقدم بحاله، وفيه أنه مخالف لظاهر الأكثر، بل صريح التذكرة والذكرى والمحكي عن المعتبر وغيره، بل ظاهرهم عدم الفرق في ذلك بين أمن المطلع وعدمه، وإن كان قد يشكل بأنه كما يجب القيام في هذه الصلاة يجب حفظ العورة عن النظر، بل هو أهم بالمراعاة، ويمكن حمل كلامهم هنا على الأول، وأمن بعضهم من بعض حاصل بوقوف الامام معهم في الصف، فكل منهم مستتر بالآخر، وعدم وجوب مثله في الفريضة إن قلنا به فللنص (1) ولأن القيام في هذه الصلاة من أركانها بخلافه في الفريضة، وظاهر الوسيلة وجوب وضع اليد على السوأة، قال: (يقف الامام في وسطهم واضعين (واضع خ ل) أيديهم على سوآتهم) ولم أجد لغيره، لكن لا بأس به لو توقف الحفظ عن النظر عليه، كما أنه لا بأس بما هو ظاهر الأكثر من وجوب وقوف الامام في الصف، بل لا أجد تصريحا بخلافه من غير المصنف، إذ المحقق الثاني وإن صرح بالندب إلا أنه صرح بالجلوس كما عرفت، إلا أنه ومع ذلك فالقول بالندب غير بعيد الارادة من إطلاق الفتاوي إذ لم يتوقف عليه التحفظ عن النظر، ولعل إطلاق المصنف الجواز بناء على عدم توقفه غالبا، لأن دبره مع بروزه مستور بالاليتين وقبله بالتقدم، كما أن إطلاق الأصحاب الوقوف في الصف مبني على قبح النظر إلى صورة الاليتين، بل لا يبعد جعل المدار في القيام أيضا على التمكن من التحفظ عن النظر وعدمه، فيجب في الأول والجلوس في الثاني، بل يصلون حينئذ من جلوس إن كانوا جميعا كذلك، وإلاصلى كل منهم بحسب تمكنه بناء


(1) الوسائل الباب - 51 - من أبواب لباس المصلى من كتاب الصلاة

[ 27 ]

على مشروعية الصلاة للعاجز مع القادر، لكن لا يأتم القائم بالقاعد كما في اليومية، وإن كان في إقامة الدليل عليه بناء على عدم اندراج مثل هذه الصلاة في الاطلاق إشكال قد يدفعه أنه وإن قلنا بعدم اندارجها في إطلاق الصلاة لكن لا ريب في اندراج إئتمامها في إطلاق الائتمام، فيعتبر فيه حينئذ ما اعتبر فيه في غيرها إذا كان دليل الاعتبار ظاهرا " في الائتمام من حيث هو لا الائتمام بخصوص الفريضة مثلا "، فما في كشف الاستاذ من أن في اشتراط القيام لو أم قائمين مع عجزه عن القيام، وطهارته بالماء لو أم متطهرين به، وعدم ارتفاع مقامه بما يعتد به على المأمومين وجهين، أقواهما العدم لا يخلو من نظر فيما غدا الوسط الذي يقوى عدم اعتباره في الفريضة فضلا عن هذه الصلاة، وربما تسمع لذلك تتمة، كما أنه بملاحظة ما سلف لنا في صلاة العارى يحصل ما له نقع تام في المقام، فلا حظ وتأمل. ثم إن الظاهر جريان البحث في إئتمام المستورين بالعاري، فيستحب أو يجب الوقوف معهم في الصف، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (غيرهما من الأئمة): أي العارى والامرأة (يبرز أمام الصف ولو كان المؤتم واحدا ") بلا خلاف أجده فيه، بخلاف المكتوبة لخبر اليسع بن عبد الله القمي (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن الرجل يصلي على الجنازة وعده قال: نعم، قلت: (فائنان) قال: نعم ولكن يقوم الآخر خلف الآخر ولا يقوم بجنبه) ولا صراحة فيه بخصوص الائتمام، فيمكن ثبوت الحكم في الانفراد أيضا، إلا أني لم أجد نصا من أحد من الاصحاب عليه، والظاهر إرادة الندب من إطلاق النص والفتوى، بل مقتضى النهي في الأول منهما الكراهة، هو مما يؤيد إرادتهم من نهو ذلك فيما تقدم الندب أيضا، إذ احتمال الوجوب هنا بعيد.


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 28 ]

(و) على كل حال ف‍ (إذا اقتدى النساء بالرجل وقفن خلفه) بالأولى لمطلوبية الستر، ولان الجنازة أولى من المكتوبة التي ينبغي تأخرهن عنه فيها (وإن كان وراءه رجال وقفن خلفهم) بلا خلاف، بل في المدارك لا ريب فيه لتأخر رتبتهن، ولأنه أبلغ في الستر وأبعد عن الافتتان بهن والاشتغال بتصورهن، وفي خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير الصفوف في الصلاه المقدم، وخير الصفوف في الجنائز المؤخر، قيل: يا رسول الله ولم ؟ قال: صار سترة للنساء) واليه أشار في الفقيه فقال: وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير، والعلة في ذلك أن النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الإخير فتأخرن إلى الصف الأخير فبقي فضله على ما ذكره (صلى الله عليه وآله)، ومراده كما في وافي الكاشاني (أن النساء إنما يختلطن بالرجال في الجنائز طلبا لفضل الصف المتقدم من صفوفهن المتأخرة، فيقفن خلف الرجال متصلات بهم، فنهين عن ذلك بتفضيل الصف الأخير من صفوفهن على الأول منها، وأما في الصلوات المكتوبة فللزوم تأخرهن عنهم هنالك بمقدار مساقط أجسامهن أو أكثر لم يحصل الاختلاط المحذور منه، وأما طلب الرجال التأخر بعد شرعيته هنا فلا مفسدة فيه، لأنهن كن خلفهم لا يرونهن، وأما تقدمهم على النساء في الصلاتين فكان من الأمور المعهودة عندهم، وكانوا يعلمون ذلك، وإنما كان فضيلة تأخرهم بالاضافة إلى أنفسهم دون النساء، لتقدم الرجال على النساء على كل حال، إذا عرفت هذا فمعنى قوله (صلى الله عليه وآله): (صار سترة للنساء) ان الصف المتأخر إنما فضل على المتقدم لتطلب النساء التأخر فالتأخر، فيكون أبعد من الرجال، فيكن مستورات عنهم بصفوفهن المتقدمة، ثم لما شرع لهذه المصلحة بقي حكمه إلى يوم


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 29 ]

القيامة وإن لم يكن مع الرجال امرأة، مع أن فيه منع الناس عن الازدحام، قيل: ويحتمل أن يكون المراد بالصفوف في الحديث صفوف الجنائز لا المصلين، فان كل صف من الجنائز أقرب إلى المصلي فهو المؤخر وهو الأفضل، قلت: وحينئذ يشكل التعليل) انتهى. قلت: بل يشكل الدليل حينئذ على ما ذكره غير واحد من الأصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق عليه من فضل الصف الاخير في صلاة الجنازة عكس اليومية، إذ لم نقف على غير الخبر المزبور، لكن ومع ذلك عن المجلسي الجزم بالاحتمال المزبور، بل بالغ في الانكار على الأصحاب في فهم الخبر المذكور على غير ذلك، قال: (والذي يفهم من الرواية وهو الظاهر منها لفظا ومعنى أن المراد بالصفوف في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة وغيرها، والمراد بصفوف الجنائز إنما هو الجنائز المختلفة إذا وضعت بين يدي الامام للصلاة عليها، وأن المراد خير الصفوف في الصلاة الصف المتقدم: أي ما كان أقرب إلى القبلة، وخير الصفوف في الجنائز المؤخر: أي ما كان أبعد عن القبلة وأقرب إلى الامام، ولما كان الأشرف في جميع المواضع متعلقا بالرجال صار كل من الحكمين سببا لسترة النساء، لأن تأخرهن في الصفوف سترة لهن، وتأخر جنائز هن لكونه سببا لبعدهن عن الرجال المصلين سترة لهن، فاستقام التعليل في الخبرين وسلم الكلام عن ارتكاب الحذف والمجاز، وصار الحكم مطابقا لما دلت عليه الأخبار، والعجب من الأصحاب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال الظاهر وذهبوا إلى ما يحتاج إلى تلك التكلفات البعيدة الركيكة، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) واستجوده في الحدائق لكن قال: إن دليل الأصحاب لا ينحصر في الخبر المزبور، فيمكن أن يكون نص لم يصل الينا كما في كثير من الأحكام، بل التعليل المزبور من الفقيه كالصريح في وصول نص إليه كما لا يخفى على الممارس العارف بطريقته، مضافا إلى ما في فقه الرضا

[ 30 ]

(عليه السلام) (وأفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير). قلت: على أنه قد يقال بعدم حسن التعليل في الخبر المزبور إلا على ما ذكره الأصحاب، ضرورة عدم الاحتياج للسترة في الصلاة على المرأة حتى يكون الصف المؤخر من جنائز الرجال سترة بين المصلي وبين جنائز النساء الذي هو المقدم، بخلافه على ما عند الأصحاب، إذ المراد أنه صار فضل التأخر سببا لستر النساء وعدم تقدمهن على الرجال أو محاذاتهن، كما هو واضح بأدنى نظر، فتأمل. وكيف كان فلا ريب في تأخر النساء على الرجال إلا أن الظاهر كون ذلك على الندب، لا طلاق الأدلة وانسياق ثبوت ذلك فيها تشبيها لها بالصلاة، أو أنها منها، وقد عرفت عدم وجوب ذلك في الفريضة، فهي أولى عند التأمل. (و) على كل حال ف‍ (ان كان فيهن حائض انفردت عن صفهن استحبابا) كما صرح به جماعة وإن كان ظاهر النصوص الوجوب كبعض الفتاوى، قال محمد بن مسلم (2) في الصحيح: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تصلي عن الجنازة قال: نعم، ولا تصف معهم وتقف مفردة) وسأله (عليه السلام) سماعة (3) أيضا (عن المرأة الطامث إذا حضرت الجنازة فقال: تتيمم وتصلي عليها وتقوم وحدها بارزة من الصف) والبصري (4) (تصلي الحائض على الجنازة فقال: نعم، ولا تصف معهم وتقوم مفردة) ومرسل ابن المغيرة (5) عن رجل أنه سأله (عليه السلام) أيضا (عن الحائض تصلي على الجنازة فقال: نعم ولا تقف معهم) كقول الباقر (عليه السلام) في خير ابن مسلم (6) أيضا: (ان الحائض تصلي على الجنازة ولا تصف معهم) إلى غير


(1) فقه الرضا عليه السلام ص 19 (2) و (3) و ((4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث - 1 - 5 - 3 - 4 - 1 من كتاب الطهارة

[ 31 ]

ذلك، لكن حمل الأمر والنهي فيها على الندب والكراهة لأنه المنساق ولو لقوة الاطلاق والحكم بندبية التأخر لغيرها غير بعيد، كما أن المنساق من النصوص المزبورة إرادة انفرادها بصف عن النساء والرجال، بل هو مقتضى إطلاق خبر سماعة لا خصوص الأخير وإن كان هو المذكور في كثير منها باعتبار تذكير الضمير، لكنه لا ينافي الانسياق فضلا " عن الاطلاق فما عن الذكرى - من أن في انفراد الحائض هنا نظرا " من قول الصادق (عليه السلام): (لا تقف معهم تقف منفردة) وان الضمير يدل على الرجال، وإطلاق الانفراد يشمل النساء - في غير محله، خصوصا بعد فهم الأصحاب، إذ لم أجد فيه خلافا من أحد، ثم لا يخفى أن الأمر بالتيمم في موثق سماعة لا لتحصيل الطهارة، ضرورة عدم إمكان حصولها قبل انقطاع الدم، بل المراد استحباب الصورة ولا بأس به، والله أعلم. القسم (الثالث في كيفية الصلاة وهي) على المؤمن (خمس تكبيرات) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر كالنصوص منها المشتمل على بيان الوجه في ذلك أنه أخذ من كل من الخمس صلوات تكبيرة (1) أو من كل من الخمس فرائض: الصوم والصلاة والزكاة والحج والولاية تكبيرة (2) ولعله لذا ترك العامة أحدها لعدم النصيب لهم في الأخيرة، وبالجملة كون الصلاة عندنا خمسا كالضروري من المذهب، بل يعرفه المخالف منا فضلا " عن الموافق، بل عن بعض العامة أنهم تركوه لأنه من شعار الشيعة، قال في المحكي عن حواشي الشهيد: إن محمد بن علي بن عمران التميمي المالكي قال في كتابه الموسوم بفوائد مسلم: إن زيدا كبر خمسا وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان كذلك يكبرها ولكن ترك هذا المذهب لأنه صار علما على القول بالرفض، قلت: ومن هنا تركوا الحق في أصول الدين


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة

[ 32 ]

وفروعه، لأنه علم على الرفض، وتكبير علي (عليه السلام) على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة كأنه تكرير للصلاة خمس مرات كما صرحت به النصوص (1) وأنه (عليه السلام) كلما صلى ومشى به جاء جماعة فقالوا: لم ندرك الصلاة عليه فأنزله وأعاد الصلاة حتى انتهى به إلى قبره، بل عنه (عليه السلام) (2) أنه قال: (لو كبرت عليه سبعين تكبيرة لكان أهلا) وفي آخر (3) عن الصادق (عليه السلام) (أنه صلى (عليه السلام) خمسا لأن له خمس مناقب، فصلى عليه لكل منقبة صلاة) وأشار فيه إلى أربعة منها، هي أنه بدري أحدي من النقباء الذين اختارهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الاثنى عشر نقيبا، عقبي أي أحد الستة الذين لا قاهم رسول الله صلى الله عليه وآله في عقبة المدنيين وأخذ البيعة عنهم، وترك ذكر الخامسة، ولعلها الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) لانه من السابقين الذين رجعوا إليه (عليه السلام)، بل منه يعلم ندب تكرير الصلاة لأهل الشرف والفضل كما ستعرف. ومن ذلك يظهر الوجه في تكبير النبي (صلى الله عليه وآله) على فاطمة بنت أسد أربعين (4) وعلى عمه حمزة سبعين (5) وان المراد صلاته أربعة عشر صلاة، وقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة (6): (أنه صلى عليه سبعين صلاة) يمكن حمله على إرادة الدعاء له سبعين مرة أي دعاله بعد كل تكبيرة، فيتحد حينئذ مع الخبر الأول، وعلى كل حال فليس المراد سبعين تكبيرة لصلاة واحدة، بل عن صحيفة الرضا


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 و 5 و 21 (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 12 من كتاب الطهارة (3) و (4) و (6) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 18 - 8 - 6 (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5 و 7 من كتاب الطهارة الجواهر 4

[ 33 ]

(عليه السلام) (1) باسناده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وآله كبر على عمه حمزة خمس تكبيرات، وكبر على الشهداء بعده خمس تكبيرات، فلحق حمزة سبعين تكبيرة) الحديث. نعم في خبر عقبة (2) سأل جعفر (عليه السلام) (عن التكبير على الجنائز فقال: ذاك إلى أهل الميت ما شاءوا كبروا، فقيل: إنهم يكبرون أربعا فقال: ذاك إليهم) الحديث. وفي خبر جابر (3) (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنازة هل فيه شئ موقت ؟ فقال: لا، كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إحدى عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا وأربعا) ولا ريب في شذوذه، وفي كشف اللثام أنه يجوز أن يكون بحضور جنازة أخرى أو جنازات أخر في أثناء الصلاة والاستئناف عليهما، ويجوز خروج الزائد عن الصلاة، ويجوز أن يراد بالتكبير الصلاة، ويراد تكريرها ستا وسبعا فصاعدا "، ويجوز كون تكبيرات الامام والمأموم اللاحق بأجمعها ستا أو سبعا أو تسعا. قلت: لا يقدح بعد ذلك أو بعضه بعدما عرفت من الشذوذ ومخالفة الاجماع أو الضرورة فضلا " عن المستفيض أو المتواتر من النصوص (4) التي منها يعلم البطلان لو قصد من أول الأمر التقرب بالزائد أو الناقص على وجه التشريع وإن لم يفعل ما نواه أما لو زاد عمدا " بعد نية التمام فقد قيل بعدم البطلان، لوقوعه البتة في الخارج فلا تبطل، وقد يشكل أولا بما عن جامع المقاصد مما إذا زاد عند بعض الأدعية تكبيرتين فانه حينئذ ليس خارجا عن الصلاة، وثانيا بأنه مع قصد الزيادة بما يأتي به دون التي هي من الصلاة لا تقع منها، نعم لو زاد سهوا " يمكن عدم البطلان وإن كان عند بعض الأدعية،


(1) المستدرك الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 17 من كتاب الطهارة (2) و (3) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 17 18 (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الجنازة - من كتاب الطهارة

[ 34 ]

لعدم ثبوت حكم الركنية هنا، ودعوى أنها الأصل يمكن منعها، خصوصا بعد إمكان فتح قاعدة السهو التي منها يمكن القول بالصحة مع النقصان كذلك إذا لم يذكره إلا بعد انمحاء الصورة، خلافا لبعضهم فصرح بالبطلان به إذا كان على وجه لا يمكن التدارك، وفيه بحث يعلم من المباحث السابقة، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (الدعاء) خاصة أو الشامل للشهادتين (بينهن) أي التكبيرات (غير لازم) عند المصنف خاصة هنا، قيل: وظاهر النافع والمعتبر، للأصل والاطلاق المقطوعين بما ستعرف إذا فرض كون الثاني منهما مساقا لنحو ذلك، واختلاف النصوص الذي هو في خصوص بعض الكيفيات، خلافا لمن عداه من الأصحاب فيجب، بل لعله في النافع والمعتبر كذلك، قال في الأول: (هي خمس تكبيرات بينها أربعة أدعية ولا يتعين، وأفضله أن يكبر) إلى آخر ما في الكتاب مع زيادة الانصراف بالخامسة مستغفرا "، ونحوه في ذلك كله في كشف اللثام عن المعتبر مع زيادة أنه مذهب علمائنا، بل حسن الظن به في نقل ما ظاهره الاجماع يوجب إرادته عدم تعين دعاء مخصوص لا أصل الدعاء، وإلا كان ذلك منه من الغرائب، ضرورة كونه محصلا " ومنقولا " في ظاهر الخلاف وصريح الغنية على خلافه، بل عن شرح الارشاد لفخر الاسلام (الصلاة على النبي وآله (عليهم السلام) واجبة باجماع الامامية) وفي الذكرى (أن الأصحاب أجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة كابني بابويه والجعفي والشيخين وأتباعهما وابن إدريس، ولم يصرح أحد منهم بندب الأذكار، والمذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب). قلت: مضافا إلى اشتراك جميع نصوص الكيفية فعلا " وقولا " بخلافه على اختلافها ففي صحيح محمد بن مهاجر (1) عن أمه أم سلمة (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1

[ 35 ]

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلى على ميت كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على الأنبياء ودعا، ثم كبر ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة ودعا للميت، ثم كبر وانصرف فلما نهاه الله عز وجل عن الصلاة للمنافقين كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على النبيين، ثم كبر ودعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة وانصرف، ولم يدع للميت) قيل: وأرسله في الفقيه ورواه في العلل مبدلا " الأنبياء بالنبي، وزائدا " والمؤمنات، وفي خبر إسماعيل (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على جنازة فكبر عليه خمسا، وصلى على أخرى فكبر عليه أربعا فأما الذي كبر عليه خمسا فحمد الله ومجده في التكبيرة الأولى، ودعا في الثانية للنبي صلى الله عليه وآله ودعا في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات، ودعا في الرابعة للميت، وانصرف في الخامسة، وأما الذي كبر عليه أربعا فحمد الله ومجده في التكبيرة الأولى، ودعا لنفسه وأهل بيته في الثانية، ودعا للمؤمنين والمؤمنات في الثالثة، وانصرف في الرابعة، ولم يدع له لأنه كان منافقا). وقال أبو بصير (2) في خبره: (كنت جالسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز فقال: خمس تكبيرات، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنائز فقال له: أربع صلوات، فقال الراوي: جعلت فداك سألك ذاك فقلت خمسا، وسألك هذا فقلت: أربعا فقال: إنه سألني عن التكبير وسألني هذا عن الصلاة ؟ ثم قال: إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات ثم بسط كفه فقال: إنهن خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات).


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 9 (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 12 من كتاب الطهارة

[ 36 ]

وخبر علي بن سويد (1) عن الرضا (عليه السلام) فيما يعلم قال: (في الصلاة على الجنائز تقرأ في الأولى أم الكتاب، وفي الثانية تصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) وتدعو في الثالثة للمؤمنين والمؤمنات، وتدعو في الرابعة لميتك، والخامسة تنصرف بها) والقداح (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (إن عليا (عليه السلام) كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلى على النبي (صلى الله عليه وآله)) وسأل زرارة (3) في الصحيح أبا عبد الله (عليه السلام) (عن الصلاة على الميت فقال: تكبر ثم تصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم تقول: اللهم عبدك وابن عبدك ابن أمتك، لا أعلم منه إلا خيرا " وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وتقبل منه، وإن كان مسيئا فاغفر له ذنبه، وافسح له في قبره، واجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم تكبر الثانية وتقول: اللهم إن كان زاكيا فزكه، وإن كان خاطئا فاغفر له، ثم تكبر الثالثة وتقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، ثم تكبر الرابعة وتقول: اللهم اكتبه عندك في عليين، واخلف على عقبة في الغابرين، واجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم كبر الخامسة وانصرف). وسأله (عليه السلام) أيضا أبو ولاد (4) في الصحيح أو الحسن (عن التكبير على الميت فقال: خمس، تقول في أولاهن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صلى على محمد وآل محمد، ثم تقول: اللهم إن هذا المسجى قدامنا عبدك وابن عبدك وقد قبضت روحه اليك، وقد احتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، اللهم إنا لا نعلم من ظاهره إلا خيرا " وأنت أعلم بسريرته، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 8 - 2 - 5 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب 7 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 4 من كتاب الطهارة

[ 37 ]

وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، ثم تكبر الثانية وتفعل ذلك في كل تكبيرة) وقال هو (عليه السلام) أيضا للحلبي (1) (تكبر ثم تشهد ثم تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون الحمد لله رب العالمين رب الموت والحياة صل على محمد وأهل بيته، جزى الله محمدا عنا خير الجزاء بما صنع بأمته وبما بلغ من رسالات ربه، ثم تقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيته بيدك، خلا من الدنيا واحتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وتقبل منه، وإن كان مسيئا فاغفر له ذنبه، وارحمه وتجاوز عنه برحمتك، أللهم ألحقه بنبيك (صلى الله عليه وآله)، وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، اللهم اسلك بنا وبه سبيل الهدى، واهدنا وإياه صراطك المستقيم، اللهم عفوك، ثم تكبر الثانية وتقول: مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات). وقال سماعة (2): (سألته عن الصلاة على الميت فقال: تكبر خمس تكبيرات، تقول أول ما تكبر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد وعلى الأئمة الهداة، واغفر لنا ولو الدينا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا " للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم اللهم غفر لأحيائنا وأمواتنا من المؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبنا على قلوب أخيارنا واهدنا لما اختلف فيه من الحق باذنك، إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم، فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك، وتقول: اللهم هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت أعلم به افتقر إلى رحمتك، واستغنيت عنه، اللهم فتجاوز عن سيئاته، وزد في حسناته واغفر له وارحمه ونور له في قبره ولقنه حجته وألحقه بنبيه وآله، ولا تحرمنا


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 6

[ 38 ]

أجره ولا تفتنا بعده، تقول هذا حتى تفرغ من خمس تكبيرات) وزاد في التهذيب (فإذا فرغت سلمت عن يمينك). وسأل عمار (1) أبا عبد الله (عليه السلام) في الموثق سألته (عليه السلام) عن الصلاة على الميت فقال: تكبر ثم تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد اللهم صل على محمد وعلى أئمة المسلمين، اللهم صل على محمد وعلى إمام المسلمين اللهم عبدك فلان وأنت أعلم به، اللهم ألحقه نبيه محمد وآله (صلوات الله عليهم)، وافسح له في قبره ونور له فيه وصعد روحه ولقنه حجته، واجعل ما عندك خيرا " له، وأرجعه إلى خير ما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا، أجره ولا تفتنا بعده، اللهم عفوك عفوك، اللهم عفوك عفوك، تقول هذا في التكبيرة الأولى، ثم تكبر الثانية فتقول: اللهم عبدك فلان، اللهم أحلقه بنبيه محمد وآله وسلم وافسح له في قبره ونور له فيه وصعد نوره ولقنه حجته، واجعل ما عندك خيرا له، وأرجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده، اللهم عفوك، اللهم عفوك، تقول هذا في الثانية والثالثة والرابعة، فإذا كبرت الخامسة فقل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبهم، وتوفني على ملة رسلوك، اللهم اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا " للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، اللهم عفوك عفوك وتسلم). وقال (عليه السلام) أيضا في خبر يونس (2): (الصلاة على الجنائز التكبيرة الأولى استفتاح الصلاة، والثانية تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا " رسول الله،


(1) و (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 11 - 10

[ 39 ]

والثالثة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وعلى أهل بيته (عليهم السلام) والثناء على الله، والرابعة له، والخامسة تسلم وتقف بقدر بين التكبيرتين، ولا تبرح حتى يحمل السرير من بين يديه) مضافا إلى نصوص (1) المستضعف والمنافق وغيرها مما تضمن أنها هي تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل. وبالجملة لا ريب في إمكان دعوى تواتر الأخبار بوجوب الزائد على التكبيرات بل قد يدعى تواترها في الدعاء فيها للميت أيضا، وقول الباقر (عليه السلام) في حسن زرارة ومحمد بن مسلم ومعمر بن يحيى وإسماعيل الجعفي (2): (ليس في الصلاة قراءة ولا دعاء موقت تدعو بما بدا لك، وأحق الموتى أن يدعى له المؤمن، وأن يبدأ بالصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله)) محمول على نفي الدعاء المعين له الذي حكى في المنتهى إجماع أهل العلم عليه، وأشار إليه المصنف بقوله: (ولو قلنا بوجوبه لم نوجب لفظا على التعيين) لا أصله، بل قوله (عليه السلام): (تدعو) إلى آخره. ظاهر في ذلك، قال في الذكرى بعد أن روى الخبر المزبور: (نحن لا نوقت لفظا بعينه، بل نوجب مدلول ما اشتركت فيه الروايات بأي عبارة كانت) فما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين - من أنه إنما يجب فيها الدعاء للميت أو لغيره كالمحكي عن ابن الجنيد ليس في الدعاء بين التكبيرات شئ موقت لا يجوز غيره واضح الضعف، كاحتمال وجوب الذكر فيه وإن لم يكن دعاء، لقول الصادق عليه السلام (3): (نعم إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبيح في بيتك على غير وضوء) جواب سؤال يونس بن يعقوب له عن الصلاة على الجنازة على غير وضوء الذي هو قرينة على كونه المراد نفي


(1) الوسائل الباب - 3 و 4 - من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة (3) الوسائل الباب - 21 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة

[ 40 ]

كونها ذات الركوع والسجود التي يعتبر فيها الوضوء، لا أن المراد بيان جميع ما يقال فيها. فظهر أن ذلك كله لا ينافي ما ذهب إليه جماعة من الأصحاب، بل في الذكرى والمحكي عن المختلف وجامع المقاصد وغيرهما نسبته إلى الشهرة من وجوب الشهادتين في التكبيرة الأولى، والصلاة على محمد وآله في الثانية، والدعاء للمؤمنين في الثالثة والدعاء للميت في الرابعة، وهو الذي جعله المصنف أفضل، فقال: (وأفضل ما يقال ما رواه محمد بن مهاجر (1) عن أمه أم سلمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا صلى على ميت كبر وتشهد ثم كبر وصلى على الأنبياء ودعا ثم كبر ودعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة ودعا للميت ثم كبر وانصرف) وفيه أن دليل التأسي بفعله المروي فيه وفي خبر إسماعيل (2) أيضا بعد حمل الحمد والتمجيد فيه على الشهادة في غيره يقضي بوجوب التوزيع الذي قد عرفت موافقته للمعلوم من نظم الدعاء من الابتداء بثناء الله والصلاة على النبي ثانيا، والدعاء للمؤمنين ثالثا، وذكر المقصود رابعا، وعرفت أيضا أنه المشهور بين الأصحاب، بل في الخلاف الاجماع عليه، قال: (يكبر أولا " ويشهد الشهادتين، ويكبر الثانية ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ويكبر ثالثا ويدعو للمؤمنين، ويكبر رابعا ويدعو للميت، ويكبر الخامسة وينصرف - إلى أن قال -: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم) ولعله كذلك أيضا، إذ هو المذكور في الجمل والعقود والكافي والوسيلة والاشارة والجامع والغنية والتحرير والارشاد والقواعد والدروس والبيان واللمعة والذكرى والموجز وفوائد الشرائع وحاشية الارشاد والجعفرية وشرحيها والروض والكفاية والمنظومة وغيرها والفقيه والمقنع والهداية


(1) و (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 9 1 من كتاب الطهارة الجواهر 5

[ 41 ]

والمصباح ومختصره على ما حكي عن البعض وإن كان ما في الخمسة الأخيرة الفاظا معينة، وفى الغنية بعد الثالثة والرابعة خاصة ألفاظ معينة، لكن من المحتمل إن لم يكن الظاهر عدم إرادة لزوم التعيين، وإنما هو على ضرب من التأديب، بل هو كالصريح من الهداية، حيث أنه بعد أن ذكر الألفاظ التي ستعرفها قال: (المواطن التي ليس فيها دعاء موقت الصلاة على الجنازة والقنوت والمستجار والصفا والمروة والوقوف بعرفات وركعتا الطواف) إلى آخره. ولعل الجميع كذلك خصوصا كتب الصدوق، كما أن ما في المبسوط والنهاية والاقتصاد والمقنعة والمراسم والسرائر والمهذب من شهادة التوحيد بعد الأولى حسب، وفي الأربعة الأخيرة لها ألفاظ مخصوصة، إلا أن في المهذب بعد ذكر الألفاظ (والاقتصار على الشهادتين مجز كذلك أيضا) بعد حمل شهادة التوحيد فيها على ما يشمل الشهادتين كما يؤمي إليه ما في المهذب حيث أنه ذكر كما ذكروا، ثم قال: (والاقتصار) إلى آخره. ويؤيد ذلك كله ما عن المنتهى من إجماع اهل العلم على عدم دعاء معين، قال: (إذا ثبت عدم التوقيت فيها فالأقرب ما رواه ابن مهاجر ثم ذكر أنه إذا كبر الثانية صلى على النبي وآله (صلوات الله عليهم)، وأنه لا يعرف في ذلك خلافا، وأنه رواه الجمهور عن ابن عباس ورواه الأصحاب في خبر ابن مهاجر وغيره، وأن تقديم الشهادتين يستدعي تعقيب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) كما في الفرائض - قال -: وينبغي أن يصلي على الأنبياء لخبر ابن مهاجر - ثم قال -: الدعاء للميت واجب لأن وجوب صلاة الجنازة معلل بالدعاء للميت والشفاعة فيه، وذلك لا يتم بدون وجوب الدعاء - ثم قال -: لا يتعين هنا دعاء أجمع أهل العلم على ذلك، ويؤيده أحاديث الأصحاب).

[ 42 ]

وكيف كان فيدل عليه مضافا إلى ذلك خبر علي بن سويد الذى لا يقدح اشتماله على قراءة ام الكتاب في التكبيرة الأولى وخبر أبي بصير الذي ينبغى حمل ما فيه من الأربع صلوات على التغليب على الشهادتين، بل قد تدل عليه بقية الأخبار السابقة بعد حمل ما فيها من الزائد على وظيفة كل تكبيرة على الندب، لمعارضة الأدلة المزبورة، أما هي فتبقى على ظاهر الأمر الذي هو للوجوب، كما أن المجرد منها على الشهادتين في التكبيرة الا ولى مثلا " لا ينافي ثبوتهما من دليل آخر، ولا ظهوره في وجوب غيرهما على حسب ما سمعت، وعدم ذكر كثير من الأصحاب جمع الأذكار كلها أو بعضها في كل تكبيرة لا ينافي الحكم، مع أن الحسن بن عيسى قال: (تكبر وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا " عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد وأعل درجته وبيض وجهه كما بلغ رسالتك وجاهد في سبيلك ونصح لإمته، ولم يدعهم سدى مهملين بعده، بل نصب لهم الداعي إلى سبيلك الدال على ما التبس عليهم من حلالك وحرامك، داعيا إلى موالاته ومعاداته ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيى عن بينة، وعبدك حتى أتاه اليقين، وصلى الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، ثم تستغفر للمؤمنين الأحياء منهم والأموات، ثم تقول: اللهم إن عبدك وابن عبدك تخلى من الدنيا واحتاج إلى ما عندك، نزل بك وأنت خير منزول به، افتقر إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " وأنت أعلم به منا، فان كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فاغفر له ذنوبه، وارحمه وتجاوز عنه، اللهم ألحقه بنبيه (صلى الله عليه وآله) وصالح سلفه، اللهم عفوك عفوك، وتقول هذا في كل تكبيرة). ولعل مراده الندب كما حكاه عنه بعضهم، ونحوه في الجمع المزبور وإن اختلف اللفظ الجعفي كما في الذكرى، وعن المختلف أنه استدل له في جمعه الأذكار بعد كل تكبيرة

[ 43 ]

بخبر أبي ولاد (1) ثم قال: والجواب نحن نقول بموجبه لكنه لا يجب فعل ذلك لما قدمناه من حديث مهاجر، قال: وكلا القولين جائز للحديثين، ولما مر من قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة وابن مسلم وحسنهما: (ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت) الخبر. وفي الذكرى بعد أن حكى عن الفاضل جواز الأمرين قال: (لاشتمال ذلك على الواجب، والزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها وإن كان العمل بالمشهور أولى، ولكن ينبغي مراعاة هذه الألفاظ تيمنا بما ورد عنهم (عليهم السلام) وكذلك أوردناها) وظاهره كالفاضل مشروعية ذلك، وكان الأولى الاستدلال للجمع المزبور بمضمر سماعة (3) لا حسن أبي ولاد المجرد عن الدعاء للمؤمنين بخلاف المضمر المزبور، ولا يقدح قوله (عليه السلام) فيه: (فان قطع عليك) إلى آخره. فان المراد به عدم ضرر قطع تكبيرة الامام عليك الدعاء لو كنت مسبوقا مثلا، فأتم دعاءك وإن وقعت منه في الأثناء، قال الكاشاني: (كأنه أريد به أنك إن كنت مأموما لمخالف فكبر الامام الثانية قبل فراغك من هذا الدعاء أو بعده وقبل الاتيان بما يأتي فلا يضرك ذلك القطع - بل تأتي بتمامه أو بما يأتي بعد الثانية بل الثالثة أو الرابعة حتى تم الدعاء - قوله (عليه السلام): (تقول اللهم) اي تقول هذا أيضا بعد ذاك سواء قطع عليك بأحد المعنيين أو لم يقطع، وفي التهذيب (فقل) بدل (تقول) وقوله (عليه السلام) في آخر الحديث: (يقول هذا) يعني تكرر المجموع وهذا الأخير ما بين كل تكبيرتين، وفي التهذيب (حين يفرغ) مكان (حتى يفرغ) وعلى هذا يكون معناه أن يأتي بالدعاء الأخير بعد الفراغ من الخمس، وفيه بعد، والظاهر أنه تصحيف) إلى آخره.


(1) و (3) الوسائل الباب. - 3 - من أبواب صللاة الجنازة الحديث 5 - 6 (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة

[ 44 ]

وعلى كل حال فالظاهر أنه لا بأس بالجمع المزبور كلا أو بعضا، نعم ما ذكره من خصوص الألفاظ المزبورة لم نجده في شئ مما وصلنا من النصوص، كما أن ما في المحكي عن الفقيه والمقنع والهداية كذلك، قال: (يكبر ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا " عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا " ونذيرا " بين يدي الساعة، ويكبر الثانية ويقول: اللهم صل على محمد وآل، محمد، وارحم محمدا " وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ويكبر الثالثة ويقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ويكبر الرابعة ويقول: اللهم هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه واغفر له، اللهم اجعله عندك في أعلا عليين، واخلف على أهله في الغابرين وارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين) بل ولا ما في المحكي عن المقنعة والمراسم والمهذب بعد التكبيرة الأولى (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها " واحدا " فردا " صمدا " قيوما لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، لا إله إلا الله الواحد القهار ربنا ورب آبائنا الأولين) وفي الباقية كما قاله الصدوق لكن قدموا بعد الثانية الدعاء بالبركة على الرحمة، وزادوا بعد دعاء الثالثة (وأدخل على موتاهم رأفتك ورحمتك، وعلى أحيائهم بركات سماواتك وأرضك، إنك على كل شئ قدير) وبعد الخامسة قول: (اللهم عفوك عفوك) وفي كشف اللثام وكذا في شرح القاضي لجمل السيد، إلا أنه قال: (يتشهد المصلي بعد التكبيرة الأولى بالشهادتين) وقال بعض أصحابنا ومنهم شيخنا المفيد: (يقول بعد التكبيرة الأولى: لا إله إلا الله) إلى آخر ما سمعت، ثم قال: (وكل من هذا الوجه ومن الشهادتين جائز).

[ 45 ]

قلت: قد عرفت ما يرده من الأدلة السابقة كقوله السابق في المحكي عن المهذب من جواز الاقتصار على الشهادتين، وكذا لم نجد تمام ما عن المصباح ومختصره من قول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا " عبده ورسوله، وفي الثانية كما في المقنعة، وفي الثالثة كما ذكره الصدوق، وزاد بعده (تابع بيننا وبينهم بالخيرات إنك مجيب الدعوات، إنك على كل شئ قدير) وكذا في الرابعة إلى قوله: (فتجاوز عنه) ثم قال: (واحشره مع من كان يتولاه من الأئمة الطاهرين) بل ولا ما في الغنية من تشهد الشهادتين بعد الأولى والصلاة على محمد وآله (صلوات الله عليهم) بعد الثانية والدعاء للمؤمنين، فتقول: ((اللهم ارحم المؤمنين) إلى آخر ما عن المقنعة، وكذا في الرابعة إلا أنه قال: (اللهم عبدك) بلا لفظ (هذا) وزاد لفظ (وارحمه) بعد قوله (واغفر له) ولم يذكر في الخامسة شيئا، وهذا كله شاهد على عدم إرادة الوجوب لخصوص ما ذكروه من هذه الألفاظ. وقال الصادق (عليه السلام) لاسماعيل بن عبد الخالق (1) في الدعاء للميت: (اللهم أنت خلقت هذه النفس، وأنت أمتها، تعلم سرها وعلانيتها، أتيناك شافعين فيها فاشفعنا، اللهم ولها ما تولت، واحشرها مع من أحبت) ولكليب الأسدي (2) (اللهم عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فاغفر له) ويشبه أن يكون لمن جهل حاله كما في كشف اللثام وفي المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (3) (كبر وقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا " عبده ورسوله، وأن الموت حق والجنة حق والنار والبعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ثم كبر


(1) و (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 4 - 7 (3) المستدرك الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1

[ 46 ]

الثانية وقل: اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد أفضل ما صليت ورحمت وترحمت وسلمت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، ثم تكبر الثالثة وتقول: اللهم غفر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات، إنك مجيب الدعوات وولي الحسنات يا أرحم الراحمين، ثم تكبر الرابعة وتقول: اللهم إن هذا عبدك وابن أمتك نزل بساحتك وأنت خير منزول به، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " وأنت أعلم به منا، اللهم إن كان محسنا فزد في حسناته، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه واغفر لنا وله، اللهم احشره مع من يتولاه ويحبيه، وأبعده ممن يتبرأه ويبغضه، اللهم ألحقه بنبيك، وعرف بينه وبينه، وارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين، ثم تكبر الخامسة وتقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). وكيف كان فقد عرفت قوة ما عليه المشهور من إيجاب القدر المشترك بين النصوص موزعا على التكبيرات، واختلاف تلك النصوص مع ما عرفت من الجمع بينها لا ينافي وجوب القدر المشترك كما صرح به في كشف اللثام تبعا للذكرى، بل لعله المراد مما في التذكرة أيضا، قال: الأقوى أنه لا يتعين دعاء معين، بل المعاني المدلول عليها بتلك الأدعية، وأفضله أن يكبر ويشهد الشهادتين إلى آخر ما في الكتاب إلى قوله: ويكبر الخامسة وينصرف مستغفرا " ذهب إليه علماؤنا أجمع، وربما أو همت العبارة عدم وجوب التوزيع، وإلا لم يكن ذلك أفضل، بل هو الواجب لانه معاني تلك الادعية، اللهم إلا أن يحمل على وجه آخر وإن بعد. لكن على كل حال ينبغي بناء على اعتبار معاني تلك الأدعية الواردة في تلك النصوص إضافة الترجيع والتحميد والصلاة على سائر الأنبياء والدعاء للمصلي نفسه ونحو ذلك مما تعرفه بملاحظة النصوص السابقة إلى المعاني التي عرفتها، نعم قد يدفع وجوب

[ 47 ]

أكثر ذلك الأصل وخبر أم سلمة وما ماثله من النصوص السابقة، والاتفاق على الظاهر على خلافه كالاتفاق ظاهرا " على عدم وجوب دعاء بعد الخامسة ممن عدا المفيد والقاضي في شرح الجمل والديلمي والحلي على ما حكي عنهم، فذكروا قول: اللهم عفوك عفوك، وفي الوسيلة (عفوك) ثلاث مرات، ولم نجده في شئ من النصوص، كما أن ما في موثق عمار (1) (اللهم صل على) إلى آخره، وما في مضمر سماعة (2) (اللهم هذا عبدك) إلى آخره، بناء على روايته حين تفرغ، وما في فقه الرضا (عليه السلام) (3) (ربنا آتنا) إلى آخره، لم أجده في شئ من الفتاوى، فالأقوى حينئذ عدم وجوب شئ من ذلك، وقد صرح في الغنية باستحباب تثليث العفو مدعيا عليه الاجماع، والله أعلم. هذا كله إن كان الميت مؤمنا (وإن كان منافقا اقتصر المصلي على أربع) تكبيرات (وانصرف بالرابعة) إن قلنا بمشروعية الصلاة عليه أو وجوبها لغير تقية وفاقا للحلبي وابن حمزة وسعيد والفاضل في بعض كتبه والشهيدين والعليين وأبي العباس والصيمري وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل عن المفاتيح نسبته إلى الأصحاب خلافا لظاهر كثير من العبارات، بل قيل أكثرها وصريح المحكي عن الهداية والغنية، بل في الأخير الاجماع عليه، ولا ريب أن الأقوى الأول لألصل، والفرق بينه وبين المؤمن والالزام له بمذهبه إن كان مخالفا، وما دل (4) على أن الخمس للخمس التي منها الولاية، وهي مفقودة، ولأنها شرعت الدعاء للميت، وليس هنا، ولخبر أم سلمة (5) وخبر إسماعيل بن همام (6) المتقدمين، وصحيح إسماعيل بن سعد الأشعري (7) سأل الرضا


(1) و (2) و (5) و (6) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 11 - 6 - 1 - 9 (3) المستدرك الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 (4) و (7) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 16 - 5

[ 48 ]

(عليه السلام) (عن الصلاة على الميت فقال: أما المؤمن فخمس تكبيرات، وأما المنافق فأربع ولا سلام فيها) وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام بن سالم (1): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر على قوم خمسا وعلى قوم آخرين أربعا، فإذا كبر على رجل أربعا اتهم) إلى غير ذلك من النصوص التي بها يقيد إطلاق نصوص الخمس، لا أنه يجمع بينها بالتخيير بين الانصراف بالرابعة وبين الدعاء عليه بعدها ثم يكبر الخامسة كما في حواشي الكتاب للكركي، ضرورة مخالفته لقواعد المذهب، على أن الاقتصار على الأربع لا ينافي وجوب الدعاء عليه الذي قد يدل عليه قول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (2): (إن كان جاحدا " للحق فقل: اللهم املأ جوفه نارا " وقبره نارا " وسلط عليه الحيات والعقارب وذلك قاله أبو جعفر (عليه السلام) لامرأة سوء من بني أمية صلى عليها أبي فقال: هذه المقالة واجعل الشيطان لها قرينا، قال محمد ابن مسلم: فقلت له: لأي شئ يجعل الحيات والعقارب في قبرها، فقال: إن الحيات يعضضنها والعقارب يلتغنها والشيطان يقارنها في قبرها، قلت: ويجد ألم ذلك قال: نعم شديدا ") وفي خبر عامر بن السمط (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن رجلا " من المنافقين مات فخرج الحسين بن علي (عليهما السلام) يمشي معه فلقيه مولى له فقال له الحسين (عليه السلام) أين تذهب يا فلان ؟ فقال له مولاه: أفر من جنازة هذا المنافق أن أصلي عليها، فقال له الحسين (عليه السلام): انظر أن تقوم على يميني فيما تسمعني أقول فقل مثله، فلما أن كبر عليه وليه قال الحسين (عليه السلام): الله أكبر أللهم


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 (2) فروع الكافي - ج 1 ص 189 (باب الصلاة على الناصب) - الحديث 5 (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 6 الجواهر - 6

[ 49 ]

العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم اخر عبدك في عبادك وبلادك وأصله حرنارك، اللهم أذقه أشد عذابك، فانه كان يوالي أعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك) ورواه صفوان مثله بدون ذكر اللعن كالمحكي عن المقنعة والهداية من الدعاء عليه بذلك، كما أن في الأولى والمحكي عن المهذب وشرح الجمل للقاضي الدعاء على الناصب بما في خبر صفوان (1) لكن زادا في أوله (عبدك وابن عبدك لا نعلم منه إلا شرا " - ثم قالا -: فاخزه في عبادك) إلى آخر ما مر محذوفا منه قوله: (أذقه أشد عذابك) والفاء في (فانه كان) وزادا في آخره (فاحش قبره نارا " ومن بين يديه نارا " وعن يمينه نارا " وعن شماله نارا "، وسلط عليه في قبره الحيات والعقارب) وفي خبر أحمد عن البزنطي (2) قال: (اللهم اخز عبدك في بلادك وعبادك) الحديث. وفي صحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا صليت على عدو الله فقل: اللهم إن فلانا لا نعلم إلا أنه عدو لك ولرسولك، اللهم فاحش قبره نارا " واحش جوفه نارا " وعجل به إلى النار، فانه كان يتولى أعداءك ويعادي أولياءك ويبغض أهل بيت نبيك، اللهم ضيق عليه قبره. فإذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه ولا تزكه) وفي حسنه (4) (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في جنازة ابن أبي: اللهم احش جوفه نارا " واملأ قبره نارا " وأصله نارا "). فما في الذكرى والدروس وتبعه المحقق الثاني وتلميذه والفاضل الميسي والكاشاني من عدم الوجوب للأصل المقطوع بما عرفت، ولأن التكبير عليه أربع وبها يخرج عن الصلاة الذي فيه ما لا يخفى - واضح الضعف، بل المحكي عنه في حواشيه والموجز وشرحه


(1) و (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 - 3 (3) و (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 - 4 من كتاب الطهارة

[ 50 ]

وغيرها، بل قيل: إنه ظاهر كثير من الأصحاب الوجوب، نعم قد يتم عدم الوجوب بناء " على عدم مشروعية الصلاة عليه إلا للتقية، مع إمكان القول بالوجوب على هذا التقدير وإن بعد عملا " بظاهر الأمر في خبري الحلبي (1) وابن مسلم (2) لكن في كشف اللثام (وهل يجب اللعن أو الدعاء عليه ؟ وجهان من الأصل وعدم وجوب الصلاة إلا ضرورة إن قلنا بذلك، فكيف يجب أجزاؤها، وهو خيرة الشهيد، قال: لأن التكبير عليه أربع، وبها يخرج من الصلاة، وعليه منع ظاهر، ومن ظاهر الأمر في خبري الحلبي وابن مسلم) قلت: لا يخفى عليك قوة الثاني على المختار من وجوب الصلاة عليه، لأن المراد به هنا نصا وفتوى - خصوصا مع مقابلته بالمؤمن في الصحيح السابق - المخالف كما صرح به جماعة، بل في كشف اللثام في شرح قول الفاضل: (ولعنه إن كان منافقا) أي مخالفا كما في المنتهى والسرائر والكافي والجامع، وبمعناه ما في الغنية و (رة) من الدعاء على المخالف، فما عن المصباح ومختصره - من التعبير بلعن المخالف المعاند، والنهاية لعن الناصب المعلن والتبري منه، والمبسوط لعن الناصب والتبري منه والوسيلة الدعاء على الناصب لا يخلو من نظر إن أريد منه التخصيص، وحمل جميع هذه النصوص على الناصب - والمنافق في إسلامه لا داعي له بل ولا شاهد عليه، بل لا يبعد كون التعبير عنه بالمنافق ونحوه في النصوص للتقية. ضرورة عدم مشروعية الصلاة على غيره من الناصب والمنافق حقيقة إلا على بعض الوجوه التي ترجع معها إلى صورة الصلاة كالصلاة (3) على عبد الله بن أبي الذي صلى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد يدل الدعاء عليه على الدعاء على المخالف أيضا إلغاء للفرق بينهما وتنقيحا المناط فيهما، كما أن ما هو ظاهر في الناصب كذلك أيضا، بل على بعض التفاسير له يشمل سائر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 - 5 - 4 من كتاب الطهارة

[ 51 ]

المخالفين، بل قد يقال باتحادهم في الحكم معه هنا وإن لم يكونوا متظاهرين بالعداوة لآل محمد (عليهم الصلاة والسلام) تخيلا " منهم أنهم على عقيدتهم في الرضا عن الأول والثاني والثالث، وإلا فهم أعداء لأعدائهم ومنهم آل محمد (عليهم الصلاة والسلام) وأوليائهم وتدليس الحال للتقية لا يرفع أصل العداوة كما هو واضح، فقد يقال حينئذ بوجوب لعنهم أو رجحانه كما هو ظاهر القواعد والمحكي عن المنتهى والسرائر والكافي والجامع فضلا " عن الدعاء عليهم بغيره، وإن كان الأقوى عدم وجوبه أي اللعن باطلاق الأدلة السابقة الذي لا ينافيه فعل الحسين (عليه السلام) وإن أمر وليه بقوله بعد تسليم كون الذي صلى عليه منهم لا ناصبا أو منافقا في إسلامه أو محكوما بكفره أو قلنا باشتراك الجميع في ذلك، لكن الأولى في الجمع بينه وبين غيره من النصوص القول بوجوب الدعاء عليه من غير توقيت بدعاء مخصوص، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (يجب فيها النية) بلا خلاف ولا إشكال، وفي اعتبار الوجه وعدمه هنا ما تقدم سابقا، إذ احتمال العدم فيها وإن قلنا به في غيرها لعدم اشتراكها بل هي إما واجبة أو مندوبة ضعيف، ضرورة أن القائل باعتبار الوجه لا ينحصر دليله في التمييز، بل ظاهره أو صريحه اعتباره وإن لم يتوقف عليه التمييز، وإلا كان موافقا للمختار كما أو ضحناه في محله، نعم لا إشكال في اعتبار الاخلاص فيها كغيرها من العبادات، كما أنه لا بد من مقارنتها للتكبير الذي هو أول العلم، ويكفي في الباقي الاستدامة على التفسير السابق لها في محله، ولا يشترط فيها التعرض فيها لكونها فرض كفاية، لأنه من الأمور الخارجية وإن احتمله في الذكرى، لأن النية لامتياز الشئ على ما هو عليه، لكنه واضح الضعف، وقال فيها أيضا: ولا يشترط تعيين الميت ومعرفته، بل يكفي نية منوى الامام، فلو عين وأخطأ فالأقرب البطلان، لخلو الواقع عن نيته، ونحوه غيره، لكن في جامع المقاصد أنه ينبغي تقييده بما إذا لم يشر إلى الموجود

[ 52 ]

بأن قصد الصلاة على فلان لا على هذا فلان، قلت: يمكن أن يأتي هنا ما ذكروه في تعيين الامام من حيث تعارض الاشارة والاسم، فيصح في الصحيح فيه ويبطل في الباطل، نعم ظاهرهم الفرق بين المقامين باعتبار التعيين فيه بخلافه هنا وإن وجب فيه القصد إلى معين متحد أو متعدد، وعليه فرعوا الاكتفاء هنا بنية منوي الامام، ومقتضاه عدم جواز مثل ذلك في الائتمام بالصلاة، ولعله لعدم خروجه به عن الابهام عند المصلي وإن خرج به عنه في الواقع، والمعتبر الأول في الائتمام، لاصالة عدم انعقاد الجماعة، واقتصارا " في إطلاقها على المتيقن المعهود، بل لعله المنساق من الأدلة عند التأمل بخلاف المقام الذي لا مانع فيه سوى الابهام المانع عن الامتثال، فرفعه بالصفة المعينة في الواقع كاف في صدقه وإن لم يرتفع بها الابهام عن المصلي باعتبار الشك في مصداقها، ونحوه غيره من المتعلقات كالمنوب عنه بصلاة ونحوها، فانه يكفي فيها القصد إلى معين وإن لم يتعين عنده، فتأمل جيدا "، والله أعلم. (و) أما وجوب (استقبال القبلة) فيها فلا خلاف فيه أيضا كما في المدارك قال: (لأن العبادة كيفية متلقاة من الشارع، والمنقول من النبي والأئمة (عليهم السلاة والسلام) فعل الصلاة كذلك، فيكون خلافه تشريعا محرما) وفيه ما عرفت سابقا، وفي كشف اللثام عليه الاجماع ظاهرا " ويشمله العمومات، وفيه منع إن أراد عمومات الصلاة كما ستعرفه ولا عموم مجديا في الوجوب في غيرها، فالأولى الاستدلال له بالاجماع المزبور إن تم، وما عساه يظهر من نصوص (1) كيفية الصلاة على الجنائز المتعددة من المفروغية عن اعتبار الاستقبال، بل مرسل ابن بكير (2) منها عن الصادق (عليه السلام) قد يستدل به على ذلك، قال له في جنائز الرجال والصبيان والنساء قال: (توضع النساء مما يلي القبلة والصبيان دونهم والرجال دون ذلك، ويقوم الامام مما يلي الرجال) وثبوت الندب


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من أبواب صلاة الجنازة الحديث. 2

[ 53 ]

بالنسبة إلى موالاة الرجال لا يقضي به بالنسبة إلى موقفه، على أنه ظاهر في الوجوب، والمعارض له الذي بسببه حمل على الندب أو التخيير إنما هو بالنسبة إلى تقديم الرجال على النساء إلى القبلة، فالذي يلي المصلى حينئذ النساء، فموقفه حينئذ لا تغيير فيه، فتأمل جيدا "، مضافا إلى ظهور خبر جابر (1) قال لابي جعفر (عليه السلام): (أرأيت إن فاتتني تكبيرة أو أكثر قال: تقضي ما فاتك، قلت: أستقبل القبلة ؟ قال: بلى وأنت تتبع الجنازة) الحديث في ذلك، وفي الوافي لا منافاة بين استقبال القبلة بالتكبير واتباع الجنازة كما هو ظاهر. بل لا يخفى ظهور خبر الجعفري (2) المروي في التهذيب والكافي في الصلاة على المصلوب في اعتبار القبلة أيضا، وأنه إنما جاز الانحراف فيه بالخصوص إلى ما بين المشرق والمغرب لأنه قبلة، قال: (سألت الرضا (عليه السلام) عن المصلوب قال: أما علمت أن جدي (عليه السلام) صلى على عمه ؟ قلت: أعلم ذلك ولكني لا أفهمه مينا، فقال: أبينه لك إن كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن، وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر، فأن ما بين المشرق والمغرب قبله، وإن كان منكبه الأيسر إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن، وإن كان منكبه الأيمن إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر، وكيف كان منحرفا فلا تزائلن مناكبه، وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب، ولا تستقبله ولا تستدبره البتة، قال أبو هاشم: قد فهمته إن شاء الله فهمته والله) إذ من الواضح أنه إنما أمره (عليه السلام) بالقيام بما أمره، لأن استقبال القبلة شرط في هذه الصلاة، وكذا استقبال أحد منكبي الميت، وفي القبلة سعة، ولا يتحقق الأمران إلا بذلك، وبه صرح الكاشاني في جامعه


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 4 من كتاب الطهارة (3) الوسائل الباب - 35 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 54 ]

نعم كان على المصنف وغيره استثناء مثل الانحراف المزبور في صلاة المصلوب من وجوب الاستقبال للخبر المزبور، اللهم إلا أن لا يكونوا عاملين به، بل في المحكي عن عيون الصدوق (أن هذا حديث غريب لم أجده في شئ من الإصول والمصنفات) لكن في الذكرى (أنه وإن كان غريبا ولم يذكر الأصحاب مضمونه في كتبهم إلا أنه ليس له معارض ولا راد، وقد قال أبو الصلاح وابن زهرة: يصلى على المصلوب ولا يستقبل وجه الامام في التوجه، فكأنهما عاملان به، وكذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد والفاضل في المختلف قال: إن عمل به فلا بأس به، وابن إدريس نقل عن بعض الإصحاب أنه إن صلي عليه وهو على خشبة استقبل بوجهه وجه المصلي، ويكون هو أي المصلي مستدبر القبلة، ثم حكم بأن الأظهر إنزاله بعد الثلاثة والصلاة عليه، قلت: هذا النقل لم أظفر به، وإنزاله قد يتعذر كما في قضية زيد) انتهى وناقشه في الكشف (بأن المعارض لها ما دل على استقبال المصلي القبلة، والراد لها وإن لم يوجد لكن الأكثر لم يذكروا مضمونها كما اعترف به) قلت بعد تسليم وجود المعارض المزبور يقيد به، وبناء على عمل ابن زهرة به قد قيل: إنه يظهر منه الاجماع على ما سمعته منه، وفي كشف الأستاذ نفي البأس عن العمل به، وكيف كان فمع تعذر الاستقبال فكاليومية. وكذا يجب القيام فيها بلا خلاف يعلمه فيه في التذكرة إلا من الشافعي، بل الاجماع بقسميه محصله ومنقوله في الذكرى وجامع المقاصد والمدارك عليه، كما أن الأمر بالقيام والوقوف فيها في تضاعيف النصوص كالمتواتر، منها النصوص التي تسمعها في السنن في الوقوف عند الوسط والصدر، إذ ندبية ذلك بعد أن كان المراد منها أفضل أفراد الواجب التخييري غير قادحة، كما هو واضح، نعم هو شرط مع الامكان، أما مع العجز فبحسب الامكان كاليومية، لقاعدة الميسور وغيرها مما سمعته في اليومية مما

[ 55 ]

هو مشترك بينهما، ولو وجد من يمكنه القيام ففي المدارك لم يسقط الفرض بصلاة العاجز لاصالة عدم سقوطه بغير الصلاة الكاملة، مع احتمال السقوط لقيام العاجز بما هو فرضه وكان مراده أنه وجد المتمكن بعد وقوع صلاة العاجز، لا وجوده قبل صلاته، فان مشروعية صلاة العاجز حينئذ فصلا " عن الاسقاط لا تخلو من نظر، بل منع لانحصار التكلف حينئذ بالمتمكن، إذ الواجب الكفائي المكلف به الجميع على معنى عقابهم لو تركوه أجمع لا مع إرادة الفعل من كل واحد منهم، ضرورة عدم تصوره في مثل الغسل ونحوه مما لا يقع إلا من واحد مثلا " إلا على التكرار المعلوم انتفاؤه، فحينئذ تعذر المكلف به والانتقال إلى بدله الاضطراري إنما يكون إذا تعذر على جميع من كلف به، فيندرج حينئذ في قاعدة الميسور ونحوها لا إذا تعذر على البعض خاصة الذي هو أشبه شئ بتعذر أحد فردي المخير به، فانه لا إشكال في انحصار التكليف في الآخر وعدم الانتقال إلى بدل المتعذر إذا لم يكن أحد فردي التخيير، على أنه لا يخفى على ذي مسكة أن الشارع إذا أوجب الصلاة من قيام مثلا " على الميت لا من مباشر بعينه لا ينتقل إلى غيرها من الصلاة مضطجعا ونحوه ممن تعذر عليه القيام مع تمكن الغير من الاتيان بالمراد، خصوصا في مثل الكيفية من العربية في الأذكار ونحوها. واحتمال أن الصلاة باعتبار صحة وقوعها من متعدد دفعة كالواجب العيني ينتقل فيه إلى البدل بالنسبة إلى كل مكلف تعذر عليه يدفعه أن الظاهر اتحاد كيفية الخطاب في جميع الكفائيات من غير فرق بين مالا يقع إلا من واحد وغيره، إنما المراد في الجميع وقوع الفعل في الخارج من غير ملاحظة خصوص الفاعل، فلا فرق حينئذ بين الصلاة وغيرها في ذلك. أما لو صلى العاجز بظن عدم التمكن فوجد المتمكن الذي قلنا يمكن حمل ما تقدم من المدارك عليه فالاجزاء فيه وعدمه مبني على قاعدة الاجزاء، ولعل الأقوى هنا العدم لا لعدم اقتضاء الأمر الاجزاء بل لأنه من تخيل الأمر كما حققناه في محله، وكان المتجه

[ 56 ]

على المعلوم من مذهبه في قاعدة الاجزاء الجزم هنا بالسقوط، اللهم إلا أن يقال: إن أقصاه الاجزاء عن الفاعل لا عن غيره، وفيه أن خطاب الكفاية خطاب واحد، فمتى حصل فعل صحيح كان مسقطا عن الغير، ومن هنا يظهر لك أنه لا وجه للقول بالمشروعية مع عدم السقوط عن الغير في المسألة السابقة، بل لابد من الحكم بعدم المشروعية كما اخترناه أو بالسقوط معه، وإن كان قد يوهم المشروعية مع عدم السقوط بعض العبارات منها ما في كشف اللثام تبعا للروضة (ولو صلاها عاجز قاعدا " أو راكبا أو نحوهما فهل تسقط عن القادرين ؟ وجهان، من تحقق صلاة صحيحة، ومن نقصها مع القدرة الكاملة) وأوضح منه ما في الذكرى (لو وجد من يمكنه القيام فهو أولى من العاجز، وفي الاجتزاء بصلاة العاجز حينئذ نظر، من صدق الصلاة الواجبة بالنسبة إليها، ومن نقصها وقدرة غيره على الكاملة) وفي جامع المقاصد ومع العجز يسقط كاليومية، لكن هل يسقط بصلاة العاجز الفرض عن غيره ممن يقدر على القيام ؟ الظاهر لا، لأن الناقص لا يسقط الكامل، ولا صالة بقائه في العهدة، وكذا القول في العاري مع المستتر بناء " على اشتراط الستر ومن لا يحسن العربية مع من يحسنها، لكن قد يحمل الجميع على ما سمعته من المدارك، وإلا كان محلا للنظر، فتأمل، كالذي سمعته سابقا من الأستاذ في كشفه من صحة إئتمام القائم بالقاعد ونحوه مما يقضي بالمشروعية المزبورة، وهل يعتبر الاستقرار في القيام ؟ وجهان، جزم بأولهما الأستاذ في كشفه، ما أنه جزم باعتبار مراتب العجز عن القيام كما في صلاة الفريضة، ولعله لظهور البدلية مطلقا، وإن كان لا يخلو من تأمل بل سابقه لا يخو من منع إذا لم يعتبر الاستقرار في مفهوم القيام، فهو حيئنذ كغيره مما يعتبر في الصلاة مما تسمع البحث فيه إن شاء الله، والله أعلم. (و) يجب أيضا (جعل رأس الجنازة إلى يمين المصلي) بلا خلاف أجده فيه، الجواهر 7

[ 57 ]

بل في ظاهر الذكري والكشف والمحكي عن المعتبر الاجماع عليه، بل في الغنية ويجب إعادة الصلاة على الميت إذا كانت الجنازة مقلوبة بدليل الاجماع المشار إليه وطريقة الاحتياط، وهو الحجة بعد الاعتضاد بالتأسي وقاعدة الشغل، وموثق عمار (1) أنه سأل الصادق (عليه السلام) (عن ميت صلي عليه فلما سلم الامام فإذا الميت مقلوب، رجلاه إلى موضع رأسه، قال: يسوى وتعاد الصلاة عليه وإن كان قد حمل ما لم يدفن، فان دفن فقد مضت الصلاة عليه، لا يصلى عليه وهو مدفون) لكن الخبر ومعقد الاجماع إنما هو إعادة الصلاة على المقلوب، وهو أعم من كون رأسه على يمين المصلي بناء على إرادة كونه عن اليمين فعلا، كما يقضي به استثناء المأموم في الروضة والمدارك وظاهر كشف اللثام وغيرها من هذا الحكم، إذ لو أريد منه الجهة بمعنى كون الرأس إلى جهة اليمين أي المغرب والرجلين إلى المشرق في مثل العراق ونحوه ممن كانت قبلته نقطة ما بين المشرق والمغرب لم يكن فرق بين الامام والمأموم في ذلك، ويتحقق بناء على عدم اعتبار المحاذاة بمعنى المسامته وإن كان موقف المصلي متجاوزا عن رأسه بل كان الميت كله عن يساره، لكن ظاهر الذكرى أن المراد من ذلك بيان استقبال الميت، قال: ويجب الاستقبال بالميت بأن يوضع رأسه عن يمين المصلي ورجلاه إلى يسار المصلي، وقد حكينا عن المهذب في بحث القبلة أنه بعد أن ذكر وجوب استقبال الميت في أحواله الثلاثة: الاحتضار والصلاة عليه والدفن من غير ذكر خلاف قال: (ويختلف استقباله باختلاف حالاته، ففي الاحتضار يكون مستلقيا وظاهر رأسه مستدبرا، ووجهه وباطن قدميه مستقبلا "، وفي حال الصلاة يكون مستلقيا أيضا، ورأسه إلى المغرب ومقدم جنبه الأيمن مستقبلا "، وفي حال دفنه يكون مضطجعا، رأسه إلى المغرب ووجهه وبطنه ومقاديم بدنه إلى القبلة، ومستبد هذا التفصيل نصوص الطائفة وعملهم عليه) وظاهر ما كغيرهما أن


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 58 ]

هذه كيفية الاستقبال بالميت الواجب حال الصلاة عليه، فيراد حينئذ من اليمين جهته التي لا فرق فيها بين الامام والمأموم، وهي المستفادة من الخبر ومعقد الاجماع المزبور دون نفس اليمين، بل ستعرف ما يدل من النصوص والفتاوى على الوقوف عند الرأس بحيث يكون أمامه لا يمينه، ومضمر الحلبي (1) في الصحيح (سألته عن الرجل والمرأة يصلى عليهما قال: يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة، فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل مما يلي يساره، ويكون رأسها أيضا مما يلي يسار الامام، ورأس الرجل مما يلي يمين الامام) مع أنه في خصوص الرجل وفي خصوص اجتماعه مع المرأة معارض بغيره فلابد من حمله على ضرب من الندب، كما تعرفه إن شاء الله فيما يأتي، فالمتجه الاقتصار على الاعتبار المستفاد من الخبر ومعقد الاجماع السابقين من جهة اليمين لا نفسه، وإن وجب مع ذلك المحاذاة للميت على الامام والمنفرد دون المأموم كما ستعرف إن شاء الله، كاستفادة ما صرح به جماعة من الأصحاب من وجوب كونه مع ذلك مستلقيا على قفاه من معقد إجماع المهذب وغيره، بل لا خلاف أجده فيه. نعم بقي بحث آخر لا مدخلية له في شئ من ذلك، وهو أنه ذكر غير واحد من الاصحاب مع ذلك وجوب وقوف المصلي وراء الجنازة، بل في الذكرى وغيرها أن هذا ثابت عندنا، وفي كشف اللثام ((دليله التأسي واستمرار العمل عليه من زمن النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الآن والأئمة، بل لا نجد فيه خلافا إلا من بعض العامة، فجوز التقدم عليها فضلا عن كونها على أحد جانبيه قياسا على الغائب) وهو كما في الذكرى خطأ في خطأ، لعدم جواز الصلاة على الغائب عندنا، بل في المحكي عن التذكرة ونهاية الأحكام أنه يشترط حضور الميت عند علمائنا أجمع، بل قيل: إن الاجماع ظاهر المنتهى وفوائد الشرائع أيضا، لعدم صدق اسم الصلاة عليه بدونه، أو يشك فيه فيشك في


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 7 من كتاب الطهارة

[ 59 ]

شمول الأدلة، فالأصل عدم مشروعية، ولاستمرار السلف على تركه، ولو جاز لما ترك، خصوصا على مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغيره، ولأنها مشروطة بشروط لابد من العلم بها، ولا يعلم بها مع الغيبة غالبا، ككونه إلى القبلة واستلقائه، ولظهور النصوص في اعتبار حضوره، بل هو كالمقطوع به منهاكما لا يخفى على من لاحظها، وصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على النجاشي قضية في واقعة، ولعله خفض له كل مرتفع حتى شاهد جنازته كما عن الخصال والعيون عن محمد بن القاسم عن يوسف بن محمد بن زياد عن أبيه (1) عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه (عليهم السلام) أو أن المراد دعاله كما في خبر حريز (2) عن زرارة وابن مسلم. ولا فرق في الغائب بين كونه في بلاد أخرى غير بلاد المصلي وبين كونه فيها، خلافا للشافعية فجوزوه في الأول دون الثاني، لامكان الحضور، ولعله بهم عرضا في المحكي عن المبسوط والسرائر، فقيدا الغائب بكونه في بلد آخر، لا لأنه يجوز عندهما على الغائب في بلد المصلي، فان الظاهر منع الجميع عندنا، ولذا استدل في المحكي عن المنتهى بأنها لا تجوز على الحاضر في البلد مع الغيبة، فعدم الجواز مع الكون في بلد أخرى أولى بل قيل: إن ظاهر المحقق الثاني في فوائده على الكتاب الاجماع أيضا على أنه لا يصلى على البعيد بما يعتد به عرفا كذلك، ولا على من بين المصلي وبينه حائل إلا عند الضرورة نعم في جامع المقاصد (لو اضطر إلى الصلاة على الميت من وراء جدار ففي الصحة تردد) وفى كشف اللثام (من الشك في كونها كالصلاة بعد الدفن أو أولى، ثم على الصحة ففي وجوبها قبل الدفن وجهان) قلت: الأقوى عدم الوجوب بل عدم الصحة بعد حرمة القياس ومنع الأولوية أو تنقيح المناط، فلعل حيلولة خصوص القبر كعدمها عند الشارع مثل النعش ونحوه مما لا يمنع صدق اسم الصلاة عليه، فالمراد حينئذ بالغائب الممنوع


(1) و (2) الوسائل الباب - 18 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5 10

[ 60 ]

الصلاة عليه من لم يكن مشاهدا " أو في حكم المشاهد شرعا. وكيف كان فلا إشكال في وجوب كون المصلي خلف الجنازة جهة، نعم في جامع المقاصد (هل يشترط أي مع ذلك أن يكون محاذيا لها بحيث يكون قدام موقفه حتى لو وقف وراءها باعتبار السمت ولم يكن محاذيا لها ولا لشئ منها لم يصح ؟ لا أعلم الآن تصريحا لاحد من معتبري المتقدمين بنفي ولا إثبات وإن صرح بالاشتراط بعض المتأخرين، فان قلنا به فاشتراطه بالنسبة إلى غير المأموم لأن جانبي الصف يخرجان عن المحاذاة) قلت: لا إشكال في أنها الأحوط البراءة عن يقين الشغل، بل هي المنساقة من الصلاة على الميت في النصوص فضلا عما دل منها على الوقوف عند الصدر والوسط والرأس ونحوها، والحكم بندب ذلك إنما هو بالنسبة إلى باقي أفراد المحاذاة لا غيرها، فتأمل، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (ليست الطهارة) من الأصغر والأكبر (من شرط صحتها) للأصل والنصوص المستفيضة أو المتواترة كالمحكي من الاجماع، بل هو محصل على عدم اشتراط ذلك أو بدله، وما في المحكي عن المقنعة - من أنه لا بأس للجنب أن يصلي عليه قبل الغسل يتيمم مع القدرة على الماء، والغسل له أفضل، وكذلك الحائض تصلي عليه بارزة عن الصف بالتيمم أقصاه ما في كشف اللثام من أنه لم يذكر صلاتهما بلا تيمم ولا تيمم غير المتوضئ، ولا صراحة فيه بل ولا ظهور بالاشتراط خصوصا الأخير، بل لعل إطلاق كلامه يقضي بنفيه، بل لا يبعد سيما في مثل عبارات هؤلاء القدماء إرادة الندب من ذلك، ضرورة بدلية التيمم حالة التعذر، ولا دليل على وجوبه هنا بالخصوص بل ظاهر الأدلة خلافه، فيمكن إرادته الندب من ذلك كالمرتضى فيما حكي من جمله (ويجوز للجنب أن يصلي عليها عند خوف الفوت بالتيمم من غير اغتسال) والقاضي في المحكي من شرحها (وأما الجنب فإذا حضرت الصلاة على الجنازة وخشي من أنه إن

[ 61 ]

تشاغل بالغسل فاتته فانه يجوز له أن يتيمم ويصلي) على أنه قال: (وعندنا أن هذه الصلاة جائزة بغير وضوء إلا أن الوضوء أفضل) بل عنه في المهذب (أن الأفضل للانسان أن لا يصليها إلا وهو على طهارة، فان لم يكن على ذلك وفاجأته تيمم وصلى عليها، فان لم يتمكن من ذلك أيضا جاز أن يصليها على غير طهارة، ومن كان من النساء على حيض أو جنابة وأرادت الصلاة على الجنازة فالأفضل أن لا تصليها إلا بعد الاغتسال فان لم تتمكن من ذلك جاز لها ذلك بالتيمم، فان لم تتمكن من ذلك جاز لها أن تصلي عليها بغير طهارة) إذ الظاهر إرادة الأعم من التعذر من عدم التمكن، ومن هنا بعد أن حكى ذلك في كشف اللثام عنهم قال: وكأنهم أرادوا الفضل، نعم عن أبي علي لا بأس بالتيمم إلا للامام إن علم خلفه متوضئ، مع أن الشهيد وغيره فهم منه الكراهة، قال: وكأن نظره إلى إطلاق الخبر (1) كراهة إئتمام المتوضئ بالتيمم، مع أنه ربما منع عليه بأن ذلك في الصلاة حقيقة، وفيه كما في كشف اللثام أنه لا دليل عليه. وكيف كان فلا إشكال في عدم اشتراط ذلك، بل الظاهر عدم اشتراط إزالة الخبث أيضا وفاقا لجماعة، بل لا أجد فيه خلافا، نعم تردد فيه في الذكرى بعد أن اعترف بعدم الوقوف فيه على فتوى ولا نص، ولعله من الأصل وإطلاق الأصحاب والأخبار (2) جواز صلاة الحائض ؟ مع عدم انفكاكها عن الدم غالبا، وإرشاد التعليل في خبر يونس بن يعقوب (3) الآتي إليه، وأخفية الخبث لصحة الصلاة معه بخلاف حكم الحدث، ومن إطلاق بعض الأخبار (4) الناطقة بوجوب الطهارة من الخبث للصلاة،


(1) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 و 7 (3) الوسائل الباب - 22 - من أبواب صلاة الجنازة (3) الوسائل الباب - 21 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الوضوء

[ 62 ]

ولا يخفى عليك ضعف الأخير، ولذا كان خيرته في الدروس والبيان العدم، ضرورة عدم تأتيه بناء على كون الصلاة حقيقة في غيرها، بل وعليه سواء كان على جهة الاشتراك لفظا أو معنى، لانصرافها إلى غيرها، خصوصا بعد سؤال يونس بن يعقوب (1) أبا عبد الله (عليه السلام) (عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء فقال: نعم إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء) وقوله (عليه السلام) في مرسل حريز (2): (الطامث تصلي على الجنازة لأنه ليس فيها ركوع ولا سجود، والجنب يتيمم ويصلي على الجنازة) وغير ذلك، كالمروي (3) عن الرضا (عليه السلام) ونحوه إذ هو وإن كان لنفي الوضوء إلا أنه لا ريب في ظهوره في أنه لا يعتبر فيها ما اعتبر في الصلاة من حيث الصلاة، بل إن كان كالاستقبال فهو لدليل مستقل. ومن ذلك يظهر لك ما في الذكرى من جريان جميع ما يعتبر في الصلاة فيها إلا ما خرج بالدليل كالطهارة من الحدث مثلا " بدعوى اندراجها فيها، فيجب الستر حينئذ وغيره لها، بل ينبغي مراعاة صفات الساتر فضلا " عن أصله، كما أنه ينبغي عدم فعل شئ من الموانع في أثنائها، وتبعه على بعضه كالستر بعض من تأخر عنه كالكركي والأستاذ في كشفه، وتردد آخر في الموانع، لكن في منظومة الطباطبائي الجزم بعدم ذلك كله، قال: وليس من شروطها رفع الحدث * قطعا كذا الأصح في رفع الخبث وهكذا عدالة الامام * وسائر الشروط والأحكام لذات أركان وفى الذكرى طرد * جميعها وهو ضعيف المستند


(1) الوسائل الباب - 21 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 (3) المستدرك الباب - 20 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 63 ]

ولا أرى شرطا سوى الايمان * وما مضى والحل في المكان مشيرا " بما مضى إلى الاستقبال وكون رأس الميت على اليمين ونحوهما، وبطلانها مع الغصب في المكان بعد وجوب القيام فيها بناء على عدم اجتماع الأمر والنهي في محل واحد واضح، بل في كشف الأستاذ اعتبار إباحته للميت أيضا، قال: (إلا المتسع فتجوز ما لم يكن المصلي أو الميت غاصبين أو مقومين للغاصب) وإن كان هو كما ترى للبحث فيه مجال. نعم لا إشكال في البطلان مع عدم الحل في مكان المصلي، بل وفي الساتر المغصوب وإن لم نقل بكون الستر من شروطها بناء على اتحاد كلي التصرف والقيام في الشخصي الخارجي، لكن قد عرفت ما فيه في محله، وكان على العلامة المزبور التنبيه عليه، بل اشتراطه أيضا كالمكان إن كان الفساد عنده في ذات الركوع من هذه الجهة، ومن هنا قال الأستاذ في كشفه: ويشترط فيها إباحة اللباس وعدم المانع ككونه حريرا " أو ذهبا في وجه قوي كما أن ما ذكره من عدم اشتراط العدالة في الامام وإن كان قد يشهد له إطلاق الأدلة خصوصا نصوص تقدم الولي (1) من غير اشتراط في شئ منها استجماعه للعدالة ونحوها من شرائط الائتمام معتضدا ذلك بخلو الفتاوى عن التعرض لاشتراط شئ من ذلك، لكن قد يناقش بأن لفظ الصلاة وإن كان لا يشملها إلا أن لفظ الائتمام لا ريب في شموله لائتمامها، فما دل على اعتبار العدالة فيه وطهارة الولد وتعيينه بالاشارة والاسم وعدم ارتفاع مقامه بما يعتد به ونحو ذلك شامل له، ولعله لذا قال الأستاذ في كشفه هنا: (والظاهر اشتراط طهارة المولد والعدالة) لكن قال: وفي اشتراط قيامه لو أم قائمين مع عجزه عن القيام وطهارته بالماء لو أم متطهرين به وعدم ارتفاع مقامه بما يعتد به على المأمومين وجهان، أقواهما العدم، أما الرقية والجذام ونحوه


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة

[ 64 ]

وسلامة اللسان من الآفة فلا مانع منها بلا شبهة، وكان ذلك منه لاختلاف النصوص في إطلاق الاعتبار في الائتمام، وفي الاختصاص بالائتمام بالصلاة التي قد عرفت انصرافها إلى غيره، ففي خبر الأصبغ بن نباتة (1) (سمعت عليا (عليه السلام) يقول: ستة لا يؤمون الناس وعد منهم شارب الخمر) وما روى الصدوق (2) بسنده عن أبي ذر (ان إمامك شفيعك إلى الله، فلا تجعل شفيعك سفيها ولا فاسقا) وصحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) (خمسة لا يؤمون الناس وعد منهم ولد الزنا) كخبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، بخلاف باقي ما يعتبر في الامام مما ذكره فانه خاص بائتمام الصلاة حتى الجلوس بناء على مشروعيته مع وجود القائم، لأن قول النبي (صلى الله عليه وآله) في مرسل الصدوق (5) عن الباقر (عليه السلام): (لا يؤمن أحدكم بعدي جالسا) إنما هو بعدما صلى عليه المسلم بأصحابه من جلوس، فالمراد على الظاهر من قوله: (لا يؤمن) إلى آخره في الصلاة، فتبقى الجنائز حينئذ على إطلاق الأدلة، ولعل حلو الفتاوى هنا اتكالا " على ما ذكروه في بحث الجمعة والجماعة مما يظهر منه اعتبار ذلك في أصل الائتمام بصلاة الفريضة وغيرها، بل ظاهر ما سمعته منهم من ملاحظة راجيح السابقة في المصلي على الجنازة التي هي التراجيح المذكورة في إمام الجماعة بالصلاة كالصريح في اتحاد أحكام الجماعتين، وأوضح منه ما وقع المصنف وغيره من أنه يتقدم الولي إذا كان بشرائط الامامة وإلا قدم غيره، فان الظاهر إرادة ما هو المذكور في الجماعة والجمعة من شرائط الامام، وإلا كان من الواجب التعرض للفرق بين الامامين في المقامين.


(1) و (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب صلاة الجماعة - الحديث 11 - 2 (3) و (4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب صلاة الجماعة - الحديث 4 - 1 (5) الوسائل الباب - 25 - من أبواب صلاة الجماعة الحديث 1

[ 65 ]

نعم مقتضى ذلك عدم الاقتصار على اعتبار ما ذكره الأستاذ في كشفه، بل ينبغي حينئذ اعتبار سائر ما ذكروه هنا في الامام وفي الجماعة، فلا يصح إمامة القاعد مثلا " بالقائم مثلا "، ولا يجوز الارتفاع والحائل إلا في النساء، إلى غير ذلك مما لا يخفى جريانه في المقام، كما أن ما جاز هناك من إمامة الأبرص والمتيمم والأعمى وغيرهم ولو على كراهة جاز هنا بالأولى، ودعوى الفرق بين العدالة والارتفاع وطهارة المولد وبين غيرها باطلاق الأدلة فيها دونها يدفعها أن العمدة فهم اعتبار تلك الأمور في الامام والجماعة مطلقا وإن كان المورد الصلاة المنصرفة إلى غير المقام، وإلا فلا إطلاق معتد به في العدالة فضلا " عن غيرها، إذ الخبر المزبور وإن كان مرويا في المحكي عن مستطرفات السرائر كذلك لكن رواه الصدوق في المحكي عن خصاله (ستة لا ينبغي أن يؤموا الناس: ولد الزنا والمرتد والأعرابي بعد الهجرة وشارب الخمر والمحدود والأعلف) وهو - مع اشتماله على لفظ لا ينبغي والطعن في سنده وعدم ذكره اشتراط العدالة، ضرورة أعمية نفي إمامة هؤلاء منها - معارض باطلاق الأدلة هنا، وبينهما تعارض العموم من وجه، وعدم الترجيح يقضي بعدم الاشتراط، وخبر أبي ذر لم يسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ليكون ظاهره حجة علينا، ولم نعثر في الارتفاع على إطلاق، فليس حينئذ في الجمع إلا ما عرفت من ظهور الأدلة والفتاوى في اعتبار ذلك في الامام والجماعة في الصلاة وغيرها فيعتبر حينئذ جميع ما يعتبر هناك، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان للنظر في تعينه مجال خصوصا بعد عدم المنقح من إجماع أو غيره، بل الفرق بين الصلاتين بالتحمل وغيره مع وضوحه قد نصت عليه الأدلة كما عرفت، فدعوى اعتبار جميع ما يعتبر في إمام جماعتها وإمامها لا تخلو من إشكال، ومن هنا كان الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة لا ينبغي تركه. كما أنه لا ينبغي تركه في سائر ما يعتبر في الصلاة إلا ما دل عليه الدليل، خصوصا

[ 66 ]

في الموانع كالكلام ونحوه مما لا يفسد هيئتها بحيث يخرجها عن صدق الاسم، وإلا فتبطل قطعا، قال في كشف الأستاذ: ويفسدها كلما يخل بصورتها من سكوت طويل أو فعل كثير أو فعل لهو ولعب وإن قل أو غير ذلك مما يفسد هيئتها ويخرجها عن صدق الاسم لذاته أو كثرته، والأحوط أن يعتبر ما يعتبر في الصلاة عدا الحدث، قلت: وإن كان ما ذكروه في وجه المنع من إطلاق الصلاة الشامل لها واضح الضعف كما عرفته مكررا "، فالأولى تعليله بأنه لما لم يكن المعهود إلا الصلاة المجردة عن ذلك كله اتجه مراعاة الاحتياط بل ربما قيل: بأن التكبيرة الأولى من التكبيرات تكبيرة الاحرام، كما أن ذكر التسليم في جملة من النصوص المتقدمة سابقا يمكن أن يكون كناية عن التحليل والانصراف لا التسليم حقيقة، وإن أمكن للتقية، إلا أنه ينافيها اشتمال الخبر على الخمس تكبيرات، كما أنه ينافي إرادة الوجوب تركه ونفيه في المستفيض من النصوص والاجماع محصلا " ومنقولا " على وجه يمكن تحصيله من نقلته، واستحبابه المحكي من معقد إجماع جامع المقاصد والروض، ويمكن إرادته من النفي في تلك النصوص، وقول أبي علي: (ولا أستحب التسليم فيها فان سلم الامام فواحدة عن يمينه) ليس خلافا في المسألة أو غير معتد به، كقوله في الذكرى بعد أن اعترف أن ظاهرهم عدم مشروعيته. وأما شرعية التسليم استحبابا أو جوازا " فالكلام فيه كالقراءة، إذ الاجماع إنما هو على عدم وجوبه، وقد ذكر في القراءة بعد أن حكى عن الشيخ التصريح بكراهة القراءة احتمال استناده فيها إلى أنه تكلف ما لم يثبت شرعيته، وقال: يمكن أن يقال بعدم الكراهية، لأن القرآن في نفسه حسن ما لم يثبت النهي عنه، والأخبار خالية عن النهي وغايتها النفي، وكذا كلام الأصحاب لكن الشيخ نقل الاجماع بعد ذلك، ونحن فلم نر أحدا " ذكر الكراهة فضلا " عن الاجماع عليها، إذ هو كما ترى لا يصلح مثله لأثبات المشروعية ولو على الاستحباب في خصوص المقام الذي هو محل البحث، ضرورة عدم

[ 67 ]

المنع في قراءة القرآن في نفسه فيها الجائز في الفريضة فضلا " عنها، وقول الرضا (عليه السلام) في خبر ابن سويد (1) المتقدم سابقا: (تقرأ في الأولى بأم الكتاب) محمول على التقية للاجماع بقسميه على عدم الوجوب، بل معقد المنقول منه مستفيضا ومتواترا " نفيها فيها، فيمكن حمله على نفي المشروعية وجوبا واستحبابا منه، كما صرح به في معقد ظاهر إجماع كشف اللثام وصريح المحكي عن الروض، نعم عن المنتهى تجويز قراءتها لاشتمالها على الشهادة، يعني قوله: إياك نعبد، وعن خلاف الشيخ كراهتها، وحكى الاجماع عليه، لكن في كشف اللثام يجوز إرادته الاجماع على عدم الوجوب، ولعله لما سمعته من الذكرى من عدم المصرح بها غيره، وكيف كان فهي ليست بواجبة ولا مندوبة، فقراءتها بعنوان أحدهما على الجزئية أو غيرها تشريع، نعم لا بأس بقراءتها في نفسها ولا يجتزى بها عن الشهادة قطعا، لعدم مرادفة إياك نعبد لها كما هو واضح، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (لا يجوز التباعد) للمصلي إماما أو منفردا أو مأموما بغير الصفوف (عن الجنازة) المتحدة والمتعددة بغير تعدد الجنائز (كثيرا ") كما صرح به الفاضل وأول الشهيدين وثاني المحققين وغيرهم، بل ربما نسب إلى الأصحاب، بل قد يظهر من المحكي عن الصدوق وجوب القرب، قال: (فليقف عند رأسه بحيث إن هبت ريح فرفعت ثوبه أصاب الجنازة) لكن يمكن إرادته الندب كالمحكي عن المبسوط والنهاية والسرائر والمهذب والمنتهى أنه ينبغي أن يكون بينه وبين الجنازة شئ يسير، ولعله لذا قال في جامع المقاصد: إنه يستحب أن يكون بين الامام والجنازة شئ يسير ذكره الأصحاب، فيراد حينئذ من القرب الزائد على الواجب، وعلى كل حال ففي كشف اللثام لم أظفر بخبر ينص على الباب، لكن في جامع المقاصد وغيره أن المرجع في هذا التباعد إلى العرف، ومثله الارتفاع والانخفاض، ومقتضاه كونه منصوصا، اللهم إلا أن يكون


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 8 من كتاب الطهارة

[ 68 ]

المراد الصدق العرفي الذي يخرج عن اسم الصلاة على الميت، أو يراد التباعد الممنوع منه في عرف المتشرعة، لأن الصلاة على الأموات كيفية معهودة مأخوذة يدا " بيد عن صاحب الشرع، وليس ذا إثباتا للحكم الشرعي بالعرف، بل هو حفظ لكيفية مخصوصة نحو ما تسمعه منا في نظم الجماعة وفي الفعل الكثير في الصلاة، كما أنه قد يقال في الاستدلال على المطلوب زيادة على ذلك بما تسمعه من الأمر بالوقوف عند الصدر والوسط والرأس، فانه وإن حمل على الندب لكن المراد الندب بالنسبة إلى خصوص الصدر مثلا " لا أصل الوقوف عند الميت، على أن المتجه التخيير فيها وفيما ثبت جوازه من الوقوف عليه من غيرها، فالتباعد الذي لم يصدق عليه أحدها ولا هو مما ثبت جوازه ليكون أحد أفراد التخيير باق على المنع، ضرورة عدم شمول الاطلاقات له بعد تقييدها بما عرفت، فتأمل جيدا " فانه دقيق نافع، والله أعلم. (ولا) يجوز أن (يصلى على الميت إلا بعد تفسيله) أو ما في حكمه (وتكفينه) بلا خلاف كما في كشف اللثام، بل في المدارك هذا قول العلماء كافة، ولعله الحجة، لا ما فيها من أن النبي (صلى الله عليه وآله) هكذا فعل وكذا الصحابة والتابعون، فيكون الاتيان بخلافه تشريعا محرما، إذ يناقش فيه بمنع التشريع بعد الاطلاق الذي لا يعارضه غير الظاهر من الفعل في الوجوب كي يقيد به، بناء على أن وجوب التأسي في معلوم الوجوب، اللهم إلا أن يدعى ظهوره في الوجوب بالمواظبة عليه وعدم التصريح بخلافه، أو يمنع اعتبار معرفة الوجه في وجوب التأسي، أو يقال: إنه علم من الفعل الظاهر بالتكرار وغيره في خصوصيته على غيره من الأفراد عدم إرادة ظاهر تلك الاطلاقات، إلا أنه لم يعلم وجهه، فيرجع الاطلاق حينئذ إلى الاجمال، فلا يعلم مشروعية الصلاة المتقدمة عليهما مثلا، والأصل لا يشخص، لكن الجميع كما ترى. فالعمدة حينئذ ما عرفت لا ذلك، بل ولا ما في الذكرى من قول الصادق

[ 69 ]

(عليه السلام) (1): (لا يصلى على الميت بعد ما يدفن، ولا يصلى عليه وهو عريان) ضرورة كونه أعم من التكفين فضلا عن التغسيل، بل ولا الخبران الآتيان في فقد الكفن، ضرورة دلالتهما على عدم جواز الصلاة على مكشوف العورة، نعم قد يقال إنه المنساق من عطفها عليهما في النصوص وإن كان بالواو التي هي لمطلق الجمع إلا أنه لا يبعد إرادة الترتيب منها هنا بمعونة فهم الأصحاب، بل لا ينكر انسياقه من سير تلك النصوص واتفاقها على ذكرها بعدهما كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بلسانهم (عليهم السلام). وكيف كان فالظاهر من الفتاوى ومعقد الاجماع إرادة الوجوب الشرطي لا التعبدي خاصة، فلا يعتد حينئذ بالصلاة قبل أحدهما، بل مقتضى الشرطية عدم الفرق في ذلك بين العمد وغيره، لكن في كشف اللثام احتمال الاعتداد، ولا ريب في ضعفه نعم قد يقال ذلك في الناسي بناء على قاعدة العفو عنه، لعموم حديث الرفع (2) وغيره والغسل والكفن المقدمان على الحياة في المرجوم ونحوه مثل المؤخرين، فيصلى عليهما حينئذ من دون إعادة شئ منهما، والطهارة الحاصلة من الشهادة أولى من الحاصلة بالغسل وستر ثيابه أولى من ستر الكفن، فيصلى حينئذ على الشهيد من دونها كما استفاضت به النصوص (3) أو تواترت، والاجماع منا بقسميه عليه، فما في خبر عدي بن حاتم (4) وخبر عمار (5) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) ومرسل الفقيه (6) (من أن عليا (عليه السلام) لم يغسل عمار بن ياسر ولا هاشم بن عتبة المرقال ودفنهما في ثيابهما


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 56 - من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب غسل الميت الحديث 7 و 8 و 9 و 12 من كتاب الطهارة (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 14 - من أبواب غسل الميت الحديث 4

[ 70 ]

ولم يصل عليهما) وهم من الراوي، أو المراد عدم صلاته بنفسه لمشغوليته (عليه السلام) بالحرب، بل أمر غيره بالصلاة عليهما، أو غير ذلك. وكل ما أقيم مقام الغسل من صب أو تيمم أو تغسيل كافر أو نحوها كاف (كفى خ ل) في صحة الصلاة، أما إذا لم يحصل شئ من ذلك إما لتعذره كمن مات في بئر ونحوه وتعذر إخراجه، أو لعدم وجود الفاعل فالظاهر وجوب الصلاة، لاطلاق الأدلة التي لم يثبت تقييدها في محل الفرض، وقاعدة الميسور، وعدم ذكر الصلاة في خبر العلاء بن سيابة (1) في بئر محرج مات فيه رجل ولم يمكن إخراجه أنها تجعل قبرا " له لمعلوميتها من العمومات. ولا يعتد بغسل المخالف ولو مثله وإن كان لو غسله المؤمن كغسلهم تقية كان مجزيا، لصحة العبادة منه بخلاف الأول، والأمر بالزامهم ما ألزموا به أنفسهم لا يشمل المقام على الظاهر، نعم قد يقال بوجوب الصلاة على موتاهم بناء على إسلامهم وإن كانوا هم المباشرين لتغسيلهم إذا كان لا يمكن للمؤمن التغسيل ولو الموافق لهم لسقوط التغسيل هنا بالتعذر، فتبقى الصلاة كباقي أفراد من تعذر تغسيله، كما أنه قد يقال بوجوبها وإن لم نقل بمشروعية غسل موتاهم، قصرا " لاشتراط صحتها بتقدم الغسل على من كان مشروعا تغسيله ومتمكنا منه أو بدله، بخلاف من لم يكن مشروعا له، فتبقى عمومات الصلاة بحالها حيئنذ كغيره ممن تعذر تغسيله شرعا أو عقلا " ممن له قابلية التغسيل. نعم لما كان طريق وجوبهما وعدمه متحدا وهو جريان حكم الاسلام بعد الموت وعدمه اتجه حينئذ دعوى التلازم بينهما، مع إمكان المنع أيضا بالفرق بين الغسل والصلاة بأن الأول إكرام للميت كما يظهر من النصوص (2) ولا كرامة له، بخلاف الصلاة


(1) الوسائل الباب - 51 - من أبواب الدفن الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب غسل الميت الحديث 3 و 4 والباب 18 منها الحديث 1

[ 71 ]

المتضمنة الدعاء عليه ولعنه، ومن ذلك يظهر لك حينئذ ما في الاستدلال بنصوص الصلاة عليهم (1) على مشروعية تغسيلهم، اللهم إلا أن يكون وجهه فهم القابلية من قوله (صلى الله عليه وآله) (2): (صلوا على كل ميت) ولا يجوز إلا بعد تغسيله، ضرورة أن مقدمة المقدمة مقدمة، نعم لو كان هناك دليل على عدم القابلية للغسل بحيث يرجح على ذلك أمكن القول حينئذ بوجوب الصلاة للعمومات التي لا معارض لها، لا أنها تسقط مع احتماله أيضا وإن كان الأول أقوى، فتأمل جيدا ". وعلى كل حال (فان لم يكن له كفن جعل في القبر وسترت عورته وصلي عليه بعد ذلك) كما صرح به جماعة، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، ولعله لموثق الساباطي (3) قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في قوم كانوا في سفر يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر وهم عراة ليس عليهم إلا إزار كيف يصلون عليه وهو عريان وليس معهم فضل ثوب يكفنونه به ؟ قال: يحفر له ويوضع في لحده ويوضع اللبن على عورته يستر عورته باللبن والحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن، قلت: فلا يصلى عليه إذا دفن فقال: لا يصلى على الميت بعد ما يدفن، ولا يصلى عليه وهو عريان حتى توارى عورته) ومرسل محمد بن مسلم (4) قال: (قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): قوم كسر لهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان والقوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها وليس عليهم فضل ثوب يوارون الرجل فكيف يصلون عليه وهو عريان ؟ فقال: إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره ويضعوه في لحده يوارون عورته بلبن أو أحجار


(1) الوسائل الباب 4 من أبواب صلاة الجنازة من كتاب الطهارة (2) كنز العمال ج 8 ص 83 - الرقم 1562 (3) و (4) الوسائل الباب - 36 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 - 2

[ 72 ]

أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره، قلت: ولا يصلون عليه وهو مدفون بعد ما يدفن قال: لا، لو جاز ذلك لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا يصلى على المدفون ولا على العريان) قلت: الخبران إنما يدلان على حكم العريان الذي لم يحصل له بعض الكفن أو ثوب توارى به عورته حال الصلاة لا كل من لم يكن له كفن الصادق على من له بعضه أو غيره مما يوارى به عورته، ولذا قال في الذكرى: (فان لم يكن له كفن وأمكن ستره بثوب صلي عليه قبل الوضع في اللحد، وإلا فبعده ويستر عورته بما أمكن ولو باللبن والحجر، لما رواه عمار (1)) إلى آخره. بل صرح في جامع المقاصد بوجوب الأول مع إمكانه، لكن في المدارك بعد أن حكى ذلك عن الذكرى قال: لا ريب في الجواز، نعم يمكن المناقشة في الوجوب، وفيه أنه قد يدل عليه مضافا إلى أقربيته للتكفين وحصول المشاهدة معه وعدم السفل والتباعد عنه مفهوم الشرط بناء على أن الأمر في جوابه للرخصة لا الوجوب كما هو الظاهر من كشف اللثام نافيا عنه الخلاف فيه في الظاهر، قال بعد ذكر الخبرين المزبورين: ولعل وضعه في اللحد وستر عورته فيه لكراهة وضعه عاريا تحت السماء وإن سترت عورته كما قد يرشد إليه كراهة تغسيله تحت السماء، ولرفع الحرج عن المصلين لما في ستر عورته خارجا ثم نقله إلى اللحد من المشقة، وإلا فالظاهر لا خلاف في جواز الصلاة عليه خارجا إذا سترت عورته بلبن أو تراب أو نحوهما، بل في المدارك التأمل في أصل وجوب الستر، قال: (ومقتضى إطلاق الأمر بالستر وجوبه وإن لم يكن ثم ناظر وتباعد المصلي بحيث لا يرى، لكن الرواية قاصرة من حيث السند عن إثبات الوجوب) وفيه أنه لا بأس به بعد الأنجبار بما حكاه هو من قطع الأصحاب، ومنه يظهر لك وجه النظر فيما ذكره في الكشف، ولعل وجه


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 الجواهر - 9

[ 73 ]

الفرق صدق اسم العراء على الخارج دون الموضوع في اللحد، فالأحوط إن لم يكن الأقوى المحافظة على ما في الخبرين في موضوعهما، والظاهر أن المراد بالعريان فيهما مكشوف العورة، فيجزي سترها حينئذ بثوب ونحوه وإن صدق اسمه عليه، مع إمكان منع الصدق في بعض الأفراد إن لم يكن جميعها، وظاهر الخبرين وضع اللبن والحجر على نفس العورة لاسد اللحد بهما ليحصل به ستر العورة مع احتماله، خصوصا إذا وضع في اللحد على هيئة المدفون لا مستلقيا كما عساه يؤمي إليه ظهور الخبر فيه، وأنه لا يبقى إلا إهالة التراب عليه، فيصلى عليه ويدفن، لكن فيه أنه مخالف لما تقدم سابقا من وجوب الاستلقاء حال الصلاة، اللهم إلا أن يكون ذلك خارجا عنه، وملقحا بالصلاة على المدفون، لكن لا ريب في أن الأحوط الأول مع ستر نفس العورة ثم بعد الفراغ من الصلاة يجعل على جانبه ويدفن. والمطلوب الذي لم ينزل إلى ثلاثة أيام ولم يعلم نزوله بعدها لا يبعد مشروعية الصلاة عليه قبل إنزاله وإن لم يكن غسل وكفن، لأنها الحد في بقائه شرعا، فبعدها كان بحكم المدفون، ولا طلاق دليل الصلاة عليه، ويحتمل انتظاره إلى النزول فيغسل ويكفن ويصلى عليه، لاطلاق دليل الشرطية، ولعل منه كل من تعذر دفنه وكان غير مغسل أو غير مكفن، إذ مشروعية الصلاة بدونهما تقديما لمصلحة الدفن، فمع عدمه يسعى في حصولهما إلى آن الدفن فيصلى عليه بدونهما مع فرض تعذرهما، فتأمل جيدا " والله أعلم. هذا كله في الواجب (و) أما (سنن الصلاة) فهي (أن يقف الامام عند وسط الرجل وصدر المرأة) وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا " وتحصيلا "، بل عن مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب، بل في المحكي عن المنتهى نفي الخلاف عنه، بل في الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد قول أمير المؤمنين عليه السلام في مرسل ابن المغيرة (1):


(1) الوسائل الباب - 27 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1

[ 74 ]

(من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها ويكون مما يلي صدرها، وإذا صلى على الرجل فليقم في وسطه) والباقر (عليه السلام) في خبر جابر (1): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوم من الرجال بحيال السرة ومن النساء أدون من ذلك قبل الصدر) بل يمكن حمل قول أبي الحسن (عليه السلام) في خبر موسى بن بكر (2): (إذا صليت على المرأة فقم عند رأسها، وإذا صليت على الرجل فقم عند صدره) عليه للمجاورة ولو بمعونة ما عرفت، إذ هو أولى من احتمال التخيير وان حكي عن الفاضلين في المعتبر والمنتهى، لكن فيه أنه فرع المكافأة وليست قطعا، نعم قد يقال به مع الفضل في الأول وعلى كل حال فما عن الاستبصار من الاقتصار على العمل بمضمونه في غير محله، كالذي عن الخلاف من الوقوف عند رأس الرجل وصدر المرأة مدعيا عليه الاجماع، إذ هو - مع أنا لم نجد للأول في النصوص أثرا "، بل قد سمعت خلافه فيها، ولا في الفتاوي سوى ما يحكى عن علي بن بابويه قاصر عن معارضته لما عرفت، نعم عن الفقيه والهداية الوقوف عند الرأس مطلقا، بل ربما حكي عن الشيخ أيضا وعن المقنع الصدر مطلقا، وهما معا ضعيفان محجوجان بما عرفت، هذا. وفي كشف اللثام والأولى إلحاق الخنثى والصغيرة بالمرأة، ولم يستبعده في الأولى في جامع المقاصد تباعدا " عن موضع الشهوة، وهو لا يخلو من وجه في الثانية، كالحاق الصغير بالرجل، بل جزم به في ظاهر المنظومة أو صريحها، وإشكال في الأولى، ولذا تردد فيها في المحكي عن الروض، بل في كشف الأستاذ ويتخير في الخنثى المشكل والممسوح، لعل ملاحظة الصدر أولى، ثم قال: وفي جريانه في الأبعاض وفي كيفيته فيها بحث. قلت: خصوصا في البعض، كما أن الأولوية المزبورة لا تخلو منه أيضا وإن كان وجهها واضحا، هذا، وظاهر المتن اختصاص الحكم بالامام، وقد عرفت أن مقتضى


(1) و (2) الوسائل الباب - 27 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 3

[ 75 ]

الدليل الأعم، نعم ينبغي استثناء المأموم كما نص عليه جماعة، وفي المنظومة. والمقتدى له الوقوف في طرف * بالبعد في الصفوف أو بطول صف مع أنه يمكن تعميم الحكم أيضا لمن أمكنه منهم بأن يكون مما يلي موقف الامام، والله أعلم. (وإن اتفقا) أي الرجل والمرأة وأريد الصلاة عليهما دفعة واحدة (جعل الرجل مما يلي الامام والمرأة من ورائه) كما ذكره جماعة، بل عن ظاهر الخلاف أو صريحه الاجماع عليه، بل لا خلاف فيه إلا من الحسن البصري وابن المسيب كما في كشف اللثام، بل عن المنتهى أنه مذهب العلماء كافة، كالمحكي عن المعتبر والتذكرة من أن به قال جميع الفقهاء، وسأل الحلبي وزرارة الصادق (عليه السلام) (1) (عن الرجل والمرأة كيف يصلى عليهما ؟ فقال: يجعل الرجل والمرأة ويكون الرجل مما يلي الامام) ومحمد ابن مسلم الباقر (عليه السلام) (2) (كيف يصلى على الرجال والنساء ؟ فقال: يوضع الرجل مما يلي الرجل والنساء خلف الرجال) وأحدهما (عليهما السلام) (3) عن ذلك أيضا فقال: (الرجال أمام النساء مما يلي الامام يصف بعضهم على أثر بعض) وابن بكير (4) عن بعض أصحابه عن الصادق (عليه السلام) في جنائز الرجال والصبيان والنساء فقال: (توضع النساء مما يلي القبلة والصبيان دونهم والرجال دون ذلك ويقوم الامام مما يلي الرجال) بل لعله المراد من التقديم في خبر البصري (5) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت فقال: يقدم الرجال في كتاب علي (عليه السلام)) وخبر طلحة بن زيد (6) عنه (عليه السلام) أيضا (كان علي (عليه السلام) إذا صلى على المرأة والرجل قدم المرأة وأخر الرجل، وإذا صلى على العبد والحر قدم العبد وأخر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 10 - 9 - 1 - 3 - 4 - 5

[ 76 ]

الحر، وإذا صلى على الكبير والصغير قدم الصغير وأخر الكبير) ومرسل الصدوق (1) عن علي (عليه السلام) على معنى التقديم إلى القبلة عكس التقديم في مضمر سماعة (2) (سألته عن جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت فقال: يقدم الرجل قدام المرأة قليلا " وتوضع المرأة أسفل من ذلك قليلا " عند رجليه ويقوم الامام عند رأس الميت فيصلى عليهما جميعا) نعم لا يجب ذلك قطعا، بل عن المنتهى والمفاتيح نفي الخلاف عنه، للأصل وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام (3): (لا بأس بأن يقدم الرجل وتؤخر المرأة ويؤخر الرجل وتقدم المراة يعني في الصلاة على الميت) ومضمر الحلبي (4) (سألته عن الرجل والمرأة يصلى عليهما قال: يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل مما يلي يساره، ويكون رأسها أيضا مما يلي يسار الامام ورأس الرجل مما يلي يمين الامام) بل لولا عدم مكافأة ذلك لما تقدم من وجوه لأمكن القول بالتخيير كما عن الاستبصار. (و) كيف كان فإذا أراد مع ذلك الاتيان بالمستحب السابق الشامل إطلاق دليله لصورة الجمع فل‍ (يجعل صدرها محاذيا لوسطه ليقف الامام موقف الفضيلة) فيهما كما صرح به الفاضل والشهيد وغيرهما، بل حكاه في كشف اللثام عن المبسوط، بل في مفتاح الكرامة عن المنتهى عليه إجماع العلماء كافة، لكنا لم نتحققه، بل قد يشكل ذلك بما سمعته من مضمري سماعة والحلبي السابقين، وموثق عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في الرجل يصلي على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلي عليهم ؟ قال: إن كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو أكثر من ذلك فليصل عليهم صلاة واحدة، ويكبر عليهم خمس تكبيرات كما يصلي على ميت واحد وقد صلى عليهم جميعا يضع ميتا واحدا " ثم يجعل الآخر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 5 - 8 - 6 - 7 - 2

[ 77 ]

إلى إلية الأول ثم يجعل رأس الثالث إلى إلية الثاني شبه الدرج حتى يفرغ منهم كلهم ما كانوا، فإذا سواهم هكذا قام في الوسط فكبر خمس تكبيرات يفعل كما يفعل إذا صلى على ميت واحد، سئل فان كان الموتى رجالا ونساء قال: يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني إلى إلية الأول حتى يفرغ من الرجال كلهم، ثم يجعل رأس المرأة إلى إلية الرجل الأخير ثم يجعل رأس المرأة الأخرى إلى إلية المرأة الأولى حتى يفرغ منهم كلهم، فإذا سوى هكذا قام في الوسط وسط الرجال وكبر وصلى عليهم كما يصلى على ميت واحد) وظاهر جماعة منهم الشهيد في الذكرى مع تصريحه هنا بما في المتن العمل به، بل في قواعد الفاضل بعد أن ذكر هنا ما في المتن قال في آخر الفصل الثالث في تعدد الجنائز: وينبغي أن يجعل رأس الميت ألا بعد عند ورك الأقرب وهكذا، كما عن تذكرته وتحريره ونهايته ثم قال: صفا مدرجا ثم يقف الامام وسط الصف، وظاهره المخالفة للأول، لكن في كشف اللثام (والأخبار خالية عن تعيين ألا بعد والأقرب إلا في الرجل والمرأة، فيجعل المرأة وهي أبعد عند ورك الرجل، وكلام المصنف في الموتى الذين من صنف واحد لما قدمه من جعل صدر المرأة بحذاء وسط الرجل) قلت: فيه انه مناف للنص المزبور الذي اعترف أنه هو الأصل في الحكم المذكور، بل مناف لقوله ألا بعد الذي لا مصداق له إلا في المرأة والرجل في النصوص، ولا يتم فيما تسمعه من الذكرى، وقال في جامع المقاصد: لا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، لأن ذلك مع اتحاد الرجل، وقول المصنف فان كان عبدا " وسط بينهما بيان للمرتبة في المذكورين، ولا دلالة فيه على كيفية الصف، وهو مناف أيضا لظاهر النص السابق، ثم قال: نعم قد يقال الغرض من ذلك مراعاة القرب من الامام، وذلك يفوت بالصف مدرجا، قال في الذكرى في التفريع: لا فرق في التدريج إذا كان المجتمعون صفا واحدا " بين صف الرجال والنساء والأحرار والعبيد والاماء والأطفال، والظاهر أنه يجعلهم صفين كتراص البناء لئلا يلزم الانحراف

[ 78 ]

عن القبلة، وإن كان ظاهر الرواية انه صف واحد، وفي هذا الكلام شئ، قلت: لعله لا انحراف فيه عن القبلة في الصف الواحد أيضا، وإنما فيه البعد عن الجنازة لو أراد استقبال الجميع، وصيرورة الميمنة قريبا من الخلف بل الخلف في بعض الأحوال لو قرب من الجنازة التي هي وسط الرجال، بل لعله لا يتأتى له حصول موقف الفضيلة منها أي الوقوف على وسطها، فانه لابد من انحرافه عن ذلك إذا أراد الاستقبال لكن قد يدفع ذلك كله ظاهر النص، فيقف حينئذ عند وسط الرجال وإن خرج ميمنة الصف عن جهة الامام، قال الشهيد في المحكي عنه من فوائد القواعد: (يقف في وسطهم وإن خرج عن محاذاة أوله وآخره للرواية) هذا، وفي كشف اللثام بعد أن ذكر خبر عمار والظاهر جواز جعل كل وراء آخر صفا مستويا ما لم يؤد إلى البعد المفرط بالنسبة إلى بعضهم، وكذا جعل كل عند رجل الآخر وهكذا صفا مستويا كما قالت بهما العامة، واحتمل المصنف في النهاية التسوية وأجمل، وظاهر الذكرى الاقتصار على المنصوص، ثم ظاهر النص والأصحاب جعلهم صفا واحدا "، وأجاد الشهيد حيث استظهر جعلهم صفين كتراص البناء لئلا يلزم انحراف المصلي عن القبلة إذا وقف وسطهم، وفي نسخة بدل التعليل المزبور ليكونوا في سمت قبلة المصلي، وهو جيد، بل قد يظهر من نصوص (1) تقدم المرأة ما ذكره من الصورة الأولى، كما أن الصورة الثانية محتمل مضمر سماعة (2) فضلا عن إطلاق الأدلة فيهما خصوصا في الأولى وإن كان الأولى اجتناب الصورة الثانية، لفوات استقبال الجنازة فيها من دون نص صريح معتبر، كما أنه لا يخفى عليك ما في الذكري استجوده من كلام الشهيد. وكيف كان فهذه الكيفية مخالفة لما سمعته من المتن وغيره، ويمكن لهذه النصوص تقييد ما دل على الصدر والوسط بغير التعدد ولو اثنين من صنف واحد أو مختلفين، أما


(1) و (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث. 8

[ 79 ]

فيه فالكيفية المزبورة إن لم يثبت إجماع على خلاف ذلك، نعم ليس في شئ من نصوص الدرج (1) ذكر تقديم المرأة إلى القبلة معه، بل في خبر الحلبي (1) منها عكس ذلك، فيمكن اعتباره بعد حمل ما في صحيح الحلبي (3) على الجواز ترجيحا لتلك النصوص عليه، فيقيد بها إطلاق موثق عمار (4) وغيره الدال على الدرج كما في كشف اللثام النص عليه، قال: وفي خبر عمار عن الصادق (عليه السلام) التدريج بجعل رأس رجل إلى إلية الآخر وهكذا، ووقوف الامام في الوسط، وهو لا ينافي الترتيب المذكور كما في الذكرى إلا باعتبار أن الامام يقوم في الوسط، فلا يفيد تقديم طرف الصف القرب، ولا تأخير وسطه البعد. قلت: ومنه ينقدح احتمال عدم اعتباره، وأنه مختص في غير الدرج المزبور، لعدم فائدته فيه، إذ مع قيام الامام في الوسط لا يفيد التقديم القرب، ولا التأخير البعد بل قد يدعى ظهور نصوص تقديم المراة في غير الدرج المذكور، لعدم صدق الامام ونحوه فيه، فحينئذ لا معارضة بين تلك النصوص ومضمر الحلبي (5) بل يمكن أن يكون ذلك وجه ما في المتن وغيره هنا من جعل صدر المرأة عند وسط الرجل لتحصيل موقف الفضل فيهما على معنى اعتبار ذلك في غير الدرج، أما هود فكيفية أخرى غير هذه الكيفية قل من تعرض لها، بل لم نعرفه قبل الفاضل ومن تبعه، فتأمل جيدا "، فان المسألة غير محررة في كلام الأصحاب، لكن يسهل الخطب فيها أن الحكم فيها ندب يتسامح فيه. ثم إن ظاهر المتن كصريح غيره بل لا أجد فيه خلافا تقديم الرجل للامام على المرأة وإن كان عبدا "، بل عن الخلاف والمنتهى وظاهر التذكرة الاجماع عليه، تغليبا لجانب الذكورة، ولا طلاق الأدلة السابقة، ولا ينافيه خبر طلحة (6) ومرسل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث. 7 - 10 - 2 - 7 - 5

[ 80 ]

الصدوق (1) لأن المراد فيهما العبد الذكر في مقابل الحر الذكر لا الحرة، نعم هو دال على تقديمه عليه، فحينئذ يوسط بين الحر والحرة، كما أن من فحواه يستفاد تقديم الحرة على الأمة، لكن في الذكرى وأما الحرة والعبد فيتعارض فحوى الرجل والمرأة والحر والعبد، لكن الأشهر تغليب جانب الذكورة، فيقدم العبد إلى الأمام، قلت: قد عرفت الاجماع عليه. فان جامعهم خنثى أخرت عن المرأة أيضا للامام بلا خلاف أجده، بل عن الخلاف والمنتهى وظاهر التذكرة الاجماع عليه، لاحتمال الذكورة، قلت: لكن قد يقيد ذلك بما إذا لم تكن مملوكة، وإلا قدمت المرأة الحرة للامام عليها ترجيحا للمرجح المعلوم على المرهوم. (و) كيف كان ف‍ (لو كان طفلا) مع الر جل والمرأة (جعل من وراء المرأة) مما يلى القبلة كما عن النهاية والمهذب والغنية، بل في لاأخير الاجماع عليه لأولويتها بالشفاعة منه، وإطلاق خبري طلحة والصدوق، لكن قد يعارض بمرسل ابن بكير (2) والاجماع عن الخلاف وظاهر الجواهر على تقديم الصبي لست فصاعدا " للامام عليها، بل في الخلاف عن عمار بن ياسر (3) (أخرجت جنازة أم كلثوم وابنها زيد بن عمر ومعها الحسنان وابن عباس وعبد الله بن عمر وأبو هريرة، فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الامام والمرأة وراءه، وقالوا: هذا هو السنة) بل بذلك يرجح مرسل ابن بكير على الخبرين المزبورين في ذي الست، كرجحان الاجماع المذكور على إجماع الغنية الذي لم يشهد التتبع بصدقه، نعم هما مع الاجماع المزبور يرجحان على المرسل المذكور بالنسبة إلى ذي الأقل من ذلك، لاعتضادهما بالمحكي من إجماع الخلاف والمنتهى وظاهر الجواهر والتذكرة، فاطلاق المتن حينئذ ومن عرفت تأخره عن المرأة إلى القبلة كاطلاق الصدوقين


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 5 - 3 - 11 الجواهر - 10

[ 81 ]

وسلار على ما قيل تقديمه للامام لمرسل ابن بكير المزبور واستحسنه المصنف في المحكي عن معتبره في غير محله. نعم قد يقال بالاطلاق الأول لو كان الصبي مملوكا و المرأة حرة، والاطلاق الثاني في العكس ترجيحا لجانب الحرية المعتضد في الأول بالصغر والكبر، إلا أنه معارض لها في الثاني كمعارضة الذكورة لها في الأول، إلا أنه قد تدفع الأخيرة بأن الثابت الترجيح بذكورة الرجل لا مطلق الذكورة بالنسبة للمرأة، نعم لا بأس بها في الصبي والصبية، فالاطلاق الأول حينئذ في الفرض المزبور متجه بخلاف الثاني الذي قد تزاحم فيه المرجحان المنصوصان كالصبي الحر ذي الست بالنسبة إلى العبد البالغ، ففي كشف اللثام تقديمه للامام عليه للشرف بالحرية، وعن ابن حمزة ومنتهى الفاضل العكس، لأنه أولى بالشفاعة، وإطلاق خبري (1) تقديم الصغير إلى القبلة، والأولى التخيير فيه وفي كلما تزاحم فيه المرجحات المنصوصة إذا لم يرجح أحدها على الآخر بالتعدد أو بمرجح خارجي من إجماع أو غيره، ومنه يعلم الحال في تقديمه على الخنثى إذا كان من ست كما صرح به في الخلاف والمحكي عن السرائر والمبسوط والاصباح والجواهر، بل لعل في ظاهر الأول أو صريحه الاجماع عليه، بل قد يظهر من منظومة الطباطبائي ترجيح الذكورة على كل حال، قال: وقدم الذكور والاحرارا * اليك ندبا وكذا اعتبارا وإن تعارضت فقدم أولا * وأنت بالخيار فيما قد تلا ولا يخلو من نظر، فتأمل هذا، وعن أبي علي أنهم يجعلون على العكس مما يقوم الأحياء خلف الامام للصلاة، وقال في إمامة الصلاة إن الرجال يلون الامام، ثم الخصيان ثم الخناثا، ثم الصبيان، ثم النساء، ثم الصبيات، ولم نجد في النصوص ما يشهد له، بل


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5

[ 82 ]

ليس فيها لذكر الخصيان أثر، والظاهر إلحاقهم بالرجال، لكن عن الحلبي أيضا (تجعل المرأة مما يلي القبلة والرجل مما يلي الامام، وكذلك الحكم إن كان بدل المرأة عبدا " أو خصيا أو صبيا، كما أنه ليس فيها ترجيح للجنائز المتساوية في الذكورة ونحوها) لكن عن التذكرة (لو كانوا كلهم رجالا " أحببت تقديم الأفضل، وبه قال الشافعي، وعن المنتهى قدم إلى الامام أفضلهم، لأنه أفضل من الآخر فأشبه الرجل مع المرأة) وعن التحرير (ينبغي التقديم بخصال دينية ترغب في الصلاة عليه، وعند التساوي لا يتسحب القرب إلا بالقرعة أو التراضي) وفي كشف اللثام ولم أجد بذلك نصا إلا أن ينزل عليه قوله (عليه السلام) في خبر السكوني (1) وسيف بن عميرة (2): (خير الصفوف في الصلاة المقدم، وخير الصفوف في الجنائز المؤخر، قيل: يا رسول الله ولم ؟ قال: صار سترة للنساء) قلت: لكن ليس فيه ترجيح بالأفضلية ونحوها، وكأنه لذا قال في الذكرى بعد أن نقل الترجيح عن العلامة بالأفضلية قال: وهو مخالف للنص والأصحاب نعم عن الوسيلة والجامع في رجلين أو امرأتين يقدم أصغرهما إلى القبلة، قيل ولعله لخبري طلحة والصدوق، وفيه أن الظاهر إرادة ما دون البلوغ من الصغر فيهما، وبالجملة الأولى الوقوف على المستفاد من النصوص استفادة معتبرة، إذ احتمال أن ما فيها من المثال، وإلا فالمراد مراعاة سائر المرجحات بعيد جدا "، وعليه فالأمر غير منحصر في الأفضلية وكيف كان فمما ذكرنا يظهر لك كيفية النظم لو اجتمع الجميع الرجل والمرأة الحرة والمملوكة والصبي والصبية كذلك للست ودونها، والخنثى البالغ وغيره للست وغيره الحر والمملوك، وعن فوائد القواعد لثاني الشهيدين قال: جملة الحكم في ذلك أن يجعل الرجل مما يلي الامام، ثم الصبي الحر، ثم العبد البالغ، ثم العبد لست، ثم الخنثى الحر


(1) و (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1

[ 83 ]

البالغ، ثم الخنثى الحر لست، ثم الخنثى الرقيق كذلك، ثم المرأة الحرة، ثم الأمة، ثم الطفل الحر لدون ست، ثم العبد كذلك، ثم الخنثى الحر، ثم الرقيق كذلك، ثم الأنثى كذلك، ولا يخفى ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، كما أن ما في كشف الأستاذ ومع اجتماع الجنائز يقدم الرجل الحر إلى الامام، ثم الرق، ثم الصبي الحر بالغاست سنين، ثم غير بالغها ممن يصلي عليه، ثم الصبي الرق ممن بلغ ستا، ثم من لم يبلغ والممسوح كذلك، ثم الخنثى الحر، ثم البالغة الحرة، ثم صبيتها مرتبة، ثم الأمة، ثم صبيتها كذلك، ثم النساء على هذا التفصيل كذلك أيضا، كما أن مما قدمناه في تداخل الغسل المندوب والواجب يظهر لك ما أطنبوا فيه في المقام من الجمع بصلاة واحدة بينهما، فلاحظ وتأمل، والله أعلم. (و) من السنن أيضا (أن يكون المصلي متطهرا ") بلا خلاف، بل في المحكي عن التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا " بدعوى الاجماع عليه، بل في المحكي عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد خبر عبد الحميد بن سعد (1) قال لأبي الحسن (عليه السلام): (الجنازة يخرج بها ولست على وضوء فان ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة أأصلي عليها وأنا على غير وضوء ؟ فقال: تكون على طهر أحب إلي) مع أن الصلاة ذكر ودعاء ومسألة وشفاعة للميت فاستحب في فاعلها أن يكون على أكمل أحواله وأفضلها، نعم الظاهر مشروعية التيمم في مفروض سؤال الخبر المزبور كما دل عليه غيره من النصوص (2) وأفتى به الأصحاب، بل قد يقال بمشروعيته مع التمكن من الوضوء أيضا كما تقدم محررا " في بحث التيمم، فلا حظ وتأمل. نعم لا ريب في رجحان الطهارة المائية عليه، بل لا يبعد رجحان الصورية عليها فضلا " عن الحقيقة، لكن عن فقه الرضا (عليه السلام) (3) (وإن كنت جنبا


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2. (3) المستدرك الباب - 20 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1

[ 84 ]

وتقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ) وظاهره المساواة، وهو لا يخلو من تأمل، كما أن قوله (عليه السلام) أيضا (1): (قد أكره أن يتوضأ إنسان عمدا " للجنازة لأنه ليس بالصلاة، وإنما هو التكبير، والصلاة التي هي فيها الركوع والسجود) كذلك ولعله يريد نية الوجوب من التعمد والحرمة من الكراهة، وإلا كان مخالفا للنص والفتوى كما عرفت، والله أعلم. (و) من سننها أيضا أن (ينزع نعليه) كما عن جماعة التصريح به، بل في المدارك هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، وهو الحجة إن تم إجماعا لا خبر سيف بن عميرة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (لا يصلى على الجنازة بحذاء، ولا بأس بالخف) ضرورة اقتضائه الحرمة إلا أنه لقصوره من وجوه عن إثباتها يحمل على الكراهة فيه لا استحباب نزعه، اللهم إلا أن يدعى رجوعه إليه، ولا يخلو من تأمل، وعليه فلا دلالة فيه على استحباب الحفاء كما عبر به في النافع والمحكي عن المعتبر والمنتهى، بل في الذكرى أنه عبارة ابن البراج، وهو الذي أراده العلامة الطباطبائي بقوله: والخلع للحذاء دون الاحتفا * وسن في قضائه الحافي الحفا فانه لقب القاضي عبد العزيز بن الجبار، وفي معقد إجماع الغنية وأن يتحفى الامام وعلى كل حال فقد علل بأنه موضع اتعاظ، فكان التذلل أنسب بالخشوع، مضافا إلى ما رواه الجمهور (3) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار) وهما كما ترى، بل في الذكرى استحباب الحفاء يعطي استحباب نزع الخف، والشيخ وابن الجنيد ويحيى بن سعيد استثنوه، والخبر ناطق به،


(1) المستدرك الباب - 8 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 26 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 (3) سنن البيهقى ج 3 ص 229

[ 85 ]

وفي التذكرة اختار عدم نزع الخف، واحتج بحجة المعتبر، وهو تام لو ذكر الدليل المخرج للخف عن مدلول الحديث، قلت: يمكن إخراجه بالخبر المزبور بناء " على ظهور نفي البأس فيما يشمله، كما أنه يمكن عدم استثنائه كما أطلقه في النافع وغيره، لعدم منافاة نفي البأس لاستحباب الحفاء، إذ أقصاه الجواز، اللهم إلا أن يكون هنا كذلك بناء على إرادة ندب النزع من النهي الأول، فيدل حينئذ على نفيه فيه، لكن كل ذلك بعد الدليل على الحفاء، وقد عرفت عدمه، وإجماع الغنية مع موهونيته بمصير الأكثر إلى خلافه خاص بالامام، بل قد يظهر عن المحكي عن المقنع عن شيخه التوقف في نزع النعل فضلا " عنه، قال: روى أنه لا يجوز للرجل أن يصلي على جنازة بنعل حذو، وكان محمد بن الحسن يقول: كيف يجوز صلاة الفريضة به ولا يجوز صلاة الجنازة، به، وكان يقول: لا نعرف النهي عن ذلك إلا من رواية محمد بن موسى الهمداني، وكان كذابا، قال الصدوق: وصدق في ذلك إلا أني لا أعرف من غيره رخصة وأعترف بالنهي وإن كان من غير ثقة، ولا يرد الخبر بغير خبر معارض، قلت: روى الكليني عن عدة عن سهل ابن زياد عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة ما تقدم، وهذا طريق غير طريق الهمداني إلا أن يفرق بين الحذاء وبين نعل الحذو، وقد يفرق بين الصلاتين باشتراط عدم الخبث في ذات الأركان وعدمه في الجنازة، لكن لا يخفى ما في كلام الصدوق من عدم اشتراط العدالة في الخبر وظهور الحرمة وغير ذلك، كما أنه لا يخفى عليك ظهور الفتاوى في عدم الفرق هنا بين النعل العربية وغيرها، فاحتماله بتنزيل الحذاء أو نعل حذو على غيرها فيختص ندب الخلع حينئذ بها لا ما يشمل العربية في غاية البعد، خصوصا بعد تفسير الحذاء بالنعل في الصحاح وفي المحكي عن النهاية، وإضافة النعل للحذو للتوضيح كما قيل أو غير ذلك، والله أعلم. (و) من سننها أيضا أن (يرفع يديه في أول تكبيرة إجماعا) محصلا " ومنقولا "

[ 86 ]

مستفيضا إن لم يكن متواترا "، بل لعله إجماع أهل العلم كماعن التذكرة والمنتهى وظاهر المعتبر، بل لا خلاف فيه في النصوص كالفتاوى (و) أما (في البواقي) فيستحب أيضا (على الأظهر) وفاقا لوالد الصدوق وللتهذيب والاستبصار والجامع والنافع والمعتبر والتذكرة والتحرير والتخليص والارشاد ونهاية الأحكام والقواعد والبيان والدروس واللمعة والموجز والتنقيح وكشف الالتباس وجامع المقاصد وفوائد الشرائع والتلخيص وحاشية الميسي والروض والروضة والمسالك ومجمع البرهان والمفاتيح والحدائق والمدارك والمنظومة على ما حكي عن البعض، بل عن كشف الالتباس أنه المشهور، بل عن الروض أن عمل الطائفة عليه الآن، بل في مفتاح الكرامة عن شرح الجعفرية أنه إجماعي، لكن قال: لعل النسخة غير صحيحة كما هو الظاهر، ولعله الأقوى تأسيا بفعل الصادق (عليه السلام) المروي في الصحيح عن عبد الرحمان بن العزرمي (1) قال: (صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) على جنازة فكبر خمسا برفع يده في كل تكبيرة) وخبر عبد الله بن خالد مولى بني الصيدا (2) فانه صلى خلفه أيضا فرآه يرفع يده في كل تكبيرة، بل سأل يونس الرضا (عليه السلام) في خبره (3) فقال له: (جعلت فداك أن الناس يرفعون أيديهم في التبكير على الميت في التكبيرة الأولى ولا يرفعون فيما بعد ذلك فأقتصر على التكبيرة الأولى كما يفعلون أو أرفع يدي في كل تكبيرة ؟ فقال: ارفع يدك في كل تكبيرة) بل منه يستفاد أن ما رواه غياث بن إبراهيم (4) عن الصادق عن علي (عليهما السلام) (أنه كان لا يرفع يده في الجنازة إلا مرة واحدة يعني في التكبير) وإسحاق بن أبان الوراق (5) عنه أيضا عن أبيه (عليهما السلام) (كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 10 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 - 2 - 3 - 4 - 5 لكن روى الثاني عن محمد بن عبد الله بن خالد وروى الخامس عن إسماعيل بن إسحاق

[ 87 ]

(عليه السلام) يرفع يده في أول التكبير على الجنازة ولا يعود حتى ينصرف) محمول على التقية، بل تفوح رائحتها منهما لسليم حاسة الشم مع قطع النظر عن ذلك، ولا يقدح فيه اختلاف العامة بعد أن كان ذلك مذهب مالك والثوري وأبي حنيفة الذي يتقى منه في ذلك الزمان، لأنه الذي عليه السواد والسلطان والأتباع كما يؤمي إليه ما حكاه يونس، بل هو المعروف عندهم في صلاة المكتوبة أيضا كما يؤمي إليه خبر إسماعيل بن جابر (1) المروي عن قرب الاسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رسالة طويلة كتبها لأصحابه إلى أن قال: (دعوا رفع أيديكم في الصلاة إلا مرة واحدة حين تفتح الصلاة، فان الناس قد شهر وكم بذلك، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله). فلا ريب حينئذ في أولوية ذلك مما عن الشيخ من حملهما على بيان الجواز، خصوصا مع إشعار (كان) بالدوام، وقد يقال في الأول بعد فرض كون التعبير فيه من غير الراوي أن المراد رفع اليدين في الدعاء، أي لا يستحب فيها إلا قنوت واحد، وهو عند الدعاء للميت لا كالعيد، قال في المدارك: ولم يذكر الأصحاب هنا استحباب رفع اليدين في حالة الدعاء للميت، ولا يبعد استحبابه لا طلاق الأمر برفع اليدين في الدعاء المتناول لذلك، وإن كان فيه أن مقتضى التعليل الرفع أيضا في غير الدعاء للميت بل لا يخفى عليك بعد حمل الخبر عليه إلا أنه لا بأس به بعد رجحان دليل الندب بصحة السند وكثرة العدد ومخالفة العامة والتسامح، وما سمعته سابقا في أول أفعال الصلاة من ظهور بعض النصوص في كون الرفع هيئة التكبير، كقول الرضا (عليه السلام) (2): (إنما ترفع اليدين بالتكبير لأن رفع اليدين ضرب من الابتهال والتبتل والتضرع، فأحب الله


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب تكبيرة الاحرام - الحديث 9 من كتاب الصلاة لكن رواه عن الكافي (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب تكبيرة الاحرام - الحديث 11 من كتاب الصلاة

[ 88 ]

عز وجل أن يكون العبد في وقت ذكره له متبتلا " متضرعا مبتهلا ") وغيره مما لا يخفى واحتمال معارضة ذلك كله بالشهرة بين قدماء الأصحاب إذ المنقول عن الشيخين والمرتضى وابن زهرة والقاضي والتقي والبصري والعماد الطوسي والديلمي والعجلي والفاضل في المختلف العدم، بل في الذكرى والمدارك وأكثر الأصحاب أن لا رفع إلا في الأولى، بل في كشف اللثام وغيره أنه المشهور بمعنى عدم استحبابه في غيرها، واليه يرجع ما في الذكرى أن الخروج عن جمهور الأصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه، بل في الغنية والمحكي عن شرح القاضي الاجماع عليه، فيحمل تلك النصوص على إرادة بيان جواز الفعل - يدفعه مع أنه لا يتم في خبر يونس (1) أن الشهرة المتقدمة بعد تسليمها لظهور بعض العبارات في منع الرفع في غير الأولى، بل في التنقيح حكايته عن البصري ومعارضته بالشهرة المتأخرة، بل بها يوهن الاجماعان المزبوران، بل لا يخفى حال الأول منهما على الممارس للغنية بل ولا الثاني، ولو سلم التكافؤ بين الشهرتين فالترجيح بالعرض على مذاهب العامة بحاله، مضافا إلى ما عرفت، فلا حاجة حينئذ إلى ما عن المعتبر من الترجيح بأن ما دل على الزيادة أولى، ولأن رفع اليدين مراد الله في التكبير الأول، وهو دليل الرجحان، فيشرع في الباقي تحصيلا " للأرجحية، ولأنه فعل مستحب، فجاز أن يفعل مرة ويخل به أخرى، فلذلك اختلف الروايات، إذ فيه أن خبر النقيصة الأول يدل على نفي الزائد صريحا، فيتعارض، والرجحان في الأولى لا يقضي به في غيرها، ولفظ (كان) مشعر أو ظاهر في الدوام، فتأمل جيدا "، والله أعلم. (و) منها عند المصنف كما عرفت سابقا أنه (يستحب عقيب الرابعة أن يدعو له إن كان مؤمنا، وعليه إن كان منافقا) وقد سمعت أن الأقوى الوجوب فيهما، وأنه


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 الجواهر - 11

[ 89 ]

لا يتعين خصوص اللعن منه كما تقدم ذلك مفصلا "، نعم ظاهر المصنف وغيره من القائلين بالأربع للمنافق أن محل الدعاء بعد الرابعة وإن لم يكن بعدها تكبيرة، بل لعله لا خلاف فيه بين القائلين بالوجوب والندب والأربعة والخمسة لظهور الأدلة السابقة في أنها هي محل الدعاء للميت أو عليه، ولا يبعده عدم تكبيرة أخرى بعدها على تقدير الأربع، ولذا قال في الذكرى بندب الدعاء لا وجوبه، وفيه ما عرفت سابقا، كما أن ما في المدارك من أنه لا يتعين الدعاء بعد الرابعة كذلك وإن كان هو مبنيا على ما ذهب إليه من عدم وجوب التوزيع المزبور، كما أن المحدث البحراني بعد أن ذهب إلى كفر المخالفين وعدم مشروعية الصلاة عليهم إلا تقية قال هنا: إنه متى صلى كان مخيرا " بين الدعاء عليهم بعد كل تكبيرة كما هو ظاهر خبر الحسين بن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) وغيره من الأخبار وبين الدعاء بعد الرابعة كما في فقه الرضا (عليه السلام) (2) وفيه ما لا يخفى بعد التدبر في النصوص والفتاوى. (و) أما الدعاء (بدعاء المستضعفين إن كان كذلك) أي مستضعفا كما في صحيح الحلبي (3) وأكثر كتب الأصحاب بل جميعها عدا النادر، بل في الغنية الاجماع عليه (اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) نعم قال في آخره: (وإن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية) وستسمع المراد منه، وفي صحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) والغنية والمحكي عن المبسوط وبعض الكتب (ربنا اغفر الذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) وزاد في الصحيح إلى آخر الآيتين أي قوله تعالى (5): (ربنا وأدخلهم جنات عدن


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 6 (2) المستدرك الباب - 4 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 4 (5) سورة المؤمن - الآية 8

[ 90 ]

التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، إنك أنت العزيز الحكيم) ولعله المراد في الصحيح الأول أيضا إلا أنه لم أعثر عليه في شئ من الفتاوى إلا ما يحكى عن الجعفي، فقال: إلى آخر الآيات، وفي صحيح الفضيل وابن أذينة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) (وإن كان واقفا مستضعفا فقل: اللهم) إلى آخر الآية، نعم ستسمع احتمال إرادته من خبر ثابت بن أبي المقدام (2) فيكون دعاؤه ما فيه، والظاهر عدم التوقيت فيه للاطلاق السابق، بل المراد الدعاء بجنس ذلك نحو ما سمعته في المؤمن والمنافق واليه أو مأ في المحكي عن (الكافي) من أنه إن كان مستضعفا دعا للمؤمنين والمؤمنات. كما أنه لا خلاف فيما أجده في كون الدعاء المزبور بعد الرابعة، لأن الظاهر الخمس في كفية صلاته كما صرح به في كشف اللثام على وجه يظهر منه كونه مفروغا منه، لاطلاق مادل عليها المقتصر في تقييده عند المصنف ومن عرفت على المنافق الذي هو غير المستضعف قطعا كما هو مقتضى المقابلة نصا وفتوى، فالاطلاق حينئذ بحاله. والمراد بالمستضعف هنا - وإن قيل إن ظاهر الأصحاب في الزكاة والوصية المخالف الذي ليس له نصب - هو من لا يعرف اختلاف الناس، فلا يعرف ما نحن عليه ولا يبغضنا كما عن السرائر ولعله لتوقيع الكاظم (عليه السلام) لعلي بن سويد (3) (الضعيف من لم يرفع إليه حجته ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف) وقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي سارة (4) (ليس اليوم مستضعف


(1) الوسائل الباب - 3 و - من أبواب صلاة الجنازة - ا لحديث 5 لكن رواه عن عمربن أذينة عن الفضيل بن يسار (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 7 لكن رواه عن ثابت أبي المقدام وهو الصحيح (3) و (4) أصول الكافي - ج 2 ص 406 " باب المستضعف " الحديث 11 - 12

[ 91 ]

أبلغ الرجال الرجال والنساء النساء) ولأبي بصير وسفيان بن السمط (1) (فتركتم أحدا " يكون مستضعفا فو الله لقد مشى بأمركم هذا العواتق إلى العواتق في خدورهن وتحدث به السقايات في طريق المدينة) ولأبي بصير (2) (من عرف الاختلاف فليس بمستضعف) ولأبي حنيفة (3) الذي هو من أصحابنا (من عرف الاختلاف فليس بمستضعف) وقول أبي جعفر (عليه السلام) لزرارة (4): (ما يمنعك من البله من النساء المستضعفات اللاتي لا ينصبن ولا يعرفن ما أنتم عليه، وممن لا يعرف الاختلاف أشباه الصبيان ممن ليس له (مزبد) تمييز يمكنه به معرفة الحق أو يبعثه على الفساد والبغض لنا) كما قال أبو جعفر (عليه السلام) أيضا لزرارة (5): (هو الذي لا يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر ولا يهتدي بها إلى سبيل الايمان، لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر، قال: والصبيان ومن كان من الرجال والنساء مثل عقول الصبيان) وفي خبر سليم بن قيس (6) المروي في الاحتجاج عن الحسن (عليه السلام) (إن الناس ثلاثة: مؤمن يعرف حقنا ويسلم ويأتم بنا فذلك ناج محب لله ولي، وناصب لنا العداوة يبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا ويدين الله بالبراءة منا فهذا كافر مشرك فاسق، وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما يسبوا الله من غير علم كذلك يشرك بالله بغير علم، ورجل


(1) أصول الكافي - ج 2 ص 404 " باب المستضعف " ا لحديث 4 وهو خبر سفيان بن السمط فقط (2) أصول الكافي - ج 2 ص 405 " باب المستضعف " الحديث 7 (3) معاني الأخبار - ص 200 " المطبوعة بطهران عام 1279 (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 3 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه الحديث 2 من كتاب النكاح (5) أصول الكافي - ج 2 ص 44 " باب المستضعف " الحديث 3 (6) الاحتجاج - ص 162

[ 92 ]

أخذ بما لا يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه إلى الله تعالى مع ولايتنا ولا يأتم بنا ولا يعادينا فنحن نرجوا أن يغفر الله له ويدخله الجنة، فهو مسلم ضعيف) وعن الغرية (أنه الذي يعترف بالولاء ويتوقف عن البراء) وفى كشف اللثام (وكأنه نظر إلى قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر الفضيل: (وإن كان واقفا مستضعفا فكبر وقل: اللهم اغفر للذين تابوا) إلى آخره، وفي الذكرى (هو الذي لا يعرف الحق، ولا يعاند فيه، ولا يوالي أحدا " بعينه) قال في جامع المقاصد: والتفسيرات متقاربة إلا أن ما ذكره ابن إدريس ألصق بالمقام، فان العالم بالخلاف والدلائل إذا كان متوقفا لا يقال له مستضعفا، وما يقال من أن المستضعف هو الذي لا يعرف دلائل اعتقاد الحق وإن اعتقده فليس بشئ، إذ لا خلاف بين الأصحاب في أن من اعتقد معتقد الشيعة الامامية مؤمن، يعلم ذلك من كلامهم في الزكاة والنكاح والكفارات، وفي كشف الأستاذ (أنه من لا يوالي ولا يعادي ويدخل نفسه في اسم المؤمنين والمخالفين، ولا يعرف ما هم عليه) قلت: لعل الاستضعاف مراتب مختلفة، كما أنه يكون من قصور العقل وغيره، ويلحق في الصورة باسم المؤمنين أو المخالفين. وعلى كل حال فالتكبير عليه بعد إحراز إسلامه والضعف في إيمانه بالمعنى الأخص خمس تكبيرات، لاطلاق ما دل عليها في الميت الذي لم يعلم خروج غير المنافق والجاحد للحق ونحوهما ممن علم عدم شموله للمستضعف عنه، والظاهر إلحاق ولد المستضعف به في ذلك أيضا، كما أن الظاهر كون الاستضعاف حالة مقابلة للايمان والخلاف لا تتنقح بالأصل كما ستعرف الاشارة إليه في مجهول الحال، والله هو العالم. (وإن جهله) ولم يعرف مذهبه (سأل الله تعالى أن يحشره مع من يتولاه) كما في القواعد وعن التحرير والارشاد والبيان، لقول الباقر (عليه السلام) في صحيح

[ 93 ]

زرارة ومحمد بن مسلم (1): (ويقال في الصلاة على من لا يعرف مذهبه: اللهم إن هذه النفوس أنت أحييتها وأنت أمتها، اللهم ولها ما تولت واحشرها مع من أحبت) بل في كشف اللثام أنه المذكور في المقنع والهداية والمقنعة والمصباح ومختصره والمهذب والغنية بل عن الأخير الاجماع عليه، ولا ينافيه ما عن المعتبر والتذكرة والمنتهى ونهاية الأحكام والذكرى والدروس وجامع المقاصد وغيرها من الدعاء بما في خبر ثابت بن أبي المقدام (2) قال: (كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) فإذا بجنازة لقوم من جيرته فحضرها وكنت قريبا منه فسمعته يقول: اللهم إنك خلقت هذه النفوس وأنت تحييها وأنت أعلم بسرائرها وعلانيتها ومستقرها ومستودعها، اللهم وهذا عبدك ولا أعلم منه شرا " وأنت أعلم به، وقد جئناك شافعين له بعد موته، فان كان مستوجبا فشفعنا فيه واحشره مع من كان يتولاه) إذ لا يريدون التعيين، خصوصا ولا صراحة في الخبر المزبور أن الميت كان مجهول الحال عنده، بل هو من المستبعد، سيما مع كونه من جيرته، بل الأقرب أنه كان مستضعفا، وشفاعته (عليه السلام) فيه لأن له حق الجوار عليه، ففي صحيح الحلبي أو حسنه (3) عن الصادق (عليه السلام) المتقدم سابقا (وإن كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية) فان المراد بالسبيل الحق وبالولاية ولاية أهل البيت (عليهم السلام) كما في الوافي أي حق من لا ولاية له عليك لا يوجب أن تدعو له كما تدعو لأهل الولاية، بل يكفي لذلك أن يستغفر له على وجه الشفاعة، وربما يؤيد ما في مرسل ابن فضال (4) عن الصادق (عليه السلام) (الترحم على جهتين جهة الولاية وجهة الشفاعة) بل في وافي الكاشاني الترحم على جهة الولاية مثل ما مر من الدعاء للمؤمنين، وعلى جهة الشفاعة مثل الخبر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 - 7 - 4 - 5 لكن روى الثاني عن ثابت أبي المقدام وهو الصحيح

[ 94 ]

المزبور، ثم قال: وإنما تجوز الشفاعة لمن كان قد استوجبها كالمستضعف إذا كان من الشفيع بسبيل دون غيره، وفي حسن ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) السابق الدعاء للمجهول بدعاء المستضعف، كما أن في خبر سليمان بن خالد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا " رسول الله (صلى الله عليه وآله)، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته، وبيض وجهه، وأكثر تبعه، اللهم اغفر لي وارحمني، وتب علي، اللهم اغفر للذين إلى آخر الآية (3) فان كان مؤمنا دخل فيها، وإن كان ليس بمؤمن خرج منها) وفي صحيح الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) (وإذا كنت لا تدري ما حاله فقل: اللهم إن كان يحب الخير وأهله فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه). وكيف كان فلا إشكال في وجوب الدعاء هنا بعد أن كان الواقع عدم خلوه ممن عرفت وجوب الدعاء لهم وعليهم، نعم الظاهر عدم التوقيت فيه، بل يجب مراعيا لجهل حاله كما أومأ إليه في المحكي عن الكافي من اشتراط الدعاء له وعليه، بل الأولى مراعاة احتمال الايمان والخلاف والاستضعاف، فيأتي بدعاء صالح لذلك كله كما أومي إليه في بعض النصوص السابقة، إلا أنه قد يظهر من دعائه في بعض آخر منها عدم مراعاة استضعافه، ولعله لأن المفروض معلومية انتفائه أو لندرته، ومنه يعلم فساد احتمال الحكم باستضعافه إذا جهل حاله بتخيل أنه ينقحه إصالة عدم الايمان والخلاف وإن كان هو لا يخلو من وجه، بناء على بعض التفاسير للمستضعف الذي مرجعه إلى عدم معرفة الحق وعدم معاندته فيه وعدم موالاة أحد بعينه، لكن النصوص والفتاوى كالصريحة بخلافه ولعله لأن الاستضعاف حالة أخرى متجددة بعد حال الصغر مقابلة للايمان والخلاف


(1) و (2) (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 - 6 - 4 (3) سورة المؤمن - الآية 7

[ 95 ]

ينفيها الأصل أيضا، فتأمل. كما أن ظاهر النصوص والفتاوى تعليق الحكم على الجهل بمذهبه ونحوه المتحقق مع الظن به، وهو كذلك، ضرورة عدم الدليل على الاجتزاء به في مثل ذلك، نعم لو كان مستنده ظاهر إقراره ونحوه مما علم الاكتفاء به اتجه خروجه حينئذ عن المجهول، لكن في كشف اللثام تفسير الجاهل بالذي لم يعرف خلافه للحق وإن كان من قوم ناصبة ولا استضعافه ولا عرف إيمانه ولا ظن، ثم قال: فعندي يكفي الظن في الايمان ولابد من العلم في الباقيين، وللنظر فيه مجال وإن كان قد يشهد له بعض النصوص المميزة للمؤمن عن غيره ببعض الامارات الظنية، ولتمام البحث فيه محل آخر. نعم ما في المدارك الظاهر أن معرفة بلد الميت الذي يعلم ايمان أهلها أجمع كاف في إلحاقه بهم لا يخلو من قوة، وربما عد مثله علما في العادة أو عومل معاملته، والله أعلم. والظاهر أن التكبير على المجهول خمس، إما لاطلاق ما دل على وجوبها للميت المقتصر في تقييده على معلوم النفاق الذي قد يدعى انسياق الأدلة فيه، وإما لأن بها يحصل بقين البراءة من الشغل اليقيني، إذ هو إن كان من ذوي الأربع فلا يقدح زيادة الخامسة للاحتياط بعد الكمال، وإن كان من ذوي الخمس فهي في محلها، فلا حاجة حينئذ في يقين البراءة إلى التكرار وإن اختلف الصلاتان، لكنه اختلاف هيئة عدد لم يعتبر في القليل منه عدم الزيادة عليه ولو بقصد الاحتياط حتى يتوقف يقين حصول البراءة على التكرار، بل المراد حصول الأربعة في الخارج ولو كانت في ضمن خمسة لم يقصد بها التشريع المفسد، وتسمع فيما يأتي إن شاء الله الاجتزاء بصلاة واحدة للمؤمن والمنافق على أن يشتركا في الأربعة ويختص المؤمن بالزيادة، وأنه ونحوه ليس من التداخل في شئ، لعدم تعدد الأوامر وإن كان قد تعدد المأمور بالصلاة عليه، فهو نحو الأمر بضرب الرجال الحاصل امتثاله بضرب كل واحد وبضربهم جميعا دفعة،

[ 96 ]

كما هو واضح، فلا حظ وتأمل فان له نفعا في المقام، والله أعلم. (وإن كان) الميت (طفلا " سأل الله أن يجعله مصلحا لحال أبيه شافعا فيه) لكن في خبر زيد بن علي (1) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (أنه كان يقول: اللهم اجعله لأبويه ولنا سلفا وفرطا وأجرا ") وفي النافع والمحكي عن الفقيه (المقنع والهداية والمصباح ومختصره (اللهم اجعله لنا ولأبويه فرطا) بتقديم (لنا) وحذف السلف والأجر، ولعله أقربهما من الفرط الذي هو من يتقدم لا صلاح ما يحتاجون إليه كما عن السرائر والمنتهى، بل في الذكرى وعن الجامع الفرط الأجر المتقدم، وفي الصحاح بالتحريك الذي يتقدم الواردة فيهئ لهم الارسان والدلاء ويمدر الحياض ويستقي لهم وهو فعل بمعنى فاعل، ويقال رجل فرط وقوم فرط أيضا، وفي الحديث (2) (أنا فرطكم على الحوض) ومنه قيل للطفل: (اللهم اجعله لنا فرطا) أي أجرا " يتقدمنا حتى نرد عليه، اقتصروا عليه كالمحكي عن المبسوط والنهاية والاقتصاد والوسيلة والجامع، كما أنه لعدم وجوب تقديم الأبوين في الدعاء قدم (لنا) عليه، بل يسقط الدعاء بكونه فرطا لهما إذا لم يكونا مؤمنين، ويختص بالمؤمنين حينئذ، بل في الدعائم (3) عن جعفر ابن محمد (عليهما السلام) (أنه كان يقول في الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا ") من دون ذكر الأبوين. والمتجه علي ما في الكتاب من اختصاص الدعاء بالصلاح والشفاعة لأبيه الذي لم أجد موافقا له عليه نصا وفتوى عدا ما عن الكافي في الجملة، فقال: (دعي لوالده إن


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الجنازة - الحديث 1 (2) كنز العمال - ج 7 ص 221 - الرقم 2412 (3) المستدرك الباب - 12 - من أبواب صلاة - الجنازة الحديث 1 الجواهر - 12

[ 97 ]

كان مؤمنا، ولهما إن كانا مؤمنين)) السقوط ولو كان أبوه خاصة كافرا، لعدم جواز الدعاء له حينئذ، وعدم ذكره غيره، اللهم إلا أن يبدل الدعاء له بالدعاء عليه، والأمر سهل بناء " على عدم وجوب الدعاء هنا كما عن الروض، قال: وفي الدعاء لأبوي لقيط دار الكفر مع الحكم باسلامه نظر، أقربه ذلك، ثم قال: والأمر سهل لكونه غير واجب، وفي كشف اللثام وفي وجوب الدعاء هنا الوجهان، ويقوى العدم أنه ليس للميت ولا عليه، قلت: كما أنه يقوى الوجوب ظاهر الفتاوى، نعم الظاهر عدم التوقيت فيه باللفظ المخصوص، وعن فقه الرضا (عليه السلام) (1) (اللهم اجعله لأبويه ولنا ذخرا " ومزيدا " وفرطا وأجرا ") وفي المقنعة (اللهم هذا الطفل كما خلقته قادرا " وقبضته طاهرا " فاجعله لأبويه نورا "، وارزقنا أجره ولا تفتنا بعده) وكذا الغنية والمحكي عن المهذب لكن فيهما (فرطا ونورا ") بل قد يقال بوجوب الدعاء المزبور في صلاة الطفل المندوبة فضلا " عن الواجبة، لأن ندب الأصل لا ينافي وجوب الهيئة كالنافلة، والأحوط المحافظة في الدعاء على مضمون الخبر المذكور، والله أعلم. (و) كيف كان فقد ذكر الأصحاب كما في كشف اللثام والمحكي عن الروض أنه (إذا فرغ من الصلاة وقف موقفه حتى ترفع الجنازة) لخبر حفص بن غياث (2) عن أبي جعفر عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (أنه كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مكانه حتى يراها على أيدي الرجال) وفي كشف اللثام ولكونه إماما خص الحكم بالامام في المصباح ومختصره والسرائر والتذكرة والجامع والذكرى والدروس، قلت: لكن ظاهر العبارة وغيرها بل صرح به الكركي وغيره عدم الفرق بين الامام


(1) المستدرك الباب - 12 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 (2) الوسائل الباب 11 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 وفيه " عن جعفر عن أبيه عليهما السلام "

[ 98 ]

وغيره، لقاعدة الاشتراك، ولخبر يونس (1) (ويقف مقدار ما بين التكبيرتين ولا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه) نعم عن الميسي وثاني الشهيدين أنه يستثى من المصلين من يتحقق بهم رفع الجنازة إن لم ينفق من غيرهم، ونحوه في المدارك مع أنه لا يخلو من نظر إذا لم يصل إلى حد الوجوب، فتأمل جيدا "، والله أعلم. (و) منها ما في الذكرى ناسبا له إلى الشيخ والأصحاب (أن يصلي عليها) أي الجنائز (في المواضع المتعادة) ولعله الحجة في مثله سيما مع تأييده بالتبرك بكثرة المصلين فيها، وبأن السامع بموته يقصدها فيحصل كثرة المصلين عليه المعلوم رجحانها حتى قال الصادق (عليه السلام) في الصحيح عن عمر بن يزيد (2): (إذا مات الميت فحضر جنازته أربعون رجلا " من المؤمنين فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا " وأنت أعلم به منا قال الله تبارك وتعالى: قد أجزت شهادتكم وغفرت ما أعلم مما لا تعلمون). (ولو صلي) عليها (في المساجد جاز) بلا خلاف فيه بيننا، بل عن المنتهى الاجماع عليه، للأصل وخبر البقباق (3) سأل الصادق (عليه السلام) (هل يصلى على الميت في المسجد قال: نعم) ومثله محمد بن مسلم (4) نعم الظاهر الكراهة كما صرح بها جماعة، بل عن الروض وجامع المقاصد نسبتها إلى الأصحاب كما عن المعتبر نسبتها إلى روايتهم، بل عن مجمع البرهان الاجماع عليها إلا في مكة، كالخلاف قال فيه: يكره أن يصلى عليها في المساجد إلا بمكة إلى أن قال: دليلنا إجماع الفرقة، وفي خبر أبي بكر بن عيسى بن أحمد العلوي (5) قال: (كنت في المسجد وقد جئ بجنازه فأردت أن أصلي عليها فجاء أبو الحسن الأول (عليه السلام) فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتى


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 10 (2) الوسائل الباب - 90 - من أبواب الدفن - الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب - 30 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 (5) الوسائل الباب 30 ن أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2

[ 99 ]

خرج من المسجد، ثم قال: يا أبا بكر، إن الجنائز لا يصلى عليها في المساجد) لكنه كما ترى عام لا استثناء فيه لمكة كما سمعته من معقد إجماع الخلاف والمحكي عن مجمع البرهان وعن المنتهى تعليله مع ذلك بأنها كلها مسجد، فلو كرهت الصلاة في بعض مساجدها لزم التعميم فيها أجمع، لكنه كما ترى، فالعمدة حينئذ في التخصيص الاجماع المزبور إن تم، ومن الغريب ما في المدارك من نفي الكراهة مطلقا لما سمعته من خبر الجواز الذي لا ينافي ما دل على الكراهة، بل لم أجد موافقا له على ذلك سوى ما يحكى عن أبي علي (لا بأس بها في الجوامع وحيث يجتمع الناس على الجنازة دون المساجد الصغار) نعم يمكن القول بارتفاعها لو اعتيدت، ولذا استحبها في البيان في المواضع المعتادة ولو في المساجد مع أنه لا يخلو من نظر واضح. ومنها صلاتها جماعة للتأسي والاجماع بقسميه على ذلك وعلى عدم وجوبها، فيكفي صلاتها فرادى، كما أنه يكفى فيها صلاة واحد ولو امرأة بلا خلاف فيه بيننا نصا وفتوى وقول النبي (صلى الله عليه وآله) (1) (صلوا) لا يدل على اشتراط الجمع، فان الخطاب هنا كما في الذكرى لكل واحد لا للجميع، وإلا لوجبت على عامة الناس، فلا يشترط الاثنان ولا الثلاثة حينئذ، واشتراط الأربعة لأنهم الحملة للجنازة غلط نش عن اتباع الهوى، والاعراض عن ذوي الهدى (عليهم السلام)، إذ لا تلازم بين عدد الحمل والمصلين، على أن الاتفاق حاصل على جواز حمل واحد. ومنها الجهر للامام في التكبير، لأن كثيرا " من الرواة حكى عدد التكبير من فعل النبي والأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، وهو لا يحصل غالبا إلا بسماعه، فيتأسي بهم، وظهور مساواتها المكتوبة في ذلك، خصوصا بعد معلومية الحكمة في الجهر فيها، وهي إعلام من خلفه ليقتدى به، بل الظاهر استحباب جهره بباقي الأذكار حتى الدعاء،


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3

[ 100 ]

لا طلاق الدليل المزبور، خلافا لما عن الفاضلين من استحباب السر في الدعاء سواء فعلت ليلا " أو نهارا "، لأنه أبعد من الرياء، فيكون أقرب إلى الاجابة، ولخبر أبي همام (1) عن الرضا (عليه السلام) (دعوة العبد سرا " دعوة واحدة تعدل سبعين دعوة علانية) وهو كما ترى نعم لا يبعد استحباب ومنها الاجتهاد في الدعاء للمؤمن كما في الخبر (2) إلى غير ذلك من المندوبات التي يتسامح في سننها، ولا يخفى كيفية تحصيلها من النصوص، نعم لا يستحب فيها دعاء الاستفتاح عندنا ولا التعوذ والتكبيرات الست قبلها، لا بتنائها على التخفيف، ولما مر من صفتها، والله أعلم. (ويكره الصلاة على الجنازة الواحدة مرتين) وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا وتحصيلا "، بل في الغنية الاجماع عليه جماعة وفرادى من مصل واحد ومتعدد كما صرح به بعضهم، وكالصريح من آخر فضلا " عن إطلاق المصنف وغيره، لخبر وهب بن وهب (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على جنازة فلما فرغ جاءه ناس فقالوا: يا رسول الله لم ندرك الصلاة، فقال: لا يصلى على جنازة مرتين ولكن ادعوا لها) ونحوه خبر إسحاق بن عمار (4) عن الصادق (عليه السلام)، بل رواه الحسين بن علوان (5) في المحكي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) لكن قال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم لم يكونوا أدركوها، فكلموا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعيد الصلاة فقال لهم: قد قضيت الصلاة عليها ولكن ادعوا لها) إلا أنه للضعف


(1) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الدعاء الحديث 1 من كتاب الصلاة (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 24 - 23 - 13

[ 101 ]

في السند والمعارضة بالأصل وإطلاق الأمر بالصلاة في وجه، وقول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار (1) (الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وإن كان قد صلي عليه) وموثق يونس (2) عنه (عليه السلام) أيضا، سأله (عن الجنازة لم أدركها حتى بلغت القبر أصلي عليها قال: إن أدركتها قبل أن تدفن فان شئت فصل عليها) وقول الباقر (عليه السلام) (3) في خبر جابر: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى على جنازة امرأة من بني النجار فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجئ قوم إلا قال لهم: صلوا عليها) وإطلاق الأخبار (4) بالصلاة على القبر لمن فاتته، وغير ذلك حملت على الكراهة، بل لولا التسامح فيها وفتوى المشهور بل قيل: إنه إجماع أمكن نفيها، وحمل تلك النصوص على التقية، لان الكراهة محكية عن ابن عمر وعائشة وأبي موسى والأوزاعي وأحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة، وأسندوه إلى علي (عليه السلام)، بل قد يؤيده عامية بعض رجال السند، بل لا يبعد إرادة التعريض بهم في الموثقين المزبورين، ولعله لذا حكى في المفاتيح عن بعضهم استحباب التكرير مطلقا، وفي كشف اللثام عن ابن سعيد إذا صلى على جنازة ثم حضر من لم يصل عليها صلى عليها ولا بأس أن يؤم به الامام الذي صلى أولا، قال في الكشف: وظاهره نفي الكراهة وقد أجاد في نفيه البأس عن تكرير الامام لما تظافر من أخبار تكرير النبي (صلى الله عليه وآله) على حمزة (5) وفاطمة بنت أسد (6) وأمير المؤمنين (عليه السلام) على سهل (7) وشيث على آدم (عليه السلام) (8) قلت: وظاهره هو أيضا نفيها عن تكرير


(1) و (2) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 19 - 20 - 7 - 8 - 1 - 4 (3) التهذيب ج 3 ص 325 الرقم 10 12 المطبوع في النجف (4) الوسائل الباب - 18 - من أبواب صلاة الجنازة

[ 102 ]

الامام، فمن الغريب توقف بعض متأخري المتأخرين في الجواز مطلقا، أو للمصلي الواحد غير الأمام الذي ظاهر الأصحاب الاجماع عليه هنا وفيما يأتي، بل يمكن دعوى تواتر النصوص، بخلاف الأول في الجملة، بل في كشف اللثام أنه مقتضى الأصل، بل مقتضى تخيير الكركي بين نيته الوجوب والندب في المعادة أن السقوط بالأول كان رخصة، خصوصا بالنسبة إلى غير المصلي أولا الذي لا ريب في شمول الخطاب له، وأقصى الدليل أن له الاجتزاء بما وقع من فعل الغير، أما إذا لم يرده فهو من المخاطبين بذلك الخطاب، فيكون فعله واجب، ولا يقدح جواز الترك في خصوص ذلك بعد أن كان أصل الفعل غير جائز الترك، فتأمل جيدا ". وكيف كان فلا إشكال في أصل الجواز، إنما البحث في الكراهة، والأقوى بعد التسامح بها ثبوتها مطلقا، لما عرفت من إطلاق النصوص ومعقد الاجماع، خلافا لابن إدريس فخصها بالجماعة، لإن الصحابة صلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فرادى كما عن إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي عن كتاب أبان بن عثمان أنه حدث عن أبي مريم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) (أن عليا (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمامنا حيا وميتا، فدخل عليه عشرة عشرة، وصلوا عليه يوم الا ثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح، ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم وضواحي المدينة بغير إمام) وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي أو حسنه (2): (أتى العباس عليا أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا علي إن الناس قد اجتمعوا أن يدفنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بقيع المصلى، وأن يؤمهم رجل منهم، فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الناس فقال: أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 10 (2) أصول الكافي ج 1 ص 451 " باب مولد النبي صلى الله عليه وآله ووفاته " الحديث 37

[ 103 ]

إمامنا حيا وميتا، وقال: إني أدفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في البقعة التي قبض فيها، ثم قام على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ويخرجون) وفي المروي عن الاحتجاج عن سليم بن قيس (1) عن سلمان (أنه (صلى الله عليه وآله) لما غسله علي (عليه السلام) وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصفنا خلفه فصلى عليه، ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه) ولجماعة من الأصحاب منهم - كما قيل - الشيخ في الخلاف مدعيا عليه إجماع الفرقة والشهيدان والكركي فخصوها بالمصلى الواحد مطلقا كما هو ظاهر جماعة، أو غير الامام كما في المدارك وظاهر كشف اللثام والمحكي عن الروض، أو إذا لم يناف التعجيل، وإلا فتكره مطلقا كما عن بعضهم، وعن المنتهى التردد في كراهة صلاة من لم يصل بعد صلاة غيره، وعن التذكرة ونهاية الأحكام بعد أن استقرب فيهما الكراهة مطلقا قال: (إن الوجه التفصيل فان خيف على الميت ظهور حادثة به كره تكرار الصلاة، وإلا فلا) وعن الحسن بن عيسى (أنه لا بأس بالصلاة على من صلي عليه مرة) ولا ريب في ضعف الجميع. نعم يقوى ارتفاع الكراهة مطلقا في ذي الفضل والشرف الأخروي كما يظهر من نصوص تكرار الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) وحمزة وسهل بن حنيف وفاطمة بنت أسد، أما غيرهم فالكراهة مطلقا، لما عرفت من النصوص السابقة، ومعقد الاجماع المعتضد بالشهرة العظيمة التي لا ينافيها ما تسمعه منهم من جواز الصلاة على المدفون يوما وليلة كما ظنه الشهيد حتى أنه لاجله حمل كلامهم هنا على تكرارها للمصلي الواحد، إذ فيه أن الجواز لا ينافي الكراهة، على أنه يمكن اختصاصها بما قبل الدفن، كما أنه يمكن حمل كلامهم هناك على من دفن بغير صلاة وإن كان بعيدا " كما ستعرف، كما أنه لا ينافي


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 9

[ 104 ]

دليل الكراهة الموثقان (1) وخبر جابر (2) المتقدمة المحمولة على بيان الرخصة، وإن كان الأخير منها مشتملا " على الأمر، إلا أنه لما كان في مقام توهم عدم المشروعية لم يمتنع حمله على ما لا ينافي الكراهة التي لا يقدح في ثبوتها ضعف خبري إسحاق (3) ووهب (4) خصوصا بعد انجبارهما بما عرفت، واحتمالهما نفي الوجوب، والخوف على الميت لا ينافي الظهور الذي هو الحجة في غيرها من الأحكام فضلا " عنها، كاحتمال أنهم سألوه الاعادة كما في خبر ابن علوان (5) على أنه بعد تسليمه لا يمنع إطلاق اللفظ الشامل للمورد وغيره، ومنه يظهر دلالة خبر ابن علوان على المطلوب، وإجماع الخلاف لم نتحققه فيه، بل لا صراحة فيه في الخلاف وإن كان قد اقتصر على المصلي الواحد، والتكرار على النبي (صلى الله عليه وآله) وفاطمة وسهل وحمزة لما ذكرنا من عدم الكراهة إذا كان الميت من أهل الفضل والشرف لا لعدمها في الفرادى مطلقا كما ظنه الحلي أو في غير الامام كما سمعته من غيره، بل ربما ظهر من المجلسي والمحدث البحراني أن الصلاة المكررة على النبي (صلى الله عليه وآله) غير ما نحن فيه، وإنما كانوا يدورون حوله ويدعون له، وإن كان فيه ما فيه، لكن قد يؤيده خبر أبي مريم الأنصاري (6) قال الباقر (عليه السلام): (كيف كانت الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) وكفنه سجاه ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 19 و 20 من كتاب الطهارة (2) التهذيب ج 3 ص 325 الرقم 1012 المطبوع في النجف (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 63 - 24 - 13 (6) أصول الكافي ج 1 ص 450 " باب مولد البنى صلى الله عليه وآله ووفاته " الحديث 35 الجواهر - 13

[ 105 ]

يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة والعوالي) وفي خبر جابر (1) عن الباقر (عليه السلام) (انه قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في صحته وسلامته إنما نزلت هذه الآية في الصلاة علي بعد قبض الله لي) وفي صحيح أبي مريم (2) المروي عن التهذيب (أنه سأل الباقر (عليه السلام) أيضا كيف صلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ فقال: سجي بثوب وجعل وسط البيت فإذا دخل قوم داروا به وصلوا عليه ودعوا له ثم يخرجون ويدخل آخرون) وأما منافاة التعجيل وخوف الحادثة فلم أجد في النصوص لها أثرا "، فالمتجه فيها ملاحظة الترجيح، وربما كان في بعض الأحوال محرما فضلا " عن أن يكون مكروها "، كما هو واضح، والله أعلم. (مسائل خمس) (الأولى من أدرك الامام في أثناء الصلاة) كان له الدخول معه بلا خلاف فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه ولو في الدعاء بين التكبيرتين، لاطلاق دليل الجماعة فضلا " عن إطلاق نصوص المسبوق (3) سيما خبر الدعائم (4) عن جعفر بن محمد عليه السلام (من سبق ببعض التكبيرات في صلاة الجنازة فليدخل معهم، فإذا انصرفوا أتم ما بقي عليه وانصرف وإذا دخل معهم فليكبر وليجعل ذلك أول صلاته) فما عن بعض العامة من وجوب انتظار التكبيرة في الدخول في غير محله قطعا حتى بالنسبة إلى ما ابتدعوه من القياس، بل الظاهر أنه ينوي الوجوب في فعله كغيره من المأمومين والمنفرد، لبقاء تناول الخطاب


(1) أصول الكافي - ج 1 ص 451 " باب مولد النبي صلى الله عليه وآله ووفاته " الحديث 38 (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 16 (3) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجنازة - من كتاب الطهارة (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 282

[ 106 ]

له، بل لا ينافي الاستدامة على ذلك فراغهم منه قبله بناء على حرمة قطع العمل عليه، بل وكذا لو قلنا بجواز القطع له كغيره من المصلين كما جزم به الأستاذ في كشفه، وهو قوي جدا " اقتصارا " في حرمة إبطال العمل على ذات الأركان المكتوبة أو الأعم منها والنافلة كما أوضحناه في محله، لكن جواز القطع له من هذه الحيثية لا ينافي الاستدامة على الوجوب الذي مصل من تناول الخطاب لهذا المتلبس الشامل باطلاقه حال فراغهم من الفعل قبله، فان أتم اندرج في الممتثلين بالخطاب الذى يسقط بفعلهم إرادته من الغير وفراغهم قبله إنما يسقط ابتداء الفعل لا إتمامه الحاصل من الأمر بالفعل وإن كان غير واجب عليه كالمصلي الذي لم يسبق بصلاة، بل هو أولى منه بذلك، واحتمال الفرق بأنه يترك إلى بدل بخلاف المسبوق كما ترى، وإن قطع اختص الامتثال بغيره وسقط عنه إعادة الفعل بما وقع منهم، فتأمل جيدا " فانه دقيق نافع. وكيف كان فإذا دخل معه (تابعه) في التكبير لا في الدعاء، بل يحافظ على ما يراد منه من التشهد في أول تكبيرة والصلاة في الثانية وهكذا كما نص عليه الفاضل في المحكي عن المنتهى لا طلاق دليل وجوب ذلك، ولخبر الدعائم (1) ولأنه كالائتمام بالفريضة، (فإذا فرغ) الامام (أتم ما بقى عليه) من التكبيرات وجوبا إن قلنا بحرمة القطع، نعم على كل حال لا يجتزي بما وقع منه في حصول الصلاة منه بلا خلاف أجده فيه، بل في الخلاف الاجماع صريحا، وفي غيره ظاهرا " عليه، لصحيح العيص (2) سأل الصادق (عليه السلام) (عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة فقال: يتم ما بقي) كما أن زيد الشحام (3) سأله أيضا (عن الصلاة على الجنائز إذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث فقال: يكبر ما فاته) وقال الباقر (عليه السلام) لجابر (4):


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 282 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 - 3 - 4

[ 107 ]

(تقضي ما فاتك) والنبوي (1) (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فافضوا) وغير ذلك مما تسمعه، فما في خبر إسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز) قاصر عن المعارضة من وجوه، خصوصا بعد موافقته للمحكي عن ابن عمر وجماعة من العامة، بل في كشف اللثام احتمال إرادة أنه ليس بقضاء، أو أن المقضي ما بقي لا ما سبق، قلت: لكن عن بعض النسخ ما بقي، وقد يحتمل عدم وجوب القضاء لما قلناه من جواز القطع أو صلاة الجنازة أو غير ذلك مما لا بأس به بعدما عرفت من قصوره عن المقاومة من وجوه. وحمله الشيخ على أنه لا يقضى مع الدعوات بل (ولاء) وفيه أنه مبني على كون الاتمام كذلك، كما هو خيرة المصنف والمحكي عن الصدوق والشيخ وغيرهم، بل في كشف اللثام أنه المشهور، بل في المعتبر نسبته إلى الأصحاب، وظاهرهم تعيين ذلك مطلقا، بل عن المنتهى التصريح به، قال: لأن الأدعية فات محلها فتفوت، أما التكبير فلسرعة الاتيان به كان مشروع القضاء، قلت: والأولى الاستدلال بقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): (إذا أدرك الرجل التكبير والتكبرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعا)) وخبر علي بن جعفر (4) المروي عن كتاب مسائله سأل أخاه (عليه السلام) (عن الرجل يدرك تكبيرة أو ثنتين على ميت كيف يصنع ؟ قال: يتم ما بقي من تكبيرة ويبادر رفعه ويخفف) فيقيد بهما ما دل على وجوب الأدعية المزبورة، ويخص عموم ما بقي وما فات ونحوه، بل في الحدائق يؤيده الاتفاق على الوجوب الكفائي، ولا ريب أنه قد سقط الواجب حينئذ عن هذا المصلي بصلاة


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 44 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 6 - 1 - 7

[ 108 ]

القوم على الجنازة، لكن قد يشكل مع كون التعارض من وجه بأن التقييد بالتتابع جار على الغالب من خوف الفوات يرفع الجنازة أو إبعادها أو قلبها عن الهيئة المطلوبة في الصلاة، فيسقط الدعاء حينئذ، ويبقى التكبير الذي هو الركن الأعظم فيها، ومن هنا كان خيرة الفاضل في بعض كتبه وابن فهد والعليين والصيمري وثاني الشهيدين والاصبهاني وغيرهم على ما حكي عن بعضهم وجوب الدعاء إذا لم يخف الفوات، بل في المحكي عن البحار نسبته إلى الأكثر للأصل والعموم والاطلاق الذي لا يعارضه التقييد المزبور بعدما عرفت، بل في كشف اللثام (ولا يعارضه أيضا سقوط الصلاة بفعل السابقين فضلا " عن أجزائها، فان المسبوق لما ابتدأ كانت صلاته واجبة، ووجوبها مستمر إلى آخرها، وإلا لم يجب إتمام ما بقي من التكبيرات) وإن كان فيه نظر يعرف مما قدمناه في أول البحث، ومنه يعلم سقوط أصل التأييد بذلك، بل وما في الرياض من الجواب عن أصل الاشكال بأنه حسن لو كان متعلق الوجوب هو نفس الدعاء لا الصلاة، وليس كذلك، بل المتعلق هو الصلاة، وليس الكلام فيه، بل في وجوب الدعاء، وهو في حق من دخل في الصلاة عيني، للأمر الذي هو حقيقة فيه، فلا إجماع على كفايته بل لعل قوله (عليه السلام) في خبر علي بن جعفر (1): (ويخفف) إشارة إلى الاتيان بأقل المجزي من الدعاء، بل مرسل القلانسي (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) (في الرجل يدرك مع الامام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين فقال: يتم التكبير وهو يمشي معها، فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر، فان أدركهم وقد دفن كبر على القبر) مشعر بالاشتغال بالدعاء، إذ لو والى لم يبلغ الحال إلى المشي، لكن في الذكرى في وجه الاشعار أنه لو والى لم يبلغ الحال إلى الدفن، وفيه أن ظاهر الخبر كما اعترف به في الحدائق وكشف اللثام أنه إن لم يدرك الصلاة على الميت صلى عليه عند القبر، فان لم


(1) و (2) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 7 - 5

[ 109 ]

يدركها قبل الدفن فبعده، وليس من مسألة المسبوق في شئ. (و) حينئذ يبقى ما في المتن والمبسوط والنهاية والنافع والمعتبر والتحرير والقواعد والتذكرة ونهاية الأحكام والدروس والبيان وجامع المقاصد وكشف الالتباس والروض ومجمع البرهان على ما حكي عن بعضها من أنه (إن رفعت الجنازة أو دفنت أتم ولو على القبر) بلا دليل لانحصاره فيه فيما أجد، وقد استدل به جماعة منهم المصنف عليه، والأصل وإطلاق الأمر بالاتمام والنهي عن الابطال بعد تسليمه لا يفي بتمام الاطلاق قطعا، فالمتجه حينئذ الصحة فيما وافق من أفراده اشتراط الاستقبال وعدم البعد ونحوهما دون غيره، ويسهل الخطب ندرة ذلك مع التتابع سيما الدفن، وإن قال في كشف اللثام: ويقرب الدفن قبل الاتمام أن لا يكون للميت كفن فيكون في القبر مستور العورة، ولعله لشدة ندرته في الفرض تركه في المحكي عن الخلاف والمقنعة والوسيلة فاقتصروا على وصل الرفع خاصة، بل في الأول الاجماع عليه، كما أنه لما ذكرنا حكي عن جماعة تقييد الاتمام بالدعاء مشيا لو رفعت بما إذا كان إلى سمت القبلة ولم يفت شرط من الصلاة، وإلا وجب التكبير ولاء، قال في جامع المقاصد بعد أن حكى عن الذكرى إشعار الخبر بالاشتغال بالدعاء: وهو حسن، لكن لو كان مشيهم إلى غير سمت القبلة، أو بحيث يفوت به شرط الصلاة لم يبعد القول بوجوب موالاة التكبير) قلت: على أنه مبني على عدم اشتراط الاستقرار في صلاة الجنازة، والذي يقوى في النظر القاصر أن مراد الأصحاب خصوصا المصنف وغيره ممن اعتبر الولاء الاتمام ولو رفعت على أيدي الرجال أو دفنت في ذلك الموقف، لاطلاق الأمر به الشامل لحالتي الرفع والدفن ردا " على من قال من العامة بالبطلان بالرفع كما أو مأ إليه في الخلاف والتذكرة وغيرهما، لا أن المراد الاشتغال بالاتمام ماشيا معها إلى أن ينتهي إلى الدفن، فان ذلك من المستبعد فرضه مع الولاء، كما أنه من المستبعد بل المقطوع بعدمه إرادة الاتمام ولو على القبر مفصولا " بزمان

[ 110 ]

ولو طال أي إن رفعت أو دفنت ولم يمكن الاتمام مراعيا للشرائط أتم بعد التمكن منها ولو على القبر، بل هو من الأغلاط والخرافات، فحينئذ لم يحتج الأصحاب فيما ذكروه من الحكم المزبور إلى الخبر المذكور، بل يكفي فيه إطلاق الأمر بالاتمام، فتأمل جيدا ". ثم إن ظاهر إطلاق النص والفتوى إتمام ما بقي عليه مع بقاء الجنازة بحالها من غير حاجة إلى تقدم لو كان بعيدا "، ولا إلى تأخر من كان فاصلا " بينه وبين الجنازة من المأمومين ولا غير ذلك مما يحتاج إليه غير المأموم، بل ظاهر إطلاقهما معاملته على الحال السابق له من المأمومية، مع احتمال اعتبار شرائط المنفرد له كالمنفرد باختياره، والله أعلم. المسألة (الثانية إذا سبق المأموم) الامام (بتكبيرة أو ما زاد) غير الأولى (استحب له إعادتها مع الامام) كما في القواعد والتحرير والتذكرة والارشاد ونهاية الأحكام على ما حكي عن بعضها، وظاهر الجميع ولو عمدا " كما أن ظاهرها مع بقاء المأمومية وعدم نية الانفراد، كظهور عدم البطلان بذلك كالفريضة، لأن الفائت المتابعة، وهي أمر خارجي لا شرطي، أما عدم الوجوب مع العمد فظاهر، بل مقتضي مساواة الائتمام فيها للفريضة البطلان إن أعاد، لا ستلزامها زيادة التكبير الذي هو كالركوع في الركنية القادح زيادتها ونقصها، ولذا توقف في الذكرى وجامع المقاصد والمحكي عن الروض فيها من ذلك، ومن أنها ذكر، فلا يقدح زيادتها، بل عن المسالك وحاشية الميسي أنه يستمر متأنيا حتى يلحقه الامام، وظاهرهما الوجوب كما في الفريضة، لكن قد يمنع (ركنية التكبير بهذا المعنى، كماعن الأردبيلي أنه غير واضح. نعم لا ريب في الأثم بالتشريع مع قصد الجزئية، إلا أن إبطاله - مع عدم إدخاله في ابتداء النية، وليس في نصوص المقام نحو ما في الفريضة من قوله (1): (من


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة - الحديث 2 وليس فيه كلمة " أو نقص

[ 111 ]

زاد في صلاته أو نقص) إلى آخره - محل نظر بل منع، أقصاه الاثم، لكن لعل إطلاق من عرفت ندب الاعادة فضلا " عن الجواز، لما في قرب الاسناد للحميري عن علي بن جعفر (1) سأل أخاه (عليه السلام) (عن الرجل يصلي له أن يكبر قبل الامام قال: لا يكبر إلا مع الامام، فان كبر قبله أعاد التكبير) وهو وإن عم لكن الحميري أورده في باب صلاة الجنازة، ولعدم اجتماع شرائط صلاحيته للوجوب حمل على الندب على أن في الوسيلة والبيان والمحكي عن المبسوط والقاضي ما يظهر منه الوجوب، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر خصوصا القاضي وإن كنا لم نتحقق غير من سمعت، ولعله لظاهر الخبر المزبور، لكن في كشف اللثام (وكأنه لا نزاع أي بين القول بالوجوب والقول بالندب، لجواز انفراده عن الامام متى شاء، فله أن لا يعيد إلا إذا استمر على الائتمام، ولذا استدل عليه في التذكرة والنهاية والمنتهى بادراك فضيلة الجماعة، فالجماعة إن أرادوا الوجوب فبمعنى توقف استمرار الائتمام عليها، وفيه مع أن من المأمومين من لا يجوز له الانفراد هنا، وهو البعيد عن الجنازة ومن لا يشاهدها، ولا يكون منها على الهيئة المعتبرة - أنه خلاف الظاهر من كلماتهم إن لم يكن الصريح، كما هو واضح بأدنى تأمل، ولعل المراد من دليل التذكرة إدراك فضيلة الجماعة بما يعيده من التكبيرة لا أن المراد عدم الانفراد. ومن ذلك كله ظهر لك الحال في الساهي والظان تكبير الامام، فانه وإن قلنا في الفريضة تجب عليه الاعادة مع الامام للدليل يمكن القول بعدمه هنا، للأصل، وحصول تكبيرة الصلاة، إذ الظاهر أنها الواقعة منه لا المعادة مع الامام، ولذا لم تبطل صلاته في المخالفة عمدا " إذا لم يعد معه وإن كان قد أثم بتفويت المتابعة، فمع السهو لا إثم بفواتها، ورجوع الساهي في الفريضة للدليل، فالتعدي في غير محله، نعم لا يبعد القول


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 112 ]

بالندب لا طلاق الخبر المزبور الذي قد عرفت قصوره عن إثبات الوجوب وإن كان هو أو التساوي مع الفريضة مستند الوجوب في ظاهر من عرفت، فتأمل جيدا "، والله أعلم المسألة (الثالثة) لا خلاف في عدم جواز تأخير الصلاة إلى الدفن على القبر اختيارا "، بل الاجماع بقسميه عليه، بل كاد يكون ضروريا، وقد تقدم الاشارة إلى ذلك، وليس المراد من الفتاوى وبعض النصوص الآتية الرخصة في التأخير قطعا كما ستعرف، إلا أن الظاهر عدم سقوطها بذلك لو كان عمدا فضلا " عما لو كان عن عذر بلا خلاف صريح أجده إلا من المصنف في المعتبر والمحكي عن الفاضل في بعض كتبه، ومال إليه في المدارك، ولا ريب في ضعفه، للاصل، وإطلاق دليل الوجوب، وفحوى نصوص الجواز كقول الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام بن سالم (1): (لا بأس أن يصلي الرجل على الميت بعدما يدفن) وفي خبر مالك مولى الجهم (2) ومرسل الصدوق (إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه وقد دفن) وفي خبر عمر بن جمع (3) (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر) وفي الذكرى روي (4) (أن النبي (صلى الله عليه وآله) صلى على قبر مسكينة دفنت ليلا) وخبر القلانسي (5) المتقدم سابقا، ضرورة أنه يمكن دعوى لزوم الجواز للوجوب في الفرض، لعدم ما يصلح حينئذ مقيدا لا طلاق نحو قوله


(1) و (2) الوسائل الباب - 18 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 3 من كتاب الطهارة لكن رواه عن عمرو بن جميع وهو الصحيح (4) سنن البيهقى ج 4 ص 48 (5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5 من كتاب الطهارة الجواهر - 14

[ 113 ]

(صلى الله عليه وآله) (1): (لا تدعو أحدا " من امتي بلا صلاة). كما أن منه يعلم تحكيم حرمة النبش تحصيلا " للصلاة عليه غير مدفون على دليله وإن كان التعارض بينهما من وجه، وفي الشافية عن العلامة الاجماع على حرمة النبش بذلك، بل لأ يبعد عدم تحديد ذلك بيوم الدفن أو باليوم والليلة أو بالثلاثة أو بتغير الصورة، للأصل والاطلاق المزبور، فيصلى حينئذ عليه إلى أن يعلم أنه صار رميما وخرج عن صدق اسم الميت، وتحديد أصل الجواز باليوم والليلة في كلام الأكثر نقلا " وتحصيلا " - بل المشهور في كشف اللثام والمحكي عن الروض والتنقيح وتخليص التلخيص، بل في الغنية الاجماع عليه - يمكن تنزيله على غير الفرض، ولئن سلم أمكن منعه بعدم الدليل عليه كما اعترف به غير واحد سوى الاجماع المزبور معتضدا " بما سمعت، وهو قاصر عن معارضة ما يقتضي الاطلاق، بل في الخلاف أنه قد روي ثلاثة أيام، بل ظاهره العمل بها فيه، حيث قال: (قد حددنا الصلاة على القبر يوما وليلة، وأكثره ثلاثة أيام) بل عن المراسم التصريح به، بل عن الكتاب (أنه يصلى عليه ما لم يعلم تغير صورته) وفي البيان (أن الأقرب عدم التحديد) قيل: وهو خيرة جامع المقاصد وفوائد الشرائع وحاشية الارشاد والميسية والمسالك والروض والروضة وفوائد القواعد ومجمع البرهان وظاهر المعتبر والمنتهى والمختلف والكفاية والحسن والصدوق، إلا أنه لا ريب في أن الأحوط عدم الصلاة عليه بعد اليوم والليلة إذا كان قد صلي عليه والصلاة مطلقا إذا لم يكن، كما هو واضح. ومن ذلك كله يضعف الظن بالاجماع المزبور في المصلى عليه بناء على جواز تكرارها عليه فضلا " عن محل الفرض، ودعوى أنه وجه جمع بين ما دل على الجواز مما


(1) الوسائل الباب - 37 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3 من كتاب الطهارة

[ 114 ]

تقدم وبين ما دل على المنع كخبر محمد بن أسلم (1) عن رجل من أهل الجزيرة قال: (قلت للرضا (عليه السلام): يصلى على المدفون بعدما يدفن قال: لا، لو جاز لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن الصادق (عليه السلام) (2) قال: (بل لا يصلى على المدفون ولا على العريان) وفي موثق عمار (3) المتقدم سابقا في وضع رأس الجنازة عن يمين المصلي (فان كان قد دفن فقد مضت الصلاة عليه لا يصلى عليه وهو مدفون) وفي موثق يونس (4) السابق أيضا (إن أدركتها قبل أن تدفن فان شئت فصل عليها) كما أن في موثق عمار (5) الآخر المتقدم أيضا (يصلى عليه ما لم يوار بالتراب وإن كان قد صلي عليه) وفي موثقه الثالث (6) (قلت: فلا يصلى على الميت إذا دفن قال: لا يصلى على الميت بعدما يدفن، ولا يصلى عليه وهو عريان) وفيه أنه لا شاهد معتد به على الجمع المزبور. ولذا احتمل الشيخ في الجمع أمرا " آخر، وربما مال إليه المحدث البحراني، وهو حمل نصوص الجواز على إرادة محض الدعاء من الصلاة، ونصوص المنع على صلاة الجنازة وقد يشهد له صحيح محمد بن مسلم أو زرارة (7) (الصلاة على الميت بعدما يدفن إنما هو الدعاء، قال: قلت: فالنجاشي لم يصل عليه النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا إنما دعاله) وخبر جعفر بن عيسى (8) قال: (قدم أبو عبد الله (عليه السلام) مكة فسألني


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 8 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 18 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 8 من كتاب الطهارة وهو خبر محمد بن أسلم عن الرضا عليه السلام (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة (4) و (5) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 20 - 19 (6) الوسائل الباب - 36 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة (7) و (8) الوسائل الباب - 18 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 4 5

[ 115 ]

عن عبد الله بن أعين فقلت: مات فقال: مات قلت: نعم، قال: فانطلق بنا إلى قبره حتى نصلي عليه، قلت: نعم، فقال: لا، لكنا نصلي عليه ها هنا، فرفع يديه يدعو واجتهد في الدعاء وترحم عليه) لكن فيه مع ظهور بعض نصوص الجواز في خلافه أنه يمكن دعوى الاجماع على خلافه، وإن كان الأحوط كما في شافية الجزائري فيمن صلي عليه قبل الدفن الاقتصار على الدعاء له بعده لا غير. كما أن الجمع بحمل نصوص الجواز على من لم يصل عليه -، ونصوص المنع على من صلي عليه واختاره في المختلف ومال إليه الكركي وغيره ممن تأخر عنه مع ظهور نصوص الجواز في غيره كما يؤمي إليه نفي البأس ونحوه فيها مما لا يعبر به عن الوجوب في الأعم منه - مخالف لما هو المشهور بين الأصحاب نقلا " وتحصيلا "، بل لعله معقد ما حكي من إجماع الخلاف والغنية من جواز الصلاة على القبر لمن فاتته قبل الدفن ولم يدركها الشامل باطلاقه من صلي عليه إن لم يكن هو الظاهر، خصوصا بملاحظة ندرة وقوع الدفن قبل الصلاة، بل صرح به جماعة من المتأخرين، فمن الغريب ما وقع للفاضل المزبور خصوصا ما حكي عن نهايته من أنه لا يصلى على المدفون إذا كان قد صلي عليه قبل دفنه عند جميع علمائنا، اللهم إلا أن يريد نفي الوجوب كالمختلف والتذكرة، وإلا فاحتمال تنزيل عبارات من تقدمه من الأصحاب على ذلك في غاية البعد إن لم يكن المنع، فلا وجه للجمع به بين النصوص. كما أنه لا وجه للجمع بما قد سمعته من معتبر المصنف من حمل نصوص المنع على إرادة نفي الوجوب الذي لا ينافي نصوص الجواز، إذ قد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه. كما أنه من ذلك كله يعلم شذوذ النصوص المزبورة، لاطباق الأصحاب - كما في الرباض، قال: ويستفاد من الذكرى على الجواز في الجملة وإن اختلفوا في إطلاقه وتحديده بما عرفت، بل قيل: إنها محتملة للحمل على التقية، للمحكي عن أبي حنيفة الذي

[ 116 ]

غالب العامة على فتاويه، فحملها على ذلك أو طرحها غير مستنكر على الفقيه، إلا أنه للتسامح في الكراهة يتجه حمل ما يقبل ذلك منها عليها، وربما استفيد منها أشدية كراهة التكرار بعد الدفن عليه قبله. ومنه يعلم ضعف ما سمعته سابق من احتمال نفي الكراهة في المقام، كما أن الظاهر في خبر المقلوب منها إرادة صحة الصلاة من مضيها فيه إذا لم يدرك الجنازة إلا بعد الدفن ولا استبعاد في تقييد الشرطية بذلك، فلا تجب الصلاة حينئذ عليه وإن قلنا بوجوبها لو تركت أصلا، نعم تسرية ذلك إلى باقي الشرائط لا يخلو من منع واضح، فتجب إعادة الفاسدة على القبر كالمتروكة أصلا، فتأمل، وقد يحتمل في بعض النصوص المزبورة إرادة النهي عن تأخير الصلاة إلى الدفن اختيارا "، وفي آخر نفي مساواة الفعل بعد الدفن له قبله أو نفي الجواز بلا كراهة أو غير ذلك، ولا بأس بتوزيعها على هذه الاحتمالات، ولو سلم عدم قبول بعضها لشئ من ذلك فلا بأس بطرحه بعد الاحاطة بما عرفت. كما أنه بعد الاحاطة بجميع ما ذكرنا يعرف الحال في قول المصنف: (يجوز أن يصلى على القبر يوما وليلة من لم يصل عليه، ثم لا يصلى) عليه (بعد ذلك) وكيف كان فالظاهر أن التحديد باليوم والليلة أو غيره على تقدير القول به إنما هو إذا لم يتفق ظهور الميت من قبره بسيل أو نحوه، فإذا ظهر ولم يكن قد صلي عليه صلي عليه وجوبا، لانتفاء المانع حينئذ، واحتمال السقوط بسقوط الأمر الأول وعدم الأمر الجديد ضعيف، بل لا يبعد مشروعية تكرار الصلاة عليه إذا قلنا بها بالنسبة إلى غير المدفون، لا طلاق الأدلة، وتخلل الدفن الذي فرض بقاؤه زائدا على المقدر غير مانع، إذ الظاهر كونه تقديرا " للصلاة عليه مدفونا لا ظاهرا "، فتأمل، والظاهر أيضا مراعاة سائر الشرائط في الصلاة على القبر من الاستقبال وكون الرأس عن يمين المصلي بناء " على اعتباره ونحو ذلك

[ 117 ]

مما هو ممكن، كما هو واضح، والله أعلم. المسألة (الرابعة الأوقات كلها صالحة لصلاة الجنازة) بلا خلاف فيه بيننا كما اعترف به في الحدائق، بل في المحكي عن الخلاف والتذكرة الاجماع عليه، والمراد صلاحية لا كراهة فيها كما صرح به جماعة، وقال الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): (يصلى على الجنازة في كل ساعة، انها ليست بصلاة ركوع وسجود، وإنما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها التي فيها الخشوع والركوع والسجود، لأنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان) وسئل الصادق (عليه السلام) (2) أيضا (هل يمنعك شئ من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز ؟ فقال: لا) وقال هو (عليه السلام) أيضا في صحيح الحلبي (3): (لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس وحين تطلع، إنما هو استغفار) وقال جابر (4) للباقر (عليه السلام): ((إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيهما أبدأ ؟ فقال: عجل الميت إلى قبره إلا أن تخاف أن يفوت وقت الفريضة، ولا ينتظر بالصلاة على الجنازة طلوع شمس ولا غروبها) إلى غير ذلك مما هو ظاهر في ذلك مطلقا ولو بواسطة التعليل المزبور، مضافا إلى أنها من ذوات الأسباب، والمكروه في هذه الأوقات إنما هو ابتداء النافلة، على أنه لا يجري في الواجب منها، ضرورة أنه ليس من ابتداء النافلة، بل قد يستفاد من الخبر المزبور ما هو الظاهر من النص والفتوى من عدم كراهة المستحب منها فضلا " عن الواجب في وقت الصلاة الواجبة، للأصل، وعدم اندراجها في الصلاة المنهي عنها فيه، ولا في التطوع المراد منه الصلاة كما أوضحناه في محله. لكن سأل علي بن جعفر (5) أخاه (عليه السلام) (عن صلاة الجنائز إذا احمرت


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 - 3 - 1 (4) و (5) الوسائل الباب - 3 1 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 2 - 3

[ 118 ]

الشمس أيصلح أولا ؟ فقال: لا صلاة في وقت صلاة، وقال: إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز) بل قال الصادق (عليه السلام) في خبر البصري (1): (يكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس وحين تطلع) ويمكن أن يكون الثاني تقية من الأوزاعي القائل بكراهتها، ومالك وأبي حنيفة القائلين بالمنع فيهما وعند قيامها مريدا " من لفظ الكراهة المنع، أو اتقى بقربها منه، والأول كناية عن نفي البأس عن ذلك، لأن المنهي عنه الصلاة في وقت الصلاة لا نحو صلاة الجنازة التي هي الدعاء والاستغفار، بل قد يشم من عدم انطباق الجواب على السؤال - ضرورة عدم كون الاحمرار وقت صلاة - أن الجواب إقناعي، وإن التقية تمنعه من التصريح بالحق، ولا ينافي ذلك قوله: (إذا وجبت) إلى آخره، إذ أقصاه استحباب تقديم الفريضة في وقتها الفضيلي على صلاة الجنازة الموسعة، ولعلنا نقول به وفاقا لجماعة لذلك، ولقول الصادق (عليه السلام) في خبر الغنوي (2): (إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فابدأ بها قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون مبطونا أو نفساء أو نحو ذلك) مؤيدا " ذلك بما دل على شدة المحافظة على الوقت الفضيلي حتى ظن منه الوجوب على وجه يرجح على ما دل على ندب تعجيل الميت، وخبر جابر المتقدم يمكن إرادة فوات وقت الفضيلي منه، فلا يكون منا فيا، وإلا رجح عليه غيره خصوصا بعد ضعفه، فما عساه يظهر من المحكي عن الفاضلين والكركي من التخيير وعدم الترجيح لا يخلو من نظر، نعم يمكن ترجيح صلاة الجنازة الواجبة على النافلة الموقتة، لأنه مع ندب التعجيل اشتغال بواجب، وهو أفضل من المندوب، بل يمكن ترجيحها على الواجب غير الموقت حتى القضاء بناء على المواسعة وإن كان لا يخلو من إشكال فيه بالخصوص باعتبار معارضة ندب التعجيل في الجنازة بما دل على


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 5 (2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1

[ 119 ]

ندب المبادرة بالقضاء حتى اشتهر القول بوجوبه. (و) كيف كان فالأوقات كلها صالحة لصلاة الجنازة (إلا عند تضيق وقت فريضة حاضرة) مع سعة وقت الجنازة، فتقدم حينئذ عليها وجوبا قطعا بلا إشكال، بل ولا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، ووجهه واضح، بل هو كذلك في كل واجب مضيق فضلا " عن الفريضة، وإن كان البطلان وعدمه لو خالف مبنيا على مسألة الضد، نعم قد يقال به هنا في خصوص معارضة الفريضة بناء على فهم النهي عنه بالخصوص من خبر جابر ونحوه وإن كان فيه ما فيه، والأولى بناء البطلان مطلقا على ذلك. (ولو) انعكس الأمر بأن (خيف على الميت مع سعة الوقت قدمت الصلاة عليه) قطعا لما عرفت بلا خلاف، وما عن السرائر من أن تقديمها حينئذ أولى وأفضل قدلا يريد به ما لا ينافي الوجوب، وإلا فهو قد نفى الخلاف فيها بين المحصلين عن عدم معارضة الموسع المضيق على وجه يبطل لو خالف فضلا " عن الاثم. ولو تضيقتا معا فالمشهور تقديم الفريضة، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الحكي عن المبسوط من تقديم الجنازة، قال: (لو تضيقت الحاضرة بدئ بها إلا أن يخاف ظهور حادثة في الميت فيبدأ به) مع أنه احتمل في الذكرى إرادته تضيق أول الوقتين كما هو مذهبه، ويكون هذا من قبيل الأعذار المسوغة للتأخير للوقت الثاني، وعليه فلا يكون خلافا فيما نحن فيه، لكن احتمل ثانيا إن لم يكن إجماع على خلافه أولوية تقديم الميت، وأنه كانقاذ الغير من الغرق عند ضيق الوقت وعدم إمكان الايماء، ثم قال أو يقال: تقدم الحاضرة لامكان استدراك الصلاة على القبر إلا أنه يشكل بأن زمان فعل الحاضرة يخاف فيه على الميت قبل الدفن، فيجب تعجيل دفنه خوفا من الحادث، ولا يتم إلا بالصلاة، على أنه يمكن هنا تأخر الصلاة عن الدفن إذا خيف بسببها، فيبقى في الحقيقة المعارضة بين المكتوبة ودفنه.

[ 120 ]

ومن هنا يعلم حكم تضيقهما معا وما لو جامعت صلاة واجبة، قلت: الأقوى تقديم الفريضة مع فرض تعارضهما، لاهميتها، ولا طلاق الخبرين، ومشروعية القضاء لها معارض بمشروعية الصلاة على القبر، بل الظاهر تقديم الدفن على الصلاة على الميت إذا فرض الخوف عليه من انتهاك حرمته إلى حصول الصلاة عليه، فيدفن حينئذ، ويصلى على القبر. أما لو تعارضت المكتوبة والدفن ففي جامع المقاصد لا بأس بتقديمه على للصلاة، لتساوي الحرمتين، ولتدارك الصلاة بالقضاء بخلافه، ولاستثناء المبطون والنفساء في خبر الغنوي (1) الذي هو كالصريح في ذلك، ولا ينافيه خبر علي بن جعفر (2) المتقدم آنفا، وهو جيد، بل ربما يؤيده في الجملة تشاغل أمير المؤمنين (عليه السلام) بدفن سلمان وعمران عن الصلاة، لكن لو أمكن الجمع بين الدفن والايماء المكتوبة لم يكن بعيدا " من الصواب. ولو لم يسع الوقت إلا ركعة ولم يخف على الجنازة من الهتك إلا أنه يخشى من فوت الصلاة عليها لعارض من العوارض أمكن القول بجواز فعلها في أثناء الفريضة بعد فعل الركعة، لأنها أذكار ودعاء ليس فيها ما ينافي الصلاة، بل لا يبعد جوازه اختيارا " على وجه لا يؤدي إلى فساد الصلاة بفوات الموالاة ونحوها، إلا أني لم أجد به نصا لأحد من الأصحاب، بل يمكن دعوى ظهور النصوص والفتاوى في عدم اجتماعهما، فتأمل جيدا "، والله أعلم. المسألة (الخامسة إذا صلى على جنازة بعض الصلاة ثم حضرت أخرى كان مخيرا " إن شاء) قطع الأولى (واستأنف الصلاة عليهما، وإن شاء أتم الأولى على الأول


(1) و (2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 - 3 الجواهر - 15

[ 121 ]

واستأنف للثاني) كما صرح به الفاضل وغيره، بل نسالكركي إلى المعظم، والبحراني إلى المشهور، لكن أقصى ما استدل به له الرضوي (1) (إن كنت تصلي على الجنازة وجاءت الأخرى فصل عليهما صلاة واحدة بخمس تكبيرات، وإن شئت استأنفت على الثانية) وخبر جابر (2) سأل الباقر (عليه السلام) (عن التكبير على الجنازة هل فيه شئ موقت ؟ فقال: لا، كبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحد عشر وتسعا وسبعا وخمسا وستا وأربعا) وصحيح علي بن جعفر (3) وهو العمدة، ولذا اقتصر عليه الأكثر سأل أخاه عليه السلام (عن قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو اثنتين وقد وضعت معها أخرى كيف يصنعون ؟ قال: إن شاءوا تركوا الأولى حتى يفرغوا من الكتبير على الأخيرة، وإن شاءوا رفعوا الأولى وأتموا ما بقي على الأخيرة كل ذلك لا بأس به) وفيه أن الأول ليس حجة عندنا، مع احتماله إن كنت تريد أن تصلي إلى آخره، وما في كشف اللثامن عدم إرادة الابطال حقيقة بل المراد أنه كما يجوز تكرير الصلاة على جنازة واحدة يجوز زيادة تكبيرة أو تكبيرات عليها لمثل ذلك بدليل خبر جابر فانما ينوي الآن الصلاة عليهما وينوي الخمس جميعا عليهما، بل فيه أنه لعله معنى قول الصدوق في كتابيه: (إن شاء كبر عليهما الآن خمس تكبيرات) وقول الشيخ وأتباعه: كان مخيرا " بين أن يتم خمس تكبيرات على الجنازة الأولى، ثم يستأنف الصلاة على الأخرى، وبين أن يكبر خمس تكبيرات من الموضع الذي انتهى إليه، وقد أجزأه ذلك عن الصلاة عليهما وإن كان هو كما ترى، بل عبارة المصنف وما ضاهاها كالصريحة في خلافه، بل عبارة الفاضل صريحة في ذلك، وأما الثاني فهو بالنسبة إلى ذلك من المؤل الذي ليس بحجة


(1) المستدرك الباب - 28 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 17 من كتاب الطهارة (3) الوسائل الباب - 34 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 122 ]

عندنا، خصوصا والتأويل بغيره من إرادة تكرار الصلاة ونحوها أقرب منه، وأما الثالث خمبناه على أن ترك الأولى حتى الفراغ من التكبير على الأخيرة كناية عن الاستئناف عليهما، والباقي كناية عن إتمام الصلاة على الأولى ثم إتمام ما بقي أي فعل الصلاة على الأخيرة، وهو إنما يتجه لو كان السؤال عن كيفية الصلاة، وليس، بل هو ظاهر في السؤال عن رفع الأولى قبل الأخيرة، بل قد يظهر من لفظ ما بقي على الأخيرة التشريك بينهما في الأثناء فيما بقي من الأولى، ثم تخصيص الثانية بما يكمل الصلاة عليها كما فهمه الشهيد في الذكرى. قال فيها: الرواية قاصرة عن إفادة المدعى، إذ ظاهرها أن ما بقي من التكبيرات الأولى محسوب للجنازتين، فإذا فرغ من تكبير الأولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكملوا التكبير على الأخيرة وبين رفعها من مكانها والاتمام على الأخيرة، وليس في هذا دلالة على إبطال الصلاة على الأولى بوجه، هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة، نعم لو خيف على الجنائز قطعت الصلاة ثم استأنف عليها. لأنه قطع للضرورة، إلا أن مضمون الرواية يشكل بعدم تناوله النية أولا " للثانية، فكيف يصرف باقي التكبير إليها مع توقف العمل على النية، إلا أن يقال: يكفي إحداث نية من الآن لتشربك باقي التكبير على الجنازتين، وهو يتم إذا قلنا أن محل النية الثانية لم يفت ما بقي التكبير، لأن الواجب خمس تكبيرات على الجنازة بأذكارها المخصوصة، وقد حصل هنا، فحينئذ إن قلنا بجميع الأذكار مع كل تكبيرة فلا بحث، وإلا فالأولى الجمع بين وظيفة التكبير بالنسبة إلى الجنازتين فصاعدا "، وابن الجنيد يجوز للامام جمعهما إلى أن يتم على الثانية خمسا، وإن شاء أن يؤمي إلى أهل الأولى ليأخذوها ويتم على الثانية خمسا، وهو أشد طباقا للرواية، وهو في غاية الجودة، بل يحتمله ما سمعته من كلام الصدوق والشيخ وأتباعه، وما في كشف اللثام من أنه يشكل مختار الشهيد وجوب اتباع كل تكبيرة بذكر غير ما يتبع

[ 123 ]

الأخرى والخبر لا يصلح سندا " له يدفعه أنه يكفي فيه إطلاق الأدلة السابقة، ضرورة صدق وصفي الأولى والثانية مثلا " على التكبيرة الواحدة بالنسبة إلى الميتين، فيجب فيها حينئذ الأمران معا، كما أن ما في جامع المقاصد من أن ما ذكره من التشريك بين الجنازتين فيما بقي من التكبير فغير مستفاد من الرواية أصلا "، بل كما يحتمله يحتمل الاكمال على الأولى والاستئناف على الثانية - واضح الدفع بما عرفت من ظهور لفظ ما بقي فيه، وأوضح من ذلك اندفاعا ما في كشف اللثام من أنه لا يظهر من لفظ السؤال وضع الأخرى بعد التكبير على الأولى، بل يحتمل ظاهرا " أنه سئل عن أنهم كبروا على جنازة وقد وضعت معها أخرى صلوا عليها أولا "، فإذا شرعوا في التكبير على الأولى في الذكر التي هي الأخيرة لأنهم صلوا على الأخرى أولا " كيف يصنع بالأخرى إن لم ترفع حتى شرع في الصلاة على الأولى فأجاب (عليه السلام) بالتخيير بين ترك الأولى التي هي الأخرى حتى يفرغوا من الصلاة على الأخيرة ورفعها والصلاة على الأخيرة، إذ هو في نفسه كما ترى - فضلا " عن دعوى كونه احتمالا ظاهرا "، بل يمكن دعوى ظهور الصحيح المزبور في مفروغية السائل عن جواز التشريك المزبور، إلا أنه أشكل عليه رفع الأولى وإبقاؤها للاشكال في اشتراكها مع الثانية فيما بقي من التكبيرات وعدمه، بل قد يدعى الغنية عن الصحيح المزبور في إثبات التشريك، لامكان الاكتفاء فيه بالاجماع بقسميه على جوازه في الابتداء، والنصوص المستفيضة، بل لا دليل على رجحان التفريق عليه وإن ذكره في القواعد والمحكي عن المبسوط والسرائر، وعلل بأن الصلاتين أفضل من صلاة، وأن القصد بالتخصيص أولى منه بالتعميم، لكن الجميع كما ترى. وكيف كان فظاهر النصوص كالفتاوى أن ليس ذلك من التداخل في شئ، بل هو أحد طرق امتثال الأمر بالصلاة على الأموات المراد منه إيجاد طبيعتها على جنس الميت اتحد أو تعدد مع اتحاد الصنف وعدمه، حتى لو كان عدد التكبير مختلفا كالمؤمن

[ 124 ]

والمنافق بناء على الأربعة في الثاني والخمسة في الأول، فيجمعها حينئذ بصلاة واحدة، ويخص التكبير الخامس على المؤمن، ويصدق امتثاله فيهما معا، ويظهر من الروضة أنه لا إشكال في جواز ذلك، وأنه كالصلاة على الصنف الواحد، مع أن ما نحن فيه لا يزيد على ذلك، فإذا صح اشتراك الأموات في التكبيرة الواحدة فلا فرق بين كونها أولى بالنسبة إلى أحدهم وثانية بالنسبة إلى آخر، وهكذا، ضرورة اتحاد المدرك في الجميع، وهو صدق حصول الخمس تكبيرات على كل واحد منهم، ودعوى اختصاص التشريك فيها مع اتحاد وصف الأولية مثلا " في الجميع لا شاهد لها، بل هو على خلافها قائم كما عرفت، فحينئذ لانحتاج إلى الصحيح المزبور في إثبات الحكم المذكور، بل منه ينقدح صور أخر للتشريك والتفريق في الأبعاض بالنسبة إلى الأموات وبالنسبة إلى تعدد حضور الجنائز لا بأس بالتزامها وإن كان الأحوط ترك بعضها. نعم قد يرد على الشهيد وأتباعه بأنه لا دليل على حرمة قطع العمل هنا، إذ الآية كما عرفته في محله ظاهرة في النهي عن إبطال العمل بالارتداد ونحوه، ولا دليل غيرها، فالأصل المقرر بوجوه بحاله مقتض للجواز كما في باقي الواجبات الكفائية، بل قد يظهر من نصوص (1) نفي الصلاة عنها وأنها كالدعاء في ذلك أيضا فضلا " عما هي كالصريحة فيه من عدم انجرار حكم الصلاة لها من حيث الصلاة، ومن هنا جزم غير واحد من متأخري المتأخرين بجواز القطع اختيارا "، ولعله كالاجماع من الأصحاب في المقام كما اعترف به في جامع المقاصد وغيره، فلا حاجة حينئذ إلى صحيح علي بن جعفر (2 في إثبات ما ذكروه من التخيير المزبور، إذ هو جار على مقتضى دليل التشريك والتفريق


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب صلاة الجنازة الحديث 2 والباب 21 منها الحديث 3 و 7 (2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة

[ 125 ]

من غير فرق بين التلبس في الفعل وعدمه بعد جواز القطع، فمن الغريب اضطرابهم في ذلك حتى أنهم ذكروا لهم صحيح علي بن جعفر وناقشوهم دلالته كما عرفته مفصلا، بل في كشف اللثام كيف يجوز إبطال الصلاة الواجبة من غير ضرورة ولا إجماع ولا نص صحيح، إلا ان يراد صحة الصلاة وإن حصل الاثم، وهو واضح لا حاجة به إلى دليل غير ما تقدم من أدلة التخيير بين جمع الجنائز بصلاة وإفراد كل بصلاة، أو يقال: إنه ليس من الابطال حقيقة بناء على أنه كما يجوز إلى آخر ما نقلناه عنه فيما احتملناه في الرضوي، لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه. وقد ظهر لك أن الأقوى التخيير بين الوجوه الثلاثة: الاتمام على الأولى والتشريك والقطع ثم الاستئناف من غير فرق في ذلك بين ما استحب الصلاة عليها من الجنائز وما وجب، لما عرفته سابقا من جواز الجمع بينهما ابتداء، فكذا في الأثناء، لكن عن التذكرة، ونهاية الأحكام تعيين الاتمام على الأولى إذا كانت الصلاة على الأخيرة مستحبة، وعلل باختلاف الوجه، وقد عرفت عدم اعتباره عندنا، لكن مقتضاه عدم الفرق في عدم جواز الجمع بين حضورهما معا أو مجئ إحداهما في أثناء الأخرى، وظاهر المحكي عنهما اختصاصه في حضور المستحبة بعد التلبس في الواجبة، ولذا قال في كشف اللثام: وكأنه ناظر إلى ما احتملناه من أنه لا يبطل صلاته على الأول حتى يريد التشريك، بل هي صلاة واحدة مستمرة، فإذا ابتدأ بها مستحبة جاز أن يعرض لها الوجوب في الأثناء، لانه زيادة تأكد لها دون العكس، فانه إزالة للوجوب لكن لا يخفى عليك أنها اعتبارات لا تصلح أن تكون مدركا لحكم شرعي فضلا عن أن تعارض المدارك التي ربما عد ذلك كله بالنسبة إليها اجتهادا " في مقابلة النص. نعم قد يحرم القطع والتشريك بالعارض كما إذا خاف على الأولى خاصة من طول المكث من فتق ونحوه، كما أنه يتعين عليه القطع أو يرجح له حتى على القول بحرمته إذا

[ 126 ]

خاف على الثانية خاصة، إذ التشريك في الأثناء يزيد في مكثها باعتبار احتياجه إلى اختلاف أدعية التكبيرة إلا إذا كان مجئ الثانية في آخر دعاء رابعة الأولى، فانه يكبر الخامسة حينئذ مشتركا بينهما فيها ثم يتشهد، ولو خاف عليهما معا لاحظ قلة الزمان في القطع والتشريك بالنسبة اليهما إن أمكن، وإلا لم يكن له القطع، ومن ذلك كله يظهر لك ما في الروضة، قال: وما ذكره في الذكرى من جواز القطع على تقدير الخوف على الجنائز غير واضح، لأن الخوف إن كان على الجميع أو على الأولى فالقطع يزيد الضرر على الأولى ولا يزيله، لانهدام ما قد مضى من صلاتها الموجب لزيادة مكثها، وإن كان الخوف على الأخيرة فلابد لها من المكث مقدار الصلاة عليها، وهو يحصل مع التشريك الآن والاستئناف، نعم يمكن فرضه نادرا بالخوف على الثانية بالنظر إلى تعدد الدعاء مع اختلافهما فيه بحيث يزيد ما يتكرر منه على ما مضى من الصلاة، قيل: ومراده بالنادر ما لو حضرت الثانية في أثناء الشهادتين على الجنازة الأولى خاصة بحيث تصير شريكة في التكبير الثاني، وفيه أن الجنازة الثانية تنتفع بالقطع حتى لو حضرت بالتكبير الرابع كما عرفت، فتأمل جيدا ". ثم من المعلوم أنه لو صلى صلاة واحدة على المتعدد شرك بينهم فيما يتحد لفظه وراعى في المختلف كالدعاء لو كان فيهم مؤمن ومجهول ومنافق وطفل وظيفة كل واحد، ومع اتحاد الصنف راعى تثنية الضمير وجمعه وتذكيره وتأنيثه، أو يذكر مطلقا مؤلا بالميت، أو يؤنث مؤلا بالجنازة، وفي الروضة أن الأول أولى، والله أعلم. (الفصل الخامس) (في) البحث (عن الصلوات المرغبات) أي المندوبات (وهي قسمان): الأول (النوافل اليومية وقد ذكرناها) فيما تقدم مفصله.

[ 127 ]

(و) الثاني (ما عدا ذلك، فهو ينقسم على قسمين فمنه ما لا يخص وقتا بعينه، وهذا القسم كثير) بل لا حصر له إن أريد إدراج غير الموسومة فيه، لأن الصلاة خير موضوع، بل عن البيان أن النوافل إما مختصة بوقت أو لا، وكلاهما لا ينحصر (غير أنا نذكر) كغيرنا من الأصحاب (مهمه، وهو صلوات الأولى صلاة الاستسقاء، وهي مستحبة عند) الجدب بمعنى (عوز الأنهار وفتور الأمطار) بلا خلاف فيه بيننا بل وبين غيرنا ممن يحفظ عنه العلم عدا أبي حنيفة، فجعل السنة عند ذلك الدعاء خاصة، وقد سبقه الاجماع ولحقه، واستسقاء النبي (صلى الله عليه وآله) بغير صلاة بل بالدعاء على المنبر لا دلالة فيه على عدم المشروعية، إذ لا ريب في جوازه بدونه، على أنه معارض بما عن (1) عائشة وأبي هريرة وابن عباس وعقبة من أنه (صلى الله عليه وآله) صلى ركعتين أيضا للاستسقاء، بل عن عائشة (2) أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) في تلك القضية الخاصة نزل من المنبر فصلى ركعتين. واعلم أن السبب الأصلي والباعث الكلي في عوز الأنهار واحتباس الأمطار وظهوره الغلاء والجدب وسائر علامات الغضب شيوع المعصية وكفران النعمة والتمادي في البغي والعدوان ومنع الحقوق والتطفيف في المكيال والميزان والظلم والغدر وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونقص المكيال والميزان ومنع الزكاة والحكم بغير ما أنزل الله ونحو ذلك من المعاصي التي تخرق الأستار وتغضب الجبار، قال الله تعالى (3): (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وقال سبحانه (4): (ولو أن أهل القرى


(1) سنن البيهقي ج 3 ص 347 و 349 (2) سنن البيهقى ج 3 ص 349 (3) سورة الرعد - الآية 12 (4) سورة الأعراف - الآية 94

[ 128 ]

آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) وقال عزوجل (1): (ضرب الله مثلا " قرية كانت آمنة مطمئة يأتيها رزقها رغدا " من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) وقال عز اسمه (2): (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) وقال تعالى (3): (وان لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) أي كثيرا "، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (4): (إذا غضب الله تبارك وتعالى على أمة ولم ينزل عليها العذاب - أي عذاب الاستئصال - غلت أسعارها، وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارتها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وسلط الله عليها أشرارها) وقال (صلى الله عليه وآله) أيضا (5): (خمس خصال إن أدركتموها فتعوذوا بالله من النار لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم تمنع الزكاة إلا منع القطر من السماء، فلولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم، فأخذ بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم) وقال الباقر (عليه السلام) (6): (اما أنه ليس سنة أقل مطرا "


(1) سورة النحل - الآية 113 (2) سورة الروم - الآية 40 (3) سورة الجن - الآية 16 (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 2 من كتاب الصلاة (5) الوسائل الباب - 41 - من أبواب الأمر والنهى الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف (6) الوسائل الباب - 37 - من أبواب الأمر والنهى الحديث 4 من كتاب الأمر بالمعروف الجواهر - 16

[ 129 ]

من سنة، ولكن الله يضعه حيث يشاء، إن الله جل جلاله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم وإلى النبات والبحار والجبال) وقال الصادق (عليه السلام) (1): (إذا فشى أربعة ظهرت أربعة إذا فشى الزنا ظهرت الزلزلة، وإذ فشى الجور في الحكم احتبس الفطر - إلى أن قال -: وإذا منعوا الزكاة ظهرت الحاجة) وقال الرضا (عليه السلام) (2): (إذا كذب الولاة حبس المطر، وإذا جار السلطان هانت الدولة، وإذا حبست الزكاة ماتت المواشي) وفي حديث (3) ((إن الله تعالى أوحى إلى شعيب أني معذب أربعين الفا من شرار قومك وستين الفا من خيارهم فقال: هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار ؟ قال: إنهم داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي) وفي حديث عقوبات المعاصي (4) (الذنوب التي تغير النعم البغي، والذنوب التي تورث الندم القتل، والتي تنزل النقم الظلم، والتي تهتك الستور شرب الخمر، والتي تحبس الرزق الزنا، والتي تعجل القناء قطيعة الرحم، والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين) وفى الخبر (5) (ان أسرع الشر عقوبة البغي) وقال أحدهم (عليهم السلام) (6) مشيرا " إلى فتوى نقلت له عن بعض الناس: (من هذا وأشباهه تحبس السماء قطرها) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار التي هي أكثر من أن تحصى. ولعل أعظم أسباب حلول النقم وتحويل النعم احتقار النعمة وبطر المعيشة والاستهانة


(1) و (4) الوسائل الباب - 41 - من أبواب الأمر والنهى الحديث 5 - 3 من كتاب الأمر بالمعروف (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 29 (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الأمر والنهى الحديث 1 من كتاب الأمر بالمعروف (5) الوسائل الباب - 74 - من أبواب جهاد النفس الحديث 5 من كتاب الجهاد (6) الوسائل الباب - 17 - من كتاب الاجارة الحديث 1

[ 130 ]

بجلائل النعم التي أنعم الله بها على عباده، خصوصا الخبز، فقد أمرنا باكرامه وتعظيمه قيل: وقد ورد (1) أن من إكرامه أن لا يشم ولا يقطع ولا يوطأ ولا يوضع تحت القصع وكذا الاستهانة بالمائدة ووطئها بالرجل، بل عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: (لقد دخلت على أبي العباس وقد أخذ القوم المجلس، فمد يده إلي والسفرة بين يديه موضوعة، فأخذ بيدي فذهبت لأخطو إليه فوقعت رجلي على طرف السفرة فدخلني من ذلك ما شاء الله أن يدخلني، إن الله يقول: فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) إلى آخر الآية (3)، ولقد أصاب الأمم السالفة بكفران النعم والاستهانة بها ما قصة الله تعالى في كتابه العزيز، وورد تفصيله في الأخبار المروية عن النبي والأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، وحسبك من ذلك قصة سبأ وأصحاب الثرثار وغير هم، والذين في قصصهم عبرة لأولي الأبصار. والذي ينبغي للناس إذا ظهرت مخائل الجدب والغلاء أن يفزعوا إلى الله تعالى، ويلحوا في الدعاء ليلا " ونهارا " سرا " وجهارا " عن صدر نقي وقلب تقي وإخبات وإخلاص خوفا وطمعا، فان ذلك يحرك سحاب الجود ويستعطف كرم المعبود، كيف لا والدعاء من مفاتيح النجاح ومقاليد الفلاح، والمناجاة سبب النجاة، ولا بالاخلاص يكون الخلاص وإذا اشتد الفزع فالى الله المفزع، وقد قال الله سبحانه (4): (ادعوني أستجب لكم) وقال (5): (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) وقال عز وجل (6): (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)


(1) الوسائل الباب - 80 و 83 و 84 و 78 من أبواب آداب المائدة من كتاب الأطعمة والأشربة (2) الوسائل الباب - 78 - من أبواب آداب المائدة الحديث 4 من كتاب الأطعمة والأشربة (3) سورة الانعام - الآية 89 (4) سورة - المؤمن الآية 62 (5) سورة النمل - الآية 63 (6) سورة البقرة - الآية 182

[ 131 ]

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1): (ألا أدلكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ويدر أرزاقكم ؟ قالوا: بلى، قال: تدعون ربكم بالليل والنهار، فان سلاح المؤمن الدعاء) وقال (صلى الله عليه وآله) (2): (الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السماوات والأرضين) وقال أبو جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) (3): (ما من شئ أفضل عند الله من أن يسأل ويطلب ما عنده، وما من أحد أبغض إلى الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده) وقال أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4): (الدعاء كهف الاجابة كما أن السحاب كهف المطر) وعنه (عليه السلام) (5) (الدعاء يرد القضاء بعدما أبرم إبراما، فأكثروا من الدعاء فانه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند الله إلا بالدعاء، وأنه ليس باب يكثر قرعه إلا يوشك أن يفتح لصاحبه) (وما أبرز عبده يده إلى الله العزيز الجبار إلا استحى أن يردها صفرا " حتى يجعل فيها من فضل رحمته) (6) وعنه (عليه السلام) (7) (ما اجتمع أربعة رهط قط على أمر واحد فدعوا إلا تفرقوا عن إجابة) وفي آخر (8) (من رهط أربعين رجلا اجتمعوا فدعوا الله في أمر إلا استجاب لهم، فان لم يكونوا أربعين فأربعة يدعون الله عشر مرات إلا استجاب لهم، فان لم يكونوا أربعة فواحد يدعو أربعين مرة فيستجيب العزيز الجبار له). وينبغي أن يكون الدعاء بعد التوبة والاقلاع عن المعصية ورد المظالم وإخراج


(1) و (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الدعاء الحديث 5 - 3 من كتاب الصلاة (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 3 - من أبواب الدعاء الحديث 2 وذيلها في الباب 1 منها - الحديث 3 (4) و (5) الوسائل الباب - 2 من أبواب الدعاء الحديث 5 - 7 من كتاب الصلاة (6) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الدعاء الحديث 1 من كتاب الصلاة (7) و (8) الوسائل الباب - 38 - من أبواب الدعاء الحديث 2 - 1 من كتاب الصلاة

[ 132 ]

الحقوق والتواصل والتراحم والمواساة والتصدق، فان ذلك أنجح في المطالب وأسرع إلى إجابة الرب عز شأنه. ومن أعظم الأسباب في ذلك التوبة والاستغفار، فانهما الماحيان للذنب الذي هو السبب الأقوى في ظهور الغلاء والجدب، وقد قال الله عز وجل (1) حكاية عن هود على نبينا وآله وعليه السلام: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا " ويزدكم قوة إلى قوتكم)) وعن نوح (عليه السلام) (2) (فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا "، يرسل السماء عليكم مدرارا "، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهارا ") قال لهم ذلك لما حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه (3): (إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق طريق الخيرات ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر، وقد جعل سبحانه الاستغفار سببا لدرور الرزق، ورحمة للخلق، فقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارا) إلى آخرها وفي خطبة أخرى له (عليه السلام) أيضا (ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعمة الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم، فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله جل ذكره بصدق نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساءتهم لصفح لهم عن كل ذنب، وإذا " لأقالهم على كل عثرة، ولرد عليهم كل كرامة ونعمة، ثم أعاد لهم من صالح أمرهم وما كان أنعم به عليهم كل ما زال عنهم وفسد عليهم) وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما


(1) سورة هود عليه السلام - الآية 54 و 55 (2) سورة نوح عليه - السلام الآية 9 و 10 و 11 (3) المستدرك الباب - 7 - من أبواب الاستسقاء - الحديث 1

[ 133 ]

السلام) (1) (من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدعاء لم يحرم الاجابة، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم التوبة، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة، ومن أعطي الصبر لم يحرم الأجر) والروايات في هذا المعنى أكثر من أن يحيط بها السبر، فلنكتفي بهذا المقدار. وبالجملة لا كلام في رجحان الأستسقاء إذا ظهر الجدب عند جميع المسلمين، بل بالضرورة من الدين، وخلاف أبي حنيفة في الصلاة لذلك خاصة، وإلا فقد استسقى النبي والأنبياء من قبله والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) من بعده وأمروا به، وقد جاء عنهم في ذلك خطب بليغة وأدعية بديعة، روى الكليني في الكافي كما عن المجالس للشيخ باسنادهما عن أبي العباس وزريق الخلقاني عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) واللفظ للأول قال: (أتي قوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله: ان بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا، فادع الله تعالى يرسل السماء، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمنبر فأخرج واجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا وأمر الناس أن يؤمنوا فلم يلبث أن هبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد أخبر الناس أن ربك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا وساعة كذا وكذا فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم وتلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله ريحا فأثارت سحابا وجللت السماء وأرخت عزاليها فجاء أولئك النفر بأعيانهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله ادع الله أن يكف السماء عنا فانا قد كدنا أن نغرق فاجتمع الناس ودعا النبي (صلى الله عليه وآله) وأمر الناس أن يؤمنوا على دعائه فقال له


) (1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الدعاء الحديث 16 من كتاب الصلاة (2) روضة الكافي ص 217 - الرقم 266 المطبوعة بطهران عام 1377 والمستدرك الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 7 وفيهما أبى العباس زريق الخلقانى

[ 134 ]

رجل: يا رسول الله أسمعنا، فكل ما تقول ليس يسمع، فقال: قولوا اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم صبها في بطون الأودية وفي منابت الشجر وحيث يرعى أهل الوبر، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا) وعن مجالس الشيخ أبي علي باسناده عن مسلم القلانسي (1) قال: (جاء أعرابي إلي النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: والله يا رسول الله لقد أتيناك ومالنا بعير باط ولا غنم يعظ، ثم أنشأ يقول: أتيناك يا خير البرية كلها * لترحمنا مما لقينا من الأزل أتيناك والعذراء تدمى لبانها * وقد شغلت أم البنين عن الطفل والقى بكفيه الفتى استكانة * من الجوع ضعفا لا يمر ولا يحل ولا شئ مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلف الغل وليس لنا إلا اليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن هذا الأعرابي يشكو قلة المطر وقحطا شديدا ثم قام يجر بردائه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وكان فيما حمده به أن قال: الحمد لله الذي علا في السماء فكان عاليا، وفي الأرض قريبا دانيا أقرب الينا من حبل الوريد، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم استقنا غيثا مغيثا مرتعا مريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائف، نافعا غير ضار تملأ به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، فما رد يده إلى نحوه حتى أحدق السحاب بالمدينة كالاكليل وألقت السماء بأرزاقها وجاء أهل البطاح يقولون: يا رسول الله الغرق الغرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب عن السماء، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله، فقام عمر بن الخطاب: فقال: عسى أردت يا رسول الله:


(1) البحار ج 18 ص 955 من طبعة الكمبانى

[ 135 ]

وما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر وأوفى ذمة من محمد فقال رسول الله (صلى عليه وآله): هذا من قول حسان بن ثابت، فقام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: كأنك أردت يا رسول الله: وأبيض يستقي الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل إلى آخره. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أجل، فقام رجل من بني كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * وأشخص منه إليه البصر فلم يك إلا كالقاء الرداء * وأسرع إلا أتانا الدرر وفاق الغرابل عم البقاع * أغاث به الله عليا نصر فكان كما قاله عمه * أبو طالب زاد واء النحر به الله يسقى صوب الغمام * فهذا العيان وذاك الخبر فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا كناني بواك الله بكل بيت بيتا في الجنة) وعن قرب الاسناد للحميري (1) وفي الفقيه (2) عن الصادق (عليه السلام) واللفظ للأول قال: (اجتمع عند علي (عليه السلام) قوم فشكوا قلة المطر، وقالوا: يا أبا الحسن ادع لنا بدعوات في الاستسقاء، قال: فدعا علي بالحسن والحسين (عليهم السلام) فقال للحسن: ادع لنا) إلى آخره. ومن دعاء علي بن الحسين (عليهما السلام) (3)


(1) المستدرك الباب - 11 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1 (2) الفقيه ج 1 ص 238 - الرقم 1517 من طبعة النجف (3) الصحيفة السجادية ص 97 رقم الدعاء 19

[ 136 ]

في الاستسقاء عند الجدب، وهو من أدعية الصحيفة، إلى غير ذلك، بل عن فائق الزمخشري (1) من العامة فضلا " عن الخاصة رواية الصلاة للاستسقاء أيضا، قال: (خرج النبي (صلى الله عليه وآله) للاستسقاء فتقدم فصلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة وكان يقرأ في العيد ين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب رداءه ثم جثى عليه ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل أن يستسقي صلى الله عليه وآله ثم قال: اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيثا مغيثا وحيا ريعا وجدا طبقا غدقا مغدقا مونقا عاما هنيئا مريئا مربعا مريعا مرتعا وابلا " سائلا " سبلا مجللا ديما ديما درا " نافعا غير ضار، عاجلا " غير رائث غيثا تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاعا للحاضر منا والباد، اللهم أنزل علينا بأرضها سكنها، وأنزل علينا من السماء ماء " طهورا "، فأحيى به بلدة ميتا واسعة مما خلقت لنا أنعاما وأناسي كثيرا ") وعن نوادر الراوندي (2) باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال علي (عليه السلام): مضت السنة في الاستسقاء أن يقوم الامام فيصلي ركعتين ثم يبسط يده وليدع، قال: وقال علي (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا بهذا الدعاء في الاستسقاء اللهم أنزل علينا رحمتك بالغيث العميق) إلى آخره. وفي الفقيه والتهذيب (3) (ان أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب بهذه الخطبة في صلاة الاستسقاء الحمد لله سابغ النعم، ومفرج الهم) إلى آخرها، وهي من الخطب الجليلة، والمراد أنه صلى وخطب لها


(1) و (2) البحار - ج 18 ص 954 - 950 (3) الفقيه ج 1 ص 335 - الرقم 1504 والتهذيب ج 3 ص 151 - الرقم 328 المطبوعان في النجف الجواهر - 17

[ 137 ]

كما عن الشيخ روايتها بهذا اللفظ في المصباح، وله (عليه السلام) خطبتان أخريان (1) في النهج، وكيف كان فلا كلام عندنا في استحباب الصلاة للاستسقاء بعد تظافر النصوص أو تواترها بذلك، وفى الذكرى أنه استسقى النبي وعلي والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) والصحابة وصلوا ركعتين. (و) أما (كيفيتها) فهي (مثل كيفية صلاة العيد) إجماعا محكيا عن الخلاف والتذكرة والمنتهى، وفي الاستبصار هذه الرواية - مشيرا " إلى موثق إسحاق بن عمار (2) المتضمن تقديم الخطبة على الصلاة في الاستسقاء - مخالفة لاجماع الطائفة المحقة، لأن عملها على الرواية الأولى لمطابقتها للأخبار (3) التي رويت في أن صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد، وفي حسن هشام بن الحكم (4) عن الصادق (عليه السلام) (سألته عن صلاة الاستسقاء فقال: مثل صلاة العيدين يقرأ فيها ويكبر كما يقرأ ويكبر فيها، يخرج الامام فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة ووقار وخشوع ومسألة، ويبرز معه الناس فيحمد الله ويثني عليه ويجتهد في الدعاء ويكثر من التسبيح والتهليل والتكبير، ويصلي مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاء ومسألة واجتهاد، فإذا سلم الامام قلب ثوبه وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، والذي على الأيسر على الأيمن، فان النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك صنع). ولا ريب كما أنه لا خلاف في شموله المماثلة للقراءة وعدد الركعات والتكبيرات والقنوتات، بل في الذخيرة الاجماع عليه (غير أنه يجعل مواضع القنوت في العيد استعطاف الله سبحانه وسؤاله الرحمة بارسال الغيث) لأنه هو المقصود والمراد (ويتخير


(1) المستدرك الباب - 11 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 2 و 3 (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 2 (3) و (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث. - 1

[ 138 ]

من الأدعية) في القنوت وبعد الصلاة (ما تيسر له) للأصل وظاهر النصوص والفتاوى (وإلا) يختر الأخذ بهذه الرخصة، بل إذا أراد الأفضل (فليقل ما نقل في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) الذينهم أعرف من غيرهم بما ينبغي أن يناجى به رب العباد ضرورة كون الوزير أدرى من الرعية بما يؤدي إلى استجلاب الخير ونيل المقصود من الملك قطعا، ويمكن أن تكون العبارة من صناعة القلب، والنكتة فيه جواز الدعاء بما تيسر وإن أمكن المنصوص، وإلا فليس المراد ظاهرها قطعا، لكن لم نقف على دعاء مخصوص في القنوت هنا، ويمكن استحباب ما ورد فيه بالعيد وإن كان بتغيير مقتضى المقام، فينبغي أن يكون بالاستغفار والدعاء بانزال الرحمة وتوفير المياه، وعلى كل حال فليبدأ بالصلاة على النبي وآله (عليهم الصلاة والسلام) ويختم بها، لما روي (1) عن علي (عليه السلام) (إذا سألتم الله حاجة فصلوا على النبي (صلى الله عليه وآله) فان الله تعالى إذا سئل عن حاجتين استحيى أن يقتضي إحداهما دون الأخرى) وليقدم الثناء على الله تعالى لحسن هشام المتقدم (2) وليعترف بذنبه طالبا من الله العفو والرحمة، قال الله تعالى (3): (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) وغير ذلك مما لا يخفى على من له معرفة بكيفية الدعاء المستجاب المستفادة من نصوص أهل العصمة وبعض آيات الكتاب. إنما الكلام في شمول المماثلة المزبورة للوقت ونحوه من الأمور الخارجة عن الكيفية وعدمه، وفيه قولان أحوطهما الأول، بل في الذكرى أنه ظاهر كلام الأصحاب وأقواهما الثاني للاطلاقات السالمة عن معارضة إطلاق المماثلة في النص، إذ حسن هشام كغيره يستفاد منه المماثلة في ذلك الأمر الخاص، ودعوى المدارك دلالته عليه محل منع،


(1) الوسائل الباب - 36 - من أبواب الدعاء - الحديث 18 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 1 (3) سورة الأعلى - الآية 14 و 15

[ 139 ]

على أن شمول إطلاقها لمثله كذلك لا نسياق الكيفية منه، فمعاقد الاجماعات تنصرف حينئذ إلى غيره قطعا، خصوصا بعد ما حكي من الاجماع عن نهاية الأحكام على عدم التوقيت، وعن التذكرة نفي الخلاف فيه، نعم لا بأس بتطلب بعض الأزمنة الشريفة لها، لأنها أرجى للاجابة، ولعله لذا حكي عن التذكرة أن الأقرب عندي إيقاعها بعد الزوال، لأن ما بعد العصر أشرف وإن كان هو لا يخلو من بحث، خصوصا بعد ما قيل من أنه مشهور بين العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، وفي الذكرى أنه نقله ابن عبد البر عن جماعة العلماء من العلماء من العامة، والأمر سهل. (و) من (مسنونات هذه الصلاة أن يصوم الناس ثلاثة أيام) لأنه أرجى للاجابة، ولخبر السراج (1) قال: (أرسلني محمد بن خالد إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أقول له: إن الناس قد أكثروا علي في الاستسقاء فما رأيك في الخروج غدا " ؟ فقلت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي: قل له: ليس الاستسقاء هكذا، فقل له: يخرج فيخطب الناس ويأمرهم بالصيام اليوم وغدا، ويخرج بهم في اليوم الثالث وهم صيام قال: فأتيت محمدا " فأخبرته بمقالة أبي عبد الله (عليه السلام) فجاء فخطب الناس وأمرهم بالصيام كما قال أبو عبد الله (عليه السلام): فلما كان في اليوم الثالث أرسل إليه ما رأيك في الخروج ؟) وخبر مرة مولى محمد بن خالد (2) قال: (صاح أهل المدينة إلى محمد ابن خالد في الاستسقاء فقال لي: انطلق إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فاسأله ما رأيك ؟ فان هؤلاء قد صاحوا إلي، فأتيته فقلت له فقال لي: قل له: فليخرج، قلت له: متى يخرج جعلت فداك ؟ قال: يوم الاثنين) الحديث. قيل: ونحوه خبر العبون (3) عن مولانا العسكري (عليه السلام).


(1) و (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1 - 2 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 2

[ 140 ]

(و) من ذلك يعرف استحباب ان (يكون خروجهم يوم الثالث) كما عن التذكر نسبته إلى علمائنا خلافا لما عن الشافعي فقال: رابع أيام الصيام (و) منه يعرف أيضا أنه (يستحب أن يكون ذلك الثالث الاثنين) ولذا اقتصر عليه جماعة، بل في الرياض نسبة ذلك إلى الأكثر، لكن قال المصنف: (فان لم يتيسر ف‍) يوم (الجمعة) ولم نقف له على دليل بالخصوص، إلا أنه لا بأس به لشرفه وكونه محلا " لاجابة الدعاء بل ورد (1) (أن العبد ليسأل الحاجة فتؤخر الاجابة إلى يوم الجمعة) ولعله لذا خير غير واحد بينهما، بل قيل: إنه المشهور بين المتأخرين، وأنه يظهر من التذكرة الاجماع عليه، بل عن المفيد وأبي الصلاح الاقتصار على الجمعة، كأنه لما ورد (2) في ذم يوم الاثنين، وأنه يوم نحس لا تطلب فيه الحوائج، وأن بني أمية تتبرك وتتشاء من منه آل محمد (صلى الله عليه وآله) لتقل الحسين (عليه السلام) فيه، حتى ورد أن من صامه أوطلب الحوائج فيه متبركا " حشر مع بني أمية، مع ترجيح ذلك على الخبرين المزبورين لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد عمل الأصحاب بهما، وفيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات كالحلي وغيره وإن اختلفوا في الترتيب أو التخيير، بل لعل أحوط القولين منهما أقوالهما هذا مع إمكان حمل ذلك على من أراد الفعل بقصد التبرك بيوم الاثنين كما يفعله بنو أمية، والله أعلم. (و) كذا يستفاد من التأمل في الخبرين المزبورين وغيرهما كخبر هشام بن الحكم (3) أنه يستحب أيضا (أن يخرجوا) في هذه الصلاة (إلى الصحراء) كما هو


(1) الوسائل الباب - 41 - من أبواب صلاة الجمعة - الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب آداب السفر من كتاب الحج والباب 21 من أبواب الصوم المندوب - الحديث 3 من كتاب الصوم (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 1

[ 141 ]

مجمع عليه نقلا " في الذكرى وعن المعتبر والمنتهى والتذكرة وغيرها إن لم يكن تحصيلا "، بل في خبر أبي البختري (1) عن الصادق (عليه السلام) (مضت السنة أنه لا يستسقى إلا بالبراري حيث ينظر الناس إلى السماء، ولا يستسقى بالمساجد إلا بمكة) وليكن خروجهم إليها (حفاة) وفي المسالك ولكن نعالهم بأيديهم، ولم نعرف له شاهدا " (على سكينة ووقار) وذكر الله وإخبات، لأنه أبلغ في الخشوع وأرجي للاجابة، ولقوله (عليه السلام) في خبر مولى محمد بن خالد (2): (يمشى كما يمشى يوم العيدين) وفي خبر هشام بن الحكم (3) (فيبرز إلى مكان نظيف في سكينة ووقار وخشوع ومسألة) وزاد في أولهما أن (بين يديه - أي الامام - المؤذنون في أيديهم عنزهم) أي عصيهم وفي المسالك يخرجون في ثياب البذلة بكسر الباء، وهي ما يمتهن من الثياب. (ولا يصلوا) هذه الصلاة (في المساجد) وإن كانت مكشوفة للخبر السابق، لكن قد عرفت أنه صريح في استثناء مكة من ذلك، فانه يستسقى في المسجد الحرام منها، ولا بأس به خصوصا بعدما عن المنتهى من الاجماع عليه منا ومن أكثر أهل العلم فما عساه يظهر من عدم استثناء المصنف له كغيره ممن نقل عنه ذلك من العدم في غير محله كالمستفاد من ظاهر عبارة الكاتب من إلحاق مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) به، لعدم المستند له سوى القياس الذي لا ينبغي الاقتصار معه على خصوص مسجد النبي (صلى الله عليه وآله)، بل ينبغي حينئذ إلحاق مسجد الكوفة ونحوه من المساجد المعظمة المشرفة به، وهو كما ترى مخالف لصريح الخبر المزبور وظاهر غيره، والأسرار الربانية لا تدور مدار الشرف، نعم في الذكرى لو حصل مانع من الصحراء لخوف وشبهه جازت في المساجد، ولا بأس به.


(1) الوسائل الباب - من أبواب صلاة الاستسقاء - = الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 1 2

[ 142 ]

(و) كذا يستحب (أن يخرجوا معهم) أهل الصلاح والورع ونحوهم ممن يظن إجابتهم بل (الشيوخ والأطفال والعجائز) على المشهور كما في الكفاية والذخيرة لأنهم أقرب إلى الرحمة وأسرع للاجابة، وللنوي (1) (لو لا أطفال رضع وشيوخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا) وفي المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) من الخطبة (2) (اللهم ارحمنا بمشايخ ركع وصبيان رضع وبهائم رتع وشباب خضع) لكن قد اشتمل على ذكر الشباب، ولم يذكره أحد من الأصحاب هنا، ولعل المراد أهل الورع والتقوى منهم كما يؤمي إليه الوصف المزبور، فيندرجون حينئذ فيما ذكروه من إخراج أهل التقوى والصلاح. وعليه فالظاهر إرادة الذكور من الشباب خاصة لا النساء، لما في خروجهن من الفتنة، ولذا صرح غير واحد بعدم خروجهن، بل لعله ظاهر الاقتصار على الشيوخ والأطفال والعجائز من الجميع، وعلى كل حال فقد يتأكد الخروج المزبور في أبناء الثمانين فصاعدا "، لقوله (عليه السلام) (2): (إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) قيل: وعن الكيدري زيادة البله، كما عن ابن حمزة والفاضل والشهيدين وأبي العباس وغيرهم زيادة البهائم أيضا، ولا بأس به، بل وبكل ما يرجى فيه الاجابة واستجلاب الرأفة والرحمة، وعن الصادق (عليه السلام) (4) (ان سليمان ابن داود خرج ليستسقي فرأى نملة قد استلقت على ظهرها وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ولا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم وهي رافعة قائمة من


(1) سنن البيهقى ج 3 ص 345 (2) المستدرك الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 4 (3) البحار الجزء الثالث من المجلد 15 ص 164 الباب 64 (4) الفقيه ج 1 ص 334 - الرقم 1493 المطبوع في النجف

[ 143 ]

قوائمها إلى السماء فقال (عليه السلام): ارجعوا فقد سقيتم بغيركم) وكأنه بالي أن عالم قوم يونس (عليه السلام) أمرهم باخراج البهائم وتفريق أطفالها عنها فكشف الله عنهم العذاب (1) والله أعلم. (و) صرح غير واحد من الأصحاب بأنهم (لا يخرجوا) معهم (ذميا) لقوله تعالى (2): (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) بل منه ونحوه زيد جميع الكفار والمتظاهرين بالفسق والمنكر ونحوهما من المسلمين، ولعله لبعد الرحمة بهم، وعدم محبة الله سماع أصواتهم، فحضورهم أبعد للاجابة، ونقض للغر ض، لكن قد يقال: إن مثل هؤلاء إذا خضعوا واعترفوا بذنبهم كانت الاجابة لهم أقرب من غيرهم، أو يقال: إنه ربما تعجل إجابتهم لعدم محبة الله سماع أصواتهم عكس المؤمن الذي يحب سماع صوته فيؤخر إجابة دعائه كما ورد في الخبر (3) وعن الصادق (عليه السلام) (4) (أنه جاء أصحاب فرعون إليه فقالوا له: غار ماء النيل وفيه هلاكنا فقال: انصرفوا اليوم، فلما كان الليل توسط النيل ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنه لا يقدر على أن يجئ بالماء إلا آنت فجئنا به فأصبح النيل يتدفق) الخبر. وقد خرج المنافقون مع النبي (صلى الله عليه وآله) للاستسقاء، والمخالفون مع الرضا (عليه السلام)، وعن المنتهى بعد أن ذكر خبر خروج فرعون فعلى هذه الرواية لو خرجوا جاز أن لا يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من الله تعالى، وقد ضمنها لهم في الدنيا، فلا يمنعون من طلبها، فلا يبعد إجابتهم، وقول من قال: إنهم ربما ظنوا أن ما حصل من السقياء بدعائهم ضعيف،


(1) تفسير الصافى سورة يونس عليه السلام - الآية 98 (2) سورة الرعد - الآية 15 (3) الوسائل الباب - 21 - من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة (4) الفقيه ج 1 ص 334 - الرقم 152 المطبوع في النجف

[ 144 ]

لأنه لا يبعد أن يتفق نزول الغيث يوم خروجهم بانفرادهم فيكون أعظم لفتنتهم. (ويستحب أيضا في المشهور كما في الكفاية أن (يفرقوا بين الأطفال وأمهاتهم) لما فيه من الهيبة بكثرة البكاء والضجيج ما يستوجب الرقة والرأفة والرحمة كما يشهد له فعل ذلك من قوم يونس بأمر عالمهم فكشف الله تعالى عنهم العذاب، إلا أنه ينبغي مراعاة حفظ الأطفال الواجب، فيفرقهم حينئذ بأن يدفع كل واحد إلى غير أمه أو غير ذلك إذا أمن الضرر معه، وظاهر المتن أن هذه الأحكام من المستحب الكفائي حيث لم يوجهها كالنصوص إلى أحد بعينه، خلافا لظاهر الذكرى فوجهها جميعها أو بعضها إلى الامام، ولعل الأول أولى. (و) كيف كان ف‍ (إذا فرغ الامام من صلاته حول) استحبابا (رداءه) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن صريح الخلاف وظاهر المعتبر الاجماع عليه للنصوص المستفيضة (1) والتفاؤل والتأسي به (صلى الله عليه وآله) (2) بل للأخير خصوصا مع التعليل في صحيح هشام (3) وإمكان دعوى التناول لهما في صحيح ابن بكير (4) واشتراك التفاؤل بذلك لتحويل الجدب خصبا الذي هو المقصود من هذا التحويل كما يؤمي إليه بعض النصوص (5) (سألته عن تحويل النبي (صلى الله عليه وآله) رداءه إذا استسقى قال: علامة بينه وبين أصحابه يحول الجدب خصبا بين الامام والمأموم) صرح الشيخ والثانيان باستحبابه لهما معا، وقواه في الذكرى، بل في ظاهر المحكي من خلاف الشيخ الاجماع عليه، خلافا لظاهر المتن وغيره، بل هو صريح المحكي عن معتبره،


(1) و (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الاستسقاء من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1 (4) و (5) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1 - 2 الجواهر 18

[ 145 ]

فيختص بالامام، بل عن ظاهر المنتهى عدم الخلاف فيه بيننا حيث نسبه إلى بعض العامة ولعله الأقوى نظرا " إلى تطابق النصوص (1) وأكثر الفتاوى على ذكره للامام خاصة، بل لعل التأمل فيها يشرف الفقيه على القطع بذلك وإن كان الحق عدم حجية مفهوم اللقب ما لم تقتضها القرائن، والمنساق من صحيح ابن بكير (2) الامام. والمراد بتحويل الرداء للامام جعل ما على اليمين على اليسار وبالعكس، كما نص عليه في الصحيحين وغيرهما، وفسره به غير واحد، بل عن التذكرة الاجماع عليه سواء كان مربقا (مربعا خ ل) أو مقورا "، وقال الكركي والشهيدان: (لا يشترط جعل الظاهر باطنا وبالعكس، ولا الاسفل أعلى وبالعكس وإن كان جائزا ") وفي روضة الثاني منهما بعد أن فسر التحويل بجعل اليمين يسارا " وبالعكس قال: (ولو جعل مع ذلك أعلاه أسفله وظاهره باطنه كان حسنا) وفيه أن المنساق إلى الذهن من التحويل لا يكون إلا بأحد الأمرين خاصة، فلا معنى حينئذ لعدم اشتراطهما، ولا لجمعهما مع التحويل، اللهم إلا أن يراد بالتحويل جعل ما على اليمين على اليسار أو بالعكس بمعنى جمعهما على أحد الجانبين، أو يراد تحويل الرداء حيث يكون موضوعا على أفضل حاليه بأن كان على المنكبين مع رد ما على الأيسر على الأيمن، فان تحويله حينئذ يتحقق بعكس هذه الهيئة ولو برد ما على الأيمن على الأيسر من دون حاجة إلى جعل ظاهره باطنه وأعلاه أسفله لكنهما معا كما ترى خلاف المنساق إلى الذهن من التفسير المزبور، بل لعل قول الأصحاب وبالعكس صريح في خلافه، خصوصا بالنسبة إلى الأخير، كما أن ما في صحيح هشام (3) عن الصادق (عليه السلام) كذلك أيضا، قال فيه: (فإذا سلم الامام قلب


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 1 والباب 3 منها (2) الوسائل الباب 3 من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1

[ 146 ]

ثوبه وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، والذي على الإيسر على الأيمن، فان النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك صنع) ونحوه في صحيح ابن بكير. ثم إن ظاهر المصنف وغيره استحباب ذلك مرة واحدة، بل هو ظاهر النصوص وصريح المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) وإن كان ظاهر خبر مولى محمد بن خالد أن وقته بعد صعود الامام المنبر، وقد سمعت ما في صحيح هشام، وفي خبر ابن بكير (يصلي ركعتين ويقلب رداءه) ولعله لا تنافي بينها بعد حمل مطلقها على المقيد، اللهم إلا أن يشكل بأن شرطه التنافي، ومع عدم العلم باتحاد المأمور به كما في المقام لم يحمل المطلق على المقيد، وبأن المستحبات لا مقتضي لحمل مطلقا على مقيدها أيضا. وبامكان دعوى عدم قابلية صحيح هشام للتقييد، لضعف احتمال إرادة القلب فيه بعد التسليم وصعود المنبر، ولعله لذا ولزيادة التفاؤل وللعمل بالأخبار الكثيرة كان خيرة المفيد وسلار والقاضي والراوندي فيما حكي عنهم استحباب تثليث التحويل، لكن المتجه بناء " على ذلك تخصيص استحباب التحويلين منهما بما بعد الصعود وبعد التسليم وإطلاق الثالث، كما أن المتجه بناء على اتحاده كونه بعد الفراغ من الصلاة والصعود إلى المنبر قبل الخطبة، إذ هو الحاصل من حمل الأخبار بعضها على بعض. وكيف كان فلا ريب أن الأقوى الأول وإن كان الثاني أحوط. (ثم) إذا صعد المنبر وحول رداءه (استقبل القبلة وكبر مائة) تكبيرة (رافعا بها صوته و) بعده (سبح الله) ملتفتا (إلى) الناس عن (يمينه) مائة تسبيحة (كذلك) رافعا بها صوته (و) بعده (هلل) الله مائة تهليلة ملتفتا إلى الناس (عن يساره) رافعا بها صوته (مثل ذلك و) بعده (استقبل الناس) بوجهه (وحمد الله مائة) مرة كما صرح بذلك كله في خبر مولى محمد بن خالد، وزاد غير واحد من الاساطين كالحلي والشهيدين وغيرهم بل في الذكرى نسبته إلى الأصحاب رفع الصوت بالتحميد أيضا،

[ 147 ]

ولا بأس به وإن كان الخبر خاليا منه، إذ قد يفهم من التصريح به فيه في الأولين إرادته في الأخير، فكأنه حذف منه لدلالة سابقه عليه، نعم لا وجه للاقتصار عليه في كلام بعضهم في التكبير خاصة مع التصريح به في الخبر في التسبيح، وأضعف منه عدم ذكر الرفع أصلا "، كما أنه لا وجه لعدم ذكر البعض أيضا ذلك بعد التحويل مع التصريح به في الخبر أيضا، وكذا لم نقف على دليل لما في الغنية والمحكي عن غيرها من جعل التحميد عن اليسار والاستغفار مائة عند استقبال الناس بوجهه، ولا للمحكي عن إشارة السبق من جعل التحميد عن اليمين والتسبيح عن اليسار والاستغفار عند استقبال الناس بوجهه، بل ولا لغيره أيضا مما حكي في المقام، إذ قد عرفت أن الموجود في الخبر الذي هو دليل الحكم هنا ما سمعت، وأنه بعد التحميد يرفع يديه فيدعوثم يدعون. كما أنه ليس فيه ما ذكره المصنف وغيره من أن الامام يذكر (وهم) أي المأمومون (يتابعونه في كل ذلك) لكن لعله لأنه ذكر الله، ولأن وظيفة المأموم المتابعة للامام ولما فيه من الضجيج والدوي ما هو أرجى لتحصيل المقصود من غيره، ومن هنا نص ابن حمزة والثانيان على متابعته في رفع الصوت، بل هو المحكي عن إشارة السبق والتقي والكيدري والبيان وظاهر القاضي، بل لعله ظاهر المصنف وكل من عبر بمثل عبارته، ولا بأس به وإن خلا النص عنه، خلافا للسرائر والمحكي عن الاسكافي فلا يتابعونه في الرفع، وعن الفقيه والمقنع أنهم يتابعونه في رفع الصوت والدعاء، وظاهرهما الاقتصار عليهما، والأولى ما عرفت من المتابعة في الجميع أي الأذكار والدعاء، وقد يستفاد من خبر زريق أبي العباس (1) أنهم يؤمنون على دعاء الامام، فحينئذ مقتضى الجمع بينه وبين غيره التخيير في خصوص الدعاء بين المتابعة وبين التأمين كما هو ظاهر السرائر، نعم لا يتابعونه في الالتفات إلى الجهات كما صرح به غير واحد، بل لعله ظاهر الجميع،


(1) روضة الكافي ص 217 - الرقم 266 المطبوعة بطهران عام 1377

[ 148 ]

بل لعله مقطوع به بالنسبة إلى جميع الجهات، لتصريحهم باستقباله الناس بالتحميد كما عليه الأكثر، أو الاستغفار كما عليه البعض، ولو تابعوه في الجهات لم يتحقق ذلك، اللهم إلا أن يكون جهتهم حينئذ استقبال الامام، والأمر سهل. (ثم يخطب ويبالغ في تضرعاته) كما بالغ أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته (1) التي أولها (الحمد لله سابغ النعم) إلى آخرها، وهي من الخطب العجيبة البديعة، والأولى له اختيارها أو غيرها من المأثور عنهم (عليهم السلام)، ضرورة أنهم أعرف من غيرهم بذلك وبكيفية الخطاب معه تعالى، فان لم يحسنها خطب من نفسه بما يتمكن من الحمد والثناء، وعقبهما بالتضرع والدعاء كما صنع العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله) لما قال له عمر بن الخطاب قم واستسق، فانه قام وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (اللهم إن عندك سحابا وإن عندك مطرا ") إلى آخره. وظاهر المتن أن الخطبة بعد الصلاة بل وبعد فعل الأذكار، ولا ريب فيه بالنسبة إلى الأول، بل في السرائر وعن الخلاف والتذكرة الاجماع عليه وإن كان قد نفى البأس في الأخير بعد ذلك عن المحكي عن أحمد في إحدى الروايات من التخيير بين إيقاعها قبل الصلاة وبعدها، لو رود الأخبار بهما، كما أنه استحسنه في المحكي عن المعتبر على تقدير القول به، وفي خبر طلحة بن زيد (2) عن الصادق (عليه السلام) (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى للاستسقاء ركعتين وبدأ بالصلاة قبل الخطبة وكبر سبعا وخمسا وجهر بالقراءة) ونحوه المرسل (3) عن الباقر (عليه السلام) بل وغيره أيضا في أصل تأخير الخطبة عن الصلاة، بل لا خلاف فيه في النصوص سوى خبر إسحاق بن عمار (4) عن الصادق (عليه السلام) (الخطبة


(1) الفقيه ج 1 ص 335 - الرقم 1504 من طبعة النجف (2) و (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 2 1 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 6

[ 149 ]

في الاستسقاء قبل الصلاة) كما يحكى عن أبي علي اختياره، وقد أجاد في الاستبصار بقوله: إن هذه الرواية شاذة مخالفة لاجماع الطائفة المحقة، لأن عملها على الرواية الأولى لمطابقتها للأخبار التي رويت في أن صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد، وتبعه على ذلك أو نحوه غيره من الأصحاب. قلت: على أنها محتملة الحمل على التقية وعلى إرادة الدعاء من الصلاة، أو الخطبة بأمر الناس بالصيام والتهيؤ للاستسقاء كما قاله (عليه السلام) في تعليم حماد السراج (1) وأما حسن هشام (2) فدلالته على تقديم الخطبة على الصلاة مبنية على كون الحمد والتمجيد والثناء عبارة عن الخطبة مع إفادة الواو والتقديم الذكري الترتيب، والأول وإن كان يمكن تسليمه لكن الثاني واضح المنع، خصوصا مع معارضته بالأخبار المصرحة بتقديم الصلاة على الخطبة، ومع اشتماله على التشبيه بصلاة العيد التي تتأخر فيها الخطبة بناء " على اقتضائه مثل ذلك. وأما الثاني أي تأخرها عن الأذكار فظاهر المتن والمبسوط والوسيلة والارشاد وغيرها ذلك أيضا، بل عن الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين، ولعله لخبر مرة مولى محمد (3) بناء على إرادة الخطبة من الدعاء فيه خلافا للفاضل في المختلف والمحكي عن الصدوق والمفيد وعلم الهدى وأبي يعلى وأبي المكارم والتقي والقاضي وغيرهم، فتقدم على الذكر، بل في الذكرى أنه المشهور، وربما قيل بجوازهما معا، وهو قوي وإن كان سابقة أقوى منه كما يؤمي إليه ظاهر ما حكي من أفعالهم (عليهم السلام) من تمام عمل الاستسقاء بالخطبة والدعاء ولم يحك عنهم فعل شئ آخر بعد ذلك، وخبر مرة يمكن حمله على الاكتفاء فيه بالأذكار عن الخطبة، بل لعله أولى من حمل الداء فيه على


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الاستسقاء - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستقاء - الحديث 2 1

[ 150 ]

الخطبة، فتأمل جيدا ". وكذا ظاهر المتن اتحاد الخطبة، بل لعله ظاهر الأصحاب قبله أيضا لقولهم: (يخطب) بل لعله ظاهر النصوص، لكن في الدروس وغيرها تعددها، بل عن المنتهى والغرية الاجماع عليه، للتشبيه بصلاة العيد التي تتعدد فيها الخطبة، وهو وإن كان أحوط إلا أنه لم أعثر على خبر يتضمن التشبيه إلا حسن هشام، وهو كما عرفت إنما يدل على المشابهة في كيفيتها، والخطبة خارجة عنها، ولعل المراد باحدى الخطبتين التي تتقدم على الاستسقاء لتعليم الناس الصوم ونحوه له كما يؤمي إليه استدلال الذكرى س عليه بخبر مرة، ولا ريب في أنه أمر خارج يفعل للتعليم حيث يكون الناس في حاجة إليه. ثم إنه قد يظهر من قول المصنف وغيره: (ويبالغ في تضرعاته) أن المراد بالخطبة هذا الدعاء والابتهال والتضرع كما يؤمي إليه عبارتا الذكرى والروض أنه (يستحب المبالغة في التضرع والالحاح في الدعاء في الخطبتين) بل وما عن المصباح من أنه (يستحب أن يدعو بخطبة أمير المؤمنين (عليه السلام)) وما في خبر مولى محمد السابق من أنه بعد الأذكار يدعو ثم يدعون حيث لم يتعرض فيه لذكر خطبة غير هذا، كما أنه حكي عن المقنع مثل ذلك أيضا، لكن اشتمال خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) على المعنى المعروف منها وعلى الدعاء يؤيد عدم الاكتفاء بالدعاء المحض عن الخطبة بالمعنى المعروف، نعم قال بعض الأصحاب إنه إن لم يحسن الخطبة بالمروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) اقتصر على الدعاء. وكيف كان فلا ريب في أن الأحوط بل والأقوى الخطبة بالحمد والثناء ونحوهما أولا " ثم تعقيب ذلك بالدعاء مبالغا في التضرع كما صنعوا صلوات الله عليهم (فان تأخرت الاجابة كرروا الخروج) إجماعا محكيا عن المعتبر والمنتهى والتذكرة، بل عن الغربة الاجماع على هذا التكرير (حتى تدركهم الرحمة) وهو الحجة حينئذ، مضافا إلى

[ 151 ]

إمكان دعوى استفادته من الأدلة باعتبار أن المقصود والمراد من تلك الأفعال لم يحصل ولأن المتعارف في السائلين تكرار السؤال إذا لم يجابوا بأول مرة، فما عن إسحاق من المنع من التكرير لأنه (صلى الله عليه وآله) لم يخرج إلا مرة واحدة ضعيف كدليله، إذ لعله (صلى الله عليه وآله) استغنى عن المعاودة لإنه أجيب، وكون التحقيق أن الأمر ليس للتكرار لا يقتضي عدم إرادة التكرار على وجه خاص لدليل خاص غير الأمر كما هو واضح. إنما الكلام في أنهم إذ كرروا الصلاة كرروا سائر ما تقدمها من الصوم ونحوه كالاستسقاء الأولي أولا، الظاهر الأول إذا كان تكريرهم ذلك وقع بعد مضي مدة من الاستسقاء الأول بحيث أفطروا مثلا "، أما إذا كان متصلا " بالأول فيكفي فيه على الظاهر الصوم الأول مع فرض الاتصال بصوم يوم التكرير كما يفهم من المحكي عن الكاتب، قال: (إن لم يمطروا أولا " ولا أظلتهم غمامة لم ينصرفوا إلا عند وجوب صلاة الظهر، ولو أقاموا بقية نهارهم كان أحب إلي، فان أجيبوا وإلا تواعدوا على المعاودة يوما ثانيا وثالثا) ولا بأس به في الجملة وإن كنا لم نقف على نص دال عليه، فتحصل مما ذكرنا حينئذ أن للتكرير كيفيتين: الأولى بعد أيام، والثانية متصلة بيوم الاستسقاء، والظاهر جواز الأمرين معا، كما أن الظاهر جواز استئناف الصوم والصلاة إذا لم يجابوا بأول يوم، قال في الذكرى: (ولو تأخرت الاجابة كرروا الخروج حتى يجابوا إما بصوم مستأنف أو بالبناء على الأول) وهو في غاية الجودة. أما التكرار للصلاة مثلا " في مجلس واحد إذا لم تظهر إمارات الاجابة من الغمام ونحوه فلا يخلو من إشكال، لفقد النص وظهور كلام الأصحاب في توقف مشروعية التكرير على عدم الاجابة ولم تعرف حتى تمضي مدة في الجملة، فتأمل جيدا ". (و) اعلم أنه (كما يجوز هذه الصلاة عند قلة الأمطار فانها تجوز عند جفاف

[ 152 ]

مياه العيون والآبار) عند علمائنا كافة كما عن التذكرة، وهو الحجة بعد إمكان التنقيح بين المنصوص في الأدلة من قلة الأمطار وبين الجفاف المزبور باعتبار اشتراكهما في تسبيب الجدب وحلول الخوف من الغضب، قال في المسالك: (وكذا تجوز عند كثرة الغيوث إذا خيف الضرر بها، وتسمى صلاة الاستضحاء، وهي نوع من صلاة الحاجة، وكذا لو غزرت مياه العيون والأنهار بحيث خيف منها الضرر شرعت صلاة الحاجة، بل هي من مهام الحوائج) قلت: لا إشكال في مشروعية صلاة الحاجة عند ذلك وعند غيره كما نص عليه، بل وعلى الصوم أيضا في الذكرى، إنما الكلام في مشروعية خصوص صلاة الاستسقاء التي هي كيفية خاصة في أمثال ذلك، والأولى الاقتصار فيها على قلة المياه بحيث يخشى منها الجدب سواء كان من الغيوث والعيون. ثم إنه لا ريب في أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء للنص وللاجماع المحكي عن المعتبر، نعم يقول بدلهما: (الصلاة الصلاة) بالرفع والنصب، كما أنه لا ريب في استحباب الجهر بالقراءة فيها للنص أيضا (1) بل في الذكرى وبالقنوت لما مر في صلاة العيد، ولو سقو قبل الخروج لم يخرجوا، وكذا لو خرجوا فسقوا قبل الصلاة، نعم يستحب في المقامين صلاة الشكر، ولو سقوا في أثناء الخطبة أتموها، كما أنه كذلك لو كان في أثناء الصلاة وإن سقطت الخطبة حينئذ والأذكار معا، ويجوز الاستسقاء بغير صلاة قطعا، إما في خطبة الجمعة والعيدين أو في أعقاب المكتوبات أو يخرج الامام إلى الصحراء فيدعو والناس يتابعونه، كما يستفاد ذلك كله من النصوص، بل الظاهر الجواز بصلاة بغير الكيفية المزبورة فيفعل مجرد ركعتين لكن بعنوان صلاة الحاجة، ضرورة أن ذلك من أهم الحوائج، واحتمال مشروعية صلاة خاصة لخصوص هذه الحاجة بحيث


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستسقاء الحديث 1 الجواهر - 19

[ 153 ]

لا يجوز صلاة غيرها باطل قطعا. ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء لما روي (1) (أن النبي (صلى الله عليه وآله) رفعهما حتى رأي بياض إبطيه) والظاهر أن هيئته كهيئة أيدي القانتين بأن يقلب ظهرهما إلى الأرض ووجهما إلى السماء ويجعلهما بازاء وجهه، لكن في الذكرى أنه روى العامة (2) عن أنس (أن النبي (صلى الله عليه وآله) استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء) وهكذا دعاء رفع البلاء، ويمكن أن يكون في بعض الأحيان فعل ذلك (صلى الله عليه وآله). ولا ريب في استحباب استسقاء أهل الخصب لأهل الجدب بالدعاء ونحوه كما صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأعرابي (3) ولأن الله أثنى على من قال: (ربنا اغفر لنا ولا خواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا " للذين آمنوا) (4) وأما الجواز بالصلاة والخطبة ونحوها كما لو كانوا هم أهل الجدب فلا يخلو من إشكال. ويجوز نذر صلاة الاستسقاء قطعا، للاطلاق ولكن في وقتها، أما في غير وقتها فالأقرب عدم الانعقاد، لعدم التعبد بمثله في غير وقته، ثم يخرج الناذر بنفسه، قيل: ويستحب له دعاء من يجيبه إلى الخروج، وخصوصا من يطيعه من أهله وأقربائه، ولا يجب عليهم الاجابة، وليس له إكراههم عليها سواء بقي الجدب أو وقع الغيث، ولو سقوا بعد النذر قبل الخروج ففي وجوب الخروج حينئذ نظر، وربما قيل بالوجوب ولعله لايجاد الصورة شكرا " لله تعالى


(1) و (2) سنن البيهقى ج 3 ص 357 (3) البحار - ج 18 ص 955 من طبعة الكمبانى (4) سورة الحشر - الآية 10

[ 154 ]

وهل تجب الخطبة بنذر الصلاة ؟ إشكال اختار في الذكرى العدم، لانفصالها عنها، فان نذرهما معا وجبتا، ولا يجب القيام فيها ولا كونها على المنبر وإن وجبالو قيدها به، بل لا تجزيه الخطبة على مرتفع غيره من حائط ونحوه، وهل يجب على ناذر الاستسقاء الصلاة في الصحراء ؟ ظاهر الشيخ ذلك لانه المعتاد والأفضل، وفيه نظر، نعم لو قيده به وجب، ولو قيده في منزله أو المسجد جاز له العدول بناء على عدم الانعقاد بالنسبة إلى الأفضل، لكن صرح الشيخ بعدم جوازها في الصحراء مع التقييد بالمسجد، وهو حسن، وتسمع ماله نفيع في المقام في نذر النافلة إن شاء الله. ويستحب الدعاء عند نزول الغيث، لما روي (1) عنه (صلى الله عليه وآله) من الأمر بالدعاء في ثلاث: التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث، وهو مأثور (2) عن أهل البيت (عليهم السلام). قيل: ويستحب التمطر في أول المطر بأن يخرج فيه ليصيبه، وكان ابن عباس إذا وقع الغيث قال لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال له أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله ؟ قال: لقول الله سبحانه وتعالى (3): (ونزلنا من السماء ماء " مباركا ") فأحببت أن يصيب البركة فراشي ورحلي، ولا يجوز نسبة الأمطار إلى الأنواء بمعنى أنها مؤثرة بنفسها، وأن لها مدخلا " في التأثير قطعا، لقيام البرهان على أن ذلك من فعل الله، وتحقق الاجماع عليه، ولأنها تختلف كثيرا " تتقدم وتتأخر، ولو قال غير معتقد مطرنا بنوء كذا فظاهر الشيخ عدم الجواز، قال: لنهي النبي (صلى الله عليه وآله)، ولعله أشار إلى ما في رواية الجهني (4) من أنه (صلى بنا


(1) المستدرك الباب - 21 - من أبواب الدعاء - الحديث 4 (2) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة (3) سورة ق - الآية 9 (4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب آداب السفر - الحديث 10 من كتاب الحج

[ 155 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء من الليل، فلما انصرف الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب، وكافر بي ومؤمن بالكواكب، من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي ومؤمن بالكواكب) لكنه كما ترى ظاهر في اعتقاد المدخلية، قيل: والنوء سقوط كوكب في المغرب وطلوع رقيبه من المشرق، ومنه الخبر من أمر الجاهلية الأنواء، وحكي عن أبي عبيدة أنها ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة، يسقط في كل ثلاث عشر ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر بمقابله من ساعته، وانقضاء هذه الثمانية وعشرون مع انقضاء السنة، وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا: لابد من أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى النجم، فيقولون مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوءا " لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءا " أي نهض، فسمي النجم به، قال: وقد يكون النوء السقوط، أما لو قال مطرنا بنوء كذا وأراد به فيه أي في وقته وأنه من فعل الله تعالى ففي الذكرى قيل: لا يكره، لأنه ورد أن الصحابة استسقوا بالمصلى ثم قيل للعباس: كم بقي من نوء الثريا فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد وقوعها، فما مضت السبع حتى غيث الناس، ولم ينكر ذلك أحد، والله أعلم بحقيقة الحال. (الثاني) مما لا يختص وقتا معينا من الصلوات المرغبات (صلاة الاستخارة) وهي طلب الخيره كما في المصباح وعن القاموس والنهاية ومجمعي البرهان والبحرين، قال في الأخير: (خار الله لك أي أعطاك ما هو خير لك، والخيرة بسكون الباء اسم منه والاستخارة طلب الخيرة كعنبة، وأستخيرك بعلمك أي أطلب منك الخير متلبسا

[ 156 ]

بعلمك بخيري وشري، وفي الحديث (1) (من استخار الله راضيا بما صنع خار الله له حتما ") أي طلب منه الخيرة في الأمر، وفيه (2) (استخر ثم استشر) ومعناه أنك تستخير الله أولا " بأن تقول: اللهم إني أستخيرك خيرة في عافية، وتكرر ذلك مرارا " ثم تشاور بعد ذلك فيه، فانك إذا بدأت بالله أجرى الله لك الخيرة على لسان من يشاء من خلقه، وخر لي واختر لي أي اجعل أمري خير " ا وألهمني فعله، واخترلي الأصلح) انتهى. والمراد بطلب الخيرة الدعاء والتوسل في أن يكون ما أراد فعله أو تركه من الأمور خيرا " له، ومن هنا قال في المحكي عن إشارة السبق: يصلي ركعتين إلى أن قال: ويسأل الخير فيما قصد إليه، ومعتبر المصنف تصلي ركعتين وتسأل الله سبحانه أن يجعل ما عزمت عليه خيرة، فالصلاة لها بهذا المعنى من لصلاة الحوائج حينئذ ولذا قال في الغنية بعد ذكر الركعتين والدعاء: ويذكر حاجته التي قصد الصلاة لأجلها. لكن الانصاف أني لم أجد في النصوص ما هو صريح في إرادة ذلك من الاستخارة التي يصلي لها، نعم يحتمله صحيح عمر بن حريث (3) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): صل ركعتين واستخر الله فو الله ما استخار الله مسلم إلا خار الله له) بل لعله الظاهر منه عند التأمل، والمرسل عن العنبري (4) سئل أبو عبد الله (عليه السلام) أيضا (عن الاستخارة فقال: استخر الله في آخر ركعة من صلاة الليل وأنت ساجد مائة مرة ومرة، قال: كيف أقول ؟ قال: تقول: أستخير الله برحمته أستخير الله


(1) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2 - 1 لكن روى الثاني عن عمرو بن حريث (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2 مع اختلاف في اللفظ. (4) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2 لكن رواه عن محمد بن خالد القسرى

[ 157 ]

برحمته) وصحيح حماد بن عثمان (1) عنه (عليه السلام) أنه قال في الاستخارة: (أن يستخير الله الرجل في آخر سجدة من ركعتي الفجر مائة مرة ومرة، ويحمد الله ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ثم يستخير الله خمسين مرة، ثم يحمد الله ويصلي على النبي (صلى الله عليه وآله) ويتم المائة والواحدة) بل أظهر منه خبر حماد بن عيسى عن ناجية (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (أنه كان إذا أراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشئ اليسير استخار الله عز وجل فيه سبع مرات، فإذا كان أمرا " جسيما " استخار الله مائة مرة) ونحوه خبر معاوية بن ميسرة (3) عنه (عليه السلام) أنه قال: (ما استخار الله عبد سبعين مرة بهذه الاستخارة إلا رماه الله بالخيرة، يقول: يا أبصر الناظرين ويا أسمع السامعين ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين ويا أحكم الحاكمين صل على محمد وأهل بيته وخر لي في كذا وكذا) وقال في الفقيه: قال أبي رضي الله عنه في رسالته إلي: إذا أردت يا بني أمرا " فصل ركعتين واستخر الله مائة مرة ومرة، فما عزم لك فافعل، وقل في دعائك: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، رب بحق محمد وآله صل على محمد وآله، وخرلي في كذا وكذا الدنيا والآخرة خيره في عافية) إلا أنه وإن كان ظاهر الدعاء فيه يقتضي ما ذكرنا لكن قوله: (فما عزم لك فافعل) قد يشعر بارادة طلب تعرف ما فيه الخيرة باتفاق حصول العزم من المستخير الذي كان مترددا " في الفعل وعدمه كما صرح به في السرائر في كيفية الاستخارة، وهو مضمون خبر اليسع القمي (4) قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أريد الشئ فأستخير الله فيه فلا يوفق فيه الرأي أفعله أو أدعه ؟


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1 - 3 (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1

[ 158 ]

فقال: انظر إذا قمت إلى الصلاة - فان الشيطان أبعد ما يكون من الانسان إذا قام إلى الصلاة - أي شئ يقع في قلبك فخذ به، وافتح المصحف فانظر إلى أول ما ترى فيه فخذ به إن شاء الله) إذ قوله: (فلا يوفق فيه الرأي) كالصريح في إرادة عدم حصول العزم كي يتعرف ما فيه الخيرة، ولذا أمره (عليه السلام) بما سمعت، وخبر ابن فضال (1) قال: (سأل الحسن بن الجهم أبا الحسن (عليه السلام) لابن أسباط فقال: ما ترى له وابن أسباط حاضر، ونحن جميعا نركب البر أو البحر إلى مصر، وأخبره بخبر طريق البر، فقال: البر وائت المسجد في غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين واستخر الله مائة مرة ثم انظر إلى ما يقع في قلبك فاعمل به، وقال الحسن: البر أحب إلي قال: له وإلي) وموثق ابن أسباط أو صحيحه (2) قال: (قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك ما ترى آخذ برا " أو بحرا "، فان طريقنا مخوف شديد الخطر، فقال: اخرج برا " ولا عليك أن تأتي مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتصلي ركعتين في غير وقت فريضة، ثم تستخير الله مائة مرة ومرة، ثم تنظر فان عزم الله لك على البحر فافعل) الحديث. وخبر إسحاق بن عمار (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: (قلت له: ربما أردت الأمر تفرق مني فريقان: أحدهما يأمرني والآخر ينهاني قال: فقال: إذا كنت كذلك فصل ركعتين واستخر الله مائة مرة ومرة، ثم انظر أجزم الأمرين لك فافعل فان الخيرة فيه إن شاء الله، وليكن استخارتك في عافية، فانه ربما خير للرجل في قطع يده وموت ولده وذهاب ماله) وروي عن كتاب الدعاء (4) (إن أبا جعفر الثاني (عليه السلام) كتب إلى إبراهيم بن شيبة فهمت ما استأمرت به في ضيعتك التي تعرض السلطان فيها، استخر الله تعالى مائة مرة خيرة في عافية، فان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 4 - 5 - 6 (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 7

[ 159 ]

أحلل بقلبك بعد الاستخارة بيعها فبعها، واستبدل غيرها إن شاء الله، ولا تتكلم بين أضعاف الاستخارة حتى تمم المائة). وعن الكليني أنه روي في كتاب رسائل الأئمة (1) أن الجواد (عليه السلام) كتب بمثل ذلك إلى علي بن أسباط، ويقرب من ذلك ما رواه هارون بن خارجة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا أراد أحدكم أمرا " فلا يشاور فيه أحدا " من الناس حتى يبدأ فيشاور الله تعالى، قال: قلت: وما مشاورة الله تعالى جعلت فداك ؟ قال: تبدأ فتستخير الله فيه أو لا ثم تشاور فيه، فانه إذا بدأ بالله تعالى أجرى له الخيرة على لسان من يشاء من الخلق) إذ هو وإن لم يكن فيه تعرف الخيرة بالعزم عليه لكن فيه التعرف بما يقع على لسان المشير، وأما خيرة الآخر عنه (عليه السلام) أيضا (3) (من استخار الله راضيا بما صنع الله له خار الله له حتما ") فيحتملهما معا، كالمرسل (4) عن الصادق (عليه السلام) (كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السوره من القرآن، ثم قال: ما أبالي إذا استخرت على أي جنبي وقعت) إلا أن الأظهر إرادة التفويض إلى الله من الأول من الدعاء والسؤال لأن يختار له ما هو خير له كما يتفق للانسان في بعض الأمور التي تتعارض عليه فيها المصالح والمفاسد في الفعل والترك فيبقى متحيرا " مترددا " ما يدري كيف يفعل، فينبغي له حينئذ أن يستخير الله ويفوض أمره إليه ويطلب منه توفيقه لما يختاره له مما هو خير له في عافية، فإذا فعل ذلك فلا بد أن يختار الله له حتما، بل لعل المراد من الثاني أيضا ذلك، بل قد يحمل عليه مرسل عثمان بن عيسى (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إن أبغض الخلق إلى الله من يتهم الله، قال السائل:


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 8 - 2 (3) و (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2 - 10 (5) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الاستخارة - الحديث 3

[ 160 ]

وأحد يتهم الله قال: نعم من استخار فجاءه الخيرة بما يكره فسخط فذلك يتهم الله) بل وخبر البرقي (1) عنه (عليه السلام) (من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر) وإن كان الظاهر من قوله (عليه السلام): (دخل في أمر) إرادة إلاستخارة بالمعنى الأولى لا الثاني. نعم هو ظاهر خبر مرازم (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أراد أحدكم شيئا فليصل ركعتين ثم ليحمد الله وليثني عليه وليصل على محمد وعلى أهل بيته، ويقول: اللهم إن كان هذا الإمر خيرا " لي في ديني ودنياي فيسره لي واقدره، وإن ان غير ذلك فاصرفه عني، فسألته أي شئ أقرأ فيهما ؟ فقال: اقرأ ما شئت، وإن شئت قرأت فيهما قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) وخبر جابر (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: (كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا هم بأمر حج أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق تطهر ثم صلى ركعتي الاستخارة وقرأ فيهما بسورة الحشر وسورة الرحمان، ثم يقرأ المعوذتين وقل هو الله أحد إذا فرغ وهو جالس في دبر الركعتين، ثم يقول: إن كان كذا وكذا خيرا " لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فصل على محمد وآله، ويسره لي على أحسن الوجوه وأجملها، اللهم وإن كان كذا وكذا شرا " لي في ديني ودنياي وآخرتي وعاجل أمري وآجله فصل على محمد وآله، واصرفه عني، رب صل على محمد وآله، واعزم لي على رشدي وإن كرهت ذلك أو أبته نفسي). وقد جمع بين الاستشارة وبين طلب تيسر ما فيه الخير في خبر إسحاق بن


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب صلاة الاستخارة الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب 1 من أبواب صلاة الاستخارة الحديث 7 - 3 الجواهر - 20

[ 161 ]

عمار (1) المروي عن كتاب الدعاء لابن طاووس (إذا أراد أحدكم أن يشتري أو يبيع أو يدخل في أمر فيبتدئ بالله ويسأله، قلت: فما يقول ؟ قال: يقول: اللهم إني أريد كذا وكذا، فان كان خيرا " لي في ديني ودنياي وآخرتي وعاجل أمري وآجله فيسره لي، وإن كان شرا " لي في ديني ودنياي فاصرفه عني، رب اعزم لي على رشدي وإن كرهته وأبته علي نفسي، ثم يستشير عشرة من المؤمنين، فان لم يصبهم وأصاب خمسة فيستشير خمسة مرتين، وإن كان رجلان فكل واحد خمسا، وإن كان واحد فليستشره عشرا ") ولا بأس به، وعلى كل حال فهو معنى آخر غير المعنيين الأولين المتقدمين وإن قيل: إنه قريب من أولهما، بل مالهما غالبا إلى واحد، وفيه أنه إلى الثاني وهو طلب العزم على ما هو الخيرة والتوفيق له أقرب منه إلى الأول الذي هو الدعاء بأن يجعل الخيرة في الأمر الفلاني الذي قد عزم على فعله كما هو واضح، أقصاه تعرف حصول الخيرة من الله بالعزم على الفعل، أو بما يقع على لسان المستشار، فليس حينئذ قسما " مستقلا "، ومع التسليم فلا يبعد مشروعية الاستخارة بالمعاني الثلاثة ومشروعية الصلاة لها وتكرار الدعاء المزبور بمقدار العدد المذكور لكن لا على جهة الشرطية، بل هو من المكملات، بل لا يبعد اختلافه باختلاف الأمور في الاهتمام والعظمة وعدمهما كما أو مأ إليه خبر ناجية المتقدم، بل يؤمي إليه اختلاف الروايات في العدد بمائة مرة ومرة أو السبعين أو الخمسين وغيرها. كما أنه من المكملات ملاحظة شرف المكان على ما يؤمي إليه خبر ابن أسباط (2) والجهم (3) المتقدمان، بل والزمان كما يؤمي إليه خبر اليسع (4) المتقدم، بل والحال


(1) المستدرك الباب - 4 - من أبواب صلاة الاستخارة الحديث 5 (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة الاستخارة الحديث 5 - 4 (4) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الاستخارة الحديث 1

[ 162 ]

كما في السجود وفي حال الطهارة، وقال في فهرست الوسائل: (باب استحبابها أي الاستخارة حتى في العبادات المندوبات وكيفياتها، وفي ثلاث عشر حديثا، وأن الأفضل إيقاعها في الأوقات الشريفة والأماكن الكريمة، خصوصا عند قبر الحسين (عليه السلام)) وهو جيد وإن لم تكن النصوص صريحة في جميع ما ذكره، لكن يستفاد منها أن كل ماله مدخلية في استجابة الدعاء وبعد الشيطان عنه من مكان أو زمان أو غيرهما ينبغي ملاحظته، لأن المقام نوع منه، كما يؤمي إليه أيضا زيادة على ما سمعت خبر يسع القمي (1) المتقدم، ويستفاد منها أيضا القطع في الدعاء على الوتر، وعدم التكلم في أثناء الاستخارة، واشتراط العافية إلا إذا طابت نفسه، ولم يتهم الله في شئ مما يفرض وقوعه من موت ولد وذهاب مال وغيرهما، لأنه هو الذي اختاره الله بدليل ما سمعته من النصوص الدالة على أنه متى استخار الله فلابد أن يختار له، ومعرفة ذلك إما بما يتفق وقوعه من المستخير، أو بالعزم عليه، أو بما يجري على لسان المستشار. ومن هنا يقوى أن للاستخارة معنيين لا غير: أحدهما أن يسأل من الله سبحانه أن يجعل الخير فيما أراد إيقاعه من الأفعال، والثاني أن يوفقه لما يختاره له وييسره له، نعم لتعرف الثاني طرق، ولعلها تتبع إرادة المستخير بالمعرفة، فتارة يشاء ويطلب من الله معرفة ذلك بالعزم منه على ما هو مختار، وتارة بما يقع على لسان المستشار. وتارة بالرقاع كما في خبر هارون بن خارجة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا أردت أمرا " فخد ست رقاع فاكتب في ثلاث منها بسم الله الرحمان الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة افعل، وثلاث منها كذلك لا تفعل، ثم


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1

[ 163 ]

ضعها تحت مصلاك ثم صل ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مائة مرة أستخير الله برحمته خيرة في عافية، ثم استو جالسا وقل: اللهم خرلي واخترلي في جميع أموري في يسر منك وعافية، ثم اضرب بيدك إلى الرقاع فشوشها واخرج واحدة واحدة، فان خرج ثلاث متواليات افعل فافعل الأمر الذي تريده، وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل فلا تفعله، وإن خرجت واحدة افعل والأخرى لا تفعل فأخرج من الرقاع إلى خمس فانظر أكثرها فاعمل به، ودع السادسة لا تحتاج إليها). وتارة بالبنادق كما في مرفوع علي بن محمد (1) عنه (عليه السلام) (أنه قال لبعض أصحابه وقد سأله عن الأمر يمضي فيه ولا يجد أحدا " يشاوره كيف يصنع ؟ قال: شاور ربك، قال: فقال له: كيف ؟ قال: انو الحاجة في نفسك ثم اكتب رقعتين في واحدة لا وفى واحدة نعم، واجعلهما في بندقتين من طين، ثم صل ركعتين واجعلهما تحت ذيلك وقل: يا الله إني أشاورك في أمري هذا وأنت خير مستشار ومشير، فأشر علي بما فيه صلاح وحسن عاقبة، ثم أدخل يدك فان كان فيها نعم فافعل، وإن كان فيها لا فلا تفعل، هكذا تشاور ربك). وتارة بالسبحة كما روي عن الصادق (عليه السلام) (2) وصاحب الزمان (عليه السلام) (3) وعليهما العمل في زماننا هذا من العلماء وغيرهم، وصورتها (أن يقرأ الحمد عشر مرات أو ثلاثا أو مرة، وإنا أنزلناه كذلك، وهذا الدعاء ثلاث مرات أو مرة، اللهم إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور، وأستشيرك لحسن ظني بك في المأمول والمحذور، اللهم إن كان الذي قد عزمت عليه مما قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه وحفت بالكرامة أيامه ولياليه فخر لي، اللهم فيه خيرة ترد شموسه ذلولا "،


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1 2

[ 164 ]

وتقعض أيامه سرورا، اللهم إما أمرا " فأئتمر، وإما نهيا فأنتهي، اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية، ثم تقبض على السبحة وتنوي إن كان المقبوض وترا كان أمرا " وإن كان زوجا " كان نهيا، أو بالعكس) وقال في الذكرى: لم تكن هذه الاستخارة مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضي الدين محمد بن محمد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي رضي الله عنه، وقد رويناها عنه، وجميع مروياته عن عدة من مشايخنا عن الشيخ الكبير الفاضل الشيخ جمال الدين بن المطهر عن والده رضي الله عنهما عن السيد رضي الدين عن صاحب الأمر (عليه السلام) (يقرأ الفاتحة عشرا " ودونه ثلاث ودونه مرة، ثم يقرأ القدر عشرا " ويقول) إلى آخر الدعاء ثم قال: وقال ابن طاووس (رحمه الله) في كتاب الاستخارات: وجد ت بخط أخي الصالح الرضي الآوي محمد بن محمد الحسيني ضاعف الله سيادته وشرف خاتمته بما هذا لفظه عن الصادق (عليه السلام) (من أراد أن يستخير الله فليقرأ الحمد عشر مرات وإنا أنزلناه عشر مرات ثم يقول) وذكر الدعاء، إلا أنه قال عقيب (والمحذور): اللهم إن كان أمري هذا قدنيطت، وعقيب (سرورا ") يا الله إما أمر فائتمر وإما نهي فانتهي اللهم خرلى برحمتك خيرة في عافية ثلاث مرات ثم يأخذ كفا من الحصى أو السبحة، انتهى. وقد يقوى إرادة التمثيل من الحصى والسبحة لكل معدود، إلا أن الأحوط الاقتصار عليهما، كما أن الأولى الاقتصار على السبحة الحسينية وإن كان الأقوى الاكتفاء بكل ما يسبح به، خصوصا إذا كانت من تراب الرضا (عليه السلام) ونحوه بل كل معدود، ولا يعتبر العدد المخصوص في السبحة كالثلاث أو الأربع والثلاثين، لعدم الدليل.

[ 165 ]

وتارة تكون بالقرعة والمساهمة كما اتفق ليونس، فانه روي (1) (أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله تعالى فركب في السفينة فوقفت، فقالوا هذا عبد آبق فاقترعوا فخرجت القرعة عليه، فرمى بنفسه في الماء فالتقمه الحوت) وفي الوسائل عن علي بن طاووس في كتاب الاستخارات وأمان الأخطار باسناده إلى عبد الرحمان بن سيابة (2) قال: (خرجت إلى مكة ومعي متاع كثير، فكسد علينا، فقال بعض أصحابنا: ابعث به إلى اليمين فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: ساهم بين مصر واليمين ثم فوض إلى الله عزوجل، فأي البلدين خرج اسمه في السهم فابعث إليه متاعك، فقلت: كيف أساهم ؟ قال: اكتب في رقعة بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنه لا إله إلا أنت عالم الغيب والشهادة، وأنت العالم، وأنا المتعلم فانظر في أي الأمرين خير لي حتى أتوكل عليك فيه وأعمل به، ثم اكتب مصر إن شاء الله، ثم اكتب في رقعة أخرى مثل ذلك ثم اكتب اليمين إن شاء الله، ثم اكتب في رقعة أخرى مثل ذلك ثم اكتب يحبس إن شاء الله فلا تبعث به إلى بلدة منهما، ثم اجمع الرقاع وادفعها إلى من يسترها عنك ثم أدخل يدك فخذ رقعة وتوكل على الله واعمل بها) الحديث. وقد وقفت على خيرة بالقرعة بغير هذا الطريق بل هي بالأصابع في كيفية أخرى طويلة، وربما ادعي تجربتها إلا أني لم أعرف سندها معرفة يعتد بها في الركون إلى مثل ذلك، خصوصا إن قلنا بعدم التسامح في مثله، لعدم اندراجه في السنن، بل هو تعرف للغيب، وإن كان الأظهر أن استحباب الاستخارة بهذا الطريق أو غيره لا ريب في أنه من السنن التي يتسامح في أدلتها، فلا بأس في نية القربة للمستخير بذلك حينئذ، ولا ينافيه اشتمال الدليل على علامة الخيرة، إذ لا ريب في أن للفاعل إيقاع فعله كيف شاء،


(1) مجمع البيان ج 3 ص 135 من طبعة صيدا - سورة يونس عليه السلام الآية 98 (2) الوسائل الباب 11 من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1

[ 166 ]

ومباح له الفعل والترك، فلا حرج عليه باناطة الفعل والترك بهذه العلامة لاحتمال إصابتها الواقع، ولا تشريع فيه، ومن ذلك تعرف أنه لا بأس حينئذ بالأخذ بجميع ما سمعت من أقسام الاستخارات وإن ضعف سند دليل بعضها. فما في السرائر - من الاقتصار في الاستخارة على ذات الصلاة والدعاء، ثم فعل ما يقع في القلب، والتشديد في الانكار على الاستخارة بالرقاع والبنادق والقرعة، قال: لأن رواتها فطحية مثل زرعة ورفاعة وغيرهما ملعونون، فلا يلتفت إلى ما اختصا بروايته، والمصحلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه إلا ما اخترناه، ولا يذكرون البنادق والرقاع والقرعة إلا في كتب العبادات دون كتب الفقه، فشيخنا أبو جعفر لم يذكر في نهايته ومبسوطه واقتصاده إلا ما ذكرناه واخترناه، وكذلك شيخنا المفيد في رسالته إلى ولده لم يتعرض الرقاع ولا للبنادق، بل أورد روايات كثيرة فيها صلوات وأدعية، ولم يتعرض لشئ من الرقاع، والفقيه عبد العزيز أورد ما اخترناه، وقال: قد ورد في الاستخارة وجوه عديدة أحسنها ما ذكرناه، وأيضا فالاستخارة في كلام العرب الدعاء، وهو من استخارة الوحش، وذلك بان يأخذ القانص ولد الظبية، فيقرك (فينفرك خ ل) أذنيه فيبغم، فإذا سمعت أمه بغامه لم تملك أن تأتيه فترمي بنفسها عليه فيأخذها القانص حينئذ، واستدل على ذلك بقول حميد بن ثور الهلالي، ثم قال: وكان يونس بن حبيب اللغوي يقول: إن معنى قولهم: استخرت الله استفعلت من الخير أي سألت الله أن يوفق لي خير الأشياء أي أفضلها، فمعنى صلاة الاستخارة على هذا صلاة الدعاء - محل للنظر من وجوه، وإن تبعه المصنف فيما حكي من معتبرة حيث قال: وأما الرقاع وما يتضمن افعل ولا تفعل ففي حيز الشذوذ، نحو ما يحكى عن بعض نسخ المقنعة من أن هذه الرواية مشيرا " به إلى رواية الرقاع شاذة ليست كالذي تقدم، لكنا أوردناها على وجه الرخصة دون محض العمل، لكن عن ابن طاووس أن النسخ

[ 167 ]

الصحيحة العتيقة لم توجد فيها هذه الزيادة، ولم يتعرض الشيخ في التهذيب لهما، وقال: (إني قد اعتبرت كلما قدرت عليه من كتب أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، فما وجدت ولا سمعت أن أحدا " أبطل هذه الاستخارة) انتهى. ولقد أجاد الفاضل في المختلف - بعد أن نقل ما سمعته من السرائر - في قوله: وهذا الكلام في غاية الرداءة، وأي فرق بين ذكره في كتب الفقه وكتب العبادات، فان كتب العبادة هي المختصة به، ومن ذلك فقد ذكره المفيد في المقنعة وهي كتاب فقه، والشيخ في التهذيب وهو أصل الفقه، وأي محصل أعظم من هذين، وهل استفيد الفقه إلا منهما، وأما نسبة الرواية إلى زرعة ورفاعة فخطأ، فان المنقول روايتان ليس فيهما زرعة ولا رفاعة، ثم أخذ يشنع عليه بعدم معرفته بالروايات والرجال، وأن زرعة ورفاعة ليسا من الفطحية، وأن من حاله كذلك كيف يجوز له أن يقدم على رد الروايات والفتاوى، ويستعبد ما نص عليه الأئمة (عليهم السلام)، وهلا استبعد القرعة وهي مشروعة إجماعا في حق الأحكام الشرعية والقضاء بين الناس، وشرعها دائم في جميع المكلفين، وأمر الاستخارة سهل يستخرج منه الانسان معرفة ما فيه الخير في بعض أفعاله المباحة المبتنية عليه منافعها ومضارها الدنيوية. وعن ابن طاووس في كتاب الاستخارات ردا " على السرائر أيضا أنه ما روينا عن زرعة وسماعة شيئا، وإنما روينا عمن اعتمد عليه ثقاة أصحابنا، وكأن ما حضره من نسخة السرائر فيها إبدال رفاعة بسماعة، وعن وسائل الحر أن ابن طاووس روى الاستخارة بالرقاع بعدة طرق، وفي الذكرى إنكار بابن إدريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب وعدم راد لها سواه وسوى الشيخ نجم الدين في المعتبر، وكيف تكون شاذة وقد دونها المحدثون في كتبهم والمصنفون في مصنفاتهم، وقد صنف السيد السعيد العالم العابد صاحب الكرامات الظاهرة والماثر الباهرة أبو الحسن علي بن طاووس الحسني كتابا ضخما في الاستخارات، واعتمد فيه على رواية

[ 168 ]

الرقاع، وذكر من آثارها عجائب وغرائب أرانا الله تعالى إياها، وقال: (إذا توالى الامر في الرقاع فهو خير محض، وإن توالى النهي فهو شر محض، وإن تفرقت كان الخير والشر موزعا بحسب تفرقها على أزمنة ذلك الأمر بحسب ترتبها) وفي الفوائد الملية (ونحن قد جربنا ما ذكره ابن طاووس فوجدناه كما قال) وفي الروض (أن ذات الرقاع الست أشهر الاستخارات) وفي مفتاح الكرامة أن ابن طاووس قد ادعى الاجماع على الاستخارة بالرقاع ممن روى ذلك من أصحابنا ومن الجمهور، لأنه نقل هذه الاستخارة عن جماعة كثيرين من العامة، وجعل الأخبار الواردة بالدعاء، وما يقع في الخاطر وغيرها محمولة على الضرورة، كعدم التمكن من الكتابة ولو لعدم معرفتها، بل نزل جملة منها على إرادة الرقاع، ومن هذا كله مضافا إلى ما سمعته سابقا من التسامح في أدلة الاستخارة كما أومأ إليه في المختلف تعرف وجوه النظر فيما سمعته من السرائر، وما أبعد ما بينه وما بين ما ذهب إليه بعض مشائخنا من التوسعة في أمر الاستخارة حتى جعل مدارها ما ينوي المستخير تعرف الخيرة به كائنا ما كان، وربما يؤيده ما سمعته في بعض الروايات السابقة كرواية (1) الاستخارة بالحصى والسبحة ونحوهما بل قد يدعى أنه المستفاد من مجموع الروايات، نعم ينبغي للمستخير أن يسأل من ربه الخيرة ويتضرع له في ذلك ثم يطلب منه تعرف الخير بما يشاء مما يقع في ذهنه، وفي الوافي بعد ذكر مرفوعة البنادق قال: وطريق المشاورة لا ينحصر في الرقعة والبندقة بل يشمل كل ما يمكن استفادة ذلك منه مثل ما مضى في حديث الرقاع ومثل ما يأتي في باب القرعة وغير ذلك، وإنما ذكر البندقة تعليما وإرشادا " للسائل، لكنك خبير بما في مثل هذه التوسعة، كما أنك خبير بما في مثل ذلك الجمود، فالأولى الاقتصار على ما في


(1) الوسائل الباب - 2 و 8 - من أبواب صلاة الاستخارة الجواهر - 21

[ 169 ]

النصوص الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) الذين هم المرجع والمعول في هذا، الأسرار التي لا يعلمها إلا الله، ومعادن سره وخزان (وحيه). وكيف كان فالمعروف في كيفيتها ما سمعته في الخبر الذي هو الأصل فيها، لكن في النفلية زيادة الغسل أولا " ولم نعرف له مستندا "، اللهم إلا أن يكون مأخذه رجحان الغسل في نفسه كالوضوء، فينبغي للمستخير ملاحظة ماله مدخلية في إجابة الدعاء، أو أنه من الغسل للحاجة، إذ هي أعم من طلب الخيرة من الله، أو لغير ذلك، ولعله لذا ونحوه قال في الفوائد الملية بعد أن أنكر وجود النص على الغسل: ولا ريب أنه أكمل، كما أنه حكي في الروض عن ابن طاووس (أن من آدابها أن تكون صلاة المستخير بها صلاة مضطر إلى معرفة مصلحته التي لا يعلمها إلا من علام الغيوب، فيتأدب في صلاته، وأن يكون عند قوله: أستخير الله برحمته خيرة في عافية بقلب مقبل على الله ونية حاضرة صافية، وإذا عرف وقت سجوده أنه قد غفل عن ذكر الله بين يدي عالم الخفيات أن يستغفر ويتوب في تلك الحال من ذلك الاهمال، وإذا رفع رأسه من السجود يقبل بقلبه على الله ويتذكر أنه يأخذ رقاع الاستخارة من لسان حال الجلالة الإلهية وأبواب الاشارة الربانية، وأنه لا يتكلم بين أخذ الرقاع مع غير الله جل جلاله، وأنه إذا خرجت مخالفة لارادته لا يقابل مشورة الله تعالى بالكراهة، بل يقابله بالشكر) انتهى هذا، وقد سمعت أن الموجود في النص ابن فلانة وافعل ولا تفعل بغير هاء، لكن عن المقنعة ابن فلان، وعن أكثر نسخ النفلية افعله بالهاء، بل في القوائد الملية أنه كتب عليها المصنف في بعض كتبه لفظ (صح) تأكيدا " لأثباتها، ولا يخفى عليك أن العمل بما في النص المزبور أولى. وتارة بالمصحف الشريف كما سمعته في خبر اليسع القمي (1) المتقدم سابقا،


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1

[ 170 ]

لكن هل المراد بأول ما ترى فيه من الآيات أو الصفحة ؟ وجهان، حقيقة اللفظ تقتضي الثاني، والمناسب لتعرف الاستخارة الأول، وهو الذي اختاره بعض مشايخنا مدعيا أنه صريح الخبر المزبور، وناقلا " له عن تصريح البعض، إلا أن الخبر كما سمعت، ولم نعثر على ذلك البعض، بل في الذكرى وعن الموجز الحاوي التعبير بما في النص، نعم قد يقال إن الظاهر عدم العبرة بالمقام والسوق، بل المدار على ما يتبادر من لفظ الآية كما صرح به بعض مشايخنا، فلو أنه وقع نظره على قوله عزوجل (1): (إنك لأنت الحليم الرشيد) - كما وقع لبعض حيث استخار على المهاجرة لطلب العلم فوقع نظرة على هذه الآية الكريمة فهاجر فوفق لما أراد وبلغ المراد قلنا له: استخارتك حسنة جيدة ولا نعتبر المقام، لأنه كان مقام استهزاء، فنقول: هي غير جيدة، لكن ملاحظة المقام إنما هي للعارف الخريت الماهر، فانه إذا لا حظها ظهر له من ذلك الأسرار الغريبة، وقد يقال إنه لما لم يعلم المراد بالأول في الخبر المزبور الآيات أو الكلمات، وعلى الأول فهل المدار على أول آية في صفحة النظر أو على أول الآية من الصفحة السابقة على صفحة النظر، إذ الفرض كون محل النظر بعض الآية في هذه الصفحة والبعض الآخر في الصفحة السابقة، ولم يعلم أيضا اعتبار المقام والسوق وعدمه، ولم نقف على خبر غير الخبر المزبور، كان المتجه الاقتصار في الجيدة والردية على الجامعة لجميع ذلك، وإلا جدد الاستخارة به بعد التوسل والدعاء في أن يريه الله رشده صريحا، لأنه لم يوفق له في الرأي في الاستخارة الأولى، هذا. وربما أشكل أصل الاستخارة بالمصحف بما روي (2) في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (لا تتفأل بالقرآن) وأجيب بأنه إن صح الخبر أمكن التوفيق


(1) سورة هود عليه السلام - الآية 89 (2) الوسائل الباب - 38 - من أبواب قراءة القرآن - الحديث 2

[ 171 ]

بينهما بالفرق بين التفؤل والاستخارة، فان التفؤل إنما يكون فيما سيقع ويتبين الأمر فيه كشفاء المريض أو موته ووجدان الضالة وعدمه، ومآله إلى تعجيل تعرف ما في علم الغيب، وقد ورد النهي عنه وعن الحكم فيه بتة لغير أهله، وكره النظر في مثله، بخلاف الاستخارة فانها طلب لمعرفة الرشد في الأمر الذي يراد فعله أو تركه، وتفويض الأمر إلى الله تعالى في التعيين واستشارته، كما قال (عليه السلام) (1): (تشاور ربك) وبين الأمرين فرق واضح، وإنما منع التفؤل بالقرآن وإن جاز بغيره إذا لم يحكم بوقوع الأمر على البت، لأنه إذا تفأل بغير القرآن ثم تبين خلافه فلا بأس، بخلاف ما إذا تفأل بالقرآن ثم تبين خلافه، فانه يفضي إلى إساءة الظن بالقرآن، ولا يتأتى ذلك في الاستخارة، لبقاء الابهام فيه بعد وإن ظهر السوء، لأن العبد لا يعرف خيره من شره قال الله (2): (عسى أن تكرهوا شيئا) الآية، وفيه أنه بناء على صحة الخبر المزبور يبعد حمله على ذلك، لأن التفؤل إن لم يكن هو أقرب إلى موضوع الاستخارة من تعرف علم الغيب فهو بالنسبة اليهما على حد سواء، لصدقه على كل منهما. نعم يسهل الخطب عدم صحة الخبر المزبور، على أنه قد يعارضه ما يحكى عن ابن طاووس في كتاب الاستخارات من أنه ذكر للتفؤل بالقرآن بالمعنى المذكور وجوها يستبعد بل يمتنع عدم وصول نصوص فيها إليه، بل ظاهر بعض عباراته أو صريحها وقوفه على ذلك، قال: (منها أنك تصلي صلاة جعفر وتدعو بدعائها ثم تأخذ المصحف وتنوي فرج آل محمد (عليهم السلام) بدء وعودا " ثم تقول: اللهم إن كان في قضائك وقدرك أن تفرج عن وليك وحجتك في خلقك في عامنا هذا وفي شهرنا هذا فاخرج لنا آية من كتابك نستدل بها على ذلك، ثم تعد سبع ورقات وتعد عشرة أسطر من ظهر


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2 (2) سورة البقرة - الآية 213

[ 172 ]

الورقة السابعة وتنظر ما رأيته في الحادي عشر من السطور، ثم تعيد الفعل ثانيا لتفسيره فانه تتبين حاجتك إن شاء الله - ثم إنه بين معنى قوله في عامنا هذا - أن العلم بالفرج عن وليه يتوقف على أمور كثيرة، فيكون كل وقت يدعى له بذلك في عامي هذا أو شهري هذا يفرج الله أمرا " من تلك الأمور الكثيرة فيسمى ذلك فرجا - وذكر أيضا عن بندر بن يعقوب - أنك تدعو لأمر والنهي أو ما تريد الفأل فيه بفرج آل محمد (عليهم السلام) وذكر نحوا " من ذلك الدعاء، وقال: ثم تعد سبعة أوراق ثم تعد من الوجهة الثانية من الورقة السابعة ستة أسطر، وتتفأل بما يكون في السطر السابع قال: وفي رواية أخرى تدعو بالدعاء ثم تفتح المصحف وتعد سبع قوائم، وتعد ما في الوجهة الثانية من الورقة السابعة، وما في الوجه الآخر من الورقة الثامنة من لفظ الجلالة، ثم تعد قوائم بعدد اسم الجلالة، ثم تعد من الوجهة الثانية من القائمة التي ينتهي العدد إليها، ومن غيرها مما يأتي بعدها سطورا " بعدد لفظ الجلالة، وتتفأل بآخر سطر من ذلك) انتهى. وهو كما ترى ظاهر فيما قلنا، ومنه ينقدح إرادة البت والقطع من النهي عن التفؤل في الخبر المزبور، لا على أنه إمارة لا يورث تخلفها في نفس المتفئل شيئا من ظن السوء بالقرآن، بل لعل المراد بالنهي المزبور إنما هو لعامة الناس الذين لا يعلمون الكيفية ولا يفهمون المعنى والمراد، وإذا تخلف الأمر يظنون ظن السوء بالقرآن الكريم، بل لعل الاستخارة فيه أيضا بالنسبة إليهم كذلك فضلا " عن التفؤل بالمعنى المتقدم، فمن المحتمل قويا أن يراد حينئذ بالتفؤل المنهي عنه المعنى الذي يشمل الاستخارة أيضا، والله أعلم. وهناك استخارة أخرى مستعملة عند بعض أهل زماننا، وربما نسبت إلى مولانا القائم (عليه السلام)، وهي أن يقبض على السبحة بعد قراءة ودعاء ويسقط ثمانية ثمانية، فان بقي واحد فحسنة في الجملة، وإن بقي اثنان فنهى واحد، وإن بقي ثلاثة

[ 173 ]

فصاحبها بالخيار، لتساوي الأمرين، وإن بقي أربعة فنهيان، وإن بقي خمسة فعند بعض أنها يكون فيها تعب، وعند بعض أن فيها ملامة، وإن بقي ستة فهي الحسنة الكاملة التي تجب العجلة، وإن بقي سبعة فالحال فيها كما ذكر في الخمسة من اختلاف الرأيين أو الروايتين، وإن بقي ثمانية فقد نهي عن ذلك أربع مرات، إلا أنا لم نقف عليها في شئ من كتب الأصحاب قديمها وحديثها أصولها وفروعها كما اعترف به بعض المتبحرين من مشايخنا، نعم قد يقال بامكان استفادتها من استخارة السبحة المتقدمة المقتضية إيكال الأمر في علامة الجودة والرداءة بالشفع والوتر على قصد المستخير، وإن كان الذي يسقط في تلك إثنان إثنان. ويخطر بالبال أني عثرت في غير واحد من المجاميع على فأل لمعرفة قضاء الحاجة وعدمها ينسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يقبض قبضة من حنطة أو غيرها ثم يسقط ثمانية ثمانية، ويحتمل أنه على التفصيل المزبور، ولعله هو المستند في ذلك، وإلا فالاستفادة الأولى لا تنطبق على هذه الكيفية الخاصة التي يكون القصد في الحقيقة تابعا لها لا العكس، على أنه فيها تقسيم الأمر المستخار إلى أزيد من الأمر والنهي المستفادين من تلك الأخبار المتقدمة حتى في ذات الرقاع، بل لم أعرف استخارة قسم الأمر المستخار فيها إلى أمر ونهي ومخير فيه سوى ما حكاه في الحدائق عن كتاب السعادات لوالده، قال: قال فيه خيرة مروية (1) عن الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) (يقرأ الحمد مرة والاخلاص ثلاثا، ويصلي على محمد وآله خمس عشر مرة، ثم يقول: اللهم إني أسألك بحق الحسين وجده وأبيه وأمه وأخيه والأئمة التسعة من ذريته أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل لي الخيرة في هذه السبحة، وأن تربني ما هو الأصلح لي في الدين والدنيا، اللهم إن كان الأصلح في ديني ودنياي وعاجل أمري


(1) المستدرك الباب - 7 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 2

[ 174 ]

وآجله فعل ما أنا عازم عليه فمرني، وإلا فانهني، إنك على كل شئ قدير، ثم تقبض قبضة من السبحة وتعدها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله إلى آخر القبضة، فان كان الأخيرة سبحان الله فهو مخير بين الفعل والترك، وإن كان الحمد لله فهو أمر، فان كان لا إله إلا الله فهو نهي) بل ظاهر الدعاء في هذه الاستخارة أيضا الحصر في النهي والأمر كالروايات السابقة، نعم ذيل الرواية صريح في ثبوت التخيير، وربما جمع بينها بارادة الأعم من الراجح والمساوي من الأمر في تلك، أي عدم الضرر انضمت معه مصلحة أولا، وبارادة خصوص الراجح والمرجوح من الأمر والنهي هنا، فجاز التخيير، وربما قيل برجوع ذلك إلى قصد المستخير، وعليه حينئذ فله تكرير الاستخارة على عدم الضرر مثلا " إذا كان استخارته أولا " على الإرجحية. ولا يخفى عليك أنه بناء على ما ذكرنا سابقا لا بأس على الانسان في تعرف الرشد وعدمه بشئ من ذلك كله، ضرورة أن له إيقاع فعله كيف أراد، ومنه وقوع فعله على مقتضى هذه الأمور لاحتمال إصابة الرشد فيها، وإذ احتمال اشتراط الاصابة بجزمه بذلك أو أخذه من دليل معتبر واضح المنع، بل هو بالنسبة إلى هذا المعنى أوسع تسامحا من السنن، إذ قد يتوقف في مشروعية نية التقرب بمجرد قيام الاحتمال النشائ من نحو تلك المراسيل، مع أنه لا بأس به أيضا بناء على ابتناء التسامح فيها على الاحتياط العقلي، بل وعلى غيره لمكان تلك الأخبار المرسلة وإن كانت هي في غاية الضعف من الارسال، بل قد سمعت ما حكيناه عن بعض فضلاء مشايخنا من أن المستفاد من أخبار الاستخارة الاناطة بما يشاؤه المكلف من الطرق لمعرفة رشده وإن لم يكن لها أثر في النصوص بعد الدعاء والتوسل والتضرع لله تعالى ونحوها في أن يبين له رشده بذلك، وإن قلنا إنه محل للتأمل أو للمنع، خصوصا بعد ما قيل من أنه في الوسائل روي (1)


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة الاستخارة - الحديث 1

[ 175 ]

عن الطبرسي باسناده إلى صاحب الأمر (عليه السلام) خبرا " ظاهره أنه لا استخارة في الخواتيم بأن يكتب في أحدهما افعل وفي الآخر لا تفعل، ولا ريب أن الأولى الاقتصار في الاستخارة على تلك الطرق الثابتة بما عرفت. كما أن الأولى الاقتصار على استخارة الانسان نفسه لما يريده من أموره، فان لم يكن عالما بكيفيتها تعلمها كما سمعته في الخبر السابق (إنا كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن) الخبر. إذ لا ريب في أنه أولى من الاستنابة، لخلو النصوص الواردة في هذا الباب عن الاشارة إليها، بل قد يؤمي التأمل فيها إلى عدمها، خصوصا والامام (عليه السلام) بين أظهرهم حتى أنه يستشيرونه في الأمر فيأمرهم بالاستخارة كما سمعته في خبر ابن أسباط، بل لعل مقتضى الأصل عدم مشروعية النيابة فيها، لانها من المستحبات المشتملة على التضرع والتوسل والدعاء ونحوها مما لا يجري الاستنابة فيها، إلا أن المعروف في زماننا هذا بل وما تقدمه بين العلماء فضلا " عن الأعوام الاستنابة فيها، قال جدي العلامة ملا أبو الحسن (رحمه الله) فيما حكي عنه في شرح المفاتيح: لا يخفى أن المستفاد من جميع ما مر أن الاستخارة ينبغي أن تكون ممن يريد الأمر بأن يتصداها هو بنفسه، ولعل ما اشتهر من استنابة الغير على جهة الاستشفاع، وذلك وإن لم نجد له نصا إلا أن التجربات تدل على صحته، وهو في غاية الجودة، وربما يؤيده - مضافا إلى إطلاقات الوكالة وعموماتها ورؤيا بعض الصالحين من المعاصرين ما يقتضي جواز الاستنابة فيها - ان الاستخارة بمعانيها ترجع إلى الطلب، وأن من طلب حاجة من سلطان عظيم الشأن فان الأرجح والأنجح في حصولها أن يوسط ض القريبين إلى حضرة ذلك السلطان في سؤالها، وأن الاستخارة مشاورة، ولا ريب في صحة النيابة فيها، كما استشار ابن الجهم أبا الحسن (عليه السلام) لأبن أسباط، بل مشاورة المؤمن نوع منها، وقد فعلها غير المستشير، بل إن كان المقصود من خطاب

[ 176 ]

أبي الحسن (عليه السلام) ابن الجهم كان صريحا في الاستنابة، وغير ذلك، بل حكي عن الشيخ سليمان البحراني الاستدلال عليها بوجوه عشرة بعد اعترافه بعدم نص فيها، منها أن علماء زماننا مطبقون على استعمال ذلك، ونقلوا عن مشايخهم نحو ذلك، ولعله كاف في مثله، لكن الانصاف أن الجميع كما ترى، ومن المعلوم أن المراد بالاستنابة غير استخارة الانسان نفسه على أن يشور على الغير بالفعل أو عدمه بعد أن يشترط على الله المصلحة لمن يريد الاستخارة له، إذ هي ليست من النيابة قطعا، بل قد يقال إنه ليس من النيابة ما لو دعا المستخير لنفسه وسأل من ربه صلاحه واستناب غيره في قبض السبحة أو فتح المصحف أو نحوهما وإن دعا هو معه، ولعل الاستنابة المتعارفة في أيدينا من هذا القبيل، والله أعلم. (و) منها (صلاة الحاجة) بلا خلاف أجده فيها نصا وفتوى، بل قيل: إنه ذكر الصدوق والشيخان في الفقيه والهداية والمقنع والمقنعة والمصباح صلوات شتى للحاجة، وقلت: منشأ ذلك النصوص (1) المستفيضة جدا " إن لم تكن متواترة كما لا يخفى على من لا حظها في مثله وافي الكاشاني ونحوه مما أعد لجمع الروايات، ومنها ما هو مطلق في صلاة الركعتين وطلب الحاجة كخبر الحارث بن المغيرة (2) عن الصادق (عليه السلام) (إذا كانت لك حاجة فتوضأ فصل ركعتين ثم احمد الله واثن عليه واذكر من آلائه ثم ادع تجب)) وفى خبره الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا (إذا أردت حاجة فصل ركعتين وصل على محمد وآل محمد وصل تعطه) ومنها ما قد اشتمل على ذكر مقدمات وكيفيات لها، منها ما ذكره في القواعد من صلاة ركعتين بعد صوم ثلاثة أيام آخرها


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 28 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة الحديث. 9 - 3 الجواهر - 22

[ 177 ]

الجمعة، كما في صحيح صفوان بن يحيى ومحمد بن سهل (1) عن أشياخهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا حضرت لك حاجة مهمة إلى الله عز وجل فصم ثلاثة أيام متوالية: الأربعاء والخميس والجمعة، فإذا كان يوم الجمعة إن شاء الله فاغتسل وألبس ثوبا جديدا "، ثم اصعد إلى أعلى بيت في دارك، وصل فيه ركعتين، وارفع يديك إلى السماء، ثم قل: اللهم إني حللت بساحتك لمعرفتي بوحدانيتك وصمدانيتك، وأنه لا قادر على حاجتي غيرك، وقد علمت يا رب أنه كلما تظاهرت نعمتك علي اشتدت فاقتي اليك، وقد طرقني هم كذا وكذا وأنت بكشفه عالم غير معلم، واسع غير متكلف، فأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فنسفت، ووضعته على السماء فانشقت، وعلى النجوم فانتشرت، وعلى الأرض فسطحت، وأسألك بالحق الذي جعلته عند محمد والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) وتسميهم إلى آخرهم أن تصلي على محمد وأهل بيته، وأن تقضي حاجتي، وأن تيسر لي عسيرها، وتكفيني مهمها، فان فعلت فلك الحمد، وإن لم تفعل فلك الحمد، غير جائر في حكمك، ولا متهم في قضائك، ولا حائف في عدلك، وتلصق خدك بالأرض، وتقول: اللهم أين يونس بن متى عبدك دعاك في بطن الحوت وهو عبدك فاستجبت له، وأنا عبدك أدعوك فاستجب لي، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): لربما كانت الحاجة لي فأدعو بهذا فأرجع وقد فضيت) وفي خبر أبي علي الخزاز (2) صلاة أربع ركعات بكيفية مخصوصة مع صوم الأيام المزبورة، إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة لصلاة الحاجة المشتملة على ذكر كيفيات ومقدمات وأدعية خاصة لها، من أرادها فليطلبها من مظانها. نعم ينبغي الاقتصار في فعل ما لا يخالف ما علم عدمه من إطلاق أدلة أخر


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 10 (2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب بقية الصلوات - المندوبة الحديث 1

[ 178 ]

كالتربيع والقران بين السورتين ونحوهما، إلا إذا كان فيها دليل معتبر، لأن التسامح في أدلة السنن حتى في مثل ذلك لا يخلو من نظر أو منع، فتأمل. ثم إن ظاهر النصوص والفتاوى عدم الفرق في الحاجة بين قضاء الدين ودفع المرض وهلاك العدو وغيرها، بل ظاهر خبر إسماعيل بن الأرقط (1) وخبر جميل (2) منها أنه لا فرق في الحاجة بين أن ترجع للمصلي نفسه وبين أن ترجع إلى غيره كشفاء مرض ولده أو غيره، إذ هي حاجة له أيضا كما هو واضح، قال في أولهما: (مرضت في شهر رمضان مرضا شديدا " حتى ثقلت واجتمعت بنو هاشم ليلا " للجنازة وهم يرون أني ميت فجزعت أمي فقال لها خالي أبو عبد الله عليه السلام: اصعدي إلى فوق البيت فأبرزي إلى السماء وصل ركعتين فإذا سلمت فقولي: اللهم إنك وهبته لي ولم يكن شيئا، اللهم إني أستوهبك مبتدئا فأعرنيه، قال: ففعلت فأفقت وقعدت، ودعوا بسحور لهم هريسة فتسحروا بها وتسحرت معهم) وقال في ثانيهما: (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخلت عليه امرأة وذكرت أنها تركت ابنها وقد قالت بالملحفة على وجه ميتا، فقال لها: لعله لم يمت فقومي فاذهبي إلى بيتك فاغتسلي وصلي ركعتين وادعي وقولي يا من وهبه لي ولم بك شيئا جدد هبته لي ثم حركيه ولا تخبري بذلك أحدا "، قالت: ففعلت فحركته فإذا هو قد بكى). ومن الأخير يستفاد استحباب الغسل كما ذكرناه في الأغتسال. كما أنه يستفاد من صحيح زرارة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) استحباب الصدقة أيضا، قال: (في الإمر يطلبه الطالب من ربه، قال: تصدق في يومك على ستين مسكينا على كل مسكين صاعا بصاع النبي (صلى الله عليه وآله)، فإذا كان الليل


(1) و (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب - 28 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة الحديث 1

[ 179 ]

اغتسلت في الثلث الباقي، ولبست أدنى ما تلبس من تعول من الثياب، إلا أن عليك في تلك الثياب إزارا، ثم تصلي ركعتين، فإذا وضعت جبهتك في الركعة الأخيرة للسجود هللت الله وعظمته وقدسته ومجدته وذكرت ذنوبك فأقررت بما تعرف منها مسمى، ثم رفعت رأسك، ثم إذا وضعت رأسك للسجدة الثانية استجرت الله مائة مرة، اللهم إني أستجيرك ثم تدعو بما شئت وتسأله إياه، وكلما سجدت فافض بركبتيك إلى الأرض ثم ترفع الازار حتى تكشفهما، واجعل الازار من خلفك بين إلييك وباطن ساقيك) ونحوه رواه مرازم في الحسن (1) كالصحيح عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وفي خبر يونس بن عمار (2) (شكوت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) رجلا " كان يؤذيني، فقال: ادع عليه، فقلت: قد دعوت عليه فقال: ليس هكذا، ولكن اقلع عن الذنوب وصم وصل وتصدق، فإذا كان آخر الليل فأسبغ الوضوء ثم قم فصل ركعتين ثم قل وأنت ساجد: اللهم إن فلان بن فلان قد آذاني، اللهم اسقم بدنه واقطع أثره وانقص أجله وعجل له ذلك في عامي هذا، قال: ففعلت فما لبث أن هلك) ونحوه خبر ابن أذينة (3) عن شيخ من آل سعد قال: (كان بيني وبين رجل من أهل المدينة خصوصة ذات خطر عظيم، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فذكرت ذلك له وقلت: علمني شيئا لعل الله يرد علي مظلمتي، فقال: إذا أردت العدو فصل بين القبر والمنبر ركعتين أو أربع ركعات، وإن شئت ففي بيتك، وتسأل الله أن يعينك، وخذ شيئا مما تيسر فتصدق به على أول مسكين تلقاه، قال: ففعلت ما أمرني فقضي لي ورد علي مظلمتي) إلى غير ذلك من النصوص التي يطول ذكرها تماما، والله أعلم.


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 33 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1 (3) الفقيه ج 1 ص 352 - الرقم 1550 المطبوع في النجف

[ 180 ]

(و) منها (صلاة الشكر) لله تعالى عند تجدد النعم بلا خلاف أجده فيها أيضا، وهي ركعتان يقرأ في الأولى الحمد والاخلاص، وفي الثانية الحمد والجحد، ويقول في ركوع الركعة الإولى وسجوده: الحمد لله شكرا " شكرا " وحمدا "، ويقول في ركوع الركعة الثانية وسجودها: الحمد لله الذي استجاب دعائي وأعطاني مسألتي، كما صرح بذلك كله في خبر هارون بن خارجة (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا أنعم الله عليك بنعمة فصل ركعتين تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، وتقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون، وتقول في الركعة الإولى في ركوعك وسجودك: الحمد لله شكرا " شكرا " وحمدا "، وتقول في الركعة الثانية في ركوعك وسجودك: الحمد لله الذي استجاب دعائي وأعطاني مسألتي) لكن عن الصدوقين أنه يقول في ركوع الأولى: (الحمد لله شكرا "، وفي سجودها شكرا " لله وحمدا "، ويقول في ركوع الثانية وسجودها: الحمد لله الذي قضى حاجتي وأعطاني مسألتي) ولم نعثر عليه في رواية، بل قد سمعت خلافه في الرواية المزبورة، كما أن فيها أيضا خلاف ما في النفلية من إطلاق القول المزبور في الركوع والسجود من الركعتين، ثم قال: وتقول بعد التسليم: الحمد لله الذي قضى حاجتي وأعطاني مسألتي، ثم تسجد سجدة الشكر، إلا أن الإمر في ذلك كله سهل، بل لا يبعد استفادة مطلق ذكر هذا المعنى من الخبر المزبور بأي عبارة كانت، بل لا يبعد أيضا عدم اعتبار تلك الكيفية المخصوصة فيها، بل هي مستحب في مستحب، ولا الكيفية المذكورة في خبر محمد بن مسلم المروي (2) عن كشف اللثام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (إذا كسا الله المؤمن ثوبا جديدا " فليتوضأ وليصل ركعتين يقرأ فيهما أم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد وإنا


(1) الوسائل الباب - 35 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 26 - من أبواب أحكام الملابس - الحديث 1

[ 181 ]

أنزلناه في ليلة القدر، ثم ليحمد الله الذي ستر عورته وذريته في الناس، وليكثر من قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله فانه لا يعصى الله فيه، وله بكل سلك فيه ملك يقدس له ويستغفر له ويترحم عليه) على أنه لم يعلم منه إرادة قراءة ذلك في كل منهما من قوله فيه: (فيهما) أولا. وكيف كان فظاهر النص والفتوى أن محلها عند تجدد النعم، فما عن ابن البراج من أن وقت صلاة الشكر عند ارتفاع النهار لم نعرف مستنده، ولعله يريده الصلاة في هذا الوقت إذا فرض تجدد النعمة عند طلوع الشمس مثلا "، فليجتنب عن إيقاع النافلة في ذلك الوقت إلى ارتفاع النهار، لما فيه من الجمع بين صدق العندية ضرورة إرادة العرفية منها وبين التجنب عما يقال من كراهة التنفل في هذا الوقت، ثم لا فرق على الظاهر في استحباب الصلاة المزبورة بين تجدد النعم وبين دفع النقم وقضاء الحوائج كما صرح به بعضهم، بل قيل: إنه يشير إليه كلام الصدوقين أيضا، بل الظاهر استحبابها في تجدد كلما يستحب الشكر له. (و) منها (صلاة الزيارة) للنبي والأئمة (عليهم الصلاة) وتحية المساجد والاحرام عند حصول أسبابها بالنصوص والاجماع كما عن كشف اللثام، والمعروف المعمول عليه تعقيب صلاة الزيارة لفعلها، لكن في الغنية صلاة الزيارة للنبي أو أحد الأئمة (عليهم الصلاة والسلام) ركعتان عند الرأس بعد الفراغ من الزيارة، فإذا أراد الانسان الزيارة لأحدهم (عليهم السلام) وهو مقيم في بلده قدم الصلاة ثم زاره عقيبها، ويصلي الزائر لإمير المؤمنين (عليه السلام) ست ركعات ركعتان له (عليه السلام) وأربعة لآدم ونوح (عليهما السلام)، وعن إشارة السبق أنه يبتدئ بهما قبل الزيارة إن كانت عن بعد، وإلا بعدها عند رأس المزار لمن حضره، ولم أعثر لهما على نص في ذلك، كما أن الظاهر عدم اعتبار الوقوع عند الرأس فيهما، وإن كان لعله بحيث يجعل القبر

[ 182 ]

على يساره ولا يستقبل منه شيئا أفضل من غيره، بل مكانهما مطلق مشهد المزور، بل وما قاربه مما خرج عنه خصوصا إذا كان متصلا " به، ولتفصيل البحث في كيفية زيارات النبي وفاطمة والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) وغيرهم من الشهداء والعلماء والصلحاء مقام آخر. (ومنها ما يختص وقتا معينا، وهو صلوات: الأولى نافلة شهر رمضان، والأشهر في) الفتاوى و (الروايات) استحباب هذه النافلة، بل هو المشهور بين الأصحاب نقلا " وتحصيلا " شهرة كادت تكون إجماعا كما في فوائد الشرائع وغيره الاعتراف به، بل عن المنتهى بعد نسبته إلى أكثر أهل العلم قال: (الاجماع عليه إلا من شذ) بل في السرائر (لا خلاف في استحباب الألف إلا ممن عرف باسمه ونسبه، وهو أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، وخلافه لا يعتد به، لأن الاجماع تقدمه وتأخر عنه) بل عن المهذب البارع (أن باقي الأصحاب على خلافه) بل في الذكرى وعن البيان (الفتاوى والأخبار متظافرة بشرعيتها، فلا يضر معارضة النادر) بل عن المعتبر (عمل الناس في الآفاق على الاستحباب) وفي المختلف (الروايات به متظافرة، والاجماع عليه، وخلاف ابن بابويه لا يعتد به) بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل عن المراسم نفي الخلاف في ذلك أو الاجماع على اختلاف النقلين، بل عن ظاهر خلاف الشيخ أو صريحه كصريح انتصار المرتضى الاجماع عليه. وبالجملة لم نعثر على خلاف في ذلك مما عدا الصدوق، إذ اقتصار الاسكافي على زيادة الأربع ليلا " وترك التعرض من ابن أبي عقيل وعلي بن بابويه ليس خلافا، بل المحكي عن أولهم التصريح بما عليه الأصحاب، بل قيل: إنه صرح بزيادة على الألف الذي ستسمعه عندهم، قال في الذكرى: قال ابن الجنيد: قد روي عن أهل البيت (عليهم السلام) زيادة في صلاة الليل على ما كان يصليها الانسان في غيره أربع ركعات

[ 183 ]

تتمة إثنتي عشرة ركعة، مع أنه قائل بالألف أيضا، وهذه زيادة لم نقف على مأخذها إلا أنه ثقة وإرساله في قوة المسند، لأنه من أعاظم العلماء، بل ربما قيل لا يكاد يوجد منكر، لأن الصدوق موافق على الجواز، فكان اتفاقا من الكل، وإن كان الانصاف أن التدبر في كلامه في الأمالي والفقيه يقضي بأن مراده نفي المشروعية بالخصوص وإن استحب فعلها بعنوان استحباب مطلق الصلاة في كل ليلة، نعم هو في غاية الضعف بعد ما عرفت، وبعد النصوص المستفيضة المتعاضدة مع أن فيها المعتبر في نفسه أيضا، بل يمكن حصول القطع بمضمونها بملاحظة كثرتها واشتمالها على تفاصيل الأدعية بين الركعات واشتهار العمل بها بين الطائفة قديما وحديثا حتى وصل إلى ما سمعت، مضافا إلى المسامحة في أدلة السنن، وإلى ما يقتضيه شرف الزمان، وإلى غير ذلك، ومن المعلوم أنه بدون ذلك يجب طرح المعارض وإن صح سنده ورده إليهم (عليهم السلام) أو تأويله وإن بعد، فالمناقشة حينئذ فيما ذكره الشيخ أو غيره - من التأويل في الروايات المعارضة المتضمنة لنفي الزيادة على النوافل المعتادة بارادة النفي جماعة، أو بالحمل على التقية أو بارادة نفي كونها مؤكدة كالرواتب، أو نفي الزيادة في الرواتب ونحو ذلك بالبعد عن المضمون، وبأن نصوص الاثبات أوفق بالتقية، لشهرة التراويح عندهم حتى قيل من جهة ذلك أن المسألة محل إشكال - واهية جدا "، ضرورة أنه لا ينبغي الاشكال مع تعذر التأويل فضلا " عن بعده بعد ما سمعت، إذ ليس من المستغرب طرح أخبار صحيحة بمجرد الهجر بين الطائفة علما وعملا " فضلا " أن يكون قد عارضها مع ذلك أخبار أخر متواترة أو قريبة منه كما هو معلوم من طريقة الاصحاب، خصوصا إذا كانت تلك الأخبار صحيحة غير محتملة الخفاء عليهم، إذ ذلك يزيدها وهنا عند التأمل. وكيف كان فهي (الف ركعة) تختص (في شهر رمضان زيادة على النوافل المرتبة) بمعنى تأكد استحبابها في الشهر المزبور، وإلا فلا ريب في استحباب ذلك في

[ 184 ]

كل ليلة كما ينقل عنهم (عليهم السلام) فعلها كذلك، قال الصادق (عليه السلام) في خبر جميل بن صالح (1): (إن استطعت أن تصلي في شهر رمضان وغيره في اليوم والليلة الف ركعة فافعل، فان عليا (عليه السلام) كان يصلي في اليوم والليلة الف ركعة) وقال أيضا في خبر ابن أبي حمزة (2) بعد أن سأله أبو بصير ما تقول في الصلاة في رمضان ؟: (إن لرمضان لحرمة وحقا لا يشبهه شئ من الشهور صل ما استطعت في رمضان تطوعا بالليل والنهار، وان استطعت في كل يوم وليلة الف ركعة فصل، إن عليا عليه السلام كان في آخر عمره يصلي في كل يوم وليلة الف ركعة) الحديث. إلا أنهم (عليهم السلام) لما علموا عدم وقوع ذلك من أكثر الناس بل عامتهم ندبوا إليها في خصوص شهر رمضان في مجموعه لتأكدها فيه باعتبار زيادة شرفه وعظمته وحرمته حتى قال (صلى الله عليه وآله) في خطبته (3): (إن الله جعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر كأجر من أدى فريضة من فرائض الله عز وجل، ومن أدى فيه فريضة من فرائض الله عز وجل كمن أدى سبعين فريضة من فرائض الله فيما سواه من الشهور) الحديث. ويكفيه من الفضل أن جعل فيه ليلة القدر التي هي خير من الف شهر، ومن ذلك كله وغيره حثوا (عليهم السلام) على طلب الزيادة فيه، فقال الصادق (عليه السلام) في خبر المفضل بن عمر (4): (تصلي في شهر رمضان زيادة الف ركعة) وهي مستفادة أيضا من مجموع النصوص الواردة في ترتيبها كما ستسمعها، مضافا إلى الاجماع عليها ممن


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1 - 2 من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب - 18 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 11 من كتاب الصوم (4) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1 من كتاب الصلاة الجواهر - 23

[ 185 ]

قال بها فيه كما عن المعتبر، فهو حينئذ مذهب علمائنا عدا ابن بابويه كما عن المنتهى، لما عرفت من اختصاص الخلاف به، بل لم يستثنه في المحكي عن التذكرة كنفي الخلاف عن المراسم، بل في السرائر وعن ظاهر الانتصار أو صريحه الاجماع عليه، فما في الذكرى عن الشيخ الجليل ذي المناقب والماثر أبي عبد الله محمد بن أحمد الصفواني في كتاب التعريف من أنها سبعمائة ركعة لا يخفى ما فيه، مع احتماله إرادة الألف وترك زوائد ليالي الأفراد لشهرتها، على أن المنقول عنه في الكتاب المزبور في المحكي من إقبال ابن طاووس أن صلاة شهر رمضان تسعمائة ركعة، وفي رواية الف، وعن كشف اللثام أنه قال الصفواني: قد روي أن في ليلة تسع عشرة أيضا مائة ركعة، وهو قول من قال بالألف، وقضيته أنه إن كان له شك فهو في مائة من الألف، والظاهر أنها وظيفة تسع عشرة بقرينة ما سمعته عنه في كشف اللثام وعلى كل حال فضعفه واضح، ضرورة أن احتمال الزيادة على المقدار المزبور أقرب من احتمال النقيصة، أما أولا " فلما سمعته سابقا من المنقول في الذكرى عن الاسكافي، وأما ثانيا فلما يستفاد من تلك الأخبار السابقة من استحباب كل ما يستطاع فعله من الصلاة في شهر رمضان، وأما ثالثا فلخبر سليمان بن عمرو (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من صلى ليلة النصف من شهر رمضان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد عشر مرات أهبط الله عز وجل إليه من الملائكة عشرة يدرأون عن أعداءه من الجن والانس، وأهبط الله إليه عند موته ثلاثين ملكا يؤمنونه من النار) وخبر أبي يحيى (2) عن عدة ممن يوثق بهم قالوا: قال: (من صلى ليلة النصف من شهر رمضان مائة ركعة يقرأ في كل ركعة


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1 - 2 من كتاب الصلاة

[ 186 ]

عشر مرات بقل هو الله أحد فذلك الف مرة في مائة لم يمت حتى يرى في منامه من الملائكة ثلاثين يبشرونه بالجنة، وثلاثين يؤمنونه من النار، وثلاثين تعصمه من أن يخطئ، وعشرة يكيدون من كاده) إذ الظاهر أن ذلك زيادة على الألف لما ستسمعه من ترتيبه مما يقتضي اختصاص ليلة النصف بعشرين ركعة، فيكون الزائد حينئذ ثمانين بل ربما يقال: إن المائة غير تلك الوظيفة، لاصالة عدم التداخل، خصوصا في المقام كما أفتى به في الدروس والذكرى، قال في أولهما بعد أن ذكر الألف: ويستحب زيادة مائة ليلة النصف، وربما يقف المتتبع للنصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) على زيادات على ذلك، خصوصا بالنسبة إلى بعض، إلا أن بذل الجهد في جميع ما ورد مفض إلى منافاة الغرض، ولعل ما في كتب أصحابنا المصنفة في العبادات الكفاية. وأما ترتيب فعل الألف في تمام الشهر فهو أن (يصلي في كل ليلة) من العشرتين الأولتين (عشرين ركعة) إجماعا محكيا عن الانتصار والخلاف وكشف اللثام إن لم يكن محصلا "، ونصوصا (1) بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه أيضا بين علمائنا القائلين بالوظيفة (ثمان ركعات (بعد المغرب وإثنتي عشرة ركعة بعد العشاء على الأظهر) الأشهر، بل المشهور، بل عن ظاهر الانتصار والخلاف الاجماع عليه، لخبر مسعدة بن صدقة (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: (مما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع في شهر رمضان كان تنفل في كل ليلة، ويزيد على صلاته التي كان يصليها قبل ذلك منذ أول ليلة إلى تمام عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة، ثماني ركعات منها بعد المغرب، وإثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، ويصلي في عشر الأواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة، اثنتي عشرة منها بعد المغرب، وثماني عشرة منها بعد العشاء الآخرة،


(1) و (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث. 2 من كتاب الصلاة

[ 187 ]

ويدعو ويجتهد اجتهادا " شديدا "، وكان يصلي في ليلة إحدى وعشرين مائة ركعة، يصلي في ليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة، ويجتهد فيها) ونحوه في الأمر بالعشرين وترتيبها خبر علي بن أبي حمزة (1) وخبر أبي بصير (2) وخبر الحسن بن علي (3) وخبر محمد بن أحمد بن المطهر (4) بل وخبر محمد بن سليمان (5) الذي هو محكي عن عدة أصحابنا انهم اجتمعوا عليه منهم يونس بن عبد الرحمان عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وصباح الحذا عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السلام وسماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال محمد بن سليمان: وسألت الرضا (عليه السلام) عن هذا الحديث فأخبرني به، وقال هؤلاء جميعا: ((سألنا عن الصلاة في شهر رمضان كيف هي ؟ وكيف فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ فقالوا جميعا: إنه لما دخلت أول ليلة من شهر رمضان صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) المغرب ثم صلى أربع ركعات التي كان يصليهن بعد المغرب في كل ليلة، ثم صلى ثمان ركعات، فلما صلى العشاء الآخرة وصلى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العشاء الآخرة وهو جالس في كل ليلة قام فصلى إثنتي عشرة ركعة، ثم دخل بيته إلى أن قال: فلما كان ليلة تسع عشرة اغتسل حين غابت الشمس وصلى المغرب بغسل، فلما صلى المغرب وصلى أربع ركعات التي كان يصليها فيما مضى في كل ليلة بعد المغرب دخل إلى بيته، فلما أقام بلال الصلاة للعشاء الآخرة خرج النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى بالناس فلما انفتل صلى الركعتين وهو جالس كما كان يصليها كل ليلة، ثم قام فصل مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد وقل هو الله أحد عشر مرات، فلما فرغ من ذلك صلى صلاته التي كان يصلي كل ليلة آخر الليل وأوتر، فلما كان ليلة عشرين من شهر رمضان فعل كما كان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 4 - 5 - 7 - 1 - 6 من كتاب الصلاة لكن روى الثالث عن الحسن بن على عن أبيه

[ 188 ]

يفعل قبل ذلك من الليالي، فلما كان ليلة إحدى وعشرين فعل فيها مثل ما فعل ليلة تسع عشرة فلما كانت إثنتين وعشرين زاد في صلاته فصلى ثمان ركعات بعد المغرب وإثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الآخرة، فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين فعل فيها مثل ما فعل بتسع عشرة وإحدى وعشرين) الحديث. وعلى ذلك جرى الشيخ في التهذيب في تفصيل الدعوات، خلافا للمحكي عن القاضي فالعكس، ولعله لمضمر سماعة (1) المشتمل على التصريح بذلك، لكن لا يبعد خصوصا مع رواية سماعة للأمرين معا الحكم بالتخيير كما صرح به ثاني الشهيدين وغيره ممن تأخر عنه تبعا للمحكي عن الفاضلين وبعض من تقدمهما، بل قد يقال بأن ذلك كله مستحب في مستحب، فله حينئذ بسط الألف كيف ما شاء. وعلى كل حال فالظاهر أفضلية الفرد الأول على الثاني وإن لم أجد من صرح بها، كما أنه هو أي الثاني أفضل من غيره بناء على مشروعيته. ثم إن صريح الخبر المزبور كون الثمان ركعات بعد نافلة المغرب كما عن المصباح والمراسم النص عليه، بل لا أجد فيه خلافا، ويؤيده ضيق وقتها، وهو ذهاب الحمرة عن تقديم تلك عليها، كما أن صريحه فعل الاثنتي عشرة بعد الوتيرة أيضا كما في النفلية وعن مجمع البرهان وبعض نسخ المراسم، بل في الذكرى أنه المشهور، بل في المفتاح عن الفوائد الملية ذلك أيضا، واستغربه بعد أن حكى عن المختلف والذكرى والمهذب البارع وكشف اللثام والحدائق الشهرة على إيقاعها قبل الوتيرة قال: وبه صرح في المراسم والسرائر والغنية وإشارة السبق والشيخ في المصباح في آخر كلامه، وكان الأولى نقلها عن الذكرى، وإلا فالتدبر في عبارة الفوائد يعطي عدم إرادته الشهرة على ذلك، وكيف كان فالدليل حينئذ مع الأول والشهرة مع الثاني، ولعله لذا جوز الأمرين في


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث 3 من كتاب الصلاة

[ 189 ]

المسالك والفوائد الملية، بل استظهر في الذكرى الجواز أيضا، ولا بأس به لسعة وقت الوتيرة، إلا أنه لا ريب في أفضلية الأول كما اعترف به في المسالك للخبر المزبور، وبالجملة فهذه أربعمائة من الألف. (و) يصلي (في كل ليلة من العشر الأواخر ثلاثين) ركعة بلا خلاف أجده فيه، بل في الخلاف وظاهر الانتصار الاجماع عليه، للنصوص المستفيضة (1) نعم في خبر علي بن أبي حمزة (2) منها وخبر محمد بن سليمان (3) الطويل المتقدم سابقا وإن لم ينص فيهما إلا على ليلة إثنتين وعشرين وخبر علي بن فضال إيقاعها (على الترتيب المذكور) أي ثمان بعد المغرب وإثنتين وعشرين بعد العشاء كما هو المشهور نقلا " وتحصيلا " وفي خبر محمد بن أحمد بن المطهر (4) وموثق مسعدة بن صدقة (5) اثنتا عشرة بعد المغرب وثمان عشرة بعد العشاء كما في الغنية وعن إشارة السبق والمهذب والكافي، وفي موثق سماعة (6) اثنتين وعشرين بعد المغرب وثمان بعد العشاء، وللجمع بين الأولين خير في الذكرى والروض والروضة وعن غيرها، وللجمع بين الأول والأخير خير بينهما في المسالك وعن المعتبر، وقد يقال: إن المتجه مراعاة الجمع بين الجميع، فيخبر حينئذ بين الأفراد الثلاثة وإن لم أجد من أفتى به، كما أني لم أجد من عين ما في موثق سماعة، بل قد يقال باستفادة تخيير المكلف في الفعل كيف ما شاء من اختلاف هذه النصوص وإطلاق غيرها، وان ذلك مستحب في مستحب، لكن على كل حال لا ريب في أولوية اختيار ما على المشهور لكثرة أخباره وشدة اشتهاره فتوى حتى سمعت عن الخلاف الاجماع عليه، فهذه سبعمائة ركعة. (و) يصلي زيادة على ذلك (في ليالي الأفراد الثلاثة) تسع عشرة وإحدى


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث. 4 - 6 - 10 - 2 - 3 من كتاب الصلاة

[ 190 ]

وعشرين وثلاث وعشرين (كل ليلة مائة ركعة) زيادة على الوظيفة السابقة وفاقا لجماعة، بل عن المنتهى نسبته إلى الأكثر، بل عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه عملا " بكل من الأمرين بكل من الوظيفتين فيها، ولصريح خبر محمد بن أحمد بن المطهر وظاهر خبره الآخر (1) وظاهر أو صريح موثق مسعدة بن صدقة وسماعة بن مهران، إلا أنها جميعا حتى الخبر الأول لم تصف (2) المائة ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين إلا أنه قد يتم بأنه لا قائل بالفصل بين الليالي الثلاث، مضافا إلى ما عن غرية المفيد أنه قال: (تصلي في العشرين ليلة عشرين ركعة ثمان بين العشائين واثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، ويصلي في العشر الأواخر كل ليلة ثلاثين ركعة، ويضيف إلى هذا الترتيب في ليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين كل ليلة مائة ركعة، وذلك تمام الألف ركعة، قال: وهي رواية محمد بن أبي قرة (3) في كتاب عمل شهر رمضان فيما أسنده عن علي بن مهزيار عن مولانا الجواد (عليه السلام)) وإلى ما سمعته سابقا عن الصفواني، وفي السرائر أن ذلك مذهب شيخنا في مسائل الخلاف أفتى به وعمل عليه، ودل على صحته وجعل ما خالفه رواية لا يلتفت إليها، ومذهب شيخنا المفيد في كتاب الأشراف، وهو الذي أفتى به. ويقوى عندي، لأن الأخبار به أكثر وأعدل رواة، قلت: بل يظهر من المحكي عن كتاب مسار الشيعة للمفيد أن ذلك هو المعروف، قال فيه: أول ليلة من شهر رمضان فيها الابتداء بنوافل شهر رمضان وهي الف ركعة من أول الشهر إلى آخره بترتيب معروف في الأصول عن الصادق


(1) و (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر - رمضان الحديث 8 - 13 من كتاب الصلاة (2) هكذا في النسخة الأصلية والصحيح (لم تضف المائة على ليلة...) الخ أي لم يتعرض لليلة تسع عشرة

[ 191 ]

(عليه السلام)، ضرورة أن المحكي عن المفيد كما عرفت اختيار الترتيب المزبور. (و) لكن (روى) المفضل بن عمر (1) عن الصادق (عليه السلام) (أنه يتقصر) في (الليالي الأفراد) الثلاثة (على المائة حسب، فيبقى عليه ثمانون) عشرون من ليلة التسع عشرة وستون من الليلتين الأخيرتين (يصلي في كل) يوم (جمعة) من الجمع الأربع في الشهر مبتدئا بذلك من أول الشهر، لأن الفرض استعداده للعمل بهذه الرواية منه (عشر ركعات بصلاة علي وفاطمة وجعفر صلوات الله وسلامه عليهم و) في ليلة الجمعة في العشر الأواخر، لكن في المتن والقواعد وغيرهما (في آخر جمعة عشرين بصلاة علي (عليه السلام) وهما، بمعنى إن أريد من الجمعة ليلتها لظهور الخبر المزبور في إرادة الأخيرة أيضا كالعبارة (وفي عشية تلك الجمعة) أي ليلة السبت (عشرين ركعة بصلاة فاطمة (عليها السلام) ونحوه في الاقتصار على المائة في ليلة تسع عشرة خبر محمد بن سليمان (2) المتقدم سابقا، وعليها في الليلتين الأخيرتين خبر ابن فضال (3) وبه أفتى جماعة، بل في فوائد الشرائع أن كثيرا " من الأصحاب عليه، وعليه رتب الشيخ الدعوات في المصباح، بل في الذكرى وغيرها نسبته إلى الأكثر، بل عن ظاهر الانتصار الاجماع عليه، لعله للجمع بينهما خير في الغنية والارشاد والدروس والذكرى واللمعة وفوائد الشرائع والنفلية والروض والروضة والقواعد وغيرها، ولا بأس به. ومن العجيب ما في السرائر (من أن ذلك تكليف ما لا يطاق، وهو قبيح في الفرض، والنافلة والموقت لابد من أن يفضل وقته عنه أو يساويه كالصوم، ومن المعلوم أنه لو اتفق ليلة السبت مثلا " في أقصر ليالي الصيف وهي تسع ساعات لا يتمكن


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث 1 - 6 - 7 من كتاب الصلاة

[ 192 ]

من الاتيان بصلاة فاطمة (عليها السلام) مع الفرض والراتبة والأكل والشرب وقضاء ما لا بد منه من الحاجة، ومن ادعى ذلك فقد كابر، ولو سلم له فهي صلاة على غير تؤدة، ولا تلاوة للقرآن كما أنزل، بل ولا ركوع ولا سجود) إلى آخره إذ هو كما ترى مكابرة للوجدان، وإنكار للمشاهدة بالعيان، بل جعل في الوسيلة الصلاة المزبورة سحر ليلة السبت، كما أنه جعل العشرين ركعة بصلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) في سحر الجمعة الأخيرة، على أن قصور الأوقات عن جميع ما ورد فيها من المستحبات غير قادح، لورودها على متعارف غالب الناس من عدم الاستغراق، بل كل منهم يفعل بعضا منها، وإلا فلا ريب في قصور اليوم والليلة خصوصا بعض الأيام والليالي عن فعل جميع ما ورد فيها من الصلوات والأذكار والأدعية ونحوها، كما هو واضح لمن له أدنى خبرة، ومع ذلك فهو متجه لو قلنا باعتبار ذلك شرطا في هذه النافلة، أما بناء على أنه مستحب في مستحب كما عن المراسم التصريح به، بل عن إشارة السبق أنه لم يتعرض لاستحباب كون عشرين ليلة السبت بصلاة فاطمة (عليها السلام)، بل ولا للعشرين في آخر ليلة جمعة بصلاة علي (عليه السلام) فحينئذ بناء على ذلك يصلي بصلاة فاطمة (عليها السلام) ما شاء ثم يصلي ركعتين إذا ضايقه الوقت، فتأمل جيدا ". ثم إن ظاهر النص والفتاوى توزيع ذلك على ما هو الغالب المتعارف من كون الحاصل في الشهر أربع جمع، أما لو انفق خمس جمع فيه ففي الروض والمسالك إشكال، لخلو النص والتفاوى منه، فيحتمل حينئذ صلاة عشر فيها أيضا، وبسط الثلاثين الباقية ليلتها وعشيتها بجعل ست عشرة أو لا وأربع عشر ثانيا، أو بالعكس، ويحتمل سقوط العشر في الجمعة الأخيرة وبقاء التوزيع بحاله، وزاد في الأخير احتمال إسقاط أي جمعة شاء، ثم قال: والظاهر تؤدي الوظيفة بجميع الاحتمالات، كما أنه استظهر في الأول


الجواهر - 24

[ 193 ]

ذلك فيما ذكره من الاحتمالين، وقال في فوائد الشرائع: إن الباقي عليه حينئذ ثلاثون ركعة فيوزعها على ما سيأتي إلى حيث ينتهي، قلت: قد يقوى في النظر الاقتصار في توزيع الثمانين على الجمع الأربع السابقة كما عساه مال إليه في الفوائد الملية، إذ ليس في النص اعتبار إيقاع الباقي في آخر جمعة، ولو سلم ظهوره فهو مبني على الغالب، بل لا محيص عما ذكرناه إذا كانت الجمعة الخامسة محتملة من جهة سبق الهلال وتأخره لا متيقنة، أو كانت عشيتها ليلة العيد مثلا " ولو احتمالا محافظة على أدائها بناء على أنه لو أخر البعض إليها فصادف كون تلك العشية ليلة العيد سقطت، لأنها نافلة شهر رمضان وقد خرج، ولذا قال في الروضة: (لو نقص الشهر سقطت وظيفة ليلة الثلاثين) وإطلاقه يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الجمعة وغيرها، فلو اتفقت عشية الجمعة ليلة العيد حينئذ سقطت وظيفتها، لكن في الروض والمسالك أنه لا يؤخر وظيفة العشية إلى ليلة العيد، بل يصليها في آخر سبت من الشهر، وكأنه لعدم ظهور النص في اشتراط التأدية بعشية جمعة رابعة، إنما المراد فعلها في آخر عشية جمعة من رمضان، بل قد يقال بأن هذا الترتيب كيف ما كان هو مستحب في مستحب وإلا فالرماد إيقاع هذه الألف ركعة في شهر رمضان، لا طلاق الدليل الذي لا ينافيه ذكر الترتيب المزبور، ومنه حينئذ يعلم ما في دعوى السقوط المذكور في الروضة، اللهم إلا أن يريد أن المكلف أخر وظيفة الثلاثين اعتمادا " على الاستصحاب وعلبة التمام فاتفق النقصان فان المتجه حينئذ السقوط واحتمال القضاء خارج الشهر، لا طلاق أدلة القضاء أو عمومها، خصوصا ما ورد في تفسير قوله تعالى (1): (وهو الذي جعل الليل والنهار حلقه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ") من قوله الصادق عليه السلام (2): (كلما فاتك بالليل فاقضه بالنهار) إلى آخره.


(1) سورة الفرقان - الآية 63 (2) الوسائل الباب - 57 - من أبواب المواقيت - الحديث 4 من كتاب الصلاة

[ 194 ]

يدفعه بعد التسليم عدم تحقق الخطاب بالأداء حتى يتحقق الفوات، لكون الفرض ظهور الليلة من شوال، ولعله لذا نص في الفوائد الملية كما قيل على عدم مشروعية القضاء، ولا بأس به، إلا أن يقال بما سمعته منا من تحقق الخطاب بدخول الشهر، وأن التوزيع المذكور مستحب في مستحب، وبناء " عليه يظهر حينئذ ما في الذكرى من أنه لو فات شئ من هذه النوافل فالظاهر أنه يستحب قضاؤه نهارا "، ثم قال: وبذلك أفتى ابن الجنيد، وكذا لو فاته الصلاة ليلة الشك ثم ثبت رؤيته، وتبعه في الروضة فقال: يستحب قضاء الفائت ولو نهارا " في غيره، والأفضل قبل خروجه، إذ قد عرفت أن ذلك أداء لا قضاء مع فرض وقوعه في الشهر، كما هو واضح، ولعل في ترك لفظ اليوم والليلة في المتن وغيره مع وجودهما في الخبر الذي هو الأصل في المسألة إشعارا " ببعض ما ذكرنا من عدم اعتبار وقوع ذلك في اليوم أو الليلة وإن وقعا في النص، لصدق لفظ الجمعة في المتن وغيره عليهما، وإن كان من المستبعد إرادة الاطلاق من اللفظ المزبور، بل الظاهر إرادة أحدهما، والخبر حينئذ قرينة، فيتوافقان، والأمر سهل، هذا، وفي هذا الخبر (1) (أنه اقرأ في هذه الصلوات كلها أعني صلاة شهر رمضان الزيادة منها بالحمد وقل هو الله أحد إن شئت مرة وإن شئت ثلاثا وإن شئت خمسا وإن شئت سبعا وإن شئت عشرا ") ولم أقف على من أفتى به، نعم في الدروس أنه يستحب قراءة التوحيد في الليالي الثلاثة في كل ركعة عشرا "، ولعله لخبر محمد بن سليمان (2) المتقدم المروي عن الرضا (عليه السلام)، ولا بأس به، كما أنه لا بأس بما فيها والذكرى من استحباب الدعاء عقيب كل ركعتين بالمرسوم في تهذيب الشيخ (رحمه الله)، لكن قيده في الأخير بسعة الوقت، أما لو ضاق الوقت اقتصر على الصلاة، وكأنه لوضوحه


(1) و (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث 1 - 6 من كتاب الصلاة

[ 195 ]

تركه في الأول، كما أنه ترك فيها ما ذكره في الذكرى هنا من حرمة الجماعة في هذه النافلة وبدعيتها لوضوحه ومعلوميته بين الطائفة كما ذكرنا ذلك في مبحث الجماعة، بل ذكرنا هناك حرمتها في كل نافلة عدا ما استثني، فلا حظ، نعم كان عليه التعرض لما فيها أيضا من اختصاص استحباب هذه الصلاة المزبورة بالصائم أو تشمله والمفطر، ربما يستشعر من المحكي عن أبي الصلاح الأول، وفي المختلف الثاني، بل ظاهره حكايته مما عداه من علمائنا، ولعله لا طلاق بعض النصوص، ولأنها عبادة شرعت لشرف الزمان، فلا تسقط بسقوط الصوم، وهو حسن. (و) أما كيفية (صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)) فهي (أربع ركعات بتشهدين وتسليمين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وخمسين مرة قل هو الله أحد) كما نص عليها في خبر المفضل المزبور (1) إلا أنه لم يذكر فيه التشهدين والتسليمين، ولعله للعلم بهما كالقنوت، ضرورة وضوح تثنية النوافل إما ما استنثي، ومنه يعلم حينئذ ما في نسبة الخلاف في نحو ذلك لبعض قدماء الأصحاب الذي منشأه عدم النص فيه على ذلك، لكن قد عرفت أنه من المحتمل كونه لوضوحه، ولعلها هي التي رواها (2) أبو بصير وعبد الله بن سنان (3) عن الصادق (عليه السلام) وإن لم ينص في شئ منهما على تسميتها بصلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل وصف الصلاة المزبورة، وقال: (من صلاها انفتل وليس بينه وبين الله ذنب). (و) كيفية (صلاة فاطمة (عليها السلام) على ما في خبر المفضل (4) أيضا


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث 1 من كتاب الصلاة (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 5 (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1 (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث 1 وذيله في الباب - 10 - من أبواب التعقيب - الحديث 3 من كتاب الصلاة

[ 196 ]

(ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة والقدر مائة مرة، وفي الثانية الحمد مرة وسورة التوحيد مائة مرة) قال فيه أيضا: (فإذا سلمت فسبح تسبيحها (عليها السلام) وهو الله أكبر أربعا وثلاثين مرة، وسبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، فوالله لو كان شئ أفضل منه لعلمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياها) ولا أعرف خلافا بين الأصحاب قدمائهم والمتأخرين في كيفية الصلاتين المزبورتين، نعم عكس النسبة في الدروس والنفلية وعن التحرير والبيان، كما أنه اقتصر في المحكي عن المنتهى على نسبة الأربع لفاطمة (عليها السلام) وعلى نقل النسبة المشهورة عن الشيخ ساكتا عليه لكنك خبير بأن ذلك منهم مع أنه خلاف ما في خبر المفضل المزبور لا فائدة يعتد بها تترتب عليه، لثبوت الاستحباب على كل من التقديرين، إذ لا إشكال في رجحان التأسي بالزهراء (عليها السلام) بعد عصمتها، مع إصالة الاشتراك معها في التكليف، على أنه لا قائل في ذلك بالنسبة إلى خصوص صلاتها المروية في خبر المفضل، لصراحته بعدم اختصاصها بهذا الاستحباب، فظهر حينئذ أنه لا ثمرة لهذا الخلاف إلا ما في المسالك حيث قال: عكس جماعة من الأصحاب النسبة ونسبوا الإربعة لفاطمة (عليها اللاسم) والركعتين لعلي (عليه السلام)، وكلاهما مروي فيشتر كان في النية، وتظهر الفائدة في النسبة حال النية، وفيه أنه لا مدخلية للنسبة في النية بعد تشخيص المكلف قصده الأربع أو الاثنين، ولو جعل الفائدة في النذر حيث ينيطه الناذر بصلاة فاطمة (عليها السلام) أو صلاة علي (عليه السلام) لكان أولى، وقد أنكر بعض من تأخر عنه الرواية، وهو في محله بالنسبة إلى رواية الركعتين لعلي (عليه السلام)، وإلا فالإربع قد نسبت لفاطمة (عليها السلام) في صحيح هشام بن سالم (1) كما عن المنتهى وخبره عن الصادق (عليه السلام) الذي رواه الصدوق (من صلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بخمسين


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب نافلة شهر رمضان - الحديث 2

[ 197 ]

مرة قل هو الله أحد كانت صلاة فاطمة (عليها السلام)، وهي صلاة الأوابين) لكن قد يظهر من الصدوق مع روايته الخبر المزبور الشك في ذلك، حيث قال عند عقد الباب: (باب ثواب الصلاة التي تسميها الناس صلاة فاطمة (عليها السلام) ويسمونها صلاة الأوابين) وقال أيضا: (وكان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد يروي هذه الصلاة وثوابها إلا أنه يقول لا أعرفها بصلاة فاطمة (عليها السلام) وأما أهل الكوفة فانهم يعرفونها بصلاة فاطمة (عليها السلام) إلى آخره، إلا أنه يعطي معروفيتها بذلك في الزمن السابق. وكيف كان فلا إشكال في الأربع المزبورة، إذ أقصى ذلك نسبتها اليهما، ولعله لأنهما صلياها، والظاهر انصراف نذر صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عدم التعيين من الناذر إليها، لعدم ثبوت نسبة الركعتين إليه (عليه السلام)، وعدم منافاة شركة فاطمة (عليها السلام) إياه، أما لو نذر صلاة فاطمة (عليها السلام) وقلنا إن كلا من الأربع والاثنين صلاتها فلا يبعد انصرافه إلى الركعتين، لاختصاصهما بالنسبة في خبر المفضل إليها، وربما قيل بالتخيير بينهما وبين الأربع، وفيه إشكال، بل لعل الانصراف إلى الجمع حينئذ أقرب منه. ثم إنه بناء على ما ذكرنا من ثبوت الإربع لكل منهما (عليهما السلام) أو هي مع الاثنين أيضا كما سمعته ممن عرفت، بل في المسالك نسبته إلى الرواية فهل يستحب خصوص التكرير تأسيا بكل منهما، إذ الفعلان منهما بمنزلة الإمرين المقتضيين تعدد المسبب كما هو معنى إصالة تعدد المسببات بتعدد الإسباب أو لا يستحب، لعدم ظهور الفعل بالتعدد بخلاف الأمر، وهو الأقوى، ولعله لحظ الأول في المسالك في قوله فيما تقدم، وتظهر الفائدة في النية، ضرورة أو التشخيص حينئذ يكون بقصد النسبة المزبورة، لتعدد الفعل والاتفاق بالكيفية.

[ 198 ]

وكيف كان فلا يتوهم اختصاص استحباب هذين الصلاتين وصلاة جعفر الآتية في شهر رمضان، بل هي مستحبة في كل وقت، قال الصادق (عليه السلام) في خبر المفضل المزبور: (اسمع وعه وعلم ثقاة اخوانك هذه الأربع والركعتين، فانهما أفضل الصلوات بعد الفرائض، فمن صلاها في شهر رمضان أو غيره انفتل وليس بينه وبين الله عز وجل من ذنب) نعم يتأكد استحبابها في خصوص شهر رمضان لزيادة شرفه، وللخبر المذكور وغيره. كما أنه يتأكد استحباب صلاة فاطمة (عليها السلام) في أول يوم من ذي الحجة على ما نص عليه في القواعد والذكرى، ولعله لأنه اليوم الذي تزوجت صلوات الله عليها بعلي (عليه السلام) فيه، فناسب صلاتها فيه كما عساه يفهم من المحكي عن الكفعمي، وقال الشيخ في المصباح: هذا اليوم يوم مولد إبراهيم الخليل (عليه السلام) وفيه زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة من أمير المؤمنين (عليهما السلام) وروي (1) أنه كان يوم السادس، ويستحب أن يصلى فيه صلاة فاطمة (عليها السلام) وروي (2) أنها أربع ركعات مثل صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويستفاد منه أن كون صلاة الأمير (عليه السلام) أربعا مفروغ منه، وأن الظاهر عنده كون صلاة فاطمة (عليها السلام) ركعتين، لنسبته الأربع إلى الرواية، والأمر سهل، ولا ينافي ما ذكرناه من استحباب الصلاة المزبورة في هذا اليوم ما عن البحار من أنه قد ورد في بعض الأخبار صلاة ركعتين في هذا اليوم قبل الزوال بنصف ساعة بكيفية صلاة الغدير كما هو واضح. (و) أما كيفية (صلاة جعفر) الطيار (عليه السلام) التي قد تظافرت الأخبار


(1) البحار - ج 10 ص 27 و 29 من طبعة الكمبانى (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 7

[ 199 ]

باستحبابها المجمع عليه كما عن المنتهى وظاهر المعتبر، بل عن غيرهما أنه من المتفق عليه بين علماء الاسلام إلا نادرا "، وعن آخر أنها مشهورة بين الخاصة والعامة، وبلغت الأخبار بها التواتر، والأئمة صلوات الله عليهم كانوا يصلونها، ولعل المراد بالنادر أحمد، فانه قد حكي عنه عدم استحبابها، ولا ريب في شذوذه وبطلانه، كما أنه لا ريب في شذوذ ما يحكى عن بعض مبغضي العامة من أن الخطاب بهذه الصلاة وتعلمها وقع للعباس عم النبي (صلى الله عليه وآله)، بل في الذكرى أنه رواه الترمذي أيضا، إذ من الواضح أن رواية أهل البيت (عليهم السلام) أوثق، لأن صاحب الدار أدرى بالذي فيها، على أنه من الممكن خطاب النبي (صلى الله عليه وآله) لهما معا بها في وقتين. وكيف كان فتسمى هذه الصلاة بصلاة الحبوة وبصلاة التسبيح، ووجه الثاني واضح، وأما الأول فلما في خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجعفر عليه السلام: ألا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك ؟ فقال له جعفر: بلى يا رسول الله، قال: فظن الناس أنه يعطيه ذهبا أو فضة فتشرف الناس لذلك، فقال له: إني أعطيك شيئا إن أنت صنعته كل يوم كان خيرا " لك من الدنيا وما فيها، فان صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما، أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما) وخبر الثمالي (2) عن الباقر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجعفربن أبي طالب عليه السلام: يا جعفر ألا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك ألا أعلمك صلاة إذا أنت صليتها لو كنت فررت من الزحف وكان عليك مثل رمل عالج وزبد البحر ذنوبا غفرت لك ؟ قال: بلى يا رسول الله) وفي خبر أبي البلاد (3) (قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أي شئ لمن صلى صلاة


(1) و (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 5 1 (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 2 وفي الوسائل ابراهيم بن أبى البلاد

[ 200 ]

جعفر عليه السلام ؟ لو كان عليه مثل رمل عالج وزبد البحر ذنوبا لغفرها الله له، قال: قلت: هذه لنا قال: فلمن هي إلا لكم خاصة) وقال إسحاق بن عمار (1) أيضا للصادق عليه السلام: (من صلى صلاة جعفر عليه السلام هل يكتب له من الأجر مثل ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لجعفر ؟ قال: إي والله)) والظاهر أنه (صلى الله عليه وآله) حباه إياها يوم قدومه عليه من سفره كما يفهم من خبر بسطام (2) وقد بشر في ذلك اليوم بفتح خيبر فقال (صلى الله عليه وآله): (والله ما أدري بأيهما أنا أشد سرورا " بقدوم جعفر عليه السلام أو بفتح خيبر، فلم يلبث أن جاء جعفر قال: فوثب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالتزمه وقبل ما بين عينيه، ثم قال له: ألا أمنحك) إلى آخره. وكيف كان فهي (أربع ركعات) بلا خلاف نصا وفتوى، فمن اقتصر على الثنتين منها لم يأت بالوظيفة، بل هو مشروع في الدين إن قصد ذلك من أول الأمر من غير فرق في ذلك بين القول بأن الأربع بتسليمة واحدة كما يحكى عن ظاهر المقنع حيث قال: وروي أنها بتسليمتين وبين القول بأنها (بتسليمتين) كما هو الشمهور بين الأصحاب نقلا " وتحصيلا "، بل عن مصبايح الأستاذ الأكبر أنه كاد يكون إجماعا، بل لا أجد فيه خلافا إلا ما يحكى عمن سمعت، مع أنا لم نتحققه، بل أنكر غير واحد العبارة المزبورة فيه، نعم لم يذكر التسليم ككثير من النصوص المتضمنة للكيفية، ولعله لمعلومية تثنية النوافل كترك القنوت والتشهد، أو لأن المقصد الأهم في كيفيتها بيان مواضع التسبيح أو غير ذلك، على أنه محجوج بخبر الثمالي (3) أو صحيحه المعتضد بالفتاوى، إذ من المعلوم أنه لا ملازمة بين اشتمالها على التسليمتين وبين جواز الاقتصار


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 2 - 3 - 5 الجواهر - 25

[ 201 ]

على الثنتين، بل ربما يظهر من صحيح ابن الريان (1) الذى أفتى بمضمونه الشهيدان أنه لا ينبغي الفصل بين أداء الأربع بزمان ونحوه اختيارا "، قال: (كتبت إلى الماضي الأخير عليه السلام أسأله عن رجل صلى صلاة جعفر ركعتين ثم تعجله عن الركعتين الأخيرتين حاجة أو يقطع ذلك بحادث يحدث أيجوز له أن يتمها إذا فرغ من حاجته وإن قام عن مجلسه أم لا يحتسب بذلك إلا أن يستأنف الصلاة، ويصلي الأربع ركعات كلها في مقام واحد ؟ فكتب بلى إن قطعه عن ذلك أمر لابد منه له فليقطع ثم ليرجع (فلببن) على ما بقي منها إن شاء الله) بل هو ظاهر في معاملتها معاملة الفريضة الرباعية التي هي بتسليمة واحدة، قال في مصابيح الظلام فيما حكي عنه: (يأتي بالأخيرتين بعد زوال العذر بلا فصل احتياطا، كما أن الفصل بين الأربع لا يفصل من غير عذر احتياطا للخبر المزبور) إلى آخره، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان الجزم به لا يخلو من نظر، خصوصا بعد ما ورد من قصر الكيفية للممستعجل التي قد يدعي أولويتها من الكمية، قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبان (2): (من كان مستعجلا " يصلي صلاة جعفر (عليه السلام) مجردة ثم يقتضي التسبيح وهو ذاهب في حوائجه) وقال في خبر أبي بصير (3) أيضا: (إذا كنت مستعجلا " فصل صلاة جعفر مجردة ثم اقض التسبيح) ولا بأس به بعد ورود الدليل به وفتوى مثل الشهيدين به في الدروس والذكرى والنفلية والروض وغيرها، كما أنه لا بأس بصلاتها في المحمل في السفر كما نص عليه في الذكرى وغيرها، وقد كتب علي بن سليمان (4) في الصحيح إلى الرجل (عليه السلام) يسأله (ما تقول في صلاة التسبيح في المحمل ؟ فكتب إذا كنت مسافرا " فصل) بل لا يبعد أنها على


(1) الوسائل الباب - 6 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 - 2 (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 4

[ 202 ]

طريقة سائر النوافل، فيجري حينئذ فيها ما يجري فيها، لكن عن مصابيح الأستاذ الأكبر أن الأولى والأحوط العمل بالصحيحة، وبما يظهر من الشهيد من الاقتصار على المحمل للمسافر. وكيف كان فكيفيتها أن (يقرأ في الأولى الحمد مرة) اتفاقا ونصوصا (وإذا زلزلت مرة) وفي الثانية العاديات وفي الثالثة إذا جاء وفي الرابعة قل هو الله أحد وفاقا للمشهور بين الأصحاب وتحصيلا "، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما في الفقيه من قوله بعد أن ذكر ما سمعت: (وإن شئت صليت كلها بالحمد والاخلاص) بل عن مقنعه أنه يقرأ بعد الحمد الاخلاص في الجميع، وجعل المشهور رواية، بل عنه في الهداية (أنه يقرأ في الأولى العاديات، وفي الثانية الزلزلة، وفي الثالثة النصر، وفي الرابعة التوحيد) قيل: وهو المنقول عن رسالة أبيه، بل والموجود في فقه الرضا (عليه السلام) (1) وسوى ما عن صاحب الشافية من اختياره ما في خبر أبي البلاد (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (قلت له: أي شئ أقرأ فيها ؟ وقلت: أعترض القرآن قال: لا، اقرأ فيها إذا زلزلت وإذا جاء نصر الله وإنا أنزلناه وقل هو الله أحد) وما عن مجمع البرهان من التخيير، وما عن الحسن بن عيسى من قراءة الزلزلة في الأولى، والنصر في الثانية، والعاديات في الثالثة، والتوحيد في الرابعة، ولا دليل على رخصة الفقيه بالخصوص فضلا " عما سمعته عن مقنعه سوى ما في الروض والمسالك من أنه في بعض الأخبار (3) (إن شئت صليت كلها بالحمد وقل هو الله أحد) ولم نعثر عليه مسندا "، والتمسك لها أي الرخصة المذكورة باطلاق الأمر بالقراءة في بعض النصوص وبسورة


(1) و (3) المستدرك الباب - 2 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 2 لكن رواه عن ابن أبى البلاد

[ 203 ]

في آخر أنه لا ينبغي الاختصاص بالتوحيد ينافيه النهي في خبر أبي ولاد المزبور عن اعتراض القران فيها الذي هو بمعنى الوقوع فيه واختيار ما يشاء من السور، وما في رواية ابن المغيرة (1) من أن الصادق (عليه السلام) قال: (اقرأ في صلاة جعفر عليه السلام بقل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) ونحوه صحيح بسطام (2) عنه (عليه السلام) أيضا مع أنا لم نجد من أفتى بمضمونهما لا اختصاص فيهما بالتوحيد، وكذا لا دليل لما سمعته عن الحسن بن عيسى بالخصوص، بل ولا ما في الهداية سوى ما سمعته عن فقه الرضا (عليه السلام) وأنه في رسالة علي بن بابويه التي هي مضامين النصوص، وصاحب الشافية وإن اختار ما في خبر أبي ولاد لكنه أعرض عن خبر المفضل (3) وخبر إبراهيم بن عبد الحميد (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) المعتضدين بما عرفت من الشهرة، ونسبة الصدوق له في المقنع إلى الرواية، بل ظاهره في الفقيه أن الفضل فيه وإن رخص بالتوحيد، بل لولا ما فيه من الاتيان بليلة القدر لأمكن إرجاعه إلى خبر المفضل، ضرورة أنه بالواو التي هي لمطلق الجمع، ومن ذلك يعرف ما التخيير الذي اختاره المقدس الإردبيلي وإن كان هو أقرب من غيره، بل كان ينبغي له ذكر ما في خبر ابن المغيرة والصحيح المزبور فردا آخر للتخيير، ولا ريب أن الأولى على كل حال ما عليه المشهور وإن كان يقوى الجواز بجميع ذلك بل وبغيره، للاطلاق مع حمل النهي المزبور على إرادة الارشاد للأفضلية لا لعدم أصل الجواز، والله أعلم. (ثم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة) بلا خلاف أجده في هذا العدد، بل وفي غيره مما تسمعه من الأعداد عداما ستعرفه


(1) و (4) الوسائل الباب - 2 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 - 3 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 3 (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1

[ 204 ]

نصا وفتوى، بل ولا في ترتيب الذكر نصا وفتوى أيضا سوى ما عن الفقيه من التخيير بينه وبين تقديم التكبير جمعا بين النصوص (1) المتضمنة للأول وبين خبر الثمالي (2) المشتمل على تقديم التكبير، ولا ريب أن الأول أحوط وأولى، خصوصا بعد معروفية هذا الترتيب في الفريضة وفي قصر المجبورات، بل ورد أنه المراد بالصالحات الباقيات، وكذا لا أجد خلافا بين الأصحاب فيما يستفاد من لفظ (ثم) في المتن وغيره من تقديم القراءة على الذكر في سائر الركعات للنصوص (3) أيضا عدا ما يحكى عن الفقيه أيضا والأردبيلي من جواز تقديمه عليها جمعا أيضا بين تلك النصوص وبين صحيح الثمالي المزبور أو خبره، ولا ريب أن الأول أحوط وأولى. (ثم يركع ويقولها عشرا ") بلا خلاف أيضا نصا وفتوى، لكن هل تكون عوض الذكر أو هي بعده ؟ الأحوط الثاني، بل قد يؤمي إليه عدم التصريح بالعوضية في نصوص المسألة، بل قد يؤمي إليه زيادة على ذلك ما دل (4) على قضاء الذكر بعد الصلاة للمستعجل، إذ من المستعبد بل الممتنع تجرد الركوع هناك عن الذكر، مع أن ظاهر هذين الخبرين تأخر التسبيح خاصة للاستعجال من دون مخالفة أخرى للكيفية، ومعارضة ذلك باشتماله على ذكر العدد خاصة من غير تعرض لذكر الركوع مع قابلية هذا الذكر للبدلية يدفعها احتمال الاتكال على المعلومية، كما يرشد إليه الاقتصار على العدد فيما هو من المعلوم عدم سقوطه به كالتشهد والاستغفار بين السجدتين والتكبير للركوع والسجود والرفع منهما والتسميع ونحو ذلك، واحتمال الالتزام بسقوط ما عدا الأول أيضا مع أن الأول كاف في الارشاد المزبور واضح المنع.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث. 5. (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب صلاة جعفر (ع)

[ 205 ]

(وهكذا يقولها عشرا " بعد رفع رأسه) من الركوع (وفي سجوده وبعد رفعه وفي سجوده ثانيا وبعد الرفع منه، فيكون في كل ركعة خمس وسبعون مرة) وثلاثمائة في الأربع ركعات، ومجموع الكلمات الف ومائتا تكبيرة وتهليلة وتسبيحة وتحميدة كما نص على ذلك كله في خبر أبي بصير (1) وغيره، بل لا خلاف أجده في الفتاوى أيضا إلا ما يحكى عن ابن أبي عقيل من أنها خمس وستون في كل ركعة، لأنه قال: (ثم برفع رأسه من السجود وينهض قائما ويقول ذلك عشرا " ثم يقرأ) وهو - مع أنه لا صراحة فيه بذلك، لاحتمال عدم إسقاطه العدد بعد القراءة أيضا، كما يؤمي إليه ما يحكى عنه من أنه وافق على إيقاع التسبيح بعد القراءة، وإلا فمقتضاه حينئذ سبعون لا خمس وستون - لا دليل عليه، بل صريح الأدلة خلافه، كما أن صريح بعضها وظاهر آخر إيقاع العشرة بعد الرفع من السجدة الثانية وهو قاعد، فما عساه يظهر منه من قوله ذلك بعد النهوض لا دليل عليه أيضا، بل الدليل على خلافه، ولعله يسقط الذكر بعد الرفع بجعل ما ذكره بعد النهوض ما يفعل بعد القراءة، إلا أنه قدمه عليها لصحيح الثمالي أو خبره لا أنه الوظيفة بعد الرفع، وإن كان ينافيه ما سمعته من المحكي عنه آنفا لكن لا ريب في ضعفه على كل حال، ثم إنه من المعلوم وقوع التسبيح قبل التشهد في الثانية والرابعة كما صرح به صحيح الثماني، كما أنه من المعلوم أن للأربع ركعات قنوتين على حسب غيرها من النوافل، وأنهما بعد التسبيح قبل الركوع، وعن بعضهم نفي الخلاف فيه، لكن يقال: إنه بعد الركوع في خبر (2) مروي في احتجاج الطبرسي، ولم يحضرني الكتاب المزبور، إلا أن العمل على خلافه. فاتضح من جميع ما ذكرنا تمام الكلام في كيفيتها (و) أنه (يقرأ) في الركعة الأولى


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1

[ 206 ]

بعد الحمد إذا زلزلت، و (في الثانية) منها الحمد (والعاديات، وفي الثالثة) الحمد و (إذا جاء نصر الله والفتح، وفي الرابعة) الحمد و (قل هو الله أحد) ولا وقت موظف لهذه الصلاة بحيث لا يجوز في غيره للنصوص والفتاوى، نعم قال في القواعد (إن أفضل أوقاتها الجمع) ولعله للتوقيع (1) من الناحية المقدسة في جواب سؤال الحميري في صلاة جعفر عليه السلام (أي أوقاتها أفضل ؟ فوقع (عليه السلام) أفضل أوقاتها صدر النهار يوم الجمعة) بل لا يبعد شدة تأكدها في كل وقت شريف كشهر رمضان وليالي القدر منه وغير ذلك لما عرفت. وفي المروي (2) عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (انه كان يصلي في آخر الليل أربع ركعات بصلاة جعفر عليه السلام إلى أن قال: ويحتسبها في صلاة الليل) ولا بأس بالاحتساب المزبور بعد فتوى غير واحد من الأصحاب به، بل ربما ادعى بعضهم الشهرة عليه، بل في المصابيح نسبته إلى عامة المتأخرين بعد أن حكاه فيها عن الصدوق وابني حمزة وسعيد والعلامة والشهيد، وبعد تظافر النصوص به، منها ما سمعت، ومنها خبر أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) (صل صلاة جعفر أي وقت شئت من ليل أو نهار، وإن شئت حسبتها من نوافل الليل، وإن شئت حسبتها من نوافل النهار حسب لك من نوافلك وتحسب لك في صلاة جعفر) ومنها صحيح ذريح (4) عنه عليه السلام أيضا (إن شئت صل صلاة التسبيح بالليل، وإن شئت بالنهار، وإن شئت في السفر، وإن شئت جعلتها من نوافلك، وإن شئت جعلتها من قضاء صلاة) ومنها خبره الآخر (5) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة جعفر أحتسب بها من نافلتي


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها الحديث 24 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 5 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 5 - 1 - 2

[ 207 ]

فقال: ما شئت من ليل أو نهار) فما عن ابن الجنيد بعد أن ذكر جواز جعلها من قضاء النوافل قال: (لا أحب الاحتساب بها من شئ من التطوع الموظف عليه) وما عن ابن أبي عقيل من أنه لا بأس بصلاتها في الليل إلا أنه لا يحسبه من ورده فيه ضعيف جدا "، وإن كان قد يشهد لهما خبر بسطام (1) المروي عن أربعين الشهيد بسند فيه ضعف عن الصادق (عليه السلام) أنه قال في صلاة جعفر عليه السلام: (ولا تصلها من صلاتك التي كنت تصلي قبل ذلك) لكنه كما ترى قاصر عن معارضة ما عرفت، خصوصا بعد ما قيل من اضطراب متنه أيضا كسنده، لما يحكى عن بعض النسخ (وصلها من صلاتك) فلا يصلح قطعا لمعارضة ذلك الصحيح المؤيد بغيره وعمل الأكثر، بل قيل: وما ثبت من احتسابها من نوافل شهر رمضان كما صرح به الأصحاب، وورد به النقل (2) عن الأئمة (عليهم السلام). نعم لو قلنا باتحاد التسليم فيها كما هو ظاهر الصدوق أمكن حينئذ المنع، لمكان الاختلاف، أما على المختار فلا جهة لمنع الاحتساب المزبور، بل هو في الحقيقة اجتهاد في مقابلة النص الحاكم على إصالة عدم هذا الاحتساب، لأنه من التداخل، وما أبعد ما بينه وبين ما عن الشهيد في البيان من جواز احتسابها من الفرائض، وربما مال إليه في الذكرى والروض بعد أن حكياه عن ظاهر بعض الأصحاب حيث عللاه بأنه ليس فيه تغيير فاحش، بل حكاه في فوائد الشرائع عن الذكرى ساكتا عليه، بل يشهد له مضافا إلى التعليل المزبور صحيح ذريح السابق، لكن لاصالة عدم التداخل، خصوصا الواجب والندب، وعدم إجزاء النفل عن الفرض، ووضوح قصور التعليل المذكور - إذ مع تسليم أنه لا تغيير فاحش باعتبار أن الزائد أذكار لا يقدح في الصلاة، لكن


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 4 (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 1

[ 208 ]

متى جئ بها بقصد صلاة جعفر لم يصح قصد الفريضة معها، واحتمال صحيح ذريح قضاء النوافل أو ظهوره في ذلك، وإلا لذكر الأداء من الفرض، وعدم معهودية ذلك من فعلهم (عليهم السلام) بل المعهود منه غيره، وعدم الفتوى به ممن عدا ما عرفت لم يجتر على مخالفة هذا الأصل العظيم بذلك، بل قد يؤمي الاقتصار في الاحتساب بالنوافل إلى عدمه زيادة على ذلك، وإلا كانت الفرائض أولى بالذكر، أللهم إلا أن يقال بارادة احتسابها في الفرائض بمعنى أن المكلف ينوي الفريضة خاصة من غير ضم نية نفل معها إلا أنه يختار هذه الكيفية في أدائها التي لا تنافي الفرض، لأنها أذكار، فيعطى حينئذ فضلا " من الله ثواب صلاة جعفر، فلا مخالفة فيه حينئذ للأصل، إذ ليس من التداخل على هذا التقدير، بل لعل كل الاحتساب من هذا القبيل، لكن فيه أن ظاهر أدلة الاحتساب قصد أنها صلاة جعفر والنافلة الموظفة مثلا " لا أنه قهري، على أن دعوى أن تلك الكيفية لا تنافي الفرض محل منع، ضرورة أنها هيئة أخرى وإن كان الزائد أذكارا "، كيف وقد جاء بهذه الأذكار بقصد التوظيف في هذه الأحوال لا بعنوان رجحان الذكر المطلق، بل لا يبعد دعوى عدم الاجتزاء بهذه الكيفية وإن لم يقصد الخصوصية بهذه الأذكار، إذ لا أقل من الشك في براءة الذمة بها باعتبار عدم العهدية في مثل هذا الفصل والتراخي في أفعالها، وشيوع عدم منافاة الذكر للصلاة يراد منه ما لم يستلزم تغيير الهيئة مثل هذا التغيير، كقولهم بعدم منافاة القرآن لها، مع أن من الواضح أنه لو قرأ سورة البقرة أو هي مع غيرها بين السجدتين أو قبل الهوي للسجود أو نحو ذلك لم تصح صلاته، لتغيير الهيئة المعهودة، ولعله حينئذ لا ينافيه قولهم: لا يبطل الصلاة القرآن والدعاء، إذ قد عرفت أنه ليس البطلان لذلك، بل إنما هو لما فاته من طول الفصل ونحوه مما هو مغير للهيئة، وكيف كان فلا ريب في أن الأحوط


الجواهر - 26

[ 209 ]

والأولى عدم احتسابها في الفرائض، هذا. ولوسها عن التسبيح أو عن بعضه في بعض الاحوال قضاء في الحالة التي ذكره فيها، للتوقيع (1) عن الناحية المقدسة في جواب سؤال محمد بن عبد الله بن جعفر (عن صلاة جعفر (عليه السلام) إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته ؟ فوقع (عليه السلام) إذا سها في حالة عن ذلك ثم ذكر في حالة أخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره) وحكي العمل به عن ظاهر جماعة وصريح مجمع البرهان ومصابيح الظلام والحدائق، ولا بأس به وإن كان الأحوط له قضاؤه بعد الفراغ مع ذلك، وأحوط منه استئنافها جديدا "، والله أعلم. (ويستحب أن يدعو في آخر سجدة) من هذه الصلاة بعد التسبيح (بالدعاء المخصوص بها) المروي في مرفوع السراد (2) (يا من لبس العز والوقار، يامن تعطف بالمجد وتكرم به، يا من لا ينبغي التسبيح إلا له، يا من أحصى كل شئ علمه، يا ذا النعمة والطول، يا إذا المن والفضل، يا ذا القدرة والكرم أسألك بمعاقد العز من عرشك، وبمنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم الأعلى وكلماتك التامات أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا) أو المروي في خبر أبي سعيد المدائني (3) (سبحان من لبس العز والوقار، سبحان من تعطف بالمجد وتكرم به، سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان من أحصى كل شئ علمه، سبحان ذي المن والنعم، سبحان ذي القدرة والكرم، اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك،


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب صلاة جعفر (ع) الحديث 1 2 لكن روى الأول عن ابن بسطام.

[ 210 ]

ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم، وكلماتك التامة التي تمت صدقا وعدلا " صل على محمد وأهل بيته، وافعل بي كذا وكذا) والأحوط له جمعهما معا، ولعل من لا يستحضر الألفاظ يستحب له ذكر المعاني وما يقاربها ولو بألفاظ أخر، وكذا يستحب أن يدعو بعد الفراغ منها بالمنقول كما في الذكرى. وقد ظهر لك مما سمعته من النصوص فضلا " عمالم تسمعه مقدار فضيلة هذه الصلاة وشدة الاهتمام بها، وربما كان فعلها أشد فضلا " مما روي عنهم (عليهم السلام) من الصلوات وإن نسبت إليهم كصلاة علي وفاطمة (عليهما السلام)، بل وما يحكى من صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) (1) (انها ركعتان يقرأ في كل ركعتين الحمد وإنا أنزلناه خمس عشرة مرة، فإذا ركع قرأها كذلك، فإذا انتصب قرأها كذلك، فإذا سجد قرأها كذلك، فإذا رفع رأسه من السجود قرأها كذلك، فإذا سجد ثانيا قرأها كذلك، فإذا رفع رأسه من السجود قرأها كذلك، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى كذلك) قيل: فإذا سلم دعا بالمنقول في المصباح فينصرف وليس بينه وبين الله عز وجل ذنب إلا غفر له، وفعلها (صلى الله عليه وآله) يوم الجمعة، وإن كان الأولى له فعل الجميع قطعا، ومع التعارض لا ريب في أولوية اختيار صلاة جعفر (عليه السلام)، إذ لا أقل أنها قطعية بخلاف غيرها مما نقل بأخبار الآحاد كالصلوات السابقة وكصلاة الحسين (عليه السلام)، قال في الذكرى: (تصلي يوم الجمعة أيضا أربع ركعات يقرأ في الأولى بعد التوجه الحمد خمسين مرة وكذا الاخلاص، فإذا ركع قرأ الحمد عشرا " وكذا الاخلاص، وكذا في الأحوال، ففي كل ركعة مائتي مرة ثم يدعو بالمنقول) وغيرها من الصلوات المنقولة في يوم الجمعة وغيره وبين العشاءين من كل يوم وغيره المروية في المصباح وغيره.


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة الحديث 1

[ 211 ]

بل تعرض لبعضها جماعة من الأصحاب منهم العلامة في القواعد، قال: (يستحب بين المغرب والعشاء صلاة ركعتين يقرأ في الأولى الحمد وقوله تعالى: (وذا النون) إلى آخر الآية (1) والثانية الحمد وقوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها) إلى آخر الآية (2) ثم يرفع يديه فيقول: اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا، أللهم أنت ولي نعمتي، والقادر على طلبتي، تعلم حاجتي، فأسألك بحق محمد وآل محمد لما قضيتها لي ويسأل حاجته فانه يعطيه ما سأل) وقد رواها الشيخ في المصباح عن هشام بن سالم (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: (من صلى بين العشاءين ركعتين) وذكر الكيفية المزبورة، بل وكذا عن فلاح ابن طاووس (4) مع زيادة، (فأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تتركوا ركعتي الغفيلة، وهما ما بين العشاءين) وظاهر ذكر الكيفية في النص والفتوى بل ربما كان صريح البعض أنها غير ركعتي الرواتب، وإن حكي احتماله عن بعضهم، وأن المراد بين لصلاة المغرب والعشاء إذا صليتا في وقت فضيلتهما لا وقتهما كما حكي عن بعضهم أيضا، بل الظاهر أن هذين الركعتين غير الركعتين اللتين ذكرهما في القواعد أيضا، ورواهما الشيخ في المصباح أيضا (5) عن الصادق (عليه السلام) قال: (أوصيكم بصلاة ركعتين بين العشاءين يقرأ في الأولى الحمد مرة والزلزلة ثلاث عشرة مرة ؟ وفي الثانية الحمد مرة والتوحيد خمس عشرة مرة) وإن كان الظاهر أن هذين ليسا من الأربع أيضا، فما عن بعضهم من الميل إلى أنهما من الأربع أيضا محل للنظر، إذ


سورة الأنبياء - الآية 87 (2) سورة الإنعام - الآية 59 (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 2 (4) المستدرك الباب - 15 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 3 (5) الوسائل الباب - 17 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1

[ 212 ]

الأصل تعدد الفعل بتعدد الأمر وإن كانا معا مطلقين. أما إذا كان أحدهما مطلقا والآخر مقيدا " تقييدا " يحتمل اندراجه في ذلك المطلق فقد يقال بعدم الحكم بالاتحاد أيضا، للأصل بمعنى الظاهر من اللفظ وعدم التنافي، لعدم إحراز الاتحاد، بل لعله كذلك أيضا مع إحرازه أيضا، لامكان حمل الأمر بالمقيد على زيادة الفضيلة التي لا تنافي الفضل المستفاد من أمر المطلق، فلا تنافي حينئذ بخلاف الأمر الوجوبي، فانه لا ريب في حصول التنافي مع فرض اتحاد المأمور به، كما هو واضح، ومن ذلك يعلم أنه لا ينبغي التأمل في التعدد إذا كان المقيد على وجه يظهر منه عدم الاندراج في ذلك المطلق أو تقطع، ولعل ما نحن فيه من هذا القبيل، ضرورة عدم اندراج الركعتين الذين أمر فيهما بقراءة الحمد وتلك الآيات المزبورة في الركعتين المأمور بهما بقراءة الحمد فيهما وسورة كالرواتب وركعتي الوصية المذكورة آنفا، والحمل على التخيير في الكيفية لا دليل عليه، بل ظاهر الدليل خلافه، كما أن ظاهر دليل الوصية المشتمل على تلك الكيفية عدم اندراجه في مطلق الأمر بالركعات المحمول على الرواتب، وكون منشأ فعلها أنها ساعة الغفلة لا يقتضي الاتحاد، كل ذلك مع التسامح في دليل المستحب، فلا ريب أن التعدد حينئذ أحوط وأولى، وقد تقدم لنا بعض البحث في ذلك في أول كتاب الصلاة. ويستحب أيضا يوم الجمعة الصلاة الكاملة، وهي على ما رواه الشيخ في المصباح (1) مسندة إلى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من صلى أربع ركعات يوم الجمعة قبل الصلاة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب عشرا " والمعوذتين والاخلاص والجحد وآية الكرسي عشرا " عشرا "...) قال في المصباح: وفي رواية (2) أخرى (إنا أنزلناه عشرا " وشهد الله عشر مرات


(1) و (2) الوسائل الباب - 39 - من أبواب صلاة الجمعة - الحديث 1 - 2

[ 213 ]

فإذا فرغ من الصلاة استغفر الله مائة مرة، ثم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم مائة مرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله مائة مرة، قال: من صلى هذه الصلاة وقال هذا القول رفع الله عنه شر أهل السماء والأرض) إلى غير ذلك من الصلوات الكثيرة المذكورة في المصابيح وغيرها من كتب الأصحاب شكر الله سعيهم وأجزل ثوابهم وجزاهم الله خيرا ". (الثانية) مما يختص وقتا معينا (صلاة ليلة الفطر وهي) على ما رواه السياري (1) مرفوعا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) (ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة والف مرة قل هو الله أحد، وفي الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد مرة) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من صلى ليلة الفطر ركعتين يقرأ في أول ركعة منهما الحمد مرة وقل هو الله أحد الف مرة، وفي الركعة الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد مرة واحدة لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) بل عن مسار الشيعة للمفيد أن في الرواية (لم ينفتل وبينه وبين الله عز وجل ذنب إلا غفر له) قلت: وخصوصا إذا سأل من الله ذلك. وكيف كان فلا خلاف أجده بين الأصحاب في هذه الصلاة ولا في كيفيتها، قال في الذكرى: إن السياري وإن كان معدودا " في الضعفاء إلا أن الأصحاب تلقوها بالقبول، لكن عن البيان أنه يقرأ في الأولى الحمد مرة ومائة مرة التوحيد، وفي الثانية الحمد مرة والتوحيد مرة، ولعله أراد غير هذين الركعتين. ثم إن ظاهر النص والفتوى عدم اختصاص هذه الصلاة بوقت خاص من ليلة الفطر، لكن عن الكفعمي أنه ذكر استحباب صلاة ركعتين بين العشاءين صفتهما ما سمعته عن البيان، قال: وروي قراءة التوحيد في الركعة الأولى الفا وقد يتوهم منه إرادة هذين الركعتين إلا أنه يمكن حمله على إرادة غيرهما، خصوصا بعد قوله:


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1

[ 214 ]

(وروي) مما يشعر بتمريضه في الجملة، مع أنك عرفت أنها الرواية المعمول عليها بين الإصحاب، فيعلم حينئذ إرادة غير هذين الركعتين، مضافا إلى أن الشيخ نص في المصباح على أن ذات الألف بعد الفراغ من جميع صلواته. (و) منها (صلاة يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذي الحجة قبل الزوال بنصف ساعة) لكن الموجود في خبر العبدي (1) عن الصادق (عليه السلام) (إن من صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة يسأل الله عز وجل يقرأ في كل ركعة سورة الحمد مرة وعشر مرات قل هو الله أحد وعشر مرات آية الكرسي وعشر مرات إنا أنزلناه عدلت عند الله عز وجل مائة الف حجة ومائة الف عمرة، وما سأل الله عز وجل حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة، وإن فاتتك الركعتان والدعاء قضيتها بعد ذلك) ولعله قريب إلى ما ذكره المصنف وغيره من توقيت الصلاة بذلك، وان كان الموجود فيه الاغتسال في الوقت المزبور لا الصلاة إلا أنه من المقدمات لها، فلعل مرادهم بالصلاة ما يشمل ذلك، أو أن المراد بالساعة في الفتاوى النجومية، وفي النص التي وردت بها الأدعية في كل يوم والرابعة فيها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، إذ لا ريب في أنه إذا اغتسل قبل الزوال بنصف هذه الساعة كانت صلاته المتعقبة لغسله قبل الزوال بنصف ساعة نجومية، ولعله إليه يرجع ما قيل من أنه يغتسل قبل النصف الذي هو للصلاة بنصف ساعة، بل وما في المصباح من أنه يغتسل صدر النهار، إذ المراد بالصدر القريب من الرأس بالنسبة إلى الآخر كصدر الانسان، وإلا فلا مأخذ لهما بالخصوص، على أن الأمر فيه سهل بناء " على ما عن المنتهى من أن هذه الصلاة تستحب في هذا اليوم، وأشده تأكيدا " قبل الزوال بنصف ساعة، وهو لا يخلو من قوة.


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1

[ 215 ]

وكيف كان فلا خلاف أجده في هذه الصلاة بين قدماء الأصحاب ومتأخريهم كما عن بعض الاعتراف به عدا ما في الفقيه من أن شيخنا محمد بن الحسين بن الوليد (رضي الله عنه) كان لا يصحح هذا الخبر، وكان يقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني، وكان كذا غير ثقة، وكلما لم يصححه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح، وأنت خبير بما فيه، خصوصا والحكم استحبابي وخصوصا بعد المحكي عن المصنف في المعتبر من أنه روي في ذلك روايات، منها رواية داود بن كثير (1) وإن كنا نحن لم نعثر على رواية أخرى غير المذكورة في كيفية الصلاة المزبورة، إلا أنه هو أدرى أو يريد رواية أصل الصلاة لا هي مع الكيفية. ثم إن مقتضى كون الواو لمطلق الجمع عدم الترتيب هنا وفي غيره بين ما يقرأ بعد الحمد. فلا خلاف حينئذ في التقديم والتأخير في الفتاوى لو كان، لكن في السرائر بعد أن عبر بنحو ما في الخبر من تقديم آية الكرسي على القدر قال: وروي أن آية الكرسي تكون آخرا " وقبلها إنا أنزلناه، وهو يعطي أنه قصد الترتيب بالواو، وعليه تكون المسألة خلافية لتقديم جماعة - كما قيل -: القدر على آية الكرسي، نعم الأولى بناء على ذلك المحافظة على ترتيب الخبر المزبور، كما أو الاولى قراءة آية الكرسي إلى قوله تعالى: (هم فيها خالدون)) لكن بقصد القربة المطلقة فيما بعد قوله تعالى: (العلي العظيم) لما قيل: إن المقرر عند القراء والمفسرين من أن آية الكرسي إليها إلا إذا نص على الزيادة، بل قد يقال بأن له نية الخصوصية أيضا، لامكان دعوى أن المتعارف فيها بين المتشرعة هذا الحد، ولعله لذا نص عليه في القواعد هنا، بل أرسل في المصباح (2)


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة الحديث 2 وفيه داود ابن كثير عن أبى هارون العبدى (2) الوسائل الباب - 47 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 1

[ 216 ]

عن الصادق (عليه السلام) في كيفية صلاة الرابع والعشرين من ذي الحجة ثم قال: وهذه الصلاة بعينها رويناها يوم الغدير، وهو ظاهر في أن المراد بآية الكرسي في يوم الغدير إلى (خالدون) لنصه عليها هنا، هذا. وفي المختلف عن التقي أن من وكيد السنن الأقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير بالخروج إلى ظاهر المصر عند الصلاة قبل أن تزول الشمس بنصف ساعة لمن يتكامل له صفات إمامة الجماعة بركعتين، إلى أن قال: (وتقتدي به المؤتمون، وإذا سلم دعا بدعاء هذا اليوم ومن صلى خلفه، وليصعد المنبر قبل الصلاة فيخطب خطبة مقصورة على حمد الله تعالى والثناء والصلاة على محمد وآله، والتنبيه على عظم حرمة يومه وما أوجب الله فيه من إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحث على امتثال أوامر الله سبحانه ورسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، ولا يبرح أحد من المؤمنين والامام يخطب، فإذا انقضت الخطبة تصافحوا وتهانوا وتفرقوا) انتهى، متضمنا لجملة أحكام لم نقف لها على دليل معتبر، كاستحباب الجماعة فيها التي قد أشبعنا البحث فيها في ذلك الباب، وكالخروج إلى الصحراء فانه لا دليل له سوى أن النبي (صلى الله عليه وآله) فعلها كذلك في ذلك اليوم، لكن لم يكن قد خرج بل نزل الوحي عليه في أثناء الطريق فأداه كما نزل في ذلك الوقت وعلى ذلك الحال، فلا تشمله حينئذ أدلة التأسي قطعا، بل هو كأفعاله العادية، كاستحباب الخطبة فانه لم نقف أيضا على رواية صريحة في ذلك سوى ما ستسمع، لكن لعلها لا بأس بها لأنها ذكر الله سبحانه وتمجيده وتحميده وذكر لله ورسوله وآله وصلاة عليهم وموعظة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر ونحو ذلك، والكل حسن مرغوب شرعا في كل وقت، ويوم الغدير أشرف الأيام، والحسنات تتضاعف فيه، وقد خطب فيه النبي (صلى الله عليه وآله) مضافا إلى ما في


الجواهر - 27

[ 217 ]

المصباح (1) مسندا " عن الرضا (عليه السلام) من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) صعد المنبر على خمس ساعات من نهار هذا اليوم فحمد الله وذكر الخطبة - إلى أن قال -: ثم أخذ في خطبة الجملة وجعل صلاة جمعته صلاة عيده، ولم يرو له صلاة لليوم بعد الخطبة وقبلها ولعل الذي دعاالتقي إلى جميع ما سمعت إجراء أحكام العيد على يوم الغدير والمحافظة على حفظ ما وقع فيه، ولذا ولتأكيد الاخوة وتثبيت المودة والتشبيه بالصحابة أمر فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذيل خطبته المزبورة بالتصافح والتهاني ونحوهما. ثم إن الخبر إن الخبر المزبور قد صرح فيه بقضاء هذه الصلاة لو فاتت، وعن المنتهى التصريح به، كما أنك قد عرفت أن الشيخ أرسل عن الصادق (عليه السلام) صلاتها أيضا في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، والله أعلم. (و) منها (صلاة ليلة النصف من شعبان) وعن مجمع البرهان أنها مشهورة، بل في المصباح أنه رواها ثلاثون رجلا " من الثقاة، قال في القواعد: وهي أربع ركعات بتسليمتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، والاخلاص مائة مرة ثم يعقب ويعفر، وكأنه أخذ التسليمتين من الأصل والقاعدة في النوافل، وإلا فلم يذكر في النص بل وجملة من الفتاوى كما قيل، بل ولم يذكر فيه ولا فيها التعفير بل ولا التعقيب، نعم قال في المصباح متصلا بالخبر المزبور: فإذا فرغت فقل: (اللهم إني اليك فقير) إلى آخره، لكن الواقف على فضل هذه الليلة وما ورد فيها يعلم أنه ينبغي أن يفعل كلما يتمكن منه من فعل الخير، ولا وقت خاص بها من هذه الليلة لا في النص بل ولا في الفتوى إلا ما يحكى عن المراسم من أن وقتها بعد العشاء الآخرة، ولعله أخذه مما ورد في غيرها من صلوات هذه الليلة، ومن أن ذلك هو مبدأ التوجه إلى الأعمال المرادة في مثلها، لأنه أول وقت الفراغ من الفريضة وتوابعها ومما يحتاجه لاستقامة بدنه من القوت


(1) مصباح المتهجد - ص 524

[ 218 ]

ونحوه، والأمر في ذلك كله سهل، وقد ذكر في هذه الليلة صلوات فلتطلب من مظانها. (و) منها (صلاة) ليلة نصف رجب و (ليلة المبعث ويومه) وهي على ما في القواعد إثنتا عشر ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد ويس، بل هو المحكي أيضا عن النهاية في يوم المبعث، وعن السرائر وبعض نسخ المصباح فيه وفي ليلته، وعن أكثر النسخ الحمد وسورة في ليلة النصف ويوم المبعث، كما عن المعتبر والمنتهى في اليوم، والتذكرة في ليلة النصف، وعنها والتحرير والمعتبر والمنتهى في ليلة المبعث كل ركعة الحمد مرة والمعوذتين والتوحيد أربع مرات، بل كذلك عن الأول بالنسبة إلى يوم المبعث، ولا يبعد الاكتفاء بأي سورة، ولذا حكي عن النهاية والسرائر أنه إن لم يتمكن من قراءة يس قرأ ما تيسر، بل الموجود في المحكي في المصباح عن أبي القاسم الحسين ابن روح مما يعلم أنه أخذه من الامام (عليه السلام) ذلك أيضا من غير اشتراط عدم التمكن، كما أن الموجود في خبر أبي الصلت (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) مطلق السورة أيضا، نعم قال: (فإذا فرغت قرأت الحمد أربعا وقل هو الله أحد أربع مرات والمعوذتين أربعا، وقلت: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربعا، الله ربي لا أشرك به شيئا أربعا، لا أشرك بربي أحدا أربعا) إلا أن مورد الخبر المزبور يوم النصف ويوم المبعث، (و) تمام البحث في (تفصيل هذه الصلوات) وغيرها (وما يقال فيها وبعد ها مذكور في كتب العبادات) لأصحابنا شكر الله سعيهم وأجزل ثوابهم. (خاتمة كل النوافل يجوز أن يصليها الانسان قاعدا ") اختيارا " على المشهور، بل عن المعتبر والمنتهى والتذكرة والنهاية والبيان الاجماع عليه، بل لا أجد فيه خلافا إلا


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب بقية الصلوات المندوبة - الحديث 4 وهو خبر ريان بن الصلت

[ 219 ]

من الحلي، فمنعه إلا في الوتيرة وعلى الراحلة مدعيا خروجهما بالاجماع للأصل مع شذوذ الرواية المجوزة، ولا ريب في ضعفه بعد ما عرفت، ومنه يعلم ما في النسبة إلى الشذوذ، وإن أراد رواية لا عملا " فهو أغرب من الأول، إذ هي مع أنها معتبرة في أعلى درجات الاستفاضة إن لم تكن متواترة، مضافا إلى ما يشعر به جواز الجلوس في ركعات الاحتياط المعرضة للنافلة، فالنافلة أولى، ومضافا إلى التسامح، إذ هو كما يجري في الأصل يجري في الكيفية، لاندراجها عند التأمل في قوله (عليه السلام) (1): (من بلغه ثواب على عمل) وفي غيره من أدلته، فلا ينبغي التوقف حينئذ في ذلك. (و) لكن فعلها عدا الوتيرة (قائما أفضل) بلا خلاف أيضا، لظاهر النصوص ولأن أفضل الأعمال أحمزها، أما الوتيرة فظاهر الأكثر وصريح الروض أن الجلوس فيها أفضل، لتضمن المعتبرة أنها ركعتان من جلوس يعد ان بركعة من قيام، ولأنها شرعت لتكميل النوافل وصيرورتها ضعف الفرائض، وهو إنما يتأتى مع الجلوس فيها، إذ الظاهر تثنيتها على تقدير القيام فيها كما صرح به في الروض، وتسمعه في الصحيح الآتي، على أنه مضافا إلى ذلك مناف لنصوص الاحدى وخمسين، ودعوى احتسابهما واحدة كما صرح به المحقق وحكي عن غيره بعيدة، كما عن كشف اللثام لا دليل عليها إلا البدلية عن الجلوس المقتضية أنهما واحدة، وهو كما ترى أيضا، وظاهر ذكرى أول الشهيدين وصريح روضة ثانيهما أفضلية القيام فيها أيضا، بل حكي ذلك عن الفاضل وجماعة من المتأخرين، ولعله لاطلاق ما دل (2) على رجحان القيام في النافلة، ورجحان الأحمز من الأعمال، ولصريح الموثق (3) أن القيام أفضل، وظاهر الصحيح (4)


(1) الوسائل الباب 18 من أبواب مقدمة العبادات من كتاب الطهارة (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القيام من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب - 4 - من أبواب القيام الحديث 3 (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها - الحديث 9

[ 220 ]

(وركعتان بعد العشاء الآخرة كان أبي يصليهما وهو قاعد، وأنا أصليهما وأنا قائم) فان مواظبته (عليه السلام) على القيام فيهما يدل على رجحانه، ولا ينافيه مواظبة أبيه (عليه السلام) على الجلوس بعد أن كان محتملا " أنه لمشقة القيام عليه (عليه السلام) لكثرة اللحم كما يظهر من بعض الروايات، كخبر سدير (1) قال: (قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أتصلي النوافل وأنت قاعد ؟ فقال: ما أصليها إلا وأنا قاعد منذ حملت هذا اللحم وبلغت هذا السن) بل قيل: إنه يشهد للمطلوب أيضا الصحيح الآخر (2) (كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلي ركعتين بعد العشاء يقرأ فيهما بمائة آية يحتسب بهما، وركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بالتوحيد والجحد، فان استيقظ في الليل صلى وأوتر، وإن لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلى ركعة واحتسب الركعتين اللتين صلاهما بعد العشاء وترا ") فان فيه إشعارا " بأن الأولتين هما الوتيرة وأنه صلاهما قائما على أظهر معنييه، وهو ما ترى، لكن ومع ذلك كله فلا ريب في أن الأحوط اختيار الجلوس فيهما، للاتفاق على صحته فيهما، بخلاف ما لو صلى قائما فانه قد يلوح من بعض عباراتهم تعيين الجلوس فيهما وعدم مشروعية غيره، حيث اقتصروا عليه في مقام البيان، وكذا في بعض الأخبار (3) وأما غيرها من النوافل فلا ريب نصا وفتوى في أن صلاتها قائما أفضل وأحوط. (و) كذا لا ريب في أنه (إن جعل كل ركعتين من جلوس) مفصولتين (مكان ركعة) من قيام (كان أفضل) من الصلاة جالسا ركعة ركعة قطعا، بل لا أجد فيه خلافا أيضا للنصوص، منها خبر ابن مسلم (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب القيام الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 44 - من أبواب المواقيت الحديث 15 من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب - 29 - من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القيام الحديث 3

[ 221 ]

عن رجل يكسل أو يضعف فيصلي التطوع جالسا قال: يضعف ركعتين بركعة) وصحيح الصيقل (1) قال: (قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إذا صلى الرجل جالسا وهو يستطيع القيام فليضعف) وخبر علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) المروي عن كتابه، قال: (سألته عن المريض إذا كان لا يستطيع القيام قال يصلي النافلة وهو جالس، ويحتسب كل ركعتين بركعة، وأما الفريضة فيحتسب كل ركعة بركعة) ولا ينافي ذلك النصوص (3) المتضمنة عدد الرواتب مثلا " بعد إمكان حملها على ارادة العدد بصلاة القائم، بل هو الظاهر إن لم يكن المقطوع به، إذ احتمال إرادة تضاعف الأجر خاصة من هذه النصوص واضح الفساد، وإن كان ربما يشهد له خبر أبي بصير (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قلت له: إنا نتحدث نقول: من صلى وهو جالس من غير علة كانت صلاته ركعتين بركعة، وسجدتين بسجدة، فقال: ليس هو هكذا هي تامة لكم) لكن يمكن حمله كما في الذكرى وعن المبسوط على إرادة بيان أصل الجواز وغيره على الاستحباب أو على غير ذلك، كوضوح فساد احتمال إرادة الاحتساب المزبور من غير فصل بالتسليم للاطلاق، فتكون النافلة حينئذ من جلوس التي هي عوض عن ركعتي القيام أربع ركعات بتسليمة واحدة، ضرورة تنزيل الاطلاق المذكور على المعلوم من نصوص أخر (5) معتضدة بالفتاوى من تثنية النوافل عدا ما خرج بالدليل كصلاة الأعرابي (6). وكيف كان فقد يساوي التضعيف المزبور في الفضل أو يفضل عليه، بل هو


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب - 5 - من أبواب القيام الحديث 4 - 5 - 1 (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها (5) الوسائل الباب 15 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها (6) الوسائل الباب - 39 - من أبواب صلاة الجمعة الحديث 3

[ 222 ]

كصلاة القائم تلفيق كل ركعة من القيام والقعود بمعنى أنه يقرأ القراءة مثلا " وهو جالس فإذا أراد أن يختمها قام فركع، كما في صحيح زرارة (1) (قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل يصلي وهو قاعد فيقرأ السورة، فإذا أراد أن يختمها قام فركع بآخرها قال: صلاته صلاة القائم) وفي صحيح حماد (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) (فإذا كنت في آخر السورة فقم فأتمها واركع فتلك يحتسب لك بصلاة القائم) وفي خبره الآخر أو صحيحه (3) عن الصادق (عليه السلام) (فإذا بقي من السورة آيتان فقم فأتم ما بقي واركع واسجد فذلك صلاة القائم). ولو اقتصر على ذلك في إحدى الركعتين لم يبعد جوازه مع نقصان ربع الأجر أو أزيد منه بيسير بناء " على نقصان الملفقة عن الركعة التي يقام فيها قياما، نعم هو ربع لا غير لو صلى ركعة من قيام وأخرى من جلوس لو قلنا بجوازه كما هو الظاهر، لعدم الفرق في الجلوس في النافلة بين الجميع والبعض، بل هو ظاهر دليل الجواز، وقد يقال بالمنع لعدم التوظيف، والأول أولى، لكن ليس له التضعيف للركعة الباقية في هذا ونحوه، لاقتضائه التسليم على الركعة الواحدة المنافي لتثنية في النوافل. ولا يخفى أن الظاهر من هذه النصوص الجلوس حتى في تكبيرة الاحرام، وإنما يقوم في آخر السورة لكن في شرح المقدس البغدادي أن في تخصيص القراءة بالجلوس دلالة على أن التكبير للاحرام في القيام من حيث أن القيام هو الأصل الذي كان عليه في الاستعداد للصلاة، وظاهره وقوع التكبير للاحرام فيه في إدراك فضل صلاة القائم وفيه بحث واضح. ثم إن ظاهر المصنف وغيره ممن اقتصر على الجلوس عدم جواز غيره من الاستلقاء والاضطجاع ونحوهما اختيارا "، بل هو صريح الشهيد وغيره، بل ظاهر الاقتصار في نقل


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 9 - من أبواب القيام الحديث 1 - 3 - 2

[ 223 ]

الخلاف في ذلك من غير واحد على العلامة في النهاية فأجازه عدمه من غيره للأصل الذي لا يقطعه ما يستدل به للفاضل من أن الكيفية تابعة للأصل فلا يجب، والنبوي (1) (من صلى نائما فله نصف أجر القاعد) إذ الأول كما ترى، ضرورة أن المراد بالوجوب المعنى الشرطي كالطهارة، وأما الثاني فهو ليس من طريقنا، فلا يتمسك به لاثبات مثل هذا الحكم المخالف لاصالة التوقيف في العبادة، لكن قد يقال بجريان دليل التسامح في كيفية العبادة كأصلها، فيكفي حينئذ في إثباته فتوى مثل الفاضل المزبور والخبر المذكور وإن لم يكن من طريقنا، وفحوى النصوص (2) الواردة في جواز فعلها حال الجلوس والمشي وعلى الراحلة ونحو ذلك مما يؤمي إلى أن المراد وجودها في الخارج على أي حال يكون، وخصوص خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (صل في العشرين من شهر رمضان ثماني بعد المغرب وإثنتي عشر ركعة بعد العتمة - إلى أن قال -: قلت: جعلت فداك فان لم أقو قائما ؟ قال: فجالسا، قلت: فان لم أقو جالسا ؟ قال: فصل وأنت مستلق على قفاك) ومن المعلوم إرادة الضعف في الجملة عن الأداء جالسا من نفي القوة كما يؤمي إليه تعليق فعلها جالسا على ذلك مما علم عدم اشتراطه به، فتأمل جيدا ". ثم إن إطلاق أكثر النصوص والفتاوى يقتضي التخيير في الجلوس بين جميع كيفياته، بل في بعضها (4) نفي البأس عن التربع ومد الرجلين وأن ذلك واسع وفي آخر (5) (عن الصلاة في المحمل فقال: صل متربعا وممدود الرجلين وكيف أمكنك)


(1) سنن أبى داود ج 1 ص 344 الطبعة الثانية عام 1369 مع اختلاف في اللفظ (2) الوسائل الباب 15 و 16 من أبواب القبلة والباب 4 من أبواب القيام من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث 5 من كتاب الصلاة (4) و (5) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القيام الحديث. 5

[ 224 ]

نعم يكره الاقعاء وهو كما قيل: أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه كما يفعله العامة، للصحيح (1) (إياك والقعود على قدميك فتتأذي بذلك) وكذا إقعاء الكلب، للنهي عنه (2)، وتمام الكلام في البحث فيه في غير المقام، لكن في مصابيح الطباطبائى (أنه يستحب للجالس مطلقا أن يتربع في جلوسه، فإذا ركع ثنى رجليه بلا خلاف للحسن (3) وهو أن ينصب فخذيه وساقيه، كذا قالوا) إلى آخره، بل عن ظاهر المنتهى وغيره وصريح الخلاف الاجماع على استحباب التربيع قارئا، كما عن ظاهر المعتبر وغيره استحباب ثني الرجلين راكعا، ولا بأس به، لحسن حمران بن أعين (4) عن أحدهما (عليهما السلام) (كان أبي إذا صلى جالسا تربع، فإذا ركع ثنى رجليه) وأما ما يشعر به بعض الأخبار من كراهة فعله مطلقا حتى في بعضها (5) (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجلس جلسة (القرفصاء) وعلى ركبتيه وكان يثني رجلا واحدة ويبسط الأخرى عليها، ولم ير متربعا قط) فلعل المراد بالتربيع فيه ما عن مجمع البيان أن يقعد على وركيه ويمد ركبته اليمنى إلى جانب يمينه، وقدمه إلى جانب شماله، واليسرى بالعكس، بل هو المحكي عن الجوهري والزمخشري وفقه الثعالبي وغيرها كذلك، بل لعله هو الذي يشهد له خبر أبي بصير (6) عن الصادق عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد، ولا يضع إحدى


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب أفعال الصلاة الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب السجود من كتاب الصلاة (3) و (4) الوسائل الباب - 11 - من أبواب القيام الحديث 4 (5) الوسائل الباب - 74 - من أبواب أحكام العشرة الحديث 1 من كتاب الحج (6) الوسائل الباب - 9 - من أبواب آداب المائدة الحديث 2 من كتاب الأطعمة والأشربة الجواهر - 28

[ 225 ]

رجليه على الأخرى، ولا يتربع، فانها جلسة يبغضها الله ويبغض صاحبها) فيكون التربيع الذي ذكرناه في الصلاة غير ذلك، بل هو ما سمعته من نصب الفخذين والساقين جلسة العبد المتهئ للامتثال والقيام إذا دعا، والظاهر عدم وضع الاليتين فيه على الأرض، وإلا كان من الاقعاء المنهي عنه في وجه، ولعله ظاهر من اقتصر في تفسيره على نصب الفخذين والساقين، لكن الذي حكي عن غير واحد التصريح بوضع الاليتين على الأرض فيه، وله وجه، ولا بأس بتعدد معنى التربيع فتأمل، قال في القاموس: (تربع في جلوسه خلاف جثى وأقعى) ومقتضاه كما في الحدائق أنه على غير هذه الحالتين من هيئات الجلوس، هذا، وقد ذكر في الذكرى عن بعض الأصحاب أنه احتمل في كيفية ركوع القاعد وجهين متقاربين ذكرهما العامة، وتمام البحث فيهما وفيما يتعلق بالقاعد من الفروع بالنسبة إلى تمكنه من أقل الركوع وأكمله فقط، فهل يجب عليه أن يفاوت بينه وبين السجود بالانخفاض أو لا يجب ؟ يذكر في بحث القيام في الصلاة، فلاحظ وتأمل، إذ مثله يأتي في المقام أيضا. ثم إنه يستفاد من التأمل فيما ذكرنا أن معنى جواز الجلوس في النافلة استحباب هذه الكيفية من الصلاة أيضا وان كان الصنف القيامي أفضل منه، لكن هو صنف مستقل برأسه راجح بالنسبة إلى تركه مرجوح بالنسبة إلى غيره، بل هو بالنسبة إلى افراده مختلف المرتبة في الفضيلة أيضا كما عرفته سابقا، فمن نذر الصلاة جالسا حينئذ انعقد نذره كما في الذكرى وعن غيرها، ولعله لعموم الأمر بالوفاء به، وكون الصلاة جالسا مرجوحة بالنسبة إلى الصلاة قائما لا يقضي ببطلان النذر بعد أن كان هذا الفرد راجحا في نفسه أيضا ولو لعدم رجحان الخصوصية بنفسها بل هي من التوابع، إذ لا يشترط في صحة النذر رجحانه مطلقا، وإلا (لافتضى) عدم انعقاده في المسجد مثلا إذا كان غيره أشرف منه، وكذا لا يقتضي بانعقاد المطلق دون المقيد،

[ 226 ]

إذ هو تفكيك مخالف لقصد الناذر مع اتحاده، نعم يتم لو كان له قصدان مستقلان تعلق أحدهما بالمطلق والآخر بالمقيد على معنى نذر الصلاة وأن يكون جالسا فيها أمكن ذلك حينئذ. ومنه يعلم أن المتجه البطلان فيما لو قيده المطلق بأمر لا يشرع معه، كما لو نذر الصلاة بدون طهارة، كما هو ظاهر القواعد وصريح الذكرى وعن غيرها، وإن كان اللازم لأولهما حيث حكم بانعقاد النذر بالنسبة إلى المطلق دون القيد فيما لو نذر النافلة جالسا الحكم بالصحة هنا أيضا كذلك، لكنه لا يخفى عليك ما فيه في المقامين، وإن ان الثاني منهما أوجه من الأول. لأن نذرها جالسا لا يقتضي حرمة القيام عليه فيها، إذ النذر يلا ينعقد في ترك الراجح وفعل المرجوح بالنسبة إلى غيره، ولا جهة رجحان في خصوصية نفسها، والاكتفاء برجحان طيبعة الفرد التي تتبعه الخصوصية يستلزم انعقاده في الأماكن المكروهة ونحوها، فلا يراد حينئذ من نذرها جالسا عدم فعلها قائما، ولو أراده لم ينعقد بالنسبة إلى ذلك، نعم يبرأ بكل منهما، كما أنه يأثم بتركهما معا. وهو معنى وجوب المطلق دون القيد، وليس هو كاطلاق نذر الركعتين المنصرف إلى القيام مع غفلة الناذر عن خصوص القصد وإناطته بما ينصرف إليه اللفظ، وفيه أنه مع فرض عدم قصد الناذر التقييد خروج عن موضوع المسألة، ومع فرضه لا يتجه إلزامه بالمطلق الذي لم يقصده الناذر، ضرورة أنه غير المقيد، فما وضع لم يقصد وما قصد لم يقع، بل المتجه حينذ البطلان كما عن المحقق الثاني، لعدم إمكان انعقاد ما نذره على وجه يحرم عليه الأفضل منه وعدم قصد غيره، بل لعله عند التأمل كما لو علق النذر بالقيد كأن يقول: لله علي أن أكون على الراحلة أو جالسا أو مستدبرا " عند راتبة الظهر اليوم نعم ينعقد القيد إن قال: لله علي إن استويت على الراحلة أو جلست على الأرض مثلا " أن أكون عليها مصليا، لان المعتبر حينئذ رجحان الصلاة على تركها، وليس ما نحن فيه

[ 227 ]

منه قطعا، بل هو أقرب شئ إلى الأول، ضرورة انصراف قوله: لله علي أن أصلي النافلة جالسا إلى إرادة إلزام القيد الزائد لا أصل المطلق وإلزام هذا القيد بهذا النذر بدعوى الاكتفاء في انعقاد النذر برجحان الفرد لرجحان الطبيعة فيه، وإن لم يكن للخصوصية مدخلية يقتضي الالزام بسائر المشخصات من الأمكنة والأزمنة وسائر المقارنات من اللباس وبعض الأحوال الراجعة للمصلي وغيره مما هو معلوم عدمه عند التأمل الجيد، كما هو واضح. بسم الله الرحمن الرحيم (الركن الرابع في التوابع) (وفيه فصول): (الفصل الأول) (في الخلل الواقع في الصلاة) المفروضة اليومية وإن شاركها غيرها من الفرائض والنوافل في كثير من الأحكام كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى (وهو إما) أن يكون (عن عمد) أي قصد مع تذكر المصلي كونه في الصلاة، بل محل ما يجب الشئ فيه، وإلا لدخلت كثير من أحكام السهو في العمد كما ستعرف إن شاء الله تعالى (أو سهو) وهو كما عن الفقهاء عزوب المعنى عن القلب بعد خطوره بالبال، ولعل عدم تعريفه أولى لظهوره، وتساوي الخاص والعام في معرفته، كوقوعه وعدم خلو غير المعصوم منه، وإلا فتعريفه بما سمعت لا يخلو من إجمال، ولا فرق في أحكام السهو بين العالم والجاهل فكما يقع من العالم السهو فيخل ببعض ما يعلم وجوبه كذلك من الجاهل بالوجوب بالنسبة للعزم على الفعل والتعود على وقوعه، فيكون المدار حينئذ على سبب الترك، فان

[ 228 ]

كان الجهل كان من العامد، وإن كان السهو كان من الساهي، وإن كان الجهل سببا للسهو فوجهان (أو شك) والمراد به تردد الذهن من غير ترجيح، قيل والفرق بينه وبين ما تقدمه بالنسبة للاخلال كونه نفسه خللا في الصلاة بخلاف الأولين، فانهما سببان للخلل الذي هو نقص مثلا "، وفيه تأمل، فانه قد يكون أيضا سببا للخلل، بقي الكلام في الخلل الواقع من سبق اللسان، فانه لا يندرج في أحد الثلاثة وإن كان الظاهر عدم بطلان الصلاة به مع التدارك بالصحيح، ولو أراد الجهر مثلا فأخفت أو بالعكس على وجه لا يندرج في العامد ولا الناسي ولا الجاهل ففي التدارك جهرا " أو إخفاتا نظر، ولو كان الخلل وقع اضطرارا " بفعل أجنبي مثلا " فانه لا يدخل في أحد الثلاثة أيضا. ولو كان بمثل الطمأنينة في القراءة ففي إعادتها مطمئنا نظر. (أما) أحكام (العمد فمن أخل بشئ من واجبات الصلاة) لها أو فيها (عامدا " فقد أبطل صلاته) لقوله: (شرطا كان ما أخل به) كالوضوء والتستر وطهارة الثوب والبدن ونحو ذلك (أو جزء منها) كالقراءة والسجود (أو كيفية) كالجهر والاخفات (أو تركا) كالكلام والالتفات والقهقهة ونحو ذلك، لما تبين في الأصول من اقتضاء النهي في العبادة الفساد من غير فرق بين ما يتعلق بنفس العبادة أو شرطها أو خارج عنها فيها، كالنهي عن التكفير والكلام وإن كان اقتضاؤه في البعض عقليا وفي الآخر عرفيا، لكنهما مشتركان في أنه لم يأت بالمأمور به على وجه، لكون الاخلال بالجزء إخلالا " بالكل، ولانعدام المشروط بانعدام الشرط، فيبقى في عهدة التكليف، على أن الحكم في المقام إجماعي على الظاهر، وعن نهاية الأحكام أنه لا خلاف فيه، فما وقع من بعض المتأخرين من أن النهي إذا لم يتعلق بنفس العبادة أو شرطها لا يقتضي فسادها وإنما يثبت البطلان بدليل من خارج كما في الكلام والالتفات ليس في محله.

[ 229 ]

نعم قد عرفت أنه لابد في العامد من تذكر كونه في الصلاة، بل لابد من تذكر كونه في المحل الذي يجب فيه الشئ، فمن تكلم عامدا " غافلا " عن كونه في الصلاة أو من ترك الطمأنينة غافلا " عن كونه في السجود مثلا " ليس من العامد في شئ، وأولى منه ما لو زعم نفسه أنه خارج عن الصلاة، وإلا لوجب الحكم بفساد صلاة من سلم زاعما الاتمام على أنه عن المنتهى (أنه لو تكلم ناسيا للصلاة لم تبطل صلاته، وعليه علماؤنا أجمع) فما يقال -: إن القاعدة تقتضي البطلان في الجميع، والمعلوم خروجه من السهو إذا كان في نفس الشئ، كأن يقع الكلام مثلا " عن غير قصد أو يترك السجود كذلك فيبقى الباقي، ولا بأس بالحكم بفساد صلاة المسلم مع زعم الاتمام بعد فرض كونه من المسألة، إلا أن يدل دليل، وما عن المنتهى لا صراحة فيه في كون الكلام وقع عمدا "، وعلى تقديره فهو أخص من الدعوى - ضعيف جدا "، لاطلاق النص والفتوى في السهو، بل لعل الغالب في أفراده ذلك، مع ما يظهر من ملاحظة الأخبار من إطلاق السهو على المسلم بزعم الاتمام ونحوه، ولعلك تسمع لهذا الكلام تتمة إن شاء الله تعالى وكيف كان فلا فرق بين العالم بالحكم الشرعي التكليفي والوضعي والجاهل بهما أو بأحدهما معذورا " كان الجاهل أو غير معذور على الأصح في الأخير، ولذلك قال: (وكذا) أي تبطل صلاته (لو فعل ما يجب تركه أو ترك ما يجب فعله جهلا " بوجوبه) أو بتوقف الصحة عليه، فيكون كالعامد غير معذور، وعن الدرة الاجماع عليه، كما عن شرح الألفية للكركي أن جاهل الحكم عامد عند عامة الأصحاب في جميع المنافيات من فعل أو ترك، مضافا إلى قول الصادق (عليه السلام) في خبر مسعدة بن زياد (1) في قوله تعالى (2): (فلله الحجة البالغة) إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي


(1) أمالى المفيد (ره) المجلس الخامس والثلاثون - الحديث 172 1 (2) سورة الأنعام - الآية 150

[ 230 ]

أكنت عالما ؟ فان قال: نعم قال له: أفلا عملت بعلمك (بما علمت خ ل) ؟ وإن قال: كنت جاهلا " قال: أفلا تعلمت حتى تعمل، فيخصمه، فتلك الحجة البالغة) فما يقال في الجاهل المعذور: إنه مأمور، والأمر يقتضي الاجزاء يدفعه أنه لا أمر حقيقة بل هو تخيل الأمر، ووجوب العمل عليه بما تخيله للنهي عن الجرأة على المعصية لا يقتضي الاجزاء عن المراد والمطلوب واقعا، وإلا لانهدمت قاعدة واقعية الشرائط ولا أجزاء كما هو واضح. (إلا الجهر والاخفات) فانه يعذر الجاهل بذلك إجماعا محصلا " ومنقولا " كما تبين في محله من غير فرق فيه بين المتنبه وغيره، إلا إذا لم يمكن نية القربة من جهته، بل لا يشترط في ذلك سبق تقليده بالمعذورية وإن فعل محرما بترك السؤال مع التنبه، إذ لا تلازم بين صحة (1) العبادة وفعل المحرم من جهة أخرى (في مواضعهما) والمتيقن منه القراءة في الأولتين مع احتمال الاطلاق، بل ظهوره في القراءة في الأخيرتين، بل والذكر فيهما، لشمول رواية زرارة (2) المتقدمة سابقا له، نعم قد يخص ذلك بما إذا لم يكن وجوب الاخفات من حيث المأمومية، فانه لا يعذر الجاهل فيه كما يأتي إن شاء الله، واقتصارا " فيما خالف الاصل على ما هو المنساق من غير المفروض ومثل الجهر والاخفات القصر والاتمام، لا يستثنى من الجاهل بالحكم بالنسبة إلى الصحة والبطلان غير هذين المسألتين وإن تحققت المعذورية في الاثم في غيرهما، والظاهر تناول معذوريته في المقام لما لو علم بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع، بل لو علم في الأثناء مضى ما كان جاهلا " فيه ووجب الباقي، وهل المراد بالجهل ما يشمل الجهل


(1) في النسخة الأصلية هكذا ولكن حق العبارة هكذا (بطلان العبادة) أو (لا تنافى بين صحة العبادة وفعل المحرم) (2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5

[ 231 ]

بالخصوصية كما لو علم مثلا " في الجملة وجوب الجهر في بعض الفرائض والاخفات في أخرى إلا أنه لم يعلمهما بالتفصيل ؟ وجهان، أقواهما عدم الشمول، اقتصارا " على المتيقن من النص والفتوى. (ولو جهل غصبية الثوب الذي يصلى فيه أو المكان) فلا قضاء ولا إعادة بلا خلاف أجده، لعدم النهي، ولم يثبت اشتراط كونه ليس مغصوبا في الواقع، نعم يتجه البطلان مع العلم بالغصبية، لعدم جواز اجتماع الأمر والنهي في شئ (أو) جهل (نجاسة الثوب أو البدن) ولو الجبهة، بل وما تسمعه من الشعر ولو مسترسلا " ونحوه مما يصدق معه إصابة الشخص المصلي المندرج في نحو قول علي (عليه السلام) (1): (ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم) فانه معذور بالنسبة للقضاء من غير خلاف معتد به، وأما الاعادة في الوقت ففيها قولان تقدما سابقا، كما أنه تقدمت الأدلة على ذلك (أو) بنجاسة المقدار المعتبر من (موضع السجود) أي ما يسجد عليه (فلا إعادة) فيه أيضا كما في النافع والذكرى والتحرير والقواعد والارشاد وعن المعتبر والهلالية وحاشية الارشاد والروض، بل حكي عن المبسوط والجمل وإن كان لا يخلو من نظر، لكن على كل حال ما في الرياض من أنه لم يتقدم لحكم السجود على الموضع النجس جهلا " ذكر لا هنا ولا في شئ مما وقفت عليه من كتب الفقهاء عدا الشهيد الثاني في الروض. فألحقه بالثوب والبدن في الأحكام - في غير محله، كما أن ما حكاه عن روض الشهيد كذلك أيضا، لظاهر ما دل على اشتراط طهارة ما يسجد عليه، إذ مقتضاه ثبوت الاعادة ولو مع الجهل، وإلحاقه بالثبوب والبدن من غير دليل يقتضيه قياس لا نقول به، فلا يخرج عن إطلاق الأمر السالم عن المعارض فيه، بل قضية ذلك وجوب القضاء أيضا عليه، لصدق اسم الفوات عليه بظهور الشرطية في الواقع، لكن


(1) الوسائل الباب 37 من أبواب النجاسات الحديث 5 من كتاب الطهارة

[ 232 ]

في الرياض أنه لم يعلم وجوب القضاء بناء " على كونه فرضا مستأنفا، ولا دليل عليه هنا عدا عموم الأمر بقضاء الفوات، وهو فرع تحقق الفوات، ولم يتحقق بعد احتمال اختصاص الشرطية بحال العلم كما في النظائر، فيندفع القضاء بالأصل السالم عن المعارض وهو كما ترى. نعم قد يتم ذلك لو قلنا بأن وجوب الاعادة عليه في الوقت لعدم العلم بالصحة الذي يتوقف العلم ببراءة الذمة عليه لا للحكم بفساد ما وقع ولو لظهور الشرطية فيما تقدم ضرورة حجية الظواهر كالنصوص، بخلاف الأول فان عدم الحكم بالصحة أعم من الحكم بالفساد المتوقف عليه اسم الفوات الذي هو موضوع القضاء شرعا، مع أنه لا يخلو من تأمل، لامكان الاكتفاء في تحقيق الفوات باصالة عدم حصول المطلوب منه، فتأمل جيدا " فانه قد يقال: إن العمدة في شرطيته الاجماع المفقود في المقام بعد فتوى من عرفت بالعفو عنه الذي يمكن أن يستفاد من نصوص العفو عنه في اللباس مثلا "، سيما خبر زرارة (1) المشتمل على التعليل المؤكد لقاعدة الاجزاء في العمل بقاعدة اليقين ونحوها، إلا أن ظاهر الاصحاب عدم العمل بعموم التعليل المذكور كما ستعرفه فيما يأتي إن شاء الله. (فروع: الأول إذا توضأ بماء مغصوب) أذن له فيه الغاصب أولا (مع العلم) أو ما يقوم مقامه شرعا، وفي الاكتفاء بخبر الواحد العدل فيما لو فرض كونه في يد مسلم مثلا إشكال، لاحتمال صيرورته من قبيل المدعي فلا يقبل قوله (بالغصبية) سواء كان جاهلا بالحكم أو عالما إلا إذا كان جهلا بالحرمة يعذر فيه، فان الظاهر الصحة، لعدم توجه النهي، وعدم ثبوت شرطية الاباحة في الواقع، فيكون الحكم الوضعي في


(1) الوسائل الباب 41 من أبواب النجاسات الحديث 1 من كتاب الطهارة الجواهر - 29

[ 233 ]

المقام تابعا للتكليفي (وصلى أعاد الطهارة) وحدها إن لم يصل (و) إلا أعاد (الصلاة) أيضا، لما دل على شرطية عدم العلم بغصبية ماء الوضوء من قاعدة وإجماع منقول وغيرهما (و) أما (لو جهل غصبيته لم يعد إحداهما) وجاز له أن يدخل بذلك الوضوء في عبادة أخرى بلا خلاف أجده في ذلك، وقد يلحق به الناسي للغصبية أيضا، لعدم توجه النهي فيهما، ولا دليل على اشتراط إباحة الماء في الواقع، بخلاف نجاسته فانه لا يعذر الجاهل فيها على الأصح وإن جاز له الاقدام باصالة الطهارة، وذلك لما دل على اشتراط الطهارة في الواقع، والمشروط ينعدم بانعدام شرطه، بل في الدرة السنية بعد أن ذكر حكم الجهل بغصبية الماء قال: وليس الجهل بنجاسة الماء كذلك إجماعا، ولو علم بالغصب في الأثناء فالظاهر صحة ما وقع منه وتتميمه بالماء المباح لصحة الجزء، إذ صحة كل شئ بحسبه، نعم قد يأتي وجهان فيما لو علم بعد تمام الغسل قبل المسح، منشأهما صيرورة ذلك تلفا فينتقل للقيمة، وأنه باق على مملوكية مالكه الأصلي وإن خوطب بالقيمة، وكذلك لو علم بعد الصب على العضو للتتميم بالنسبة إلى إجراء ما على اليد من الماء على المكان الذي لم يصل إليه الماء. الثاني (إذا لم يعلم) يقينا ولا ما يقوم مقامه (أن الجلد) جلد (ميتة فصلى فيه ثم علم) بعد الاتمام (لم يعد إذا كان) قد أخذه (من يد مسلم) شرعا (أو اشتراه من سوق المسلمين) وإن كان فيه كفار ممن لا يعرف إسلامه بالخصوص، لقاعدة الاجزاء، وظاهر الأخبار المقتدمة سابقا في اللباس معتضدين باتفاق الأصحاب عليه في الظاهر، بل لولاه لأمكنت المناقشة فيه بأن الظاهر مما تقدم سابقا كون التذكية شرطا فينعدم المشروط بانعدامها وجعل الشارع يد المسلم وسوق المسلمين بمنزلة العلم (بالتذكية) لا يقضي بالصحة حتى لو تبين الخلاف، بل أقصاه الصحة مع استمرار خفاء الحال، وبمنع قاعدة الاجزاء في مثله، وإلا لانهدمت قاعدة الشرائط، فتأمل جيدا "، وتقدم

[ 234 ]

سابقا كثير من مباحث المسألة. (فإذا أخذه من) يد (غير مسلم أو وجده مطروحا) ولو في بلد الاسلام بل ولو في أسواقهم وكان عليه أثر الاستعمال على ما يقتضيه إطلاق العبارة وإن كان لا يخلو من نظر، لما يفهم من بعض المعتبرة من الاكتفاء بالصلاة في الفراء المصنوعة بأرض الاسلام وإن كان فيها غير مسلمين لكن بشرط غلبة المسلمين (أعاد) الصلاة وإن لم يظهر أنه ميتة، لكون التذكية شرطا كما دلت عليه الأخبار (1) المعتبرة، منها قول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة (2) بابراهيم بن هاشم: (فان كان مما يؤكل لحمه فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكل شئ جائز إذا علمت أنه ذكي قد ذكاه الذبح) الحديث. وغيره من الأخبار، وهي الحجة، مع أن الأصل عدم التذكية مؤيدا " بفتوى من وقفت على كلامه من الأصحاب هنا، إلا أنه مع ذا يظهر من بعضهم الاشكال فيه، وربما يؤيده بالنسبة إلى بعض الأفراد، مضافا إلى ما سمعته آنفا ما تقدم لنا في آخر مباحث الطهارة، ولكن هو الحكم بطهارة المطروح في بلد الاسلام الذي عليه أثر الاستعمال، وهي أعم من جواز الصلاة فيه، لاحتمال الاكتفاء فيها في مثل المفروض بعدم العلم بالميتة، وهو أعم من الحكم بالتذكية التي هي شرط الصلاة وإن كان ذلك لا يخلو من نظر، نعم الظاهر الصحة لو صلى فيه بل وسائر ما تقدم مع إمكان نية التقرب وصادف أنه مدكى في الواقع، واحتمال أن سبق العلم بتذكيته شرط ولم يحصل ممكن، لكنه بعيد جدا ". (الثالث إذا لم يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه) كأن لم يعلم كونه جلد مأكول اللحم أو لا أو حريرا " أو لا (وصلى أعاد) الصلاة بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به بين الأصحاب، لاستصحاب شغل الذمة، وعدم العلم


(1) و (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب لباس المصلى الحديث. 1

[ 235 ]

بتحقق الساتر المعتبر شرعا، والشك في الشرط شك في المشروط، والمناقشة فيه بمنع كون الشرط ذلك بل هو التستر بما لم يعلم تعلق النهي به، ولو كان الملبوس غير ساتر كالخاتم ونحوه فأولى بالجواز يدفعها أنها لا تتم في مثل ما ورد فيه الأمر، كقوله (عليه السلام) (1): (لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى فيما أحل الله أكله) بل ولا فيما كان الوارد فيه النهي (2) أيضا كالحرير ونحوه بناء " على أن اسم العبادة للصحيح وإن قلنا إن المستفاد منه مانعية الحرير لا شرطية غيره، لكن من المعلوم أن العلم غير داخل في مفاهيم الألفاظ، فليس معنى قوله: لا تصل في الحرير المعلوم أنه حرير، بل النهي فيه منصرف إلى الواقع، ويستفاد منه حكمان وضعي وتكليفي بمقتضى الفهم العرفي، بل ليس الوضعي فيه تبعا للتكليفي، فيثبت بطلان عبادة الجاهل مع ظهور كونه حريرا "، كما أنه لا ريب في عدم العلم بالامتثال إذا لم يعلمه من جنس ما يصلى فيه، لعدم العلم بكونها صلاة، فلا يجزي إلا الاحتياط اللازم فيما اشتغلت الذمة به بيقين. وأما بناء " على أنها للأعم أو الصحيح المجتمع من الأجزاء دون الشرائط والموانع فقد يقال: إن المتجه الصحة حال عدم العلم لصدق اسم الصلاة عليها، فتدخل تحت الاطلاقات، فيحكم بالصحة حتى تعلم الحريرية، فحينئذ تكون فاسدة ويجب الاعادة لظهور قوله (عليه السلام) (3): (لا تصل في حرير محض) بذلك، لكن قد يمنع للفرق بين الشك في أصل المانعية والشك في موضوع ما ثبت مانعيته، والأول هو المثمر اندراجه في الاطلاقات كما سمعت دون الثاني، وشيوع الفرق بين الشرط والمانع بوجوب العلم باحراز الأول والاكتفاء بعدم العلم في الثاني إنما هو فيما كان عدم المانع مقتضى الأصل ونحوه لا في مثل ما نحن فيه مما لا نصيب للأصل فيه، مع أن الواقع فيه المانع


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب لباس المصلى الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب لباس المصلى الحديث. 2

[ 236 ]

كما عرفت، أو يدعى أن المفهوم من مثله فضلا " عما تعلق الأمر به كجلد مأكول اللحم شرطية غير الحرير في صحة الصلاة، فمع عدم العلم به كما هو الفرض لم يعلم الخروج عن العهدة عما ثبت التكليف به من شخصي الصلاة وإن قلنا إن اسمها للأعم، ولعل القطع بوجوب الاعادة في كلام الأصحاب يرشد إلى ذلك، أو للبناء على الأول لما عرفت من أنهم يفهمون من مثل هذه الخطابات أي (لا تصل في الحرير) ونحوه شرطية الصلاة في غير الحرير ولو لأنه لما ورد النهي عن الصلاة في الحرير مثلا " كان مقيدا " للأوامر الظاهرة في الاكتفاء بالصلاة في كل شئ، فهو من قبيل المقسم له إلى قسمين: الصلاة في غير الحرير والصلاة فيه، فتبقى الصلاة في مجهول الحال غير داخلة في واحد منهما، فلم يعلم الامتثال بها، هذا، مع أنه قد يظهر من عبارة ذلك المناقش الحكم بالصحة حتى لو علم بالحريرية مثلا " بعد ذلك، وهو معلوم البطلان. وحاصل البحث في جميع ما تقدم أن الجاهل إما أن يكون بالحكم أو بالموضوع اي متعلق الحكم أما الأول فكالعامد بالنسبة للصحة والبطلان إلا في المسألتين السابقتين وفي الجاهل بالحكم جهلا " يعذر فيه مع تبعية الحكم الوضعي للتكليفي كالجاهل بحرمة الغصب مثلا " جهلا " يعذر فيه، وأما الجاهل بالموضوع فالظاهر أنه كذلك أيضا بالنسبة للصحة والبطلان إلا في مسائل ثلاث: الغصبية والنجاسة في الثوب والبدن ومحل السجود على الأقوى والميتة بشرط الأخذ ممن تقدم ذكره، بل يدخل فيه كل ما رخص الشارع بالأخذ فيه من طريق خاص كما في بعض مسائل القبلة ونحوها. وهل يدخل في ذلك خطأ البينة وحكم الحاكم ونحوهما ؟ وجهان، أقواهما العدم تحكيما لقاعدة الشرطية ونحوها، فلو قامت البينة على كون الجلد جلد مأكول اللحم مثلا " أو أن هذه القطعة أرض ثم تبين الخطأ فالأقوى وجوب الاعادة، فتأمل، فانه قد يقال باقتضاء قاعدة الاجزاء عدمها، لكن قد يمنع ظهور أمر العمل بنحو ذلك في الاجزاء.

[ 237 ]

ومثله العمل بخبر الواحد وظن المجتهد ونحو ذلك، نعم إنما يسلم ذلك في خصوص بعض الموارد التي أمر فيها بالصلاة على الوجه المخصوص الظاهر في كون ذلك مجزيا وإن لم يطابق الواقع كما سمعته في الصلاة بالمأخوذ من سوق المسلمين، مع احتمال كون المراد منه الاذن في الاقدام، وأنه طريق من الطريق ما لم يعلم الواقع، بل مقتضى التأمل في كلام الأصحاب وحصرهم معذورية الجاهل بالحكم في المسألتين وبموضوع الشرائط فيما عرفت للأدلة هدم قاعدة الاجزاء من أصلها بالمعنى المزبور. وأما عند التردد بين المصحح والمفسد كالإرضية للسجود فالظاهر الاعادة إلا مع نية التقرب ومصادفة الواقع على تأمل في البعض، لاحتمال كون الشرط فيه سبق العلم لا من جهة التوصل إلى نية التقرب، والظاهر أن ما ذكرناه بالنسبة إلى ما لا يعلم أنه من جنس ما يصلى فيه من الحكم بالبطلان لا يجري بالنسبة إلى العوارض الطارية له، أو لبدن المصلي من الرطوبة التي لا يعلم كونها مما يؤكل لحمه أو لا ونحو ذلك من الفضلات بل وكذلك الشعرات التي لا يعلم كونها من مأكول اللحم أو لا، للسيرة المستقيمة من العلماء، والأعوام في عدم التجنب لمثل ذلك حتى يعلم، بل قد يتمسك بالاستصحاب أيضا بأن يقال كان هذا الساتر أو البدن خاليا عن المانع فليكن الآن كذلك، وإن كان هو كما ترى بعد الاحاطة بما ذكرناه، مع احتمال القول بوجوب التجنب لما تقدم سابقا ولا طلاق بعض الكلمات، والأول هو الأقوى، ويجري هذان الاحتمالان في غير الساتر من اللباس، بل وفي المحمول بناء على المنع منه من غير مأكول اللحم، بل لا يخلو الفساد من قوة عند القائلين بوضع أسماء العبادة للصحيح، بل ومطلقا بناء على ما عرفته من كون المراد من النهي عن ذلك ونحوه الواقع، ولا طريق له إلا العلم بالعدم، ولا سيرة في المقام كما في العوارض، مع أنه يمكن منعها في العوارض أيضا بالنسبة إلى الاعادة لو بان الواقع، والله العالم فتأمل.

[ 238 ]

(وأما) حكم الخلل الناشئ عن (السهو) والظاهر شموله للترك الناشئ عن الغفلة عن الشئ وعدم خطوره في الذهن إما له نفسه أو لعدم خطور الصلاة، وللترك لزعم الاتيان به، فان لفظ السهو صادق على كل منهما، وترتب الأحكام بالنسبة اليهما متحد، وأما الترك لنسيان الحكم الشرعي فالظاهر أنه من العمد (فان أخل بركن) أي ترك ركنا من الاركان الخمسة المتقدم معناه سابقا (أعاد) الصلاة إن لم يذكر إلا بعد تجاوز المحل من غير فرق بين التكبير وغيره، فما في بعض الأخبار (1) - من عدم بطلان الصلاة بالسهو عن التكبير حتى لو ركع القاضي بعدم ركنيتها - مخالف لاجماعنا المحكي على لسان جماعة، بل والمسلمين أيضا عدا الزهري والأوزاعي، نعم تسمع الخلاف فيما يأتي في مثل الركوع، أما لو ذكر قبل تجاوزه فلا بطلان بل كان عليه أن يأتي به بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المنتهى، قال فيه: (لو أخل بركن في الصلاة سهوا " وكان محله باقيا أتى به بلا خلاف بين أهل العلم) والظاهر بعد إمعان النظر أن المراد بالمحل في المقام عدم الدخول في ركن آخر في غير التكبير، وأما فيه فهو الدخول في القراءة كما هو الظاهر من المصنف هنا والنافع والتحرير والمنتهى وغيرها، فيكون الوجه حينئذ في الاول عدم استلزام التلافي سوى زيادة ما لا تقدح زيادته سهوا كما أشار إليه في المنتهى بقوله بعد نفي الخلاف المتقدم: فان الاتيان به ممكن على وجه لا يؤثر خللا ولا إخلالا بهيئة الصلاة، لكن فيه أنه لا يتم في السهو عن الركوع حتى دخل في السجود، لكون زيادة سجدة واحدة سهوا غير قادحة في الصلاة، كما أنه لا يتم الاستدلال عليه أيضا بفحوى الأخبار (2) الآمرة بالاعادة على المشكوك فيه مع بقاء المحل، إذ فيه أن المراد بالمحل فيهما مختلف على الظاهر لأن المراد به على الأصح في


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 10 (2) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الركوع والباب 15 من أبواب السجود

[ 239 ]

الشك الدخول في فعل آخر، والمراد به هنا عدم الدخول في ركن. وأما في التكبير فعن الدرة والذكرى الاجماع على بطلان صلاة من سها عن التكبير حتى قرأ وإن لم أجده فيهما، بل الموجود الاجماع على الركنية والابطال سهوا، نعم حكي عن إرشاد الجعفرية والنجيبية والشافية الاجماع على ذلك، وفي المدارك أن هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة، قلت: قد يظهر الخلاف في ذلك من السرائر حيث أنه جعل فيها من السهو الموجب لاعادة الصلاة السهو عن تكبيرة الافتتاح ثم لا يذكرها حتى يركع، وجعل من السهو الموجب للتلافي السهو عن التكبيرة ثم ذكرها وهو في القراءة قبل الركوع، فأوجب عليه أن يكبر ثم يقرأ، بل ربما يظهر من المنقول عن المراسم، لقوله: كمن سها عن تكبيرة الاحرام حتى يركع، فانه ظاهر في عدم القدح بالدخول في القراءة، بل قد يدعى ظهوره من كل من اشترط في إبطال السهو عن الركن الدخول في ركن آخر، لأن القراءة ليست ركنا. وكيف كان فالأقوى الأول بعد الاغضاء عن عدم تصور الثاني كما ستعرفه لما سمعته من الاجماعات المنقولة، مضافا إلى قول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح (1): (عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح قال: يعيد) إذ الظاهر إرادة إعادة الصلاة، كقول أحدهما (عليه السلام) في رواية محمد (2) في الذي يذكر أنه لم يكبر في أول صلاته فقال: (إذا استيقن أنه لم يكبر، فليعد ولكن كيف يستيقن) وقول الصادق (عليه السلام) (3): (عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة فقال: يعيد الصلاة ولا صلاة بغير افتتاح) وقوله (عليه السلام) أيضا في خبر ابن أبي يعفور (4) (في الرجل يصلي فلم يفتتح بالتكبير هل تجزيه تكبيرة الركوع ؟ فقال: لا، بل يعيد صلاته


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث - 1 - 2 - 7 (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 1

[ 240 ]

إذا حفظ أنه لم يكبر) ولا ينافي ذلك خبر ذريح المحاربي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن الرجل ينسى أن يكبر حتى قرأ قال: يكبر) وخبر زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) قال: (قلت له: الرجل ينسى أول تكبيرة ان الافتتاح فقال: إن ذكرها قبل الركوع كبر ثم قرأ ثم ركع) الحديث. وخبر أبي بصير (3) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة فنسي أن يكبر فبدأ بالقراءة فقال: إن ذكرها وهو قائم قبل أن يركع فليكبر، وإن ركع فليمض في صلاته) وذيله لا يخرجه عن الحجية كما ذكرنا، إذ هي - بعد الغض عما في السند بالنسبة للبعض واشتمالها على ما لا يقول به الأصحاب، ورجحان الأخبار السابقة عليها بالاجماعات المنقولة - وغيرها - محتملة لأن يراد بالأمر بالتكبير فيها إعادة الصلاة، واحتمال العكس - مع أنك قد عرفت رجحان الأولة - لا يقبله بعضها، بل يؤيد الأول أيضا ما نقل من الاجماع على وجوب مقارنة النية تكبيرة الاحرام الشامل لصورتي العمد والسهو، ومن هنا نقل عن السيد حسن بن السيد جعفر جعل مقارنة النية للتكبير من الأركان، وكأن الذي دعاه إلى ذلك هو حكمهم ببطلان الصلاة مع السهو عن التكبير والدخول في القراءة على أن هذا كله مبني على أن المراد بالنية الاخطار والتصور الفكري مع اشتمالها على نية الوجه ونحوها كما هو الظاهر منهم حتى يتجه ثمرة لهذا النزاع من استقبال التكبير خاصة أو الصلاة، وإلا فبناء على ما اخترناه من أن النية هي الداعي فالظاهر سقوط ذلك لكونها لازمة لاعادة التكبير، ويكون استقبالا للصلاة، بل هو مبني أيضا على كون النية جزءا " من الصلاة وأن الدخول في الصلاة يتحقق بها، والتكبير لتحريم القطع، وإلا فبناء على أنها شرط وأن الصلاة لا تنعقد إلا بالتكبير يسقط البحث من جهة أنه لم يحصل


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب تكبيرة الاحرام الحديث 4 - 8 - 10 الجواهر - 30

[ 241 ]

دخول في الصلاة حتى يقال: إنه سها عن ركن فيها، لأن الكلام بعد انعقاد الصلاة وكونها صحيحة، ولعله لذا لم يحرروا هذه المسألة وأطلقوا أن السهو عن الركن يتدارك ما لم يدخل في ركن آخر مع ذكرهم أن السهو عن التكبير لا يتدارك بالدخول في القراءة أو لأن التلافي في الحقيقة عين الاعادة، بل هو مبني أيضا على عدم اشتراط مقارنة النية في مثل هذا الحال، وإلا سقط البحث من أصله أيضا. والظاهر أنه لا فرق في وجوب الاعادة بين الشروع في القراءة وغيرها من الأذكار التي تقرأ أمام القراءة وإن كان ظاهر عبارتهم يقضي بالتخصيص في القراءة، لكنه مبني على الغالب، وإلا فالمراد أنه متى سها عن التكبير وجب إعادة الصلاة. هذا كله في المحل بالنسبة للتكبير، وأما بالنسبة للقيام فقد ذكر جمع منهم المصنف أن من أخل به حتى نوى بطلت صلاته، وصريح بعضهم جعله من الأركان، ولا يخفى ما فيه، لأنه مبني على جزئية النية، بل على جزئية القيام معها أيضا، ولعل مقصودهم بيان ما تبطل الصلاة بتركه ولو سهوا بالنسبة إلى أجزاء الصلاة أو ما يقرب من أجزائها فنقول حينئذ: من سها عن القيام حتى نوى فالظاهر بطلان صلاته، أما بناء على كون النية جزء من الصلاة فيمكن الاستدلال عليه حينئذ بعد الأصل في نحو العبادة التوقيفية بالأخبار الدالة على وجوبه في الصلاة، كقوله (عليه السلام) في خبر زرارة (1): (من لم يقم صلبه فلا صلاة له) وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) (2): (من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له) وقول أبي جعفر (عليه السلام) (3) في قوله تعالى (4): (فصل لربك وانحر): النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحره) إلى غير ذلك، مضافا إلى ما نقل من الاجماع على وجوبه في الصلاة وأنه ركن، وأما بناء " على كون


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 2 - من أبواب القيام الحديث 1 - 2 - 3 (4) سورة الكوثر - الآية 2

[ 242 ]

النية شرطا خارجا عن حقيقة الصلاة فكذلك أيضا، لأنه يعتبر فيها حينئذ جميع يعتبر على تقدير الجزئية كما يظهر من جماعة من الأصحاب، وكأن وجهه ما نقل من الاجماع على وجوب مقارنة النية تكبيرة الاحرام، ولا ريب في شرطية القيام بالنسبة إليها، وهو متجه بناء " على أن المراد بالمقارنة ما هو الظاهر منها من كون الزمان الواحد ظرفا لهما، وكذلك إن أريد بها إيقاعها بين الألف والراء، أو أريد بها بسط النية على التكبيرة بالابتداء والانتهاء، أما إن أريد بالمقارنة وقوع التكبيرة في آخر جزء من النية فيمكن القول حينئذ أنه إن سها عن القيام حتى نوى ثم ذكر قبل أن يكمل بحيث أمكنه المقارنة صحت، وإلا فلا، بل قد يدعى أنه حينئذ لا دليل على البطلان بتعمد مثل ذلك فضلا " عن سهوه، وتصريح الجماعة بخلافه ما لم يكن إجماعا لا حجة فيه، نعم يمكن أن يدعى ظهور ما دل على اعتبار القيام في الصلاة من الأخبار المذكورة ومن قول أبي جعفر عليه السلام في خبر أبي حمزة الصحيح (1): (يصلي قائما) ونحوه مع أغلبية وقوع النية عند الفعل في ذلك، بل يمكن للمتتبع تحصيل الاجماع على أنها على تقدير شرطيتهما للصلاة لابد من تأخرها عن جميع شرائط الصلاة سيما القيام، ومن هنا وقع الخلاف في كونها جزءا " أو شرطا، لكن ذلك كله بناء " على ما هو الظاهر في معنى النية لا على مختارنا فيها، فانه لا يتأتى شئ من ذلك. وأما بطلان الصلاة بالسهو عن النية حتى كبر فالاجماع محصلا " ومنقولا " عليه، مضافا إلى قولهم (عليهم السلام) (2): (لا عمل إلا بنية) ولا ريب في عدم صدقه بعد فوات التكبير، وإلى جميع ما ذكرنا أشار المصنف وإن تسامح باطلاق لفظ الركن على ما ليس ركنا اصطلاحا بقوله: (كمن أخل بالقيام حتى نوى أو بالنية حتى كبر


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب القيام الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات من كتاب الطهارة

[ 243 ]

أو بالتكبير حتى قرأ) ثم قال: (أو بالركوع حتى سجد أو بالسجدتين) معا (حتى ركع فيما بعد، وقيل يسقط الزائد) من الركوع والسجود (ويأتي بالفائت) مع ما بعده (ويبني، وقيل يختص هذا الحكم) أي الاسقاط مع الاتيان بالفائت (بالأخيرتين، ولو كان في الأولتين استأنف، والأول) أي البطلان (أظهر) من غير فرق بين الأولتين والأخيرتين، أما في الأول أي الاخلال بالركوع حتى سجد فهو المشهور، بل ربما نسب إلى عامة المتأخرين، كما أنه حكي عن المفيد والمرتضى وسلار وابني إدريس والبراج وأبي الصلاح، بل هو ظاهر المحكي عن ابن أبي عقيل أيضا، لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، إذ لم يعلم أن التدارك وجه له، ولقول الصادق (عليه السلام) في الصحيح عن رفاعة (1) (سألته عن رجل نسي أن يركع حتى يسجد ويقوم قال: يستقبل) وموثقة إسحاق بن عمار (2) (سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن الرجل ينسى أن يركع قال: يستقبل حتى يضع كل شئ من ذلك موضعه) وقول الصادق عليه السلام) في خبر أبي بصير (3): (إذا أيقن الرجل أنه ترك ركعة من الصلاة وقد سجد سجدتين وترك الركوع استأنف الصلاة) وخبره الآخر (4) (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل ينسى أن يركع قال: عليه الاعادة) وصحيح زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) (لا تعاد الصلاة إلا من خمس: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود). بل يمكن الاستدلال عليه أيضا في الجملة بقول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة وبكير (6): (إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته) وما في البعض من الضعف على تقدير وجوده منجبر بالشهرة المحصلة والمنقولة،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الركوع الحديث 1 - 2 - 3 - 4 - 5 (6) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 244 ]

بل في المنقول عن الغنية الاجماع عليه، بل قد يستدل بما عن النجيبية أيضا (ان من سها عن ركن من الأركان الخمسة أعاد إجماعا) وبما في السرائر في المسألة من الاجماع على أن الركوع ركن متى أخل به ساهيا أو عامدا " حتى فات وقته وأخذ في حالة أخرى بطلت صلاته، ودعوى أن بعض هذه الروايات ليست بصريحة في الذكر في الأثناء بل لا تأبى الحمل على نسيان الركوع أبدا " يدفعها مع أن البعض الآخر كاف في ذلك أنه مطلق لا استفصال فيه، وهو حجة كما بين في محله، وكذلك دعوى أنها ليست دالة على الاخلال بمجرد الدخول في السجود، على أنه على تقدير سجوده سجدة واحدة لا يحصل بالتدارك إلا زيادة سجدة واحدة سهوا "، وهي غير قادحة، ولم يقم إجماع على عدم جواز التلافي بمجرد الدخول في ركن آخر، إذ مع أنه لا قائل بالفصل في المقام يكفي في ذلك إطلاق جملة من المعتبرة المتقدمة، مع إطلاق إجماع الغنية أيضا، بل قد يقال: وإجماع النجيبية والسرائر المتقدمين، بل هو مقتضى القاعدة أيضا، وعدم البطلان بزيادة السجدة مع عدم ترك الركوع لا يلزم منه صحة ما نحن فيه، والقياس لا نقول به، فحينئذ لا يشمله قول أبي عبد الله (عليه السلام) (1) (في رجل استيقن أنه زاد سجدة لا يعيد الصلاة من سجدة) لأن الظاهر أن المراد منه زيادة سجدة خاصة لا ما إذا كانت الزيادة مع نسيان الركوع، بل هو من التخريج الذي لا نقول به، فتأمل. لا يقال إن خبر أبي بصير الأول ظاهر في تقييد ذلك بالسجدتين فيقيد به تلك المطلقات، لأنه - مع كونه غير قابل للتقييد، لانجبار تلك المطلقات بفتوى الأصحاب من غير خلاف يعرف بينهم في المقام، إذ لم نقف على من فصل بين السجدة الواحدة والسجدتين سوى ما في مفتاح الكرامة من أنه في بعض العبارات حتى سجد سجدتين مع أني لم أقف عليها، بل هي غير صريحة في ذلك - غير ظاهر في التقييد بنا " ء على حمل


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الركوع الحديث 3

[ 245 ]

الواو في قوله (عليه السلام): (وسجد سجدتين) على معنى أو، بل لا تعارض حينئذ بينه وبين تلك المطلقات، لكونه من قبيل التنصيص على أحد الأفراد، مع أن الظاهر من مفهومه هنا رفع اليقين لا اليقين مع السجدة الواحدة، وإن أريد بالركعة الركوع كان الواو في قوله (عليه السلام): (وترك الركوع) بمعنى (أو) وكان شاهدا " لنا، ولذلك لم يجعله المناقش في المقام منه، فتأمل جيدا ". وكذا لا يقال إن قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (1): (إن نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا " أو تكبيرا " ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سهوا ") أيضا مطلق شامل لما بعد السجدة الواحدة وقبلها، وبين المطلقين تعارض العموم من وجه، لأنا نقول: قد عرفت أن ما ذكرناه أرجح من وجوه متعددة لا تخفى فما ظهر من صاحب المدارك وتبعه صاحب الحدائق من المناقشة في البطلان مع الذكر قبل إتمام السجدتين ليس في محله، وقوله في الحدائق: إنه لا يوافق ما ذكروه في غير المقام من غير خلاف بينهم ان من سها عن واجب يمكن تداركه ثم تداركه صحت صلاته يدفعه أن الكلام في إمكان تداركه في المقام، نعم ظاهر كلام الأصحاب حيث يتحقق السجود ولو على ما لا يصح السجود عليه في الأقوى دون الهوي ونحوه، أما الواصل إلى حد السجود من غير تحقق سجود منه كما إذا كان محل سجوده فيه هبوط ففي إلحاقه به وجهان، أقواهما الالحاق، تحكيما للقاعدة في البطلان، ويحتمل عدمه، لعدم صدق مسمى السجود، هذا. وعن ابني الجنيد وبابويه الخلاف في أصل المسألة، قال الأول على ما في المختلف: (لو صحت الأولى وسها في الثانية سهوا " لم يمكن استدراكه كأن أيقن وهو ساجد أنه لم يكن ركع فأراد البناء على الركعة الأولى التي صحت له رجوت أن يجزيه ذلك،


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 246 ]

ولو أعاد إذا كان في الأولتين وكان الوقت باقيا كان أحب إلي وفي الثنائيتين أي الأخر بين ذلك يجزيه) انتهى، وهو ظاهر في إرادة بطلان ما وقع منه، وليس يريد إعادة ركوع ثم سجود، بل الظاهر أنه يوجب ركعة مستقلة من قراءة ونحوها، ولا يقدح ما وقع بين الأولى والثانية وهكذا، وقال علي بن بابويه على ما في المختلف أيضا: (وإن نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الأولى فأعد صلاتك، لأنه إذا لم يثبت لك الأولى لم يثبت لك صلاتك، وإن كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين واجعل الثالثة ثانية، والرابعة ثالثة) انتهى. ومراده إلقاء ما وقع ما بين الأولى وغيرها وجعل الثالثة المقدرة على معنى كونها ثالثة لو كانت الثانية صحيحة ثانية، بل يظهر من المنقول عن الشيخ في النهاية عدم اشتراط سلامة الأولى في وجه أيضا، قال: (فان تركه ناسيا ثم ذكر في حال السجود وجب عليه الاعادة، فان لم يذكر حتى صلى ركعة أخرى ودخل في الثالثة ثم ذكر أسقط الركعة الأولى وبنى كأنه صلى ركعتين، وكذلك إن كان قد ترك الركوع في الثانية وذكر في الثالثة أسقط الثانية وجعل الثالثة ثانية وتمم الصلاة) بل يظهر من المبسوط وجود قائل بالتلفيق مطلقا، لقوله في فصل السهو: (وفي أصحابنا من قال: يسقط السجود ويعيد الركوع ثم يعيد السجود، والأول أحوط، لأن هذا الحكم يختص بالأخيرتين) ونحوه عن الجمل والاقتصاد، وقال في باب الركوع: (إن أخل به عامدا " أو ناسيا في الأولتين مطلقا أو في ثالثة المغرب بطلت صلاته، وإن كان في الأخيرتين من الرباعية فان تركه عمدا " بطلت صلاته، وإن تركه ناسيا وسجد السجدتين أو واحدة منهما أسقط السجدة وقام وركع وتمم صلاته) انتهى. وهو صريح في التفصيل الذي ذكره المصنف، ولا يخفى أن كلام هؤلاء المخالفين جميعهم ظاهر في أن زيادة السجدتين سهوا " غير مبطلة، فيما يأتي مما تسمعه من المدارك والرياض وغيرهما من نفي الخلاف في بطلان الصلاة بزيادة السجدتين

[ 247 ]

سهوا في غير محله، إلا أن يكون مرادهم في غير ما نحن فيه، فتأمل، كما أنه لا يخفى عليك احتياج تحرير هذه الأقوال إلى زيادة تنقير، لكن لما كان المختار عدمها جميعها كان الاعراض عن ذلك أولى. وكيف كان فمما يمكن الاستدلال به لذلك قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1) (في رجل شك بعدما سجد أنه لم يركع قال: فان استيقن فليلق السجدتين اللتين لا ركعة لهما، فيبني على صلاته على التمام، وإن كان لم يستيقن إلا بعد ما فرغ وانصرف فليقم فليصل ركعة وسجدتين ولا شئ عليه) وفى الوسائل رواه الصدوق باسناده عن العلاء، قلت: فيكون الرواية حينئذ صحيحة، لأن طريق الفقيه إلى العلاء، صحيح لا على رواية الشيخ، ومنه يظهر وجه وصف بعضهم لها بالصحة كما يظهر ما في طعن آخر فيها، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح العيص بن القاسم (2) (في رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع يقوم ويركع ويسجد سجدتي السهو) وفيه مع عدم كون الثاني مما نحن فيه إلا على وجه تسمعه فيما يأتي أنه لا يصلح حجة لتفصيل الشيخ، ولا لتفصيل ابن الجنيد وابن بابويه، بل ولا لتفصيل النهاية في أحد الوجهين، لعدم الفرق فيه بين الأولى وغيرها، ولا بين الأولتين والأخيرتين، ولا بين ما إذا ذكر في حال السجود في الأولى كما اشترطه في النهاية وغيره، ومجرد كون ذلك جمعا بين الأخبار لا يقضي به مع عدم الشاهد عليه، بل الجمع فرع التكافؤ، وليس، لرجحان الأخبار الأولة من وجوه عديدة من الانجبار بالشهرة والاجماع المنقول وغيرهما. واحتمال أن الشاهد على التفصيل بين الأولى وغيرها الرضوي (3) (وإن


(1) و (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الركوع الحديث 2 - 3 (3) فقه الرضا عليه السلام ص 9

[ 248 ]

نسيت الركوع بعد ما سجدت من الركعة الأولى فأعد صلاتك، لانه إذا لم تصح لك الأولى لم تصح لك صلاتك، وإن كان الركوع من الركعة الثانية أو الثالثة فاحذف السجدتين واجعلها أعني الثانية الأولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة) المؤيد بما عن العلل والعيون (1) كما في الرياض يدفعه بعد تسليم حجية الرضوي أنه لا يقاوم أيضا تلك الأخبار المنجبرة بالقاعدة وغيرها مما عرفت، فانه لا يكفي في شاهد الجمع مجرد كونه حجة كما بين في محله، هذا. وفي الرياض تضعيف الصحيح الأول باشتماله على ما لا يقول به الخصم بل ولا أحد من وجوب صلاة ركعة مع سجدتين بعد الانصراف من الصلاة إذا استيقن ترك الركوع، قال: ومنه يظهر شذوذ الثاني، وعدم ارتباطه بما نحن فيه، قلت: هذا من جملة فروع المسألة، فان القائلين بالتلفيق يلتزمون ذلك، لصيرورة الثالثة مثلا " ثانية، والرابعة ثالثة، فتكون الفريضة ناقصة ركعة، فإذا ذكرها بعد التمام جاء بها على القاعدة، ولذا جعله في المبسوط من فروع المسألة، وقوله: ومنه يظهر شذوذ الثاني فيه أن له ارتباطا على تقدير أن يراد بالركعة فيه الركوع بقرينة قوله: لم يركع، فحينئذ يكون من المسألة، ويحمل قوله (عليه السلام) في الجواب: ويركع مع السجود معه، لانه من قبيل من نقص ركعة، والأمر سهل، نعم دلالة الجزء الأول على التلفيق مطلقا متجهة، لكن لم يعرف قائله وإن نسب إلى الشيخ، مع أنك قد عرفت أنه غير قابل للمعارضة لما سمعت من الأدلة. وكذا ذكر في الرياض وغيره أنه لا شاهد للشيخ على ما ذكره من التفصيل بين الأولتين والأخيرتين، وفيه أنه لعله الروايات التي ذكروها في باب الشك،


(1) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الركوع الحديث 2 الجواهر - 31

[ 249 ]

منها قول الصادق (عليه السلام) (1): (إذا سلمت الركعتان الأولتان سلمت صلاة) ومنها قوله (عليه السلام) أيضا (2): (ليس في الركعتين الأولتين من كل صلاة سهو) ومنها قول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (3): (الاعادة في الركعتين الأولتين والسهو في الركعتين الأخيرتين) إلى غير ذلك من الأخبار، بل في السرائر الاجماع على بطلان الصلاة إذا لم تسلم الأولتان، قال: ذلك في المسألة، نعم المتجه في الرد عليه حينئذ أن المراد بالسلامة والسهو في هذه الإخبار الشك في أعدادها لا كل سهو فيها كما لا يخفى على من حظها مع غيرها، على أنك قد عرفت انجبار الأخبار السابقة بما يوجب تأويل المقابل أو الطرح لا الجمع، لأنه فرع التكافؤ، فتأمل. وأما البطلان في ناسي السجدتين حتى ركع فهو المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل عن النجيبية أنه لا خلاف فيه، وفي المنقول عن الغنية الاجماع عليه أيضا، وقد عرفت أن كلام من تقدم في الركوع، نعم يظهر من المبسوط أن القائلين بالتلفيق لم يفرقوا بين السجدتين والركوع، وكذلك بالنسبة إلى مذهبه من التفصيل بين الأولتين والأخيرتين، بل تقدم في فصل السجود نسبة الخلاف إلى جماعة، فلاحظ، لكن قد عرفت أن الصحيح مخصوص في الركوع، فلا معنى للتعدية، ودعوى أن السجود كالركوع غير ثابتة، وعلى تقديرها كان جميع ما تقدم حجة عليه، والأولى الاستدلال له بخبر عبد الله بن سنان المتقدم. وكيف كان فلا ريب أن الأقوى البطلان، لما عرفت من الاجماع ونفي الخلاف والقاعدة المتقدمة مع إطلاق جملة من الروايات السابقة، كقوله في صحيح زرارة المتقدم: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود) بل يدل


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 - 4 - 10

[ 250 ]

عليه أيضا ما دل على أن زيادة الركوع مبطلة على كل حال، كقول الصادق (عليه السلام) في خبر منصور بن حازم (1): (لا يعيد صلاة من سجدة ويعيدها من ركعة) ومثله غيره، فان الظاهر من مقابلة السجدة أن يراد بالركعة الركوع كما فهمه بعضهم، مع إمكان الاستدلال عليه بما دل (2) على إعادة ناسي السجدة الواحدة ما لم يركع، فلا حظ وتأمل، بل ومفهوم خبر محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) (ان الله عز وجل فرض الركوع والسجود، والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا " أعاد الصلاة، ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته) وموثق منصور بن حازم (4) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها فقال: أليس قد أتممت الركوع والسجود ؟ فقلت: بلى، قال: فقد تمت صلاتك إذا كنت ناسيا) على أنه أيضا سيأتي في المسألة نفي الخلاف من الرياض والمدارك عن البطلان بزيادة الركوع، وإن كان فيه ما فيه، إلا أن يريدوا في غير هذه المسألة لنقلهم الخلاف فيها عن قريب، وبجميع ما ذكرنا يخص خبر بد الله بن سنان المتقدم (5) قال: (إن نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا " أو تكبيرا " ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك). (وكذا) تبطل (لوزاد في الصلاة ركعة أو ركوعا أو سجدتين) أو تكبيرا "، وحينئذ (أعاد سهوا " وعمدا ") بخلاف غيرها، فانها لا تبطل زيادته، أما النية فلانها القصد إلى الفعل، وهو إن لم يكن استحضاره مؤكدا " لم يكن مفسدا "، بل قد عرفت سابقا أن الذي تقتضيه الضابطة في وجه بل قول استحضار هذا القصد في


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الركوع الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 27 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 2 (4) الوسائل الباب - 29 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 2 (5) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الركوع الحديث 3

[ 251 ]

تمام الفعل، لكن لمكان العسر والحرج اكتفي بالاستدامة الحكمية، واحتمال تصور زيادتها إذا جدد النية الأولى في الأثناء الجميعية لا دخل لها في النية، وثانيا أنه إن وقع منه ذلك عمدا " أي مع تنبهه لكونه في الصلاة فالابطال حينئذ إن قلنا به لترك الاستدامة لا لزيادة النية، وإلا فبدونه لا دليل على البطلان وإن وقع ذلك منه سهوا بأن كان قد غفل عن كونه في الصلاة، بل الذي يظهر من تتبع الأدلة كالحكم بصحة المتكلم سهوا " وغيره الصحة، فانه يدخل فيه المتكلم بزعم أنه ليس في الصلاة وهو منه، وعلى تقدير كون مثل ذلك تركا للاستدامة يتجه التزام أن تركها سهوا " غير قادح كما في سائر أجزاء الصلاة، فتأمل جيدا "، فانه قد يظهر من كشف اللثام البطلان بزيادة النية سهوا "، لكنه كما ترى. وأما القيام فالظاهر الاجماع، على أن زيادته في الجملة سهوا " غير مبطلة كنقيصته هذا إن قلنا بركنيته على الاطلاق، وإلا فبناء " على ما نقوله من تخصيص الركنية منه بالمتصل بالركوع لكون السابق على التكبير والمقارن له شرطا خارجا عن الصلاة التي أولها تكبيرة الافتتاح فالا يتصور حينئذ زيادته بدون الركوع، وكذا لو قلنا بجزئية القيام حال التكبير فانه لا يتصور زيادته بدون بعد تشخص ركنيته به على معنى أن الركن القيام التكبيري كما اعترف به في كشف اللثام، وزاد فيه القيام، والتزم أنه لا يتصور زيادته إلا بزيادتها أيضا، ولكن قد عرفت أن زيادتها غير مبطلة، هذا، وما ذكره المصنف من بطلان الصلاة بزيادة الركعة كما في القواعد والارشاد هو المنقول عن الجمل والمقنع وكافي ثقة الاسلام والعقود والمراسم والغنية، ومن هنا قال في الذكرى: إن الأكثرين أطلقوا البطلان. لكن مقتضى هذا الاطلاق عدم الفرق بين الجلوس بمقدار التشهد وعدمه، وبين التشهد وعدمه، والرباعية وغيرها، وفي الرياض أنه الأشهر، وفي المدارك أنه بهذا

[ 252 ]

التعميم قطع الشيخ في جملة من كتبه والسيد وابن بابويه، وعن مصابيح الظلام أن المشهور المعروف البطلان من غير فرق بين الرباعية وغيرها، وبين زيادة ركعة أو أزيد وبين أن يكون قد جلس بقدر التشهد أولا، وعن الدروس أن المشهور البطلان مطلقا وعن الغنية الاجماع على الاعادة فيما لو زاد ركعة، وفي الخلاف الاجماع على أنه إذا صلى المغرب أربعا أعاد، وفيه أيضا في آخر كلامه بعد أن صرح بالبطلان ونسب اعتبار الجلوس إلى بعض أصحابنا مانصه عندنا أنه لابد من التشهد، ولا يكفي الجلوس بمقداره وإنما يعتبر ذلك أبو حنيفة، وفي السرائر (أن من صلى الظهر مثلا " أربع ركعات وجلس في دبر الرابعة فتشهد الشهادتين وصلى على النبي والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) ثم قام ساهيا عن التسليم فصلى ركعة خامسة فعلى مذهب من أوجب التسليم فالصلاة باطلة، وعلى مذهب من لم يوجبه فالاولى أن يقال: الصلاة صحيحة لانه ما زاد في صلاته ركعة، لإنه بقيامه خرج من صلاته، وإلى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر في استبصاره، ونعم ما قال) انتهى. وأنت خبير أن ذلك ليس خلافا منه لاشتراطه التشهد لا الجلوس بمقدار التشهد، على أنه بناه على الندبية، ومن هنا قواه بعض المتأخرين لكن مع اشتراطه التشهد لا الجلوس بقدره، وجعل أخبار الباب مشيرة إلى ندبية التسليم فتكون المسألة حينئذ ذات أقوال ثلاثة، لكن لم أجد قائلا " صريحا من القدماء بناء على وجوب التسليم وأنه جزء من الصلاة باشتراط الصحة بالتشهد لا بالجلوس بقدره، إذ من ذكر التشهد لا الجلوس بقدره يبنيه على ندبية التسليم مع إمكان لمكان الأخبار. نعم المخالف صريحا العلامة في التحرير والمختلف وموضع من القواعد وظاهرا " في المنتهى والشهيد في الألفية، بل هو المنقول عن ابن الجنيد والشيخ في التهذيب والمصنف في المعتبر، بل نسب إلى جملة من المتأخرين، ففصلوا بين أن يكون قد جلس بمقدار التشهد فتصح، أو لا فتفسد، لكن صريح الأكثر منهم تخصيص ذلك في

[ 253 ]

الرباعية، نعم ظاهر بعض أدلة العلامة في المختلف التعميم في الجميع، كمن بنى المسألة على ندبية التسليم، وكيف كان فكلامهم في المسألة لا يخلو من اضطراب لاختلاف كيفية المدرك فيها. وتفصيل الحال أن يقال: أما بناء " على وجوب التسليم فالمتجه الفساد كما اعترف به ابن إدريس وغيره، للأصل، ولأنه من الاخلال بالهيئة بزيادة ما لا تغتفر زيادته في الصلاة مع قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (صلوا كما رأيتموني أصلي) وشغل الذمة اليقيني يحتاج الفراغ كذلك، مضافا إلى إجماع الغنية وما تسمعه من الأخبار، ودعوى أن مقتضى القاعدة الثانية الصحة، لأنه لم يقع منه إلا السهو عما ليس بركن في الصلاة فلا تفسد به الصلاة يدفعها أولا " أن مقتضى ذلك عدم الفرق بين أن يكون جلس مقدار التشهد أو لا، مع أن الاجماع إذا لم يجلس كما في المنتهى والذكرى وعن المعتبر والتذكرة على الفساد، بل في التحرير أنها باطلة قولا " واحدا "، بل قد عرفت أن النزاع خاص بالرباعية، وإلا فقد سمعت أن الشيخ نقل الاجماع على بطلان صلاة من صلى المغرب أربعا، واحتمال أن ذلك كله خرج بالاجماع ونحوه وإلا كان مقتضى القاعدة الصحة لا ينبغي أن يصدر ممن له نظر وتأمل في أطراف هذه المسألة، بل الاعتماد على مثل ذلك نوع من التعويل على الهباء والاتكال على المنى، وثانيا أن البطلان لم ينشأ من جهة النسيان بل لأنه لم يخرج عن الصلاة حينئذ سيما بعد نية المصلي إتيان الركعة داخلة في الصلاة مع فعل ما يبطلها عمدا " وسهوا " كالركوع وغيره. لا يقال: إذن لا يتحقق صورة نسيان التسليم أبدا " بحيث تصح معه الصلاة، لانا نقول: قد يتحقق في صورة تخيل المصلي الخروج عن الصلاة وفعل المنافي حينئذ بهذا الزعم، ويكون خروجه حينئذ بمجرد الاعراض عن الصلاة وتخيل التمام، واحتمال أن


(1) صحيح البخاري ج 1 ص 124 و 125

[ 254 ]

الخروج في المسألة متحقق بفعل المنافي أيضا الذي هو القيام يدفعه منع إخراج القيام له مع نية أن هذا الفعل منه للصلاة، لتخيله أنها ثلاثة مثلا "، ومن هنا ترى أن العرف لا يرتاب في كون القائم بزعم عدم الاتمام زائدا " في الصلاة باقيا على التلبس بها غير خارج عنها فاعلا " للمنافي في أثنائها، بخلاف ناسي السلام سهوا " مع البناء على الخروج عن الصلاة والاعراض عنها، وإن كان التحقيق عدم الفرق بينهما، على أنه قد عرفت اقتضاء القاعدة البطلان في الاخلال بكل واجب عمدا " وسهوا "، وما دل على اغتفار السهو إن لم نقطع بعدم شموله لمثل المقام وإلا فالشك لا ينبغي أن ينكر، فتبقى القاعدة سالمة، وأيضا لو كان يخرج المصلي بالقيام لم يتجه الحكم منهم بالتدارك إن ذكره قبل الركوع، لعدم إمكان تداركه للخروج عن الصلاة، مع أنه عن بعضهم نفي الخلاف في وجوب التدارك وصحة الصلاة، وعن الآخر لا إشكال فيه، نعم ربما وقع إشكال في سجود السهو، كل ذا مع أنه لا مانع من التزام أن لا صورة يتحقق فيها السهو عن التسليم مع صحة الصلاة كما يظهر من المصنف فيما يأتي، فانه ظاهر في أن ناسي التسليم إن ذكر ذلك بعد فعل ما يبطل الصلاة عمدا " وسهوا " بطلت صلاته، وإن ذكره بعد فعل ما يبطلها عمدا " لا سهوا " فالأشبه الصحة ويأتي بالتسليم حينئذ، فساوي بينه وبين نقصان الركعة كما ستعرف، بل لعله التحقيق. هذا كله مضافا إلى الأخبار المعتبرة المنجبرة بالشهرة المحصلة والمنقولة وإجماع الغنية وغيره، منها قول أبي جعفر (عليه السلام) في حسنة زرارة بابراهيم بن هاشم (1) وهي تجري مجري الصحيح، بل أقوى من بعض الصحاح (إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا) وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (2): (من زاد في صلاته فعليه


(1) و (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 - 2

[ 255 ]

الاعادة) ومضمرة الشحام (1) (سألته عن الرجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات قال: استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد) بل قد يستدل عليه بالحكم بالاعادة في الوقت لو نسي المقصر وأتم صلاته، فانه من المسألة عند التأمل، وبالأخبار (2) المتضمنة لا عادة الصلاة من ركعة لا من سجدة وغيرها، وقد عرفت فساد القول بأن مثل ذلك ليس زيادة في الصلاة بناء " على وجوب التسليم، بل لم يدع هذا أحد قبل المصنف فيما نقل عنه العلامة في المختلف، مع أنه لو كان بالجلوس بمقدار التشهد يفرغ من الصلاة وإن لم يتشهد لما وجب عليه التدارك من قبل الركوع، إلا أن يكون على جهة القضاء، وكذا لو كان الجلوس للتروي. وبالجلمة كيف يكون الجلوس الذي هو واجب عليه مخرجا له عن الفرض مع أنه لو سها عن التشهد مع الجلوس بقدره ثم ذكر قبل أن يقوم لا إشكال في وجوب التشهد عليه على وجه التدارك، ولو كان هذا الجلوس مخرجا لكان لا معنى لوجوب التدارك، ويلزمه إما القول بأنه لا مصداق لهذه الروايات أو القول بأنه يإن كان قد جلس بمقدار التشهد ليست زيادة، وإن كان لم يجلس كان زيادة في الصلاة، وكل منهما فيه ما لا يخفى ومن هنا استند المخالف إلى ما تسمعه من دعوى القول بندبية التسليم المعلوم ضعفها فيما تقدم، أو إلى الأخبار التي منها صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) (عن رجل صلى خمسا فقال: إن كان قد جلس في الرابعة قدر التشهد فقد تمت صلاته) وخبر محمد بن مسلم (4) (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل استيقن بعدما صلى الظهر أنه صلى خمسا قال: وكيف استيقن ؟ قلت: علم، قال: إن كان علم أنه جلس


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 - 4 - 5 (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الركوع

[ 256 ]

في الرابعة فصلاة الظهر تامة، وليقم فليضف إلى الركعة الخامسة ركعة وسجدتين فيكونان ركعتين ناقلة ولا شئ عليه) وخبر جميل بن دراج (1) عن الصادق (عليه السلام) (في رجل صلى خمسا قال: إن كان جلس في الرابعة بقدر التشهد فعبادته جائزة) وهي مع الطعن في سند البعض، وإعراض المشهور عنها، وموافقتها للعامة، واشتمالها على مخالفة القواعد في المسألة وغيرها من انعقاد الركعتين نافلة بغير نية ولا تكبيرة إحرام - غير ظاهرة الدلالة على ما ذكروه، لاحتمال حملها على ما هو المتعارف المعلوم من أنه إذا جلس عقيب الرابعة يكون مشغولا " في التشهد، إذ من المستبعد جدا " بقاؤه جالسا، بل قد وجد مثل هذا الاطلاق وإرادة التشهد منه كما في بعض أخبار سبق الامام المأموم (2) فانه أمر باللبث قدر التشهد ثم لحوق الامام، والمراد به التشهد، والمراد حينئذ بالجلوس بمقدار التشهد ما يشمل التسليم، لاطلاق التشهد على الشامل له، ولا ينافيه قول السائل: (صلى خمسا) مثلا "، لأن المراد أنه تنبه وإذا قد وقع منه خمس ركعات فبين الامام (ع) طريقا لمعرفة حاله السابق من الجلوس وعدمه بأنه إن كان جالسا علم حينئذ أو ظن أنه قد تشهد وسلم وقام، لا ستبعاد غيره، وإلا أعاد، وربما يؤيده قوله (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم 3): (فيكونان نافلة) إلى آخره، بل وقوله (عليه السلام) فيه: (ولا شئ عليه) إذ لو كان ناسيا لأمره بقضائه، بل جميع هذه الأخبار محتملة بعد حمل الجلوس قدر التشهد فيها على التشهد لأن تكون سندا " للقائلين بندبية التسليم، بل استظهره منها بعضهم، فتخرج حينئذ الاستدلال، نعم يرجع للبحث عن أصل وجوب التسليم وقد أثبتناه، بل قد يقال: إن المقصود من


(1) و (3) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 - 5 (2) الوسائل الباب - 47 - من أبواب صلاة الجماعة الجواهر - 32

[ 257 ]

قوله: (إن جلس) إلى آخره، في هذه الأخبار إرادة استنباط حال المصلي هل فرغ من الصلاة ثم شرع في غيرها ولو باتمامها ساهيا فلا تكون زيادة في الصلاة، أو أنها زيادة فيها فأراد معرفة حاله بهذا الطريق. ومن هنا يمكن أن يقال بشئ، وهو لو رأى المصلي نفسه أنه في خامسة أو سادسة ولكن وقع له الشك في أنه هل كان قد فرغ من الصلاة وأن هذه ابتداء صلاة جديدة أو أن هذه زيادة في الفريضة وقعت منه سهوا " فانه قد يقال بالصحة حينئذ حملا " لما وقع من المسلم عليها، بل قد يكون هذا الشك منه شكا في الشئ بعد دخوله في شئ آخر، فلا يلتفت، بل يحتمل القول به لو رأى نفسه قائما قبل تحقق الركوع منه فيبني على الصحة لما ذكرنا أيضا، ولا منافاة فيه لكلام الأصحاب، إذ المراد منه أنه بعد أن علم أنه لم يقع منه تشهد ولا تسليم لا ما ذكرنا، بل يمكن القول فيها بالصحة أيضا فيما لم يتنبه المكلف إلا وهو في خامسة مع علمه بعدم وقوع التشهد والتسليم منه، لكنه يحتمل أنه نسيهما فابتدأ في صلاة جديدة وقلنا بصحة الصلاة في مثله، ويحتمل أن ذلك وقع منه زيادة في الصلاة، فان إصالة الصحة تقضي بكون الواقع منه على الوجه الأول، لأنه هو الصحيح، وإن كان الجزم بذلك لا يخلو من إشكال، فتأمل. ولعل خبر محمد بن مسلم (1) الآتي منزل على بعض ما ذكرناه، وما فيه من التشهد والتسليم في الأثناء لعله مبني على جواز قضاء المنسي ولو في أثناء النافلة، لكونه غير مناف لها، فتأمل جيدا "، فانه لا يتم تنزيله على ذلك. وكيف كان فقد ظهر لك أن هذه الأخبار لا تصلح لان تكون مقيدة لاطلاق تلك الأخبار الصحيحة الموافقة للقواعد الشرعية المنجبرة بالشهرة المحصلة والمنقولة وإجماع الغنية وغيره.


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7

[ 258 ]

هذا كله بناء " على وجوب التسليم، وأما بناء " على ندبيته فقد عرفت أن بعضهم استوجه الصحة، وفيه أنه ينبغي اشتراطها بالتشهد مع نسيان التسليم لا بالجلوس بمقداره وإن لم يتشهد، لاأنه حينئذ لم يفرغ أيضا من الصلاة، لعدم الاكتفاء بالجلوس، والاكتفاء بذلك فيه يقتضي بالاكتفاء بالجلوس أيضا بقدر التسليم وإن لم يسلم بناء على وجوبه، فلا ينبغي تخصيص الصحة حينئذ بالندبية، مع احتمال ان يقال وإن كان بعيدا " إنا وإن قلنا بندبية التسليم وحصول التشهد منه لكن نقول ببطلان الصلاة أيضا، لاشتراط الخروج حينئذ بنية الخروج مثلا " والاعراض عن الصلاة ونحو ذلك، لا بتمام الأجزاء الواجبة، وإلا لم يكن معنى لندبية التسليم وجزئيته، بل لابد حينئذ من القول بكونه خارجا عن الصلاة مستحبا، وهو بعيد، فحينئذ يصدق عليه أنه زاد في صلاته ركعة وإن قلنا بالاستحباب وبه يتم الفساد، ومن هنا تعرف أن بناء " المسألة على الاستحباب أو الوجوب غير متجه إلا إذا قلنا بخروجه على تقدير الاستحباب عن الصلاة قهرا "، ويكون التسليم مستحبا خارجيا وإن كان هذا غير لازم لدعوى الاستحباب وحيث بان لك فساد القول بالصحة استغنينا عن ذكر كثير من المسائل المترتبة عليه على التفصيل، ولا بأس بذكرها على الاجمال، منها ما عرفت الاشارة إليه من التعدية لغير الرباعية، وقد عرفت أن المدارك في المسألة مختلفة، فبعضها يقتضي بالتعدي كالتمسك بان الأمر يقتضي الاجزاء، وما تقدم من حكاية السهو ونحو ذلك، وآخر يقضي بالاقتصار، كالتمسك بالروايات الخاصة، مع احتمال أن يقال بالتعدية أيضا تنقيحا للمناط وفهما من الروايات أنه لا خصوصية للرباعية، ومنها الظاهر أنه لا فرق بين زيادة ركعة أو أكثر كما يقتضيه عموم الجواب في الأخبار والقاعدة لو كانت هي المنشأ، بل قد يقال إن الركعتين أولى بالبناء على النافلة، ومنها القول بالصحة لو ذكر بعد الركوع قبل السجود، بل هو أولى، نعم يبقى الكلام في أنه حينئذ هل له أن يصيرها نافلة أو أن

[ 259 ]

ذلك مخصوص بما إذا جاء بركعة ؟ وجهان، واحتمال القول بأنه يتشهد ويسلم للصلاة ثم يسجد متما للركعة ويضيف إليها أخرى فتكون نافلة في غاية الضعف، لكونه تصرفا من غير إذن من الشارع، ومنها أن القائلين بالصحة يشترطون العلم بحصول الجلوس منه أما لو لم يعلم مع العلم بأن ما هو فيه ليس ابتداء صلاة جديدة فالظاهر الفساد عندهم، وما ورد في بعض الأخبار كخبر محمد بن مسلم (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: (سألته عن رجل صلى الظهر خمسا قال: إن كان لا يدري جلس عقيب الرابعة أم لم يجلس فليجعل أربع ركعات منها الظهر، ويجلس ويتشهد ثم يصلي وهو جالس ركعتين وأربع سجدات ويضيفهما إلى الخامسة فتكون نافلة) لا يقولون به، فحينئذ يكون معرضا عنه كبعض الأخبار (2) (أنه صلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر خمس ركعات ثم انفتل فقال له بعض القوم: يا رسول الله هل زيد في الصلاة شئ ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: صليت بنا خمس ركعات قال: فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولا ركوع ثم سلم، وكان يقول: هما المرغمتان) أو يحملان على بعض الوجوه الصحيحة التي لا تخفى على المحيط بما قدمنا، بل قد عرفت منه سقوط ذلك لكه عندنا، وأن الصحة محصورة بالذاكر قبل الركوع دون ما عداه حتى لو ركع إلا على القول بالارسال، مع أن الأقوى خلافه كما تسمع إن شاء الله. وأما بطلان الصلاة بزيادة الركوع والسجدتين ففي تعليق الارشاد ومجمع البرهان الاجماع عليه في الثاني، وفي المدارك أنه مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا، وبلا خلاف كما في الرياض كما عن غيرهما، لكن ينبغي تخصيص ذلك فيما يأتي من الخلاف بالارسال وبما مضى من مسألة الركعة وبما تقدم من كلام الشيخ في مسألة التلفيق، فانه يرجع إلى عدم قدح زيادة الركوع والسجدتين، وكيف كان فالوجه فيه - بعد القاعدة


(1) و (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7 - 9

[ 260 ]

المحكمة التي لا زالت العلماء يستدلون بها من أن زيادة الركن كنقيصته مخلة بهيئة العبادة التوقيفية - الأخبار المتقدمة سابقا، كقوله (عليه السلام): (إذا استيقن أنه زاد في صلاته ركعة لم يعتد بها واستقبل الصلاة استقبالا ") وقوله (عليه السلام): (لا يعيد الصلاة من سجدة ويعيدها من ركعة) فان مقابلتها بالسجدة قاضية بارادة الركوع، خصوصا وقد أطلقت عليه في جملة من النصوص، بل هذا هو الموافق للنظم إن لم يثبت مراد شرعي بالركعة، فتأمل، إلى غير ذلك من الأخبار المتقدم بعضها في صوره النقصان نسيانا، بل قد يستدل أيضا بما دل (1) على أن الصلاة ثلاثة أثلاث: طهور وركوع وسجود، وغيرها من النصوص، والمناقشة في بعضها بأنه يلزم أن يكون الخارج أضعاف الداخل وهو ممنوع يدفعها أولا ما بيناه في الأصول من أن المدار على الاستنكار العرفي وثانيا أن هذا العموم ليس لغويا فلا يجري فيه ذلك، هذا، وليعلم أن هناك مواضع استثنوا فيها اغتفار زيادة بعض الأركان ليس هذا موضع ذكرها، وتأتي إن شاء الله في محالها. (وقيل: لو شك في الركوع فركع ثم ذكر أنه ركع أرسل نفسه ذكره) ثقة الاسلام و (الشيخ وعلم الهدى (رحمهما الله)) والحلي وإبنا حمزة وزهرة على ما حكي عن بعضهم بل عن الأخير الاجماع عليه، وقواه بعض المتأخرين (والاشبه البطلان) كما في النافع والتحرير والمختلف والمنتهى والتنقيح وعن ظاهر الحسن وصريح جمع من المتأخرين، بل ربما نسب إلى أكثرهم، بل في التنقيح أن عليه الفتوى، وهو الأقوى في النظر، للأصل المتقدم سابقا، إذ هو إخلال بالهيئة، فلم يأت بالمأمور به على وجه، وقول الباقر (عليه السلام) في الحسن كالصحيح (2): (إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الركوع الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 261 ]

ركعة لم يعتد بها واستقبل صلاته استقبالا ") والصادق عليه السلام في صحيح أبي بصير (1) (من زاد في صلاته فعليه الاعادة) كقوله في خبر ابن حازم (2) ونحوه خبر عبيد بن زرارة (3): (لا يعيد الصلاة من سجدة ويعيدها من ركعة) بناء " على أن المراد بها الركوع، وفي التنقيح الاستدلال عليه بأنه زاد ركنا، وكل من زاد ركنا تبطل صلاته أما الكبرى فاجماعية، وأما الصغرى فلان الركوع لغة الانحناء، انتهى. وكلامه يعطي أن كون الركوع ركنا لا كلام فيه، إنما الكلام في كون هذا من الركوع أولا وفي المختلف وغيره أنه لا خلاف في أن زيادة الركوع مبطلة، وما تقدم من القول بالتلفيق لا يقضي بنفي الركنية مطلقا، فانهم لعلهم اغتفروه في ذلك المقام الخاص، وهو تدارك السجدتين المنسيتين. فإذا علمت ذلك ظهر أن مستند المتقدمين لا يخلو من أمرين إما الوقوف على رواية تدل على اغتفار مثل ذلك كما يقضي به إيراده في مثل النهاية التي هي متون أخبار أو أن هذا ليس ركوعا، لأنه مأخوذ فيه رفع الرأس، ولهذا لو ذكر بعد رفع رأسه بطلت صلاته إجماعا، والأول لا يجوز الفتوى به بمجرد الاحتمال، والثاني واضح الفساد ضرورة عدم مدخلية رفع الرأس في الركوع، ولذا لو سها عنه لم تبطل صلاته لترك الركوع قطعا، وتبين كون الركوع حاصلا " لا يقضي بأن هذا ليس ركوعا، وكون الهوي إلى السجود كان واجبا عليه وهذا قد اشتمل عليه ولم يزد إلا مجرد الطمأنينة كذلك لا يخرجه عن هذا الاسم، وإلا لتأتي في صورة العمد أيضا. ودعوى أن نية الركوعية والطمأنينة لا تشخصه ركوعا، لأنها معارضة بالنية الأولى المقتضية لكونه هويا للسجود، وهي مستدامة، والمستدامة بحكم المبتدأة، ومن


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الركوع الحديث 2 - 3

[ 262 ]

هنا أجمعنا صحة صلاة من أوقع أفعالا بنية ركعة معينة من الصلاة فتبين أنه في غيرها بل قد سلف أيضا أنه لو دخل في صلاة بنية الفرض ثم عزبت عنه إلى النفل سهوا " وأتمها بنية النفل كانت صحيحة، وأما الطمأنينة فليست بركن، فلا تضر زيادتها، يدفعها أن النية الإولى لا تخرج المسميات عن المسمى اللغوي، والمثالان ليسا من هذا القبيل، مع أنه عليه تتجه الصحة حينئذ ولو رفع رأسه، إذ لا زيادة إلا هذا الرفع الذي لا يقدح زيادته، لكونه ليس ركنا، وليس هو أعظم من القيام في غير محله، وما في المدارك - من أن هذه الزيادة لم تقتض تغيير هيئة الصلاة، ولا خروجا عن الترتيب الموظف، فلا تكون مبطلة وإن تحقق مسمى الركوع، لانتفاء ما يدل على بطلان الصلاة بزيادته على هذا الوجه من نص أو إجماع - في غاية الضعف من وجوه، وما يقال: إنه مأمور بذلك - ومقتضاه عدم ترتب الفساد عليه بوجه من الوجوه - فيه - مع نقضه بصورة الرفع، بل وبغيره من الأركان المتداركة عند الشك مع تبين الخلاف - أن ظواهر الأوامر الآمرة بتلافي المشكوك فيه عدم الفساد ما دام باقيا على ذلك الحال لا ما إذا انتقل منه إلى اليقين، مع أنه يجب صرف الظاهر عن ظاهره لما سمعت من الأدلة، نعم يمكن التمسك لهم بالاجماع المنقول عن الغنية، ويؤيده فتوى من لا يعمل إلا بالقطعيات كالمرتضى وابن إدريس، لكن ذلك بمجرده لا يجوز الجرأة به على هذا الحكم المخالف للأصول والضوابط، وما سمعته من إطلاق الأخبار مع إعراض أكثر المتأخرين، وطريق الاحتياط الاتمام والاعادة. ثم اعلم أن الحاكمين بالصحة اختلفوا فبين من خص ذلك بالأخيرتين كما عن النهاية والوسيلة وبين من عمم الحكم لهما كما عن غيرهما، وكأن الأول مبني على أن السهو متى دخل الأولتين في الركعات أو الأفعال أفسد، فالمفسد حينئذ نفس تعلق الشك بالركوع فيهما لا زيادته بالخصوص فيهما، ويأتي التعرض إن شاء الله لبطلانه.

[ 263 ]

ولو ذكر قبل الوصول إلى حد الراكع فالظاهر الصحة، لعدم تحقق زيادة الركوع منه، لكن هل يجب عليه الانتصاب للسجود أو يكفي ما حصل منه من الهوي وإن كان لغيره، والمسألة سيالة في غير المقام، مثل من هوى لا للركوع حتى وصل إلى حد الراكع ثم ذكر أن عليه ركوعا، ومثله السجود ونحو ذلك، فيحتمل عدم الوجوب، لكون مثل هذه الأشياء مقدمات لا واجبات في الصلاة لانفسها، فلا يقدح حصولها على أي وجه يكون، ويحتمل قويا الوجوب، لمنع كونها مقدمات، لانه بالنية وتكبيرة الاحرام في الصلاة حتى يتحلل بالتسليم إلا ما خرج من قتل عقرب مثلا " ونحوه، ويتفرع على الوجهين وجوبها وعدمه على تقدير تعذر الركوع والسجود مثلا "، فتأمل جيدا "، وقد يأتي التعرض لذلك إن شاء الله. (وإن نقص ركعة) فما زاد كما صرح به في النافع، بل هو الظاهر من كل من تعرض لهذه المسألة، فما عن المحقق الثاني من أن مراد المصنف بقوله: (وإن نقص) ما يتناول نقص الركعة فما زاد ونقص الركوع لا أعرف له وجها، إذ نقصان الركوع إن كان مع الاتيان بالسجود فمبطل للدخول في ركن، فلا يجري عليه شئ من الأحكام الآتية، وإن كان مع نقصان السجود فهو من نقصان الركعة، على أنه قد ذكر سابقا نقصان الركوع والسجدتين، نعم يمكن إجراء الأحكام الآتية في الناسي للسجدتين من الأخيرة حتى سلم، فلو أبدل الركوع بالسجود لكان له وجه، كما أنه يمكن إبداء وجه لنقصان الركوع بحيث تجري عليه أحكام المسألة بأن يقال لو نقص ركوعا وسجد سجدة واحدة وقلنا إن مثل ذلك لا يقدح في تلافي الركن كما اختاره سابقا في المدارك فانه يتجه حينئذ جميع الأحكام من الاتمام إن ذكر قبل فعل شئ مما يبطلها، والاعادة إن ذكر بعد فعل المبطل عمدا " وسهوا "، والتردد، مع أن الأشبه الصحة إن ذكر بعد فعل المبطل عمدا " لا سهوا "، والأمر سهل.

[ 264 ]

وكيف كان (فان ذكر قبل فعل ما يبطل الصلاة) في العمد خاصة أو في العمد والسهو ولم يحصل مناف للصلاة (أتم ولو كانت ثنائية) بلا خلاف أجده فيه على الظاهر كما اعترف به في المدارك، بل الظاهر أنه متفق عليه إلا على القول إن الأولتين لا يتعلق بهما سهو أبدا "، فانه يتجه حينئذ التفصيل، لكنه في غاية الضعف، بل لا ينبغي الالتفات إليه، ويدل عليه مضافا إلى ما يمكن أن يستفاد من كلماتهم من دعوى الاجماع عليه أن كل من نقص شيئا للسهو عنه وذكر قبل أن يدخل في ركن آخر وجب عليه، والفرض أنه لم يقع منه هنا إلا تشهد أو تسليم في غير محله سهوا "، وهو لا يقضي بفساد الصلاة، لكونه ليس من ذلك، والأخبار الكثيرة المعتبرة الآمرة بالاتمام بعد الذكر، ومحل الفرض هو المتيقن من بين الأفراد، إنما الكلام في دخول غيره معه، ودعوي أن السلام مخرج عن الصلاة قهرا " ممنوعة أشد المنع، بل المعلوم منه ما كان محله (وإن ذكر) النقص (بعد أن فعل ما يبطلها عمدا " وسهوا " أعاد) بلا خلاف أجده إلا ما يحكي عن الصدوق في المقنع، قال: (فان صليت ركعتين ثم قمت فذهبت في حاجة فأضف إلى صلاتك ما نقص منها ولو بلغت الصين ولا تعد الصلاة، فان إعادة الصلاة في هذه المسألة مذهب يونس بن عبد الرحمان) مع أن المنقول عن كشف اللثام والمجلسي أنهما قالا: إن الموجود فيما عندنا من نسخ المقنع (وإن صليت ركعتين ثم قمت فذهبت في حاجة لك فأعد الصلاة، ولا تبن على ركعتين) ونحوه في مفتاح الكرامة، فلم تكن المسألة من المتحقق فيها الخلاف، فما يظهر من بعض متأخري المتأخرين من الميل إليه أخذا " بظواهر بعض الأخبار الموافقة للعامة المعارضة بأقوى منها المعرض عنها بين قدماء الأصحاب ومتأخريهم إعراضا يسقطها عن الحجية إنما نشأ من اختلال الطريقة، لعدم المبالاة بكلام الأصحاب حجج الله في أرضه وأمنائه على


الجواهر - 33

[ 265 ]

حلاله وحرامه في جنب الخبر الصحيح، وكيف لا ولو أراد الانسان أن يلفق له فقها من غير نظر إلى كلام الأصحاب بل من محض الأخبار لظهر له فقه خارج عن ربقة جميع المسلمين بل سائر المتدينين، فالتحقيق حينئذ أنه كلما كثرت الأخبار وازدادت صحة ومع ذلك أعرض الأصحاب عنها ولم يلتفتوا إليها مع أنها بين أيديهم بمنظر منهم ومسمع تزداد وهنا، ويضعف الاعتماد عليها لحصول الظن بل القطع بعدم كونها على ما هي ظاهرة فيه، هذا مع الغض عن كونها معارضة بأخبار أخر مخالفة للعامة معتضدة بقواعد الباب، بل معتضدة بما دل على بطلان الصلاة بالحدث مثلا " والاستدبار ونحو ذلك خالية عما اشتملت عليه جملة من تلك الأخبار من سهو النبي (صلى الله عليه وآله) المخالف لقواعد الامامية العقلية، فمن العجيب بعد ذلك كله ما يظهر من بعض المتأخرين من حملها على الجواز جمعا بينها وبين ما دل على الاعادة والاستقبال، إذ هو مع أنه في الحقيقة إحداث قول ثالث فرع التكافؤ، وقد عرفت عدمه من وجوه عديدة، فالمتجه حينئذ طرحها أو حملها على ما لا ينافي المقصود. (وإن كان يبطلها عمدا " لا سهوا " كالكلام) ولو في السؤال عن نقصان الصلاة (فيه تردد) ينشأ من أنه كالوقوع في الأثناء سهوا "، بل يشمله ما دل على اغتفاره سهوا " مضافا إلى الأخبار الحاكمة بالصحة، بل منها ما هو صريح في وقوع الكلام منه المنجبرة بشهرة الأصحاب، ومن أن ذلك من قبيل العمد لا السهو، لأن الفرض أنه تكلم عامدا " لذلك بزعم الفراغ، ولذا يصح لو كان عقدا أو إيقاعا، مع أن المنقول عن المبسوط أن فيه رواية، بل قد عرفت أن القاعدة تقضي بالبطلان في الجميع، والمتيقن من القاعدة الثانية غير هذا الفرد، فيبقى داخلا تحت الأولى. (و) الأشهر (الأشبه الصحة) وفاقا للمشهور نقلا " وتحصيلا "، بل لعل عليه عامة المتأخرين، خلافا للمحكي عن النهاية والجمل والعقود والوسيلة والاقتصاد والمهذب

[ 266 ]

والغنية، فيعيد الصلاة، بل في الأخير الاجماع عليه، وعن الحلي أنه أوجب الاعادة إذا نقص ركعة ولم يذكر حتى ينصرف، وأطلق في كشف اللثام، وقيل: وكذا الحسن، ولظاهر المحكي عن المبسوط عن بعض أصحابنا من التفصيل بين الرباعيات وغيرها، لمنع اندراجه في العمد المفسد، إذ هو القصد للفعل مع التنبه للصلاة كما أو ضحناه في أول الفصل، ولا ينافيه صحته لو كان عقدا " أو إيقاعا، لكونه مقصودا "، ومنع جواز الاعتماد على مرسلة المبسوط التي لم نجدها في الجوامع العظام كالوسائل، خصوصا بعد إعراضه نفسه عنها فيه، أو إجماع الغنية الموهون بمصير الأكثر إلى خلافه وبالأخبار المعتبرة وغيرهما، كمنع اقتضاء القاعدة ذلك، بل استصحاب الصحة وصدق اسم الصلاة عندنا، وما دل على اغتفار زيادة ما عدا الأركان من أجزاء الصلاة سهوا "، واغتفار تخلل الكلام ونحوه إذا كان كذلك من إجماع ونصوص قاضية بالصحة، واحتمال اختصاص ذلك بالانفراد دون الاجتماع ينافيه إطلاق دليل العفو عن كل منهما المؤيد بشمول العفو في غير المقام لسائر ما ورد به حالتي الاجتماع والانفراد. على أنه يجب الخروج عنها بعموم الأدلة الدالة على العفو عن السهو فيهما ونحوهما فضلا " عن الخصوص، كصحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) (في رجل صلى ركعتين من المكتوبة فسلم وهو يرى أنه قد أتم الصلاة وتكلم ثم ذكر أنه لم يصل غير ركعتين فقال: يتم ما بقي من صلاته ولا شئ عليه) بل وصحيح زرارة (2) عنه (عليه السلام) أيضا (في الرجل يسهو في الركعتين ويتكلم فقال: يتم ما بقي من صلاته تكلم أو لم يتكلم ولا شئ عليه) وإطلاق غيرهما من الأخبار الكثيرة جدا " المصرح في بعضها بغير الرباعية وإن كان قد اشتمل جملة منها على ما هو محمول على التقية أو غيرها من قصة ذي اليدين وغيرها، إلا أنه لا ينافي الاستدلال بها على المطلوب،


(1) و (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 9 - 5

[ 267 ]

وخبر علي بن النعمان الرازي (1) قال: (كنت مع أصحاب لي في سفر وأنا إمامهم فصليت بهم المغرب فسلمت بالركعتين الأولتين فقال أصحابي: إنما صليت بنا ركعتين فكلمتهم وكلموني، فقالوا: أما نحن فنعيد، فقلت: لكني لا أعيد وأتم بركعة، فأتممت بركعة ثم سرنا فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فذكرت الذي كان من أمرنا فقال لي: كنت أصوب منهم فعلا، إنما يعيد من لا يدري ما صلى) وإن كان فيه إشكال باعتبار وقوع الكلام منه عمدا " بعد العلم بالحال، لكن يمكن إرادة إضمار القول منه بذلك، لا أنه قال ذلك صريحا، أو مبني على ما حكي عن موضع من التهذيب من احتمال أن يكون من سلم في الصلاة ناسيا فظن أن ذلك سبب لاستباحة الكلام، كما أنه سبب لاستباحته بعد الانصراف كالمتكلم ناسيا في عدم وجوب الاعادة عليه، وإن كان هو كما ترى. فمن العجيب بعد ذلك كله ما عن الأردبيلي من نفي البعد عن التخيير بين الاعادة وعدمها، بل قضية إطلاق هذه الأخبار إن لم يكن صريح بعضها - بل هو قضية العبارة وغيرها، بل في التذكرة نسبته إلى ظاهر علمائنا، بل في الرياض إرسال الاجماع عليه - عدم الفرق بين طول الفصل وعدمه، للأصل، وعدم ثبوت إبطال المحو لصورة الصلاة بالفعل الكثير ونحوه في حال السهو، خصوصا في مثل المقام، بل الثابت فيه خلافه، لظاهر جملة من أخباره في تناوله، بل كاد يكون صريح الحسن (2) (قلت: أجئ إلى الامام وقد سبقني بركعة في الفجر فلما سلم وقع في قلبي أني أتممت فلم أزل أذكر الله تعالى حتى طلعت الشمس، فذكرت أن الامام قد سبقني بركعة، قال: فان كنت في مقامك فأتم بركعة، وإن كنت قد انصرفت فعليك الاعادة) وإن كان لا صراحة


(1) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 6 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 268 ]

في سؤاله بحصول الكلام، إلا أنه قد يدعى ظهور الجواب في دوران الحكم على الانصراف وعدمه، خلافا للمحكي عن الشافعي ومالك وأحمد من الاعادة مع طول الفصل، بل مال إليه أو قال به في التذكرة كما عن المحقق الثاني في حاشية النافع، بل يرجع إليه ما عن المختلف والروض من الحكم بالاعادة لو خرج عن كونه مصليا، فلو افتتح حينئذ فريضة جديدة بعده ثم ذكر صحت لفساد الأولى به، فلا يقع افتتاح الجديدة حينئذ في أثنائها، أما عندنا فيقوى فسادهما معا، كما إذا لم يفصل، لزيادة تكبيرة الاحرام التي هي ركن في أثناء الأولى فتفسدها وإن لم تكن لها، لاطلاق ما دل على الاعادة بالزيادة، خصوصا بعد قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة (1): (لا تقرأ في المكتوبة شيئا من العزائم، فان السجود زيادة في المكتوبة) الظاهر في كونه زيادة في الصلاة وإن كان للتلاوة، ولخبر زرارة (2) المروي في المستطرفات عن كتاب حريز (لا قران بين صومين، ولا قران بين صلاتين، ولا قران بين فريضة ونافلة) بناء على أن المراد من القران بين الصلاتين الشروع في الأخرى قبل انتهاء الأولى كالقران بين الحج والعمرة، لا خصوص الجمع بينهما بنية واحدة، وأن المراد النهي عن القران الشامل للفريضتين. وقول علي بن الحسين (عليهما السلام) (3) في المروي عن قرب الاسناد وكتاب مسائل علي بن جعفر (وضع الرجل إحدى يديه على الأخرى عمل في الصلاة، وليس في أثناء الصلاة عمل) بناء على إرادة عدم مشروعية عمل في الصلاة غيرها، وإن كان يمكن دعوى ظهوره في عدم مشروعية عمل في الصلاة على أن يكون منها من دون توقيف


(1) الوسائل الباب - 40 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب 3 - من أبواب النية الحديث 2 (3) الوسائل الباب 15 من أبواب قواطع لصلاة الحديث 4

[ 269 ]

من الشارع، وإلا فلا بأس بنية الصوم في أثناء الصلاة، ولا بايتاء الزكاة في أثنائها ولا بغير ذلك مما لا ينافيها، بل لا بأس بالمعاملة ولا بالايقاع في أثنائها لمن ظن الفراغ منها ناسيا ثم ذكر أنه في أثنائها، وعلى كل حال لعدم وقوعها في محلها من حيث كونها في أثناء الأولى لم يحصل بها افتتاح بعد أن حصل بها الفساد، ضرورة عدم حصوله إلا بتمامها، فكيف يتصور انعقاد الجديدة بها. لكن في التذكرة وعن نهاية الأحكام والذكرى والبيان والروض عدم بطلان الأولى مع فرض الشروع في الثانية قبل حصول ما يبطلها، لعدم كون التكبير زيادة وركنا في تلك الصلاة، بل احتمل فيها جعل ما شرع فيها من الصلاة الثانية تتمة للأولى إذ وجود السلام بعد أن وقع سهوا " كعدمه، بل لم يستبعده الأستاذ في كشفه، بل عن الذكرى المروي العدول، بل عن الروض وغيره أن الأصح عدم الاحتياج إلى العدول لعدم انعقاد الثانية، نعم ينبغي ملاحظة كونه في الأولى من حين الذكر بناء على تفسير الاستدامة الحكمية بأمر وجودي، وعلى الأصح في الأفعال الباقية عدم إيقاعها بنية الثانية، بل في كشف اللثام احتمال العدول بالنية والقطع ثم إتمام السابقة، أو إتمام اللاحقة ثم إتمام السابقة، وفي الذكرى (أن الأول مروي، وعليه إن قلنا ببطلان الأولى لزيادة النية والتكبير عدل في جميع الثانية، وإلا فيما وافق المنسي) انتهى. فتلخص حينئذ احتمال بطلانهما، وصحتهما معا، وبطلان الأولى وصحة الثانية والعكس، مضافا إلى احتمال العدول، واحتمال اختصاص ذلك في الفريضة المفتتحة، أما النافلة فلا يتأدى الفرض بنية النفل، لكن ذلك كله كما ترى، وإن كان ربما يؤيد صحة الأولى - مضافا إلى ما في المرسل (1) عن صاحب الأمر (عليه السلام) من الاجزاء عن الفريضة الاولى واغتفار ما زيد من الأركان، قال فيه: (إنه كتب إليه الحميري


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 270 ]

يسأله عن رجل صلى الظهر ودخل في صلاة العصر فلما صلى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع ؟ فأجاب إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر وصلى العصر بعد ذلك) ولعله المراد بما في الذكرى من أنه المروي - ظهور الصحة لو تبين له النقصان بعد الدخول عات الاحتياط، إلا أنه قد يفرق بينهما بظهور الأدلة في الأخير دون غيره، أو يلتزم الفساد فيه أيضا، فتأمل جيدا ". ومن ذلك كله يظهر لك وضوح فساد الصلاة المفتتحة قبل إفساد الأولى بمفسد قبل الشروع، فلو أعاد حينئذ من نقص صلاته ولم يذكر إلا بعد السلام قبل أن يفعل المفسد لم يصح، والاعراض من دون فعل المنافي غير كاف، كما أنه لا يكفي فيه حصول القيام معه للثانية، لمنع حصول البطلان به وإن تعمده ما لم يدخل في الفعل الكثير، ولو كان في مواضع التخيير وعزم على التمام وسلم على اثنين صحت صلاته، وفي جواز البناء على الاتمام وإجراء حكم السهو أو لزوم ذلك وجه قريب، ولو زعم الاتمام على ركعة فذكر قبل فعل المفسد فقام ثم زعم الاتمام ثم ذكر فقام وزعم الاتمام ثم ذكر فقام وأتي بعد الجميع بالسلام والكلام تكرر عليه وجوب سجود السهو بحيث ينتهي إلى ثمان أو ستة عشر بتكرر الكلام مثلا والسلام كما هو واضح. (وكذلك) التفصيل السابق (لو ترك التسليم) نسيانا بناء على وجوبه وجزئيته (ثم ذكر) فتبطل لو ذكره بعد فعل المنافي عمدا " وسهوا "، لوقوعه حينئذ في أثناء الصلاة إذ لا مخرج شرعا عن حكمها غيره، كما أنها تصح ويتلافاه لو ذكره قبل فعل شئ ينافيها قطعا، وعلى الأقوى لو كان بعدما يبطلها عمدا " لا سهوا "، ولكن قد يشكل الأول بعموم ما دل على عدم بطلان الصلاة بنسيان غير الركن من إجماع ونصوص، وخصوص

[ 271 ]

إطلاق صحيح زرارة (1) عن الباقر (عليه السلام) (سألته عن الرجل يصلي ثم يجلس فيحدث قبل أن يسلم قال: تمت صلاته) كصحيحه الآخر (2) (في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه من السجدة الأخيرة وقبل أن يتشهد قال: ينصرف ويتوضأ، فان شاء رجع إلى المسجد، وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته) بل وحسن الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام (إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا، وإن كنت قد تشهدت فلا تعد) كخبره الآخر (4) عنه (عليه السلام) أيضا (إذا نسي أن يسلم خلف الامام أجزأه تسليم الامام) وخبر غالب بن عثمان (5) عنه عليه السلام أيضا (سألته عن الرجل يصلي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهد ثم ينام قبل أن يسلم قال: تمت صلاته، وإن كان رعافا فاغسله وارجع فسلم) بل قضية ما عدا الحسن وما بعده مما ذكرنا ذلك حتى لو نسي التشهد معه أيضا، كما يدل عليه مضافا إلى ما سمعت خبر عبيد بن زرارة (6) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير فقال: تمت صلاته، وإنما التشهد سنة في الصلاة فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد) كخبره الآخر (7) وخبر ابن مسكان (8) عن الصادق (عليه السلام) أيضا، بل وغيرهما المتناولة كالسابقة صورة النسيان أو المحمولة عليها، بل قضية ما عرفت أولا دلك حتى لو نسي سجدة من السجدتين الأخيرتين معهما. ولعله لذلك كله جزم في المدارك بعدم بطلان الصلاة بنسيان التسليم على القول بوجوبه، بل هو مقتضى بعض عبارات من عرفت ممن حكم بصحة الصلاة بزيادة الخامسة فما زاد مع جلوسه قدر التشهد، بل مال إليه أو قال به هنا في المسالك مقتصرا " على تعليله


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 3 - من أبواب التسليم الحديث 2 - 4 - 3 - 6 (2) و (6) و (7) و (8) الوسائل الباب - 13 - من أبواب التشهد الحديث 1 - 2 - 4 - 3

[ 272 ]

بما سمعته منا أولا "، بل قال: اللهم إلا أن يقال بانحصار الخروج فيه، وهو في حيز المنع، لكن ناقشه في المدارك بأن المقتضي للبطلان على هذا التقدير ليس هو الاخلال بالتسليم، وإنما هو وقوع المنافي في أثناء الصلاة، فان ذلك يتحقق بفعله قبل الفراغ وإن لم يتعقبه ركن، وفيه أنه لا يتجه بعد فرض عدم انحصار المخرج به، إذ لعل تمام التشهد أو الاعراض مع فعل المنافي كاف فيه حال السهو، على أنه قد يمنع شمول ما دل على بطلان الصلاة بالحدث مثلا ولو سهوا " في أثناء الصلاة لنحو المقام، خصوصا مع احتمال كون وجه إبطاله كذلك عدم إمكان تدارك ما يبقى من أجزاء الصلاة، فبعد فرض اغتفار ذلك السهو وسقوطه لم يبق وجه لذلك، بل قد يقال برجحان ما دل على عدم بطلان الصلاة بالسهو عن غير الركن على ما دل على بطلان الصلاة به مطلقا، ودعوى عدم التعارض بين الإدلة - إذ البطلان لفعل المنافي في الأثناء لا لنسيان التسليم مثلا كما سمعته من المدارك - لا تخلو من تأمل أو منع، على أنا في راحة منها بالأدلة - الخاصة السابقة، فالمتجه حينئذ عدم الفساد به مطلقا إن لم يكن إجماع على خلافه، بل ينبغي القطع به بناء على استحباب التسليم ولو على الجزئية، وإن كان قد يحتمل تحقق الفساد به أيضا، لصدق حصول المنافي في الأثناء وإن كان هو مستحبا، لكنه بعيد كبعد احتماله أيضا على تقدير الوجوب وأنه خارج عن الصلاة، فتأمل جيدا "، فانه قد أوضحنا الحال في أول الخاتمة في قواطع الصلاة، وذكرنا هناك ما يقتضي القطع ببطلان الصلاة بذلك، وأن هذه النصوص وما شابهها مع تعارضها في نفسها واحتمالها احتمالات متعددة قد خرجت مخرج التقية، فلا حظ كي يتضح لك الحال في جميع أطراف المسألة، لإنه كان متأخرا في التصنيف عن المقام، والعالم. (ولو) علم أنه (ترك سجدتين و) لكن (لم يدرأنهما من ركعة أو ركعتين)


الجواهر - 34

[ 273 ]

ففي التذكرة والبيان بل والمنتهى وعن نهاية الأحكام والتحرير والروض (رجحنا جانب الاحتياط) الواجب مراعاته في نحو المقام مما اشتغلت الذمة فيه بيقين، فيعيد حينئذ كما صرح به جماعة، بل في الكفاية أنه المشهور على تأمل في دليله، وهو في محله للاكتفاء في فراغ الذمة باصالة الصحة، بل هو في الحقيقة من الشك في المبطل بعد الخروج عن المحل، ولعله لذا عن نهاية الإحكام والروض احتمال الصحة وقضاء السجدتين بل قد يقال بعدم وجوب قضائهما أيضا، لعدم صلاحية إصالة الصحة لتشخيص أنهما من ركعتين، ضرورة الاكتفاء في تحققه باحتمال أنهما من ركعتين، لكنه لا يكفي في وجوب قضائهما، لعدم تحقق فواتهما الذي هو موضوع القضاء، فاحتمال أنهما من ركعة واحدة كاف في سقوطه، ومن هنا احتمل الصحة في المدارك والذخيرة وعن الميسية وغاية المرام ومجمع البرهان من غير ذكره لقضاء السجدتين، لكن قد يستغرب ذلك من حيث علمه بمشغولية ذمته باعادة الصلاة أو قضاء السجدتين، فمع فرض عدم الاتيان بأحدهما يقطع بعدم خروجه عن عهدة ما علم التكليف به، إلا أنه قد يهونه إمكان دعوى أنه لا بأس به في الإحكام الظاهرية، بل قد يدعى وقوع نظائر له فيها، وإلا فبدونه ينقدح احتمال وجوب قضاء السجدتين عليه ثم الاعادة وإن لم أجده لأحد، فتأمل جيدا ". (ولو) علم أن السجدتين (كانتا من ركعتين و) لكن (لم يدر أيتهما هي قيل) كما عن الشيخ وجماعة: (يعيد، لأنه لم تسلم له الأوليان يقينا، والأظهر أنه لا إعادة) لاصالة عدم التقدم أولا، وعدم الفرق عندنا بين الأولتين وغيرهما في جميع أحكام السهو عدا العدد كما ستعرف ذلك إن شاء الله محررا "، فيقضيها حينئذ بعد الصلاة (وعليه سجدتا السهو) لنسيان السجدة إجماعا كما عن التذكرة لقول الصادق عليه السلام (1):


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 274 ]

(تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان) بل المتجه تكريرهما لكون الفرض نسيان السجدتين كما هو واضح. (وإن أخل بواجب غير ركن) لم تبطل صلاته إجماعا محصلا " ومنقولا "، بل هو المستفاد من النظر في مجموع الأخبار، نعم (منه ما تتم معه الصلاة من غير تدارك) ولا سجود للسهو (ومنه ما يتدارك من غير سجود، ومنه ما يتدارك مع سجدتي السهو فالأول من نسي القراءة) كما في النافع والقواعد والارشاد وغيرها، بل لا أجد خلافا فيه كما استظهره في الذخيرة واعترف به في المدارك، بل نفاه نفسه فيها لا وجدانه، كما عن صريح جامع المقاصد كالرياض إلا من ابن حمزة القائل بركنيتها، وهو شاذ، بل في المدارك الاجماع عليه، للأخبار المستفيضة، وفيها الصحيح وغيره، كقول أحدهما في صحيح زرارة (1): (من ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه) والصادق (عليه السلام) في خبر منصور بن حازم (2) بعد أن قال له: (إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها أليس قد أتممت الركوع والسجود ؟ قلت: بلى، فقال: قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا) إلى غيرذلك مما تسمع بعضه فيما يأتي، وهي الحجة على القائل بركنيتها، كما أن الأصل وقوله (ع): (لا شئ عليه) فيها حجة على القائل بوجوب سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة الشامل للمقام، وإن كان ستعرف قوته فيما يأتي، إلا أن التعارض بين ما هنا وبين ما دل عليه من مرسل ابن أبي عمير (3) وغيره من وجه، لكن لعل الترجيح لما هنا بالفتاوى وقلة الأفراد المرادة من قوله عليه السلام: (لا شئ عليه) بعد الحكم بصحة الصلاة بالنسبة إلى أفراد الزيادة والنقصان وغير ذلك.


(1) و (2) الوسائل الباب - 29 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب - 2 - 3 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 275 ]

(أو الجهر أو الاخفات في مواضعهما) وفي المدارك نفي الخلاف عنه في الجهر الاخفات، بل الاجماع عليه أيضا، بل قد يقال بعدم وجوب تداركه وإن ذكره قبل الركوع، كما نقل عن كثير التصريح به، فما لعله يظهر من المصنف وبعض العبارات كما عن صريح جامع المقاصد من مساواته في هذا الحكم للقراءة لا يخلو من تأمل، لا طلاق ما دل على أنه لا شئ عليه إن أخل بذلك ساهيا، بل قد يستفاد منه أنه لا يرجع إليه في الأثناء، بل لو تجاوز الكلمة إلى كلمة أخرى، والظاهر أنه كنسيان القراءة نسيان الاعراب أو الترتيب بين الآيات، وتسمع في آخر المبحث أن عليه الاجماع في عبارة الدرة وهو الحجة، مضافا إلى أن في التلافي زيادة ركن، لأن الفرض أنه لم يذكره إلا بعد أن ركع. وكذا لا فرق بين نسيان القراءة جميعها (أو) بعضها ك‍ (قراءة الحمد) خاصة (أو قراءة السورة) وعلى كل حال فلم يذكر شيئا من ذلك (حتى ركع) أي وصل إلى حد الراكع وإن لم يذكر، وفي خبر أبي بصير (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أم القرآن قال: إن كان لم يركع فليعد أم القرآن) ونحوه غيره، ومثل القراءة التسبيح في الركعتين الأخيرتين (أو الذكر في الركوع) كما في النافع والقواعد والمنتهى وغيرها، وفي المدارك والرياض وعن الذخيرة أنه لا خلاف فيه، لما في التلافي من زيادة ركن، وفي الخبر (2) (عن رجل ركع ولم يسبح ناسيا قال: تمت صلاته) (أو الطمأنينة فيه) بلا خلاف إلا ما عن الشيخ، فقال بركنيتها، وهو ضعيف كما بين في محله، ولعله لذا نقل عن جماعة نفي الخلاف فيه هنا من غير استثناء، ويحتمل رجوع الضمير في العبارة إلى الركوع أو الذكر، وفي الخبر الأول (3) الدال على عدم بطلان


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب - 1 5 من أبواب الركوع الحديث 1

[ 276 ]

الصلاة بنسيان التسبيح دلالة على عدم البطلان بالطمأنينة فيه، وبعدم القول بالفصل بين الطمأنينتين يتم المطلوب، ويظهر فساد كلام الشيخ (حتى رفع رأسه) بحيث خرج عن مسمى الراكع، واليه يرجع تعبير بعضهم بالانتصاب (أو رفع رأسه أو الطمأنينة فيه) أي في الرفع بلا خلاف أجده فيهما (حتى سجد) وإلا فقبله يتداركهما كما هو ظاهر العبارة، ولعله لأنه ممكن فيجب للاستصحاب، ولكن قد يناقش باستلزام زيادة قيام لو كان المنسي الطمأنينة خاصة، اللهم إلا أن يقال إنها شرط فيه، فلا يكون الأول صحيحا، ولكن لا يخلو من نظر، لاحتمال كونها واجبا حاله، والفرض أنه قد فات كالذكر حال السجود أو رفع الرأس، فالظاهر أن وجوبه لأن يسجد عن قيام، فلذا يتداركه لو نسيه لا أنه من حيث كونه رفع رأس من الركوع، فلا يتدارك إلا باعادة الركوع، وهو ركن، وهو مناف لفتوى المصنف وغيره، فتأمل. (أو الذكر في السجود) كما في النافع والقواعد والمنتهى وغيرها وعن المبسوط والجمل والعقود، للخبر (1) (عن رجل نسي تسبيحه في ركوعه وسجوده قال: لا بأس) (أو السجود على الإعضاء السبعة) كما في النافع والمنتهى، بل قيل: لا خلاف فيه، نعم قيل عدا الجبهة، فان نسيانها في السجدتين معا يوجب فوات الركن، وفي الواحدة يقتضي فوات واحدة، فيدخل في القسم الثالث، وهو مبني على أن السجود لا يتحقق بدون وضع الجبهة، ولعله لا يخلو من تأمل، وعن النهاية من لم يمكن جبهته في حال السجود من الأرض متعمدا " فلا صلاة له، وإن كان ذلك ناسيا فلا شئ عليه، فتأمل على أن دخول مثل ذلك في تارك السجدة أو السجدتين محل نظر، وأيضا العبارة ونحوها كالصريحة في عدم الاستثناء، بل هو لا يخلو من قوة، لامكان منع عدم تحقق السجود إلا بوضع الجبهة، فلو سجد على مقدم رأسه ونحو ذلك يعد عرفا أنه ساجد، كما أنه


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الركوع الحديث 2

[ 277 ]

لا يسقط السجود بتعذر وضع الجبهة، فليست هي حينئذ إلا كغيرها من المساجد، وإن تعدد السجود بتعدد رفعها ووضعها بخلاف غيرها، لكن ذلك لا يقتضي توقف اسم السجود عليها، فتأمل. (أو الطمأنينة فيه) كما صرح به جماعة، بل في الرياض لا خلاف فيه، بل قد يستدل عليه بالخبر المتقدم (1) في ذلك السجود بالتقريب المتقدم في ذكر الركوع (حتى رفع رأسه) بحيث يستلزم عوده زيادة سجدة، وهو قيد للجميع، بل قد يقال وإن لم يستلزم زيادة سجدة كما إذا كان الرفع يسيرا " جدا " عملا " باطلاق الخبر المتقدم في الذكر، ولكن فيه أن الظاهر تحقق الزيادة بمطلق الرفع كما يؤمي إليه الأمر بجر (2) الجبهة جرا " لو وقعت على ما لا يصح السجود عليه (أو رفع رأسه من السجود) أي إكماله، وإلا فلا يتحقق نسيان الرفع مع تحقق السجدتين، ودعوى تحقق التثنية بالنية ضعيفة مخالفة للعرف كما في كل استدامة، فان النية لا تعددها على وجه يقال إنه فعل مرتين مثلا "، نعم قد يقال بناء على عدم اعتبار وضع الجبهة في السجود وأنه يتحقق بمطلق وضع الرأس بالحال المخصوص: إنه يمكن نسيان رفع الرأس مع تعدد السجود بأن يتعدد منه وضع الجبهة مثلا " مرتين من دون رفع رأسه ولو بتقلب رأسه في ذلك، اللهم إلا أن يمنع أن ذلك تعدد سجود قل تعدد أحواله في السجدة الواحدة، ولكن يشكل حينئذ تعين الأمر بالجر مخافة تعدد السجود بدونه، ضرورة إمكان وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه بتغير أحواله في تلك السجدة من دون رفع رأسه ومن دون جر، ومن هنا يمكن القول بعدم وجوب الجر عينا، وإنما أمر به حذرا " مما تعارف من تعدد رفع الرأس ووضعه لا لنفي الاحتمال المزبور، فتأمل جيدا " فانه دقيق جدا ".


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الركوع الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب السجود

[ 278 ]

(أو الطمأنينة فيه) أي في رفع الرأس من السجدة الأولى بقرينة قوله: (حتى سجد ثانيا) بلا خلاف فيه كما في الرياض (أو الذكر في السجود الثاني أو السجود على الأعضاء السبعة أو الطمأنينة فيه) أي في السجود (حتى رفع رأسه) على نحو ما مر في السجود الأول في جميع ذلك، وبالجملة العمدة في الحجة على جميع ما تقدم إما استلزام زيادة ركن في الصلاة مع التلافي، وإما الدليل الخاص من الاجماع المحكي المعتضد بنفي الخلاف وغيره، قال في الدرة السنية في شرح الألفية - بعد ذكر جملة مما ذكر المصنف كنسيان القراءة أو أبعاضها أو صفاتها والذكر في الركوع وعربيته وموالاته والطمأنينة فيه والرفع والطمأنينة فيه والذكر في السجود وعربيته وموالاته والطمأنينة فيه والطمأنينة في الرفع من الأولى -: (لأنه إن دخل في ركن فلا يغتفر زيادته، وإلا فقد أجمعوا على عدم التدارك) انتهى. وقد عرفت نفي الخلاف وبعض الروايات في البعض، ولو عاد للتدارك حيث لم يستلزم زيادة ركن فسد مع العمد، وصح مع السهو. (الثاني) أي ما يتدارك من غير سجود للسهو (من نسي قراءة الحمد حتى قرأ السورة استأنف الحمد) كما في المبسوط والسرائر والنافع والقواعد والارشاد والمنتهى وغيرها، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، بل في الرياض بلا خلاف يظهر، بل بالاجماع صرح بعض من تأخر، مضافا إلى القاعدة، إذ هو واجب يمكن تلافيه، والأخبار منها خبر أبي بصير (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أم القرآن، قال: إن كان لم يركع فليعد أم القرآن) ومنها موثقة سماعة (2) (سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب قال: فليقل: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم ثم ليقرأها ما دام لم يركع، فانه لا صلاة له حتى يقرأ بها في جهر أو إخفات) وأما


(1) و (2) الوسائل الباب - 28 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 - 2

[ 279 ]

خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه (عليه السلام) المنقول عن قرب الاسناد (سألته عن الرجل افتتح الصلاة فقرأ سورة قبل فاتحة الكتاب ثم ذكر بعدما فرغ من السورة قال: يمضي في صلاته ويقرأ فاتحة الكتاب فيما يستقبل) فلم أعثر على عامل به، فاتجه حمله على إرداة أنه ذكر بعد ما فرغ من السورة وركع أو غير ذلك، نعم مقتضى ما ذكرناه من الأدلة وجوب التلافي ما لم يصل إلى حد الراكع، ولا تنافيه عبارة المصنف ونحوها، ضرورة عدم إرادة تخصيص وجوب التلافي بما إذا ذكر بعد قراءة السورة، كما هو واضح. وعلى كل حال إذا استأنف الحمد وجب عليه إعادة سورة، ولما لا يجب عليه قراءة تلك السوره كما صرح به في القواعد لعدم الدليل عليه فيبقى استصحاب التخيير سليما عن المعارض، لكن يظهر عن المبسوط والارشاد وجوب إعادتها بعينها، ولعله للرضوي (2) (وإن نسيت الحمد حتى قرأت السورة ثم ذكرت قبل أن تركع فأقرأ الحمد وأعد السورة، فان ركعت فامض على حالتك) وفيه بعد تسليم حجتيه أنه لا صراحة فيه قذلك، إذ قد يكون المراد منه وإن كان بعيدا إعادة قراءة النوع، بل قد تنزل بعض البعارات أيضا على ذلك، نعم لم أجد مخالفا في وجوب إعادة السورة وعدم الاكتفاء بالقراءة الاولى، لوجوب الترتيب الممكن تلافيه، والأخبار المتقدمة لا تنافيه مع التصريح به في الرضوي كما عرفت، ولكن لعل المتجه السجود للسهو لزيادة قراءة السورة كما سمعت أمر الصادق (عليه السلام) (3) به لكل زيادة ونقيصة، بل مقتضاه ذلك أيضا في المسألة الآتية لزيادة القيام فيها، إذ المفروض قيامه مرتين في الركعة


(1) الوسائل الباب - 28 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 4 (2) المستدرك الباب - 23 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 280 ]

الواحدة المعتبر فيها قيام واحد، ومثل نسيان قراءة الحمد نسيان السورة أو أبعاضها أو الصفات من الاعراب والترتيب بين الآيات عدا الجهر والاخفات كما عرفت، وكان ذلك كله للقاعدة الشمار إليها سابقا، وصحيح معاوية بن وهب (1) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أقرأ سورة فأسهو فأتنبه وأنا في آخرها فأرجع إلى أول السورة أو أمضي قال: بل امض) محمول على إرادة وقوع السهو في الأثناء على وجه لم يعلم الاتيان بتمام السورة أو يخشى من فوات الموالاة، أو أنه كما في الذخيرة من جملة ما يدل على استحباب السورة الذي قد عرفت تحقيق الحال فيه، والله العالم. (وكذا لو نسي الركوع وذكر قبل أن يسجد) أي قبل أن يتحقق منه مسمى السجود (قام فركع ثم سجد) وفي المدارك وعن المعتبر والمفاتيح والمصابيح الاجماع عليه، لاطلاق الأمر مع بقاء المحل، لعدم استلزام التلافي زيادة مفسدة، بل قد يدل عليه أيضا صحيح عبد الله بن سنان (2) (إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا " أو تكبيرا " فاقض الذي فاتك سهوا ") قيل للاجماع على عدم مشروعية قضاء مثل الركوع والتكبير بعد الصلاة فيحمل لفظ القضاء فيه على التدارك في المحل، على أن الموجود في الوسائل التي عندي (فاصنع الذي فاتك) والأولى حمل القضاء فيه على الأعم من التدارك في المحل وغيره، لما تسمع من الاستدلال به على القضاء خارج الصلاة، وبذلك كله يقيد ما دل (3) على وجوب استقبال الصلاة بنسيان الركوع، بل قد يستدل عليه أيضا بما دل (4) على تلافيه مع الشك، فالنسيان أولى، لكن


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الحديث 7 والباب 26 منها الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الركوع (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الركوع الجواهر - 35

[ 281 ]

الذي عثرت على من الأخبار الدالة على ذلك إنما هو في الشك في الركوع وهو قائم، نعم في خبر أبي بصير (1) (في الرجل لا يدري ركع أم لم يركع قال: يركع) فيستدل حينئذ باطلاقه على الشك، ويأتي في المقام بطريق أولى، فتأمل جيدا ". فما في السرائر والمنتهى - من أنه لو سها عن الركوع وهو قائم عاد إلى الركوع مما قد يستظهر من تقييدهما بذلك الخلاف في المسألة، مع إمكان المناقشة في كون مثله سهوا " عن الركوع واحتمال عدم إرادتهما التقييد - محجوج بما سمعت. والمراد بالقيام في المتن وغيره الانتصاب، لكن قيده بعضهم بما إذا حصل النسيان حاله فهوى إلى السجود، فانه يجب حينئذ أن يقوم ويركع محافظة على الهوي للركوع، إذ ذلك كان للسجود، فلا يكتفي به، أما إذا حصل النسيان بعد الوصول إلى حد الراكع فلا يقوم منتصبا، بل يقوم منحنيا إلى حد الراكع، والمراد على الظاهر أنه وصل إلى حد بحيث لو تجاوزه صدق عليه اسم الراكع لا أنه وصل إلى حد الراكع حقيقة، إذ لا يتصور حينئذ نسيان الركوع، بل هو نسيان الرفع والطمأنينة مثلا "، ولعل ما ذكره المصنف وغيره من وجوب القيام والركوع بعده مطلقا أولى محافظة على القيام الذي يكون عنه الركوع، وأما الانحناء الأول فهو وإن كان للركوع إلا أنه لم يتحقق معه مسمى الركوع، فلا يكتفى به، اللهم إلا أن يقال إن القيام الأول كاف، وما وقع في الأثناء إنما وقع سهوا " فلا يكون قادحا، بل هو بمنزلة ما لم يقع، فيحصل القيام المتصل بالركوع وإن قام منحنيا، وهو لا يخلو من نظر وتأمل، وكيف كان فبناء على التقييد المذكور يجب القيام منحنيا إلى الحد الذي حصل النسيان عنده، كما أنه حيث يجب القيام ثم الركوع لا يجب الطمأنينة في القيام لحصولها في السابق، واحتمال وجوب الركوع عن قيام فيه طمأنينة ممنوع. نعم يجب حصول تمام القيام، فتأمل.


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الركوع الحديث 4

[ 282 ]

هذا كله إذا لم يتحقق صورة الركوع منه، وإلا أشكل كما في المدارك العود إليه، لاستلزامه زيادة ركن، فان حقيقة الركوع هو الانحناء المخصوص، وأما الذكر والطمأنينة والرفع منه فواجبات خارجة عن حقيقته، لكن قد يقال إن المدار على القصد أو على عدم قصد العدم، بل لعل العرف يتوقف على ذلك في الأفعال المشتركة، فتأمل. (وكذا من ترك السجدتين) أي يتلافاهما إذا ذكرهما قبل أن يصل إلى حد الراكع كما هو خيرة النافع والمنتهى والقواعد والارشاد والبيان وظاهر الألفية والدرة السنية، بل نسبه في مفتاح الكرامة إلى الشرائع وما تأخر عنها، وعن الذخيرة نسبته إلى المتأخرين، وفي المدارك إلى الأكثر، وهو المنقول عن ابن حمزة، وأما الشيخ في المبسوط فقد عد مما يوجب الاعادة السهو عن سجدتين من ركعة ثم يذكر ذلك وقد ركع في الثانية، وهو مشعر بعدم الاعادة عند الذكر قبل الركوع، ولكن قال فيما يوجب التلافي: (إن نسي سجدة واحدة من السجدتين وذكرها في حال قيامه وجب عليه أن يرسل نفسه فيسجدها ثم يعود إلى القيام) وهو مشعر بعدم العود مع نسيان السجدتين، ومثله عن السيد وسلار، فيكون كلامهم مضطربا، نعم عن أبي الصلاح والمقنعة والسرائر الفساد وان اختلف تعبيرهم عن ذلك، ففي المقنعة (إن ترك سجدتين من ركعة واحدة أعاد على كل حال، وإن نسي واحدة منهما ثم ذكرها في الركعة الثانية قبل الركوع أرسل نفسه وسجد ثم قام) ومثله عن أبي الصلاح، وفي السرائر (من السهو الذي لا يتدارك نسيان السجدتين ولم يذكرهما إلا في حال لو شك لا يرجع اليهما - ثم قال بعد ذلك -: من النسيان الذي يتدارك لو نسي السجدة وذكرها قبل الركوع) لكن عن غرية المفيد موافقة المشهور. وعلى كل حال فالأول هو الأقوى، لكونه سهوا " عن ركن ولم يتجاوز محله، فيمكن تلافيه فلا يفسد إجماعا، أما أنه لم يتجاوز محله فلان الظاهر من تتبع كلمات

[ 283 ]

الأصحاب في غير المقام أن المراد بالمحل بالنسبه للسهو عدم الدخول في ركن آخر، بل يمكن تحصيل الاجماع على ذلك، وفي مفتاح الكرامة في شرح قول العلامة: (ولو ذكر في محله أتى به) قال: أي لو ذكر قبل الانتقال إلى ركن أتى به وصحت الصلاة، لانه لا يؤثر خللا " ولا إخلالا " بماهية الصلاة كما في المعتبر، وقد قطع بذلك الإصحاب، بل يدل عليه أيضا الاجماع على تدارك السجدة الواحدة كما تسمع، إذ احتمال كون المحل للسجدة الواحدة غيره للاثنين تعسف بارد، وأما أنه مع بقاء المحل يتدارك ففي المنتهى لا خلاف فيه بين أهل العلم، بل حكى غيره الاجماع على ذلك، فحينئذ لا ينفك المخالف عن مخالفة الاجماع، لأنه إن قال بخروج المحل فقد عرفت أنه لا يصغى إليه، وهو مخالف لما يظهر من كلماتهم بل إجماعاتهم، وإن قال: إنه لا يتدارك وإن بقي المحل فقد عرفت ما قاله في المنتهى ودعوى الاجماع من غيره، كل ذلك مع قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (1): (إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا " أو تكبيرا " فاقض الذي فاتك سهوا ") وقد عرفت سابقا أن المراد بالقضاء إنما هو ما يشمل التدارك بقرينة الاجماع على عدم مشروعية قضاء الأركان، مع أن الذي سمعته فيما حضرني من الوسائل (فاصنع) بل في المدارك (يؤيده رواية محمد بن مسلم (2) المتضمنة لتدارك الركوع بعد السجدتين، فانه إذا جاز تداركه مع تخلل السجدتين اللتين هما ركن في الصلاة جاز تدارك السجود مع تخلل القيام بطريق أولى) انتهى. لكن فيه أن الأصل غير ثابت، فلا معنى للأولوية التي يمكن منع كونها الحجة شرعا، كل ذا مع أنا لم نعثر على دليل للمخالف كما اعترف بذلك بعضهم سوى الاصل، وقوله


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7 (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الركوع الحديث 2

[ 284 ]

(عليه السلام) (1): (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود) وفيه أن الأصل على تقدير تسليمه - إذ الظاهر أن الأصل الصحة يخرج عنه بما سمعت من الأدلة والقاعدة المستفادة من الشرع، وأما قوله (عليه السلام): (لا تعاد) إلى آخره. فالظاهر أن المراد منه من ترك واحدا " من هذه الخمسة مطلقا لا في مثل المقام الذي يعاد فيه إلى السجود، بل قد يكون للمشهور لا عليهم، فتأمل. (أو إحداهما) بلا خلاف كما في المنتهى والرياض، وهو موضع وفاق بين العلماء كما في المدارك، وبالاجماع صرح جماعة كما في الرياض، وعن المصبابيح الاجماع عليه، وعن التذكرة نسبته إلى العلماء، ويدل عليه مضافا إلى ذلك القاعدة المشار إليها سابقا، والأخبار المستفيضة، منها صحيح اسماعيل بن جابر (2) عن الصادق (عليه السلام) (في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد قال: فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء) إلى آخره، وبمعناه غيره. ثم إنه لا إشكال في عدم وجوب الجلوس قبل السجود المتدارك حيث يكون المنسي السجدتين، بل وكذا إذا كان المنسي سجدة واحدة وكان قد جلس بعد رفع رأسه. السجود الجلسة الواجبة، أما إذا جلس بنية أنه للاستراحة لزعمه الفراغ من السجدتين فالأقوى في النظر الاكتفاء به أيضا، بل عن الروض نسبته إلى كثير منهم، لحصول الواجب به، ونيته أنه الاستراحة (3) لا تخرجه عن ذلك كما في سائر أفعال الصلاة، وإلا لوجب على من سجد مثلا بنية أنه في الركعة الثالثة والفرض أنه في


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الركوع الحديث 5 (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 1 (3) هكذا في النسخة الأصلى ولكن الصواب ((للإستراحة

[ 285 ]

الثانية الاعادة، ولوجب على القائم بنية أنه للرابعة مع أنه في الثالثة القيام ثم القعود، إلى غير ذلك مما لا معنى له، على أن ما نواه لم يقع لاستحالته، لكونه في غير محله، فتكون نيته لغوا "، فهو بمنزلة من لم ينو، وتكفي النية الأولى الاجمالية الواقعة في ابتداء الصلاة، وربما يؤيده الأخبار (1) الدالة على أنه لو دخل في الصلاة بنية الفريضة ثم سها ونوى الندب بأفعالها لتخيله أنها نافلة لا يضره ذلك، وكذلك العكس. لا يقال إنه قد سلف في ناسي الركوع حتى هوى للسجود ولما يسجد أنه يقوم ويركع محافظة على الهوي للركوع، ومقتضى ما ذكرت عدم الوجوب لوقوع الهوي منه، ونيته أنه للسجود لغو، إذ يدفعه أنا أوجبناه هناك محافظة على القيام المتصل بالركوع كما عرفت، هذا، وربما ظهر من المدارك والرياض عدم الاجتزاء، لتضاد النية الأولى مع النية الثانية بالوجوب والندب، والنية الأولى إنما تؤثر حيث لا يحصل نية ثانية مضادة لها، وهو محتمل، لكن الأقوى الأول. وأما إذا لم يكن جلس فالذي صرح بعضهم به وجوب الجلوس حينئذ، لكونه فعلا من أفعال الصلاة يجب تلافيه، والمنقول عن الشيخ وظاهر غيره بل هو الذي صرح به في المنتهى عدم الوجوب، للأخبار المتقدمة الآمرة بالسجود من غير استفصال بل ربما استدل لهم بأن الواجب الفصل بين السجدتين وقد تحقق بالقيام، ومقتضاه النزاع في وجوب هذا الجلوس، ولا ريب أن الأقوى الأول بناء " على وجوبه على وجه يكون كغيره من أفعال الصلاة، وترك الاستفصال إنما هو لأن السؤال عن السجدة دون غيرها، نعم لو قلنا بوجوبه مقيدا بحال رفع رأسه من السجدة اتجه حينئذ عدم تداركه لفوات محله حينئذ، وتنقيح ذلك من الأدلة لا يخلو من نظر وإن كان أصل الوجوب مفروغا منه، ومن ذلك يعلم ما في تفريع وجوبه في قضاء السجدة لو فرض


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب النية من كتاب الصلاة

[ 286 ]

نسيانها مع الجلوس، مع أنه قد يقال بعدم وجوب قضائه وإن كان واجبا مطلقا، لعدم الدليل. وأما لو شك في الجلوس فقد صرح بعضهم بالبناء على الأصل، فيأتي به، واحتمال أنه شك فيه بعد الانتقال عنه فلا يلتفت يدعه أنه بعد الرجوع إلى المحل لتلافي السجدة يرجع شكه إلى الشك فيه وهو في محله، لكن ومع ذا قد يقال بعدم الالتفات للشك في تناول ما دل على تلافي المشكوك فيه في المحل لمثل ذلك، مضافا إلى ما في بعضها (1) من أن عدم التلافي حيث ينتقل لكونه في تلك الحال أذكر الصادق في مثل المقام، فتأمل فان المسألة نافعة في غير المقام، كما لو رجع مثلا من القيام إلى السجدة المنسية فشك في حصول السجدة الثانية، فانه بناء " على الأول يجب الاتيان بها، وعلى ما قلنا العدم، ولعله هو الأقوى، ولو نسي الطمأنينة فيه خاصة ففي تداركها باعادته مطمئنا فيه وعدمه نظر كما تقدم الكلام في نظائره، فلا حظ وتأمل. (أو التشهد وذكر قبل أن يركع رجع فتلافاه ثم قام فأتى بما يلزم من قراءة أو تسبيح ثم ركع) وإن كان قد قرأ سابقا محافظة على الترتيب بلا خلاف كما في الرياض، بل في الخلاف والمدارك وعن الغنية الاجماع عليه، ويدل عليه مضافا إلى ذلك القاعدة المتقدمة والأخبار المستفيضة، منها صحيح سليمان بن خالد (2) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس، وإن لم يذكر حتى يركع فليتم الصلاة) إلى آخره، وبمعناه غيره، نعم عبارة المصنف لم تشمل نسيان السجدة الأخيرة والتشهد الأخير، فنقول: لا ينبغي الشك في وجوب تدارك السجدة بل السجدتين إذا ذكر في أثناء التشهد أو بعده قبل التسليم بناء " على


) (1) الوسائل الباب - 42 - من أبواب الوضوء الحديث 7 (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب التشهد الحديث 3

[ 287 ]

وجوبه وأنه من الصلاة، لا مكان التدارك لبقاء المحل، وأما إذا ذكر بعد التسليم فان كان المنسي السجدتين بطلت الصلاة لفوات الركن، وإن كان واحدة قضاها منفردة كما عن الذكرى، وهو المصرح به في المدارك والرياض، بل في الأخير أني لم أجد في الحكم خلافا، وفي الحدائق أن ظاهر الأصحاب عدم الخلاف فيه، واستدل له باطلاق الصحيح (1) كما قيل (في رجل نسي من صلاته ركعة أو سجدة أو الشئ منها ثم يذكر بعد ذلك قال: يقتضي ذلك بعينه، قلت: أيعيد الصلاة ؟ قال: لا) ونحوه آخر (2) كما قيل، مضافا إلى صحيح ابن سنان (3) ((إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا " أو تكبيرا " فاقض الذي فاتك سهوا ") وشمولها لكثير مما لا يقول به الأصحاب لا يخرجها عن الحجية فيما بقي، بل قيل: إنه لا يقدح وإن كان الخارج أكثر من الداخل، لان منع ذلك مختص بالعموم اللغوي دون الاطلاقي، بل الاتفاق واقع على جواز التقييد فيه إلى الواحد قلت: أما صحة الصلاة حيث يكون المنسي واحدة فهو مما لا ينبغي الاشكال فيه نعم قد يقال هنا إن لم يكن إجماع بوجوب التلافي لا القضاء، لبقاء المحل، ووقوع التسليم منه لا يخرجه عن الصلاة، بل هو من قبيل من سلم ساهيا في غير محله، بل قد يقال بوجوب التلافي ما دام باقيا على هيئة المصلي ولم يطل الفصل ولم يحصل ما يفسد الصلاة وإن كان الفائت السجدتين، لتوقف الخروج عن المحل على الشروع في ركن آخر، ولم يحصل، كما يرشد إلى ذلك كله حكم ناسي الركعة، وما يقال - من أنه يلزم حينئذ القول بفساد الصلاة لو تخلل حدث قهرا " أو نحوه، لوقوعه حينئذ في الأثناء


(1) و (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 - 8 (3) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7

[ 288 ]

من جهة عدم خروجه بالتسليم يدفعه - بعد تسليم إمكان (1) عدم الالتزام بذلك أنه إذا وقع مثل ذلك كان خروجا عن الصلاة قهرا "، والمراد أنه لا يخرج عن الصلاة بالمخرج الاختياري أي التسليم لا القهري، ويحكم حينئذ بصحة الصلاة إذا كان الفائت غير ركن، وبالفساد حيث يكون الفائت ركنا، كما يرشد إليه صحيح عبيد بن زرارة (2) المشتمل على التعليل بأن التشهد سنة، بل وصحيح زرارة (3) وإن ذكر التسليم فيه، لا حتمال إرادة قضائه تبعا للتشهد أو الندب أو غير ذلك مما تقدم في محله، فلا حظ وتأمل. ومما يؤيد ما ذكرنا ما يظهر منهم من أن الخروج عن المحل إنما يكون في الدخول في ركن، وبدونه لا يخرج، وإلا فلو نسي الركوع والسجود حتى تشهد وسلم ثم ذكر لا تفسد صلاته، فنسيان السجود وحده بطريق أولى، ولعل ما نقل عن الذكرى من احتمال إعادة السجدة مع التشهد مرتبا بينهما يؤيد ما ذكرنا، وأما بناء " على استحباب التسليم فقد ذكر بعضهم أن حاله كحال القول بالوجوب، فمتى ذكر بعد التشهد قبل التسليم السجدة أو السجدتين تداركها، قيل: وفيه نظر، ولعله لأن الخروج قد تحقق بتمام التشهد، فان كان الفائت ركنا بطلت الصلاة، وإن كان السجدة قضيت، وفيه أن القائل باستحباب التسليم لم يقل بكونه مستحبا خارجيا عن الصلاة، بل هو جزء مستحب منها، فبتمام التشهد يحصل الفراغ من الواجب، وبالتسليم يحصل الفراغ من تمام الواجب والمستحب، فحينئذ يتجه التدارك ببقاء المحل بعدم الخروج عن تمام الصلاة وإن حصل الواجب منها، نعم لو اقتصر على التشهد ولم يأت بالتسليم اتجه ما ذكر في النظر، فتأمل. وأما التشهد فكذلك لا كلام في تداركه إذا ذكره قبل تمام التسليم، أما لو ذكره


(1) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصواب (عدم امكان الالتزام) (2) و (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب التشهد الحديث 1 4 الجواهر - 36

[ 289 ]

بعد ذلك فلا إشكال في عدم الفساد حيث يذكر ويفعل قبل حصول ما ينافي الصلاة من الحدث أو غيره، وأما إذا ذكر بعد ذلك فالمعروف أن الصلاة صحيحة ويأتي بالتشهد قضاء، خلافا لابن إدريس فانه أوجب إعادة الصلاة، قيل وهو متجه إذا تخلل الحدث على مذهبه من كون التسليم مستحبا، فيكون الحدث واقعا في الأثناء، لعدم المخرج، وبذلك يفرق بينه وبين التشهد الأول، فيقضي الأول وإن حصل الحدث بخلاف التشهد الثاني، بل عن ابن إدريس التصريح بذلك، ولولاه أمكن دعوى أنه لا تلازم بين القول باستحباب التسليم والفساد، إذ الخروج يتحقق حينئذ إما بالتسليم وإن قلنا باستحبابه، أو بالحدث نفسه، أو بغير ذلك، فيكون قد ترك ما لا يفسد تركه إذا كان نسيانا، لعدم كونه ركنا، كما أن القائل بوجوب التسليم وأنه به يتحقق الخروج من الصلاة لو تركه نسيانا فأحدث مثلا قد لا يلتزم بفساد الصلاة، فتأمل. وأما القضاء لو ذكره بعد التسليم فلاطلاق الصحيح (1) بل ظاهره (في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف من صلاته فقال: إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه) المعتضد باطلاق الخبرين (2) المتقدمين، وهي باطلاقها حجة على ابن إدريس أيضا، نعم ما ذكرناه من المناقشة في السجدة يتأتي في المقام أيضا، بل لعل عبارة الشهيد في البيان في المقام تشير إلى ذلك، قال: (ويتلافى التشهد الأول والصلاة على النبي وآله ما لم يركع، والتشهد الأخير ما لم يحدث، فان أحدث أتى به بنية مستأنفة) انتهى وهو ظاهر في أن المراد بالتلافي التلافي المحلي لا القضائي، فتأمل جيدا فان جميع ما سمعت مقتضى هذه المناقشة، ولعله لا يخلو من قوة لو كان المنسي السجدتين اللتين يمكن إلحاقهما بنسيان الركعة، ومن


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب التشهد الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب التشهد الحديث 1 و 4

[ 290 ]

وجه لو كان سجدة، أما التشهد فالظاهر أن نسيانه في الآخر مقتض لقضائه لا لتداركه باعتبار كون التسليم محله بعد تمام الركعة الرابعة، فهو في حال النسيان في محله، فيقتضي الخروج، فيتعين القضاء، بل لعل مقتضى إطلاق الأدلة كونه كذلك مع نسيان السجدة أما اقتضائه البطلان مع نسيان السجدتين فمحل للنظر أو المنع، فالاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. (ولا يجب في هذين الموضعين سجدتا السهو، قيل يجب، والأول أظهر) للأصل وخبر الحلبي (1) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد قال: يرجع فيتشهد، قلت: أيسجد سجدتي السهو ؟ قال: ليس في هذا سجدتا السهو) وخبر أبي بصير (2) (سألته عمن نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم قال: يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فان كان ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وحدها وليس عليه سهو) بناء " على كون نفيه مع التدارك، لكن في خبر المعلى بن خنيس (3) (سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عن الرجل ينسى السجدة من صلاته قال: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، ونسيان السجدة في الأولتين والأخيرتين سواء) ويمكن كون المراد سجود السهو لما وقع من زيادة القيام ونحوه لما تسمعه إن شاء الله في الخاتمة من وجوبه لكل زيادة ونقيصة، لا أنه للسهو المتدارك، بل يمكن كون مراد المصنف نفي الوجوب من هذه الحيثية، لانه حفظ سهوه فأتمه، ولا سهو على من حفظ سهوه وأتمه كما تسمع التصريح بذلك في النصوص، لا ما يشمل الزيادة


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التشهد الحديث 4 (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 4 - 5

[ 291 ]

المتخللة مثلا "، وإن كان قد يشهد قوله (عليه السلام) في الموثق (1): (وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو) في أحد الوجهين، والله العالم. (ولو ترك الصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) حتى سلم) ولم يذكر إلا من بعد الركوع (قضاهما بعد التسليم) كما صرح به جماعة، بل هو المشهور نقلا " إن لم يكن تحصيلا "، بل في الخلالاف (من ترك التشهد والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) قضى ذلك بعد التسليم وسجد سجدتي السهو، وقال الشافعي: يجب عليه قضاء الصلاة، دليلنا إجماع الفرقة، والقضاء فرض ثان) انتهى. خلافا لابن إدريس ومن تبعه، فلم يوجبوا قضاء، للاصل المنقطع بخير حكم بن حكيم (2) المقتدم سابقا، بل وبما قيل من أن التشهد يقضى بالنص فكذا أبعاضه تسوية بين الكل والجزء، وأنه مأمور به ولم يأت به فيبقي في العهدة، وبأن التشهد اسم للمجموع فحيث لم يأت ببعضه لم يأت به، وإن كان قد يتوجه على الأول بعد تسليم الجزئية منه على وجه تقضى لو فاتت معه أنا نمنع تسوية البعض للكل، وقضاء البعض في ضمن الكل بعد فرض تسليم الخصم له لا يقضي بقضائه مستقلا كما في الصلاة وأبعاضها، وعلى الثاني أن البقاء في العهدة إما أن يكون منشأه الاستصحاب، أو إطلاق ما دل على وجوبه، وكلاهما منتفيان، ضرورة ظهور الوجوب في المكان المخصوص في الصلاة، والفرض أنه قد خرج منها، وما في الرياض - من أن الأصل يقتضي الفساد، وإنما خرجنا عنه في مثل المقام بالاجماع وهو هنا مع الاتيان به بعد الصلاة، فيتعين حينئذ الاتيان به يدفعه منع أن المدرك هذا الاجماع، بل هو عموم ما دل على أن نسيان غير الركن غير مفسد للصلاة كقوله


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6

[ 292 ]

(عليه السلام) (1): (لا تعاد الصلاة) إلى آخره، ونحوه من إطلاق الاجماعات وغيرها، على أنه لم يعلم من القائل بوجوب القضاء أن الصحة متوقفة عليه، بل قد يقول: إنه واجب لنفسه كما هو الظاهر من عدم البطلان بتخلل الحدث ونحوه، وعلى الثالث أنا نمنع دخوله تحت اسم التشهد، ولئن سلمنا فهو مع الاتيان بالبعض لم يصدق عليه أنه نسي التشهد كما لا يصدق عليه أنه جاء بالتشهد، بل هو واسطة بين الأمرين كما هو مقتضى كونه اسما للمجموع، فتأمل جيدا "، فانحصر الدليل بخبر حكم بن حكيم مع انجباره بما عرفت من الشهرة، وما لعله يمكن تحصيله من الاجماع من عبارة الخلاف المتقدمة، سيما على ما في مفتاح الكرامة من نقل عبارة الخلاف بلفظ (أو) ولعله عثر على نسخة أخرى، فتأمل. ومن هنا تعرف أن الظاهر عدم وجوب سجود السهو له من حيث وجوبه للتشهد لعدم دخوله تحت اسمه كما هو ظاهر المصنف وعن غيره، وأبعاض التشهد تقضى كالصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) كما نص عليه بعضهم، بل حكي عن ظاهر البيان والموجز الحاوي وكشف الالتباس أو صريحه وصرح الجعفرية وشرحها وتعليق الارشاد، لعموم خبر حكم السابق، ولو نسي الصلاة على الآل (عليهم السلام) فقط فهل يجب على تقدير القضاء إعادة ما يتم به مما قبله وإن لم يكن نسيه كما في الذخيرة، أو لا يجب كما هو الأقوى، كما هو مقتضى خبر حكم، ولأن قضاءه من حيث كونه جزء صلاة لا أنه خطاب تراد دلالته، ولعله أشار إلى ذلك في الذكرى بقوله: ووجوب قضاء الصلاة وحدها مشعر بعدم اشتراط الموالاة في هذه الأذكار عند النسيان. (الثالث) أي ما يتدارك مع سجدتي السهو وهو (من ترك سجدة أو التشهد ولم يذكر حتى ركع قضاهما أو أحدهما) أما السجدة فقد صرح بقضائها في المبسوط


(1) الوسائل الباب - 29 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5

[ 293 ]

والخلاف والنافع والقواعد والارشاد والمنتهى والألفية والدرة السنية والمدارك والرياض، بل هو المشهور نقلا " وتحصيلا " شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل عن الغنية والمقاصد العلية الاجماع عليه، كما أن عن التذكرة والذكرى الاجماع على عدم بطلان الصلاة بالاخلال بواحدة سهوا "، وهو الحجة، مضافا إلى ما تقدم من خبر حكم ابن حكيم وما في معناه وخبر ابن سنان المتقدم (1) أيضا، وهو قوله (عليه السلام): (إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا " أو تكبيرا " فاقض الذي فاتك سهوا ") والأخبار الخاصة، منها صحيح إسماعيل بن جابر (2) عن الصادق (عليه السلام) (في رجل نسي أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم أنه لم يسجد قال: فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع فذكر بعد ركوعه أنه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء) وخبر أبي بصير (3) قال: (سألته عن رجل نسي أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم قال: يسجدها إذا ذكرها ما لم يركع، فان ركع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو) ومثلهما في الدلالة على المطلوب موثق عمار الساباطي (4) وغيره من الأخبار، فما نقل عن العماني وثقة الاسلام من القول بفساد الصلاة ضعيف محجوج بما عرفت، ولعل دليله خبر المعلى بن خنيس (5) (سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) في الرجل ينسى السجدة من صلاته فقال: إذا ذكرها قبل ركوعه سجدها وبنى على صلاته ثم سجد سجدتي السهو بعد انصرافه، وإن ذكرها بعد ركوعه أعاد الصلاة، ونسيان السجدة في الأولتين والأخيرتين سواء) وهو مع أنه لا جابر لسنده معارض بما سمعت من الأدلة المستغنية عن ذكر الترجيح عليه، فلا مانع من حمله على الاستحباب أو غيره.


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 1 - 4 - 2 - 5

[ 294 ]

وكذا ما عن المفيد والشيخ في التهذيب من استقبال الصلاة إذا كانت من الركعتين الأولتين، لصحيح البزنطي (1) المروي في الكافي والتهذيب عن أبي الحسن (عليه السلام) (سألته عن رجل صلى ركعة ثم ذكر وهو في الثانية وهو راكع أنه ترك سجدة من الأول فقال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول: إذا تركت السجدة في الركعة الأولى ولم تدر واحدة أم اثنتين استقبلت الصلاة حتى يصح لك أنهما اثنتان) وزاد في التهذيب مع إسقاط لفظ الصلاة وإبدال الواو بالفاء (وإذا كان في الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون قد حفظت الركوع أعدت السجود) بل يؤيده ما دل على اشتراط سلامة الصلاة بسلامة الأولتين وقوله (عليه السلام): (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة). إذ هذه الرواية وإن كانت معتبرة السند إلا أنها لا تقاوم تلك المطلقات المنجبرة بشهرة العمل والاجماع المنقول وإطلاق الفتوى بعدم بطلان الصلاة بنسيان غير الركن على أنها معارضة برواية محمد بن منصور (2) (سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها فقال: إذا خفت ألا تكون وضعت جبهتك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع جبهتك مرة وليس عليك سهو) وما في رواية المعلى بن خنيس المتقدمة من أن نسيان السجدة في الأولتين والأخيرتين سواء، وعدم العمل منا بصدرها لا يقدح في العمل بذيلها، فان الظاهر إرادة الاستئناف بل وخبر جعفر بن بشير (3) المروي عن المحاسن، قال: (سئل أحدهم (عليهم السلام) عن رجل ذكر أنه لم يسجد في الركعتين الأولتين إلا سجدة وهو في التشهد الأول قال: فليسجدها ثم ينهض، وإذا ذكره وهو في التشهد الثاني قبل أن يسلم فليسجدها ثم يسلم ثم يسجد سجدتي السهو) هذا، مع أنها غير واضحة المتن على اختلاف نسخة وإجماله


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 3 - 6 - 7

[ 295 ]

فان قوله (عليه السلام): (ولم تدر واحدة) إلى آخره ظاهر في الشك والسؤال، وقوله (عليه السلام): (إذا تركت) كقوله (عليه السلام) في آخره: (أعدت السجود) ظاهر في النسيان، اللهم إلا أن يراد من الواو معنى (أو) مع أنه قد لا يتم من جهة أخرى أيضا، أو يقال إن معنى الخبر على ما فهمه الشيخ أن السائل سأل عن رجل تيقن وهو راكع في الثانية أنه ترك سجدة من الأولى فقال (عليه السلام): إن الشك يوجب استقبال الصلاة، فاليقين أولى بخلاف الركعتين الأخيرتين فانما عليه إذا ترك سجدة فيهما أن يقضيها بعد، وهو كما ترى، أو يقال: إن المراد من بطلان الصلاة بالشك في كون الفائت سجدة أو سجدتين كما ذكره في الشك في كون الفائت من السجدتين من ركعة أو ركعتين، وفيه أنا نمنع ذلك كما عرفته سابقا لأصالة الصحة، على أنه لا وجه للتفصيل حينئذ بين الأولتين والأخيرتين، بل ولا لقوله (عليه السلام): (حتى تصح لك اثنتان). وأجاب عنها في الخلاف أنها لا تنافي الأخبار الأول، لأن هذا الحكم مختص بمن يشك فلم يذكر فيلزمه الاعادة، وإنما يجوز له المضي في الصلاة وإعادة السجدة بعد التسليم إذا كان ذلك مع العلم، فلا تنافي بين هذه الأخبار، وفيه أنه حينئذ لا مطابقة بين السؤال والجواب، مع أنه إن كان ذلك صحيحا في الشك ففي النسيان بطريق أولى وقد أشار (عليه السلام) إلى العلة بقوله (عليه السلام): (حتى يصح لك اثنتان) مع أن ذيله وقوله (عليه السلام): (إذا تركت) ظاهر في النسيان، وعن المختلف الجواب عنها بأن المراد بالاستقبال الاتيان بالسجود المشكوك فيه لا استقبال الصلاة، قال: ويكون قوله (عليه السلام): (وإذا كان في الثالثة) إلى آخره، راجعا إلى من تيقن ترك السجدة في الإولتين، فان عليه إعادة السجود لفوات محلها، ولا شئ لو شك، بخلاف ما لو كان الشك في الأولى، لأنه لم ينتقل عن محل السجود فيأتي بالمشكوك فيه

[ 296 ]

ولا يخفى ما فيه من التعسف والركاكة، على أن قول السائل: (وهو راكع) ينافيه، اللهم إلا أن يعتبر في منافاته للتدارك رفع الرأس منه، فيكون المراد حينئذ أن السائل لما سأل عن ذلك أجاب (عليه السلام) أن على الشاك أن يأتي بالسجدة في محلها حتى يكون آتيا بالسجدتين، فالمتيقن أولى، والراكع في الثانية لم يتجاوز محل الاتيان بالسجود فيهوي إلى السجود الثاني، بخلاف ما إذا أتم الركعتين فتيقن في الثالثة أو الرابعة أنه ترك سجدة في الأولى فانما عليه قضاء السجدة بعد، ولا ينافيه ما عن الكافي وقرب الاسناد من أن لفظه (استقبل الصلاة) فان الرجوع استقبال للصلاة أي رجوع إلى جزء متقدم منها، هذا، والانصاف أنه لولا ما قدمناه من شهرة العمل بين الأصحاب والاجماع المحكي ونحوهما لكان العمل بها متجها، ضرورة قصور غيرها عن معارضتها بدونها سندا ودلالة، ووجوب حمل المطلق على المقيد، لكن قد يقال اختلاف متنه وإجماله يمنه من ذلك أيضا. وكيف كان فالأقوى ما عليه المشهور، وطريق الاحتياط غير خفي، بل عن الشهيد أنه لم يستبعد حمله على استحباب الاستقبال، كما أن الإقوى هو المشهور بينهم أيضا من قضاء السجدة بعد التسليم، بل لم ينقل الخلاف فيه إلا عن المفيد في الرسالة الغرية وأبي الحسن علي بن بابويه في رسالته إلى ولده ما تسمعه عن الاسكافي، أما الأول فقال: (إذا ذكر بعد الركوع فليسجد في الثانية ثلاث سجدات: واحدة منها قضاء) وأما الثاني فقال: (إن السجدة المنسية من الركعة الأولى تقضى في الركعة الثالثة، وسجود الثانية إذا ذكرت بعد ركوع الثالثة تقضى في الركعة الرابعة، وسجود الثالثة يقضى بعد التسليم) وهما مع منافاتهما لهيئة الصلاة ومخالفتهما المعتبرة المستفيضة وعمل المشهور لم نعثر لهما على مستند في ذلك سوى الرضوي (1) الذي بعد تسليم حجيته


(1) المستدرك الباب - 12 - من أبواب السجود الحديث 1 الجواهر - 37

[ 297 ]

لا يهجم على طرح ما عرفت من الإدلة به. وأما صحيح ابن أبي يعفور (1) عن الصادق (عليه السلام) (إذا نسي الرجل سجدة وأيقن أنه قد تركها فليسجدها بعد ما يقعد قبل أن يسلم) فحمله في المدارك على ما ذهب إليه من استحباب التسليم، ويمكن حمله بناء " على الوجوب على التسليم المستحب بعد الواجب، وإطلاقه عليه شائع في الأخبار، والأمر سهل، لعدم العامل به، إذ هو لا يوافق أحد المذهبين المتقدمين، نعم في إطلاقه دلالة على بعض ما ذهب إليه والد الصدوق، وهو قضاء السجدة من الركعة الثانية، وعلى المحكي عن الاسكافي أيضا قال: (واليقين بترك إحدى السجدتين أهون من اليقين بترك الركوع، فان أيقن بتركه إياها بعد ركوعه في الثالثة سجدها قبل سلامه، والاحتياط إن كانت في الأولتين الاعادة إن كان في وقت) فتأمل. وأما التشهد فالظاهر من عبارة المصنف وغيره أنه التشهد الأول، بل هو صريح بعضهم، لكن أطلق آخر، بل في الرياض لم يظهر قائل بالفرق بينهما، كما عن الذكرى (لا فرق بين التشهد الإول والأخير في التدارك بعد الصلاة عند الجماعة في ظاهر كلامهم سواء تخلل الحدث أم لا) انتهى. وعلى كل حال فقال الشيخ في الخلاف: (من ترك التشهد والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) ناسيا قضى ذلك بعد التسليم وسجد سجدتي السهو، وقال الشافعي يجب عليه قضاء الصلاة، دليلنا إجماع الفرقة، والقضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل) انتهى وقال فيه في موضع آخر: (إذا نسي التشهد الأول من صلاة رباعية أو ثلاثية إلى أن قال: وإذا ذكر بعد الركوع مضى في صلاته، فإذا سلم قضى التشهد ثم سجد سجدتي السهو، حتى قال: دليلنا إجماع الفرقة) وعن الغنية والمقاصد العلية الاجماع على قضائه، وفي


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب السجود الحديث 1

[ 298 ]

الدرة وعن غيرها انه المشهور، وفي المدارك أنه مذهب الأكثر. ويدل عليه مضافا إلى ما سمعت من الاجماع المنجبر بالشهرة المتقدمة والأخبار المطلقة كخبر حكم بن حكيم وما في معناه الصحيح (1) (في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف، فقال: إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه) وخبر علي بن أبي حمزة (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا قمت في الركعتين الأولتين ولم نتشهد فذكرت قبل أن تركع فاقعد فتشهد، وإن لم تذكر حتى تركع فامض في صلاتك كما أنت، فإذا انصرفت سجدت سجدتين لا ركوع فيهما ثم تشهد التشهد الذي فاتك) وما في سنده من الضعف قد عرفت الجابر له، كالضعف في دلالته من حيث احتمال أن يراد به التشهد في السجدتين الذي يقوله الخصم كما ستعرف على أنه ظاهر في خلاف ذلك كما يقتضيه لفظ (ثم) وكذا المناقشة في الأول بظهوره في التشهد الأخير والكلام في التشهد الأول بعد أن عرفت أنه لا قائل بالفصل، مع أنا نمنع ظهوره فيه. فما عن المقنع والفقيه (إذا سلمت سجدت سجدتي السهو وتشهدت فيهما التشهد الذي فاتك -) مما هو ظاهر في الاجتزاء بذلك عن قضاء التشهد كما عن المفيد في الرسالة للأصل والموثق (3) (سألته عن الرجل ينسى أن يتشهد قال: يسجد سجدتين يتشهد فيهما) وخبر الصيقل (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في الرجل يصلي الركعتين من الوتر يقوم فينسى التشهد حتى يركع ويذكر وهو راكع قال: يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم، قال: قلت: أليس قلت في الفريضة إذا ذكر بعدما يركع مضى


(1) و (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب التشهد الحديث 2 - 6 (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب التشهد الحديث)

[ 299 ]

ثم سجد سجدتين بعدما ينصرف يتشهد فيهما ؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة) بل يؤيد أيضا خلو الأخبار الصحيحة وغيرها المستفيضة الواردة في مقام البيان عن الأمر بقضائه، فانها اقتصرت على الإمر بالسجدتين فقط، منها قول أبي جعفر عليه السلام (1): (في الرجل يصلي ركعتين من المكتوبة ثم ينسى فيقوم قبل أن يجلس بينهما قال: فليجلس ما لم يركع وقد تمت صلاته، فان لم يذكر حتى ركع فليمض في صلاته، وإذا سلم سجد سجدتين وهو جالس) ونحوه غيره - ضعيف جدا "، إذ ذلك كله غير صالح له، أما الأصل فالظاهر أنه غير منطبق على ما يدعونه من التداخل بين التشهدين، بل الأصل عدمه، على أنك ستسمع فيما يأتي إن شاء الله اختلافهما بالكيفية، على أن ظاهر عبارتهم المتقدمة حذف تشهد السجدتين، وستعرف فيما يأتي وجوبه إن شاء الله، وأما الموثق فلا دلالة فيه أيضا، فان قوله (عليه السلام): (يتشهد فيهما) لا ظهور فيه أنه التشهد الفائت، فان كان الاستناد إليه من جهة الاقتصار على ذلك الظاهر في نفي غيره فهو راجع إلى التأييد الأخير بالصحاح كما عرفت، ومثله في ذلك الخبر الذي بعده، وأما خلو الصحاح ففيه أنه إن سلمنا ظهوره في ذلك فهو لا يعارض النص المنجبر بما عرفت من الشهرة والاجماع، وكلامهم بمنزلة كلام متكلم واحد يبين بعضه بعضا. فما يظهر من بعض المتأخرين من الميل إليه لذلك فيه ما لا يخفى، فلم يبق لهم مستند سوى ما نقل عن الفقه الرضوي (2) قال: (وإن نسيت التشهد في الركعة الثانية فذكرت في الثالثة فأرسل نفسك وتشهد ما لم تركع، فان ذكرت بعد ما ركعت فامض في صلاتك، فإذا سلمت سجدت سجدتي السهو وتشهدت فيهما ما قد فاتك) وهو بعد تسليم حجيته لا يقاوم ما ذكرنا من الأدلة، على أنه محتمل لإن يراد بقوله (عليه السلام):


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التشهد الحديث 1 (2) المستدرك الباب 5 من أبواب التشهد الحديث 1

[ 300 ]

(فيهما) بعدهما، إذ من المعلوم أنه لا يراد به في حال السجود، بل المراد البعدية، ولا دليل على إرادة البعدية من غير فاصل، بل قد يراد بعد تمامهما، فتأمل، بل تحتمله عبارة الفقيه والمقنع المتقدمة، كما أنه يحتمل أن يراد به بيان التشهد في السجدتين، وقوله (عليه السلام): (ما قد فاتك) أي نظيره، إذ قد يكون الفائت التشهد الخيف، وأيضا التأمل بذلك يقضي أنه يحذف تشهد السجدتين، فليس خلافا في المسألة حينئذ بل هو خلاف آخر، بل قد عرفت احتمال عدم الخلاف أصلا " من المقنع والفقيه، لاحتمالهما بعض الوجوه، فينحصر حينئذ في المفيد، مع أن المحكي عنه في المقنعة موافقة الأصحاب، وتعرف فساده إن شاء الله. ثم إن جميع ما ذكرنا من الأدلة والأخبار التي كادت تكون متواترة حجة على ما نقل عن الكاتب من القول باعادة الصلاة، لقول الصادق (عليه السلام) في الموثق (1) (في رجل نسي التشهد في الصلاة قال: إن ذكر أنه قال: بسم الله وبالله فقط فقد جازت صلاته، وإن لم يذكر شيئا من التشهد أعاد الصلاة) وهو لا يقاوم ما ذكرنا من وجوه عديدة، فيحمل على الاستحباب كما قاله في الوافي أو غير ذلك أو يطرح، وكأنه لا إشكال عندهم في أن محل قضائه بعد التسليم للأدلة المقتضية لذلك من الأخبار وغيرها، فتأمل. (ويسجد) لكل من نسيان السجدة والتشهد (سجدتي السهو) أما الأول فهو المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل عليه الاجماع في المنتهى وعن الخلاف والغنية والتذكرة وآراء التلخيص للعلامة، ويدل عليه مضافا إلى ذلك مرسلة ابن أبي عمير عن سفيان بن السمط (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (تسجد سجدتي السهو في


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب التشهد الحديث 7 (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 301 ]

كل زيادة تدخل عليك أو نقصان) بل في الوافي زاد فيها (ومن ترك سجدة فقد نقص) لكن المعروف والمنقول في كتب الاستدلال وغيرها كالوسائل عدمها، والظاهر أنها من عبارة الشيخ في التهذيب في بيان وجه الاستدلال بالخبر المزبور على وجوب سجدتي السهو على من ترك السجدة وإن قضاها، فلا حظ، وما في سنده من الوهن منجبر بما عرفت، وخبر جعفر بن بشير السابق (1) وخبر منهال القصاب (2) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أسهو في الصلاة وأنا خلف الامام فقال: إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب) فان تعليقه الحكم على مطلق السهو يشمل ما نحن فيه، ولا يقدح خروج كثير من الأفراد، لما عرفت أن ذلك يقدح في العموم اللغوي. وربما استدل عليه بخبر الفضيل بن يسار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (من حفظ سهوه وأتمه فليس عليه سهو، إنما السهو على من لم يدر أزاد في صلاته أم نقص) ونحوه غيره، إما لأن المراد منه الشك في الخصوصية بعد معلومية أحدهما كما لعله المعنى الحقيقي لهذه العبارة، فيجب حينئذ هنا، لعدم القول بمدخلية هذا الشك، أو لأنه إذا وجب للشك في الزيادة والنقيصة فمع التيقن بطريق أولى، وربما نوقش بأنه لا أو لوية عقلية ولا لفظية، بل هذا الخبر بالدلالة على خلاف المطلوب أوضح، لدخول قاضي السجدة تحت من حفظ سهوه وأتمه، وقد تدفع بأنها عرفية، وعدم رفع الفعل بعد الصلاة اسم النقصان، بل ولا ومعنى التتمة. وعن ظاهر المنقول عن المفيد في الغرية وأبي جعفر بن بابويه ووالده عدم الوجوب بل عن أمالي الأول منهما أنه من دين الامامية، للأصل، مضافا إلى مضمرة


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 7 (2) الوسائل الباب - 34 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 (3) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6

[ 302 ]

أبي بصير (2) المشتملة بعد الأمر بقضائها بعد الانصراف على قوله (عليه السلام): (وليس عليه سهو) كمضمر محمد بن منصور (2) (سألته عن الذي ينسى السجدة الثانية من الركعة الثانية أو شك فيها. فقال: إذا خفت أن لا تكون وضعت جبهتك إلا مرة واحدة فإذا سلمت سجدت سجدة واحدة وتضع جبهتك مرة وليس عليك سهو) ويؤيده مع ذلك خلو الأخبار (3) الصحيحة الكثيرة الواردة في مقام البيان عن الأمر بهما، والموثق (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن سهو ما يجب فيه سجدتا السهو قال: إذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو، ليس في شئ مما يتم به الصلاة سهو إلى أن قال وسئل عن الرجل ينسى الركوع أو ينسى سجدة هل عليه سجدتا السهو، قال: لا، قد أتم الصلاة) إلى آخره. وفي الكل نظر، أما الأول فهو مع كونه مضمرا ضعيفا لا جابر له موهنا باعراض المشهور عنه معارض للاجماعات السابقة محتمل لأن يراد بالسهو المنفي الموجب للاعادة أو غيرها لا سجدتيه، أو لحال التدارك، بل رواية الفقيه له مسندا " صحيحا لا تجدي أيضا بعد الاعراض المزبور، وما سمعته من محكي الاجماع المسطور، وأما الثاني ففيه مع ذلك أيضا أنه صريح أو كالصريح في صورة الشك، والكلام في النسيان وإن استفيد حكمه منها، وأما التأييد بالخلو المتقدم فهو غير صالح لأن يعارض ما سمعت من الإدلة المتقدمة، وكذلك الموثق مع قصور دلالته واشتماله على ما لا يقول به الخصم والحصر في السؤال، ومعلومية إرادة حال التدارك منه بقرينة ذكر الركوع وغيره، فكان الإول هو الأقوى، فما وقع من بعض المتأخرين كالفاضل المعاصر في


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 4 - 6 -. (4) التهذيب ج 2 ص 353 - الرقم 1466 من طبعة النجف

[ 303 ]

الرياض وغيره من الميل إليه ضعيف. وأما وجوبهما لنسيان التشهد ففي المدارك أنه لا خلاف فيه، بل في الخلاف الاجماع عليه في موضعين، وعن الغنية الاجماع عليه أيضا، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة غاية الاستفاضة التي قد تقدم بعضها، في البحث عن قضائه، فما عن ظاهر بعضهم من العدم لعده مواضع السجود مع تركه له ضعيف جدا، والظاهر أنه لا فرق بين الأول والثاني كما تقدم سابقا، ويأتي الكلام إن شاء الله في باقي ما يجب له سجدتا السهو في الخاتمة. (وأما) الخلل الحاصل في الصلاة بسبب طرو (الشك) فيها، والمراد به التردد مع تساوي الطرفين (ففيه مسائل): (الأولى من شك في عدد الواجبة الثنائية أعاد كالصبح وصلاة السفر وصلاة العيدين إذا كانت فريضة والكسوف) عند علمائنا كما في التذكرة والمعتبر مع زيادة الجمعة فيهما، وترك التمثيل بالكسوف وصلاة العيدين في ثانيهما، بل في المنتهى (ذهب إليه علماؤنا أجمع إلا ابن بابويه) وإن ترك التمثيل فيه بالعيدين أيضا، على أن النقصان والزيادة في التمثيل غير قادحين، ولذا حكى الاجماع العلامة الطباطبائى في المصابيح على البطلان في كل شك تعلق بغير الرباعية وصلاة الاحتياط من الفرائض، وعن الانتصار والغنية الاجماع في الفجر والسفر، وفي الخلاف (من شك في صلاة الغداة أو المغرب فلا يدري كم صلى أعاد - إلى أن قال -: دليلنا إجماع الفرقة ثم قال: من شك في صلاة السفر أو صلاة الجمعة وجب عليه الاعادة - إلى أن قال -: دليلنا ما قلناه في المسائل الأول من إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط) والظاهر أنه لا يريد بقوله في العبارة الأولى (فلا يدري) تخصيص نوع الشك، بل هو ما يشمل ما نحن فيه بقرينة استدلاله بأخبار ليست خاصة في ذلك، وكيف كان فلم أعثر على مخالف في هذا الحكم، بل ولا من حكي عنه ذلك سوى ما نقله بعضهم عن ابن بابويه من تجويز البناء على

[ 304 ]

الأقل، وستعرف ضعفه، على أنه غير ثابت، بل أطال بعض المتأخرين في بيان فساد هذا النقل عنه. والذي يدل على الحكم المزكور - مضافا إلى ما سمعت من الاجماعات الصريحة والظاهرة - الأخبار المستفيضة، منها قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة (1) قال: (قلت له: رجل لا يدري واحدة صلى أم اثنتين ؟ قال يعيد) ومنها رواية إسماعيل الجعفي وابن أبي يعفور (2) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: (إذا لم تدر واحدة صليت أم اثنتين فاستقبل) ومنها مضمرة سماعة (3) قال: (سألته عن السهو في صلاة الغداة قال: إذا لم تدر واحدة أم اثنتين فأعد الصلاة من أولها، والجمعة أيضا إذا سها فيها الامام فعليه أن يعيد الصلاة، لأنها ركعتان) ومنها خبر محمد (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يدري واحدة صلى أم اثنتين ؟ قال: يستقبل حتى يستيقن أنه قد أتم، وفي الجمعة وفي المغرب وفي الصلاة في السفر) ومنها خبر عنبسة بن مصعب (5) (إذا شككت في الفجر فأعد) ومنها مرسلة يونس (6) (ليس في الفجر سهو) إلى غير ذلك من الأخبار، لكنها لم تتعرض لخصوص العيدين والكسوفين، إلا أن الاطلاق والتعليل بالنسبة إلى الجمعة بكونها ركعتين مع الاعتضاد بما سمعت كاف في الدلالة على ذلك. وما في بعض الأخبار كخبر عمار الساباطي (7) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يدر صلى الفجر ركعتين أو ركعة قال: يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلي


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 - 16 - 18 - 7 (5) و (6) و (7) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5 - 3 - 12 الجواهر - 38

[ 305 ]

ركعة، فان كان صلى ركعتين كانت هذه تطوعا، وإن كان صلى ركعة كانت هذه تمام الصلاة) لا ينبغي أن يلتفت إليه، بل قال الشيخ في الاستبصار: (أنه خبر شاذ مخالف للأخبار كلها، واجتمعت الطائفة على ترك العمل به) انتهى، كبعض الأخبار الأخر (1) المتضمنة للبناء على الركعة للشاك في الواحدة والثنتين، فانها مع عدم الجابر لأسانيدها وإعراض الأصحاب عنها محتملة للحمل على النافلة، أو استقبال الصلاة. فوائد: منها أنه يظهر من بعض الأصحاب هنا أن البطلان على مقتضى القاعدة، لعدم العلم ببراءة الذمة لاحتمال الزيادة والنقيصة، وفيه إشكال، إذ لا مانع من الاعتماد على استصحاب الصحة، وعلى أصل عدم الفعل، فينفي به الزائد حيث يتعلق به الشك ويتم الناقص، وما يقال: إنه مكلف بمصداق الصلاة في الخارج وإصالة العدم لا يقضي بتحقق الصدق يدفعه بعد منعه أنه مناف لكلامهم في كثير من المقامات بالنسبة إلى الشك في الأركان وغيرها زيادة ونقيصة، كاحتمال أن ذلك كله للدليل، إذ هو مناف لما يظهر من تمسكهم بالأصل فيه، بل وكذا القول: إن إصالة العدم تقضي أيضا بعدم تحقق هيئة المأمور به، فهي معارضة لذلك، لأن الظاهر أن الهيئة من جملة التوابع، فبعد الحكم الشرعي بوجوب الاتيان مثلا " تتبع الهيئة هذا، والمسألة لا تخلو من تأمل، وستسمع لها تتمة إن شاء الله بعد الفراغ من البحث عن صور الشك الأربعة. ومنها أن الذي يظهر من قولهم (عليهم السلام) (2): (إذا شككت في الفجر فأعد) ونحوه البطلان بمجرد وقوع الشك، فيكون حينئذ حاله كحال الحدث كما عن الفاضل الشيرواني، ولكن الذي صرح به بعض الأصحاب كالفاضل وثاني الشهيدين وغيرهما العدم، فلو زال الشك قبل فعل المنافي صح. وهو كذلك، بل قد يدعى أن


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5

[ 306 ]

مثل العبارة المتقدمة ظاهرة في استمرار الشك لا إذا زال، ولم يذكره أحد في المبطلات للصلاة على كل حال، إنما الذي يظهر من ملاحظة الأخبار إرادة تحصيل اليقين بهما الذي لا ينافيه مجرد وقوع الشك وإن زال، على أن فيه من العسر والحرج ما لا يخفى إذ اشتراط حصول اليقين أو الظن من أول الصلاة إلى آخرها بأول التفاوت الذهن لا يتيسر في أغلب الأوقات. ثم على تقدير ذلك فهل يجب عليه التروي أو يجوز له القطع قبله ؟ وجهان لا يخلو أولهما مع كونه أحوط من قوة، بل صرح به ثاني الشهيدين في المسالك، بل لعله ظاهر روضته، إلا أن الأقوى خلافه، للإصل وإطلاق الأدلة سيما في غير المقام من أفراد الشك في الركعات والأفعال الذي لم يذكر أحد فيه وجوب التروي، ودعوى عدم صدق أنه شاك قبل التروي واضحة الفساد، وإلا لاقتضى جواز الأفعال حال التروي لعدم حصول الشك، كما أنه لا دلالة في نصوص ذهاب الوهم على ذلك، ضرورة إمكان إرادة اتفاق ذهاب الوهم، أو أنه لم تروى أو نحو ذلك مما لا دلالة فيه على الوجوب، فمن الغريب ما في المسالك من الاستدلال بنحو ذلك، ولذا أنكر عليه سبطه في المدارك، ومنه يعلم ما في كلام الفاضل البهباني في شرح المفاتيح، فالتحقيق حينئذ جواز البناء مع التذكرة قبل صدور المنافي منه كالسكوت الطويل وفوات الموالاة في أفعال الصلاة ونحو ذلك، وله استئناف الصلاة مع صدق الشك، لا طلاق الإمر بالاعادة عند حصوله المقيد بما إذا لم يتفق الذكر له قبل صدور المنافي الذي له أن يفعله حال الشك، بل له استئناف الصلاة والاكتفاء بالشك مبطلا " من غير حاجة إلى فعل مبطل آخر غيره، هذا. وعلى تقدير وجوب التروي فهل يقدر بخروجه عن الصلاة مثلا " ونحو ذلك أم لا ؟ لا يبعد الثاني، فيتروى مقدار يكتفي به الناس في مثل ذلك، فتأمل، ولو أوقع

[ 307 ]

بعض الأفعال حال الشك ثم زال الشك عنه يحتمل قويا البطلان وإن كان ما فعله موافقا، لأنه فعل غير مأمور به في الصلاة، وكونه كذلك في الواقع مع عدم العلم به غير نافع لفوات النية والاستدامة، واحتمال الاكتفاء بالنية الأولى بعيد، نعم ربما يتوهم الصحة إذا وقع الفعل بنية القربة المطلقة إذا كان مما يصح فيه ذلك مثل قراءة القرآن، إلا أن المتجه القول ببطلان ذلك الواقع ثم إعادته، لعدم الاكتفاء بالواقع أولا حيث لم يصادف الجزم في الصلاة الذي هو عبارة عن الاستدامة، وعدم إفساده للصلاة، لكونه لم ينوه أنه لها، والفرض أنه مما لا يبطلها. ومنها أن الظاهر من بعض الأخبار المتقدمة وكلامه الأصحاب عدم الفرق بين تعلق الشك بالنسبة للزيادة والنقيصة، وما في بعضها من وقوع السؤال عمن لا يدري واحدة أم اثنتين لا يقتضي تقييدا لقوله (عليه السلام) (1): (مثلا " إذا شككت في الفجر فأعد) ودعوى أن مثل هذه العبارة لم تقع في كل ثنائية حتى يتمسك بها يدفعها عدم القول بالفصل، على أن عبارات الأصحاب وظاهر إجماعاتهم كافية في ذلك. ومنها أنه قد نقل عن جماعة التصريح بأنه لا فرق في هذا الحكم بين الواجبة بالأصل والعارض كالمنذورة ونحوها، ولعله لا طلاق النصوص والفتاوى، مضافا إلى التعليل بأنهار ركعتان، ولا يعارض ما دل على حكم النافلة، لخروجها بالنذر عنها، وإن كان لا يخلو من تأمل، للشك في شمول الاطلاق وفي أن لحوق الحكم في النافلة لوصف النفل أو أنه لذاتها وإن ألزمها النذر، لكن لا يبعد البطلان إن قلنا إنه مقتضى القاعدة نعم لو قلنا مقتضاها الصحة اتجه ذلك، هذا، وقد يستفاد من إجرائهم حكم الواجب على النافلة التي تجدد لها الوجوب بنذر ونحوه جريان حكم النفل على الواجب الذي عرض له وصف الندب كصلاة العيدين والمعادة احياطا أو بقصد الجماعة والتبرعية عن الغير


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5

[ 308 ]

ونحو ذلك، فلا تبطل حينئذ بالشك، لكنه لا يخلو من إشكال بل منع، خصوصا فيما كان الحكم فيه معلقا على الاسم كالمغرب ونحوه، وستسمع تمام الكلام إن شاء الله في البحث عن حكم الشك في النافلة. ولو شك المسافر في مواضع التخيير بعد إكمال الركعتين احتمل البطلان مطلقا، والصحة كذلك، والصحة إذا كان الشك مسبوقا بقصد الاتمام، لتناول الأدلة حينئذ لها، وليس له العدول حينئذ إلى القصر لارادة الابطال وإن جوزناه له قبل هذا العارض، لحرمة الابطال، واقتصارا " على المتيقن من محل العدول، أما لو كان من أول الأمر قصده القصر فالمتجه حينئذ البطلان، لكونه شكا في ثنائية، خلافا للعلامة الطباطبائي فاستقرب الصحة معينا عليه التمام حينئذ، للمنع من بطلان العمل، وامتناع التخيير بين الصحيح والفاسد، وفيه أنه بطلان لا إبطال، ولا تخيير بين الصحيح والفاسد بل هو فاسد بحت، ولذا لم يكن له العدول، نعم لو فرض أنه شك ولم يكن قصد القصر أو التمام من أول الأمر بناء " على أن له تأخير ذلك إلى محل الافتراق أمكن القول بذلك، وأنه يتعين عليه اختيار التمام، لما سمعت، مع أنه لا يخلو من نظر للشك في جواز اختيار التمام له حينئذ، إذ المتيقن من جوازه حال قابليته لكل منهما، لكن قد يقال: إن القصرية والتمامية ليستا من المقومات للماهية، ولذا لم يجب التعرض لهما في النية، فتخييره حينئذ بينهما يرجع إلى إرادة الاجتزاء بما يقع منه من الأربع والأثنين، فلا عدول فيه يحتاج إلى الدليل كالظهرية والعصرية، بل ولا تخييره يحتاج إلى النية كي يرد ما سمعت، ومنه يظهر وجه الصحة في السابق مطلقا، فتأمل جيدا ". ومنها ما صرح به جمع من الأصحاب في صلاة الكسوف أنه متى تعلق الشك بعددها بطلت، ومتى تعلق بركوعاتها فان كان في المحل جاء بالمشكوك فيه، وإلا لم

[ 309 ]

يلتفت إلا إذا تعلق شكه بالركوع بما يرجع إلى الشك في الركعات، كما إذا شك في أنه هل هو في الخامس أو في السادس، فان كان في الخامس كان في الأولى، وإن كان في السادس كان في الثانية، لكن هناك قولان آخران نقلهما الشهيد في الذكرى بالنسبة للشك في الركوع: أحدهما عن قطب الدين الراوندي، وهو أنه إذا لم يتعلق شكه بما يزيد على الاحتياط المعهود فانه يحتاط، لدوران الشك في اليومية مع الركوع، ولا تضر زيادة السجود في الاحتياط، لانه تابع، أما إذا زاد كما لو شك بين الاثنين والخمس فان الاحتياط يكون بثلاث ركعات، وهو زائد على الاحتياط المعهود، فلا تعرض في كلامه له، ولو كان بين الأربع والخمس تلافى بركعة، لأنه غير زائد على الاحتياط المعهود، وهو الجبر بركعة أو ركعتين، وإن لم يكن كذلك في اليومية، للعلم باحراز الأربع فيها وإصالة عدم الزيادة، ولو كان شكه بين الواحد والاثنين احتاط أيضا بركعة، لعدم زيادته على الاحتياط المعهود وإن كان هو مبطلا " في اليومية، وقد يحتمل ذلك في كلامه، فيكون كصاحب البشرى بالنسبة إلى ذلك، والله العالم. وثانيهما عن صاحب البشرى، وهو معاملة ركوعات الاولى معاملة اليومية، فمتى وقع بين لاأول والثاني بطل، وفي غيره يصح، إلى أن قال: (أما إذا وقع بين الرابع والخامس فنهاية ما يلزمه سجدتا السهو، وهل يسجد عند ذلك بناء على أنه صلى خمسا أم لا ؟ وجوه ثلاثة: الأول البناء أخذا برواية عمار (1) أنه يبني على الأكثر ثم يتلافي ما نقص بعد الصلاة، الثاني التخيير بين الركوع وعدمه جمعا بين الرواية السابقة وبين قاعدة من شك في الركوع وهو قائم أتى به، فان اختار الأول تلافى بعد الصلاة ما نقص، وإلا فلا، الثالث البناء على الإقل ويركع ثم يهوي إلى السجود - ثم قال -:


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 310 ]

وحكم ما بعد الخمسة حكم الخامسة، وإن قلنا إن الحكم في الخمس الثانية مثل الخمس الأولى كان له وجه) ثم أطال في ذلك بعبارات تقضي بان المسألة لديه في كمال التردد وعدم التنقيح، ولا يخفى عليك ضعفهما، أما الأول فلعدم المطابقة بين الفائت والاحتياط لمكان زيادة السجدتين، وقوله: (إنه تابع) أول البحث، إذ لا دليل عليه، وأما الثاني فهو مبني على تسمية الركوعات ركعات، وهو ممنوع، وعلى تسليمه فالأخبار الواردة في الشك كادت تكون صريحة في عدم شمولها لمثل ما ذكر، كما لا يخفى على المتأمل فيها، على أن في كلامه مواضع أخر للنظر تركناها خوف الاطالة. (وكذا المغرب) تفسد بالشك فيها على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل حكاه عليه جماعة نصا وظاهرا "، بل عن الأمالي أنه من دين الامامية، وبذلك يظهر ما في نسبة الخلاف إليه أو إلى والده، مع أن المنقول عنه في المقنع أنه قال: إذا شككت في المغرب أعدت، وروي (1) (إذا شككت في المغرب ولم تدر واحدة صليت أم اثنتين فسلم ثم قم فصل ركعة، وإن شككت في المغرب ولم تدر في ثلاث أنت أفي أربع وقد أحرزت الاثنتين في نفسك وأنت في شك من الثلاث والأربع فأضف إليها ركعة أخرى، ولا تعتد بالشك، فان ذهب وهمك إلى الثالثة فسلم وصل ركعتين وأربع سجدات وأنت جالس) وهي كما ترى غير ظاهرة فيما نقل عنه، بل الظاهر منها موافقة الأصحاب ونسبة ذلك إلى الرواية، ويؤيده أيضا ما نقل عنه قبل من التصريح بأنه إذا شك في المغرب أعاد، وإذا شك في الفجر أعاد، وأما عبارة الفقيه المنقولة عنه فهي وإن كانت غير نقية من الاضطراب لكنها غير صريحة فيما نقله عنه الأصحاب من جواز البناء على الأقل كما نقل ذلك عن والده أيضا.


(1) المقنع ص 30 المطبوع بطهران عام 1377 (باب السهو في الصلاة) وذيله لا يوافق ما في الجواهر

[ 311 ]

وكيف كان فخلافهما على تقدير تحققه غير قادح، لما سمعت من الاجماع المنقول على لسان جملة من الفحول، وبعض الأخبار المتقدمة في المسألة السابقة، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة (1) الآمرة بالاعادة عند الشك في المغرب، وهي كثيرة، فما في خبر عمار (2) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل شك في المغرب فلم يدر ركعتين صلى أم ثلاثا قال: يسلم ثم يقوم فيضيف إليها ركعة، ثم قال: هذا والله مما لا يقضى أبدا ") كخبره الآخر (3) (قلت: يصلي المغرب فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا قال: يتشهد وينصرف ثم يقوم فيصلي ركعة، فان كان صلى ثلاثا كانت هذه تطوعا، وإن كان صلى اثنتين كانت هذه تمام الصلاة، وهذا والله مما لا يقضى أبدا ") بعد الاعراض عنهما من أكثر الأصحاب، بل في الاستبصار قد اجتمعت الطائفة على ترك العمل بهما لا مناص من حملهما على التقية أو طرحهما أو غير ذلك، وهو واضح، كوضوح جريان الفوائد المتقدمة، هذا، بل صرحت بعض الأخبار هنا بالفساد إن تعلق الشك بالزيادة كما في خبر موسى بن بكر (4) سأله الفضيل عن السهو، فقال: (إذا شككت في الأولتين) فأعد) وقال: (في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك) (5) وفي الاستبصار (6) (إذا جاز الثلاث إلى الأربع فأعد صلاتك) وهو مع إطلاق كلام الأصحاب وإجماعاتهم مضافا إلى قوله: (إذا شككت في المغرب فأعد) (7) يقضي بعدم الفرق بين تعلق الشك بالزيادة والنقيصة، فما عن المقنع من أنه إذا تعلق بالزيادة أضاف ركعة ضعيف مع عدم ثبوت هذا النقل عنه، ولعله للعبارة المقتدمة لكن قد عرفت نسبته الرواية فيها خاصة، اللهم إلا أن يكون ذلك من كلامه لا منها،


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث. 11 - 12 - 9 - 10 - 1 (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 19

[ 312 ]

وعلى تقديره فمن المحتمل كون المراد حال الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع بعد إحراز الاثنتين بأن حدث بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة، فيكون إضافة الركعة حينئذ لاحتمال النقيصة وعدم الاعتداد بغيره من الاحتمال، والله العالم. المسألة (الثانية إذا شك في) فعل (شئ من أفعال الصلاة) واجبا كان أو مستحبا (ثم ذكر فان كان) الشك وهو (في موضعه) أي قبل أن يدخل في فعل آخر واقع بعده كالشك في التكبير قبل أن يدخل في القراءة، وكالشك في القراءة قبل الركوع، والركوع قبل السجود، إلى غير ذلك من الأفعال المذكورة في كتب الفقهاء المختص كل واحد منها باسم كالنية والتكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهد والقيام (أتى به وأتم، وإن) كان قد (انتقل) عنه وكان داخلا " في غيره (مضى في صلاته سواء كان ذلك الفعل ركنا أو غيره) إجماعا محكيا على لسان جماعة إن لم يكن محصلا "، ونصوصا (1) بل (وسواء كان في الأولتين) من الرباعية (أو الأخيرتين على الأظهر) الأشهر، بل المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، إذ لم يعرف الخلاف في ذلك إلا عن الشيخين وابن حمزة في الوسيلة والعلامة في التذكره، قال: في مفتاح الكرامة: أما المفيد فقد قال: (كل سهو يلحق الانسان في الركعتين الأولتين من فرائضه فعليه إعادة الصلاة) وأما الشيخ فلعل الناقل أراد قوله في النهاية من أنها تبطل بالشك بالركوع أو السجود من الإوليين، أو مع ما في التهذيب من أنه لو نسي سجدة من الأوليين تبطل الصلاة، ولعله لم يقف على غير ذلك في كتب الشيخ، على أن ما ذكره عنه في التهذيب مبني على أن القول بالبطلان فيها يستلزم البطلان هنا، وقد يمنع، وعن ابن حمزة في الوسيلة أنه قال: (تبطل بالشك في الركوع من الأوليين بعد الفراغ من السجود


(1) الوسائل الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الجواهر - 39

[ 313 ]

أو في السجود في واحدة منهما بعد الفراغ من الركوع) وفي التذكرة (ليس بعيدا " من الصواب الفرق بين الركن وغيره، فتبطل إن شك في الإوليين في ركن، لأن الشك فيه في الحقيقة شك في الركعة، بخلاف ما إذا كان المشكوك فيه غير ركن) لكن لا يخفى عليك أنهم لم يتفقوا على معنى واحد، بل عبارة المفيد محتملة لارادة النسيان من السهو دون الشك، وعبارة النهاية ليست عامة، كما أن عبارة الوسيلة ظاهرة في أنه حيث لا يمكن التدارك، وعبارة التذكرة خاصه في الركن. وكيف كان فيدل على المطلوب إطلاق الأخبار الكثيرة، بل في بعضها ظهور في خصوص الركعتين الأولتين، فضلا " عن العموم والاطلاق وترك الاستفصال في آخر، منها قول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1) (عن الرجل يشك وهو قائم لا يدري ركع أم لم يركع، قال: يركع ويسجد) ونحوه خبر عمران الحلبي (2) ومثلهما خبر أبي بصير أيضا والحلبي (3) وفي خبره الآخر (4) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك فلم يدر سجد سجدة أم ثنتين قال: يسجد حتى يستيقن أنهما سجدتان) ومثله خبر الشحام (5) عن الصادق (عليه السلام) أيضا، ومنها صحيح زرارة (6) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل شك في الأذان وقد دخل في الاقامة قال: يمضي، قلت: رجل شك في الأذان والاقامة وقد كبر قال يمضي، قلت: رجل شك في التكبير وقد قرأ قال: يمضي، قلت: شك في القراءة وقد ركع قال: يمضي، قلت: شك في الركوع وقد سجد قال: يمضي على صلاته، ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الركوع الحديث 2 - 1 - 4 (4) و (5) الوسائل الباب - 15 - من أبواب السجود الحديث 3 - 2 (6) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 314 ]

وهو كالصريح في شموله للإولتين، وعدم فرقه بين الأركان وغيرها، وفي صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) وفي خبر أبي بصير (2) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن شك في الركوع بعد ما يسجد فليمض، وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه) كصحيح إسماعيل بن جابر (3) إلى غير ذلك، مضافا إلى ما تقدم مما دل (4) على خصوص نسيان السجدة والقراءة ونحوها، بل وما دل (5) على أن نسيان غير الركن لا يبطل الصلاة، وإلى نفي الخلاف وإطلاق الاجماعات على أن من سها عن شئ وذكره قبل أن يتجاوز محله أتى به، إلى غير ذلك من الأدلة التي يقصر القلم عن إحصائها على التفصيل، فلان إعطاء هذه القواعد الشرعية وحملها على كونها في غير الأولتين وإجرائها بالنسبة للمسافر في خصوص المغرب مما لا يقبله طبع فقيه. حجة المفيد الأصل، وقول أبي عبد الله (عليه السلام) في خبر عنبسة بن


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 (2) نقله في الوافى في باب الشك في أجزاء الصلاة - عن التهذيب باسناده عن أبى بصير عن أبى عبد الله عليه السلام ولكنا لم نعثر عليه في الوسائل والتهذيب والاستبصار بعد الفحص في مظانها، ولا يخفى أن صحيحة اسماعيل بن جابر تشمل على فرعين، اشتركت في الفرع الأول رواية اسماعيل وأبى بصير وأوردهما في الوسائل في الباب 14 من أبواب السجود - الحديث 1 - 4 وأما الفرع الثاني فلم يرد إلا في صحيحة إسماعيل التى ذكرها في الوسائل في الباب 13 من أبواب الركوع - الحديث 4 والباب 15 من أبواب السجود - الحديث 4 (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب الركوع الحديث 4 (4) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود والباب 28 من القراءة في الصلاة (5) الوسائل الباب - 29 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5

[ 315 ]

مصعب (1) قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا شككت في الركعتين الأولتين فأعد) ونحوه غيره، وفي حسنة الوشا (2) قال: (قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): الاعادة في الركعتين الأولتين، والسهو في الركعتين الأخيرتين) وخبر عامل بن جذاعة (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا سلمت الركعتان الأولتان سلمت الصلاة) وخبر البقباق (4) قال: (قال لي: إذا لم تحفظ الركعتين الأولتين فأعد صلاتك) إلى غير ذلك مما دل على الأمر بالاعادة بمجرد الشك في الفجر والجمعة والسفر والأولتين. وفيه أما الأصل فهو - مع إمكان منعه بأن يقال: أما في الشك قبل تجاوز المحل فالأصل يقضي بعدم الفعل، فيأتى به، واستصحاب الصحة تحكم، وأما في الشك فيه بعد تجاوز محله فلان استصحاب الصحة يقضي بعدم الالتفات، فتأمل - مقطوع بما سمعت من الأدلة، وأما الأخبار فلا يخفى على من لا حظها أنها ظاهرة في الشك بالنسبة للعدد، كما يقضي به اشتمال بعضها على المغرب أيضا، وقوله (عليه السلام) في آخر (5): (فأعدهما حتى تثبتهما) بل لو لم تكن ظاهرة في ذلك لوجبت تنزيلها عليه، لما سمعت من الأدلة المتقدمة، لرجحانها عليها من وجوه متعددة، فالقول بأنه يمكن تقييد تلك بالركعتين الأولتين مع أنه لا يتأتى في بعضها كما ترى تقديم للمرجوح من وجوه، منها إعراض المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، فلا محيص عن الركون إلى إطلاق تلك القاعدة المدلول عليها بمحكي الاجماع أو محصله، وما سمعت من الأخبار المعتضدة والمنجبرة بما عرفت بل المطابقة لما يقتضيه التدبر والاعتبار، بل وما هو لسائر بني آدم في جميع


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 14 - 10 - 3 - 13 - 15

[ 316 ]

أفعالهم المدار (1). إنما البحث في تعيين الموضع المعبر عنه في كلام بعض بالمحل والغير في الرواية الذي يدور التلافي وعدمه مداره بالاجماع بقسميه والنصوص، والذي يقوى في النظر وإن قل المفتي به إن لم ينعقد إجماع على خلافه أن المراد به كلما صدق عليه الغيرية عرفا واجبا أو مستحبا لكن إذا كان مرتبا شرعا، لظاهر ما سمعت من المعتبرة المؤيدة بظاهر حال المسلم من عدم الدخول في المرتب على شئ قبل فعل ذلك الشئ، بل هو الموافق لسهولة الملة وسماحتها، بل قد يدعى أن في غيره حرجا، ضرورة صعوبة التكليف بذكر قراءة أول السوره مثلا " في آخرها، خصوصا السور الطوال، بل الانسان في أغلب


(1) إعلم أولا أن هنا قاعدتين: الأولى كل شئ شك فيه قبل أن يدخل في غيره يجب الاتيان به، الثانية إذا شك فيه بعد أن دخل في غيره لا يلتفت إليه، ويدل على الأولى بعد الاجماع المنقول المعتضد بنفى الخلاف وباصالة عدم الفعل فيجب التلافى الأخبار، وفيها الصحيح وغيره، منها خبر أبى بصير سأل الصادق (عليه السلام) (عن رجل شك وهو قائم لا يدرى ركع أم لم يركع قال: يركع ويسجد) ومثله خبر الحلبي، ومثلهما الأخبار الآمره باعادة السجدة عند الشك فيها، وتتم دلالة الجميع بعدم القول بالفصل، ومنها مفهوم قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة: (يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) وقول أبى جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم: (كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) وقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبى بصير: (كل شئ شك فيه مما قد جاوزه ودخل في غيره فليمض عليه (ومثله خبر إسماعيل بن جابر، والمناقشة في حجية المفهوم في هذه الأخبار أو عمومه لا يلتفت إليها سيما في المقام، لما سمعت من دعوى الاجماع، بل يمكن التحصيل، ومنطوق هذه الأخبار المعتضد بغيره من الروايات الدالة على عدم الالتفات بالنسبة للركوع والسجود المتممة للدلالة بعدم القول بالفصل حجتنا على القاعدة الثانية، مضافا إلى الاجماع المنقول ويشهد له التتبع فيمكن دعوى التحصيل (منه رحمه الله)

[ 317 ]

أحواله يعتريه السهو وشغل الذهن بحيث لا يفيق إلا وهو في جزء من أجزاء الصلاة، وجميع ما تقدم لا يعلم أنه وقع أو ما وقع، ولا كيف وقع، بل لعل بناء الناس في جميع أحوالهم وأمورهم على ذلك حتى الحداد في حدادته والنجار في نجارته وجميع أرباب الصنائع في صنائعهم لا يلتفتون إلى شئ بعد الانتقال عند والدخول في غيره. لكن في المسالك أن المفهوم من الموضع محل يصلح لايقاع الفعل المشكوك فيه كالقيام بالنسبة إلى الشك في القراءة وأبعاضها وصفاتها، والشك في الركوع، وكالجلوس بالنسبة إلى الشك في السجود والتشهد، ثم قال: (وهو في هذه الموارد جيد لكنه يقتضي أن الشاك في السجود والتشهد في أثناء القيام قبل استيفائه لا يعود إليه، لصدق الانتقال عن موضعه، وكذا الشاك في القراءة بعد الأخذ في الهوي ولم يصل إلى حد الراكع، أو في الركوع بعد زيادة الهوي عن قدره ولما يصر ساجدا "، والرجوع في هذه المواضع كلها قوي، بل استقرب العلامة في النهاية وجوب العود إلى السجود عند الشك ما لم يركع، وهو غريب) انتهى. وهو مع كونه تقييدا للغير في النصوص من غير مقيد يقتضي وجوب تلافي التكبير بعد الشروع في القراءة، بل وبعد تمامها قبل الركوع، مع أنه هو ونظيره مورد القاعدة في صحيح زرارة (1) السابق (2) ولعل الذي ألجأه إلى ذلك التعبير بالمحل في كلام بعضهم، فالأولى حينئذ التعبير بما في الرواية ويظهر منه في الروضة وتبعه عليه بعض المتأخرين أن المراد به الأفعال المعهودة شرعا المفردة بالتبويب كالنية والتكبير والقراءة والركوع والسجود والتشهد ونحو ذلك، فكل


(1) الوسائل الباب - 23 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) قلت لابي عبد الله عليه السلام: (رجل شك في التكبير وقد قرأ، قال: يمضى، قلت: رجل شك في القراءة وقد ركع، قال: يمضى، قلت: شك في الركوع وقد سجد، قال: يمضى على صلاته، ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شئ ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشئ) (منه رحمه الله)

[ 318 ]

شئ شك فيه منها قبل أن يدخل في الفعل الآخر وجب تلافيه، وكل شئ شك فيه بعد دخوله في آخر منها لا يلتفت، وهو مع أنه تخصيص أيضا لهذه القاعدة الجارية في أكثر أبواب الفقه يقتضي وجوب تلافي كل ما شك فيه إذا كان في مقدمات الافعال لا فيها أنفسها، كما إذا شك في الركوع وهو هاو إلى السجود ولما يسجد، وكذلك الشك في القراءة وهو هاو إلى الركوع قبل أن يصل إلى حد الركوع، وكذلك لو شك في التكبير والقراءة والركوع وهو هاو إلى السجود ولما يسجد، والموجود في الرواية الصحيحة (1) عدم الا لتفات إلى الركوع المشكوك فيه في أثناء الهوي إلى السجود، وكأنه (رحمه الله) أخذه من سؤال السائل عن هذه الأفعال المفردة في التبويب، لكن ذلك لا يقتضي التخصيص في جواب الامام، بل الظاهر عدم إرادة التقييد في خبري أبي بصير (2) وإسماعيل بن جابر (3) الظاهرين في أن مساقهما مساق غيرهما من النصوص، سيما بعد التصريح بعدم الالتفات إلى الركوع المشكوك فيه في أثناء الهوي إلى السجود، ودعوى أن العطف بثم التي هي للترتيب والتراخي يقتضي بوجود الواسطة بين الخروج من المنسي والدخول في آخر، وليست إلا هذه المقدمات ممنوعة، سيما بعد أن كان من موردها المصرح به فيها نحو الشك في التكبير وقد دخل في القراءة، ولا مقدمات بينهما، فليس المراد حينئذ إلا عدم الالتفات إلى المشكوك فيه بعد الدخول في الغير المترتب عليه أي غير كان، لا غيرا " مخصوصا، فكان الأولى أو الأقوى هو الأول وإن خالف المشهور في بعض المسائل التي ستسمعها المتفرعة على ما ذكرنا. منها لو شك في قراءة الحمد أو بعضها وهو في السورة، أو شك في السورة أو بعضها وهوفي القنوت، أو في الجميع وهو في الهوي إلى الركوع، ونحو ذلك، فانه


(1) و (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب الركوع الحديث 6 - 4 (2) راجع التعليقة (2) على ص 314

[ 319 ]

لا يلتفت على الأول، بل لا يلتفت عليه لو شك في بعض الآيات بعد الدخول في الآية الأخرى، بل في الكلمة والكلمة الأخرى، بخلاف الآخرين فيتلافي الحمد عليهما إذا شك فيه في السورة كما هو المحكي عن المشهور والشيخ، لكن ظاهر معتبر المصنف وعن سرائر الحلي حاكيا له فيها عن رسالة المفيد إلى ولده وناسبا له إلى أصول المذهب عدم التلافي كما قلنا، بل مال إليه أو قال به بعض متأخري المتأخرين، ويؤيده أنه من المستبعد جدا " بل من الممتنع تذكر المصلي ولو على جهة الظن وهو في آخر سورة طويلة جميع ما تقدم وأنه وقع منه من غير تغيير باعراب أو تشديد أو نحوهما بحيث متى شك وهو في آخر السورة في حرف من حروف الفاتحة وجب عليه تلافي الحمد وتلك السورة أو غيرها، وكيف والمصلي غالبا يسهو حال الصلاة ويشتغل ذهنه بالأمور الدنيوية، على أن ذلك بعيد من سهولة الملة وسماحتها، بل وعمل العلماء في كل عصر، بل ربما أورد عليه زيادة على ما عرفت أنه إذا شك في قراءة الحمد بعد تمام السورة وقلنا بوجوب التلافي وجب عليه إعادة السورة أيضا مراعاة للترتيب، وفيه احتمال القران إن قرأ سورة أخرى غير تلك السورة، بل وإن قرأ تلك السورة أيضا على وجه، أو قراءة أزيد من سورة المنهي عنه أيضا مطلقا، لكن قد يدفع بأن المشهور في صورة النسيان عدم وجوب تعيين تلك السورة عليه، وما هو إلا لأن مثله لا يعد من القران كاندفاع ما يستدل به للمشهور من مفهوم تقييد المضي بالركوع في صحيح زرارة المتقدم بأن ذلك إنما وقع في كلام السائل الذي لا يحكم على الجواب، ومن ذلك كله يظهر لك أن الوجه عدم الرجوع لو شك في القراءة كلا أو بعضا وهو في الهوي إلى الركوع، كما هو مقتضى الأوليين بخلاف الأخير. ومنها لو شك في القراءة أو بعضها وهو في القنوت، فلا يرجع على الأول كما في المدارك والرياض وعن مجمع البرهان والذخيره والكفاية، بخلاف الثاني بل والثالث

[ 320 ]

إن لم يكن القنوت من الأفعال المفردة بالتبويب، فيرجع كما عن الشهيد. ومنها لو شك في الركوع بعد الهوي إلى السجود ففي الروضة وعن الذكرى الرجوع، والأقوى عدم الجروع لما عرفت، وخبر البصري (1) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟ قال: قد ركع). ومنها لو شك في السجود وقد قام، وعلى الأول بل والأخيرين ينبغي عدم الرجوع كما هو خيرة الأكثر، بل عن السرائر دعوى الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى قوله (عليه السلام) (2): (وإن شك في السجود بعد ما قام فليمض) فما عن الشيخ والفاضل في نهايتيهما من القول بالرجوع ما لم يركع ضعيف جدا ". ومنها الشك في التشهد في حال القيام، وهو كسابقه حتى في دعوى السرائر الاجماع عليه أيضا، فما عن بعضهم من وجوب الرجوع لا يلتفت إليه، ولعله اشتباه فيه وفي السابق بين صورة الشك والنسيان. ومنها لو شك في السجود وهو في التشهد، وعلى الأول والأخير ينبغي عدم الرجوع أيضا، بخلاف الثاني فالرجوع كما عن بعضهم، ولعله لقوله (عليه السلام) في خبر البصري (3) قلت: (رجل نهض من سجوده فشك قبل أن يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد ؟ قال: يسجد) فانه شامل لما كان القيام عن تشهد وغيره، لكن فيه أن الظاهر من قوله: (نهض من سجوده) القيام بعد السجود لا بعد التشهد. ومنها لو شك في السجود وهو آخذ بالقيام ولم يستتم قائما، وعلى الأول والثاني ينبغى عدم الرجوع، إلا أني لم أعثر على مخالف هنا في وجوب الرجوع، نعم عن


(1) و (2) الوسائل الباب - 13 - من أبواب الركوع الحديث 6 - 4 (3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب السجود الحديث 6 الجواهر - 40

[ 321 ]

ظاهر الاشارة عدم الرجوع، وكان الأول أقوى وإن كان مقتضى ما سمعت عدم الالتفات، لأنه قد دخل في غيره، لكن مع احتمال أن يقال: إن هذا ليس غيرا، لكونه ليس من أفعال الصلاة، بل هو مقدمة للقيام قد دل عليه الدليل بخصوصه، وهو الرواية المتقدمة، فلا مانع من تخصيص القاعدة بها، لا يقال: إن العمل بها ينافي ما تقدم في الشك في الركوع وقد هوى للسجود، ضرورة أن المقدمات إن كانت تسمى غيرا اتجه عدم الالتفات في المقامين، وإلا اتجه الرجوع فيهما، لأنه لا مانع من اختيار الأول، وجريان الأولى على القاعدة المتقدمة، وكون الثانية مخصصة لها، والمناقشة في الأولى بأنها غير ظاهرة في حصول الشك في الركوع قبل الدخول في السجود - فان قوله: (هوي للسجود فلم يدر أركع أم لم يركع ؟) قاض بأن ذلك الشك واقع بعده لا حينه - ضعيفة، لظهور الفاء في الرواية في التعقيب وحصول الشك حينه، هذا، مع أنه يمكن الفرق بين المقامين بأن الهوي للسجود واجب أصلي ليس مقدمة، ولذلك يجب تلافيه مع نسيانه بخلاف الأخذ في القيام، فانه ليس غيرا " بل مقدمة للقيام. ومنها الشك في التشهد كذلك، وفيه وجهان، ولعل التدارك إلحاقا له بالسجود لا يخلو من قوة وإن كان هو كما ترى، نعم قد يفرق بأن الهوي للسجود مستلزم للانتصاب الذي منه أهوى له، والانتصاب فعل آخر غير الركوع وقد دخل فيه وتجاوز عن محل الركوع، بخلاف النهوض قبل أن يستتم قائما، فانه بذلك لم يدخل في فعل آخر، ولكن فيه أيضا منع. ومنها لو شك في الانتصاب من الركوع بعد الجلوس للسجود، وقضية ما تقدم منا عدم الالتفات، كما أنه لا يخفى عليك مقتضى تطبيق الوجهين السابقين فيه وفيما لو شك وهو هاو للسجود ولما يسجد، فتأمل جيدا ".

[ 322 ]

ومنها لو شك في النية وقد كبر فلا يلتفت بناء على ما قلناه، وكذا على الثالث وأما على الثاني فينبغي التدارك، لكونه في محل تصح فيه، وما يقال: إن الشك في النية خارج عن المسألة، لأن الكلام بعد انعقاد الصلاة، فإذا شك في شئ منها وقد دخل في غيره لا يلتفت، لا مع عدم معلومية الانعقاد يدفعه أن المفهوم من الأخبار عدم الفرق، ضرورة اشتمالها على التكبير المتوقف انعقادها عليه أيضا، ولذا قال الشيخ في المبسوط: (ومن شك في النية فانه يجدد إن كان في محلها، وإن انتقل إلى حالة أخرى مضى في صلاته) على أنه من المعلوم أنه لو شك في النية وهو في الركعة الثانية مثلا لا يلتفت قطعا. وينبغي التنبيه هنا لأمور: منها ما قد عرفت سابقا أنه لا فرق عندنا في الأمور المترتبة بين المستحب والواجب، فمن شك في واجب بعد الدخول في مستحب لا يلتفت كمن شك في القراءة وهو في القنوت، بل وكذا من شك في التكبير وهو في الأذكار المتقدمة على القراءة، أخذا " بظاهر الأخبار، لتحقق الغيرية في الجميع، وإطلاق كثير من الأصحاب وجوب التلافي للتكبير إن لم لم يكن قد قرأ محمول على عدم الاشتغال بشئ قبل القراءة، أو يراد بالقراءة ما يشمل ذلك، أو يكون مبنيا على أحد الوجهين السابقين في تفسير الغير، ولو كان المكلف على هيئة المصلي كما لو كان منصتا أو مشغولا " بتسبيح حال قراءة الامام وشك في التكبير مثلا " فيمكن القول بعدم الالتفات، لأن هذه الأحوال غير بالنسبة للتكبير، وكذلك في المنفرد، نعم لو كان في حال ليس مترتبا بعد التكبير يلتفت. ومنها أن الظاهر من التلافي في المحل وعدمه في خارجه العزيمة لا الرخصة، كما هو ظاهر الأخبار، فمن ترك التلافي في محله أو تلافى في غير المحل بطلت صلاته، وما عن بعضهم من احتمال كون عدم التلافي رخصة كما في الذكرى فلا يقدح تلافي المشكوك فيه بعد خروجه

[ 323 ]

من المحل ضعيف، لظاهر قوله (عليه السلام): (يمضي) المقتضي للوجوب، وما يقال: إنه على تقدير تسليم الوجوب فهو لا يقضي إلا بحرمة التلافي، وهو لا يفسد الصلاة ضعيف لما بين في الأصول من اقتضاء النهي فيها الفساد، نعم بناء " على ما ذكرناه من الوجوه في المراد بالمحل هل يمكن الاحتياط، فعلى المختار مثلا " فيه يمكن التدارك في الأثناء احتياطا على الوجهين الأخيرين ؟ الظاهر العدم في أغلب الأحوال، ضرورة أنه من تعارض الواجب والمحرم، نعم قد يتأتى فيما لو شك في الحمد مثلا " وهو في السورة بأن يعود إلى الحمد بنية القربة المطلقة على وجه الاحتياط بناء " على اقتضائه شرعية مثل ذلك نحو دفع المال على وجه الصدقة زكاة وإلا فصدقة، وليس هذا ترديدا في النية كما أوضحناه في محله، لكن لا يقرأ سورة غير الأولى تخلصا من القران، لا فيما لم يكن من هذا القبيل، كمن شك في السجدة وهو في التشهد مثلا "، لا ستلزامه زيادة سجدة شرعا، فاحتياطه فيه وفي أمثاله حينئذ منحصر بتكرير الصلاة مرتين، أما على تقدير الرخصة فوجه الاحتياط فيه واضح، فتأمل جيدا. ومنها أن الظاهر جريان حكم الشك في غير صلاة المختار على نحو صلاته، فمن كان فرضه الصلاة جالسا وقد شك حال الجلوس الذي عزم عليه أنه بدل القيام في أنه هل سجد أم لا أو تشهد أم لا لا يلتفت لخروجه عن المحل بالنسبة إليه، ولعل المسألة مبنية على أن مثل هذه الأشياء في صلاة المضظر أبدال وأعواض عنها في صلاة المختار على وجه يجري عليها الحكم المزبور، كما يجري عليها حكم الكيفية كالطمأنينة في التكبير والقراءة وركنية الانتصاب للركوع على نحو القيام المتصل به ونحو ذلك، أو أنها ليست كذلك بل هي أمور كانت تجب عند الاختيار وأسقطها الشارع عند الاضطرار من غير بدل لها الظاهر الأول، فتجري عليه جميع الأحكام، وكذلك الحكم بالنسبة للمستلقي والمضطجع ونحو ذلك، بل الظاهر جريان أحكام الأركان على الايماءات التي جعلها الشارع عوضا

[ 324 ]

عن الركوع والسجود، والانصاف أن المسألة لا تخلو من إشكال، بل للتأمل فيها مجال، إذ لم أعثر على من بحث فيها هنا، نعم نقل عن الموجز الحاوي وكشف الالتباس أنهما قالا: (لو كان يصلي جالسا لعجزه عن القيام ثم شك في سجود الركعة الثانية أو في التشهد سجد أو تشهد ثم استأنف القراءة) وفي مفتاح الكرامة (قد احتمل بعضهم في المقام المضي) قلت: قد عرفت أنه الأقرب في النظر سيما في الفرض الذي قد دخل فيه في القراءة التى لا ريب في أنها غير فعلا، إنما الاشكال في الغيرية الاعتبارية كالجلوس المنوي به قياما، ضرورة عدم صدق كونه غيرا " فعلا "، وأنه لا دليل واضح على جريان الحكم عليه مع هذه النية، إذ ليس إلا قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (من لم يستطع القيام فليصل من جلوس) وهو لا يقتضي أزيد من الاتحاد في الكيفية التي أشرنا إليها لا ما يشمل ذلك ونحوه مما هو حكم خارجي، والله العالم. ومنها الظاهر أن المراد بتلافي المشكوك ما دام في المحل هو قبل الخروج عنه إلى غيره ولو سهوا "، فمن كان في حال القيام وقد شك في السجود ثم ذكر أنه كان نسي التشهد فرجع إليه لا يسجد حينئذ، للشك في شمول أدلة الشك قبل الدخول في الغير لمثل هذا الفرد، مع ظهور ما دل على عدم الالتفات فيه، فتأمل، وكذا لو طرأ له الشك بعد الجلوس للتشهد، وربما ظهر من بعضهم القول بالوجوب، ولعله لصدق الشك فيه في المحل، لكن الأقوى خلافه، وقد تقدمت الاشارة إليه سابقا. ومنها أن الشك في الصحة والبطلان هل هو كالشك في اصل الوقوع وعدمه، فيتلافى في المحل، ولا يلتفت إذا خرج، فمن شك قبل القراءة مثلا " أنه هل جاء بتكبيرة الاحرام على الوجه الصحيح أولا أعاد، وإن كان بعد القراءة مضى، أو أنه ليس كذلك ؟ ربما ظهر من بعضهم الأول، لأنه ينحل إلى الشك فيه في فوات شيئ


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب القيام الحديث 18

[ 325 ]

فيجري عليه الحكم، ويحتمل العدم، لظهور الأخبار في الشك في أصل الوقوع، فيقتصر عليه، ويحكم بالصحة في محل المسألة، لاصالتها في كل فعل يقع من المسلم ولعله الأقوى. ومنها لو شك في النية بعد تمام التكبير لم يلتفت، وقبل الشروع فيه أتى بها، وفي أثنائه لم يلتفت على المختار، لكن في الذكرى الأقرب الاعادة، وخصوصا إذا أوجبنا استحضارها إلى آخر التكبير، قلت: أما على هذا القول فظاهر، وأما على غيره فلعله لعدم انعقاد الصلاة قبل إتمامه، وإنما تنعقد بتكبير مقرون بالنية، والأصل العدم وأما بعد انعقادها فالأصل الصحة، لكنه كما ترى، خصوصا بعد ما ذكرناه سابقا، والله العالم. ومنها الشك في ذكر الركوع والسجود أو الطمأنينة فيهما أو السجود على بعض الأعضاء السبعة بعد رفع الرأس عنهما، فعن بعض (الروض خ ل) أنه قد وقع الاتفاق على عدم العود في هذه الأشياء مع أنه لم يدخل في فعل آخر، وأجاب بأن رفع الرأس من الركوع والسجود واجب مستقل لا مقدمة، وبأن العود يستلزم زيادة ركن، والتزم أن السجدة الواحدة وعدم البطلان بها استثناء من القاعدة، والجميع كما ترى، ضرورة أن المفروض من فوات المحل في النسيان فضلا " عن الشك، لأن هذه الأمور واجبات فيهما لا أنها واجبات مستقلة، كما هو واضح، وقد سمعت نظيره في الطمأنينة في القراءة مثلا "، والله العالم. (تفريع إذا تحقق نية الصلاة) وانتقل عن محلها (وشك) في أنه (هل نوى ظهرا " أو عصرا " مثلا " أو فرضا أو نفلا " استأنف) الصلاة احتياطا كما عن المبسوط، علم ما قام إليه في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها، لقاعدة الشغل، إذ لا مفرغ شرعي حتى الأصول لتعارضها، لكن في البيان والمسالك وجامع المقاصد وظاهر كشف اللثام والمدارك بل والمنتهى وعن الذكرى والمنتهى تقييده بما إذا لم يعلم ما قام إليه، وإلا بنى

[ 326 ]

عليه، بل إليه يرجع ما في القواعد، والتذكرة حيث قال في أولهما: (بنى على ما هو فيها) وفى ثانيهما (على ما علم عليه فعله) وإن كانا لا يخلوان من نوع إجمال، للأصل بمعنى الظاهر بل وبمعنى العدم بالنسبة للسهو أو العدول، بل وبمعنى الصحة في بعض الوجوه التي ستعرفها، وقول الصادق (عليه السلام) لابن أبي يعفور على ما في التذكرة والمنتهى وكشف اللثام: (إذا قمت في فريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة، وإنما يحتسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته) بل هو فيما حضرني من نسخة الوسائل (1) أدل من ذلك على المطلوب، قال: (سألته عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوى انها نافلة قال: هي التى قمت فيها، وقال: إذا قمت وأنت تنوي الفريضة فدخلك الشك بعد فأنت في الفريضة على الذي قمت له، وإن كنت دخلت فيها وأنت تنوي نافلة ثم إنك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة، وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته). بل قد تتجه الصحة حتى إذا لم يعلم ما قام لها إذا كان الشك دائرا " بين فعلين: أحدهما صحيح والآخر فاسد، كما لو شك مثلا في أنه نوى الظهر أو العصر وكان في وقت الاختصاص بالظهر، لاصالة الصحة في فعل المسلم المشخصة أنه الظهر حينئذ، مضافا إلى وضوح بطلان إطلاق وجوب الاستئناف في خصوص ما في المتن من المثال الأول ضرورة توجه الصحة مع فرض الوقوع في الوقت المشترك، إذ له العدول من العصر إلى الظهر، ودعوى اختصاص ذلك في المعلوم أنه العصر لا المشكوك فيه يدفعها وضوح أولوية المقام منه، كوضوح الصحة أيضا لو كان شكه بعد الفراغ في الفرض، إذ الواقع إما ظهر أو عصر، وكل منهما صحيح، فيبرأ حينئذ قطعا برباعية مرددة بين الظهر والعصر كما احتمله في التذكرة، وحكاه قولا في البيان، وجعله طريق البراءة في المسالك


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب النية الحديث 3 من كتاب الصلاة

[ 327 ]

بل احتمل تعينه في جامع المقاصد، وإن كان لم يستبعد قبل ذلك في الفرض المذكور البناء على الظهر، كما احتمل في التذكرة أيضا، بل اختاره في البيان والمسالك وعن الذكرى عملا بالظاهر، إذ الفرض أنه لم يعلم ما قام إليه كما قيده به في البيان. إلا أنه قد يناقش في جميع ذلك بمنع ثبوت حجية الأول بالمعنى الأول، وعدم صلاحيته للتشخيص بالمعنى الثاني، بل والثالث أيضا، وعدم سلامة السند في الخبر المذكور بل والدلالة، لاحتمال إرادة ما علم افتتاح الصلاة عليه وإن سها في الأثناء وظن غيره، كما يؤمي إليه قوله (عليه السلام): (في أول صلاته) بل وقوله (عليه السلام): (قمت في فريضة) إذ القيام للشئ غير القيام فيه، بل لعل المراد من قوله (عليه السلام): (له) فيما نقلناه عن الوسائل ذلك أيضا بقرينة ما قبله وما بعده. بل هو المتعارف في السؤال عنه وبيان حكمه في غيره من الأخبار بنحو هذه العبارة، ففي خبر عبد الله بن المغيرة (1) عن كتاب حريز أنه قال: (إني نسيت أني في صلاة فريضة حتى ركعت وأنا أنويها تطوعا فقال: هي التي قمت فيها، إذا كنت قمت وأنت تنوي فريضة ثم دخلك الشك فأنت في الفريضة، وإن كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة، وإن كنت دخلت في فريضة ثم ذكرت نافلة كانت عليك فامض في الفريضة) وخبر يونس بن معاوية (2) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه) فتأمل. وبمنع صحة العدول هنا اقتصارا " فيما خالف الأصل على المتيقن، بل لعله لا يتصور وقوعه إلا على جهة الترديد، لعدم الجزم بالمعدول عنه، كمنع الاجتزاء برباعية


(1) و (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب النية خالحديث 1 - 2 من كتاب الصلاة لكن روى الثاني عن يونس عن معاوية

[ 328 ]

مرددة في الصورة السابقة، لعدم حصول الجزم بالنية، وإن كان لا يخلو اعتبار مثل ذلك في مثل ما نحن فيه بحث أو منع، لكن على كل حال المتجه في أكثر ما تقدم مراعاة الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة بالاستئناف، بل وبالاتمام ثم الاستئناف فيما سمعت. كما أن المتجه الاستئناف لو لم يعلم شيئا ولو على الاجمال، فلم يدر مثلا فرضا أو نقلا، أو قضاء أو أداء، أو ظهرا " أو عصرا "، أو غير ذلك بلا خلاف أجده فيه في أثناء الصلاة أو بعد الفراغ، لعدم الترجيح، بل لعله لا يجوز له الاتمام في الأول اعتمادا " على النية الأولى، لعدم حصول الاستدامة التي هي التنبه لما هو فيه بخصوصه بعد الالتفات والتنبيه، ولا يكفي إجماله، وإلا لا كتفي به في الأول، ضرورة عدم تفاوت كيفية اعتبار النية بين الإول وغيره، كما هو مقتضى (إنما الأعمال بالنيات) (1) ونحوه، ودعوى أنه أولى بالصحة ممن نوى الفريضة ثم أتمها بنية النفل سهوا أو بالعكس ممنوعة، بل هو من القياس المحرم، نعم قد يظهر بالتأمل مما قدمنا وجه صحة لبعض الصور إذا كان بعد الفراغ تركنا التعرض لتفصيلها خوف الاطالة واتكالا على ما تقدم، فتأمل جيدا ". المسألة (الثالثة إذا شك في أعداد الرباعية فان كان في الأولتين) بأن لم يدر ما صلاه ركعة أو ركعتين (أعاد) على المشهور بين الأصحاب نقلا " وتحصيلا " شهرة كادت تكون إجماعا، بل حكاه عليه في الانتصار والخلاف والغنية والسرائر وعن الناصرية وإرشاد الجعفرية ومن رواه عن البشرى، بل حكي أيضا عن ظاهر التذكرة والمعتبر، بل لم أعرف أحدا نسب الخلاف فيه إلى أحد منا قبل المنتهى، فحكى الاجماع


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10 الجواهر - 41

[ 329 ]

عليه ممن عدا أبي جعفر محمد بن بابويه، فخير بين الاعادة والبناء على الاقل، نعم تبعه في نقل ذلك بعض من تأخر عنه، بل ربما مال إليه في الكفاية، بل اختاره في المفاتيح وإن كان ذلك منه غريبا، لكنه ليس بالغريب، وقبل المختلف فحكى عن علي بن بابويه أنه قال: (إذا شك في الركعة الأولى أو الثانية أعاد، وإن شك ثانيا وتوهم الثانية بنى عليها، ثم احتاط بعد التسليم بركعتين قاعدا "، وإن توهم الأولى بنى عليها وتشهد في كل ركعة، فان تيقن بعد التسليم الزيادة لم يضر، لأن التشهد حائل بين الرابعة والخامسة، فان تساوى الاحتمالان تخير بين ركعة قائما وركعتين جالسا) بل حكى عنه أيضا أنه قال: (إن شككت فلم تدر واحدة صليت أو اثنتين أم ثلاثا أم أربعا صليت ركعة من قيام وركعتين من جلوس). وهما - مع معلومية نسبهما ومخالفتهما المحكي من الاجماع مستفيضا إن لم يكن متواترا " كالمعتبرة المستفيضة (1) حد الاستفاضة الدالة بأنواع الدلالة، وعدم خلاف الثاني فيما نحن فيه خصوصا عبارته الثانية وإن كانت تؤول إليه بالأخرة - لا دليل المحكي أو لا عن ثانيهما بل وثانيا وإن استدل له بما أرسله ولده في فقيهه، وصحيح ابن يقطين (2) سأل أبا الحسن (عليه السلام) (عن الرجل لا يدري كم صلى أواحدة أم ثنتين أو ثلاثا قال: يبني على الجزم، ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا " خفيفا) على معنى إرادة البناء على الأكثر ثم التدارك بصلاة الاحتياط من الجزم فيه، لكن هما مع إرسال أولهما، ومعارضتهما بصحيح ابن أبي يعفور (3) عن الصادق (عليه السلام) (إذا شككت فلم تدر أفي ثلاث أنت أم في إثنتين أم في واحدة أم في أربع فأعد ولا تمض على الشك) وغيره، وتخلف ما ذكره الخصم من الاحتياط الخاص عن إفادة الجزم على المعنى المذكور


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2) و (3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 - 2

[ 330 ]

بحصول الصلاة على بعض الفروض، كما إذا فرض كون الواقع أنه صلى ركعة قد أجيب عن الثاني منهما بأن المراد الاعادة من الأمر فيه بالبناء على الجزم، كارادة الاستحباب حينئذ من الأمر بسجدتي السهو، وإن كان قد يشكل بأنه لا يجمع بين سجدتي السهو وإعادة الصلاة وجوبا ولا استحبابا، إلا أنه قد يدفع بأنه لا مانع من الاكتفاء به دليلا " لذلك. بل والمحكي عن أولهما أيضا عدا أخبار (1) قاصره عن المعارضة سندا " وعددا " وعملا "، بل ودلالة حتى منه نفسه من حيث ظهورها في لزوم البناء على الإقل المنافي لما عنده من التخيير بينه وبين الاعادة، ودعوى أن ذلك مقتضى الجمع بين الجميع يدفعها أنه فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه عديدة، منها موافقة هذه الأخبار للعامة بعد إعراض سائر الأصحاب عنها عداه، بل هو على ما اعترف به بعض الأساطين من مشايخنا، حتى أنه نسب الناقل عنه ما عرفت إلى التوهم والغفلة، وقال: إن محل التوهم لذلك بعض عبارات فقيهه خاصة، وإلا فهو في الأمالي موافق للأصحاب في الاعادة، بل نسبه فيها إلى دين الامامية، ولم يتعرض لذلك أصلا " في الهداية، كما أنه ليس في المقنع إلا روى ابن علي ركعة، ثم إنه أطنب (رحمه الله) في بيان فساد محال الوهم من الكتاب المزبور، ولعل التدبر والتأمل في أطراف كلماته فيه يشهد له، فلا حظ، ولولا خلو الاطالة في تحقيق ذلك عن الفائدة - ضرورة قطعية الحكم عندنا في حالتي وفاقه وخلافه - لذكرنا ذلك كله مفصلا ". ثم إنه هل يندرج في الرباعية بالنسبة إلى هذ الحكم وغيره من الأحكام التي ستسمعها الرباعية التي هي نفل بالأصل كصلاة الأعرابي، كما لعله يظهر من إطلاق بعضهم بل جزم به العلامة الطباطبائي في مصابيحه حاكيا عن الروض أنه استظهره، أو يقتصر


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة - الحديث 22 و 23 و 24

[ 331 ]

على خصوص الفريضة الرباعية، وإلا فهي يجري عليها أحكام النافلة ؟ وجهان لا يخلو الثاني منهما من قوة، مع احتمال مراعاة ما تقتضيه الأصول والقواعد من هذه الأحكام لتبادر غيرها من أدلة كل من الفريضة والنافلة بالنسبة إلى ذلك، فتأمل. (وكذا الحال) في وجوب الاستئناف (إذا لم يدركم صلى) لما عرفته مما تقدم حتى الأدلة السابقة على البطلان في الصورة الأولى، إذ هي من بعض أفرادها عند التحقيق، لأنه لم يدر أيضا واحدة صلى أو ثنتين، ومن هنا ك انت الاجماعات السابقة وغيرها الحجة هنا، مضافا إلى ظاهر المنتهى وما عن ظاهر إرشاد الجعفرية أو صريحه من الاجماع عليه، وإلى الصحيح (1) السابق وغيره من المعتبرة كخبر صفوان (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: (إن كنت لا تدري كم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة) وخبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: (سألته عن الرجل يقوم في الصلاة فلا يدري صلى شيئا أم لا ؟ قال: يستقبل) ومنه بل وغيره يعلم إرادة ما يشمل الواحدة أيضا على معنى عدم إحرازها، والله العالم، فالمسألة حينئذ من الواضحات وضوحا لا يقدح فيه ما سمعته سابقا من علي بن بابويه بعد أن عرفت ضعفه في الغاية، كما لا يقدح فيه ما عساه يظهر من بعض الأخبار (4) القاصرة عن المقاومة من وجوه من خلاف ذلك، سيما مع إمكان تنزيله على ما لا ينافيه إن لم يكن ظاهرا " في ذلك. (وإن تيقن الأولتين) أو ظن بناء على مساواته له فيهما كما ستعرف إن شاء الله (وشك في الزائد وجب عليه الاحتياط) للأدلة الآتية (ومسائله) العامة البلوى


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة - الحديث 2 - 1 - 5 (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 22 و 23 و 24

[ 332 ]

بل قيل بوجوب معرفتها عينا على سائر المكلفين، دون غيرها من مسائل الشك والسهو فيجب كفاية، بل ربما قيل باشتراط صحة الصلاة بمعرفتها وإن كان في الأخير منع واضح، وفي التفرقة في سابقه نظر وتأمل (أربع: الأولى إذا شك بين الاثنتين والثلاث) بعد إحراز الاثنتين بما ستعرف تحقيقه إن شاء الله في آخر البحث كانت صلاته صحيحة ولا إعادة عليه إجماعا كما في المعتبر والمنتهى وعن التذكرة والغرية، بل هو قضية ما تسمعه من الاجماعات وغيرها على البناء على الثلاث، فما في بعض الأخبار (1) من الأمر بالاعادة المخالف لما عليه الأصحاب مطرح أو محمول على حصوله قبل إكمال السجدتين أو غير ذلك، وإن كان قد يظهر من المقنع الفتوى به، لأنه رواه فيه مع أنه معارض بالمحكي عنه صريحا في موافقته الأصحاب و (بنى على الثلاث وأتم وتشهد وسلم) على المشهور نقلا وتحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الخلاف والانتصار والغنية، وعن ظاهر السرائر ومجمع البرهان بل عن الصدوق في الامالي أنه من دين الامامية، كما عن الحسن دعوى تواتر الأخبار به، مضافا إلى خصوص خبر زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) (قلت له: رجل لا يدري إثنتين صلى أم ثلاثا قال: إن دخله الشك فبعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى ولا شئ عليه) ولعل المراد بدخوله في الثالثة إحراز الثنتين، كما أن المراد بقوله: (مضى في الثالثة) الثالثة المحتملة على معنى تصييرها رابعة، ويراد بقوله (عليه السلام) حينئذ (الأخرى) الركعة الاحتياطية، ولا يقدح عدم فصلها في الرواية، فان كثيرا " من الأخبار على نحو هذا التعبير عن الركعة الاحتياطية، ويحتمل إرادة البناء على أنها ثالثة من المضي فيها على إرادة مضي الشك فيها أي ذهابه وانعدامه، فتكون حينئذ من روايات البناء على الأقل.


(1) و (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 3

[ 333 ]

وأوضح منه خبر قرب الاسناد (1) الذي تسمعه، بل ومقطوع محمد بن مسلم (2) (إنما السهو ما بين الثلاث والأربع، وفي الاثنتين والأربع بتلك المنزلة، وإن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلي ركعتين وأربع سجدات وهو جالس) إلى آخره، فانه وإن كان ظاهر قوله: (صلى) فيما مضى، لكنه لا يوافق ما فيه من الأمر بالقيام لاتمام الركعة مع الأمر بركعتين من جلوس للاحتياط لا على القول بالبناء على الأكثر ولا على القول بالأقل، فلا بد من حمله على إرادة الشك فيما في يده أنها ثالثة أو رابعة، وفرضه حينئذ على المختار البناء على أنها رابعة ثم يحتاط بركعتين من جلوس. بل قد ينقدح من ذلك استفادة حكم ما هنا من الصورة الثانية، ضرورة عدم تصور للشك بين الاثنتين والثلاث على وجه يكون صحيحا إلا على كون ما في يده ثالثة أو رابعة، فهو حينئذ أحد فردي الشك بين الثلاث والأربع، بل من لوازمه على هذا الفرض، وسيأتي إن شاء الله تتمة لذلك في المسألة الثانية، فتأمل جيدا "، على أن العمدة في المقام ما سمعت من الاجماعات، بل قاعدة الأخذ بالأكثر عند الشك المستفادة من المعتبرة المستفيضة فعن الفقيه (3) قال أبو عبد الله (عليه السلام) لعمار ابن موسى: (يا عمار ألا أجمع لك السهو كله في كلمتين: متى ما شككت فخذ بالأكثر وإذا سلمت فأتم ما خلت أنك نقصته) وعن التهذيب عن الساباطي (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة فقال: ألا أعلمك شيئا إذا فعلته ثم ذكرت انك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ ؟ قلت: بلي، قال: إذا


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 (3) و (4) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحيث 1 - 3

[ 334 ]

سهوت فابنه على الأكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شئ، وإن ذكرت أنك نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت) بل في خبره الآخر (1) أيضا (قال أبو عبد الله (عليه السلام): كلما دخل عليك من الشك في صلاتك فاعمل على الأكثر، قال: فإذا انصرفت فأتم ما ظننت أنك نقصت). ولاينا فيه قاعدة البناء على اليقين المستفادة من أخبار أخر (2) بل في بعضها (3) (إن هذا أصل فقال: نعم يرجع إليه) لقصورها عن مقاومتها من وجوه، مع احتمال كون المراد منها ما يوافق الأولى، إذ قد عرفت أن اليقين بصحة الصلاة يحصل بالبناء على الأكثر، بل لا يحصل بالأقل، لما فيه من احتمال زيادة الركعة المبطلة للصلاة سهوا " وعمدا " بخلاف الأول، إذ ليس فيه سوى كون التسليم في غير محله الذي هو غير قادح، لجريانه مجرى السهو، بل قد يؤيده المروي عن قرب الاسناد (4) (رجل صلى ركعتين وشك في الثالثة قال: يبني على اليقين، فإذا فرغ تشهد وقام وصلى ركعة بفاتحة الكتاب) إذ لو أراد باليقين الأقل لم يكن لصلاة الركعة وجه، بل عن بعض النسخ (يبني على الثلاث). ومن هنا تعرف ما في نسبة الخلاف إلى المرتضى في الناصريات حيث قال فيها على ما حكي عنه بعد قول الناصر في المسألة الثانية: من شك في الأوليين استأنف، ومن شك في الأخيرين بنى على اليقين: (ما نصه هذا مذهبنا، والصحيح عندنا، وباقي الفقهاء يخالفوننا في ذلك إلى أن قال: والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع)


(1) و (3) الوسائل الباب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 - 2 (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 و 5 و 6 (4) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 335 ]

إذ قد عرفت أن مراده باليقين ما ذكرناه، بل صرح به في الانتصار ردا على العامة بل قد يرشد إلى ذلك قوله فيها أيضا: (وباقي الفقهاء) إلى آخره، إذ المنقول عنهم البناء على الأقل، فلو كان مراده باليقين ذلك لم يتجه نقل الخلاف عنهم، فظهر حينئذ إرادة البناء على النقصان بعد التسليم من اليقين بمعنى معاملتها معاملة الناقصة تحصيلا " لليقين، بل لعل هذا وجه ما في بعض الأخبار (1) أيضا من البناء على النقصان، على أن بعضها (2) مشتمل على ما لا يقول به من البناء عليه أيضا حتى في الشك بين الواحدة والثنتين، كما أن جميعها موافق للعامة، فان لم تكن قابلة لذلك كان حملها حينئذ على التقية متجها، لمخالفتها تلك الأخبار المتلقاة بين الأصحاب بالقبول ال منقول على مضمونها الاجماعات كما سمعت. ومن جميع ما تقدم تعرف فساد ما عن علي بن الحسين بن بابويه من التخيير بين البناء على الأقل والتشهد بكل ركعة وبين البناء على الأكثر مع الركعة بعد التسليم، إذ هو - مع ما سمعت من نسبة ولده في الأمالي المشهور إلى دين الامامية، وما كان ليخفى عليه مذهب والده مع أنه من رؤسائهم سيما عنده - لا أعرف له مستندا في ذلك سوى أنه جمع بين أخبار البناء على الإكثر وأخبار البناء على الأقل، وهو بعد تسليم أن مثل هذا الجمع لا يحتاج إلى شاهد، بل ينتقل إليه من اللفظ، والغض عن دلالة الثانية، بل هي خالية عن الأمر بالتشهد في كل ركعة، بل فيها الأمر بالسجود الخالي منه كلامه فرع التكافؤ المفقود من وجوه، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من أن القول به متجه أو أقرب أو أصوب لا ينبغي أن يلتفت إليه. (ثم استأنف) وجوبا (ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس) مخيرا بينهما


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 (2) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 22 و 23

[ 336 ]

على المشهور نقلا " مستفيضا وتحصيلا " شهرة كادت تبلغ الاجماع، بل حكى عليه ذلك في الخلاف وعن الانتصار والغنية، كما عن كشف الرموز هو فتوى الأصحاب لا أعرف فيه مخالفا، بل في ظاهر النافع وعن صريح السرائر نسبته إلى الرواية، بل في الرياض عن الذكرى والروض أنهما نقلا عن العماني تواتر الأخبار به، ولكن الظاهر أنه وهم، لأنه نقل في الذكرى أن الجعفي وابن أبي عقيل لم يذكرا التخيير بل اقتصرا على الركعتين من جلوس، ولعل سبب اشتباهه ما في الذكرى قبل ذلك (وأما الشك بين الثنتين والثلاث فأجراه معظم الأصحاب مجرى الشك بين الثلاث والأربع، ولم نقف على رواية صريحة، ونقل فيه ابن أبي عقيل تواتر الأخبار وخالف علي بن إلى آخره. والظاهر أن مراده بقرينة ما بعده البناء على الأكثر لا في كيفية ركعة الاحتياط، فتأمل. وكيف كان فيدل عليه مضافا إلى ذلك ما تسمعه من المرسل (1) المنجبر بعمل الأصحاب الدال على التخيير في الصورة الثانية، ولا قائل بالفصل بينها وبين هذه الصورة كما اعترف به في الرياض، بل يمكن الاستدلال عليه حينئذ بأن ظاهر الأخبار المتقدمة الآمرة باتمام ما نقصت الركعة من قيام احتياطا، ولا ينافيه الحكم فيها بأنها نافلة إذا تبين التمام، فان كونها ركعة لا يمنع من ذلك، فمنه حينئذ ومن المعتبرة (2) في الصورة الثانية الآمرة بركعتين من جلوس - لعدم القول بالفصل بينهما - يستفاد التخيير، فما عن العماني والجعفي من الاقتصار على ذكر الركعتين من جلوس في الصورتين لورود الأخبار في الصورة الثانية مع عدم القول بالفصل ضعيف جدا " إن أرادا عدم جواز غيره، كالمحكي عن الكاتب والمفيد والقاضي من تعيين الركعة من قيام فيهما، لظاهر قوله (عليه السلام): (فأتمم ما نقصت) ولا ينافي ذلك اعتبار القيام في الفريضة


(1) و (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2. الجواهر - 42

[ 337 ]

بعد أن كان جبرا " شرعا، سيما مع الالتفات إلى ما ورد من تنزيل الركعتين من جلوس منزلة الركعة من قيام، والله العالم. ثم إن الظاهر تعذر الاحتياط بالنسبة إلى هذه الإقوال حتى في الجمع بين الركعة القيامية والجلوسية، للزوم الفاصلة المخلة بالاحتياط على كل من المذهبين، فما يظهر من بعضهم من أن الاحتياط هنا في مذهب الكاتب، وفي الثانية بمذهب الجعفي والعماني لا يخلو من نظر، نعم هو كذلك بالنظر إلى الأخبار دون الأقوال، هذا. ولكن ينبغي أن يعلم أنهم اختلفوا فيما يحصل به إكمال الركعتين الأولتين كي يكون الشك الواقع بعد ذلك معتبرا "، والمحصل من ملاحظة كلماتهم خصوصا الشهيدين والمحقق الثاني منهم في الذكرى وفوائد الشرائع والروض والروضة والمسالك والمقاصد العلية أن في ذلك أربعة وجوه أو أقوال. الأول تحقق الاكمال برفع الرأس من السجدة الأخيرة، ولعله ظاهر المشهور كما يستفاد من الذكرى والمدارك، بل لعله الظاهر أيضا من عرف المتشرعة، إذ المفهوم من إطلاقاتهم أن الركعة مجموع الإفعال إلى الرفع، ولذا لو دعا أو أطال الذكر في السجدة الثانية من أي ركعة صدق عرفا أنه دعا وأطال في تلك الركعة، كما أنه يمتثل بفعله كذلك لو كان ناذرا " مثلا "، بل لعله المنساق إلى الذهن من النصوص الواردة في سائر المقامات المشتملة على ذكر أعداد الركعات في النوافل والفرائض، وهو الذي اختاره العلامة الطباطبائي في مصابيحه حاكيا له عن جماعة من المتأخرين وعن صريح العلامة وغيره ممن تأخر عنه في مسألة إدراك الوقت بادراك الركعة، ضرورة أن الركعة معنى واحد لا يختلف باختلاف المواضع، ولأن الإصل بقاء الركعة حتى يثبت الانتقال منها والخروج عنها، ولم يثبت إلا بالرفع، فيكون الشك قبله مبطلا "، ولأن حكم الشك قبل الذكر الابطال فكذا بعده قبل الرفع، استصحابا للحكم الثابت مع عدم العلم بالمزيل، ولا

[ 338 ]

يعارضهما أصل صحة الصلاة، فانهما واردان عليه ومخصصان له، ولأن الركعة من الحقائق الشرعية التي ضابطها ومرجعها إلى عرف المتشرعة، والمتبادر منها فيه ما عرفت من مجموع الأفعال إلى الرفع، فتكون كذلك شرعا، ولعموم الأمر باعادة الصلاة بالشك بين الثنتين والثلاث والثنتين والأربع، بل بمطلق الشك المتعلق بالثنتين، كما يستفاد من حصرالصحة في بعض المعتبرة (1) في الشك بين الثلاث والأربع، خرج عنه الشك بعد الرفع، فيبقى غيره. وأيضا فأجزاء الصلاة تختلف باعتبار الانتهاء والكمال، فا لأقوال منها كالقراءة والذكر والدعاء تنتهي بنفسها، ولا يتوقف إكمالها على الدخول في غيرها بخلاف الأفعال، فان الاكمال فيها لا يحصل إلا بالانتقال إلى فعل آخر، فالقائم قائم ما لم يركع، والراكع راكع ما لم يرفع، وكذا الساجد، فان السجود فعل واحد ممتد لا يتحقق الفراغ منه إلا بالرفع، سواء في ذلك السجدة الأولى والثانية، والقدر الزائد منه على الذكر الواجب وهو المتصل بالرفع جزء من السجود، غاية الأمر عدم اتصافه بالوجوب بناء على جواز اختلاف أجزاء الفعل الواحد المتصل باختلاف ما يقع فيه كالقيام، فانه إنما يقتضي جواز تركه لا عدم توقفه على الرفع على تقدير وجوده كما هو المفروض، ويمتاز الرفع عن سائر الأفعال بعدم توقف إكماله على الدخول في غيره، لكونه من الأفعال المنقضية الغير الباقية، فجاز من هذا الوجه دخوله في الركعة وانتهائها به، ولا يلزم من توقف إكمال السجود عليه توقفه على شئ آخر، كما أنه لا ينافي خروج الرفع عن حقيقة السجود والركوع توقف إكمالهما عليه، بل لا بأس بعده من واجباتهما بهذا الاعتبار، لتوقف الامتثال على الاكمال المتوقف عليه، ولا يلزم من ذلك عد الركوع من واجبات القيام وإن أمكن بالاعتبار المذكور، لأن الأمور الاعتبارية لا يلزم فيها الاطراد، على أن


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 339 ]

الركوع لما كان ركنا مستقلا " لم يجعل تابعا لغيره، بخلاف الرفع. وللصحيح أو الحسن عن زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (قلت له: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا ؟ قال له: إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الأخرى ولا شئ عليه) فان قضية المفهوم توقف الصحة على الدخول في الثالثة المترددة بينها وبين الرابعة، فتبطل الصلاة بالشك الواقع قبل رفع الرأس من سجود الركعة المترددة بينها وبين الثانية، وقد يناقش بأن الدخول في الثالثة ليس إلا بالخروج عن الثانية، والقائل بعدم توقفه على الرفع يدعى الخروج عنها وإن لم يرفع، فان بني الاستدلال على التوقف لزم الدور، وإلا لم يثبت الابطال، لمكان الاحتمال المانع من الاستدلال، لكن قد تدفع بمنع دعوى القائل المزبور الخروج عنها وإن لم يرفع، بل أقصى دعواه أنها تتم بذلك لا أنه يدخل في الثالثة حينئذ، إذ مبدئها عنده على الظاهر الرفع، فلا يصدق الدخول فيها قبله، ولو قال: إن الرفع أمر خارج عنهما أمكن دعوى عدم صدق الخروج عن الثانية قبله أيضا وإن لم يكن مبدأ الثالثة، فتأمل. الثاني تحقق الاكمال بالركوع كما حكاه في الذكرى عن بعضهم، وفي المصابيح عن السيد بن طاووس في البشري والمحقق في الفتاوى البغدادية، لاشعار بعض النصوص (2) أو ظهورها فيه، لأن الركعة واحدة الركوع كما أن السجدة واحدة السجود، ولحصوص معظم الأجزاء بالركوع، فيجتزى به تنزيلا " للأكثر منزلة الجميع ولما ورد (3) في صلاة الآيات أنها عشر ركعات يقنت في كل ركعتين منها، ولأنه


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الركوع من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب صلاة الكسوف والآيات الحديث 6

[ 340 ]

هو المخلص في حكم المشهور بصحة الصلاة إذا شك بين الأربع والخمس بعد الركوع قبل إكمال السجود، فان النصوص تشمل هذه الصورة لو قيل بتحقق الركعة بالركوع وإلا فهي خارجة عنها، لعدم إتمام الركعة، فلا يصدق معه الشك بين الأربع والخمس لكن الجميع كما ترى حتى الأخير الذي هو بعد تسليمه يتم لو انحصر وجه الصحة في تلك النصوص، وهو ممنوع لامكان إثباتها بدليل آخر. الثالث الاكتفاء بوضع الجبهة في السجدة الثانية وإن لم يتشاغل بالذكر، كما مال إليه في ظاهر الذكرى، لكمال الركعة بمسمى هذه السجدة، وفيه أن الذكر من واجباتها فلا تكمل إلا بفعله، وعدم بطلان الصلاة بالاخلال به سهوا " لا يقتضي حصول الاكمال بدونه، وإلا لحصل بمسمى السجدة الأولى، لعدم بطلان الصلاة بنسيان السجدة الأولى (1) كما هو المشهور. الرابع الاكتفاء باكمال الذكر الواجب في السجدة الثانية وإن لم يرفع رأسه منها كما اختاره الشهيد الثاني في الروض والروضة والمسالك والمقاصد، وكأنه مال إليه المحقق الثاني في فوائد الشرائع، بل نسب إلى الشهيد الأول أيضا، لكن لاصراحة في كلامه به، لأن الرفع ليس جزء من السجود، ولا دخل له فيه، وإنما هو واجب مستقل أو مقدمة لواجب آخر كالتشهد والقراءة، وفيه أن الرفع عندهم معدود من واجبات الركوع والسجدة الأولى، فجاز أن يكون من واجبات الثانية، لأن تعلقه بها كتعلقه بهما من غير فرق، وخروجه عن السجود لا ينافي توقف إكماله عليه كما عرفت، فانه فعل واحد مستمر لا ينتهي إلا به، مع أن الصحة منوطة باكمال الركعتين، ومن الجائز


(1) الصواب أن يكتب لفطة (الواحدة) أو الثانية) مكان لفظة (الأولى) لعدم معقولية نسيان الأولى من حيث أنها أولى مع الاتيان بالثانية كذلك، لأنه إذا سجد واحدة كانت هي الأولى قهرا " واتصف الثانية بالنسيان.

[ 341 ]

دخول الرفع في الركعة وإن خرج عن السجود ولم يتوقف إكماله عليه، لكن قد يدفعه أن مجرد الجواز غير مجد بعد ظهور العدم، إذ الانصاف صدق تمام مسمى الركعة في عرف المتشرعة باكمال الذكر الواجب، ولا ينافيه صدقه أيضا بالرفع، لاحتمال كون الرفع من مشخصات الفرد لا المسمى من حيث التسمية، فالركعة للقدر الذي يتحقق باكمال الذكر، ومن أفراد مسماها ما تحقق معه الرفع لا أن الصدق موقوف عليه، ومن هنا كان هذا الأخير لا يخلو من قوة، بل بما ذكرنا يتضح لك النظر في أكثر أدلة الأول، نعم لو قلنا: إن المعتبر الشك حال الدخول في الثالثة لا حال الاكمال خاصة أمكن عدم اعتبار الشك حينئذ بعد الذكر قبل الرفع، لعدم صدق الدخول في الثالثة حينئذ، لكن قد يناقش أولا " بأنه مشترك الالزام بناء " على أن تمام الرفع من الركعة الأول، إذ لا ريب في اعتبار الشك بعد الرفع كما حكى الاجماع عليه في المصابيح والمقاصد، مع عدم صدق الدخول في الثالثة، اللهم إلا أن يفرق بين ابتدائه وانتهائه، فالأول من تتمة الأولى، والثاني مبدأ الثالثة، وهو كما ترى، وثانيا بأنه يمكن إدراجه في النص بالعلاج حينئذ، إذ هو وإن طرأ له الشك بعد الذكر مثلا " لكن له رفع رأسه قطعا، لعدم كونه من المبطلات، فإذا رفع اندرج فيها، اللهم إلا أن يقال بظهور الأدلة في البطلان حينئذ، فلا يكون للعلاج محل، وبهذا يفرق بين المقام وبين الصور العلاجية بالهدم ونحوه مما ستسمعه فيما يأتي مما لا يعارض العلاج فيه ظاهر نص، لكن قد يمنع ذلك فيما نحن فيه أيضا، فتأمل جيدا "، فان الذي استقر عليه رأينا القول الأول، وهو اعتبار رفع الرأس في اعتبار الشك، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه سيما بالنسبة إلى القول الأخير، والله العالم. وكيف كان فالمسألة (الثانية من شك بين الثلاث والأربع) في أي حال كان قبل إكمال السجدتين أو بعدهما إذ هو لا يكون إلا بعد إحراز الركعتين كانت صلاته

[ 342 ]

صحيحة بلا خلاف أجده، بل نقل عليه الاجماع جماعة، كما أنه حكي عن أخرى، بل هو قضية ما تسمعه من أدلة البناء على الأربع من الأخبار وغيرها، بل في بعضها (1) لا يعيد الصلاة فقيه من هذا الشك و (بنى على الاربع وتشهد وسلم) على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك، إذ لا يقدح فيه ما حكي من الخلاف فيه على تقدير تحققه، ولذا حكاه عليه في الخلاف والانتصار والغنية وعن ظاهر الأمالي والسرائر والمعتبر والروض، وهو وما تقدم من النصوص الآمرة بالأكثر الحجة، مضافا إلى الأخبار الخاصة المعتبرة سندا ودلالة ولو من جهة الانجبار بما عرفت، منها خبر عبد الرحمان بن سيابة والبقباق (2) عن الصادق (عليه السلام) (إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا إلى أن قال: وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس) ومنها مرسل جميل (3) عنه (عليه السلام) أيضا فيمن لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا ووهمه في ذلك سواء، فقال: (إذا اعتدل الوهم في الثلاث والأربع فهو بالخيار إن شاء صلى ركعة وهو قائم، وإن شاء صلى ركعتين وأربع سجدات وهو جالس) ومنها خبر الحلبي (4) (وإن كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فسلم ثم صل ركعتين وأنت جالس، تقرأ فيهما أم الكتاب). فما عن أبي علي وابن بابويه من التخيير بين الأقل، والأكثر مع عدم ثبوته عن الثاني ضعيف جدا "، بل لا مستند له سوى ما تقدم سابقا من الجمع بين روايات الأقل والأكثر بما قد عرفت ما فيه من أنه بعد تسليم عدم احتياجه إلى الشاهد فرع التكافؤ المفقود لوجوه متعددة، فوجب طرح المقابل أو حمله عليه التقية أو غير ذلك، كما سمعت سابقا.


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 - 2 - 5

[ 343 ]

نعم ظاهر النصوص وبعض الفتاوى وقوع الشك بعد كمال مسمى الركعة، إذ هو الظاهر من قوله (عليه السلام): (ثلاثا صليت أم أربعا) ضرورة إرادة أنه لم يدركون الذي وقع منه ثلاثا أم أربعا، فلا يشملان ما لو وقع الشك في ذلك حال القيام مثلا " كما في المقام، إذ مرجعه أنه لم يدركون الذي في يده ثالثة أو رابعة، لا أن ما فعله ثلاث أو أربع. وكشف الحال أن يقال: إن الشك بين الأقل والأكثر له صورتان: الأولى أن يشك في أنه أتى بالأقل تاما أو بالأكثر كذلك، كما لو شك في أنه صلى ركعتين أو ثلاثا، فهو حينئذ جازم بالركعتين التامتين شاك في الثالثة، وهكذا في غيره، وكون ذات الأقل مقطوعا به لا ينافيه الشك فيه باعتبار وصف القلة بمعنى الاتيان به وحده، وهذه الصورة هي مورد غالب النصوص والفتاوى في صور الشك المعروفة. الثانية أن يشك أنه في الأقل أو الأكثر كأن يشك أنه في الثانية أو الثالثة، أو في الثالثة أو الرابعة، أو في الرابعة أو الخامسة، والشك في هذه الصورة لا يقتضي القطع بالأقل بمعنى كونه فيه، لاحتمال كونه في الأكثر، ولا بوقوع الأقل منه تاما، لاحتمال كونه فيه، لكنه يقتضي القطع بمتلو الأقل، وهو العدد المتصل به من جهة النزول، فلو قال: لا أدري في ثانية أنا أو في ثالثة كان قاطعا بالركعة الواحدة شاكا بينها وبين الثنتين، ولو قال: لا أدري في ثالثة أو رابعة فهو محرز للثنتين شاك بينهما وبين الثلاث، ولو قال: في رابعة أو خامسة فهو قاطع بالثلاث شاك بينها وبين الأربع، فهذه الصورة ترجع إلى الأولى بعود كل منها إلى المرتبة النازلة عن نظيرها من السابقة، ويستفاد حكمها منها إذا اختص الدليل بها، فتبطل الصلاة في الأولى، لكونه شكا بين الواحدة والثنتين، وتصح في الثانية، ضرورة أنه يرجع إلى الشك فيما وقع منه قبل هذا القيام الذي هو فيه المتردد بين كونه ثالثة أو رابعة بين الاثنتين والثلاث،

[ 344 ]

وفرضه البناء على الثلاث، فيتم الذي بيده على أنه رابعة، وكذلك الحال في الصورة الثالثة التي ترجع بنحو هذا التقرير إلى الشك فيما قبل هذا القيام بين الثلاث والأربع، فيهدم حينئذ إذا كان قبل الركوع ويتشهد ويسلم، أما إذا كان بعد الركوع قبل الاكمال فهو وإن كان شكا أيضا بين الثلاث والأربع إلا أن البناء على الأربع فيه يقتضي الفساد، والنص فيه مسوق للصحة، فلا يتناوله، فينتقل إلى دليل آخر على الصحة، أو يقال بالبطلان، فعلم من ذلك كله حينئذ أن حكم الشك في الصورة الثانية يستفاد من حكمه في الصورة الأولى لا من النصوص الواردة فيه، إذ هي ظاهرة في وقوع الشك بعد الكمال للركعة لا حال النقصان من القيام ونحوه. كما أنه يمكن استفادة حكم الصورة الأولى من الثانية لو فرض اختصاصها بالدليل دونها، لكن بالصعود لا بالنزول عكس الأولى، فلو شك في الثنتين والثلاث كان شاكا في الثالثة والرابعة، ولو شك في الثلاث والاربع كان شاكا في الرابعة والخامسة بناء " على أن إكمال الأقل يستلزم الدخول في الأكثر، إلا أنك عرفت ورود النصوص غالبا في الصورة الأولى دون الثانية، فالحاجة إليه نادرة، ولو كان شاكا بين الثلاث والأربع وهو قائم ثم ذكر نسيان سجدة من الركعة السابقة على القيام المذكور فالظاهر بطلان صلاته، لصيرورته شاكا " بين الاثنتين والثلاث قبل إكمال السجدتين، والبناء على الاربع في حال الشك السابق لا يجعل السابقة ثالثة على وجه يكون النسيان فيها ثالثة، ضرورة ترددها واقعا بين الثانية والثالثة، نعم لو فرض الحال المزبور بعد الركوع في الرابعة التي بنى عليها أنها رابعة لم يبعد الحكم بصحة صلاته وعدم الالتفات إلى الشك المزبور الظاهر في عدم اندارجه في أدلته، والله العالم، هذا. ولكن قد يطلق الشك في الركعات في عبارات الأصحاب ويراد به المعنى


الجواهر - 43

[ 345 ]

الأعم من الصورتين كما يؤمي إليه تقسيمهم الشكوك إلى الأقسام المتعددة بحسب وقوعهما في الأحوال المختلفة من كونها قبل الركوع أو بعده قبل إكمال السجدتين أو بعد الاكمال وقولهم: إن الشك بين الثلاث والأربع تصح معه الصلاة مطلقا، بخلاف الشك بين الثنتين والثلاث مثلا "، فانه تصح الصلاة فيه بعد إكمال الركعتين لا قبله، إذ المنقسم إلى ذلك يمتنع أن يراد به أحد المعنيين بعينه، بل يتعين فيه الحمل على الأعم المتناول للركعة التامة والناقصة على سبيل المجاز، كما هو واضح. وكيف كان بنى على الأربع في مفروض المتن (واحتاط كالأولى) بركعة من قيام أو ركعتين من جلوس مخيرا " بينهما على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الخلاف والانتصار والغنية وعن ظاهر غيرها، مضافا إلى مرسل جميل (1) المتقدم المنجبر بالعمل بين الأصحاب، بل هو والاجماع قرينة على أن المراد بالأمر بالجلوس في غيره أحد فردي المخير، كما أنهما شاهدا الجمع بين ظاهر أخبار تتميم الناقص (2) والأخبار الآمرة بالجلوس (3) لو كان مثله محتاجا إلى شاهد، فما عن بعض القدماء من تعيين القيام لا يلتفت إليه، خصوصا بعد تصريح الروايات بالأمر بالجلوس هنا، كما أنه لا يلتفت إلى ما عن العماني والجعفي من تعيين الجلوس، لما عرفت من الاجماعات والمرسل وغيره، مع أن خلافهما في ذلك غير متحقق، لأن المنقول عنهما أنهما لم يذكرا الركعة من قيام، وهو أعم من اختيار العدم، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من الميل إليه كما ترى. المسألة (الثالثة من شك بين الاثنتين والأربع) بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة أو بعد تمام الذكر وإن لم يرفع رأسه أو قبله أو بعد الركوع على اختلاف


(1) و (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2. (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة

[ 346 ]

الوجوه بل الأقوال في تحقق مسمى الركعة (بنى) وجوبا (على) الأكثر أي (الأربع وتشهد وسلم) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل في الخلاف وعن الانتصار وظاهر السرائر الاجماع عليه، بل في الرياض عن أمالي الصدوق أنه من دين الامامية الذي يجب الاقرار به، ويدل عليه - مضافا إلى ذلك وإلى الأخبار الآمرة بالبناء على الأكثر عند الشك - خصوص المعتبرة المستفيضة المعمول بها بين الأصحاب قديما وحديثا، منها صحيح محمد بن مسلم (1) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ركعتين فلا يدري ركعتان هي أو أربع قال: يسلم ثم يقوم فيصلي ركعتين بفاتحة الكتاب فيتشهد وينصرف) ومثله غيره، كخبره ابن أبي يعفور (2) الآتي ونحوه، بل وخبر زرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (قلت له: من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد أحرز الثنتين قال: يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شئ عليه، وإذالم يدر في ثلاث هو أوفي أربع وقد أحرز الثلاث قام فأضاف إليها أخرى ولا شئ عليه، ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنه ينقض الشك باليقين، ويتم على اليقين، فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات) فانه بقرينة غيره من النصوص يراد منه ركعتا الاحتياط ولذا أمر فيهما بفاتحة الكتاب والقيام ونحو ذلك مما يعلم عدم إرادة تتمة الصلاة فيه، كقوله (عليه السلام): (أضاف) بل وقوله (عليه السلام): (ولا يخلط) ونحوه مما فيه تعريض بالعامة القائلين بالبناء على الأقل مدعين أنه اليقين، مع أنه في الحقيقة نقض ليقين الصلاة المشغول بها الذمة يقينا بالشك، ضرورة احتمال الزائد على الأقل


(1) و (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 - 2 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 وذيله في الباب 10 منها - الحديث 3

[ 347 ]

المساواة والزيادة، كما أنه خلط لليقين بالشك، أما على الاحتياط فانه نقض للشك باليقين باعتبار تردده بين الاتمام والنفل، من ذلك يعلم المراد باليقين في النصوص كما أشرنا إليه سابقا. وعلى كل حال فلا إشكال في الحكم المزبور، خلافا للمنقول عن المقنع من الاعادة لكن قال: وروي أنه يسلم فيقوم فيصلي ركعتين، وكان مراده التخيير بين الاعادة والمختار، ولعله للجمع بين ما تقدم والصحيح الآخر (1) المنسوب إلى الندرة في المعتبر والمنتهى (سألته عن الرجل لا يدري صلى ركعتين أم أربعا قال: يعيد الصلاة) وهو بعد تسليم عدم احتياج مثله إلى شاهد فيه أنه فرع التكافؤ المفقود من وجوه، خصوصا بعد دعوى الفاضلين في التذكرة والمنتهى والمعتبر الاجماع على بطلان القول بالاعادة عند التعرض للبناء على الأكثر أو الأقل، لكن لعل المراد تعينها، فلا ينافي حينئذ ما تقدم من عبارة المقنع على أحد الاحتمالين، وكيف كان فالمتجه طرح الصحيح المزبور أو حمله على غير الرباعية أو وقوع الشك قبل إحراز الركعتين أو غير ذلك. وأضعف منه احتمال التخيير بين المختار والبناء على الأقل، جمعا بين ما تقدم وبين أخبار الأقل، إذ عرفت أن أخبار الأقل مطرحة بين الأصحاب موافقة للعامة معارضة بأقوى منها، بل أضعف منهما احتمال التخيير بين المختار والاعادة والبناء على الأقل الذي منشأه وسابقيه اختلال الطريقة بالاعراض عن كلام الأصحاب والنظر إلى مجرد ما يقتضيه الأخبار، مع أن فيه من المنافاة لمقتضى قواعد الجمع ما لا يخفى، على أن ظاهر الأمر بالاعادة يقتضي البطلان، ولا وجه للتخيير بينه وبين غيره، اللهم إلا أن يراد الابطال أو التخيير في الاحتياط بين صلاته والاعادة، ونحو ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه من التكلف المستبشع، ومن هنا كان المتجه عدم إرادة التخيير من المرسل في المقنع.


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7

[ 348 ]

وعلى كل حال فالمتجه ما عليه الأصحاب من أنه إذا شك بنى على الأكثر (وأتى بركعتين من قيام) بلا خلاف أجده، للمعتبرة المتقدم بعضها، والاجماع المنقول، فلا يجوز الجلوس، لعدم الدليل، بل ظهور الدليل في العدم، ولا سجود للسهو لعدم سببه، وما في خبر أبي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا لم تدر أربعا صليت أم ركعتين فقم واركع ركعتين ثم سلم واسجد سجدتين وأنت جالس ثم سلم بعدهما) لم أعثر على عامل به، للأصل، وقوله (عليه السلام) في المعتبرة السابقة: (لا شئ عليه) بعد فعل الاحتياط، ومفهوم خبر ابن أبي يعفور (2) قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لا يدري ركعتين صلى أم أربعا قال: يتشهد ويسلم ثم يقوم فيصلى ركعتين وأربع سجدات يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يتشهد ويسلم، فان كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة، وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الأربع، وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو) فما في خبر أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) مع أنه من أخبار البناء على الأقل التي قد عرفت حالها لم أعثر على عامل به، نعم عن جملة من المتأخرين حمله على الاستحباب، ولولا التسامح لأمكن المناقشة فيه أيضا، ولعله لذا قيده بعضهم بالمفهوم السابق، ولم يذكر الاستحباب، والأمر سهل. المسألة (الرابعة من شك بين الاثنتين) بعد إحرازهما على حسب ما تقدم (والثلاث والأربع بنى) وجوبا (على) الأكثر وهو (الأربع وتشهد وسلم ثم أتى بركعتين من قيام وركعتين من جلوس) على المشهور نقلا " وتحصيلا "، بل في الانتصار والغنية الاجماع على ذلك، وهو الحجة، مضافا إلى ما تقدم من الأدلة على البناء على الأكثر، وخصوص مرسل ابن أبي عمير (4) عن الصادق (عليه السلام) (في رجل


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8 - 2 - 8 (4) الوسائل الباب - 12 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4

[ 349 ]

صلى فلم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا قال: يقوم فيصلي ركعتين من قيام ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين من جلوس ويسلم، فان كانت أربع ركعات كانت الركعتان نافلة، وإلا تمت الأربع) فما عن ابن الجنيد من جواز البناء على الأقل ما لم يخرج الوقت في غاية الضعف لا دليل له سوى ما سمعت من الجمع بين هذه الأدلة وبين أخبار الأقل الذي قد عرفت الحال فيه. إنما الكلام في مسائل ثلاث: الأولى أن ظاهر عبارة المصنف بل صريحها كغيرها من عبارات الأصحاب بل قد سمعت من الانتصار والغنية دعوى الاجماع عليها عدم الاكتفاء بركعة من قيام وركعتين من جلوس كما عن الصدوقين وأبي علي، بل عن الذكرى وغيرها (أنه قوي من حيث الاعتبار، مدفوع من حيث النقل والاشتهار) وفي اللمعة (أنه قريب) ولعل المراد بالاعتبار المشار إليه أنه إن كانت النقيصة اثنتين كانت الركعة من قيام مع الركعتين من جلوس بدلهما، وإن كانت واحدة كانت الركعة بدلا " والثانية نافلة، وإلا كانا معا كذلك، لكن فيه أنه فاقد لهيئة ما لعله ناقص على تقدير كون الفائت اثنتين، والتلفيق مع الفصل بالتسليم وتكبيرة الاحرام وكون إحداهما من قيام والأخرى من جلوس غير موافق للاعتبار، على أنه لو كان الفائت اثنتين كانت تكبيرة الاحرام زائدة، وهي مما تقدح زيادتها عمدا " وسهوا "، واحتمال أن الركعتين من جلوس موصولة بالركعة القيامية ليست مفصولة، فلا يلزم ذلك يدفعه ظاهر المنقول عنهم، على أن الاجتزاء بالركعتين قائما حينئذ أولى. نعم قد يستدل لهم بالصحيح عن أبي إبراهيم (1) (قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل لا يدري اثنتين صلى أم ثلاثا أم أربعا فقال: يصلي ركعة من قيام ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) وهو مع أن سؤال الكاظم للصادق (عليهما السلام)


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 350 ]

على هذا الوجه غير معهود، وعن بعض النسخ عن أبي إبراهيم (عليه السلام) بدون ذكر أبي عبد الله (عليه السلام) - معارض بما عن بعض النسخ (ركعتين من قيام) بل لعلها الأصح لتأيدها بالرواية السابقة الموافقة للمشهور بين الأصحاب المحكي عليه الاجماع، بل قد يؤيدها أيضا ما عرفت أن الشهيدين قوياه من حيث الاعتبار، ولو كان الخبر كذلك لكان أولى بالذكر، وما عن الصدوق بعد ذكر هذه الرواية من غير فصل يعتد به أنه قال: وقد روي أنه يصلي ركعة من قيام وركعتين وهو جالس، ولو كانت الرواية كذلك لم يكن لما ذكر وجه يعتد به، وتأييد النسخة الأولى بكونها هي المشهورة ضبطا كما قيل وبموافقتها المنقول عن الفقه الرضوي (1) لا يقاوم ما سمعت فالأصح حينئذ ما عرفت. الثانية هل يتحتم الجولس في الركعتين، أو يجب الاتيان بركعة من قيام، أو يخير ؟ احتمالات بل أقوال، أقواها الأول، للأخبار (2) الآمرة بذلك المعتضدة بظاهر فتوى الأصحاب والاجماع المنقول، خلافا لما عن ظاهر المفيد في الغرية والديلمي في المراسم وأبي العباس في الموجز فالثاني، وهو عجيب، لما فيه من المخالفة لما سمعت من غير دليل معتد به، فلعل مرادهم التخيير، وهو الثالث كما اختاره في التذكرة والمختلف واستحسنه في الروضة للجمع بين أوامر الجلوس وظاهر قوله (عليه السلام): (أتمم ما ظننت أنك نقصت) (3) ولأن هذا الشك مركب من البسائط، فلا يزيد على ما وجب لكل واحد لو كان مستقلا "، وهو لا يخلو من وجه، وإن كان الأوجه خلافه، وتسمع له تتمة إن شاء الله تعالى في آخر مسائل الشك.


(1) المستدرك الباب - 12 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 351 ]

الثالثة ظاهر عبارة المصنف كظاهر غيرها من عبارات الأصحاب عدم وجوب الترتيب، فيجوز تقديم الركعتين من جلوس على ركعتي القيام، للعطف بالواو التي هي لمطلق الجمع، وعطف المصنف بثم مع أن المنقول عن غيره تركها إنما يقتضي ترتب الاحتياط على التسليم لا الترتيب فيه، نعم ظاهر النافع واللمعة والبيان وجوب الترتيب لعطف الركعتين من جلوس على ركعتي القيام بثم المقتضية لذلك، وربما نقل عن المفيد وابن إدريس والمرتضى في بعض كتبه، بل هو الذي يقتضيه الخبر المتقدم الذي هو المستند لهم في الحكم، مع أنه لم يعلم ممن عطف بالواو الخلاف، لعدم العلم بمذهبه فيها، وبهذا ينقدح ما لعله يستند إليه من نقل الاجماع على عبارة العطف بالواو، لكن قد يقال: إن ترك الأصحاب العطف بثم مع وجوده في الرواية كاد يكون صريحا في عدم إيجابه، فيستدل حينئذ بالاجماع المنقول عليها المعتضد بالشهرة في التعبير بذلك، فيكون قرينة على أن المراد هنا بثم الترتيب الذكري، بل ربما احتمله بعضهم في سائر عطف الجمل، وطريق الاحتياط غير خفي. وكذا ظاهر عبارة المصنف في جميع صور الاحتياط وجوب الاتيان بالاحتياط بعد التسليم، كما هو الظاهر من الأصحاب من غير خلاف أجده فيه، للأخبار (1) الآمرة به قبله وبه بعده، وما في بعضها (2) من الأمر به من غير ذكر للتسليم محمول عليها، لكن في الوافي بعد ذكر خبر زرارة (3) الذي لم يتعرض فيه لوقوع الاحتياط بعد التسليم قال: (ولم يتعرض في هذا الحديث لذكر فصل الركعتين أو الركعة المضافة للاحتياط ووصلهما كما تعرض في الخبر السابق، والأخبار في ذلك مختلفة،


(1) الوسائل الباب - 8 و 10 و 11 و 13 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2) الوسائل الباب - 1 0 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 352 ]

وفي بعضها إجمال، وطريق التوفيق بينها التخيير كما ذكره في الفقيه، ويأتي كلامه فيه، وربما يسمى الفصل بالبناء على الأكثر والوصول بالبناء على الأقل، والفصل أولى وأحوط لأنه مع الفصل إذا ذكر بعد ذلك ما فعل كانت صلاته مع الاحتياط مشتملة على زيادة فلا يحتاج إلى إعادة، بخلاف ما إذا وصل، وما سمعت أحدا " تعرض لهذه الدقيقة، فلا تكونن من الغافلين) انتهى. وهو كما ترى. وكان على المصنف التعرض لباقي صور الشك، خصوصا الشك بين الأربع والخمس، لورود النص فيه (1) كما ستعرف، فنقول وبالله التوفيق ينبغي أن يعلم أولا أن الظاهر من بعض الأصحاب في المقام عدم جريان إصالة العدم والعمل على مقتضاها بل يتعين الرجوع في المنصوص إلى النص، وفي غيره إلى الفساد أخذا " بيقين البراءة، نعم ربما عالجوا بعض الأشياء بما يرجع إلى المنصوص، وهل هو لعدم جريانه في نفسه أو للاستظهار من الأدلة ؟ يحتمل الأول، لأن شغل الذمة اليقيني محتاج إلى الفراغ اليقيني، ومع الشك لا يعلم المكلف الفراغ، وإصالة العدم وإن كانت حجة شرعية وليس هو في إثبات معنى لفظ بل الفرض أنه بعد ثبوت معنى اللفظ لكنها معارضة بمثلها، إذ لو شك بين الثالثة والرابعة أو بينها وبين الخامسة وتمسك باصالة العدم في نفي الزائد وأتم الصلاة على مقتضاها عورض بأن الأصل عدم حصول معنى الصلاة المبرئة للذمة، إذ الفرض أن الهيئة الحاصلة من العدد المخصوص وغيرها معتبرة فيها، والأصل عدم حصولها، نعم يتم جريان إصالة العدم في ذي الجزئيات دون ذي الأجزاء، لانحلال الأول إلى تكاليف مستقلة بعضها عن بعض دون الثاني، هذا. لكن قد يظهر من بعضهم صحة البناء عليها هنا، ولعله لأنها بعد فرض حجيتها


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الجواهر - 44

[ 353 ]

من الشارع من قبيل العلم، فينقطع إصالة عدم الاتيان بالمبرئ بها، لأنه باصالة العدم مع العمل بمقتضاها يدخل تحت مسمى الصلاة شرعا، فيكون مبرئا، بل قد يؤيده تمسك مثل العلامة في المنتهى وغيره في مقام الشك في الأركان مع كونه في المحل باصالة عدم الفعل، واحتمال أن ذلك منه في مقام التأييد وإلا فالعمدة الدليل بعيد، على أنه قد يفقد الدليل، كما لو شك بعد أن ركع هل كان قد ركع سابقا أو لا، فان الظاهر هنا عندهم الصحة، تمسكا باصالة عدم وقوعه منه سابقا، والانصاف أنه مع ذلك كله لا يخلو الأول من قوة، بل قد يقال: إن إثبات إصالة العدم فيما نحن فيه محتاج إلى واسطة، بخلاف إصالة عدم المبرئ، فتقدم عليه، بل قد يظهر من ملاحظة كلمات الأصحاب في الصور العلاجية وفي حصرهم صور الشك الصحيحة إلى الخامسة أو السادسة ونحو ذلك أن عدم جريان الأصل من المسلمات، ولعله من هذا وشبهه بالغ الاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح في بطلان دعوى جريان الأصل حتى ادعى وضوح فسادها، وربما يشهد له في الجملة ما سمعت من خبر زرارة (1) المشتمل على عدم نقض اليقين بالشك في حال من الحالات بناء على ما سمعته منا في غيره، فلاحظ وتأمل جيدا "، فان كلامهم لا يخلو من اضطراب في المقام، إلا أنه لا يخفى عليك ابتناء الفروع الكثيرة على تقدير تمشي هذا الأصل، وثبوت أحكام لم يذكرها الأصحاب، ولعلنا نشير إلى بعضها فيما يأتي. لا يقال إنا وإن لم نقل بجريان الأصل لكن قد وردت روايات على مقتضاه، فلم لم يؤخذ بها، وهي روايات الأمر بالأخذ بالأقل، ولا يقدح عدم الاستناد إليها في الشكوك المتقدمة، وذلك لمكان المعارض هناك دونه في غيرها، إذ لا يخفى على من لاحظها أنها ظاهرة في البناء على الأقل بالنسبة إلى المشكوك فيه من عدد الفريضة لا فيما إذا تجاوز الشك عددها، وإلا لو كان ظاهرة في ذلك لجرى مثلها في روايات الأكثر


(1) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 354 ]

فتكون حينئذ معارضة لها، واحتمال الفرق بأن روايات الأكثر ظاهرة في غير المتجاوز بقرينة قوله (عليه السلام): (وأتمم ما ظننت أنك نقصت) ونحوه دون أخبار الأقل ضعيف كما لا يخفى على من لاحظهما، على أن أخبار الأقل قد عرفت موافقتها للتقية، وإعراض الأصحاب عنها في الشكوك المتداولة المتعارفة التي تضمنها بعض أسئلتها فضلا " عن غيرها، كلا أن ذلك مخالف لطبع الفقاهة، إذا تبين ذلك فاعلم أن الذي يظهر من الأصحاب أن أقصى ترقي الشك السادسة، لصحة بعض صورها، وإلا فمتى ترقى إلى الأعلى بطل، نعم عن ظاهر ابن أبي عقيل إجراؤه في الزائد في بعض الصور كما تسمعه إن شاء الله تعالى. ولا ريب أن الصور المتصورة هنا كثيرة إذا لاحظت الضرب بالنسبة إلى الأربعة المتقدمة مع الركعة الخامسة ومع السادسة، ولاحظت محال ما يقع فيه، بل أنها ها بعضهم إلى مائتين وخمسة وعشرين، وآخر إلى مائتين وأربع وثلاثين، وآخر إلى ثلاثمائة وثمان وثلاثين، لكن ليس فيه كثير فائدة، لاشتماله على الصحيح والفاسد، وما لا يدور معه الحكم، بل قد يترقى إلى أزيد من ذلك إذا لوحظ محال وقوع الشك في القراءة وأثنائها بالنسبة للفاتحة والسورة والقنوت ونحو ذلك، وهذا مما لا يليق بالفقيه إنما المهم معرفة الصحيح من الفاسد، وقد عرفت في السابق الصور الأربعة بسيطها ومركبها، بل عرفت أيضا الخلاف في الصحة بناء " على الخلاف في الركعة. أما لو وقع الشك بالنسبة إلى الخامسة فهي إما أن يكون مع الأربعة أو غيرها فان كان الأول فلا يخلو إما أن يقع بعد إكمال السجدتين ورفع الرأس منهما أولا، أما الأول فالظاهر فيه الصحة، خلافا للمحكي عن خلاف الشيخ من البطلان، ولا ريب في ضعفه، بل عن المقاصد العلية الاجماع على خلافه، ولعله كذلك، ويدل عليه مضافا

[ 355 ]

إلى ذلك قول الصادق (عليه السلام) فيما رواه عبد الله بن سنان (1) عنه (عليه السلام) في الصحيح: (إذا كنت لا تدري أربعا صليت أو خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك، ثم سلم بعدهما) ومثله خبر أبي بصير (2) وقوله (عليه السلام) أيضا في الصحيح (3): (إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أم نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة، تتشهد فيهما تشهدا " خفيفا) وهي كما ترى صريحة أو كالصريحة في عدم وجوب شئ غير ذلك، خصوصا بعد اعتضادها بفتاوى الأصحاب بالنسبة إلى ذلك، فما في الدروس عن الصدوق من إيجاب ركعتين جالسا احتياطا ضعيف جدا "، وربما حمل كلامه على الشك في ذلك قبل الركوع، ولا بأس به، نعم ظاهرها الشك بعد الاكمال، إذ قبله لا يصدق عليه أنه لم يدر أنه صلى أربعا أو خمسا لمكان المضي في قوله (عليه السلام): (صليت) نعم يمكن إلحاق الشك قبل رفع الرأس من السجدة الأخيرة به، بل وقبل الذكر فيها أيضا، لتناول اللفظ لها، إلا على احتمال أنه لا يصدق تمام الركعة إلا بعد رفع الرأس، وفيه إشكال يعرف مما مر، مع أنه يمكن إدراجه بالعلاج حينئذ، إذ له الرفع والذكر. وعلى كل حال فمتى وقع الشك بعد الركوع أو في أثنائه أو بعد رفع الرأس منه أو في أثناء الهوي للسجود أو في السجدة الأولى أو بين السجدتين أو قبل وضع الجبهة في السجدة الثانية ونحو ذلك بطلت الصلاة بناء " على القاعدة السابقة، لعدم دخولها تحت المنصوص، ولا علاج بحيث ترجع إليه، فاحتمال الصحة إذا وقع بعد الركوع لحصول معظم مسمى الركعة أو لتحقق مسمى الركعة بمجرد الركوع بل قيل: إنه المشهور ضعيف، لما علمت من عدم تناول النص له بحسب الظاهر وعدم العلاج، ودعوى


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 - 3 - 4

[ 356 ]

حصوله بالهدم - فيرجع إلى الشك بين الثلاث والأربع ويعمل عمله، إذ ليس فيه إلا احتمال زيادة الركوع، وهو غير مفسد، أو بالاتمام والاندراج تحت الشك بين الأربع والخمس، واحتمال الزيادة غير قادح كما عرفت - يدفعها انحصار العلاج كما ستعرف بما يعلم عدم بطلان الصلاة معه على تقدير السهو كالقيام ونحوه، على أنه لا تشمله أدلة ذلك الشك قطعا، كما أنه لا معنى لايقاع بعض أفعال الصلاة كالسجود ونحوه مع عدم معرفة أنه من الصلاة حال التذكر والتنبه، إذ هو حينئذ خال من النية واستدامتها، فتأمل، وهل يلحق بغير الخامسة (1) السادسة ونحوها في هذا الحكم ؟ الظاهر العدم، خلافا للمنقول عن ظاهر ابن أبي عقيل، وهو ضعيف، إذ لا مستند له بعد بطلان القياس، وقوله (عليه السلام) في الخبر المتقدم (2): (زدت أم نقصت) يراد منه الزيادة والنقيصة المعلومتان اللتان يسجد للسهو لهما، نحو قوله (عليه السلام) في الحسن (3): (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس، وسماها رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين) الظاهر في إرادة معلومية حصول أحدهما لكن لم يعلم الزيادة أو النقيصة لا أن المراد الزيادة أولا، أو النقيصة أو لا كما تقدم الكلام فيه، وياتي إن شاء الله. وأما إذا وقع الشك بين الخامسة والرابعة قبل الوصول إلى حد الراكع سواء كان قبل القراءة أو بعدها قبل الهوي إلى الركوع أو بعده ولما يصل فلا ريب في عدم دخوله تحت الصور الخمسة المنصوصة، نعم يظهر من جملة من الأصحاب إمكان علاجه بأن يهدم هذا القيام فيرجع شكه إلى ما بين الثلاث والأربع، ويعمل عمله وتكون صلاته


(1) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصواب (بالخامسة)) (2) و (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 - 2

[ 357 ]

صحيحة، لكن قد يناقش فيه وفي سائر أنواع العلاج الآتية بأن الظاهر من تلك الصور وقوع الشك ابتداء لا بجعل وعمل، على أن الذي يسوغ الهدم له إن كان عدم معلومية كونه للرابعة، فلم لم يمنع من الهدم عدم معلومية كونه للخامسة، والجلوس من القيام وإن كان ليس عملا كثيرا حتى تفسد الصلاة به، فإذا جلس دخل تحت الصورة المنصوصة لكنه مغير للهيئة، والفرض أنه لم يأت بالأدلة كيف يعمل، فقد تبطل الصلاة بمجرد هذا الشك بحيث لا ينفعه العلاج، بل قد عرفت أن الأصل الفساد، وقول الصادق (عليه السلام) في خبر حمزة بن حمران (1): (ما أعاد الصلاة فقيه، يحتال لها ويدبرها حتى لا يعيدها) وإن كان مشعرا " بصحة هذا العلاج، لكنه ورد في بعض الأخبار الآمرة بالاعادة (2) فقال له الراوي: (أو ما قلت لا يعيد الصلاة فقيه ؟ فقال: إنما ذلك بين الثلاث والأربع) وبالجملة لا اطمئنان للنفس بكون الحكم الشرعي لمثله ذلك، ويدفعها ما قدمناه سابقا في المسألة الثانية من صدق كونه شاكا بين الثلاث والأربع بالنسبة إلى ما مضى من غير حاجة إلى هدم في تحقق الصدق المزبور، اللهم إلا أن يقال إن المتيقن من المنصوص حال عدم التلبس بحال غير رفع الرأس من السجود، والأصل الفساد، ومن هنا كان الاحتياط لا ينبغي تركه، وبناء على التمسك باصالة العدم يتجه حينئذ إتمام الركعة وصحة الصلاة، لكني لم أعرف به قائلا من الأصحاب. وأما إذا وقع الشك بين الخمس والثلاث فليس في صوره ما نصت عليه الأدلة، نعم تصح بعض الصور منه بالعلاج المتقدم، كما إذا وقع الشك قبل الركوع، فانه حينئذ يهدم ويرجع شكه إلى ما بين الاثنتين والأربع فيعمل على مقتضاه، أما لو وقع بعد الركوع بطلت الصلاة في سائر صوره ولا علاج.


(1) الوسائل الباب - 29 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 9 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 358 ]

وأما بين الاثنتين والخمس فلا علاج له في صورة. وأما بين الثلاث والأربع والخمس فله صورة يمكن علاجها، وهو ما إذا وقع في حال القيام، فانه يهدم ويرجع شكه إلى ما بين الاثنتين والثلاث والأربع، فيعمل على مقتضاه. وأما السادسة ففي مضمر أبي أسامة (1) (سألته عن الرجل صلى العصر ست ركعات أو خمس ركعات قال: إن استيقن أنه صلى خمسا أو ستا فليعد، وإن كان لا يدري زاد أم نقص فليكبر وهو جالس ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب في آخر صلاته ثم يتشهد) لكنه ضعيف لم أجد عاملا " به، مع منافاته لغيره من النصوص، فالظاهر البطلان فيها متى دخلت مع ركعة من ركعات الفريضة إلا على ما نقل عن ابن أبي عقيل من جريانها مجرى الخامسة، فانه حينئذ تكون لها بعض الصور صحيحة، كما إذا شك بعد إكمال السجدتين بين الرابعة والسادسة، وعن الكركي (أن مقتضى الالحاق الخامسة الصحة في كل موضع تعلق فيه الشك بالرابعة بعد إكمال السجدتين وكل موضع أمكن فيه البناء على أحد طرفي الشك إذا كان للشك طرفان أحدهما الأكثر كالشك بين الأربع والست، أو على أحد أطرافه إذا كان له أطراف ثلاثة، كما لو شك بين الثلاث والأربع والست لم تبطل صلاته، وما سوى موضع يمكن فيه البناء تبطل صلاته، وهو مذهب ابن أبي عقيل) انتهى. قلت: المنقول عن ابن أبي عقيل إلحاق السادسة بالخامسة في صورة يقع الشك بعد إكمال السجدتين بينها وبين الرابعة، وأما في مثل المثال الذي ذكره وهو الشك بين الثلاث والأربع والست فان كان في حال القيام وهدم فانه يرجع شكه إلى ما بين الاثنتين والثلاث والخمس، وهو باطل، وأما إذا كان حال الجلوس بعد الاكمال فلا يصح


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5

[ 359 ]

فيه الشك في الخامسة على الأقوى فضلا " عن السادسة، وكأنه (رحمه الله) فهم من الشك بين الأربعة والخمسة طرح الخامسة والبناء على الطرف الصحيح، فحيث يكون له طرف واحد يمكن صحة الصلاة فيه بنى عليه، وحيث يكون له طرفان أخذ بالأكثر بعد طرح الطرف الزائد من السادسة ونحوها، وينبغي أن يلتزم حينئذ بالبناء على الأربع حيث يقع الشك بين الثلاث والأربع والخمس بعد الاكمال، وفيه منع، وأما إذا وقع بين الخامسة والسادسة فلا علاج لصورة من صورة إلا صورة واحدة، وهي ما إذا كان حال القيام، فانه يهدم ويرجع شكه إلى ما بين الاربع والخمس، هذا. لكن قال الشهيد في الألفية بعد ذكره الصور الأربعة المنصوصة: (الخامس الشك بين الاثنتين والخمس، السادس الشك بين الثلاث والخمس بعد الركوع أو بعد السجود، السابع الشك بين الاثنتين والثلاث والخمس، الثامن الشك بين الاثنتين والأربع والخمس، ففي هذه الإربعة وجه بالبناء على الأقل، ووجه بالبطلان في الثلاثة الأول احتياطا، والبناء في الثامن على الأربع ويحتاط بركعتين قائما وسجود السهو، التاسع الشك بين الاثنتين والثلاث والإربع والخمس بعد السجود، وحكمه حكم الثامن، ويزيد في الاحتياط، العاشر الشك بين الأربع والخمس بعد السجود موجب للمرغمتين كما مر، وقبل الركوع يكون شكا بين الثلاث والأربع، وبعد الركوع فيه قول بالبطلان والأصح إلحاقه بالأول، فيجب الاتمام والمرغمتان، الحادي عشر الشك بين الثلاث والأربع والخمس، وفيه وجه بالبناء على الأقل، وآخر بالبناء على الأربع والاحتياط بركعة قائما والمرغمتين، الثاني عشر أن يتعلق الشك بالسادسة، وفيه وجه بالبطلان، وآخر بالبناء على الأقل، أو يجعل حكمه كالخمس) انتهى. وفيه نوع من التأبيد لبعض ما ذكرنا سابقا، ومواضع للنظر، إذ قد عرفت أن البناء على الأقل في الصور الأربعة منشأه الأصل أو أخبار الأقل، وفي كل

[ 360 ]

منهما ما سمعته، على أن ظاهره عدم جريان البطلان في الصورة الرابعة التي جعلها ثامنا، لأنه خصه بالصور الثلاثة، مع أن الظاهر جريانه فيها أيضا، لمكان الاحتياط الذي ذكره، لعدم رجوعها إلى الصور المنصوصة لا ابتداء ولا بعلاج، وما يقال: إنها مشتملة على شكين كل منهما صحيح يدفعه أن الاجتماع غير الأنفراد، ودعوى أن ما دل على حكم الشك مثلا بين الأربع والخمس مطلق يتناول حتى ما لو دخل معه غيره من الشكوك الصحيحة وكذلك بين الاثنتين والأربع، ففي المقام ينبغي أن يبني على الأربع، إذ الفرض أنه بين الاثنتين والأربع والخمس، وهما شكان صحيحان في كل منهما يبني على الأربع، نعم يأتي بركعتي الاحتياط يدفعها أولا " أن ظاهر أخبار الشكوك المنصوصة الانفراد لا مع اجتماع غيرها معها كما لا يخفى على من لاحظها، وثانيا أنا نمنع رجوعهما إلى شكين صحيحين فقط، بل معهما شك آخر مفسد، وهو بين الاثنتين والخمس، وثالثا أنه لو كان المدرك في الصحة في نحو الصورة إطلاق أدلة الشكوك المتقدمة لكان ينبغي القول بها أيضا في الشك بين الاثنتين والثلاث والخمس، لاطلاق ما دل على حكم الشك بين الاثنتين والثلاث، لكن قد يدفع هذا الأخير بالتأمل، ومثله يجري في التاسع الذي جعل حكمه حكم الثامن مع الزيادة في الاحتياط لمكان دخول الثالثة. لكن صريح مصابيح العلامة الطباطبائي الاجماع على عدم تأثير الهيئة الاجتماعية في الشكوك بالنسبة للصحة والبطلان، فالشك المركب حينئذ تابع لبسائطه فيهما وفي البناء على الأقل والأكثر وكيفية الاحتياط، فلو بطلت البسائط حينئذ كلا أو بعضا بطل المركب، ولو صح الجميع صح المجموع، فالشك بين الثنتين والثلاث، والثنتين والأربع والثلاث والأربع لو خلا عن النص لكان الحكم فيه الصحة، لثبوتها في كل من الشكوك مع البناء على الأكثر الثابت في كل منها أيضا، والاحتياط بركعتين من قيام وركعتين


الجواهر - 45

[ 361 ]

من جلوس أو ركعة من قيام من غير ترتيب، وبه تتم الصلاة على أي تقدير، ولا تعيين للركعتين من جلوس، لان الموجب له احتمال الثلاث، وهو موجب لأحد الأمرين، لكن النص (1) ورد بركعتين من قيام ثم بركعتين من جلوس، وبه أفتى الأكثر، ومقتضاه تقديم الركعتين من قيام، وتعيين الركعتين من جلوس مخالفا للقاعدة، فيحتمل تنزيله عليها، وإن نص فيه على أحد الفردين كما ذهب إليه بعض الأصحاب ويحتمل تخصيصها به كما لعله الأقوى، فيكون للهيئة الاجتماعية حينئذ تأثير إلا أنه لا ينافي الاجماع السابق الذي هو مختص بما لا نص فيه، وهو جيد جدا " إن ثبت الاجماع المزبور على وجه يفيد ما سمعته من الشكوك المركبة في الألفية وغيرها التي منها يعلم عدم إجماع على الحكم فيها، لما سمعته من الوجوه والاحتمالات، وإلا فيشكل استفادة حكم المركب من البسيط كالعكس لو فرض وجود النص فيه دونه، وإن كان ربما يقال: إن صحة المركب يستلزم صحة أجزائه، والبناء فيه على الأكثر يقتضي البناء فيها على ذلك، إذ لو وجب فيها البناء على الأقل لوجب في المركب، فان الظاهر جريانه على الأصل، إلا أن ابتناء الأحكام الشرعية التوقيفية على مثل ذلك مما لا يرجع إلى دليل معتبر من دلالة لفظية أو أولوية أو مساواة قطعية يسقط معه احتمال المصالح الخفية لا يخلو من نظر ومنع، فتأمل، على أن الظاهر عدم تمامية الاجماع المزبور في غير المركب المذكور المستغني بخصوص النصوص عن القاعدة المزبورة، مضافا إلى نصوص العمل بالأكثر، بل الظاهر عدم إرادة السيد العلامة غيره، لأنه ليس مركبا بسائطه صحيحة غيره، بخلاف الاثنتين والأربع والخمس، والثلاث والأربع والخمس، فان الاثنتين والخمس، والثلاث والخمس ليسا من البسائط الصحيحة، والله العالم. ثم إنه قد عرفت مما تقدم سابقا فساد إلحاق صورة الشك بين الأربع والخمس


(1) الوسائل الباب - 13 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4

[ 362 ]

بعد الركوع بما كان بعد السجود، فقوله أي الشهيد: (الأصح) إلى آخره فيه ما فيه. وأما الشك الحادي عشر فقد ذكر فيه الوجهين الذين في الثامن: البناء على الأقل أو الصحة والبناء على الأربع، وفيهما ما عرفت، مع أنه ليس على إطلاقه، لكونه إن كان قبل الركوع يهدم ويرجع إلى ما بين الاثنتين والأربع، وإن كان بعد الركوع فعندنا البطلان. وأما الثاني عشر وهو الشك في السادسة فقد أجمله، لأنه لم يذكر أنه هل وقع الشك بينه وبين ما عدا الخمس أو مع الخمس، فان لكل حكما قد تبين سابقا، بل منه أيضا يظهر فساد ما عن الهلالية من أنه إذا تعلق الشك بالسادسة أو بها وبالخامسة معا كان مبطلا "، إذ قد عرفت أنه ليس مطلق تعلق الشك بالسادسة مبطلا "، هذا، ومن أراد الاطلاع على الاضطراب في هذا الباب فليراجع الألفية والجعفرية وشروحهما، بل وكذا الذخيرة، والتحقيق الذي لا ينبغي الريب فيه ما ذكرنا، والله أعلم، فتأمل جيدا ". (وهنا مسائل): (الأولى لو غلب على ظنه) أي ظن (أحد طرفي ما شك فيه) في الأربعة بل وغيرها مما تقدم حتى الشك في الأولتين والثنائية والثلاثية (بنى على الظن وكان كالعلم) في عدم الاحتياط والسجود للسهو ونحو ذلك على المشهور نقلا " وتحصيلا "، بل عن ظاهر الخلاف أو صريحه الاجماع عليه، بل في المصبايح وعن الغنية والذكرى وغيرها الاجماع عليه، بل في الرياض صرح به أي بالاجماع جماعة، بل لا خلاف معتد به أجده فيه فيما عدا الأولتين والثنائية والثلاثية، فمن شك مثلا " بين الاثنتين والأربع وظن الاثنتين أو الاربع بنى عليه أي يجعل الواقع ما ظنه أقل أو أكثر حتى لو كان زائدا " على الأربع بأن غلب على ظنه الخمس، فانه يجري عليه حكم من زاد خامسة.

[ 363 ]

ويدل عليه حينئذ - مضافا إلى ذلك وما يأتي - المعتبرة المستفيضة: منها قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الرحمن وأبي العباس (1): (إذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا ووقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث، وإن وقع رأيك على الأربع فسلم وانصرف، وإن اعتدل وهمك فانصرف وصل ركعتين وأنت جالس) ومنها (2) (إذا لم تدر اثنتين صليت أو أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فتشهد وسلم ثم صل ركعتين وأربع سجدات تقرأ فيهما بأم الكتاب) ومنها الصحيح (3) (إن كنت لم تدركم صليت ولم يقع وهمك على شئ فأعد الصلاة) إلى غير ذلك من الأخبار المتممة بعدم القول بالفصل فيما أعلم، ومن المعلوم أن المراد بالوهم فيها الظن لا المعروف منه ولا العلم قطعا، ومن ذلك يظهر لك أن الاعتبار بمطلق حصول الظن قويا كان أو ضعيفا حاصلا " من أول الأمر أو بعد التروي مصححا أو مبطلا "، فمراد المصنف وغيره بالغلبة ذلك، وكأنهم عبروا بها لأنه لما كان الشك سابقا والظن طاريا فهو غالب على أحد طرفي الشك وإن كان الحكم غير مخصوص بالظن بعد سبق الشك، بل لا فرق بينه وبين الظن ابتداء من غير سبق شك إجماعا، فما يظهر من بعض العبارات كبعض الروايات (4) غير ملتفت إليه. ثم إن ظاهر المصنف وغيره عدم الاحتياط بعد البناء على ذلك والسجود للسهو، لكن عن علي بن بابويه أنه قال في الشك بين الاثنتين والثلاث: (إن ذهب الوهم إلى الثالثة أتمها رابعة ثم احتاط بركعة، وإن ذهب الوهم إلى اثنتين بنى عليه وتشهد في كل


(1) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (4) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7

[ 364 ]

ركعة ويسجد للسهو) بل عنه وعن ولده أيضا إيجاب سجدتي السهو على من شك بين الثلاث الأربع وظن الأربع، ولم أعرف للأول مستندا "، بل والثاني عدا بعض الأخبار العامة التي ستسمعها، وخصوص خبر الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا كنت لا تدري ثلاثا صليت أم أربعا ولم يذهب وهمك إلى شئ فسلم ثم صل ركعتين وأنت جالس تقرأ فيهما بأم الكتاب، وإن ذهب وهمك إلى الثلاث فقم فصل الركعة الرابعة ولا تسجد سجدتي السهو، فان ذهب وهمك إلى الأربع فتشهد وسلم ثم اسجد سجدتي السهو) لكن حمله على الاستحباب بعد إعراض الأصحاب عن ظاهره من الايجاب هو المتجه. واما خبر محمد بن مسلم (2) قال: (إنما السهو بين الثلاث والأربع، وفي الاثنتين والأربع بتلك المنزلة، ومن سها فلم يدر ثلاثا صلى أم أربعا واعتدل شكه قال: يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد ويسلم ويصلي ركعتين وأربع سجدات وهو جالس، فان كان أكثر وهمه إلى الأربع تشهد وسلم ثم قرأ فاتحة الكتاب وركع وسجد ثم قرأ فسجد سجدتين وتشهد وسلم، وإن كان أكثر وهمه إلى اثنتين نهض فصلى ركعتين فتشهد وسلم) فمع ما فيه من الاضطراب المنافي لقواعد الأصحاب محتمل للحمل على استحباب صلاة الركعة عند الظن بالأربع، بل لا يبعد الحكم به في جميع صور الاحتياط مع ظن الأكثر كما لعله يستفاد من بعض الأخبار في بعض الصور، فلا حظ وتأمل. وأما الظن بالنسبة إلى خصوص أعداد الأولتين، بل في كل فريضة ثنائية أو ثلاثية فالمشهور بين المتأخرين اعتباره أيضا كالعلم، بل عن بعضهم نفي الخلاف فيه إلا من ابن إدريس، وآخر نسبته إلى الأصحاب عداه، بل في الدرة السنية أن شيخنا قال: العمل على مقتضاه أي الظن في الرباعية وغيرها من الأفعال أو الركعات مما لا خلاف


(1) و (2) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5 - 4

[ 365 ]

فيه إلا من ابن إدريس، والنصوص مصرحة به، بل في بعض حواشي الألفية أن أصحابنا مجمعون على عتباره في عدد الصلاة وأفعالها، كما عن الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى إطلاق بعض الأخبار المتقدمة، وخبر إسحاق بن عمار (1) قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا ذهب وهمك إلى التمام ابدأ في كل صلاة فاسجد سجدتين بغير ركوع، أفهمت ؟ قلت: نعم) المؤيد بالنبوي العامي (2) (إذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك للصواب) بل عن كتاب المسائل لعلي بن جعفر (3) الاكتفاء بالظن في أعداد الركعات وأخذ البناء عليه من المسلمات مع تقرير أخيه الحجة عليه، بل يمكن الاستدلال عليه بالأخبار الدالة على رجوع الامام للمأموم وبالعكس (4) بناء على أن ذلك لحصول الظن، وضبطها بالحصى (5) والخاتم (6) وحفظ الغير (7) وكحفظ الطواف الذي هو صلاة به أيضا ونحو ذلك، فان جميعها مرجعها إلى الظن، مضافا إلى المعروف على ألسنة الأعوام والعلماء (المرء متعبد بظنه) وإلى قيام الظن في الشرعيات مقام العلم عند تعذره حتى حكي عن ابن إدريس الاعتراف به، بل في المصابيح نقل غيره الاجماع عليه مطلقا، وكان مراده العلامة في المختلف في باب القضاء على ما في بالي، فلا حظ، وأن الصلاة عبادة كثيرة الأفعال والتروك فالمناسب لشرعها الاكتفاء بالظن مطلقا، وإلا كانت معرضة للفساد بكل وهم، كل ذلك مع ما في التكليف بالعلم من العسر والحرج، فانه لا يكاد يوجد من تصدر عنه صلاة مع القطع واليقين. خلافا لما عن ابن إدريس من عدم الاكتفاء بالظن في الركعتين الأولتين، بل


(1) و (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 - 3 (2) سنن البيهقى ج 7 ص 330 وسنن النسائي ج 3 ص 28 (با التحرى) (4) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (5) و (6) الوسائل الباب 28 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 - 2 (7) الوسائل الباب - 33 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحيدث 1

[ 366 ]

في كل فريضة ثنائية أو ثلاثية، بل قد يقال: إنه ظاهر الشيخ في المبسوط والخلاف وعن النهاية، والفاضل في المنتهى والتذكرة، والمصنف في المعتبر والنافع وعن المقنعة، لذكرهم وجوب الاعادة في الشك في عدد الصبح والمغرب وعدد الركعات بحيث لا يدري كم صلى والأولتين من غير تفصيل بين الشك والظن، ثم ذكروا أحكام الشك في الأخيرتين مفصلين بين الظن وغيره، لكن لعل اقتصارهم على المفسد (1) فيما تقدم أولا " على الشك - من أن المعروف من الشك والذي صرح به في الفقه والأصول واللغة كما عن الزمخشري وغيره بل هو الموافق للعرف تردد الذهن من غير ترجيح لأحد الطرفين، بل في المصابيح أنه الذي اشتهر بين الفقهاء، وعليه عامة العلماء - كالصريح في قصر الافساد عليه دون الظن، وتفصيلهم في الأخيرتين حينئذ لا لكون لفظ الشك في كلامهم شاملا " للظن، بل هو لمكان تصريح الأخبار به في المقام، وعادتهم ذكر الحكم الموجود في الروايات، ولذا جعله بعضهم كالمسألة المستقلة كالمصنف، بل قال في المبسوط بعد ذكر أحكام الشك: ((فان غلب في ظنه أحدهما عمل عليه، لأن غلبة الظن في جميع أحكام السهو تقوم مقام العلم على سواء) أو يكون ذكرهم له في الأخيرتين للرد على بعض العامة القائلين بعدم الاكتفاء به فيها، أو يكون لبيان أن ليس طرد الشك فيها موجبا للاحتياط، بل هو مشروط بالتروي ولم يتعقبه ظن، فاما إذا تعقبه ظن فلا احتياط، ولذا ترى كثيرا " منهم يذكرون حكم الظن الطارئ بعد الشك من غير تعرض للظن الابتدائي، فان حكمه معلوم عند الجميع، بل يمكن أن يكون ذلك منهم أيضا بناء " على أن ما عدا الأخيرتين، بمجرد طر والشك فيها تبطل وإن حصل بعده ظن، أخذا "


(1) هكذا في النسخة الاصلية ولكن الصواب (في المفسد) فان متعلق قوله: (اقتصارم) قوله: (على الشك) وقوله: (كالصريح) خبر قوله: (لعل)

[ 367 ]

بظواهر الاخبار (1) الآمرة بالاعادة بمجرده، بل ربما يظهر من بعض المتأخرين كصاحب المدارك وغيره الميل إليه، فيكون هذا التفصيل ليس لشمول لفظ الشك، بل هو تفصيل في الشك بين ما يعرض بعده ظن أو لا، وبينهما بون بعيد، فتأمل جيدا " فانه دقيق، هذا. مع أنه كيف يحتمل كون المراد بلفظ الشك ما يشمل الظن في كلام مثل العلامة والمحقق وكون الظن قسيما له مما لا يكاد يخفى على أحد، بل إرادة ذلك تدليس لا شبهة فيه، ودعوى أنه في اللغة لما يشمله لأنهم فسروه بما هو خلاف اليقين يدفعها مع أنهم لا زالوا يفسرون بالأعم اتكالا " على المتعارف، ونحوه ما سمعته عن الزمخشري وغيره والتبادر العرفي وكونه المعروف في عبارات العلماء سيما المتأخرين كالمصنف والعلامة ومن هو قريب من زمانهم واستعمالهم له في بعض المقامات في خلاف اليقين لقرينة كقولهم: (من تيقن الطهارة وشك في الحدث) ونحوه لا ينافي الحقيقة العرفية، فتأمل جيدا "، كل ذلك مع ما عرفت من نسبة الشهيد وغيره الاكتفاء بالظن إلى الأصحاب وإجماع ابن زهرة، بل قد يقال: إن عبارة ابن إدريس المنقولة عنه غير بصحة با لخلاف، لأنه صدر كلامه بنحو ما نقل عن المرتضى والمفيد من أن كل سهو يعرض والظن غالب فيه بشئ فالعمل بما غلب عليه الظن، وإنما يحتاج إلى تفصيل أحكام السهو عند اعتدال الظن وتساويه، ثم قال: (والسهو المعتدل فيه الظن على ضروب ستة: فأولها ما يجب فيه إعادة الصلاة على كل حال، وعد منه السهو في الأوليين والمغرب والغدة إلى أن قال: وثالثها ما يجب فيه العمل على غالب الظن، وعد منه الشكوك المتعلقة بالأخيرتين) وهو كما ترى غير صريح في الخلاف، لما سمعته من التصريح في أول كلامه، فيحتمل تفصيله حينئذ في الأخيرتين أحد الوجوه المتقدمة،


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في لاصلاة

[ 368 ]

وأقوى ما يحتمل فيه أن مجرد طرو الشك في القسم الأول مفسد وإن غلبه الظن بخلافه في الأخيرتين، فانه يعمل بالاحتياط إن لم يغلب الظن، وإن غلب بنى عليه، فتأمل جيدا "، فحينئذ ينعدم الخلاف في المسألة على الوجه المذكور في كلام الأصحاب، نعم قد ينقدح خلاف آخر وهو ما أشرنا إليه. وكيف كان فأقوى ما يستدل به له على تقدير الخلاف الأصل في وجه تقدم سابقا، والأخبار (1) الكثيرة الظاهرة في وجوب تحصيل اليقين باحرازهما، والأصل مقطوع بما سمعت، والأخبار معارضة بما عرفت، على أن في كثير منها تعليق البطلان على الشك القاضي بانتفائه عند انتفائه، ويتحقق الانتفاء حيث يحصل الظن بناء " على ما عرفت من تفسير الشك، فلا بأس حينئذ أن يراد بالحفظ والسلامة والدراية ونحوها ما يشمل الظن، ودعوى أن ما تقدم سابقا مما دل على اعتبار الظن مطلق أو عام فيتخصص بما دل على اعتبار اليقين في الأولتين يدفعها - مع أن التعارض في بعضها بالعموم من وجه، والترجيح في جانب ما دل على الظن قطعا، لما عرفت من فتوى المشهور والاجماع المنقول المعتضد بالنسبة إلى الأصحاب، ونفي الخلاف من غير ابن إدريس كما عرفت، وغير ذلك مما تقدم، بل وغيره من إصالة الصحة والنهي عن إبطال العمل (2) وعن تعود الخبيث (3) ونحو ذلك - أنه لا مقاومة له من وجوه، بل بعض ما تقدم خاص أقوى من هذا الخاص من وجوه، فلا ريب حينئذ أن الأقوى المشهور من العمل على الظن مطلقا فرضا أو نفلا مصححا أو مبطلا في الأولتين وغيرهما.


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2) سورة محمد صلى الله عليه وآله - الآية 35 (3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 الجواهر - 46

[ 369 ]

وأما اعتبار الظن بالنسبة إلى الأفعال وجودا " وعدما بحيث تبطل الصلاة إن ظن العدم في الركن بعد تجاوز المحل، ولا يلتفت لو ظن الوجود إن كان في المحل فهو ظاهر المصنف والارشاد والألفية واللمعة وصريح الروضة والدرة، بل هو المنقول عن الوسيلة والسرائر وجمل العلم والذكرى والجعفرية وشرحيها وفوائد الشرائع والمسالك والمقاصد والنجيبية وعن ظاهر الجمل والعقود والاشارة والهلالية والميسية، بل عن المحقق الثاني أنه لا خلاف فيه، وقد سمعت ما نقلناه عن المبسوط والمرتضى والمفيد والدرة السنية وبعض حواشي الألفية. ويدل عليه - مضافا إلى إطلاق بعض ما تقدم من الأدلة - الأولوية المستفادة من الاكتفاء به في الركعات، بل هي ليست إلا مجموع الاجزاء، فإذا كان الظن في المجموع كافيا ففي البعض بطريق أولى، بل قد يقال: إنه لا يجتمع قبول الظن في نفس الركعة وعدم قبوله في نفس الجزء، ومن هنا يمكن أن يرد على ابن إدريس بأنه يلزمه الاكتفاء بالظن بالركعة إذا اكتفى بالظن في الأفعال، ضرورة كون ظن جميع الأفعال عين ظن الركعة، اللهم إلا أن يلتزم عدم الاكتفاء بالظن لو اتفق في جميع أفعال الركعة كل ذا مع أنه قد يقال: إن الحكم بالظن في كثير من مواضعه فيها موافق لمقتضى القاعدة. أما الاعتماد على ظن العدم مع بقاء المحل فلانه أولى من الشك قطعا، فإذا تدورك مع الشك فمع ظن العدم بطريق أولى. وأما بطلان الصلاة حيث يظن عدم الاتيان بالركن بعد تجاوز المحل فللأصل، وأما الحكم بقضاء نحو السجدة والتشهد لو ظن عدم الاتيان فلاصالة عدم الاتيان بهما، وكذلك لو ظن زيادة الركن استصحابا لشغل الذمة، وأما الرجوع إلى تدارك مظنون العدم فيما لو خرج عن محل الشك دون محل النسيان كما في الرجوع إلى السجود بعد القيام إن ظن عدم الاتيان به فلعله لأصالة عدم الاتيان، وعدم الالتفات إليه بالنسبة

[ 370 ]

إلى الشك للدليل المختص به دونه، لوروده بلفظه، وهو مما يؤيد ما ذكرنا سابقا، فانه نقل هنا عن ظاهر الأصحاب عدم شموله للظن، نعم قد يقال: إن إصالة عدم الاتيان بالفعل معارضة باحتمال الفساد لو كان المتدارك مثلا ركنا، فيبقى استصحاب الشغل حينئذ لكن الذي يظهر من الأصحاب جريان إصالة العدم بالنسبة إلى الأفعال من دون الالتفات إلى هذا الاحتمال، وقد تقدم البحث فيه سابقا، فتأمل جيدا ". المسألة (الثانية) لابد في صلاة الاحتياط من النية وتكبيرة الاحرام كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن الدرة الاجماع عليه، فلا يكتفى باستدامة نية الصلاة وتكبيرتها، لظهور النصوص (1) والفتاوى في كونها صلاة مستقلة عن الأولى، واقعة بعد اختتامها بالتسليم، مأمورا بها بأمر على حدة بتشهد وتسليم مختص بها، وإن كانت هي معرضة لاتمام السابقة إن كانت ناقصة، وللنافلة إن كان تامة كما صرح به في بعض النصوص (2) السابقة، بل قد يظهر ذلك من هذا التعريض نفسه فضلا " عن غيره، كما أن يظهر من ما صرح به بعضهم، بل نسب إلى الشهيد ومن تأخر عنه من أنه يعتبر فيها جميع ما يعتبر في الصلاة عدا القيام في البعض من الطهارة والستر والاستقبال وغيرها، بل والتشهد والتسليم، مضافا إلى الأمر بهما فيما تقدم من الأدلة، بل وما صرح به في القواعد أيضا من اعتبار اتحاد الجهة إن لم تظهر له القبلة بمعنى مراعاة خصوص جهة المجبورة لو كان المكلف متحيرا " فرضه الصلاة إلى أكثر من جهة واتفق وقوع الشك له في صلاة إحدى الجهات، ضرورة ظهور اقتضاء ذلك التعريض مراعاة المشترك في الصحة على كل من التقديرين مهما أمكن لا إذا لم يمكن، بل يظهر بالتأمل فيما ورد من كيفيتها في النصوص السابقة أن الشارع لاحظ فيها ذلك في أكثر أفعالها، بل لعل


(1) الوسائل الباب - 10 و 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة

[ 371 ]

أمره بالتشهد والتسليم فيها وبايقاعها بعده منه أيضا، لحصول الصحة معه على كل من التقديرين، أما على النافلة فواضح، وعلى الجبرية فليس فيه سوى كون التشهد والتسليم الأولين في غير محلهما سهوا، ولا ضير فيه، ولا ينافيه تكبير الافتتاح وإن كان هو ركنا تفسد زيادته لكنه اغتفره الشارع هنا كما اغتفره في غير مقام ترجيحا لجانب النافلية على الجزئية، لمشروعية نظيره بالنسبة للثاني في الجماعة مثلا "، بخلاف الأول فانه لم تشرع نافلة من غير تكبير، على أنه قد يمنع إفساد زيادته هنا لو صادف النقص من حيث القصد به إلى افتتاح صلاة جديدة، فلا يكون زيادة ركن في تلك الصلاة كما أشرنا سابقا إلى نظيره، كما أنه قد يقال: إن المراد كونها صلاة جعلها الشارع معرضا لكل منهما، ولا تكون صلاة إلا بالافتتاح بالتكبير، فتأمل. نعم قد يقتضي التعريض المذكور عدم وجود التعرض فيها لنية الأدائية والقضائية لو كانت جابرة لمقضية أو وقعت بعد خروج الوقت إن قلنا بعدم بطلان الصلاة معه ونية النيابة إن كانت جابرة لما هي كذلك، وإن صرح بوجوب جميع ذلك بعضهم فيها، لاطلاق الأمر بها عند عروض الشك من غير تعرض لوجوب شئ من ذلك، وكونها جابرة للسابق على تقدير النقصان أمر شرعي لا مدخلية لنية المكلف فيه، فليس عليه سوى التعرض للقربة في امتثال هذا الأمر في هذا الحال الذي تشترك فيه الصحة على كل من التقديرين، ولعله لذا عن نهاية الفاضل الاشكال في وجوب نية القضاء والأداء فيها، بل عن بعضهم التصريح بأن وجهه ما يؤول إلى ما ذكرنا، على أنه لا يجب التعرض لشئ من ذلك في المجبور عندنا إن لم يتوقف عليه التعيين فضلا " عن الجابر، فتأمل جيدا ". بل من التعريض المذكور يظهر لك الحال فيما أشار إليه المصنف بقوله: (هل يتعين في) صلاة (الاحتياط الفاتحة أو يكون مخيرا " بينها وبين التسبيح ؟ قيل: بالأول)

[ 372 ]

كما هو المشهور نقلا " وتحصيلا " شهرة كادت تكون إجماعا (ل‍) ما قد عرفت من التعريض المزبور القاضي بمراعاة الصحيح على كلا التقديرين، وليس هو إلا بالفاتحة، ضرورة توقف صحتها لو كانت نافلة واقعا عليها، إذ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وللأمر بها في النصوص السابقة المشعرة بما قلنا أيضا، مضافا إلى ظهور الأدلة إن لم يكن صراحتها في (أنها صلاة منفرة) وإن كانت معرضة لما سمعت (ولا صلاة إلا بها) كما عرفت (وقيل بالثاني) كما عن المفيد والحلي خاصة مع أنه حكي عنهما الاختلاف في عدد التسبيح (ل‍) اعتبار مرغوب عنه، بل لعله اجتهاد في مقابلة نص الأدلة وظاهرها، وهو (أنها قائمة مقام ثالثة أو رابعة فيثبت فيها التخيير كما يثبت في المبدل) بل ينبغي القطع بفساده، ضرورة عدم التلازم بين جبرها النقصان لو اتفق وكونها بدلا " بالمعنى المذكور، وإلا لاقتضى كونها نافلة على تقدير التمام خلافه، نعم هي صلاة مستقلة معرضة لكن من الأمرين، فينبغي مراعاة الحالتين فيها حينئذ مهما أمكن. (و) من ذلك كله ظهر لك أن (الأول أشبه) وأصح، بل لا شبه ولا صحة في غيره، بل لعله للمراعاة المزبورة صرح في البيان والدروس وعن غيرهما بوجوب الاخفات فيها، لا حراز الصحة معه على كل من التقديرين بخلاف الجهر، بل وكذا ما حكي عن نهاية الأحكام وإرشاد الجعفرية الاجماع عليه، وفي التذكرة نفي الخلاف فيه من عدم وجوب الزيادة على الفاتحة، لعدم توقف الصحة في كل من التقديرين عليها، بل قد يؤثر فعلها فسادا " لأحدهما في بعض الأحوال، مضافا إلى إمكان دعوى ظهور النصوص في عدمها أيضا، بل الظاهر اقتضاء التعريض المزبور صحة الصلاة وإن تذكر المصلي نقصانها بعده كما صرح به جماعة، بل هو ظاهر إطلاق النص والفتوى ومقتضى قاعدة الاجزاء والاستصحاب وغيرهما، بل كاد يكون صريح خبر عمار (1) السابق قال:


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 373 ]

(سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شئ من السهو في الصلاة فقال: ألا أعلمك شيئا إذا فعلت ثم ذكرت أنك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شئ ؟ قلت: بلى، قال: إذا سهوت فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلمت فقم فصل ما ظننت أنك نقصت، فان كنت قد أتممت لم يكن عليك في هذه شئ، وإن ذكرت أنك كنت نقصت كان ما صليت تمام ما نقصت) من غير فرق بين كونه في الوقت أو خارجه، وبين كونه محدثا أو لا، بل وبين المطابقة للمجبورة بأن يكون ناقصة ركعة عن قيام مثلا " وقد جاء بها كذلك وعدمها، كما لو جاء بركعتين من جلوس بدلها، وإن حكي عن الموجز البطلان مع المخالفة، لكن لا نعرف له دليلا معتدا " به ولا موافقا، ولا بين تخلل المنافي بينه وبين الصلاة بناء " على صحة الاحتياط معه وعدم تخلله، وإن استقرب البطلان حينئذ في الدروس، إلا أن إطلاق الأدلة والتعريض المزبور حجة عليه، ولا بين ذي الاحتياطين وكان الجابر الثاني منهما، كما في الشك بين الاثنتين والثلاث والأربع وذي الاحتياط الواحد، وإن استشكله بعضهم بحصول الفصل حينئذ بأركان متعددة، وفي الدروس وفي الاحتياطين يراعى المطابقة المقدم منهما، لكن إطلاق الأدلة وبناء تعريضه ومشروعيته على ذلك يدفعه، على أنه لو اعتبرت المطابقة لم يسلم احتياط تذكر فاعله الاحتياج إليه كما في الذكرى والروضة، بل ليس ذلك من زيادة الركن في الصلاة، لما عرفت أنها صلاة مستقلة وإن كان معرضة للأمرين السابقين، بل لو أثر ذلك على تقدير الحاجة إليه لم يكن له فائدة، إذ مع الغناء عنه لا يجب، ومع الحاجة تبطل الصلاة بما اشتملت عليه من الأركان، والحصر عقلي، ودعوى أن فائدته حال عدم الذكر خاصة لا شاهد لها، بل الشاهد على خلافها. نعم كل ذلك لا يقتضي اغتفار الفصل بالركعتين إلا ما ذكرناه من بناء شرعيته على هذا الوجه، أما لو تذكر النقص في أثنائه فان كان هو المطابق كما وكيفا

[ 374 ]

كما لو ذكر نقصان الاثنتين في الشك بينهما والثلاث والأربع مثلا " في أثناء ركعتي الاحتياط من قيام، أو ذكر نقصان الواحدة في الشك بين الثلاث والأربع في أثناء الركعة الاحتياطية من قيام فالأقوى عدم الالتفات ويتم احتياطه وتصح صلاته، وفاقا لجماعة إن لم يكن المشهور، استصحابا لصحة الصلاة المجبورة، ولصحة الصلاة الاحتياطية المؤيد بكون الصلاة على ما افتتحت عليه، بل للأمر المقتضي للاجزاء، مضافا إلى إطلاق الأدلة، والتعريض المذكور، بل قد يستأنس له بخبر عمار السابق، وبما عرفت من الصحة مع الذكر بعده، بل لا مانع يتخيل سوى زيادة التكبير الذي قد عرفت اغتفار الشارع له هنا، بل قد سمعت احتمال أنها ليست من الزيادة المبطلة، للقصد بها افتتاح صلاة أخرى. نعم قد يقال بعدم تعيين الفاتحة هنا، بل يعود التخيير السابق بينها وبين التسبيح لمضي احتمال كونها نافلة المقتضي للالزام بالجامع، للصحة على التقديرين، وتعين كونها جابرة، مع احتماله لبقاء كونها صلاة مستقلة لا تصح بدون الفاتحة، لا أنها صارت ركعة رابعة جزء من الصلاة الأولى حقيقة وإن حصل الجبر بها، فتأمل جيدا "، وخلافا للفاضل وعن غيره فالاستئناف، وهو ضعيف جدا كما اعترف به في الذخيرة بعد أن ذكره احتمالا، وبطلان الاحتياط والرجوع إلى حكم تذكر النص احتمالا آخر، والمختار ثالثا، وإتمام الاحتياط حتى الركعتين من جلوس في الصورة الأولى مثلا احتمالا رابعا وهي عدا المختار منها كما ترى، بل ينبغي القطع بفساد الأخير منها، ضرورة عدم الوجه للاتيان بها (بهما خ ل) بعد تذكر النقصان المجبور بالركعتين الأولتين، إذ هما لاحتمال كون الصلاة ثلاثا المفروض عدمه هنا، فدعوى احتمال وجوبهما لاطلاق الأدلة به المعلوم عدم تناوله للفرض مما لا ينبغي الالتفات إليها، اللهم إلا أن يقال: إنه احتياط واحد مركب من أربع ركعات: اثنتان منها من قيام، واثنتان من جلوس وتسليمتين نحو

[ 375 ]

صلاة الأعرابي مثلا، وقد حكمنا بصحته بالشروع فيه، فيبقى إتمامه على حاله، وإن كان حكمه حينئذ الاتمام بالأولتين ونفل الأخيرتين من جلوس، فتأمل، بل وكذا الاحتمال الثاني لعدم الدليل على فساده بهذا الذكر، بل ظاهر الأدلة كما عرفت خلافه، بل قد يتجه على تقدير فساد الاحتياط ما ذكره العلامة لا الرجوع إلى حكم تذكر النقص الممكن دعوى عدم شمول دليله لمثل ذلك، خصوصا لو كان قد تذكر بعد فعل أكثر أركان الاحتياط أو جميعها، بل وكذا يظهر لك بأدنى تأمل فيما ذكرنا أنه لا وجه للتفصيل بين تخلل المنافي بناء " على صحة الاحتياط معه وعدمه، فيعيد الأول دون الثاني ولا بين التذكر بعد الاكمال قبل التشهد وعدمه، فيعيد الثاني دون الأول، ولا بين التذكر بعد إكمال التشهد قبل التسليم وعدمه، فيعيد الثاني دون الأول، وإن صرح في البيان بالأول، بل قد يعطيه كلام غيره، كما أنه قد يعطي ما في الموجز الثاني، وبالثالث صرح في محكي الجواهر، لعدم دليل يعتد به على شئ من هذه التفاصيل، بل لعل القول بالاعادة أولى منها حينئذ وإن كان قد عرفت ضعفه في الغاية، كما عرفت قوة المختار الذي على فرض قصور تناول أدلة الشك لمثل المفروض - باعتبار عروض تذكر النقصان، كقصور تناول أدلة تذكر النقصان له باعتبار ظهورها أو صراحتهما فيمن سلم بعنوان إتمام الصلاة ثم تذكر النقصان بخلاف المقام، فيبقى حينئذ ما ذكرناه من الاستصحاب على حاله - غير محتاج إلى الدليل اللفظي، ومقتضاه حصول الجبر بها، لأنها افتتحت على ذلك، بل هو معنى صحتها المستصحبة. وكذا يقوى في النظر الصحة لو تذكر النقص في أثناء احتياطه المخالف بالكيف دون الكم، كما لو ذكر الثلاث في أثناء ركعتي الجلوس، لاقامة الشارع إياهما مقام ركعة من قيام، فيجري حينئذ هنا ما سمعته، واحتمال البطلان لاختلال النظم هنا مزاحمة للشارع فيما يرجع أمره إليه، ولا فرق بين سبقهما باحتياط سابق كما في الشك بين الاثنتين

[ 376 ]

والثلاث والإربع، وعدمه كما في الشك بين الثلاث والأربع، لما سمعته من عدم قدح مثل هذا الفصل بصلاحيتها للجبر على حسب الذكر بعد الفراغ، بل ولا فرق أيضا بين التذكر بعد الركوع فيهما أو قبله، وإن حكي عن الذكرى هنا أقربية عدم الاعتداد بما فعله من النية والتكبيرة والقراءة ووجوب القيام لاتمام الصلاة، لكنه لا شاهد له، ضرورة اتحاد دلالة الأدلة على ما قبل الركوع وبعده. أما المخالف بالكم كما لو ذكر الثلاث في أثناء الركعتين من قيام فقد قيل: إن لم يتجاوز القدر المطابق بأن لم يكن قد شرع في الركعة الثانية تشهد وسلم واجتزى بها، لكن في الذخيرة مع ذلك الاحتمالات الأربعة السابقة فيه، وإن تجاوز فان كان قبل الركوع هدم وكان كالسابق، وإلا بطل احتياطه ووجب عليه حكم تذكر النقص، وعن بعضهم مساواته للسابق بعدم الاعتداد بالزائد وإن كان ركنا فيسلم ويجتزي، وفي الذخيرة إن تجاوز القدر المطابق فان كان قد جلس عقيب الركعة ففيه أوجه: الاكتفاء به وترك التتمة، وإتمام الاحتياط بأسره وإتمام الركعتين، وبطلان الصلاة والرجوع إلى حكم تذكر النقص، وإن لم يجلس عقيب الركعة ففيه الأ وجه السابقة، لكن بعضها في الصورة السابقة أقوى منه هنا، قلت: إلا أن الذي يقوى في النظر القاصر - بعد فساد احتمال كونه احتياطا واحدا قد حكمنا بصحته الذي ذكرناه سابقا - بطلان الاحتياط مطلقا تجاوز أو لم يتجاوز كما عن الأردبيلي، والرجوع إلى حكم تذكر النقص، أما الأول فلفرض ظهور النقص الذي لم يجعل الشارع هذا الاحتياط معرضا لجبره، إذ عرضه للنافلة أو جبر نقص الاثنتين خاصة، ولذا أمر الاحتمال نقص الواحدة بغيره، فاحتمال الاقتصار حينئذ على جزئه المطابق مطلقا أو إن لم يركع صعب الاقتناص من الأدلة الشرعية إن لم يكن تهجما عليها، فضلا " عن باقي الاحتمالات السابقة والأحوال


الجواهر - 47

[ 377 ]

المتقدمة، بل لعل بعضها من المقطوع بفساده، وأما الثاني فلعدم قدح مثل هذا الفصل إن كان بأركان كثيرة كما لم يقدح لو اتفق الجبر بما تعقبه من الاحتياط فيما لو ذكره بعده، بل لعل لخبر عمار (1) السابق مشعر بذلك كاشعار البناء على الاتمام والتسليم به، ضرورة كون المراد من ذلك الاحتيال في عدم بطلان الصلاة بمثل وقوع هذه الأركان في أثناء الصلاة، فتأمل، لكن الاحتياط هنا باستئناف الصلاة مما لا ينبغي تركه، سيما بعدما أشرنا إليه سابقا من إمكان منع شمول دليل حكم تذكر النقص لمثل الفرض، وإن كان يقوى في النظر الآن خلافه، بل لعل منع شمول الدليل لا ينافيه، إذ المراد مساواته له في الحكم بعد استظهار عدم قادحية هذا الفاصل لا مشاركته له في دليله. ومن ذلك كله يتضح لك فساد الحكم بالصحة والاجتزاء لو فرض ذكر الثلاث بعد إتمام الركعتين، بل هي أوضح مما سبق فسادا " وإن نسبه في الروضة إلى ظاهر الفتوى معللا " له فيها بالامتثال المقتضي للاجزاء، وهو عجيب، إذ الفرض ظهور كون ما امتثل به ليس مما عرضه الشارع جبرا " لما ظهر، بل جعل له كيفية أخرى غير هذه الكيفية، بل مقتضاه عدم صلاحية الأولى جابرة لذلك، ولذا لم يجتز بها، فالاجتزاء حينئذ بها على معنى جعل واحدة من الركعتين جابرة والأخرى ملغاة لا تقدح زيادة في علم الشارع، بل وكذا فساد احتماله إلحاقه بمن زاد في صلاته ركعة سهوا " فيها كما عن الموجز، وإن كان هو أولى من سابقه في الجملة. بل ومما ذكرنا يتضح لك أولوية الفساد أيضا والرجوع إلى حكم تذكر النقص لو ذكر الاثنتين في أثناء الركعتين من جلوس بناء على جواز تقديمهما على ركعتي القيام ضرورة ظهور عدم صلاحية ذلك لجبرما ظهر فواته، إذ الشارع عرضه لجبر الواحدة الفائتة خاصة، فدعوى إضافة ركعة من قيام إليها إن كان قد ذكر بعد إكمال أركانهما


(1) الوسائل الباب - 8 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 378 ]

وإلا أكمل ثم أضاف وتتم صلاته مما لا ينبغي الالتفات إليها، بل هي من القول بغير علم المنهي عنه كتابا وسنة، ومنه أشكل الحكم علم بعضهم بعد البناء منه على فساد المختار معللا " له باقتضائه عدم تأثير زيادة الأركان في الصلاة الذي قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه، فقال: (إن إكمالها بركعة أخرى قائما يوجب تغييرا فاحشا، مع أنه لو ذكر بعد ركعة جالسا فان اكتفى منه بأخرى قائما لزم قيام ركعة من جلوس مقام ركعة من قيام اختيارا "، وإن أوجب إكمال ركعتين من جلوس ثم ركعة من قيام لزم جواز الجلوس مع القدرة على القيام - ثم قال -: ومن هنا يظهر أن الأصح وجوب تقديم الركعتين من قيام، فيرتفع الاشكال) وفيه أن المتجه بناء " عليه ما عرفت من إلقاء ما في يده وتدارك النقص، ومن العجيب احتمال بعضهم في الفرض إتمام الاحتياط حتى الركعتين من قيام إلا على الاحتمال السابق، أو إتمام ما في يده من ركعتي الجلوس والاكتفاء به، خصوصا الثاني منهما، إذ هو من الغرائب، نعم ربما احتمل بطلان الاحتياط والصلاة كما أشرنا إليه سابقا، بل وإلى وجهه أيضا، لكن الأقوى ما سمعت. أما لو كانت الركعة من قيام بناء على جواز إبدال الجلوس به فكذلك المتجه عندنا البطلان والرجوع إلى حكم التدارك، إذ التلفيق بزيادة ركعة أخرى عليها مما لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه كما عرفته في نظيره، فلا يسمع من قائله إلا أن يفرض أنه شارع واليه الأمر كله. بل وكذا يظهر لك الحال بأدنى ملاحظة لما تقدم منا فيما إذا شك بين الثلاث والأربع وبنى على الأربع وتشهد وسلم ثم ذكر أنها اثنتان في أثناء احتياطه أو بعده، وإلا فالحكم واضح قبله، ضرورة رجوعه حينئذ إلى حكم تدارك النقصان قطعا، كما في كل صورة من صور الاحتياط وقد ذكر النقصان قبل الشروع فيه بلا خلاف أجده فيه وإن كان الأولان عندنا أيضا كذلك، فيبطل احتياطه ويتم صلاته، لكن ليس بتلك

[ 379 ]

المكانة من الوضوح، ولذا اضطرب في نظائره كلام الأصحاب، بل قيل هنا أيضا: إنه إن اختار الركعة من قيام أتمها ركعتين وأتم صلاته، وهو كما ترى، بل لعل الفرض أولى بما ذكرنا مما تقدم، لكون الاثنتين المذكورتين مما لم يتعلق بهما شك قبل ذكر نقصانهما كي تصح ركعة الاحتياط حينئذ التي أضيفت إليها ثانية جابرة لهما، فتأمل جيدا "، فان كلام الأصحاب رضوان الله عليهم هنا لا يخلو من تشويش واضطراب، والله أعلم بحقيقة الحال، واليه المرجع والمال. هذا كله لو ذكر النقصان، أما لو ذكر التمام فحكمه واضح، إذ هو بعد الفراغ نفل كما صرح به في بعض النصوص (1) السابقة، بل وفي الاثناء أيضا على الاصح من غير فرق بين الركعة والركعتين، نعم له القطع إن قلنا به في النافلة، بل قد يتعين عليه لو كان عليه فرض وقلنا بحرمة التطوع وقته، مع احتمال الاغتفار هنا تخصيصا للحرمة بالمبني على النفل ابتداء، بل يقوى الاغتفار إن قلنا بحرمة قطع النافلة، إذ ليست هي من غير المشروع حتى لا يحرم قطعها، لأن الفرض دخول المكلف فيها بنية الفرض وإن قلبها الشارع في الأثناء نفلا، كما هو واضح. المسألة (الثالثة لو فعل) المكلف (ما يبطل الصلاة قبل الاحتياط) عمدا كالكلام ونحوه، أو عمدا " وسهوا " كالحدث ونحوه وإن اقتصر بعضهم على الحدث، إلا أن الظاهر إرادتهم المثال منه، كما يؤمي إليه ما في المتن، بل عن الذكرى ما يقتضي التصريح به، لاشتراك الجميع فيما تسمع من أدلة الطرفين (قيل) والقائل الأكثر في المفاتيح، والمشهور عن المصابيح (تبطل الصلاة ويسقط الاحتياط) وإن كان لم يشهد لهما التتبع، إذ لم أجده إلا للمختلف حاكيا فيه عن غرية المفيد ما لعله يظهر منه ذلك، والمحقق الثاني في شرح الألفية غير جازم به أيضا، بل قال فيه: لعله الأقرب،


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 و 2

[ 380 ]

وللذكرى والدرة على ما حكي عنهما، كما عن حواشي الشهيد أنه أولى، وليس في كتب القدماء جميعها على ما قيل إلا ما يظهر من وجوب المبادرة، ولعلهما فهماه من ذلك، لكنه كما ترى، إذ هي مما لا خلاف فيها كما في الروضة وعن الروض والمصابيح، بل في المسالك والمحكي عن الأخير الاجماع عليه، وفي الكفاية أنه ظاهر كلام الأصحاب كما عن الذكرى أنه ظاهر الفتاوى والأخبار، إلى غير ذلك، إنما البحث في البطلان وعدمه. نعم هو الأقوى في النظر (لانها معرضة لان تكون تماما والحدث) مثلا " (يمنع) من (ذلك) لما عرفت من اقتضاء التعريض له مراعاة سائر أحكام الجزئية عدا ما عارضه التعريض بها أيضا للنافلة المقتضي مراعاة أحكامها أيضا، فالمشترك حينئذ بينهما الممكن الذي تحصل به الصحة على كلا التقديرين - ومنه ما نحن - فيه لا بد منه سوى القيام في بعض الأحوال للدليل، ولعله تغليبا لمراعاة غلبة التعدد في النافلة، مع أنك قد عرفت سابقا القول بمنع الجلوس أصلا في ركعات الاحتياط الذي يمكن تأييده بذلك ولا شعار وجوب المبادرة المجمع عليه كما عرفت بمراعاة حكم الجزئية، ضرورة أنها لو كانت صلاة منفردة ما روعي فيها حكم ذلك لم يكن لوجوب المبادرة وجه، إذ احتمال التعبدية المحضة للاجماع بعيد أو باطل، بل في المحكي عن المصابيح (أنه لم يدع أحد الاجماع على تحريم فعل المنافي بينهما تعبدا " من غير مدخلية البطلان أصلا، لأن الفقهاء غير ابن إدريس حكموا بالمنع، لكون الاحتياط معرضة لتماميته كما هو صريح أدلتهم وفتاويهم في غاية الوضوح، فلذا نسب الخلاف إلى ابن إدريس، نعم وافقه العلامة في خصوص الارشاد) انتهى. بل ينبغي القطع بلزوم وجوب الفور للمختار بناء على مساواة الواجب فورا " للموقت في فواته بفوات وقته كما هو أحد الوجهين فيه إن لم يكن أقواهما، وعدم منافاة الفورية لبعض أفراد المبطل كالكلام عمدا " يدفعه عدم القول بالفصل، بل قد يستفاد من

[ 381 ]

بعض أدلة الفورية زيادة على وجوبها صفة شرطيتها أيضا، إذ هي ليس دليلها منحصرا بالاجماع، بل الأخبار (1) كادت تكون صريحة في ذلك، خصوصا المشتمل منها على الفاء (2) المقتضية للتعقيب بلا مهلة، بل وعلى لفظ (إذا) (3) الظاهر في أن وقت فعلها عند الفراغ، وغير ذلك، ولا ريب في ظهورها باشتراط صحتها بالتعقيب المزبور إذ بدونه لم يأت بالمأمور به على وجهه، على أنه لو سلم عدم ظهورها بذلك فلا إشكال في كون المستفاد منها خصوص هذا الفرد دون غيره، فيكفي في فساده عدم الدليل على صحته حتى إطلاقات الأوامر بعد فرض إرادة الفورية منها وانسياق التعقيب من مساقها، بل لعل القائل بعدم مساواة الفورية للتوقيت في الفوات إنما هو حيث تكون مستفادة من نفس الأمر لا في مثل ما نحن فيه، ضرورة كون الحاصل هنامن الأدلة أن علاج الشك فعل الاحتياط بدارا "، فكيف يتحقق الامتثال دونه، لا أقل من الشك فيبقى يقين الشغل بالصلاة بحاله، بل قد عرفت سابقا اقتضاء القواعد الفساد بالشك في عدد الفريضة، فيقتصر فيما خالفها على الثابت المتيقن المتعقب لها، بل ينبغي القطع بذلك بناء على شرطية المشكوك في شرطيته، إذ من الواضح حصول الشك في شرطية التعقيب في صحة الاحتياط، كما أنه من الواضح حصول الشك في ثبوت علاج الفريضة بغير المتعقب لها، بل لعله من هذه الحيثية لا يبتنى على قاعدة الشك في الشرط حتى تتجه الصحة عند من لم يعتبرها كما هو المختار عندنا، إذ مبنى ذلك التمسك باطلاقات المتوقفة على إحراز الركعات، فمع الشك كما في الفرض لا جزم بصدق اسم الصلاة وثبوت الصحة مع تعقيب العلاج للأدلة الخاصة، بل قد يقال: إن هذه الفورية ليست


(1) الوسائل الباب - 10 - و 11 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 و 6 (3) الوسائل الباب - 10 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 382 ]

إلا بمعنى موالاة أفعال الصلاة، وإلا فمن المعلوم أن الإمر لا يقتضي الفور عندنا، فتأمل جيدا ". بل قد يؤيد ذلك كله بعدم عد الاحتياط فريضة على حدة غير اليومية والعيدين والآية والملتزم بالنذر، وما ذاك إلا للتعريض المزبور، وبما في صحيحة ابن أبي يعفور (1) (وإن كان صلى ركعتين كانت هاتان تمام الاربع، وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو) إذ ظاهرها إرادة التكلم قبل الركعتين، بل تعرضه لذكر ذلك في المقام من دون مقتض لذكره بالخصوص كالصريح في إرادة بيان كون المصلي قبل الاتيان بالركعتين كمن سلم ظانا خروجه من الصلاة وتكلم، والمناقشة في سندها بأن في طريقها محمد بن عيسى عن يونس، وفي دلالتها بعدم الصراحة يدفعها وثاقتهما التي لم يقدح فيها طعن بعض القمميين وعدم اشتراط حجية الدليل بالصراحة، بل يكفي الظهور، سيما إذا كان مثل ما نحن فيه، كاندفاع المناقشة فيما ذكرنا سابقا بأنه لا يلزم من الفورية بطلان الصلاة بتخلل الحدث، وبأن معرضيتها لا تقتضي أن تكون جزءا مع انفصالها عنها بالنية وتكبيرة الاحرام وغيرهما، إذ بالتأمل فيما تقدم يتضح لك فساد ذلك كله. بل وفساد المشار إليه بقول المصنف: (وقيل: لا تبطل) بتخلل الحدث فضلا عن غيره كما هو خيرة الحلي، وتبعه الفاضل في بعض كتبه والشهيدان وجماعة من متأخري المتأخرين (ل‍) لأصل وإطلاق الأخبار وظهور الأدلة في (أنها صلاة منفردة) وكونها بدلا لا يوجب مساواتها للمبدل في كل حكم) إذ في الجميع ما عرفت، خصوصا الأخير، لعدم منافاة انفرادها مراعاة الجزئية مهما أمكن، بل يشهد لذلك من الأمور ما سمعت، كما أنه قد يشهد للانفراد النية والتكبير ونحوهما، ومن هنا حكي عن فخر المحققين بعد أن نقل القولين بانيا لهما على التمامية والانفرادية - اختيار قول ثالث حاكيا له


(1) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 383 ]

عن والده أنه ذكره له مذاكرة، وهو التمامية من وجه والانفراد من آخر جمعا بين الأدلة، وفيه أنه محصل له، إذ البحث هنا في أن ما نحن فيه من أي وجه، على أن كونه تماما من وجه يقتضي مراعاة الجزئية مهما تيسر، فالتفصيل حينئذ بذلك لا وجه له كالتفصيل في الدروس بين تبين النقصان وعدمه، فلا يقدح الحدث ونحوه في الثاني دون الإول، إذ هو في الحقيقة اختيار الحلي إلا إذا تبين النقصان، فيعيد الصلاة لو كان قد أوقع احتياطها بعد حدث، ولا شاهد يعتد به على ذلك، ومن العجيب دعوى الحلي هنا ما عرفت وما حكي عنه سابقا من التخيير بين القراءة والتسبيح في الاحتياط معللا له بالبدلية، وليس هو إلا تناقض، وإن تكلف بعضهم لدفعه بما لا يرجع إلى محصل، بل هو تحكم محض، فتأمل. والأجزاء المنسية كالركعات الاحتياطية في بادي النظر بالنسبة إلى بطلان الصلاة بتخلل الحدث ونحوه، بل ربما قيل: إنها أولى بذلك، للقطع بجزئيتها كما هو ظاهر الأخبار (1) إن لم يكن صريحها، ولذا وجب الاتيان بها فورا، كما عن الذكرى الاجماع عليه، بل هو المنساق من الأدلة، ومنه يظهر بطلان التمسك باطلاق الأمر بالقضاء على الصحة وإن تخلل الحدث، كما أنه يظهر مما قدمنا سابقا إمكان جريان الاستدلال بأكثر ما سمعته هناك على ما هنا حتى ما ذكرناه من كون الفورية المزبورة ليست هي إلا موالاة لحوق الأجزاء بعضها ببعض، لا فورية تعبدية نحو سجدتي السهو التي لا ربط لهما بالصلاة بحيث لو تركهما عمدا لم تبطل صلاته وإن أثم، فلاحظ وتأمل، لكن قد يناقش بأنه لا مانع عقلا ولا شرعا من كونها تتمة للصلاة السابقة، وأنها هي الأجزاء الفائتة وإن تخلل الحدث ونحوه، وفيه أنه مسلم بعد مجئ الدليل، أما بدونه فظاهر الجزئية وكونهما (2) الفائتين يقتضي مراعاة حكمهما السابق لهما قبل السهو، فتبطل


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (2) أي السجدة والتشهد اللذان عبر (قده) عنهما بالأجزاء المنسية إذ لا قضاء لغيرهما

[ 384 ]

حينئذ بالتخلل المزبور، ولا ينافيه ظهور الأدلة بل صراحتها في عدم بطلان الصلاة بنسيان غير الركن، وأنها لا تعاد من سجدة وغير ذلك، إذ البطلان هنا ليس لتركهما ونسيانهما، بل للتخلل المذكور الذي لا مدخلية له في نسيانهما من حيث كونه نسيانا. نعم قد يقال باشعار موثق عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) بخلاف ذلك كله، سأله (عن الرجل نسي سجدة فذكرها بعدما قام وركع قال: يمضي في صلاته ولا يسجد حتى يسلم، فإذا سلم سجد مثل ما فاته، قلت: فان لم يذكر إلا بعد ذلك قال: يقضي ما فاته إذا ذكره) إذ هو ظاهر في أنه إن لم يذكرها إلا بعد حين قضاها وقت الذكر وتمت صلاته وإن انمحت صورة الصلاة، كصحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) (في الرجل يفرغ من صلاته وقد نسي التشهد حتى ينصرف فقال: إن كان قريبا رجع إلى مكانه فتشهد، وإلا طلب مكانا نظيفا فتشهد فيه، وقال: إنما التشهد سنة في الصلاة) بل في صحيح زرارة (3) عن الباقر (عليه السلام) ما يستفاد منه عدم بطلان الصلاة بترك قضاء التشهد المنسي عمدا " معللا له بأنه سنة، ولا ينقص السنة الفريضة، قال: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود، ثم قال: القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا ينقص السنة الفريضة). بل قد يستفاد من حمل بعض الأصحاب الأخبار المشتملة على الحدث في الصلاة بعد رفع الرأس من السجدة الأخيرة قبل التشهد على النسيان كون الحكم من المسلمات، منها خبر زرارة (4) عن الباقر (عليه السلام) (في الرجل يحدث بعد أن يرفع رأسه


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب التشهد الحديث 2 (3) الوسائل الباب - 39 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 5 (4) الوسائل الباب - 13 - من أبواب التشهد الحديث 1 الجواهر - 48

[ 385 ]

في السجدة الاخيرة وقبل أن يتشهد قال: ينصرف فيتوضأ، فان شاء رجع إلى المسجد وإن شاء ففي بيته، وإن شاء حيث شاء قعد فيتشهد ثم يسلم) وخبره الآخر (1) قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من السجود الأخير فقال: تمت صلاته، وإنما التشهد سنة في الصلاة، فيتوضأ ويجلس مكانه أو مكانا نظيفا فيتشهد) وصحيحه أيضا (2) سأل الصادق (عليه السلام) (عن رجل صلى الفريضة فلما فرغ ورفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة أحدث فقال: أما صلاته فقد مضت، وبقي التشهد، وإنما التشهد سنة في الصلاة فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد) ونحوه خبر ابن مسكان (3) عنه (عليه السلام) أيضا (عن رجل صلى الفريضة فلما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الرابعة أحدث فقال: أما صلاته فقد تمت، وأما التشهد فسنة في الصلاة فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو إلى مكان نظيف فيتشهد). إلا أنها نصوص قد ذكرناها غير مرة، وفيها ما ينافي الفورية المجمع عليها، وفيها ما يقتضي قضاء التسليم مع التشهد، وفيها ما يقتضي ندبية التسليم، وفيها ما يقتضي غير ذلك مما هو مناف للمعروف من مذهب الامامية من بطلان الصلاة بتخلل الحدث في أثنائها ولو سهوا وأن التسليم جزء من أفعالها، ولا يخرج عن الصلاة إلا به، فالذي يقوى خروج هذه النصوص على مذاق العامة، هذا. وقد يستفاد من المحكي عن فخر المحققين حصر النزاع في خصوص السجدة والتشهد المنسيين المتذكر لهما قبل مضي زمان يخرج به عن كونه مصليا، فانه - بعد أن ذكر وجه الاشكال في الصحة وعدمها إذا تخلل الحدث واختار عدم البطلان قال: (وعلى القول


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 13 - من أبواب التشهد الحديث 3 4 2 لكن الأولين خبرا عبيد بن زرارة

[ 386 ]

باشتراط عدم التخلل المراد به بعد ذكرها قبل مضي زمان يخرج به عن كونه مصليا، فلو لم يذكرها حتى تخلل حدث أو مضى زمان يخرج به عن كونه مصليا أو خرج الوقت فانها تخرج عن كونها جزءا "، ولا تبطل بذلك الصلاة وإن تعمد الحدث، ويصير الجزء قضاء، ويترتب على الفوائت) بل لعل ما عن محرر أبي العباس من التفصيل بأنه (إن أحدث عمدا " بطلت صلاته، وإن كان سهوا " وبعد خروج الوقت أو بعد أن مضى بعد التسليم زمان يخرج به عن كونه مصليا لم تبطل صلاته) مبني على ما سمعت وإن حكي عن غاية المرام أنه قال: المشهور بين الأصحاب عدم الفرق بين الساهي والعامد، وكلما وجهت للفرق وجها ورد عليه الاعتراض. وبالجملة قد يقال -: إن لم ينعقد إجماع على خلافه وقلنا باعتبار بعض النصوص السابقة - بعدم بطلان الصلاة لو كان قد ذكر المنسي بعد أن تخلل المنافي، بل قد يشعر به إطلاق ما دل على عدم بطلان الصلاة بنسيانهما، ضرورة كون الفرض من أفراده، بل قد ينتقل منه إلى عدم البطلان مطلقا كما هو خيرة اللمعة والبيان والدروس والروضة والموجز والمدارك وعن الغرية، لظهوره حينئذ في عدم بقاء حكم الجزئية لها (لهماظ) كظهور عدم بطلان الصلاة بتخلل باقي أركانها بينهما في ذلك أيضا، اللهم إلا أن يفرق بالدليل الذي مع التأمل فيه يقتضي أن هذه الاجزاء لها تدارك للمتذكر قبل أن يدخل في ركن وبعده بعد السلام من غير فرق في جزئيته للصلاة في الحالين، وبذلك وغيره مما تقدم سابقا بان (1) أن له حكم الجزئية حقيقة، بل هو في الصلاة ما لم يأت به بعد السلام الذي هو آخر الصلاة في غير الفرض، أما فيه فآخرها الجزء المنسي، ولذا يكون سجود السهو بعده لا قبله، والمراد بعدم البطلان بنسيانه من حيث كونه نسيانا لا من جهة تخلل الحدث في أثناء الصلاة ونحوه، فتأمل جيدا " فان المسألة لا تخلو من إشكال وإن كان


(1) ليس في النسخة الأصلية لفظ (بان) ولكن الصواب ما أثبتناه

[ 387 ]

الاحتياط طريق السلامة. وكيف كان فعلى الأول لو صلى عمدا " قبلهما أو قبل صلاة الاحتياط بناء " على المختار فيها بطل وأبطل، للنهي عن الفصل بالمنافي، بل وسهوا إذ هي كالصلاة الواقعة في أثناء الصلاة سهوا في بطلان كل منهما بزيادة الركن ونحوه بناء على كون ذلك منه، وإلا فحيث يقع منه فعل كثير، وبالوقوع في وقت وحال لا يصلح لها بل لا خطاب بها فيه، بل وكذا يتجه البطلان مع العمد بناء " على الثاني من عدم الفساد بتخلل المنافي وإن حرم إن قلنا باقتضاء الامر بالشئ النهي عن الضد، أما مع السهو فلا حتى إذا ذكرها في الأثناء وكان مما يحرم إبطالها، نعم قد يحتمل العدول إلى الاحتياط مع إمكانه وفيه بعد، لقصور الدليل عن تناوله، هذا. لكن في الذكرى (أنه لو صلى عمدا " قبل الاحتياط غيره بطل فرضا كان أو نفلا " ترتبت على الصلاة السابقة أو لا، لأن الفورية تقتضي النهي عن الضد، أما سهوا " وكانت نافلة بطلت، وكذا إذا كانت فريضة لا يمكن العدول فيها، لاختلاف نوعها كالكسوف، أو لتجاوز محل العدول، ويحتمل الصحة بناء " على أن الاتيان بالمنافي قبله لا يبطل الصلاة، وإن أمكن العدول احتمل قويا صحته كما يعدل في باقي الصلوات) وفيه مواضع للنظر يحتاج دفعها إلى تقييد لاطلاق بعض كلماته تظهر بالتأمل فيما قدمنا، كما أنه يظهر منه وجه عدم إجزاء الاعادة عمن وجب عليه الاحتياط كما في الذكرى وعن الجعفرية والغرية وعن إرشاد الجعفرية والدرة السنية التصريح به، بل وكذا من وجب عليه قضاء الأجزاء المنسية، أما على المختار فللتخلل القاضي بوجوب إعادة صلاة ثالثة عليه، وأما على غيره فلعدم الخطاب بها، بل يجب عليه فعل الاحتياط وقضاء المنسي لكن عن الذكرى (أنه ربما احتمل الاجزاء لاتيانه بالواجب وزيادة) وفيه ما عرفت على كل من القولين، نعم تتجه الصحة على المختار لو كان قد أبطل الاحتياط بمناف

[ 388 ]

قبل الاعادة، والأحوط له في الفرض السابق فعل الاحتياط وقضاء المنسي ثم الاعادة ثالثا ولو لزمه احتياط في الظهر فضاق الوقت إلا عن العصر زاحم به إذا كان يبقى ركعة للعصر، وإن كان لا يبقى صلى العصر، وفي بطلان الظهر الوجهان في فعل المنافي قبله، كما في الذكرى وعن الدرة وإرشاد الجعفرية وغاية المرام التصريح به، بل هو واضح، ولو علم الضيق في أثناء الاحتياط ففي الذكرى أن الأقرب العدول إلى العصر لأنه واجب ظاهرا "، وفيه نظر أو منع، بل المتجه القطع وابتداء العصر، ولو لزمه احتياط في العصر مثلا " وكان قد خرج الوقت صلاه بعده وتمت صلاته، ونحوه الأجزاء المنسية، إذ ليس خروج الوقت نفسه من دون تخلل مناف مبطلا "، لكن قد صرح بعضهم بوجوب نية القضاء معه، وفيه منع حتى لو قلنا بوجوبها في غيره، إذ هو من توابع الأولى، فمع فرض أنها أداء ولو بادراك الركعة كان الاحتياط كذلك، كما أنه صرح آخر بوجوب ترتب الا حتياط والأجزاء المنسية على الفائت قبلها أبعاضا كانت أو صلاة مستقلة، وهو أوضح منعا من السابق. نعم قد يقال بوجوب الترتيب في نفس الفائت من الأجزاء المنسية والركعات الاحتياطية بأن يقدم السابق فالسابق سببا، كما لو فاته مثلا سجدة من الركعة الأولى وركعة احتياط قدم السجدة، ولو كان من الركعة الأخيرة قدم الاحتياط، مع أنه احتمل في الذكرى في الأخير تقديم السجدة أيضا، لكثرة الفصل بينها وبين الصلاة، بل قد يقال بوجوب تأخر الأجزاء المنسية عن ركعات الاحتياط مطلقا، للأمر بها بعد الصلاة التي لم يعلم تمامها إلا بعد الاحتياط، كما أنه قد يقال بالبطلان مطلقا بتعذر الامتثال على وجهه ولو للشك في تناول الأدلة للفرض، أو يقال بعدم وجوب مراعاة ذلك مطلقا، لوجوب إتيان الجميع فورا " بعد الصلاة ولو شرعا بعد الأمر بالبناء على الأكثر، والتسليم، ومنه ينقدح احتمال وجوب فعلها قبل الاحتياط عكس السابق وإن

[ 389 ]

كان الأولى الأول، وعليه يحتمل قويا البطلان مع المخالفة للفصل بالمنافي حينئذ، والاثم خاصة، كما أنه عليه يحتمل قويا استقبال الصلاة من رأس لو اشتبه عليه الحال، فلم يعلم السابق من اللاحق، وسقوط مراعاة الترتيب هنا خاصة، والتكرير بالتقديم والتأخير لكل منهما للمتقدمة، وإن كان الأوسط هنا هو الاوسط، والله أعلم، فتأمل جيدا " فيه وفي غيره مما تركنا التعرض للتفصيل خوف الملل والاطالة من الأمور التي تعرف بالاحاطة بما قدمنا والتأمل فيه. المسألة (الرابعة من سها في سهو لم يلتفت وبنى على صلاته) بلا خلاف، للصحيح (1) (ليس على الامام سهو، ولا على من خلف الامام سهو، ولا على السهو سهو، ولا على الاعادة إعادة) ولكن في العبارة إجمال، لاحتمال كون المراد بالسهو في المقامين الشك، أو معناه المعروف خاصة كذلك، أو الأول في الأول والثاني في الثاني، أو بالعكس، وعلى التقادير يحتمل السهو الثاني نفسه من دون حذف مضاف وحذفه على أن يكون المراد الموجب بالفتح، فالصور ثمان: الأولى الشك في موجب الشك بالكسر بمعنى الشك في الشك، وعن الأصحاب أنه لا يلتفت، وهو متجه إذا وقع بعد الفراغ من الصلاة في الأعداد وغيرها (2)، لاصالة عدمه وعدم تحقق سبب الاحتياط، فيبقى على مقتضى البراءة، ولكونه في الحقيقة شكا بعد الفراغ، ولا فرق بين الشك في وقوع أصل الشك وبين الشك في أن ما طرأ عليه مثلا " في الركعة الثالثة شك أو ظن، ودعوى أن الأصل في ذلك المتحقق


(1) ذكر صدره في الوسائل الباب - 2 4 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 وذيله في الباب 25 منها - الحديث 1 (2) كمن شك بعد الفراغ انه هل كان قد شك في السجود مثلا من الركعة الثالثة أو أنه هل شك بين الثلاث والأربع (منه رحمه الله)

[ 390 ]

أن يكون شكا لزيادة الظن عليه والأصل عدمها يدفعها عدم جريان الأصل في مثل المقام، إذ الرجحان وعدمه أي التساوي فصلان مقومان لكل منهما لا يصلح الأصل لتحقيق خصوص أحدهما، بل هو متجه أيضا لو وقع الشك في أثنائها في الأفعال بعد الدخول في غيرها، كمن شك حال القيام في أنه هل كان شاكا في السجود سابقا مثلا أو لا، إذ العبرة بحاله حال القيام، فان كان شاكا لم يلتفت لدخوله في الغير، وإن كان ظانا تداركه كما لو كان عالما، ولا ينافيه الرواية (1) إذ ليس التفاتا لهذا الشك، بل هو أخذ بحكم الظن واليقين، بل لو كان قد علم حصول الشك في السابق ولكنه لا يعلم في الحال الثاني أنه عمل على مقتضى الشك الأول بان تدارك المشكوك فيه مثلا " أو لا لم يلتفت أيضا، إلا أنه لا دخل له فيما نحن فيه، إذ المراد تعلق الشك بنفس الشك، بل هو داخل في الشك بموجب الشك، ولو علم عدم العمل على مقتضى الشك بطلت إن كان عن عمد، وإلا تدارك إن أمكن التدارك، وإلا فسدت إن كان ركنا، وإلا فهي صحيحة، مع احتمال الصحة حتى لو كان ركنا ولا يتلافى، لعدم كونه معلوم النسيان في الواقع، فلا تشمله أدلته، لكن الأول الأقوى، فتأمل جيدا ". بل ومتجه أيضا بالنسبة للأعداد في الاثناء، كما لو وقع له الشك مثلا " في أنه هل شك في حال الجلوس السابق على هذا الجلوس بين الاثنتين والأربع مثلا " حتى يكون ما وقع منه مفسدا " مثلا، لكونه كان مخاطبا بالبناء على الأربع، أو لم يقع له الشك في ذلك، لأصالة عدم وقوعه، نعم يرجع أمره إلى اختبار حاله اللاحق، فيعمل على مقتضاه لا حاله السابق المشكوك فيه، بل لو كان مظنونا لم يلتفت، لعدم الدليل على حجيته في مثل المقام، هذا.


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 وذيله في الباب 25 منها - الحديث 1

[ 391 ]

ولكن قد يظهر من بعضهم المناقشة بأنه لا يتجه فيما إذا اتحد زمان الشكين، فانه حينئذ في الحقيقة شاك في نفسه الفعل، فيجب عليه تداركه، وفيه أنه لا يتصور اتحاد زمان الشكين، لكون الشك من الأمور الوجدانية، ولا الظن بالظن، نعم يصح تعلق العلم بالعلم في زمان واحد وبالظن أو الشك لا الظن بالظن أو الشك بالشك أو الظن بالشك أو الشك بالظن أو الظن بالعلم أو الشك به، كما هو واضح، وبأنه لا يتجه فيما إذا اختلف زمان الشكين، لكنه قبل خروجه عن محل التدارك، كما إذا شك في أثناء التشهد أنه شك قبله في السجود أولا، إذ لا معنى حينئذ لعدم الالتفات كما هو ظاهرهم، لكونه في الحقيقة شكا في الفعل مع بقاء محله، فيجب عليه الاتيان به وفيه أو لا أنه لا يتجه بناء على أن المحل مطلق الغير، وثانيا هو ليس التفاتا لهذا الشك نفسه، بل تلحقه أحكامه في الحال الثاني، فان كان ظانا للفعل فيه فلا يلتفت، وإن كان ظانا للعدم أو شاكا تدارك، إذ من الواضح أن ليس معنى قوله: (لا شك في شك) أنه لا يلتفت لحكم العلم أو الظن في حال الشك في الشك، وثالثا قد يقال: إن المراد من عدم الالتفات إلى الشك في الشك بعد تجاوز محل الشك، فتأمل، وبأنه لا يتجه أيضا فيما لو شك في أنه هل شك سابقا بين الاثنتين والثلاث أو بين الثلاث والأربع، إذ الحكم فيه أنه إن ذهب شكه الآن وانقلب إلى اليقين أو الظن فلا عبرة به ويأتي بما تيقنه أو ظنه، وإن استمر شكه فهو شاك في هذا الوقت بين الاثنتين والثلاث والأربع، وفيه ما قد عرفت من أن المراد عدم الالتفات إلى الشك في الشك، ولا يصير كالشك، فلا مانع حيئنذ من جريان كل من الظن واليقين والشك على مقتضاه، ولا منافاة، على أن ما ذكره لا يخلو من مناقشة تظهر مما سبق. بل ربما أجيب عن تمام هذه المناقشة بأن مراد الأصحاب الشك في الشك حال كونه مطلقا لا مقيدا بسجدة أو تشهد أو ركعة حتى يرد، لكنه تقييد من غير مقيد،

[ 392 ]

والتحقيق ما سمعت، ومنه يظهر أنه لا مخالفة في تفسير الرواية بهذا المعنى للقواعد، بل هو موافق للأصل كما تقدم، فتأمل جيدا ". الثانية الشك في السهو أي الشك في أنه هل سها أم لا، وقد نقل عن جمع من الأصحاب أنه لا يلتفت، وهو كذلك لو وقع بعد الفراغ أو في الأثناء بعد تجاوز المحل الذي يتلافى فيه المشكوك به، كما إذا شك حال القيام أنه هل سها عن السجدة أو لا فانه لا يلتفت، لأنه في الحقيقة شك بعد الدخول في الغير، أما لو شك كذلك وكان المحل باقيا كما إذا شك في السجدة وهو في التشهد مثلا فانه يتدارك، لكونه شكا في الشئ قبل تجاوز محله، وهدم تلك القاعدة المعلومة المنقول عليها الاجماع ببعض محتملات هذه الفقرة مما لا يجتري عليه ذو حريجة في الدين، بل لعل ظاهر إطلاق بعض الأصحاب عدم الالتفات غيرها، بل قد يقال: المراد الشك في مطلق السهو أي أنه سها أم لا من دون تعلقه بشئ خاص، وإن كان ضعيفا كما ذكرناه في الصورة الأولى. نعم قد يقال المراد أنه لا يلتفت إلى نفس الشك بالسهو وإن جرت عليه الأحكام الأخر من الظن والشك، ففي المفروض لا يلتفت إلى نفس الشك في السهو، نعم يرجع إلى اختبار حاله بالنسبة إلى الفعل، فان كان شاكا فيه جاء به، وإلا فلا، فتأمل. وكيف كان فهل يجري على تقديره لو كان أصل السهو متيقنا لكن وقع الشك في تعيينه، كما إذا علم أنه سها عن سجدة ولم يعلم أنها من أي ركعة، أو علم أصل السهو ولم يعلم أنه سجدة أو قراءة، أو علم أصل السهو ولكن لا يعلم أنه سجدة أو تشهد، أو علم أصل السهو ولكن لا يعلم أنه سجدة أو ركوع، أو علم اصل السهو ولكن لا يعلم أنه ركوع أو قراءة ؟ ربما أطلق بعضهم عدم الالتفات، وتفصيل القول فيها


الجواهر - 49

[ 393 ]

على ما تقتضيه الضوابط. أما في الأول فان كان بعد الفراغ فلا ريب في وجوب قضائها عليه، إذ لا دخل للعلم بخصوصية الركعة في وجوب القضاء، وإن كان في الأثناء فان وقع له الشك وهو في حال يمكن أن يتلافى فيه لو كان مشكوكا به بخصوصه وجب عليه التلافي، كما إذا علم فوات سجدة إما من الركعة الأولى أو الثانية أو الثالثة وكان جالسا في الثالثة لكونه مشكوكا فيه وهو في المحل، ويحتمل عدم الوجوب، للشك في شمول أدلة تلافي المشكوك في المحل لمثله، لظهورها فيما إذا تعلق الشك به ابتداء لا تبعا كما في المثال، نعم يجب عليه القضاء بعد الفراغ، لما ذكرنا سابقا، فيتجه حينئذ لا شك في سهو في مثل ذلك، على ان الظاهر منه أيضا تعلق الشك في السهو عن الشئ بعد الخروج عن المحل الذي يتدارك فيه المشكوك فيه حتى يقال: إنه سها عنه لا مع بقاء محله، فلا يرد حينئذ نحو ذلك، وإن وقع له الشك في حال لا يتلافى فيه المشكوك فيه كما إذا كان في حال القيام في المثال المفروض لم يلتفت قطعا، واحتمال أنه بعد تحقق النسيان يجب عليه الاتيان بالممكن للمقدمة، فيتدارك السجدة الأخيرة إلا إذا دخل في ركن ضعيف كما لا يخفى. وأما الثاني فان كان بعد الفراغ فلا التفات لكل منهما، واحتمال وجوب قضاء السجدة تحصيلا " ليقين البراءة ضعيف، تحكيما لا صالتها، وإن كان في الأثناء فان كان في محل يمكن أن يتدارك فيه أحدهما جرى فيه ما تقدم من الكلام، وإلا فلا التفات. وأما الثالث فان كان بعد الفراغ جاء بهما معا، تحكيما للمقدمة، مع احتمال وجوب إعادة الصلاة أيضا احتياطا، لاحتمال الفصل بين الجزء المنسي والصلاة، وإن كان في الأثناء فان كان في محل يمكن أن يتداركا فيه معا كما إذا وقع في حال الجلوس اتجه وجوب الاتيان بهما معا، ولا يقدح القطع بالزيادة فيها، ومثله إذا لم يدخل في

[ 394 ]

ركن آخر كما إذا وقع ذلك حال القيام قبل الدخول في الركوع، وأما إذا أمكن تدارك أحدهما كما إذا دار بين سجدة من ركعة فائتة وبين التشهد في حال الجلوس احتمل وجوب تدارك التشهد، لكونه في الحقيقة مشكوكا فيه مع بقاء محله، ويحتمل العدم، لما تقدم سابقا، أما لو كان حال القيام فلا، ويجب عليه قضاء السجدة بعد الصلاة. وأما الرابع فان كان بعد الفراغ اتجه قويا وجوب قضاء السجدة أولا " ثم الاعادة للمقدمة، ويحتمل الصحة ولا قضاء للسجدة لاصالة الصحة، ولا يقين بفوات السجدة حتى تقضى، وربما احتمل وجوب الاتيان بالسجدة من دون إعادة، لأنه مع الاتيان لم يعلم البطلان، لكنه في الحقيقة هدم لباب المقدمة في مثل ذلك، وإن كان في الأثناء فان كان في محل يمكن تدارك أحدهما فيه لو كان مشكوكا فيه تداركه، ويجئ فيه ما تقدم، وإن لم يكن في محل كذلك فالظاهر من جماعة البطلان، لعدم يقين البراءة، ويحتمل قويا الصحة لاصالتها، ولا قضاء للسجدة مثلا، والأحوط إن لم يكن الأقوى إتمام الصلاة ثم قضاء السجدة ثم الاعادة. وأما الخامس فان كان بعد الفراغ فالأقوى في نظري الصحة لما سمعت، ويجئ احتمال البطلان على ظاهر كلامهم، لعدم يقين البراءة، ومثله لو كان في الأثناء إذا تجاوز محلهما، أما لو كان في محل يمكن أن يتدارك فيه أحدهما أوهما معا جرى فيه الكلام المتقدم، هذا ما تقتضيه الضوابط في مثل هذه الأشياء، واحتمال تحكم (لا شك في سهو) في بعضها في غاية الضعف، لعدم ظهوره في ذلك. الثالثة أن يراد بالسهو الشك في كل منهما لكن على تقدير مضاف في الثاني أي موجب شك بالفتح، ولعل هذه الصورة والتي بعدها أظهر ما يقال في هذه العبارة، بل لعله هو الظاهر من الأصحاب أيضا، قال: في المنتهى: (ومعنى قول الفقهاء: (لا سهو في السهو) لا حكم للسهو في الاحتياط الذي يوجبه السهو، كمن شك بين

[ 395 ]

الاثنتين والأربع، فانه يصلي ركعتين احتياطا، فلو سها فيهما ولم يدر صلى واحدة أو اثنتين لم يلتفت إلى ذلك، وقيل معناه أن من سها فلم يدرسها أم لا لا يعتد به، ولا يجب عليه شئ، والأول أقرب) انتهى. وفي مفتاح الكرامة عن أربعين المجلسي (أن أكثر الأصحاب خصوا قولهم: (لا سهو في سهو) في هذه الصورة وبصورة الشك بموجب السهو). وكيف كان فعليه لا يلتفت إلى الشك في عدد ركعات الاحتياط بل ولا في أفعالها، بل في الدروس (نسبته إلى ظاهر المذهب زيادة على ما عرفت، والمراد بعدم الالتفات كما صرح به بعضهم البناء على الأكثر بالنسبة إلى الأعداد ما لم يستلزم فسادا " كما إذا كان موجب الشك ركعة فانه يبني على الأقل، وبالأفعال البناء على وقوعها وإن كان في المحل من غير فرق بين الأركان وغيرها، وكذا سجدتا السهو حيث يوجبان بالشك، فلا يلتفت إلى الشك فيهما أعدادا " وأفعالا "، لكن عن الأردبيلي المناقشة في هذه الحكم، بل يبني على الأقل في الجميع ويأتي بالفعل المشكوك فيه قبل تجاوز المحل، لعدم صراحة النص في سقوطه، والأصل بقاء شغل الذمة، ولعموم ما ورد في العود إلى المشكوك فيه قبل تجاوز المحل، وهو لا يخلو من وجه بالنسبة للأفعال إلا أنه لم يوافقه على ذلك أحد كما عن المجلسي الاعتراف به، بل ربما نوقش بأن أدلة تلافي المشكوك فيه ظاهرة في الصلاة اليومية، لا أقل من الشك في شمولها لمثل ركعتي الاحتياط وسجدتي السهو، ودعوى أن التلافي على القاعدة، لاصالة بقاء شغل الذمة بالفعل يدفعها أنها تتجه حيث يكون في المحل الأصلي لا إذا تجاوز عنه ولم يتجاوز عن المحل الذي قرره الشارع في أصل الصلاة للعود إلى الفعل المشكوك فيه، إذ لا يصح جريان الأصل فيه، ومن ذلك وغيره احتمل بعضهم أن الذي تقتضيه القواعد في ركعات الاحتياط وسجدتي السهو حينئذ من دون نظر إلى قولهم: (لا سهو في سهو)

[ 396 ]

إنما هو البناء على الأقل بالنسبة للعدد وتلافي المشكوك فيه قبل أن يدخل في مطلق غيره لكن فيه نظر ظاهر، ولا ريب أن المتجه العمل في الأعداد بالخبر (1) المنجبر دلالة بالمشهور بين الأصحاب، بل ربما قيل: إنه متفق عليه، بل والأفعال في وجه وإن كان الأقوى خلافه كما ستعرف. وهل يدخل الشك في أصل فعل الاحتياط وسجود السهو ؟ ربما احتمل بعضهم ذلك، لكن الأقوى خلافه، للاصل وعدم ظهور النص فيه، ولو شك في فعل من افعال الصلاة كالركوع ونحوه وكان في المحل وجب تلافيه بلا إشكال، لكن لو شك في ذكر أو طمأنينة مثلا " في ذلك الركوع ففي تلافيهما وجهان، من تناول العبارة له لكون هذا الركوع موجب شك، فالشك في أفعاله شك في موجب شك، ومن أن العود إلى الركوع ليس من الشك حتى يكون موجبا، بل هو من إصالة عدم الاتيان به فالشك في أفعاله ليس شكا في موجب شك، ولعله الأقوى، للشك في دخوله، فتأمل. وكذا لا يندرج فيه ما لو تيقن حصول شك منه ولكن لم يعلم أنه هل كان يوجب ركعة أو ركعتين، بل يأتي بهما ما للمقدمة، نعم يمكن القول بوجوب الاعادة بعد الاحتياط لاحتمال الفصل بين الصلاة وجبرها، ومنه ينقدح قوة احتمال الاقتصار على أول ما يقع من الاحتياط ركعة أو ركعتين من الاعادة، لأن الثاني إن كان هو الجابر فقد تحقق الفصل بالسابق، وإن كان الجابر الأول فلا فائدة فيه، وأما احتمال وجوب الاقتصار على الاعادة فهو ممكن، لكن فيه أنه يحتمل أن تحصل الصلاة الأولى المخاطب بجبرها بأول ما يقع منه. وكذا لا يندرج فيه ما لو شك في الاتيان بالفعل المشكوك كأن شك مثلا " هل


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 وذيله في الباب - 25 - منها الحديث 1

[ 397 ]

جاء بالسجدة المشكوك فيها أولا ؟ لما عرفت سابقا من الشك في كون تلافي السجود من موجب الشك، ولأنه يندرج فيه الشك في أصل وقوع موجب الشك، بل هو ظاهر في الشك في كيفية موجب الشك، على أنه لا جابر له في مثل المقام، فحينئذ يرجع إلى القاعدة فيه، وهي تقتضي وجوب تلافيه ما دام في المحل الذي يمكن تلافي المشكوك فيه فيه. الرابعة الشك في موجب السهو بالفتح، وهو فيما بعد الصلاة منحصر في أمور ثلاثة: الأول سجدتا السهو، الثاني السجدة المنسية، الثالث التشهد المنسي على إشكال في الأخيرين ينشأ من احتمال أنهما ليسامن موجب السهو، بل السهو جوز تأخيرهما، وإلا فهما الواجبان بالأمر الأول للصلاة، فلا يجرى حينئذ فيهما هذا الحكم، ولعله لذا لم يصرح الأصحاب بحكم الشك في ذكر السجدة المنسية أو الطمأنينة، وكذلك بالنسبة للتشهد المنسي، بل الذي عثرنا عليه التصريح بأن الشاك في عدد سجدتي السهو أوفي أفعالهما لا يلتفت، لكونه شاكا في موجب السهو كما عن البيان وغاية المرام والسهوية والمدارك والروضة وغيرها، والمراد بعدم الالتفات أنه يبني على الأكثر إلا إذا استلزم فسادا "، فانه يبني على المصحح، فلو شك هل سجد سجدة واحدة أو سجدتين بنى على الثنتين وإن كان قبل لتشهد، ولو شك أنهما ثنتان أو ثلاثة يبني على الثنتين، وهل الشك في أصل الفعل من جملة الشك في موجب السهو ؟ وجهان، أقواهما العدم، فمن شك أنه هل سجد للسهو أم لا سجد، لاصالة عدمه، وللشك في شمول هذه الفقرة له. ومما تقدم لك أولا " يظهر أن المسهو عنه في أثناء الصلاة ثم ذكره قبل تجاوز المحل فجئ به ليس من موجب السهو، بل هو الواجب بالأصل، فمن سها عن سجدة فذكر قبل الركوع فتدارك ثم شك في الذكر أو الطمأنينة مثلا قبل رفع الرأس أتى به، وأولى منه لو تيقن السهو عن السجدة مثلا " ثم شك في أنه هل جاء بها أم لا، بل إن كان في محل

[ 398 ]

يمكن تدارك المشكوك فيه تداركها، لكونه في الحقيقة شكا في الشئ قبل تجاوز المحل، وإن كان في محل لا يتدارك فيه المشكوك كما إذا كان في حال القيام لم يلتفت، لكونه شكا في الشئ بعد الدخول في غيره، وربما نقل عن الشهيد الثاني وغيره التصريح بأنه إن تيقن السهو عن فعل وشك في أنه هل عمل بموجبه أم لا أتى به ثانيا إن كان في محل يمكن أن يتدارك فيه، وإلا قضاه بعد الصلاة إن كان مما يقضى، وهو ظاهر في إرادة المحل النسياني، ولهذا أوجب القضاء بعد الصلاة إن خرج عنه، وهو مشكل لما عرفت سابقا من الدخول تحت القاعدتين، فتأمل. الخامسة أن يراد بلفظ السهو الأول النسيان، وكذلك الثاني من دون تقدير مضاف، ومعناه أنه سها عن أنه سها، كما لو سها عن سجدة ثم ذكرها في حال التشهد فنسي العود إليها وقام، والظاهر أن الحكم فيه أنه إن ذكرها قبل الركوع أتى بها، وإلا قضاها بعد الصلاة، فان كان المنسي ركنا حينئذ بطلت صلاته، هذا ما تقتضيه القواعد، واحتمال هدمها بمثل هذه الفقرة المجملة المعنى بالنسبة إلى ذلك مشكل، ولذا لم أر من صرح بما يقتضي جريانها هنا، فتأمل. السادسة أن يراد بالثاني الشك بمعنى أنه سها عن أنه شك، كما لو شك في السجدة وكان في محل يمكن تدار كها لو كانت مشكوكا بها ثم سها عن ذلك والحكم فيه أنه إن ذكر قبل تجاوز محل تدارك المشكوك تداركها، لكونه شكا قبل تجاوز المحل، وحصول السهو في الأثناء لا يخرجه عن ذلك، أما لو خرج عن محل تدارك المشكوك لكن لم يخرج عن محل تدارك المنسي كما إذا قام مثلا في محل الفرض فهل يجب عليه الرجوع، لانه في الحقيقة نسيان للسجدة المخاطب بها وإن كانت مشكوكا بها، أو أنه لا يجب عليه ذلك، لكونه شكا في شئ بعد تجاوز المحل ؟ إشكال (1) ويجري الكلام فيما لو كان


(1) الظاهر الوجه الأول لأن المراد من الشك بعد التجاوز هو الذى ابتدأه حال

[ 399 ]

ذلك ركنا، فانه يحتمل حينئذ عدم البطلان، لعدم العلم بكونه منسيا وإن دخل في ركن ويحتمل قويا عدم تناول القاعدتين لهذا الفرد، أما قاعدة تدارك المنسي فلظهورها فيما لو كان منسيا يقينا، وأما قاعدة الشك بعد تجاوز المحل فلظهورها في تعلق الشك ابتداء لا المسبوق بشك في المحل، فلابد من الرجوع إلى قاعدة أخرى غيرهما، وهي تقتضي البطلان، إذ لا يحصل يقين البراءة إلا بذلك، لا يقال: إن السهو عن السجدة يقينا لا يبطل الصلاة، ففي المشكوك بها بطريق أولى، لانا نقول: ليس البطلان من هذه الجهة، ولذا لا نقول به لو ذكرها بعد الدخول في ركن، بل نوجب إتمام الصلاة ثم الاحتياط بقضاء السجدة، ولكن الحكم بالبطلان هنا من جهة عدم العلم بكيفية الفعل، فلا نتمكن من الأمر بالتدارك ولا بعدمه، فان قلت: إن الأصل يقتضي وجوب التدارك، لأنه كان يجب عليه سابقا فيجب عليه الآن، قلت: كان يجب عليه لكونه في المحل أي محل المشكوك به، أما بعد خروجه عنه فلا، لاحتمال دخوله تحت قاعدة الشك في شئ بعد التجاوز عن المحل، واحتمال القول إنه لا يلتفت لكونه من السهو في السهو على التفسير الذي نحن فيه بعيد، لعدم ظهور هذه الفقرة في مثله، بل قد عرفت أن المنقول في تفسيرها خلاف ذلك كما تقدم لك في عبارة المنتهى، ومثله عن الشيخ أيضا، نعم يحتمل أن يقال بوجوب التدارك لأنه من المحكوم عليه شرعا بالنسيان، فيدخل تحت قوله (عليه السلام) (1): (من نسي سجدة) كما في غيرذلك من نحو


التجاوز لا استمراره إلى حال التجاوز والمقام من الثاني نعم لو سها عن فعل السجود المنسى حتى قام فشك حال القيام في سجوده الذى كان متيقنا فواته أو شك في تداركه فوجهان لا يبعد المضى أما الأول فلأن الأحوال إذا تعاقبت عمل على الأخير وهو هنا الشك متجاوزا " بعد اليقين وأما الثاني فظاهر إلا أن يدعى عدم شمول دليل الشك بعد التجاوز لذلك لكنها ضعيفة فتأمل (منه رحمه الله)) (1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب السجود - الحديث 1

[ 400 ]

هذا التركيب، ولعل القول باتمام الصلاة ثم الاحتياط باعادتها لا يخلو من قوة، والقول بالتخيير هنا لمكان التردد للفقيه، فهو مخير بعيد، فتأمل جيدا ". السابعة أن يراد بلفظ السهو النسيان، ولكن على تقدير مضاف أي السهو في موجب السهو بالفتح، مثلا " سها عن إحدى السجدتين في سجدتي السهو، ومثله يجري في السجدة المنسية والتشهد المنسي لو سها عن بعض واجباتهما إن قلنا إنهما من جملة موجب السهو بالفتح، بل كذلك يجري في المتدارك في أثناء الصلاة إن قلنا انه منه، والمنقول عن جملة من الأصحاب التصريح بأنه لا حكم للسهو في سجود السهو، والظاهر أن المراد بعدم الحكم له أنه لا يوجب سجودا " للسهو أو قضاء بعد الفراغ، بل إن ذكر في المحل جاء به، وإلا فلا، وأما احتمال أن يراد بعدم الحكم له عدم الالتفات بمعنى أنه من سها عن إحدى السجدتين ثم ذكرها وهو في المحل فلا يأتي به بدعوى شمول العبارة له فهو في غاية البعد، وأما الزيادة فيها سهوا كأن يكون قد سجد ثلاث سجدات أو أربعا مثلا " فيحتمل شمول العبارة له حينئذ، فلا يبطل، وأما لو تركهما سهوا " وجاء بالتشهد فقط فالظاهر البطلان، لما فيه من انمحاء الصورة، وقد يقال: إن المتجه الرجوع في مثل المقام إلى ما تقتضيه الأصول والضوابط، وهي تقتضي إعادة السجدتين إذا ترك سجدة واحدة منهما مثلا، واحتمال عدم البطلان تمسكا بهذه الفقرة فيه من الاشكال ما لا يخفى على أن الخبر (1) الذي تضمنهما ظاهر في إرادة السهو بمعنى الشك بقرينة قوله عليه السلام فيه قبلها: (وليس على الامام ولا على من خلفه سهو) فان الظاهر إرادة الشك، على أن عبارة المنتهى السابقة قد يدعى ظهورها في ذلك بقرينة تمثيله، فالخروج عن القاعدة بمجرد ذلك مشكل، فتأمل جيدا ".


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 الجواهر - 50

[ 401 ]

الثامنة أن يراد بالسهو الثاني الشك، ولكن على حذف مضاف أي موجب الشك بالفتح كالركعات للاحتياط، فانه لا حكم للسهو فيها بالمعنى المتقدم في موجب السهو بالفتح، فمن سها فيها مثلا عما يوجب سجود السهو فانه لا حكم له حينئذ، فلا يجب سجدتا السهو بعد الفراغ، ونقل عن جماعة من الأصحاب التصريح به، بل عن بعضهم نقل الشهرة عليه، وربما علل ذلك مضافا إلى قولهم: (لا سهو في السهو) بأن ما دل على وجوب سجود السهو ظاهر في الصلاة اليومية، فيقتصر عليه، نعم عن بعضهم أنه لا يشمل - بناء على هذا التفسير - ما لو نسي السجدة مثلا "، فيجب حينئذ قضاؤها بعد الفراغ، وفيه نظر أو منع، بل قد يقال أيضا: إن ما دل على وجوب قضاء السجدة بعد الفراغ ظاهر في اليومية، كما ذكر ذلك في سجدتي السهو. ولو سها عن بعض الواجبات في الركعات الاحتياطية وذكر قبل تجاوز المحل فالمنقول عن جماعة من الأصحاب وجوب التدارك، وفيه إشكال أيضا، لكونه سهوا في موجب السهو أي الشك، فينبغي عدم الالتفات، والحاصل أنه يعامل عندهم معاملة الصلاة الأصلية في النسيان، وكذلك بالنسبة إلى الزيادة والنقيصة في الأركان إلا في وجوب سجود السهو، فلا يوجبونه هنا لمكان (لا سهو في السهو) وأنت خبير بما فيه لصدق العبارة على جميع ذلك، فينبغي تمشية الحكم في الجميع، ومن هنا كان الظاهر الاقتصار في تفسير هذه الفقرة على أن يراد بالسهو الأول الشك والسهو الثاني الشك أو السهو على إرادة الموجب، فيكون المعنى لا شك في موجب شك أو سهو بالفتح وعلى عموم المجاز، والمراد حينئذ عدم الالتفات إلى الشك في أعدادها، أما الشك في أفعالها فهل هو كذلك أو يبقى على القاعدة من التلافي في المحل وعدمه في خارجه ؟ الظاهر الثاني، وأما الشك في أصل الايقاع فالظاهر عدم اندراجه، وعن ظاهر جملة من المتأخرين إمكان إرادة الثمان من هذه الفقرة، وهو مشكل، لمخالفته لمقتضى الأصل

[ 402 ]

في جملة منها، والخروج عنه بمثل هذا النص المجمل مشكل، بل قد عرفت ظهور سياق النص والفتوى في إرادة الشك من السهو الاول كما سمعته من منتهى الفاضل، وأظهر منه ما عن الشيخ، فانه قال بعد نقل العبارة: وله تفسيران: الأول أن الشك فيما يوجبه الشك كالاحتياط وسجود السهو، الثاني أن يشك هل شك أم لا، قال: وكلاهما مما لا حكم له، يبني في الأول على الأكثر، لأنه فرضه، بل في الرياض استظهار إرادة الشك من السهو الثاني أيضا منهما ومن غيرهما، بل استظهر عدم الخلاف فيه من عبارة الأول منهما بعد أن ادعى أن نقلهما في مثل ذلك حجة، وعليه فلا يمكن إرادة السهو بالمعنى المعروف مطلقا، ويندفع أكثر وجوه الاجمال، ويبقى من حيث الاختلاف بين التفسيرين ولا ريب في مطابقة الثاني لمقتضى الأصل في كثير من موارده، فلا يحتاج إلى النص وإن أكده على تقدير وضوح دلالته على ما يطابقه، وإنما المحتاج إليه الأول لمخالفته الأصل الدال على لزوم تحصيل المأمور به على وجهه، ولا يتم إلا مع عدم الشك، مضافا إلى إطلاق ما دل على لزوم تدارك المشكوك مع بقاء المحل مثلا "، ولما كان النص يحتمله، والثاني لم يمكن التمسك به لاثباته إلا أن يرجح باخبار الفاضل كونه مراد الفقهاء، مع ظهوره من كلماتهم واستدلالهم بالنص على أن لا سهو في سهو بناء على أن ظاهره إثبات حكم مخالف للأصل لا موافق له، وليس إلا على تقدير التفسير الأول مع اعتضاده بما قيل من الاعتبار، وهو أنه لو تدار كه أمكن أن يسهو ثانيا، ولا يتخلص من ورطة السهو، ولأنه حرج فيسقط اعتباره، ولأنه شرع لازالة حكم السهو، فلا يكون سببا لزيادته. ومما ذكرنا ظهر استقامة الحكم على كلا التفسيرين كما هو ظاهر كلام الشيخ المتقدم وهو لازم لكل من اختار التفسير الأول، لموافقة الثاني للأصل في جملة من موارده كما أوضحناه سابقا، فلاحظ، إلا أنه مع ذلك كله يقوى في النظر إرادة الأعم من

[ 403 ]

الشك والسهو المعروف من السهو الثاني لكن على تقدير الموجب بالفتح كما قدمناه سابقا بل لولا وحشة الانفراد لأمكن القول بأن المراد من النص عدم الحكم لخصوص كل من السهو والشك في كل من موجبهما، فلا يلتفت للشك في العدد في موجب الشك، ولا للسهو في موجب السهو خاصة، دون الشك في موجب السهو والسهو في موجب الشك، فيكون المراد كل واحد بالنسبة إلى مجانسه، بل قد يؤيده ما في الصحيح (1) المتضمن لذلك، ولا على الاعادة إعادة إذ أظهر التفسيرين له أنه إذا أعاد الصلاة لخلل موجب للاعادة ثم حصل أمر موجب لها لا يلتفت إليه، كما يعضده الصحيح (2) (لا تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة، فان الشيطان خبيث معتاد لماعود) والاعتياد لغة يحصل بالمرتين كما صرح به في الحيض وإن استشكله بعض مشايخنا بعدم حصول الاعتياد عرفا بالمرتين أولا "، وبعدم وضوح القائل به ثانيا، بل ظاهر حصر التفاوى لمقتضي عدم الالتفات للشك في أمور مخصوصة غير ما في الصحيح عدمه، لكن فيه أنه لا بأس باثبات ذلك كله بهذا الصحيح لحجيته وظهور دلالته واعتضاده بغيره وعدم القطع بشذوذه، وإن لم يظهر قائل صريح به، فان ذلك لا يستلزم الاجماع على خلافه، فلا حاجة حينئذ لحمله على إرادة خروجه مخرج الغالب من كثير الشك، لأنه الذي يحصل له الشك بعد الاعادة أيضا غالبا دون غيره، فنفي الاعادة حينئذ على الاعادة للكثرة، إذ فيه مع إمكان المناقشة في الغلبة المزبورة أنه يقضي بارادة نحوه فيما تضمنه هذا الصحيح من نفي السهو، ضرورة سياق الجميع فيه مساقا واحدا "، وهو مخرج له عن صلاحية الاستدلال به على نفي السهو في السهو من حيث هو سهو في سهو وإن لم يكن هناك كثرة كما هو الفرض فيما تقدم، بل هو خلاف طريقة الأصحاب


(1) الوسائل الباب - 25 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 404 ]

المتسدلين به لذلك، وكذا لا حاجة لالتزام حصول الكثرة بالشك في الاعادة ولو مرة إذ هو كما ترى، لكن ومع ذلك فالانصاف عدم ترك الاحتياط بالاعادة إلى أن يحصل مزيل حكم الشك من الكثرة ونحوها، فتأمل جيدا ". (وكذا) لا يلتفت (إذا سها) أي شك (المأموم) إلى شكه لكن ليس له البناء حينئذ على الأقل أو الأكثر (بل عول على صلاة الامام) وكذا (لا شك على الامام إذا حفظ عليه من خلفه) بلا خلاف أجده في كل من الحكمين، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب مشعرا " بدعوى الاجماع عليه، ويدل عليه مضافا إلى ذلك مرسلة يونس (1) عن الصادق (عليه السلام) (سألته عن الامام يصلي بأربعة أنفس أو خمسة فيسبح إثنان على أنهم صلوا ثلاثة ويسبح ثلاثة على أنهم صلوا أربعا، ويقول هؤلاء قوموا، ويقول هؤلاء اقعدوا والامام مائل مع أحدهما أو معتدل الوهم فما يجب عليه ؟ قال: ليس على الامام سهو إذا حفظ عليه من خلفه سهوه باتفاق منهم، وليس على من خلف الامام سهو إذا لم يسه الامام) وخبر حفص بن البختري (2) عنه عليه السلام أيضا، قال: (ليس على الامام سهو ولا على من خلف الامام سهو) إلى آخره، وصحيحة علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) (سألته عن رجل يصلي خلف الامام لا يدري كم صلى هل عليه سهو ؟ قال: لا). وظاهر إطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين كون المأموم متحدا " أو متعددا " ذكرا أو أنثى عدلا أو فاسقا، بل عن الدرة نسبة الأخير إلى الأصحاب، بل قد يقال بشموله للصبي المميز بناء على شرعية عبادته على إشكال، لكونه من الأفراد الخفية، وعدم قبول خبره، مع إمكان منع الخفاء، على أن الرواية مشتملة على العموم اللغوي


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8 - 3 - 1

[ 405 ]

وعدم الاعتماد على خبره في غير ذلك لا يقضي بعدمه هنا كما في الفاسق، والفرق بين الفاسق والصبي بالتكليف وعدمه، وبأن الفاسق مصدق بالنسبة إلى فعله فهو في الحقيقة مخبر عن فعله، والامام يعتمد على فعله لا على إخباره عن فعل الامام يدفعه أن العمدة في المقام النص الذي قد عرفت شموله كاطلاق الفتاوى الجابرة له، فما عن بعض المتأخرين - من عدم الجواز في الصبي إلا إذا أفاد ظنا فحينئذ يعتمد على ظنه، وربما نقل عن بعضهم بل عن آخر عدم التعويل عليه وإن أفاد ظنا - ضعيف جدا "، خصوصا الأخير، وأضعف منه ما عن ثالث من الاشكال إذا كان المأموم امرأة. وكذا يستفاد من إطلاق النص والفتوى أنه لا فرق في ذلك بين حصول الظن وعدمه، بل يؤيده أيضا ذكرهم هذا الحكم بالخصوص، وإلا فلو كان المدار على حصول الظن لم يكن لذلك مزية، فانه إن حصل من غير المأموم أو غير الامام اكتفي به أيضا كما صرح به بعضهم، لما تقدم سابقا من جواز الاعتماد عليه في أعداد الركعات غير مقيد بسبب خاص، نعم يتجه اعتماد كل منهما على حفظ الآخر إذا لم يحصل له ظن بل كان باقيا على شكه، أما إذا كان ظانا فيشكل اعتماده على غيره مع أنه موهوم عنده، وإن صرح به بعض الأصحاب، بل قد يقال: إن الظاهر من لفظ السهو المنفي نصا وفتوى الشك، على أنه كيف يعتمد على غيره مع أنه يحتمل أن يكون غيره ظانا أيضا، بل قد عرفت التوقف من بعضهم في الاعتماد إذا لم يحصل له ظن بمقتضى حفظ الامام أو المأموم لظهور المرسلة في الرجوع إلى الآخر والاستناد إليه والاعتماد عليه، ولأن ذلك خرج مخرج الغالب من حصول الظن حينئذ، ففي المقام بطريق أولى. والحاصل رجوع الظان إلى غيره إن لم يقم عليه إجماع فهو في غاية الاشكال، لعموم ما دل على الاعتماد على الظن كما تقدم سابقا، مع أنه على تقدير تسليم شمول الدليل في المقام فهو من باب التعارض من وجه، والترجيح لتلك، فتأمل، وما يقال:

[ 406 ]

- إن لفظ السهو المنفي حكمه في الفتاوى والنصوص يشمل الظن لأعميته لغة منه ومن الشك مع أن في الخبر (1) (الامام يحفظ أوهام من خلفه) والوهم شامل للظن، لاطلاقه عليه شرعا، بل معنى حفظه للأوهام أن المأموم يترك وهمه ويرجع إلى يقين الامام، فإذا ثبت ذلك فيه ثبت في الآخر لعدم تعلق الفرق، مع أنه لا قائل به - لا يخلو من تأمل، لمنع شمول لفظ السهو لذلك، بل الظاهر من ملاحظة أسئلة الأخبار إرادة الشك منه هنا، والمراد بالخبر ضمان الامام ما يتوهم به من خلفه، كما ستسمع إن شاء الله في الاستدلال على عدم سجود السهو على المأموم ونحوه، بل ما ذكره في تفسيره لا يكاد يعقله أحد منه. نعم يمكن التمسك عليه بما في مرسلة يونس السابقة المشتمل سؤالها على كون الامام مائلا إلى أحدهما أو معتدل الوهم، مع أن الجواب فيها ظاهر في أنه إذا حفظ من خلفه باتفاق منهم رجع إليهم وإن كان مائلا، فتأمل، لكن فيه من التكلف والبعد ما لا يخفى، ولا جابر لها في خصوص ذلك، لانه وإن صرح به بعضهم إلا أنه لم يصل إلى حد الشهرة والمقطوع به بين الأصحاب، كما في المدارك أنه لا شك مع حفظ الامام أو بالعكس. ومما تقدم لك سابقا يظهر لك الاشكال في رجوع الشاك منهما إلى الظان إذا لم يحصل له ظن، لما عرفت من الاشكال في رجوعه كذلك إلى المتيقن فضلا عن الظان مضافا إلى أن الظاهر من الحفظ الموجود في المرسلة الذي قيدت به باقي الأخبار المشتملة على نفي حكم السهو العلم لا الظن، ودعوى أنه بمنزلته ممنوعة بالنسبة إلى غير الظان، كدعوى أن المراد بالحفظ هنا عدم الشك، فيدخل حينئذ الظان، بل لا يمكن إرادة اليقين منه هنا، إذ كيف يعرف ذلك من الامام أو المأموم ولا يرى الامام من المأموم


(1) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 407 ]

وبالعكس سوى البناء على الفعل المحتمل أن يكون منشأه ظنا أو علما، فالأمر بالرجوع مع غلبة عدم معرفة الحال دليل على ذلك، إذ أقصى ما يقضى به ذلك أنه ليس يجب معرفة العلم باليقين، بل يكفي الظن به أو احتماله أيضا، وهو غير الاكتفاء بالظن بعد العلم به، على أنه يجوز أن تظهر الثمرة بعد الصلاة واختبار حال من رجع إليه، كما أنه يجوز أن يتمسك الامام أو المأموم عند إرادة الاعتماد على إصالة عدم عروض الشك أو الظن بل البقاء على اليقين السابق، ولا حاجة حينئذ إلى اختباره بعد الصلاة، فتأمل جيدا ". والحاصل أن الصور في المقام ثلاثة: الاولى رجوع الشاك إلى المتيقن، والظاهر أنه كذلك وإن لم يحصل معه الظن، لتناول الأدلة له، مع أنه نقل عن بعضهم دعوى الشهرة عليه، فما تقدم سابقا من الاشكال فيه من بعض مشائخ مشائخنا ضعيف، الثانية رجوع الظان إليه، وقد عرفت الكلام فيه، الثالثة رجوع الشاك إلى الظان، وقد عرفت الاشكال فيه أيضا وإن كان قد يقوى رجوعه، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، وقد ذكر في الحدائق في المقام صورا " تبلغ خمس عشرة صورة كلها يظهر حكمها مما تقدم ويأتي، فتأمل. أما المتيقنان فلا يرجع أحدهما إلى الآخر من غير خلاف أجده، ووجهه واضح نعم عن بعضهم أنه قال: لو قيل بوجوب متابعة المأموم الامام كان له وجه، وكأنه للاطلاق، وهو معارض بالاطلاق الآخر، على أن المرسل قد اشترط في رجوعه إلى الامام عدم سهوه، والفرض أنه علم سهوه، ثم إنه كيف يجتزي بصلاة يقطع أنها خمس ركعات، وما دل على المتابعة لا يشمل ذلك قطعا، إذ المراد منها أنها في الصلاة. وأما الشاكان فان اتحد محل الشك فلا إشكال في لزومهما حكمه، ولا رجوع لأحدهما إلى الآخر، إذ هو ترجيح بلا مرجح، وإن اختلف محل الشك فقد قال الشهيد الثاني في روضته وتبعه عليه بعض من تأخر عنه: إنه إن جمع لشكهما رابطة رجعا إليه،

[ 408 ]

كالثلاث لو شك الامام بين الاثنتين والثلاث والمأموم بين الثلاث والأربع أو بالعكس وإلا تعين الانفراد، كما لو شك الامام بين الاثنتين والثلاث والمأموم بين الأربع والخمس أو بالعكس، وربما ظهر من المحكي عن موجز أبي العباس الفرق بين الصورتين في الأول، قال: (لو شك الامام بين الاثنتين والثلاث والمأموم بين الثلاث والأربع وجب الانفراد، ولو انعكس فلا سهو ووجب الاتمام بركعة) وفيه ما ستعرف، ولا فرق في الرجوع إلى الرابطة بين ما يكون أحدهما موجبا للبطلان أو لا كما عن بعضهم التصريح به، فلو شك أحدهما بين الثلاث والخمس والآخر بين الاثنتين والثلاث رجعا إلى الثلاث، بل ولا بين كون الرابطة شكا أولا، كما لو شك المأموم بين الاثنتين والثلاث والاربع والامام بين الثلاث والأربع أو بالعكس، إذ يسقط حينئذ حكم الاثنتين عن المأموم ويرجع شكهما معا بين الثلاث والأربع، إذ المراد بالرابطة الطرف الذي اشتركا به في شكيهما، كالثالثة في المثال الأول، والرابعة لو كان الشك بين الثلاث والأربع والأربع والخمس ونحو ذلك، وكان الوجه في الرجوع إليها رجوع كل منهما إلى يقين الآخر، فانه يقتضي في المثال الأول البناء على الثالثة، إذ يقين الامام أنها ليست رابعة ينفي أحد الطرفين من المأموم، ويقين المأموم أنها ليست ثانية ينفي أحد الطرفين من الامام، فإذا زال احتمال الرابعة لمكان يقين الامام وزال احتمال الثانية لمكان يقين المأموم تعين أن يكون ثالثة، ولا فرق في ذلك بين الامام والمأموم، فما يظهر من الموجز كما سمعت عبارته من الفرق لا وجه له. وأما إذا كان الرابطة شكا فقد تكون التبعية من طرف واحد كما في المثال الذي سمعته، وهو فيه الامام لمكان يقينه أنا ليست ثانية، وقد يكون من الطرفين كما إذا دخلت الخامسة في شك الامام، فانه يتحقق الرجوع في كل منهما.


الجواهر - 51

[ 409 ]

والظاهر جريان حكم الرابطة في الفرائض التي تبطل بنفس الشك فيها كالمغرب مثلا، فانه إذا شك الامام بين كونها ثانية أو ثالثة والمأموم شك بين كونها ثالثة أو رابعة لم يلتفت كل منهما إلى شكه لمكان يقين الآخر، وبنيا على الثالثة، وكذلك في في الصبح لو شك أحدهما بين كونه واحدة أو ثانية والآخر بين كونها ثانية أو ثالثة، فتأمل جيدا ". لكن لا يخفى عليك أن ذلك كله محل للنظر والتأمل، لما فيه من تخصيص أدلة الشك إبطالا وحكما بتخريج غير ظاهر من النصوص والفتاوى، بل الظاهر من قولهم (عليهم السلام) (1): (إذا لم يسه الامام) و (إذا حفظ من خلفه) (2) حفظ عدد الصلاة غير غافل عنها لا أنه حافظ قدرا مشتركا وإن كان ساهيا بالنسبة إلى شئ آخر بل بناء الامام على الثالثة في المثال لم يكن ليقين منه ولا ليقين من المأموم، فكونها ثالثة غير محفوظ منهما، وكذلك غيره، فكيف يسوغ له البناء عليها مع عدم الاحتياط، ويجتري على تخصيص تلك الأدلة المحكمة بها، لا أقل من الشك، وكأنه لذا ربما ظهر من المحكي عن السهوية المنسوبة للمحقق الثاني الميل إليه، قال: (إذا شك المأموم بين الثلاث والأربع والامام بين الاثنتين والثلاث قيل: فيه احتمالات: رجوع الامام إلى يقين المأموم، وهو الثلاث، الثاني رجوعه إلى شك المأموم وهو الأربع، والثالث وجوب الانفراد، لضعف الأول بالبناء على الأقل، وضعف الثاني برجوعه إلى يقين المأموم لا إلى شكه) انتهى. لكن الاحتمال الثاني لا أعرف وجهه. بل قد يرد عليهم أن المتجه على ما ذكروه عدم لزوم حكم الشك مع عدم الرابطة إذ لا مانع في المثال المفروض من بناء الامام على الثالثة من غير احتياط لمكان قطع المأموم أنها ليست ثانية، وبناء المأموم على الرابعة لمكان قطع الامام أنها ليست خامسة


(1) و (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8

[ 410 ]

فلا يجب عليه سجود سهو فحال الجلوس، فتأمل، واحتمال أن المراد في ذكر الرابطة بقاء الاتمام (1) الذي - لا يجري هنا، بل قد يمنع من أصله، لتعين الانفراد في المقام فلا يثمر ضبط أحدهما للآخر - يدفعه ظهور كلماتهم في عدم الاعتداد بحفظهما أصلا " في الفرض، وأن الانفراد متأخر فلا يقدح في الضبط المتقدم، فتأمل. ونحو ذلك أيضا يرد على موقع لهم من أنه إن تعدد المأمومون واختلفوا هم وإمامهم فالحكم ما تقدم من الرابطة وعدمها، نعم يشترط أن يكون ما يرجع إليه الامام من اليقين متفقا عليه عند جميع المأمومين، كما إذا شك الامام مثلا بين الاثنتين والثلاث وأحد المأمومين بين الثلاث والأربع والآخر بين الثلاث والخمس فانهم جميعا يرجعون إلى الثالثة، لحصول اليقين من جميع المأمومين أنها ليست ثانية، وحصوله من الامام أنها ليست رابعة ولا خامسة، أما لو كان ذلك من بعض المأمومين كما لو كان الشك للامام وبعض من خلفه بين الاثنتين والثلاث والبعض الآخر بين الثلاث والأربع فقد يقال حينئذ بوجوب الاحتياط على الامام والبعض الموافق له دون الآخر، لعدم إمكان رجوع الامام إلى يقين بعض المأمومين أنها ليست ثانية، إذ الفرض موافقة البعض له في الشك، ومن شرط جواز رجوعه حفظ من خلفه باتفاق، كما سمعته في المرسل (2) المنجبر بعمل الأصحاب كما قيل، بل هو ظاهر المصنف هنا وفي النافع وعن غيره، وكونه في بعض النسخ بايقان بدل (اتفاق) لا يقدح في الدلالة بعد ظهور لفظ (من) مع السوأل فيه، مع كون المشهورة الأولى، ولا احتياط على البعض المخالف لمكان يقين الامام أنها ليست رابعة، ويبقى الائتمام للجميع، وإنما يحصل الخلاف بعد الفراغ. لكن في الروضة (ولو تعدد المأمومون واختلفوا فالحكم كالأول في رجوع


(1) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصحيح (الائتمام) (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب اللخل الواقع في الصلاة الحديث 8

[ 411 ]

الجميع إلى الرابطة، والانفراد بدونها، ولو اشترك بين الامام وبعض المأمومين رجع الامام إلى الذاكر منهم وإن اتحد، وباقي المأمومين إلى الامام) وفيه أولا ما عرفت من احتمال اشتراط رجوع الامام بحفظ جميع المأمومين، وإن كان عدمه لا يخلو من قوة لعدم معارضة الشاك للحافظ، ومنافاته التخفيف المقصود بمشروعية هذا الحكم، ضرورة عسر علم الامام باتفاق الجميع، سيما مع كثرة المأمومين، وغير ذلك، وثانيا لا دليل على وجوب رجوع باقي المأمومين إلى الامام في هذه الصورة، لعدم حفظه، ورجوعه التعبدي لمكان حفظ بعض المأمومين ليس يقينا ولا منزلا منزلته، هذا. ويظهر من صاحب المدارك بل هو المنقول عن جده أيضا بل ربما تبعه عليه بعض من تأخر عنه أنه لا فرق في الحكم بين الأفعال والركعات، بل نسبه في المدارك إلى الأصحاب، وهو لا يخلو من تأمل للشك في شمول الادلة له. أما الظانان فالظاهر أنه لا رجوع لأحدهما إلى الآخر ما لم ينقلب ظنه إلى الأقوى، بل الحكم أنهما إن اتفقا على محل الظن بقي الائتمام (1) أما إذا اختلف فقيل: إنه يتعين الانفراد، وهو جيد إن كان المراد عند محال الافتراق، وإلا فلا مانع من بقاء الائتمام (2) قبله، ولا يقدح فيه اختلافهما، فتأمل. هذا كله في السهو بالنسبة إلى كل من الامام والمأموم بمعنى الشك، أما السهو بالمعنى المتعارف فهو إما أن يختص بالامام أو المأموم أو يشتركا فيه، أما الاول فالظاهر أنه لا إشكال في جريان جميع الأحكام المتقدمة سابقا بالنسبة إلى المنفرد عليه، لعموم الأدلة، فإذا سها عن ركن زيادة أو نقيصة بطلت صلاته، أو سها عن شئ كان في المحل وجب عليه التدارك، وإن تجاوز وكان مما يقضى قضاه، وإن كان مما يوجب سجود سهو وجب عليه من غير خلاف أجده في جميع ذلك، وما في بعض العبارات من إطلاق


(1) و (2) وفي النخسة الأصلية (الإتمام) لكن الصواب ما أثبتناه

[ 412 ]

أن لا سهو على الامام كاطلاق بعض الأخبار (1) مراد منه الشك كما هو واضح، نعم ذكر الشيخ في المبسوط وعن الوسيلة والسرائر أنه يجب على المأموم متابعته في سجود السهو وإن لم يفعل موجبه، بل فيه إن سبقه الامام للسجود بنقص صلاته جاء به المأموم بعد ذلك، بل فيه إن ترك ذلك الامام عمدا " أو سهوا " وجب على المأموم الاتيان بهما، نعم قال (رحمه الله): (إن دخل المأموم في صلاة الامام وقد كان سبقه بالركعة أو الركعتين فان كان سهو الامام فيما قد مضى من صلاته التي لم يأتم بها المأموم فلا سجود لسهو على المأموم، وإن كان سهوه فيما ائتم به وجب على المأموم السجود). لكن الأشهر بين المتأخرين كما في الرياض، والمشهور بين الأصحاب كما في الذخيرة اختصاص سجود السهو بالامام دون المأموم، وهو الأقوى في النظر، للأصل من غير معارض سوى ما قيل من عموم مادل على وجوب متابعة المأموم الامام الممنوع في مثل سجود السهو، لخروجه عن الصلاة، مع عدم جريانه في بعض ما ذكره من الصور لعدم وجود المتابعة فيها والموثق (2) (عن الرجل يدخل مع الامام وقد سبقه الامام بركعة أو أكثر فسها الامام كيف يصنع، فقال: إذا سلم الامام سجد سجدتي السهو ولا يسجد الرجل الذي دخل معه، وإذا قام وبنى على صلاته وأتمها وسلم سجد الرجل سجدتي السهو) الذي هو مع مخالفته المشهور بين أصحابنا، وموافقته للمشهور بين العامة، بل في المنتهى أنه مذهب فقهاء الجمهور كافة - محتمل لاشتراكهما في السهو، ولذا استدل به العلامة في المنتهى عليه، وطريق الاحتياط غير خفي. ثم على وجوب المتابعة فلا يجب على المأموم بمجرد أنه يراه يسجد للسهو إذا لم يعلم بوقوع السبب الموجب لاحتمال كونهما ليسا لسبب موجب، أو أنهما للسهو في صلاة سابقة كان قد نسيه أو غير ذلك، لكن عن الشهيد في الذكرى وجوبه، لأن الظاهر منه أنه


(1) و (2) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث. 7

[ 413 ]

يؤدي ما وجب عليه مع عدم مشروعية التطوع بهما، وفيه نظر يعرف مما سبق، مع إمكان منع عدم مشروعية التطوع بهما، فانه قد يحمل بعض الأخبار المشتملة عليهما عليه لمكان المعارض. وأما إذا اختص السهو بالمأموم فالظاهر أنه لا إشكال في جريان حكمه عليه في غير سجود السهو وقضاء ما يتدارك بعد الصلاة، فلو نقص ركنا أو زاد في غير المستثنى بطللت صلاته، ويجب عليه أن يتدارك المنسي ما دام لم يدخل في ركن آخر، لاطلاق الأدلة، بل قد يقال: إنه إذا دخل في ركن سهوا " بزعم دخول الامام فيه فبان عدمه فرجع إلى حال الامام وجب تدارك المنسي، ولا يقدح ذلك الدخول، وما في بعض العبارات كبعض الأخبار من نفي السهو عن المأموم مراد منه غير ذلك، كما لا يخفى على من أمعن النظر فيها. وأما قضاء السجدة ونحوها فالمشهور بين الأصحاب على ما حكي أنه يجب عليه القضاء، وبه صرح في التذكرة والبيان والسهوية المنسوبة للمحقق الثاني، وهو المنقول عن غيرها، لعموم ما دل على القضاء السالم عن المعارض سوى ما تسمعه في سجود السهو خلافا لما عن المعتبر، فلا قضاء عليه، والأول هو الأقوى. وأما سجود السهو فالظاهر لا خلاف في أنه لا يجب على الامام شئ حينئذ، كما في المنتهى وعن مجمع البرهان والغرية الاعتراف به للأصل وغيره، لكن هل يجب مع ذلك على المأموم أولا ؟ قولان، وفي الرياض (أن الأول هو الأشهر بين المتأخرين) وعن بعضهم أنه المشهور إلا أنه لم أعثر على مفت قبل العلامة (رحمه الله) في المنتهى والتحرير، وعن المختلف وفي التذكرة لو قيل به لكان وجها، ومن هنا حكي عن كشف الالتباس أن المشهور الثاني، بل في الخلاف الاجماع عليه، بل قيل وتبعه عليه بعض من تأخر عنه كالمصنف والعلامة وأبي العباس والشهيدين في الذكرى والمقاصد

[ 414 ]

ونقله في المنتهى عن المرتضى في المصباح، وفي المفتاح أنه ظاهر الفقيه والمقنع وكذا الكافي، كصريح جمل العلم والعمل، بل عن كشف الالتباس أنه لم يقل بالأول إلا العلامة وحده، وتبعه في موضع من الموجز، وفي آخر وافق الأصحاب. وكيف كان فحجة الأول - مضافا إلى ما دل على وجوب السهو (1) بأسبابها من غير تفصيل وإلى الموثق السابق - خصوص صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (2) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم قال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين) والظاهر أن الرجل مأموم، وخبر منهال القصاب (3) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسهو في الصلاة وأنا خلف الامام قال: فقال: إذا سلم فاسجد سجدتين ولا تهب) وما سمعت من الشهرة المحكية جابرة لما يقال في السند والدلالة. حجة الثاني بعد الاجماع المعتضد بالشهرة المحكية خصوص الموثق (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن الرجل سها خلف الامام بعدما افتتح الصلاة فلم يقل شيئا ولم يكبر ولم يسبح ولم يتشهد حتى سلم فقال: قد جازت صلاته وليس عليه شئ إذا سها خلف الامام، ولا سجدتا السهو، لان الامام ضامن لصلاة من خلفه) ولعله لما أشار إليه ذيل الخبر يمكن الاستدلال أيضا عليه بما عن الصدوق من خبر محمد ابن سهل (5) عن الرضا (عليه السلام)، قال: (الامام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الاحرام) وبتبديل الاحرام بالافتتاح على ما عن الكليني والشيخ، وربما


(1) هكذا في النسخة الأصلية والصواب (سجدة السهو) (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 - 5 - 2

[ 415 ]

استدل عليه بما تقدم سابقا من الأخبار المتضمنة أن ليس على الامام سهو إذا حفظ من خلفه وأن ليس على المأموم سهو إذا لم يسه الامام. وهو لا يخلو من قوة وإن كان الأول أقوى، لما عرفت من معارضة الموثق بأصح منه سندا " المعتضد بغيره، والعمومات في سجود السهو مع ترجيحه عليه بمخالفته لما أطبق عليه الجمهور إلا مكحولا كما حكاه في المنتهى، والرشد في خلافهم، ومعارضة ما اشتمل عليه من التعليل بما تضمنته الأخبار (1) الاخر من أن الامام لا يضمن صلاة المأموم، ومنها مطلق فيما عدا القراءة (2) وفي بعضها ما يشير إلى مذهب العامة في ذلك كصحيح معاوية بن وهب (3) (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيضمن الامام صلاة الفريضة ؟ فان هؤلاء يزعمون أنه يضمن، فقال: لا يضمن، أي شئ يضمن إلا أن يصلي بهم جنبا أو غير متطهر) وبذلك يعرف الحال في قوله (عليه السلام): (الامام يحمل أوهام من خلفه) مع عدم العمل بها في غير سجود السهو، ولعل المراد منه رجوعهم إليه عند الشك، وأما ما دل على نفي السهو فالظاهر إرادة الشك بقرينة قوله عليه السلام (4): (وليس على الامام سهو) على أن إرادة الشك مقطوع بها، فيمتنع إرادة غيره معه، إذ لا وجه له حيئنذ إلا المجازية، ولا قرينة، اللهم إلا أن يجعل السهو من المتواطئ بالنسبة إلى الشك وغيره، وهو بعيد، كل ذا مع موافقته للاحتياط المطلوب في العبادة فحينئذ لو سلم المأموم قبل الامام لظنه سلامه فبناء على عدم الاجتزاء به يجب عليه سجود السهو كما عن التذكرة، خلافا لما عن الذكرى من أنه يعيد المأموم التسليم ولا سجود عليه، وهو ضعيف، أما لو اشترك السهو بينهما عملا معا بمقتضاه، ولو تركه أحدهما


(1) و (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب صلاة الجماعة (3) الوسائل الباب - 36 - من أبواب صلاة الجماعة الحديث 6 (4) الوسائل الباب - 24 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 416 ]

لا يسقط عن الآخر، قيل: والمأموم مخير بين إتيانه به مع الامام بنية الائتمام وبين الانفراد، والثاني أولى، لعدم ثبوت مشروعية الائتمام فيه بعد خروجه عن الصلاة فوجوب المتابعة لا يشمله قطعا، وإن كان هو لازم من أوجبه على المأموم تبعا لمجرد عروض السبب للامام، ضرورة أولوية العروض لهما منه، لكنه ضعيف جدا ". (ولا حكم للسهو مع كثرته) كما صرح بذلك جماعة من الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في الحدائق والرياض، ومع ذلك فللمعتبرة المستفيضة، منها حسنة زرارة وأبي بصير (1) أو صحيحتهما، (قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه، قال: يعيد، قلنا: يكثر عليه ذلك كلما عاد شك قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتطمعوه، فان الشيطان خبيث معتاد لما عود به، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرن نقض الصلاة، فانه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه، قال زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم) ومنها صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) (إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك، فانه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان) وعن الفقيه (فدعه) مكان (فامض في صلاتك) ومنها خبر ابن سنان (3) عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) (إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك) ومنها الموثق (4) عن الصادق (عليه السلام) (في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشك في الركوع فلا يدري أركع أم لا، ويشك في السجود فلا يدري أسجد أم لا، فقال: لا يسجد ولا يركع، يمضي في صلاته حتى يستيقن يقينا) إلى غير ذلك.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5 3 1 2 الجواهر - 52

[ 417 ]

وظاهرها كالفتاوى إرادة البناء على وقوع المشكوك فيه وعدم الالتفات للشك من عدم الحكم للسهو، بل صرح به في الرواية الأخيرة، وهو المراد بالمضي في الصلاة حينئذ الواقع في غيرها، بل إليه يشير التعليل السابق زيادة على ذلك من غير فرق بين الأعداد والأفعال، ولا بين الشك المفسد وغيره، ولا بين الثنائية وغيرها، نعم ذلك كله حيث لا يؤدي البناء على الوقوع فسادا "، أما إذا أدى إلى ذلك كأن يكون الشك كثيرا في الاربع والخمس مثلا أو زيادة الركوع فانه حيئنذ يبني على الأقل كما صرح به بعضهم، وكأنه للأصل ولما يظهر من إطلاق الفتوى عدم الحكم له، ومن الأدلة أن ذلك تخفيفا على المكلف ورغما لأنف الشيطان، فيتعين حينئذ البناء على المصحح هنا، لكن عن الأردبيلي التخيير بين البناء على ما ذكرنا من البناء على الأكثر إلا إذا استلزم فسادا " وبين البناء على مقتضى الشك إن فسادا " ففسادا " وإن احتياطا فاحتياطا، وعن الشهيد في الذكرى احتمال عدم الالتفات لكثير الشك رخصة، فيجوز أن يعمل على مقتضى الشك فيتلافي إن كان في المحل مثلا، وفي السهوية المنسوبة للمحقق الثاني التخيير لكثير السهو بين البناء على وقوع المشكوك فيه وبين البناء على الأقل ويتم صلاته. إلا أن الجميع مخالف للظاهر من النص والفتوى من غير مستند، وقوله عليه السلام في خبر أبي بصير المتقدم (يعيد) - مما عساه يستدل به للأردبيلي بتقريب أن الجمع بينه وبين قوله (عليه السلام): (يمضي في شكه) يقتضي التخيير - فيه - مع عدم شموله لتمام المدعى، وعدم الشاهد عليه في المقام - انه محتمل لارادة الكثرة في أطراف الشك: أي لا يدري واحدة أم ثنتين أم ثلاثا أم أربعا بقرينة قوله عليه السلام: (حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه) لا الكثرة المبحوث عنها في المقام، ولذا لما ذكر السوأل عنها أجاب (عليه السلام) بأنه يمضي في شكه، فلا يجسر بمجرد ذلك على مخالفة الظاهر من النص والفتوى وارتكاب المجاز في مثل قوله (عليه السلام): (يمضي في صلاته) وقوله عليه السلام:

[ 418 ]

(لا يعد) ونحو ذلك مما فيه خروج عن أصول المذهب، هذا، ولم أجد في الأدلة ما يدل على ما ذكره الشهيد والمحقق الثاني إلا مجرد كونه احتمالا في الدليل، فلا يصلح للفقيه البناء عليه، وحينئذ لو تلافى ما شك فيه فالظاهر بطلان صلاته، لكونه زيادة منهيا عنها إلا حيث يكون الفعل المشكوك فيه مما يصح فعله في الصلاة كالقراءة، فله أن يأتي بها لا بنية الجزئية بل بنية القربة، فتأمل. وهل المراد بلفظ السهو الموجود في العبارة وغيرها من النص والفتوى مجرد الشك أو هو والسهو بالمعنى المتعارف ؟ وجهان بل قولان، أظهرهما الأول، للقطع بعدم إرادة المعنى الحقيقي من لفظ السهو، بل المراد إما الشك أو المعنى الشامل له وللحقيقي على عموم المجاز، فالمتيقن حينئذ إرادة الشك، فيقتصر عليه، وبمجرد احتمال إرادة غيره معه لا يهجم على تخصيص ما دل على حكم السهو الشامل للمقام، ودعوى أن التعميم أقرب المجازين للحقيقة فيتعين الحمل عليه لذلك ممنوعة، وما عساه يقال لا داعي إلى ارتكاب المجاز في لفظ السهو، لاشتمال الأدلة على الشك والسهو، فيستدل على الاول بما دل على حكمه فيها، كخبري أبي بصير (1) وعمار (2) المتقدمين، وتبقى أخبار السهو له خاصة فلا تجوز فيه - يدفعه أنه وإن كان محتملا " بالنسبة للأخبار، لكنه غير محتمل بالنسبة إلى كلام الأصحاب، لتعبيرهم عن هذا الحكم بلفظ السهو، وهو العمدة في المقام، بل مما يؤيد حمل لفظ السهو على الشك زيادة على ما عرفت نقل الاجماع إن لم يكن محصلا " على أن جميع أحكام السهو من تلافي المسهو عنه إن كان في المحل، وعدم تلافيه في خارجه والقضاء خارج الصلاة لو كان سجدة ونحوها، وبطلان الصلاة لو كان ركنا إلى غير ذلك تجري بالنسبة إلى كثير السهو كما اعترف به من عمم لفظ السهو لهما كالشهيد في الروضة وغيره، فلم يبق حينئذ معنى لانتفاء حكم السهو سوى سقوط سجدتي السهو،


(1) و (2) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحيدث 2 - 5

[ 419 ]

وفي استفادة ذلك من الأدلة نظر، لاشتمالها على قوله (عليه السلام): (فامض في صلاتك) ونحوه، ولا دلالة فيه على سقوطهما، لأن الأمر بالمضي في الصلاة لا ينافي وجوبهما خارجها. وقال في الرياض في الجواب عن ذلك: (إن المراد من نفي حكم السهو نفي موجبه، وهو ليس إلا سجدتا السهو، لأن تدارك المسهو عنه في الصلاة أو في خارجها لم ينشأ من السهو حتى يكون ذلك من جملة أحكامه، بل نشأ من عموم الأدلة الموجبة له، فلا موجب للسهو حينئذ إلا السجدتان، فيسقطان، فيتجه حينئذ نفي الحكم عن السهو لكثيره، وكذا فساد الصلاة كما إذا سها عن ركن لم ينشأ من نفس السهو، بل من حيث الترك حتى لو حصل من غير جهته) وفيه أن هذا الكلام بعينه يمكن أن يجري بالنسبة إلى الشك أيضا، فيقال: إن المراد من نفي الحكم عنه نفي موجبه، وليس إلا الركعات الاحتياطية والسجود، وأما تلافي المشكوك فيه فليس منه، بل هو من جهة إصالة عدم الاتيان، فيبقى مخاطبا به، فينبغي أن يتلافى مع الكثرة، فانه لا معنى للتفرقة، مع أن المؤدي لهما عبارة واحدة، وهي لا حكم للسهو مع الكثرة، وأيضا دعوى أن تدارك السجدة المنسية والشتهد المنسي خارج الصلاة ليس من موجب السهو في غاية البعد، إذ الدليل الأول غير شامل لمثل ذلك قطعا، بل قد يقال أيضا بالنسبة إلى تدارك المنسي في الصلاة إنه ليس مشمولا الدليل الأول، ضرورة وجوب السجود قبل القيام، فإذا قام سهوا لم يشمله الدليل الأول، ولذا كان مقتضى القاعدة الفساد، نعم لما دل الدليل أنه يجب عليك السجود وقلنا به فهو مما وجب للسهو، وإن كان لا يخلو من نظر، بل لا يخفى (1) على الناظر نحو قوله للأدلة (إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك ولا


(1) هكذا في النسخة الأصلية والظاهر أن في العبارة تقديم وتأخير والصواب أن يقال: (بل لا يخفى على الناظر للأدلة نحو قوله (ع)..)

[ 420 ]

تعد) أن المراد منها عدم الالتفات إلى المسهو عنه، فلو أريد بلفظ السهو ما يشمل الحقيقي لوجب الالتزام بعدم وجوب الالتفات إلى المسهو عنه ركنا كان أو غيره إذا كان كثير السهو، فيقتصر حينئذ على ثلاث للظهر مثلا إذا سها عن الرابعة إن كان كثير السهو وإن ذكر ذلك قبل الخروج من الصلاة، وقد التزم بذلك كله صاحب الحدائق حيث رجح إرادة ما يشمل الشك والمعنى الحقيقي من لفظ السهو، وهو كما ترى منشأه الخلل في الطريقة والاعراض عن كلمات الأصاب وإجماعاتهم، فحينئذ يقتصر في الحكم على الشك، ولا يتعدى منه إلى السهو، فيجب السجدتان وغيرهما تحكيما لأدلتهما السالمة عن المعارض، وما يقال: إن تلك الأدلة ظاهرة فيما إذا كان السهو جاريا على حسب الغالب في الناس لا فيما إذا كان خارجا عن أغلبهم، فيشك في شمول الأدلة لمثل المقام ضعيف، وإلا لجرى بالنسبة إلى تدارك المنسي في الصلاة وخارجها، وهو لا معنى له، فالأدلة باطلاقها شاملة للمقام قطعا. وأما سقوط سجود السهو الذي يوجبه الشك فلا إشكال فيه، وما يقال: إن الأمر بالمضي ونحو ذلك لا يدل عليه ضعيف، وإلا لجري في مثل ركعات الاحتياط، بل الظاهر من الأخبار أن هذه الكثرة من الشيطان، فلا يعمل بموجبها حتى لا يطاع فلا يعود، كما هو واضح. ولو كثر شكه في فعل بعينه كالركوع مثلا فهل يعد كثير الشك بذلك، فيجري عليه حكمه بالنسبة إلى غيره من الافعال والاعداد أو يقتصر عليه فقط ؟ وجهان، قد اختار أولهما في المدارك والرياض وعن غيرهما، للاطلاق المؤيد بالتعليل بأن ذلك من الشيطان، والأقوى الثاني لأنه المتبادر من النصوص، لظهورها في عدم الالتفات إلى ما كثر سهوه فيه، وما ذكر من التعليل فهو للثاني أولى منه للأول، فتبقى الأدلة الأول على حكم الشك محكمة، بل يحتمل اختصاص الحكم بالنسبة إلى الركعات، فمن كان كثير

[ 421 ]

الشك في ركوع الأولى مثلا لا يكون كذلك بالنسبة للثانية، كما هو محتمل أيضا بالنسبة إلى الفرائض، فمن كان كثير الشك في ركوع ركعات الصبح مثلا لا يتعدى منه بالنسبة إلى الظهر. ومما ذكرنا يظهر الحكم فيما لو كان كثير الشك في الشئ حيث لا حكم له كأن يشك في الركوع مثلا بعد تجاوز المحل، أو يشك كم صلى بعد الفراغ ونحو ذلك، فانه لا يكون بذلك كثير الشك لا فيه ولا في غيره، فلو شك في الركوع قبل التجاوز تلافى لما سمعت سابقا، وللأمر بالمضي في الصلاة الظاهر في عدم الالتفات حيث يكون له حكم، بحيث لو لم يكن كثيرا لجاء به، ولولا فهم الاصحاب التعميم لمطلق الشك لأمكن الاستظهار من بعض الادلة قصر الحكم أعني عدم الالتفات في الشك المفسد الموجب للاعادة، لا فيما جعل الشارع له علاجا، كالشك بين الثلاث والأربع مثلا. والمدار على كثرة السهو في الصلاة لا الكثرة في نفسها، فمن كان كثير السهو في نفسها إلا أنه في الصلاة ليس كذلك جرى عليه حكمه، كما ينبئ عنه الموثق (1) المتقدم وغيره، فتأمل. ثم الذي يظهر من أدلة المقام أنه لا يجب على كثير السهو ضبط صلاته بنصب قيم أو بالحصى أو بالخاتم ونحو ذلك من التخفيف وغيره وإن كان متمكنا منه، حتى لو علم أنه يعرض له ذلك في صلاة يريد أن يشرع بها لم يجب عليه ذلك، وما في بعض الأخبار (2) من الأمر بالادراج لكثير السهو أي ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود كناية عن التخفيف، والأمر بالاحصاء بالحصى محمول على إرادة بيان علاج


(1) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 5 (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 والباب 28 منها

[ 422 ]

السهو، أو أن (1) ذلك مما ينبغي، كما يشعر به قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحلبي (2): (ينبغي تخفيف الصلاة من أجل السهو) ونفي البأس في خبر المعلى (3) سأل الصادق (عليه السلام) فقال له: (إني رجل كثير السهو فما أحفظ صلاتي إلا بخاتم أحوله من مكان إلى مكان، فقال: لا بأس به). أما من كان كثير الظن أو القطع فالظاهر البناء على ظنه وقطعه إلا إذا كان ما استفاد منه الظن أو القطع معلوما وكان لا يستفاد منه ذلك عند العقلاء، فانه حينئذ يشكل البناء عليه. (ويرجع في) تحقق مسمى (الكثرة إلى ما يسمى في العادة كثيرا ") كما صرح به جملة من الأصحاب، بل قيل: إنه مذهب الأكثر، كأن يسهو مثلا في كثير من أفعال صلاة واحدة أو يشك فيها شكا مفسدا " فيعيدها فيشك ذلك الشك وهكذا، لأنها المحكمة فيما لم يرد فيه بيان من الشارع، وتحديده بالثلاث في الصحيح (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلاث فهو ممن كثر عليه السهو) مع ما فيه من الاجمال المسقط للاستدلال قد قيل: إن أظهر ما يراد منه أن لا يسلم من سهوه ثلاث صلوات متتالية، وهو غير مناف للعرف، بل لعله بيان له وليس حصرا "، لكن فيه أن مجرد تحقق السهو في ثلاث لا يتحقق به الكثرة مع اختلاف المحل، فلعل الأولى إرادة السهو في كل شئ من جزء أو غيره ثلاث مرات:


(1) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصواب (وأن) وإلا لزم أن يكون ما قبل (أو) على وجه الوجوب (2) الوسائل الباب - 22 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (3) الوسائل الباب - 28 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 وهو خبر حبيب بن المعلى (4) الوسائل الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7

[ 423 ]

أي بأن يسهو في الركوع مثلا ثلاث مرات ولو في ضمن ثلاث صلوات مع احتمال الاقتصار على الفريضة الواحدة، لكن الأقوى خلافه خلافا للمنقول عن ابن حمزة من تحقق الكثرة بأن يسهو ثلاث مرات متوالية، ولعل مراده في شئ واحد كالركوع مثلا من غير تخلل ركوع معلوم الذكر، ولا يريد الحصر بل يكون بيانا لبعض مصداق العرف، وإلا فلا حجة له سوى ما سمعت من الرواية على إجمالها. ولعله الذي أراده المصنف بقوله: (وقيل) بأن (يسهو ثلاثا في فريضة) إذ لم أعثر على من نقل هذا غيره، ولابن إدريس (1) فتحقق بأن يسهو في شئ واحد أو فريضة واحدة ثلاث مرات أو في أكثر الخمس أعني الثلاث فيها، فيسقط في الفريضة الرابعة، وهو الذي أشار المصنف إليه بقوله: (وقيل بأن يسهو مرة في ثلاث فرائض) ولا مستند له فيما أجد سوى ما سمعت، ولعل مراده بيان تحديد العرف، فيرتفع النزاع وإن كان في انطباقه إشكال (والأول أظهر) لما عرفت، ولو شك في تحقق الكثرة بنى على عدمها للاصل، كما لو شك في زوالها بعد تحققها لذلك، إذ كما أن المرجع في تحققها إلى العرف كذلك هو المرجع في زوالها بحيث يصدق عليه أنه ليس كثير الشك في ذلك، نعم على تقدير التحديد بالثلاث يحتمل أو يكون المدار في زوالها على سلامة الثلاث أيضا، فتأمل جيدا ". المسألة (الخامسة من شك في عدد النافلة بنى على الأكثر) أو الأقل مخيرا " بينهما كما صرح به جماعة، بل في المصابيح وعن المعتبر الاجماع عليه، بل في الرياض إجماعا على الظاهر المصرح به في جملة من العبائر مستفيضا، بل في مفتاح الكرامة عن الامالي عد من دين الامامية أن لا سهو في النافلة، فمن سها فيها بنى على ما شاء، بل فيه أيضا عن ظاهر التهذيب الاجماع عليه أيضا، حيث قال: (عندنا) بل ربما حكي


(1) معطوف على قوله (قده): (للمنقول عن ابن حمزة

[ 424 ]

أيضا عن المنتهى الاجماع عليه مستثنيا ابن بابويه حيث جوز البناء على الأقل والاعادة إلا أني لم أجد شيئا من الاجماع والاستثناء فيه، وظني أنه وهم. نعم في التذكرة (لا حكم للسهو في النافلة، ولو شك في عددها بنى على الأقل استحبابا، وإن بنى على الأكثر جاز، ولا يجبر سهوه بركعة ولا سجود عند علمائنا أجمع) وقد يستفاد من تفريعه حكم الشك على نفي حكم السهو في النافلة نحو ما سمعته من الأمالي بل وغيرها من عباراتهم أنه المراد أو بعضه من مثل هذه العبارة، فيكون حينئذ معقد إجماع الغنية حيث حكاه على نفي حكمه في النافلة وكثير الشك وجبر السهو وغيرها بل والخلاف أيضا، حيث قال: (لا سهو في النافلة، وبه قال ابن سيرين، وقال باقي الفقهاء: حكم النافلة حكم الفريضة فيما يوجب السهو، دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، فمن أوجب حكما فعليه الدليل، وأخبارنا في ذلك أكثر من أن تحصى) انتهى. بل ومنه تظهر دلالة صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) عليه أيضا، قال: (سألته عن السهو في النافلة فقال: ليس عليك شئ) أو (سهو) على ما عن نسخة أخرى المعتضد بالخبر (2) (لا سهو في نافلة) إذ المراد بالسهو فيه الغفلة الشاملة لحال الشك، كما هو ظاهر غيره من الأخبار التي عبرت به عنه كما تسمع بعضها فنفيه حينئذ على إحدى النسختين الذي يراد به نفي حكمه أو نفي شئ عليه على النسخة الأخرى ظاهر في إرادة التعريض به لحكم الفريضة التي يكون حكمه فيها الجبر بعد البناء على الأكثر إن كان رباعية، والبطلان إن كانت ثنائية، فالنفي حينئذ شامل لهما أي


(1) الوسائل الباب - 18 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) المستدرك الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 الجواهر - 53

[ 425 ]

لا بطلان ولا جبر مع البناء على الأكثر، لكن تنحصر حينئذ دلالته على البناء على الأكثر ولعله الذي فهمه منه الكليني، ولذا قال بعد روايته الصحيح المزبور: وروي أنه إذا سها في النافلة بنى على الأقل، إلا أنه لا بأس به للاكتفاء في جواز البناء على الأقل حينئذ بالأصل والمرسل المزبور بعد صرف ظهور تعيين البناء فيه على الأقل إلى التخيير جمعا أو الأفضلية ونحوها، أو يقال: إن التخيير لازم للنفي المذكور في الصحيح المزبور، ضرورة اندراج ما عداه من البطلان أو تعين الأكثر أو الأقل في المنفي على النسختين، سيما الأولى منهما، لصدق وجوب شئ حينئذ عليه وكونه حكما للسهو، ولعله لذا استدل بالصحيح المزبور في مصابيح العلامة الطباطبائي على التخيير بعد الاجماع كما أنه أيده به في المنتهى. وكيف كان فما عساه يلوح من المدارك بل والذخيرة - من التوقف في جواز البناء على الأكثر، لوضوح ضعف ما ذكره بعضهم دليلا له من جواز قطع النافلة اختيارا " الذي من المعلوم صدور مثل ذلك منهم عند وضوح الحكم في - المسألة مما لا يصغى إليه بعد ما عرفت، مضافا إلى إمكان دعوى استفادة جواز البناء على الأكثر هنا من ثبوته في الفريضة، بل ربما كان في أدلته هناك ما يشمل المقام، فلا ينبغي التوقف حينئذ في التخيير. (و) لكن (إن بنى على الأقل كان أفضل) كما صرح به غير واحد، بل في الرياض لا خلاف فيه يظهر، بل قد يظهر من الذخيرة وعن غيرها الاجماع عليه، بل في المدارك لا ريب فيه، بل في المصابيح وعن المعتبر الاجماع عليه صريحا عملا " باليقين وأخذا " بالأشق، وللمرسل السابق، بل يتعين البناء على الأقل حيث لا يصح الأكثر كما صرح به بعضهم فيما إذا شك في الموظف وازائد أو الزائد والناقص حتى لو قلنا بجواز قطع النافلة، فان القطع غير البناء، وإطلاق الأصحاب التخيير منزل على غير ذلك مما يصح الفعل بكل منهما قطعا، فما عن بعضهم - من احتمال إبقاء الاطلاق على حاله بحيث يشمل

[ 426 ]

الأقل والأكثر مع الصحة وعدمها، ويتعين عليه حينئذ الاعادة لو اختار الثاني كما ترى ضعيف جدا "، خصوصا لو قلنا بحرمة قطع النافلة، فلو شك في الوتر حينئذ بنى على الركعة ولم تبطل بالاجماع المحكي في المصابيح إن لم يكن محصلا "، لكن في المعتبرة (1) ا لأمر باعادتها مع الشك، وينبغي حملها على الوجوب بالعارض أو على إعادتها بالشك بين الاثنتين والثلاث في الثلاثة المفصولة، فانه حينئذ شك في وقوع المفردة، فتعاد كما يعاد غيرها من النوافل بالشك في الوقوع، إذ احتمال إرادة التخيير أيضا بالنسبة إليه بحيث لو شك في أنه صلى من نوافل الزوال أو صلاة الليل مثلا " أربعا أو ستة كان مخيرا " أيضا بعيد جدا "، بل كأنه مقطوع بعدمه. نعم لا فرق في الحكم المزبور بين النوافل كلها ثنائيها كما هو المعظم منها وثلاثيها كالوتر على القول بأنها ثلاث ركعات يجوز فيها الوصل ورباعيها كما في صلاة الأعرابي بل وصلاة جعفر (عليه السلام) على ما أرسل عن بعض القول به فيهما، بل عن الشيخ أنه روى في المصباح في صلاة ليلة الجمعة صلاة أربع ركعات لا يفرق بينها وإحدى عشر ركعة بتسليمة واحدة وإن كان في ذلك منع ليس ذا محله، بل قيل: إن المشهور المجمع عليه في السرائر المعهود في الشرع تثنية سائر النوافل عدا الوتر وصلاة الأعرابي، للأمر بالفصل بالتسليم في الكل، والنهي عن الوصل بينها في النص، ولتمام البحث فيه محل آخر. وكيف كان فيندرج هنا في النافلة حيث كان المراد بها ما قابل الفريضة بالنسبة للتخيير المذكور صلاة العيد مع اختلال شرائط الوجوب كما صرح به العلامة الطباطبائي في مصابيحه، بل عن الشهيد الثاني (رحمه الله) التصريح به في الروض معللا " له بأنها نافلة في هذا الحال، بل قيل: إنه مقتضى كلام الفاضلين أيضا وغيرهما حيث قيدوا بطلانها بالشك إذا كانت فرضا، بل في المصبايح التصريح باندراج المعادة ندبا بادراك


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 7 و 14 و 15

[ 427 ]

الجماعة أو احتمال الخلل أو وجود المخالف أو غيرها من الأسباب المخصوصة المقتضية لاستحباب الاعادة في مواردها المنصوصة يومية كانت أو غيرها كالكسوف المعادة قبل الانجلاء في حكم النافلة أيضا، بل قال فيها: (وكذلك الصلوات المتبرع بها عن الأموات والواقعة بالمعاطاة من غير لزوم) ولعله لا طلاق النص والفتوى، فانها في جميع ذلك نافلة وليست بفريضة وإن لم نشترط في صدق المشتق بقاء المبدأ، لاختلاف الموضوع في الصلاتين، فان المعادة غير الأولى، والواقعة نفلا غير الواقعة فرضا، مع طريان الوصف المضاد المانع من الصدق على تقدير الاتحاد. لكن لا يخفى عليك أن ذلك جميعه محمل للنظر والتأمل خصوصا اليومية منها، وخصوصا التبرعية والاحتياطية منها، للشك في تناول الاطلاق لها، بل قد يدعى ظهور سائر أدلة أحكام الشك ونحوها في تعلقها بذوات هذه الصلوات من غير مدخلية للفرض والنفل فيها حتى لو وقعت من الصبي بناء " على شرعية عباداته كباقي أحكام السهو والنسيان والزيادة والنقصان وقراءة السورة واشتراط القيام والاستقبال والاستقرار وحرمة القطع ونحوها، كما لا يخفى على من لاحظها، بل ليس في شئ منها ظهور في لحوق شئ من أحكام الشك للفريضة من حيث كونها فريضة، بل إن كان ذكر مثل هذا الوصف في شئ منها فهو خارج مخرج الغالب، على أن في جملة من نصوص الشك (1) تعليق الحكم على اسم المغرب والغداة ونحوهما الشامل للفرض والنفل، ودعوى ظهورها في الأول ليس بأولى من دعوى ظهور النافلة في غيرها، لا أقل من ثبوت التعارض المقتضي لمراعاة الاحتياط، إذ ترجيح إطلاق النفل عليه بالأصل والعمومات وظاهر الأصحاب وثبوت حكم النافلة لما يستحب من سائر الصلوات كالعيد والكسوف والطواف وحكم الفريضة للنافلة الملتزمة بالنذر وغيره الذي يفهم منه دوران حكم الشك


(1) الوسائل الباب - 2 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة

[ 428 ]

على وجوب المشكوك فيه وندبه من غير فرق بين اليومية وغيرها كما ترى بين معارض وبين ممنوع، بل لا يبعد دعوى نظير ذلك في النافلة أيضا، فيقال بثبوت جميع أحكامها لها وإن عرض لها الوجوب بنذر أو أمر سيد أو والد أو إجارة أو نحوها، إلا ما علم تبعيته للنفل من حيث كونه نفلا " كالتطوع في الوقت ونحوه لا غيره مما علم عدمه، أو لم يعلم كالشك وعدم وجوب قراءة السورة ونحوه، خصوصا الأحكام الموافقة للأصل الذي ينبغي الرجوع إليه عند الشك في شمول كل من دليلي الفريضة والنافلة لها، ودعوى ظهور التعليق على النافلة في العدم عند عدم الوصف وإن سلم عدم ظهوره في ذلك فلا ريب في عدم استفادة مساواة حكم المفهوم للمنطوق - منه يدفعها عدم حجية مفهوم الوصف أو لا وخصوص الخارج مخرج الغالب منه، وخصوصا بالنسبة إلى زائل الوصف من موضوع المنطوق، بل الظاهر في مثله جريان الاستصحاب بعد الشك في مدخلية الوصف في الحكم لاحتمال إرادة ذات الموضوع غير المقيد بدوام الوصف، بل لعل أكثر موارد الاستصحاب من هذا التقبيل، وليس هو من تغير الموضوع بعد فرض عدم معلومية مدخلية الوصف فيه، كما أنه لا يحتاج بعد الاستصحاب في ثبوت الحكم المزبور إلى دعوى صدق المشتق، ضرورة ثبوت الحكم حينئذ وإن صح سلب اسم النافلة عنه، للاستصحاب الذي لا ينافيه انتفاء حكم المشتق من حيث انتفاء الصدق، لعدم توقف حجيته على شئ من ذلك، ولتحريره زيادة على ما سمعت مقام آخر إن شاء الله. هذا كله في الشك في العدد، أما الشك في الأفعال فيقوى في النظر مساواة النافلة فيه الفريضة، فيتدارك مع بقاء المحل، ولا يلتفت مع خروجه، وفاقا للمدارك وعن الروض وفوائد الشرائع، بل تشعر عبارة الرياض بكونه إجماعيا، تحكيما للقاعدة المستفادة من الأخبار فيه المؤيدة في الجملة بالاعتبار المحكمة غاية الأحكام الظاهرة في عدم الفرق فيه بين النافلة والفريضة، بل وغيرهما من العبادات وغيرها إلا ما خرج

[ 429 ]

بالدليل كالوضوء على نفي السهو في الصحيح المتقدم ونحوه لو قلنا بشموله لنحو المقام، وإلا فقد يمنع ويدعى أن التدارك في المحل ليس من أحكام السهو، بل هو لاصالة عدم الاتيان بالفعل، خصوصا إذا لم يتلبس بشئ بعده، بناء " على أن المحل شئ مخصوص لا مطلق الدخول في شئ آخر. وخلافا الرياض ومحتمل الذخيرة وعن مجمع البرهان فلم يوجبوا التدارك ولو في المحل ركنا أو غيره، لعموم الصحيح (1) والخبر (2) وأولويته من العدد، وفي الأول ما عرفت، وفي الثاني منع واضح، وأولى منه تدارك المنسي في محله، إذ احتمال عدم الالتفات للصحيح المزبور أو البطلان لتوقيفية العبادة في غاية الضعف، بل لعل الثاني مقطوع بعدمه، كما أن الأول مبني على عموم السهو فيه للنسيان أيضا، ولا بأس به، إذ المراد منه الغفلة كما في المصباح المنير، وعلى أن تدارك المنسي في المحل من أحكام السهو كي يندرج حينئذ في النفي المذكور، وهو في حيز المنع، بل قد يستفاد من خبر الصيقل (3) عن الصادق (عليه السلام) (في الرجل يصلي الركعتين من الوتر فيقوم فنسى التشهد حتى يركع، ويذكر وهو راكع قال: يجلس من ركوعه فيتشهد ثم يقوم فيتم، قال: قلت: أليس قلت في الفريضة: إذا ذكر بعدما يركع مضى ثم يسجد سجدتين بعد ما ينصرف فيتشهد فيهما ؟ قال: ليس النافلة كالفريضة) صحة التدارك بعد الخروج عن المحل، كخبر الحلبي (4) (سألته عن رجل سها عن ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة قال: يدع ركعة ويجلس ويتشهد ويسلم ثم يستأنف الصلاة بعد) على معنى إلقاء ما في يده من الركن مثلا " ثم يتدارك المنسي ثم


(1) و (4) الوسائل الباب - 18 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 - 4 (2) المستدرك الباب - 16 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (3) الوسائل الباب - 8 - من أبواب التشهد الحديث 1

[ 430 ]

يستأنف أفعالا " أخر غير الأولى، لكن في الموجز (أنه إذا سها في ركعتي الغفيلة عن قراءة الآي الموظف لها حتى ركع قرأ الآي في ركوعه إن ذكر هو راكع، وفي سجوده إن ذكر وهو ساجد، ولو لم يذكر حتى رفع رأسه من سجدة الثانية صار -، مطلقة، ويجوز له الاقتصار على ركعة واحدة ويستأنف الغفيلة، ولو سها عن قنوتها تداركه قبل سجوده، ويقضيه بعد سلامه، ويكبر له مستقبلا "، والأفضل قراءة الآي والقنوت عليها) انتهى، ولم نعرف مدركا لشئ من هذه الأحكام. نعم يظهر من الخبرين المزبورين أن زيادة الركن سهوا " في النافلة غير قادحة، كما هو صريح الموجز وظاهر الدروس خلافا للمدارك وعن الروض، بل لعله مندرج في نفي السهو في الصحيح وغيره، بل قد يتسلق منه إلى عدم قادحية نقصان الركن أيضا نسيانا ولم يذكره إلا بعد تمام النافلة بحيث لا يسعه التدارك أبد " ا وإن لم أجد أحدا " صرح به، بل في الدروس والمدارك وعن فوائد الشرائع والروض ومجمع البرهان وغيرها ما يقتضي البطلان كما هو صريح الموجز، ولا بأس به، لأنه الموافق للاحتياط المطلوب في العبادة التوقيفية، بل ينبغي مراعاة الاحتياط في سابقه أيضا. نعم ينبغي الجزم بنفي سجدتي السهو لما يوجبها كما صرح به في المنتهى والمدارك وغيرهما، بل هو بعض معاقد الاجماعات السابقة، بل في الرياض عن ظاهر الأول وصريح الخلاف نفي الخلاف فيه، بل هو مندرج في نفي السهو في الصحيح وغيره بناء " على إرادة الأعم من الشك منه على معنى في الموجب بالفتح، بل لعله المفهوم من الخبرين السابقين أيضا، كما أنه ينبغي الجزم بنفي مشروعية قضاء ما يقضى في الفريضة فيها من السجدة والتشهد المنسيين، بل يتداركهما مع الامكان، ولا يلتفت مع عدمه، كما إذا تخلل ما يخرج به عن كونه مصليا ولو لطول الزمان من الفراغ، بناء على اختلاف الفريضة والنافلة في إمكان تدارك المنسي للخبرين السابقين وإن كان العمل بهما لا يخلو من نظر

[ 431 ]

خصوصا مع التعدي لغير موردهما، لكن يستفاد منهما ومن غيرهما من الأخبار سهولة الأمر في النافلة وإن لم تف بتفصيل ذلك، كما أنهاما وفت في تمام ما يتعلق بالتخيير بين الأقل والأكثر من بيان حاله لو بنى على الأقل ثم ظهر الأكثر أو العكس بعد الفراغ أو قبله، وهل تحتسب له أو ينبغي له الاعادة، وإن كان قد يستفاد حكم بعض ذلك مما ذكرنا، كما أنه يمكن بعد ما سمعت أولوية ثبوت كل ما شرع في الفريضة مما هو مناسب للتخفيف في النافلة، فتأمل جيدا ". (خاتمة في سجدتي السهو) (وهما واجبتان حيث ذكرناه و) زيادة (فيمن تكلم في الصلاة ساهيا) ولو لظن الخروج منها: (أو سلم في غير موضعه) كذلك على المشهور بين الأصحاب قديما وحديثا نقلا وتحصيلا، بل في الفقيه والمنتهى وعن ظاهر الشافية وصريح النجيبية بل وآراء التلخيص على ما عن غاية المراد الاجماع عليه فيهما، كما عن الحسن بن عيسى على ما في المختلف نسبة أو لهما إلى آل الرسول (عليهم السلام) وهو الحجة بعد صحيح ابن الحجاج (1) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتكلم ناسيا في الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم، فقال: يتم صلاته ثم يسجد سجدتين) وابن أبي يعفور (2) الوارد في الشك بين الثنتين والأربع عن الصادق (عليه السلام)، قال فيه: (وإن تكلم فليسجد سجدتي السهو) بل وسعيد الأعرج (3) المشتمل على قصة ذي الشمالين عن الصادق (عليه السلام)، قال فيه: (وسجد سجدتين لمكان الكلام) ومنه حيئنذ يظهر دلالة


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (3) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 16

[ 432 ]

غيره من الأخبار المشتملة على ذكر فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياهما فقط من دون بيان أنه للكلام أو للسلام أو لهما، بل وموثق عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) ((عن الرجل إذا أراد أن يقعد فقام ثم ذكر من قبل أن يقدم شيئا أو يحدث شيئا قال: ليس عليه سجدتا السهو حتى يتكلم بشئ) وصحيح العيص (2) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ركعة من صلاته حتى فرغ منها ثم ذكر أنه لم يركع قال: يقوم فيركع ويسجد سجدتين) وموثق عمار (3) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى ثلاث ركعات وهو يظن أنها أربع فلما سلم ذكر أنها ثلاث قال: يبني على صلاته متى ذكر ويصلي ركعة ويتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو وقد جازت صلاته) إلى غير ذلك. فما عن ظاهر الصدوقين والجعفي من عدم الوجوب فيهما، بل ربما مال إليه في الثاني المدارك، بل لعله أيضا ظاهر اقتصار الحسن بن عيسى والمفيد وعلم الهدى وابن حمزة وسلار في المحكي عنهم على الكلام ناسيا من غير ذكر السلام معه عكس المحكي عن أبي علي في الذكرى - ضعيف جدا "، بعد الاغضاء عن ضعف هذا الاستظهار الذي منشأه الاقتصار، بل عن الفقيه وبعض نسخ المقنع النص على الكلام المحتمل إرادته منه ما يشمل السلام نحو كلام أولئك الأعلام، كما نفى عنه الريب في الذكرى، بل لعل ذكر السلام في كلام أبي علي مثالا للكلام، فيرتفع النزاع حينئذ في المقام، ويمكن دعوى الشهادة على أن ذلك الاجماع تام، على أنا لم نعثر لشئ مما ذكر على دليل قاطع للعذر سوى الأصل المعلوم عدم صلاحيته لمعارضة بعض ما تقدم فضلا عن جميعه، وقوله عليه السلام (4):


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8 - 14 - 5 الجواهر - 54

[ 433 ]

(لا شئ عليه) في بعض المعتبرة الواجب تخصيصه بتلك الأدلة كما هو قضية أصول المذهب، لا حملها على الاستحباب من جهته المستلزم ترجيح الأضعف من وجوه على الأقوى من وجوه، كما هو واضح. (أو شك بين الأربع والخمس) وفاقا لصريح جماعة من الأصحاب، بل في المقاصد والذخيرة أنه المشهور، وفي السرائر نسبته إلى الأكثرين المحققين، بل في المفاتيح نفي الخلاف فيه، كما عن مجمع البرهان نفي الشك فيه، بل في الغنية الاجماع عليه كما عن الحسن بن عيسى نسبته إلى آل الرسول (عليهم السلام) للمعتبرة، كصحيح عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) (إذا كنت لا تدري أربعا صليت أم خمسا فاسجد سجدتي السهو بعد تسليمك ثم سلم بعدهما) وصحيح الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا (إذا لم تدر أربعا صليت أم خمسا أو نقصت أم زدت فتشهد وسلم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا " خفيفا) وغيرهما، لكنها كما ترى ظاهرة بمعونة المضي في (صليت) فيها والاقتصار على ذكر التشهد والتسليم وغيرهما في وقوع الشك في ذلك بعد إكمال الركعة برفع الرأس بمن سجودها الأخير أو بتمام الذكر أو بوضع الرأس على المسجد لا قبله، ولا بأس به بناء على انحصار الصحة في هذا الشك بذلك كما سمعته سابقا، ضرورة عدم السجود حينئذ للفاسد، أما على القول بالصحة حتى لو كان قبل السجدتين أو بينهما أو حال الركوع أو بعده بأن يكمل الركعة حينئذ ويندرج في النصوص فلا يبعد حينئذ القول بوجوب سجود السهو أيضا إذ هو فرع الاندراج، لصدق عدم علمه بأنه صلى أربعا أو خمسا بعد أن أكمل الركعة إلا أنك قد عرفت فيما مضى أن الأصح الفساد في ذلك كله. نعم لو كان الشك قبل الركوع صح، لكن بالعلاج في إرجاعه للشك بين


*) (1) و (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 1

[ 434 ]

الثلاث والأربع بأن يهدم قيامه، فسجود السهو حينئذ لو كان لزيادة القيام أو احتماله لا للشك بين الأربع والخمس، كما أنه يصح أيضا لو كان شكه بين الخامسة والسادسة قبل الركوع بأن يهدم ويرجع شكه إلى ما بين الاربع والخمس، ويجب عليه حينئذ سجودان للسهو، لزيادة القيام حينئذ، وللشك بناء على تعدده بتعدد السبب، كما هو واضح، وقد تقدم الكلام سابقا فيما يصح من صور الشك بين الأربع والخمس ويفسد، وكيف كان فما عساه يظهر من حصر بعضهم موجبات السجود في غيره أو كالحصر من عدم الوجوب فيما نحن فيه ضعيف جدا، كما هو واضح، فلاحظ وتأمل. (وقيل) والقائل بعض أصحابنا كما في الخلاف تجب سجدتا السهو (في كل زيادة) في الصلاة (ونقيصة) منها (إذا لم يكن مبطلا) إلا أنا لم نعرف قائله صريحا قبل المصنف، بل أطلق في الدروس عدم معرفة قائله ومأخذه، كما أنه أطلق في الذخيرة والرياض أن المشهور عدم الوجوب لذلك من غير تقييد بين المتقدمين أو غيرهم، لكن عن الجواهر المضيئة (أن المشهور وجوبهما لكل زيادة ونقصان) بل عن غاية المرام (أن الذي عليه المتأخرون وجوبهما في كل موضع لو فعله أو تركه عمدا بطلت صلاته) فيخرج حينئذ نسيان القنوت وفعل الذكر والدعاء بغير قصد ونحوهما مما لا يقدح عمدا " وفي المقاصد بعد نقل ذلك عن بعضهم (أن النص والفتوى مطلقان). وعلى كل حال فالوجوب خيرة المختلف والتذكرة والتحرير والارشاد في احتمال واللمعة والموجز والجعفرية والذكرى وفوائد الشرائع والروضة والمقاصد العلية وعن الايضاح والهلالية والسهوية وتعليق النافع والتنقيح وإرشاد الجعفرية والغرية والدرة السنية والجواهر المضيئة وظاهر غاية المراد أو صريحه، ومال إليه على ما قيل في المهذب البارع، وقد سمعت أنه حكاه في الخلاف عن بعض أصحابنا، وكأنه تردد فيه المصنف هنا بل ومعتبره، ونسبه بعضهم إلى الصدوق أيضا، وكأنه يقرب إليه في الجملة ما عن

[ 435 ]

المفيد من وجوبهما على من لم يدر زاد سجدة أو نقص سجدة أو زاد ركوعا أو نقص ركوعا ولم يتيقن ذلك وكان شكه فيه حاصلا " بعد مضي وقته وهو في الصلاة، وما عن التقي من إيجابهما للشك في كمال الفرض وزيادة ركعة واللحن في الصلاة نسيانا، بل ربما يستفاد من المحكي في الذكرى في مسألة محل السجدتين عن أبي علي أيضا إن لم يكن ظاهره أو صريحه، فمن العجيب ما سمعته من الدروس مع أنه خيرة الفاضل قبله وخيرته نفسه فيما سمعته من كتبه، بل قد سمعت أنه حكي عن الصدوق أيضا، وربما استفيد من المحكي عن أبي علي كما عرفت. ولا ريب في أنه أحوط إن لم يكن أقوى لمرسل ابن أبي عمير عن سفيان بن السمط (1) عن الصادق (عليه السلام) (تسجد سجدتي السهو في كل زيادة تدخل عليك أو نقصان) وهو وإن كان مرسلا إلا أن المرسل ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، فهو صحيح بناء " على إرادة عدم قدح جهالة من بعده من هذه العبارة، وأيضا مراسيل ابن أبي عمير بحكم المسانيد، لأنه ممن لا يروي إلا عن الثقة، فسفيان ابن السمط حينئذ ثقة عنده وعند غيره من العصابة وإن كان مجهولا " عندنا الآن، فتأمل وصحيح الحلبي (2) المتقدم بناء على كون المعطوف عليه فيه فعل الشرط لا معمول (درى) بل وإن قلنا بذلك أيضا، والمرسل في المحكي من عبارة ابن الجنيد عن النبي (صلى الله عليه وآله) (من ترك شيئا من صلاته فليسجد سجدتي السهو بعد سلامه) إما لأولوية العلم من الشك أو لعدم القول بالفصل صريحا، أو لأن المراد منه بقرينة استقراء أمثاله من التراكيب الشك في خصوصية الزيادة والنقصان بعد القطع بوقوع


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4

[ 436 ]

أحدهما لا الشك في أصل وقوع كل منهما وعدمه، فيكون السجود حينئذ للعلم بوقوع مقتضيه، إذ احتمال أنه أحدهما لا قائل به. ومنه حينئذ يظهر وجه نسبة ذلك للصدوق، إذ المحكي عنه في الفقيه والأمالي إيجابهما على من لم يدر أزاد أم نقص، كما أنه تظهر بذلك دلالة صحيح زرارة (1) أيضا، قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر زاد في صلاته أم نقص فليسجد سجدتين وهو جالس وسماها رسول الله (صلى الله عليه وآله) المرغمتين) والفضيل بن يسار (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن السهو فقال: من حفظ سهوه فأتمه فليس عليه سجدتا السهو، وإنما السهو على من لم يدر زاد في صلاته أم نقص) وغيرهما، بل قد يدل عليه أيضا موثق عمار (4) سأل الصادق (عليه السلام) (عن السهو ما تجب فيه سجدتا السهو ؟ قال: إذا أردت أن تقعد فقمت أو أردت أن تقوم فقعدت أو أردت أن تقرأ فسبحت أو أردت أن تسبح فقرأت فعليك سجدتا السهو، وليس في شئ مما تتم به الصلاة سهو) ولو بمعونة عدم القول بالفصل بين القراءة والتسبيح وغيرهما، مضافا إلى التأييد بما دل عليه في نسيان السجدة والقيام في محل القعود وبالعكس وغيرهما، وبتسميتهما في النص بالمرغمتين للشيطان الذي أصل حصول السهو نسيانا وشكا " منه، وبغير ذلك. فيجب الخروج عن الأصل الذي لا يجري في المقام فضلا عن حاجته إلى قاطع بناء " على شرطية صحة الصلاة بفعل السجدتين لا أنهما واجبتان تعبدا خاصة، وعلى وجوب الاحتياط في الصلاة ونحوها مما اشتغلت الذمة فيها بيقين، وعن إشعار خلو


(1) و (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 - 6 (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 437 ]

المعتبرة المستفيضة (1) الواردة في نسيان ذكر الركوع والجهر والاخفات وغيرها عن البيان للحاجة بعدم الوجوب، بل قيل: إن في جملة (2) من الصحاح منها التصريح بلا شئ عليه الشامل للسجود وغيره، كما أن في بعضها (3) أيضا التصريح بنفيه لنسيان السجدة، ولا قائل بالفصل. ضرورة عدم صلاحية معارضة مثل ذلك لتلك الأدلة بحيث تطرح له أو تحمل على الندب الذي لم أعرف قائلا " به هنا، بل قد سمعت فيما تقدم أن الشهيد في الذكرى قال: لم يشرع بهما التطوع، خصوصا الأول، فانهم (عليهم السلام) بمنزلة متكلم واحد كما أن كلامهم (عليهم السلام) كذلك، فتركه في بعض الأحوال سيما إذا كان بصدد بيان أصل الصحة والفساد لا ينافي النص عليه في الآخر، بل والثاني، إذ يجب الخروج عن شمول ذلك العام بما سمعت، وحمله على إرادة نفي الاعادة والاثم ونحوهما لا ما يشمل نحو المقام، وقد سمعت فيما تقدم الكلام بالنسبة للسجدة. نعم قد يناقش في دلالة تلك المعتبرة أو لا بظهور إرادة الشك منها بمعنى عدم علم الزيادة والنقيصة والتمام وإن لم ينص على الأخير، إلا أنه صار كالمتعارف إرادة هذا المعنى من مثل هذه العبارة، فيرجع الحاصل حينئذ إلى أنه لم يدر زاد أو لا، ونقص أو لا، كما يشهد له في الجملة خبر السكوني (4) الذي تسمعه، ومنع الأولوية، لاحتمال صلاحية السجود لتدارك المشكوك فيه لا المتيقن، وثانيا بظهوره في إرادة


(1) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الركوع والباب - 26 - من أبواب القراءة في الصلاة (2) الوسائل الباب - 30 - من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 6 والباب 26 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 (3) الوسائل الباب - 14 - من أبواب السجود الحديث 4 (4) الوسائل الباب - 31 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 438 ]

الركعات، كما لعله يؤمي إليه صحيح الحلبي (1) السابق، بل ربما يؤمي إليه في الجملة أيضا خبر السكوني (2) عن الصادق (عليه السلام) (إنه أتي رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أشكو اليك ما ألقى من الوسوسة في صلاتي حتى لا أدري ما صليت من زيادة أو نقصان) إذ لا ريب في ظهوره في إرادة الركعات من هذه العبارة، كما أنه لا ريب في ظهوره في إرادة الشك لا ما إذا علم أحدهما وشك في الخصوصية، على أن ذلك فرض نادر لا تحمل عليه تلك الأخبار. ومن هنا قال في الرياض: (إنه كما يمكن تخصيص (لا شئ) السابق بما هنا لأنه أظهر دلالة يمكن العكس بأن يقيد هذه المعتبرة بما إذا كان المشكوك فيه ركعة، وهذا أرجح للأصل المعتضد بالشهرة الظاهرة والمحكية في كلام جماعة) إلى آخره، لكن قد تدفع بمنع ظهور هذا التركيب في إرادة الشك كما لا يخفى على من له خبرة بكلام أهل اللغة والعربية، بل والعرف بعد التأمل والتروي، على أنه مؤيد بمرسل ابن أبي عمير (3) السابق، ولذا جزم المولى الأكبر في شرح المفاتيح بأن المعنى الحقيقي لهذه العبارة الشك في الخصوصية، وندرته بعد استفادة حكم غير النادر منه أي معلوم الزيادة ومعلوم النقيصة غير قادحة، وبمنع عدم انسياق الأولوية منه بعد تسليم إرادة الشك منه، خصوصا بعد ظهور ضعف الاحتمال المذكور، على أنه يمكن دعوى عدم القول بالفصل بين وجوبهما للشك في الزيادة والنقيصة وبينه للعلم بأحدهما، إذ هو خيرة العلامة وجماعة أيضا ممن تأخر عنه ممن ذهب إلى الوجوب هنا إن لم يكن جميعهم، نعم ربما قيل بالعكس كما هو خيرة المولى الأكبر في الشرح المزبور على الظاهر، ولعله لان الظاهر أو المعلوم


(1) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 4 (2) الوسائل الباب - 31 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (3) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 439 ]

عدمه بالنسبة للأجزاء، للمعتبرة (1) الكثيرة الدالة على تلافي المشكوك فيه في محله، وعدمه في غيره الظاهرة في أن (لا شئ عليه) غير ذلك، وكذلك بالنسبة للركعات إذ هو بين مبطل كالشك في الثنائية ونحوها وبين ما كان حكمه الاحتياط بالركعات من غير سجود للسهو عند معظم الأصحاب وإن حكي عن الجعفي وجوبهما لخصوص الشك بين الثلاث والأربع، نعم هو كذلك في خصوص الشك بين الأربع والخمس، ومن المعلوم عدم إرادة خصوص ذلك من هذه الأخبار، بل هو مقطوع بعدمه بالنسبة إلى صحيح الحلبي ونحوه مما ذكر فيه العبارة السابقة بعد ذكر الأربع والخمس، اللهم إلا أن يقال: إن المراد به من لم يعلم الزيادة والنقيصة والتمام بعد الفراغ أو كان كثير الشك، كما يؤمي إليه خبر السكوني المتقدم، وتحمل الأخبار حينئذ على الندب الذي لا يقدح فيه عدم تعرضهم له حينئذ، فتأمل. ومن ذلك كله تعلم ما في كلام الرياض المتقدم وترجيحه الحمل المزبور بالأصل الذي عرفت حاله، وبالشهرة الظاهرة والمحكية اللتين يمكن مناقشته فيهما معا، إذ ليس عدم الوجوب صريح أحد من المتأخرين سوى الخراساني في ظاهر ذخيرته وصريح كفايته وحكي عن مجمع البرهان والشافية، نعم هو ظاهر كل من حصر موجبات السجود وعددها من القدماء، والمحكية معارضة بحكايتها ممن عرفت، فلا ريب في أن الأحوط الوجوب إن لم يكن الأقوى، بل لعله كذلك أيضا فيما لو شك في النقيصة والزيادة كما اختاره من عرفت بناء على ظهور العبارة السابقة فيه، وإن استفيد منها حينئذ حكم المعلوم بالأولوية أو بعدم القول بالفصل، ولعل منه حينئذ الشك بين الأربع والخمس. لكن الانصاف أنه أضعف من السابق إن لم يكن عدم الوجوب فيه أظهر، للأصل السالم عن معارض، بل المعتضد بظاهر ما عرفت من النصوص وغيرها، مضافا


(1) الوسائل الباب - 63 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة

[ 440 ]

إلى إمكان دعوى العسر فيه، إذ لا أحد إلا وهو لا يعلم النقيصة في صلاته والزيادة، اللهم إلا أن يخص ذلك بمن تساوى الطرفان لديه، كما هو الظاهر من عبارة المفتي به لا من احتمل ذلك وإن غلب على ظنه السلامة، وإن قيل: إنه ربما تعطيه عبارة الارشاد لكنه ليس قولا لأحد. ثم إن الظاهر استثناء المندوبات كالقنوت ونحوه مما عرفت، فلا يجب سجود السهو بنسيانه بعد العزم على فعله كما نص عليه الفاضل والشهيدان، بل قد سمعت ما حكاه في غاية المرام، اقتصارا " فيما خالف الأصل على المنساق المتيقن من النقص، خلافا لظاهر بعضهم، بل والمحكي عن أبي علي من أنه لو نسي القنوت قبل الركوع أو بعده قنت قبل أن يسلم في تشهده وسجد سجدتي السهو، أما لو زاد مندوبا ففي التذكرة سجد للسهو، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان فيه نظر كما في الروضة، لعدم زيادة السهو على العمد، ولا سجود للنقيصة إذا تدور كت ولما يصدر ما يحصل بسببه زيادة في الصلاة وإن كان هو قدسها عنها، لنفي السهو عمن حفظ سهوه فأتمه، وعدم صدق النقيصة، وخبر الحلبي (1) سأل الصادق (عليه السلام) (عن الرجل يسهو في الصلاة فينسى التشهد فقال: يرجع فيتشهد، قلت: أسجد سجدتي السهو ؟ فقال: لا، ليس في هذا سجدتا السهو) وغير ذلك، لكن في الموجز وجوبه لكل سهو وإن تدارك فيها أو بعدها، وفيه منع، نعم ليس التدارك بعد تمام الصلاة يرفع صدق النقيصة فيها في وجه، فيجب حينئذ للتشهد المنسي وأبعاضه والسجدة المنسية وإن لم نقل بوجوبه لهما من حيث أنفسهما كما أنه يجب حينئذ بناء على ذلك في سائر صور الشك الصحيحة إذا تبين بعد الاحتياط نقصها أو قبله بناء على الصحة وعدم وجوب الاعادة وإن تبين، نعم الظاهر إرادة


* (1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التشهد الحديث 4 الجواهر - 55

[ 441 ]

الزيادة في الصلاة بأن يكرر مثلا أفعالها سهوا " لا ما يشمل نحو وقوع فعل خارج عنها فيها وإن لم يكن بعنوان أنه منها، إذ لا يعد نحوه زيادة في الصلاة، كما هو واضح، والله أعلم. (ويسجد المأموم مع الامام واجبا إذا عرض له السبب) على الأصح، ولا يسقط عنه بسبب عروضه للامام كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا في المسألة الرابعة من مسائل الكتاب، ولعل ذا هو المراد بالمعية لا فعله بنية الائتمام، لعدم ثبوت مشروعيته فضلا عن وجوبه كما قدمناه سبقا أيضا بل (و) تقدم أيضا أن الأصح فيما (لو انفرد أحدهما) لعروض السبب له (كان له حكم نفسه) خلافا لمن أوجبه على المأموم بمجرد عروضه على الامام، فلاحظ وتأمل. (ومحلهما) أي السجدتين (بعد التسليم) سواء كانتا (للزيادة أو النقصان) أو غيرهما مما يجبان له (وقيل) لكن لم نعرف قائله كما اعترف به غير واحد: محلهما (قبله، وقيل بالتفصيل) بينهما، فالأول للأول، والثاني للثاني، والقائل أبو علي في ظاهر المحكي عن كلامه أو صريحه في الدروس والبيان، وإن قال في الذكرى: إنه ليس فيه تصريح بما يرويه عنه بعض الأصحاب من التفصيل، نعم هو مذهب أبي حنيفة (و) كيف كان ف‍ (الأول أظهر) وأشهر، بل هو المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا بل عليه عامة المتأخرين كما في الرياض، بل هو خيرة المقنع وما تأخر عنه في مفتاح الكرامة، بل هو مذهب الأصحاب عن كشف الرموز، وعلمائنا عن نهاية الأحكام بل عليه الاجماع في الخلاف وعن مصابيح المولى الأكبر والأمالي والناصرية وغيرها، للمعتبرة (1) المستفيضة حد الاستفاضة المتفرق كثير منها في المسائل السابقة الصريح بعضها بأنهما بعد التسليم جواب السؤال عن محلهما، والمعتضدة بما سمعت مما ينفي احتمال


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة

[ 442 ]

المناقشة في دلالة بعضها، بل وبامكان إصالة عدم قابلية الصلاة لتخلل ذلك في أثنائها، خصوصا لو قلنا إنهما معا من زيادة الركن المفسدة وإن لم يكن فعلا بنية أنهما منها، بل وبمخالفة المحكي عن أبي حنيفة أو غيره من العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، وبأنهما ليسا أولى من التشهد والسجدة اللذين يقضيان بعد السلام، ومن هذا ينقدح مؤيد آخر أيضا، وهو استلزام السجود في الأثناء له تقديم سجود السهو على السجدة والتشهد لو كانا هما السبب له، أو فعلهما في الأثناء قبله أيضا، وهما معا مخالفان لظاهر الأدلة. فما في ضعيف أبي الجارود (1) - (قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى أسجد سجدتي السهو ؟ قال: قبل التسليم، لأنك إذا سلمت فقد ذهبت حرمة صلاتك) وصحيح سعد بن سعد الأشعري (2) قال: (قال الرضا (عليه السلام) - في سجدتي السهو: إذا نقصت قبل التسليم وإذا زدت فبعده) كصحيح صفوان بن مهران (3) عن الصادق (عليه السلام) يجب طرحه أو حمله على التقية كما عن الصدوق والشيخ، فما في الذخيرة من احتمال التخيير جمعا بين الأخبار ضعيف جدا ". (و) على كال حال ف‍ (صورتهما أن ينوي ويكبر مستحبا ثم يسجد) على الأعضاء السبعة واضعا جبهته على ما يصح السجود عليه مطمئنا (ثم يرفع رأسه) بأن يجلس مطمئنا أيضا (ثم يسجد ويرفع رأسه) كذلك (ويتشهد تشهدا " خفيفا ثم يسلم) أما النية فقد صرح بوجوبها الفاضل وغيره، بل نسب إلى السرائر وأكثر ما تأخر عنها، بل في المفاتيح أنه المشهور، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في الرياض وإن لم يتعرض لذكرها المصنف هنا والنافع كالفاضل في الارشاد، بل قيل: والصدوق في


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث - 5 - 4 - 6

[ 443 ]

المقنع والمفيد والسيد والشيخ وأبي علي (1) وأبي الصلاح فيما نقل عنه، لكن الظاهر أنه لوضوحها ومعلوميته، والاتكال على ذكرهم اعتبار ذلك في أوائل كتبهم بالنسبة إلى سائر العبادات لا لعدم الوجوب عندهم، ضرورة أنهما عبادة كما هو الأصل في كل مأمور به، ومندرجان تحت عموم أدلة النية سواء قلنا إن محلها قبل التسليم أو بعده، وإن قال الشهيد في الحواشي البخارية: إنه ينبغي الاستغناء عن النية بناء على الأول، وكأنه لأنهما عليه يكونان كالجزء من الصلاة، فيستغنى بنيتها عن نيتهما، لكنه لا يخلو عن بحث، على أنك عرفت أن المختار كونهما بعده، واحتمال الاستغناء عليه أيضا لكونهما من توابع الصلاة ومن أحكام السهو فيها فيكتفى بنيتها عن نيتهما ضعيف جدا "، وخروج عن ظاهر الأدلة بتهجم وتهجس. نعم لا يجب فيهما تعيين السبب وفاقا للذخيرة والكفاية، لاطلاق الأدلة وصدق الامتثال، وخلافا لنهاية الفاضل على ما حكي عنها والذكرى وتعليقي الارشاد للكركي وولده فيجب، ولعله لتوقف صدق الامتثال على ملاحظة ذلك، فهي كالظهرية بالنسبة إلى الظهر، وفيه منع واضح، وربما فرع على هذا الخلاف ما لو ظن سهوه كلاما فسجد له فتبين له أنه كان نسيان سجدة مثلا "، فيعيد على الثاني كما في النهاية والهداية (والهلالية خ ل) الحكم به وإن احتمل في الأخير العدم دون الأول، وفيه أنه يمكن القول بالاعادة عليه أيضا، للفرق بين عدم النية وبين نية الخلاف، ولعله لذا قال في الموجز: ولا يتعين سببه، ولو عين فأخطأ أعاد وإن كان الأقوى في النظر عدم الفرق بينهما، وأن التعيين في الواقع كاف وإن لغى في نية الخلاف سهوا "، إذ الكلام مثلا " مسبب (2) للسجدتين لا أنه قيد في المأمور به، نعم قد يقدح في ذلك العمد، لانحلاله


(1) وفى النسخة الأصلية (وأبى يعلى) (2) هكذا في النسخة الأصلية ولكن الأولى أن يقال: (سبب للسجدتين)

[ 444 ]

إلى عدم النية حينئذ وعدم الاتيان بالمأمور به. كما أن الأقوى عدم وجوب تعيين السبب لو تعدد أيضا، بناء " على الأصح من عدم التداخل في أسباب السجود اتحد الجنس أو اختلف الذي هو خيرة التحرير والتذكرة والذكرى والدروس والبيان والموجز وحاشية الألفية للكركي وعن غيرها، للأصل وتوقف البراءة اليقينية عليه، ولأن كل واحد سبب تام، فكذا مع الاجتماع لأنه لا يخرج الحقيقة عن مقتضاها، فالتداخل يستلزم خرق الاجماع، أو تخلف المعلول عن علته التامة لغير مانع، أو تعدد العلل التامة مع تشخص المعلول، أو الترجيح بلا مرجح، أو عدم تساوي المتساويات في اللوازم، والكل محال، وكون علل الشرع علامات لا مؤثرات حقيقة غير مجد بعد معاملتها معاملة الحقيقية بالنسبة إلى ذلك وغيره، كما هو واضح. نعم يتعدد السجود بتعدد السبب ما لم يكن بعضا من جملة توالت كالقراءة مثلا إذا تركها نسيانا، فانه لا يجب عليه بكل حرف سجدتان وإن كان لو انفرد لاوجب لاتحاد السبب هنا وتعدده هناك، بل ما في الذكرى - من أنه لو نسيها في الركعات نسيانا مستمرا " لا تذكر فيه فالظاهر أنه سبب واحد، ولو تذكر ثم عاد إلى النسيان فالأقرب تعدد السبب، وكذا لو تكلم بكلمات متوالية أو متفرقة ولم يتذكر فكلام واحد، ولو تذكر تعدد لا يخلو من وجه وإن كان يمكن المناقشة فيه حيث يصدق التعدد من غير تخلل ذكر، إذ اتحاد السهو الباعث على صدور ذلك لا يقضي باتحاد المسهو فيه حتى لو حصل معه فصل مثلا يتحقق به التعدد، فتأمل. خلافا لما عن ظاهر المبسوط في أول كلامه من التداخل مطلقا، واختاره في الذخيرة والكفاية، وما عن السرائر من التداخل في متحد الجنس لاطلاق الأدلة دون مختلف الجنس لعدم الدليل، بل ظاهر الدليل العدم، وفيه أن ظاهر الدليل العدم في الجميع.

[ 445 ]

وكيف كان فلا يجب تعيين السبب وإن تعدد للأصل وغيره، خلافا للمحكي عن جماعة فيجب، ولعل المراد وجوب نية التعيين بالسبب أو غيره من السبق ونحوه، لتعدد المكلف به وعدم تشخص الفعل لأحدها بغير النية، فلا يصدق الامتثال، لا وجوب نية خصوص السبب، فيرتفع الخلاف حينئذ من البين، إذ الظاهر وجوب التعيين بهذا المعنى، واحتمال أنه لما حصلت الأسباب الموجبة وتعدد الموجب بها صار كتعدد المأمور به بأمر واحد نحو صوم أيام وضرب أشخاص، فلا يجب نية التعيين ضعيف مخالف لظاهر الأدلة، نعم الظاهر أنها كذلك بالنسبة للترتيب، فلا ترتيب في سجودات السهو وفاقا للشهيد في المقاصد العلية، للاطلاق، بل لعله ظاهر لفظ (ينبغي) في الذكرى أيضا، بل أوجب فيها تقديم سجود الأجزاء المنسية على غيرها وإن كان سبب الغير متقدما كالكلام في الركعة الأولى ونسيان سجدة في الثانية، لتقدم الجزء على السجود، وارتباط سجوده، به، وإن كان هو لا يخلو عن إشكال كما عن التذكرة، لعدم الدليل على وجوب ارتباطه به بحيث ينافيه نحو ذلك، بل في الروض لو قيل بوجوب تقديم الأسبق سببه كان أولى، بل جزم به المحقق الكركي في حاشية الألفية، كجزمه بالترتيب بين سجودات السهو للأجزاء المنسية فيما حكي عنه في الجعفرية، قيل وتبعه على ذلك شارحاها، ولعله لان الذمة قد اشتغلت بايقاع سجود السهو بعد الصلاة فورا " بمجرد صدور السبب الأول والثاني لما صدر على ذمة مشغولة بذلك، فتشتغل الذمة حينئذ بايقاعه بعد تفريغها من الأول. بل لعله من ذلك ينقدح وجوب تقديمه على الجزء أيضا بعد فرض تقدم سببه عليه، لاشتغال الذمة به على أن يؤدى بعد الصلاة فورا، وكون الفائت جزءا " وسجود السهو أجنبي فيقدم عليه وإن تأخر سببه عنه - بل يقدم أيضا على ركعات الاحتياط مع فرض سبقه عليها، بل يجوز تقديمه عليها وإن تأخر عنها، لعدم كونها أجزاء " يقينا،

[ 446 ]

نعم هي تتقدم على سجود السهو وإن تقدم سببه لمعلومية أجنبيته دونها يدفعه أنه لا تلازم بين جزئيته وهذه الأحكام، إذ لا بأس بتأخره عن سجود السهو المتقدم سببه وإن كان جزءا، لأن الذمة اشتغلت به بعد اشتغالها بفعل سجود سهو فورا " بعد الصلاة، فيكون قضاء الجزء حينئذ على هذا الحال، ونحوه الركعات الاحتياطية، فلا ينافيه تخلل سجود السهو. وربما يؤيده أيضا ظهور رواية علي بن حمزة (1) في تقديم السجدتين على التشهد المنسي كما اعترف به في الروض والذخيرة، لكن لم أجد من جزم بذلك، بل ظاهر جميع من تعرض لذلك تقديم الجزء المنسي على سجود السهو وإن تقدم سببه إلا الشهيد الثاني في المقاصد، فانه قد يظهر منه الجواز لا الوجوب، بل قد يظهر منه في الروض ومن الخراساني في الذخيرة جواز تقديم السجود على الجزء وإن تأخر سببه فضلا عن أن يتقدم عليه، وإن كان الذي يقوى في الذهن تقديم الأجزاء المنسية والركعات الاحتياطية على السجود مطلقا، والأجزاء على الركعات، وبعضها على بعض السابق فالسابق، والتخيير بين السجودات وإن تقدمت أسباب بعضها على بعض نظرا " إلى أنها جميعها واجبات فورية، يرجع في تقديم بعضها على الآخر إلى الترجيح، وهو بما ذكرنا، ولا دلالة في فوريته وسبق سببه على وجوب تقديمه، كما لا ظهور فيما دل على وجوب سجود السهو بمجرد حصول سببه وشغل الذمة به على تقديمه على الغير، لعدم كونه مساقا لذلك هذا، ويحتمل التخيير بين الجميع عدا الأجزاء بعضها مع بعض لضعف هذه المرجحات عن إفادة الوجوب، بل وبين الأجزاء أيضا وإن كان هو أضعف من سابقه، وقد خرجنا عما نحن فيه، لان الحديث ذو شجون. وكيف كان فلا يجب التعرض للأداء والقضاء في سجود السهو كما صرح به في


(1) الوسائل الباب - 26 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2 عن على ابن أبى حمزة

[ 447 ]

موضع من الألفية، وإن حكي عنه أنه قال: (إنه أحوط) وفي المقاصد العلية (أنه أجود) وفي الروضة (انه أولى) بل قال في موضع آخر منها كما عن الهلالية: (إن نيتهما أسجد سجدتي السهو في فرض كذا أداء لوجوبه قربة إلى الله تعالى) بل في البيان وحاشية الألفية للكركي وتعليقي الارشاد له وولده وعن غيرها وجوب التعرض للأداء والقضاء، فان خرج الوقت أو كانت الفريضة قضاء نوى القضاء كما صرح به في بعضها أيضا، ولا ريب في ضعفه، إذ التحقيق عندنا عدم وجوب ذلك في أصل الصلاة فضلا " عن السجدتين اللتين يمكن دعوى عدم صحة لذلك فيهما فضلا " عن وجوبه لكونهما من بعض أحكام السهو في الصلاة، بل لو لم يفعلا بعد الصلاة لم ينو فيهما القضاء لأن الفورية ليست توقيتا عندنا، وأضعف من ذلك ما في شرح الألفية للكركي من اعتبار تعيين المنوب عنه فيهما، ومحل النية أول السجود بمعنى أنها تقارنه، لكن لا بأس لو نوى حال الهوي أو حال التكبير، لصدق المقارنة عرفا، ولعله لذا قال في البيان وتعليقي الارشاد للكركي وولده: يجوز مقارنة النية للتكبيرة وإن استحبت: أما لو نوى بعد الوضع ففي الروضة والمقاصد أن الأقوى الصحة، ولا يخلو من تأمل، كما أنه لا يخلو ما عن العويص للشيخ المفيد من أن آخرها يقارن أول الهوي من ذلك أيضا إن أراد الوجوب. وأما التكبير فالأقوى عدم وجوبه، للأصل وإطلاق الأدلة وخصوص الموثق (1) (سألته عن سجدتي السهو هل فيهما تسبيح أو تكبير ؟ فقال: لا، إنما هما سجدتان فقط فان كان الذي سها الامام كبر إذا سجد وإذا رفع رأسه، ليعلم من خلفه أنه قد سها، وليس عليه أن يسبح فيهما، ولا فيهما تشهد بعد السجدتين) نعم ظاهره استحباب التكبير للامام للاعلام لا للسجدتين، ومن هنا قد يتوقف في استحبابه وإن نص عليه


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 448 ]

الفاضلان والشهيد وغيرهم، بل في الرياض أنه المشهور لا ضعف الموثق كما في المدارك والذخيرة، إذ هو حجة عندنا في إثبات الواجب فضلا عن المستحب، بل لعدم الدلالة كما عرفت، على أنها مختصة بالامام، إلا أنه حيث كان الحكم استحبابيا يتسامح فيه أمكن الاجتزاء في إثباته بمثل فتوى من عرفت، بناء على كفاية الاحتياط العقلي في ذلك مؤيدا هنا ببعض الاخبار (1) الواردة في سهو النبي (صلى الله عليه وآله) في قصة ذي اليدين المشتملة على تكبير النبي (صلى الله عليه وآله) للسجدتين وإن كانت هي مطرحة عندنا. وكيف كان فما عساه يظهر من المحكي عن المبسوط من الوجوب حيث قال: (إذا أراد أن يسجد سجدتي السهو استفتح وكبر وسجد عقيبه ويرفع رأسه) إلى آخره، ضعيف جدا، كاشكال الفاضل فيه في نهايته على ما حكي عنها، مع احتمال إرادة الشيخ الندب، كما يؤيده نسبة ذلك إليه وإلى جمع في المدارك، فما في المفاتيح من أن المشهور أنه ينوي ثم يكبر ثم يسجد ثم يرفع رأسه ثم يسجد إلى آخره. من الغرائب إن أراد الوجوب، إذ لم نعرف أحدا صرح به أو نسب إليه عدا الشيخ كما عرفت، ولذا حكي عن الشهيد في كنز الفوائد أن أكثر الاصحاب نصوا على الذكر فيهما دون القراءة والتكبير إلا الشيخ، فانه قال: (إذا أراد أن يسجد استفتح بالتكبير). وأما السجود على الاعضاء السبعة فقد صرح به في القواعد وغيرها، بل نسب إلى المفيد وجم غفير ممن تأخر عنه، بل في التذكرة وتعليق الارشاد للكركي وظاهر حاشية الألفية له وعن غيرها وجوب الطمأنينة في السجدتين، بل صرح في بعضها بوجوبها بينهما أيضا، بل قال المحقق الثاني وصاحب المدارك والخراساني وعن غيرهم:


(1) الوسائل الباب - 19 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث - 9 الجواهر 65

[ 449 ]

(يجب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه فيه) بل في الذكرى والدروس والبيان واللمعة والألفية وحاشيتها للكركي والروضة وعن غيرها أن يجب فيهما ما يجب في سجود الصلاة عدا الذكر، فتندرج حينئذ الطهارة وغيرها كما نص عليه بعضهم، وليس في شئ من الأدلة تعرض لشئ من ذلك، ودعوى اعتبار جميع هذه الأمور في مسمى السجود واضحة الفساد خصوصا بالنسبة إلى البعض. نعم قد يقال: إن الذمة لما اشتغلت به بيقين توقف العلم ببراءتها على الفرد المتيقن، بل قد يدعى أنه المنساق من أمر المصلي بالسجود لتدارك سهوه، إذ الظاهر إرادة السجود الصلاتي، لكن الانصاف أن للتوقف أو المنع فيما زاد على ما يتحقق به مسمى السجود عرفا أو شرعا - لعدم ظهور أو انصراف معتد به في شئ من الأدلة، فيبقى الاطلاق سليما - مجالا، ولعله لذا قال في إرشاد الجعفرية على ما حكي عنه في ذلك مشيرا به إلى دعوى أنه يجب فيه ما يجب في سجود الصلاة نظر ظاهر، وتوقف في القواعد والتذكرة فوجوب الطهارة والاستقبال، بل استقرب العدم في التحرير في الطهارة، بل عن الجواهر ذلك فيهما معا، بل لعله ظاهر المصنف وجميع من ترك التعرض لهما وللستر ونحوه في مقام البيان، خصوصا مع نصه على التشهد ونحوه، لكن في الألفية والمقاصد وعن الهلالية والدرة التصريح بأن الطهارة والستر والاستقبال شرط، وعن نهاية الأحكام (أن الاقرب وجوب الطهارة والاستقبال) وعن السرائر اشتراط الطهارة. والمنشأ ما عرفت أيضا من الاحتياط في العبادة المقتضي للاقتصار على المتيقن أو المنساق إلى الذهن، خصوصا وهما مكملتان وجابرتان للصلاة التي يشترط فيها ذلك، مضافا إلى ما ستسمعه عند البحث في الفورية، وإلى الأمر (1) بهما في الخبر قبل الكلام، فالمحدث أولى، أو أن ذلك مشعر باتصالهما بالصلاة اتصال الجزء، بل قد يؤمي


(1) الوسائل الباب - 9 - من أبواب التشهد - الحديث 3

[ 450 ]

في الجملة الامر (1) بهما في أثناء الصلاة إلى بعض ذلك وإن لم نقل به. وأما منشأ عدم الوجوب فالأصل وإطلاق الأدلة أو عدم انصراف مفيد للشرطية، خصوصا مع ملاحظة ما ورد (2) من الأمر بفعلهما متى ذكر إذا نسيهما، وملاحظة أنهما ليستا بصلاة ولا جزءا منها، وإنما هما كالعقوبة أو للرغم لانف الشيطان ولعل ذلك هو الأقوى في النظر. وأما الطمأنينة فيهما وبينهما بعد الجلوس فمستنده نحو ما تقدم أيضا مع زيادة توقف الاثنينية - المستفادة من الأدلة والمحكي عليها الاجماع في المعتبر - على الجلوس بينهما، بل عن مجمع البرهان (لعله لا خلاف في وجوب الجلوس بينهما مطمئنا ") كما أنه نسبه في مفتاح الكرامة إلى الفاضل وجمهور من تأخر عنه، لكن قد يناقش بما سمعت سابقا، وبعدم توقف تحقق الاثنينة على الجلوس، فضلا عن الطمأنينة كما في سجدتي الشكر وزيادة السجود في الصلاة، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه في البراءة عن الشغل اليقيني. وأما التشهد فالمشهور نقلا " وتحصيلا " وجوبه، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا " بدعوى الاجماع عليه كالذكرى وعن غيرها، بل في المعتبر وعن المنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد المعتبرة السمتفيضة (3) خلافا للمختلف فلم يوجبه للأصل وخلو بعض الأخبار (4) عنه في مقام البيان، بل كاد يكون صريح بعضها (5) الوارد في


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة - الحديث 4 و 5 و 6 (2) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة - الحديث 2 (3) الوسائل الباب - 7 - من أبواب - التشهد الحديث 6 والباب 8 منها - الحديث 1 والباب 14 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة - الحديث 4 (4) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (5) الوسائل الباب - 26 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 451 ]

نسيان التشهد حيث أمر فيه بالتشهد فيهما التشهد الذي فاتك، وللموثق (1) السابق الصريح في ذلك، بل لصراحة دلالته حمل الأمر في تلك الأخبار على الندب وإن تعددت، وفيه أن الأصل يقطعه ظاهر الدليل، كما أن إشعار الخلو بذلك لا يصلح لمعارضته، وخبر نسيان التشهد غير معمول بظاهره، ولذا كان المتجه إرادة الأمر بفعل تشهد فيهما كالتشهد الفائت، فيكون حينئذ من أدلة المطلوب، والموثق مع اتحاده وإعراض المشهور عنه، بل سمعت حكاية الاجماع على خلافه لا يقاوم تلك المعتبرة المتعددة المعتضدة بما سمعت، فالأولى الجمع بينها وبينه بارادة نفي غير الخفيف من التشهد فيه، إذ هو وإن أطلق الأمر به في بعض تلك المعتبرة (2) كبعض عبارات الأصحاب منها عبارة القواعد والتحرير واللمعة وغيرها، لكنه قيد بالخفيف في آخر منها كالصحيح (3) (واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة تتشهد فيهما تشهدا " خفيفا ") والمعتبرين (4) الواردين فيمن لا يدري كم صلى أنه يبني على الجزم ويسجد سجدتي السهو ويتشهد تشهدا خفيفا نحو كثير من الفتاوى، بل في المفاتيح أنه المشهور، بل في الذكرى وغيرها نسبته إلى فتوى الأصحاب. والمراد بالخفيف كما في الرياض وعن المبسوط والبحار مجرد الشهادتين والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله)، بل في الأول أنه عزاه في الأخير إلى الأصحاب، وربما احتمل إرادة التشهد المعهود في الصلاة، والخفة تخفيف الأجزاء المندوبة، وهو عين الأول بناء " على أن التشهد المعهود في الصلاة هو الشهادتان والصلاة على النبي


(1) و (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 - 2 (2) الوسائل الباب - 8 - من أبواب التشهد الحديث 1 (4) الوسائل الباب - 15 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 6 والباب 6 13 منها الحديث 2

[ 452 ]

(صلى الله عليه وآله)، وإلا كان الأول أولى منه، لكن الأمر سهل بناء " على كون التخفيف رخصة كما هو صريح تعليق الارشاد للكركي والروض ومحتمل أو ظاهر غيرهما لورود الأمر به مورد توهم وجوب غير الخفيف لا عزيمة، وإن كانت هي أحوط في امتثال ظاهر الأمر المتعلق بالقيد المقتضي لوجوبه، إلا أن الأول أقوى، وبه يجمع حينئذ بين إطلاق النصوص وبعض الفتاوى وبين المقيد منهما، وعلى كل حال فاحتمال إرادة الاقتصار على مجرد الشهادتين من الخفيف دون الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) - لعدم اندارجها في إطلاق التشهد، فضلا " عن الخفيف منه كما عساه يوهمه ما حضرني من نسخة الروض - باطل قطعا "، خصوصا بعدما في المعتبر من أن الواجب السجدتان والشهادتان والصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) باجماع علمائنا، وربما يستفاد من حصره الواجب في ذلك زيادة تأييد لارادة ما تقدم أولا " من الخفة مقابل الاحتمال الذي سمعته. وأما التسليم فقد يؤمي تركه في بعض النصوص (1) في مقام البيان والحصرفى الموثق (2) السابق إلى عدم وجوبه، كما هو صريح المختلف وظاهر عدم نصه عليه في القواعد، بل في تعليق الارشاد أن عبارات جميع الاصحاب خالية من إيجابه وأنه لم يثبت بالاجماع، لكن التتبع شاهد بخلافه، لذكرهم التسليم مع التشهد، بل في الذكرى وعن غيرها نسبته إلى فتوى الأصحاب، بل في المعتبر أن رواية عمار يعني الموثق المشعر بعدم وجوب التسليم متروكة، بل قد حكى في المدارك عنه وعن المنتهى الاجماع عليه وإن كنت لم أجده في الأول منهما، بل في مفتاح الكرامة (أن عبارات القدماء كالمفيد


(1) الوسائل الباب - 20 و 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة والباب 7 و 8 و 9 من أبواب التشهد (2) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 453 ]

والسيد والشيخ وأبي يعلى وأبي المجد وأبي عبد الله محمد بن إدريس والمتأخرين كالمحقق وغيره ممن تأخر عنه قد طفحت بأنه يتشهد ويسلم، وإنما خلت عنه عبارة المقنع والقواعد) إلى آخره، ومع ذلك كله فقد رواه عبد الله بن سنان (1) وأبو بصير (2) في الصحيح، فالقول بوجوبه حينئذ هو المتعين كما هو واضح. والظاهر من النصوص والفتاوى إرادة التسليم الذي يخرج به عن الصلاة، بل الظاهر خصوص صيغة (السلام عليكم) لكن أرسل عن أبي الصلاح أنه قال: ينصرف عنهما بالتسليم على محمد وآله صلى الله عليهم، ولم أعرف له شاهدا "، لعله يريد التسليم على النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يقال في الذكر، فيكون حينئذ موافقا للقائل بعدم وجوب التشهد والتسليم بعد رفع الرأس منهما، وقد عرفت ضعفه في المقامين، إلا أن المنقول عنه أن ذكرهما عنده الخالي عن التسليم كما تعرفه، وأنه أمر بالتشهد الخفيف بعد رفع الرأس منهما، ثم قال: (وينصرف عنهما بالتسليم على محمد وآله صلى الله عليه وآله). (و) كيف كان ف‍ (هل يجب فيهما الذكر ؟ فيه تردد) ينشأ من الأصل وظاهر الحصر في الموثق السابق منضما إلى نفي التسبيح عليه فيه الذي يمكن دعوى نفي غيره بالأولوية باعتبار أنه نص فيه على نفيه لدفع توهم وجوبه من إطلاق السجود المنصرف إلى سجود الصلاة، وإطلاق غيره من الأخبار الواردة في مقام البيان، وقصور ما يمكن استفادته منه عنه من وجوه منها الاضطراب في متنه وغير ذلك، ومن الاحتياط في البراءة عن الشغل اليقيني، وصحيح الحلبي (3) المروي في الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (تقول في سجدتي السهو: بسم الله وبالله وصلى الله على ومحمد وآل محمد) وعن بعض النسخ (وعلى آل محمد) قال: وسمعته مرة أخرى (يقول: بسم الله وبالله السلام


(1) و (2) الوسائل الباب - 14 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 1 (3) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1

[ 454 ]

عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ونحوه في التهذيب، لكن بزيادة الواو قبل السلام بل والكافي أيضا، لكن أبدل قوله: (وصلى الله) باللهم صل على محمد وآل محمد كما عن بعض نسخ الفقيه، ومن هنا وقع الخلاف في ذلك بين الأصحاب، فالمشهور كما في الذكرى على الثاني، والمصنف في المعتبر والنافع والفاضل في المنتهى والمختلف والخراساني على الأول، ولعله ظاهر نهاية الشيخ والمهذب البارع، واختاره الأردبيلي على ما قيل، ونفى عنه البعد في المدارك، وكأنه مال إليه في الرياض، ولعله الأقوى في النظر لما عرفت ولما في الصحيح من الاضطراب، بل قد ضعف أولا " بارتفاع منصب الامام عليه السلام عن السهو خصوصا " في العبادة، وثانيا " باحتمال كون ما قاله على وجه الجواز لا اللزوم. وربما يدفع الأول بجواز كون المراد بقوله فيهما على وجه الافتاء لا أنه سها كما يؤمي إليه قوله (عليه السلام) فيه أولا (تقول) وإن كان قد ينافيه قوله (عليه السلام) ثانيا فيهما، وفيه أن مجرد جواز ذلك غير كاف في ثبوت المطلوب، إلا أن يدعى ظهوره بذلك كما في المدارك، وبه حينئذ يندفع الثاني، ضرورة ظهوره - وإن كان هو بالجملة الخبرية - في الوجوب، لكن لا يخفى على الفقيه الممارس قصور مثل هذه الدلالة مع هذا الاضطراب عن إثبات الوجوب، فضلا عن أن يعارض تلك الاطلاقات والموثق (1) المعتضد بالاصل وغيره مع صراحة دلالته أو ظهوره ظهورا " قريبا " إلى الصراحة، ودعوى الانجبار بالشهرة يدفعها أنه لا صراحة في كلماتهم بالوجوب على وجه تتحقق به شهرة معتد بها، فلا بأس بالعمل بها على وجه الاستحباب. (و) على كل حال ف‍ (لو وجب الذكر فهل يتعين بلفظ) بالخصوص ؟ (الأشبه) عند المصنف والتحرير والموجز والذخيرة (لا) كما عن المبسوط، فيجزي حينئذ جمع ما سمعته في الصحيح وغيره من الأذكار أيضا ولو على التفريق بين السجدتين، لقصور


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3

[ 455 ]

الصحيح (1) عن التعيين، فيبقى السجود حينئذ منصرفا " إلى ما هو المتبادر منه أعني سجود الصلاة الذي لا يتعين فيه ذكر خاص عند بعضهم، لكن عند حاشية الايضاح أنه يجوز كل واحد من الذكرين معا وبالتفريق، وظاهره الاقتصار على ما في الصحيح على اختلافه، كظاهر الروضة والمقاصد العلية أو صريح الأخيرة، وعن المقنع والمقنعة والسرائر التخيير بين الصورتين مع ذكر (اللهم صل على محمد وآل) بدل (صلى الله على محمد وآل محمد) وعن الجملين للسيد والشيخ والمراسم والغنية الاقتصار على ذكر (بسم الله وبالله اللهم صل على محمد وآل محمد) وعن حاشية النافع للمحقق الثاني الأحوط أن يقول: (بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآله) في السجدة الأولى و (بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) في الثانية، وفي مفتاح الكرامة نقلت هذه الصورة عن التقي، ولعل ذلك كله مؤيد للاستحباب عند التأمل وإن كان الأحوط بناء على الوجوب المحافظة على ما في الصحيح، بل لعل الأولى الاقتصار على الصورة الثانية أعني المشتملة على التسليم، لاتفاق رواة الصحيح عليها إلا بزيادة الواو وعدمها، وقد جزم المولى الأكبر بأن الأصح ترك الواو دون الأولى لاختلافهم فيها كما عرفت وإن كان الأقوى التخيير بين الجميع بناء على أن اختلاف النسخ كاختلاف الأخبار. ويجبان على الفور عرفا كما صرح به بعضهم، بل قد يشعر ما في شرح المولى الأكبر بالاجماع عليه، كما أنه في الذخيرة والكفاية نسب وجوب المبادرة اليهما قبل فعل المنافي للأصحاب مشعرين بدعوى الاجماع عليه، لأنه المنساق والمتيقن من الأدلة بل لعله الظاهر من لفظ (بعد السلام) في بعضها (2) و (أنت جالس) في آخر (3)


(1) الوسائل الباب - 20 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 (2) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة (3) الوسائل الباب - 11 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 8

[ 456 ]

و (بعد السلام وقبل الكلام) في ثالث (1) ونحو ذلك مما هو ظاهر كمال الظهور في ذلك، بل قيل: إنه قضية الفاء المفيدة للتعقيب بلا مهلة، وإن كان هو لا يخلو من نظر كاستفادة عدم الفورية من العطف بثم في بعض الأخبار (2) إذ لا ريب في إرادة مجرد الترتيب منها، وعلى كل حال فما عن ظاهر إرشاد الجعفرية من التأمل في الفورية في غير محله. نعم لا يقدح فيها التأخر في الجملة مما لا ينافي الفورية عرفا ولا التأخر لتحصيل شرائطهما من الطهارة والستر ونحوهما، إذ الاشتغال بمقدماته اشتغال به، فلا تنافي الفورية نعم بناء على استحباب مثل ذلك فيهما لا الشرطية يشكل جواز تأخيرهما للاشتغال بتلك المقدمات، لكن قضية حكمهم برجحانا لهما جواز التأخير لها أيضا وإن كان مستحبة اللهم إلا أن ينزل على إرادة استحباب إيقاعهما باقيا على حال الصلاة بمعنى أنه لا يحدث عمدا أو يرمي الساتر أو نحو ذلك لا أنه يستحب استئناف مثل ذلك لهما لو اتفق ذهاب تلك الحالة أو أنه أذهبها عمد " ا، وإلا لاتجه القول حينئذ باشتراط السجدتين بهذه الأمور كي لا ينافي الفورية، ضرورة أنه أولى من دعوى كون المراد بالفورية ما لا ينافيها وإن لم تكن هي شرائط لهما، لعدم دليل يرتكب بسببه هذا التصرف في الفورية التي هي ظاهر الأدلة ومقتضى إصالة إرادة الحقيقة فيها، وإن كان قد يخدش ذلك بعدم صلاحية مثل هذا الأصل والظهور في الفورية لاثبات حكم شرعي هو اشتراطهما بالطهارة مثلا لثبوت جواز فعلها لهما، ولا يمكن مجامعة ذلك للفورية الحقيقة إلا بأن تكون الطهارة مثلا شرطا " لها كي لا تنافي الفورية، إذ هو كما ترى لا يحصل منه الظن بالحكم، ولا هو


(1) الوسائل الباب - 5 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 4 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 الجواهر - 57

[ 457 ]

طريق متعارف لا فادته، فالمتجه حينئذ الحكم بالفورية والحكم بالجواز الطهارة لهما لو ثبت باجماع ونحوه من غير تعرض للشرطية وعدمها، فيحتمل أنه شرط وتبقى الفورية على حالها، ويحتمل أنه غير شرط إلا أنه جاز تقديمه عليه لانه مكمل، فيراد بالفورية حينئذ ما لا ينافي نحو ذلك، ولما استظهرنا هناك عدم الشرطية كان المتجه عندنا الثاني، إلا أنه لم يثبت عندنا جواز فعل الطهارة لهما، لما عرفته من الاحتمال السابق قريبا، بل لعل ظاهر الأدلة خصوصا الخبر (1) الآمر بفعلهما متى ذكرهما لو نسيهما خلافه، بل وأدلة الفورية أيضا، فتأمل جيدا "، هذا. ولكن من المعلوم أنه لا تلازم بين فورية السجدتين وبين بطلان الصلاة إذا لم يسجد (فلو أهملهما عمدا ") أو نسيهما (لم تبطل الصلاة) كما هو المشهور بين الأصحاب نقلا " وتحصيلا "، بل لا أجد فيه خلافا إلا من الشيخ في الخلاف، فقال فيه على ما حكي عنه: هما واجبتان وشرط في صحة الصلاة كما عن بعض العامة، وتبعه المولى الأكبر في شرح المفاتيح، بل قيل: إنه قد يظهر من المعتبر موافقته أيضا "، ولا ريب في ضعفه، للأصل بناء " على التحقيق من جريانه في العبادة، وظهور الأدلة في تمامية الصلاة أجزاء وشرائط، وعدم توقف صحتها بعد على شئ آخر وإن وجب السجدتان إرغاما " لأنف الشيطان، وإطلاق ما دل على صحة الصلاة مع الكلام نسيانا " أو القيام في محل القعود أو غير ذلك من موجبات السجود سجد أو لم يسجد، ولأن الشيخ وإن قال بالشرطية لكنه وافق على وجوب سجود السهو وإن طال الزمان لو نسيهما، لما ستعرف، ولذا تعجب منه في المختلف، ولعله لأن قضية الشرطية فساد الصلاة، فلا يجامع الوجوب المزبور، إلا أنه قد يدفع بالفرق بين العمد والنسيان، فيخص البطلان بالأول دون الثاني، لكنه بعيد بل ممنوع أو يدفع بأن المقتضي للبطلان الترك بالمرة لا التأخير وإن


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 458 ]

عصى به في العمد بناء على الفورية، فتبقى حينئذ صحة الصلاة مراعاة إلى حين الموت، فان جاء بهما صحت، وإلا بطلت ووجب قضاؤها عنه حتى لو كان تركه لهما نسيانا "، وهو كما ترى مع بعده في نفسه جدا " لا يساعد عليه دليل، بل ظاهر الأدلة خلافه. فما في شرح المولى الأكبر للمفاتيح من موافقة الشيخ في البطلان ناسبا " له إلى ظاهر غيره من الأصحاب، لقولهم: يجب السجدتان لكذا، ومستدلا عليه بظاهر النصوص التي يستفاد الشرطية غالبا " من أمثالها، خصوصا " ما جعل فيها تداركا " لسهو، إذ المتبادر من إيجاب شئ عند وقوع خلل كونه تداركا وعلاجا "، فإذا لم يأت به لم يكن آتيا بالمأمور به على وجهه، وخصوصا " بعد زيادة التأكيد فيها في المبادرة إلى فعلها، وأنها بعد السلام وقبل الكلام وأنت جالس وإذا سلمت ونحو ذلك مما هو ظاهر في أن وقتهما هذا لا مدة العمر، وبتوقف البراءة اليقينية عن الشغل اليقيني على فعلهما - لا يخلو من نظر من وجوه، مع أن ظاهره الابطال في صورتي العمد والنسيان بمجرد التأخير عن وقت الفورية، وكأنه مخالف للمجمع عليه حتى من الشيخ، إذ قدر عرفت أنه وإن كان قائلا بالبطلان لكنه وافق المصنف (و) غيره من الأصحاب في أن (عليه الاتيان بهما ولو طالت المدة) لعدم ظهور التوقيت من الأخبار المزبورة، بل هي مجرد فورية كما لا يخفى على من لاحظها، خصوصا بعد فهم الأصحاب وبعد التأييد بموثق عمار (1) سئل الصادق (عليه السلام) (عن الرجل إذا سها في الصلاة فينسى أن يسجد سجدتي السهو، قال: يسجدها متى ذكر، وعن الرجل يسهو في صلاته فلا يذكر حتى يصلي الفجر كيف يصنع ؟ قال: لا يسجد سجدتي السهو حتى تطلع الشمس ويذهب شعاعها) واحتمال طرحه لاشتماله على غير ما نحن فيه من الأحكام التي لا يقول بها الأصحاب - بعد أن كان حجة في نفسه، ومعمولا به بين الاصحاب هنا ولا معارض صريح له،


(1) الوسائل الباب - 32 - من أبواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 2

[ 459 ]

بل ولا ظاهر لا ينبغي أن يصغى إليه، كاحتمال قصر ذلك على صورة النسيان خاصة، مع أني لا أعرف قائلا به، بل كأنه خرق للاجماع ايضا "، فلا ريب في عدم توقيتهما بما ذكر. نعم يجبان فورا " كما عرفت، فيأثم لو أخرهما عمدا " ويأتي بهما في ثاني الأوقات أو ثالثها كما لو نسي، ولا تسقط الفورية أيضا بالتأخير كما هو ظاهر الموثق والفتاوى إن لم نقل إن الأصل في كل واجب فوري ذلك، ولا ينافيه ما في ذيله من التأخير حتى تطلع الشمس، إذ هو إن لم نطرحه في خصوص ذلك كما هو ظاهر إطلاق الأصحاب، أو لم نحمله على ما لا ينافي الفورية عرفا بأن كانت صلاة الفجر قريبا من طلوع الشمس وجب الاقتصار عليه خاصة كالتأخير لتحصيل الطهارة والساتر ونحوهما مما يحصل به كما لهما بناء على عدم شرطيتهما بذلك وعلى جواز التأخير لها لو كان المكلف فاقدا لها، فتأمل. وكذا لا ريب في عدم توقف الصحة على فعلهما رأسا "، لما عرفت مما لا يصلح معارضة ما ذكره له من تلك الاشعارات المعارضة بمثلها، بل أقوى منها، خصوصا " بعد ملاحظة فتاوى الأصحاب، لا أقل من الشك، وما شك في شرطيته عندنا ليس بشرط ودعوى أنهما ليسا من الشرائط - لأنهما لتدارك أمر داخل في الصلاة، فيكونان داخلين فيها، إذ ما كان عوض الداخل داخل - لا محصل لها عند التأمل، على أن التحقيق عندنا مساواة الأجزاء للشرائط في الانتفاء عند الشك، والله أعلم.

[ 460 ]

إلى هنا تم الجزء الثاني عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله، وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه ومقابلته للنسخة الأصلية المخطوطة بقلم المصنف قدس روحه الشريف، وقد خرج بعون الله خاليا عن الأغلاط إلا نزرا " زهيدا " زاغ عنه البصر وحسر عنه النظر، ويتلوه الجزء الثالث عشر في قضاء الصلوات إن شاء الله تعالى عباس القوچاني داخلين فيها، إذ ما كان عوض الداخل داخل - لا محصل لها عند التأمل، على أن التحقيق عندنا مساواة الأجزاء للشرائط في الانتفاء عند الشك، والله أعلم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية