جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 15


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء الخامس عشر قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه. حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچاني نهض بمشروعه الشيخ علي الآخوندى * نام كتاب: جواهر الكلام * تأليف: الشيخ محمد حسن النجفي * ناشر: دار الكتب الاسلامية * تيراژ: 1500 جلد * نوبت چاپ: دوم * تاريخ انتشار: بهار 1365 چاپ از: چاپخانه خورشيد آدرس ناشر: تهران، بازار سلطاني، دار الكتب الاسلاميه تلفن 520410 - 527449

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين. كتاب الزكاة التي هي لغة الطهارة، ومنه " أقتلت نفسا زكية " (1) " قد أفلح من زكاها " (2) " ما زكي منكم من أحد " (3) والنمو، ومنه " ذلكم أزكى لكم وأطهر " (4) لأولوية التأسيس من التأكيد، وعن الشهيد أنها قد تطلق على العمل الصالح، قلت: لعل منه " والزكاة ما دمت حيا " (5) " خيرا منه زكاة " (6) " من لدنا وزكاة " (7) إلا أن الظاهر كون ذلك على جهة المجاز، وشرعا على وجه الحقيقة بناء على الاصح من ثبوتها مطلقا، أو فيها وفي أختها وما شابههما، أو علي جهة المجاز الشرعي اسم لحق يجب


(1) و (6) سورة الكهف - الاية 73 - 80 (2) سورة الشمس - الآية 9 (3) سورة النور - الآية 21 (4) سورة البقرة - الآية 232 (5) و (7) سورة مريم (ع) - الآية 32 - 14

[ 3 ]

في المال يعتبر في وجوبه النصاب كما في المعتبر والتذكرة، أو صدقة مقدرة بأصل الشرع ابتداء كما في المسالك وكذا الدروس، أو صدقة متعلقة بنصاب بالأصالة كما في كنز العرفان، أو قدر معين يثبت في المال أو في الذمة للطهارة والنماء كما في البيان، وقيل: إنها إخراج بعض المال لينمو الباقي بالبركات، وتزيد لصاحبه الدرجات، ويطهر المال من الحرام، وصاحبه من المذام، إلى غير ذلك من تعريفاتهم التي لا فائدة مهمة في استقصائها، إطالة الكلام في نقضها طردا وعكسا بعد أن لم يكن هذا الاختلاف منهم اختلافا في معناها شرعا، ولا أن المراد منه كشف تمام المعنى الجديد، وإنما المقصود به كشفها في الجملة، وهو حاصل بكل منها، وإن كان أولاها ما في الدروس والمسالك لسلامته من أكثر ما قبل أو يقال، لكن ينبغي أن يعلم أن ما عدا الأخير منها دال على كونها اسما لنفس الحق، والاخير على أنها الاخراج كالمحكي عن تعريف المبسوط أيضا، ويؤيده قولهم: يستحب الزكاة وتجب إلا أن يكون على تقدير مضاف، ولعله الأظهر كما هو مفاد أكثر التعريفات. وكيف كان فظاهر المعتبر وغيره ممن ذكر مناسبة النقل أنها منقولة من المعنيين ولعله لا بأس به في النقل التعييني، أما التعيني المسبوق بالمجاز فقد يشكل بأن المعهود في التجوز ملاحظة العلاقة بين معنى واحد حقيقي ومجازي لا معنيين، واحتمال أن المعنى هنا أيضا واحد - لان الزكاة النمو، وإرادة الطهارة منها باعتبار كونها سببا للنمو، فهو من باب إطلاق اسم المسبب على السبب - خلاف الظاهر، بل المقطوع به من ملاحظة كلماتهم. نعم قد يحتمل كون المراد من ذكر المناسبتين إرادة بيان قابلية النقل من كل منهما كما يؤمي إليه ما في البيان، لا أنها منقولة منهما معا، لسكن فيه أيضا أنه خلاف الظاهر من كلماتهم، فليس حينئذ إلا التزام جواز مثل هذا التجوز، لصدق كونه

[ 4 ]

استعمالا للفظ في غير ما وضع له للعلاقة، سواء كانت بين المعنى الواحد أو الأزيد. وعلى كل حال ففي المعتبر وكذا التذكرة سمي أي ذلك الحق المخصوص زكاة لأنه به يزداد الثواب، ويطهر المال من حق المسلمين، ومؤديها من الاثم، وفيه أنه ينبغي ملاحظة المناسبة بين المعنيين مع قطع النظر عن وجوبها ومشروعيتها، فيقال في مناسبة الطهارة إنها تطهر المال مما فيه من الشبه الواقعية، حتى ورد (1) " أن من أخرج زكاة ماله ووضعها في موضعها لم يسأل من أين اكتسب ماله " وتطهر النفس من الأخلاق الردية كالبخل والشح والقساوة ونحوها، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) (2) " من أدى ما افترضه الله عليه فهو أسخى الناس " وقال الصادق (عليه السلام) (3): " أحب الناس إلى الله أسخاهم كفا، وأسخى الناس من أدى زكاة ماله " وفي مناسبة النمو إنها تورث بركة في المال وتنمية كما هي العادة في كل شئ نظيف مما هو مبنى على النمو، وفي الخبر (4) " الصدقة تزيد في المال " وفي آخر (5) " الصدقة تقضي الدين، وتخلف البركة " قال في البيان: " هي مصدر زكى إذا نما، فان إخراجها يوجب بركة في المال وتنمية، وللنفس فضيلة الكرم، أو من زكى بمعنى طهر، فانها تطهر المال من الخبث، والنفس من البخل " وفي المسالك الزكاة لغة الطهارة والنمو، سميت بذلك الصدقة المخصوصة لسكونها مطهرة للمال من الأوزار المتعلقة بسبب تعلق حق الله به، أو للنفوس من أوساخ الأخلاق الرذيلة من البخل وترك مواساة المحتاج وغيرهما، ولما كان المطهر من شأنه أن يزيل الأوساخ ويصحبها كالماء للنجاسة كانت الزكاة محرمة على بني هاشم


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 2 من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 (4) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصدقة - الحديث 8 - 1 من كتاب الزكاة

[ 5 ]

تشريفا لهم، ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (1): " إنما هذا المال من الصدقة أوساخ الناس " وفي رواية (2) " غسالات أيدي الناس " ووجه نسبتها إلى الأيدي في هذا الخبر أن الأموال المعطاة في الأكثر إنما تكون بها وتمر عليها، وأما أخذها من جهة النمو فلأنها تنمي الثواب وتزيده، وكذلك تزيد المال وإن ظنه الجاهل أنه نقص، وقد قال (عليه السلام) (3): " إن الصدقة تزيد في المال " وعن الصادق (عليه السلام) (4) " إن الصدقة تقضي الدين وتخلف البركة ". وفي كنز العرفان " إن قلت الطهارة من أي شئ وكذا النماه في أي شئ قلت: أما الطهارة فمن إثم المنع، أو نقول إذا لم يخرج الزكاة يبقى حق الفقراء في المال فإذا حمله شحه على منعه فقد ارتكب التصرف في الحرام والاتصاف برذيلة البخل، فإذا أخرجها فقد طهر ماله من الحرام ونفسه من رذيلة البخل، وأما النماء ففي البركة والثواب " ولعل مراده ومراد المحقق وغيره من النماء في الثواب أن الزكاة توجب مضاعفة للحسنات، لقوله تعالى (5): " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " أي الذين يجعلون حسناتهم مضاعفة في زيادة الأجر والثواب، والأظهر إرادة الاضعاف في ثواب الزكاة لا غيرها، لاندراجها في قوله تعالى (6): " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له " وفي قوله (7): " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة " وقوله (8):


(1) و (2) كنز العمال ج 3 ص 285 - الرقم 4703 - 4701 (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصدقة - الحديث 8 - 1 من كتاب الزكاة (5) سورة الروم - الآية 38 (6) سورة الحديد - الآية 11 (7) سورة البقرة - الآية 263 (8) سورة الانعام - الآية 161

[ 6 ]

" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " والأمر في ذلك كله سهل. ثم ليعلم أن الزكاة أخت الصلاة، وقد قرنهما الله تعالى في كتابه مشعرا بعدم قيام الصلاة ممن لم يؤد الزكاة (1) " وصلاة فريضة خير من عشرين حجة، وحجة خير من بيت مملو ذهبا ينفقه في بر حتى ينفد، فلا أفلح من ضيع عشرين بيتا من ذهب بخمسة وعشرين درهما، فان من منع الزكاة وقفت صلاته حتى يزكي " (2) " وبينما رسول الله (صلى الله إليه وآله) في المسجد إذ قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر، فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون " (3) بل من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم وسأل الرجعة عند الموت (4) وهو قوله تعالى (5). " رب ارجعون " إلى آخره و " ليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا " (6) بل " ما من ذي زكاة مال نخل أو زرع أو كرم يمنع زكاة ماله إلا فلده الله تربة أرضه يطوق بها من سبع أرضين إلى يوم القيامة " (7) بل " مانع الزكاة يطوق بحية قرعا تأكل من دماغه وذلك قوله تعالى (8): سيطوقون... إلى آخره " (9)، بل " ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعبانا من النار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب وذلك قوله تعالى: سيطوقون " (10) وخصوصا مانع زكاة النقدين فان الله يحبسه يوم القيامة بقاع قفر وسلط عليه شجاعا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 2 - 17 - 7 (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 7 (5) سورة المؤمنون - الآية 101 (6) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 5 (7) و (9) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 13 - 5 (8) سورة آل عمران - الآية 176 (10) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 3

[ 7 ]

أقرع - أي ثعبانا لا شعر في رأسه لكثرة سمه - يريده وهو يحيد عنه، فإذا رأى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقا في عنقه، وذلك قوله تعالى: " سيطوقون " وما من ذي مال أبل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله تعالى يوم القيامة بقاع قرقر تطأه كل ذات ظلف بظلفها وتنهشه كل ذات ناب بنابها، وما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها إلا طوقه الله ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة (1) " وإن الله يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة أي قدرها، معهم ملائكة يعيرونهم تعييرا شديدا يقولون هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤلاء الذين أعطاهم الله فمنعوا حق الله في أموالهم " (2) و " ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بتضييع الزكاة، ولا يصاد من الطير إلا ما ضيع تسبيحه " (3) و " إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء ومعونة للفقراء، ولو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقير محتاجا، ولاستغنى بما فرض الله له، وأن الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلا بذنوب الأغنياء، وحقيق على الله أن يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله وأقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرزق أنه ما ضاع مال في بر أو بحر إلا بترك الزكاة وما صيد صيد في بر ولا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم، وأن أحب الناس إلى الله أسخاهم كفا، وأسخى الناس من أدى زكاة ماله، ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله " (4). وأما فضلها فعظيم ويكفيك فيه ما ورد في فضل الصدقة الشاملة لها من " أن الله


(1) (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 - 19 (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 4 (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6

[ 8 ]

يربيها لصاحبها كما يربي الرجل فصيله، فيأتي بها يوم القيامة مثل أحد " (1) و " أنها تدفع ميتة السوء " (2) و " تفك من لحى سبعمائة شيطان، ولا شئ أثقل على الشيطان منها على المؤمن، وتقع في يد الرب قبل أن تقع في يد العبد " (3) و " صدقة الليل تطفي غضب الرب، وتمحو الذنب العظيم، وتهون الحساب، وصدقة النهار تنمي المال وتزيد في العمر " (4) إلى غير ذلك، بل لعل رجحان الصدقة في الجملة من الضروريات بل العقل مستقل في ثبوته. ثم إن الظاهر عدم وجوب شئ في المال ابتداء غير الزكاة والخمس، بل لا خلاف محقق أجده في غير الضغث بعد الضغث كما ستسمع الكلام فيه، للأصل والعموم والسيرة القطعية التي هي أقوى من الاجماع، بل يمكن دعوى الضرورة فيه، خصوصا بعد ملاحظة ما ورد من النصوص (5) في فرض الزكاة، وأنه لو علم الله عدم سد حاجة الفقراء بها لا فترض غيرها، ونحوها مما سيمر عليك بعضها في تضاعيف المباحث. نعم يستحب مؤكدا الانفاق مما أنعم الله به عليه، بل ينبغي أن يلزم نفسه بشئ معلوم على حسب وسعه وطاقته ينفقه في كل يوم أو في كل أسبوع أو في كل شهر، قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (6) أو حسنه: " عليكم في أموالكم غير الزكاة، فقلت: وما علينا في أموالنا غير الزكاة ؟ فقال: سبحان الله أما تسمع


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الصدقة - الحديث 7 من كتا ب الزكاة (2) و (3) الوسائل - الباب 1 - من أبواب الصدقة - الحديث 2 - 12 من كتاب الزكاة مع الاختلاف في الثاني (4) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الصدقة - الحديث 2 من كتاب الزكاة (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (6) الوسائل - الباب 7 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 3 الجواهر 1

[ 9 ]

الله عز وجل يقول في كتابه: " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " (1) قلت: فماذا الحق المعلوم ؟ فقال: هو الشئ يعمله الرجل في ماله فيعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير أنه يداوم عليه " وقال في خبره الآخر (2): " أترون أن ما في المال زكاة وحدها ما افترض الله في المال غير الزكاة أكثر فيعطى منه القرابة والمفترض يسألك " وقال (عليه السلام) أيضا في خبر سماعة بن مهران (3): " لكن الله فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة، فقال: والذين في أموالهم حق معلوم والحق المعلوم غير الزكاة هو شئ يفرضه الرجل على نفسه وماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته ووسعته، فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء في كل يوم، وإن شاء في كل جمعة، وإن شاء في كل شهر - إلى أن قال -: ومما فرض الله في المال غير الزكاة قوله عز وجل (4): " الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل " ومن أدى ما افترض الله عليه فقد قضى ما عليه وأدى شكر ما أنعم الله به عليه إذا هو حمده على ما أنعم الله عليه فيه مما فضله من السعة على غيره، ولما وفقه لاداء ما فرض الله عز وجل عليه وأعانه عليه " وسأله (عليه السلام) ابن سنان (5) " في كم تجب الزكاة من المال ؟ فقال: الزكاة الظاهرة أم الباطنة ؟ فقال: ماهما ؟ فقال: أما الظاهرة ففي كل الف خمسة وعشرون، وأما الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك " وفي المروي (6) عن تفسير العياشي " سألته عن قول الله عز وجل: " الذين يصلون ما أمر الله به أن


(1) سورة المعارج - الآية 24 و 25 (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث - 4 - 2 مع الاختلاف فيهما (4) سورة الرعد - الآية 21 (5) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 9 وفى الوسائل عن محمد بن سنان عن المفضل قال: كنت عند أبى عبد الله عليه السلام فسأله رجل.. الخ (6) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 17

[ 10 ]

يوصل " فقال: هو مما فرض الله في المال غير الزكاة، ومن أدى ما فرض الله عليه فقد قضى ما عليه " وفي خبر القاسم بن عبد الرحمن (1) عن الباقر (عليه السلام) " أن رجلا جاء إلى أبيه فقال. أخبرني عن قوله تعالى: " الذين في أموالهم حق معلوم " فقال له: الحق المعلوم الشئ يخرجه من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين قال: إذا لم يكن من الزكاة ولا من الصدقة فما هو ؟ قال: هو الشئ يخرجه الرجل من ماله إن شاء أكثر وإن شاء أقل على قدر ما يملك يصل به رحما، أو يقوي به ضعيفا، ويحمل به كلا، أو يصل به أخا له في الله في نائبة تنوبه ". ومن فهم الوجوب من هذه النصوص أو بعضها أو احتمله فليعلم أنه ليس على شئ، وأنه ممن لا يجوز له التعرض لفهم كلامهم (عليهم السلام) وإفتاء الناس بما يحصل لديه منه، والصدوق (رحمه الله) في الفقيه إنما عبر بمضمون كلامهم (عليهم السلام) فقال: " قال الله تعالى: " والذين في أموالهم حق معلوم " والحق المعلوم غير الزكاة، وهو شئ بفرضه الرجل على نفسه أنه في ماله ونفسه يجب أن يفرضه على قدر طاقته " فمراده مرادهم (عليهم السلام)، فما عن الذخيرة من أن ظاهر هذه العبارة الوجوب في غير محله كما هو واضح. بل لعل الحال في الضغث بعد الضغث كذلك خصوصا بعد الأصل والعمومات سيما قول الباقر (عليه السلام) في خبر معمر بن يحيى (2): " لا يسأل الله عز وجل عبدا عن صلاة بعد الفريضة، ولا عن صدقة بعد الزكاة، ولا عن صوم بعد شهر رمضان " وبعد قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية بن مترع (3) " في الزرع


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب 1 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 16 من كتاب الصوم (3) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 2 لكن رواه -

[ 11 ]

حقان حق تؤخذ به وحق تعطيه، أما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول الله عز وجل (1): " وآتوا حقه يوم حصاده " يعني من حضرك الشئ، ولا أعلم إلا أنه قال: الضغث ثم الضغث حتى تفرغ " وصحيح شعيب العقرقوفي (2) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (3): " وآتوا " فقال: الضغث من السنبل، والكف من التمر إذا حوصره، قال: وسألته هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله البيت ؟ قال: لا، هو أسخى لنفسه قبل أن يدخله في بيته " وحسن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير (4) عن الباقر (عليه السلام) في الآية، قال: " هذا من الصدقة يعطي المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة، ويعطي الحارس أجرا معلوما، ويترك للحارس يكون في الحائط العذق والعذقان والثلاثة لحفظه أياه " وحسن أبي بصير (5) عن الصادق (عليه السلام) " لا تصرم بالليل، ولا تحصد بالليل، ولا تضح بالليل، ولا تبذر بالليل، فانك إن لم تفعل لم يأتك القانع، وهو من يقنع بما أعطيته، والمعتر، وهو الذي يمر بك فيسألك، وإن حصدت بالليل لم يأتك السؤال وهو قوله عز وجل: " وآتوا حقه " يعني القبضة بعد القبضة أذا حصدت، وإذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، وكذلك عند الصرام، ولا تبذر بالليل، لأنك تعطي من البذر كما تعطي من الحصاد " وفي المروي


- عن معاوية بن شريح وهو الصحيح لأنه لم يوجد أثر لمعاوية بن مترع في كتب التراجم أصلا والموجود فيها هو معاوية بن ميسرة بن شريح القاضى (1) و (3) سورة الانعام - الآية 142 (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 4 وفى الوسائل " من التمر إذا خرص " (4) فروع الكافي ج 1 ص 565 الطبع الحديث " باب الحصاد والجذاذ " الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 مع الاختلاف

[ 12 ]

عن تفسير علي بن إبراهيم في الصحيح عن مسعد بن سعد (1) عن الرضا (عليه السلام) " إن لم يحضر المساكين وهو يحصد قال: ليس عليه شئ " فان عدم التقدير وعدم الوجوب لو لم يحضروا، وعدم المؤاخذة به والتشبيه بالبذر الذي لم يقل أحد بوجوب الاعطاء منه والاختلاف في الغاية وغير ذلك مشعر بعدم الوجوب كما نسب إلى أكثر العلماء في محكي التذكرة، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل لا مخالف صريح أجده إلا الشيخ في محكي الخلاف، إذ الصدوق وإن عنون له بابا لكن لا صراحة فيه بالوجوب ولا ظهور، وأوضح منه في العدم الكافي، بل ربما استظهر منه موافقة الأصحاب كالمقنعة، نعم في الانتصار بعد أن اختار الاستحباب قال: ولو قلنا بوجوب هذا العطاء في وقت وإن لم يكن مقدرا بل موكولا إلى اختيار المعطي لم يكن بعيدا من الصواب. فمن الغريب بعد ذلك دعوى الشيخ إجماع الطائفة وأخبارهم على الوجوب، خصوصا بعد عدم اشتهاره مع عموم البلوى به، بل السيرة المستمرة على عدمه، والآية لا مانع من حملها على الندب بناء على عدم أرادة الزكاة منها كما أو مأ إليه بعض النصوص (2) بقرينة النهي عن الاسراف الذي لا وجه له في الزكاة المقدرة، وظهور يوم حصاده، وغير ذلك، ولفظ الحق لا ينافي إرادة الندب كما هو واضح، بل لعل الاطناب في ذلك من تضييع العمر بالواضحات، ضرورة استقرار الاجماع الآن على عدم الوجوب، ووسوسة بعض المتأخرين المجبولة طباعهم على حب الخلاف غير قادحة والله أعلم.


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب زكاة الغلات - الحديث 5 عن سعد بن سعد (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب زكاة الغلات - الحديث 2

[ 13 ]

(و) كيف كان ف‍ (- فيه قسمان): (الأول في زكاة المال) التي وجوبها في الجملة من الضرويات المستغنية عن الاستدلال بالآيات والروايات فيدخل منكره من المسلمين في المليين أو الفطريين على حسب غيره من إنكار الضرورى الذي قد أفرغنا الكلام في وجه الكفر بانكاره في أحكام النجاسات من كتاب الطهارة فلاحظ وتأمل، بل في خبر أبان بن تغلب (1) عن الصادق (عليه السلام) " دمان في الاسلام حلال من الله لا يقضى فيهما حتى يبعث قائمنا أهل البيت عليه السلام، فإذا بعثه الله حكم فيهما بحكم الله: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه " وقال أيضا في خبر أبي بصير (2): " من منع قيراطا من الزكاة فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا " وقال أيضا في خبره الآخر (3): " الزكاة ليس يحمد صاحبها، إنما هو شئ ظاهر، إنما هو شئ حقن بها دمه، وسمي مسلما " ونحوه موثقة سماعة (4) بل في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) (5) لعلي (عليه السلام) " كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة - وعد منهم - مانع الزكاة " إلى غير ذلك مما يجب حمل ما فيه من الكفر على إرادة المبالغة أو على إرادة الترك استحلالا، وأما ما أو مأ إليه بعضها من قتال مانعي الزكاة مع وجودها عندهم فهو على مقتضى الضوابط في غاصبي الأموال بناء على أن الزكاة في العين بل وإن قلنا بالذمة، ولذا صرح به هنا غير واحد من الأصحاب، بل لعله من معقد إجماع التذكرة، لكن الأولى مباشرة الامام (عليه السلام) أو نائبه لذلك، وإن كان قد يقوى جواز مباشرة غيره له أيضا من الآمر بالمعروف الذي هو هنا المقاتلة مع التوقف عليها، بل لعله واجب مع التمكن (و) لتحقيق ذلك محل آخر.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 - 5 - 1 - 2 - 7

[ 14 ]

إنما (النظر) الآن (فيمن تجب عليه) الزكاة (وما تجب فيه، ومن تصرف إليه، أما الأول فتجب الزكاة على البالغ العاقل الحر المالك المتمكن من التصرف) بلا خلاف ولا إشكال، إنما الكلام في نفيها عن غيره (ف‍) - نقول: لا خلاف محقق في أن (البلوغ يعتبر في) زكاة (الذهب والفضة) بل هو معتبر فيهما (إجماعا) بقسميه بل المحكي منه مستفيض أو متواتر كالنصوص (1) وإن كان الموضوع في كثير منها اليتيم إلا أن الاجماع بقسميه أيضا على عدم الفرق بينه وبين غيره، مضافا إلى خبر محمد ابن الفضيل (2) عن الرضا (عليه السلام) " في صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل يجب على مالهم الزكاة فقال: لا يجب على مالهم حتى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزكاة، أما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه " وترك الاستفصال في صحيح يونس بن يعقوب (3): " أرسلت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أن لي إخوة صغارا فمتى تجب على أموالهم الزكاة ؟ فقال: إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة، قلت: فما لم تجب عليهم الصلاة قال: إذا اتجر به فزكه " فلا إشكال حينئذ فيه من هذه الجهة. كما أنه لا إشكال في أن المنساق من النصوص (4) والفتاوى الدالة على اعتبار الحول كون مبدئه تحقق البلوغ، فلا وجوب لما مضى من الأحوال قبله، ولا للحول الذي بلغ في آخره، للأصل وغيره، وخبر أبي بصير (5) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس على مال اليتيم زكاة " يب " وليس عليه صلاة وليس على جميع غلاته من نخل


(1) الوسائل - الباب - 1 و 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 4 (3) الوسائل - الباب - 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 5 (4) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب زكاة الذهب والفضة (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 3 و 11

[ 15 ]

أو زرع زكاة " ش " (1) وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، ولا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك فانما عليه زكاة واحدة، ثم كان عليه مثل ما على غيره من الناس " والظاهر إرادة معنى الواو من " ثم " كما رواه الشيخ به بدلها، ثم إنه إن جعلنا مفعول الادراك فيه المدلول عليه بما مضى وما بقي تخلصا من اتحاد معنى الغاية والبداية كان حينئذ دالا على المطلوب من وجهين، وإن جعلنا الادراك فيه الرشد كان النفي الأول كافيا، بل لو أعرضنا عن هذا الخبر لاجماله كان غيره مما عرفت كافيا، فلا وجه لما عن بعض متأخري المتأخرين من أن المستفاد من الأدلة عدم وجوب الزكاة على الصبي حتى يبلغ، وهو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه، إذ لا يستفاد من أدلة اشتراط الحول كونه في زمان التكليف، واللام في قوله: " فليس عليه " إلى آخره غير واضحة الدلالة على المعنى الشامل للسنة الناقصة، بل المتبادر منه خلافه، وكذا قوله (عليه السلام): " ولا عليه " إلى آخره غير واضح في إثبات الفرض المذكور، بل قد نقول في قوله " فإذا " إلى آخره دلالة على خلاف ذلك، إذ هو كما ترى، مضافا إلى ما تسمعه إن شاء الله في تضاعيف المباحث، وفي البحث عن اشتراط الحول مما يظهر منه صحة ما ذكرنا من اعتبار الحول عند ابتداء البلوغ فيما يعتبر فيه الحول، كما أنه يعتبر عند التعلق فيما لا يعتبر فيه الحول وكذا غيره من الشرائط. وعلى كل حال فلا وجوب قبل البلوغ (نعم أذا اتجر له من إليه النظر استحب له إخراج الزكاة من ماله) أي الطفل ولا يجب بلا خلاف محقق أجده فيه، بل في المعتبر ومحكي المنتهى ونهاية الأحكام وظاهر الغنية الاجماع عليه، ولعله كذلك، إذ ما في المقنعة - من أنه لا زكاة عند آل الرسول (صلى الله عليه وآله) في صامت أموال


(1) لا يخفى أن ما بين لفظه " ب " وحرف " ش " مما اختص به الشيخ قده في روايته عن أبى بصير وأما البقية فاشترك الشيخ والكينى قدهما في نقلها عن أبى بصير

[ 16 ]

الأطفال والمجانين من الدراهم والدنانير إلا أن يتجر الولي لهم أو القيم عليهم بها، فان اتجر بها وحركها وجب عليه إخراج الزكاة منها، فإذا أفادت ربحا فهو لأربابها، وإن حصل فيها ضرر (خسران خ ل) ضمنه المتجر لهم بها، وعلى غلاتهم وأنعامهم الزكاة إذا بلغ كل واحد من هذين الجنسين الحد الذي يجب فيه الزكاة، وليس يجري ذلك مجرى الأموال الصامتة على ما جاء عن الصادقين (عليهم السلام) - يمكن حمله على أرادة الندب كما عن التهذيب، بل يشهد له تصريحه في باب زكاة أمتعة التجارة بأنها سنة مؤكدة فيها على المأثور عن الصادقين (عليهم السلام)، واحتمال الفرق بين التجارة بمال الطفل وغيره كما ترى، وأولى بالحمل على ذلك ما عن الصدوقين من أنه ليس على مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فان اتجر به فعليه الزكاة، فصح لنا حينئذ نفي تحقق الخلاف في المسألة، أللهم إلا أن يدعى أن ظاهر القائلين بوجوبها في مال التجارة عدم الفرق بين الأطفال والبالغين، فيكون الوجوب حينئذ قولا لجماعة، لكن فيه بحث أو منع. وعلى كل حال فلا ريب في أن الأقوى عدم الوجوب، للأصل وإطلاق نفيها عن اليتيم في خبر أبي بصير (1) وخبر محمد بن القاسم (2) وصحيح محمد بن مسلم (3) وصحيح زرارة (4) وصحيحهما (5) الوارد في الغلات وغيرها، بل في خبر مروان ابن مسلم (6) عن أبي الحسن عن أبيه (عليهما السلام) منها ما يؤمي إلى حمل ما دل على الوجوب على التقية لأنه قال: " كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم، ليس عليه زكاة ". فاحتمال تقييد الجميع بخبر أبي العطارد الحناط (7) " قلت لأبي عبد الله عليه السلام مال اليتيم يكون عندي فأتجر به، قال: إذا حركته فعليك زكاته " وخبر سعيد السمان (8)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 3 و 11 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 4 - 7 - 8 - 2 - 9 (7) و (8) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 3 - 2 الجواهر - 35

[ 17 ]

" سمعت أبا عبداله (عليه السلام) يقول: ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فان اتجر به فالربح لليتيم، وإن وضع فعلى الذي يتجر به " وخبر أبي شعبة (1) عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أنه سئل عن مال اليتيم فقال: لا زكاة عليه إلا أن يعمله " وصحيح محمد بن مسلم (2) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل على مال اليتيم زكاة ؟ قال: لا إلا أن يتجر أو يعمل به " وصحيح يونس بن يعقوب (3) وخبر محمد بن الفضيل (4) المتقدمين آنفا - بعد الاعضاء عما في سند بعضها، وموهونية الجميع بما عرفت من عدم تحقق القائل بالوجوب، وعدم ظهور بعضها في الوجوب المصطلح، ضرورة دلالة بعضها على ثبوت الزكاة فيها في هذا الحال الذي هو أعم من الوجوب وغيره، وكذا ما دل منها على أن الزكاة على المال حينئذ، ضرورة إمكان منع دلالته على الوجوب، وأن المراد منه معنى فيها - كما ترى مخالف لمذاق الفقاهة، خصوصا بعدما تعرف إن شاء الله من عدم الوجوب في مال التجارة على البالغ فضلا عن مال الطفل، وما أبعد احتمال الوجوب أو القول به من القول بعدم المشروعية أصلا، كما صرح به الحلي في مكاسب السرائر، وتبعه سيد المدارك، لكن الانصاف أنه إفراط، إذ التصرف في مال الغير وإن كان حراما وخصوصا مال اليتامى لكن لا مناص عن القول بالندب هنا بعد الاجماع المحكي عليه في المعتبر ومحكي المنتهى والنهاية وظاهر الغنية المعتضد بالتتبع، وبالنصوص المزبورة المعتبر سند بعضها المحمولة على ذلك الذي هو أولى من التقية، فيكون إذنا من المالك الحقيقي، بل الظاهر عدم الفرق في استحباب زكاة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 10 عن أحمد ابن عمر بن أبى شعبة عن أبيه عن أبى عبد الله عليه السلام (2) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 - 4 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 5

[ 18 ]

ماله مع التجارة بين النقدين وغيرهما، لاطلاق النصوص المزبورة، ودعوى انصرافها إلى النقدين ممنوعة، كما أنه أفرط هو وبعض من تقدمه في دعوى كون الخسران على المتجر لهم أذا حصل، وإن كان ربما يشهد له خبر السمان (1) إلا أنه لا مجال للقول به والخروج عن قاعدة الاحسان وقاعدة من كان الربح له فالخسران عليه، وغير ذلك، فيجب حينئذ حمله على ما لا ينافيها. (و) على كل حال فالتحقيق ما ذكرنا من استحباب الزكاة في مال الطفل إذا اتجر به له. فأما (إن ضمنه) وأدخله في ملكه بناقل شرعي كالقرض (واتجر لنفسه و) فرض جواز ذلك له بأن (كان مليا) وفيه مصلحة لليتيم أو كان أبا أو جدا بناء على عدم (2) اعتبار الملائة فيهما (كان الربح له) سواء ابتاع بعينه أو بالذمة وأداه لأنه نماء ملكه (وتستحب الزكاة له) حينئذ لأنه كغيره من أموال التجارة بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك إلا في أصل جواز اقتراض الولي مال الطفل، فان ظاهر ابن إدريس منعه، ولا ريب في ضعفه كما بيناه في محله. والمراد بالملائة ما ذكره الصادق (عليه السلام) في خبر سالم (3) قال: " سألته فقلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به قال: إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شئ غرمه وإلا فلا يتعرض لمال اليتيم " بل وصحيح ربعي (4) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل عنده مال اليتيم فقال: إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمس ماله، وإن هو اتجر به فالربح لليتيم، وهو ضامن " وخبر منصور الصيقل (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مال اليتيم يعمل به فقال:


(1) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 2 - 7 (2) ليس في النسخة الأصلية لفظة " عدم " والصحيح ما أثبتناه (3) و (4) الوسائل - الباب - 75 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 4 - 3 من كتاب التجارة لكن روى الأول عن أسباط بن سالم

[ 19 ]

إذا كان عندك مال وضمنته فلك الربح، وأنت ضامن المال، وإن كان لا مال لك وعملت به فالربح للغلام، وأنت ضامن للمال ". ولعله إليه يرجع ما في المسالك من أن المراد بالملائة أن يكون للمتصرف مال بقدر ما للطفل فاضلا عن المستثنيات في الدين، وهو قوت يوم وليلة له ولعياله الواجبي النفقة، وأشكله في المدارك بأنه قد لا يحصل معه الغرض المطلوب من الملائة، قلت: قد عرفت خلو النصوص عن هذا اللفظ، وإنما المعتبر ما سمعت، وربما يكفي عنها وضع الرهن ولو من غيره على المال، بل قد يقال بكفاية الجاه والاعتبار عن المال فعلا، وإن كان لا يخلو من إشكال، لاحتمال عروض الموت ونحوه، ثم من المعلوم عدم اعتبار اليقين بوجود مال له لو تلف مال الطفل، بل يكفي الاطمئنان العادي بذلك كما هو واضح. وكيف كان فقد استثنى جماعة بل في المدارك نسبته إلى المتأخرين الاب والجد مما يعتبر فيه الملائة، فيجوز حينئذ اقتراضهما وإن كانا معسرين، بل عن مجمع البرهان كأنه لا خلاف فيه، ولم أجد له شاهدا بالخصوص في النصوص، نعم قد يشهد له في الجملة إطلاق ما ورد (1) من جواز تقويم الاب جارية ولده على نفصسه ثم يطأها، وخبر سعيد بن يسار (2) عن الصادق (عليه السلام) " أيحج الرجل من مال ابنه وهو صغير ؟ قال: نعم، قلت حجة الاسلام وينفق منه، قال: نعم بالمعروف ويحج منه وينفق منه إن مال الولد لوالده، وليس للولد أن ينفق من مال والده إلا باذنه " وخبر ابن أبي يعفور (3) " في الرجل يكون لولده مال فأحب أن يأخذ منه قال: فليأخذ " وخبر أبي حمزة (4) عن الباقر (عليه السلام) " قال رسول الله (صلى الله عليه واله) لرجل: أنت مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أحب أن يأخذ من مال ابنه


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث - 0 - 4 - 8 - 2 من كتاب التجارة

[ 20 ]

إلا ما احتاج " إن الله لا يحب الفساد " وخبر محمد بن مسلم (1) " سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه قال: يأكل منه من غير أسراف إذا اضطر إليه، فقلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل أتاه فقال له: أنت ومالك لأبيك، فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه واله) فقال: يا رسول الله هذا أبي قد ظلمني ميراثي من أمي فأخبره أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه فقال له: أنت ومالك لابيك ولم يكن عند الرجل شئ " وخبر علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن الرجل يأكل من مال ولده قال: لا إلا أن يضطر إليه فليأكل منه بالمعروف ". إلا أن الجميع كما ترى لا يجسر به على مثل هذا الحكم، وخصوصا في الجد المندرج في قوله تعالى (3): " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن " إذ الظاهر صدقه بفقد الأب وإن كان الجد موجودا، دعوى شمول لفظ الأب في هذه النصوص للجد واضحة المنع، كل ذا مع أن المحكي عن القدماء إطلاق اعتبار المصلحة في التصرف في مال الطفل من غير فرق بين الأب والجد وغيرهما، بل عن المبسوط " من يلي أمر الصغير والمجنون خمسة: الأب والجد ووصي الأب والجد والامام ومن يأمره، فكل هؤلاء الخمسة لا يصح تصرفهم إلا على وجه الاحتياط والحظ للصغير المولى عليه، لانهم نصبوا لذلك، فإذا تصرف على وجه لا حظ فيه كان باطلا " نعم حكي عن الشيخ أنه جوز للوالد الاستقراض من مال الولد لحجة الاسلام، ولعله لخبر سعيد المتقدم، وأنه نص على المنع للحج المندوب، وبالجملة فالتوقف في الحكم المزبور في محله، خصوصا مع


(1) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 9 وهو خبر الحسين ابن أبى العلاء مع الاختلاف في صدر الرواية أيضا (2) الوسائل - الباب - 78 من أبواب ما يكتسب به - الحديث 6 من كتاب التجارة (3) سورة الانعام - الآية 153

[ 21 ]

المفسدة في ذلك، ومن هنا استشكله في المدارك بعد أن حكاه عن المتأخرين، وعن القطيفي أنه لم يحضرني دليله، وقد ذكرنا نبذة من الكلام في تصرف الولي في كتاب الرهن من أراده فليلاحظه. (أما إذا) كان الولي بحيث لا يجوز له الاقتراض بان (لم يكن مليا أو) لا مصلحة في افتراضه فهو كما أذا (لم يكن) المقترض (وليا) في عدم الجواز و (كان) كل منهما (ضامنا) للمال لو تلف كلا أو بعضا بقيمته أو مثله، لكونهما غاصبين، (و) لكن أطلق المصنف والفاضل في بعض كتبه أن (لليتيم الربح) حينئذ (و) أنه (لا زكاة هنا) وعن محكي المبسوط والنهاية موافقتهما في الاول ومخالفتهما في الثاني لكن في غير الولي، كما أن الشهيدين والمقداد وثاني المحققين والقطيفي على ما حكي عن بعضهم وافقوهما على الأول إذا كان وليا واشترى بالعين، واختلفوا في الزكاة، فبعضهم أثبتها وآخر نفاها، ولعل التحقيق في الولي كون الربح لليتيم مع الشراء بالعين، وقصد النفس بعد كون المال للغير المخاطب بايقاع الشراء له مع المصلحة غير قادح، كما لو اشترى بمال زيد عينا يقصد أنها له، فانه لا يجدي في عدم (1) تبعية ملك المعوض للعوض إذا كان وكيلا أو أجاز المالك، وقد فرضنا كون المتصرف الولي، فلا يحتاج إلى إجازة، إذ هو حينئذ كالوكيل على الشراء بالعين وقصد نفسه، فان صحة البيع لا تحتاج ألى إجازة من الموكل في وجه قوي، لأن الوكيل قد فعل ما وكل فيه، وقصده لنفسه لاغ، وليس الفعل مشتركا تشخصه النية، إذ الفرض أنه وكيل على الشراء بالعين، وهو لا يقع إلا للموكل، فكذا الولي، بل لعله أولى من الوكيل في ذلك، وعلى هذا يحمل صحيح ربعي (2) وخبر منصور (3) المتقدمان آنفا، ونحوهما حسن ابن مسلم (4) في مال


(1) في النسخة الأصلية شطب على لفظة " عدم " والصحيح ما أثبتناه (2) و (4) الوسائل - الباب - 75 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 3 - 2 (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 7

[ 22 ]

اليتيم " العامل به ضامن ولليتيم الربح إذا لم يكن للعامل به مال، وقال: عطب أداه ". ومنه يظهر فساد ما ذكره بعض متأخري المتأخرين من احتياج الصحة إلى إجازة من الولي، بل ربما توقف في الصحة معها أيضا، لكون الشراء وقع لنفسه، فلا تنفعه الاجازة ولو قلنا بصحة الفضولي معها، إذ قد ظهر لك مما ذكرنا عدم الاحتياج إلى الاجازة في الصحة، لكونه مكلفا مع الشراء بعين مال الطفل وحصول المصلحة بكون الشراء للطفل لا لنفسه. نعم ينبغي تقييد ذلك كله بما إذا وقع الشراء بالعين، أما إذا وقع في الذمة فالقاعدة تقتضي كونه للولي، فيكون الربح له وإن كان قد أضمر التأدية من مال الطفل حال الشراء، فان إضماره ذلك لا يقتضي تبعية الملك له، وتأديته لم تبرأ ذمته، ودعوى أن النص والفتوى يشملان هذه الصورة، لأنها الغالب، ولصدق الشراء بمال الطفل حينئذ، يمكن منعها، على أن الخروج عن القاعدة المحكمة باطلاق هذه النصوص ليس أولى من العكس، بل هو أولى. ولو لم يكن ربح ولا نقصان أمكن الحكم بصحة العقد بناء على اعتبار عدم المفسدة لا المصلحة، أو على أنها معتبرة في رفع الاثم في التصرف دون صحة العقد، فيكفي فيها عدم المفسدة وإن أثم بالايقاع، وقد يقوى الفساد، لاعتبارها في الصحة كما هو ظاهر الآية (1) وحينئذ يكون كالشراء مع النقيصة الذي حكمه أنه يجب عليه استرجاع مال الطفل مع التمكن، وإلا غرم للطفل ماله، وأخذ ما بيده له مقاصة، ولو كانت المصلحة في المقاصة للطفل اعتبرها له، لأنه عوض ماله، وغرم الباقي له. لكن في وجوب ذلك عليه أشكال، أقواه العدم. ولو كان أول الشراء ناقصا ثم زاد بعد ذلك فالظاهر البقاء على الفساد، وقد


(1) سورة الأنعام - الآية 153

[ 23 ]

يحتمل انكشاف الصحة قهرا أو مع تجديد الاجازة فيدخل في ملك الطفل لمصادفته المصلحة واقعا، لكنه لا يخلو من ضعف، كما أن الظاهر - فيما إذا كان أول الشراء فيه ربح فنقص بعد ذلك - البقاء على الصحة، فتكون النقيصة حينئذ على الطفل، وقد يحتمل انكشاف الفساد، لكنه أيضا لا يخلو من ضعف كالسابق. هذا كله إذا كان المتصرف الولي، أما إذا كان غير ولي وقد اشترى بعين مال الطفل بعنوان أنه له وكان فيه ربح فالضوابط تقتضي أنه فضولي لا يدخل في ملك الطفل حتى يجيز الولي، والظاهر عدم وجوب الاجازة عليه، لاصالة براءة ذمته من وجوب التكسب عليه، لكن ظاهر المصنف وغيره كونه كالولي في الحكم، وربما استدل له باطلاق النصوص السابقة، لكن قد يمنع شمولها لغير الولي، خصوصا مع اشتمالها على ما يقتضي رفع الضمان إذا كان للعامل مال، وهو لا يتم إلا في الولي، ضرورة ضمان غيره على كل حال، لعدم جواز التصرف له، ومن ذلك يظهر لك أن دعوى وجوب إجازة الولي الحقيقي لمثل هذا التصرف إذا صادف المصلحة لا شاهد لها، كما أنه مما قدمنا سابقا يظهر لك أنه لا وجه للتوقف في الصحة مع إجازة الولي، لما عرفت من أن قصد النفس غير قادح. وأما الزكاة فنفيها عن الولي وإن كان قد قصد الشراء لنفسه متجه، لعدم سلامة الربح له، وفي موثق سماعة (1) " الرجل يكون عنده مال اليتيم يتجر به أيضمنه ؟ قال: نعم، قلت: فعليه زكاة قال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين الضمان والزكاة " لكنه غير صريح فيما نحن فيه، بل ولا ظاهر، اللهم إلا أن يقال: إنه إن لم يحمل عليه لم يوافق ما هو المعلوم من النص والفتوى من أن الولي إذا ضمن مال الطفل واتجر به لنفسه كانت الزكاة عليه، وأنه بهذا المعنى تجتمع الزكاة والضمان، أما إذا


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 5

[ 24 ]

حمل على ما نحن فيه من كون الضمان فيه لعدم جواز افتراضه لعدم ملائته أو غيرها وكان الاتجار لنفسه يتجه حينئذ نفي الزكاة عنه، لما عرفت من صيرورة الربح للطفل، فمثل هذا الضمان لا يجتمع مع الزكاة، لكنه كما ترى لا يخلو من تكلف. وعلى كل حال فنحن في غنية عنه بالنسبة إلى نفيها عنه من ماله، وأما بالنسبة إلى الطفل فلعل عدم الزكاة حينئذ لعدم قصد التكسب له، وإن صرف الشارع الربح له وستعرف اشتراط زكاة التجارة بذلك، مضافا إلى أصالة العدم، ضرورة ظهور ما دل على الاستحباب فيما إذا كانت التجارة له، ولو كان المتصرف غير الولي ثم أجازه فقد عرفت القول بعدم الزكاة فيه أيضا، وأنه لا فرق بينه وبين الولي الذي لم يجز له التصرف، وعلل بعدم قصد الطفل عند الشراء، فيكون قصد الاكتساب له طارئا، واستضعفه في المدارك بأنه على تقدير تسليم الشرط إنما هو قصد الاكتساب عند التملك وهو هنا حاصل بناء على ما هو الظاهر من أن الاجازة ناقلة لا كاشفة، ثم حكى عن الشهيدين والمحقق الثاني استحباب إخراج الزكاة من مال الطفل في كل موضع يقع الشراء للطفل ونفى البأس عنه. قلت: لعل الظاهر ذلك وإن قلنا إن الاجازة كاشفة بناء على ما هو الصحيح من معنى الكشف، فيكفي حينئذ في قصد التكسب للطفل إجازة الولي ذلك الشراء له، وأولى من ذلك مالو وقع الشراء فضوليا للطفل من أول الامر فأجازه، فانه لا إشكال في كونه اتجارا بمال الطفل، فيندرج حينئذ في الادلة السابقة، لكن الانصاف عدم ترك الاحتياط في كل مقام يقع فيه الاشتباه، لما عرفت من أن الحكم استحبابي لا إيجابي، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- تستحب الزكاة في غلات الطفل ومواشيه) كما صرح به الجواهر - 3

[ 25 ]

الفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم (وقيل: تجب) والقائل الشيخان وبنو زهرة وسعيد وحمزة والتقي والقاضي على ما حكي عنهم، بل حكاه غير واحد عن الشيخين وأتباعهما، بل عن ناصريات المرتضى ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الامام يأخذ الصدقة من زرع الطفل وضرعه، والأقوى عدم الوجوب، كما هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل لعل عليه عامة المتأخرين، بل عن تلخيص الخلاف نسبته إلى أصحابنا بل عن كشف الحق ذهبت الامامية إلى أن الزكاة لا تجب على الطفل والمجنون، للأصل وإطلاق النصوص (1) المستفيضة غاية الاستفاضة نفي الزكاة عن مال اليتيم الشامل للفرض وخصوص موثق أبي بصير (2) السابق في الغلات الذي لا وجه لحمل النفي فيه على إرادة بيان النفي عن جميع الغلات التي منها مالا تجب الزكاة فيه، ضرورة عدم قابليته لذلك، لاشتماله على النخل، مع أنه لا وجه معتد به لاختصاص الطفل حينئذ به، والمناقشة في سنده لو سلمت مدفوعة بالانجبار بالشهرة، كل ذلك مع عدم دليل للوجوب سوى خطابات الوضع التي يمكن منع سوقها لبيان الأعم من المكلف والمكلف به، ولو سلم فلا صراحة فيها بالوجوب، ضرورة صدقها مع الندب، ولو سلم فهي ظاهرة في المالك الكامل، ضرورة أنها تكليف، والتكليف مشروط بالكمال، لرفع القلم عن الصبي والمجنون، فالمراد حينئذ منها وجوب الزكاة في الأعيان على من له أهلية التكليف، وصرف ذلك إلى الولي وإن كان ممكنا إلا أنه خلاف الظاهر من هذه النصوص المنساق منها أرادة المالك، ولو أغضي عن ذلك كله وسلم عمومها للكامل وغيره فالتعارض بينها وبين الاطلاقات السابقة من وجه، ولا ريب في رجحانها عليها من وجوه، منها الأصل والشهرة وخبر أبي بصير ووضوح الدلالة، ودعوى ترجيحها عليها بأن المنساق من المال


(1) الوسائل - الباب - 1 و 2 و 3 - من ابواب من تجب عليه الزكاة (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 3 و 11

[ 26 ]

في نصوص النفي الصامت ممنوعة، إذ لا ريب في أن المواشي والغلات من جملة الأموال بل النعم أكثر أموال العرب، كدعوى ترجيحها بصحيح زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) (1) " ليس على مال اليتيم في العين والمال الصامت شئ، فأما الغلات فعليها الصدقة واجبة " الموافق لجمهور العامة، واحتمال أرادة الثبوت من الوجوب الذي لم يثبت كونه حقيقة في المعنى المصطلح كما في المدارك، وإن كان فيه ما فيه، والذي لم يشتمل على تمام المدعى، ودعوى الاجماع المركب كما عن ابن حمزة يمكن منعها كما ترى، فلا محيص للفقيه عن حمله على الندب حينئذ كما صرح به من عرفت، إلا أنه قد صرح به أيضا في المواشي، ولم نعرف له دليلا سوى دعوى الاجماع المركب على مساواة حكمها للغلات وجوبا أو ندبا، ودون ثبوتها خرط القتاد، خصوصا في نحو المقام الذي لا يتسامح في دليل الندب فيه باعتبار معارضته بدليل حرمة التصرف وخصوصا مع عدم تعرض كثير للندب فيهما معا، بل ربما ظهر من بعض من نفى الوجوب كابن إدريس الحرمة، وبه جزم العلامة الطباطبائي في مصابيحه بعد أن ادعى عدم التصريح به قبل الفاضلين، بل ربما كان ظاهر من تقدمهم كالصدوقين والمرتضى وابن أبي عقيل وغيرهم نفي الندب أيضا، ومن ذلك يعلم حينئذ ما في عبارة النافع في الغلات من أن الاحوط الوجوب، فتأمل. (وكيف قلنا فالتكليف بالاخراج يتناول الوالي عليه) لأنه هو الذي له ولاية التصرف في ماله، ولظهور بعض النصوص (2) السابقة في خطابه بذلك، فليس حينئذ للطفل الاخراج بدون إذنه وإن قلنا بشرعية عباداته، ولا لغيره، لكن عن مجمع


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 2 وفيه " الدين " بدل " العين " (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 3

[ 27 ]

البرهان أنه على تقدير عدم حضور الولي يمكن التوقف حتى يوجد أو يبلغ الطفل فيقضي ويحتمل جواز الأخذ لآحاد العدول والمستحقين، قلت: لعل وجهه أن هذا الاستحباب ليس تكليفا محضا بل له جهة تعلق بالمال حينئذ، إلا أنه ينبغي أن يكون المتولي لأخذ ذلك الحاكم مع غيبة الولي، بل ومع امتناعه في وجه، وقد سمعت ما حكاه المرتضى عن أكثر أصحابنا. وكيف كان فلو تعدد الأولياء جاز لكل واحد منهم، فان تشاحوا وأمكن التوزيع ففي كشف الاستاذ وزع عليهما، قلت: يمكن أن يقدم من تمكن منهم من المال إذ ليس للآخر قهره ومنعه، وفي الدروس ويتولى الولي الاخراج، فيضمن لو أهمل مع القدرة في ماله وجوبا أو ندبا لا في مال الطفل، ولو لا أن الحكم استحبابي اتجه مطالبته بدليل الضمان في ماله في الندب، كالذي في كشف الأستاذ من أنه إن أتلفا أي الطفل والمجنون شيئا منها مع تفريط الولي كان الضمان عليه، ومع عدمه يكون الضمان عليهما، فيؤدي الولي العوض من مالهما أي ولو على الندب، وقال فيه أيضا: " إذا بلغ الطفل لم يمكنه الولي من دفع زكاته حتى يأنس منه الرشد بالاختبار لأحواله بالتصرف بأمواله " وفيه أنه لا بأس بدفعه من حيث أنه دفع، لكونه مكلفا، وعبادته صحيحة بل لعل الأولى مباشرته لذلك، لأنه هو المخاطب، نعم ينبغي اطلاع الولي على المدفوع إليه، فحينئذ لو دفع شيئا إلى الفقير الجامع للشرائط على وجه التقرب لم يحتج إلى احتساب الولي عليه، وإن كان هو أحوط مع بقاء العين وتلفها، نعم لو سلمها إلى غير الجامع فتلفت في يده كان الضمان عليه، لعدم جواز تناوله منه بدون إذن الولي، فلا غرور منه. ثم إن ظاهر النص والفتوى كون الطفل المولود، فلا يدخل الحمل في شئ من الأحكام السابقة، بل لعل قوله تعالى (1): " تخرجكم طفلا " ظاهر في عدم صدقه


(1) سورة الحج - الآية 5

[ 28 ]

على الحمل كما هو مقتضى العرف أيضا، وأولى من ذلك لفظ اليتيم، ودعوى التنقيح ممنوعة، فالأصل حينئذ بحاله، فما عن بعضهم من احتمال دخول الحمل في الحكم - بل ربما مال إليه بعض الناس، بل تردد فيه في البيان، ثم استقرب أنه مراعى بالانفصال حيا، بل في شرح اللمعة للاصبهاني التحقيق إن لم يثبت الاجماع المنقول في الايضاح تعميم الحكم له إن كان المستند العمومات، وإلا بني الحكم على دخوله في مفهوم اليتيم - واضح الفساد، بل الأخير لم يأت بشئ فضلا عن أن يكون تحقيقا، فلا ريب في أن التحقيق ما ذكرنا، خصوصا وملكه مراعى بسقوطه حيا، ومن هنا قطع في المحكي عن التذكرة بالعدم، لعدم التكليف، وعدم الوثوق بحياته ووجوده، بل عن الايضاح أن إجماع أصحابنا على أنه قبل انفصال الحمل لا زكاة في ماله كالميراث لا وجوبا ولا غيره، وإنما يثبت وجوبا على القول به واستحبابا على المختار بعد الانفصال. هذا كله في الصغير (وقيل) والقائل الأكثر بل المشهور: (حكم المجنون حكم الطفل) في جميع ما تقدم، لكن إن لم يكن إجماعا كما عساه يظهر من بعضهم أشكل إثبات ذلك، لعدم دليل معتد به على هذه التسوية إلا مصادرات لا ينبغي للفقيه الركون إليها، ومن هنا قال المصنف (و) تبعه غيره كشاني المحققين والشهيدين وأبي العباس والقطبفي والميسي وغيرهم على ما حكي عن بعضهم (الأصح أنه لا زكاة في ماله) للاصل (إلا في الصامت إذا اتجر له الولي استحبابا) للنص، قال عبد الرحمن بن الحجاج (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة أعليها زكاة ؟ فقال: إن كان عمل به فعليها الزكاة، وإن كان لم يعمل به فلا " وقال موسى بن بكر (2): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة ولها مال في يد أخيها هل عليه زكاة ؟ فقال: إن كان أخوها يتجر به فعليه زكاة " هذا، وقد أطلق المصنف المجنون كغيره من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 - 2

[ 29 ]

الأصحاب، بل قيل: إنهم كذلك من المفيد إلى الفاضل من دون تعرض للمطبق منه والادواري، بل صرح الفاضل منهم في تذكرته والمحكي من نهايته بأنه لو كان الجنون يعتوره إدوارا اشترط الكمال طول الحول، فلو جن في أثنائه سقط واستأنف من حين عوده، بل فيهما أن حكم المغمى عليه حكم المجنون، نعم في التذكرة منهما أنها تجب على الساهي والنائم والمغفل، لكن اعترضه في المدارك بأنه إنما تسقط الزكاة عن المجنون المطبق أما ذو الادوار فالاقرب تعلق الوجوب به في حال الافاقة، إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال، وأن في الفرق بين النوم والاغماء نظرا، لأنه إن أريد عدم أهلية المغمى عليه للتكليف فمسلم، لكن النائم كذلك، وإن أريد كون الاغماء مقتضيا لانقطاع الحول وسقوط الزكاة كما ذكره في ذي الادوار طولب بدليله، فالمتجه مساواة الاغماء للنوم في تحقق التكليف بالزكاة بعد زوالهما كما في غيرهما من التكاليف، وعدم انقطاع الحول بعروض ذلك في الاثناء، وكأنه أشار إليه بقوله في محكي الذخيرة والكفاية في ذي الادوار خلاف، وفي المغمى عليه خلاف، والظاهر مساواة الاغماء للنوم، لأنا لم نجد خلافا من غيره في الاول كما اعترف به الاستاذ الاكبر في المحكي من حاشيته على الذخيرة، قال عند قوله في الادواري خلاف: لم نجد خلافا من الفقهاء في ذلك، ومجرد المناقشة من بعض المتأخرين لا يجعله محل خلاف، لأن الفقهاء ذكروا الشرائط وجعلوا استمرارها طول الحول شرطا، مع أنك عرفت أن حول الحول شرط وأن الحول زمن التكليف، مع أن عدم المانع لا يكفي بل لا بد من المقتضي، لأن الأصل البراءة والعدم، ولم نجد عموما لغويا يشمل هذا الفرد النادر غاية الندرة، إذ في سني وقد بلغت الستين ما رأيته ولا سمعت أن أحدا رآه أو سمع أن أحدا رآه، على أنه لا يصير حال غير المكلف أسوأ، وأن عدم التكليف لا يصير منشئا للتكليف، وإن قال: لابد من أن يكون أول الحول أيضا في حال الافاقة فقد عرفت أن اعتبار

[ 30 ]

الحول على نهج واحد، ويؤيده أن كلام الفقهاء في الشرائط على نهج واحد، وأن التمكن من التصرف طول الحول شرط، وأن في بعض الأخبار (1) عدم الزكاة على مال المجنون مطلقا من دون تفصيل واستفصال، والبناء على أنه من الأفراد النادرة فلا يشمله يهدم بنيان دليلهم كما عرفت، فتأمل جدا. قلت: هو كما ذكر بالنسبة إلى الادواري، أما المغمى عليه فالأقوى فيه ما ذكره في المدارك مؤيدا بعدم استثناء الأصحاب له، بل اقتصارهم على الطفل والمجنون شاهد على خلافه، وكذا السكران، وربما تسمع فيما يأتي زيادة تحقيق لذلك إن شاء الله، كما أنه قد مر في الصبي ما يؤيده، فلاحظ وتأمل، والله أعلم. (والمملوك لا تجب عليه الزكاة) عند أصحابنا في المحكي عن المنتهى وباجماع العلماء، ولا نعلم فيه خلافا لا عن عطا وأبي ثور كما في التذكرة، للأصل والحجر عليه مع عدم الاذن بناء على منعها به، والحسن كالصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) " ليس في مال المملوك شئ ولو كان له الف الف، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا " والصحيح (3) عنه (عليه السلام) أيضا " سأله رجل وأنا حاضر في مال المملوك أعليه زكاة ؟ قال: لا ولو كان له الف الف درهم " والموثق (4) عنه (عليه السلام) أيضا " ما تقول في رجل يهب لعبده الف درهم أو أقل أو أكثر فيقول: أحللني من ضربي إياك أو من كل ما كان مني اليك أو مما أخفتك وأرهبتك فيحلله ويجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم إن المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاها في موضع قد وضعها فيه فأخذها فحلال هي ؟ قال: لا، فقلت: أليس العبد وماله لمولاه ؟ فقال: ليس هذا ذاك


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 - 3 (4) التهذيب ج 8 ص 225 - الرقم 808 مع نقصان يسير فيه

[ 31 ]

ثم قال: فليردها له، فانها لا تحل له، فانه افتدى نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة، فقلت: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال الحول قال: لا إلا أن يعمل له بها ولا يعطى العبد من الزكاة شيئا " وغير ذلك. بل المتجه عدمها عليه (سواء قلنا يملك أو أحلنا ذلك) كما هو المشهور نقلا وتحصيلا، لأن خطابه بها مناف لعدم قدرته على شئ، وخطاب السيد بها بعد أن لم يثبت ولايته شرعا في أمثال ذلك لا دليل عليه، ولاطلاق النصوص المزبورة ومحكي الاجماع المعتضد بفتاوى الأصحاب التي لا وجه معتد به لدعوى ابتنائها على عدم الملك ضرورة كونه حينئذ من بيان الواضحات، وإن كان التحقيق عدم ابتنائها على ذلك، ولا على الملك، بل على أن المراد بيان مانعية الملك للزكاة مع قطع النظر عن ذلك، كما يؤمي إليه ما في الصحيح (1) والموثق (2) مما هو كالتعليل لعدم الزكاة عليه من أنه لا يعطى من الزكاة شيئا، فما في المعتبر ومحكي المنتهى وأيضاح النافع من وجوب الزكاة على تقدير الملك واضح الضعف، بل هو مناف لما ذكروه من عدم الزكاة على المكاتب مع الملكية، فالتحقيق عدم الزكاة عليه مطلقا حتى لو رفع الحجر عنه مولاه وصرفه للاطلاق المزبور، بل هو كصريح الموثق، فما عن القطيفي والأردبيلي من الزكاة عليه حينئذ فيه مالا يخفى، والخطابات الوضعية على فرض شمولها للمقام لا تصلح لمعارضة ما هنا من وجوه. ومن ذلك يظهر لك الوجه في قول المصنف: (ولو ملكه سيده مالا وصرفه فيه لم تجب عليه الزكاة) بناء على أرادة المملوك من الضمير المجرور بالحرف (وقيل: يملك وتجب عليه الزكاة) لاطلاق خطاب الوضع الذي قد عرفت رجحان ما هنا عليه


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (2) التهذيب ج 8 ص 225 - الرقم 808

[ 32 ]

من وجوه، على أنه لم نعرف القائل به، بل ولا القائل بالزكاة على المملوك مع كونه مالكا في غيره أيضا سوى ما استظهر من الوسيلة، حيث أنه لم يذكر الحرية هنا من الشرائط منضما ألى ما يظهر منها في باب العتق من الملكية، ولا ريب في ضعفه على تقديره. (وقيل) والقائل المشهور: إنه (لا يملك والزكاة على مولاه) فيه وفي كل ما في يد العبد مما هو ملك للسيد، بل عن المنتهى نسبته إلى أصحابنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه، لكن في صحيح ابن سنان (1) " قلت للصادق (عليه السلام): مملوك في يده مال عليه زكاة قال: لا، قلت: فعلى سيده قال: لا، لأنه لم يصل إلى السيد وليس هو للمملوك " الذي قيل معناه على تقدير الملكية أنه لم يصل إلى السيد والحال أنه ليس للمملوك، إذ قوله (عليه السلام): " ليس هو للمملوك " ليس كلاما مستأنفا وعلة لعدم الزكاة على المملوك، إذ لو كان كذلك لذكر عقيب قوله: " لا " بل هو تتمة عدم الزكاة على السيد، فيصير المعنى أنه وصل إلى السيد والحال أنه لمملوكه، فمعنى وصوله إلى السيد أن يد مملوكه يده، والحال أنه ملك للعبد، وأما على تقدير عدم الملكية فواضح، لأن من المعلوم أن يده ليس يد مالكية، فما في يده يكون في يد مولاه قطعا، فكيف يقول لم يصل إليه، فلا بد أن يكون المراد أنه لم يصل إليه وصولا تاما، بل وصل إليه وهو للعبد، بمعنى أنه مختص به ومنتفع به وحاله حال المال المعد للضيافة الذي لا يسع صاحبه المنع عن أكله، لمنافاته المروة، فهو حينئذ غير متمكن من التصرف فيه، وفيه تنبيه على أنه لا ينبغي أخذه منه، بل لو جعل قوله (عليه السلام): " ليس هو للمملوك " علة لعدم الزكاة على العبد كان المراد من عدم وصوله إلى السيد عدم انتفاعه وهو معلوم، مؤيدا ذلك كله بخلو النصوص السابقة النافية للزكاة على المملوك


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 4 الجواهر - 4

[ 33 ]

عن بيان أنها على السيد، وبالأصل وبغير ذلك، وظهور الاجماع السابق ممنوع، إذ لم يتعرض للمسألة إلا بعض. بل قد يستظهر تحمل عبارة المتن عدم وجوبها على السيد مع القول بعدم الملكية حتى يكون مقابلا لما حكاه أخيرا بلفظ القيل، وفيه أن الصحيح المزبور لا يعارض الاجماع القطعي على وجوبها على البالغ العاقل المالك المتمكن من التصرف، وهو الشاهد على صحة إجماع المنتهى، فلابد حينئذ من حمله على ما إذا كان المال في يد العبد ولم يتمكن المولى من التصرف فيه لغيبة أو امتناع أو عدم العلم به أو نحو ذلك مما هو مسقط للزكاة في غيره من الأموال، ودعوى أن كل ما في يد العبد كذلك محل منع، كما أنه لابد من حمل إطلاق النصوص السابقة على نفي الزكاة عليه لا على ما يشمل السيد، نعم يتجه سقوطها عن المولى بناء على ملكية العبد، لانتفاء ملكه وقدرته على الانتزاع، بل والتملك لا توجب الزكاة فتسقط عنه حينئذ لذلك، وعن العبد لما عرفت، وبناء على وجوب الزكاة عليه على تقدير الملك أو مع رفع الحجر عنه فلا يبعد خطاب العبد بها لظاهر الأدلة، وربما احتمل كون المخاطب المولى كولي المجنون واليتيم، لكونه محجورا عليه في التصرف، وفيه ضعف، وعلى كل حال فالمتجه وجوبها على المولى بناء على عدم ملكية العبد، وربما كان في الصحيح المزبور دلالة عليه أذا وصل ألى يد السيد، بل في المروي (1) عن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) " ليس على المملوك زكاة إلا باذن مواليه " دلالة عليه بناء على إرادة التوكيل له في الاخراج من الاذن فيه، والله أعلم. وقد ظهر لك مما ذكرنا عدم الفرق في المملوك بين القن والمدبر وأم الولد بل (وكذا المكاتب المشروط عليه) والمطلق الذي لم يؤد شيئا، ضرورة صدق المملوك


(1) الوسائل - الباب 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 2

[ 34 ]

المنفي عنه الزكاة في النصوص السابقة على الجميع، وملكية المكاتب لما يكسبه لا تنافي اندراجه فيه، خصوصا بعد ما عرفت من عدم الزكاة على غيره من أفراد المملوك على القول بملكيته، للاطلاق المزبور، مضافا إلى ما في التذكرة " المكاتب لا زكاة عليه إذا لم ينعتق بعضه، سواء كان مشروطا أو مطلقا لم يؤد شيئا في الذي كسبه ولا عشر أرضه عند علمائنا " بل عن المنتهي أنه قول العلماء عدا أبي حنيفة وأبي ثور، وإلى خبر أبي البختري (1) عن الصادق (عليه السلام) " ليس في مال المكاتب زكاة " الظاهر في نفيها حتى عن السيد أيضا، وهو كذلك بناء على أن المال ملك للعبد دون السيد إلا إذا عجز، فينكشف ملكه أو يحصل حينئذ، إذ لا وجه لكون زكاته حينئذ على السيد حتى على الكشف، لعدم التمكن منه قبل العجز، بل وعلى أن المال ملك له دون العبد، فيزول عنه بعدم العجز، أو ينكشف عدم ملكه له، لاطلاق النص المزبور المنجبر بما عرفت، ولعدم تمكنه منه قبل العجز، إذ ليس له انتزاعه من يد العبد ومنعه من التصرف فيه، وبذلك افترق مال المكاتب عن غيره على القول بأن الجميع ملك للسيد في الزكاة على السيد وعدمها، هذا، ولكن في المدارك نوع ميل إلى الزكاة على المكاتب تبعا للمحكي عن شيخه، استضعافا للرواية، ولا يخفى عليك ما فيه. و (لو كان) المكاتب (مطلقا وتحرر منه) شئ (وجبت عليه الزكاة في نصيبه إذا بلغ نصابا) بلا خلاف أجده: بل عن الحدائق أنه محل اتفاق، لوجود المقتضي وارتفاع المانع، ودعوى الاندارج في اسم المملوك مع قلة الجزء ممنوعة، ولو سلم فمبناها التسامح العرفي الذي لا يبنى عليه الحكم الشرعي، وربما ظهر من المفاتيح نوع توقف في أصل الحكم حيث قال: والمبعض يزكي بالنسبة كذا قالوه، هذا، وفي كشف الأستاذ " أنه أي العبد كما لا يجوز له الاعطاء لا يجوز له القبول إلا باذن سيده سابقا أو


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 5

[ 35 ]

لاحقا، فإذا قبل كان للسيد وإن كان مأذونا في القبض لنفسه على أصح الوجهين، فيشترط قابلية المولى لأخذها، ولو كان في سبيل الله لا بقصد الملك لم يدخل في ملك المولى، ولو كان مشتركا فان كان مأذونا ملك كل واحد من الموليين من المال بنسبة حصته، وإن كان وكيلا كان بينهم بالسوية، وإن اختلفوا في الاستحقاق وعدمه ملك المستحق مقدار حصته دون غيره " وفيه من الاشكال مالا يخفى إذا لم يكن قد قصد الدافع السيد، ولا كان العبد وكيلا عنه، خصوصا بعدما سمعت من نفي إعطائه من الزكاة في الخبرين السابقين (1) وحمله على ما إذا لم يأذن السيد أو على أن المراد بحيث يملكها هو لا شاهد عليه ولا داعي له، فتأمل جيدا. ثم إن الكلام في اشتراط استمرار الحرية من مبدأ الحول إلى حين التعلق فيما يعتبر فيه الحول وحصولها قبل التعلق مستمرا إلى حينه في غيره هو الكلام في البلوغ والعقل، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- الملك شرط في الأجناس كلها) إجماعا في المحكي عن نهاية الأحكام، بل باتفاق العلماء كما عن المعتبر، بل كافة كما عن المنتهى، ولا ينبغي التأمل فيه إذا أريد عدمها في المباح ونحوه من غير المملوك، للأصل السالم عن معارضة إطلاق الأدلة المنصرف إلى غيره، بل الظاهر ذلك فيما كان الملك فيه بالجهة العامة كالمملوك للفقراء والعلماء ونحوهم، لكن ظاهر ما ذكروه من التفريع إرادة عدم الزكاة على غير المالك من الأشخاص، ولا بأس به أيضا، والوجوب على الولي ونحوه باعتبار قيامه مقام المالك. (و) إنما الكلام فيما ذكره المصنف والفاضل والشهيد من أنه (لابد أن يكون تاما) بل أشدهم إشكالا المصنف هنا، لذكره التمكن من التصرف شرطا آخر، بخلافهما


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 و 6

[ 36 ]

في اليبان والقواعد، فان الأول قد ذكر التمام خاصة، ثم قال: والنقص بالمنع من التصرف، والموانع ثلاثة: أحدها الشرع كالوقف ومنذور الصدقة والرهن غير المقدور على فكه، ثم ذكر فروعا في البين، وقال: المانع الثاني القهر، فلا تجب في المغصوب والمسروق إلى آخره، الثالث الغيبة، فلا زكاة في الموروث حتى يصل إليه أو إلى وكيله ولا في الضال والمدفون مع جهل موضعه إلى آخر كلامه، وقال في الثاني: الرابع كمالية الملك، وأسباب النقص ثلاثة: الأول منع التصرف، فلا تجب في المغصوب ولا الضال ولا المجحود بغير بينة إلى آخره، الثاني تسلط الغير عليه، فلا تجب في المرهون وإن كان في يده، ولا الوقف لعدم الاختصاص، ولا منذور التصدق به، إلى آخره، الثالث عدم قرار الملك، فلو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبول والقبض ولو أوصي له اعتبر الحول بعد الوفاة والقبول، ألى آخره، وإن أمكن مناقشتهما من وجه آخر، أما المصنف ومن عبر كتعبيره فقد يشكل بأنه إن أريد به عدم تزلزل الملك كما ذكره بعض المحققين لم يتفرع عليه جريان المبيع المشتمل على خيار في الحول من حين العقد، ولا جريان الموهوب فيه بعد القبض، وإن أريد به كون المالك متمكنا من التصرف في النصاب كما عن المعتبر الايماء إليه لم يتجه هنا لتصريح المصنف به بعد ذلك وإن أريد به حصول تمام السبب المقتضي للملك كما عن بعضهم لم يكن فيه زيادة على اعتبار الملك، أللهم إلا أن يقال: إن المراد به عدم نقص الملك لا من حيث عدم التمكن من التصرف بل من جهة مانع آخر كالغنيمة والنذر ونحوهما، وعدم التمكن من التصرف قد يجامع تمام الملك كما في المغصوب والمفقود ونحوهما فلا يجتزى به عنه، كما أنه لا يجتزى بالعكس من حيث انسياق إرادة إخراج مثل الغصب ونحوه مما هو تام الملك من التمكن من التصرف، ضرورة انسياق التام من الملك فناسب حينئذ الجمع بينهما والامر سهل بعد ذكر التحقيق في كل ما فرعوه في المقام، فان المتبع الدليل لا التعبير،

[ 37 ]

إذ ليس في شئ مما عثرنا عليه من النصوص لفظ التمامية، بل ولا لفظ التمكن. (ف) - نقول: (لو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبض) بلا خلاف أجده فيه بناء على عدم حصول الملك قبله، كما أنه لا خلاف في جريانه فيه بعده من حينه، والوجه فيهما معا واضح، ضرورة عدم تناول خطاب الزكاة له في الأول، لعدم الملك وعدم جواز التصرف له فيه، بخلاف الثاني، فان جميع الأدلة شاملة له، وتسلط الواهب على الفسخ في بعض الأحوال غير مانع من تمامية الملك، فلا يشك في شمول الأدلة له حينئذ، كما أنه لا يشك في شمولها للواهب في الأول، لعدم الخروج عن الملك فتجب الزكاة عليه حينئذ، نعم قد يتجه وجوب الزكاة قبل القبض بناء على اعتباره في اللزوم دون الملك، إلا أنه يعتبر حينئذ التمكن منه بناء على اشتراطه كما ستعرف، هذا، وفي المسالك " لا فرق في توقف جريان الموهوب في الحول على القبض بين أن نقول: إنه نافل أو أنه كاشف عن سبقه بالعقد، لمنع المتهب من التصرف في الموهوب قبل القبض على التقديرين " وفي المدارك " أنه غير جيد، لأن هذا الخلاف غير واقع في الهبة " وفي مفتاح الكرامة " ولقد تتبعت فوجدت الأمر كما ذكره في المدارك لكن لم أسبغ التتبع " قلت: قال في شرح الأستاذ: إن القبض على القول بكونه شرطا للزوم في الهبة يكون شرط التمامية الملك حينئذ، إذ ليس معناه أنه بمجرد الهبة ينتقل الموهوب إلى المتهب، إذ الهبة من العقود الجائزة قطعا، وليس القبض من ملزماتها جزما، إذ بعد القبض يجوز عند الكل رجوع الواهب إلا المواضع الخاصة التي ذكروها وعينوها، ولم يجعل أحد ممن له فهم مجرد القبض من الملزمات بلا شك ولا شبهة، ولا يخفى على من له أدنى درية، وصرح المحققون بأن مرادهم من كون القبض شرطا في اللزوم في الهبة ليس المعنى المعروف لما عرفت من وجهه، بل قالوا: معناه أن العقد يوجب ملكيته

[ 38 ]

مراعاة تتحقق بالقبض، فان تحقق اعتبر (أثمر خ ل) من حين العقد، وصرحوا أيضا بأن الاجماع واقع على أنه ما لم يتحقق القبض لا تتحقق الثمرة عند الكل، فجعلوا لمحل النزاع ثمرات خاصة، ولم يجعل أحد كون الثمرة أنه بمجرد العقد تتحقق الملكية التامة، غاية الأمر أنه يجوز له أن يفسخ، وأنه إلى حين الفسخ كان ملكا تاما للمتهب، وأن القبض رفع جواز الفسخ، فيكون الهبة حينئذ من العقود اللازمة، إذ لا شك في كونه فاسدا، وهو صريح فيما ذكره في المسالك، إلا أنه لا يخفى عليك عدم ثمرة معتد بها هنا في تحقيق ذلك، ومن هنا كان تأخير الأمر إلى محله أليق. ولو رجع الواهب قبل الحول سقطت الزكاة قولا واحدا كما عن المنتهى الاعتراف به، وإن كان بعد الحول وإمكان الأداء وجبت الزكاة، ولا يضمنها المتهب لجريان استحقاق الفقراء إياها مجرى الاتلاف، بل لم يقيد في محكي المنتهى بامكان الأداء بخلافه في محكي التذكرة وكشف الالتباس، بل صرحا بأنه لو رجع الواهب قبل إمكان الأداء فلا زكاة على المتهب ولا على الواهب، وإن رجع بعد الحول وإن كان الرجوع قبل الأداء مع التمكن منه قدم حق الفقراء، ولعل إطلاق المنتهى أجود، لعدم اعتبار التمكن من الأداء في الوجوب، ومالا يعتبر فيه حول الحول كالغلات يشترط في وجوب زكاته على المتهب حصول القبض قبل تعلق الوجوب بالنصاب ولم يرجع به الواهب حتى بلغ محل تعلق الزكاة عنده، فتأمل جيدا، والله أعلم. (وكذا لو أوصي له اعتبر الحول بعد الوفاة والقبول) لأنه وقت انتقال الموصى به إلى ملك الموصى له إن قلنا إن القبول ناقل، وأما على الكشف فهو وإن حصل الملك قبله إلا أنه لم يكن الموصى به إليه عالما به بل ولا متمكنا منه، فلا يجري في الحول أيضا عليه إلا بعده، خصوصا إذا قلنا إن المراد بالكشف أنه بالقبول يحصل الملك سابقا لا أنه يحصل العلم به خاصة والمؤثر للملك غيره، نعم لا يكفي ذلك في الجريان

[ 39 ]

في الحول قبل التمكن منه كما عن جماعة التصريح به، وإطلاق المصنف وغيره اعتمادا على الظهور، ولأن الكلام هنا من حيث شرط تمامية الملك، بل الموروث لا يجري في الحول بموت مورثه، بل من حين التمكن منه وإن كان وقت الانتقال إليه الموت، كما هو واضح. (ولو اشترى نصابا) من الحيوان (جرى في الحول من حين العقد لا بعد الثلاثة) لأن الانتقال يحصل بالعقد لا بعدها، وخيار المشتري غير منقص للملكية، خلافا للشيخ فبعدها، فلا يجري في الحول إلا بانقضائها (و) منه يعلم الحال فيما (لو شرط البائع أو هما خيارا زائدا على الثلاثة) فانه (يبني على القول بانتقال الملك، والوجه أنه من حين العقد، فيجري حينئذ في الحول من حينه، لكن قد يشكل بنقصان الملك بناء على عدم جواز التصرفات المنافية لخيار البائع كالبيع والهبة ونحوهما، ومن هنا قال في فوائد الشرائع: ولقائل أن يقول: أين تمامية الملك والمشتري ممنوع من كثير من التصرفات. وفي المسالك لو شرط البائع أو هما خيارا زائدا على الثلاثة اتجه قول الشيخ أي وإن لم يكن المنشأ ما ذكره من عدم الانتقال، وبنحو ذلك صرح في المدارك وشرح الأستاذ للمفاتيح، واحتمال إرادة من تعرض لذلك الرد على الشيخ ينفيه ملاحظة كلماتهم بل صرح غير واحد بوجوب الزكاة بعد الحول وإن كان الخيار باقيا، بل في المحكي عن الموجز وشرحه أنه لو زاد عن حول ورجع فالزكاة على المشتري، فان أخرج من غيره وإلا أسقط البائع من الثمن مقابل الفريضة. ومقتضاهما أن ضمان الزكاة على المشتري، وكأنه لاقتضاء الخيار رجوع المبيع تاما أو عوضه، ولذا يرجع عليه بالقيمة لو تلف في يد المشتري ولو من غير تفريط، ويقرب من ذلك ما في المحكي عن التذكرة من أنه إذا أقبض المشتري الثمن عن السلم أو غير المقبوض وحال عليه الحول فالزكاة على البائع، فان انفسخ العقد لتلف المبيع أو

[ 40 ]

تعذر المسلم فيه وجب رد الثمن، والزكاة على البائع، ضرورة إجرائه الانفساخ مجرى الفسخ، وعلى كل حال فملاحظة كلماتهم تنفي الاحتمال المزبور قطعا، بل حملها على منع عدم جواز التصرف للمشتري مع خيار البائع وأن خياره يرجع فسخه لو فسخ إلى القيمة أو إلى نفس التصرف الواقع من المشتري أولى، وإن كان في المسألة بحث ذكرناه في باب الخيار، وإلا كانت المسألة محلا للنظر بناء على اشتراط تمامية الملكية، أللهم إلا أن يمنع عدم تناول أدلة الزكاة لمثل هذا الملك المؤثر تبعية في النماء وغيره، فيتجه حينئذ ما ذكروه، وتعليل اشتراط التمامية بأنه يمتنع عليه الدفع من نفس العين لعدم استقرار ملكه ولا دليل على وجوب الدفع من غيره يدفعه منع عدم جواز الدفع من العين، بل له الدفع، وإذا فسخ البائع كان مضمونا عليه بالقيمة كما لو تلف في يده، فتأمل جيدا فان المسألة من المشكلات، ولا تحرير لها في كلام الأصحاب، والله أعلم. (وكذا لو استقرض مالا وعينه باقية جرى في الحول من حين قبضه) الذي هو وقت الانتقال كما هو المشهور، لا التصرف كما قيل، وقد ذكرنا ضعفه بما لا مزبد عليه في باب القرض، أو أنه راجع إلى المشهور الذى قد ورد به مع ذلك صحيح يعقوب بن شعيب (1) وحسن زرارة (2) كما أوضحنا ذلك كله مفصلا في باب القرض، فلاحظ، والله المسدد. (ولا تجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة) لأنها لا تملك بالحيازة، وإنما تملك بها عند المشهور على ما في المسالك، ولا يشكل بأنها حينئذ مال بلا مالك، لا مكان القول بأنها ملك للمسلمين كباقي أموال الكفار، إلا أن الغانمين أحق بها من غيرهم، وربما يؤيده تصريح غير واحد باختصاص بعض الغانمين بالغنيمة مع إسقاط الباقين


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 5 - 1 الجواهر - 5

[ 41 ]

وإعراضهم الذي لا يزيل ملك العين لو كان، بل وتصريح الفاضل بأن للامام قسمتها بينهم قسمة تحكم، لو كانت أجناسا متعددة، فيخص بعضهم ببعضها دون الباقي، لكن قد يناقش بمنع السقوط بالاسقاط، وإنما المصرح به السقوط بالاعراض، وهو يزيل ملك العين، وبمنع أن للامام القسمة قسمة تحكم، بل ربما ظهر من المحكي عن خلاف الشيخ الاجماع عليه، فانه بعد أن حكى ذلك عن الشافعي قال: وهو غير صحيح عندنا، لأن له في كل جنس نصيبا، فليس للامام منعه، على أن الفاضل في المحكي عن منتهاه وتذكرته ونهايته قد صرح بأنهم يملكون بالحيازة، ولكن لم يجر ذلك في الحول لعدم تمامية الملك وضعفه معللا له بما عرفت في بعضها، بل هو في المنتهى قد صرح بأن الغانمين يملكون أربعة أخماس الغنيمة بالحيازة، فإذا بلغ حصة الواحد منهم نصابا وحال عليه الحول وجبت الزكاة، وهل يتوقف الحول على القسمة ؟ الوجه ذلك، لأنه قبل القسمة غير متمكن نحو قوله في المحكي من تحريره: الغانم يملك بالحيازة، والأقرب ابتداء الحول من القسمة، وظاهره تمامية الملك وأن المانع عدم التمكن، فلا تنافي عنده بين الملك بالحيازة وقسمة التحكم، وهو كذلك عند التأمل، وكأنه لحظ بما ذكره من تعليل عدم الزكاة مع قوله بالملك بالحيازة التعريض بما في الخلاف، فانه قال أولا: إنها تجري في الحول من حين الحيازة، ثم قال: ولو قلنا لا تجب الزكاة عليه لأنه غير متمكن من التصرف فيه قبل القسمة لكان قويا، وظاهره اختيار الأول كالمحكي عن ظاهر المعتبر. ولكن على كل حال قد ظهر لك من ذلك كله انحصار الخلاف فيهما بعد أن لم يفرقوا جميعهم بين كون الغنيمة جنسا واحدا أو أجناسا مختلفة إلا ما في محكي التحرير، حيث قال: لو قيل بوجوبها في الجنس الواحد دون المتعدد كان وجها، ومحكي المنتهى فانه بعد أن حكى ذلك عن الشافعي قال: وهو قوي، قلت: قد يقال إن المتجه وجوب الزكاة أيضا في المال وإن لم يعين المالك، لاطلاق الأدلة، أللهم إلا أن يدعى

[ 42 ]

قصورها عن تناول مثله. وكيف كان فالتحقيق عدم الجريان في الحول إلا بعد القسمة بناء على ما سمعته من المسالك، أما على القول بالملك بالحيازة وأنه كباقي الأموال المشتركة كما هو الأقوى لاطلاق ما دل على الملك بالاغتنام من الآية وغيرها فقد يشكل دعوى عدم تناول أدلة الزكاة لمثله لضعفها، بل مقتضى إطلاق الأدلة الشمول حتى لو قلنا بأن للامام قسمة التحكم ضرورة رجوعها حينئذ إلى أن للامام التحكم في الملك، فهو مزيل له عند حصوله، أما قبله فالملك متحقق، نعم ينبغي مع ذلك اعتبار التمكن بناء على اشتراطه، وظاهر المدارك حصوله بالتمكن من القسمة، وظاهر غيره بل صريحه توقف حصوله على القبض منه أو وكيله أو الامام من غير فرق بين حالي الحضور والغيبة، بل في القواعد والبيان ومحكي التذكرة والنهاية أنه لا يكفي عزل الامام (عليه السلام) بغير قبض الغانم، ولعله لعدم التمامية بدونه، ولأن له الاعراض حينئذ، نعم لو قبض له الامام صار ملكا له حقيقة، فيجري حينئذ في الحول كما عن جامع المقاصد التصريح به، وقد يشكل بعدم منافاة التسلط على الاعراض التمامية بعد فرض حصول الملك قبله كالخيار. (و) لعله لذا قال في المتن ومحكي المنتهى والتحرير والموجز وشرحه: إنه (لو عزل الامام قسطا جرى في الحول إن كان صاحبه حاضرا، وإن كان غائبا فعند وصوله إليه) ويمكن أن يكون ذلك منهم ليس لحصول تمام الملك بنفس العزل بل المراد القبض عنه مع ذلك، إلا أن الفرق بين الحاضر والغائب التمكن وعدمه الذي يمكن إرادة الأولين له، فلا يكون في المسألة خلاف من هذه الجهة حينئذ، وتمام التحقيق في هذه المسائل في باب الجهاد إن شاء الله. (ولو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب) تمامه أو بعضه نذرا غير موقت وغير معلق على شرط (انقطع الحول) بلا خلاف أجده فيه (لتعينه للصدقة)

[ 43 ]

وعدم جواز التصرف فيه بما ينافي النذر، فيكون ملكه غير تام، فلا تشمله أدلة الزكاة خصوصا بعد معارضتها بأدلة النذر المفروض تعلقه قبلها، فيرجح عليها قطعا، كما أنه لا خلاف ولا إشكال في تقدمها عليه لو كان بعد تعلقها، فتخرج حينئذ أولا ثم يوفى بالنذر، وأولى من ذلك في سقوط الزكاة ما لو جعله صدقة أو ضحايا كما ذكره غير واحد من الأصحاب بناء على خروجه بذلك عن الملك، بل في المدارك أنه قطع به الأصحاب وإن كان لنا فيه نظر، والاجماع المحكي عن الايضاح أن النذر لا يخرج النصاب عن الملك محمول على الصورة الأولى، وعلى كل حال فوجه الأولوية واضح، إذ يكون النذر حينئذ مانعا للسبب الذي هو الملك، بخلاف الأول، فانه مانع الشرط، وهو التمكن وإن كان مملوكا. ولو نذر الصدقة بعين النصاب نذرا موقتا بما قبل الحول ووفى بالنذر فلا إشكال كما إذا لم يف وقلنا بوجوب القضاء، وإلا ففي شرح اللمعة للاصبهاني وجبت الزكاة بلاشبهة، وفيه أن الحول قد انقطع بمجرد النذر الذي قد عصى به، نعم ينبغي استئناف حول من حين العصيان. ولو وقته بما بعد الحول ففيه أيضا أنه إن كان الوجوب لا يتعلق إلا باتيانه احتمل وجوب الزكاة ثم التصدق بالباقي إذا أتى الوقت، وعدم وجوب الزكاة نظرا إلى نقص الملكية والتصرف، وإن كان يتعلق بمجرد صيغة النذر تعين العدم، لما قلناه وعلى الأول إن أخر أداء الزكاة إلى وقت التصدق بالمنذور فيه كان أحوط، وفيه بعد الاغضاء عما في ذيله أنه لا ينبغي التأمل في تعلق النذر به حال الصيغة بالصدقة به في ذلك الوقت، وعليه يبنى عدم جواز إتلافه قبل الوقت، وليس هو كالواجب الموقت في جواز إتلاف مقدماته قبل الوقت لو قلنا به، لعدم الوجوب، كمالا يخفى على من لا حظ العرف، بل ينبغي الجزم بالسقوط عند من قال به في المعلق على الشرط المحتمل،

[ 44 ]

ضرورة كون الفرض من المقطوع به لا المحتمل، فتردده في غير محله، وكذا ما فيه أيضا من أنه إن كان النذر في الحول وتعلق ببعض لا يدخله شئ من القدر الواجب في الزكاة وكان مطلقا غير موقت فقد قطع الشيخ في الخلاف والمحقق في المعتبر بالعدم، قال الشيخ: لزوال الملك، وقال المحقق: لنقصه، ولعله المراد بالأول، وفيه ما عرفت إلا أني لم أظفر فيه بخلاف أو تردد من أحد، وإن كان موقتا بما بعد الحول وقلنا يتعلق بمجرد النذر أو بما قبله ولم يف به وأوجبنا عليه القضاء كان بحكم المطلق، وإن وفي فلا إشكال، إذ فيه مالا يخفى بعد فرض كون متعلق النذر البعض الذي لم يدخله شئ من القدر الواجب، نعم هو كذلك في البعض الزكوي، ولعله المراد، إلا أن النسخة غير سليمة من الغلط، خصوصا وقد ذكر قبل ذلك أنه إن تعلق النذر ببعض خارج عن القدر الواجب إخراجه في الزكاة لزمه الأمران، لكن قد ينافيه أنه حينئذ لا وجه لتردده فيما حكاه عن قطع الشيخ والمصنف، ضرورة كون الوجه فيه كالكل، فتأمل جيدا. هذا كله في غير المعلق على شرط، أما هو فعن نهاية الأحكام احتمال الوجوب إذا حال الحول قبل الشرط، لأنه مال مملوك حال عليه الحول، وعدمه لمنعه من التصرف فيه، وهو الأقوى كما في محكي الايضاح والموجز والكشف وجامع المقاصد وظاهر القواعد واللمعة ومحكي التذكرة التردد، وكأنه لما سمعته من النهاية، ويمكن أن يكون للتردد في المنع من جواز التصرف في المنذور المعلق على شرط، إذا لمحكي عن ثاني الشهيدين في باب العتق جواز التصرف، ولعله لأصالة عدم الشرط، واستصحاب الجواز السابق ونحو ذلك، والتحقيق يأتي في محله إن شاء الله تعالى، وعن ابن المتوج أنه إن حصل الشرط قبل الحول سقط، وبعده لا يسقط، وإن حصلا معا أخرج الزكاة وتصدق بالباقي، ولقائل أن يقول: إنه لا وجه للتردد بعد البناء على عدم جواز

[ 45 ]

التصرف له بما ينافي النذر، وإن التمكن من التصرف شرط في وجوب الزكاة، إذ هو حينئذ كالنذر المطلق، فينبغي حينئذ الجزم بالسقوط لذلك، لا لما عن الايضاح من أن اجتماع انعقاد الحول الموجب لوجوب الزكاة وصحة العذر واستمراره يقتضي استلزام المحال، فانهما لو اجتمعا فحال الحول وحصل الشرط تعلق بعين واحدة حقا النذر والزكاة جميعا، وهما متضادان، إذ هو كما ترى لا يقتضي ترجيح النذر على الزكاة، ولذا أورد عليه الشهيد في المحكي من حواشيه على القواعد بالمنع من تعلق النذر بما تعلق به الزكاة إذا قلنا بأنه لا يتعلق حكمه إلا بعد تحقق الشرط، بل يكون مثل التالف فيما تعلق به النذر، فاما أن يسقط أو يجب مثله أو قيمته، فالوجه حينئذ ما ذكرناه، واليه يرجع ما في المدارك من أن المتجه منع المالك من التصرفات المنافية للنذر كما في المطلق، فان ثبت أن ذلك مانع من وجوب الزكاة كما ذكر الأصحاب انقطع الحول بمجرد النذر وإلا وجبت الزكاة مع تمامه، وكان القدر المخرج من النصاب كالتالف من المنذور، وتجب الصدقة بالباقي مع حصول الشرط، وهو جيد جدا. لكن في شرح اللمعة للاصبهاني - بعد أن حكى ما سمعته من الايضاح والايراد عليه - قال: " والتحقيق أن الشرط إما مطلق أو موقت بما في الحول أو بما بعده، وعلى الأول فالنذر إما مطلق أو موقت بما في الحول أو بما بعده، وعلى الثاني أيضا إما مطلق أو موقت بوقت الشرط أو بما بعده في الحول أو بما بعده، وعلى كل حال فالنذر إما أن يتعلق بجميع النصاب أو ببعضه، وفرض الأصحاب في نذر الجميع وإطلاق الشرط والنذر، فان تعلق بالبعض وباقي القيود بحالها فلا شبهة في أنه لا يجري فيه ما ذكره فخر الاسلام من لزوم إمكان المحال، وإن كان الشرط موقتا بما في الحول والنذر مطلقا ولم تجب المبادرة إلى الوفاء عند حصول الشرط كان كالنذر الغير المشروط في مسمى التعلق بجميع النصاب وبعضه، فيتعين السقوط في الأول، وفي الثاني إن أسقطناها بالمنع

[ 46 ]

من التصرف، وإن كانت المسألة بحالها والنذر موقتا بما في الحول أو وجبت المبادرة فان وفى بالنذر فلا أشكال، وإن لم يف به إلى تمام الحول وأوجبنا عليه القضاء وتعلق النذر بالجميع فلا إشكال في السقوط، وإن تعلق بالبعض فكذلك إن اعتبرنا المنع من التصرف، وإن كانت المسألة بحالها والنذر موقتا بما بعد الحول كان كمشروط بشرطين أحدهما في الحول والآخر بعده، بل كمشروط بموقت بما بعده إن جعلنا الوقت شرطا وإلا كان في توقف تعلق النذر على حضوره وعدمه أيضا تردد كالشرط، وإن كان الشرط موقتا بما بعد الحول فان لم يتوقف تعلق النذر على تحقق الشرط سقطت الزكاة قطعا إن تعلق النذر بالجميع، وكذا إن تعلق بالبعض واعتبرنا المنع من التصرف، وإن توقف وجبت الزكاة بلا شبهة ثم التصدق إما بالباقي إن كان تعلق بالكل، أو بالبعض المتعلق به النذر، وعلى التعلق بالكل إن أخر الزكاة إلى حصول الوقت كان أحوط كما مر، وإن كان حصول الشرط والوقت الموقت به النذر مطلقا أو مشروطا متفقا مع تمام الحول وقلنا بعدم تعلق النذر إلا بحصول الشرط أو الوقت فاشكال إن لم نقل بالتداخل، أو كان النذر مما لا يتداخل مع الزكاة كالهبة ممن لا يستحق الزكاة، والأولى إن أوجبنا على من تلف متعلق نذره مثله أو قيمته الجمع بين الأمرين، وإن لم نوجبه احتمل ترجيح الزكاة المدخول في العمومات وترجيح النذر، كما أن من المعلوم اشتراط التمكن من التصرف عند تمام الحول كاشتراط التمكن منه في أثنائه، وهو هنا منفي للنذر، وفيه أن انتفاءه إنما يكون إذا رجحنا النذر، فالتمسك يستلزم الدور، واختار بعض الأصحاب القرعة مطلقا، واحتمل سقوط الزكاة بناء على كون وجوبها تكليفا يحتاج إلى الموجب الواضح، وفيه أنه يكفي العمومات موجبة لها " وهو على طوله لم يأت بشئ نافع فيما نحن فيه، وإنما هي مجرد أقسام واضحة الوجه، بل يعرف كثير منها مما تقدم، فالتحقيق حينئذ ما ذكرناه سابقا، فلاحظ وتأمل.

[ 47 ]

ولو تعلق النذر بأحد ما عنده من النصب غير معين فالظاهر سقوط الزكاة من أحدها، والتعيين إلى الناذر. ولو تعلق النذر بالذمة لم تسقط الزكاة بلا خلاف أجده فيه، لأنه دين، وهو لا يمنع منها، نعم عن الشهيد في البيان أنه ألحق بالمنذور كونه صدقة الذي قلنا أنه يخرج عن الملك بالصيغة ما لو نذر مطلقا ثم عين له مالا مخصوصا، وهو لا يخلو من بحث، إذ لا دليل على تشخص مورد النذر هنا بمجرد التعيين. ولو استطاع الحج بالنصاب وكان مضي الحول متأخرا عن أشهر الحج وجب الحج بلا إشكال، فلو عصى ولم يحج حتى تم الحول وجبت الزكاة واستقر الحج في ذمته وإن ذهبت استطاعته بتقصيره، أما إذا كان الحول قبل مضي أشهر الحج وجبت الزكاة وسقط الحج كما أشار إليه في محكي البيان " ولو استطاع بالنصاب فتم الحول قبل سير الغافلة وجبت الزكاة، فلو خرج بدفعها عن الاستطاعة سقط وجوب الحج في عامه وهل يكون تعلق الزكاة كاشفا عن عدم وجوب الاستطاعة أو تنقطع الاستطاعة حين تعلق الزكاة ؟ إشكال، وتظهر الفائدة في استقرار الحج، فعلى الأول لا يستقر، وعلى الثاني يمكن استقراره إذا كان قادرا على صرف النصاب في جهازه، لأنه بالاهمال جرى مجرى المتلف ماله بعد الاستطاعة " وإن كان كلامه لا يخلو من مناقشة، وفي محكي الموجز " لو استطاع الحج بالنصاب ثم تم الحول قبل انقضاء أشهر الحج قدمها عليه وإن سقط " وكشفه " إن تم الحول قبل خروج الغافلة قدمها وإن سقط الحج، وإن خرج الوفد قبل تمام الحول وجب الحج وسقطت " إلى غير ذلك من كلماتهم القريبة مما ذكرنا فلعل إطلاق القواعد " ولو استطاع بالنصاب ووجب الحج ثم مضى الحول على النصاب فالأقرب عدم منع الحج من الزكاة " منزل عليها. والخمس كالزكاة لا يمنعه الحج إذا كان مستقرا قبل عام الاستطاعة، نعم

[ 48 ]

لو ربح في عامها واستطاع سقط الخمس في ذلك العام، ضرورة اعتبار خروج المؤونة في وجوبه، والحج في تلك السنة منها، وإذا اجتمع الزكاة والدين في التركة قدمت الزكاة إذا كانت في العين، وكذا الخمس دون غيرهما من الحقوق كالكفارة ونحوها مما لا تعلق لها بالعين، فانها كباقي الديون التي توزع التركة عليها مع القصور، وكذا الخمس والزكاة مع ذهاب العين وانتقالهما للذمة، خلافا لبعض العامة فقدمهما على الديون على كل حال، للنبوي (1) " فدين الله أحق بالقضاء " عكس ما عن آخر منهم أيضا فقدم حق الآدمي مطلقا، وعن الشهيد أنه قواه، وعن ثالث التقسيط، وعن الفاضل أنه لا بأس به، والاصح ما ذكرناه، هذا، وعن جامع المقاصد " أنه أذا اجتمع الزكاة والحج فالزكاة مقدمة مع بقاء العين سواء كان وجوبهما معا أو وجوب أحدهما كان سابقا، ومع ذهابها فهما متساويان " قلت: هو كذلك في الأول، أما الأخير ففيه بحث تسمعه إن شاء الله في كتاب الحج. (و) كيف كان فقد ذكر المصنف وجماعة من الأصحاب أن (التمكن من التصرف في النصاب معتبر) في وجوب الزكاة (في الأجناس كلها) بل في المدارك نسبته إلى القطع به في كلام الأصحاب، بل في الحدائق نفي الخلاف فيه، بل في الغنية الاجماع على اعتبار الملك والتصرف فيه، وفي الخلاف الاجماع على أنها لا تجب في المغصوب والمجحود والمسروق والغريق والمدفون في موضع نسيه، ثم نفى الخلاف عن ذلك، والظاهر إرادته الأعم من ذلك، فيدخل الضال ونحوه كالفاضل في التذكرة، فانه بعد أن ذكر اعتبار عدم المنع من التصرف قال: " فلا تجب في المغصوب ولا الضال والمجحود بغير بينة ولا المسروق ولا المدفون مع جهل موضعه عند علمائنا أجمع " وفي


(1) كنز العمال - ج 3 ص 56 - الرقم 1037 وص 57 الرقم 1045 الجواهر - 6

[ 49 ]

محكي المنتهى " التمكن من التصرف شرط، فلا تجب الزكاة في المال المغصوب والمسروق والمجحود والضال والموروث عن غائب حتى يصل إلى الوارث أو وكيله والساقط في البحر حتى يعود إلى مالكه ويستقبل به الحول، وعليه فتوى علمائنا " وفي محكي كشف الالتباس لا تجب في المغصوب ولا الضال ولا المجحود بغير بينة إجماعا، وفي خبر سدير الصيرفي (1) " قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظن أن المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثم إنه احتفر الموضع من جوانبه كله فوقع على المال بعينه كيف يزكيه ؟ قال: يزكيه لسنة واحدة، لأنه كان غائبا عنه وإن كان احتبسه " وموثق إسحاق بن عمار (2) " سألت أبا أبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو ومات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه ؟ قال: يعزل حتى يجئ، قلت: فعلى ماله زكاة قال: لا حتى يجئ، قلت: فإذا هو جاء يزكيه فقال: لا حتى يحول عليه الحول في يده " وموثقه الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا قال: " سألته عن رجل ورث مالا والرجل غائب هل عليه زكاه ؟ قال: لا حتى يقدم، قلت: أيزكيه حين يقدم ؟ قال: لا حتى يحول عليه الحول وهو عنده " وموثق زرارة (4) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال " في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكاه لعام واحد، وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه زكاة لكل ما مر به من السنين " وصحيح عبد الله بن سنان (5) عنه (عليه السلام) ايضا


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 - 2 - 3 - 6 (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 7 في الوسائل عن عبد الله بن بكير عمن رواه عن زرارة ولكن ليس في التهذيب والاستبصار " عن زرارة "

[ 50 ]

" لا صدقة على الدين ولا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك " وصحيح إبراهيم (1) " قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): الرجل يكون له الوديعة والدين فلا يصل اليهما ثم يأخذهما متى يجب عليه الزكاة ؟ قال: إذا أخذهما ثم يحول عليه الحول يزكي " إلى غير ذلك من النصوص التي منها خبر عبد الله بن سنان (2) المتقدم سابقا في زكاة مال المملوك المشتمل على تعليل نفيها عن السيد بعدم الوصول إلى يده، ومنها ما تسمعه إن شاء الله، خصوصا صحيح زرارة (3) الوارد في القرض المستفاد منه أن الزكاة على من كان المال في يده، وبالجملة لا يكاد ينكر استفادة اعتبار الشرط المزبور من النصوص خصوصا مع ملاحظة ما في بعضها من التعليل صريحا وآخر ظاهرا، وخصوصا مع ملاحظة ما سمعته من معاقد الاجماعات التي هي صالحة للدلالة في نفسها فضلا عن أن تكون متممة، فلا بأس حينئذ بدعوى التنقيح من جهتها منضمة إلى دعوى عدم القول بالفصل بين أفراد التمكن من التصرف، فيتم حينئذ الاستدلال بنصوص المفقود (4) ونحوه وإن لم يكن فيها ما يقتضي العموم. كما أن من ذلك يظهر لك ما في توقف سيد المدارك فانه بعد أن ذكر الشرط المزبور والقطع به في كلام الأصحاب والاستدلال عليه بصحيح ابن سنان وصحيح إبراهيم وموثق زرارة قال: " وهذه الروايات إنما تدل على سقوط الزكاة في المال الغائب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه لا على اعتبار التمكن من التصرف، فلا يتم الاستدلال بها على سقوط الزكاة في المبيع المشتمل على خيار البائع ونحو ذلك، نعم يمكن


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 4 (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب من تجب عليه الزكاة

[ 51 ]

الاستدلال عليه بأنه لو وجبت الزكاة في النصاب مع عدم التمكن من التصرف فيه عقلا أو شرعا للزم وجوب الاخراج من غيره، وهو معلوم البطلان، فان الزكاة إنما تجب في العين، إلا أن ذلك إنما يقتضي اعتبار التمكن من التصرف وقت الوجوب لا توقف جريانه في الحول عليه، والمسألة محل أشكال وللنظر فيها مجال " وأنت إذا أحطت خبرا بما قلناه عرفت خلو المسألة عن الاشكال، وأنه ليس للنظر فيها مجال، على أنه قد يناقش فيما ذكره من التعليل بعدم التلازم بين وجوب الزكاة في المال بمعنى ثبوته وبين وجوب الاخراج من غيره مع تعذره، بل أقصاه تحقق شركة الفقراء له فيه كالمال المتجدد تعذره عليه بعد الحول قبل التمكن من الأداء الذي صرح المصنف وغيره بعدم. اعتباره في الوجوب وإن كان معتبرا في الضمان. فقال: (وإمكان أداء الواجب معتبر في الضمان لا في الوجوب) بل عن المنتهى الاجماع عليه في الأول كما في المدارك، وعن التذكرة الاجماع عليه في الثاني، وهما الحجة بعد أصل البراءة وإطلاق الأدلة من غير فرق بين المطالبة بها وعدمها، خلافا لأبي حنيفة فاعتبر المطالبة بها مع ذلك في الضمان، وربما ظهر من كشف الحق الاجماع على خلافه وحينئذ فلو لم يتمكن حتى تلفت بتلف جميع النصاب أو كانت معزولة أو تلف بعض النصاب لم يضمن، لأن الزكاة في العين لا في الذمة، فهي حينئذ في يده كالأمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، نعم لو أتلف النصاب بعد الحول قبل إمكان الأداء وجبت الزكاة عليه سواء قصد بذلك الفرار أم لا، كما أنها لا تسقط بموته كذلك سواء تمكن من الأداء أم لا، والتمكن من الدفع إلى الامام أو النائب تمكن من الأداء، فهو ضامن وإن لم يطالباه، ولو دفعها إلى الساعي فتلفت فلا ضمان كما سيأتي. (و) كيف كان فقد بان لك مما قدمناه من النصوص وغيرها أنه (لا تجب الزكاة في المال المغصوب) الذي هو من معقد الاجماعات السابقة، بل إطلاقهم فيه وفي

[ 52 ]

غيره يقتضي عدم الفرق بين كونه مما يعتبر فيه الحول كالأنعام، أو لا يعتبر فيه ذلك كالغلات كما صرح به في المسالك وغيرها، لكن في المدارك " هو مشكل جدا، لعدم وضوح مأخذه، إذ غاية ما يستفاد من الروايات المتقدمة أن المغصوب إذا كان مما يعتبر فيه الحول وعاد ألى مالكه يكون كالمملوك ابتداء، فيجري في الحول من حين عوده، ولا دلالة لها على حكم مالا يعتبر فيه الحول بوجه، ولو قيل بوجوب الزكاة في الغلات متى تمكن المالك من التصرف في النصاب لم يكن بعيدا " قلت: قد يدفعه ما سمعت من إطلاق معاقد الاجماعات وغيرها الذي لا ينافيه الاقتصار على ذي الحول في بعض النصوص، كما هو واضح، بل قد يناقش ما فيها أيضا والبيان و الروضة - من أنه إنما تسقط الزكاة في المغصوب ونحوه إذا لم يمكن تخليصه ولو ببعضه، فيجب فيما زاد على الفداء، بل زاد في الثالث الاستعانة ولو بظالم، وإن تردد فيه في البيان فقال: وفي إجراء إمكان المصانعة مجرى التمكن نظر، و كذا الاستعانة بظالم، أما الاستعانة بعادل فتمكن - بأنه مناف لاطلاق الأدلة، ضرورة صدق كونه مغصوبا على كل حال، أللهم إلا أن يقيد ذلك بقوله (عليه السلام) في الموثق (1): " وإن كان يدعه متعمدا وهو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكل ما مر به من السنين " وهو مع أنه في المال الغائب قال الأستاذ الأكبر في شرحه للمفاتيح: الظاهر منه القدرة على الأخذ والمال بحاله، لا أن يرفع اليد عن بعضه ويضيعه على نفسه إلا أن يكون أولى من تضييع الكل عليه عقلا وشرعا حالا و عاقبة. ومن ذلك يظهر لك الكلام في المجحود، فانه كما عرفت قد صرح غير واحد بسقوط الزكاة فيه لكن قيدوه بما إذا لم يكن عنده بينة، ومقتضاه الوجوب معها، وعن المحقق الثاني أنه مشكل إن كان المراد وجوب انتزاعه وأداء الزكاة، وإن كان


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 7

[ 53 ]

المراد الوجوب بعد العود بجميع نمائه فهو متجه إذا كانت البينة بحيث يثبت بها وهناك من ينتزعه، ومرجعه إلى ما ذكرنا وأشكل من ذلك دعوى حصول التمكن بالقدرة على الحلف الذي قد ورد (1) المدح على تركه والنهي عن فعله، كالخصومة التي يحضرها الشيطان، وبالجملة دعوى تحقق الشرط بذلك في غاية الاشكال، وأقصاه التمكن من التمكن كاستطاعة الاستطاعة، ومن ذلك يعرف ما في كشف الأستاذ من أن الظاهر اعتبار التمكن مما في يد الغاصب مجانا أو بالعوض اليسير في وجه قوي، ولو أمكنه الغاصب من التصرف مع بقاء يد الغصب فلا زكاة وإن كان في يده، ولو أمكن أخذه سرقة ونحوها من غير عسر ففي كشف الأستاذ دخل في التمكن على إشكال، قلت: تعرفه مما تقدم، إنما الكلام فيما ذكره هو أيضا متصلا بذلك، قال: ولا يخرج عن التمكن بعروض شئ من قبله كاغماء أو جنون أو نذر أو عهد أو نحوها من الموانع الشرعية الاختيارية المانعة عن التصرف في وجه قوي، أما ما يتعلق بالمخلوق كأن يشترط عليه في عقد لازم ألا يتصرف حيث يصح فالظاهر الحكم بانقطاع الحول به واستئنافه بعد ارتفاع المانع، إذ قد عرفت أنه لا إشكال في خروجه عن التمكن بذلك وإن كان من قبله. (و) كيف كان ف‍ (- لا) تجب أيضا في المال (الغائب إذا) لم يتمكن من التصرف فيه بنفسه و (لم يكن في يد وكيله أو وليه) بلا خلاف أجده، للنصوص (2) المستفيضة التي قد مر جملة منها، أما ما تمكن من التصرف فيه بنفسه أو بوكيله فالزكاة واجبة فيه، للاطلاق السالم عن المعارض بعد دلالة النصوص من وجوه متعددة على اعتبار العجز من التصرف في سقوط الزكاة عن الغائب، إذ ليس مجرد الغيبة موجبا


(1) الوسائل - الباب - 1 من كتاب الايمان (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من تجب عليه الزكاة

[ 54 ]

للسقوط، كما أنه ليس عدمها موجبا للزكاة، ضرورة سقوطها عمن في يده المال مع عدم التمكن من التصرف عقلا أو شرعا، ووجوبها على المتمكن من التصرف فيه وإن كان غائبا عنه، ونصوص النفقة (1) مع احتمال خروجها بالخصوص عن ذلك كما تعرفه أن شاء الله عند تعرض المصنف لذلك معارضة لما هنا من وجه، فالترجيح للمقام من وجوه، وعبارة المصنف وغيرها كناية عما ذكرناه من التمكن من التصرف، فلا خلاف حينئذ في المسألة كما عن ظاهر الخلاف نفيه عنها، وإن توهمه بعض متأخري المتأخرين بل ربما مال إليه في الكفاية، قال: إن استفادة رجحان عدم وجوب الزكاة في مال الغائب مطلقا من الروايات غير بعيد، فلو قيل به لم يكن بعيدا، فتأمل جيدا كي يظهر لك ذلك، كما أنه به ظهر لك أن المدار في التمكن من التصرف على العرف وإن لم يكن هذا اللفظ بخصوصه موجودا، لكن قد عرفت أن الموجود فيها ما يرادفه، وحينئذ فلا عبرة بالعجز عن بعض التصرفات مع صدقه، كما لا عبرة بالتمكن من البعض مع صدق سلبه، ومع فرض عدم تنقيح العرف لبعض الأفراد قد يقوى سقوط الزكاة للأصل بعد قاعدة الشك في الشرط شك في المشروط، وربما احتمل الوجوب للاطلاق، ورجوع الشك في الفرض إلى الشك في الاشتراط لا في تحقق الشرط، والأول أظهر، والله أعلم. (و) كذا (لا) تجب الزكاة (في الرهن على الأشبه) الأشهر، بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا إذا كان غير متمكن من فكه لتأجيل الدين أو للعجز إذ لم أجد فيه خلافا سوى ما عن المبسوط حيث قال: لو رهن النصاب قبل الحول وجبت الزكاة، فان كان موسرا كلف إخراج الزكاة، وإن كان معسرا تعلق بالمال حق الفقراء يؤخذ منه، لأن حق المرتهن في الذمة، مع أن المحكي عن موضع آخر


(1) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب زكاة الذهب والفضة

[ 55 ]

منه خلافه، قال: " لو استقرض الفا ورهن الفا لزمه زكاة الألف القرض دون الرهن لعدم تمكنه من التصرف في الرهن " كالمحكي عنه في الخلاف " لو كان له الف واستقرض الفا غيرها ورهن هذه عند المقترض فانه يلزمه زكاة الألف التي في يده أذا حال الحول دون الألف التي هي رهن " نعم قال بعد ذلك: " ولو قلنا إنه يلزم المستقرض زكاة الألفين كان قويا، لأن الألف القرض لا خلاف بين الطائفة أنه يلزمه زكاتها، والألف المرهونة هو قادر على التصرف فيها بأن يفك رهنها، والمال الغائب إذا كان متمكنا منه يلزمه زكاته بلا خلاف " وهو غير محل البحث، ضرورة صراحته في المتمكن من فكه الذي يظهر من الدروس والبيان والمسالك والروضة ومحكي نهاية الأحكام وحواشي القواعد والموجز وكشفه والميسية وجوب الزكاة فيه، لصدق التمكن من التصرف فيه، بل هو صريح بعضها، بل في المسالك والروضة أن التمكن يحصل بامكان بيعه، نعم في النهاية أنه لا يخرجها من النصاب، لتعلق حق المرتهن به تعلقا مانعا من تصرف الراهن. قلت: مع فرض تعلق الزكاة بعينه يخرج عن ملك المالك ويكون ملكا لغيره فالمتجه حينئذ ما سمعته من المبسوط من أخذ الفقراء حقهم منه، أللهم إلا أن يقال: إن حاله كحال المال المرهون الذي مات راهنه وانتقل إلى ورثته، فانه لا يبطل حق الرهانة بذلك. وعلى كل حال فلا يخفى عليك مما قدمناه أن الأقوى عدم الزكاة مطلقا، وفاقا لظاهر بعض وصريح آخر، لعدم صدق التمكن معه وإن قدر على الفك الذي يحصل بعده صفة التمكن، كما هو واضح بأدنى تأمل، وأولى منه بالسقوط الرهن المستعار وإن تمكن المستعير من الفك، فلا تجب حينئذ الزكاة على المالك كما عن جماعة - منهم الشهيدان - التصريح به.

[ 56 ]

(و) كذا (لا) تجب الزكاة في (الوقف) بلا خلاف كما عن الكفاية والحدائق ولا إشكال سواء كان الوقف عاما أو خاصا، بل ولا في نماء الأول منهما، لعدم ملكه لمعين إلا بالقبض حتى لو اتفق انحصار فرده في الخارج، وفي محكي التذكرة والحواشي " لو كان على غير منحصرين لم يجب عليهم ولو حصل لواحد أكثر من نصاب لأنه غير معين وإنما يملكه بالقبض " كما عن الحدائق " لو كان الوقف على جهة عامة فلا زكاة فيه كما لا زكاة في بيت المال بلا خلاف ولا إشكال، نعم يتجه وجوبها في نماه الثاني منهما إذا بلغ حصة كل منهم النصاب على ما صرح به جماعة " بل عن وقف التذكرة " إذا كان الوقف شجرا فأثمر أو أرضا فزرعت وكان الوقف على أقوام بأعيانهم فحصل من الثمرة والحب نصاب وجبت فيه الزكاة عند علمائنا " واليه يرجع ما عن المبسوط من أنه لو ولدت الغنم الموقوفة وبلغ الأولاد نصابا وحال عليه الحول وجبت الزكاة إلا أن يكون الواقف شرط أن يكون الغنم وما يتولد منها وقفا، وإنما للموقوف المنافع من اللبن والصوف، وهو جيد إن ثبت صحة اشتراط ذلك، لكن في المدارك فيه نظر، ولعله من جهة المعدومية، وفيه أنها غير قادحة في التبعي، ولذا حكي عن التذكرة والتحرير التصريح بصحة الشط المزبور ولعله الظاهر من غيرهما أيضا، والله أعلم. (و) كذا (لا) تجب في الحيوان (الضال ولا) في غيره من (المال المفقود) لما عرفته سابقا، وكان المصنف ذكره بالخصوص مقدمة لما بعده، هذا، وفي المسالك " ويعتبر في مدة الضلال والفقد إطلاق الاسم، فلو حصل لحظة أو يوما في الحول لم ينقطع " وفي المدارك هو جيد، بل ينبغي إناطة السقوط بحصول الغيبة التي لا يتحقق معها التمكن من التصرف، وتمام البحث في هذه المقامات وغيرها يعرف مما قدمناه، فلا حاجة إلى الاطناب فيها ولا في غيرها مما ذكره الأصحاب، والله أعلم. الجواهر - 7

[ 57 ]

وكيف كان (فان مضى عليه سنون وعاد زكاه لسنة) واحدة (استحبابا) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المدارك، بل في التذكرة أنه مستحب عندنا، بل في محكي المنتهي إذا عاد المغصوب أو الضال إلى ربه استحب له أن يزكيه لسنة واحدة، ذهب إليه علماؤنا، لموثق زرارة (1) وخبر سدير (2) السابقين المحمول ما فيهما عليه، للأصل وما سمعته مما يدل على اشتراط التمكن من الاجماع السابق وغيره، وإطلاق صحيح أبراهيم (3) وغيره، فما عن بعض متأخري المتأخرين من الوجوب كما عن بعض العامة بل ربما استظهر ذلك من نهاية الأحكام واضح الضعف، نعم ربما ظهر من المنتهى عدم اعتبار مضي السنين في الاستحباب كالمبسوط، ونفى البأس عنه في المدارك ويكفي حينئذ مضي السنتين كما هو صريح البيان ومحكي جامع المقاصد والمفاتيح، بل قيل: إنهم حملوا عبارات الأصحاب على ذلك، ولعلهم بنوه على تناول الجمع لهذا الفرد، كما أنه قد يدل عليه أطلاق موثق زرارة، بل قد يقال بدلالته على كفاية الغيبة عاما فصاعدا نعم تلفيق العام من الضلال والوجدان لا دليل على الاستحباب فيه، والتسامح لا يصلح لأن يكون مقتضيا لذلك، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لا) تجب في (القرض حتى يرجع إلى صاحبه) بل على المستقرض بلا خلاف كما عن الخلاف والسرائر وغيرهما، بل في التنقيح هو مذهب الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه، ولعله كذلك بشهادة التتبع لكلمات الأصحاب، فاني لا أجد فيها خلافا في ذلك كالنصوص (4) نعم في صحيح منصور بن حازم (5)


(1) المتقدم في ص 49 التعليقة (4) (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (4) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 0 - 2

[ 58 ]

منها عن الصادق (عليه السلام) " في رجل استقرض مالا فحال الحول عنده فقال: أن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدي أدى المستقرض " وحمل على صورة شرط المستقرض الزكاة على المقرض، وفيه مع عدم قابليته لذلك أن القول بصحة هذا الشرط خلاف المشهور بين الأصحاب، وإن اختلفوا في كونها حينئذ على المستقرض كما عن التذكرة والمنتهى والتحرير والتلخيص والايضاح وظاهر البيان، ولعله لفساد الشرط خاصة، أو على المقرض إن تمكن من التصرف، وإلا سقط عنهما كما عن الدروس وحواشي القواعد والموجز وشرحه، لبطلان القرض أيضا ببطلان الشرط، وأطلق جماعة عدم صحة الشرط، وهو محتمل لهما، ولعل الأول هو الأظهر. وعلى كل حال فالمشهور عدم صيرورة الزكاة على المقرض بذلك مع صحة القرض خلافا للمحكي عن المبسوط وقرض النهاية من وجوبها حينئذ على المقرض دون المستقرض لكن مع ما عن موضع آخر من الأول نسبة ذلك إلى الرواية، كما أن الثاني منهما أطلق كون الزكاة على المستقرض دون المقرض في باب الزكاة، بل ربما حكي عن الشيخ في أكثر كتبه موافقة المشهور، بل في المختلف أنه كذلك في باب الزكاة من النهاية، والخلاف فيه أن الزكاة من العبادات الواجبة على صاحب المال، فلا يجوز اشتراطها على الغير كسائر العبادات، وجواز التبرع بها كما هو مقتضى إطلاق صحيح منصور بن حازم وغيره وأفتى به جماعة من غير اعتبار إذن المالك إنما يقتضي صحة اشتراط الالزام بها والتأدية عنه على أن يكون المقترض مشغول الذمة بها، ولكن يستحق التأدية بالاشتراط، فان وفي له وإلا فهو مشغول الذمة، وهذا عير ما يظهر من الشيخ من براءة ذمة المتقرض بالاشتراط، أللهم إلا أن يكون الشيخ أراد بما ذكره ذلك، فيكون حينئذ هو الصحيح، والله أعلم، وربما يأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء الله عند تعرض المصنف له. (و) كذا (لا) تجب الزكاة على (الدين) الذي لم يكن تأخيره من قبل

[ 59 ]

صاحبه بل لأنه مؤجل، أو لكونه على معسر أو نحو ذلك بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الأصل وعدم إمكان التصرف وغيره، نعم قد يستفاد من خبر عبد الحميد بن سعد (1) الاستحباب في المؤجل على الملي الثقة بعد القبض لكل ما مر به من السنين، فضلا عن سنة الخروج التي يدل على الاستحباب فيها غيره من النصوص (2) فلاحظ وتأمل. (ف‍) أما (إن كان تأخيره من جهة صاحبه) ف‍ (- قيل) والقائل الشيخان في المقنعة والخلاف والمبسوط والجمل والعقود والمرتضى على ما حكي: (تجب الزكاة على مالكه، وقيل) والقائل المشهور شهرة عظيمة، بل عليه إجماع المتأخرين: (لا) تجب الزكاة (والأول) وإن كان (أحوط) إلا أن الثاني أقوى للأصل وظهور النصوص (3) في كون مورد الزكاة غير الكلي في الذمة، وخصوصا أدلة الحول عند المالك، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (4) " لا صدقة على الدين " وقال له عليه السلام الحلبي في الصحيح (5) أيضا: " ليس في الدين زكاة فقال: لا " وموثق ابن عمار (6) " قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الدين عليه زكاة قال: لا حتى يقبضه، قلت: فإذا قبضه أيزكيه ؟ قال: لا حتى بحول عليه الحول في يده " وخبر أبي بصير (7) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يكون نصف ماله عينا ونصفه دينا فيحل عليه زكاة قال: بزكي العين ويدع الدين، قلت: فانه اقتضاه بعد ستة أشهر قال: يزكيه حين اقتضاه " وخبر علي بن جعفر (8) المروي عن كتابه وقرب الاسناد للحميري سأل أخاه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 8 - 0 - 0 (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 6 (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب من تجب عليه الزكاة الحديث 4 - 3 - 9 - 15

[ 60 ]

(عليه السلام) " عن الدين يكون على القوم المياسير إذا شاء قبضه صاحبه هل عليه زكاة ؟ قال: لا حتى يقبضه ويحول عليه الحول ". ولا يعارض ذلك باجماع الخلاف الموهون بمصير من عرفت إلى خلافه، وخبر عبد العزيز (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له الدين أيزكيه ؟ قال: كل دين يدعه، وهو إذا أراد أخذه فعليه زكاته، وإن كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة " وخبر عمر بن يزيد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس في الدين زكاة إلا أن يكون صاحب الدين هو الذي يؤخره، فإذا كان لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاة حتى يقبضه " وخبر الكناني (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " في رجل ينسئ أو يعير فلا يزال ماله دينا كيف يصنع في زكاته ؟ قال: يزكيه ولا يزكي ما عليه من الدين، فانما الزكاة على صاحب المال " وشموله لغير المطلوب غير قادح بعد التفصيل في النصوص المزبورة، لوجوب حمل المطلق على المقيد، ونحوه جار في نصوص الخصم أيضا، لأنه لا يخفى عليك اعتبار المقاومة في حمل المطلق على المقيد، ولا ريب في انتفائها هنا، لما سمعت، مضافا ألى موافقة ما دل على ثبوتها في الدين لجم غفير من العامة، وإلى ما سمعته من خبر الحميري الذي لم يقبل التقييد، فالمتجه حينئذ طرحها أو حملها على الاستحباب أو التقية أو على زكاة التجارة، وربما كان في موثق سماعة (4) وغيره إيماء إليه، خصوصا ما في ذيل الأول، فانه كاد يكون صريحا في ذلك، فلا حظ وتأمل. ولو كان الدين حيوانا فأولى بعدم وجوب الزكاة، لعدم صدق السوم، ولعله لذا صرح بنفيها في محكي المبسوط الذي قد سمعت القول منه بالوجوب فيه، لكن قد


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 5 - 7 - 6 (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1

[ 61 ]

يقال: إنهم قد ذكروا في السلم في اللحم التعرض لكونه لحم راعية أو معلوفة، وإذا جاز أن يثبت بالذمة لحم راعية جاز أن يثبت راعية، ولا فرق في ذلك بين جعل مفهوم السوم عدميا وهو عدم العلف وبين جعله وجوديا وهو أكلها من مال الله المباح، أللهم إلا أن يدعى انسياق كون المملوك مشخصا سائما من أدلة السوم، كانسياق النقد من نصوص الدين، والأمر سهل عندنا بعد ما عرفت من عدم ثبوته في الدين مطلقا، ومن هنا كان الأولى الاعراض عن كثير مما يتفرع في المقام، نعم قد قيد في البيان عدم الزكاة في الدين بما أذا لم يعينه المديون ويمكنه منه في وقته، واليه يرجع ما عن الكركي والميسي والقطبفي من تقييده بما إذا لم يعينه ويخلي بينه وبينه، فان امتناعه حينئذ لا ينفي ملكه حتى لو تلف كان تلفه منه، وعن حواشي الشهيد تقييده بما إذا لم يعينه في وقته، ويحمله إلى الحاكم أو يبقيه على حاله بعد عزله في يده مع تعذر الحاكم، وفيه أن حصول الملك بمجرد العزل محل نظر أو منع، بل ومع قبض الحاكم إذا لم يكن معه امتناع من المالك، بل ربما توقف في الملك مع الامتناع من المالك، ولتحرير المسألة محل آخر، وقد ذكرنا جملة من الكلام فيها في القرض وغيره، فلا حظ وتأمل، والله أعلم. (والكافر تجب عليه الزكاة) بلا خلاف معتد به فيه بيننا، لأنها من الفروع التي قد حكي الاجماع في كتب الفروع والأصول على خطابه بها، للعموم وغيره، وخصوص قوله تعالى (1): " ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة " وغيره مما هو محرر في محله، وتسقط عنه بالاسلام كما نص عليه غير واحد، بل لم نجد فيه خلافا ولا توقفا قبل الأردبيلي والخراساني وسيد المدارك، بل ليس في كلام الأول على ما قيل سوى قوله: كان ذلك للاجماع والنص (2) مثل " الاسلام يجب ما قبله " وهو


(1) سورة فصلت - الآية 5 و 6 (2) الخصائص الكبرى ج 1 ص 249 (8)

[ 62 ]

خال عن التوقف فضلا عن الخلاف، فانحصر ذلك فيهما، نعم في المحكي عن نهاية الأحكام لو أسلم قبل الحول بلحظة وجبت الزكاة، ولو كان الاسلام بعد الحول ولو بلحظة فلا زكاة، سواء كان المال باقيا أو تالفا بتفريط أو غير تفريط، ولكن هو في استئناف الحول حين الاسلام الذي قد صرح به غير واحد، بل يمكن كونه مجمعا عليه، ومنه يستفاد ما صرح به جماعة من سقوطها بالاسلام وإن كان النصاب موجودا لان الاسلام يجب ما قبله المنجبر سندا ودلالة بعمل الأصحاب الموافق لقوله تعالى (1): " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " بل يمكن القطع به بملاحظة معلومية عدم أمر النبي (صلى الله عليه وآله) لاحد ممن تجدد إسلامه من أهل البادية وغيرهم يزكاة إبلهم في السنين الماضية، بل ربما كان ذلك منفرا لهم عن الاسلام، كما أنه لو كان شئ منه لذاع وشاع، كيف والشائع عند الخواص فضلا عن العوام خلافه. فمن الغريب ما في المدارك من التوقف في هذا الحكم لضعف الخبر المزبور سندا ومتنا، وللصحاح (2) المتضمنة لحكم المخالف إذا استبصر، وأنه لا يجب عليه إعادة شئ من العبادات التي أوقعها في حال ضلالته سوى الزكاة، فانه لابد أن يؤديها، فيمكن إجراؤه في الكافر أيضا، إلى أن قال: " وبالجملة فالوجوب على الكافر متحقق فيجب بقاؤه تحت العهدة إلى أن يحصل الامتثال، أو يقوم على السقوط دليل يعتد به، على أنه ربما لزم من هذا الحكم عدم وجوب الزكاة على الكافر كما في قضاء العبادات، لامتناع أدائها في حال الكفر وسقوطها بالاسلام، إلا أن يقال: إن متعلق الوجوب أيصالها إلى الساعي وما في معناه في حال الكفر، وينبغي التأمل في ذلك " قلت: هو كذلك، لأن إيصالها إلى الساعي إن كان بعنوان الدفع فهو أداء للزكاة، وقد صرح


(1) سورة الأنفال - الآية 39 (2) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمة العبادات

[ 63 ]

غير واحد بعدم صحته منه، بل في المدارك أنه لا إشكال فيه، وهو كذلك لمعلومية اعتبار الايمان في جميع العبادات. ولذلك قال المصنف كغيره من الأصحاب بعد ذكر الوجوب: (لكن لا يصح منه أداؤها) ومناقشة بعض فيما ذكره بعض من تعليل ذلك بعدم صحة نية القربة منه ليست خلافا كما هو واضح، وإن كان بعنوان التوكيل فهو فرع الصحة من الموكل، نعم قد يقال: إنه لا مانع من التكليف بالزكاة وإن كان تصح منه إلا بالاسلام المسقط لها، لكن المانع منه الكفر السابق الحاصل بسوء اختياره، فلا يقدح حينئذ تعذره في جواز التكليف، وتظهر الثمرة في جواز القهر عليها، ولا يعتبر نية القربة من الامام ونحوه ممن قهره لتعذرها في المقهور، وامتناع الثواب بناء على عدم حصوله إلا بالجنة المحرمة عليه كما عن جماعة الاجماع عليه على ما في المدارك، ويدفعها حينئذ بلا نية قربة، لكن ستسمع التصريح به من المسالك، ولعله للتقرب في أصل دفع الزكاة لا لقرب من وجبت عليه، فتأمل جيدا، ومن الغريب ما يظهر منه من المفروغية من عدم التكليف بقضاء العبادة لما ذكره، مع أن الأمر بالعكس، وما ذكره غير قادح بعد التأمل، خصوصا بعد ما ذكرنا، وأغرب منه تشكيكه في الدليل المعتد به على السقوط بعد الاجماع والخبر المنجبر به. وكيف كان (ف‍) قد صرح الفاضل والشهيد وغيرهما بأنه (إذا تلفت) منه (لا يجب عليه ضمانها وإن أهمل) مفرعين له على ما سمعت سابقا من عدم صحة الأداء منه، فهو حينئذ غير متمكن، فالتلف معه غير مقتض للضمان حتى يكون إسلامه مسقطا لكن في المدارك " هذا الحكم مشكل لعدم وضوح مأخذه " قلت: هو كذلك، ضرورة عدم ظهور فائدة لهذا الحكم مع الاسلام الذي قد عرفت أنه يجب ما قبله، وأنه به تسقط الزكاة مع وجود المال فضلا عن تلفه، بل إنما تظهر فائدة التلف فيما لم أراد الامام عليه السلام

[ 64 ]

أو الساعي أخذ الزكاة منه قهرا، ومقتضى ذلك عدم الجواز كما هو صريح المسالك، قال: " إنه يشترط فيه أي القهر بقاء النصاب، فلو وجده قد أتلفه لم يضمنه الزكاة وإن كان يتفريطه، ولو تلف بعضه سقط عنه منها بحسابه، ولو وجده تاما أخذهما كما بأخذها من المسلم الممتنع من أدائها، ويتولى النية عند أخذها منه ودفعها إلى المستحق " انتهى، وللنظر فيه مجال، لعدم الدليل على ما ذكره من الشرط كما اعترف بعدم الوقوف عليه في المدارك، بل لولا ظهور الاجماع على عدم الضمان مع الاسلام إذا كان هو المتلف لتوجه الضمان، لعدم ثبوت جب الاسلام الخطاب بما في ذمته من أموال الناس، فتأمل جيدا في ذلك وفيما ذكره من النية، بل وما في المحكي عن المنتهى من أنه لو أخذ الامام أو الساعي الزكاة في حال كفره ثم أسلم سقطت عنه، أما لو أخذها غيرهما فلا تسقط، ولعل مراده الرجوع بالمأخوذ مع بقاء العين، فتأمل، والله أعلم. هذا كله في الكافر (و) أما (المسلم) ف‍ (- إذا لم يتمكن من إخراجها وتلفت لم يضمن) للأصل وغيره (ولو تمكن أو فرط ضمن) لقاعدة الأمانة، وخصوص حسن ابن مسلم (1) وغيره مما تعرفه فيما يأتي إن شاء الله. (والمجنون والطفل لا يضمنان) ما يتلف (إذا أهمل الولي على القول بالوجوب في الغلات والمواشي) بلا خلاف ولا إشكال، إنما الكلام في ضمان الولي، ولا يبعد تضمينه لخطابه بالاخراج، فيجري مجرى المالك، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك على تقدير الندب، والله أعلم.


(1) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب المستحقين الزكاة - الحديث 1 الجواهر - 8

[ 65 ]

(النظر الثاني في بيان ما تجب فيه وما تستحب) (تجب الزكاة في الأنعام: الابل والبقر والغنم، وفي الذهب والفضة، والغلات الأربع: الحنطة والشعير والتمر والزبيب) بناء على أنهما محل الزكاة لا البسر والحصرم بلا خلاف أجده فيه بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل هو من ضروريات الفقه إن لم يكن من ضروريات الدين (و) النصوص به مع ذلك متواترة كتواترها في أنه (لا تجب فيما عدا ذلك) ففي صحيح الفضلاء (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " قالا: فرض الله الزكاة مع الصلاة في الأموال، وسنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تسعة أشياء، وعفا عما سواهن، في الذهب والفضة والابل والبقر والغنم والحنطة والشعير والتمر والزبيب، وعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما سوى ذلك " ونحوه خبر الحضرمي (2) عن الصادق (عليه السلام) وزرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) والحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) وخبر الحسن بن شهاب (5) عنه (عليه السلام) أيضا وخبر عبد الله بن سنان (6) وقال زرارة (7) أيضا: " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صدقات الأموال فقال: في تسعة أشياء ليس في غيرها شئ، في الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والبقر والغنم السائمة، وهي الراعية " الحديث، وروي في الصحيح (8) أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " ليس في شئ مما أنبتت الأرض من الأرز والذرة والحمص والعدس وسائر الحبوب والفواكه غير هذه الأربعة الأصناف وإن كثر ثمنه زكاة إلا أن يصير مالا يباع بذهب أو فضة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 4 - 5 - 8 - 11 - 10 - 1 - 9 (8) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 9

[ 66 ]

يكنزه " إلى آخره. وقال الطيار (1): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يجب فيه الزكاة فقال: في تسعة أشياء: الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والبقر والغنم، وعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما سوى ذلك، فقلت: أصلحك الله فان عندنا حبا كثيرا قال: فقال: وما هو ؟ قلت: الأرز قال: نعم ما أكثره، فقلت: فيه الزكاة قال: فزبرني ثم قال: أقول لك: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عفا عما سوى ذلك وتقول لي: إن عندنا حبا كثيرا فيه الزكاة " ويقرب منه خبر جميل (2) عنه (عليه السلام) أيضا، وفي مرسل القماط (3) " أنه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الزكاة فقال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزكاة على تسعة، وعفا عما سوى ذلك: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب والفضة والبقر والغنم والابل، فقال السائل: فالذرة فغضب (عليه السلام) ثم قال: كان والله على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) دائما السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك فقال: إنهم يقولون: إنه لم يكن ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما وضع في تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك، فغضب وقال: كذبوا، فهل يكون العفو إلا عن شئ قد كان، ولا والله ما أعرف شيئا عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " إلى غير ذلك من النصوص المروية في الكتب الأربع وغيرها. وقال علي بن مهزيار (4): " قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذهب


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 12 - 13 - 3 (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 8 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 وذيله في الباب 9 منها - الحديث 1

[ 67 ]

والفضة والغنم والبقر والابل، وعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما سوى ذلك، فقال له القائل: عندنا شئ كثير يكون بأضعاف ذلك فقال: ما هو ؟ قال: الأرز فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أقول لك: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضع الزكاة على تسعة أشياء وعفا عما سوى ذلك، وتقول: عندنا أرز وعندنا ذرة، وقد كانت الذرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوقع (عليه السلام) كذلك هو، والزكاة في كل ما كيل بالصاع، وكتب عبد الله وروى غير هذا الرجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سأله عن الحبوب فقال: ما هي ؟ فقال: السمسم والأرز والدخن، وكل هذه غلة كالحنطة والشعير فقال أبو عبد الله (عليه السلام): في الحبوب كلها زكاة وروي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: كل ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب قال: فأخبرني جعلت فداك هل على هذا الأرز وما أشبهه من الحبوب الحمص والعدس زكاة ؟ فوقع صلوات الله عليه صدقوا، الزكاة في كل شئ كيل ". ومنه يعلم وجه الجمع بين النصوص السابقة وبين غيرها مما ظاهره المنافاة لها كالمرسلين اللذين تضمنتهما الكتابة المزبورة، وخبر محمد بن إسماعيل (1) " قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن لنا رطبة وأرزا فما الذي علينا فيها ؟ فقال: أما الرطبة فليس عليك فيها شئ، وأما الأرز فما سقت السماء العشر وما سقي بالدلو فنصف العشر في كل ما كلت بالصاع أو قال: وكيل بالمكيال " وخبر أبي مريم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الحرث ما يزكى منه ؟ قال: البر والشعير والذرة والأرز والسلت والعدس كل هذا مما يزكى، وقال: كل ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 2 - 3

[ 68 ]

الزكاة " وخبر محمد (1) " سألته عن الحرث ما يزكى منه ؟ فقال: البر والشعير والذرة والدخن والارز والسلت والعدس والسمسم، كل هذا يزكى وأشباهه " ونحوه صحيح زرارة (2) عنه (عليه السلام) أيضا " وقال: كل ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه زكاة، قال: وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصدقة في كل شئ أنبتته الأرض إلا الخضر والبقول وكل شئ يفسد من يومه " وخبر الآخر (3) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): في الذرة شئ قال لي: الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير، وكل ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق التي يجب فيها الزكاة فعليه فيه الزكاة " وخبر أبي بصير (4) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل في الأرز شئ ؟ فقال: نعم، ثم قال: إن المدينة لم تكن يومئذ أرض أرز فيقال، ولكنه قد حصل فيه كيف لا تكون فيه وعامة خراج العراق منه " وغيرها بارادة الوجوب من الأولى والندب من الثانية، ويجمعهما صدق الزكاة فيهما كما أومي إليه في المكاتبة السابقة، ولعله أولى من الجمع بحمل النصوص الثانية على التقية كما عن المرتضى (رحمه الله) وإن كان يشهد له بعض النصوص السابقة، لكن لا تنافي بين الندب والاجمال في الجواب للتقية، فلا ريب في أولوية ما ذكرنا منه، خصوصا بعد فتوى الأصحاب بالندب، وعن الغنية الاجماع عليه، وفي المحكي عن المقنعة تعليل الندب بأنه قد وررد آثار عن الصادقين (عليهم السلام) في زكاة سائر الحبوب مع ما ورد عنهم في حصرها في التسعة، وقد ثبت أن أخبارهم لا تتناقض، فلم يكن لنا طريق إلى الجمع بينهما إلا إثبات الفرض فيما أجمعوا على وجوبه، وحمل ما اختلفوا فيه على السنة المؤكدة، إذ كان الحمل لهما على الفرض تتناقض به الألفاظ الواردة فيه، وإسقاط أحدهما إبطال الاجماع، وإسقاط الآخر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 4 - 6 - 10 - 11 وفى الأول " سألته عن الحبوب... الخ "

[ 69 ]

أبطال لاجماع الفرقة المحقة على المنقول في معناه، وذلك فاسد، وعلى كل حال فالمتجه ما قلناه، نعم لا يخفى ظهورها جميعا وصراحة بعضها في خلاف المحكي عن يونس في الكافي من أن معنى قوله (عليه السلام): إن الزكاة في تسعة أشياء وعفا عما سوى ذلك إنما كان ذلك في أول النبوة كما كانت الصلاة ركعتين ثم زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها سبع ركعات، وكذلك الزكاة وضعها وسنها في أول نبوته على تسعة أشياء ثم وضعها على جميع الحبوب، وإن كان ربما ظهر من الكافي موافقته، أللهم إلا أن يريد الندب من الوضع الحادث، وكذا المحكي عن ابن الجنيد من أنه تؤخذ الزكاة في أرض العشر من كل ما دخل القفيز من حنطة وشعير وسمسم وأرز ودخن وذرة وعدس وسلت وسائر الحبوب، ومن التمر والزبيب عملا بالنصوص السابقة المجردة عن التقييد بأرض العشر المعلوم قصورها عن معارضة غيرها من وجوه، منها اتفاق الأصحاب عدا من عرفت على عدم الوجوب في غير التسع، ولذا نسبه في الدروس إلى الشذوذ، وهو كذلك، كقوله بالوجوب في الزيت والزيتون إذا كانا في الأرض العشرية، وفي العسل المأخوذ من أرض العشر لا في الخراجية كما في الدروس لما سمعته من نفي الزكاة فيما عدا التسع في النصوص السابقة المعتضدة بالأصل وفتاوى الأصحاب، بل المسألة من القطعيات التي لا ينبغي فيها الاطناب. (و) لكن قد ظهر لك مما ذكرنا أنها (تستحب) الزكاة (في كل ما تنبت الأرض مما يكال أو يوزن) جمعا بين ما في صحيح زرارة (1) وما في غيره وإن كان بينهما تعارض العموم من وجه، لكن لا يخفى ظهور النصوص في كون محل الزكاة ما جمع الوصفين، ومن هنا اتجه تخصيص كل من العامين بالآخر، وفي كشف الأستاذ أنه لو اختلفت البلدان فيها لحق كل واحدة حكمها، ولعله لا يخلو من تأمل.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6

[ 70 ]

وعلى كل حال ينبغي تخصيصهما بما (عدا الخضر) والبقول (كالقت والباذنجان والخيار وما شاكله) مما هو موزون في العادة، لما في صحيح زرارة السابق من استثنائها من المراد به الأعم من الواجب والمندوب، مضافا إلى خبر محمد بن إسماعيل (1) السابق وموثق سماعة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ليس على البقول ولا على البطيخ وأشباهه زكاة " الحديث. وصحيح ابن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سئل عن الخضر فيها زكاة وإن بيعت بالمال العظيم فقال: لا حتى يحول عليه الحول " وصحيح الحلبي (4) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما في الخضر ؟ قال: وما هي ؟ قلت: القضب والبطيخ ومثله من الخضر، قال: ليس عليه شئ إلا أن يباع مثله بمال فيحول عليه الحول ففيه الصدقة، وعن العضاه من الفرسك وأشباهه فيه زكاة قال: لا، قلت: فثمنه قال: ما حال عليه الحول من ثمنه فزكه " وخبر زرارة (5) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " إنهما قالا: عفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الخضر، قلت: وما الخضر ؟ قالا: كل شئ لا يكون له بقاء: البقل والبطيخ والفواكه وشبه ذلك مما يكون سريع الفساد، قال زرارة: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل في القضب شئ ؟ قال: لا " إلى غير ذلك معتضدا ذلك كله بفتاوى الأصحاب، بل في محكي المنتهى نفي الخلاف فيه، وفي محكي المقنعة " لا خلاف بين آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين كافة شيعتهم من أهل الامامة أن الخضر كالقضب والبطيخ والقثا والخيار والباذنجان والريحان وما أشبه ذلك مما لا بقاء له لا زكاة فيه ولو بلغت قيمته الف دينار ومائة الف دينار، ولا زكاة على ثمنه بعد البيع حتى يحول عليه الحول،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 2 (2) و (3) (4) و (5) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 7 - 1 - 2 - 9

[ 71 ]

وهو على كمال حد ما تجب فيه الزكاة " وعن المنتهى " لا شئ في الأزهار كالعصفر والزعفران، ولا فيما يحبب كالقطن والكتان، وعليه علماؤنا أجمع " هذا كله مع فرض شمول عموم الندب لأكثرها بناء على دخول الكيل أو الوزن له، أما على العدم كما عساه يظهر من الأستاذ في كشفه فلا حاجة إلى التخصيص، قال: " ولا يستحب الزكاة فيما لا يدخله الكيل والوزن من البقول والخضروات وإن عرض ذلك لها في مثل هذه الأيام " لكنه كما ترى. وكيف كان فلا ينبغي التوقف في الحكم المزبور، بل قد يستفاد من خبر زرارة (1) السابق عدمها أيضا في الثمار، لصحيحه (2) المتقدم آنفا المشتمل على عطف كل شئ يفسد من يومه على الخضر والبقول، بل وصحيح الحلبي (3) إذ المراد بالعضاه - كما في الوافي جمع عضة، وأصلها عضهة، فردت الهاء في الجمع - كل شجر له شوك، كأنه أراد بها الأشجار التي تحمل الثمار كائنة ما كانت، والفرسك كزبرج: الخوخ أو ضرب منه أحمر، بل يمكن إرادة الثمار أيضا من خبر علي بن جعفر (4) سأل أخاه موسى (عليه السلام) " عن البستان لا تباع غلته ولو بلغت غلته مالا فهل تجب فيه صدقة ؟ قال: لا إذا كانت تؤكل " وصحيح محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " في البستان يكون فيه الثمار ما لو بيع كان بمال فيه الصدقة قال: لا " لكن لم أجد من أفتى به صريحا عدا الأستاذ في موضع من كشفه، نعم في الدروس والروضة نسبته إلى الرواية، فقال: في الأول روي سقوطها عن العض كالفرسك، وهو الخوخ


(1) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 9 - 2 - 3 مع الاختلاف في لفظ الأخير (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 (4) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1

[ 72 ]

وشبهه، وعن الاشنان والقطن والزعفران وجميع الثمار، واحتمال إرادة نفي الزكاة الواجبة من النص يدفعه ظهور خبري زرارة في كونها كالخضر في السقوط، بل قد عرفت إدراجه تحت مفهوم الخضر في أحدهما، فلا بأس حينئذ بتخصيص تلك العمومات بذلك، أما القطن والاشنان والزعفران ففي خبر عبد العزيز بن المهتدي (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القطن والزعفران عليهما زكاة قال: لا " وخبر يونس (2) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الاشنان فيه زكاة قال: لا " لكن يمكن إرادة نفي الواجبة منهما، خصوصا الأول، فيبقى العموم حينئذ دالا على الندب بحاله، ويؤيده اقتصار الأصحاب على الخضر. بقي شئ لم أعثر على تحريره في كلمات الأصحاب، وهو أن الزكاة المستحبة كالواجبة في التعلق بالعين وملك الفقراء لها ولو على جهة التزلزل، يحتمل ذلك، لظهور النصوص المزبورة، كقوله (عليه السلام) (3): " في الحبوب كلها زكاة " ونحوه في اتحاد كيفية تعلق الواجبة والمندوبة، إلا أن إجراء لوازم الملك عليه في غاية الصعوبة، وإخراجه عن حكم الأملاك محتاج إلى الدليل المعتبر، ومن هنا قد يقوى أن الاستحباب تكليفي محض لا مدخلية له في ملك المالك، والمسألة بعد محتاجة إلى تأمل، والله أعلم. (وفي مال التجارة) التي يأتي الكلام في المراد منها وفي جملة مما يتعلق بها (قولان أحدهما الوجوب) وعن جماعة نسبته إلى قوم من أصحابنا، وعن الحسن بن عيسى نسبته إلى طائفة من الشيعة، لكن لم نتحققه إلا من المحكي عن ظاهر ابني بابويه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 - 8 (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 الجواهر - 9

[ 73 ]

للأمر بها وشبهه في صحيح ابن مسلم وحسنه (1) وخبر أبي الربيع الشامي (2) وخبر سعيد الأعرج (3) وخبر الكرخي (4) وخبر العلاء (5) وخبر أبي بصير (6) وموثق سماعة (7) إلا أنه مع ذلك كله (والاستحباب أصح) وأشهر، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن الانتصار نسبته إلى الامامية كما هو الظاهر من الغنية، لأنه المراد من الأمر المزبور، لأصالة عدم الوجوب، والنصوص السابقة الحاصرة للواجب في غيره، وخبر إسحاق (8) " قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يشتري الوصيفة يثبتها عنده لتزيد، وهو يريد بيعها، أعلى ثمنها زكاة ؟ قال: لا حتى يبيعها، قلت: فإذا باعها يزكي ثمنها قال: لا حتى يحول عليه الحول وهو في يده " وخبر ابن بكير وعبيد وجماعة من أصحابنا (9) قالوا: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس في المال المضطرب به زكاة، فقال له أسماعيل ابنه: يا أبه جعلت فداك أهلكت فقراء أصحابك فقال: أي بني حق أراد الله أن يخرجه فخرج " وصحيح زرارة (10) عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: " الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول ولم يحركه " وصحيحه الآخر (11) قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر (عليه السلام) وليس عنده غير ابنه جعفر (عليه السلام) فقال: يا زرارة إن أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عثمان: كل مال من ذهب أو فضة يدار ويعمل به ويتجر به ففيه الزكاة أذا حال عليه الحول، فقال أبو ذر: أما ما اتجر به أو دير أو عمل به فليس فيه زكاة، إنما الزكاة فيها إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة،


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 3 و 8 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 4 - 1 - 5 - 9 - 7 - 6 (8) و (9) (10) و (11) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 4 - 5 - 3 - 1

[ 74 ]

فاختصما في ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: القول ما قال أبو ذر، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) لأبيه: ما تريد إلا أن يخرج مثل هذا فيكف الناس أن يعطوا فقراءهم ومساكينهم، فقال أبوه (عليه السلام): اليك عني لا أجد منها بدا " إلى غير ذلك من النصوص المعلوم رجحانها على الأولى بالأصل والعمل ومخالفة العامة وغير ذلك، فاتجه حينئذ حملها على الندب. بل ربما توقف فيه بعضهم، لظهور هذه النصوص في خروج تلك مخرج التقية، لكن فيه أنه بعد التسليم لا تنافي بين ذلك وبين الندب على أن تكون التقية حينئذ بالتعبير عن الندب بما ظاهره الوجوب اعتمادا على قرينة خارجية، ومراعاة للجمع بين التقية والواقع، ودعوى أن المراد من ذلك الأمر الوجوب تقية فلا دليل على الندب حينئذ يدفعها أصالة حجية قول المعصوم (عليه السلام)، وأنه في بيان حكم شرعي واقعي، وكما أن التقية يقتصر فيها على أقل ما يندفع به كذلك المستعمل فيها من قول المعصوم (عليه السلام) يقتصر فيه على أقل ما يمكن من إرادة التقية منه، ومن ذلك ما نحن فيه ضرورة إمكان كون التقية في ذلك التعبير الذى ذكرناه، فيبقى الأمر حينئذ على قاعدة إرادة الندب منه بعد معلومية عدم إرادة الوجوب، كما هو واضح، والله أعلم. (و) كذا تستحب (في الخيل الاناث) إجماعا محصلا ومحكيا في الخلاف والغنية والتذكرة، وهو المراد من صحيح محمد بن مسلم وزرارة (1) عنهما (عليهما السلام) قالا: " وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، وجعل البرازين دينارا " وصحيح زرارة (2) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): في البغال شئ فقال: لا، فقلت: كيف صار على الخيل ولم يصر على البغال ؟ فقال: لأن البغال لا تلقح، والخيل الاناث ينتجن، وليس على الخيل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 - 3

[ 75 ]

الذكورة شئ، قال: قلت: فما في الحمير ؟ قال: ليس فيها شئ " الحديث. بعد نفي الوجوب بالأصل ونصوص الحصر، بل في خبر زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " ليس في شئ من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الابل والبقر والغنم " والاجماع وغير ذلك. (وتسقط) الزكاة وجوبا وندبا (عما عدا ذلك إلا ما سنذكره ف‍) - حينئذ (لا زكاة في البغال والحمير والرقيق) للأصل والخبر السابق في الأولين، وفي موثق سماعة (2) " ليس على الرقيق زكاة إلا رقيق يبتغى به التجارة، فانه من المال الذي يزكى " أما صحيحه الآخر وصحيح محمد بن مسلم (3) " إن أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) سئلا عما في الرقيق فقالا: ليس في الرأس أكثر من صاع تمر إذا حال عليه الحول، وليس في ثمنه شئ حتى يحول عليه الحول " فيمكن إرادة زكاة الفطرة منه على أن يكون ليلة الفطر مرادة من حول الحول فيه، والله أعلم. (ولو تولد حيوان بين حيوانين أحدهما زكوي روعي في إلحاقه بالزكاني إطلاق اسمه) بلا خلاف أجده إذا كان الزكوي الأم، بل وإن لم يكن، وإن قال في محكي المبسوط: المتولد بين الظباء والغنم إن كانت الأمهات ظباء فلا خلاف في عدم الزكاة، وإن كانت الأمهات غنما فالأولى الوجوب، لتناول اسم الغنم له، وإن قلنا لا لعدم الدليل والأصل براءة الذمة كان قويا، والأول أحوط، إذ الظاهر أن مختاره الأول، بل المحكي عنه في آخر كلامه التصريح بذلك، نعم يحكى عن الشافعي الخلاف في ذلك، بل وفيما أذا كان الزكوي الأم، ولا ريب في ضعفه بعد فرض صدق الاسم الذي عليه المدار حتى لو تولد من حيوانين غير زكويين، بل وإن كانا محرمين، ولا استبعاد في القدرة فالحكم حينئذ في الصور التسعة واحد، لكن في المسالك " الضابط أنه متى كان أحد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 4 - 2 - 1

[ 76 ]

أبويه زكويا وهو ملحق بحقيقة زكوي سواء كان أحد أبويه أم غيرهما نظرا إلى قدرة الله تعالى وجبت فيه الزكاة، وإن لم يكن على حقيقة زكوي فلا زكاة، ولو لم يكونا زكويين فان كانا محللين أو أحدهما وجاء بصفة زكوي وجبت أيضا، وإلا فلا، مع احتمال تحريمه لو كانت أمه محرمة. وإن جاء بصفة المحلل فلا زكاة، وإن كانا محرمين وجاء بصفة الزكوي احتمل حله ووجوب الزكاة، وعدم الحل فتنتفي الزكاة، وإن جاء غير زكوي فلا زكاة قطعا، وفي حله لو جاء بصفة المحلل الوجهان، والوجه تحريمه فيهما لكونه فرع محرم " وهو كما ترى خصوصا بعد قوله سابقا: " نظرا إلى قدرة الله تعالى " ضرورة عموم القدرة للجميع، ودعوى أنه وإن اندرج في اسم الزكوي إلا أنه محرم ولا زكاة فيه لكونه نتيجة محرم واضحة الفساد بعد تعليق الحل والزكاة على الاسم المفروض تحققه، كدعوى أن ذلك شكل صوري، وإلا فهو مختلف الحقيقة، إذ مرجع ذلك إلى قصر القدرة، أو نحو ذلك مما لا يسمع من مدعيه، والله أعلم. (القول في زكاة الأنعام) (و) تمام (الكلام) فيه (في الشرائط والفريضة واللواحق، أما الشرائط فأربعة: الأول اعتبار النصب) إذ لا تجب الزكاة قبلها إجماعا بل ضرورة في المذهب إن لم يكن الدين (وهي في الابل إثنا عشر نصابا، خمسة كل واحد منها خمس) بلا خلاف أجده بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص إن لم تكن متواترة فيه فمستفيضة (فإذا صارت ستا وعشرين صارت كلها نصابا) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل في الخلاف والغنية وغيرهما الاجماع عليه، بل حكى غير واحد الاجماع على أنها إثنا عشر نصابا، بل يمكن تحصيل الاجماع وإن خالف فيه القديمان فيما حكي عنهما، فقال الحسن منهما: " إن الواجب في الخمس وعشرين بنت مخاض إلى الستة

[ 77 ]

وثلاثين " وقال أبو علي ذلك أيضا لكن زاد " إن لم تكن فابن لبون، فان لم يكن فخمس شياه " ولم يجعلا الست وعشرين نصابا مستقلا وإن أوجبا بنت مخاض نحو المشهور أيضا، إلا أنه كباقي أفراد العفو، فان خلافهما خاصة غير قادح فيه، سيما مع انحصار الخلاف فيهما فيما أجد وإن نسبه المصنف في محكي المعتبر إلى جماعة من محققي الأصحاب، مع أنا لم نجد ما يشهد له من النصوص سوى حسن الفضلاء (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: " في صدقة الابل في كل خمس شاة إلى أن تبلغ خمسا وعشرين، فإذا بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وثلاثين، فإذا بلغت خمسا وثلاثين ففيها ابنة لبون، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وأربعين، فإذا بلغت خمسا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت ستين ففيها جذعة، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ خمسا وسبعين، فإذا بلغت خمسا وسبعين ففيها ابنتا لبون، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ تسعين فإذا بلغت تسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون، ثم ترجع الابل على أسنانها، وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ " الحديث. وهو - مع اشتماله على ما لا يقول به أحد من الأصحاب من جعل المائة وعشرين نصابا، وباضافة الواحد نصابا آخر - قال في الوسائل: إنه رواه الصدوق في معاني الأخبار على ما في بعض النسخ الصحيحة " فإذا بلغت خمسا وعشرين فإذا زادت واحدة ففيها بنت مخاض - إلى أن قال -: فإذا بلغت خمسا وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون، ثم قال: فإذا بلغت خمسا وأربعين وزادت واحدة ففيها جذعة، ثم قال: وإن بلغت خمسا


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب زكاة الأنعام - الحديث 6

[ 78 ]

وسبعين وزادت واحدة ففيها ابنتا لبون، فإذا بلغت تسعين وزادت واحدة ففيها حقتان " إلى آخره، ومنه يعلم قوة ما ذكره الشيخ فيه من إضمار " وزادت واحدة " اعتمادا على فهم المخاطب، وإن كان أقرب منه الحمل على التقية، فان ذلك مذهب العامة ولذا قال عبد الرحمن بعد أن روى عن الصادق (عليه السلام) في الصحيح (1) في ست وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين: " هذا فرق بيننا وبين الناس " وكأنه عليه السلام في هذا الحسن أراد الجمع بين بيان الواقع والتقية التي قالوا (عليهم السلام): إن الانسان على نفسه بصيرة فيها، فقال: في الخمس وعشرين بنت مخاض حسب ما عندهم، ثم ذكر باقي النصب التي لم يخالفونا فيها تاركا فيها ذكر الواحدة حتى يفهم السامع إرادتها في الجميع، لأن الكل على مذاق واحد، كل ذلك مع معارضته للمعتبرة المستفيضة المعمول بها كصحيح عبد الرحمن (2) وخبر أبي بصير (3) وصحيح زرارة (4) وموثقه الآخر (5) فلا بأس حينئذ في حمله على ما ذكرنا، وربما حمل على الندب، أو على دفع ذلك على سبيل القيمة للخمس شياه، أو غير ذلك، وعلى كل حال فلا ينبغي التأمل في ضعف القول المزبور، ولقد أجاد في نسبته ألى الشذوذ في الدروس. فهذه ست نصب (ثم ست وثلاثون ثم ست وأربعون ثم إحدى وستون) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه (ثم ست وسبعون) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك تحصيلا فضلا عن النقل للمعتبرة المستفيضة (6) خلافا المحكي عن الصدوقين فأبدلاه بالثمانين، وإنه إذا زادت واحدة ففيها ثني إلى تسعين، ولم نقف لهما على شاهد سوى المحكي عن الفقه


(1) (2) (3) (4) (5) (6) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 4 - 4 - 2 - 1 - 3 - 0 -

[ 79 ]

المنسوب للرضا (عليه السلام) (1) الذي لم نتحققه كي يصلح معارضا لما سمعت، فلا ريب حينئذ في ضعف القول المزبور وأن النصاب العاشر ست وسبعون (ثم إحدى وتسعون، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرون فأربعون أو خمسون أو منهما) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة خلافا للمحكي عن انتصار المرتضى من عدم تغير الفرض من إحدى وتسعين إلا ببلوغ مائة وثلاثين، وقال فيه مما انفردت به الامامية وقد وافقها غيرها أنها إذا بلغت مائة وعشرين ثم زادت فلا شئ في زيادتها حتى تبلغ مائة وثلاثين، فإذا بلغتها ففيها حقة واحدة وابنتا لبون، وأنه لا شئ في الزيادة ما بين العشرين والثلاثين، ثم ادعى الاجماع على ذلك، وهو عجيب بعد دعواه نفسه في محكي الناصرية الاجماع على خلافه، كمحكي الخلاف والسرائر، وفي التذكرة " أنها إذا زادت على المائة وعشرين واحدة وجب في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون - إلى أن قال -: وعلى هذا الحساب بالغا ما بلغ عند علمائنا " وكذا عن المنتهى وفي كشف الحق نسبته إلى الامامية، وفي المفاتيح إلى علمائنا كافة، إلى غير ذلك من كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم المتفقة على خلاف ما سمعته منه كنصوصهم، بل لم أجد في شئ مما وصل الينا من نصوص أهل البيت (عليهم السلام) ما يشهد له، فلا ريب في ضعفه ولذا نسبه في الدروس إلى الشذوذ أيضا. ومن ذلك كله يظهر لك أيضا أن ما في اللمعة " ثم إحدى وتسعون، ثم ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون " لا يخلو من نظر، ضرورة شمول إطلاقه النصاب الكلي بعد الاحدى وتسعين ما دون المائة وواحدة وعشرين، ولم يقل أحد بالتخيير قبله، فان من جملته ما لو كانت مائة وعشرين، فعلى إطلاقه فيها ثلاث بنات لبون وإن لم تزد الواحدة، ولم يقل بذلك أحد من الأصحاب، وهو نقل في الدروس


(1) المستدرك - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3

[ 80 ]

والبيان أقوالا نادرة، وليس من جملتها ذلك، بل اتفق الكل على أن النصاب بعد الاحدى وتسعين لا يكون أقل من مائة وإحدى وعشرين، وإنما الخلاف فيما زاد عنه واعتذر له في الروضة بأن الزائد على النصاب الحادي عشر لا يحسب إلا بخمسين كالمائة وما زاد عليها، ومع ذلك فيه حقتان، وهو صحيح، وإنما يتخلف في المائة والعشرين والمصنف توقف في البيان في كون الواحدة الزائدة جزءا من الواجب أو شرطا من حيث اعتبارها في العدد نصا وفتوى، ومن ايجاب بنت اللبون في كل أربعين يخرجها فتكون شرطا لا جزءا، وهو الأقوى، فتجوز هنا وأطلق عده بأحدهما أي من دون تعرض لذكر الشرط اعتمادا على معلوميته، وفيه أن مقتضى الاطلاق الحساب بمجرد الزيادة على الاحدى وتسعين، أللهم إلا أن يصرف ذلك بمعلومية عدم نقصان ما فوق النصاب عنه، وعلى كل حال فلا ريب في أن إطلاقه ليس بجيد كما هو واضح، هذا. وقد قال المحقق الثاني والشهيد الثاني: إن التقدير بالأربعين والخمسين ليس على التخيير، بل يجب التقدير بما يحصل به الاستيعاب، فان أمكن بهما تخير، وإلا وجب اعتبار أكثرهما استيعابا مراعاة لحق الفقراء، فيجب حينئذ تقدير المائة والاحدي وعشرين بالأربعين، والمائة والخمسين بالخمسين، والمائة وسبعين بهما، ويتخير في المائتين وفي الأربعمائة يتخير بين اعتباره بهما وبكل واحد منهما، بل قيل: إن ذلك خيرة المبسوط والخلاف والوسيلة والسرائر والتذكرة والمنتهى ونهاية الأحكام والتحرير بقرينة ما ذكروه بعنوان التمثيل، بل لعله الظاهر من المصنف خصوصا ممع قوله فيما يأتي: " ولو أمكن في عدد " إلى آخره. بل لعله ظاهر القواعد أيضا، حيث قال: " ويتخير المالك لو اجتمعا " بل هو المحكي صريحا عن إيضاح النافع وتعليقه وكفاية الطالبين وكشف الالتباس والميسية والموجز الحاوي، كما أنه يشهد له - مع أنه الموافق للاحتياط الجواهر - 10

[ 81 ]

وفيه مراعاة لحق الفقراء - الاتفاق عليه ظاهرا في البقر، وصحيح الفضلاء (1) فيه أيضا لكن المحكي عن ظاهر المقنع والمقنعة والنهاية والمراسم والاشارة والنافع والارشاد والتبصرة والتلخيص والبيان واللمعة والمفاتيح التخيير مطلقا، كما هو صريح المدارك والمحكي عن مجمع البرهان وفوائد القواعد لثاني الشهيدين ناسبا له فيها إلى ظاهر الأصحاب كالرياض لاطلاق الأدلة، ولم يثبت أولوية مراعاة الفقراء من المالك، بل ظاهر النصوص العكس على أنه قد يكون الشارع لاحظ جبر التفاوت الحاصل بحذف بعض الكسور والعفو بزيادة السن في التقدير الآخر، بل يدل عليه صريحا النصوص (2) المشتملة على التخيير في المائة والواحد وعشرين، بل اقتصر في بعضها على حسابها بالخمسين. والذي يقوى في النظر في الجمع بين هذه النصوص وصحيح الفضلاء الوارد في البقر المتفق على مضمونه فيه ظاهرا كما قيل - بعد ظهور اتحاد الحكم في الجميع، وعدم الفرق بين الابل والبقر في ذلك من النص بل والفتوى مع التأمل والتدبر - وجوب مراعاة المطابق منهما، بل لو لم يحصل إلا بهما لوحظا معا، ويتخير مع المطابقة بكل منهما أو بهما، حتى أن له حساب البعض بأحدهما والباقي بالآخر، وكذا يتخير مع عدم المطابقة بشئ، ولا يجب حينئذ مراعاة الأقل عفوا للنصوص الواردة في المائة والاحدي وعشرين، وليس في صحيح الفضلاء إلا المطابق، فلا ينافي ذلك حينئذ، نعم قد يقال بوجوب مراعاة الأقل في خصوص المائتين وستين. للقطع بأن الزيادة إن لم تزد الواجب أولا لم تنقصه، كما تعرف زيادة تحقيق لذلك كله فيما يأتي إن شاء الله، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط. ثم إن ظاهر النص والفتوى اعتبار كون الزيادة واحدة، فلو كانت جزءا من بعير لم يتعين به الفرض قطعا، بل في محكي التذكرة إجماعا، والمنتهى لا نعلم فيه خلافا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 6 - 0

[ 82 ]

إلا من الاصطخري، فما عن بعض العامة من تعين الفرض به واضح الفساد، كما أن ظاهرهما أيضا كون الواحدة جزءا من النصاب لا شرطا لاعتبارها في العدد فيهما، وظهورهما في أن هذا النصاب كغيره بالنسبة إلى الواجب وإن كان حسابه بأحد الأمرين وهو المحكي عن الفاضل في النهاية معللا له بأن تغير الواجب بها يقتضي تعلق الوجوب بها كالعاشرة وغيرها، قال: فلو تلفت الواحدة بعد الحول وقبل إمكان الأداء سقط من الواجب جزء من مائة وإحدى وعشرين جزءا، خلافا لجماعة من المتأخرين منهم ثاني الشهيدين والمحققين، فجعلوها شرطا، بل ربما قيل: إنه المشهور بينهم، لخروجها عما به الحساب على التقديرين، وفيه أنه أعم من الشرطية، قالوا: فلا يسقط بتلفها بعد الحول بغير تفريط شئ، كمالا يسقط بتلف ما زاد عنها إلى أن تبلغ تسعة عشر، وفيه أنه مبني على تعلق الزكاة بما عدا العفو، وفيه بحث تسمعه فيما يأتي إن شاء الله، والله أعلم. (وفي البقر) الذي منه الجاموس بلا خلاف (نصابان) كليان (ثلاثون وأربعون دائما) أي كل ثلاثين وكل أربعين لا الأولان فقط، ومنه ما لو اجتمعا كالسبعين، فلا حاجة إلى جعل النصب فيها ثلاثا شخصيين وهما الثلاثون والأربعون، وكليا وهو كل ثلاثين وكل أربعين كما عن بعضهم، أو أربعة بزيادة الستين على الأولين كما عن المنتهى، أو خمسة بزيادة السبعين بعد الستين، ضرورة الاستغناء بما ذكرنا عن ذلك كله، وإن كان النظر فيه إلى صحيح الفضلاء الآتي فينبغي زيادة النصب على ذلك كله، لا شتماله عليها وعلى غيرها، إلا أن الظاهر كون المراد منه التمثيل للنصاب الكلي، وعلى كل حال فقد أجاد في المسالك يجعل هذا الاختلاف لفظيا، والأمر سهل بعد وضوح المطلوب، ومعلومية عدم الزكاة في الأنقص من الثلاثين إجماعا بقسميه ونصا، وعدمها أيضا كذلك في الزائد على الثلاثين حتى يبلغ الأربعين، والمنساق من الاطلاق

[ 83 ]

نصا وفتوى البقر الانسي، فيبقى الوحشي على الأصل كما عن بعض التصريح به، وستسمع تمام الكلام إن شاء الله في وجوب ملاحظة المطابق من النصابين وعدمه، والله أعلم. (وفي الغنم خمسة نصب) أولها باجماع كل من يحفظ عنه العلم كما عن المنتهى (أربعون، وفيها شاة) فلا يجب فيها شئ قبل ذلك بلا خلاف نصا وفتوى، كما أنه لا خلاف في عدم اعتبار زيادة الواحدة في وجوب الشاة إلا من الصدوقين فيما حكى عنهما والاجماع المحكي في المنتهي صريحا كما سمعت والتذكرة والمفاتيج وظاهرا في الخلاف والغنية والرياض وصحيح الفضلاء (1) وغيره حجة عليهما، مع أنه لا شاهد لهما فيما تجد إلا ما يحكى من الفقه (2) المنسوب إلى الرضا (عليه السلام)، وهو غير حجة عندنا فضلا عن أن يعارض غيره (ثم مائة وإحدى وعشرون، وفيها شاتان، ثم مائتان وواحدة، وفيها ثلاث شياه) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك نصا وفتوى، بل في الكتب السابقة الاجماع أيضا صريحا وظاهرا (ثم ثلاثمائة وواحدة) وهو النصاب الرابع (فإذا بلغت ذلك قيل) والقائل ابن أبي عقيل والجعفي والمفيد في أحد النقلين والصدوق وابن إدريس والفاضل في بعض كتبه وولده: (يؤخذ من كل مائة شاة) وربما نسب ذلك ألى ابن حمزة، والموجود في وسيلته " النصاب فيها أربعة، والعفو كذلك، والفريضة جنس واحد، وهو في كل نصاب واحد من جنسه، وباختلاف الغنم في البلد لا يتغير الحكم، والنصاب الأول أربعون، والثاني مائة وواحد وعشرون، والثالث مائتان وواحدة، والرابع ثلاثمائة وواحدة، فإذا زاد على ذلك تغير هذا الحكم، وكان في كل مائة شاة " وظاهره وجوب الأربع في الرابع، وأنه بالزيادة عليه ينتقل إلى المائة


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (2) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3

[ 84 ]

وكأنه مخالف للقولين، نعم هو كالمحكي عن إشارة السبق، قال: " في ثلاثمائة وواحدة أربع، فإذا زادت على ذلك سقط هذا الاعتبار وأخرج من كل مائة شاة " وكذا ابن زهرة في الغنية، أللهم إلا أن يريدوا جميعا بالزيادة بلوغ المائة بقرينة معلومية عدم نقصان الفريضة بالزيادة، وأما ما يحكى عن سلار من قوله: إنه ينتقل بزيادة ثمانين في الثالث إلى ثلاث شياه ثم ينتقل بزيادة مائة إلى أن يخرج من كل مائة شاة فالظاهر أن الناقل أبدل الثاني بالثالث سهوا، بل هو المقطوع به، والله أعلم. (وقيل: بل تجب أربع شياه حتى تبلغ أربعمائة فيؤخذ من كل مائة شاة بالغا ما بلغ، وهو الأشهر) بل المشهور، بل في الخلاف وظاهر الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد صحيح الفضلاء الموافق للاحتياط الذي ربما قيل بوجوب مراعاته هنا، لتوقف يقين البرائة عليه، والمخالف للعامة التي جعل الله الرشد في خلافها، إذ الأول محكي عن الفقهاء الأربعة، بل حكاه في الخلاف عن جميع الفقهاء ما عدا النخعي والحسن ابن حي، ومن ذلك يظهر لك رجحانه على صحيح محمد بن قيس (1) الذي هو دليل الأول بعد الاغضاء عن ترجيحه عليه سندا أيضا بل ودلالة، إذ الموجود فيه " فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة " ويمكن أرادة الأربعمائة من الكثرة فيه، فيكون النصاب الرابع وهو الثلاثمائة وواحدة متروكا فيه، ويؤيده عدم صدق الكثرة بالواحدة، فاحتمال إرادتها منها ولو على جهة البدأة لا يخلو من شئ، وإن كان قد أريد منها ذلك في نصوص الابل، لكن القرينة كانت فيها واضحة بخلاف ما هنا، ولذلك قال بعض الأفاضل: " لا تعارض بين الصحيحين، لخلو صحيح ابن قيس عن التعرض لذكر زيادة الواحدة على ثلاثمائة، فان قوله (عليه السلام): " فان زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم إلى ثلاثمائة " يقتضي


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2

[ 85 ]

كون بلوغ الثلاثمائة غاية لفرض الثلاث داخلة في المغيا كما هو الشأن في أكثر الغايات الواقعة فيه وفي غيره من الأخبار المتضمنة نصب الابل والغنم، والكلام الذي بعده يقتضي إناطة الحكم يثبوت وصف الكثرة، وفرض زيادة الواحدة ليس من الكثرة في شئ، فلا يتناوله الحكم حتى يقع التعارض، بل يكون خبر الفضلاء مشتملا على بيان حكم لم يتعرض له في الصحيح المزبور لحكمة، ولعلها التقية " وأيده بعضهم بأن المعصوم (عليه السلام) بعد أن جعل الغاية نفس الثلاثمائة لا بلوغها ولا أولها كان المعنى إلى منتهى عدد ثلاثمائة، فإذا انتهى لا جرم يكون الزائد داخلا في الاربعمائة، لكنه عليه السلام لم يقل فإذا زادت واحدة ففي كل مائة شاة كما كان دابه القول كذلك في النصب الآخر وفي جميع النصب في غير هذه الصحيحة، بل عدل عنه إلى قوله (عليه السلام): " فإذا كثرت " إلى آخره، وما ذاك إلا لنكتة جزما، ومعلوم أن الزائد على الثلاثة كثير، بل الثلاثة أيضا وجميع المراتب بالنسبة إليه على حد سواء، وكون انقضاء ثلاثمائة قرينة معينة لارادة زيادة واحدة بعدها من لفظ " كثرت " لعله يمنعه العدول إلى عبارة " كثرت " المتوغلة في الابهام من دون نكتة أصلا، لأن الثلاثمائة والأنقص منها كثيرة أيضا كثرة كاملة بالغة من دون تفاوت بينها وبين ما إذا زادت واحدة فقط حتى يعبر المعصوم عنها بعبارة " إذا كثرت " مع عدم تعبيره أصلا فيما نقص عن زيادة خصوص الواحدة في هذه المرتبة بلفظ الكثرة أصلا، وغير خفي على الذوق السليم أن الوجه في مثل ذلك إنما هو التقية كما هو دأبهم (عليهم السلام) المعلوم في مواضع كثيرة، كل ذلك مضافا ألى اشتماله على مالا نقول به من قوله (عليه السلام): " إن يشأ المصدق " ومن قوله (عليه السلام): " ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق " إلا أذا أريد الاجتماع في الملك والافتراق فيه أو نحو ذلك، ومن قوله (عليه السلام): " يعد صغيرها وكبيرها " إلى غير ذلك.

[ 86 ]

ومعارضة هذا كله باعتضاد صحيح ابن قيس بالأصل الذي هو مع معلومية انقطاعه معارض بالاحتياط، وبخبر زرارة (1) المروي في المنتهى وخبر الأعمش (2) وفقه الرضا (عليه السلام) (3) مضافا إلى اشتمال صحيح الفضلاء على ما لا يقول به أحد من الأصحاب في النصاب الثاني يدفعها عدم ثبوت الخبر المزبور، بل لا يخفى على من تأمل أن زيادته التي فيه وهي محل الاعتضاد من الصدوق لا من الخبر، فلاحظ وتأمل. وكذا لا شهادة يعتد بها في خبر الأعمش، وأما اشتمال صحيح الفضلاء على ما ذكره فانما هو في بعض نسخ التهذيب دون البعض الآخر ودون الكافي وغيره. وكيف كان فلا ينبغي للفقيه التأمل في رجحان صحيح الفضلاء على صحيح ابن قيس، فيتعين الفتوى به، إنما الكلام في الفائدة على هذا التقدير في جعل الأربعمائة نصابا مع أن الواجب بها ما وجب بالثلاثمائة وواحدة، ونحوه يجري على القول الأخر بالنسبة إلى الثلاثمائة وواحدة والنصاب الذي قبلها، فانهما أيضا متحدان في وجوب الثلاث، ويمكن أن يكون الوجه في ذلك متابعة النص، أو أن الاتحاد في الفريضة مع فرض كون النصاب الثاني كليا ذا أفراد متعددة ينفرد عن الأول في غالب أفراده غير قادح، وما حاله إلا كحال النصاب في الابل إذا بلغت مائة وإحدى وعشرين خمسين، مع أن الواجب في أول الأفراد ما وجب في الاحد وتسعين، ضرورة كون النصاب هنا إذا بلغت أربعمائة كل مائة شاة، وإن اتحد مع الأول في هذا الفرد، لكنه ينفرد عنه بالخمسمائة فصاعدا، وكذلك في الثلاثمائة وواحدة على القول الآخر، ويجري في


(1) المنتهى ص 489 - المسألة - 4 - من البحث الرابع من كتاب الزكاة وهو ما ذكره في الفقيه ج 2 ص 14 والظاهر أنه من كلام الصدوق (قده) (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 (3) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3

[ 87 ]

الواحدة الزائدة على الثلاثمائة حينئذ ما سمعته في الزائدة على العشرين في الابل بالنسبة إلى شرطيتها وجزئيتها. هذا. (و) لكن المصنف قال وتبعه عليه غيره: (تظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان) أي تظهر الفائدة بذلك في جعل الأربعمائة نصابا والثلاثمائة وواحدة نصابا مع اتحاد موجبهما بمعنى أنه يكون في الأول الأربعمائة، وفي الثاني الثلاثمائة وواحدة، وكذلك الثلاثمائة وواحدة والمائتين وواحدة على القول الآخر، إلا أن الكلام في الواحدة الزائدة على الثلاثمائة هو الكلام في واحدة الابل التي قد مضى البحث فيها، ومنه يعلم الحال في الضمان الذي هو الفائدة في الحقيقة، وإن ذكر المصنف وغيره أنه فائدة ثانية، والأمر سهل بعد وضوح المراد، ووجه ظهور الفائدة به أنه إذا تلف واحدة من الأربعمائة بعد الحول بغير تفريط نقص من الواجب جزء من مائة جزء من شاة، ولو كانت ناقصة عن الأربعمائة ولو واحدة وتلف منها شئ لم يسقط من الفريضة شئ مادامت الثلاثمائة وواحدة، لوجود النصاب والزائد عفو، والفريضة إنما تتعلق به لا مع العفو، وكذلك القول في مائتين وواحدة وثلاثمائة وواحدة على القول الآخر، ولو تلف واحدة من الثلاثمائة وواحدة شاة سقط على قول الشيخ جزء من ثلاثمائة جزء وجزء من الأربع شياه، ومن الأربعمائة جزء من أربعمائة جزء منها، والمراد بالجزء أربعة أجزاء كما صرح به فخر المحققين، فقال: " لو تلفت الواحدة من غير تفريط بعد الحول وقبل إمكان الأداء فعلى القول بوجوب الأربع تقسط على ثلاثمائة جزء وجزء واحد، ويسقط منه جزء واحد، وهو أربعة أجزاء من ثلاثمائة جزء وجزء واحد من شاة، فيبقى الواجب عليه ثلاث شياه ومائتا جزء وسبعة وتسعون جزءا من ثلاثمائة جزء وجزء من شاة، وأما على القول الآخر فلا يقسط الثلاث التالف على الثلاثمائة جزء وجزء، لأن الواحدة الزائدة شرط لا جزء من محل الوجوب ".

[ 88 ]

قلت: هو كذلك على أحد الاحتمالين، وعلى كل حال إليه يرجع ما في المدارك وإن اختلف الطريق، قال: " ولو تلفت الشاة من الثلاثمائة وواحدة سقط من الفريضة جزء من خمسة وسبعين جزء من شاة إن لم نجعل الشاة الواحدة جزء من النصاب، وإلا كان الساقط جزء من خمسة وسبعين جزء وربع جزء من شاة " وإن كان في قوله: " إن لم نجعل الشاة " إلى آخره تأمل، إذ مقتضاه حينئذ عدم سقوط شئ من الفريضة المفروض تعلقها فيما عداها كما سمعته من الفخر، على أنه بناء على وجوب الأربع في الثلاثمائة وواحدة لا يأتي احتمال الشرطية في الواحدة، ضرورة كون الحساب بمائة مائة إنما يكون في الأربعمائة لا قبلها، فهي في الثلاثمائة وواحدة جزء قطعا، لأنه نصاب مستقل لا يعتبر (لا يغير خ ل) بغيره، كما هو واضح. وكيف كان ما ذكره من الطريق كأنه أخذه من الشهيد في غاية المراد، قال على ما حكي عنه: إذا تلف واحدة من ثلاثمائة وواحد سقط منه جزء من خمسة وسبعين جزء وربع جزء، ومرجع الجميع إلى واحد عند التأمل وإن اختلف طريق التوزيع، والأمر في ذلك كله سهل. إنما الكلام في أمرين: أحدهما ما يظهر من غير واحد بل هو صريح الفاضل في التذكرة وغيرها وغيره من اختصاص متعلق الوجوب في النصاب دون العفو، ولعلهم أخذوه مما في النصوص من أنه لا شئ فيه، لكنه قد يشكل بناء على أن الزكاة في العين بأن إشاعة النصاب تستلزم الاشاعة في الجميع، فينبغي حينئذ توزيع التالف على الجميع، كما أنه ينبغي تبعية النماء للجميع وإن كان قد حصل من الزائد على النصاب، إلا أنه لعدم تعيينه يتجه الاشتراك فيه على مقتضى ما ذكرناه من الاشاعة، ومن هنا قال في المدارك تبعا للمحكي عن مجمع البرهان: " إنه يمكن المناقشة في عدم سقوط شئ الجواهر - 11

[ 89 ]

من الفريضة في صورة النقص عن الأربعمائة، لأن مقتضى الاشاعة توزيع التالف على الحقين وإن كان الزائد على النصاب عفوا، إذ لا منافاة بينهما كما لا يخفى على المتأمل " وتبعه عليه في الذخيرة، وهو جيد جدا، أللهم إلا أن يقوم إجماع أو نحوه مما يصلح به الخروج عن مقتضى الضوابط في الملك الخارجي الذي ليس هو كصفة الوجوب ونحوه مما لا يقدح فيه عدم تعيين المحل، لكن إلى الآن لم أتحققه وإن أرسله جماعة إرسال المسلمات، بل ربما وقع من الفاضل نسبته الينا مشعرا بدعوى الاجماع عليه. بل ربما فسر العفو بذلك، وأنه المراد للمصنف وغيره من قوله: (والفريضة تجب في كل نصاب من نصب هذه الأجناس، وما بين النصابين لا يجب فيه شئ) لكن يمكن كون المراد من ذلك في النص والفتوى عدم وجوب شئ غير ما وجب بالنصاب به وإن كان محل ما أوجبه النصاب الجميع، ولعله لذا لم يشكل هذه العبارة بالمناقشة السابقة، بل ظاهره أو صريحه عدم جريان المناقشة السابقة فيها، قال: أما أن الفريضة تتعلق بكل واحدة من هذه النصب فلان ذلك معنى تقدير النصب، وأما أن ما بين النصابين لا يجب فيه شئ فلأن ذلك فائدة التقدير، ويدل عليه قوله عليه السلام في حسنة الفضلاء (1): " وليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ " وهو كما ترى صريح فيما ذكرنا، بل عبارة المصنف الآتية كذلك في عدم الدلالة على المطلوب، قال: (وقد جرت العادة) من الفقهاء (بتسمية ما لا تتعلق به الفريضة من الابل شنقا، ومن البقر وقصا) بالتحريك فيهما (ومن الغنم عفوا، ومعناه في الكل واحدة) ضرورة أرادة غير النصاب منه (فتأمل خ ل) (فالتسع من الابل نصاب وشنق، فالنصاب خمس والشنق أربع بمعنى أنه لا يسقط من الفريضة شئ ولو تلفت الأربع) قبل تعلق الوجوب، لحصول النصاب الذي هو سبب الوجوب بدونها، فلا


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 90 ]

يكون حينئذ في هذه العبارة وما أشبهها دلالة على ما نحن فيه (وكذا التسعة والثلاثون من البقر) فانها (نصاب ووقص، فالفريضة) يتحقق وجوبها (من الثلاثين والزائد وقص حتى تبلغ الأربعين، وكذا المائة وعشرون من الغنم) فان (نصابها أربعون، والفريضة فيه، وعفوها ما زاد حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، وكذا ما بين النصب التي قد عددناها) فتأمل جيدا، فان بعض متأخرى المتأخرين قد أطنب في بيان تحقق الاشاعة في النصاب دون العفو، لكنه لم يأت بشئ معتد به. ثانيهما ما عساه يقال على القول بأن تلف الواحدة من الأربعمائة يوجب سقوط جزء من مائة جزء من أن المتجه عدم السقوط، لكفاية الثلاثمائة وواحدة في وجوب الأربع حينئذ، فيقوم هذا النصاب مقامه، وقد يدفع ذلك في المقام ونظائره بأن النصاب الذي يدخل في نصاب آخر يسقط ملاحظته ويكون هو السبب في وجوب الفريضة، وقيام أحدهما مقام الآخر لو فرض التلف قبل الحول لا يقتضي كونه كذلك بعده، ولم أعثر على محرر للمسألة، نعم عن كشف الرموز أنه قال: " فائدة أذا وجب في المال رأسان أو أزيد فهل يخرج من الكل أو لكل نصاب رأس ؟ الذي يظهر من الروايات هو الأول، وقال شيخنا دام ظله: الثاني أقوى، وثمرة الخلاف أذا تلف من النصب شئ بعد الحول بغير تفريط، فعلى الأول ينقص من الواجب في النصب بقدر التالف، وعلى الثاني يوزع على ما بقي من النصاب الذي وجب فيه التالف، وإلا سقط ذلك النصاب " وفي المحكي عن غاية المراد قيل في الفائدة: إنه لو تلف مائة بغير تفريط بعد الحول احتمل وجوب شاتين، لا نعقاد الحول على وجوب شاة في كل مائة، ويحتمل ثلاثا (1) لملكيته مائتين وواحدة حولا ولا تأثير للزائد لعلمه تعالى بانتفاء شرط وجوبها ورد بسقوط السابق بالكلية عند وجود اللاحق، وأجيب بأنه لو تلف واحدة قبل


(1) ليس في النسخة الأصلية لفظ " ثلاثا " والصحيح ما أثبتناه

[ 91 ]

الحول بلحظة لوجب الثلاث في السابق، فلو انتفى اعتباره لم يكن كذلك، فحال التلف يكشف عن اعتبار السابق، وقال أيضا في المحكي عنه: وقيل في الفائدة: إنه إذا تلف واحدة من ثلاثمائة وواحدة سقط من جزء من خمسة وسبعين جزء وربع جزء بناء على أخذ ما وجب في السابق، ويقسط الزائد على الزائد، ولو تلف من أربعمائة تسع وتسعون لم يسقط من الفريضة شئ، لوجود النصاب تاما، ورد بأن الأربعمائة ليست عبارة عن النصب الماضية وزيادة، بل مجموعها إما نصاب واحد أو أربعة نصب، كل نصاب مائة، قلت: قد عرفت التحقيق في المسألة وأن المفهوم من النصوص انحصار التسبيب في النصاب الأخير دون غيره، والله أعلم، فتأمل جيدا فانهم وإن أكثروا الكلام في بيان ذكر الفائدة إلا أنه لا فائدة معتد بها فيه، ولو لا مخافة الاطالة لذكرنا جملة من عباراتهم كالتنقيح وكشف الرموز وغيرهما، وكشفنا عنها، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (- لا يضم مال إنسان إلى غيره وإن اجتمعت شرائط الخلطة) والعشرة بالاشتراك في أربعين شاة مثلا أو كان لكل واحد عشرون (وكانا في مكان واحد) مثلا بأن اتحد المسرح والمراح والمشرب والفحل والحالب والمحلب بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، كما أن النصوص (1) واضحة الدلالة عليه، فلا يجزي حينئذ بلوغ النصاب منهما في وجوب الفريضة (بل يعتبر في مال كل واحد منهما بلوغ النصاب) ولو بتلفيق الكسور (و) كذا لا خلاف بيننا في أنه (لا يفرق بين مالي المالك الواحد ولو تباعد مكانهما) بل الاجماع أيضا بقسميه عليه، والنصوص واضحة الشمول له سواء كان بينهما مسافة القصر أولا، وإنما خالف فيه وفي سابقه بعض العامة التي جعل الله الرشد في خلافها، وقوله (عليه السلام) (2): " لا يفرق


(1) الوسائل - الباب 2 و 4 و 6 و 11 من أبواب زكاة الأنعام والباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 92 ]

بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق " يمكن إرادة الاجتماع والافتراق في الملك منه لا المكان، ويمكن إرادة النهي عن الفرق والجمع بمعنى أن لا ينقل بعض الشياه أو أهلها من منزل إلى آخر، بل صدقتها في أماكنها، وربما يأتي ما يؤيد هذا المعنى في آداب المصدق، والله أعلم. (الشرط الثاني السوم فلا تجب الزكاة في المعلوفة) إجماعا بقسميه، بل في محكي المعتبر أنه قول العلماء كافة إلا مالكا، ومحكي المنتهى لا خلاف فيه بين المسلمين، وعليه علماء الاسلام في الحدائق، وفي صحيح الفضلاء (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) في حديث زكاة الابل " وليس على العوامل شئ، إنما ذلك على السائمة الراعية " وفي صحيحهم (2) الآخر عنهما (عليهما السلام) أيضا في حديث زكاة البقر " ليس على النيف شئ، ولا على الكسور شئ، ولا على العوامل السائمة شئ، إنما الصدقة على السائمة الراعية " وفي صحيح زرارة (3) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل على الفرس تكون للرجل يركبها والبقر شئ ؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شئ إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فاما ما سوى ذلك فليس فيه شئ " إلى غير ذلك من النصوص. (و) منها استفيد أنه (لا) تجب (في السخال إلا إذا استغنت عن الأمهات بالرعي) لعدم صدق السوم قبله، فيعتبر حينئذ حولها من حينه لا حين النتاج كما هو خيرة الفاضل في جملة من كتبه، والشهيد في اللمعة، والكركي والقطيفي والصيمري على ما حكي عن بعضهم، لكن المحكي عن أبي علي والمبسوط وظاهر الخلاف والميسي اعتباره من حين النتاج، واختاره ثاني الشهيدين، بل في مسالكه والمختلف أنه المشهور، بل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 - 2 - 3 مع الاختلاف اليسير في الثاني

[ 93 ]

عن ظاهر الخلاف الاجماع وإن كنا لم نتحقق الشهرة فضلا عن الاجماع، نعم تشهد له جملة من النصوص، كصحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " ليس في صغار الابل شئ حتى يحول عليها الحول من يوم تنتج " وموثقة الآخر (2) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث " ما كان من هذه الأصناف الثلاثة الابل والبقر والغنم فليس فيها شئ حتى يحول عليها الحول منذ يوم تنتج " قيل: ونحوه خبر آخر لزرارة (3) أيضا وروايتان (4) للقاسم بن عروة، مضافا ألى المرسل عن زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) " ليس في صغار الابل والبقر والغنم شئ إلا ما حال عليه الحول عند الرجل، وليس في أولادها شئ حتى يحول عليها الحول " وإن كان التعارض بينه وبين ما دل على اعتبار السوم من وجه، إلا أنه أرجح منه ولو للاعتضاد بالنصوص السابقة على أنه يمكن أرادة من حين الولادة منه، فيكون موافقا للأخبار السابقة، وربما يؤيده اتحاد الراوي بل والمروي عنه، بل يمكن أن يقال: إنه الظاهر منه بقرينة عدم ما يصلح بدايته للغاية التي فيه غيره، فيخص حينئذ أخبار السوم بها. وما في المختلف من المناقشة في السند ومن أن كون الحول غاية لا يدل على عدم غاية أخرى حتى ينافي ما دل على السوم واضح الضعف، ضرورة كون السند في غاية الاعتبار، وابتداء الحول من حين النتاج ينافي اعتباره من حين السوم، كما هو واضح لكن فيما حضرني من المختلف روى خبر زرارة باسقاط قوله (عليه السلام): " من يوم " إلى آخره. وكأنه لذا ذكر الاحتمال المزبور، مع أنك قد عرفت ظهور خلافه في المرسل


(1) و (2) و (5) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 - 4 - 5 (3) الاستبصار ج 2 ص 20 الرقم 58 طبع النجف (4) لم نعثر على هاتين الروايتين والظاهر أنهما روايتا زرارة المتقدمتان باعتبار أن القاسم بن عروة واقع في سندهما

[ 94 ]

المجرد عن ذلك، واحتمال كون المراد من نصوص الانتاج نفي شئ فيها من يوم النتاج لا أنه بداية للحول فيبقى حينئذ على إطلاقه صالحا للتقييد بنصوص السوم في غاية السقوط لمخالفته المنساق، وقرب المتعلق واقتضائه ما هو كالتعقيد وعدم ذكر بداية الغاية وغير ذلك مما لا ينبغي، فلا ريب حينئذ فيى قوة ما ذكرنا، نعم قد يقوى ما في البيان من التفصيل بين المرتضعة من سائمة فحولها من حين النتاج وبين المرتضعة من معلوفة فحولها من حين السوم، لعدم زيادة الفرع على أصله، وموافقته لمقتضى الحكمة في السوم والعلف وانسياق الأولى من هذه النصوص، خصوصا من نحو قولهم (عليهم السلام) فيها: " وما كان من هذه الأصناف " مشيرا بها إلى ما تعلقت بها الزكاة منها، بل لعل ذلك هو المراد من عبارات الأصحاب أيضا، فيبقى غيرها على مقتضى الأصل وما دل على اعتبار السوم، بل ربما قيل بصدق اسم كل من الأمهات على سخالها، لكن في كشف الأستاذ الظاهر ألحاق الصغار المتغذية باللبن بالسائمة دون الكبار، فيكون حولها من حين النتاج من غير فرق بين أن ترضع من سائمة أو معلوفة أو منهما، ولا بين استمرار الرضاع تمام السنة والتركيب منه ومن السوم، ولا بين كون الرضاع بعوض أولا من الثدي أو لا على تأمل في الأصل أو في بعض الأقسام، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا. (و) كيف كان ف‍ (- لا بد من استمرار السوم جملة الحول فلو علفها بعضا ولو) كان (يوما استأنف الحول عند استئناف السوم) كما في القواعد ومحكي نهاية الأحكام والموجز وكشفه، وكذا النافع والتبصرة والتلخيص والارشاد بل وأيضاح النافع، لصحيح زرارة السابق (1) الذي صرح فيه باعتبار السوم في الحول (و) ظاهر غيره، نعم في المنتهى والارشاد ونهاية الأحكام والدروس والبيان والموجز وكشفه وغيرها


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3

[ 95 ]

على ما حكي عن بعضها التصريح بأنه (لا اعتبار في اللحظة عادة) بل ربما ظهر من محكي المنتهى المفروغية من ذلك، بل فيه وفي الدروس أنه لا عبرة باليوم في السنة، بل في الأخير في الشهر تردد أقربه بقاء السوم للعرف، فان أراد أنه لا عبرة باليوم في الشهر كالمحكي عن فوائد الشرائع وغيرها كان له وجه، بل لا يخلو من وجه إن أراد الشهر في السنة مفرقا، أما مع الاتصال فلا ريب أن الأقرب خلافه، بل لعله كذلك أيضا في المنفصل، بل وفي اليوم في الشهر، بل في اليوم في السنة كما سمعته من المصنف وغيره، لعدم صدق السوم تمام الحول إلا على التسامح العرفي الذي لا يبنى عليه الحكم الشرعي، وما في محكي المنتهى من أنه لو كان كذلك للزم أن لو اعتلف لحظة واحدة أن يخرج عن اسم السوم وليس كذلك يدفعه وضوح الفرق بينهما، ضرورة كونه حينئذ كالرعي لحظة للمعلوفة، ومن هنا ينقدح احتمال كون المراد ذلك لمن جعل المدار على العرف كالكركي وثاني الشهيدين وغيرهما، بل ربما نسب إلى أكثر المتأخرين بل إلى المشهور إلا من صرح منهم بعدم العبرة باليوم. فينحصر الخلاف حينئذ فيه (و) فيما (قيل) من أنه (يعتبر في اجتماع السوم والعلف الأغلب) كما عن أبي علي والخلاف والمبسوط، قال في الأخير: فان تساويا فالأحوط إخراج الزكاة، وإن قلنا: إنه لا يجب فيها زكاة كان قويا، لأنه لا دليل على وجوب ذلك في الشرع، والأصل برائة الذمة، وقد عرفت ضعف الأول منهما، وأنه فرق بينه وبين اللحظة، بل قد يفرق بين العلف يوما وترك السوم يوما ونحوه لمانع مثلا، فانها لا تخرج عن الاسم بذلك، أللهم إلا أن يدعى تساويهما في العرف على غير وجه التسامح، فتأمل. وأما الثاني فهو في غاية الضعف، بل في محكي السرائر أنه أضعف وأوهى من بيت العنكبوت، ضرورة انتفاء صدق اسم السوم العام بذلك، والقياس على السقي في الغلات ليس من مذهبنا، مع أنه مع الفارق، إذ نظيره ما لو

[ 96 ]

فرض الامتزاج في اليوم بالسوم والعلف إن كان الحكم فيه أيضا كذلك، لعدم صدق السوم، ولا ينافيه عدم صدق العلف بعد تعليق الوجوب عليه لا النفي خاصة على العلف كما هو واضح. (و) من هنا قال المصنف: (الأشبه) بأصول المذهب (الأول). ومنه يعلم الحال أيضا فيما (لو اعتلفت من نفسها بما يعتد به) في الخروج عن الاسم، ضرورة أنها متى كانت كذلك (بطل حولها لخروجها عن اسم السوم) به وإن كان لم يعلفها أحد، واحتمال تعلق الزكاة لعدم المؤونة على المالك واضح الضعف كما تسمع نظيره فيما يأتي (وكذا) الحكم (لو منع السائمة مانع كالثلج) ونحوه (فعلفها المالك أو غيره) من ماله أو من مال المالك (باذنه أو بغير إذنه) للخروج بالجميع عن الاسم، خلافا للتذكرة ومحكي الموجز وكشفه فيما لو علفها الغير بغير إذن المالك، فتلحق بالسائمة، واحتمله في البيان، وفي المسالك لا يخلو من وجه، إذ لا مؤونة على المالك فيه، ونحوه يأتي فيما لو علفها من مال المالك بغير إذنه، لوجوب الضمان عليه، لكن الجميع كما ترى لا ينطبق على ما عندنا من عدم حجية العلة المستنبطة، والسوم لغة: الرعي ووصف السائمة بالراعية في النص للكشف، ولا مدخلية للمؤونة فيه وعدمها، ولذا صدق عليها الاسم وإن صانع المالك الظالم على رعيها في الكلأ بالكثير، بل وكذا لو استأجر أرضا للرعي، بل قال بعض مشائخنا: إنه كذلك حتى لو اشترى لها مرعى، قال: لأن الظاهر أن الرعي في المرعى سوم ملكا كان أو غيره، كما هو مقتضى اللغة والعرف ولعدم ظهور فرق بين شراء المرعى واستيجاره الأرض للرعي، واحتماله لكون الغرامة في مقابلة الأرض دون الكلا إذ مفهوم الأجرة لا يتناوله غير واضح بعد ما عرفت من عدم كون المدار على الغرامة وعدم المؤونة، ولا على ملك العلف وغيره، بل على صدق الاسم في النص والفتوى، فاعتبار الملك في العلف وعدمه في السوم كما في فوائد الشرائع الجواهر - 12

[ 97 ]

في غير محله، وفي البيان " إذا اشترى مرعى في موضع الجواز فان كان مما يستنبته الناس كالزرع فعلف وإن كان غيره فعندي فيه تردد، نظرا إلى الاسم والمعنى " وفيه ما قد عرفت من كون المدار على الاسم، وقال أيضا: " لا يخرج من النصاب أجرة الراعي، ولا الاصطبل " قلت: هو كذلك، لا طلاق الأدلة، وكيف كان فالمدار على الاسم، والظاهر عدمه في الرعي من نبات الدار والبستان وإن احتمله في كشف الأستاذ، خصوصا مع سعتها، والأمر سهل بعد ما عرفت من أن المدار ذلك الذي يعلم منه عدم الزكاة في بهائم إيران وخراسان وآذربيجان إلا ما شذ وندر منها، لأنها على ما قبل تعلف الشهرين والثلاثة لا تخرج إلى المرعى، وعدمها أيضا في المعلوف ليلا والسائم نهارا والأمر واضح في ذلك كله، والله أعلم. (الشرط الثالث الحول، وهو يعتبر في الحيوان والنقدين مما تجب فيه) الزكاة إجماعا بقسميه، بل عند أهل العلم كافة إلا ما حكي عن ابني عباس ومسعود في محكي المنتهى، بل لا خلاف بين العلماء فيه وفي اعتباره في زكاة التجارة في محكي التذكرة، بل في شرح المفاتيح أنه ضروري، والنصوص فيه إن لم تكن متواترة فهي في غاية الاستفاضة، كصحيحي الفضلاء وغيرهما (و) كذا يعتبر (في مال التجارة والخيل مما يستحب) بلا خلاف أجده فيه أيضا نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، وقد سمعت معقد نفي الخلاف في التذكرة، وفي المدارك هو موضع وفاق بين العلماء (وكيف كان ف‍ (- حده) بالنسبة إلى تعلق الخطاب بالزكاة (أن يمضي أحد عشر شهرا) هلاليا مع عدم الانكسار (ثم يهل الثاني عشر، فعند هلاله تجب ولو لم تكمل أيام الحول) الذي هو الاثنى عشر بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، وإن كان الأصل في ذلك حسن زرارة (1) الذي هو كالصحيح، " قلت لأبي جعفر (عليه السلام):


(1) فروع الكافي ج 1 ص 526 الطبع الحديث

[ 98 ]

رجل كان له مائنا درهم فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا من الزكاة فعل ذلك قبل حلها بشهر، فقال: إذا دخل الثاني عشر فقد حال عليه الحول ووجبت عليه فيها الزكاة ". إنما الكلام في استقرار الوجوب به أو توقفه على تمام الثاني عشر بحيث لو اختل أحد الشروط فيه انكشف عدم الوجوب، قيل: وعلى الأول يحتسب الثاني عشر من الثاني، وعلى الثاني يحتسب من الأول، قولان أولهما للمدارك والايضاح والموجز وكشفه وحاشيتي القاضي ملا سراب وغيرها على ما حكي عن بعضها، بل هو ظاهر الأصحاب كما اعترف به في محكي الكفاية والذخيرة والرياض، بل كاد يكون صريح بعضهم كالفاضل في الارشاد وغيره، وثانيهما للشهيدين والكركي والميسي وغيرهم، وفي التذكرة إشكال والأقوى الأول، لظاهر الحسن المذكور المعتضد بظاهر الفتوى وظاهر معاقد الاجماعات وما في المسالك - من أن الخبر السابق إن صح فلا عدول عن ذلك، لكن في طريقه كلام فالعمل على الثاني متعين - واضح الضعف، ضرورة معلومية قبول هذا الحسن هنا، للاجماع على العمل به في الجملة، على أنه ليس في طريقه سوى إبراهيم بن هاشم، وهو بمرتبة من العدالة، بل يمكن أن يكون عدم نصهم على توثيقه لكونه أجل من ذلك، مضافا إلى عمل الأصحاب به في غير المقام، بل هو نفسه قد عمل به أيضا، فلا ينبغي التوقف في ذلك من هذه الجهة، كما أنه لا ينبغي التوقف في المختار لاقتضائه الحقيقة الشرعية في لفظ الحول، وهو مع أنا لم نجد له استعمالا في غير هذا الحسن لا يتم على ما ذكروه لها من العنوان بما كان حقيقة في لسان المتشرعة، ومن المعلوم عدمه هنا، إذ يمكن عدم اقتضائه ذلك، بل ولا المجاز الشرعي في لفظ الحول، بل التجوز في حولان الحول على أن يكون المراد تمام الأحد عشر الذي لا يتحقق إلا بدخول الثاني عشر، فالحول حينئذ باق على معناه اللغوي والعرفي أي الاثنى عشر شهرا، إلا أن

[ 99 ]

المعتبر في وجوب الزكاة وجوبا مستقرا مضي الأحد عشر والدخول في الثاني عشر، لا مضي الجميع، وهو المقصود من قولهم (عليهم السلام) (1): " كل ما لم يحل الحول عليه عند ربه فلا زكاة فيه " بل لعل قوله (عليه السلام) في الحسن المزبور: " فقد حال الحول " مشعر بذلك باعتبار إرادة الحول المعهود في الذهن المتعارف، وأنه بالدخول في الثاني عشر يتحقق ولو شرعا حولان الحول، ولعل ذلك أولى من التجوز في لفظ الحول في الحسن وغيره من النصوص الذي هو بمنزلة لفظ الاثنى عشر والسنة في آخر والعام في ثالث، بل ربما يويده تعارف إطلاق بلوغ الخمس سنين مثلا على من دخل في الخامسة وهكذا ولو مجازا، ولم يتعارف إطلاق الحول والسنة والعام على العشرة أشهر مثلا وإن وقع في بعض الأحيان على ضرب من التسامح، وبالجملة لا ينبغي التأمل في أولوية المجاز المزبور من التجوز في لفظ الحول وإن كان المطلوب يتم بهما وبالحقيقة الشرعية أيضا، وأما ما يقال من أن الحسن المزبور وإن كان ظاهرا في الوجوب المستقر بالدخول في الثاني عشر إلا أن ما دل على اشتراط الشروط الأخر طول الحول يقتضي خلافه بناء على إرادة المعنى الحقيقي من الحول فيها، لعدم ما يصلح قرينة لعدمه، فالجمع بينهما حينئذ يقتضي التزلزل كما هو الشأن في الواجبات المشروطة بشرائط حيث يرد وجوبها في آية أو خبر مطلقا غير مشروط بشرط أصلا أو ببعض الشروط، فيحمل الحسن حينئذ على الوجوب المتزلزل، وما دل على تلك الشرائط على الوجوب المستقر مع إبقاء لفظ الحول فيها على حقيقته. ودعوى أن الشرائط المذكورة إنما هي شرائط وجوب الزكاة، فإذا تحقق الوجوب فلا معنى لكون الشرائط لتحقق الوجوب بعد تحققه وانقضاء وقته، وإلا لزم


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 والباب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 3

[ 100 ]

كون الشرط متأخرا ومن شأنه التقدم، يدفعها منع وجوب تقدم الشرط مطلقا، فان بقاء الحياة مع التمكن من الصلاة بشرائطها إلى آخر الصلاة شرط في وجوبها، والمرأة يجب عليها الصوم مثلا وإذا اتفق أنها حاضت في الأثناء انكشف عدم الوجوب، إلى غير ذلك مما هو من هذا القبيل، فقد يجاب بظهور ما ذكرنا في إرادة الدخول في الثاني عشر من حول الحول في كل ما اعتبر فيه ذلك، ولذا منعه من الفرار فيه، وأنه كالفرار بعد الاثنى عشر بالهبة ونحوها، ومن ذلك لا ينبغي إنكار ظهور الحسن في أن جميع ما يعتبر في وجوب الزكاة حده الدخول في الثاني عشر، لا أنه بالنسبة إلى تعلق الوجوب خاصة وإن بقي شرطية الشرائط مستمرة إلى تمام الاثنى عشر، بل هو عند التأمل تفكيك في النصوص لا يرتكبه فقيه، كما هو واضح بأدني تأمل. نعم قد يقال: لا دلالة في الحسن على احتساب الثاني عشر من الحول الثاني باحدى الدلالات، فيمكن القول باحتسابه من الأول، وإن حصل الاستقرار بالأحد عشر جمعا بين الحسن المزبور وما دل على أن الزكاة في كل سنة مرة، فيحتسب حينئذ الثاني عشر من الأول وإن استقر الوجوب قبله، ولا يأبى ذلك جملة من كلمات الأصحاب بل عن الأردبيلي التصريح بذلك، فتأمل فانه جيد، وعليه يحمل أخبار منادي النبي (صلى الله عليه وآله) (1) وخبر الكرخي (2) وغيره مما يدل على احتساب الأثنى عشر ومن ذلك وما قدمنا يعلم ما في كلام جملة من الأعلام في المقام خصوصا الأستاذ الأكبر في شرحه على المفاتيح، فانه أطنب في المقام، لكنه لم يأت بشئ يعتد به، ومن الغريب ما فيه ظنه من أن الأصحاب يقولون: إن الحول أحد عشر وجزء من الثاني عشر، فأخذ يعترض عليهم بأن ذلك يقتضي أمرا غريبا، ضرورة أن هذا الجزء لو


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2

[ 101 ]

قدر بساعة مثلا فالحول الثاني يقتضي ساعتين وهكذا، وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما عرفت، على أنه لو قلنا بكون الحول حقيقة شرعية أو مجازا فهو في الأحد عشر خاصة وما في بعض العبارات من ظهور دخول الجزء إنما هو لتحقيقها لا لدخوله في مسمى الحول أو المراد منه، كما هو واضح لدى كل من تصفحها، مع أن بعضها كالارشاد قد اقتصر على الأحد عشر، وظني أنه هو مراد الجميع وإن صدر بعض ما يوهم خلافه من بعضهم، بل وقع فيه ما هو أغرب من ذلك، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (- لو اختل أحد شروط وجوبها في أثناء الحول) الشرعي أو اللغوي بناء على عدم استقرار الوجوب إلا به (بطل الحول، مثل أن نقصت عن النصاب فأتمها) أو لم يتمكن من التصرف فيها أو نحو ذلك مما عرفت اشتراطه بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك (أو عاوضها) بغير جنسها أو (بجنسها) ونوعها كغنم سائمة ستة أشهر مثلا بغنم كذلك (أو مثلها) مما هو مساويها في الحقيقة كالضأن بالضأن أو أخص من ذلك كالأنوثة والذكورة (على الأصح) الأشهر، بل المشهور، بل عن ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه إذا لم يقصد الفرار، بل في المفاتيح أن المخالف شاذ، ولعله كذلك، إذ لم نجده إلا للشيخ في المحكي عن مبسوطه فأوجب الزكاة بابدال النصاب الجامع للشرائط بالجامع لها، وربما ظهر من فخر المحققين وفاقه كما ستعرف، وقال في السرائر: إن إجماعنا على خلاف ما ذهب إليه فيه، ومع ذلك لم نجد له دليلا معتدا به عدا المرسل في محكي شرح الارشاد للفخر، وهو غير حجة، وأن من عاوض أربعين سائمة ستة أشهر بأربعين سائمة كذلك صدق عليه أنه ملك أربعين سائمة طول الحول، وهو واضح الضعف، ضرورة أن كلا منهما لم يحل عليه الحول، فلا ريب أن الأصح سقوط الزكاة لانقطاع الملك، وقولهم (عليهم السلام) في عدة

[ 102 ]

روايات (1): " كل مالا يحول عليه الحول عند ربه فلا شئ عليه ". وكيف كان فلا خلاف في غير ذلك حتى من الشيخ، قال فخر المحققين على ما حكي عنه في شرح الارشاد: " إذا عاوض النصاب بعد انعقاد الحول عليه مستجمعا للشرائط بغير جنسه وهو زكوي أيضا كما لو عاوض أربعين شاة بثلاثين بقرة مع وجود الشرائط في الاثنين انقطع الحول، وابتداء الحول الثاني من حين تملكه، وإن عاوضه بجنسه وقد انعقد عليه الحول أيضا مستجمعا للشرائط لم ينقطع الحول، بل بني على الحول الأول، وهو قول الشيخ أبي جعفر الطوسي قدس الله روحه للرواية (2) وإنما شرطنا في المعاوض عليه انعقاد الحول لأنه لو عاوض أربعين سائمة بأربعين معلوفة لم تجب الزكاة إجماعا، وكذا لو عاوض أربعين سائمة ستة أشهر بأربعين سائمة أربعة أشهر لم تجب الزكاة إجماعا، بل ينبغي أن تكون أربعين سائمة ستة أشهر بأربعين سائمة مدة ستة أشهر، ومتى اختل أحد الشروط لم تجب الزكاة إجماعا، وكذا لو عاوض نصابا من الذهب بنصاب منه وكان المأخوذ منه طفلا أو مجنونا لم تنعقد الزكاة إجماعا، لأنه لم ينعقد عليه حول إجماعا، وكذا لو عاوض ببعض النصاب " انتهى. (وقيل) والقائل المرتضى في المحكي من انتصاره والشيخ أيضا في المحكي من جمله وتهذيبه: (إذا فعل ذلك فرارا وجبت الزكاة، وقيل) والقائل المشهور نقلا وتحصيلا: (لا تجب، وهو الأظهر) لانقطاع الملك أيضا، وإطلاق الأدلة الشامل لصورتي الفرار وعدمه، وخصوص ما ورد في جواز الفرار من خبر علي بن يقطين (3) عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 والباب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 5 و 3 (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2

[ 103 ]

أبي إبراهيم (عليه السلام) وحسن عمر بن يزيد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) وحسن زرارة (2) وحسن هارون بن خارجة (3) وغير ذلك مما هو وارد في سبك الدراهم والدنانير الذي يدل على ما نحن فيه بطريق أولى، فلا ريب حينئذ في الحكم المذكور، خصوصا مع أنا لم نجد ما يشهد للقول الآخر سوى ما حكاه المرتضى من الاجماع المتبين خلافه، وموثقي محمد بن مسلم (4) وإسحاق بن عمار (5) وخبر معاوية بن عمار (6) الواردة في الحلي وإبدال الدراهم بالدنانير أو بالعكس، كالمحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (7) وهي مع أن خبرين منها في غير ما نحن فيه محمولة على الندب أو على الفرار بعد الحول أو على التقية أو غير ذلك مما تعرفه في محله إن شاء الله عند ذكر المصنف له في النقدين. (ولا تعد السخال) أي الأولاد مطلقا وإن كان السخل إسما لولد الغنم إلا أن المراد هنا مطلق الأولاد من الأصناف الثلاثة ولو تغليبا، وعلى كل حال لا تعد (مع الأمهات) إذا فرض كونها نصابا مستقلا عنها وغير مكملة لنصاب آخر إذا أضيفت إليها ولا كان زمان الملك فيها متحدا (بل لكل منهما حول بانفراده) بلا خلاف أجده، بل الاجماع في محكي الخلاف والمنتهى والانتصار وغيرها عليه، مضافا إلى ظهوره من النصوص السابقة في مسألة ابتداء حولها، ومن إطلاق الأدلة الشامل لذلك ولغيره من متفاوت الملك زمانا وإن لم يكن بالولادة، فلو ولدت خمس من الابل خمسا أو أربعون من البقر أربعين أو ثلاثين التي هي نصاب قبل الأربعين فكذا بعدها كان لكل حول


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 - 5 - 4 - 7 - 6 (5) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 3 (7) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1

[ 104 ]

بانفراده يؤدي فريضته، وكذا لو ملك ذلك في الزمان المختلف، ضرورة عدم الفرق بين تجدد الملك بالولادة وغيرها، ولا ينافي ذلك قول الصادق (عليه السلام) في خبر محمد بن قيس (1) في الغنم: " ويعد صغيرها وكبيرها " ضرورة إمكان كون المراد عد كل منهما مستقلا بعد بلوغ النصاب في كل منهما وحول الحول أو غير ذلك مما لا ينافي ما تقدم. أما إذا لم تكن نصابا مستقلا ولا مكملة لنصاب فلا شئ فيها قطعا، للأصل وظاهر النصوص، ولعل من ذلك ما إذا ولدت له أربعون من الغنم أربعين، لعدم كون الأربعين بعد الأربعين نصابا مستقلا ولا مكملة لنصاب آخر، لأن الثمانين من الغنم ليست نصابا كما عرفت، فليس فيها حينئذ إلا شاة وفاقا للفاضل في منتهاه وتذكرته وقواعده وتحريره ونهايته وثاني الشهيدين وسيد المدارك وغيرهم على ما حكي عن بعضهم وربما قبل بوجوب شاة لها أيضا، واحتمله في محكي المعتبر وجعله في الدروس وجها لقوله (عليه السلام) (2): " في كل أربعين شاة " ولأنه نصاب كامل وجبت الزكاة فيه مع الانفراد فكذا مع الانضمام، وفيه أن المراد من الأول النصاب المبتدأ، أذ لو ملك ثمانين دفعة لم تجب عليه شاتان إجماعا، وأن الفرق واضح بين صورتي الانضمام والانفراد، فلا يقاس أحدهما على الآخر، خصوصا بعد قوله (عليه السلام) (3): " ليس في الغنم بعد الأربعين شئ حتى تبلغ مائة وأحد وعشرين " الشامل لما نحن فيه. أما إذا لم تكن نصابا مستقلا ولكن كانت مكملة للنصاب الآخر للأمهات كما لو ولدت ثلاثون من البقر أحد عشر أو ثمانون من الغنم اثنين وأربعين أو ملكها كذلك


(1) الاستبصار ج 2 ص 23 الرقم 67 طبع النجف (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 الجواهر - 13

[ 105 ]

بغير الولادة ففي سقوط اعتبار الأول وصيرورة الجميع نصابا واحدا أو وجوب زكاة كل منهما عند انتهاء حوله، فيخرج عند انتهاء حول الأول تبيع أو شاة، وعند مضي سنة من تلك شاتان أو مسنة، أو يجب فريضة الأول عند حوله، فإذا جاء حول الزيادة لوحظ ما يخصها من فريضة نصاب المجموع، فإذا جاء الحول الثاني للأمهات أخرج ما نقص من تلك الفريضة وهكذا، فيخرج في مثال البقر في الحول الأول للأمهات تبيع، وللعشر عند حولها ربع مسنة، فإذا جاء الحول الآخر للأمهات يخرج ثلاثة أرباع مسنة، ويبقى هكذا دائما، أو عدم ابتداء حول الزائد حتى ينتهي الحول الأول ثم استئناف حول واحد للجميع أوجه، أوجهها الأخير وفاقا للفخر والشهيدين وأبي العباس والمقداد والكركي والصيمري وسيد المدارك والخراساني والفاضل البهبهاني والأستاذ في كشفه والمولى في الرياض والمحدث البحراني على ما حكي عن بعضهم، لوجوب إخراج زكاة الأول عند تمام حوله، لوجود المقتضي، وهو اندراجه في الأدلة، وانتفاء المانع ومتى وجب إخراج زكاته منفردا امتنع اعتباره منضما إلى غيره في ذلك الحول، للأصل، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (1): " لا ثنى في صدقة " وقول أبي جعفر عليه السلام (2): " لا يزكى المال من وجهين في عام واحد " ولظهور أدلة النصاب المتأخر في غير المفروض. ومنه يعلم أنه لا وجه للقول بتوزيع الفريضة حينئذ فرارا من تثنية الصدقة، وإلى أكثر ذلك يرجع ما في الروضة وغيرها وإن كانت العبارة لا تخلو من قصور، قال: " أما لو كان غير مستقل ففي ابتداء حوله مطلقا أو مع إكماله للنصاب الذي بعده أو عدم ابتداء حوله حتى يكمل الأول فيجزي الثاني لهما أوجه، أوجهها الأخير، فلو كان


(1) نهاية ابن الأثير مادة " ثني " و " ثنى " على وزن " إلى " (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 عن أبى عبد الله عليه السلام وهو الصحيح كما يأتي في المسألة الثانية من أحكام مال التجارة

[ 106 ]

عنده أربعون شاة فولدت أربعين لم يجب فيها شئ أي على الأخيرين، وعلى الأول فشاة، أو ثمانون فولدت اثنين وأربعين فشاة للأولى خاصة ثم يستأنف حول الجميع بعد تمام الأول، وعلى الأولين تجب أخرى عند تمام حول الثانية " فان أقصى ما يمكن أن يقال فيها: إن المراد بغير المستقل ما ليس بنصاب في حالي الانضمام وعدمه، ليشمل ما لو كان نصابا في حال الانفراد، فيتجه حينئذ تمثيله بالأربعين الوالدة أربعين، فان السخال ليست نصابا مستقلا في حالة الانضمام ولا مكملة للنصاب الآخر للأمهات، فليس فيها شئ على الأخيرين، وفيها شاة على الأول الذي ابتدئ الحول له مطلقا مع كونه نصابا ولو في حال الانفراد، ويكون حينئذ ذلك إشارة إلى ما سمعته من محتمل المعتبر والدروس وغيرهما، والوجه الثاني أنه لا يبتدأ له حول إلا إذا كان مكملا للنصاب الذي بعده، فيلغى حينئذ ما مضى للأمهات، ويحسب النصاب الأخير من حين الولادة والوجه الثالث أنه لا يبتدأ له حول حتى يكمل حول الأمهات ثم يستأنف حول للجميع إلا أن مقتضى ذلك إعطاء شاتين على الوجه الثاني لا شاة واحدة، كما هو الظاهر، أللهم إلا أن يريد احتساب حول للأمهات ويعطى زكاته، ثم إذا تم حول الزيادة يعطى زكاة النصاب الثاني لكن لا تعطى تامة فرارا من تثنية الصدقة، ولأن بعض النصاب مزكى، فيعطى شاة واحدة تكون هي مع ما مضى من شاة الأمهات تمام فريضة النصاب الثاني، فتأمل جيدا، ومن ذلك كله يظهر لك قصور العبارة وعدم حسن التأدية، بل لا تخلو من نظر، ولذا اعترضها غير واحد من المحشين، وتكلف لها الفاضل الهندي بما يعلم عدم دلالة العبارة عليه، بل وعدم إرادة المصنف له، فلاحظ وتدبر، والأمر سهل بعد وضوح الحال لديك. ولو كانت الزيادة مع كونها مكملة للنصاب مشتملة على نصاب مستقل كما لو ملك عشرين من الابل ثم في أثناء الحول ملك سبعة أخرى بالولادة أو بغيرها فيحتمل أن

[ 107 ]

يكون أبدا في العشرين أربع شياه وفي الست شاة، ويحتمل أن يسقط حكم العشرين من حين ملك الست فلا يجب حينئذ إلا بنت مخاض إذا حال حول السبع (الست خ ل) ويحتمل أن يكون الواجب أولا في العشرين أربع شياه وفي السبع ستة أجزاء من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض، ثم يجب في المجموع بنت مخاض ولكن بالتوزيع بأن يكون إذا كمل حول العشرين وجب عشرون جزء من بنت مخاض، وإذا تم حول الست وجب ستة أجزاء منها، ويحتمل أن يكون الواجب إذا تم حول العشرين أربع شياه ثم إذا تم حول الست بنت مخاض إلا ما وقع بازائه من الأربع شياه في الجزء من الحول الأول الذي ملك فيه الثاني، مثلا إذا ملك الست في منتصف الحول فالعشرون في النصف الأول من الحول أربعة نصب، وفي النصف الثاني جزء من النصاب السادس، فإذا تم الحول الأول أدي أربع شياه، فإذا تم حول الست ظهر أن نصف الأربع شياه للنصب الأربعة والنصف الآخر للنصاب السادس، فهو بازاء نصف ما يتوزع عليها من أجزاء بنت مخاض، وهي العشرون، فشاتان بازاء عشرة أجزاء من ستة وعشرين جزء من بنت مخاض، ولكن الأقوى الأول الذي هو مقتضى إطلاق الأصحاب أن لها حولا بانفرادها إذا كانت نصابا مستقلا، وكذا الكلام فيمن ملك خمسا أولا ثم ملك عشرين. ومنه يعلم ما في المحكي عن المنتهى " من أنه لو ملك أربعين شاة ستة أشهر مثلا ثم ملك تمام النصاب الثاني وزيادة واحدة مثلا وجب عليه عند تمام حول الأولى شاة، وهل يحصل ابتداء انضمام النصاب الأول إلى النصاب الثاني عند ملك الثاني أو عند أخذ الزكاة من الأول ؟ الأقرب الأول، لأنه يصدق عليه وقت ابتداء الملك أنه ملك مائة وإحدى وعشرين، فحينئذ إذا مضت سنة من ابتداء ملك الزيادة وجبت عليه شاتان فيجب عليه في سنة ونصف ثلاث شياه، إلا أنه يبقى فيه إشكال من حيث أن النصاب

[ 108 ]

الأول أخرج عنه الزكاة منفردة فلا يجوز اعتباره منضما مع الغير في ذلك الحول، ولو قيل بسقوط حكم اعتبار النصاب الأول عند ابتداء ملك تمام النصاب وصيرورة الجميع نصابا واحدا كان حسنا، أما لو ملك تمام النصاب الثاني بغير زيادة - مثلا ملك إحدى وثمانين بعد مضي ستة أشهر على أربعين - لم يجب عليه عند تمام سنة الزيادة شئ، لنقصان النصاب عند استحقاق الفقراء من الأربعين " ونحوه عن التحرير أيضا، وفي شرح الفاضل الاصبهاني " أنه لو أوجب عند تمام الأول شاة وعند تمام الثاني شاة ونصفا لم يلزم ضرر على المالك أو المستحق ". قلت: لا تساعد عليه الأدلة، كما أنها لا تساعد على ما ذكره من الأقرب، ضرورة صدق ملك الأربعين حولا عليه في أثناء حول الزيادة، فالمتجه ملاحظة حول لكل منهما، قال في الدروس: ولو ملك مالا آخر في أثناء الحول من جنس ما عنده فان كان نصابا مستقلا كخمس من الابل بعد خمس وكأربعين بقرة وعنده ثلاثون أو مائة وأحد وعشرين من الغنم وعنده أربعون فلكل حول بانفراده، ولو كان غير مستقل كالأشناق استأنف الحول للجميع عند تمام الحول الأول على الأصح، ولو ملك إحدى وعشرين بعد خمس فالشاة بحالها، وكذلك إلى خمس وعشرين، ولو ملك ستا وعشرين جديدة ففيها بنت مخاض عند تمام حولها وفي أربعين من الغنم بعد أربعين وثلاثين من البقر بعد ثلاثين وجه بالوجوب، وقيل: لو ملك بعد الأربعين إحدى وثمانين فلكل حول، ورد بثلم النصاب بمستحق المساكين، فاشترط زيادة واحدة، وهو سهو ولو قلنا بأن الزكاة في الذمة على القول النادر، قلت: مثله يرد على ما في القواعد أيضا حيث قال: " ولو ملك خمسا من الابل نصف حول ثم ملك أخرى ففي كل واحدة عند كمال حولها شاة، ولو تغير الفرض بالثاني بأن ملك إحدى وعشرين فالشاة عند تمام حول نصابها، وأحد وعشرون جزء من ستة وعشرين جزء من بنت مخاض عند

[ 109 ]

حول الزيادة، ولو ملك ثلاثين بقرة وعشرا بعد ستة أشهر فعند تمام حول الثلاثين تبيع أو تبيعة، وعند تمام حول العشر ربع مسنة، فإذا تم حول آخر على الثلاثين فعليه ثلاثة أرباع مسنة، فإذا حال الآخر على العشر فعليه ربع مسنة وهكذا، ويحتمل التبيع وربع المسنة دائما، وابتداء حول الأربعين عند تمام حول الثلاثين " وعن فخر المحققين أنه قال: " لما سألت والدي عن ذلك وأنه لا تتحقق هذه المسائل على القول بأن الزكاة في العين لحصول النقص بما يخرج أولا من النصاب قال: إنه يمكن تأويلها على قول الشيخ بتقديم الزكاة معجلة، ولا ينقص بها النصاب " والأمر في ذلك كله سهل كسهولة معرفة الحال فيما سمعت من الفروع بعد الاحاطة بما ذكرنا، بل وغيرها من الفروع المذكورة في التذكرة والنهاية والمنتهى والتحرير والبيان وشرح اللمعة للاصبهاني وإن أطنبوا فيها وفي ذكر الوجوه المبنية على توزيع الفريضة وغيرها مما لم تساعد عليه الأدلة، فلاحظ وتأمل وتدبر، والله أعلم. (ولو حال الحول فتلف من النصاب شئ فان فرط المالك) ولو بتأخير الأداء مع التمكن منه من دون مسوغ شرعي (ضمن، وإن لم يكن فرط سقط من الفريضة بنسبة التالف من النصاب) بلا خلاف ولا إشكال في ذلك كله، ضرورة كونه بعد حول الحول، وفرض الزكاة في العين أمانة في يده، فيجرى عليه حكمها حينئذ، ولو تلف النصاب كله لم يكن عليه شئ مع عدم التفريط، وهو المراد من المرسل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يكون له إبل أو بقر أو غنم أو متاع فيحول عليه الحول فتموت الابل والبقر والغنم ويحترق المتاع قال: ليس عليه شئ " بل لعل الظاهر من الفاء فيه وقوع ذلك بعد حول الحول بلا فصل يعتد به، فلا تأخير فيه للأداء.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2

[ 110 ]

(وإذا ارتد المسلم) عن فطرة (قبل الحول لم تجب الزكاة) لانقطاع الملك (واستأنف ورثته الحول) لانتقال المال إليهم، إذ الردة كالموت في ذلك (وإن كان) الارتداد (بعده وجبت) الزكاة لوجود المقتضي وارتفاع المانع، وتولى إخراجها الامام أو القائم مقامه (وإن لم يكن عن فطرة لم ينقطع الحول) لبقاء الملك (ووجبت الزكاة عند تمام الحول مادام باقيا) لأنه مكلف، والمنع من التصرف في المال بتقصير منه، مع أنه متمكن منه بالاسلام، ويتولى إخراجها الامام أو من يقوم مقامه، لعدم صحتها منه وإن كان مكلفا بها، كما هو واضح، لكن عن المبسوط " أنه إن كان قد أسلم عن كفر ثم ارتد ولحق بدار الحرب ولا يقدر عليه زال ملكه وانتقل المال إلى ورثته إن كان له ورثة، وإلا فالى بيت المال، فان كان حال عليه الحول أخذ منه الزكاة، وإن لم يحل لم يجب عليه شئ " وربما ظهر من بعضهم التردد فيه، بل وافقه الفاضل في المحكي عن منتهاه وتحريره، والصيمري في كشفه، وهو مع مخالفته للأصل لم نجد له شاهدا يعتد به، بل الشواهد على خلافه، ولتحرير المسألة مقام آخر، وعلى كل حال يتولى الاخراج عنه الامام عليه السلام أو نائبه، لعدم صحتها منه، ولو عاد إلى الاسلام كان المأخوذ مجزيا، بخلاف ما إذا أداها بنفسه، ولو كانت العين باقية أو كان القابض عالما بالحال جدد النية وأجزأت حينئذ، هذا كله في الرجل، أما المرأة فلا ينقطع الحول بردتها مطلقا، لعدم انقطاع ملكها بذلك كما هو معلوم في محله، والله أعلم. (الشرط الرابع أن لا تكون عوامل) ولو في بعض الحول (فانه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) المعتبرة دالة عليه أيضا، فما في الموثقين (2) والخبر (3) من أن عليها زكاة مطرح أو محمول على الندب أو التقية أو على إرادة العارية من الزكاة فيها، والكلام


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 0 - 7 - 8

[ 111 ]

في صدق العوامل كالكلام في السائمة حتى أن خلاف الشيخ هناك يأتي مثله هنا، فلا حظ وتأمل، وظاهر المصنف وغيره بل هو صريح جماعة عدم اعتبار أمر آخر غير ذلك، خلافا للمحكي عن سلار فاعتبر الأنوثة، وهو متروك كما اعترف به في الدروس، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه فضلا عن ظاهر النصوص، مع أنا لم نجد له شاهدا معتدا به، وما يقال: إن قوله (عليه السلام) (1): " في خمس من الابل شاة " يشهد باعتبار تذكير العدد يدفعه - مع أنه في الابل خاصة ولا يتم في العشرين والأربعين ونحوهما - ما صرح به في بعض كتب اللغة كما قيل من أن الابل شامل للمذكر والمؤنث وإن جرى عليه حكم التأنيث كغيره من الألفاظ التي يستوي فيها التذكير والتأنيث، والله أعلم. (وأما الفريضة) فقد تقدم ذكرها في الغنم، وأما في غيرها (فيقف بيانها على مقاصد، الأول الفريضة في الابل شاة في كل خمسة حتى تبلغ خمسا وعشرين، فإذا زادت واحدة كان فيها بنت مخاض) وقد سمعت خلاف القديمين في ذلك وضعفه (فإذا زادت عشرا كان فيها بنت لبون، فإذا زادت عشرا أخرى كان فيها حقة، فإذا زادت خمس عشرة كان فيها جذعة، فإذا زادت خمس عشرة أخرى كان فيها بنتا لبون، فإذا زادت خمس عشرة أيضا كان فيها حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين طرح ذلك وكان في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون) كما نطق بذلك كله صحيح البجلي (2) عن الصادق (عليه السلام) وخبر أبي بصير (3) عنه (عليه السلام) أيضا وصحيح زرارة (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) وموثقه (5) الآخر عنه وعن


(1) و (2) و (3) و (4) (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام الحديث 0 - 4 - 2 - 1 - 3

[ 112 ]

أبي عبد الله (عليهما السلام) لكن اقتصر في الأولين وفي الأخير (1) على قوله عليه السلام: " في كل خمسين حقة " وزاد في الأخيرين " في كل أربعين بنت لبون " ومن الجميع يستفاد في الجملة خلاف ما صرح به جماعة منهم المحقق الثاني والشهيد الثاني والشيخ وابنا إدريس وحمزة والفاضل وأبو العباس والميسي والقطيفي والصيمري وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل في شرح اللمعة للاصبهاني أنه صرح به الأصحاب من غير نقل خلاف وفي محكي الخلاف نسبة المثال المنطبق على ذلك إلى اقتضاء المذهب، وعن السرائر بعد أن حكى عن الخلاف ذلك قال: هذا هو الصحيح المتفق عليه المجمع، لكن قد عرفت اقتضاء النصوص خلاف ذلك في الجملة من وجوب مراعاة المطابق منهما حتى لو كان الجمع بينهما هو المطابق حسب بهما معا كالمائة والأربعين، ولو حصلت المطابقة بكل منهما تخير، وإلا وجب اعتبار أكثرهما استيعابا مراعاة لحق الفقراء، فيجب الحساب حينئذ بالأربعين في المائة والواحد والعشرين، والمائة وخمس وستين، ويتخير في الأربعمائة بين حسابها جميعا بخمسين خمسين، فيخرج ثمان حقائق، وأربعين أربعين فيخرج عشر بنات لبون، وبين حساب مائتين بالأول ومائتين بالثاني، فيخرج أربع حقائق وخمس بنات لبون، ضرورة تطابق الجميع على جواز حساب المائة وأحد وعشرين بكل خمسين، مع أن احتسابها بالأربعين هو الأقل عفوا، لعدم زيادة غير الواحدة فيه، بخلاف الأول الذي يزيد فيه تمام الواحد وعشرين، فكأن ذلك منهم كالاجتهاد في مقابلة النص المبني على حكمة لا نعرفها، ولعل التفاوت في السن بين الحقائق وبنات اللبون يقوم مقام التعدد في الأخير، فالحقتان مثلا يقومان مقام ثلاث بنات لبون. ولعلهم أخذوا ذلك من صحيح الفضلاء (2) الوارد في البقر عن الصادقين


(1) هكذا في النسخة الأصلية والصحيح إسقاط لفظ " وفى الأخير " (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 الجواهر - 14

[ 113 ]

(عليهما السلام) " قالا: في كل ثلاثين بقرة تبيع حولي، وليس في أقل من ذلك شئ وفي أربعين بقرة بقرة مسنة، وليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين شئ حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، وليس فيما بين الأربعين إلى الستين شئ، فإذا بلغت الستين ففيها تبيعان إلى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيها تبيع ومسنة إلى الثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففي كل أربعين مسنة إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبيعات حوليات، فإذا بلغت عشرين ومائة ففي كل أربعين مسنة " بل قيل: لا خلاف في ذلك في البقر، ومنها استفادوا أن النصاب فيها ثلاثون وأربعون باعتبار حساب ما فرضه المعلوم إرادة المثال منه بذلك، وقد لاحظ فيه المطابقة حتى في صورة الجمع بينهما كالسبعين، وعدم تعرضه لحساب المائة بالأربعين والستين غير مناف، إذ لا يجب الاستقصاء في الأمثلة، كما أن اقتصاره على الأربعين في الأخير كذلك بعدما تكرر من الاحتساب بالثلاثين في المطابق له، فرجع الحاصل منه إلى أن النصاب في البقر كل ثلاثين وكل أربعين كما هو معقد إجماع محكي الخلاف والتذكرة على التخيير، لكن هذا الصحيح - مع اشتماله على كثير مما لا نقول به، وهو وارد في البقر - يمكن أن يكون المراد منه بيان المثال لا تعين ذلك ووجوبه، على أنه في خصوص المطابق، ولا دلالة فيه على وجوب مراعاة الأقل عفوا، بل تلك النصوص في الابل صريحة في خلافه، فلعل المتجه في الاقتصار على المستفاد من مجموع ما ورد في البقر والابل مراعاة المطابقة خاصة دون الأقل عفوا، لكن على كل حال هو خلاف إطلاق جماعة من الأصحاب التخيير، بل هو صريح البعض، بل عن فوائد القواعد والرياض نسبة التخيير مطلقا إلى ظاهر الأصحاب وإن كان فيه ما لا يخفى بعد ما عرفت سابقا. بل ربما استفيد ممن عقب إطلاقه كالمصنف بقوله: (ولو أمكن في عدد فرض كل واحد من الأمرين كان المالك بالخيار في إخراج أيهما شاء) اختيار القول الأول

[ 114 ]

بأعتبار ظهوره في اختصاص التخيير بذلك، بخلاف ما إذا كان المطابق أحدهما خاصة، نعم لا دلالة فيه على اعتبار الأقل عفوا إذا كان كل منهما غير مطابق، بل لعل المصرح بذلك قليل، فيمكن أن يقال باعتبار المطابق منهما ولو مجموعهما، ويتخير مع مطابقتهما معا وعدم مطابقتهما معا، لكن لا ريب أن الأولى تحري الأقل عفوا، بل قد يقال بتعينه في المائتين وستين مثلا، فيحسب ما فوق المائتين بالخمسين فيعطى حقة، وإلا لزم اقتضاء زيادة العشر على الخمسين نقصانا في الحق لو حسب بالأربعين وأعطي بنت لبون لوجوب الحقة قبلها، وكيف كان فالتخيير حيث يكون للمالك كما صرح به جماعة - بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، بل عن التذكرة الاجماع عليه، ولعله المنساق من الأدلة فضلا عن تحقق الامتثال بأحدهما فلا تسلط لغير المالك عليه، وفضلا عما ورد من النصوص في آداب المصدق، خلافا للمحكي عن الخلاف والمبسوط فقال: " يتخير الساعي " ولا دليل عليه، بل ظاهر الدليل خلافه، بل ربما احتمل من احتجاج الأول منهما موافقته للمشهور، فلا حظ وتأمل، هذا كله في الابل. (وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة) لصحيح الفضلاء (1) المتقدم وإن كان غير مشتمل على التخيير بين التبيع والتبيعة إلا أنه رواه في المعتبر كذلك، قال: ومن طريق الأصحاب ما رواه (2) زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير والفضيل عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قال: " في البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وليس في أقل من ذلك شئ حتى تبلغ ستين، ففيها تبيعان أو تبيعتان، ثم في سبعين تبيع أو تبيعة ومسنة وفي تسعين ثلاث تبايع " ولعله عثر عليه فيما عنده من الأصول كذلك كما هو مظنة ذلك، بل أرسل في الخلاف أخبارا بذلك


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (2) المعتبر ص 260 مع نقصان في الجواهر

[ 115 ]

على أنه في الصحيح المزبور (1) على ما رواه الكليني والشيخ في المرتبة الرابعة، قال: " فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبيعات حوليات " مضافا إلى دعوى أولوية التبيعة من التبيع، لكونها أكثر نفعا، بل عن المنتهى لا خلاف في إجزاء التبيعة عن الثلاثين للأحاديث (2) ولأنها أفضل بالدر والنسل، بل لعل ظاهر الغنية والتذكرة والمنتهى والمدارك والمفاتيح الاجماع على ذلك على ما حكي عن بعضها، بل كاد يكون صريحها أو بعضها مؤيدا ذلك كله بالشهرة المحكية في المختلف وغيره، بل والمحصلة، بل لم نجد مخالفا صريحا، إذ لعل اقتصار ابن أبي عقيل والصدوقين والمفيد في كتاب الأشراف فيما حكي على التبيع اعتمادا على الأولوية المزبورة، وإن كان تنقيحها على وجه تجزي على أنها فريضة لا على وجه القيمة لا يخلو من نظر. ومنه يعلم وجه الاشكال في إجزاء المسنة عنها وإن ادعى الاجماع عليه بعضهم، نعم قد يقال: إن الصدوق في الفقيه والمقنع وإن اقتصر في الثلاثين على ذكر التبيع الحولي لكن في الستين قال: تبيعتان، وفي السبعين تبيعة ومسنة، وفي التسعين ثلاث تبايع، وماذاك إلا لعدم الفرق بينهما عنده، كل ذلك مع ما قيل من أن التبيع لغة ولد البقر ذكرا كان أو أنثى، بل ربما كان ذلك ظاهر ابن الأثير في نهايته، وكيف كان فلا ينبغي التأمل في التخيير المذكور، نعم تتعين المسنة في الأربعين، ولا يجزي المسن منها قطعا، للأصل والصحيح المذكور ومحكي الاجماع وغير ذلك، ومقتضى إطلاق النص والفتوى عدم الفرق في ذلك بين كون البقر الذي عنده ذكورا أو أناثا أو مختلطة خلافا للمحكي عن المنتهى فاجتزى بالمسن إذا لم يكن عنده إلا ذكورا معللا له بأن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة والباب 3 من أبواب زكاة الأنعام

[ 116 ]

الزكاة مواساة، فلا يكلف غير ما عنده، وهو مع أنه اجتهاد في مقابلة النص يقتضي إجزاءه في غير الفرض إذ لم يكن عنده مسنة، وهو معلوم البطلان كما لا يخفى، وكذا لا يجزى التبيعان أو التبيعتان عنها إلا على وجه القيمة، كما أنها هي لا تجزي عن التبيع أو التبيعة إلا على هذا الوجه، ولعله ينزل عليه ما عن التحرير والمنتهى من الاجماع على إجزائها عن أحدهما. بقي الكلام في شئ وهو أنه حيث يكون الخيار للمالك في الفريضة ولو باعتبار الخيار في الحساب ما الذي يثبت للفقير في العين بناء على أن الزكاة فيها قبل حصول الاختيار منه، إذ ملك أحدهما لا على التعيين في الأعيان الخارجية غير معهود بل غير معقول، ودعوى أن المملوك معين في علم الله تعالى، لأنه يعلم بما يختاره يدفعها أنه قد لا يختار، أللهم إلا أن يقال: إن الله يعلم مختاره لو اختار، لكنه كما ترى، ولعل الأولى التزام أحد أمرين إما أن الزكاة غير جارية على حكم الأملاك المعرروفة كما يؤيده ما سمعته سابقا منهم من إشاعة الفريضة في النصاب دون العفو، وإما القول بأن الفريضة في نظر الشارع بقيمة واحدة، فالتبيع والتبيعة سواء، وكذا الحقتان مثلا مع بنات اللبون الثلاثة، فان التعدد يقوم مقام التفاوت في السن، فالذي يتعلق بالمال حينئذ ما يقابل أحدهما، فلا إبهام ولا ترديد حينئذ، فتأمل جيدا، فانه دقيق، والله أعلم. المقصد (الثاني في الأبدال، من وجبت عليه بنت مخاض وليست عنده أجزأه ابن لبون ذكر) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل عن التذكرة أنه موضع وفاق، وفي خبري زرارة (1) وخبر أبي بصير (2) واللفظ لأحد الأولين " فان لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر " بل في القواعد وغيرها الأجتزاء به اختيارا، بل في


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 و 3 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2

[ 117 ]

التنقيح الفتوى على الاجزاء مطلقا اختيارا واضطرارا، وعن إيضاح النافع أنه المشهور وعن الغنية " عندنا أن بنت المخاص يساويها في القيمة ابن اللبون الذكر " خلافا لظاهر جماعة وصريح أخرى فلا يجزي إلا إذا لم يكن عنده بنت مخاض " لكن الأول لا يخلو من قوة، لقيام علو السن مقام الأنوثة، ولذا لم يكن فيه جبران إجماعا كما عن التذكرة بخلاف دفع بنت اللبون، وبه صرح في الخبر الآتي (1) ولا نسياق عدم إرادة الشرط حقيقة من عبارة النص، وإلا لاقتضى عدم إجزائها عنه إذا لم تكن موجودة حال الوجوب وإن وجدت بعده، بناء على أن الشرط عدم كونها عنده حينه لا حال الأداء مع معلوميته، بل صرح في المدارك بتعين إخراجها حينئذ. بل لعل قولهم - عدا النادر بل قيل: إن ظاهر الفاضلين كونه موضع وفاق -: (ولو لم يكونا عنده كان مخيرا في ابتياع أيهما شاء) مما يرشد إلى التخيير في الفرض، ضرورة أن المتجه على تقدير كون الشرط حقيقة وجوب شرائها لاطلاق دليل الالزام بها، ولم يخرج منه إلا صورة عدم وجودها عنده ووجود ابن اللبون كما هو المنساق من النص، بل صرح به فيما تسمعه من صحيح زرارة (2) وخبر سبيع (3) فيبقى حينئذ ما عداها مندرجا تحت الاطلاق، بل لو سلم عدم شمول النص لهذه الصورة أيضا كان المتجه أيضا وجوبها مقدمة لحصول يقين البراءة، ولعله لذا عين شراءها في البيان، ومال إليه في مجمع البرهان كما قيل، وما يقال في توجيه إجزائه عنها في الفرض من أنه بشرائه يصير واجدا له فاقدا لها - نعم لو اشتراها تعينت ما لم يسبق إخراجه على شرائها - يدفعه أن البحث في الواجب عليه قبل شرائه ماذا، كما هو واضح.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 - 1 (3) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 عن محمد بن مقرن ابن عبد الله بن زمعة بن سبيع عن أبيه عن جده عن جد أبيه

[ 118 ]

(و) كيف كان (من وجبت عليه سن) من الابل (وليست عنده وعنده أعلى منها بسن دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهما، وإن كان ما عنده أخفض بسن دفع معها شاتين أو عشرين درهما) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل في الغنية والمنتهى والتذكرة ومجمع البرهان والمدارك والمفاتيح والذخيرة والحدائق الاجماع عليه، وفي خبر سبيع (1) عن أبيه عن جده عن جد أبيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) " كتب له في كتابه الذي كتب بخطه حين بعثه على الصدقات من بلغت عنده من الابل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقة فانه يقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده جذعة فانه يقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته حقة وليست عنده حقة وعنده ابنة لبون فانه يقبل منه ابنة لبون وتعطى معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده حقة فانه يقبل منه الحقة ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون وليست عنده ابنة لبون وعنده ابنة مخاض فانه يقبل منه ابنة مخاض ويعطى معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة مخاض وليست عنده ابنة مخاض وعنده ابنة لبون فانه يقبل منه ابنة لبون ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، فمن لم يكن عنده ابنة محاض على وجهها وعنده ابن لبون ذكر فانه يقبل منه ابن لبون وليس معه شئ " الحديث. ومثله روى زرارة في الصحيح (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث زكاة


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 عن محمد بن مقرن ابن عبد الله بن زمعة بن سبيع عن أبيه عن جده عن جد أبيه (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 119 ]

الابل، قال: " وكل من وجبت عليه جذعة ولم تكن عنده وكانت عنده حقة دفعها ودفع معها شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه حقة ولم تكن عنده وكان عنده جذعة دفعها وأخذ من المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه حقة ولم تكن عنده وكانت عنده ابنة لبون دفعها ودفع معها شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون ولم تكن عنده وكانت عنده حقة دفعها وأعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون ولم تكن عنده وكانت عنده ابنة مخاض دفعها وأعطى معها شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة مخاض ولم تكن عنده وكانت عنده ابنة لبون دفعها وأعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما، ومن وجبت عليه ابنة مخاض ولم تكن عنده وكان عنده ابن لبون ذكر فانه يقبل منه ابن لبون وليس يدفع معه شيئا " فما عن الصدوقين والجعفي - من أن التفاوت بين بنت المخاض واللبون شاة يأخذها المصدق أو يدفعها مع أنه نادر كما قيل - مخالف لجميع ما عرفت بلا شاهد نعم قد يقوى ما في التذكرة والمسالك ومحكي الميسية من جواز الاكتفاء بشاة وعشرة دراهم، حملا لما في الخبرين المزبورين على المثال، وإلا كان جمودا مستهجنا. ثم إن ظاهر النص والفتوى عدم اختصاص الحكم المزبور بما إذا كان القابض الساعي أو الامام عليه السلام دون الفقير والفقيه، لكن عن الموجز وكشفه ذلك، لأنه نوع معاوضة فتتوقف على الوالي، وفيه - مع أن الفقيه كذلك - منع كونه معاوضة موقوفة على ذلك، بل هي حكم شرعي (و) لذلك كان (الخيار في ذلك إليه لا إلى العامل) كما نسبه في الحدائق إلى الأصحاب، فإذا دفع الناقص مع الجبر فقد دفع ما وجب عليه كالقيمة، وصرح غير واحد أيضا بأن الحكم كذلك (سواء كانت القيمة السوقية مساوية لذلك أو ناقصة عنه أو زائدة عليه) بل لا أجد فيه خلافا، لاطلاق الدليل، نعم استشكل الفاضل والكركي وثاني الشهيدين وسبطه وبعض من تأخر فيما إذا نقصت

[ 120 ]

قيمة المدفوع من المالك عن الشاتين والعشرين درهما أو ساوته من إطلاق النص، ومن أنه كأنه لم يؤد شيئا، بل استوجه سيد المدارك والبهبهاني في شرحه عدم الاجزاء، حملا للرواية على ما هو المتعارف والغالب في ذلك الزمان، وفيه أن مقتضى ذلك مراعاة القيمة وقت الدفع، فان ساوت قيمة الواجب أجزأ وإن نقصت أتمها بما يكملها زادت التكملة على الشاتين أو العشرين درهما أو نقصت، وإن زادت أخذ التفاوت كذلك، وهو كما ترى مخالف لظاهر النص والفتوى، والمتجه اعتبار ذلك على حسب هذا التقدير الشرعي الذي مبناه بحسب الظاهر ملاحظة الحال في ذلك الزمان، فلا عبرة بالتفاوت في غيره زيادة ونقصا، فلو فرض كون الأدنى سنا أزيد قيمة من الواجب أو مساويا لم يكن للمالك دفعها بلا جبر، للنص، ومن ذلك وما تقدم يعلم أنه ليس على حسب المعاوضات المعتبر فيها التراضي ونحوه، نعم لو أراد المالك عوض المقدر شرعا أو أزيد منه اعتبر التراضي حينئذ بينه وبين الامام عليه السلام أو وكيله العام أو الخاص أو الفقير، هذا. وفي المسالك إن كان المالك هو الدافع أوقع النية على المجموع، وإن كان الآخذ ففي محل النية إشكال، ثم استقرب إيقاع النية على المجموع واشتراط المالك على الساعي أو الفقير ما يجبر به الزيادة، فيكون نية وشرطا لا نية بشرط، قلت: كأن الاشكال لأن إيقاع النية على ما عدا الجابر يشكل باحتمال نقص المدفوع عن الجابر أو مساواته له، فلا يبقى شئ، وجعل التراضي على جزء ما من المدفوع مقابل للجابر وإيقاع النية على ما عداه يشكل بعدم لزوم التراضي، فليس حينئذ إلا الطريق المزبور، فتأمل جيدا. (ولو تفاوتت الأسنان بأزيد من درجة واحدة لم يتضاعف التقدير الشرعي ورجع في التقاص إلى القيمة السوقية على الأظهر) الأشهر، بل المشهور نقلا وتحصيلا بل في المدارك أنه قطع به في المعتبر من غير نقل خلاف اقتصارا فيما خالف الضوابط الجواهر - 15

[ 121 ]

من وجوه على المتيقن نصا وفتوى، خلافا للمحكي عن النقي والجعفي والمبسوط والغنية والتذكرة والمختلف، بل في الغنية الاجماع عليه، لكن علله بأن أصحابنا لا يختلفون في جواز أخذ القيمة في الزكاة، فلعله غير مخالف، بل قيل: إن عبارة المبسوط يلوح منها ذلك، فينحصر الخلاف حينئذ في الثلاثة ويكون نادرا. مع أنا لم نقف له على شاهد سوى ما قيل من أن بنت المخاض مع الجبر مساوية لبنت اللبون، وهي مع الجبر مساوية للحقة، فبنت المخاض مع الجبرين مساوية للحقة، لأن المساوي للمساوي مساو والمقدمات الثلاثة قطعية، فلا يكون قياسا، وفيه منع المساواة من كل وجه، لعدم الدليل عليه، إذ لا إطلاق فيه يستند إليه ولا غيره، فلا يجوز التعدي عن (إلى ظ) غير المنصوص وسوى إجماع الغنية الذي عرفت حاله، ومع التسليم موهون بمصير من عرفت إلى خلافه، وسوى دعوى إرادة المثال من النصوص، وهي مجرد احتمال لا دليل عليه ولقد أجاد في السرائر حيث أنه - بعد أن حكى عن بعض أصحابنا أنه إن كان بينهما درجتان فأربع شياه، وإن كان ثلاثة درج فست شياه أو ما في مقابلة ذلك من الدراهم - قال: " وهذا ضرب من الاعتبار والقياس، والمنصوص من الأئمة (عليهم السلام) والمتداول من الأقوال والفتيا بين أصحابنا أن هذا الحكم فيما يلي السن الواجبة من الدرج دون ما بعد عنها ". (وكذا) لا يجزى (ما فوق الجذع من الأسنان) عنه مع أخذ الجبر بلا خلاف أجده فيه، بل في البيان الاجماع عليه (وكذا) لا يجزي هذا التقدير في‍ (- ما عدا أسنان الابل) كالبقر بلا خلاف كما عن التذكرة، بل في البيان الاجماع عليه أيضا نعم يجزي ذلك كله بملاحظة القيمة السوقية، بل الظاهر عدم إجزاء ما فوق الجذع من الأسنان كالرباع والثني عن أحد الأسنان الواجبة من غير جبر وإن احتمله بعضهم، لكونه غير الواجب، ولا دليل على البدلية، ودعوى استفادة ذلك من الأولوية فيكون

[ 122 ]

الواجب حينئذ ذلك فما فوق يدفعها منع الأولوية، لعدم تنقيح العقل والنقل لها، وخبرا الجبر لا دلالة فيهما على ذلك، بل ربما يدلان على العكس، فتأمل جيدا. وكذا لا تجزي بنت المخاض عن الخمس شياه وإن أجزأت عن الست والعشرين بل لا تجزي عن الشاة إلا على وجه القيمة، لكن في الدروس والبيان " أنه يجزي فرض كل نصاب أعلى عن الأدنى " وزاد في الأول " وفي إجزاء البعير عن الشاة فصاعدا لا بالقيمة وجهان " قلت: قد عرفت أن أقواهما العدم، وأما الأول فهو متجه فيما إذا لم يكن عنده الفرض وكان علو الأعلى بدرجة، ضرورة إجزائه في هذا الحال مع أخذ الجبر، فبدونه أولى، على أن الجبر حق للمالك فله إسقاطه، بل يمكن القول باجزائه في حال وجود الفرض وإن كان ظاهر النصوص والفتاوى في بادئ النظر اعتبار عدم الفرض في الاجزاء، بل صرح به بعضهم، إلا أن التأمل الجيد يقضي بعدم أرادة الشرط حقيقة من ذلك، وإن المراد بيان قيام هذا الفرد مقام الفرض، وأن المالك بالخيار، لجريان هذا الشرط مجرى الشرط الغالب في عدم أرادة المفهوم منه، وأن مثل هذا الكلام يقال في مقام التخيير، خصوصا إذا كان الفرد الأول أهم وأفضل، لا أن المراد الترتيب في الوجوب، وحينئذ يكون الحال في ذلك نحو مما سمعته منا في إجزاء ابن اللبون الذكر عن بنت المخاض، بل العارف بلسان الشرع يعلم أن الشارع لم يقصد الوجوب الترتيبي حقيقة من ذلك، بل لا يعلق الوجوب على الوجود عنده وإن كان متمكنا من الشراء، ولم يبين أن المدار على زمان الخطاب أو إلى حال الأداء ولا غير ذلك مما لا يخفى على ذي اللسان والعارف بلحن خطابهم عدم تساهلهم على تقدير الوجوب فيه، فتأمل جيدا، وحينئذ يتجه الاجزاء من غير أخذ جبر، لأولويته منه معه، وفي المحكي عن المبسوط لو كانت عنده بنت مخاض إلا أنها سمينة وجميع إبله مهازيل لا يلزمه إعطاؤعا، ولعل فيه استئناسا لما قلناه، كما أنه قد يستأنس له بما صرح به

[ 123 ]

بعضهم من أنه لو فقد الأصيل والبدل تخير بين شراء الفريضة وبين شراء الأدنى، ودفعها مع الجبر أو الأعلى ودفعها وأخذ الجبر بالتقريب الذي سمعته في ابن اللبون، وأما إجزاء الأعلى بدرجتين حال عدم الفريضة فضلا عن حال وجودها كما يقتضيه إطلاقه فغير متجه بناء على المختار من عدم إجزائه مع الجبر وأنه ليس إلا ملاحظة القيمة كما عرفت الحال فيه. المقصد (الثالث في أسنان الفرائض) المعلوم الرجوع فيها هنا إلى اللغة بعد انتفاء الشرعية والعرفية (بنت المخاض) بفتح الميم اسم جمع للنوق الحوامل، واحدتها خلفة، ولا واحد لها من لفظها (هي التي لها سنة ودخلت في الثانية أي أمها ما خض بمعنى حامل) ولو بالمنشئية على معنى أن أمه لحقت بالحوامل وإن لم تكن حاملا، وحاصل المراد أنه وضعتها أمها في وقت وقد حملت النوق التي وضعن معها وإن لم تكن هي منها، فنسبتها حينئذ إلى الجماعة ذلك، وإلا فهو ابن ناقة لا نوق متعددة، ووجه التسمية ما قيل من أن العرب كانت تحمل الفحول على الأناث بعد وضعها سنة، فتحمل في السنة، والأمر سهل. (وبنت اللبون بفتح اللام هي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة أي أمها ذات لبن) ولو بالصلاحية وإن لم تكن كذلك فعلا. (والحقة) بكسر الخاء المهملة (هي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة فاستحقت أن يطرقها الفحل) كما عن بعضهم في وجه التسمية (أو يحمل عليها) كما عن آخر، والأولى تعليلها بهما، وعلى كل حال لا يعتبر فيها ذلك فعلا قطعا، وما في حسنة الفضلاء (1) وكلام ابني الجنيد وأبي عقيل والصدوق فيها (أنها خ ل) حقة طروقة الفحل محمول على ذلك، ويؤيده ما عن الخليل في العين والعالي من الكلام الطروقة المقلوصة التي بلغت الضراب (والجذعة) بفتح الجيم والذال


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 6

[ 124 ]

المعجمة (هي التي لها أربع ودخلت في الخامسة) ولعله المراد مما في المجمل من أنها ما أتى لها خمس سنين، وكذا ما تسمعه عن المقاييس وعن المعتبر والمنتهى سميت بذلك لأنها تجذع مقدم أسنانها أي تسقطه لكن لم نجد لذلك فيما حضرنا من كتب اللعة أثرا، نعم يظهر من بعضها أنها سميت بذلك لحداثة سنها وشبابها، بل قد صرح الجوهري بأن هذا السن لا ينبت فيه سن ولا يسقط، وفي المحكي عن المقاييس الجيم والذال والعين ثلاثة أصول أحدها يدل على حدوثة السن وطراوته، فالجذع من الشاة ما أتى له سنتان ومن الابل الذي أتى له خمس سنين، وفيه وفي المجمل أيضا الجذع الدهر الأزلم، لأنه جديد أبدا، ويقال: فلان في هذا الأمر جذع إذا أخذ فيه حديثا. (و) على كل حال ف‍ (- هي أعلى الأسنان المأخوذة في الزكاة) بلا خلاف معتد به أجده في ذلك، بل ولا في شئ مما تقدم، وعن الصدوق أنه ذكر أسنان الابل فقال: " أول ما تطرحه أمه حوار إلى تمام السنة فابن مخاض إلى تمامها، فابن لبون إلى الرابعة، فإذا دخل فيها سمي الذكر حقا، والأنثى حقة، فإذا دخل في الخامسة سمي جذعا، فإذا دخل في السادسة سمي ثنيا، فإذا دخل في السابعة ألقى رباعيته وسمي رباعيا فإذا دخل في الثامنة ألقى السن التي بعد الرباعية وسمي سديسا، فإذا دخل في التاسعة فطر نابه وسمي باذلا، فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف، وليس له بعد هذا الاسم اسم ". (والتبيع) عند الأصحاب على ما في شرح اللمعة للاصبهاني (هو الذي يتم له حول) إلى تمام السنتين، وكأنهم أخذوه من وصفه في حسن الفضلاء (1) بالحولي بل عن المغرب تفسيره به، لكن قد يقال: إنه لا يتعين الحولي لما كمل له حول كما اعترف به الاصبهاني في شرحه لللمعة، بل قال: إنه في أكثر ما رويناه من كتب اللغة ولد البقر في أول سنة، وهو لا يعطي كمال سنة بل خلافه، وصرح الثعالي في فقه اللغة وابن قتيبة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 125 ]

في أدب الكاتب بأنه قبل الجذع، وفي المبسوط قال أبو عبيدة: تبيع لا يدل على سن وقال غيره: إنما سمي تبيعا لأنه يتبع أمه في الرعي، ومنهم من قال: لأن قرنه يتبع أذنه حتى صارا سواء، فإذا لم يدل اللغة على معنى التبيع والتبيعة فالرجوع فيه إلى الشرع والنبي (صلى الله عليه وآله) قد بين (1) وقال: " تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة " وقد فسره أبو جعفر وأبو عبد الله (عليهما السلام) بالحولي (2) قلت: عن ظاهر العين والمجمل والمقاييس والمفردات للراغب موافقة أبي عبيدة، إلا أنه قد يقوى ما عند الأصحاب لصحيح ابن حمران (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " التبيع ما دخل في الثانية " ووصفه بالحولي في الحسن (4) ودعوى أنه أعم كما في شرح اللمعة للاصبهاني يدفعها تبادر خلافه، وإطلاق السواد الحولي في هذا الزمن على الأعم من ذلك غير معتد به في كشف المعنى الحقيقي، كما هو واضح، بأدنى تدبر. (و) كيف كان فقد (قيل) في وجه التسمية أنه (سمي بذلك لأنه يتبع قرنه أذنه أو يتبع أمه في الرعي) والأولى التعليل بهما. (و) أما (المسنة) ف‍ (- هي الثنية) أي (التي كمل لها سنتان ودخلت في الثالثة) وعن المبسوط قالوا: هي التي تم لها سنتان وهو الثني في اللغة، فينبغي أن يعمل عليه، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (5) أنه قال: " المسنة هي الثنية فصاعدا " والأمر في ذلك سهل. وإنما الكلام في قوله: (ويجوز أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 99 (2) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب 11 - من أبواب الذبح - الحديث 7 من كتاب الحج وفيه " أسنان البقر تبيعها ومسنها في الذبح سواء " وليس فيه الجملة المذكورة وإنما هي مذكورة في الوافى بيانا للحديث (5) المبسوط - كتاب الزكاة - فصل زكاة البقر

[ 126 ]

ومن العين أفضل، وكذا في سائر الأجناس) وتفصيل البحث في ذلك أنه لا خلاف معتد به في الاجتزاء باخراج القيمة في غير الأنعام، بل في المعتبر والتذكرة والمفاتيح وظاهر المبسوط وإيضاح النافع والرياض على ما حكي عن بعضها الاجماع عليه، وفي صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) " سألته عن الرجل يعطي عن زكاته عن الدراهم دنانير وعن الدنانير دراهم بالقيمة يحل ذلك له، قال: لا بأس " وصحيح البرقي (2) عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) " كتبت إليه هل يجوز جعلت فداك أن يخرج ما يجب في الحرث من الحنطة والشعير وما يجب على الذهب دراهم بقيمة ما يسوى أم لا يجوز إلا أن يخرج من كل شئ ما فيه ؟ فأجابه (عليه السلام) أيما تيسر يخرج " وهو ظاهر في عموم جواز كل ما تيسر الشامل إذا تيسرا معا، ضرورة الصدق حينئذ على كل منهما أنه تيسر، فلا وجه للمناقشة في دلالته على الاجزاء مطلقا، إلى غير ذلك مما يدل على الاجزاء، فما عن أبي علي من منع إخراج القيمة مطلقا في غير محله بعد ما عرفت، مع أن المحكي عنه في شرح اللمعة للاصبهاني التصريح بموافقة المشهور، إنما الاشكال فيها في الانعام، والمشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا ذلك أيضا، بل في الخلاف والغنية وعن ظاهر الانتصار والاقتصاد والسرائر الاجماع عليه، بل قيل: إنه قد يظهر ذلك من المبسوط أيضا ويلوح من التنقيح لفحوى ما سمعته في غيرها، بل قيل: إنها أولى بالجواز، بل قد يظهر من قوله (عليه السلام): " أيما تيسر " أن المدار على الميسور، يل ربما يدعى العموم فيه للجميع وإن كان أول السؤال خاصا، بل لا ريب في عدم ظهوره بالخصوصية، بل لعل الظاهر منه عدمها. بل قد يؤمي أخبار الجبر (3) في الجملة لذلك أيضا، بل في الغنية بعد ذكر الجبر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 - 1 (3) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الأنعام والمستدرك - الباب 11 منها

[ 127 ]

المشهور قال: وعلى هذا الحساب يؤخذ ما هو أعلى وأدنى بدرجتين أو ثلاث بدليل الاجماع المشار إليه، فان أصحابنا لا يختلفون في جواز أخذ القيمة في الزكاة، مضافا إلى ترك الاستفصال في بعض النصوص، كالمروي عن قرب الاسناد (1) " عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا وطعاما وأرى أن ذلك خير لهم فقال: لا بأس " وغيره مؤيدا ذلك كله بما يظهر من حسنة يزيد بن معاوية (2) وغيرها من النصوص من إرادة المسامحة للمالك، وأنها مواساة. فلا يكلف بالشاق، وبأن القيمة غالبا تكون أنفع للفقير، وبأن المقصود من الزكاة رفع الخلة وسد الحاجة ونحو ذلك مما يحصل بالقيمة والعين، بل ربما يكون دفع العين في بعض الأوقات ضررا على الفقير لحاجته إلى السياسة العاجز عنها، وربما حصل ضرر عليه بذلك حتى لو أراد لم تحصل بيده، بخلاف دفع القيمة من الراغب فيها وربما صعب عليها فراقها لشدة أنسه بها وشدة تعبه عليها، فهي عنده بمكانة ليست عند غيره، وبما دل على أن للمالك التخيير في العين والتغيير، وبأن الساعي مأمور ببيع الأنعام، وأن المالك أحق من غيره، حتى ورد في خبر محمد بن خالد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أدب الساعي إلى أن قال: " فإذا أخرجها فليقومها فيمن يريد، فإذا قامت على ثمن فان أرادها صاحبها فهو أحق بها، وإن لم يردها فليبعها " بل قيل: إنما يكون أحق بها لو جاز له العدول إلى القيمة، وإن كان قد يناقش بامكان منع ذلك، بل أخذ العين منه أولا ثم بيعها منه قد يدل على عدم جواز دفع القيمة، لكن قد يقال: إن أخذ العين للتقويم بزيادة حتى تقف على ثمن، فيكون ذلك لتعرف القيمة، بل قد يدعى ظهور الخبر المزبور في ذلك،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 - 3 لكن روى الأول عن بريد بن معاوية

[ 128 ]

لا أن المراد أخذها زكاة ثم أخذ القيمة، إذ ذاك كأنه من اللغو والعبث، وقول علي (عليه السلام) (1): " لا تباع الصدقة حتى تعقل " أي تؤخذ وتدرك وتقبض، محمول على ذلك أو نحوه مما لا ينافي المطلوب، ولعل الداعي إلى هذا التعرف والتقويم في الأنعام دون الغلات والنقدين عدم معروفية القيمة فيها بخلافهما، ومن هنا احتاج إلى هذا التعرف فيها بخلافهما. وبالجملة لا يكاد يخفى على من تصفح النصوص في الباب - حتى ما ورد من المقاصة بها عن الدين ودفع الكفن منها ونحو ذلك، وقد رزقه الله معرفة لسانهم ولحن خطابهم - ظهور اجتزاء الشارع بالقيمة لو دفعها المالك، وأنه لا يكلف دفع العين، بل قد يظهر من خبر قرب الاسناد (2) ومعقد إجماع الخلاف والغنية عدم تعيين القيمة بالدراهم والدنانير، بل يجزي دفعها من أي جنس يكون كما هو ظاهر المتن أو صريحه، بل نسبه بعضهم إلى الأصحاب، قال تصريحا من بعض وتلويحا من آخر، بل في البيان لو أخرج في الزكاة منفعة بدلا من العين كسكنى الدار فالأقرب الصحة، وتسليمها بتسليم العين، ويحتمل المنع لأنها تحصل تدريجا، ولو آجر الفقير نفسه أو عقاره ثم احتسب مال الاجارة جاز وإن كان معارضا للفسخ، لكن في المدارك " أن جواز احتساب مال الاجارة جيد، وكونه معرضا للفسخ لا يصلح مانعا، أما جواز احتساب المنفعة فمشكل بل يمكن تطرق الاشكال إلى إخراج القيمة ما عدا النقدين " قلت: لا ريب في انصراف القيمة اليهما، بل ربما يؤيده خبر سعيد بن عمرو (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قلت: يشتري الرجل من الزكاة الثياب والسويق والدقيق والبطيخ والعنب فيقسمه


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 3 الجواهر - 16

[ 129 ]

قال: لا يعطيهم إلا الدراهم كما أمرء الله تعالى " وفي الوافي هذا الحديث لا ينافي ما قبله لأن التبديل إنما يجوز بالدراهم والدنانير دون غيرهما، إلا أنك قد سمعت معقد إجماع الخلاف وغيره، ومقتضاه جواز دفع المنفعة عن ذلك بعد أن كان قبض العين قبضا لها والوفاء شئ مستقل بنفسه لا دليل على اعتبار كون المدفوع عينا فيه، بل ربما ظهر من خلاف الشيخ أن اعتبار ذلك هنا من أقوال العامة، فلاحظ وتأمل، والخبر بعد الاغضاء عن سنده لم يعلم الزكاة فيه أنها عن المشتري، أو كان قابضا لها عن الغير دراهم ودنانير، ولكن مع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغي تركه، بل لا ينبغي تركه في دفعها في الأنعام إذا لم يعدم الانسان تخلصا من خلاف المفيد، وربما مال إليه في المعتبر والمدارك والذخيرة والحدائق وغيرها على ما حكي عن بعضها، لكنه في غاية الضعف إذا كان المدفوع إليه الامام (عليه السلام) أو وكيله العام أو الخاص، ضرورة ولايتهم على الفقير فلهم المعاوضة عن ماله، فإذا أراد قبض القيمة من أي جنس يكون عنه لم يكن إشكال في الجواز، ودعوى عدم جواز ذلك لهم واضحة الفساد، نعم قد يكون للمنع وجه لو كان المدفوع إليه أحد الفقراء، مع أن الأقوى خلافه لما عرفت. وكيف كان فالمعتبر في القيمة وقت الاخراج، لأنها إنما أجزأت بدلا وليست واجبة بالاصالة عندنا، فهي من قبيل العوض، فالمعتبر فيه وقت الاخراج، لكن في التذكرة إنما تعتبر القيمة وقت الاخراج إن لم يقوم الزكاة على نفسه، فلو قومها على نفسه وضمن القيمة ثم زاد السوق أو انخفض قبل الاخراج فالوجه وجوب ما ضمنه خاصة دون الزائد والناقص وإن كان قد فرط بالتأخير حتى انخفض السوق أو ارتفع، أما لو لم يقوم ثم ارتفع السوق أو انخفض أخرج القيمة وقت الاخراج، وفيه أنه بعد تنزيل التقويم على إرادة المعاوضة عليها لا دليل على ولايته بحيث يكون له المعاوضة على الزكاة على وجه يكون الواجب عليه في الذمة القيمة لا العين، فالمتجه وجوب العين

[ 130 ]

وملاحظة القيمة وقت الاخراج، ولو انخفض السوق يكون حاله كحال الغاصب إذا كان التأخير بتفريطه والظاهر عدم ضمانه تفاوت السوق ما لم يكن لتفاوت في العين، والله أعلم. (والشاة التي تؤخذ في الزكاة) فريضة في الابل والغنم فريضة أو جبرا (قيل) والقائل الشيخ وبنو حمزة وزهرة وإدريس والفاضل والشهيدان والعليان والمقداد والقطيفي على ما حكي عن بعضهم (أقلها الجذع من الضأن والثني من المعز) بل هو المشهور نقلا على لسان جماعة وتحصيلا، بل في الرياض ليس فيه مخالف يعرف، بل في الخلاف والغنية الاجماع عليه (وقيل ما تسمى شاة) لكن عن جماعة أنه لم يعرف القائل بذلك ولعله كذلك وإن اختاره جماعة من متأخري المتأخرين، وربما كان في المحكي عن المنتهى والتحرير نوع ميل إليه (و) على كل حال ف‍ (- الأول أظهر) للاجماع المحكي المعتضد بما عرفت، وخبر سويد بن عقلة (1) " أتانا مصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: نهينا أن نأخذ المراضع، وأمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية " وكونه من طرق العامة غير قادح بعد نقل الأصحاب له، واستدلالهم به، وموافقته للشهرة العظيمه التي هي طريق تبين له، نعم ليس فيه دلالة على تمام المطلوب، وأوضح منه دلالة المرسل عن غوالي اللئالي عنه (صلى الله عليه وآله) " أنه أمر عامله أن يأخذ الجذع من الضأن والثني من المعز، قال: ووجد ذلك في كتاب علي (عليه السلام) " ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى الخبر المزبور، فيكون نوع تبين له وكاشفا عن إجماله، بل لعل موثق إسحاق ابن عمار (2) " عن السخل متى تجب فيه الصدقة ؟ قال: إذا أجذع " محمول على ذلك


(1) سنن النسائي ج 5 ص 30 وسنن أبى دواد ج 2 ص 147 عن سويد بن غفلة قال: " أتانا مصدق النبي ص فأتيته فجلست إليه فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا نأخذ راضع لبن.. الخ " وليس فيه الجملة الثانية وإنما ذكر مضمونها في خبر مسلم بن شعبة المروى في سنن أبى داود ج 2 ص 138 (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3

[ 131 ]

أيضا بقرينة الاجماع على عدم اعتبار ذلك في حول الزكاة، وإنما المعتبر النتاج أو السوم كما عرفته سابقا، فيكون المراد منه حينئذ الأخذ في الزكاة لا العد، مؤيدا ذلك كله بأنه لو كان مسمى الشاة مجزيا على وجه يشمل السخل حال ولادته أو قيمته لاشتهر ذلك تمام الاشتهار، وتوفرت الدواعي على نقله، مع أن الأمر بالعكس، بل المنع من أخذ المريضة والهرمة وذات العوار ونحوها يقضي بخلافه، بل لا يبعد دعوى انصراف إطلاق الشاة في النصوص إلى خلاف ذلك، بل لعل الفتوى أيضا كذلك، ويشهد له أمر السيد لعبده بشراء شاة، على أن الاطلاق الصادر فيهما إنما هو في مقام إظهار حد النصب وتمييز نصب الشاة عن نصب الابل، ولا أقل من ذلك كله ينقدح الشك في المراد من الاطلاق المزبور، فيبقى قاعدة توقف يقين الشغل على يقين البرائة بحالها، فمن الغريب الاستناد إليه في مقابلة جميع ما عرفت. والمراد بالجذع من الضأن ما كمل له سبعة أشهر، والثني من المعز ما كملت له سنة كما في الدروس والبيان والتنقيح وفوائد الشرائع وإيضاح النافع وتعليقه وتعليق الارشاد والميسية والمسالك والروضة وكذا السرائر على ما حكي عن بعضها، بل عن غير موضع أنه المشهور، بل عن بعض محشي الروضة أنه لا يعرف قولا غيره، بل في ظاهر الغنية الاجماع على الثني في بحث الهدي، بل والجذع وإن قال: إنه الذي لم يدخل في السنة الثانية، وعن بعضهم في الثني أنه روي في بعض الكتب (1) عن الرضا (عليه السلام) لكن في حج الكتاب أنه يجزى في الهدي من الضأن الجذع لسنته، بل في شرح الاصبهاني للروضة أنه اقتصر الصدوقان والشيخان في المقنعة والنهاية والمصباح وعلم الهدى في الجمل وسلار وابنا زهرة وحمزة والفاضلان في النافع والارشاد وفخر الاسلام على ذلك، قلت:


(1) المستدرك - الباب - 9 - من أبواب الذبح - الحديث 2 من كتاب الحج وفيه " لستة " ولكن في فقه الرضا عليه السلام ص 28 " لسنة "

[ 132 ]

يمكن إرجاعه إلى السابق وإن كان لا يخلو من تكلف، والمحكي عن أكثر أهل اللغة أن الجذع ما دخل في السنة الثانية، نعم عن المغرب والأزهري الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية أشهر، وأرسل بعضهم عن ابن الأعرابي الاجذاع وقت وليس بسن فالعناق يجذع لسنة، وربما أجذعت قبل تمامها للخصب، فتسمن ويسرع إجذاعها، فهي جذعة، ومن الضأن إذا كان ابن شابين أجذع لستة أشهر أو إلى سبعة، وإذا كان ابن هرمين أجذع لثمانية إلى عشرة، وفي الصحاح وقيل في ولد النعجة: إنه يجذع في ستة أشهر أو تسعة أشهر، ولم أر له موافقا، ولعل لفظ تسعة من تصحيفات النساخ وفي محكي المبسوط بعد ما ذكر أسنان المعز وذكر أن السخلة منه إذا دخل في الثانية فهي جذعة، والذكر جذع، قال: وأما الضأن فالسخلة منه مثل ما في المعز سواء، ثم هو حمل للذكر وللأنثى دخل إلى سبعة أشهر، فإذا بلغت سبعة أشهر قال ابن الأعرابي: إن كان بين شابين فهو جذع، وإن كان بين هرمين فلا يقال جذع حتى يستكمل سنة، فإذا دخل في الثانية فهو ثني وثنية على ما ذكرناه في المعز سواء إلى آخرها، وإنما قيل جذع في الضأن إذا بلغ سبعة أشهر وأجزأ الأضحية لأنه إذا بلغ هذا الوقت كان له نزو وضراب، والمعز لا ينزو حتى يدخل في السنة الثانية، فلهذا أقيم الجذع في الضحايا مقام الثني من المعز، وفي شرح الاصبهاني أنه قطع في الحج بما حكاه عن ابن الأعرابي والفاضل في التذكرة اقتصر هنا على ذكر كلام ابن الإعرابي، وفي المنتهى على نقل ما في المبسوط، قال: وقطع في النهاية والقواعد والشهيد في البيان وابن إدريس بأنه ما كمل سبعة أشهر، ونسب في الدروس كونه ابن ثمانية إن كان ابن الهرمين إلى القيل، وفي حج المنتهى والتذكرة والتحرير أنه ابن ستة أشهر، وقيل: إن كان ابن ثني وثنية فابن ستة أشهر، وإن كان ابن هرمين فابن ثمانية، وإن كان ابن ثني وهرمة فابن سبعة، إلى غير ذلك من كلماتهم.

[ 133 ]

هذا كله في الجذع، وأما الثني من المعز فقد عرفت التصريح بأنه الداخل في الثانية، وفي شرح الاصبهاني نسبته مع ذلك إلى الصدوقين والشيخين وعلم الهدى وسلار وابني زهرة وإدريس والفاضلين، قال: وهو الموافق للمفردات للراغب، ونسبه ابن الأثير في النهاية إلى أحمد بن حنبل، لكن المشهور عند اللغويين أنه الداخل في الثالثة وبه صرح في محكي المبسوط في أسنان الغنم والتذكرة إلا أنه يقوى في النظر ما سمعته من الفقهاء، لقوة الظن الحاصل من كلامهم، خصوصا وكلام أهل اللغة بمرأى منهم ومسمع، وخصوصا مع احتمال كون المراد منه ذلك في الزكاة، وإن كان اسم الثني في اللغة الداخل في الثالثة فيجزي حينئذ ذلك في زكاة الغنم والابل والجبران، واحتمال مراعاة المماثلة في الأولى لقاعدة الشركة يدفعه إطلاق الأدلة، مضافا إلى ما سمعته وتسمعه من كيفية الشركة، فلاحظ وتأمل. بل منه يندفع ما أشكل على بعض الأعلام في إجزاء الجذع في زكاة الغنم بناء على كونه دون الحول بأن الشركة في العين يقتضي كون الفريضة أحد النصاب الذي حال عليه الحول، فكيف تكون جذعا، حتى أن الفاضل البهبهاني في شرحه على المفاتيح قد أطنب كمال الاطناب في ذلك، وإن كان قد سبقه إليه في الجملة الأردبيلي، ولم يتخلص منه إلا بأحد أمرين، إما اختصاص إجزاء الجذع المزبور في غير زكاة الغنم، وإما بأن الجذع ما كمل له حول، لكن ستعرف ضعف هذا الاشكال، لأن المراد بالشركة المزبورة على نحو زكاة الابل من كون الفريضة مشاعة في مجموع النصاب حتى أن كل واحد منه للفقير فيه جزء، فلا بأس حينئذ بتقديرها بالجذع وغيره، ضرورة رجوع الحاصل (إلى ظ) أن الفقير يملك ما يقابل الجذع من النصاب كالتبيع في البقر والشاة وبنت المخاض مثلا في الابل، إذ من المعلوم عدم اختصاص وجوب الزكاة فيما لو وجد مسمى الفريضة في النصاب، بل لو وجد لا يتعين على المالك إعطاؤه، كما أنه من المعلوم

[ 134 ]

عدم اختلاف كيفية الوجوب في حصول مسمى الفريضة في النصاب وعدمه، بل وعدم الفرق في كيفيته في نصاب البقر والغنم والابل، وكان منشأ الاشتباه (الاشكال ظ) عدم تصور خلو نصاب الغنم عن مصداق مسمى الفريضة أي الشاة التي أقلها الجذع، بخلاف غير الغنم من النصب. لكن لا يخفى عليك عدم صلاحية مثل ذلك للفرق، بل قد يقطع الفقيه بأدنى تأمل باتحاد المراد من خطاب الزكاة في جميع هذه الموارد بل وغيرها كما تسمع زيادة تحقيق لذلك إن شاء الله، فلا إشكال حينئذ في ذلك من هذه الجهة، نعم قد يشكل كون سن الجذع من الضأن ذلك، يخلو كلام أهل اللغة عنه كما عرفت، بل وجماعة من الفقهاء بل المعظم بناء على ما تقدم، وربما يقوى في النظر ما سمعته من ابن الأعرابي من كون الجذوعة حالا لا سنا، ولعله الأوفق بعبارة الجذع لسنة ممن تقدم النقل عنهم وعلى كل حال فالمراد أن أقل المجزي ذلك لا أنه لا يجزي غيرهما، فحينئذ الا على منهما سنا أولى بالاجزاء، وإذا دفع كان فريضة، فما في الدروس من أنهما لو فقدا أي الجذع والثني في غنمه دفع الأقل وأتم القيمة، أو الأكثر واسترد الزائد في غير محله بالنسبة إلى الأخير، كما أنك قد عرفت عدم الفرق بين شاة الابل والغنم والجبران، لا طلاق الأدلة، فما عن بعضهم من الفرق فتعتبر المماثلة في الوسط دون الطرفين في غير محله، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لا تؤخذ المريضة) من النصاب السليم (ولا الهرمة) من نصاب الفتيات (ولا ذوات العوار) من نصاب الصحيح عند الأصحاب كما عن بعضهم، بل عن آخر نفي الخلاف فيه، بل قيل: قد نقل على ذلك الاجماع في مواضع وفي شرح اللمعة للاصبهاني الاتفاق كما يظهر في الأخيرين، وحكي عن المنتهى أنه لا يعلم

[ 135 ]

في الأولى والأخيرة مخالفا، وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح محمد بن قيس (1): " ولا يؤخذ هرمة ولا ذوات عوار إلا أن يشاء المصدق " ولعل المريضة تندرج في ذات العوار، لأنه بفتح العين وضمها بل وكسرها مطلق العيب، على أنه لا قائل بالفصل بين الثلاثة، بل لعل النهي عن أخذ الربى كما ستعرف يؤمي إليها أيضا فيها بناء على أن ذلك للنفاس الذي هو مرض، مضافا إلى قوله تعالى (2): " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " وعموم الخبيث لغير ذلك غير قادح بعد الخروج بالدليل، كل ذلك بعد الاغضاء عن قاعدة الشركة في العين التي لا ينافيها الاطلاق المقتضي تخيير المالك بعد الشك في شموله لما هنا ولو لما عرفت، وعلى كل حال فالحكم مما لا إشكال فيه، لكن استثناء المشية المصدق بالكسر أي أخذ الصدقة غير موافق لقاعدة اعتبار المصلحة في الولي أو عدم المفسدة، أللهم إلا أن يحمل على ما إذا كان في القبول بالقيمة مصلحة للفقراء، فيقبل بها، أو على ما إذا تمكن من بيعه بقيمة الصحيح، أو المراد قبوله في سهم نفسه، أو غير ذلك كي لا ينافي القواعد، إذ الخروج بمثله عنها كما ترى، وإن حكي ذلك عن المقنع والمفاتيح. هذا كله إذا لم يكن النصاب جميعه كذلك أو بعضه، وإلا أجزأت ولو على النسبة كما ستعرف الحال عند تعرض المصنف له، ثم إن الظاهر من الفتاوى ومعاقد الاجماعات عدم الفرق في ذلك بين الأنعام جميعها كما هو مقتضى بعض ما ذكرنا من الأدلة وإن كان النص في الغنم. (و) كيف ان ف‍ (- ليس للساعي التخيير) من دون رضى المالك قطعا، بل إجماعا للأصل وقاعدة الشركة وظاهر النصوص (3) التي منها الصحيح (3) المشتمل


(1) الاستبصار ج 2 ص 23 الرقم 62 طبع النجف (2) سورة البقرة - الآية 269 (3) و (4) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 0 - 1

[ 136 ]

على وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لمصدقه الذي أرسله إلى بادية الكوفة، قال فيه: " إذا أتيت ما له فلا تدخله إلا باذنه، فان أكثره له، فقل له: يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك فان أذن لك فلا تدخله دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به، فاصدع المال صدعين ثم خيره أي الصدعين شاء، فأيهما اختار فلا تعرض له، ثم اصدع البقي صدعين ثم خيره فأيهما اختار فلا تعرض له، فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله، فإذا بقي ذلك فافض حق الله منه، فان استقالك فأقله ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله فيما له " الحديث. وقال الصادق (عليه السلام) لمحمد بن خالد عامل المدينة (1) في حديث: " مر مصدقك إذا دخل المال فليقسم الغنم نصفين، ثم يتخير صاحبها أي القسمين شاء، فإذا اختار فليدفعه إليه ثم ليأخذ منه صدقته، فإذا أخرجها فليقومها فيمن يريد " الحديث. إنما الكلام في أن للمالك الخيار في أي فرد بحيث ليس للساعي معارضته ومنازعته واقتراح القرعة عليه أولا قولان، المشهور، الأول، بل عن ظاهر التذكرة الاجماع عليه، لأنه المخاطب بايتاء الزكاة، فيدفعها على مقتضى ما خوطب به يتحقق امتثاله، وظهور الخبرين المزبورين وغيرهما، خلافا للشيخ وجماعة فالقرعة مع المشاحة، واليه أشار المصنف بقوله: (فان وقعت المشاحة قبل يقرع حتى يبقى السن التي يجب فيها) بل عن بعضهم لزومها ابتداء، إلا أنه في غاية الضعف، لظهور النصوص في أخذها بدونها، بل يمكن دعوى القطع من ملاحظة ما ورد (2) في دفع المالك الزكاة


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3 مع الاختلاف فيه (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 4 والباب 36 من أبواب المستحقين للزكاة الجواهر - 17

[ 137 ]

وصرفها على الفقراء بنفسه وشرائه لهم ما يحتاجون وغير ذلك بخلاف ذلك، بل يمكن دعواه أيضا منها بأن الخيار له، وأنه ليس لأحد منازعته ومعارضته، فيعطي منها ما يشاء لمن يشاء من غير فرق بين زكاة الأنعام وغيرها، بل لعل السيرة القطعية على ذلك، خصوصا في أمثال هذه الأوقات التي ليس للزكاة فيها سعاة، بل كأنه من ضروريات المذهب بل الدين، وبذلك أو بعضه يخرج عن قاعدة الشركة كما خرج عنها في الاعطاء من غير العين وإعطاء القيمة والتصرف في النصاب بعد الضمان ونحو ذلك، ولعله لذا حمل القول بها على الندب في محكي التذكرة والبيان، فقال في الأول: وقيل يقرع، وهو على الندب، وقال في الثاني: وقيل يقرع، وهو على الندب، مع أنه لولا التسامح والخلوص من شبهة الخلاف لكان الندب محل بحث أيضا. فمن الغريب ما أطنب به بعض فضلاء متأخري المتأخرين من اعتبارها في المقام مراعيا قاعدة الشركة. فقال بعد دعوى الاجماع عليها من الخصم وغيره: " إن قسمة المال المشترك تكون بالقرعة عندهم إلا ما شذ، لأنها نوع معاوضة عن حق كل من الشريكين بالآخر على وجه اللزوم الثابت عندهم بالقرعة، للاجماع، ولأنها لكل أمر مشكل، ومجرد التراضي بدونها إنما يفيد إباحة التصرف، فالمراد حينئذ من وجوبها اعتبارها في اللزوم نحو ما ذكروه في المعاملات بالنسبة إلى صيغها بعد تجويز المعاطاة " وهو من غرائب الكلام، ضرورة ظهور النصوص بل صراحتها في عدم توقف الملكية عليها، خصوصا خبر سماعة (1) منها " إذا أخذ الرجل الزكاة فهي كماله يصنع بها ما شاء " ولو كان لزوم القسمة منحصرا في القرعة لكان الواجب على الشارع إظهاره في مقام من المقامات فضلا عن أن يظهر عكسه، ودعوى أن هذه النصوص كنصوص البيع في الخلو عن التعرض للصيغة التي يحصل بها اللزوم - ولو أن مثل هذا الخلو يقضي


(1) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 138 ]

بعدم الاحتياج إلى القرعة لاتجه عدم اعتبارها في جملة من المشتركات التي خلت نصوصها عن التعرض لها في قسمتها كالفتاوى، ومن المعلوم خلافه، وأنه ليس إلا اتكالا على ما ذكروه في باب القسمة - كما ترى لا ينبغي أن يصغى إليها بعد تصريح المشهور هنا بعدم اعتبارها، وظهور النصوص أو تصريحها بذلك على ما عرفت، نعم قد يقوى وجوب الوسط بما يصدق عليه اسم الفريضة في المقام وغيره، فلا يكلف الأعلى، ولا يجزيه الأدنى لأنه المنساق إلى الذهن من أمثال هذه الخطابات التي ستعرف إرادة تقدير الحصة المشاعة للفقير في النصاب بذكر التبيع والشاة وبنت المخاض وغيرها من الفرائض فيها، لا أن المراد أعيانها التي قد لا تكون في النصاب، بل ليست فيه قطعا في الخمس من الابل ونحوه، ولا يوافق ما تسمعه إن شاء الله من تحقيق كون الزكاة في العين على جهة الشركة مشاعة في جميع النصاب، فلا ريب حينئذ في الانصراف إلى الوسط كما في جميع ما ورد من نظائر ذلك، ومما ذكرنا يظهر لك ما في كلام جملة من الأعلام حتى من قال بالمختار منهم، فانه استند إلى اقتضاء ذلك ذلك، وفيه أن مقتضاهما الأخذ من الجيد والردي والوسط، لا أن أقل الواجب عليه الوسط، فلاحظ وتأمل. (وأما اللواحق فهي أن الزكاة تجب في العين لا في الذمة) على المشهور نقلا وتحصيلا، بل في شرح المفاتيح للبهبهاني " كاد يكون إجماعا " بل في موضع من التذكرة " نسبته ألى أصحابنا " وفي آخر " عندنا " وفي ثالث " نفى الخلاف عنه " وفي كشف الحق " نسبته إلى الامامية " بل في محكي المنتهى " هو مذهب علمائنا أجمع حيوانا كان أو غلة أو أثمانا، وبه قال أكثر أهل العلم " وفي السرائر " أنهم (عليهم السلام) أوجبوا الزكاة في الأعيان دون غيرها من الذمم " وفي محكي الانتصار " أنه الذي يقتضيه أصول الشريعة " وفي محكي مجمع البرهان " أنه المفهوم من الأخبار، ولعله لا خلاف فيه عند أصحابنا " وعن بعض أن القائل بالذمة مجهول، وآخر نسبته إلى الشذوذ من أصحابنا

[ 139 ]

وفي البيان عن ابن حمزة أنه نقله عن بعض الأصحاب، قيل: ولعله في الواسطة، إذ ليس لذلك في الوسيلة أثر، وأرسل القول به في محكي المبسوط، ولعله يريد بعض العامة كما نسبه إليه في محكي المعتبر. وكيف كان فلا ريب في تعلقها بالعين في الغلات الوارد فيها العشر ونصفه ونحوهما مما هو حصة مشاعة في العين الخارجية، بل وفي غيرها كالنقدين والأنعام الوارد فيها بلفظ " في " التي هي حقيقة في الظرفية، كقوله (عليه السلام) (1): " في مائتي درهم خمسة " و " في أربعين شاة شاة " (2) ونحوها، خصوصا بعد ما ورد (3) من النصوص بلفظ الشريك بين الفقراء والأغنياء في أموالهم، وأنه فرض الله لهم فيها كذا وكذا، وما ورد (4) في آداب المصدق وغيره مما هو ظاهر أو صريح في ذلك، وما ورد (5) من تلف الزكاة بتلف المال من غير تفريط، ومن تبعية الساعي العين لو باعها المالك، وغير ذلك مما لا يبقى للفقيه معه ريب في تعلقها بالعين، مضافا إلى ما حكي من الاتفاق على تقدمها على الدين إذا قصرت التركة وكانت عين النصاب باقية، وسقوطها بتلف النصاب من غير تفريط، وتبعية الساعي العين لو باعها المالك ولم يؤد الزكاة، وغير ذلك مما لا يتم بمقتضى الضوابط إلا على تعلقها بالعين. فما يقال بعد ذلك كله - من أن المراد من لفظ " في " التسبيب نحو قولهم في القتل خطأ الدية، وفي العين نصف الدية، ونحوها مما هو شائع معروف مؤيدا ذلك بعدم تعقل الظرفية حقيقة في نحو قوله (عليه السلام): " في خمس من الابل شاة "


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 3 و 4 (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 (4) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام (5) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2

[ 140 ]

ونحوه مما كانت الفريضة فيه ليست من جنس النصاب، فيعلم أن باقي الخطابات كذلك لأن الجميع من مذاق واحد، وبأنه لو كانت في العين لم يجز للمالك الاعطاء من غير العين حتى القيمة، مع أن الاجماع المحكي عن جماعة على جوازه، بل يمكن تحصيله، مضافا إلى ما دل على إعطاء القيمة، وصحيح عبد الرحمن (1) الآتي المشتمل على تأدية الزكاة من غير العين أيضا - في غير محله، ضرورة معلومية المجازية في استعمال " في " في السبب وكثرته بعد التسليم غير مجدية، بل لو سلم مساواته للحقيقة أمكن ترجيح الظرفية بما عرفت من النصوص وغيرها، فيجب حينئذ ارتكاب التجوز في نحو قوله (عليه السلام): " في خمس من الابل شاة " بارادة أن له في الابل الخمسة مقدار نسبة الشاة إليها، ويكون المراد حينئذ من ذكر الشاة ضبط الحصة المشاعة، بل الظاهر إرادة ذلك في جميع خطابات الزكاة التي لم ينص عليها بالحصة المشاعة كالغلات، لكون الجميع باعتراف الخصم على مذاق واحد، فقوله: في الست وعشرين بنت مخاض مثلا أي فيها ما يقابل بنت المخاض ضرورة عمومية الخطاب للتي فيها بنت مخاض ولغيرها مما لا يمكن كون المراد منه فيها نفس بنت المخاض، بل التي فيها لا تتعين زكاة عند القائلين بتعلقها بالعين، ضرورة كونها جزء النصاب الذي تعلق الزكاة بجميعه، فليس المراد من الجميع حينئذ إلا ضبط الحصة المشاعة بذلك، حتى قوله (عليه السلام) (2): " في أربعين شاة شاة " ويرجع الجميع إلى معنى ما ذكروه في الغلات المصرح فيها بالحصة المشاعة، فلا حاجة حينئذ إلى التفصيل بين كون الفريضة من جنس النصاب وعدمه، فالأول الزكاة منه في العين بخلاف الثاني، إذ قد عرفت أن الجميع من واد واحد، ولعل الداعي إلى ذكرها بهذا الطريق بعد كونه أحد الطريقين أنه قد تنتهي الحصة إلى مالا تضبطه الكسور المعروفة من


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 141 ]

العشر فنازلا، كما أن الداعي إلى ضبطها بالشاة وبنت المخاض ونحوها دون القيم سهولة معرفة ذلك بالنسبة إليهم في ذلك الوقت وتيسره لهم، ولذلك خير في الجبر بين الشاتين والعشرين درهما، مضافا إلى احتمال التفاوت بين الحصة المقدرة بمقابلة الشاة وبين الحصة المقابلة بقيمتها المحمولة على الدراهم والدنانير، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع، وإعطاء البدل غير العين أو القيمة غير مناف بعد أن كان ذلك بدليل شرعي معتبر مبني على الارفاق بالمالك، كما يؤمي إليه خبر المصدق (1) على أن ذلك معارض بتخلف لوازم كونها في الذمة كما عرفت، ورفع اليد عن القولين باعتبار تخلف اللازمين مع بعد تسليم إمكانه إحداث قول ثالث، كما هو واضح. وعلى كل حال فقد ظهر لك من ذلك اندفاع ما عساه يقال من أنه على تقدير العين يلزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه في نحو قوله (عليه السلام) (2): " في الست وعشرين بنت مخاض " بالنسبة إلى ما إذا كانت جزءا منه وما لم تكن بارادة العين في الأول وما يقابل القيمة في الثاني، لما عرفت من اتحاد المراد في الجميع، وكذا اندفاع الاشكال الذي استعظمه جملة من الفضلاء - على قول من سمعت من الأصحاب بأن أقل الفريضة في الغنم الجذع، وهو ما كمل له سبعة أشهر، بأن الفريضة جزء من النصاب، فلابد من حول الحول عليها كالنصاب، فكيف تكون سبعة أشهر، إذ قد عرفت أن ذلك التقدير للفريضة التي هي حقيقة الحصة الشائعة في مجموع النصاب، بل هي على النسبة في كل جزء جزء من النصاب، ولا فرق فيما به التقدير بين السبعة أشهر والأقل والأكثر، كما هو واضح، وإطلاق اسم الفريضة على ما به التقدير باعتبار انطباقه عليها في حال الاخراج وأن الشارع اعتبر تقدير الفريضة، بل لعله المراعى في التقويم دون الحصة ونحو ذلك،


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 4

[ 142 ]

لا أنه الفريضة أولا وبالذات، بل ظهر مما ذكرنا كيفية تعلقها بالعين، وأنها على جهة الاشاعة في مجموع أجزاء النصاب كما هو الظاهر من كلام الأصحاب على ما اعترف به في المدارك، بل عن إيضاح الفخر نسبته إليهم، لا أنه تعلق رهانة والمال في الذمة أو ليس فيها، ولا أرش جناية كذلك، لما سمعته من الأدلة الظاهر بعضها إن لم يكن جميعها أو الصريح في نفي هذين الاحتمالين، لكن في التذكرة بعد البناء على أنها في العين قال: " وهل يصير أهل السهمين بقدر الزكاة شركاء لرب المال ؟ الأقرب المنع، وهو أحد قولي الشافعي، وإلا لما جاز للمالك الاخراج من غيره، ويحتمل ضعيفا الشركة " ثم ذكر الاحتمالين المزبورين غير مرجح أحدهما على الآخر وذكر ما يتفرع عليهما وعلى الشركة وقال في البيان: " في كيفية تعلقها بالعين وجهان، أحدهما أنه طريق االاستحقاق فالفقير شريك، وثانيهما أنه استيثاق فيحتمل أنه كالرهن، ويحتمل أنه كتعلق أرش الجناية بالعبد، وتضعف الشركة بالاجماع على جواز أدائها من مال آخر، وهو مرجح للتعلق بالذمة، وعورض بالاجماع على تتبع الساعي العين إذا باعها المالك، فلو تمحض التعلق بالذمة امتنع - ثم قال: - ويحتمل أن يفرد تعلق الزكاة في نصب الابل الخمسة بالذمة لأن الواجب شاة، وليست من جنس المال، ويجاب بأن الواجب في عين المال قيمة شاة " والجميع كما ترى، والأصل في هذه الاحتمالات العامة وإن تبعهم عليها غيرهم غفلة عما تقتضيه نصوصنا وغيرها، وحينئذ فلو باع المالك النصاب نفذ في نصيبه قولا واحدا كما اعترف به في البيان، ووقف في حصة الفقير على إجازة الامام عليه السلام أو وكيله، فيأخذ من الثمن بالنسبة، ولو أدى المالك الزكاة من غيره بعد البيع لم يجد في الصحة، ضرورة عدم الملك حال البيع، أللهم إلا أن يجعل الشرط الملك ولو متأخرا عنه، وفيه بحث أو منع، وما يقال إن التأدية من الغير تقوم مقام الاجازة يدفعه - بعد اختصاصه بالتأدية للامام عليه السلام أو وكيله دون الفقير الذي لا تجدي الاجازة منه، لعدم الولاية له، وعدم

[ 143 ]

اختصاص الحق به - أن المتجه حينئذ الرجوع بالثمن على النسبة كما هو مقتضى الاجازة، أللهم إلا أن يكون ذلك معاوضة عنه، وهو كما ترى. نعم لو ضمن المال قبل البيع وقلنا بصحة الضمان له على معنى أن له نقل المال إليه بالقيمة في ذمته اتجه حينئذ الجواز لحصول الشرط، لكن في صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) " قلت للصادق (عليه السلام): رجل لم يزك إبله وشاته عامين فباعها على من اشتراها أن يزكيها لما مضى، قال: نعم تؤخذ زكاتها وتبع البائع أو يؤدي زكاتها البائع " واحتمله في البيان، قال: " إذا باع بعد الوجوب نفذ في قدر نصيبه قولا واحدا، وفي قدر الفرض يبنى على ما سلف، فعلى الشركة يبطل البيع فيه ويتخير المشتري الجاهل لتبعض الصفقة، فان أخرج البائع من غيره ففي نفوذ البيع فيه أشكال من حيث أنه كاجازة الساعي، ومن أن قضية الاجازة تملك المجيز الثمن، وهنا ليس كذلك، إذ قد يكون المخرج من غير جنس الثمن ومخالفا له في القدر " قلت: يمكن أن يكون بمنزلة الاجازة له في ضمانه إياه ونقله إليه، ثم قال: " وعلى القول بالذمة يصح البيع قطعا فان أدى المالك لزم، وإلا فللساعي تتبع العين، ويتجدد البطلان ويتخير المشتري، وعلى الرهن يبطل البيع إلا أن يتقدم الضمان ويخرج من غيره، وعلى الجنابة يكون البيع التزاما بالزكاة، فان أداها نفذ، وإن امتنع تتبع الساعي العين، وحيث قلنا بالتتبع لو أخرج البائع الزكاة فالأقرب لزوم البيع من جهة المشتري، ويحتمل عدمه، إما لأستصحاب خياره، وإما لاحتمال استحقاق المدفوع، فتعود مطالبة الساعي " قلت: فيه أن المتجه على الأول عدم تبعية الساعي العين، لعدم تعلق الحق بها كما هو الفرض، وقد يقوى الصحة على الثاني إذا تعقبه الفك بأداء الزكاة من غيره على ما تسمعه إن شاء الله في كتاب الرهن، وكأنه عرض بما ذكره لما في التذكرة، قال: " فإذا باع النصاب


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 144 ]

بعد الحول وقبل الاخراج فالبيع في قدر الزكاة مبني على الأقوال، فمن أوجبها في الذمة جوز البيع، ومن جعل المال مرهونا فالأقوى الصحة، وإن قيل بالشركة فالأقوى الصحة أيضا، لعدم استقرار حق المساكين، فان له إسقاطه بالاخراج من غيره، وإن قيل تعلق أرش الجاني ابتنى على بيع الجاني، والوجه ما قلناه من صحة البيع مطلقا، ويتبع الساعي المال إذا لم يؤد المالك المال، فينفسخ البيع فيه على ما تقدم، ولو لم يؤد المالك من غيره ولم يأخذ الساعي من العين كان للمشتري الخيار، لتزلزل ملكه، وتعرض الساعي به متى شاء، ولو دفع المالك الزكاة من موضع آخر سقط خيار المشتري لزوال العيب، ويحتمل ثبوته، لامكان أن يخرج المدفوع مستحقا، فيتبع الساعي المال - ثم قال -: ولو قلنا ببطلان البيع في قدر الزكاة كما اختاره الشيخ صح البيع في الباقي، فللمشتري الخيار، ولا يسقط خياره بأداء الزكاة من موضع إخر، لأن العقد في قدر الزكاة لا ينقلب صحيحا بذلك ". وفيه مواضع للنظر لا تخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرنا، كمالا يخفى عليك أنه لا يتجه ما ذكراه من صحة البيع على تقدير الشركة في نصيبه إلا على المختار من أن الشركة على جهة الاشاعة في كل جزء من أجزاء النصاب دون الشركة على جهة الترديد في الكلي بمعنى أن للفقير شاة من الأربعين مثلا دائرة، لا أن له في كل شاة جزءا، إذ هو مع أنه خلاف ظاهر الأدلة السابقة لا يتم القول بالصحة في نصيبه عليه، للابهام والاجمال في كل من نصيب الفقير والمالك، فلا يصح بيع واحد منهما، لأنه بمنزلة بيع شاة من هذه الشياه وعبد من هؤلاء العبيد، وقد عرفت الاجماع على الصحة في نصيب المالك، بل قد يستفاد مما هنا قوة ما ذكرناه سابقا من تعلق الزكاة بالنصاب والعفو لو كان، لا أنها مختصة به دون العفو، فانه قد لا يتجه صحة البيع حينئذ للابهام والاجمال الجواهر - 18

[ 145 ]

أيضا، فتأمل جيدا، والله أعلم. وكيف كان (ف‍) - على المختار (إذا تمكن من إيصالها) أي الزكاة (إلى مستحقها فلم يفعل فقد فرط) فإذا فرط (فان تلفت لزمه الضمان) بلا خلاف في الثاني ولا إشكال، ضرورة معلومية هذا الحكم في الأمانات التي هذه من جملتها، بناء على أنها في العين، وأما الأول فلا ريب فيه على تقدير عدم جواز التأخير له، إذ هو حينئذ كالغاصب، أما على الجواز كما هو مقتضى جملة من النصوص المعتبرة على ما تعرفه في محله فلعل الضمان فيه حينئذ للاجماع المحكي إن لم يكن المحصل، وصحيح ابن مسلم (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم ؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنها قد خرجت من يده، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه أذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، وإن لم يجد فليس عليه ضمان " وصحيح زرارة (2) عنه (عليه السلام) أيضا " عن رجل بعث إليه أخ له زكاته ليقسمها فضاعت، فقال: ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان، قلت: فانه لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها ؟ قال: لا ولكن إذا عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حتى يخرجها " وبهما يقيد إطلاق ما دل على عدم الضمان بالارسال ونحوه، كما أنه لا منافاة بينهما وبين ما دل على جواز التأخير والارسال ونحوهما، لعدم التضاد بين الجواز والضمان الذي لم يعتبر فيه الاثم في شئ، من الأدلة كما هو واضح، وإطلاق التفريط في المتن وغيره عليه من حيث ترتب الضمان به لا من جهة الاثم، وربما تسمع فيما يأتي إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق للمسألة.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 2

[ 146 ]

(وكذا) يلزمه الضمان (لو تمكن من إيصالها إلى الساعي أو الامام عليه السلام) لكون الايصال اليهما إيصالا إلى أهلها، بل الظاهر أن الحكم كذلك في المجتهد أو وكيله بالنسبة إلى هذا الزمان، لاتحاد المدرك في الجميع، وهو عموم ولايتهم، والله أعلم. (ولو أمهر امرأة نصابا) ملكته بالعقد كما تعرفه في محله إن شاء الله، وحينئذ فلو أقبضها إياه (وحال عليه الحول في يدها) وجب عليها الزكاة بلا خلاف ولا إشكال فيه، لا طلاق الأدلة السالم عن المعارض، وكونه في معرض السقوط أو التشطير غير قادح كما في الهبة وغيرها (و) لو (طلقها قبل الدخول وبعد الحول) ولم تخرج بعد الزكاة من العين ولا من الغير مع تمكنها من الاخراج (كان له النصف موفرا، وعليها حق الفقراء) فتخرجه من نصيبها أو غيره للآية التي يمكن امتثالها، بخلاف ما لو وجده تالفا فانه ينتقل للقيمة، وخطاب الزكاة خاص بها لا مدخلية للزوج به، فلا ينقص من نصيبه شئ، لكن قد يناقش فيه في بادئ النظر بأن مقدار الزكاة قد خرج عن ملكها بحول الحول، فليس الباقي في يدها ألا ما عداه، والطلاق إنما يفسخ المملك الذي هو عقد النكاح في النصف، وهو حقيقة الحصة المشاعة في جميع المهر، فمع فرض ذهاب شئ منه يتعذر من النصف نسبته، فينتقل إلى القيمة، لا أنه يذهب جميعه منها، وإلا لاقتضى فيما لو تلف منه النصف قبل الطلاق انحصار حقه فيما بقي في يدها من النصف الآخر، وهو معلوم البطلان، ضرورة عدم كون ما في يدها النصف المشاع حقيقة وإن أطلق عليه اسم النصف، فالمتجه حينئذ في الفرض انتقال النصف المشاع في غير فريضة الزكاة للزوج وتغرم له قيمة النصف من الفريضة، ويكون المراد مما في المتن ونحوه من أن له النصف موفرا عدم النقصان في حقه باعتبار ضمانها له قدر الفائت، لا أن له النصف كملا من الموجود، واحتمله في المدارك تبعا للمسالك. ومن هنا كان المحكي عن المبسوط فيما نحن فيه أن لها الاخراج من الغير ومن

[ 147 ]

العين، ويكون الحكم كما لو طلقها بعد الاخراج كذلك، واحتمله في البيان، قال: " ولو طلق قبل الدخول بعد الحول وجبت الزكاة عليها، فان طلق بعد الاخراج أخذ نصف الباقي ونصف قيمة المخرج ولا ينحصر حقه في الباقي على الأقوى، وإن طلق قبل الاخراج احتمل أن لها الاخراج من العين وتضمن للزوج، فلو اقتسما قبل الاخراج فالأقوى صحة القسمة وتضمن للساعي، فلو أفلست فله الرجوع على الزوج، ثم هو يرجع عليها، ولو طلق قبل تمكنها من الاخراج لم تسقط زكاة ما أخذ الزوج، لرجوع عوضه إليها، وهو البضع، بخلاف ما أذا تلف بعض النصاب قبل التمكن من الاخراج " وكذا الدروس، قال: " ولو تشطر قبل الدخول وبعد الحول فالزكاة عليها وفي جواز القسمة هنا نظر، أقربه الجواز وضمانها، وبه قطع في المبسوط، فلو تعذر أخذ الساعي من نصيب الزوج، ورجع الزوج عليها، ولا يسقط وجوب الزكاة في النصف هنا لو طلق قبل إمكان الأداء، لرجوع العوض إليها ". قلت: لا يخفى عليك - بناء على ما ذكرنا سابقا من التعلق بالعين على جهة شركة الاشاعة - أن المتجه استحقاقه النصف كملا من العين، لعدم المعارضة بين الخطاب به والخطاب بالزكاة بعد فرض الاشاعة في كل منهما، فكل شاة مثلا نصف منها للزوج وجزء من أربعين جزء للفقير، فهو حينئذ كالنصف مثلا والثلث في المواريث، ويختص النقصان حينئذ في نصيبها خاصة، لأن الباقي بعد إخراج الحصتين لها، نعم لو أن خطاب الزكاة يقتضي شاة مخصوصة أو شاة كلية مرددة اتجه حينئذ انتقال نصف الموجود له، وغرامة ما فات بالزكاة عليها، ومن ذلك ظهر لك أن ليس لها الاخراج من العين قبل القسمة كما عن المنتهى والتحرير التصريح به، لكون المال مشتركا بينها وبين الزوج والفقراء، بل عن الشافعي المنع من القسمة قبل أداء الزكاة إلا أن تنتقل إليها بضمان ونحوه، فتختص الشركة بينها وبين الزوج، فتصح القسمة، نعم يمكن أن يقال بصحة

[ 148 ]

القسمة مراعاة بالأداء على نحو ما سمعته في بيع النصاب، ولا فرق في الحكم المزبور بين طلاقها قبل التمكن من الأداء أو بعده، ضرورة حصول ملك الفقير بحول الحول، وعدم معارضة ما ثبت للزوج بالطلاق له، مضافا إلى تأخره عن خطاب الزكاة كما هو الفرض، فلا حاجة إلى التعليل برجوع العوض إليها، وهو البضع. فمن الغريب ما عن التحرير من أن الوجه سقوط نصف الفريضة، وأغرب منه التعليل له بأنه كالتلف قبل التمكن، ولم يثبت عنده عوضية البضع، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين، وعدم بناء المسألة على عوضية البضع وعدمها، على أن المحكي عنه والمنتهى أنه قرب وجوب الزكاة فيما لو انفسخ النكاح بعيب وسقط المهر كله، وإن ضمنت قدر المأخوذ فيها، ولا فرق بين المسألتين، أللهم إلا أن يخصا ذلك بما إذا كان بعد التمكن وإن كان هو غير مجد لهم في الحكم في أصل المسألة، لأن التمكن من الأداء معتبر في الضمان لا في الوجوب، والفرض أن خطاب النصف أو الكل حصل بعد خطاب الزكاة، فهو كما لو كان تالفا من يدها، وهو واضح. هذا كله فيما لو طلقها قبل الاخراج من العين، أما لو كان بعده فالمتجه أخذ نصف الموجود وغرامة نصف قيمة المخرج في الزكاة أو نصف مثله إن كان مثليا، ولا ينحصر حقه في الباقي وفاقا لما سمعته من الدروس والبيان، وهو المحكي عن التذكرة في آخر كلامه خلافا للمحكي عن المبسوط والتحرير وغيرهما، فحصروه في الباقي، بل ربما استظهر من المتن والقواعد ومحكي المنتهى، ولعله لاطلاق كلامهم وإن كان قد يحتمل كون موضوع المسألة في كلامهم ما كان قبل الاخراج، وقد عرفت أن التحقيق فيها ذلك. وعلى كل حال فلا ريب في أن الأقوى ما ذكرنا، لما عرفت من أن نصف المهر حقيقة الحصة المشاعة في جميع أجزائه، فمع فرض تلف شئ ولو بالانتقال ألى الغير يسقط من النصف على النسبة، وإن غرمت له القيمة أو المثل، لأنه في يدها مضمون

[ 149 ]

عليها، وبذلك ظهر لك الفرق بين الطلاق قبل الاخراج وعدمه، ضرورة عدم ملك الفقير في الأول لجميع الشاة بل حصة منها لا تعارض ملك الزوج لنصفها، بخلاف الثاني الذي قد ملك الفقير فيه جميع الشاة، كما هو واضح، أما لو كان الاخراج من غير العين فلا خلاف أجده في استحقاق الزوج النصف كملا من المجموع، لوجود المقتضي، وهو الطلاق، وعدم المانع كما عرفت، وما يتوهم في بادى النظر - من أن ذلك انتقال جديد إليها بسبب أداء القيمة أو غيرها، والطلاق إنما يفسخ الملك الحاصل لها بسبب النكاح دون غيره من النواقل الجديدة، فلو فرض انتقال المهر عنها بهبة أو نحوها ثم عاد إليها بارث أو غيره ثم طلقها قبل الدخول لم يكن له إلا القيمة، لأن الطلاق فاسخ لا ناقل - يدفعه - بعد تسليم أن ليس له إلا القيمة فيما فرض مثالا لما نحن فيه - أن ما هنا ليس كذلك، لما عرفت من عدم المعارضة بين حق الزكاة وما يثبت للزوج من النصف، لكونهما حقين مشاعين في المال المحتمل لهما من غير عول كما أوضحناه سابقا، فلا فرق بين بقائه للفقير وبين انتقاله عنه حينئذ، والله أعلم. (ولو هلك النصف) بعد قسمته مع الزوج قبل أداء الزكاة حيث يصح لها ذلك (بتفريط) منها ولم تؤد الزكاة لفلس أو غيره (كان للساعي أن يأخذ حقه من العين) التي في يد الزوج (ويرجع الزوج عليها به، لأنه مضمون عليها) إلا أن الظاهر كون حقه نصف الزكاة لا تمامها بناء على ما عرفته من الاشاعة، ويتبعها أي الساعي في النصف الآخر، لأن الفرض التفريط منها، نعم إذا لم يكن تفريط فلا رجوع له عليها، وأما احتمال رجوعه بتمام الزكاة على ما في يد الزوج فلايتم على ما قلناه من تعلقها بالعين على وجه الاشاعة لا الكلي في النصاب، كما أن المتجه بناء على ما ذكرنا لو كان التلف بعد الطلاق انتقال نصف الموجود إلى الزوج، ويغرمها ما قابل النصف التالف، لا أنه يختص بالموجود، ضرورة اقتضاء الشركة ذلك، كما هو واضح بأدنى تأمل، والله أعلم.

[ 150 ]

(ولو كان عنده نصاب فحال عليه أحوال فان أخرج زكاته في) رأس (كل سنة من غيره تكررت الزكاة فيه) لعدم نقصانه (وإن لم يخرج) من غيره (وجب عليه زكاة حول واحد) لحصول النقصان حينئذ بناء على المختار من كون التعلق في العين تعلق شركة، أما على تقدير وجوبها في الذمة فالمتجه حينئذ تكرار الزكاة في كل سنة ولو وصل إلى حد يستوعب النصاب أو يزيد عليه بتعاقب السنين، وهو واضح، (نعم لو كان عنده أكثر من نصاب) كتسعة وأربعين من الغنم مثلا فحال عليه الحول (كانت الفريضة في النصاب ويجبر) في الحول الثاني (من الزائد) فتجب فريضته (وهكذا في كل سنة حتى) ينتهي الزائد ف‍ (- ينقص المال عن النصاب) كما في السنة الحادية عشر في المثال المفروض فانه لا تجب فيها زكاة لنقصان النصاب في السنة العاشرة (و) كذا (لو كان عنده ست وعشرون من الابل ومضى عليها حولان وجب عليه) للحول الأول (بنت مخاض) فينقص النصاب (و) يرجع في السنة الأخرى إلى نصاب الخمس وعشرين، فيجب فيه (خمس شياه، فان مضى عليها ثلاثة أحوال وجب عليه) للأول (بنت مخاض) وللثاني خمس شياه، وللثالث أربع شياه، لنقصانه عن نصاب الخمس وعشرين بالسنة الثانية، فيرجع إلى نصاب العشرين الذي فيه أربع (و) يكون المجموع حينئذ (تسع شياه) وذلك كله واضح، لكن في المدارك " لا يخفى أن ذلك مقيد بما إذا كان النصاب بنات مخاض، أو مشتملا عليها، أو قيمة الجميع قيمة بنت المخاض، أما لو انتفت الفروض فان كانت زائدة عن قيمة بنت المخاض أمكن أن يفرض خروج قيمة بنت المخاض عن الحول الأول من جزء وأخذه من النصاب، ويبقى منها قيمة خمس شياه عن الحول الثاني، فتجب في الثالث خمس شياه أيضا، ولو كانت ناقصة عن قيمة بنت المخاض نقص النصاب في الحول الثاني عن خمس وعشرين، فيجب فيه أقل من خمس شياه، كما لا يخفى " وهو جيد وإن كان ما فرضه أخيرا يمكن أن

[ 151 ]

يحصل في نصاب بنت المخاض أو المشتمل عليها أذا فرض كونها من الأفراد العائبة، فان الواجب للفقير حينئذ في النصاب قيمة الواسط من بنت المخاض، وخطاب الزكاة لا يتعلق في بنت المخاض التي هي أحد أجزاء النصاب، بل الواجب فيها جزء أيضا كغيرها، كما هو واضح، والأمر سهل، هذا، ولا أظنك تحتاج بعد ذلك إلى كيفية تفريع هذه الفروع ونظائرها على قولي تعلق الرهانة وأرش الجناية مع كونها في الذمة وعدمه، وما يتأتى منها وما لا يتأتى، ولا كيفية التفريع، لوضوحه بأدنى تأمل حتى مسألة الضمان بالتمكن من الايصال للمستحق وعدمه، وإن كان قد يقال: إن مسألة الضمان وعدمه لا تبتني على الأقوال، لوفاء الأدلة من الاجماع والنصوص، فلاحظ وتأمل جيدا. (والنصاب المجتمع من المعز والصأن وكذا من البقر والجاموس وكذا من الابل العراب والبخاتي تجب فيه الزكاة) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، لكون الجميع من جنس واحد هنا، ولتعليق الزكاة على اسم الابل والبقر والغنم الشامل للجميع (و) لكن الكلام في أن (المالك بالخيار في إخراج الفريضة من أي الصنفين شاء) تسارت القيم أو اختلفت كما هو ظاهر القواعد والارشاد وصريح جماعة من متأخرى المتأخرين، وربما لاح من السرائر، أو أنه يجب التقسيط والأخذ من كل بقسطه مع تفاوت القيم على معنى إخراج فريضة قيمتها مقسطة على الصنفين على النسبة كما هو خيرة الفاضل في بعض كتبه والشهيدين والكركي وأبي العباس والصيمري ومحكي المبسوط وغيره، بل قيل: أنه المشهور، لأنه الذي تقتضيه قاعدة الشركة، فلو كان عنده عشرون بقرة وعشرون جاموسة وقيمة المسنة من أحدهما أثنا عشر ومن الآخر خمسة عشر أخرج مسنة من أي الصفين شاء قيمتها ثلاثة عشر ونصف التي هي مجموع نصفي القيمتين، بل احتمل في البيان أنه يجب في كل صنف نصف مسنة أو قيمته كما عن

[ 152 ]

بعض العامة، ثم قال: " ورد بأن عدول الشرع في الناقص عن ست وعشرين من الابل إلى غير العين إنما هو لئلا يؤدي الاخراج من العين إلى التشقيص، وهو هنا حاصل، نعم لو لم يؤد إلى التشقيص كان حسنا، كما لو كان عنده من كل نصاب " وفيه أن التشقيص لازم بناء على ما سمعته سابقا من كيفية تعلقها بالعين، بل عند التأمل مرجع هذا الاحتمال إلى القول بالتقسيط السابق، ضرورة أنه مع فرض عدم الفريضة التي قيمتها ما عرفت ينتقل إلى التنصيف المزبور في القيمة، بل هذا الاحتمال أوفق بقواعد الشركة عند التأمل، نعم هو مناف لا طلاق ما دل على إجزاء مسمى الفريضة كمافاة القول بالتقسيط لذلك، وكشف الحال بناء على ما ذكرناه من كيفية تعلق الزكاة في العين وأنها على الاشاعة وأن هذه المسماة بالفريضة ذكرت ضبطا لتلك الحصة المتعلقة بالمال، ومن هنا انصرفت إلى الوسط من المسمى، فلا يجزي الأدنى، ولا يكلف الأعلى، وحينئذ لا تفاوت في كون النصاب جميعه من الجاموس أو من البقر أو مجتمعا بعد فرض كون الجميع من جنس واحد هنا، والحصة واحدة، لتقديرها بأقل أفراد الوسط من الجنس، فإذا دفعه من أي صنف يكون أجزأ، لصدق الامتثال، وإن تطوع بالعالي من أفراط الوسط زاد خيرا كما لو تطوع بأعلى أفراد الجنس، نعم لا يجزيه الأدنى من أفراد الصنف الأدنى من أفراد الجنس، لأنه أدنى الجنس حينئذ، وقد عرفت تقدير حصة الفقير بغيره، بخلاف الوسط من أي صنف يكون، فإذا كان الأمر كذلك لم تكن قاعدة الشركة تقتضي التقسيط المزبور. نعم لو كان هناك خطابان: أحدهما يقتضي وجوب تبيع الجاموس لو كان هو النصاب والآخر يقتضي تبيع البقر اتجه مراعاة الأمرين في الاجتماع على حسب النسبة، لا ما نحن فيه الذي ليس فيه إلا خطاب واحد، وهو قوله (عليه السلام): " في كل الجواهر - 19

[ 153 ]

ثلاثين من البقر تبيع " مثلا، والفرض شموله للصور الثلاثة، كما أن ظاهره يقتضي اتحاد الفريضة فيها أجمع، وليس إلا على ما ذكرنا، لأن الفريضة في كل صورة مغايرة للأخرى، ضرورة عدم إمكان استفادة ذلك من نحو الخطاب المزبور بناء على التعلق بالعين على الوجه الذي ذكرناه، كما هو واضح بأدنى تأمل. ومن ذلك ظهر لك قوة القول الأول وأن المالك بالخيار لكن على الطريق المزبور وأنه لا ينافي القول بالشركة التي قد عرفت كونها على الوجه المذكور، بل ليس النصاب المجتمع من الصنفين إلا كالنصاب من الصنف الواحد المختلفة أفراده بالجودة، فانه لا إشكال في عدم التقسيط فيه، فكذا ما نحن فيه، ضرورة عدم الفرق بين اختلاف القيمة في أفراد الصنف الواحد والصنف المتعدد بعد الاتحاد في الجنس الذي هو مورد خطاب الزكاة، وصدق اسم الفريضة على كل من الفردين، والفرض أن التقدير بها كما هو واضح، بل ظهر مما ذكرنا أنه يجزى عن نصاب كل من الصنفين فرد من الصنف الآخر، فيجزي عن نصاب الضأن ثني من المعز، وعن نصاب المعز جذع من الضأن كما عن التذكرة التصريح به، بل عنها أيضا والمبسوط أنه إذا كان المال ضأنا أو ماعزا كان الخيار لرب المال، إن شاء أعطى من الضأن، وإن شاء من الماعز، وهو موافق لما قلناه هنا، لكن المحكي عنهما فيما نحن فيه التقسيط، وهو مناف لذلك، إلا أن يحمل على عدم اختلاف القيمة، إذ الظاهر عدم اعتبار التقسيط، لعدم الفائدة فيه وإن اقتضاه إطلاق بعضهم، لكن يجب تنزيله على اختلاف القيمة، بل ربما كان في كلامه ما يشهد بذلك، وعلى كل حال فالتحقيق ما عرفت. (ولو قال رب المال: لم يحل على مالي الحول أو قد أخرجت ما وجب علي) أو تلف ما ينقص تلفه النصاب أو لا حق علي أو نحو ذلك (قبل منه) ما لم يعلم كذبه بلا خلاف يظهر منا كما اعترف به في الجملة بعضهم للأصل في البعض وقول أمير المؤمنين

[ 154 ]

(عليه السلام) (1) في حسن يزيد بن معاوية لمصدقه: " ثم قل لهم يا عباد الله أرسلني اليكم ولي الله لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه إلى وليه ؟ فان قال لك قائل: لا فلا تراجعه، فان أنعم لك منعم منهم فانطلق معه " وفي رواية أخرى (2) " فان ولى عنك فلا تراجعه " مؤيدا ذلك كله بأن الاخراج حق له، لكونه ولاية كولاية الوكيل، كما هو حق عليه، ولأنه لا يعلم غالبا إلا من قبله، لعدم انحصار المستحق حتى يستعلم، خصوصا وقد جاز احتسابها من دين وغيره مما يتعذر الاشهاد عليه، ولأنه عبادة فيقبل قوله في أدائها (ولم يكن عليه بينة ولا يمين) في ذلك وإن كان مخالفا للأصل بلا خلاف أجده، نعم في الدروس يصدق المالك في تلفها بظالم وغيره بيمينه بعد الحكم بتصديقه في عدم الحول بغير اليمين، قيل: ولعله لكون الأولى على خلاف الأصل دون الثانية، لكن مقتضاه ثبوته في كل ما كان من هذا القبيل حتى الاخراج، أللهم إلا أن يفرق بينه وبين غيره بأنه عبادة، فلا يكلف البينة على أدائها بخلاف غير الاخراج. (و) كيف كان ف‍ (- لو شهد عليه شاهدان) بأنه قد حال الحول أو أن المال موجود غير تالف (قبلا) لعموم ما دل على قبول البينة، ولا معارض له حتى الحسن المزبور (3) الظاهر في غير المفروض، أما لو شهدا بعدم الاخراج فان كان مع دعوى المالك الاخراج في صورة يمكن الشهادة بنفيها، كأن يقول: دفعت الزكاة إلى هذا المستحق في اليوم الفلاني من غير محاسبة عليه بدين ونحوه فشهدا بأنه لم يكن في ذلك اليوم في هذا البلد ودفعت الشاة الفلانية في يوم كذا فشهدا بأنها قبله ونحو ذلك فلا إشكال في القبول، لأنه وإن كان نفيا إلا أنه باعتبار كونه شيئا مخصوصا يرجع إلى


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 - 105 لكن روى الاول عن بريد بن معاوية

[ 155 ]

الاثبات، بخلاف النفي المطلق الذي لا يمكن العلم به غالبا، وكذا لا تقبل دعوى المالك مع العلم بكذبها، ضرورة أولوية ذلك من عدم سماعها مع الشهادة عليه بخلافها، مضافا إلى أدلة الأمر بالمعروف وغيره، وبه صرح في الروضة وغيرها، بل كأنه من الواضحات، لكن ربما توهم القبول معه عملا باطلاق الحسن المعلوم عدم أرادة ما يشمل ذلك منه، كما هو واضح. (وإذا كان للمالك أموال متفرقة) في أماكن متعددة إلا أنها من جنس واحد (كان له إخراج الزكاة من أيها شاء) بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة خياره مع الاجتماع، وقاعدة الشركة لا تنافي ذلك بعد ثبوته بالأدلة السابقة، وكذا لو كانت أجناسا مختلفة بناء على الاجتزاء بالقيمة، وأنها لا تخص النقود، فلم يتضح لنا وجه ذكر المصنف ذلك هنا مع استفادته من المباحث المتقدمة، ويمكن أن يكون لخلاف بعض العامة أو لدفع توهم المنع من ذلك، للمنع من إخراج الزكاة عن البلد التي حصلت فيه مع وجود المستحق، لكن تسمع إن شاء الله تحقيق الحال في ذلك. (ولو كان السن الواجبة في النصاب) كبنت المخاض والحقة والمسنة (مريضة) وباقي النصاب صحيحا (لم يجب) على الساعي (أخذها) لو دفعها المالك بل لا يجوز (وأخذ غيرها) مما هو من أفراد الفريضة إن اختار المالك شراءها مثلا، فان لم يختر المالك ذلك ولا البدل الشرعي الذي عرفته سابقا دفع القيمة من النقدين أو غيرهما (بالقيمة) على التفصيل الذي مر سابقا، وكأن المصنف ذكر ذلك توطئة لما بعده، وهو قوله: (ولو كان كله مراضا) بمرض واحد (لم يكلف شراء صحيحة) بلا خلاف بل ظاهر نسبته إلى علمائنا في المدارك ومحكي المنتهى الاجماع عليه، كظاهر اقتصار نسبة الخلاف فيه إلى مالك ومحكي التذكرة، بل هو صريح الحدائق للأصل وما سمعته سابقا من أن الزكاة في العين على وجه الشركة حقيقة، وأن المراد من ذكر الفريضة

[ 156 ]

تقدير الحصة الواجبة، فلا تفاوت حينئذ بين كون النصاب مريضا أو صحيحا، ضرورة رجوع الحال إلى نحو قولهم (عليهم السلام) (1): " فيما سقت السماء العشر " الذي من المعلوم عدم الفرق فيه بين الجيدة والردية، فكذا قوله (عليه السلام) (2): " في الأربعين شاة شاة " المراد منه وجوب ربع العشر، وانسياق الصحة من قولهم (عليهم السلام) (3): " في ستة وعشرين من الابل بنت مخاض " ونحوه لم سلم غير مناف بعد كون المراد منه تقدير النسبة، فمع فرض ضبطها بنسبة الصحيح من بنت المخاض إلى باقي النصاب الصحيح كان الواجب الحصة المشاعة التي هي العشر ونحوه مثلا، فلا تفاوت حينئذ بين المراض والصحاح، إذ حاصله أن الله تعالى أوجب الزكاة في الابل والبقر والغنم كما هو مضمون النصوص، ولاحظ تقدير الحصة في الجميع بالصحيح، كما هو واضح. نعم لو فرض تفاوت المرض أو فرض كونه في البعض دون البعض اتجه عدم الاجتزاء بالمريضة حينئذ، لعدم انطباقها على الحصة المشاعة التي هي ربع العشر في الأربعين من الغنم مثلا، إذ الفرض تفاوت الأفراد في القيمة، فلو كان عنده عشرون شاة صحيحة قيمة كل شاة عشرة دراهم، وعشرون مريضة قيمة كل واحدة منها خمسة دراهم كان قيمة ربع العشر منه سبعة دراهم ونصف، لا الخمسة دراهم الذي فيه ضرر على الفقير ولا العشرة الذي فيه ضرر على المالك، ومع ذلك مناف لقاعدة الشركة، ومن هنا صرح الشيخ وابن حمزة والفاضل والشهيدان والكركي وغيرهم بمراعاة التقسيط في صورة التلفيق، بل نسبه بعضهم إلى الأصحاب، لكن قالوا: إنه يخرج حينئذ فرد من مسمى الفريضة قيمته نصف قيمة الصحيح ونصف قيمة المريض لو كان التلفيق بالنصف


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الأنعام

[ 157 ]

وهكذا في الثلثين والثلث وغيره، بل في محكي التذكرة والتحرير لو كان كله مراضا والفرض صحيح لم يجز أن يعطي مريضا، لأن في الفرض صحيحا، بل يكلف شراء صحيح بقيمة الصحيح والمريض، قال في الأول: فإذا كانت بنت لبون صحيحة في ستة وثلاثين مراض كلف بنت لبون صحيحة بقيمة جزء من ستة وثلاثين جزءا من صحيحة وخمسة وثلاثين جزءا من مريضة، لكن قد يشكل ذلك بأن الفريضة لا ينظر إلى قيمتها أصلا إلا إذا أخرجت من غير الجنس أو من غير المقدر شرعا، أما إذا أخرج ما يقع عليه الاسم شرعا فانه يجزي ولا ينظر إلى القيمة، نعم يستقيم الاخراج فيما إذا كانت الفرائض متعددة كبنتي لبون من ست وسبعين نصفها مراض، فانه يجزي إخراج صحيحة ومريضة، وكذا إذا أخرج القيمة فانه يراعى فيها الصحة والمرض، ومما يؤيد ذلك أنك قد عرفت فيما تقدم سابقا عدم إجزاء المريضة والهرمة وذات العوار، والمراد اعتبار أن لا تكون الفريضة إحدى الثلاث، فيكون الحاصل أنه في الأربعين شاة شاة ليست إحدى الثلاث، وأظهر أفراد ذلك ما لو كان النصاب جميعه أو معظمه صحيحا والباقي مريضا أو ذات عوار، ومقتضاه وجوب شاة منه ليست إحدى الثلاث، وهو أحد صور التلفيق، مع أنه لم يلحظ فيه التقسيط، بل قد ينقدح من ذلك عدم اعتباره في القيمة أيضا، ضرورة كونها عوض الفريضة التي لم يعتبر الشارع فيها ذلك، فليست هي حينئذ إلا كفريضة النصاب المختلف بالجودة والأجودية، فان الظاهر عدم مراعاة التقسيط فيه سواء أخرج الشاة مثلا أو قيمتها، نعم يعتبر في الشاة أن تكون من أواسط الشياه، للانصراف الذي عرفته سابقا، ويختص إجزاء المريضة مثلا فيما إذا كان النصاب كله مريضا لما سمعته، لعله لذا قال في المدارك: متى كان في النصاب صحيحة لم تجز المريضة، لاطلاق النهي عن إخراجها، بل يتعين إخراج الصحيح إلا أني لم أجده لغيره، نعم لعله ظاهر الرياض أيضا، فلاحظ وتأمل.

[ 158 ]

ودعوى الشك في وجوب الصحيحة في الفرض المزبور لانصراف النهي عن أخذ المريضة إلى غيره يدفعها أن مقتضاها الاجتزاء بالمريضة، لعدم معارض للاطلاقات حينئذ، ويمكن تحصيل الاجماع على خلافه، ولو سلم عدمه فلا ريب في حصول الشك بالبراءة بها عن الشغل اليقيني للشك في إرادة ذلك من الاطلاق، أما إذا أخرج شاة صحيحة من أواسط الشياه أجزأه قطعا، لصدق الامتثال وإن لم يلحظ التقسيط في قيمتها، وقاعدة الشركة بعد تقدير الشارع للحصة بما أخرجه لا يلتفت إليها، بل الظاهر الاجتزاء بقيمتها، لأنها هي مقدر الحصة، بل هذا هو الفائدة في التنصيص عليها بالتقدير، فيرجع باخراج القيمة إليها لا قيمة الحصة كي يحتاج إلى التقسيط، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع، وإن قل الموافق عليه، إلا أنه كفى بالحق رافعا للوحشة، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لا تؤخذ الربى وهي الوالدة إلى خمسة عشر يوما) على المعروف بين الأصحاب، بل نسبه بعضهم إليهم مشعرا بالاجماع عليه وإن كان كثير منهم بعد تفسيرها بذلك قال: (وقيل إلى خمسين) يوما إلا أنه لم نعرف قائله، كما أنه لم نعرف من نص على الأول من أهل اللغة عداما تسمعه عن الأزهري، نعم عن مجمع البحرين حكايته بلفظ القيل، كالتفسير بالعشرين يوما، وبالشهرين، وبالشاة القريبة العهد بالولادة، وبالشاة التى تربى في البيت من الغنم لأجل اللبن، ثم قال: وخصها بعضهم بالمعز، وبعضهم بالضأن، وعن جامع اللغة " هي الشاة إذا ولدت وأتى عليها من ولادتها عشرة أيام أو بضعة عشر يوما " وفي الصحاح " الشاة التي وضعت حديثا، وجمعها رباب بالضم، والمصدر رباب بالكسر، وهو قرب العهد بالولادة، تقول شاة ربى بينة الرباب بالكسر وأعنز رباب بالضم، قال الأموي: هي ربى ما بينها وبين شهرين، وقال أبو زيد: الربى من المعز، وقال غيره من المعز والضأن جميعا، وربما جاء في الابل أيضا، قال الأصمعي: أنشدنا منتجع بن نبهان حنين أم البوفى ربابها " انتهى،

[ 159 ]

وعن الأزهري " ربانها ما بينها وبين خمس عشرة ليلة " وفي المحكي عن المغرب " الربى الحديثة النتاج من الشاة " وعن أبي يوسف " التي معها ولدها " وفي المحكي عن الفائق أنها التي في البيت للبلن، وقيل: الحديثة النتاج، ونحوه عن نهاية الجزري، كما أن المحكي عن الثعالبي في فقه اللغة وابن قتيبة في المجمل وأدب الكاتب نحو ما سمعته عن الأموي وعن العين " هي الشاة من حين تلد إلى عشرين يوما " وعن أبي فارس " أنه لم يذكر في المقاييس إلا بمعنى ما يحبس من الشاة في اللبن " وفي المحكي عن القاموس " الربى كحبلى الشاة إذا ولدت وإذا مات ولدها والحديثة النتاج، ويمكن أن يكون ما في كلام الأصحاب تحديدا لقرب النتاج كما أو ما إليه ثاني الشهيدين في الروضة، فقال: " هي بضم الراء وتشديد الباء الوالد من الأنعام عن قرب إلى خمسة عشر يوما " إلا أن هذا التعميم لم نجده لغيره صريحا كما اعترف به بعضهم، بل ربما ظهر من البيان وكثير من كتب الأصحاب اختصاصها بالشاة، وكذا ما سمعته من كتب اللغة، فانها متفقة على عدم هذا التعميم، نعم عن أبي عبيدة " الربى من المعز والضأن وربما جاء في الابل " ولعله الذي أرسله في الصحاح، ويمكن أن يكون ذلك منه للاشتراك في العلة، وإطلاق موثق سماعة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا تؤخذ أكولة، والأكولة الكبيرة من الشياه تكون في الغنم، ولا والدة ولا الكبش الفحل " وأما صحيح عبد الرحمن (2) عنه عليه السلام أيضا " ليس في الأكيلة ولا في الربى، والربى التي تربي اثنين، ولا شاة لبن ولا فحل الغنم صدقة " فقد يؤيد اختصاصها بالمعز، لأنها هي التي تلد اثنين، نعم تفسيره الربى بذلك لم نعثر على من فسره به من الفقهاء واللغويين عدا الأستاذ في كشفه، لعله من


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 (2) فروع الكافي ج 1 ص 535 المطبوعة عام 1377 " باب صدقة الغنم " الحديث 2

[ 160 ]

الراوي، ولذلك أعرض عنه الأصحاب، لكن عن الفقيه (1) روايته " ولا في الربى التي تربي اثنين " فيتعين كونه من لفظ الامام (عليه السلام)، ويمكن أن يكون الحذف فيها من النساخ. وكيف كان فالحكم مقطوع به في كلام الأصحاب كما اعترف به غير واحد، إلا أنهم اختلفوا في تعليله اختلافا يقتضي الاختلاف في الحكم، ففي الدروس والروضة تعليله بأنها نفساء، والنفاس مرض، فتندرج في النهي عن المريضة أو ذات العوار أي العيب، وفي المسالك الاستدلال عليه بقول الثعالبي " يقال امرأة نفساء، نافة عائذ، أتان فريش، نعجة رغوت، غنز ربى " قال: " ومقتضى جعلها نظيرة النفساء أن المانع من إخراجها المرض، لان النفساء مريضة، ومن ثم لا يقام عليها الحد " وعلله الفاضلان بأن فيه إضرار بالمالك، لاستقلالها بتربية ولدها، ومقتضى الأول عدم الاجتزاء بها وإن رضي المالك، للاضرار بالمستحقين، وبه صرح في الروضة وفوائد الشرائع بخلاف الثاني فتجزي مع رضى المالك كما عن جماعة التصريح به منهم المصنف والفاضل، بل قد يظهر من محكي المنتهى عدم الخلاف فيه، فانه - بعد أن نفى أخذ الربى والأكولة وكرائم الأموال وفحل الضراب والحامل - قال: " ولو تطوع المالك بذلك جاز بلا خلاف، لأن النهي في هذه منصرف إلى الساعي التفويت المالك النفع، وللارفاق به، لا لعدم إجزائها " وربما يؤيده ما عن النهاية من حديث عمر (2) وعن الربى والماخض والأكولة أمر المصدق أن يعد على رب المال هذه الثلاثة ولا يأخذها في الصدقة، لأنها خيار المال، ضرورة ظهوره في كون المنع مراعاة للمالك، بل لعل جمعها مع شاة اللبن وفحل


(1) الفقيه ج 2 ص 14 - الرقم 37 طبع النجف (2) سنن البيهقى ج 4 ص 100 و 101 مع الاختلاف في اللفظ الجواهر - 20

[ 161 ]

الغنم والأكيلة ووصفها بتربية الاثنين في صحيح عبد الرحمن (1) يؤمي إليه أيضا. إلا أن الجميع كما ترى، إذ لا يخرج بذلك عن العلة المستنبط، لا أقل من الشك، فيتجه حينئذ العمل باطلاق النهي، فلا تجزي وإن رضي المالك، بل لعله الظاهر منه، ضرورة أنه لا يجوز للساعي أن يأخذ شيئا من الغنم من دون رضى المالك سواء كان أحد هذه المذكورات أو غيرها، فلا وجه لاختصاص المنع فيها على تقدير عدم رضاه، أللهم إلا أن يحمل على خصوص ما إذا امتنع المالك عن الزكاة وأريد أخذها منه قهرا، لكن حمل ما في النص والفتوى على خصوص هذه الصورة كما ترى، فلا ريب في أن الأقوى عدم الاجتزاء بها مطلقا، نعم ينبغي اختصاص ذلك بالشاة، لما عرفت من أنها هي الربى دون غيرها الباقي على مقتضى الاطلاق، ودعوى اندراج النفاس في المرض يمكن منعها، وكلام الثعالبي مع أنه ليس حجة في الأحكام الشرعية لا دلالة فيه علي كون النفاس مرضا، كما هو كذلك في الانسان، بل ربما خصها بعضهم بالمعز، وقد عرفت شهادة الصحيح (2) له، لكن قد سمعت أن كلام الأكثر على خلافه، والمثبت مقدم على النافي، وما في الصحيح لم يعلم كونه من الامام (عليه السلام)، وكذا ينبغي الاقتصار فيها إلى الخمسة عشر يوما، وما عداها يبقى على مقتضى إطلاق الأدلة، وما عن النهاية من أن الضابط استغناء الولد عنها واضح المنع، وكلام أهل اللغة وإن كان مطلقا في القرب من الولادة إلا أنه يشكل الأخذ به في الزائد على ذلك، لما سمعته من كلام الاصحاب الذي به يقوى الاطلاق بحيث لا يصلح الاستصحاب معارضا له. هذا كله إذا لم يكن الجميع ربى، وإلا أجزأه خروجها كما صرح به غير واحد، بل في الرياض قولا واحدا للاطلاق السالم عن معارضة ما هنا بعد انصرافه إلى غير الفرض، لكن عن التذكرة الأقرب إلزامه بالقيمة، ولا وجه له على كل من التعليلين،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 162 ]

أللهم إلا أن يكون العلة الاحترام لولدها، بل ولها من جهة ما يحصل لهممن الأذى بالمفارقة، والصدقة لا يتبعها أذى، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأعرابي في مرسل النوفلي المروي في آخر كتاب المعايش (1) من الكافي: " اهد لنا ناقة ولا تجعلها ولها " أي شديدة الحزن بانقطاع ولدها عنها، لكن على كل حال لا يلزم بالقيمة فان له شراء شاة غير ربى ويدفعها، واحتمال عدم الاجتزاء بها لكون النصاب ربابا كما هو المفروض يدفعه ما سمعته سابقا من عدم وجوب كون الفريضة من صنف النصاب، كما هو واضح، ومما تقدم في المريضة تعرف الحال في الملفق من الربى وغيره، بل هو من المسألة السابقة بناء على أن المنع فيها للنفاس الذي هو المرض، فلاحظ وتدبر. (و) كذا (لا) تؤخذ (الأكولة) بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهرهم الاتفاق عليه، كما اعترف به بعضهم للموثق المزبور (2) والصحيح (3) بناء على أن المراد منه الأخذ لا العد كما ستعرف الحال فيه، نعم عن جماعة تقييد ذلك بما إذا لم يبذلها المالك بل قد سمعت نفي الخلاف عنه في محكي المنتهى وفي شرح اللمعة للاصبهاني مما لا شبهة فيه، (و) هو مبني على أن العلة في المنع دفع الضرر عن المالك والارفاق به، لكونه المنساق من تفسيرها بأنها (هي السمينة المعدة للأكل) بلا خلاف أجده فيه، ولا ينافيه تفسيرها في الموثق بالكبيرة بعد إرادة السمينة منه لا كبر السن، وفي الصحاح " الأكولة الشاة التي تعزل للأكل وتسمن، ويكره للمصدق أخذها " وعن العين والمقاييس " أنها التي ترعى للأكل " والظاهر عدم إرادة التخصيص بالرعي، لكن لا يخفى أن الاعتماد على مثل ذلك في تنقيح العلة على وجه يفيد جواز أخذها زكاة لو بذلها المالك وينزل إطلاق النهي عليه لا يخلو من إشكال، خصوصا بعد احتمال كون مراعاة المالك حكمة لخروجها


(1) فروع الكافي ج 3 ص 317 من الطبع الحديث " باب النوادر " الحديث 54 (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 - 1

[ 163 ]

عن قبول دفعها فريضة زكاة شرعا، فلا ينفع بذل المالك، بل لعل ذلك هو الظاهر، سيما من صحيح عبد الرحمن، مضافا ألى ما سمعته سابقا في الربى من عدم فائدة للنهي عن الأخذ مع عدم رضا المالك إلا نادرا، فلعل الأقوى عدم الاجتزاء بها إن لم يقم إجماع على خلافه، والظاهر عدم ثبوته، فلاحظ وتأمل، هذا، وفي شرح اللمعة للاصبهاني " لعل ما في العين والمقاييس وغيرهما من التفسير بالشاة على سبيل التمثيل " وفيه منع خصوصا بعد تعارف الاعداد منها لا الابل والبقر، والتنصيص عليها في الموثق، والمدار في كونها معدة للأكل على العرف، ولعله يقضي بما كان كذلك بالقوة القريبة من الفعل، ثم إنه يختلف باختلاف عادة المالك، وهل المعتبر إعداده لنفسه أو مطلقا حتى يدخل ما يعده الجزارون لغيرهم ؟ فيه نظر، والأظهر الأول كما في شرح اللمعة للاصبهاني ولو كان النصاب جميعه أكولة فعن التذكرة وجوب إخراجها، وفيه ما لا يخفى، نعم يجزيه خروجها كالمريضة التي يستفاد مما قدمناه فيها معرفة الحكم في التلفيق هنا أيضا بأدنى تأمل. (و) كذا (لا) يؤخذ (فحل الضراب) بدون إذن المالك بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه، أما مع بذله فقد صرح غير واحد بأخذه حينئذ، بل في محكي المنتهى نفي الخلاف عنه. وهو مبني على ما عرفت، وفيه البحث السابق، ولذا جزم ثاني الشهيدين والمحققين في المسالك وشرح القواعد وغيرهما بأنه لا يجزي إلا بالقيمة، وهو قوي جدا، لا طلاق النهي الذي لم ينقح علته دليل معتبر بل ربما يؤمي النبوي (1) " لا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق " إلى عدم كونها مراعاة المالك، خصوصا مع كون النهي فيه عن الاخراج لا الأخذ، ولا فرق في ذلك بين كونه أعلى قيمة من الفريضة أولا، فما عن بعضهم من التفصيل بذلك فيؤخذ في


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 87

[ 164 ]

الأول دون الثاني واضح الضعف، ضرورة اقتضائه جواز أخذ غير مسمى الفريضة مع بذل المالك وعلو قيمتها لا على وجه القيمة، كما هو محل البحث، نعم لو كان الكل فحولة اتجه جواز أخذه كما نص عليه غير واحد، لا طلاق الأدلة السالم عن معارضة ما هنا بعد انصرافه إلى غير ذلك، أما إذا لم يكن كذلك فالمتجه المنع كما عرفت حتى لو كان زائدا على الحاجة، لا طلاق النهي، فما عن بعضهم من تقييده بما إذا لم يكن زائدا على الحاجة وإلا كان كغيره محتاج إلى تنقيح كون العلة الحاجة، وليس، ودعوى ظهور الاضافة إلى الغنم في صحيح عبد الرحمن وإلى الضراب في فتاوى الأصحاب في ذلك واضحة المنع، خصوصا بعد احتمال أن تكون الأولى لاخراج الابل والبقر كما يشهد له لفظ الكبش في الموثق (1) وعدم القول بالفصل بين الجميع لم نتحققه، بل المتحقق خلافه نعم نهى عن أخذه والأكولة في البيان في الابل والغنم، وبعضهم أطلق، والثانية بمعنى الحاصل منه الضراب ونحوه لا المحتاج إليه لذلك، كما هو واضح. هذا كله في الأخذ، أما العد فلاخلاف أجده في أن الربى تعد، بل نقل الاتفاق عليه غير واحد، بل قيل: إنه ضروري، نعم هو بالنسبة إلى الأكولة وفحل الضراب متحقق، فعن أبي الصلاح عدم عد الأخير، واستظهره في المحكي من مجمع البرهان وزيد في النافع والارشاد واللمعة والروضة والحدائق عدم عد الأكولة أيضا لظاهر صحيح عبد الرحمن (2) المؤيد بما أرسله في السرائر من أنه لا يعد فحل الضراب في شئ من الأنعام، والمشهور نقلا على لسان جماعة إن لم يكن تحصيلا عدهما، لاطلاق الأدلة، وفصل ثاني الشهيدين بين المحتاج إليه فلا يعد، وغيره فيعد، وأوجب أولهما في البيان عد الفحل مع كون الكل فحولا أو المعظم أو تساوت الفحول والأناث، دون ما نقص فلا يعد، وعن المنتهى أنهما لا يعدان إلا أن يرضى المالك فيعدان بلا خلاف.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 - 2

[ 165 ]

والأقوى ما عليه المشهور، للاطلاق المؤيد بما في خبر محمد بن قيس (1) من التصريح بأنه يعد صغيرها وكبيرها السالم عن المعارض عدا صحيح عبد الرحمن وما عن السرائر " روي أنه لا يعد فحل الضراب في شئ من الأنعام " والمرسل غير حجة، ولا جابر له، والصحيح يمكن إرادة الأخذ منه بقرينة اشتماله على الربى وشاة لبن، وقد حكى الاجماع غير واحد على عدهما، بل قيل: إنه لا ينبغي الشك فيه، لأن الغرض الأهم من تملك الغنم إنما هو الولادة واللبن، فلو لم تجب الزكاة فيهما لشاع وذاع وملاء الأسماع، فإذا انضم إلى ذلك فحل الضراب والأكولة كان ما يجب فيه الزكاة أقل قليل لندرة حصول نصاب تام مستوف للشرائط خال عنها، فقد صح لنا أن ندعي أن الحكم ضروري فضلا عن أن يكون مجمعا عليه، ومن ذلك يعلم أنه لا وجه لترجيح هذا الصحيح الدال على عدم العد في الربى وغيرها على الاجماع المحكي وإن احتمله بعضهم، كما أنه لا وجه لتخصيص الصحيح بالاجماع في الربى وشاة اللبن، وتبقى الأكولة وفحل الضراب على ظاهره، ضرورة عدم كونه منه بعد التنصيص على كل واحد فيه بالخصوص نعم قد يقال: إنه لا بأس بالعمل به في بعض دون بعض، لكن ذلك ليس بأولى من حمله على الأخذ، خصوصا بعد الموثق المصرح فيه بذلك الظاهر في العد، بل هو أولى قطعا، وأولى من إرادة عموم المجاز منه الشامل للعد والأخذ. وبالجملة لا يكاد يمكن أن ينكر قوة الظن بارادة الأخذ منه لا العد بملاحظة الموثق وغيره مما عرفت، مضافا إلى الاطلاقات والعمومات العظيمة التي ليس فيها إشعار بعدم العد لا مطلقا ولا مع التفاصيل المزبورة الخالية عن الدليل المعتد به، بل فيها الاشعار بخلافه، بل ربما يحصل القطع بملاحظة كل من النصوص المتعرضة لبيان الزكاة وكيفية إخراجها ولما يؤخذ وما لا يؤخذ بالعد للجميع، بل في شرح الأستاذ الأكبر أنه ربما


(1) الاستبصار ج 2 ص 23 الرقم 62 طبع النجف

[ 166 ]

يصير متواترا بالمعنى، فلاريب في فساد القول بالعد مطلقا أو مع التفاصيل المزبورة التي أضعفها ما سمعته عن المنتهى، ضرورة عدم مدخلية رضى المالك في الحكم الشرعي بعد عدم ما يقتضي تعليقه عليه، كما هو واضح. ثم إن ظاهر المصنف وغيره تخصيص المنع عن الأخذ بهذه المذكورات، لكن في التحرير والدروس والبيان ومحكي المبسوط والسرائر والتذكر زيادة الحامل، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) (1) نهى أن يأخذ شافعا أي حاملا، وعن الأخير " إلا أن يتطوع المالك باخراجها " ونحوه في التحرير والبيان، بل فيه وعن التذكرة لو طرقها الفحل فكالحامل لتجويز الحمل، وعن الأخير " لو كانت كلها حوامل وجب إخراج حامل " وفي البيان في وجوبه عندي نظر، قلت: بل منع، للأضل وإطلاق الأدلة، والشركة الحادثة في الحامل لا تقتضي الشركة في المحمول، ومن ذلك يعلم الوجه في عدم أخذ الحامل في الصورة الأولى، مضافا إلى الخبر المزبور، نعم في إلحاق المطروقة بالحامل نظر بل منع. (و) كيف كان فلا إشكال في أنه (يجوز أن يدفع من غير غنم البلد في) زكاة (الابل وإن كان أدون قيمة) للاطلاق السالم عن معارضة قاعدة الشركة في العين وغيرها، بل لا خلاف أجده فيه عدا ما يحكى عن مبسوط الشيخ وخلافه، فقال في الأول: " يؤخذ من نوع البلد لا من نوع آخر، لأن المكية والعربية والنبطية مختلفة " وفي الثاني " يؤخذ من غالب غنم البلد " وفيه أن الاختلاف لا يخرجها عن صدق الشاة التي هي مناط الامتثال للأمر بها، كما هو وواضح، نعم خالف الشهيدان والكركي وأبو العباس والصيمري على ما حكي عن بعضهم في زكاة الغنم، فلم يجوزوا الدفع من غير غنم البلد إلا أن تكون أجود أو بالقيمة، لقاعدة الشركة، مع أن الأقوى خلافه،


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 96

[ 167 ]

وفاقا للمصنف والفاضل، للاطلاق الذي قد عرفت في المباحث السابقة استفادة حكمين منه: أحدهما كون الفقير شريكا في النصاب على حسب نسبة الفريضة، وثانيهما إجزاء مسمى ما قدر الشارع به تلك النسبة عن الحصة المشاعة التي في النصاب، ولعل ذلك هو الفائدة في ذكر التقدير به، مضافا إلى بيان مقدار النسبة، وبه استحق إطلاق اسم الفريضة، وإلا فقد عرفت أنها في الحقيقة الحصة المشاعة في العين، ولو أن غير غنم البلد لا يجزي وإن صدق عليه الأسم لقاعدة الشركة لم يجز ما كان منه أيضا إذا كان خارجا عن النصاب، ضرورة منافاتهما معا لقاعدة الشركة، لكن يدفعها أن الشارع اكتفى عن تلك الحصة بمسمى الشاة التي هي من أواسط الشياه وليست أحد المذكورات فلا يتفاوت الحال بين غنم البلد وغيره، ولو أن وصف الشامية والعراقية والمكية ملاحظ في الفريضة المخرجة للوحظ فيها الأجودية ونحوها إذا كان النصاب من الأجود، وهو معلوم البطلان، كمعلومية بطلان ملاحظة النسبة لو فرض كون النصاب ملفقا من غنم البلد وغيره، ومقتضاه تعيين القيمة في بعض الأفراد، كما إذا لم يحصل شاة قيمتها المنتزعة من القيمتين، بل جميع هذه الالتزامات زيادة فيما وصل الينا منهم (عليهم السلام)، والواجب على العباد اتباعهم دون غيرهم، وكذا الكلام في فريضة الابل والبقر، ضرورة اشتراك الجميع فيما عرفت، فيجزي مسمى فرائضها وإن لم يكن من إبل البلد وبقره، وقد تقدم في دفع الضأن فريضة عن المعز وبالعكس ما يشهد لما هنا، على أن الأمر واضح بعد التأمل فيما ذكرنا. (و) منه يظهر أنه (يجزي) في الفريضة (الذكر والأنثى لتناول الاسم) الذي هو الشاة لهما، سواء كان النصاب فحولا أو أناثا أو ملفقا، وقاعدة الشركة لا تنافي بعد تقدير الشارع الحصة بما عرفت، فما عن الخلاف من كان عنده أربعون شاة أنثى أخذ منه أنثى، وفي الذكور يتخير، وجامع المقاصد من أنه يتخير في الذكران أو في شاة

[ 168 ]

الابل لا مطلقا، والمختلف من أنه يجوز دفع الذكر إذا كان بقيمة واحدة منها دون غيره لقاعدة الشركة في العين، فيه مضافا إلى ما عرفت أن ليس المتعلق بالعين إلا مقدار ما جعله الشارع فريضة لا بعض آحادها بخصوصها، وإلا لما تصور تعلقها بالابل ولا الغنم التي قد عرفت جواز دفع الجذع فريضة فيها، وهو ليس من النصاب قطعا، لعدم حول الحول عليه كما عرفته سابقا، وكان المسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى إطناب خصوصا بعد تأمل الفرائض في الابل مثلا التي يمكن أن يكون النصاب خاليا عنها، مع أن المراد من الخطاب واحد من غير فرق بين حالى الوجود والعدم، وكأن الوهم نشأ من الانسياق في بادئ النظر في خصوص نصاب الغنم الذي لا ينفك عنه صدق الفريضة على أحد أجزائه، ولم يعلم أنه لا فرق بين خطاب الغنم والابل والبقر في عدم اعتبار كون الفريضة من النصاب، بل وجميع محال الزكاة، كما هو واضح بأدنى تأمل. ومن هنا كان المشهور هنا على خلاف ما سمعته من الثلاثة، بل لم يحك الخلاف إلا عنهم، فلاحظ وتأمل، خصوصا فيما وقع من بعض الأصحاب كالشهيد وغيره من اعتبار قاعدة الشركة في العين تارة، والاعراض عنها أخرى، والله ورسوله وأهل بيته (عليهم الصلاة والسلام) هم أعلم. (القول في زكاة الذهب والفضة) (لا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين دينارا) أي مثقالا شرعيا بلا خلاف أحده فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) متواترة فيه، فإذا بلغ عشرين (ففيه) نصف دينار عبارة عن (عشرة قراريط) هي نصف


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة

[ 169 ]

المثقال الذي قد عرفت أنه الدينار، وهو ثمان وستون شعيرة وأربعة أسباع شعيرة، والقيراط ثلاث شعيرات وثلاثة أسباع شعيرة، فالمثقال عشرون قيراطا، ونصفه عشرة وهي ربع العشر من العشرين دينارا (ثم ليس في الزائد شئ حتى يبلغ أربعة دنانير، ففيها قيراطان، ولا زكاه فيما دون عشرين مثقالا ولا فيما دون أربعة. ثم كلما زاد المال أربعة ففيه قيراطان بالغا ما بلغ، وقيل) والقائل ابنا بابويه في الرسالة والمقنع على ما حكي عنهما: (لا زكاة في العين) أي الدنانير (حتى تبلغ أربعين) فإذا بلغ (ففيه دينار) بل عن علي بن بابويه منهما الخلاف في النصاب الثاني أيضا. فجعله أربعين أيضا (و) على كل حال ف‍ (- الأول أشهر) فتوى ورواية، بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بل عن الغنية لا خلاف فيه، وظاهرها نفيه بين المسلمين، بل في المحكي عن السرائر إجماعهم عليه، وأن علي بن بابويه مخالف لهم، وعن التذكرة إذا بلغ أحدهما يعني النقدين وجب فيه ربع العشر، فيجب في العشرين مثقالا نصف دينار وفي المائتين من الفضة خمسة دراهم باجماع علماء الاسلام، بل في مفتاح الكرامة الذي وجدناه فيما عندنا من المقنع والهداية والفقيه موافقة المشهور، نعم في الأول نسب بعد ذلك خلاف المشهور إلى الرواية، والموجود فيما حضرنا من نسخة الهداية " اعلموا أنه ليس على الذهب شئ إلى أن يبلغ أربعة وعشرين، ثم فيه نصف دينار وعشر دينار ثم على هذا الحساب متى ما زاد على عشرين وأربعة، ففي كل أربعة عشر إلى أن يبلغ أربعين، فإذا بلغ أربعين مثقالا ففيه مثقال " ولم يحك ذلك عنه أحد، وعلى كل حال فلم نتحقق الخلاف من غيره وغير أبيه، لكن عن المعتبر أنه نسب الخلاف إليه وإلى أبيه وجماعة، كما أنه حكاه عن الخلاف عن قوم من أصحابنا، لعلهما أرادا الرواة، وإلا فالمنقول عن القدماء من أهل الفتاوى كالمفيد والسيد وغيرهما التصريح بالمشهور. وكيف كان فلا ريب في ضعفه، إذ النصوص في غاية الاستفاضة بخلافه، بل

[ 170 ]

يمكن دعوى تواترها، وفيها الصحيح وغيره، منها خبر علي بن عقبة (1) وعدة من أصحابنا عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، ومنها موثق سماعة (2) عنه (عليه السلام) أيضا، ومنها صحيح أبي بصير (3) ومنها خبر أبي عيينة (4) عنه (عليه السلام) أيضا، و منها صحيح الحسين بن بشار (5) عن أبي الحسن (عليه السلام)، ومنها خبر يحيى بن أبي العلاء (6) ومنها صحيح زرارة (7) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " في الذهب إذا بلغ عشرين دينارا ففيه نصف دينار، وليس فيما دون العشرين شئ، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم، وليس فيما دون المائتين شئ، فإذا زادت تسعة وثلاثون على المائتين فليس فيها شئ حتى تبلغ الأربعين، و ليس في شئ من الكسور شئ حتى تبلغ الأربعين، وكذلك الدنانير على هذا الحسا ب " أي متى بلغ قيمتها ذلك وجب فيها ربع العشر، ففي العشرين دينارا التي هي بحساب المائتين درهما - لما قيل من أنه في ذلك الوقت كل دينار بعشرة، وعليه تقدير الدية - نصف دينار، وفي الأربعة بعدها التي هي بمنزلة الأربعين ربع عشرها أيضا قيراطان، وهكذا حتى تصل إلى الأربعين، فيكون فيها دينار، ثم على هذا الحساب، واليه أومي في صحيح ابن أبي عمير (8) " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الذهب والفضة ما أقل ما يكون فيه الزكاة ؟ قال: مائتا درهم وعدلها من الذهب، وقال: سألته عن النيف الخمسة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 5 - 4 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 13 وهو صحيح الفضلاء (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 6 - 3 - 8 (7) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 9 وذيله في الباب 2 منها - الحديث 6 (8) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 عن ابن أبى عمير عن حماد عن الحلبي

[ 171 ]

والعشرة قال: ليس عليه شئ حتى يبلغ أربعين، فيعطى من كل أربعين درهما درهم " وصحيح محمد بن مسلم (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذهب كم فيه من الزكاة ؟ قال: إذا بلغ قيمته مائتي درهم فعليه الزكاة " وهو المراد من موثق زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " ليس في الفضة زكاة حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فان زادت فعلى حساب ذلك في كل أربعين درهما درهم وليس في الكسور شئ، وليس في الذهب زكاة حتى يبلغ عشرين مثقالا، فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال، ثم على حساب ذلك إذا زاد المال في كل أربعين دينارا دينار " لا أن المراد أنه لا يحسب إلا بذلك حتى يكون منافيا للروايات الاخر، ومن صحيح زرارة وبكر (3) سمعا أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " في الزكاة أما في الذهب فليس في أقل من عشرين دينارا شئ، فإذا بلغت عشرين دينارا ففيه نصف دينار، وليس في أقل من مائتي درهم شئ، فإذا بلغ مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مائتي درهم وأربعين درهما غير درهم إلا خمسة الدراهم، فإذا بلغت أربعين ومائتي درهم ففيها ستة دراهم، فإذا بلغت ثمانين ومائتين ففيها سبعة دراهم وما زاد فعلى هذا الحساب، وكذلك الذهب " الحديث. إلى غير ذلك من النصوص التي لا يصلح لمعارضتها صحيح زرارة (4) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل عنده مائة درهم وتسعة وتسعون درهما وتسعة وثلاثون دينارا أيزكيها ؟ قال: لا، ليس عليه شئ من الزكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى


(1) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 - 14 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 2 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 8 وذيله في الباب 1 منها - الحديث 10 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 10 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 11 وذيله في الباب 2 منها - الحديث 10 عن زرارة وبكير وهو الصحيح

[ 172 ]

تتم أربعين دينارا والدراهم مائتي درهم " وصحيح الفضلاء (1) عن الصادقين (عليهما السلام) قالا: " في الذهبب في كل أربعين مثقالا مثقال، وفي الورق في كل مائتين خمسة دراهم، وليس في أقل من أربعين مثقالا شئ، ولا في أقل ما مائتي درهم شئ وليس في النيف شئ حتى يتم أربعون، فيكون فيه واحد " فلا بأس بطرحهما في مقابلة ما سمعت أو حملهما على إرادة الدينار الكامل الذي يجب في الأربعين وإن بعد، بل قيل في عبارة الفقيه والهداية إشعار بذلك، كقوله (عليه السلام): " ليس في النيف " إلى آخره، مع أن الثاني منهما مطلق قابل للتقييد بغيره، بل والأول أيضا، وأبعد من ذلك كله ما في شرح اللمعة للاصبهاني من أنه يحتمل أن يكون زرارة سأل عن دنانير هي أنصاف الدنانير المعروفة، أو عن رجل كان عنده تسعة وثلاثون دينارا لم يكن من ماله إلا تسعة عشر دينارا وإن لم يكن يعلم ذلك وكان (عليه السلام) يعلم ذلك، ثم قال: وليس في الخبر الأخير ذكر للزكاة، فيجوز أن يكونا (عليهما السلام) انما قالا ذلك في مقابلة بين اثنين أو جماعة من بيع أو صلح أو مضاربة لم يكن فيما دون الأربعين على ما اقتضته المعاملة شئ على العامل أو له مثلا شئ، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، ففيها) ربع العشر (خمسة دراهم، ثم كلما زادت أربعين كان فيها درهم) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (2) يمكن دعوى تواترها فيه (و) حينئذ (ليس فيما نقص) في جميع الموازين (عن الأربعين زكاة) عندنا (كما ليس فيما ينقص عن المائتين شئ) ولو يسيرا كالحبة ونحوها وإن تسومح فيه في


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 13 وذيله في الباب 2 منها - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الذهب والفضة

[ 173 ]

المعاملة بحيث يروج فيها، لأن المسامحة العرفية لا يبتنى عليها الأحكام الشرعية، إذ الحقيقة في التقدير كونه على التحقيق دون التقريب، نعم لو كان النقصان مما تختلف به الموازين فينقص في بعضها دون بعض ففي المحي عن المعتبر والتحرير والتذكرة ونهاية الأحكام والميسية والمسالك تجب الزكاة، واليه يرجع ما عن البيان " في الغلات لو اختلفت الموازين فبلغ في بعضها وتعذر التحقيق فالأقرب الوجوب ". وكيف كان فهو الأقوى، لاغتفار ذلك في المعاملة، فكذا هنا، ولصدق بلوغ النصاب بذلك، ضرورة عدم اعتبار البلوغ بالجميع، لعدم إمكان تحققه، فلا إشكال في الاجتزاء بالبلوغ في البعض مع عدم العلم، بخلاف الباقي، وليس إلا لحصول الصدق بذلك المشترك بينه وبين الفرض الذي لا مدخلية للعلم، بخلاف الغير وعدمه فيه، ودعوى الفرق بصحة السلب أيضا في الأول دون الثاني يدفعها منبع الصحة على الاطلاق وإنما يصح مقيدا في البعض، بخلاف الاثبات فانه يصح إطلاقه بالبلوغ بالبعض، كما هو ظاهر في المقام وفي أشبار الكر وأذرع المسافة وغيرها، وتحقيق ذلك أنه لا إشكال في انصراف ما به التقدير إلى الوسط لأنه الغالب، لكن من المعلوم أن له أفرادا متعددة فيجزي كل منها للصدق، ودعوى اختصاص الحكم بالوسط منها أيضا يدفعها أنه ليس فردا مخصوصا كي ينصرف إليه الاطلاق، على أن المدار الصدق العرفي، وهو متحقق في أقل أفراد الوسط، ويمكن تأييده بعد الاحتياط باطلاق ما دل على أن الزكاة في الذهب مثلا خرج منه الناقص عن العشرين في جميع الموازين، ويبقى ما عداه، فما عن خلاف الشيخ وتذكرة الفاضل - من عدم الوجوب للأصل المقطوع بما عرفت، ولأنه لو صدق الاثبات بالبعض لصدق السلب به، فيبقى الأصل حينئذ سالما، وقد عرفت الفرق بينهما - واضح الضعف. وكيف كان فقد ظهر لك من ذلك كله أن الذهب ؟ ؟ ؟ وكذا للفضه، وإن

[ 174 ]

شئت جعلته نصابا واحدا كليا بأن تقول لا شئ في الذهب حتى يبلغ عشرين، فإذا بلغ ففي كل أربعة قيراطان دائما، ولا شئ في الفضة حتى تبلغ المائتين، فإذا بلغت ففي كل أربعين درهما درهم دائما، ولكن الموافق لما في النصوص التعبير الأول، ولعله لذلك عبر به الأصحاب، والأمر سهل بعد وضوح المطلوب، وبعد أن ظهر أن الواجب في كل منهما بعد بلوغ النصاب ربع العشر، ولذا لو أخرجه من عنده أحدهما بعد العلم بالاشتمال على النصاب الاول أجزأ وإن لم يعتبر الجميع، بل ربما زاد خيرا، إذ قد يشتمل ما عنده على العفو، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (- الدرهم ستة دوانيق، والدانق ثمان حبات من أواسط حب الشعير) في العظم والصغر والرزانة والخفة بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل من ظاهر المنتهى في الفطرة الاجماع على الأول، بل عن ظاهر الخلاف إجماع الأمة عليه، نحو ما في المدارك من أنه نقله الخاصة والعامة، ونص عليه جماعة من أهل اللغة، وفي المفاتيح " أنه كذلك باتفاق الخاصة والعامة ونص أهل اللغة " وفي الرياض لم أجد فيه خلافا بين الأصحاب، وعزاه جماعة ألى الخاصة والعامة مؤذنين بكونه مجمعا عليه عندهم، بل في المفاتيح نفي الخلاف أيضا عما بعد الأول، وفي محكي المنتهى نسبته إلى علمائنا، وفي المدارك قطع به الأصحاب، بل عن رسالة المجلسي في تحقيق الأوزان أنه متفق عليه بينهم، وأنه صرح به علماء الفريقين، نحو ما في الحدائق، إلى غير ذلك من كلماتهم المعلوم كفايتها في هذا الموضوع، ومنه يعلم شذوذ المرسل (1) عن المروزي المجهول عن أبي الحسن (عليه السلام) " إن الدرهم ستة دوانيق، والدانق وزن ست حبات، والحبة وزن حبتين شعيرا من أواسط الحب لا من صغاره ولا من كباره " كما اعترف به غير واحد، فما عن مجمع البرهان " أن هذا عمدة في كثير من الأحكام،


(1) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الوضوء - الحديث 3 من كتاب الطهارة

[ 175 ]

وما نجد له دليلا إلا أنه مشهور ونقله الأصحاب المعتمدون، ونقلهم مقبول حتى كاد يكون إجماعا وإن كانت الرواية تخالفه " مما عساه يشعر بالتوقف فيه في غير محله، إذ قد عرفت شذوذ الرواية، وكفاية ما سمعته من الاتفاق المزبور دليلا لما هو أعظم منه فضلا عنه، مضافا ألى ما عن ظاهر الخلاف من إجماع الأمة على أن الدرهم نصف مثقال شرعي وخمسه، وعن رسالة المجلسي أنه مما لا شك فيه ومما اتفقت عليه العامة والخاصة وفيها أيضا أنه مما لا شك فيه أن المثقال الشرعي ثلاثة أرباع الصيرفي، فالصيرفي مثقال وثلث من الشرعي، وفي الحدائق أيضا " لا خلاف بين الأصحاب وغيرهم أن الدنانير لم يتغير وزنها عما هي عليه الآن في جاهلية ولا إسلام، صرح بذلك جملة من علماء الطرفين " قال الفاضل في النهاية أن الدنانير لم يتغير المثقال فيها في جاهلية ولا إسلام، وكذا نقل عن الرافعي في شرح الوجيز، قيل وشرحه الآخر لليمني. (و) يتحصل حينئذ من ذلك كله ومما سمعته سابقا في القيراط والدينار أنه (يكون مقدار العشرة) دراهم (سبعة مثاقيل) شرعية أي دنانير، فالعشرون دينارا التي هي أول نصب الذهب وزن ثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم، والمائتا درهم التي هي أول نصب الفضة وزن مائة وأربعين مثقالا، وعلم من ذلك أن المثقال درهم وثلاثة أسباع الدرهم، كما أن الدرهم سبعة أعشار المثقال أي مثقال إلا ثلاثة أعشاره، فهو مع ثلاثة أعشار المثقال مثقال، بل علم أيضا أن الدرهم وزن ثمانية وأربعين حبة شعير، والمثقال وزن ثمانية وستين حبة وأربعة أسباعها كما هو واضح بأدنى تأمل، وعلى كل حال فالمدار في الدرهم والدينار هنا وفي الدية وغيرها على هذا الوزن، ولا عبرة بغيره سابقا ولا حقا، فيرجع الانقص منه والأزيد إليه، فما بلغ به ترتب عليه الحكم، إذ لا إشكال عندنا في أن العبرة بالوزن لا بالعد، والاجماع بقسميه عليه، وفي بعض

[ 176 ]

النصوص (1) دلالة عليه، والظاهر وجود الدرهم بهذا الوزن في عصر النبي صلى الله عليه وآله، قال الفاضل في محكي المنتهى: الدراهم في بدء الاسلام كانت على صنفين بغلية، وهي السود، وطبرية، وكانت السود كل درهم منها ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة دوانيق فجمعا في الاسلام وجعلا درهمين متساويين وزن كل درهم منها ستة دوانيق، فصار وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكل درهم نصف مثقال وخمسه، وهو الدرهم الذي قدر به النبي (صلى الله عليه وآله) المقادير الشرعية في نصاب الزكاة والقطع ومقدار الدية والجزية وغير ذلك، ونحوه عن التحرير والتذكرة وإن كان لم ينص في الأخير على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قدر به المقادير، وفي المحكي عن المعتبر " أن المعتبر كون الدرهم ستة دوانيق بحيث يكون كل عشرة منها سبعة مثاقيل، وهو الوزن المعتدل، فانه يقال: إن السود كانت ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة دوانيق فجمعا وجعلا درهمين، وذلك موافق لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) " لكن في المحكي عن نهاية الأحكام " والسبب أي في صيرورة الدرهم ستة دوانيق أن غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدرهم في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) والصدر الأول بعده نوعان: البغلية والطبرية، والدرهم الواحد من البغلية ثمانية دوانيق، ومن الطبرية أربعة دوانيق، فأخذوا واحدا من هذه وقسموها نصفين، وجعلوا كل واحد درهما في زمن بني أمية، وأجمع أهل ذلك العصر على تقدير الدراهم الاسلامية بها، فإذا زادت على الدرهم ثلاثة أسباعه كان مثقالا، وإذا نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان، قال المسعودي: إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبع مثاقيل من الذهب لأن الذهب أوزن


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 7 الجواهر - 22

[ 177 ]

من الفضة، وكأنهم ضربوا مقدارا من الفضة ومثله من الذهب فوزنوهما فكان وزن الذهب زائدا على وزن الفضة بمثل ثلاثة أسباعها، واستقرت الدراهم في الاسلام على أن كل درهم نصف مثقال وخمسه، وبها قدرت نصب الزكاة ومقدار الجزية والديات ونصاب القطع في السرقة وغير ذلك " وبمعناه في البيان، وفيه أن ذلك كان باشارة زين العابدين (عليه السلام)، عن أبي عبيد في كتاب الأموال التصريح بأن ذلك كان في زمن بني أمية أيضا، وربما أشكل ذلك على بعض الناس بأن تقدير الزكاة بالخمسة دراهم لا ينبغي حمله على العرف الحادث، وفيه أنه لا دلالة في شئ مما سمعت على انحصار الدراهم في تلك، بل أقصاه غلبة المعاملة بها، والحادث إنما هو انحصار المعاملة بها، وهو غير قادح، على أنه يمكن أن يكون تقدير النبي (صلى الله عليه وآله) للزكاة بغير لفظ الدرهم بل كان شئ ينطبق على هذا الدرهم الحادث الذي قدروا به أئمة ذلك الزمان، كما هو واضح، وعلى كل حال فلا ينبغي الاشكال في ذلك، فان الدراهم وإن اختلفت إلا أن التقدير بما عرفت. وفي المحكي عن كشف الرموز " أن الدرهم في قديم الزمان كان ستة دوانيق، كل دانق قيراطان بوزن الفضة، كل قيراط أربع حبات، كل حبة ستة أسباع من حبات الشبه المستعملة الآن، فالدرهم ثمان وأربعون حبة، والدانق ثمان منها، لأنه سدس الدرهم، وكان الدرهم في ذلك الزمان بوزن الذهب أربعة عشر قيراطا، فيكون وزن عشرة دراهم سبعة مثاقيل، والزكاة إنما تجب في الدراهم أذا كانت بهذا الوزن، فأما في زماننا هذا فالدرهم أربعة دوانيق، كل دانق ثلاثة قراريط وحبة، كل قيراط ثلاث حبات، فيكون الدانق عشر حبات من حبات الشعير، والتفاوت بين الموضعين إنما هو بثلاث السبع " وعن السرائر أن الدرهم أربعة دوانيق، والدانق ثمان حبات، والغرض من ذلك كله أن الدرهم مختلف بحسب الأزمنة، إلا أن الذي وقع به التقدير

[ 178 ]

باتفاق الأصحاب على الظاهر ما عرفت، ولعل المرسل (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) السابق محمول على درهم في ذلك الزمان وإن لم يكن به التقدير، بل التقدير للنصاب بالدرهم المزبور، والاخراج منه على نسبته، كما أومي إليه في خبر حبيب الخثعمي المروي في باب علة وضع الزكاة على ما هي من كتاب الكافي (2) قال: " كتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن خالد وكان عامله على المدينة أن يسأل أهل المدينة عن الخمسة في الزكاة من المائتين كيف صارت وزن سبعة، ولم يكن هذا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمره أن يسأل فيمن يسأل عبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: فسأل أهل المدينة فقالوا: أدركنا من كان قبلنا على هذا، فبعث إلى عبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد (عليهما السلام) فسأل عبد الله بن الحسن فقال: كما قال المستفتون من أهل المدينة، فقال: ما تقول يا أبا عبد الله ؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعل في كل أربعين أوقية أوقية، فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة وقد كانت وزن ستة وكانت الدراهم خمسة دوانيق، قال حبيب: فحسبناه فوجدناه كما قال، فأقبل عليه عبد الله بن الحسن فقال: من أين أخذت هذا ؟ قال: قرأت في كتاب أمك فاطمة (عليها السلام) قال: ثم انصرف فبعث إليه محمد بن خالد ابعث إلي بكتاب فاطمة (عليها السلام) فأرسل إليه أبو عبد الله (عليه السلام) إني إنما أخبرتك أني قرأت ولم أخبرك أنه عندي، قال حبيب: فجعل محمد بن خالد يقول لي: ما رأيت مثل هذا قط " قال في الوافي: " إن بناء هذه الشبهة وانبعاثها على تغير الدراهم في الوزن بحسب القرون، وقد كانت في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحسب بالأوقية، وكانت الأوقية أربعين


(1) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الوضوء - الحديث 3 من كتاب الطهارة وهو عن أبى الحسن موسى بن جعفر عليه السلام (2) فروع الكافي ج 1 ص 507 المطبوعة عام 1377

[ 179 ]

درهما، والدرهم ستة دوانيق، ثم صار الدرهم خمسة دوانيق، وكانت الزكاة وزن ستة كما يستفاد من هذا الخبر، ولعله صار في زمن المنصور أقل من خمسة دوانيق، وصارت الزكاة وزن سبعة، إن قيل كما غيرت الدراهم في الزكاة غيرت أيضا في النصب قلنا إنما كان العد في الزكاة، وأما النصب فكانوا يزنونها من غير عد " قلت: حكي عن بعض الأفاضل فيما كتبه على هذا الخبر أن الدرهم غير الطبري والبغلي على ضروب ثلاثة، درهم زنته ستة دوانيق، وهو الشرعي الذي كان خمسة منه أول ما يجب في نصب الفضة ودرهم زنته خمسة دوانيق، ودرهم زنته خمسة أسباع الدرهم الشرعي، وهو الدرهم المحدث في زمان المنصور وما قاربه، وقرر الوجه في سؤال المنصور أنه لما كان المشهور في عصره أن سبعة دراهم غير تلك الدراهم المحدثة هي أول ما يجب في نصب الفضة مع أن هذا المحدث لم يكن في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يرد فيه رواية والروايات وردت في الخمسة دراهم استفسر عن هذا واستعلم حقيقته ثم طبق جواب الامام (عليه السلام) على ذلك، لكن عن آخر أن حاصل السؤال أن هذه الدراهم لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله فكيف صار المائتان نصابا أولا زكاته خمسة دراهم، وحاصل الجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله جعل النصاب الأول أربعين أوقية، زكاتها أوقية، وكان هذا القدر المخرج أي الأوقية وزن سبعة دراهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم زيد في قدر الدرهم فصار وزن ستة دراهم، لأن كانت الدراهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة دوانيق، ثم صارت الأوقية وزن خمسة دراهم بعد أن زيد دانق في الدرهم، فالنصاب الأول وزن خاص لم يتفاوت، نعم كان هذا القدر في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) مائتين وثمانين درهما، ثم صار مائتين وأربعين، ثم صار مائتين، فالنصاب قد نقص في عدد الدراهم، والدرهم قد زيد في قدره، لكن نسبة المخرج إلى النصاب لم تتفاوت، قلت: والمدار عليها لا على غيرها من العد ونحوه كما عرفته سابقا، ولا أظن أنه يخفى عليك شئ بعد

[ 180 ]

الاحاطة بجميع ما ذكرناه، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- من شرط وجوب الزكاة فيهما) مضافا إلى بلوغ النصاب (كونهما مضروبين) من سلطان الوقت أو مماثله (دنانير أو دراهم منقوشين) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل في الغنية والتذكرة والمدارك ومحكي الانتصار الاجماع عليه، وإن زاد في الأول أو سبائك فر بسبكها من الزكاة الذي هو بمعنى ما في الوسيلة من كونهما مضروبين منقوشين أو في حكم المضروب المنقوش، لأن المراد من الشرط كما في شرح اللمعة للاصبهاني كونهما كذلك في الجملة، لكن لا يخفى عليك ما فيه من اقتضائه وجوب الزكاة في المسبوكين لا بقصد الفرار، نعم الذي يمكن تحصيله من الاجماع عدم الوجوب في غير المضروب المنقوش أصلا والمسبوك منه لا بقصد الفرار، ولعله المراد له بل ولغيره ممن حكى الاجماع، لما تعرفه إن شاء الله من كثرة المخالفين في المسبوك فرارا، وحينئذ فهو الدليل على المطلوب، مضافا إلى خبر علي بن يقطين (1) عن أبي إبراهيم صلوات الله عليه " وكل ما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ، قال: قلت: وما الركاز ؟ قال: الصامت المنقوش ومضمر مرسل جميل (2) " ليس في التبر زكاة، إنما هي على الدنانير والدراهم " وخبره الآخر (3) عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام) وإلى ما دل على نفيها عن السبايك والحلي والنقار والتبر من الأخبار (4) وهي كثيرة. والمراد من النقش أنه يكون (بسكة المعاملة) كما نص عليه غير واحد، بل هو من معقد إجماع المدارك، بل هو المنساق من غيره أيضا حتى خبر ابن يقطين، بل قيل لعله يفهم ذلك من تعبير الأكثر بالدرهم والدينار، قلت: وحينئذ يدل عليه الخبران


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 - 3 - 5 (4) الوسائل - الباب - 8 و 9 - من أبواب زكاة الذهب والفضة

[ 181 ]

المزبوران، نعم لا يعتبر دوام ذلك فيها، بل يكفي حصول المعاملة بها سابقا وإن هجرت بعد ذلك كما صرح به جماعة منهم المصنف، فقال: (أو ما كان يتعامل بهما) بل لم أر فيه خلافا كما اعترف به في محكي الرياض، للاستصحاب والاطلاق وغيرهما. ولا فرق في السكة بين الكتابة وغيرها، ولا بين كونها سكة إسلام أو كفر كما صرح به غير واحد، للاطلاق نصا وفتوى ومعقد إجماع، بل قال في كشف الأستاذ: " إنه لا فرق بين القديمة والجديدة والاسلامية وغيرها وبقاء الأثر مع بقاء المعاملة فيها وعدمه والصافية والمغشوشة وإلغاء السكة وعدمه وعموم الأماكن وعدمه ولا بين الاتخاذ للمعاملة وبين الاتخاذ لزينة الحيوان والانسان وغيرهما " نعم قال بعد ذلك " ولو كان سكة غير سكة سلطان الوقت فان عمت بها المعاملة فكسكة السلطان، وإلا فلا اعتبار بها " وفيه بحث، وأما ما ذكره غير واحد من الأصحاب - من عدم الزكاة في غير المنقوش ولو جرت المعاملة به، بل في المدارك ومحكي الذخيرة نسبته إلى الأصحاب مشعرين بدعوى الاجماع عليه - فيمكن أن يكون مستنده الأخبار السابقة، مع أنه لا يخلو من بحث أيضا. وكذا لا زكاة في الممسوح على ما نص عليه في الروضة، لكن قد يناقش ببقاء اسم الدرهم والدينار، وإطلاق الزكاة في الذهب والاستصحاب، والوصف بالمنقوش في خبر ابن يقطين (1) مع أنه جار مجرى الغالب فيما فيه المعاملة في ذلك الوقت ومع قوة الظن بارادة الكناية بذلك عن الدراهم والدنانير لم يعلم حجية الوصف فيما زال عنه الوصف، ويمكن أن يريد الممسوح أصالة لا عارضا، فيكون عين ما سمعته من المدارك، ولا مخالفة فيه حينئذ لما سمعته من كشف الأستاذ، فتأمل. ولو كان النقش لغير المعاملة ثم اتخذ بعد ذلك لها فالظاهر تعلق الزكاة، مع احتمال العدم، من غير فرق بين كون الأتخاذ عن ضرب سلطان وبين غيره، ولعل


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2

[ 182 ]

لفظ الضرب في كلام الأصحاب جريا على الغالب، ولو ضربت للمعاملة لكن لم يتعامل بها أصلا أو تعومل بها تعاملا لم تصل به إلى حد تكون به دراهم أو دنانير مثلا لم تجب الزكاة للأصل وغيره، ولعله إليه أومأ في جامع المقاصد بقوله: " وينبغي أن تبلغ برواجها أن تسمى دراهم ودنانير ". ولو اتخذ المضروب بالسكة للزينة كالحلي وغيرها ففي الروضة وشرحها للاصبهاني لم يتغير الحكم، زاده الاتخاذ أو نقصه في القيمة ما دامت المعاملة به على وجهه ممكنة، لا طلاق الأدلة والاستصحاب الذي به يرجح الاطلاق المزبور على ما دل على نفيها عن الحلي، وإن كان التعارض بينهما من وجه، بل يحكم عليه، لأن الخاص وإن كان استصحابا يحكم على العام وإن كان كتابا، مضافا إلى ما قيل من أن المفهوم من نصوص الحلي (1) المعد لذلك أصالة، ودعوى ظهورها في جعل الدراهم والدنانير حليا فلا تقبل التخصيص حينئذ واضحة المنع، كدعوى ترجيح نصوص الحلي باشتمالها على التعليل لها باقتضاء الزكاة فيها عدم بقاء شئ منها أو ما هو كالتعليل، ضرورة أنه بعد تسليم كونه علة لا حكمة أقصاه العموم القابل للتخصيص بما عرفت، نعم لو تغيرت بالاتخاذ بثقب ونحوه بحيث لا تبقى المعاملة بها اتجه عدم وجوب الزكاة فيها حينئذ، لانتفاء الشرط الذي هو المعاملة بصنفها، وليس ذا كالمهجورة التي قد حصل التعامل بصنفها سابقا، كما هو واضح، والله أعلم. (و) من شرط وجوبها فيهما أيضا (حول الحول حتى يكون النصاب موجودا فيه أجمع) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (2) دالة عليه عموما وخصوصا فيهما، ومن الواضح كون المفهوم منهما بقاء شخص النصاب في تمام


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الذهب والفضة (2) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب زكاة الذهب والفضة

[ 183 ]

الحول (فلو نقص في أثنائه أو تبدلت أعيان النصاب بجنسه أو بغير جنسه لم تجب الزكاة) خلافا للشيخ فأوجبها مع التبديل بالجنس، وقد عرفت ضعفه سابقا، كما أنك قد عرفت أيضا عدم الفرق بين فعل ذلك للفرار وغيره، لا طلاق الأدلة، وأن الخلاف فيه ضعيف كسابقه. (وكذا) يشترط أيضا التمكن من النصاب تمام الحول، ف‍ (- لو منع من التصرف فيه سواء كان المنع شرعيا كالوقف) بناء على صحة وقف الدراهم والدنانير للزينة (والرهن، أو قهريا كالغصب فلا زكاة) كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا، بل لا ينبغي للمصنف ذكر ذلك هنا، ضرورة عموم هذا الشرط لكل ما تجب فيه الزكاة، وقد قدمه في الشرائط العامة، فلاحظ وتدبر. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا (أنه لا تجب الزكاة في الحلي محللا كان كالسوار للمرأة وحلية السيف للرجل أو محرما كالخلخال للرجل والمنطقة للمرأة وكالأواني المتخذة من الذهب والفضة وآلات اللهو لو عملت منهما) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا إذا لم يكن بقصد الفرار، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة، مضافا إلى النصوص السابقة سيما الحاصرة للزكاة في غير ذلك، وإلى خبر رفاعة (1) " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) وسأله بعضهم عن الحلي فيه زكاة قال: لا وإن بلغ مائة الف " ونحوه خبر أبي المحسن (2) عنه (عليه السلام) أيضا، وزاد " وأبي يخالف الناس في هذا " وقال هو (عليه السلام) أيضا في مرسل ابن أبي عمير (3): " زكاة الحلي أن يعار " وسأله الحلبي (4) " عن الحلي فيه زكاة قال: لا " وقال أبو إبراهيم (عليه السلام)


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 4 - 7 - 3 (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2

[ 184 ]

في خبر ابن يقطين (1): " فأما الحلي فانه ليس في شئ منها وإن كثر الزكاة " إلى غير ذلك من النصوص التي لا بأس بدعوى تواترها. (وقيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه: (يستحب فيه) أي الحلي المحرم (الزكاة) ولم نقف له على مأخذ، بل ولا عليه في الحلي المحلل عدا ما سمعته من أن زكاته إعارته نعم في التذكرة أطبق الجمهور كافة على إيجاب الزكاة فيه، لأن المحظور شرعا كالمعدوم حسا، ولا حجة فيه، لأن عدم الصفة غير مقتض لايجاب الزكاة، فان المناط كونهما مضروبين بسكة المعاملة، كما أن فيها أيضا قال الشافعي في الجديد: تجب الزكاة في الحلي المباح، وبه قال عمرو بن مسعود وابن عباس و عبد الله بن عمرو ابن العاص وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير وعطا ومجاهد وجابر بن يزيد وابن سيرين والزهري والثوري وأحمد في رواية وأصحاب الرأي، ولعله (عليه السلام) إليهم أشار بقوله: " وأبي يخالف الناس في هذا " في الخبر السابق، وبالجملة لا إشكال في شئ من ذلك عندنا، لفوات الشرط الذي قد عرفت، كما أنك قد عرفت الحال في الدراهم والدنانير لو جعلت حليا، وتعرف الحال إن شاء الله تعالى فيما لو قصد به الفرار. (وكذا لا زكاة في السبايك) المتخذة من الذهب (والنقار) التي هي قطع الفضة غير المضروبة (والتبر) الذي هو غير المضروب من الذهب أو تراب الذهب قبل تصفيته بلا خلاف أجده فيه مع عدم قصد الفرار، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (2) وافية الدلالة عليه، أما إذا قصد بالسبك الدراهم والدنانير أو جعلهما


(1) لم تذكر هذه الجملة في خبر ابن يقطين وإنما هي عبارة الشيخ (قده) في ذيل الخبر المروى في التهذيب ج 4 ص 8 - الرقم 19 (2) الوسائل - الباب - 8 و 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة الجواهر - 23

[ 185 ]

حلية الفرار من الزكاة فالمشهور بين المتأخرين سقوط الزكاة، بل في الرياض نسبته إلى عامتهم، كما أن عن جماعة حكاية الشهرة المطلقة على ذلك، بل في المفاتيح أن القول بالوجوب شاذ (وقيل) والقائل الصدوقان والمرتضى والشيخ وابنا زهرة وحمزة والحلبي في إشارة السبق فيما حكي عنهم: (إذا عملهما) أي النقدين (كذلك) سبكا (فرارا وجبت الزكاة ولو كان) ذلك (قبل) حول (الحول) وعن المفيد أنه حكاه رواية بل عن الانتصار الاجماع عليه وعلى مثله إذا بادل جنسا بغيره، وسأل نفسه عن خلاف ابن الجنيد في السبك وأجاب بأن الاجماع سبقه ولحقه، بل عن ظاهر الخلاف والغنية الاجماع عليه أيضا، ولعل ذلك هو الحجة لهم بعد موثق محمد بن مسلم (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحلي فيه الزكاة قال: لا إلا ما فر به من الزكاة " وقوي معاوية بن عمار (2) عنه (عليه السلام) " قلت له: الرجل يجعل لأهله الحلي من مائة دينار والمائتي دينار وأراني قد قلت: ثلاثمائة فعليه الزكاة قال: ليس فيه زكاة، قال: قلت: فانه فر به من الزكاة فقال: إن كان فر به من الزكاة فعليه الزكاة، وإن كان إنما فعله ليتجمل به فليس عليه زكاة " وموثق إسحاق بن عمار (3) " سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليه زكاة ؟ فقال: إن كان فر بها من الزكاة فعليه الزكاة " ولم نقف على غيرها كما اعترف به بعضهم. لكنها قاصرة عن معارضة غيرها مما دل على السقوط، كصحيح ابن يقطين (4) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) " قلت له: إنه يجتمع عندي الشئ فيبقى نحوا من سنة


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 7 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 6 وذيله في الباب 11 منها - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2

[ 186 ]

أيزكيه ؟ قال: لا، كلما لم يحل عندك عليه الحول فليس عليك فيه زكاة، وكلما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ، قلت: وما الركاز ؟ قال: الصامت المنقوش، ثم قال: إذا أردت ذلك فاسبكه فانه ليس في سبايك الذهب ونقار الفضة زكاة " وحسن هارون ابن خارجة (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن أخي يوسف ولى لهؤلاء أعمالا أصاب فيها أموالا كثيرة وأنه جعل المال حليا أراد أن يفر به من الزكاة أعليه الزكاة ؟ قال: ليس على الحلي زكاة، وما أدخل على نفسه من النقصان في وضعه ومنعه نفسه فضله أكثر مما يخاف من الزكاة " ورواية عمر بن يزيد (2) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل فربما له من الزكاة فاشترى به أرضا أو دارا أعليه فيه شئ ؟ فقال: لا، ولو جعله حليا أو نقرا فلا شئ عليه فيه، وما منع نفسه من فضله أكثر مما منع من حق الله أن يكون فيه " وصحيح زرارة (3) الآتي مؤيدا ذلك كله بالأصل وعموم (4) " ولا يسألكم أموالكم " ونصوص عدم الزكاة فيما لم يحل عليه الحول جامعا للشرائط، كصحيح الفضلاء (5) وحسن زرارة (6) في الحرث والثمرة، وحسنه الآخر (7) في السوم طول الحول، وحسنه الثالث (8) الدال على اشتراط بقاء النصاب في الدراهم طول الحول وصحيح علي بن يقطين (9) سأل أبا الحسن (عليه السلام) " عن المال الذي لا يعمل به


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 4 - 1 (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 (4) سورة محمد صلى الله عليه وآله - الآية 38 (5) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (6) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 عن زرارة وعبيد ابن زرارة جميعا (7) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3 (8) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 (9) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1

[ 187 ]

ولا يقلب فقال: يلزمه الزكاة في كل سنة إلا أن يسبك " ونصوص الحلي السابقة (1) وصحيح زرارة (2) الوارد في الغلة الكثيرة من أصناف شتى، وغير ذلك من النصوص التي لا فرق فيها بين نية الفرار وعدمه. على أن نصوص الخصم لا صراحة في خبر محمد بن مسلم منها، لأن ما فيه الزكاة أعم من الوجوب والندب، والخبران الآخران وإن اشتملا على لفظ " على " لكن يمكن عود الضمير فيهما إلى المال، فتكون حينئذ بمعنى " في " بل في التهذيب حمل خبري الحلي منها على الفرار بعد الحول، وقال: ليس لأحد أن يقول: إن هذا التأويل لا يمكنكم، لأن الخبرين تضمنا أن السائل سأل عن الحلي هل فيه الزكاة أم لا ؟ فقال: لا إلا ما فر به من الزكاة، وما يجعله حليا بعد حلول الحول لم تجب الزكاة فيه، وإنما وجب قبل أن يصير حليا، فإذا لا معنى لاخراج بعض الحلي من الكل، لأن قوله (عليه السلام) حين سأله السائل عن الحلي هل فيه زكاة أم لا ؟ فقال: لا، قضى أن كل ما يقع عليه اسم الحلي لا تجب فيه الزكاة سواء صيغ قبل حلول الوقت أم بعد حلوله لدخوله تحت العموم، فقصد (عليه السلام) بذلك إلى تخصيص البعض من الكل، وهو فيما قدمناه مما صيغ بعد حلول الوقت، بل استدل على ما ذكر من الحمل بما في صحيح زرارة ومحمد (3) عن الصادق (عليه السلام) " أيما رجل كان له مال وحال عليه الحول فانه يزكيه، قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر أو يومين قال: ليس عليه شئ أبدا، وقال زرارة عنه (عليه السلام): إنما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته


(1) الوسائل - الباب - 9 و 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 12 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 وذيله في الباب 11 منها - الحديث 5

[ 188 ]

ثم يخرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك أبطال الكفارة التي وجبت عليه، وقال: إنه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شئ بمنزلة من خرج ثم أفطر، إنما لا يمنع ما حال عليه الحول، فاما ما لم يحل عليه فله منعه، ولا يحل له منع مال غيره فيما قد حل عليه - والظاهر من قوله (عليه السلام) هذا الاشارة إلى قوله: " أيما رجل كان له مال وحال عليه الحول فانه يزكيه " والصواب " ثم وهبه فانه يزكيه " ولعله سقطت كلمة " ثم وهبه " من قلم النساخ أو اكتفى عنها بدلالة ما بعدها عليها - قال زرارة: وقلت له: رجل كانت له مائتا درهم فوهبها لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا بها من الزكاة فعل ذلك قبل حلها بشهر فقال: إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليها الحول ووجبت عليه فيها الزكاة، قلت له: فان أحدث فيها قبل الحول قال: جائز ذلك له، قلت: إنه فربها من الزكاة قال: ما أدخل على نفسه أعظم مما منع من زكاتها، فقلت له: إنه يقدر عليها فقال: وما علمه أنه يقدر عليها وقد خرجت من ملكه قلت: فانه دفعها إليه على شرط، فقال: إنه إذا سماها هبة جازت الهبة وسقط الشرط وضمن الزكاة، قلت له: وكيف يسقط الشرط وتمضي الهبة ويضمن الزكة فقال: هذا شرط فاسد، والهبة المضمونة ماضية، والزكاة لازمة عقوبة له، ثم قال: إنما ذلك له إذا اشترى بها دارا أو أرضا أو متاعا، ثم قال زرارة: قلت له: إن أباك (عليه السلام) قال لي: من فر بها من الزكاة فعليه أن يؤديها فقال: صدق أبي عليه أن يؤدي ما وجب عليه، وما لم يجب عليه فلا شئ عليه فيه، ثم قال: أرأيت لو أن رجلا أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته أكان عليه وقد مات أن يؤديها ؟ قلت: لا إلا أن يكون أفاق من يومه، ثم قال: لو أن رجلا مرض في شهر رمضان ثم مات فيه أكان يصام عنه ؟ قلت: لا، قال: فكذلك الرجل لا يؤدي عن ماله إلا ما حال عليه الحول " فان ذيله صريح في إرادة الفرار بعد الحول

[ 189 ]

وما فيه من الاجمال السابق في الهبة غير قادح. فمن الغريب بعد ذلك ما في انتصار المرتضى من " أن ابن الجنيد قد عول على أخبار رويت عن أئمتنا (عليهم السلام) تتضمن أنه لا زكاة عليه وإن فر بماله، وبازاء تلك الأخبار ما هو أظهر منها وأقوى وأولى وأوضح طريقا تتضمن أن الزكاة تلزمه، ويمكن حمل ما تضمن من تلك الأخبار أنها لا تلزمه على التقية، فان ذلك مذهب جميع المخالفين، ولا تأويل للأخبار التي وردت بأن الزكاة تلزمه إذا فر منها إلا إيجاب الزكاة، فالعمل بهذه الأخبار أولى " وفيه مضافا إلى ما عرفت أنه يمكن حملها على الندب، وما نسبه إلى جميع المخالفين لم نتحققه، نعم هو منقول عن الشافعي وأبي حنيفة والمحكي عن أحمد ومالك الوجوب، والمشتهر في زمن الصادق (عليه السلام) كما قيل مذهب مالك، فهو أولى بالتقية، كل ذلك مضافا إلى عدم معلومية بمذهب القائلين بعدم السقوط بالفرار أنه بالنسبة إلى جميع أفراده بالسبك والاتلاف وغيرهما أو خاص بالبعض وأنه بالنسبة إلى سنة الفرار أو كل سنة، وأنه عام لا بتداء تملك المال على وجه لا تتعلق به زكاة فرارا منها أو خاص بما لو ملكه كذلك ثم أراد الفرار باعدام شرط أو إيجاد مانع، والمحكي عن المرتضى (رحمه الله) أنه تعرض للسبك خاصة كابن زهرة في الغنية والحلبي في الاشارة، أو مع إبدال الجنس بغيره، وعن اقتصاد الشيخ أن من فر في الغلات بنقصها عن النصاب لم تسقط عنه، ولم يتعرض لغير ذلك، وفي الوسيلة لغير المنقوش المضروب، وقال في الخلاف: " من كان معه نصاب فبادل بغيره لا يخلو إما أن يبادل بجنس مثله أن بادل إبلا بابل أو بقرا ببقر أو غنما بغنم أو ذهبا بذهب أو فضة بفضة فانه لا ينقطع الحول ويبني، وإن كان بغيره مثل أن بادل إبلا بغنم أو ذهبا بفضة وما أشبه ذلك انقطع حوله واستأنف الحول في البدل الثاني - وقال -: يكره للانسان أن ينقص نصاب ماله قبل حول الحول فرارا من الزكاة، فان فعل وحال عليه

[ 190 ]

الحول وهو أقل من النصاب فلا زكاة عليه - وقال -: إذا كان معه نصاب من جنس واحد ففرقه في أجناس مختلفة فرارا من الزكاة لزمته الزكاة إذا حال عليه الحول، ومن نقصه من غير حاحة فعل مكروها ولا يلزمه شئ إذا كان التبعيض قبل الحول على أشهر الروايات - وقال -: لا زكاة في سبائك الذهب والفضة، ومتى اجتمع دراهم أو دنانير ومعها سبائك أو نقار أخرج الزكاة من الدراهم والدنانير إذا بلغا النصاب ولم يضم السبائك والنقار إليها، وقال جميع الفقهاء يضم بعضها إلى بعض، وعندنا أن ذلك يلزمه إذا قصد به الفرار من الزكاة، دليلنا الأخبار التي ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما، وأيضا الأصل براءة الذمة، وما اعتبرناه يجب فيه الزكاة بلا خلاف، وما قالوه ليس على وجوب الزكاة فيه دليل " وهو كما ترى صريح في التفصيل، وقوله: " وعندنا " يشعر بالاجماع، وقوله أخيرا: " وما اعتبرناه يجب فيه الزكاة بلا خلاف " يحتمل أن يكون المراد به ما قصد به الفرار فيكون كالتصريح بالاجماع، ويحتمل أن يكون المراد به الدراهم والدنانير. وفي محكي المبسوط " من نقص ماله عن النصاب لحاجة إليه لم يلزمه الزكاة إذا حال عليه الحول، وإن نقصه من غير حاجة فعل مكروها، ولا يلزمه شئ إذا كان التبعيض قبل الحول - ثم ذكر - أنه إن بادل جنسا بمثله لم ينقطع الحول مطلقا، وإن بادل بالخلاف انقطع إن لم ينو الفرار، وإلا فلا، وأنه يلزمه الزكاة فيما نوى بسبكه الفرار - وذكر - أن المبادلة إن كانت فاسدة لم ينقطع الحول - ثم قال -: وإذا كان معه خلخال فيه مائتان وقيمته لأجل الصنعة ثلاثمائة لا يلزمه زكاته، لأنه ليس بمضروب، فان كان قد فر به من الزكاة لزمه زكاته على قول بعض أصحابنا يعنى به وجوب إخراج ربع عشر الزائد للصنعة أيضا حتي يكون عليه في المثال سبعة دراهم ونصف - وذكر - أن أواني الذهب والفضة لا قيمة للصنعة فيها أصلا إلا إذا قصد بها الفرار،

[ 191 ]

فيها ربع عشرها - ثم قال -: ومتى أراد رب الثمرة قطعها قبل بدو صلاحها مثل الطلع لمصلحة جاز له ذلك من غير كراهية، ويكره له ذلك فرارا من الزكاة، وعلى الوجهين معا لا يلزمه الزكاة " ولا يخفى عليك الوجه في وجوب السبعة ونصف وإن كان قد يقع في بادى النظر أن المتجه سبعة بناء على ملاحظة زيادة الصيغة، وإلا فخمسة، إذ من الواضح أن ذلك ليس زكاة، بل هي مقدار قيمة الخمسة خاصة في الخلخال التي زادت بسبب الصنعة في عشرها. وفي البيان عن الشيخ في الفرض " أنه يتخير بين إخراج ربع العشر وقت البيع وبين إخراج خمسة دراهم قيمتها سبعة ونصف، وبين إخراج قيمتها ذهبا، وليس له أن يدفع مكان الخمسة سبعة ونصفا، لأنه ربا، وأشكله بأنه ليس بمعاوضة، وإخراج القيمة جائز عندنا، ولأن الشيخ يحكم بأنه لو أتلفها متلف فعليه قيمتها، وقيمة الصنعة والزيادة لمكان الصنعة مع أنه معاوضة، فهنا أولى " انتهى، وهو جيد، ضرورة ابتنائه على ما هو ظاهر أدلة القائلين بالفرار من تعلق الزكاة بنفس الحلي الذي قصد به الفرار لا بالدراهم التي صيغت حليا، وبذلك يفرق بين المقام وبين صوغ الدراهم التي فيها الزكاة فان الظاهر الاجتزاء بتأدية المالك مقدارها وإن زادت قيمة الحلية، فتأمل جيدا، هذا. وفي المحكي عن نهاية الأحكام " لا زكاة في الحلي وإن كان محرما، خلافا لبعض علمائنا في المحرم إذا فر به من الزكاة، فعلى قوله تجب الزكاة سواء كان التحريم لعينه كالأواني والقصاع والملاعق والمجامر المتخذة من الذهب والفضة، أو باعتبار القصد كما لو قصد الرجل بحلي النساء الذي اتخذه أو ورثه أو اشتراه كالسوار والخلخال أن يلبسه غلمانه، أو قصدت المرأة بحلي الرجال كالسيف والمنطقة أن تلبسه جواريها أو غيرهن من النساء، وكذا لو أعد الرجل حلي الرجال لنسائه وجواريه، أو أعدت المرأة حلي النساء لزوجها وغلمانها، فكل ذلك محرم تجب فيه الزكاة عندهم، وحكم القصد الطارى

[ 192 ]

بعد الصياغة حكم المقارن، فلو اتخذه على قصد استعمال محظور ثم غير قصده إلى مباح بطل الحول، فلو عاد إلى القصد الفاسد ابتدأ حول الزكاة، ولو لم يقصد استعمالا مباحا ولا محرما فلا زكاة، لعدم الشرط وهو النقش أو تحريم الاستعمال، وكذا لا زكاة لو اتخذ الحلي ليؤاجره ممن له استعماله وإن اتخذه للنماء، فانه لا اعتبار بالأجرة هنا، لأنها كأجرة العوامل، ولو انكسر بحيث لا يمنع الاستعمال لم يؤثر في السقوط، ولو لم يصلح للاستعمال واحتاج إلى سبك وصوغ جديد سقطت الزكاة، لخروجه عن صفة التحريم، ولو كان بحيث يمنع الاستعمال لكن لا يحتاج إلى صوغ جديد بل يقبل الاصلاح باللحام لم تسقط، لدوام صورة الحلي المحرم " إلى غير ذلك من كلماتهم التي قد عرفت عدم الدليل عليها، بل ظاهر الأدلة خلافها، ومنها يعلم أن نصوص عدم السقوط بالفرار للحلي لا شهرة بين القائلين به على العمل بمضمونها (و) حينئذ فلا ريب في أن حملها على (الاستحباب أشبه) بأصول المذهب وقواعده. هذا كله لو كان الفرار قبل الحول (أما لو جعل الدراهم والدنانير كذلك بعد حول الحول) وبعد أن (جبت الزكاة) لم تسقط (إجماعا) بقسميه، للأصل وغيره، لكن الظاهر اجتزاء المالك بدفع مقدار الزكاة من الدراهم والدنانير من غير الحلي وإن زادت قيمة الحلي، لاصالة جواز الدفع من غير العين، أما لو لم يؤد أمكن القول بمشاركة الفقراء له في الحلية، فلهم من الزيادة بسبب الصنعة على حسب النسبة، ويحتمل أن يكون لهم مقدار الزكاة خاصة في الحلي، والأول أوفق بقواعد الشركة، والثاني أوفق بالارفاق بالمالك، والله أعلم. (وأما) القول في (أحكامها) أي زكاة الذهب والفضة (فمسائل): (الأولى لا اعتبار باختلاف الرغبة مع تساوي الجوهرين) في صدق الاسم الجواهر - 24

[ 193 ]

وإن اختلفت القيمة والأوصاف بذلك (بل يضم بعضها إلى بعض) بلا خلاف أجده فيه، بل نسبه بعضهم إلى الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه، ولعله كذلك مضافا إلى إطلاق الأدلة (و) أما الكلام (في) كيفية (الاخراج) للزكاة فالمشهور أنه (إن تطوع) المالك (ب‍) - اعطاء (الأرغب) ونحوه من الأفراد الكاملة فقد أحسن وزاد خيرا وأنفق مما يجب (وإلا كان له الاخراج من كل جنس بقسطه) كما تقتضيه قاعدة الشركة، ولا يجزيه الدفع من الأردى، لمنافاته لقاعدة الشركة، وفيه ما عرفته سابقا من منافاة التقسيط لا طلاق أدلة الفرائض التي لا فرق فيها بين أفراد النصاب، ولعله لذا حكى عن مبسوط الشيخ أن الأفضل التقسيط، وإن اقتصر على الاخراج من جنس واحد لم يكن به بأس، ونحوه عن التحرير بل عن التذكرة والقواعد ما يوافق ذلك أيضا، قالا: لو تساويا في العيار واختلفت القيمة كالرضوية والراضية استحب التقسيط، وأجزأ التخيير إلا أنهما قالا في المقام: يكمل جيد النقرة برديها كالناعم والخشن، ثم يخرج من كل جنس بقدره، وظاهرهما الفرق بين اجتماع النصاب من الجيد والردي وبين الجيد والأجود، فيقسط في الأول مع المماكسة بخلاف الثاني، وفيه أن قاعدة الشركة تقتضي التقسيط في الجميع، ولذا التزمه في الجميع ثاني المحققين والشهيدين على ما حكي عنهما، بل لعله ظاهر المصنف وأول الشهيدين وغيرهما، وإن كان الأقوى خلاف ذلك أيضا، لما تقدم من أن الشارع قد جعل مسمى هذا الاسم عوضا عن الحصة المشاعة فيؤخذ باطلاقه فيجزيه كل فرد إذا لم يكن الوسط الذي ينصرف إليه الاطلاق، أو يظن إرادته باعتبار جمعه مراعاة الحقين المعلوم من الأدلة اعتبارهما معا، للنهي عن أخذ المريضة وذات العوار ونحوهما، وعن أخذ كرائم الأموال، وشدة تأكيد أمير المؤمنين (عليه السلام) على مصدقه في مراعاته كما سمعته سابقا، وأما التقسيط فلا أثر له في شئ من النصوص، بل ظاهرها خلافه، بل كان دعواه زيادة في علم الشارع حيث أنه أطلق

[ 194 ]

المقدار المخصوص في النصاب الذي قل ما يتفق تساوي أفراده في الحيوان ونحوه، ودعوى ظهور تلك الاطلاقات في إرادة بيان النسبة خاصة لا إجزاء المسمى كائنا ما كان واضحة البطلان، بل إن لم نقل بظهورها في العكس فلا ريب في إفادتها الأمرين كما هو ظاهر بأدنى تأمل، وملاحظة لما سمعته سابقا في زكاة الحيوان، فلا حظ وتدبر. وقد ظهر لك من ذلك كله أنه لا فرق عندنا بعد الاتحاد في الجنس بين تساوي الرغبة وعدمها وتساوي القيمة وعدمها وتساوي العيار وعدمه إذا كان ما يتسامح به، وتساوي السكة وعدمها في وجوب الضم بل وفي الاخراج، لكن في الارشاد ويضم الجوهران من الواحد مع تساويهما وإن اختلفت الرغبة، ولكن يخرج بالنسبة، وظاهره اعتبار التساوي في الضم زيادة على الاتحاد في الجوهر، ولا وجه له قطعا، بل هو غير مراد له أيضا وإن كانت العبارة غير جيدة، والأمر سهل بعد وضوح المطلوب. ثم إن الظاهر عدم جواز دفع الأعلى قيمة عن الأدنى مثل أن يخرج ثلث دينار جيد قيمة عن نصف دينار كما صرح به جماعة، بل في الحدائق نسبته إلى المشهور، لأن الواجب إخراج نصف دينار من العشرين، فلا يجزي الناقص عنه، لكن احتمله في التذكرة، وضعفه جماعة، وقال آخر: " إنه مبني على وجوب الأخذ بالنسبة، وإلا فعلى مذهب الشيخ من جواز إخراج الأدون كأنه متجه، لأنه إذا كان الواجب عليه دينارا واختار دفع الأدون ثم أراد دفع قيمته فدفع نصف دينار بقيمة ذلك الدينار الأدون فالمدفوع قيمة ليس هو الفريضة الواجبة حتى يقال: إن الواجب دينار، فلا يجزي ما دونه " قلت لعل المتجه العدم مطلقا، لعدم عموم في ما دل على القيمة بحيث يشمل مثل ذلك، بل ظاهر تلك الأدلة خلافه، على أن الفريضة كالدينار مثلا شامل للأعلى وغيره فكل منهما فرد إذا دفعه المكلف، ولا يتشخص أحدهما بحيث يكون هو الواجب بمجرد الاختيار، بل لا يتشخص إلا بدفعه أو دفع قيمته من غير أفراد الفريضة، فليس له

[ 195 ]

أن يدفع من أفرادها بقصد جعل بعضة قيمة عن فرد آخر، ضرورة عدم صدق الامتثال معه، لا أقل من الشك، فيبقى استصحاب الشغل بحاله، نعم له أن يصالح الفقير مثلا عن بعض بقيمة في الذمة ثم يحتسبها قيمة عن الفرد الأدنى، وفرق واضح بين المقامين، بل ينقدح من ذلك عدم جواز دفع الأدنى قيمة عن الأعلى بناء على كونه أحد الأفراد المجزية، لما عرفت، وإن كان هو زائدا عن الفريضة، كما لو دفع دينارا تاما أدنى عن نصف دينار جيد، وكان فرضه النصف، لكن الظاهر إجزاؤه باعتبار كونه الفريضة وزيادة، وقصد المكلف أنه قيمة عن الأعلى لا يقدح في الاجزاء وإن لم يتم له ما قصده ومن ذلك يظهر لك ما في المدارك وغيرها من جواز دفع الأدنى قيمة دون العكس، فلا حظ وتأمل جيدا. المسألة (الثانية الدراهم المغشوشة) مثلا بما يخرجها عن اسم الفضة الخالصة ولو الردية (لا زكاة فيها حتى يبلغ خالصها نصابا) بلا خلاف أجده فيما قبل الغاية ولا بعدها بل الأول من الواضحات، وأما الثاني فقد يتأمل فيه باعتبار أن الزكاة إنما تجب في الفضة والذهب المسكوكين دراهم ودنانير، والمركب من كل منهما وغيره خارج عن الاسم، فلا تتعلق به الزكاة، بل قد يمنع صدق اسم الدراهم والدنانير على غير الخالص حقيقة، لكن قد يدفع - بعد عدم الخلاف فيه، بل نسبه غير واحد إلى الأصحاب مشعرا بالاجماع عليه - بخبر زيد الصائغ (1) الآتي المنجبر بعمل الأصحاب، ويمنع عدم صدق الدرهم والدينار حقيقة على ذلك، خصوصا بعد غلبة الغش في الدراهم وتعارفه، فيتحصل حينئذ مما دل على الزكاة في الدراهم مثلا - الشامل لهذه الأفراد وإن كانت نادرة، لأنه من العموم اللغوي، ومما دل على أن لا زكاة في غير الفضة والذهب - أنه متى بلغ ما فيها من الفضة نصابا وجبت الزكاة فيها، وأنه متى وقعت السكة عليها ولو في ضمن غيرها


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1

[ 196 ]

تعلقت بها كما هو واضح. نعم يعتبر في الحكم بوجوبها العلم بالبلوغ نصابا، أما لو شك فلا وجوب للأصل وغيره، بل المعروف أيضا عدم وجوب التصفية ونحوها للاختيار، بل عن المسالك لا قائل بالوجوب، ووجه ذلك كل أن مقدمات الوجوب لا يجب تحصيلها ولا تعرفها، لكن قد يناقش بأن الأول مسلم بخلاف الثاني، ضرورة معلومية الوجوب في مثله من مذاق الشرع، وأنه ليس المراد الوجوب إذا اتفق حصول العلم بوجود الشرط، فلا يجب حينئذ على من احتمل في نفسه الاستطاعة مثلا أو ظنها اختبار حاله، ولا على من علق نذره على شئ مثلا تعرف حصوله ونحو ذلك، إذ هو كما ترى فيه إسقاط لكثير من الواجبات، نعم هو كذلك حيث لا يكون له طريق إلى التعرف، أو كان فيه ضرر عليه بحيث يسقط بمثله وجوب المقدمة، ولعله لذلك مال بعض المحققين هنا إلى وجوب التعرف بالتصفية أو غيرها، وهو قوي جدا إن لم يكن إجماع على خلافه. (ثم) اعلم أنه (لا) يجوز له أن (يخرج المغشوشة عن الجياد) بلا خلاف ولا إشكال إلا إذا علم اشتمالها على ما يساوي الجياد، وفي كونها حينئذ فريضة لا قيمة وإن زادت في العدد على الفريضة المسماة إشكال، وإن كان الأقوى أنها كذلك، وكذا لو أدى المغشوشة عن المغشوشة أو أدى جيادا عنها، ولو ملك النصاب ولم يعلم هل فيه غش أم لا فعن التذكرة أنه تجب الزكاة، لاصالة الصحة والسلامة، وفيه تأمل، ولو كان الغش بأحدهما كالدراهم بالذهب أو بالعكس وبلغ كل من الغش والمغشوش نصابا وجبت الزكاة فيهما أو في البالغ، ويجب الاخراج من كل جنس بحسابه، فان علمه وإلا توصل إليه بالسبك ونحوه، قيل: أو ميزان الماء، وهو كذلك إن أفاد اليقين، وكيفيته أن يوضع قدرا من الذهب الخالص في ماء ويعلم على الموضع الذي يرتفع إليه الماء ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة ويعلم على موضع الارتفاع أيضا، وتكون هذه العلامة

[ 197 ]

فوق الأولى، لان أجزاء الذهب أشد كثافة (1) ثم يوضع فيه المخلوط وينظر إلى ارتفاع الماء هل هو إلى علامة الذهب أقرب أو إلى علامة الفضة، وكيف كان فان أشكل الأكثر منهما وماكس المالك ولم يمكن التمييز أخرج ما يجب في الأكثر مرتين، فلو كان قدر أحد النقدين ستمائة والآخر أربعمائة إلا أنه لا يشخصهما أخرج زكاة ستمائة ذهبا وستمائة فضة، ويجزي ستمائة من الأكثر قيمة وأربعمائة من الأقل كما هو واضح، والله أعلم. المسألة (الثالثة) قد ظهر لك مما قررناه أنه (إذا كان معه دراهم مغشوشة) مثلا لا غير أو معها دراهم (فان عرف قدر) ما فيها من نصاب (الفضة أخرج الزكاة عنها فضة خالصة) وإن شاء أخرج (عن الجملة منها) مراعيا للنسبة، فلو كان معه ثلاثمائة درهم والغش ثلثها في كل درهم تخير بين إخراج خمسة دراهم خالصة أو إخراج سبعة ونصف عن الجملة، كما هو واضح، وكذا لو كان معه مغشوشة وخالصة، نعم لو علم قدر الفضة في الجملة لا في الأفراد الخاصة لابد من الاخراج جيادا أو ما يتحقق معه البراءة ولا يجزيه ذلك (وإن جهل ذلك) أي قدر ما فيها من نصاب الفضة (و) لكن علمه على الاجمال فان (أخرج عن جملتها من الجياد احتياطا جاز أيضا) للعلم بالبراءة حينئذ (وإن ماكس ألزم تصفيتها) جميعا أو ما يعلم منه الحال في الجميع (ليعرف قدر الواجب) الذي قد علم اشتغال الذمة به، فلا بد له من العلم بحصول البراءة منه كما صرح به جماعة، بل نسب إلى الأكثر، بل عن الأردبيلي الاجماع عليه لولا ما تسمعه من المنتهى، لكن استشكله في التحرير، ولعله لما استوجهه في محكي المعتبر والتذكرة والمنتهى وقواه المحقق الثاني والمولى الأردبيلي واستحسنه صاحب المدارك وغيره من الاكتفاء باخراج ما تيقن اشتغال الذمة به وطرح المشكوك فيه، عملا باصالة البراءة، وبأن الزيادة كالاصل، فكما


(1) وفى النسخة الأصلية " كنازيا "

[ 198 ]

تسقط الزكاة مع الشك في بلوغ الصافي النصاب فكذا تسقط مع الشك في بلوغ الزيادة نصابا، فلو تيقن وجود النصاب الاول مثلا وشك في الزائد وهو الثاني مرة أو مرتين مثلا فإذا أخرج ما تيقنه صار المال مشكوكا في تعلق الوجوب به فلا تجب التصفية، كما لو شك في الوجوب ابتداء، وكما لو شك في الدين بعد أن دفع ما علمه، وليس المراد من قاعدة يقين الشغل نحو ذلك، ضرورة كون البراءة هنا كالشغل، فانه دفع ما تيقنه، وما عداه لا يقين للشغل فيه، إذ ليس ما نحن فيه كالصلاة ونحوها مما لا يحصل الامتثال معه إلا بالاتيان بالمشكوك فيه، لكونه خطابا واحدا، بخلاف المقام الذي هو بمنزلة خطابات متعددة لا يتوقف امتثال بعضها على الآخر، كما هو واضح، وهو جيد، لكن قد يقال: إن أصل البراءة لا يجري في حق الغير المعلوم ثبوته في المال في الجملة، ولا أصل يشخص كونه مقتضى النصاب الأول أو الثاني، وتيقن الخمسة دراهم مثلا باعتبار أنها فريضة المائتين وبعض فريضة المائتين والأربعين لا يقتضى تيقن النصاب الأول الذي هو عبارة عن المائتين التي لم يتم معها أربعون، ودعوى أن المائتين وأربعين نصابان، والثمانين ثلاثة نصب، وهكذا واضحة الضعف، بل الظاهر أن المائتين وأربعين نصاب واحد كالمائتين، فحينئذ مع العلم بحصول سبب شركة الفقير ولا أصل يشخصه لا يجدي أصل براءة ذمة المالك من دفع الزائد في دفع تعرف مقدار الشركة، بل عند التأمل ما نحن فيه كالمال الذي خلط أجنبي معه مال شخص آخر، ويمكن علم المقدار، فتأمل جيدا، وبذلك يفرق بين المقام والسابق، على أنك قد عرفت قوة احتمال وجوب التعرف فيه، والله أعلم. المسألة (الرابعة مال القرض) الزكوي (إن تركه المقترض بحاله) ولم يحصل ما ينافي تعلق الزكاة مما سمعته سابقا (وجبت الزكاة عليه دون المقرض) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل ظاهر التنقيح الاجماع عليه، بل يمكن تحصيله فيه، وهو مما

[ 199 ]

يعين القول بملكه بالقبض، ولا يتوقف على التصرف وإن ذكروه قولا هناك، كما أن ذلك يعين الفرق بين القرض المفروض وغيره من أقسام الدين، ضرورة أن القائل بالوجوب في الدين على صاحبه إذا كان المديون موسرا ومتمكنا من قبضه لا يقول به فيما نحن فيه، كما حكي عنه النص عليه هنا، ولعله للاجماع والنصوص، ولأنه يكون حينئذ كتزكية المال الواحد في السنة مرتين، ودعوى أنهما مالان باعتبار الثبوت في ذمة المقترض مثل ما في يده، فالقارض يزكي ماله في الذمة، والمقترض ما في يده واضحة الفساد، نعم لو لم يبق مال القرض في يد المقترض أمكن حينئذ القول بوجوب الزكاة على القارض بناء على وجوبها في الدين الذي من أفراده القرض، بل قد يمكن ذلك أيضا لو سقطت الزكاة عن المقترض بجنون ونحوه، لا طلاق ما دل على وجوبها في الدين خرج عنه القرض الباقي في يد المقترض عليه وجه يخاطب بزكاته دون غيره من الأفراد ولو أقرضه المقرض من شخص آخر أمكن القول بسقوط الزكاة عن المقترض الأول، لعين ما سمعته فيه من دون واسطة، وعدمه للاطلاق السابق، ولعل الأول أقوى، بل يمكن القول بخروج مطلق القرض عن الدين من غير فرق بين وجوب الزكاة على المقترض وعدمه بتصرف أو جنون أو غيرهما، لظهور الأدلة في أن مورد خطاب الزكاة نفيا وثبوتا في القرض المقترض دون المقرض، والانصاف عدم خلو السمألة عن الاشكال لكن يسهل الخطب عدم وجوبها في الدين عندنا كما عرفته سابقا. وكيف كان فلا خلاف في أن الزكاة فيما نحن فيه على المقترض كما اعترف به غير واحد (و) إنما الخلاف فيما (لو شرط المقترض الزكاة على المقرض) في عقد القرض ف‍ (- قيل) والقائل الشيخ في باب القرض من النهاية: (يلزم لاشرط) وتكون الزكاة على القارض دون المستقرض، لعموم (1) " المؤمنون " وصحيح ابن


(1) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب الخيار - الحديث 7 من كتاب التجارة

[ 200 ]

سنان (1) " سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: باع أبي (عليه السلام) من هشام ابن عبد الملك أرضا بكذا وكذا الف دينار واشترط عليه زكاة ذلك المال عشر سنين وإنما فعل ذلك لأن هشاما كان هو الوالي " وصحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " باع أبي (عليه السلام) أرضا من سليمان بن عبد الملك بمال واشترط عليه في بيعه أن يزكي هذا المال من عنده لست سنين " وعن علي بن بابويه وولده الفتوى بمضمونهما، قال الأول منهما: " إن بعت شيئا وقبضت ثمنه واشترطت على المشتري زكاة سنة أو سنتين أو أكثر فان ذلك يلزمه " وصحيح منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل استقرض مالا فحال عليه الحول وهو عنده فقال: إن كان الذي أقرضه يؤدي زكاته فلا زكاة عليه، وإن كان لا يؤدي أدى المستقرض " (وقيل) والقائل المشهور: (لا يلزم) وإن اختلفوا في بطلان القرض حينئذ فتكون الزكاة على المقرض، وعدمه فتكون على المقترض كما عرفته سابقا (و) على كل حال ف‍ (- هو الأشبه) لكونه شرطا مخالفا للكتاب والسنة الدالين على أن خطاب الزكاة على المالك، وعموم " المؤمنون " ونحوه إنما يقتضي إلزام ما هو مشروع في نفسه وحد ذاته كما أوضحناه في محله، لا أنه يقتضي شرعية ما لم يعلم شرعيته، على أنه معارض لما دل على اعتبار الملك في الزكاة من وجه، والترجيح بالشهرة وغيرها لها، والصحيحان مع عدم وضوح المراد منهما - بل يمكن دعوى إجمالهما، بل يبعد كل البعد كنز الامام عليه السلام المال هذه المدة كي يشترط زكاته، واحتمال إرادة مقدار زكاته وإن لم يجمع شرائط الزكاة في هذه المدة خروج عما نحن فيه، ضرورة كونه في اشتراط قدر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 2 الجواهر - 25

[ 201 ]

مخصوص لا على أنه زكاة - يمكن كون المراد منهما اشتراط تأدية زكاته لما مضى من السنين احتياطا في تطهير المال، لأن هشاما وسليمان مظنة عدم إخراجهما الزكاة في هذه السنين، ويمكن كون المراد تأدية الزكاة لا انتقال خطابها إلى المشروط عليه، وربما احتمل إرادة زكاة الأرض المشتراة لا الثمن وإن كان لفظ المال في الخبر الأخير ظاهر فيه، وغير ذلك، هذا كله مضافا إلى مهجوريتهما وعدم العمل بهما في ذلك، فلا ريب في قصورهما عن معارضة ما يقتضي العدم، كما هو واضح. وأما صحيح منصور فانما يدل على جواز تبرع المقرض بالاخراج، وهو لا يستلزم جواز اشتراط تعلق الوجوب به دون المالك، نعم بعد ثبوت جواز التبرع يتجه لزوم اشتراطه لو اشترطه، للعموم المزبور على معنى تحمل المشروط عليه لها عن المديون، وإخراجها من ماله عنه مع كون الوجوب متعلقا بالمقترض، لا على معنى تعلق الوجوب بالمقرض ابتداء وسقوطه عن المقترض، فان وفى المقرض بالشرط سقطت عن المقترض وإلا تعين عليه الاخراج، كما لو وجب على شخص أداء دين آخر بنذر وشبهه فانه لا يسقط الوجوب عن المديون، بل يتعلق الوجوب، به، فان وفى الأجنبي برئت ذمة المديون، وإلا تعين عليه الأداء، وحول كلام المخالف على ذلك يقتضي لفظية النزاع، ولعله كذلك، لكن قد عرفت أن هذا مبني على جواز التبرع، وقد توقف فيه بعضهم لكون الزكاة عبادة، فاعتبر الأذن، وفيه أنها لا تجدي أيضا، والاستناد إلى الصحيح المزبور يقتضي الاجزاء مطلقا، وهو الأقوى في النظر له مؤيدا بما في الزكاة من شبهية الدين، ولذا صحت الوكالة فيها، وقد تقدم شطر صالح في المسألة فيما تقدم، فلاحظ وتأمل. كما أنه تقدم الكلام في المسألة (الخامسة) وهي (من دفن مالا وجهل موضعه أو ورث مالا ولم يصل إليه ومضى عليه أحوال ثم وصل إليه) أو تمكن من قبضه (زكاة لسنة استحبابا) بل في المدارك لا يظهر لاعادتها وجه يعتد به، لكن نقول هنا قد يتجه

[ 202 ]

الوجوب في المدفون الذي لم يحصل اختباره إلا بعد سنين فجهل موضعه ثم وجده بعد ذلك، لا صالة تأخر الحادث، وهو الجهل، فيبقى على استصحاب التمكن إلى آن الجهل، وكذا إذا لم يجده أصلا، أللهم إلا أن يقال إن الأصل لا يصلح لتنقيح الشرط الذي هو صدق كون المال عنده وفي يده في هذه المدة، إذ يمكن تقدم التلف، فيكفي حصول الشك في الشرط في سقوط المشروط، وأصالة تأخر الحادث لا يقتضي حصول تلك الصفة عرفا، على أن أصالة براءة الذمة وعدم تعلق الزكاة بالمال تقتضيان العدم، بل هما محصلان للمطلوب بلا واسطة بخلاف أصل تأخر الحادث، ولعله لذا أطلق الأصحاب استحباب التزكية لسنته من غير إشارة من أحد منهم إلى شئ مما ذكرنا، فلاحظ وتأمل، والله أعلم. المسألة (السادسة إذا ترك نفقة لأهله) تبلغ قدر النصاب فما زاد بحيث لا يعلم زيادتها عن قدر الحاجة (فهي معرضة للاتلاف) بالانفاق، والمشهور شهرة عظيمة أنها (تسقط الزكاة عنها مع غيبة المالك، وتجب لو كان حاضرا، وقيل) والقائل ابن إدريس: (تجب فيها على التقديرين، والأول) مع أنه مشهور (مروي) في الموثق (1) عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) " قلت له: رجل خلف عند أهله نفقة الفين لسنتين عليها زكاة قال: إن كان شاهدا فعليه زكاة، وإن كان غائبا فليس عليه زكاة " وخبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قلت له: الرجل يخلف لأهله نفقة ثلاثة آلاف درهم نفقة سنتين عليه زكاة قال: إن كان شاهدا فعليها زكاة، وإن كان غائبا فليس فيها شئ " ومرسل ابن أبي عمير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا " عن رجل وضع لعياله الف درهم نفقة فحال عليها الحول قال: إن كان مقيما زكاه، وإن كان غائبا لم بزك " إلا أن ابن إدريس على أصله من عدم العمل بأخبار الآحاد لم يفرق بينها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 - 3 - 2

[ 203 ]

وبين غيرها من المال الغائب عنه مالكه لكنه قادر على التصرف فيه متى أراد في وجوب الزكاة، لعموم الأدلة الذي لا تفاوت فيه بين حضور المالك وغيبته، وقال: أن الفرق أورده شيخنا في نهايته إيرادا لا اعتقادا، وفيه أن الواجب الخروج عنه بهذه النصوص، وكون التعارض بينها من وجه لا ينافي ظهور هذه النصوص في الفرد الذي هو محل النزاع، فيتجه التخصيص بها حينئذ على هذا التقدير، بل قد يجول في الذهن أن مبنى هذه النصوص على خروج هذا الفرد عن تلك العمومات لا تخصيصها بها باعتبار تعريضه للتلف بالاتفاق والاعراض عنه لهذه الجهة الخاصة، فكأنه أخرجه من ملكه، فلا يصدق عليه أنه حال الحول عليه وهو عنده، خصوصا مع عدم علمه بسبب غيبته عنه كيف صنع به عياله، ويمكن أن يكون بدلوه بمال آخر أو اشتروا به ما يحتاجونه سنتين مثلا، وغير ذلك من الاحتمالات التي تحصل له بالغيبة دون الحضور الذي ليس فيه سوى عزم منه على إنفاق هذا المال، وبالجملة لا يخفى على من له ذوق بالفقه ومعرفة بخطاباتهم (عليهم السلام) أن المراد من هذا التفصيل أنه لا يصدق على هذا المال أنه حال الحول عليه وهو عنده، خصوصا وليس في هذه النصوص إشارة إلى التخصيص، فيكون الحاصل أنه يكفي في سقوط الزكاة عدم هذه العندية، كما أنه يكفي في وجوبها هذه العندية مع الحضور وإن عزم على أنه للانفاق، فتأمل جيدا فانه دقيق، وربما كان في قول المصنف: " معرضة للاتلاف " إشارة إلى بعض ذلك، والله أعلم. المسألة (السابعة لا تجب الزكاة حتى يبلغ كل جنس) من الزكوي (نصابا) لما دل على اعتباره في كل جنس منها من النصوص (1) المستفيضة أو المتواترة (و) حينئذ ف‍ (- لو) ملكها جميعها مالك و (قصر كل جنس) منها (أو بعضها) عن النصاب (لم


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الأنعام والباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة والباب 2 من أبواب زكاة الغلات وغيرها من الأبواب

[ 204 ]

يجبر بالجنس الآخر) إجماعا بقسميه ونصوصا (1) (كمن معه عشرة دنانير ومائة درهم أو أربعة من الابل وعشرون من البقر) وهكذا فلا يجبر أحدهما بقيمة الآخر ويتمم به النصاب ويخرج منه الزكاة، خلافا لبعض العامة فضم الذهب إلى الفضة، لا تفاقهما في كونهما ثمنا، والحنطة إلى الشعير للاشتراك في القوت، وهو اجتهاد في مقابلة النص والاجماع والأصول، قال زرارة (2) في الصحيح: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهما وتسعة عشر دينارا أيزكيها ؟ فقال: لا ليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتى تتم، قال زرارة: وكذلك هو في جميع الأشياء وقال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل كن عنده أربع أنيق وتسعة وثلاثون شاة وتسعة وعشرون بقرة أيزكيهن ؟ فقال: لا يزكي شيئا منهن، لأنه ليس شئ منهن تاما فليس تجب فيه الزكاة " وأما موثق إسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) " قلت له: تسعون ومائة درهم وتسعة عشر دينارا عليها في الزكاة شئ فقال: إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة، لأن عين المال الدراهم، وكل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم في الزكاة والديات " فشاذ مطرح، أو محمول على التقية، أو على زكاة التجارة، أو على ما عن الشيخ من احتمال إرادة بلوغ الفضة خاصة، لكنه بعيد جدا مناف للتعليل وغيره، واحتمال كونه خاصا بمن جعل ماله أجناسا مختلفة كل واحد منها لا تجب فيه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الأنعام والباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة والباب 2 من أبواب زكاة الغلات وغيرها من الأبواب (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 5 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 وذيله في الباب 1 من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 7

[ 205 ]

الزكاة فرارا منها مستدلا عليه بموثقه الآخر (1) " سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) أيضا عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير أعليها زكاة ؟ فقال: إن فر بها من الزكاة فعليه الزكاة " الحديث. وفيه أنه مع عدم ملائمة التعليل وغيره مناف لما سمعته سابقا من سقوط الزكاة بذلك ولو فعله فرارا للنصوص (2) وغيرها كما عرفته مفصلا، فتعين حينئذ حمل الخبر المزبور على ما قدمنا، كحمل خبر الفرار على الندب أو غيره كما تقدم والله أعلم. (القول) الثالث (في زكاة الغلات) (و) يقع (النظر في الجنس والشروط واللواحق، أما الأول ف‍) - قد علمت سابقا أنه (لا تجب الزكاة فيما يخرج من الأرض إلا في الأجناس الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، لكن يستحب فيما عدا ذلك من الحبوب مما يدخل في المكيال والميزان كالذرة والأرز والعدس والماش) كما تقدم الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه (و) كذا (السلت والعلس) بناء على خروجهما عن الحنطة والشعير (و) لكن (قيل) والقائل الشيخ وجمع من الأصحاب كالفاضل في بعض كتبه والشهيدين وثاني المحققين والميسي وابن إدريس على ما حكي عن بعضهم: (السلت كالشعير والعلس كالحنطة في الوجوب، والأول أشبه) وأشهر، بل عن كشف الالتباس والمفاتيح أنه المشهور، بل عن الغنية الاجماع عليه، لأصالة عدم الوجوب، وحصره في التسعة في المستفيض من النصوص (3) المنساق من الحنطة والشعير فيه غيرهما، بل عن ابن دريد " السلت حب


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الذهب والفضة (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة

[ 206 ]

يشبه الشعير أو هو بعينه، والعلس حبة سوداء يخبز في الجدب أو يطبخ " وعن المغرب " العلس بفتحتين عن الثوري والجوهري حبة سوداء إذا أجدب الناس طحنوها وأكلوها، وقيل هو مثل البر إلا أنه عسر الاستنقاء، تكون في الكمامة حبتان، وهو طعام أهل صنعاء " وعن المحيط " العلس شجرة كالبر إلا أنه مقترن الحب حبتين حبتين " وعن الفائق " السلت حب بين الحنطة والشعير لا قشر له " بل في ظاهر خبري زرارة (1) وابن مسلم (2) أن السلت غير الحنطة والشعير، ويتم بعدم الفصل بينه وبين العلس، كما أنه يتم في الحكم بالاستحباب فيهما بالنصوص العامة والخاصة، لكن ومع ذلك لا تخلو المسألة من إشكال، لنص بعض أهل اللغة على كونهما منهما، قال في الصحاح: " العلس ضرب من الحنطة حبتان في قشر، وهو طعام أهل صنعاء - وقال أيضا -: السلت بالضم ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه الحنطة " وقال ابن الأثير: " السلت ضرب من الشعير أبيض لا قشر له، وقيل هو نوع من الحنطة، والأول أصح، لأنه صلى الله عليه وآله سئل عن بيع البيضاء بالسلت فكرهه، والبيضاء الحنطة " وعن القاموس " السلت بالضم الشعير أو ضرب منه " وعن الأزهري " العلس صنف من الحنطة يكون عنه في الكمام الحبتان وثلاثة " وعن العين " السلت شعير لا قشر عليه بالحجاز والغور يتبردون بالسويق منه في الصيف " ونحوه عن المحيط، وعن أدب الكاتب " السلت ضرب من الشعير دقيق القشر صغير الحب " ونحوه عن المجمل وديوان الأدب، وعن المقابيس " السلت ضرب من الشعير لا يكاد يكون له قشر، والعرب تسميه العريان " وعن المغرب " شعير لا قشر له يكون بالغور والحجاز " وقال في محكي المبسوط: " السلت شعير فيه مثل ما فيه، والعلس نوع من الحنطة، يقال: إذا ديس بقي كل حبتين في كمام، ولا يذهب ذلك حتى يدق ويطرح في رحى خفيفة، ولا ينقى نقاء الحنطة ويبقى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 10 - 4

[ 207 ]

في كمامها، ويزعم أهلها أنها إذا هرست أو طرحت في رحى خفيفة خرجت على النصف فإذا كان كذلك تخير أهلها بين أن يلقى عنها الكمام وتكال على ذلك، فإذا بلغت النصاب أخذ منها الزكاة أو تكال على ما هي عليه، ويؤخذ عن كل عشرة أوسق زكاة فإذا اجتمع عنده حنطة وعلس ضم بعضه إلى بعض، لأنها كلها حنطة " وفي الخلاف " السلت نوع من الشعير، يقال: إنه بلون الحنطة وطعمه طعم الشعير بارد مثله، فإذا كان كذلك ضم إليه وحكم فيه بحكمه " وفي القواعد " العلس حنطة حبتان في كمام واحد على رأي، والسلت يضم إلى الشعير لصورته، ويحتمل إلى الحنطة، لاتفاقهما طبعا، وعدم الانضمام " وهو خلاف ما سمعته من الخلاف من أنه بارد كالشعير، لكن لا يخفى عليك أن المدار على الاسم الذي لا مدخلية له في الصورة والطبيعة، وتناوله له على وجه الحقيقة المساوية للفرد الآخر في الفهم عند الاطلاق في زمن صدور الأخبار محل نظر أو منع، فالأصل حينئذ بحاله، والله أعلم. (وأما) النظر في (الشروط ف‍) - لا إشكال ولا خلاف في اعتبار بلوغ (النصاب) في الوجوب، بل الاجماع بقسميه عليه، كما أن النصوص (1) متواترة فيه، بل هو ضروري (وهو خمسة أوسق) فما في خبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) " لا تجب الصدقة إلا في وسقين، والوسق ستون صاعا " كقوله (عليه السلام) في خبره الآخر (3): " لا يكون في الحب ولا في النخل ولا في العنب زكاة حتي تبلغ وسقين، والوسق ستون صاعا " بل في المرسل عن ابن سنان (4) " سألته أيضا عن الزكاة في كم تجب في الحنطة والشعير ؟ فقال: في وسق " وفي صحيح الحلبي (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في كم تجب الزكاة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب ؟ قال:


(1) و (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث - 0 - 10 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 - 3 - 4

[ 208 ]

في ستين صاعا " بل في موثق إسحاق بن عمار (1) " سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الحنطة والتمر عن زكاتهما فقال: العشر ونصف العشر - إلى أن قال - فقلت: ليس عن هذا أسألك إنما أسألك عما خرح منه قليلا كان أو كثيرا قال: من كل عشرة واحد، ومن كل عشرة نصف واحد، قلت: فالحنطة والنمر سواء قال: نعم " مطرح أو محمول على الندب، أو على التقية بناء على عدم اعتبار وجود القائل بها، أو على إرادته بعد إحراز النصاب الذي هو الخمسة، أو غير ذلك. نعم ما في الأولين من أن (الوسق ستون صاعا) لا خلاف فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه (والصاع تسعة أرطال بالعراقي وستة بالمدني) بلا خلاف معتد به أجده، لخبر الهمداني (2) الذي رواه المشايخ الثلاثة، بل رواه الصدوق منهم في عدة من كتبه، قال: " كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) على يد أبي جعلت فداك أن أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدني وبعضهم يقول: العراقي فكتب إلي الصاع ستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي، قال: وأخبرني أنه يكون الفا ومائة وسبعين وزنة " وخبر علي بن بلال (3) قال: " كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الفطرة وكم تدفع ؟ قال: فكتب ستة أرطال من تمر بالمدني، وذلك تسعة أرطال بالبغدادي " إذ من المعلوم كون المراد بذلك الصاع المتفق على كونه الواجب في الفطرة، كما أن من المعلوم عدم الفرق في الصاع بين المقام والفطرة. ومن ذلك يعلم المراد مما في صحيح أيوب بن نوح (4) الوارد في الفطرة أيضا


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 6 وذيله في الباب 3 منها - الحديث 2 مع الاختلاف في الألفاظ (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 - 2 (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3 الجواهر - 26

[ 209 ]

وهو أنه كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) وقد بعثت اليك العام عن كل رأس من عيالي بدرهم قيمة تسعة أرطال، فكتب (عليه السلام) جوابا محصوله التقرير على ذلك خصوصا مع كون الراوي عراقيا، وفي صحيح زرارة (1) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد ويغتسل بصاع، والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال " يعني أرطال المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي ولاريب في كونه مؤيدا للمطلوب وإن لم يعلم كونه من الامام (عليه السلام)، بل قيل: الظاهر من جماعة أن التفسير من تتمة الرواية ويشهد له قوله في التذكرة وقول الباقر (عليه السلام): " والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي " وعن المصنف (رحمه الله) أنه نقل الخبر من كتاب الحسين بن سعيد هكذا " والصاع ستة أرطال بأرطال المدينة يكون تسعة أرطال بالعراقي " (و) على كل حال ف‍ (- هو) حينئذ (أربعة أمداد) وذلك لأن (المد رطلان وربع) بالعراقي ورطل ونصف بالمدني (فيكون النصاب) حينئذ (الفين وسبعمائة رطل بالعراقي) حاصلة من ضرب الخمس في الستين، فتبلغ ثلاثمائة، فتضرب في التسعة أرطال فتبلغ المقدار المزبور، والف وثمانمائة رطل بالمدني حاصلة من ضرب الثلاثمائة في السنة والف ومائة وسبعون درهما، لأن المد مائتا درهم وإثنان وتسعون درهما ونصف درهم، لكن في خبر المروزي (2) قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): " الغسل بصاع من ماء، والوضوء بمد من ماء، وصاع النبي (صلى الله عليه وآله) خمسة أمداد، والمد وزن مائتين وثمانين درهما، والدرهم ستة دوانيق، والدانق وزن ست حبات، والحبة وزن حبتي شعير من أواسط الحب لا من صغاره ولا من كباره " وفي الموثق (3)


(1) و (2 و 3) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الوضوء - الحديث 1 - 3 - 4 من كتاب الطهارة

[ 210 ]

" سألته عن الماء الذي يجزي للغسل فقال: اغتسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصاع وتوضأ بمد، وكان الصاع على عهده خمسة أمداد، وكان المد قدره رطل وثلاث أواق " وهما واجبا الطرح لشذوذهما، وربما حملا على الفرق بين صاع الماء وغيره باعتبار الثقل والخفة، وتداخل الأجسام وعدمه، وفيه أنه ينافيهما صحيح زرارة (1) حينئذ أو من جهة مشاركة بعض أزواجه في الغسل له. وكيف كان فالرطل العراقي مائة وثلاثون درهما أحد وتسعون مثقالا بلا خلاف أجده إلا من الفاضل في التحرير وموضع من المنتهى، فجعله مائة وثمانية وعشرين درهما وأربعة أسباع درهم أي تسعون مثقالا، ولم نعرف له مستندا، بل هو مخالف لما سمعته من خبر الهمداني (2) المراد من الوزنة فيه الدرهم بقرينة خبر إبراهيم بن محمد الهمداني (3) فان فيه " الفطرة صاع من قوت بلدك - إلى أن قال -: تدفعه وزنا ستة أرطال برطل المدينة، والرطل مائة وخمسة وتسعون درهما، تكون الفطرة الفا ومائة وسبعين درهما " والتقريب أن الرطل العراقي ثلثا الرطل المدني، ولعله لذا وغيره قيل: إنه سهو من قلمه الشريف، أو أنه تبع فيه بعض العامة. وكيف كان فقد اعتبرناه في يوم الثلاثاء عشرين في شعبان سنة الف ومائتين وتسعة وثلاثين من الهجرة النبوية بعيار البقال في النجف الأشرف فكان إثنى عشر وزنة إلا ربع الوقية وخمس مثاقيل صيرفية، لأن الحقة كانت فيه ستمائة مثقال صيرفي وأربعين مثقالا كذلك، والصاع ستمائة مثقال وأربعة عشر مثقالا صيرفيا وربع مثقال


(1) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الوضوء - الحديث 1 من كتاب الطهارة (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 8 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 وذيله في الباب 7 منها - الحديث 4

[ 211 ]

ينقص عن الحقة ستة وعشرون مثقالا إلا ربعا، وأما عيار العطار في النجف فقد اعتبرناه فكان ربع الوقية فيه تسعة عشر مثقالا صيرفيا نصف من ربع البقال إلا مثقالا لأنه أربعون مثقالا صيرفيا، فإذا أردت ضبط النصاب به فعلى هذا الحساب، كما هو واضح بأدنى تأمل. والسبب في ضبط ذلك أن هذا التقدير عندنا على التحقيق دون التقريب، فلو حصل النقصان ولو قليلا فلا زكاة للأصل، ولقوله (عليه السلام) (1): " وليس فيما دون الثلاثمائة صاع شئ " بل قال الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة وبكير: (2) " فان كان من كل صنف خمسة أوساق غير شئ وإن قل فليس فيه شئ، وإن نقص البر والشعير والتمر والزبيب أو نقص من خمسة أوساق صاع أو بعض صاع فليس فيه شئ " وعدم صدق التقدير حقيقة مع النقصان ولو يسيرا، والمسامحة العرفية ليست من الحقائق التي يحمل عليها الاطلاق، على أنه قد صرح بعدم العبرة بها في الجملة في الخبر المزبور، نعم لا عبرة بما جرت العادة به من ممازجته للنصاب من غيره كالتراب اليسير والتين كذلك والشعير في الحنطة ونحو ذلك مما لا يخرج به عن الاسم، بل أقصاه تعدد الأصناف عرفا، أما إذا كان كثيرا لا يتسامح فيه في العرف فلا يغتفر، بل لو كان أجنبيا قد مزج بصنف خالص عنه قدح في العفو وإن لم يكن كثيرا، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فما عن بعض الجمهور من أن التقدير تقريب لا تحقيق لان الوسق حمل وهو يزيد وينقص واضح الضعف، لأن المعتبر التقدير الشرعي لا اللغوي. ثم إن المحكي عن المنتهى أنه قال: " النصب معتبرة بالكيل بالأصواع، واعتبر الوزن للضبط والحفظ، فلو بلغ النصاب بالكيل والوزن معا وجبت الزكاة قطعا، ولو بلغ بالوزن دون الكيل فكذلك، ولو بلغ بالكيل دون الوزن كالشعير فانه أخف من الحنطة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 5 - 8

[ 212 ]

مثلا لم تجب الزكاة على الأقوى، وقال بعض الجمهور: تجب وليس بالوجه " وفي المدارك بعد حكاية ذلك عنه قال: " ومرجعه إلى اعتبار الوزن خاصة، وهو كذلك، إذ التقدير الشرعي إنما وقع به لا بالكيل " قلت: هذا مناف لأول كلامه، وأيضا فالموجود في أكثر النصوص التقدير بالأوسق والصوع، بل إنما وقع ضبط الصاع بالوزن في زكاة الفطرة والغسل، ولعله لذا قال في التذكرة: النصاب يعتبر بالكيل لأن الأوساق مكيلة، وإنما نقلت للوزن لتضبط وتحفظ، وحينئذ فان لم يكن المتجه الاعتبار بالكيل خاصة فلا محيص عن القول بكفايته لو حصل وافق الوزن أولا، ويكون النصاب حينئذ ما بلغ بأحدهما، وما نقص عنهما معا ليس بنصاب نحو ما سمعته في تقدير الكر بالوزن والمساحة وليس ذا من التخيير بين الأقل والأكثر، بل للتسامح في التفاوت اليسير الحاصل في بعض الأفراد منهما، ولا ينافي ما تقدم منا من البناء على التحقيق دون التقريب، لرجوع الحاصل إلى مراعاة التحقيق في البلوغ بأحدهما، وكان ذلك لعدم تيسر الوزن في جميع الأوقات لجميع الناس، وكذا الكيل، لكن الأمر في ذلك كله سهل، لعدم معرفة الصاع في هذا الزمان إلا بالوزن، فيكون المدار عليه حينئذ كما هو واضح، هذا. وفي التذكرة النصاب المعتبر وهو خمسة أوسق إنما يعتبر وقت جفاف التمرة، ويبس العنب والغلة، فلو كان الرطب مثلا خمسة أوسق ولو جف نقص فلا زكاة إجماعا وإن كان وقت تعلق الوجوب نصابا، ثم قال: وأما ما لا يجف مثله وإنما يؤكل رطبا كالهلبات والبربن وشبههما من الدقل فانه يجب فيه الزكاة أيضا، لقوله (عليه السلام) (1): " فيما سقت السماء العشر " وإنما يجب فيه إذا بلغ خمسة أوسق تمرا، وهل يعتبر بنفسه أو بغيره من جنسه ؟ الأقرب الأول وإن كان تمره يقل، ثم نقل عن الشافعية وجها بأنه يعتبر بغيره، ولا ريب في ضعفه، ولو لم يصدق على اليابس من ذلك النوع اسم


(1) الوسائل - الباب - - 4 من أبواب زكاة الغلات

[ 213 ]

التمر أو الزبيب اتجه سقوط الزكاة فيه مطلقا، وهو جيد، وربما كان ما في صحيح ابن مسلم (1) عن الصادق (عليه السلام) - من ترك معا فأرة وأم جعرور وأنهما لا يزكيان وإن كثرا - إشارة إليه في الجملة، لأنهما كما قيل من أردأ التمر، مضافا إلى ما تسمعه من الصحيح في العنب. (و) كيف كان فقد ظهر لك أن (ما نقص) عن التقدير المزبور ولو يسيرا (فلا زكاة فيه) وأما (ما زاد ففيه الزكاة وإن قل) بلا خلاف أجده فيه، كما عن المنتهى نفيه عنه أيضا بين العلماء، والنصوص (2) دالة عليه، فليس حينئذ في الغلات إلا نصاب واحد، ما نقص عنه فلا زكاة فيه، وما بلغه فيه الزكاة كما هو واضح، ولا عبرة بما تختلف به الموازين الصحيحة مما جرت العادة نحو ما سمعته في النقدين، والله أعلم. (و) على كل حال ف‍ (- الحد الذي تتعلق به الزكاة من الأجناس) الأربعة (أن يسمى حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا) كما في المعتبر والنافع وحكاه جماعة عن أبي علي وفخر الاسلام على ما قيل، وعن المنتهى أنه حكاه عن والده، وكأنه مال إليه في الروضة كالمحكي عن صاحب الذخيرة وحكاه الفاضل الهندي عن نهاية الشيخ والمراسم والموجود في النهاية في باب الوقت الذي تجب فيه الزكاة بعد أن ذكر وقت الوجوب في النقدين وأما الحنطة والشعير والتمر والزبيب فوقت الزكاة فيها حين حصولها بعد الحصاد والجذاذ والصرام، وربما حملت على وقت الاخراج لا وقت الوجوب، وفي محكي المراسم " أما الوقت الذي تجب فيه الزكاة فعلى ضربين: أحدهما رأس الحول يأتي على نصاب، والآخر وقت الحصاد، فأما رأس الحول فيعتبر في النعم والذهب والفضة، وأما ما يعتبر فيه الحصاد والجذاذ فالباقي من التسعة " وفيها الاحتمال المزبور، إلا أنه بعيد، ضرور كونه بعد التصفية لا الحصاد الذي يحصل بالجفاف واليبس الحاصل عندهما اسم الحنطة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 3 - 0

[ 214 ]

والشعير على ما قيل، لكن عن إيضاح النافع كأن المصنف يسلم ذلك في الحبوب أي يوافق المشهور، لأنه يرى ن الاشتداد يصدق معه الاسم، ومن ثم لم يذكر القول إلا في التمر، قلت: وكذا هنا، وربما أو مأ إليه في الجملة ما عن إيضاح الفخر، حيث قال في شرح كلام والده: " هذا هو المشهور، وقال ابن الجنيد: لا تجب الزكاة حتى تسمى تمرا أو زبيبا أو حنطة أو شعيرا، وهو بلوغها حد الجفاف، ومنعه في الحنطة والشعير ظاهر، فانه يسمى بذلك ما انعقد حبه " إلى آخره، هذا. وفي البيان عن أبي علي والمصنف أنهما اعتبرا في الثمرة التسمية عنبا أو تمرا، وهو مخالف للمعروف نقله عن أبي علي وللموجود في كتب المصنف الثلاثة، وفي مفتاح الكرامة أنه قد يلوح مذهب المحقق من المقنع والهداية وكتاب الأشراف والمقنعة والغنية والاشارة وغيرها، لمكان حصرهم الزكاة في التسعة التي منها التمر والزبيت والحنطة والشعير، وظاهرها اعتبار صدق الأسامي. (و) كيف كان فقد (قيل) والقائل المشهور نقلا وتحصيلا: (بل إذا) اشتد الحب و (احمر ثمرة النخل أو اصفر أو انعقد الحصرم) بل في التنقيح لم نعلم قائلا بمذهب المحقق قبله، وعن المقتصر أنه عليه الأصحاب، وعن موضع من المنتهى لا تجب الزكاة في الغلات إلا إذا نمت في ملكه، فلو ابتاع أو استوهب أو ورث بعد بدو الصلاح لم تجب الزكاة باجماع العلماء وتوقف في القولين جماعة (و) لكن (الأشبه) بأصول المذهب وعموم (1) " ولا يسألكم أموالكم " ونحو ذلك (الأول) للتعليق في أكثر النصوص على اسم الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ودعوى تحقق الاسم بذلك إن سلمت في الأولين فهي واضحة المنع في الأخيرين، خصوصا الأخير، ضرورة عدم صدق اسم الزبيب على العنب فضلا عن الحصرم، ونصوص الخصم ظاهرة الدلالة على ذلك كما


(1) سورة محمد (صلى الله عليه وآله) - الآية 38

[ 215 ]

ستسمع، أما التمر فعن الفاضل وغيره أن أهل اللغة نصوا على أن البسر والرطب نوعان من التمر، ويتم بعدم القول بالفرق بينه وبين غيره، لكن فيه - مضافا إلى منافاة ذلك للعرف كما يشهد له صحة السلب عنهما فيه - أن الموجود في الصحاح في ثمر النخل أوله طلع ثم خلال ثم بسر ثم رطب ثم تمر، وعن مجمع البحرين " قد تكرر في الحديث ذكر التمر، وهو بالفتح والسكون اليابس من ثمر النخل " وعن المصباح التمر ثمر النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس باجماع أهل اللغات، لأنه يترك على النخل بعد إرطابه حتى يجف أو يقارب ثم يقطع ويترك في الشمس حتى ييبس، قال أبو حاتم: ربما جذت النخلة وهي باسرة بعد ما أخلت لتخفيف عنها أو خوف السرقة حتى يكون تمرا، وما عن بعض نسخ الصحاح من أن التمر أوله طلع ثم خلال إلى آخر ما سمعت يراد منه الأول وإن لم يطلق عليه اسمه، وإلا لكان الطلع منه، ولا يقوله أحد، وكذا ما عن القاموس الحصرم التمر قبل النضج، وأول العنب مادام أخضر، وكذا قوله أيضا: البسر هو التمر قبل إرطابه، وكذا ما عن المغرب أيضا من أن غورة خرما، لأن غورة كما قيل: الحصرم، وقد سمعت تفسيره في القاموس، وقد ظهر من ذلك كله حينئذ توافق العرف واللغة على عدم تسمية البسر تمرا، نعم عن العين البسر من التمر قبل أن يرطب، وهو غير نص في عده منه أيضا، بل يؤيد العدم قوله بعد ذلك وفي الحديث (1) " لا تبسروا " أي لا تخلطوا التمر بالبسر للنبيذ، فمن الغريب ما عن المختلف من الجواب عن عدم عد البسر في العرف تمرا بأن العبرة باللغة دون العرف، فانا لم تتحقق أولا ما نسبه هو وغيره إلى للغة، وثانيا فيه منع تقديم اللغة على العرف في الأحكام الشرعية ودعوى أن الأصل في العرف التأخر لحدوثه، والأصل في كل زمان عدم النقل فيه إلى أن يتحقق، والنقل في العرف غير متحقق في أزمنة النصوص تنافي ما وقع منهم في غير


(1) النهاية لابن الأثير في مادة " بسر " و " ثجر "

[ 216 ]

مقام من تقديم العرف على اللغة، أللهم إلا أن يدعى تيقن ثبوته في ذلك الزمان، وهو كما ترى، وأغرب من ذلك ما عن فخر الاسلام من منع النقل عرفا، قال: " وأما في التمر فقد نقل عن أهل اللغة أن البسر تمر، والنقل على خلاف الأصل، قالوا: متعارف عند العرف ما قلناه، قلنا: المجاز خير من الاشتراك والنقل، قالوا: راجح في الاستعمال قلنا: الحقيقة أولى وإن كانت مرجوحة " وهو كما ترى وإن أيد بأن الطبيب إذا منع منه حكم أهل العرف باندراج الرطب والبسر فيه، كالحلف على عدم أكله، وفيه أنه للقرائن، وإلا كان ممنوعا، ولئن أغضي عن ذلك كله فهو مطلق لا ينصرف إلى هذا الفرد منه، خصوصا البسر، ودعوى شيوعهما أيضا فيه واضحة الفساد، وتعلق الزكاة بالسخال ليس للفظ الابل والبر والغنم، بل لخصوص النصوص فيها، مع إمكان الفرق بين المقامين. فلم يبق للمشهور حينئذ سوى النصوص التي لا فرق فيها بين الحقيقة والمجاز، كصحيح سلمان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ليس في النخل صدقة حتى يبلغ خمسة أوساق، والعنب مثل ذلك حتى يكون خمسة أو ساق زبيبا " وأرسل ذلك في التهذيب إرسالا (2) فيمكن أن يكون غير الصحيح المزبور، بل قيل: إنه الظاهر، فيكون حينئذ روايتين، وصحيح سعد بن سعد (3) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أقل ما تجب فيه الزكاة من البر والشعير والتمر والزبيب فقال: خمسة أوساق بوسق النبي (صلى الله عليه وآله)، فقلت: كم الوسق ؟ قال: ستون صاعا، قلت: فهل على العنب زكاة أو إنما تجب عليه إذا صيره زبيبا ؟ قال: نعم إذا خرصه أخرج زكاته "


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 7 عن سليمان (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 11 - 1 الجواهر - 27

[ 217 ]

وصحيح سعد الآخر (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) " سألته عن الرجل تحل عليه الزكاة في السنة في ثلاثة أوقات أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد ؟ فقال: متى حلت أخرجها، وعن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها ؟ قال: إذا صرم وإذا خرص " وخبر أبي بصير (2) " لا يكون في الحب ولا في النخل ولا في العنب زكاة حتى يبلغ وسقين، والوسق ستون صاعا " ويتم الاستدلال بنصوص العنب بعدم القول بالفصل بينه وبين غيره، وبنصوص الخرص بما صرح به الفاضلان وغيرهما من أنه وقت بدو الصلاح، وفي شرح الأستاذ أنه على ما صرح به الأصحاب ومنهم المحقق إنما يكون في حال البسرية والعنبية، فيصح لنا الاستدلال بكل ما دل على جواز الخرص في النخيل والكرم من الروايات والاجماعات، بناء على ما ذكروه في صفته وفائدته من أنه تقدير الثمرة لو صارت تمرا والعنب لو صار زبيبا، فان بلغت الأوساق وجبت الزكاة، ثم يخيرهم بين تركه أمانة في أيديهم وبين تضمينهم حصة الفقراء أو يضمن حصتهم إلى آخر ما ذكروه. وكل ذلك إنما يكون على المشهور، وإلا فلا وجه للخرص في ذلك الوقت، ولا للمنع عن التصرف على القول الآخر، لجوازه من غير احتياج إليه. وقد يناقش في دلالة الجميع على المطلوب، أما الصحيح الأول فالظاهر من أوله إرادة تمرا بقرينة ما بعده، وحينئذ يمكن إرادة البلوغ زبيبا فعلا لا أنه يقدر فيه ذلك بل قيل: إن الظاهر الأول، ودعوى أن المراد من أوله ثمرة النخل - لأنه المجاز المعروف فيثبت حينئذ باطلاقه الزكاة فيها، خرج ما خرج وبقي الباقي - على أنها قبل بدو الصلاح لا عبرة بها، فلا ينصرف إليها الاطلاق - كما ترى، خصوصا بعد ما سمعت من ظهور


(1) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 3

[ 218 ]

إرادة التمر بقرينة ما بعده، والمرسل على فرض أنه غير يجري فيه ذلك أيضا، وصحيح سعد - مع أنه كأكثر النصوص السابقة في العنب، ودعوى التتميم بعدم القول بالفصل يدفعها المحكي عن أبي علي في أحد النقلين فيه، ومال إليه في المدارك - يمكن كونه بالحاء المهملة من حرص المرعى إذا لم يترك منه شيئا، ويكون ذلك كناية عن صرمه زبيبا، وعلى تقدير كونه بالخاء المعجمة فهو من جملة أخبار الخرص، ولعل المراد منه حينئذ الكناية عن تصييره زبيبا، لأنه لا يخرص عليه عادة إلا إذا أريد بقاؤه للزبيبية لا إذا أراد صرمه عنبا، وإن كان قد يقال: إن المراد منه إذا خرص على تقدير بقائه زبيبا يخرج زكاته إذا صرم عنبا، وأما الصحيح الآخر فمع ما فيه مما يشهد للمطلوب من قوله: " متى حلت أخرجها " يحتمل كونه بالحاء المهملة كما سمعته سابقا، ويكون المراد أنه إذا صرم وحرص أي لم يترك منه شئ وجب إخراج الزكاة منه، بل لعل ذلك متعين، إذ لا معنى لجعل الوقت الصرام والخرص بالمعجمة، لاختلافهما جدا، ومن هنا قيل على تقدير كونه بالمعجمة يراد منه وقت الصرام أيضا، بل عن الذخيرة الجواب بذلك عن أدلة الخرص جميعها، قال: يجوز أن يكون أي الخرص مختصا بما كان تمرا على النخل، أو يكون الغرض منه أن يؤخذ منهم إذا صارت الثمرة تمرا وزبيبا، فإذا لم يبلغ ذلك لم يؤخذ منهم. ودعوى أن ذلك إن تم في التمر فلا يتم في الزبيب - لأنه لا يصير زبيبا إلا بعد الصرم ومضي مدة، وحينئذ يصير مكيلا أو موزونا بالفعل بلا شبهة، فلا يجوز أخذ الزكاة منه بمجرد الخرص والظن والتخمين، لكونه مكيلا أو موزونا بالفعل، كما هو الظاهر من فتوى الفقهاء والأخبار في مباحث التجارة - يمكن منعها وأنه يجوز خرصه زبيبا على شجره، فلا يكون مكيلا ولا موزونا كالتمر في النخل، كدعوى أنه غير تام في التمر أيضا، لانه لو أريد صيرورة جميع الثمرة تمرا جافا يابسا ففساده في غاية الوضوح

[ 219 ]

لانه من المحالات العادية أبقاؤه إلى تلك الحال، لما فيه من المضار الكثيرة من تنائره من هبوب الرياح وعبث الطيور، تنقله إلى حالات ردية، وصعوبة جمعه أو كبسه، وتغيره بالغبار، إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة على المالك والفقير، سلمنا أنه ليس من المحالات العادية وعدم حصول تلك المضار الشديدة لكنه إذا بلغ إلى ذلك الحد بادروا إلى الصرم والجذاذ، فلا فائدة في الخرص عليهم، لأنه إنما شرع للتوسعة والرخصة في التصرفات إلى وقت الجذاذ، وإن كان أراد وقت صيرورة بعض التمار تمرا جافا ففيه أنه لا فائدة في هذا الخرص، لأن الرطب إنما يصير تمرا على التدريج، مضافا إلى تفاوت الأثمار والأشجار، بل العنقود الواحد قد تتفاوت أجزاؤه، فكلما صار البعض تمرا تجب فيه الزكاة بعد بلوغ المجموع النصاب، فخرص البعض يكون لغوا لعدم انحصار الزكاة فيه، ولعدم العلم بقدر المجموع، ولا تجدي معرفة البعض في معرفة المجموع، لما عرفت من أن ذلك على التدريج، والاكتفاء بخرص، ما صار تمرا دون غيره فتسقط الزكاة عنه فاسد قطعا، ثم إنه يلزم أن يكون لكل بستان خارص، إذ من المعلوم أنه على ما ذكره لا يكفي الخارص الواحد للقرى المتعددة، إذ هي كما ترى، إذ لعل فائدة الخرص الحفظ من الخيانة ونحوها، بل هو المقصد الأصلي فيه، وكذا ما قيل من أن الزكاة لو كانت مقصورة على التمر والزبيب لشاع الحكم فيها وذاع عند الفقهاء وغيرهم كما في زكاة الفطرة، ولم يكن الأمر بالعكس، بل ربما يلزم من ذلك ضياع الزكاة، لأنهم كانوا يحتالون يجعل العنب والرطب دبسا وخلا، أو كانوا يبيعونهما كذلك، بل كان قد تعرضت النصوص له وللاحتيال به فرارا، أو تعرضت له في معرض الامتنان، إذ فيه أن الاول معارض بمثله وبجريان السيرة والطريقة على عدم توقف المالك في التصرف لمكان شركة الفقراء له في العين، والثاني مدفوع بأن الغالب في الثمرة خصوصا ثمرة النخل إرادة التمر الذي يبقى تمام السنة، ومن هذه الجهة ما وقعت الحيلة بذلك

[ 220 ]

لكن الانصاف مع هذا كله عدم خلو المسألة عن الاشكال، خصوصا مع ملاحظة الشهرة، وبعض الصحاح السابقة، وظاهر الاجماع وما سمعته من إجماع المنتهى وفتوى من لا يعمل إلا بالقطعيات كابن إدريس، فالاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة لا ينبغي تركه، بل لعل التأمل في نصوص العنب يقضي بأن محل الزكاة ذوات الأمور المذكورة لا أحوالها المقارنة للأسماء، فلا يقدح حينئذ عدم التسمية زبيبا وحنطة وشعيرا وتمرا، ولا ينافي ذلك اعتبار بدو الصلاح بالاحمرار والاصفرار مثلا في ثمرة النخل، ضرورة عدم الاعتناء بها قبل ذلك مع عدم الأمن من سلامتها من الآفة، فهي حينئذ كبقائها طلعا، وقد ظهر من ذلك أن القول المزبور مع موافقته للاحتياط لا يخلو من قوة، هذا. ولا ينبغي التعرض للثمرة بين القولين، فانها في غاية الوضوح، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (- وقت) وجوب (الاخراج) الذي هو بحيث يسوغ للساعي مطالبة المالك به وإذا أخرها عنه مع التمكن ضمن (في الغلة إذا صفت، وفي التمر بعد اخترافه) واجتذاذه (وفي الزبيب بعد اقتطافه) بلا خلاف أجده فيه، بل في محكي المنتهى " اتفق العلماء كافة على أنه لا يجب الاخراج في الحبوب إلا بعد التصفية وفي التمر إلا بعد التشميس والجفاف " وفي التذكرة " لا يجب الاخراج حتى تجذ الثمرة وتشمس وتجفف، وتحصد الغلة وتصفى من التبن والقشر بلا خلاف " وحينئذ فيختلف على المشهور زمان وجوب الزكاة وزمان وجوب الاخراج، بل وعلى غير المشهور بناء على ظاهر العبارة وغيرها، لكن في الروضة " أن وقت الوجوب والاخراج واحد، وهو وقت التسمية بناء على غير المشهور، أما عليه فهو مغاير لوقت الاخراج " وفي المسالك والمدارك " جعل ذلك وقت الاخراج تجوز، وإنما وقته عند يبس الثمرة وصيرورتها تمرا أو زبيبا " ولعل مرادهما أن وقت الاخراج التسمية لا الاقتطاف والاختراف، فيوافق حينئذ ما سمعته من الروضة، فلا يجوز له الامتناع إذا طلبه

[ 221 ]

الساعي، ولو أخره مع التمكن ضمن، نعم الاختراف والاقتطاف وغيرهما من مقدمات الأداء، لتوقفه على معرفة مقدار الحق الذي يكلف باخراجه، ولا ينافي ذلك ما سمعته من معقد الاجماع ونفي الخلاف، ضرورة عدم دلالتهما على عدم وجوب الجذاذ ونحوه وإن أطلق عدم وجوب الاخراج إلا بعده، لكن المراد عدم وجوب الاخراج لو طلب بدون الجذاذ والاقتطاف، وكذا الكلام في الحنطة والشعير بناء على اتحاد زمان تحقق مسماهما وزمان أوان حصادهما، فيتحد حينئذ وقت الوجوب والاخراج وإن توقف الاخير على الحصاد ونحوه مما يجب عليه فعله مقدمة على نحو ما عرفت. وعلى كل حال فالمراد بوقت الاخراج الوقت الذي إذا أخرت الزكاة عنه مع التمكن من إخراجها تصير مضمونة، والوقت الذي يسوغ للساعي فيه مطالبة المالك بالاخراج، لا الوقت الذي لا يجوز تقديم الزكاة عليه، لتصريحهم بجواز مقاسمة الساعي لمالك الثمرة قبل الجذاذ، وإجزاء دفع الواجب على رؤوس الأشجار، ويدل على الجواز مضافا إلى العمومات خصوص قوله (عليه السلام) في صحيح سعد (1) " إذا خرصه أخرج زكاته ". ثم لا يخفى عليك أن عدم وجوب الاخراج مع وجوب الزكاة بناء على المشهور إنما هو إذا أريد البقاء إلى المنتهى، أما إذا أريد اقتطافه حصرما أو عنبا أو بسرا أو رطبا فلا ريب في وجوب الاخراج منه حينئذ، ضرورة معلومية كون التأخير إرفاقا بالمالك الذي يريد الانتظار بالثمررة إلى نهايتها، فتأمل. ولو كانت الثمرة مخروصة على المالك فطلب الساعي الزكاة منه قبل اليبس لم يجب إجابة المالك له على الظاهر، لاطلاق معقد الاجماع على جواز التأخير، ولو بذل المالك الزكاة بسرا أو حصرما مثلا للساعي وجب القبول على الأقوى، والله أعلم.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1

[ 222 ]

(و) كيف كان ف‍ (- لا تجب الزكاة في الغلات) الأربعة (إلا إذا ملكت ب‍) - سبب ملك (الزراعة) التي هي بمعنى النمو، قال الله تعالى (1): " ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون " والمراد أنه يعتبر كون ملكها حال تعلق الزكاة بها ببدو الصلاح أو حصول المسمى على القولين بسبب سبق الملك على ذلك الحال ولو بالشراء أو غيره، (لا) ما إذا كان الملك لها في حال التعلق (بغيره من الأسباب) للتملك (كالأبتياع والهبة) أو غيرهما، فانه لا زكاة فيها على المنتقل إليه، ضرورة عدم تعلق خطاب الزكاة المعلوم اشتراطه بسبق الملك المفقود في الفرض، وإلى ذلك يرجع ما في المعتبر " لا تجب الزكاة في الغلات إلا إذا تمت في الملك، فلا تثبت فيما يبتاع بثمره ولا ما يستوهب، وعليه اتفاق العلماء " ومحكي المنتهى " لا تجب الزكاة في الغلات الأربع إلا إذا نمت في ملكه، فلو ابتاع غلة أو استوهب أو ورث بعد بدو الصلاح لم تجب الزكاة، وهو قول العلماء كافة " والنافع وإيضاحه والتحرير والتذكرة من التعبير بنمو الغلة والثمرة في ملكه، لكن في المدارك " أن هذا التعبير غير جيد، أما على ما ذهب إليه المصنف من عدم وجوب الزكاة في الغلات إلا بعد تسميتها حنطة أو شعيرا أو تمرا أو زبيبا فظاهر لأن تملكها قبل ذلك كاف في تعلق الزكاة بالمتملك، كما سيصرح به المصنف وإن لم تنم في ملكه، وأما على القول بتعلق الوجوب بها ببدو الصلاح فلان الثمرة إذا انتقلت بعد ذلك تكون زكاتها على الناقل قطعا وإن نمت في ملك المنتقل إليه " وفيه أن المراد من ذلك بيان الشرطية لما ذكروه من متعلق الزكاة، وليس المقصود منه ما يقصد بالتحديد من الطرد والعكس، وقد عرفت أن المراد بالنمو حال تعلق الزكاة كل على مختاره فيه، فاشترطوا فيه كون ملكه على الوجه المزبور حتى يتحقق خطاب الزكاة للمنتقل إليه، بل عند التأمل الجيد ما ذكرناه أولى مما ذكره الشهيد الثاني في المسالك،


(1) سورة الواقعة - الآية 64

[ 223 ]

وتبعه عليه غيره، وربما حكي عن قطب الدين من أن المراد بالزراعة في اصطلاحهم انعقاد الثمرة في الملك، وحمل الابتياع والهبة الواقعين في العبارة على ما حصل من ذلك بعد تحقق الوجوب، إذ هو كما ترى، مع أنه إنما يناسب كلام القائلين بتعلق الوجوب بها بالانعقاد، وأما على قول المصنف فيكون المراد بها تحقق الملك قبل تعلق الوجوب فيها، هذا، وفي الدروس " يشترط في الغلات تملكها بالزراعة وانعقاد الحب وبدو الصلاح، ويكفي انتقالها قبلهما إلى ملكه " وفي اللمعة والروضة " يشترط فيها التلك بالزراعة إن كان مما يزرع أو الانتقال أي انتقال الزرع أو الثمرة مع الشجرة أو منفردة إلى ملكه قبل انعقاد الكرم وبدو الصلاح في النخل وانعقاد الحب في الزرع، فتجب عليه الزكاة حينئذ وإن لم يكن زارعا، وربما أطلقت الزراعة على ملك الحب والثمرة على هذا الوجه " وفيه ما عرفت من شمول الزراعة بالمعنى الذي ذكرناه للغلات الأربعة، فلا حاجة إلى تقييد العبارة، وعلى كل حال فالمراد واضح كوضوح الدليل، فالاطناب في ذلك خال عن الثمرة، والله أعلم. (ويزكى حاصل الزرع ثم لا يجب بعد ذلك فيه زكاة ولو بقي أحوالا) بل الف حول إجماعا بقسميه ونصوصا (1) مضافا أي اقتضاء الأمر الطبيعة ولا معارض له، بخلافه في الأنعام والنقدين كما هو واضح، والله أعلم. (ولا تجب الزكاة إلا بعد إخراج حصة السلطان) بلا خلاف أجده كما عن جماعة الاعتراف به أيضا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، بل في المعتبر خراج الأرض يخرج وسطا، ويؤدى زكاة ما بقي إذا بلغ نصابا إذا كان لمسلم، وعليه فقهاؤنا وأكثر علماء الاسلام، وقال أبو حنيفة: لا عشر في الأرض الخراجية، وفي التذكرة تجب الزكاة في أرض الصلح، ومن أسلم أهلها عليها باجماع العلماء، وأما ما فتح عنوة فإذا


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الغلات والمستدرك - الباب 7 منها

[ 224 ]

زرعها وأدى مال القبالة وجب في الباقي الزكاة إن بلغ النصاب، ولا تسقط الزكاة بالخراج عند علمائنا أجمع، وفي صحيح أبي بصير ومحمد (1) قالا للباقر (عليه السلام): " هذه الأرض التي يزارع أهلها ما ترى فيها ؟ قال: كل أرض دفعها اليك السلطان فتاجرته فيها فعليك فيما أخرج الله منها الذي قاطعك عليه، وليس على جميع ما أخرج الله منها العشر، إنما العشر عليك فيما حصل بعد مقاسمته لك " وخبر = صفوان والبزنطي (2) قالا: " ذكرنا له الكوفة وما وضع عليها من الخراج وما سار فيها أهل بيته فقال: من أسلم طوعا تركت أرضه في يده وأخذ منه العشر مما سقت السماء والأنهار ونصف العشر مما كان بالرشا فيما عمروه منها، وما لم يعمروه منها أخذه الامام فقبله ممن يعمره، وكان للمسلمين على المتقبلين في حصصهم العشر أو نصف العشر، وليس في أقل من خمسة أوسق شئ من الزكاة، وما أخذ بالسيف فذلك إلى الامام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخيبر قبل سوادها وبياضها يعني أرضها ونخلها، والناس يقولون لا يصلح قبالة الأرض والنخل وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر، وعلى المتقبلين سوى قبالة الأرض العشر ونصف العشر في حصصهم، ثم قال: إن أهل الطائف أسلموا وجعلوا عليهم العشر ونصف العشر، وإن أهل مكة دخلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنوة وكانوا أسراء في يده فأعتقهم، وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء " وهما صريحان في إخراج الخراج قبل الزكاة، بل لا ينبغي التأمل فيه في حصة السلطان المأخوذة بعنوان المقاسمة، ضرورة أنه كالحصة من المزارعة التي يستحقها مالك الأرض، فانه لا إشكال في عدم وجوب زكاتها على المزارع، لأنها ملك غيره،


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 مع الاختلاف فيه (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 الجواهر - 28

[ 225 ]

وإنما تجب الزكاة عليه فيما يرجع إليه من الزرع. ولعل المراد بحصة السلطان التي عبر بها الأكثر هنا هي هذه، لكن عن جامع المقاصد " المراد بحصة السلطان خراج الأرض أو قسمتها " وفي الحدائق " خراج السلطان وحصته هو ما يأخذه من الارض الخراجية من نقد أو حصة من الحاصل وإن سمي الأخير مقاسمة " ولعله أشار بذلك إلى ما ذكروه في التجارة من قولهم: ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة والأموال باسم الخراج، وعن بعض الأصحاب أنه عبر هنا بالخراج بدل الحصة، وعن آخر أنه عبر بهما فقال بعد الخراج وحصة السلطان، وعن الصيمري " أن الكل عبارة عن معنى واحد، فمن اقتصر على الحصة أراد بها الخراج مطلقا سواء كان مشتركا بين المسلمين كالفتوح عنوة أو مختصا كالأنفال وصدق على المشترك أنه حصة، لأنه الجابي والمتولي له، ومن اقتصر على الخراج فقد أراد ذلك، ومن جمع بينهما أراد بالحصة ما اختص بالامام وبالخراج المشترك " قلت: على كل حال ظاهر النص والفتوى أنه لا زكاة إلا بعد القسمين من غير فرق بين الحصة وغيرها، وأما مرسل ابن بكير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: " في زكاة الأرض إذا قبلها النبي (صلى الله عليه وآله) أو الامام (عليه السلام) بالنصف أو الثلث أو الربع فزكاتها عليه، وليس على المتقبل زكاة إلا أن يشترط صاحب الأرض الزكاة على المتقبل، فان اشترط فان الزكاة عليهم، وليس على أهل الأرض زكاة إلا على من كان في يده شئ مما قطعه الرسول (صلى الله عليه وآله) " فهو مع منافاته للاجماع مناف لما دل من النصوص على وجوب الزكاة عليهم في حصصهم، بل مناف لما يقتضي سقوطها عن المملوك بالجهة العامة، أللهم إلا أن يحمل على الأرض المملوكة للنبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) كما أنه ينبغي حمل عدم الزكاة فيه على عدمها في الحصة التي أخذها


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 4

[ 226 ]

الامام (عليه السلام) وكذا قوله (عليه السلام) في ذيله: " ليس " على الرخصة التي ستعرفها في سقوط الزكاة إذا أخذها الجائر أو على أن المراد من جهة شدة ظلمهم فيما يأخذونه من الخراج، ولعل استثناءه خصوص ما أقطعه النبي (صلى الله عليه وآله) لعدم أخذهم منه شيئا، هذا، ولكن في التذكرة " تذنيب لو ضرب الامام عليه السلام على الأرض الخراج من غير حصته فالأقرب وجوب الزكاة في الجميع، لأنه كالدين " وهو كما ترى محجوج بظاهر النص والفتوى، ولا أقل من أن يكون الخراج كأجرة الأرض التي لا كلام عندهم في أنها من المؤن. نعم قد يتوقف فيما إذا أخذ الجائر زيادة على الخراج المعتاد ظلما، قال في المسالك: " لا يستثنى الزائد إلا أن يأخذه قهرا بحيث لا يتمكن من منعه سرا أو جهرا فلا يضمن حصة الفقراء من الزائد " ونحوه ما في فوائد الشرائع إلا أنه قال: " مقدار الخراج المعتبر شرعا " ولم يحله على العادة كالمسالك لعدم التقدير به شرعا، وفي شرح الفاضل " أنه أظهر، إذ لا تقدير له شرعا " وعلى كل حال هو كذلك من غير إشكال لو كان المأخوذ من نفس الغلة، بل ومن غيرها في وجه قوي، وربما كان في خبر سعيد الكندي (1) ما يستفاد منه ذلك، حيث قال لأبي عبد الله (عليه السلام): " إني آجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم، فقال: أعطهم فضل ما بينهما، فقلت: لم أظلمهم ولم أزد عليهم، قال: نعم، وإنما زادوا على أرضك " بل وكذا الحال في غير الخراجية من الأرض، بل وإن كان الظالم ممن لم يدع الامامة كسلاطين الشيعة، فتأمل. وعلى كل حال فلا كلام عند الأصحاب في عدم سقوط الزكاة فيما بقي في يده بعد أخذ الخراج إذا كان بالغا للنصاب، وقد عرفت ما يدل عليه من محكي الاجماع


(1) الوسائل - الباب - 16 - من كتاب المزارعة والمساقاة - الحديث 10

[ 227 ]

والنص، لكن قال رفاعة (1): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل له الضيعة فيؤدي خراجها هل عليه فيه العشر ؟ قال: لا " وفي خبر أبي كهمس (2) عنه (عليه السلام) " من أخذ منه السلطان الخراج فلا زكاة عليه " وخبر أبي قتادة (3) عن سهل ابن اليسع أنه حيث أنشأ سهل آباد سأل أبا الحسن (عليه السلام) " عما يخرج منها ما عليه ؟ قال: إذا كان السلطان يأخذ خراجه فليس عليك شئ، وإن لم يأخذ السلطان منها شيئا فعليك إخراج عشر ما يكون فيها " وصحيح رفاعة (4) أيضا " سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل له الضيعة فيؤدي خراجها هل عليه عشر فيها ؟ قال: لا " إلا أنه قد حكى غير واحد الاجماع على خلافها، فوجب طرحها أو حملها على التقية من أبي حنيفة، أو على إرادة عدم الزكاة فيما أخذه من الخراج، أو على أن الخراج كان من غير الحاصل، وباحتسابه من المؤن لم يبق شئ تجب فيه الزكاة، أو على إرادة ما يأخذه الحاكم المحتسب زكاة من الخراج فيها بناء على أن للمالك ذلك وإن كان هو لا يخلو من إشكال، خصوصا بعد صحيح زيد الشحام (5) " قلت للصادق (عليه السلام): جعلت فداك إن هؤلاء المصدقين يأتوننا فيأخذون منا الصدقة فنعطيهم إياها أتجزي عنا ؟ قال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم أو قال: ظلموكم أموالكم، وإنما الصدقة لأهلها " نعم في صحيح يعقوب بن شعيب (6) " سألت الصادق (عليه السلام) عن العشور التي تؤخذ من الرجل أيحتسب بها من زكاته ؟ قال: نعم إن شاء " وصحيح العيص (7) في الزكاة، فقال: " ما أخذ منكم بنو أمية فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فان المال لا يبقى على هذا إن يزكى مرتين " وصحيح سليمان (8) " سمعت الصادق عليه السلام


(1) و (4) الاستبصار ج 2 ص 25 الرقم 71 طبع النجف (2) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 3 - 1 (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 6 - 1 - 3 (8) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4

[ 228 ]

يقول: إن أصحاب أبي (عليه السلام) أتوه فسألوه عما يأخذ السلطان فرق لهم، وأنه يعلم أن الزكاة لا تحل إلا لأهلها، فأمرهم أن يحتسبوا به، فجاز ذا والله لهم، فقلت: يا أبه إن سمعوا ذلك لم يزك أحد، فقال: يا بني حق أراد الله تعالى أن يظهره " إلى غير ذلك، ومن هنا حمل الشيخ صحيح الشحام على استحباب الاعادة، وفي الحدائق الأظهر حمله على ما إذا تمكن من عدم الاعطاء بانكار ونحوه ولم يفعل بل سلمها لهم بمجرد الطلب، على أن المسألة مع ابتنائها على كون الزكاة في العين قد تبنى أيضا على أن الغاصب لأحد الشريكين يقوم مقامه في القسمة، ولنا فيها بحث ذكرناه في البيع. هذا كله في حصة السلطان (و) أما خروج (المؤن كلها) فهو كذلك (على الأظهر) عند المصنف وفاقا للمقنع والمقنعة وكتاب الأشراف وجمل العلم والعمل والنهاية وموضع من المبسوط والمراسم والغنية والسرائر والاشارة والنافع والمعتبر والمنتهى والتذكرة والمختلف ونهاية الأحكام والارشاد والتلخيص وتخليصه والتحرير والتبصرة والبيان والدروس وتعليق الشرائع وإيضاح النافع وتعليقه وجامع المقاصد والموجز وكشفه ومجمع البرهان والمصابيح والرياض والمجلسي في شرحه على الفقيه وظاهر الاستبصار والتنقيح أو صريحهما على ما حكي عن بعضها، فلا ريب في أنه المشهور شهرة عظيمة كما حكاها غير واحد عليه، بل في ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه، ويدل عليه - مضافا إلى الأصل في وجه وإجماع الغنية المعتضد بما سمعت - قوله تعالى (1): " خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " بل وقوله (2): " ويسألونك ماذا ينفقون ؟ قل العفو " بناء على أن المراد منه ما يفضل عن النفقة، قال في الصحاح: " عفو المال ما يفضل عن النفقة " وحينئذ فكلما قابل المؤونة ليس من العفو، وفحوى ما دل (3) على اعتبار


(1) سورة الأعراف - الآية 198 (2) سورة البقرة - الآية 216 و 217 (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 4 من كتاب الخمس

[ 229 ]

الخمس من الضيعة ونحوها بعد مؤونتها وبعد خراج السلطان، إذ هو زكاة في المعنى كما أو مأت إليه النصوص بل لعل زيادته على العشر لاعتبار إخراج مؤونة المستفيد في الأرباح تمام السنة بخلاف الزكاة، وما في الفقه (1) المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) بناء على حجيته، فعن نسختين منه أنه قال: " بعد خراج السلطان ومؤونة العمارة والقربة " وعن أخرى " بعد خراج السلطان ومؤونة القرية " وهي الموافقة لما عن الفقيه والهداية والمقنع والمقنعة، ولعل المراد بها كما عن المجلسي الزرع، لغلبة كونه في القرى، ضرورة عدم اعتبار نفس القرية، ولذا لم ينسب إلى أحد منهم ذلك، فليس المراد إلا ما ذكرنا والحسن أو الصحيح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " ويترك للحارس العذق والعذقان والثلاثة لحفظه أياه " وأخصيته من المدعى مدفوعة بعموم التعليل، مع العلم بعدم القائل بالفرق بين مؤونة الحارس وغيره، وما عساه يظهر من خبر الريان، (3) عن يونس أو غيره ممن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قلت له: جعلت فداك بلغني أنك كنت تفعل في غلة عين زياد شيئا، فأنا أحب أن أسمعه منك، قال: فقال: نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوه، وكنت آمر في كل يوم أن توضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة، كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى، يلقى لكل نفس منهم مد من رطب، وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والمريض والصبي والمرأة ومن لا يقدر أن يجئ فيأكل منها لكل إنسان مدا فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام والوكلاء والرجال أجرتهم، وأحمل الباقي إلى المدينة


(1) الموجود في فقه الرضا (ع) ص 22 والمستدرك الباب 6 من أبواب زكاة الغلات الحديث 1 هكذا " فإذا بلغ ذلك وحصل بغير خراج السلطان ومؤونة العمارة والقرية... " (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 4 (3) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 2

[ 230 ]

ففرقت في أهل البيوتات والمستحقين الراحلتين والثلاثة والأقل والأكثر على قدر استحقاقهم، وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، وكان غلتها أربعة آلاف دينار ". بل ربما يستفاد منه ومن غيره مما ورد في الانفاق من البساتين ومن نصوص المارة (1) ونصوص الحفنة (2) وغيرها استثناء ما جرت السيرة والطريقة به من الأكل من البستان للمترددين وأضيافها ونحو ذلك مما هو من حقوقها، بل لعله من جملة مؤنها أيضا، فتأمل جيدا، وفحوى ما مر من نصوص الخراج والحصة اللذين لا إشكال في كون الأول منهما من المؤونة، ومناسبته لقاعدة الشركة في المؤن اللاحقة بعد تعلق الزكاة، ضرورة اشتراك النصاب بين المالك والفقراء، فلا يختص أحدهما بالخسارة، كما لا يختص بالنفع، ولا قائل بالفصل بين اللاحقة والسابقة، مع أن المؤونة السابقة سبب الزيادة، فتكون على الجميع، وعدم ملاحظة الشركة في بعض الأحوال إرفاقا بالمالك إنما هو للدليل، وما في إلزام المالك بالمؤونة كلها من الحرج والضرر عليه، مع أن الزكاة إنما شرعت صلة، وما فيه أيضا من تنفير الناس عن القيام بأمر الزرع والغرس، أو حملهم على المعصية بمخالفة الأمر بما يشق، وهو خلاف اللطف الواجب، وقد وقع إلى ذلك الاشارة بقوله تعالى (3): " ولا يسألكم أموالكم " وتعليله ذلك " إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم " وما فيه أيضا من لزوم التكرار في زكاة الغلة لو أخرجت منها جميعها مع تزكية البذر سابقا، إلى غير ذلك مما لا يقدح المناقشة في بعضه مع سلامة المجموع الذي يمكن حصول القطع بملاحظته. خصوصا بعد ندرة القائل بالعدم، إذ هو الشيخ في الخلاف وموضع من المبسوط


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب بيع الثمار من كتاب التجارة (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الغلات (3) سورة محمد صلى الله عليه وآله - الآية 38

[ 231 ]

ولم نعرف موافقا له ممن تقدمه أو تأخر عنه إلى زمن يحيى بن سعيد ثم منه إلى زمن ثاني الشهيدين، فعن فوائده على القواعد صريحا وغيرها ظاهرا أنه قال به، نعم مال إليه بعض متأخري المتأخرين كصاحبي المدارك والمفاتيح، وربما آذنت به عبارة اللمعة، فمن الغريب دعوى الثاني الاجماع عليه، وأما الشيخ فانما نسبه إلى جميع الفقهاء إلا عطاء والظاهر إرادته العامة، وربما توهم بعض فنسب إلى الشيخ دعوى الاجماع، بل ولعل ضعف دليله أيضا، إذ هو ليس إلا إطلاق ما دل على العشر ونصفه الذي يجب الخروج عنه ببعض ما ذكرنا، ولا أقل من الشك في شموله لما قابل المؤونة، فيبقى الأصل سالما وحسن أبي بصير ومحمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) أنهما قالا له: " هذه الأرض بزارع أهلها ما ترى فيها ؟ فقال: كل أرض دفعها اليك السلطان فتاجرته فيها فعليك فيما أخرج الله منها الذي قاطعك عليه، وليس على جميع ما أخرج الله منها العشر إنما العشر عليك فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك " وهو أيضا مخصص أو مقيد بما عرفت، على أن الحصر فيه بالنسبة إلى خصوص الحصة، بل قد يقال: إن مقاسمته له تكون بعد المؤن الحاصلة على الزرع، ومن هنا حكي عن الاستبصار وغيره أنه جعله دليلا للمشهور، فما في المدارك من أنه كالصريح في المطلوب واضح الضعف، ودعوى أن الشيعة كانوا يخرجون المؤن من أنفسهم كي تزبد حصة السلطان طمعا فيه أو خوفا منه لم نتحققها، بل ربما قيل: إن المتحقق خلافها، وخبر علي بن شجاع (2) سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) " عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر مما يزكى فأخذ منه العشر عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرا وبقي في يده ستون كرا ما الذي يجب ذلك من ذلك ؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شئ ؟ فوقع لي


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 مع الاختلاف في اللفظ (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 2

[ 232 ]

منه الخمس مما يفضل من مؤونته " وهو - مع أنه لا ظهور فيه في كون العمارة من المؤونة التي تخرج من نماء الضيعة لما ستعرف أن القائل بخروج المؤونة يخصها بالمؤونة التي تكرر في كل سنة، وعليه يكون الخبر حينئذ مخالفا للاجماع - إنما هو في كلام السائل، فلا حجة فيه، مضافا إلى ما في سنده، وما عساه يظهر من نصوص نصف العشر (1) من أن هذه النقيصة في الفريضة في مقابلة ما يحتاج إليه الزرع من الآلات كالدوالي والنواضح ونحوها، ولو أن المؤونة تخرج من الأصل لم يفرق في الفريضة بين ما يسقى سيحا وبين ما يسقى بالدوالي، وفيه - مع أن الحكم تعبدي لا تعرف حكمته - يمكن أن يكون ذلك للكلفة في استعمال الأجراء على السقي والحفظة وأشباه ذلك زائدا على بذل الأجرة، فناسب التخفيف، بل في تقديم المؤونة من الكلفة مالا يخفى، على أن الغالب قلة ما يحصل من ذرع ذي العلاج والآلات بخلاف ما يكون بغيره، كما أن الغالب مباشرة المالك للعمل بنفسه في تلك الأوقات، وستعرف أن عمله ليس من المؤن، فراعى حاله الشارع بنقصان الفريضة، كل ذلك مضافا إلى إمكان قلب الدليل على الخصم بأن يقال: لو كانت على رب المال لما توجه تنصيف العشر فيما كثرت. ولكن الانصاف أنه لا شهادة لهذه النصوص بل نصوص العشر وغيره من الأخبار المطلقة في وجوب الزكاة أو العامة على شئ من القولين، ضرورة عدم كونها مساقة لبيان ذلك، ولذا خلت عن التعرض لحصة السلطان التي لا كلام في خروجها، ولا للبذر الذي قيل: إنه كذلك أيضا، ولا أعذاق الحارس، مع أنه يمكن انصرافها إلى المتعارف، بناء على اعتياد الخروج، كما أنه يمكن أن يكون خلوها عن التصريح بذلك للتقية، لما عرفت من اتفاق الفقهاء إلا عطاء على عدم إخراج المؤن، وبالجملة كلما


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات الجواهر - 29

[ 233 ]

أجاد الفقيه التأمل في المسألة ازداد القول بخروج المؤن قوة كما هو واضح لمن حصل له. ثم إنه هل يعتبر النصاب بعد المؤونة فلا زكاة حينئذ إذا لم يحصل، أم قبلها فيزكى الباقي من بعدها وإن قل، أم يعتبر ما سبق على الوجوب كالسقي والحرث قبل النصاب فان لم يبلغ الباقي نصابا فلا زكاة، وما تأخر كالحصاد والجذاذ ونحوهما بعده، فيزكى الباقي وإن قل ؟ أقوال أشهرها بل المشهور الأول، للرضوي (1) بناء على حجيته وإجماع الغنية بل وغيره في خصوص حصة السلطان، ولعل مستند الثاني إطلاق ما دل على وجوبها ببلوغ النصاب الذي لا ينافيه وجوب المؤونة وإن كانت متقدمة في الاخراج واتفاق استغراقها النصاب غير قادح بعد ما دل على ترتبهما فيه، فينتفي حينئذ موضوع متعلق الزكاة، وفيه أن العمل باطلاق ما دل على وجوب الزكاة ببلوغ النصاب يقتضي عدم إخراج المؤونة، ضرورة أنه لا دليل حينئذ على إخراجها منها، إذ عليه يكون الحاصل من نحو قوله (عليه السلام) (2): " فيما سقت السماء العشر " أن العشر ثابت في ذلك مع بلوغ النصاب ولو بضميمة ما يقابل لمؤونة، ومن هنا فصل ثالث بما سمعت مراعاة لقواعد الشركة على معنى العمل بالاطلاق المزبور بعد إخراج المؤن السابقة، فيكون مقتضى الزكاة حينئذ متحققا، والمؤونة المتأخرة موزعة على المالك والفقراء كما هو مقتضى قاعدة الشركة، فيؤخذ العشر من الباقي وإن قل، لتحقق الزكاة فيه قبل حدوث المؤونة، وفيه أنه لا فرق فيما سمعته سابقا من الأدلة المعتد بها على إخراج المؤونة بين السابقة واللاحقة، وأن تأخرها في الوجود لا ينافي اعتبار كون النصاب بعدها كالمؤونة السابقة، وقاعدة الشركة فرع ثبوتها، والكلام فيه، ومن ذلك يعلم أنه لا وجه للاستدلال من بعضهم على إخراج المؤونة بقاعدة الشركة، خصوصا


(1) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات

[ 234 ]

بعد كونه من غير إذن الشريك، ولا يرجع به لو زادت المؤونة على المال، وغير ذلك مما يعلم منه عدم بناء ذلك على هذه القاعدة، فليس حينئذ إلا ما سمعت من الأدلة السابقة التي لا فرق فيها بالنسبة إلى ما نحن فيه بين المؤونة السابقة واللاحقة، كما أن المنساق منها إخراجها أولا ثم ملاحظة الباقي ببلوغ النصاب وعدمه، فتأمل جيدا فان جملة من أفاضل الأصحاب كالفاضل والكركي والشهيد وغيرهم قد خفي الحال عليهم في ذلك، والله الموفق للصواب. ثم قال في المسالك: " والمراد بالمؤونة ما يغرمه المالك على الغلة مما يتكرر كل سنة عادة وإن كان قبل عامه كأجرة الفلاحة والحرث والسقي وأجرة الأرض وإن كانت غصبا ولم ينو إعطاء مالكها أجرتها، ومؤونة الأجير وما نقص بسببه من الآلات والعوامل حتى ثياب المالك ونحوها، ولو كان سبب النقص مشتركا بينها وبين غيرها وزع، وعين البذر إن كان من ماله المزكى، ولو اشتراه تخير بين استثناء ثمنه وعينه، وكذا مؤونة العامل المثلية، وأما القيمة فقيمتها يوم التلف، ولو عمل معه متبرع لم يحتسب أجرته، إذ لا تعد المنة مؤونة عرفا، ولو زرع مع الزكوي غيره قسط ذلك عليهما، ولو زاد في الحرث عن المعتاد لزرع غير الزكوي لم يحتسب الزائد، ولو كانا مقصودين ابتداء وزع عليهما ما يقصد لهما، واختص أحدهما بما يقصد له، ولو كان المقصود بالذات غير الزكوي ثم عرض قصد الزكوي بعد إتمام العمل لم يحتسب من المؤن ولو اشترى الزرع احتسب ثمنه وما يغرمه بعد ذلك دون ما سبق على ملكه، وحصة السلطان من المؤونة اللاحقة لبدو الصلاح، فاعتبار النصاب قبله " ونحو ذلك في الروضة وفوائد الشرائع، قال في الأخير: " كلما يحتاج إليه الزرع عادة فهو من المؤن، سواء تقدم على الزرع كالحرث والحفر وعمل الناضح ونحو ذلك، أو قاربه كالسقي والحصاد والجذاذ وتنقية مواضع الماء مما يحتاج إليه في كل سنة، لا أعيان الدولاب والآلات

[ 235 ]

ونحو ذلك، نعم يحسب نقصها لو نقصت، والبذر من المؤونة فيستثنى، لكن إذا كان مزكى سابقا أو لم تتعلق به الزكاة سابقا، ولو اشتراه لم يبعد أن يقال: يجب أكثر الأمرين من ثمنه وقدر قيمته " قلت: قال في البيان: " لو اشترى بذرا فالأقرب أن المخرج أكثر الأمرين من الثمن والقدر، ويحتمل إخراج القدر خاصة، لأنه مثلي، أما لو ارتفعت قيمة ما بذره أو انخفضت ولم يكن قد عاوض عليها فان المثل معتبر قطعا ولو كان البذر معيبا فالظاهر أن المخرج بقدره " وفي محكي نهاية الأحكام والتحرير وغيرهما " إنما تجب الزكاة بعد إخراج المؤن من أجرة السقي والعمارة والحافظ والمساعد في حصاد وجذاذ وتجفيف الثمرة وإصلاح موضع التشميس وغير ذلك " وفي محكي الموجز وكشفه بعد أن ذكرا جملة من المؤن قالا: " والضابط كل ما يتكرر كل سنة بسبب الثمرة - ثم قالا -: وليس له إخراج أجرة عمله بيده من المؤونة، ولا أجرة العوامل كالثيران التي يسقي عليها ويحرث عليها، ولا أجرة سهم الدالية، وهو الجذع المركب على العين، ولا أجرة الأرض المملوكة أو المستعارة، ولو استأجر جميع ذلك أو غصب الأرض احتسب الأجرة " إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا يخلو بعضها من النظر، كاعتبار التكرر كل سنة في المؤونة الخارجة، مع أنه لا ريب عرفا في عد ما له مدخلية في الثمرة من المؤن وإن لم يتكرر كل سنة، كاستنباط المستقى وتحسين النخل بالتكريب ونحوه، وبناء جدران البستان وحفر النهر الذي هو العمود ونحو ذلك. نعم قد يتوقف في كيفية إخراج غراماتها باعتبار عموم نفعها للثمرة في كل سنة، مع أنه قد يقوى خروجها أجمع من المثرة أولا في سنة واحدة أو سنتين، للزوم التغرير بمال المالك إن لم يكن كذلك، وربما كان في خبر علي بن شجاع (1) المتقدم وغيره شهادة على ذلك وعلى خروج مثل هذه المؤن حيث لم يستفصل فيه عن العمارة المخرجة،


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 2

[ 236 ]

بل ربما كان ظاهره الأعم من الذي يتكرر كل سنة، فلاحظ وتأمل، كما أن ما سمعته من التحرير والنهاية من عد العمارة من المؤن يمكن أن يكون المراد منه الأعم أيضا، فتأمل. ومما يمكن أن يكون محلا للنظر أيضا ما سمعته من التخيير في إخراج ثمن البذر أو قدره إذا كان قد اشتراه، خصوصا إذا لم يكن قد اشتراه للبذر، بل اشتراه للقوت ونحوه ثم بداله فبذره، إذ الذي بعد أنه من مؤن الزرع وصار هو سببا لاتلافه عين البذر لا ثمنه، ولو منع ذلك وجعل نفس الثمن لم يؤخذ القدر، وبالجملة التخيير المزبور لا يخلو من نظر أو منع، وكذا مؤونة العامل المثلية لو كان قد اشتراها، والضرر على المالك يدفعه الضرر على الفقراء، وقد ينقدح من ذلك التوقف في إخراج قدر البذر إذا كان معيبا أيضا، كما أنه ينقدح النظر في غير ذلك، خصوصا مع ملاحظة ما سمعته من أدلة المؤن، وملاحظة أن القاعدة عدم إخراج ما يشك في أنه من المؤن، لاطلاق أدلة الوجوب وعموماته، فليكن على ذلك المدار، والله هو العالم. (وأما اللواحق فمسائل): (الأولى كلما سقي سيحا أو بعلا أو عذيا ففيه العشر، وما سقي بالدوالي والنواضح ففيه نصف العشر) بلا خلاف أجده كما اعترف به بعضهم، بل الاجماع بقسسميه عليه، بل في المعتبر نسبته إلى إجماع العلماء، بل في محكي كشف الالتباس إجماع المسلمين، ويدل عليه مضافا إلى ذلك صحيح زرارة وبكير (1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: " في الزكاة ما يعالج بالرشاء والدلاء والنضح ففيه نصف العشر، وإن كان يسقى من غير علاج بنهر أو عين أو بعل ففيه العشر كاملا " وصحيحه الآخر (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا " ما أنبتت الأرض من الحنطة والشعير والتمر والزبيب


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 5

[ 237 ]

ما بلغ خمسة أوساق، والوسق ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع ففيه العشر، وما كان منه يسقى بالرشاء والدوالي والنواضح ففيه نصف العشر، وما سقت السماء أو السيح أو كان بعلا ففيه العشر تاما " وصحيحه الثالث (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا " إذا كان يعالج بالرشاء والنضح والدلاء ففيه نصف العشر، وإن كان يسقى بغير علاج بنهر أو غيره أو سماء ففيه العشر تاما " وصحيح الحلبي (2) قال أبو عبد الله (عليه السلام): " في الصدقة فيما سقت السماء والأنهار إذا كان سيحا أو كان بعلا العشر، وما سقت السواني والدوالي أو سقي بالغرب فنصف العشر " إلى غير ذلك من النصوص الظاهر منها كالفتاوى ما صرح به بعضهم من أن المدار في وجوب العشر ونصفه احتياج ترقية الماء إلى الأرض إلى آلة من دولاب ونحوه وعدمه، وأنه لا عبرة بغير ذلك من الأعمال كحفر الأنهار والسواقي وإن كثرت مؤونتها، لعدم اعتبار الشارع إياه. والمراد بالسيح الجريان على وجه الارض سواء كان قبل الزرع كالنيل أو بعده والبعل بالعين المهملة ما يشرب بعروقه في الأرض التي تقرب من الماء، واليه يرجع ما في الوافي من أنه ما لا يسقى من نخل أو شجر أو زرع، وبالعذي ما سقته السماء، والدوالي جمع دالية، وهي الناعورة التي تدبرها البقر أو غيرها، والنواضح جمع ناضح وهو البعير يستقى عليه، والرشاء الحبل، والغرب بالغين المعجمة وسكون الراء الدلو العظيم الذي يتخذ من جلد الثور، والسواني جمع سانية وهي الناقة التي يسقى عليها، ومما هنا انقدح السؤال المشهور، وهو أن الزكاة إذا كانت لا تجب إلا بعد إخراج المؤن فأي فارق بين ما كثرت مؤونته وقلت حتى وجب في أحدهما العشر وفي الآخر نصفه، وإن احتمل الشهيد في البيان إسقاط مؤونة السقي لأجل نصف العشر دون ما عداها، وقد يجاب عنه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 8 (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 2

[ 238 ]

أولا بأن أحكام الشرع تعبدية متلقاة من الشارع لا يعرف كثير من حكمها، وثانيا بأن استعمال الأجراء على السقي والحفظة وأشباه ذلك كلفة متعلقة بالمالك زائدة على بذل الأجرة، فناسبها التخفيف عن المالك، وبأن تقديم المؤونة من الكلفة، فلهذا وجب نصف العشر، وبأن الغالب في ذلك الزمان علاجهم بأنفسهم، وقد عرفت عدم احتساب ذلك من المؤن، فناسب إرفاق الشارع بهم بنصف العشر، مضافا إلى قلة الحاصل مما يزرع بالعلاج بخلاف السيح ونحوه، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- ان اجتمع فيه الأمران كان الحكم للأكثر) بلا خلاف أجده فيه، بل في الغنية وظاهر التذكرة وغيرها الاجماع عليه (فان تساويا أخذ العشر من نصفه ومن نصفه نصف العشر) بلا خلاف أيضا كما اعترف به في التذكرة، بل في الغنية والمعتبر والمنتهى وغيرها الاجماع عليه على ما حكي عن بعضها، بل يدل عليه وعلى سابقيه مضافا ألى ذلك حسن معاوية بن شريح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " فيما سقت السماء والأنهار أو كان بعلا العشر، وأما ما سقت السواني والدوالي فنصف العشر، قلت له: فالأرض تكون عندنا تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى سيحا قال: إن ذلك ليكون عندكم كذلك. قلت: نعم، قال: النصف والنصف، نصف بنصف العشر ونصف بالعشر، فقلت: الأرض تسقى بالدوالي ثم يزيد الماء فتسقى السقية والسقيتين سيحا قال (عليه السلام): كم تسقى السقية والسقيتين سيحا ؟ قلت: في ثلاثين وأربعين ليلة وقد مضت قبل ذلك في الأرض ستة أشهر سبعة أشهر قال: نصف العشر " ضرورة ظهور السؤال في أوله في المساواة، كظهور آخره بل صراحته في الاختلاف، وقد يؤيد ذلك أيضا بما عن التذكرة من أن اعتبار مقدار السقي وعدد مراته وقدر ما يشرب في كل سقية مما يشق ويتعذر، فجعل الحكم للغالب، كالطاعة إن كانت غالبة


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1

[ 239 ]

على الانسان كان عدلا وإن ندرت منه المعصية، قلت: يمكن أن يقال: إن المراد بالأكثر في الفتاوى ما يتحقق به صدق كون الزرع مما يسقى بالسيح مثلا، ضرورة عدم قدح النادر في ذلك عرفا، فيكون المراد حينئذ بالتساوي ما لا يتحقق معه ذلك ولا خلافه، بل يصدق كونه يسقى بهما كما هو ظاهر السؤال أولا في الخبر المزبور، ومنه يتجه الحكم في المقامين لاندراج الأول في أدلة العشر، وللجمع بين مقتضى السببين في الثاني الذي علله بعض الأصحاب بأن دوام كل من الأمرين في جميع السنة يوجب مقتضاه، فإذا وجد في نصفه أوجب في نصفه، فيجب عليه ثلاثة أرباع العشر، وكأنه أشبه شئ بالجمع بالتنصيف في المال الذي عليه يد كل من الشخصين، إذ بالاجماع في المقام كان كل منهما نصف السبب، فيؤثر مقتضاه على هذه النسبة، لذا كان الفرض ثلاثة أرباع العشر، لأنهما نصف العشر ونصف نصفه، كما هو واضح. ومنه انقدح لبعض العامة الأخذ في الأغلب بالقسط كما يؤخذ مع التساوي، فان شرب بالسيح ثلث السقي مثلا كان في ثلثه العشر، أو ربع السقي فالربع وهكذا، وهو متجه لو لم نقل يكون المراد بالأكثر ما عرفت، كما أنه لو لا ذلك لصعب إقامة الدليل عليه من النصوص، ضرورة كون الخبر المزبور ظاهرا في الكثرة التي ذكرنا، ولذلك وصفه الراوي أولا بأنه يسقى بالدوالي، فيبقى غير الكثير محتاجا إلى الدليل، وليس، بل ظاهر تلك الأدلة السابقة عدم خلو الزرع عن الوصفين جمعا أو انفرادا، ودعوى أنه مع (وإن خ ل) صدق أحد الأمرين إلا أن حكمه باعتبار الأكثرية ذلك، فيكون كالتخصيص لتلك الأدلة واضحة الفساد لا دليل عليها، ولا ضرورة تلجئ إليها ولا ينافي ذلك سؤال الامام (عليه السلام) عن زمان السقية والسقيتين، لامكان كونه لزيادة الاستظهار ولأنه يمكن كونهما على وجه يصدق عليه مما يسقى سيحا إذا كان سقيه بالدوالي مدة قليلة، والعمدة فيه سقية السيح أو سقيتاه، لشدة رطوبة الأرض أو غير ذلك، فتأمل جيدا.

[ 240 ]

ومنه ينقدح لك أنه لا وجه للبحث بين الأصحاب في أن الاعتبار بالأكثر عددا كما هو صريح البعض وظاهر الأكثر على ما قيل، لأن المؤونة إنما تكثر بسبب ذلك، ولعلها هي الحكمة في اختلاف الواجب، ويمكن أن ترجع إليه الرواية بتقييد إطلاقها بما هو الغالب في الزمان الأكثر من احتياجه إلى عدد أكثر، بل ربما قيل: إنه الظاهر من الرواية، أو زمانا كما مال إليه في المسالك مدعيا أنه الظاهر من الخبر باعتبار أنه عليه السلام رتب جوابه على أغلبية الزمان من غير استفصال عن عدد السقيات في تلك المدة، أو نموا ونفعا كما هو خيرة الفاضل وأول الشهيدين وابن فهد والكركي والصيمري على ما قيل، وذلك لأنه لما سأله الراوي عما يحصل من مجموع القسمين أجابه (عليه السلام) بثلاثة أرباع من دون استفصال عن كيفية الحصول والتكون أهو بالنسبة اليهما على السواء في القدر أو الزمان أم لا، فعلمنا أنه (عليه السلام) فهم من كلام الراوي أن الحصول والنمو من القسمين على نمط واحد من الاعتداد به والاعتبار له، فسأله الراوي عما إذا كان السقي بالدلاء هو الأكثر والأغلب زمانا لمكان قول الراوي: " يسقى " الدال على الاستمرار والتجدد، وقد ذكر في الطرف الآخر المقابل له السقية والسقيتين، والامام (عليه السلام) لم يجبه بادئ بده بأن في ذلك نصف العشر، بل أخر الجواب حتى سأل واستفصل، فلو كانت الأغلبية الزمانية والعددية كافية لكان الواجب عليه الجواب بأن فيه نصف العشر من دون استفصال وسؤال، ولما سأل واستفصل ظهر له أن السقي بالسيح ليس على نحو معتد به، وأنه نادر بالنسبة إلى الدلاء فأجاب بنصف العشر، وعلمنا أنه (عليه السلام) ما ترك الجواب قبل الاستفصال مع وضوح السؤال في الأغلبية الزمانية والعددية إلا مخافة أن يتوهم السائل جواز الاكتفاء بأغلبية الزمان أو العدد، فظهر أن المدار على الحصول والتعيش والنمو المعتد به. الجواهر - 30

[ 241 ]

وإيضاح ذلك أن السقي يقع على أتحاء لا يعدوها: الأول أن يكون فيه النفع التام، فان كان من السيح والدوالي على السواء أو بتفاوت يسير فالواجب ثلاثة أرباع، فان كان أحدهما أغلب حتى يكون الآخر في جنبه نادرا ندره تلحقه بالعدم فالحكم حينئذ منوط بالأغلب، تنزيلا للنادر منزلة المعدوم، الثاني أن يكون السقي مضرا بالزرع على اختلاف مراتب الضرر، إذ ربما لزم من السقي تلف الزرع أو أكثره، الثالث أن لا يكون مضرا ولا نافعا بل يكون كالعبث أو عبثا، الرابع أن يكون فيه نفع يسير جدا ويكون النمو والتكون والتعيش إنما هو من جهة أخرى كالجذب بالعروق مثلا، ولا ريب أن قولهم (عليهم السلام): ما سقي بكذا ففيه العشر إلى آخره، إنما ورد على القسم الرابع والأول أن كانا من سنخ واحد، وهذا أمر واضح لا مجال للاشكال فيه، إذ من المعلوم أن الأخبار ليس موردها ما كان فيه نفع يسير جدا وإن دام السقي به طول السنة، فما أظنك بما اشتمل على ضرر أو كان عبثا، إذ لا يرتاب أحد في أن قوله (عليه السلام): " فيما سقت " ليس واردا فيما إذا كان نفع الزرع بسقي السماء يسيرا جدا بحيث يعد نادرا وإن طالت مدته بالنسبة إلى السقي بالدوالي مثلا الكثير النفع الذي لولاه لما حصل التعيش المعتد به، وكذلك الحال في العكس، لا يقال: إنه قد يكون هناك نادر يكون له نفع عظيم في النمو أو الحفظ والتعيش بحيث يساوي نفعه الغالب أو يزيد عليه، لأنا نقول: مع أنه فرض نادر لو تحقق كان معتدا به، فان ساوى الأول قسط، وإن زاد عليه زيادة توجب للأول عدم الاعتداد به فالحكم له، إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا ينبغي الالتفات إليها إذا لم يكن مبناها على ما ذكرنا لما عرفت، ويمكن أن يكون هذا البحث منهم لتحقيق الصدق الذي قلناه وحينئذ فلا ريب في أن الأخير أقربها، بل يمكن أن يقال بعد التأمل مرجعه إلى ما قلناه، وبملاحظته يندفع ما عن جامع المقاصد من التوقف والاشكال في خصوص مالو كان حفظه أكثر من نموه، كما إذا

[ 242 ]

قارب الزرع البلوغ وخيف عليه اليبس لو لا السقي بعد أن اختار كون العبرة النمو في أصل المسألة، بل وما في البيان أيضا حيث قال: ولو تقابل العدد والزمان فاشكال، كما لو سقي بالنضح مرة واحدة في أربعة أشهر، وبالسيح ثلاثا في ثلاثة أشهر، فان اعتبرنا العدد فالعشر، وإلا فنصفه، لما عرفت من أن المدار على الصدق المزبور الذي لا يختلف فيه الفروض المزبورة، ولو فرض حصول الشك في بعض الموضوعات فلا ريب في أن الواجب الاقتصار على المتيقن ونفي الزائد بأصل البراءة، والاحتياط أولى قطعا، هذا ومن المعلوم أنه لا عبرة بالأمطار العادية في أيام السنة، وإلا لم يبق ما يجب فيه نصف العشر، نعم لو اتفق حصول الاستغناء بها عن العلاج بحيث ساواه أو نسب إليه جرى عليه الحكم، وفي كثير من البلدان يبلغ الزرع من مجرد نزول المطر عليه مرة أو مرتين من دون حاجة إلى سقي آخر أصلا، ولعل ذلك داخل في العذي. ومن جميع ما ذكرنا يظهر لك ما في كشف الأستاذ، فانه اختار كون المدار على الأغلب زمانا لا عددا ولا نفعا، وهو أضعف الوجوه عند التأمل، ثم قال: " ولو كان الزرع مشتركا واختلف الشركاء في كيفية السقي كان على من سقى موافق حصته من غير علاج العشر، وعلى الثاني نصفه " وفيه أن المدار على صدق الزرع نفسه، فلا مدخلية للزارعين، أللهم إلا أن يكون فهم من النصوص السابقة عليه العلاج في نصف العشر وعدمها في العشر، وقال أيضا: " ولو سقي بالماءين دفعة بنهرين أو نهر واحد لوحظ الاختلاف في القلة والكثرة، وحكم الشك علم مما تقدم، ولو سقي زرع بالدوالي مثلا فجرى الزائد على زرع آخر من دون علاج احتمل فيه الوجهان، ولعل نصف العشر أقوى، ولو أخرج الماء بالدوالي مثلا على أرض ثم زرعت فكان الزرع بعلا احتمل أيضا الوجهان، والأقوى نصف العشر ولو سقي البعل أو العذي بالدوالي عفوا من غير تأثير لزم العشر، وبالعكس العكس، ولو شك في كيفية السقي هو من موجب العشر

[ 243 ]

أو من غيره بني على الثاني، والأحوط الأول " انتهى، وهو جيد في البعض محل للنظر في الآخر، خصوصا مع ملاحظة ما ذكره أولا، والله هو العالم. المسألة (الثانية إذا كان له نخيل أو زروع في بلاد متباعدة يدرك بعضها قبل بعض ضم الجميع وكان حكمها حكم الثمرة في الموضع الواحد) بلا خلاف أجده فيه، لا طلاق الأدلة وعمومها، بل في محكي التذكرة " وجوب ضم بعض ثمر النخل والزرع إلى بعض سواء طلع دفعة أو أدرك دفعة أو اختلف الأمران مما أجمع عليه المسلمون " وفي محكي المنتهى " لو كان له نخل يتفاوت إدراكه بالسرعة والبط، فانه يضم الثمرتان إذا كانا لعام واحد وإن كان بينهما شهر أو شهران أو أكثر، ولا نعرف في هذا خلافا " وفي المدارك " أن من ذلك يعلم أن تسوية المصنف بين إطلاع الجميع دفعة وإدراكه دفعة واختلاف الأمرين بيان الواقع لا رد على مخالف كما ذكره جدي قدس سره " قلت: يحكى عن الميسي أنه ذكر كما ذكر جده أيضا، والأمر سهل. (و) كيف كان فقد ظهر مما سمعت أن (ما أدرك وبلغ نصابا أخذ منه ثم يؤخذ من الباقي قل أو كثر، وإن سبق ما لا يبلغ نصابا تربصنا في وجوب الزكاة إدراك ما يكمل نصابا سواء أطلع الجميع دفعة أو أدرك) الجميع (دفعة أو اختلف الأمران) نعم يعتبر بقاء الناقص عن النصاب على اجتماع شرائط الزكاة من الملكية ونحوها إلى أن يدرك ما يكمله كذلك، كما هو واضح. المسألة (الثالثة إذا كان له نخل يطلع مرة وآخر يطلع) في عام واحد (مرتين قيل: لا يضم الثاني إلى الأول، لأنه في حكم ثمرة سنتين، وقيل: يضم، وهو الأشبه) عند المصنف والأشهر، بل المشهور كما قيل، لاطلاق الأدلة، وكونه باعتبار اتحاد العام كالبستانين المختلف إدراك ثمرتهما أو طلوعها، خلافا للمبسوط والوسيلة فلا يضم، لأنهما بحكم ثمرة سنتين، وللأصل، ورد بمنع الأول وقطع الثاني، لكن الانصاف عدم خلو

[ 244 ]

المسألة عن إشكال، ضرورة عدم تعليق الحكم في شئ من النصوص على اتحاد المال بمجرد كونه في عام واحد، وأهل العرف لا يشكون في صدق التعدد عليهما، خصوصا إذا حصل فصل بين الثمرتين بزمان معتد به، وما حال ذلك إلا كحال الثمرة التي أخرجت معجزة في تلك السنة، ولعله لذا اقتصر في محكي البيان والدروس والمصابيح على نقل القولين من دون ترجيح، هذا. ولو قال المصنف: " إذا كان له نخل يطلع في السنة مرتين قيل: لا يضم " إلى آخره لكان أظهر، ولعله عبر بما سمعت تنبيها على عبارة المحكي عن المبسوط، فانه قال: " وإن كان له ثمرة بتهامة وثمرة في نجد فأدركت التهامية وجذت ثم أطلعت النجدية ثم أطلعت التهامية مرة أخرى لا يضم النجدية إلى التهامية الثانية، وإنما تضم إلى الأولى، لأنهما لسنة واحدة، والتهامية الثانية لا تضم إلى الأولى ولا إلى النجدية، لأنهما في حكم سنتين " نعم عن الوسيلة الاقتصار على المسألة الأولى أي النخل الواحد الذي يطلع مرتين، والغرض بيان الحال، وإلا فلا فرق، والله أعلم. المسألة (الرابعة لا يجزي أخذ الرطب عن التمر ولا العنب عن الزبيب) كما صرح به جماعة لا لنقصانه عند الجفاف بل لعدم كونه من أفراد المأمور به، فلا يجزي فريضة وإن بلغ قدر الواجب عند الجفاف، نعم له دفعه قيمة بناء على جوازها من غير النقدين ولا رجوع فيه حينئذ وإن نقص، وما عن المنتهى - من إجزائه عنه فريضة إذا كان بحيث لو جف لكان بقدر الواجب من التمر لتسميته تمرا لغة - واض المنع، مع أنه لو تم لاقتضى إجزاءه مطلقا، أما لو أخرجهما عنهما بناء على تعلق الزكاة فيهما أجزأ قطعا، لصدق الامتثال، وقوله (عليه السلام) (1): " إذا خرصه أخرج زكاته ". (و) قد ظهر لك سما ذكرنا أنه (لو أخذه الساعي وجف ثم نقص رجع


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1

[ 245 ]

بالنقصان) ضرورة عدم جواز الأخذ فريضة، فهو حينئذ باق على ملك مالكه، فمع فرض صيرورته زبيبا أو تمرا وأراد المالك حينئذ دفعه عما عليه صح وطواب بنقصانه كما أن له المطالبة بزيادته لو كانت، بل لو أراد المطالبة به لعدم خروجه عن ملكه كان له، بل كان من الواجب على الساعي إرجاعه إلا إذا رضي المالك ببقائه، ومن هنا اتجه ضمانه على الساعي لو تلف في يده، لأنه كالمقبوض بالعقد الفاسد، بل هو مما يشمله قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، قال في البيان ومحكي المبسوط: " لو أخذه الساعي كذلك وجب رده، فان تلف ضمنه، ولو جف فنقص طالب " إلى آخره. وربما يشكل ضمانه فيما لو علم الدافع بالفساد دون الساعي بأن المالك هو الذي غرر بماله وسلط عليه، بل ومع علمهما معا به، لكن يدفع يتقييد إذن المالك بالصحة وإن كانت ممتنعة، وتحقيق المسألة يأتي في محلها إن شاء الله، وظهر لك أيضا أنه لا يجزي أيضا دفع التمر عن الرطب ولا الرطب عن البسر ولا الزبيب عن العنب ولا العنب عن الحصرم لاتحاد المدرك في الجميع، وهو عدم صدق الامتثال. وأما الكلام في الجودة والرداءة فقد تقدم في الانعام ما يعلم منه الحال في المقام لكن في التذكرة هنا " الثمرة إن كانت جنسا واحدا أخذ منه سواء كان جيدا أو رديا ولا يطالب بغيره، ولو تعددت الأنواع أخذ من كل نوع بحصته، لينتفي الضرر عن المالك بأخذ الجيد وعن الفقراء بأخذ الردي، وهو قول عامة أهل العلم، وقال مالك والشافعي إذا تعددت الأنواع أخذ من الوسط " قلت: قد يفرق بين ما هنا وما تقدم بالتكليف هناك باسم الفريضة من الشاة ونحوها بخلاف ما هنا، فان الواجب فيه الحصة المشاعة، فينبغي مراعاة قاعدة الشركة هنا، ومقتضاها ما سمعته من التذكرة، أللهم إلا أن يقال بقرينة جواز دفع غير العين أن المراد من العشر مثلا مقدار العشر، فيكون حينئذ كاسم الفريضة في إجزاء مطلق التمر، نعم لا يدفع خصوص الردي منه لقوله

[ 246 ]

تعالى (1): " ولا تيمموا الخبيث " وما دل (2) على عدم خرص الجعرور والمعافارة لرداءة تمرهما، بل ورد (3) أنهم كانوا يأتون بهما إلى النبي (صلى الله عليه وآله) زكاة عما عندهم من التمر الجيد، وقد وقع ذلك منهم مكررا من غير حياء من أحد منهم فأنزل الله تعالى الآية، ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن خرصهما، بل من أعطى التأمل حقه في الآية وفيما ورد من النصوص في ذلك جزم باجزاء مطلق الطيب من التمر ولا يلتفت إلى قاعدة الشركة، خصوصا بعد ملاحظة السيرة في عدم إلزام المالك الدفع من جنس جميع ما عنده من أنواع التمر، فتأمل جيدا. ثم لا يخفى عليك أن المراد بعدم إجزاء الرطب عن التمر مثلا على جهة كونه فريضة أما قيمة فلا إشكال في الجواز كغيره من الأجناس الزكوية وغيرها، بناء على جواز دفع القيمة من غير النقدين، ولا ربا في متحد الجنس بعد أن لم يكن ذلك من المعاوضة، بل هو من قبيل امتثال التكليف، ولذا لم يعتبر التراضي في دفع القيمة، ولو اقتضت المصلحة قبول الردي مثلا كان للحاكم القبول باعتبار ولايته على الفقراء، والله أعلم. المسألة (الخامسة إذا مات المالك وعليه دين فظهرت الثمرة وبلغت نصابا) قبل قضاء الدين (لم يجب على الوارث زكاتها) كما عن المنتهى، لعدم ملكه، إذ التركة قبل الوفاء على حكم مال الميت الذي انقطع عنه الخطاب بموته، فلا زكاة حينئذ، لكن فيه أنه إن تم ففي المستوعب لا مطلق الدين، فانا لا نعرف قائلا معتدا به ببقاء التركة جميعها على حكم مال الميت بمجرد الدين المفروض كونها أضعافه كما اعترف به في المدارك بل المعروف دخول ما زاد على الدين في ملك الوارث أو دخول الجميع في ملكه، والمتجه على الاول فضلا عن الثاني الذي هو الأقوى كما حققناه في محله وجوبها على الوارث مع


(1) سورة البقرة - الآية 269 (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب زكاة الغلات

[ 247 ]

فرض بلوغ حصته بعد الوفاء النصاب، لاطلاق الأدلة، ودعوى أن الزائد في الفرض وإن كان ملكا له إلا أنه محجور عليه فيه، لتعلق الدين بالتركة تعلق رهانة أو أرش جناية أو تعلقا مستقلا، فتسقط الزكاة عنه لذلك، يدفعها أولا أن ذلك في الأصول دون الثمرة المفروض ظهورها في ملكه، وثانيا منع الحجر عليه فيه، وقيامه مقام المقابل لو تلف قبل قضاء الدين به أعم من ذلك، على أنه لا دليل على سقوط الزكاة بتعلق الأرش أو التعلق المستقل، ضرورة عدم اقتضائهما المنع من التصرف، بل قد عرفت عدم اقتضاء تعلق الرهانة ذلك مع القدرة على الفك عند جماعة. ومن ذلك يعلم الحال في المستوعب بناء على ما حققناه في محله من انتقال التركة معه إلى الوارث، وكون التعلق تعلقا مستقلا لم يثبت منعه للوارث من التصرف، بل أقصاه تسلط الديان على الفسخ مع عدم وفائه الدين من غيرها، وحينئذ فيتجه وجوب الزكاة عليه في الفرض، لعدم كون الثمرة من التركة، بل هي نماء ملك الوارث، بل وفيما لو كان موته بعد ظهورها قبل بلوغ حد تعلق الزكاة، لاطلاق الأدلة السالم عن المعارض كما عرفت، بل الظاهر عدم غرامته قدرها للديان في الأخير، لأنها كالتلف السماوي ونقص القيمة السوقية والنفقة على التركة، بل هو ليس من تصرفاته حتى تكون مضمونة عليه، ضرورة قهرية ملك الفقراء عليه، ودعوى الفرق بوصول الثواب إليه عوضها بخلاف الأمور السابقة كما ترى، لكن في البيان " الأقرب أنه يغرم العشر للديان لسبق حقهم، نعم لو زادت الثمرة عن وقت الانتقال إليهم فلهم الزيادة ويتقاصان " وفيه أن سبق الحق بعد فرض عدم صلاحيته لمنع تعلق خطاب الزكاة لا يقتضي الغرامة ولو أبدل هذه الدعوى بدعوى منعه تعلق خطاب الزكاة لكان له وجه باعتبار كون التعارض بين الأدلة من وجه، ثم قال: " وإذا قلنا بالتغريم ووجد الوارث ما لا يخرجه عن الواجب ففي تعينه للاخراج وجهان: أحدهما نعم، لأنه لا فائدة في الاخراج ثم

[ 248 ]

الغرم، والثاني لا، لتعلق الزكاة بالعين فاستحق أربابها حصة منها " قلت: لا يخفى عليك قوة الثاني. وقد بان لك من ذلك النظر في كلام المصنف وغيره حتى قوله: (ولو قضى الدين وفضل منها النصاب لم تجب الزكاة، لأنها على حكم مال الميت) الذي هو كالوصل للسابق المحمول على استيعاب الدين، ويكون الفضل حينئذ باعتبار علو القيمة السوقية ونحوه، فلا إشكال في العبارة حينئذ بناء على مختاره، وإنما هو في أصل الاختيار، لكن أطنب ثاني المحققين في فوائده على الكتاب في ذلك، قال: اعلم أن قول المصنف: " ولو قضى " إلى آخره، يقتضي أن تكون شعب المسألة ثلاثا: إحداها أن يكون الدين مستوعبا للتركة، الثانية أن يكون غير مستوعب ويبقى بعد قضاء الدين نصاب لكنه لم يقض الدين، الثالثة الصورة بحالها لكنه قضى، فيلزم من هذا أن يفرق في الحكم مع عدم إحاطة الدين بالتركة بين القضاء وعدمه، إلا أن الفرق غير مستقيم، فانه إنما ينظر إلى الوجوب وعدمه عند بدو الصلاح، فان كان بحيث تتعلق به الزكاة حينئذ وجب، وإلا فلا، وليس للقضاء المتجدد بعد ذلك اعتبار، ويمكن أن يحمل قول المصنف: " ولو قضى " على إرادة إمكان القضاء مع إبقاء بقية من التركة بعده تبلغ النصاب، فيكون المراد أن الدين غير مستوعب للتركة، ويكون قوله: " إذا مات المالك وعليه دين " منزلا على أن الدين مستوعب، ويمكن أن يريد معنى آخر، وهو أن الدين على تقدير أن لا يستوعب التركة ويبقى بعده نصاب فانا لو حكمنا بتعلق وجوب الزكاة به لم يحكم به قبل قضاء الدين، لا مكان تلف بعض التركة بغير تفريط من الوارث قبل وصولها إلى يده، فيكون الباقي متعينا لقضاء الدين، ويتبين عدم وجوب الزكاة، فيكون قضاء الدين وبقاء النصاب كاشفا عن الوجوب، وقضاؤه بعد الجواهر - 31

[ 249 ]

تلف العين وعدم بقاء النصاب كاشفا عن العدم، وعلى هذا فيكون القضاء معتبرا من هذه الجهة، فان قلت: المصنف لا يرى الوجوب مطلقا، لأنه يرى أن التركة على حكم مال الميت، فلا ينظر إلى القضاء وعدمه عنده، قلت: وإن كان لا يرى ذلك إلا أن عدم الوجوب إنما يستند إلى كون التركة على حكم مال الميت إذا انتفت جميع موانع الوجوب مثل استيعاب الدين للتركة وعروض التلف قبل قضائه، فإذا وجد شئ من هذه الموانع لم يكن عدم الوجوب مستندا ألى خصوص كون التركة على حكم مال الميت بل يعم القولين، فلابد من التقييد بانتفاء الموانع، فيكون عدم الوجوب مستندا إلى ذلك، ومن هذا يعلم أن قوله: " لأن التركة على حكم مال الميت " تعليل لقوله أخيرا " لم تجب الزكاة " وأما قوله قبل ذلك: " لم يجب على الوارث " فانه معلل بأمر آخر، وهو تعلق الدين بالتركة الموجب للحجر على الوارث فيها، لأن الظاهر أن المراد هناك كون الدين مستغرقا، ولقائل أن يقول: إن الوارث متى تمكن من التركة تعلق به وجوب الزكاة إذا كانت تفي بالدين ويبقى بعده نصاب وإن لم يضع يده عليها، ولو تلف بعضها في هذه الحالة لم يسقط من الزكاة شئ، فلا يكون لاعتبار القضاء وجه. وهي كما ترى متعبة عظيمة لا مقتضي لها، مع أن فيها نظرا من وجوه، وقد عرفت أن المراد من الدين فيها المستوعب، ومن قوله: " ولو قضى " إلى آخره اتفاق زيادة قيمة أعيان التركة بحيث قضي الدين منها، وفضل للوارث نصاب بعد أن كان الدين محيطا بها وقت بلوغها الحد الذي تتعلق به الزكاة، وعدم الوجوب حينئذ لأن التركة على حكم مال الميت عند المصنف وقت تعلق الوجوب، وإذا سقطت الزكاة في هذا الفرض سقطت في غيره أي فيما لم يفضل شئ بطريق أولى، فيكون مراد المصنف التنبيه على الفرد الأخفى، فلا حاجة إلى ذلك كله وإلى حمل كلام المصنف على مالا يقول به أحد من بقائها على حكم مال الميت وإن لم يكن مستوعبا، ولا إلى غير ذلك مما يحتاج

[ 250 ]

بيان فساده إلى إطناب، ولا إلى ما أطنب به ثاني الشهيدين حيث تصدى لدفع ما ذكره المحقق المزبور، إلا أنه أيضا غير خال عن النظر، بل كلامه في المسألة أيضا كذلك، فلا حظ وتأمل، بل وقع لغير الفاضلين المزبورين في المقام كلام لا يخلو من تشويش، ولعله للتشويش في تحرير أصل المسألة، وهي حكم التركة مع الدين وحكم تعلقه بها، ولقد فرغنا من تحريرها بحمدالله تعالى على أحسن وجه قبل ذلك، فمن أرادها فليلاحظها. ومن ذلك ما في محكي نهاية الأحكام " إذا مات وعليه دين مستوعب وله ثمرة بدا صلاحها بعد موته يحتمل سقوط الزكاة، لأنها في حكم مال الميت، وملك الورثة غير مستقر في الحال، وإنما يستقر بعد قضاء الدين من غيره، والوجه عندي الوجوب إن كانوا مؤسرين، لأنها ملكهم ما لم تبع في الدين، ولهذا كان لهم التصرف فيها وقضاء الدين من موضع آخر، وإنما لرب الدين التعلق بالتركة وطلب الحق منه، فتكون الرقبة لهم كالمرهون والجاني، وقيمتها للمالك، فإذا ملكوها وهو من أهل الزكاة وجبت عليهم، وإن كانوا معسرين فلا زكاة، لأنه في حكم المحجور عليهم، إذ ليس لهم التصرف إلا بعد قضاء الدين من غير النصاب، وهم عاجزون عنه، وإنما تجب الزكاة عليهم لو بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب، فان قصر لم تجب وإن بلغ المجموع، لأنا لا نوجب الزكاة على الخلطة، ولو قصر نصيب أحدهم دون غيره وجب على من لا يقصر نصيبه عن النصاب " وفي الدروس " لو مات المديون قبل بدو الصلاح وزع الدين على التركة، فان فضل نصاب لكل وارث ففي وجوب الزكاة عليه قولان " وفي البيان " إن مات قبل بدو الصلاح سواء كان بعد الظهور أولا فلا زكاة على الوارث عند الشيخ إذا كان الدين مستوعبا حال الموت، لأنه على حكم مال الميت سواء فضل نصاب أم لا، وإن قلنا بملك الوارث وجبت إن فضل نصاب عن الدين، ويحتمل عندي الوجوب في متعلق الدين على هذا القول: لحصول السبب والشرائط أعني إمكان التصرف، وتعلق

[ 251 ]

الدين هنا أضعف من تعلق الرهن " وفي محكي حواشي الشهيد " إن قلنا إن التركة تبقى على حكم مال الميت فلا زكاة مع الاستيعاب وتأخر بدو الصلاح، ومع عدمه تجب في الزائد على تقسيط الدين على الثمرة وغيرها، وإن قلنا إنها تنتقل إلى الوارث يحتمل الوجوب مطلقا لحصول الملك وإمكان التصرف، والعدم مطلقا لتعلق الدين بالتركة فأشبه الرهن، ويحتمل تقييد الوجوب بيسار الوارث لتحقق التمكن من التصرف حينئذ وهذا الاشكال إنما يجري في الذي يصيب الثمرة من الدين، أما الزائد فيجب قطعا، وإن هناك احتمالا بعيدا وهو الحجر على التركة وإن كان الدين غير مستوعب، فحينئذ ينقدح عدم وجوب الزكاة على الوارث مطلقا " إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تحرير فيها للمطلوب، والتحقيق ما عرفت، هذا كله في الموت قبل الظهور أو بعده قبل حد تعلق الزكاة. (و) أما (لو) بدا صلاحها أو (صارت تمرا والمالك حي ثم مات وجبت الزكاة ولو كان دينه يستغرق تركته) لأصالة بقاء الوجوب من غير خلاف (و) لا إشكال نعم (لو ضاقت التركة عن الدين قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه (يقع التحاص بين أرباب الزكاة والديان، وقيل) والقائل غيره (تقدم الزكاة لتعلقها بالعين قبل تعلق الدين بها، وهو الأقوى) بل ينبغي القطع به بناء على ذلك، ضرورة عدم كون مقدارها من تركة الميت كي يتعلق بها الدين، بل الفرض انتقالها عنه إلى الفقراء في زمن حياته، نعم لو قلنا بكونها في الذمة أمكن ذلك، مع أنه بناء عليه أيضا وقلنا بتعلقها بالمال أيضا تعلق رهانة أو أرش جناية يتجه تقديمها أيضا للسبق، وإن كان ظاهر الشهيد في البيان التوزيع حينئذ، لكنه لا يخلو من نظر، والله أعلم. المسألة (السادسة) قد تقدم سابقا ما يعلم منه حكم ما (إذا ملك نخلا) مثلا (قبل أن يبدو صلاح ثمرته فالزكاة عليه) مع بقاء الثمرة على ملكه بلا خلاف أجده فيه

[ 252 ]

بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص جميعها متناولة له (و) كذا (لو اشترى ثمرة) قبل بدو صلاحها (على الوجه الذي يصح) بالضميمة أو أزيد من عام أو غير ذلك مما هو مذكور في محله، لعموم الأدلة، بل لا فرق بين الشراء وغيره من أسباب الملك كما أنه لا فرق بين الثمرة والزرع في ذلك كما عرفته سابقا بلا خلاف أجده فيه إلا من ابن زهره فلم يوجب الزكاة على حصة المساقي في المساقاة، وكل من لا يكون البذر منه من المالك والعامل في المزارعة، ومقتضاه السقوط عنهما لو كان البذر من ثالث، ولقد سبقه الاجماع ولحقه، والنصوص المتقدمة سابقا في مسألة المؤونة وغيرها عامها وخاصها شاهدة عليه، وشنع عليه ابن إدريس في سرائره غاية التشنيع، وحكي عنه التعليل لذلك بأنه كغاصب الحب ثم زرعه، فانه لا زكاة عليه، وهو كما ترى قياس فاسد، ضرورة عدم ملك الغاصب شيئا من الزرع بخلاف العامل في المزارعة والمساقاة، فانهما يملكان الحصة قبل بلوغ حد الزكاة، وأقبح من ذلك تعليله بأن الحصة هنا بمنزلة الأجرة للأرض والعمل، وفيه أنه بعد التسليم لا ينافي وجوب الزكاة فيه، كما لو آجر الأرض أو نفسه بزرع قبل انعقاد حبه، نعم ربما استدل له بمرسل ابن بكير المتقدم (1) سابقا في مسألة المؤونة إلا أنه - مع كونه من المرسل واشتمال ذيله على مالا يقول به أحد من سقوط الزكاة الآن إلا على من كان في يده شئ مما أقطعه الرسول (صلى الله عليه وآله) - لا دلالة فيه على اعتبار عدم كون البذر منه في السقوط، فلابد من طرحه أو حمله على ما تقدم سابقا ممالا ينافي ذلك، ضرورة قصوره عن معارضة غيره من وجوه لا تخفى كمضمر ابن مسلم (2) " سألته عن الرجل يتكارى الأرض من السلطان بالثلث والنصف هل عليه في حصته زكاة ؟ قال: لا " خصوصا مع احتمال إرادة زكاة الجميع حتى ما يأخذه السلطان، والله أعلم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب زكاة الغلات - الحديث 4 - 5

[ 253 ]

وكيف كان (فان ملك الثمرة بعد ذلك فالزكاة على المالك) الأول الذي قد خوطب بالزكاة، والأصل عدم سقوطه عنه كما هو واضح، هذا، وفي المدارك " إن كان التمليك بعد الضمان نفذ في الجميع، وإن كان قبله نفذ في نصيبه، وفي قدر الواجب يبنى على ما سلف، فعلى الشركة يبطل البيع فيه، وكذا على الرهن، وعلى الجناية يكون البيع إلزاما بالزكاة، فان أداها نفذ البيع، وإلا تبع الساعي العين، ولو باع المالك الجميع قبل إخراج الزكاة ثم أخرجها قال الشيخ: صح البيع في الجميع، واستشكله المصنف في المعتبر بأن العين غير مملوكة، فإذا أدى العين ملكها ملكا مستأنفا فافتقر بيعها إلى إجازة مستأنفة، كمن باع مال غيره ثم اشتراه، وهو جيد، وعلى هذا فلا ينفذ البيع في نصيب الزكاة إلا مع إجازة المالك بعد الاخراج " قلت: قد يتوقف في النفوذ مع الضمان للتوقف في مشروعيته، خصوصا إذا أريد منه معناه المتعارف، كما أنه قد يناقش في البطلان على الشركة بل لولي المسلمين ووكيله إجازة البيع والمطالبة بالثمن على النسبة، بل قد يناقش فيما حكاه عن المعتبر بأن المستند في ذلك الخبر السابق (1) الدال على كون الأداء كاجازة الفضولي على الكشف، فلا يحتاج إلى إجازة مستأنفة، وإلا فمقتضى الضوابط عدم اعتبار اجازة غير المالك الأول، خصوصا إذا كان الانتقال عنه بمعاوضة ونحوها لا بارث وشبهه، وقد تقدم منا سابقا ما له دخل في المقام، وربما يأتي له زيادة تحقيق إن شاء الله تعالى، والله الموفق لكل خير، هذا، ولا يخفى عليك أن ما ذكره المصنف هنا من بدو الصلاح مبني على أنه الحد الذي تتعلق به الزكاة لا على مختاره، ولذا قال: (والأولى الاعتبار بكونه تمرا، لتعلق الزكاة بما يسمى تمرا لا بما يسمى بسرا) وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك. المسألة (السابعة) لا خلاف في أن (حكم ما يخرج من الأرض مما يستحب فيه


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 254 ]

الزكاة حكم الأجناس الأربعة في قدر النصاب، وكمية ما يخرج منه، واعتبار السقي) سيحا أو بالدلاء، وأمر المؤونة وغير ذلك مما عرفته سابقا، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) المتقدمة سابقا عند الكلام في استحبابها فيها دالة عليه، مضافا إلى انسياق الاتحاد في الكيفية، وأن الاختلاف في الوجوب والندب خاصة، كما يؤمي إليه اتحاد الكيفية في الواجب والندب في غير المقام من الوضوء والغسل وغيرهما، بل لعل ذلك هو مقتضى القاعدة المستفادة من النصوص، ولا يخرج عنها إلا بالدليل كما أوضحنا ذلك في كتاب الطهارة، والله أعلم. المسألة الثامنة يجوز للساعي الخرص في ثمرة النخل والكرم بلا خلاف أجده بيننا بل في الخلاف والمعتبر وغيرهما الاجماع عليه، بل في الأول " أن الشافعي والزهري ومالك وأبا ثور ذكروا أنه إجماع الصحابة " وقد سمعت قول أبي الحسن (عليه السلام) في صحيح سعد بن سعد (2): " إذا خرصه أخرج زكاته " وفي خبر رفاعة (3) المروي عن تفسير العياشي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى (4): " إلا أن تغمضوا فيه " فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث عبد الله بن رواحة فقال: لا تخرصوا أم جعرور ولا معافارة، وكان أناس يجيؤون بتمر أسوأ فأنزل " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " وذكروا أن عبد الله خرص عليهم تمرا أسوأ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا عبد الله لا تخرص أم جعرور ولا معافارة " وفي خبر إسحاق بن عمار (5) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) المروي عنه أيضا، قال:


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 (3) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 4 - 5 (4) سورة البقرة - الآية 270

[ 255 ]

" كأن أهل المدينة يأتون بصدقة فطر إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفيه عذق يسمى الجعرور وعذق يسمى معافارة عظيم نواهما دقيق لحماهما في طعمهما مرارة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للخارص: لا تخرص عليهم هذين اللونين، لعلهم يستحون لا يأتون بهما، فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم - إلى قوله - تنفقون " (1) وفي خبر أبي بصير (2) المروي في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " يا أيها الذين " إلى آخره، قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أمر بالنخل أن بزكي يجئ قوم بألوان من التمر وهو من أردى التمر يؤدونه عن زكاتهم تمرا يقال له الجعرور والمعافارة قليل اللحم عظيم النوى وكان بعضهم يجئ بهما عن التمر الجيد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تخرصوا هاتين التمرتين، ولا تجيؤوا منهما بشئ، وفي ذلك نزل " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " والاغماض فيه أن يأخذ هذين التمرتين " ونحوه خبر شهاب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي عن مستطرفات السرائر. والجميع كما ترى خاص في النخيل والكرم، لكن في الخلاف " يجوز الخرص على أرباب الغلات وتضمينهم حصة المساكين " وظاهره الجواز في غيرهما، كما هو خيرة جامع المقاصد وكشف الأستاذ ومحكي التلخيص، بل في المدارك نسبته إلى الشيخ وجماعة بل عن التلخيص أنه المشهور، خلافا لمحكي المعتبر والمنتهى والتحرير وظاهر المبسوط وغيره والاسكافي فلم يجوزوه في غيرهما، اقتصارا على مورد النص فيما هو مخالف للقواعد من وجوه، ولأن الزرع قد يخفى خرصه، لاستتار بعضه وتبدده بخلاف النخل والكرم فان ثمرتيهما ظاهرة يتمكن الخارص من إدراكها والاحاطة بها، ولان الحاجة في النخل


(1) سورة البقرة - الآية 269 (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب زكاة الغلات - الحديث 1 - 2

[ 256 ]

والكرم تامة لاحتياج أهلها إلى تناولها، ولا كذلك الفريك فان الحاجة إليه قليلة، وفيه منع قلة الاحتياج قبل التصفية، بل في كشف الأستاذ في عدمه فيها حرج وضيق، ولذا جوزه فيها أجمع، بل احتمل قويا جوازه فيما تعلق به الزكاة استحبابا مما يدخله الكيل والوزن محافظة على السنة، ولما سمعته من انسياق الاتحاد في الكيفية في الواجب والندب، بل يمكن دعوى الأولوية فيه من الواجب، إلا أنه لا يخلو من إشكال، نعم قد يقوى جوازه في متعلق الوجوب لما عرفت، ولما في صحيح سعد (1) الآخر المتقدم سابقا الذي قد سأل فيه أبو بصير أبا الحسن (عليه السلام) " عن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب متى تجب على صاحبها فقال: إذا صرم وإذا خرص " وظاهره كون ذلك للجميع، ولأنه من معقد إجماع الخلاف، ولغير ذلك. وفائدة الخرص أن للمالك مع قبوله التصرف كيف شاء، بخلاف ما إذا لم يقبل فانه لا يجوز له التصرف فيه على ما نص عليه جماعة، لكن قد يقوى جوازه مع الضبط ووقته حين بدو الصلاح على ما صرح به جماعة، بل في مفتاح الكرامة كأنه مما لاريب فيه، وقد سمعت دعوى ظهور الاجماع عليه من شرح الأستاذ للمفاتيح، إلا أنه قد يشكل ذلك بعدم موافقته للقول بكون حد الزكاة التسمية لابدو الصلاح، ومن الغريب وقوع ذلك من المصنف مع أنه ممن يختار التسمية محتجا عليه بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يبعث عبد الله بن رواحة خارصا للنخل حين يطيب (2) ويمكن أن يكون قد ذكر ذلك بناء على أن حدها بدو الصلاح، فلاحظ وتأمل، وقد تقدم منا سابقا ما له نفع في المقام.


(1) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 وفيه " عن سعد بن سعد الأشعري عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته " وليس فيه ذكر عن أبى بصير وهو الصحيح كما تقدم في ص 217 (2) سنن البيهقى ج 4 ص 143 الجواهر - 32

[ 257 ]

وصفة الخرص أن يدور بكل نخلة أو شجرة وينظر كم في الجميع رطبا أو عنبا ثم يقدر ما يجبئ منه تمرا أو زبيبا، وينبغي للخارص التخفيف على المالك، لما رواه أبو عبيدة (1) باسناده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) " كان إذا بعث الخارص قال: خففوا على الناس، فان في المال العرية والواطية والآكلة " قال أبو عبيدة: والعرية هي النخلة والنخلات بهب الانسان تمرها، والواطئة السائلة سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين، بل عن جماعة من الجمهور منهم أحمد بن حنبل أنه يترك الثلث أو الربع له، لما روى سهل بن أبي خيثمة (2) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: إذا خرصتم فخففوا ودعوا الثلث، فان لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " لكن فيه أنه اجحاف بالفقراء ومناف لأصل عدم جواز التسليط على مال الفقراء والنقص له، والخبر المزبور غير صالح لقطع ذلك، نعم ما ذكرناه من التخفيف في الجملة يستفاد مما عرفت ومن غيره من النصوص (3) الدالة على مراعاة المالك المتقدم بعضها في زكاة الأنعام. وعلى كل حال فالظاهر اعتبار التراضي في الخرص، كما يؤمي إليه التخيير بين الصور الثلاثة، ولو رضي بعض الشركاء فقط خص بالخرص، ولو وقع الرضا على البعض دون البعض جاز، والخارص الامام (عليه السلام) أو نائبه الخاص أو العام، لولايته على مال الفقراء، بل قد يقوى جوازه من المالك إذا كان عارفا، وخصوصا مع تعذر الرجوع إلى الولي العام كما عن الفاضلين والشهيد والمقداد والصيمري النص عليه، وعلى جواز إخراجه عدلا يخرصه له وإن كان الأحوط الرجوع ألى الولي مع التمكن، قال في المعتبر: " ويجوز عندنا تقويم نصيب الفقراء من غير مراجعة الساعي " ولعله المعلومية عدم خصوصية خرص الساعي، وإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح سعد بن سعد: " إذا


(1) و (2) سنن البيهقى ج 4 ص 124 - 123 (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام

[ 258 ]

خرصه أخرج زكاته " وقوله (عليه السلام): " إذا صرم وخرص " وقال أيضا: يجوز لرب المال قطع الثمرة وإن لم يستأذن الخارص ضمن أو لم يضمن ومنع الشيخ في المبسوط إذا لم يضمن المالك الخرص، قال: لأنه تصرف في مال الغير، فيقف على الاذن وليس بوجه، لأن المالك مؤتمن على حفظها، فله التصرف بما يراه مصلحة، وهو جيد. ولا يشترط في الخرص صيغة، بل هو معاملة خاصة يكتفى فيها بعمل الخرص وبيانه، ولو جئ بصيغة الصلح كان أولى، وهو معاملة غريبة، لأنها تتضمن وحدة العوض والمعوض وضمان العين، ثم إن زاد ما في يد المالك كانت الزيادة له وإن قيل: إنه يستحب له بذل الزيادة، وإن نقص فعليه، تحقيقا لفائدة الخرص، لكن جزم بعدم الضمان في البيان، وتردد فيه في المعتبر، لأن الحصة أمانة في يده، ولا يستقر ضمان الأمانة كالوديعة، وهو كما ترى. ولو تلفت الثمرة بآفة سماوية أو أرضية أو ظلم ظالم سقط ضمان الحصة بلا خلاف أجده فيه، بل عن التذكرة الاجماع عليه، لأنها أمانة فلا تضمن بالخرص، خلافا للمحكي عن مالك فضمنه، لانتقال الحكم إلى ما قال الخارص، وهو واضح الضعف، ولو ادعى المالك غلط الخارص فان كان قوله محتملا أعيد الخرص، وإن لم يكن محتملا سقطت دعواه، ولكن من المالك والخارص الفسخ مع الغبن الفاحش، ولو كان الخرص في عدة أمور فليس له سوى الفسخ في الجميع، بل الظاهر جواز اشتراط الخيار فيه، لعموم (1) " المؤمنون ". ويشترط في الخارص إن لم يكن مالكا أن يكون عدلا ضابطا، واعتبار العدلين أوفق بالاحتياط، ولو ظهر فسقه بطل خرصه، بخلاف مالو تجدد بعد الخرص، ولو رجع الخارص عن خرصه بدعوى أنه زاد فيه قبل قوله، ولو ادعى أنه أجحف بالفقراء لم


(1) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب الخيار - الحديث 7 من كتاب التجارة

[ 259 ]

يقبل بغير البينة في وجه قوي، ولو ادعى العلم على المالك كان له حلفه على نفي العلم، ولو اقتضت المصلحة تخفيف النخل جاز وسقط من الحق بالحساب، ولو كان قبل بلوغه جاز تخفيفه وقطعه أصلا، لما يراه من مصلحة نفسه وأصوله، وفي محكي التذكرة لو احتاج إلى قطع الثمرة أجمع بعد بدو الصلاح لئلا تتضرر النخلة بمص الثمرة جاز القطع إجماعا، لأن الزكاة تجب على طريق المواساة، فلا يكلف ما يتضرر به المالك ويهلك به أصل ماله ولأن في حفظ الأصول حظا للفقراء، لتكرر حقهم، ولا يضمن المالك خرصها، بل يقاسم الساعي بالكيل أو الوزن بسرا أو رطبا، ولو كفى تخفيف الثمرة خففها وأخرج الزكاة مما قطعه بعد بدو الصلاح، وهل للمالك قطعها لمصلحة من غير ضرورة ؟ الوجه ذلك، لأن الزكاة تجب مواساة، فلا يجوز تفويت مصلحته بسببها، وفي قطعها بغير مصلحة إشكال، من تضرر الفقراء، ومن عدم منع المالك من التصرف بماله كيف يشاء ولو أراد قطع الثمرة لتحسين الباقي منها جاز، ولو اختار الخارص القسمة رطبا ووافقه المالك جاز، لأنها تمييز الحق، وليست بيعا حتى يمنع بيع الرطب بمثله عند من منعه، ويجوز لولي الفقراء بيع نصيب المساكين من رب المال وغيره، والله أعلم. (القول في مال التجارة) (و) يقع (البحث في موضوعه) من حيث تعلق الزكاة به (وفي شروط زكاته) وفي (أحكامه، أما الأول فهو) عند المصنف وجماعة (المال الذي ملك بعقد معاوضة وقصد به الاكتساب عند التملك، فلو انتقل إليه ب‍) - غير عقد كالم‍ (- يراث) وحيازة المباحات ونحو ذلك (أو) عقد لكن ليس عقد معاوضة كال‍ (- هبة) والصدقة والوقف ونحو ذلك (لم يزكه، وكذا لو ملكه) بعقد معاوضة لكن لا بقصد التكسب بل (للقنية) فانه لا يزكيه وإن قصد به التكسب بعد ذلك، ضرورة عدم مقارنته لحال

[ 260 ]

الانتقال إليه، بل الظاهر اعتبار المصنف استمرار قصد التكسب به، لقوله: (وكذا لو اشتراه للتجارة ثم نوى القنية) أي لا زكاة فيه بلا خلاف أجده في شئ من ذلك إلا في اعتبار مقارنة قصد التكسب لحال التملك، فانه وإن كان ظاهر المصنف والفاضل في القواعد وغيرهما ذلك، بل في المدارك " أنه ذهب علماؤنا وأكثر العامة إلى اعتبارها " وعن المعتبر " أنه موضع وفاق " لكن الذي يقوى في النظر عدمه، لاطلاق الأدلة، ولصدق التجارة عليه عرفا بذلك، ولأنه كما يقدح نية القنية في التجارة فكذا يقدح نية التجارة في القنية، ودعوى الفرق بين النيتين بأن الأصل الاقتناء والتجارة عارضة وبمجرد النية يعود حكم الأصل ولا يزول حكم الأصل بمجردها كما ترى، ولأن المؤثر حال التملك نية التجارة، فلا فرق، ولعله لذلك كان خيرة البيان وظاهر اللمعة، واستحسنه في المسالك وقواء في الروضة، بل مال إليه في المعتبر، قال فيما حضرني من نسخته: مسألة قال الشيخ: لو نوى بمال القنية التجارة لم يدخل في حول التجارة بالنية وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لأن التجارة عمل، فلا تصير بالنية، كما لو نوى سوم المعاملة ولم يسمها، وقال إسحاق: تدور في الحول بالنية، وبه رواية عن أحمد لما رووا عن سمرة (1) " أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع بالنية " وهذا عندي قوي، لأن نية التجارة هو أن يطلب به زيادة على رأس ماله وينوي بها البيع كذلك، فتجب الزكاة بظاهر الروايتين اللتين سبقتا، وقولهم التجارة عمل، قلنا: لا نسلم أن الزكاة تتعلق بالفعل الذي هو البيع، لم لا يكفي إعداد السلعة لطلب الربح، وذلك يتحقق بالنية، ولأنه لو نوى القنية بأمتعة التجارة صح بالنية اتفاقا فكذا لو نوى الاكتساب، وهو مع خلوه عما حكي عنه من الاجماع واضح الميل لما قلنا من عدم اعتبار مقارنة النية للتملك، بل إن لم ينعقد إجماع على اعتبار الملك بعقد


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 147 وفيه " من الذى نعد للبيع "

[ 261 ]

معاوضة لأمكن المناقشة فيه بصدق مال التجارة على المنتقل بعقد هبة بل بارث مع نية التجارة به إذا كان هو كذلك عند المنتقل منه، ورأس المال الموجود في النصوص لا يعتبر فيه كونه من مالك العين، إذ المراد به ثمن المتاع في نفسه وإن كان من الواهب والمورث. وظهور بعض النصوص في ذلك مع أنه مبني على الغالب ليس هو على جهة الشرطية كي ينافي ما دل على العموم، ففي خبر محمد بن مسلم (1) أنه قال: " كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول " قال يونس: تفسيره أنه كل ما عمل به للتجارة من حيوان وغيره فعليه فيه زكاة، وفي خبر خالد بن الحجاج الكرخي (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزكاة فقال: ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها إلا لتزداد فضلا على فضلك فزكه، وما كان للتجارة في يدك فيها نقصان فذلك شئ آخر " وخبر شعيب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " كل شئ جر عليك المال فزكه، وكل شئ ورثته أو وهب لك فاستقبل به " ولا ينافي ذلك موثق سماعة (4) " سألته عن الرجل يكون عنده المتاع موضوعا فيمكث عنده السنة والسنتين أو أكثر من ذلك قال: ليس عليه زكاة حتى يبيعه إلا أن يكون أعطي به رأس ماله فيمنعه من ذلك التماس الفضل، فإذا هو فعل ذلك وجبت فيه الزكاة، فان لم يكن أعطي به رأس ماله فليس عليه زكاة حتى يبيعه وإن حبسه ما حبسه، فإذا هو باعه فانما عليه زكاة سنة واحدة " لما عرفت، بل يمكن عود الضمير فيه إلى المتاع، وكذا خبر العلاء (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قلت: المتاع لا أصيب به رأس المال


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة الحديث 8 - 5 - 6 - 9 (3) الوسائل الباب - 16 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1

[ 262 ]

علي فيه الزكاة قال: لا، قلت: أمسكه سنين ثم أبيعه ماذا علي ؟ قال: سنة واحدة " وخبر أبي الربيع الشامي (1) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه وقد كان زكى ماله قبل أن يشتري به هل عليه زكاة أو حتى يبيعه ؟ فقال: إن كان أمسكه التماس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة " وصحيح محمد بن مسلم (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى متاعا وكسد عليه وقد زكى ماله قبل أن يشتري متاعا متى يزكيه ؟ فقال: إن كان أمسك متاعه ينبغي به رأس المال فليس عليه زكاة، وإن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال " الحديث. ضرورة احتمال الجميع كون المراد برأس المال ثمن المتاع في نفسه وإن لم يكن قد بذله من في يده. نعم خبر أبي بصير عنه (3) (عليه السلام) أيضا " لا تأخذن مالا مضاربة إلا ما تزكيه أو يزكيه صاحبه، وقال: وإن كان عندك متاع في البيت موضوع فأعطيت به رأس مالك فرغبت عنه فعليك زكاته " وخبر إسماعيل بن عبد الخالق (4) قال: " سأله سعيد الأعرج وأنا أسمع فقال: إنا نكبس الزيت والسمن نطلب به التجارة فربما مكث عندنا السنة والسنتين هل عليه زكاة ؟ فقال: إن كنت تريح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك فيه زكاة، وإن كنت إنما تربص به لأنك لاتجد إلا وضيعة فليس عليك زكاة حتى يصير ذهبا أو فضة، فإذا صار ذهبا أو فضة فزكه للسنة التي اتجرت فيها " ظاهران في رأس مال الرجل، لكن لا دلالة فيهما على الشرطية، مع أن الأخير منهما رواه الحميري في المحكي عن قرب الاسناد (5) " إن كنت تربح منه أو يجئ منه رأس ماله


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 4 - 3 - 1 - 2 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 15 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 3 وذيله في الباب 13 منها - الحديث 7

[ 263 ]

فعليك زكاته " وهو كالصريح في رأس مال المتاع في نفسه، والمسألة محتاجة إلى تأمل تام فيما ذكرنا وفي المأخوذ بالمعاطاة بناء على أنها إباحة لا تمليك، فان اعتبار نية الاكتساب حال حصول الملك بالتصرف أو بالتلف لأحد العوضين كما ترى، وفي المأخوذ بعقد الفضولي على قولي الكشف والنقل. ولو اشترى عرضا للقنية بمثله ثم رد ما اشتراه بعيب أو رد عليه ما باعه به فأخذه على قصد التجارة لم ينعقد لها بناء على اعتبار المقارنة للتملك بعقد المعاوضة، ضرورة عدم كون الفسخ بالعيب عقد معاوضة، وكذلك الفسخ بالخيار المشروط مثلا والاقالة ونحوها، نعم إذا كان المدفوع والمأخوذ كلاهما للتجارة كما إذا تعاوض التاجران ثم ترادا لعيب وشبهه جرى المتاعان في التجارة كما صرح به في البيان، لتعلقها بالمالية لا بالعين، ولو اشترى عرضا للتجارة بعرض قنية فرد عليه عرض القنية بالعيب انقطعت التجارة لأن القنية كانت في العين وقد استرد، ولو باع عرض تجارة بعرض للقنية ثم رد عليه عرضه فكذلك، لانقطاع التجارة بنية القنية في بدله. هذا كله على ذلك القول، أما على المختار فلا إشكال في شئ من ذلك، إذ قد عرفت الاكتفاء بالنية والاعداد، هذا. وفي المسالك " أن المال بمنزلة الجنس، ويدخل فيه ما صلح لتعلق الزكاة المالية به وجوبا واستحبابا وغيره كالخضروات، وتدخل فيه أيضا العين والمنفعة وإن كان في تسمية المنفعة مالا خفاء، فلو استأجر عقارا للتكسب تحققت التجارة " وفي البيان " ولو استأجر دارا بنية التجارة أو أخذ أمتعة للتجارة فهي تجارة " قلت: قد يناقش في استفادة ذلك من الأدلة، ضرورة ظهورها في الأمتعة ونحوها كما نص على ذلك بعض مشايخنا، بل هو الظاهر من المقنعة وغيرها وحينئذ فما يأتي من مسألة العقار المتخذ للنماء قسم مستقل لا يندرج في مال التجارة، وأولى من ذلك الاستئجار على الأعمال للتكسب، فان عد مثلها في التجارة كما ترى،

[ 264 ]

وقال أيضا فيها: " إن المراد بالمعاوضة ما يقوم طرفاها بالمال كالبيع والصلح، ويعبر عنها بالمعاوضة المحضة، وقد يطلق على ما هو أعم من ذلك، وهو ما اشتمل على طرفين مطلقا، فيدخل فيه المهر وعوض الخلع ومال الصلح عن الدم، وفي صدق التجارة على هذا القسم مع قصدها نظر، وقطع في التذكرة بعدمه " قلت: قد نظر فيه في البيان أيضا، قال: " وهل يعتبر في المعاوضة أن تكون محضة فيخرج الصداق والمختلع به والصلح عن دم العمد ؟ نظر، من أنه اكتساب بعوض، ومن عدم عد مثلها عوضا عرفا " قلت: قد عرفت الاكتفاء بالنية والاعداد في الأثناء فضلا عن الابتداء، ومقتضى ذلك كونه مال تجارة. ومنه ينقدح عدم اعتبار وجود رأس المال فيها، ضرورة عدمه في الفرض، ومن ادعى الاجماع على ذلك أو دلالة النصوص عليه أمكن منعه عليه، أما الأول فواضح، إذ لم نجد هذا التعريف لمال التجارة قبل المصنف، وأما الثاني فقد سمعت أنه لا دلالة في النصوص على الاشتراط على وجه تسقط الزكاة إذا لم يكن له رأس مال، أو كان وقد نسي أو لم يعلم ونحو ذلك، وإنما هي في خصوص بيان ذي رأس المال، لا أن الزكاة منحصرة فيه، فيبقى ما عداه حينئذ على مقتضى إطلاق ما دل على زكاة مال التجارة، بل لعل التأمل يقضي بأولوية الزكاة في متاع التجارة الذي لم يغرم المالك فيه رأس مال، بل حصل له بحيازة أو إرث أو هبة أو نحو ذلك، فتأمل جيدا فان المقام محتاج إليه باعتبار ظهور المفروغية من اعتبار هذه القيود من كلام جماعة من المتأخرين ومتأخريهم، مع ظهور النصوص وجملة من كلمات القدماء في خلافه، ومما يؤيد ما ذكرنا مضافا إلى ما عرفت ما تسمعه من حكمهم من غير خلاف يعرف فيه بينهم بأن من جملة مال التجارة زيادته القيمية ونتائجه المنفصلة، مع أنه ليس مالا قد ملك بعقد معاوضة، الجواهر - 33

[ 265 ]

ولو أريد منه ولو بالواسطة أمكن فرض مثله في الموهوب والموروث مثلا إذا ملكه الواهب والمورث بعقد معاوضة، على أنه إن تم في ذلك لا يتم فيما ذكروه من اشتراط الطلب برأس المال أو زيادة، ضرورة عدم رأس مال للثمرة مثلا أو السخال إذا بيع الأصل برأس المال وبقيت، فانه لا رأس مال لها، وكذا الربح في المضاربة كما ستعرف فيعلم حينئذ أن المراد بالشرط لما كان له رأس مال معلوم، فلا ينافي الاجماع على اشتراطه ما قلناه، كما لا ينافيه ما دل عليه من النصوص، فلاحظ وتأمل. هذا كله في موضوعه (وأما الشروط فثلاثة): (الأول) أن يبلغ قيمته (النصاب) بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر التذكرة وغيرها الاجماع عليه، بل عن صريح نهاية الأحكام ذلك، بل في المعتبر ومحكي المنتهى وكشف الالتباس وغيرها أنه قول علماء الاسلام، والمراد به نصاب أحد النقدين لما عساه يظهر من النصوص أنها زكاة النقدين بعينها، إلا أن الفرق بالوجوب والندب فقط، كما أنه يظهر منها قيام أعيان مال التجارة مقام النقد الذي اشتريت به، وفي خبر إسحاق بن عمار (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ظهور في ذلك بناء على أن المراد منه مال التجارة، قال فيه: " قلت له: مائة وتسعون درهما وتسعة عشر دينارا أعليها في الزكاة شئ ؟ فقال: إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة، لأن عين المال الدراهم، وكل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود إلى الدراهم في الزكاة والديات " على أن الحجة في قوله: " وكل " إلى آخره، بل قد يحتمل كون المراد زكاة التجارة من صحيح ابن مسلم (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذهب كم فيه من الزكاة ؟ قال: إذا بلغ قيمة مائتي درهم فعليه الزكاة " بناء على أن المراد الذهب المتجر به، وكان تخصيص الدراهم لغلبة المعاملة بها في ذلك الوقت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 7 - 2

[ 266 ]

وكون المائتي درهم عشرين دينارا، ولذلك يجعلون الدينار في مقابلة العشرة دراهم في الديات، مع أنه قال في الخلاف: روينا عن أسحاق بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " كل ما عدا الأجناس مردود إلى الدراهم والدنانير " وبالجملة لا ينبغي التأمل في المسألة بعد ما عرفت وإن وسوس فيه بعض متأخري المتأخرين، لكنه في غير محله، بل الظاهر من النص والفتوى ومعقد الاجماع أنها على حسب النقدين في النصاب الثاني أيضا، فلا زكاة فيما لا يبلغه بعد النصاب الأول كما صرح به جماعة، فما عن فوائد القواعد من أنه لم يقف على دليل يدل على اعتبار النصاب الثاني وأن العامة صرحوا باعتبار الأول خاصة في غير محله، ولقد أجاد في المدارك في رده بأن الدليل على اعتبار الأول هو بعينه الدليل على اعتبار الثاني، والجمهور إنما لم يعتبروا النصاب الثاني هنا، لعدم اعتبارهم له في زكاة النقدين كما ذكره في التذكرة. (و) مما ذكرنا يظهر لك أيضا أنه (يعتبر وجوده في الحول كله، فلو نقص في أثناء الحول ولو يوما سقط الاستحباب) كما سقط الوجوب في زكاة النقدين وغيرهما مما اعتبر فيه النصاب والحول بلا خلاف أجده فيه، بل ظاهر المدارك وغيرها الاجماع عليه، وهو كذلك (ولو مضى عليه مدة يطلب فيها برأس المال) البالغ نصابا (ثم زاد) زيادة تبلغ النصاب الثاني بنفسها أو كان في الأول عفو يكملها (كان حول الأصل من حين الابتياع، وحول الزيادة من حين ظهورها) ولا يبنى حول الربح على حول الاصل بلا خلاف أجده بين من تعرض له منا، لمنافاته لما دل على اعتبار الحول، ضرورة أن الزيادة مال مستقل يشمله ما دل اعتبار الحول، وإلغاء ما مضى من حول الأصل واستئنافه للجميع من حين ظهور الربح مناف لحق الفقراء، وتكرار الزكاة للأصل من


(1) الخلاف ج 1 ص 345 الطبعة الثانية عام 1377 - كتاب الزكاة المسألة 111

[ 267 ]

تمام حوله وعند تمام حول الزيادة مناف لمراعاة حق المالك، ولما دل (1) على أن المال لا يزكى في الحول مرتين، فلم يبق إلا مراعاة الحول لكل منهما كما سمعت نحوه في السخال ومن هنا كان جريان ذلك في نمو المال كنتاج الدابة وثمرة الشجرة أوضح منه في الربح، بل قد يتوقف فيه دون النتاج باعتبار عدم ظهور الاستقلال في ماليته بخلافه، ولا طلاق ما دل (2) على تزكية المال إذا لم يطلب بنقيصة عند تمام الحول الشامل للأصل والربح فتأمل جيدا، لكن فرق بينهما في البيان فجزم بالحاق الربح بمال التجارة دون النتاج، قال: " ونتاج التجارة منها على الأقرب، لأنه جزء منها، ووجه العدم أنه ليس باسترباح فلو نقص الأم ففي جبرها به نظر، من حيث أنه كمال آخر، ومن تولده منها، ويمكن القول بأن الجبر يتفرع على احتسابه في مال التجارة، فان قلنا به جبر، وإلا فلا " قلت: يمكن منع تفريعه على ذلك، كما أنه يمكن منع الجبر به عملا بالمنساق من النصوص، نعم هو مال تجارة للنية التي قد عرفت الاكتفاء بها. ومن النتاج ثمرة النخل والكرم، ولا يمنع وجوب العشر فيهما من انعقاد حول الأصل ولا حولهما، وعن المبسوط المنع، لأن المقصود من الأصول والأرض الثمرة، فهي كالتابعة لها، وقد زكت بالعشر الواقع عن المثرة والأصول ومغرسها، وفيه أنا لا نسلم التبعية، لوجوب العشر على من ملك الثمرة المجردة عن الأصل والمغرس، ولئن سلمنا ذلك فجهتا الزكاتين متغايرتان كما هو واضح، هذا كله مماشاة للأصحاب، وإلا فقد يتوقف في أصل الحكم باعتبار ظهور النصوص في زكاة المال المطلوب برأس المال أو بالربح الشامل للزيادة، فلا تحتاج هي إلى حول مستقل، خصوصا خبر شعيب (3)


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1

[ 268 ]

منها عن الصادق (عليه السلام) " كل شئ جر عليك المال فزكه، وما ورثته واتهبته فاستقبل به " بل روى عبد الحميد (1) عنه (عليه السلام) أيضا " إذا ملك مالا آخر في أثناء الحول الأول زكاهما عند الحول الأول " وقد اعترف في الدروس بدلالتهما على ذلك، فقال: فيهما دلالة على أن حول الأصل يستتبع الزائد في التجارة وغيرها إلا السخال، ففي رواية زرارة (2) عنه (عليه السلام) " حتى يحول الحول من يوم تنتج " فتأمل جيدا، وعلى كل حال فالزيادة المتجددة بعد الزيادة الأولى يعتبر لها حول مستقل أيضا بناء عليه كالأولى. الشرط والثاني أن يطلب برأس المال أو زيادة) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل عن صريح المعتبر والمنتهى وظاهر الغنية والتذكرة الاجماع عليه، للنصوص السابقة التي منها موثق سماعة (3) فانه كالصريح في كون الشرط على الوجه الذي ذكره الأصحاب لا أنه أن لا يطلب بنقيصة حتى يحتاج في نفي الزكاة عن المال الذي لم يعلم حاله بالنسبة إلى الطلب بها أو برأس المال إلى الأصل، بل موثق سماعة دال على كون الشرط ما عرفت، فالشك فيه حينئذ على الوجه منفي به، مضافا إلى الأصل، والأمر سهل. وعلى كل حال (ف‍) - لا شك في أنه (لو كان رأس ماله مائة) دينار (فطلب بنقيصة ولو حبة) من قيراط يوما من الحول في الأول أو الآخر أو الوسط (لم يستحب) الزكاة عندنا، لما عرفت من الاجماع والنصوص، قال في محكي التذكرة: فلو نقص في الانتهاء بأن كان قد اشترى بنصاب ثم نقص السعر عند انتهاء الحول أو في الوسط بأن


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 (2) الاستبصار ج 2 ص 20 الرقم 58 عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام (3) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6

[ 269 ]

كان قد اشترى بنصاب ثم نقص السعر في أثناء الحول ثم ارتفع السعر في آخره فلا زكاة عند علمائنا، وهذا واضح، وإنما المخالف فيه بعض العامة (نعم روى) سماعة (1) وروى العلاء (2) (أنه إذا مضى وهو على النقيصة أحوال زكاه لسنة واحدة استحبابا) بناء على الوجوب، وغير مؤكد بناء على الندب جمعا بينهما وبين غيرهما مما دل على السقوط، بل ليس فيهما اشتراط مضي الأحوال للطلب بالنقصان في هذا الأستحباب ولعل الكلام هنا يشبه ما سمعته في المال الغائب، فلاحظ وتأمل، وما عساه يظهر من المصنف من التوقف في ذلك مع أن الحكم استحبابي يتسامح فيه في غير محله، كما أن نقله للرواية بالمعنى في صورة الشرط كذلك، هذا، وفي الوسيلة " مال التجارة يعني يستحب فيه الزكاة إذا طلب برأس المال أو بأكثر، فان طلب بأقل لم يلزم، وقال قوم من أصحابنا: يجب في قيمته الزكاة، ومن قال بالاستحباب قال بعضهم يكون فيه زكاة سنة وإن مر عليه سنون، وقال آخرون: يلزم كل سنة " وهو - مع أنه خارج عما نحن فيه، ضرورة ظهوره في المطلوب برأس المال فصاعدا - لم نعرف حكاية هذا القول من غيره وغير الفاضل في المنتهى والشيخ على ما قيل، وإنما المعروف تزكيته سنة للمطلوب بنقصان خاصة. والمراد برأس المال في النص والفتوى الثمن المقابل للمتاع، ويحتمل قويا جميع ما يغرمه عليه من مؤونة نقل وأجرة حفظ وما يأخذه العشار وغير ذلك، ولو سلم عدم كون ذلك من رأس المال لغة وعرفا فلا يبعد كونه من المؤن التي قد عرفت الحال فيها، إذ الظاهر عدم الفرق بين الزكاة الواجبة والمندوبة في ذلك. والأمتعة التي اشتريت صفقة واحدة وأريد بيعها بتفرقة رأس المال في كل واحد منها ما خصها من الثمن فالزكاة فيه يدور على طلبه به أو بزيادة وعدمه، نعم قد بقوى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 - 9

[ 270 ]

جبر خسران أحدهما بربح الآخر، خصوصا مع إرادة البيع صفقة، لكون الجميع تجارة واحدة، أما إذا كانا تجارتين مثلا فالظاهر عدم جبر خسران إحداهما بربح الأخرى، فلا يكفي حينئذ في ثبوت الزكاة في التي طلبت بنقيصة طلب الثانية بربح يجبر تلك النقيصة بل تتعلق الزكاة باحداهما دون الأخرى حتى لو أريد البيع صفقة واحدة، فتأمل جيدا وجبر إحدى التجارتين بالأخرى في الخمس على تقدير التسليم لا يستلزمه هنا بعد ظهور نصوص المقام في خلافه، بل ربما يستفاد منها عدم جبر المتاع بنتاجه، لصدق الطلب بنقصان معه أيضا، وكونه كالجزء بالنسبة إلى ذلك محل منع كما تقدم الكلام فيه، والله أعلم الشرط (الثالث) مضي (الحول) من حين التكسب به بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن المعتبر والمنتهى حكايته عن علماء الاسلام، مضافا إلى صحيح ابن يقطين (1) قال: " قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) أنه يجتمع عندي الشئ قيمته نحوا من سنة أنزكيه ؟ فقال: كلما لم يحل عندك عليه حول فليس عليك زكاة وكلما لم يكن ركازا فليس عليك فيه شئ " وصحيح ابن مسلم المتقدم (2) آنفا، وحسنه الآخر (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يوضع عنده الأموال يعمل بها فقال: إذا حال الحول فليزكها " بناء على إرادة ما يشمل أمتعة التجارة من الأموال فيه (و) لا يخفى عليك أن اشتراط الحول هنا على حسب اشتراطه في غيره من النقدين والأنعام بمعنى أنه (لابد من وجود ما يعتبر في الزكاة) من الشرائط العامة والخاصة (من أول الحول إلى آخره، فلو نقص رأس ماله) يوما منه (أو نوى به القنية) كذلك أو لم يتمكن فيه من التصرف (انقطع الحول) بلا خلاف أجده فيه هنا وفي ما تقدم إلا ما سمعته من بعض متأخري المتأخرين في أول كتاب الزكاة، نعم قد


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 8 - 3

[ 271 ]

عرفت الحال في اعتبار البلوغ والعقل في زكاة التجارة، كما أنك تعرف الحال في اعتبار بقاء السلعة طول الحول في الزكاة هنا وعدمه، وأن مختار المصنف الأول. (و) من هنا أطلق فيما (لو كان بيده نصاب) من النقد (بعض حول فاشترى به متاعا للتجارة) فقال: (قيل) والقائل الشيخ في المبسوط (كان حول العرض حول الأصل، والأشبه استئناف الحول) من حين الشراء، لأنه مال جديد من غير فرق بين كون النقد المزبور مال تجارة أو لا، لما عرفت من اعتبار المصنف بقاء عين مال التجارة طول الحول، نعم بناء على عدم اعتبار ذلك يتجه التفصيل المزبور، ولذا كان هو خيرة التذكرة وغيرها هنا، والغرض هنا التعرض لكلام الشيخ، فانه لم يبن المسألة على ذلك، بل بناها على أن العرض مردود إلى النقد، فكأنه موجود تمام الحول، خصوصا بعد أن كانت زكاة التجارة في قيمة المتاع لا عينه، ومراده على الظاهر بالمتاع مالا يشمل النصاب الزكاتي، لأنه قد صرح فيما حكي عنه فيه بأنه إذا كان عنده مائتا درهم ستة أشهر ثم اشترى بها أربعين شاة للتجارة انقطع حول الأصل، لأن الزكاة تتعلق بعين الأربعين لا بقيمتها، وصرح بأنه إذا اشترى بنصاب من غير الأثمان كخمسة من الابل استأنف الحول، وصرح أيضا بأنه إذا كان عنده أربعون شاة سائمة للتجارة ستة أشهر واشترى بها أربعين سائمة للتجارة كان حول الأصل حولها، لأنه بادل بما هو من جنسه، والزكاة تتعلق بالعين، وقد حال عليها الحول، وهو كما قلنا بنى المسألة على أمر آخر، وقال في الخلاف: " إذا اشترى عرضا للتجارة ففيه ثلاث مسائل: أولها أن يكون ثمنها نصابا من الدراهم أو الدنانير، فعلى مذهب من قال من أصحابنا إن مال التجارة ليس فيه زكاة ينقطع حول الأصل، وعلى مذهب من أوجب فان حول العرض حول الأصل، وبه قال الشافعي قولا واحدا، وإن كان الذي اشترى به نصابا تجب فيه الزكاة كالمائتين فانه يستأنف الحول، دليلنا أنا قد روينا عن إسحاق بن

[ 272 ]

عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " كل ما عدا الأجناس مردود إلى الدراهم والدنانير " وإذا ثبت ذلك لا يمكن أن يبنى على حول الأول، لأن السلعة تجب في قيمتها من الدنانير والدراهم الزكاة، والأصل تجب في عينها، ولا يجب حمل أحدهما على الآخر، وأيضا روي (2) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " فإذا لم يحل على الأول الحول وجب أن لا يبنى على الثاني " وعلى كل حال فهو واضح الضعف، ضرورة عدم صدق حول الحول على العرض بذلك، والخبر المزبور لا دلالة فيه عليه، ضرورة أعمية الرد من ذلك، والنبوي الأخير كما أنه حجة على الثاني حجة على الأول أيضا، كما هو واضح (ولو كان رأس المال دون النصاب استأنف عند بلوغه نصابا فصاعدا) ولو بارتفاع قيمة المتاع بلا خلاف ولا إشكال. (وأما) البحث في (أحكامه) أي مال التجارة (ف‍) - فيه (مسائل): (الألى زكاة التجارة تتعلق بقيمة المتاع لا بعينه) على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا، بل في المفاتيح نسبته إلى أصحابنا، بل ربما قيل: إن عبارة المنتهى تشعر بالاجماع عليه، لخبر إسحاق بن عمار المتقدم آنفا المنجبر سندا ودلالة بالشهرة، واستصحاب خلو العين عن الحق وجواز التصرف فيها، وإشعار اعتبار النصاب بالقيمة في ذلك، وعدم ظهور نصوص المقام في العينية، لأن كثيرا منها بلفظ الامر، وما فيها بلفظ " في " محتمل للتسبيب ولو للشهرة العظيمة، وأشعار اعتبار البيع في الموثق (3) الوارد في المطلوب بنقصان بذلك، كاشعار خبر إسماعيل بن عبد الخالق (4) الوارد في


(1) الخلاف ج 1 ص 345 الطبعة الثانية عام 1277 - كتاب الزكاة المسألة 111 (2) المستدرك - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 - 1 الجواهر - 34

[ 273 ]

الزيت المتقدم سابقا الذي أمر فيه بزكاة الثمن بعد البيع للسنة التي اتجر فيها في المطلوب بنقصان أيضا، إذ الظاهر عدم الفرق في كيفية تعلق الزكاة بين الجميع وإن اختلف في السنة الواحدة والأزيد، مضافا إلى ما قدمناه سابقا في سائر أقسام الزكاة المستحبة من صعوبة دعوى التعلق في العين على إرادة الملك للفقراء، فان مراعاة قواعد الملك مع الأستحباب في غاية الصعوبة، ولغير ذلك مما يظهر بأدنى تأمل، خلافا لما عساه يظهر من المعتبر والتذكرة من الميل إلى كونها في العين، حيث أنهما بعد أن حكيا عن أبي حنيفة ذلك قال في أولهما: إنه أنسب بالمذهب، ونفى عنه البأس في ثانيهما، واستحسنه في المدارك وفي المفاتيح أنه أصح، واعتمده في المحكي عن أيضاح النافع لكثير مما سمعته في تعلقها بالعين في غيرها من أقسام الزكاة، ولاشعار موثق سماعة (1) بذلك، قال فيه: " سألته عن الرجل يكون معه المال مضاربة هل عليه في ذلك المال زكاه إذا كان يتجر به ؟ فقال: ينبغي له أن يقول لأصحاب المال زكوه، فان قالوا: إنا نزكيه فليس عليه غير ذلك، وإن هم أمروه بأن يزكيه فليفعل. قلت: أرأيت لو قالوا: إنا نزكيه والرجل يعلم أنهم لا يزكونه قال: فاذاهم أقروا بأنهم يزكونه فليس عليه غير ذلك، وإن هم قالوا إنا لا نزكيه فلا ينبغي له أن يقبل ذلك ولا يعمل به حتى يزكوه " وفيه أن الفرق واضح بين ما نحن فيه وبين باقي أقسام الزكاة، ضرورة صراحة تلك الأدلة في العين من وجوه، خصوصا ما جاء منها بلفظ العشر ونصفه وربع العشر ونحوه مما هو كالصريح في الحصة المشاعة في العين، كما أوضحناه سابقا، ومن لحظ الأدلة في الطرفين مع التأمل الجيد يجد الفرق الواضح بين المقامين حتى لفظ " في " في المقام، فانه ليس بذلك الظهور في إرادة العينية، ولا مساقا له، بل الخبر المشتمل عليها قد اشتمل على لفظ " عليه " ونحوه مما يقتضي خلافه، كما هو واضح بأدنى تأمل، والموثق مع أنه


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1

[ 274 ]

بلفظ " ينبغي " ومشتمل على ما ينافي العينية من الاكتفاء بالقول المعلوم كذبه محتمل لارادة المال الذي يراد به المضاربة لا مال التجارة الحاصل بعد المضاربة، بل لعل تدقيق النظر في الخبر المزبور بعد تسليم كونه مال التجارة يقتضي شهادته للزكاة في القيمة، وإن كان مع ذلك له تعلق في العين، لكن ليس تعلق ملك ونحوه. وعلى كل حال فقد ذكروا أن فائدة الخلاف تظهر في جواز التصرف بالعين قبل أداء الزكاة من دون ضمان على المشهور بخلافه على غير المشهور، وفي التحاص وعدمه مع قصور التركة كما عن الشهيد الثاني التصريح به، وفيما لو ارتفعت القيمة بعد الحول، فعلى المشهور إنما له القيمة عند الحول فالزيادة للمالك بخلاف القول الآخر فانها تتبع العين ومن هنا قال الشهيد الأول في الدروس: " وتتعلق بالقيمة لا بالعين. فلو باع العين صحت، ولو ارتفعت قيمتها بعد الحول أخرج ربع عشر القيمة عند الحول " وقال هو أيضا في المحكي عن حواشيه على القواعد: " إنه تظهر الفائدة في مثل من عنده مائتا قفيز من حنطة تساوي مائتي درهم ثم تزيد بعد الحول إلى ثلاثمائة درهم، فان قلنا تتعلق بالعين أخرج خمسة أقفزة أو قيمتها سبعة دراهم ونصفا، وإن قلنا بالقيمة أخرج خمسة دراهم أو بقيمتها حنطة " وهو عين ما ذكره في البيان " ولو اشترى مائتي قفيز حنطة بمائتي درهم فتم الحول وهو على ذلك أخرج خمسة دراهم أو خمسة أقفزة، فان صارت تسوى ثلاثمائة درهم بعد الحول فليس عليه سوى خمسة دراهم أو حنطة بقيمتها، لأن الزيادة لم يحل عليها الحول، ولو قلنا بتعلق العين أخرج خمسة أقفزة أو سبعة دراهم ونصفا، ولو سارت بعد الحول مائة درهم بعيب أو نقص في السوق ولم يكن فرط زكى الباقي، وإن فرط ضمن قيمته لا غير وإن زاد ثمن الحنطة فيما بعد " ومن الغريب أن الشهيد الثاني اعترضه في المحكي عن حواشيه على القواعد بأن ذلك إنما يتم لو لم يعتبر في زكاة التجارة النصاب الثاني لأحد النقدين، وإلا لوجب سبعة لاغير، لأن العشرين

[ 275 ]

بعد الثمانين عفو، وفيه أن السبعة ونصف إنما أخذت قيمة عن الخمسة أقفزة الواجبة في هذا المال لا زكاة عن الثلاثماثة، ليعتبر فيها النصاب الثاني، فان المائة الزائدة لم يحل عليها الحول كما هو المفروض، ولو نقصت القيمة بعد الحول فان كان قبل إمكان الأداء فلا ضمان على القولين، وإن كان بعده كان النقص على المالك سواء كان لعيب أو للسوق على المشهور، أما على التعلق بالعين فالمتجه عدم ضمان السوق، فيجزيه حينئذ دفع العين كما في الغاصب، هذا. وفي المدارك بعد أن حكى عن الشارح الفائدة الثانية للخلاف " ويمكن المناقشة فيه بأن التعلق بالقيمة غير الوجوب في الذمة، فيتجه القول بتقديم الزكاة على القول بالوجوب وإن قلنا إنها تتعلق بالقيمة كما اختاره في الدروس، إلا أن يقال إن التعلق بالقيمة إنما يتحقق بعد بيع عروض التجارة، أما قبله فلا، وهو بعيد جدا " قلت: الذي يظهر بعد التأمل أنه لا فرق بين القول بالذمة والقول بالقيمة، بل هو مرادهم منها ضرورة أن القيمة أمر معدوم لا يمكن أن يتحقق فيه ملك للفقير، إذ ليس المراد منها سوى ما يقابل هذا المتاع لو بيع، ومن الواضح كونه أمرا عدميا، فليس الحاصل حينئذ إلا الخطاب بالمقدار المخصوص من القيمة المفروضة في ذمة صاحب المال، وهذا عين القول بالذمة، وكأن الذي دعاهم إلى التعبير بالقيمة هنا دون الذمة إرادة بيان أن الثابت في ذمة المكلف دراهم أو دنانير في هذه لاحصة مشاعة في العين ولا أمر كلي منها في الذمة كالعشر في الغلات مثلا، واحتمال أن المراد المقدار المخصوص من القيمة لكن في العين لا في الذمة على معنى أنه يستحق إخراجه منها ببيع ونحوه فيكون أشبه شئ بأرش الجناية بعيد من كلماتهم، كما أنه يعسر تحصيله من الأدلة، وعليه فلو أدى من غير العين كان ذلك بدلا عن الواجب، وهو خلاف الظاهر أيضا، بل يمكن القطع بعدمه بعد التأمل في قولهم بقيمة المتاع لا عينه، وأنهم لو أرادوا المعنى المزبور لم يكتفوا

[ 276 ]

عنه بهذه العبارة المخصوصة، وما حكاه عن الدروس لم أتحققه، وإنما فيها ولا يمنعها أي زكاة التجارة الدين، والأقرب أنه على القول بالقيمة لا يمنع إيضا، ولا شهادة فيه على ما ذكر، وإنما هي مسألة مستقلة سيذكرها المصنف وغيره، بل في الدروس ما يشهد لكون المراد من التعلق بالقيمة الذمة، ولعله صريح البيان، قال فيه: " هذه الزكاة وإن وجبت في القيمة فهي مشروطة ببقاء العين أو تلفها بعد التمكن من الاخراج، فحينئذ تتعلق بالذمة، وكذا على القول المشهور بالاستحباب، إذ المراد أنها في الذمة في الصورتين أي بقاء العين والتلف بعد التمكن، بخلاف ما إذا لم تكن العين باقية أو تلفت قبل التمكن من الأداء، فانها تسقط " وأراد من ذلك دفع ما عساه بتخيل من أنه بناء على التعلق بالقيمة دون العين تثبت ولو تلفت قبل التمكن، لعدم مدخلية العين فيه، فتأمل، وصرح أيضا في المسالك في المسألة الثانية بكون التعلق في الذمة، وجعله الفائدة في زكاة المال والتجارة، فلاحظ وتدبر، بل من أعطى النظر حقه فيما حكاه المصنف في المعتبر من استدلال الشيخ على التعلق بالقيمة ومناقشته له وما حكاه عن أبي حنيفة يجزم أن المراد بالقيمة المقدار المخصوص منها في الذمة، فلاحظ وتأمل، وقد ظهر لك من ذلك كله ما في كلام سيد المدارك، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- تقوم بالدراهم أو الدنانير) كما في الارشاد والقواعد وغيرها بل لا أجد خلافا في أصل التقويم بهما بيننا، لانهما أصل المال، ولذا كانا المرجع في الديات وفي عوض المتلفات وأروش الجنايات والمعيبات وغير ذلك مما يرجع ألى الغرامات ونحوها، ومقتضى المتن وغيره ممن أطلق أنه لا فرق في التقويم بأحدهما بين كون ثمن المتاع عروضا أو نقدا وبين كون الثمن من جنس ما وقع به التقويم وعدمه، ولعله لا طلاق ما دل على التقويم من موثق إسحاق بن عمار (1) وغيره، لكن في المدارك " أنه مشكل


(1) الوسائل الباب - 1 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 7

[ 277 ]

على إطلاقه، والأصح أن الثمن إن كان من أحد النقدين وجب تقويم السلعة بما وقع به الشراء كما صرح به المصنف في المعتبر والعلامة ومن تأخر عنه، لأن نصاب العرض مبني على ما اشترى به، فيجب اعتباره به، كما لو لم يشتر به شيئا، ولقوله (عليه السلام) (1): " وإن كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته " ورأس المال إنما يعلم بعد التقويم بما وقع به الشراء، ولو وقع الشراء بالنقدين وجب التقويم بهما، ولو بلغ أحدهما النصاب زكاة دون الآخر، ولو كان الثمن عروضا قوم بالنقد الغالب، واعتبر بلوغ النصاب ووجود رأس المال في الحول به خاصة، ولو تساوى النقدان كان له التقويم بأيهما شاء، ويكفي في استحباب الزكاة بلوغ القيمة النصاب بأحدهما، وكذا وجود رأس المال ". وقال أيضا في شرح قول المصنف: (تفريع إذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الآخر تعلقت به الزكاة، لحصول ما يسمى نصابا): " هذا إنما يتم إذا كان الثمن عروضا وتساوى النقدان، وإلا وجب التقويم بالنقد الذي وقع به الشراء أو بالنقد الغالب خاصة كما تقدم " ويقرب من ذلك ما في المسالك فانه في شرح قول المصنف: " ويقوم " إلى آخره قال: " هذا إذا كان رأس المال عروضا، أما لو كان أحد النقدين تعين تقويمه به، فان بلغ به النصاب استحبت، وإلا فلا، ولو كان منهما معا قوم بهما على التقسيط، ولو كان نقدا وعرضا قسط أيضا على القيمة، وقوم ما يخص النقد به، والآخر بالنقد الغالب منهما، فان تساويا تخير، وكذا القول فيما لو كان جميعه عرضا " وفي شرح قوله: " تفريع " إلى آخره قال أيضا: " إن اشتريت بعرض أو بما بلغت به من النقد، وإلا فلا " وقال في الدروس: " والعبرة في التقويم بالنقد الذي اشتريت به لا بنقد البلد، فلو اشترى بدراهم وباعها بعد الحول بدنانير قومت


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1

[ 278 ]

السلعة دراهم ولو باعها قبل الحول قومت الدنانير دراهم عند الحول، وقيل: لو بلغت بأحد النقدين نصابا استحبت، وهو حسن إن كان رأس المال عرضا " إلى غير ذلك من كلماتهم المتقاربة، بل حكي عن المبسوط والخلاف نحو ذلك فضلا عن الكركي والميسي وأبي العباس والصيمري وغيرهم، بل قد سمعت نسبته في المدارك إلى الفاضلين ومن تأخر عنهما. وفيه أولا أن المتجه بناء على كلامهم ملاحظة ثمن العرض الذي وقع ثمنا للسلعة ولا يكفي كونه ثمنا في التقويم بأي النقدين مع التساوي، وثانيا أن الظاهر كون النقدين معا من النقد الغالب شرعا، فلا يقدح في جواز التقويم بأحدهما في نحو ما نحن فيه اتفاق كثرة استعمال الاخر في بعض الأزمنة والأمكنة، إذ لا إطلاق حتى ينصرف إلى الغالب، مع أن الظاهر كونهما غالبين في زمن صدور النصوص، مضافا إلى موثق إسحاق بن عمار (1) على ما رواه الشيخ، فالمتجه جواز التقويم بكل منهما على كل حال وأنه متى بلغ النصاب بأحدهما زكاه، لاطلاق الموثق المزبور، وعموم ما دل على زكاة مال التجارة المقتصر في الخارج منه على المتيقن، وهو الناقص عنهما، ودعوى توقف معرفة رأس المال على التقويم بما وقع به الشراء واضحة الفساد، ضرورة عدم مدخلية ذلك فيه، فانه قد يعرف قيامها برأس المال وإن قومت بغير الثمن، وكذا دعوى أن السلعة محكوم في المقام بكونها على حكم ما اشتريت به من دراهم أو دنانير فلا معنى لتقويمها بغيره، إذ هو كتقويم الدراهم بدنانير وبالعكس مما هو معلوم البطلان، لأنه لا دليل على هذا التنزيل، والاستحسان غير حجة عندنا، ودعوى كونه جهة ترجيح للتقويم لا يصغى إليها في إثبات حكم شرعي ونفيه، ومن ذلك كله ظهر لك أن الأولى إطلاق المصنف وغيره، خصوصا بعد أن كان الحكم ندبيا، نعم لو كان مال التجارة دراهم أو دنانير اتجه اعتبار نصابهما، ولا يلحظ قيمة كل منهما بالآخر، ضرورة كون


(1) الخلاف ج 1 ص 345 الطبعة الثانية عام 1377 - كتاب الزكاة المسألة 111

[ 279 ]

كل منهما قيمة لباقي الأموال كما هو واضح، فان المسألة أكثر المتأخرون من الكلام فيها، وربما ظهر من بعضهم مفروغية الحال فيما ذكروه من التفصيل، وأنت خبير بما فيه والله أعلم. المسألة (الثانية إذا ملك أحد النصب الزكاتية للتجارة مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة) أو عشرين دينارا أو نحو ذلك (سقطت زكاة التجارة) المستحبة (ووجبت زكاة المال) الواجبة (و) ذلك لأنه (لا يجتمع الزكاتان) بلا خلاف كما في الخلاف، بل في الدروس ومحكي التذكرة والمعتبر والمنتهى الاجماع عليه، وفي المسالك ذكر جماعة أن لا قائل بثبوتهما، والأصل فيه قول النبي (صلى الله عليه وآله) (1): " لا ثنى في صدقة " وقول الصادق (عليه السلام) في حسن زرارة (2): " لا يزكى المال من وجهين في عام واحد " (ويشكل ذلك على القول بوجوب زكاة التجارة) لعدم الترجيح حينئذ كما ستعرف (و) على كل حال بذلك يخرج عما تقتضيه القاعدة من عدم السقوط ويضعف ما (قيل): من أنه (تجتمع الزكاتان هذه وجوبا وهذه استحبابا) مع أنا لم نعرف قائله كا اعترف به غير واحد، واحتمال أن المراد من الخبرين ومعاقد الاجماعات خصوص الواجبتين واضح الفساد بأدنى ملاحظة لناقلي الاجماع، وأنهم ممن يقولون بالندب، ولظاهر النفي في الخبرين المحمول على نفي الحقيقة الشاملة للواجب والمندوب، فلا فرق حينئذ بين الواجبتين والمندوبتين والمختلفتين، نعم لا دلالة في شئ مما سمعت على تعيين الساقط في نحو المقام، لكنه مفروغ من كونها زكاة التجارة عند الأصحاب بناء على الندب معللين له بأن الواجب مقدم على الندب، وفيه أن ذلك عند التزاحم في الأداء بعد معلومية وجوب الواجب وندبية المندوب لا فيما نحن فيه الذي مرجعه


(1) النهاية لابن الأثير مادة " ثني " و " ثنى " على وزن " إلى " (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1

[ 280 ]

إلى معلومية عدم مشروعية أحدهما على وجه لا ينتقل منه إلى التخيير المعلوم عدم تعقله في المقام، ضرورة أنه لا معنى له بين الواجب والندب، ودعوى رجوع الحال إلى تعارض الأدلة من وجه فيرجع ألى الترجيح، ولا ريب في كونه لدليل الواجب واضحة الفساد، ضرورة أن ذلك لا يصلح شاهدا لتعيين الساقط منهما الذي استفدنا سقوطه من الخبرين المزبورين، وليس المقام أي مقام تعرف الثابت منهما من تعارض الدليلين اللذين قد عرفت عدم تعارضهما، ولكن علمنا بدليل خارجي ارتفاع أحدهما المعين في الواقع المبهم عندنا، فلابد من دليل معتبر يعينه، ولا يكفي الظن الناشئ من اعتبارات ونحوها كما هو واضح، فالمتجه إن لم يثبت إجماع التوقف حينئذ في الحكم بسقوط أحدهما على التعيين، كما أن المتجه الرجوع في العمل إلى أصل البراءة، لكن الاحتياط لا ينبغي تركه، واحتمال وجوبه هنا لا يصغى إليه، لدوران الأمر بين الواجب والندب. ومما ذكرنا يظهر لك الحال بناء على الوجوب أيضا، إذ لا فرق فيه عليه وإن زاد هنا باحتمال التخيير، بل في المسالك أنه ربما قيل به، لتساويهما في الوجوب، وامتناع الجمع بينهما، وعدم المرجح، وأنهما كالأمرين المتعذر عقلا أرادتهما معا من الأمر لضيق الوقت أو غيره، وفيه أن التخيير هناك ينتقل إليه الذهن من مجرد اللفظ بخلافه هنا، بل لعل ظاهر دليل عدم الجمع هنا عدم التخيير كما هو ظاهر الأصحاب أيضا فتعين حينئذ كون الثابت أحدهما، ولا دليل على التعيين كما سمعته في الندب، وترجيح المالية بالاتفاق على وجوبها وتعلقها بالعين أو التجارة بأنها أحظ للفقراء مع قطع النظر عما فيه غير مجد فيما نحن فيه إن لم يثبت إجماع، إذ مرجعه إلى ما لا يصلح الاعتماد عليه في تعيين الساقط منهما، لعدم كون المقام من التعارض عند التأمل، كما أوضحناه سابقا ولعله إلى ذلك كله أومأ المصنف بقوله: " ويشكل ذلك على القول بالوجوب " لأن الجواهر - 35

[ 281 ]

مراده على الظاهر - وبقرينة ما ذكره في المعتبر " أنه يشكل " - تعيين الثابتة من الساقطة على تقدير الوجوب، لعدم صلاحية ما ذكروه لذلك، وقد عرفت مثله على تقدير الندب، فتأمل. فالمتجه أيضا إن لم يثبت إجماع التوقف في الحكم وفي العمل على الاحتياط، لمعلومية انقطاع أصالة البراءة بيقين الشغل، فيؤدي الزكاة غير ناو خصوص أحدهما، مقتصرا على أقلهما قدرا لسلامة الأصل هنا في نفي الزائد، لعدم ارتباط جزء منهما بالآخر، وكذا جواز بيع العين، لعدم معلومية تعلق الحق فيها، لاحتمال كون الثابتة زكاة التجارة، ومحلها الذمة كما عرفت لا العين، فتأمل. ثم لا يخفى عليك أن المراد من عدم الثنى بقرينة حسن ابن مسلم (1) عدم ثبوت الزكاتين الماليتين، فلا يقدح اجتماع زكاة الفطرة مع المالية كما في العبد المشترى للتجارة ولا الخمس مع الزكاة، ولا غير ذلك، إنما الكلام في اعتبار اتحاد العام في ذلك، فلا يقدح اجتماعهما في المال مع اختلاف العام وإن اشتركا في بعضه، وعدم اعتبار ذلك، وجهان بل قولان، أولهما أقرب إلى مدلول الحسن، كما أن ثانيهما أوفق بمدلول النبوي (2) كما أن اختصاص ذلك بما يعتبر في زكاته الحول أو الأعم كما لو انتقلت إليه غلة للتجارة قبل تعلق الزكاة فيها كذلك أيضا بالنسبة إلى النبوي والحسن، فتأمل، والله أعلم. المسألة (الثالثة لو عاوض أربعين سائمة) كانت عنده للتجارة بعض الحول (بأربعين سائمة للتجارة سقط وجوب المالية والتجارة واستأنف الحول فيهما) فان مضى وشرائط كل منهما مجتمعة قدمت المالية بناء على ما سمعت، أو توقف في الحكم ورجع في العمل إلى ما ذكرنا بناء على ما قدمنا، وإن اختلت الشرائط في إحداهما ثبتت


(1) الظاهر أن الصواب حسن زرارة كما تقدم في ص 279 (2) النهاية لابن الأثير مادة " ثني " و " ثنى " على وزن " إلى "

[ 282 ]

الأخرى، ولا يحكم بسقوط أحدهما على التعيين قبل مضي الحول، ولذلك قال: استأنف الحول فيهما (وقيل) والقائل الشيخ: (بل تثبت زكاة المال مع تمام الحول دون التجارة) من غير استئناف (لأن اختلاف العين) مع الاتفاق في الجنس (لا يقدح في الوجوب) في المالية (مع تحقق كلي النصاب في الملك، والأول أشبه) بأصول المذهب، وبالمستفاد من نصوص الباب (1) وهو كذلك بالنسبة إلى المالية، لما عرفته سابقا من ظهور النص والفتوى في اعتبار بقاء شخص النصاب تمام الحول، أما التجارة فعن ظاهر المفيد وابن بابويه اعتبار البقاء فيها أيضا، وبه صرح في المعتبر لأنه مال ثبتت فيه الزكاة فيعتبر بقاؤه كغيره، وبأنه مع التبدل تكون الثانية غير الأولى، فلا تجب فيها الزكاة، لأنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، ولظاهر ما حكي من الاجماع على اعتبار ما يعتبر في المالية فيها، ولاطلاق ما دل على اعتبار البقاء، كقوله (عليه السلام) (2): " كلما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا زكاة فيه " الشامل للمالية والتجارة، واختاره في المدارك وعن غيرها، واستدل عليه زيادة على ما عرفت بأن مورد النصوص المتضمنة لثبوت هذه الزكاة السلعة طول الحول، كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في حسنة ابن مسلم (3) المتقدمة: " وإن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة " وفي رواية أبي الربيع (4) " إن كان أمسكه يلتمس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة " وقريب منهما صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق (5) الواردة في الزيت. لكن قد يقوى خلاف ذلك وفاقا للعلامة ومن تأخر عنه، بل هو صريح المحكي


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الأنعام والباب 13 من أبواب ما تجب فيه الزكاة (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 3 - 4 - 1

[ 283 ]

عن المبسوط أيضا، بل في التذكرة الاجماع عليه، بل في محكي إيضاح الفخر لا خلاف بين الكل في بناء حول التجارة على حول الأولى، وإنما النزاع في بناء العينية، لظهور النصوص في عدم اعتبار ذلك كصحيح محمد (1) " كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول " والضمير المجرور بعد وصف المال بالعمل به لا يقتضي التشخيص ضرورة صدقه على المال المتقلب، وخبر شعيب (2) " كل شئ جر عليك المال فزكه " وموثق سماعة (3) " سألته عن الرجل يكون معه المال مضاربة هل عليه في ذلك المال زكاة إذا كان يتجر به ؟ فقال: ينبغي له أن يقول لأصحاب المال: زكوه، فان قالوا: إنا نزكيه فليس عليه غير ذلك، وإن هم أمروه بأن يزكيه فليفعل، قلت: أرأيت لو قالوا: إنا نزكيه والرجل يعلم أنهم لا يزكونه ؟ قال: فإذا هم أقروا بأنهم يزكونه فليس عليه غير ذلك، وإن هم قالوا: لا نزكيه فلا ينبغي له أن يقبل ذلك المال ولا يعمل به حتى يزكوه ". بل قد يشهد له أيضا النصوص التي حملها الأصحاب على نفي الوجوب جمعا بينها وبين ما دل على الوجوب يحمله على الندب، كقول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن بكير وعبيد وجماعة (4): " ليس في المال المضطرب به زكاة " وصحيح زرارة (5) المشتمل على منازعة عثمان وأبي ذر وغيرهما مما تقدم ذكره في ذلك المبحث، ضرورة ظهور الجميع في الكناية بالاضطراب والعمل به والاتجار به والدوران ونحو ذلك عن مال التجارة، فمع فرض كون المراد منها نفي الوجوب والمراد من الامر في النصوص الأخر


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 8 (2) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 (4) و (5) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 5 - 1

[ 284 ]

الندب ظهر حينئذ أن موضوع مال التجارة الثابت فيه الحكم أعم من الباقي سنة، بل ربما ظهر بعد التأمل أن الغالب في مال التجارة التقلب والدوران، كل ذلك مع أن الحكم ندبي، وليس في النصوص التي ذكرها سيد المدارك ظهور في اشتراط المكث سنة، بل أقصاها ثبوت الزكاة فيه كما اعترف هو به، فلا تعارض ما دل على الاطلاق، ويمكن أن يكون السؤال فيها عن المال الماكث لتخيل سقوط الزكاة عنه بالمكث باعتبار بناء مال التجارة على التقلب والتغير، لا أن السؤال لمعلومية عدم الزكاة عن الذي لا يبقى ولا يتغير، وكذا ليس في النصوص الدالة على اعتبار الحول بعد أن كان موضوعها المال الذي يعمل به كما سمعته في صحيح محمد، وقال في صحيحه الآخر (1): " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها فقال: إذا حال عليها الحول فليزكها ". ومن ذلك يعلم عدم منافاة غيرها من النصوص العامة لذلك، كقوله عليه السلام (2): " كلما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا زكاة فيه " ضرورة كون المراد منها بيان اشتراط الحول في المال الذي جمع غير ذلك من شرائط الزكاة، فيكون حينئذ كل حول في المال على حسب حاله، فمع فرض كون الموضوع في مال التجارة الأعم من الماكث كان مندرجا فيها أيضا على حسب حاله، كما هو واضح بأدنى تأمل. وقد ظهر من ذلك كله قوة ما اختاره العلامة ومن تأخر عنه، لكن مع ذلك كله لا يكون القول المقابل له ساقطا عن درجة الاعتبار بحيث لا ينبغي صدوره من مثل المصنف حتي يحتاج إلى تأويل عبارته هنا كما وقع من ثاني الشهيدين والمحققين، فحمل أولهما الأربعين الأولى على أها للقنية وحمل سقوط التجارة على الارتفاع الأصلي، وهو


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 285 ]

انتفاؤها، قال: " وغايته أنه يكون مجازا، وهو أولى من اختلاف المعنى مع الحقيقة " وهو كما ترى مع بعده أو فساده لا ضرورة تلجئ إليه، وقال ثانيهما في توجيه العبارة بما لا ينافي الاجماع الذي حكاه الفاضل: " إن ما مضى من الحول ينقطع بالنسبة إلى المالية والتجارة معا، أما المالية فلتبدل العين في أثناء الحول، وأما التجارة فلان حول المالية يبتدأ من حين دخول الثانية في ملكه، فيمتنع اعتبار بعضه في حول التجارة، لأن الحول الواحد كما لا يمكن اعتباره للزكاتين فكذا بعضه " وفيه - مع أنه مخالف لظاهر قوله: " استأنف " إلى آخره ومبني على أحد القولين في المراد من الثنى كما سمعته سابقا - أنه قد يقال: بأن المتجه في الفرض ثبوت زكاة التجارة عند تمام الحول، وعدم جريان النصاب في العينية إلا بعد تمام حول التجارة بناء على التنافي بين الزكاتين، لسبق سبب زكاة التجارة على العينية، خصوصا بناء على الوجوب، فتأمل جيدا فانه بعد الاحاطة بما ذكرنا لم يبق لك أشكال في المقام، والله المؤيد والمسدد. المسألة (الرابعة إذا ظهر في مال المضاربة الربح كانت زكاة الأصل) مع اجتماع الشرائط (على رب المال) بلا خلاف ولا إشكال (لانفراده بملكه، و) أما (زكاة الربح) بناء على أنه من توابع مال التجارة فتشمله الأدلة حينئذ، فهي (بينهما) أي المالك والعامل بناء على أنه يملك الربح لا أجرة المثل، وأنه بالظهور دون الانضاض ودون القسمة كما هو محرر في محله، بل في المسالك وعن غيرها لا يكاد يتحقق مخالف في ملكه بالظهور، وحينئذ (تضم حصة المالك إلى ماله) لكونهما مال شخص واحد (وتخرج منه الزكاة، لأن رأس ماله نصاب) كما هو المفروض، فيزكى الربح حينئذ مع بلوغه النصاب الآخر وإن قلنا باختلاف الحول في كل منهما، إذ اختلافه لا يقدح في الانضمام المذكور الحاصل من إطلاق أدلة النصاب (ولا يستحب) أو لا يجب (في حصة الساعي الزكاة إلا أن تكون نصابا) لمعلومية اشتراطه في زكاة مال التجارة كاشتراط

[ 286 ]

الحول وغيره مما عرفت، واحتمال عدم الزكاة عليه - كما هو خيرة المحكي عن ثاني المحققين بل ربما مال إليه فخر المحققين وسيد المدارك، لعدم الملك حقيقة، وإلا لملك ربح الربح فيما لو كان رأس المال عشرة مثلا فربح عشرين ثم ثلاثين مع أن الخمسين بينهما على حسب الشرط في ابتداء المضاربة من غير ملاحظة لحصة ربحه من العشرين الأولى، بل ربما يؤيده ما في ذيل موثق سماعة (1) المروي في الكافي قال: " سألته عن الرجل يربح في السنة خمسمائة وستمائة وسبعمائة هي نفقته، وأصل المال مضاربة، قال: ليس عليه في الربح زكاة " - واضح الضعف، لما تعرفه في باب المضاربة من أنه لا إشكال في ملكه حقيقة بالظهور، ولا ينافيه عدم ملكه ربح الربح لأمور تعرفها في محلها إن شاء الله تعالى منها لزوم استحقاقه من الربح أكثر ما شرط له، ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه، والخبر (2) محمول على عدم حول الحول باعتبار إنفاقه منه، أو عدم تأكد الندب بالنسبة إليه، لكون الفرض انحصار نفقته فيه كما تسمعه إن شاء الله تعالى في جملة من النصوص (3) المذكورة في حكم ذي الحرفة، فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة، كما لا إشكال في ضعف تعليل العدم أيضا بعدم إمكان التصرف فيه إلا بالقسمة، ضرورة عدم منع الشركة الزكاة كما في المال المشترك البالغ نصيب كل منهما منه نصابا. (و) هذا كله واضح، إنما الكلام في أن (هل) للعامل أن (يخرج) الزكاة من عين مال المضاربة (قبل أن) يستقر ملكه عليه بأن (ينض المال) ويتحول عينا ويقسم مع المالك، أو يفسخ ؟ (قيل) والقائل الشيخ في ظاهر المبسوط في أول كلامه والتحرير والموجز وكشفه والعليين وغيرهم على ما حكي: (لا) يجوز (لأنه) أي الربح (وقاية لرأس المال) فإذا أخرجه واتفق خسران رأس المال كان النقص على المالك،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة

[ 287 ]

فهو حينئذ كالمرهون عنده لذلك (وقيل) والقائل الشيخ في ظاهر الخلاف والفاضلان في المعتبر والارشاد: (نعم، لأن استحقاق الفقراء له أخرجه عن كونه وقاية وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده بناء على تعلق زكاة التجارة بالعين، إذ مقتضاه كونها كغيرها من أقسام الزكاة تدخل في ملك الفقراء بمجرد تعلق الخطاب، فإذا خرجت عن ملك العامل بذلك بطلت صفة الوقاية فيها، ضرورة كونها فيما هو للعامل ومن في حكمه كالوارث ونحوه من الربح لا في مال الفقير، واستصحابها مع تغير الموضوع الذي عليه مدار الحكم غير متجه، ودعوى منع الصفة المزبورة تعلق الزكاة مع أنها خلاف فرض موضوع المسألة يمكن منعها، لا طلاق أدلة الزكاة أو عمومها، نعم قد يتوقف في تأديتها من خصوص مال المضاربة من غير إذن المالك باعتبار كونه مشتركا، ولا يجوز التصرف فيه من غير إذن الشريك، مع احتماله حينئذ باعتبار كون الزكاة حينئذ من المؤن التي تلزم المال كأجرة الدلال والوزان وأرش جناية العبد وفطرته، لكن قد يدفعه موثق سماعة (1) المشتمل على أمره أهل المال بالتزكية، واجتنابه إن لم يفعلوا، بل يدفعه أيضا وضوح الفرق بين المقامين، لا يقال: إن ظاهر فرض موضوع المسألة في كلام الأصحاب الاخراج من نفس المال لانا نقول مع أنه خلاف صريح البعض واضح البطلان ضرورة كون الشركة من الموانع، ولعل مراد بعض الأصحاب بتعجيل الاخراج بغير إذن الشريك الدفع من مال آخر غير مال المضاربة، فينتقل إليه حينئذ مقدار ما أداه من الربح بحيث ليس للمالك منعه منه وإن خسر المال، لأنه بالتأدية ملك مال الفقراء. هذا كله بناء على كون الزكاة في العين، أما على الذمة فالمتجه بقاء صفة الوقاية مع التأدية من مال آخر غير المضاربة، لعدم خروج العين عن الملك بالخطاب، بل لو أداها من المال نفسه باذن المالك اتجه ضمانه مقدار ما أداه لو خسر المال بعد ذلك،


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1

[ 288 ]

لأنه هو الذي أتلف ما به الوقاية، لما عرفت من عدم اقتضاء خطاب الزكاة بناء على الذمة رفعها، لعدم المنافاة بينهما، وليس ذا من تعقب الاذن الشرعية الضمان، بل لا قدامه عليه، لامكان تخلصه منه بفسخ المضاربة حال تعلق الزكاة تحصيلا لا ستقرار ملكه بل قد يظهر من الفاضل في القواعد أنه لا منافاة بين الوقاية واستحقاق الفقراء على كل حال، قال بعد نقل القولين: " والأقرب عدم المنافاة بين الاستحقاق والوقاية، فيضمن العامل الزكاة لو تم بها المال " لكن رده في الدروس بأنه قول محدث، مع أن فيه تغريرا بمال المالك إذا أعسر العامل، وأجيب عنه بأن إمكان الاعسار أو ثبوته بالقوة لا يزيل حق الاخراج الثابت بالفعل، وكان المجيب أخذ ذلك من فخر المحققين فانه قال في المحكي من شرحه: " والتحقيق أن النزاع في تعجيل الاخراج بغير إذن المالك بعد تسليم ثبوت الزكاة ليس بموجه، لأن إمكان ضرر المالك بامكان الخسران وإعساره لا يعارض استحقاق الفقراء بالفعل، لأن إمكان أحد المتنافيين لو نفى ثبوت الآخر فعلا لما تحقق شئ من الممكنات، ولأن الزكاة حق لله والآدمي، فكيف يمنع مع وجود سببه بامكان حق الآدمي، بل لو قيل: إن حصة العامل قبل أن ينض المال لا زكاة فيها لعدم تمام الملك وإلا لملك ربحه كان قويا " وفي المدارك " إن قوته ظاهرة ". قلت: قد عرفت ما فيه سابقا، بل كلامه الأول غير منقح، لعدم معلومية كونه مبنيا على كون الزكاة في العين أو الذمة، وعدم معلومية غرامة العامل بعد ذلك لو احتاج المال، كعدم معلومية الخروج من نفس مال المضاربة أو غيرها، بل كلام الفاضل في القواعد غير منقح أيضا، ولذا قال في جامع المقاصد: " إنه مشكل، لأن الاستحقاق إذا أخرجه عن الوقاية كان ذلك فرع التنافي، وثبوت التالف في ذمة العامل لا يخرجه عن المنافاة بينهما، وإلا لا جتمعا في المال، إذ كل متنافيين لا يمتنع فيهما الوجود الجواهر - 36

[ 289 ]

في محلين، وعلى تقدير المنافاة الذي هو مقابل الأقرب يحتمل سقوط الزكاة، ويحتمل ثبوت الضمان في ذمة العامل، فلا يستقيم ما ذكره، وكأنه حاول الجمع بين ثبوت الزكاة وعدم سقوط حق المالك من استحقاق عوض ما تلف، فلم تساعده العبارة لمجيئها متضمنة منشأ آخر، والمتجه عدم الوجوب، لأن الملك غير حقيقي، وإلا لملك ربح الربح، ولعدم إمكان التصرف فيه قبل " انتهى. لكن قد عرفت ما فيه، بل تعرف مما قدمنا مما في كثير من كلمات الاصحاب، فلاحظ وتأمل حتى ما في البيان قال في المسألة: وفي استبداد العامل وجهان، لتنجيز التكليف عليه، فلا يعلق على غيره، وحينئذ لو خسر المال ففي ضمانه ما أخرجه للمالك نظر، من حيث أنه كالمؤن أو كأخذ طائفة من المال وكذا إذا أخرج المالك، والثاني أقرب، والأول ظاهر كلام الشيخ، لأن المساكين يملكون من ذلك المال جزءا، فإذا ملكوه خرج عن الوقاية لخسران يعرض، وهو حسن على القول بوجوبها، قلت: بل وعلى تقدير الندب بناء على أنها في العين كما اعترف به في المدارك في الجملة، والله أعلم. المسألة (الخامسة الدين) المطالب به فضلا عن غيره (لا يمنع من زكاة) مال (التجارة ولو لم يكن للمالك وفاء إلا منه) بلا خلاف أجده فيه، بل عن التذكرة وظاهر الخلاف الاجماع عليه. ولعله كذلك بناء على الوجوب وكونها في العين، بل والذمة لعدم المنافاة بين الخطابين، بل الظاهر تقديمها في الأداء، لكونها أهم منه باعتبار اجتماع حق الله وحق آدمي مع تعلق في العين أيضا، بل بناء على الندب وتعلقها بالعين لا يمنع تعلق خطابها حتى لو طالب صاحب الدين، ولعله على ذلك يحمل ماعن التذكرة من أنه يمكن أن يقال لا يتأكد إخراج زكاة مال التجارة للمديون مع المضايقة، لأنه نفل يضر بالفرض، نعم بناء على كونها في الذمة وذو الدين مطالب بدينه ولا مال له سوى المال المخصوص كانت المسألة من جزئيات مسألة الضد، فتأمل جيدا.

[ 290 ]

(وكذا القول في) عدم منع الدين (زكاة المال) غير التجارة (لأنها) إن قلنا بكونها (تتعلق بالعين) فلا إشكال، وإن قلنا بكونها في الذمة لم يكن تناف بين خطاب الدين وخطابها كما عرفت، قال في محكي المنتهى: " الدين لا يمنع الزكاة سواء كان للمالك مال سوى النصاب أو لم يكن، وسواء استوعب الدين النصاب أو لم يستوعبه وسواء كانت أموال الزكاة ظاهرة كالنعم والحرث أو باطنة كالذهب والفضة، وعليه علماؤنا أجمع " بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، خصوصا مع ملاحظة كلام الأصحاب في مقامات متعددة كزكاة مال القرض ومحاصة الدين لها، وعدمه لو مات المالك، وغير ذلك، ويدل عليه مضافا إلى ذلك وإلى ما دل على كون زكاة القرض على المستقرض من النصوص (1) صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) وخبر ضريس عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) أنهما قالا: " أيما رجل كان له مال موضوع حتى يحول عليه الحول فانه يزكيه، وإن كان عليه من الدين مثله أو أكثر منه فليزك ما في يده " لكن ومع ذلك كله قال في المدارك: إنه يفهم التوقف في هذا الحكم من الشهيد في البيان، قال: والدين لا يمنع زكاة التجارة كما مر في العينية وإن لم يمكن الوفاء من غيره، لأنها وإن تعلقت بالقيمة فالأعيان مرادة، وكذا لايمنع من زكاة الفطرة إذا كان مالكا مؤونة السنة ولا من الخمس إلا خمس الأرباح، نعم يمكن أن يقال لا يتأكد إخراج الزكاة التجارة للمديون، لأنه نفل يضر بالفرض، وفي الجعفريات عن أمير المؤمنين عليه السلام (3) " من كان له مال وعليه مال فليحسب ماله وما عليه، فان كان له فضل مائتي درهم فليعط خمسة " وهذا نص في منع الدين الزكاة، والشيخ في الخلاف ما تمسك على عدم


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1 (3) المستدرك - الباب - 8 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 1

[ 291 ]

منع الدين إلا باطلاق الأخبار الموجبة للزكاة، وفيه أنه يمكن كون التوقف في خصوص التأكد في زكاة التجارة لا في أصل الحكم، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، ضرورة قصور الخبر المزبور عن مقابلة ما عرفت من وجوه كما لا يخفى على من له أدنى نظر، والله أعلم. (ثم يلحق بهذا الفصل مسألتان): (الأولى) لا خلاف أجده في أن (العقار المتخذ للنماء) الذي هو لغة الأرض والمراد به هنا على ما صرح به الأصحاب كما في المدارك ما يعم البساتين والخانات والحمامات (يستحب الزكاة في حاصله) وإن كان لم يذكره في الجمل والوسيلة والغنية والاشارة والسرائر، نعم قد اعترف في المدارك وغيرها بعدم الوقوف له على دليل، قلت: قد يقوى في الذهن أنه من مال التجارة بمعنى التكسب عرفا، إذ هي فيه أعم من التكسب بنقل العين واستنمائها، فان الاسترباح له طريقان عرفا، أحدهما بنقل الأعيان والثاني باستنمائها مع بقائها، ولذا تعلق فيه الخمس كغيره من أفراد الاسترباح، ومن ذلك يتجه اعتبار الشرائط السابقة فيه، بل أجاد الأستاذ الأكبر في المصابيح بقوله: " إن عدم تعرضهم لذكر قدر هذه الزكاة ووقت الاخراج وكيفيته أصلا قرينة على كونها كزكاة التجارة، وكون القدر أي قدر يكون وأن الوقت دائما في جميع أوقات السنة لعله مقطوع بفساده " ولا ينافي ذلك تعرض جماعة كالفاضل والشهيد وأبي العباس والصيمري والمحقق الثاني وغيرهم لخصوص كون المخرج هنا ربع العشر كزكاة التجارة فان المراد عدم التعرض لذلك في جملة من كتب الأصحاب كالكتاب وغيره، ومن هنا يعلم أن دعوى كون الأكثر على عدم اشتراط النصاب والحول في غير محلها، ضرورة معلومية أن منشأها عدم التعرض، ولعله لما ذكرنا من الايكال على ما تقدم في زكاة التجارة التي هذا قسم منها، وأفرد بالذكر باعتبار كونه قسما آخر من استنماء المال،

[ 292 ]

مضافا إلى عموم دليليهما، بل منه يعلم ما في التعريف السابق بناء على عدم شموله لذلك، أللهم إلا أن يكون المراد منه تعريف القسم الخاص ولو بقرينة ذكر ذلك مستقلا، بل لعل ما يحكى من تصريح الفاضل وابن فهد والصيمري والكركي وثاني الشهيدين بعدم اعتبار النصاب والحول هنا منشأه ذلك أيضا، وحينئذ يكون فيه ما عرفت، ولذا قال في البيان: " الظاهر أنه يشترط فيه الحول والنصاب عملا بالعموم " وفي المدارك ومحكي الذخيرة أنه لا بأس به اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع الوفاق إن تم. (و) كيف كان ف‍ (- لو بلغ) الحاصل الزكوي (نصابا وحال عليه الحول وجبت الزكاة) بلا خلاف ولا إشكال، نعم ذكر غير واحد من الأصحاب أنه على القول بعدم اعتبار النصاب والحول أخرج الزكاة المستحبة ابتداء ثم أخرج الواجبة بعد اجتماع شرائط الوجوب، وإن قلنا باعتبارهما وكان الحاصل نصابا زكويا ثبت الوجوب وسقط الاستحباب، وهو حاصل ما في البيان، فانه بعد أن استظهر اعتبارهما واحتمل العدم قال: فعلى هذا أي احتمال العدم لو حال الحول على نصاب منه وجبت، ولا يمنعها الاخراج الأول، وحينئذ لو آجره بالنقد لم يتحقق الاستحباب على قولنا أي اشتراط الحول والنصاب، ولو آجره بالعرض وكان غير زكوي تحقق، وهذا كله مؤيد لما سمعته من أحد الاحتمالين في معنى " لا يزكى المال في عام واحد من وجهين " والله أعلم. (ولا تستحب) الزكاة (في المساكن ولا في الثياب والآلات والأمتعة المتخذة للقنية) للأصل بلا خلاف أجده، بل في التذكرة " لا تستحب الزكاة في غير ذلك من الأثاث والأمتعة والأقمشة المتخذة للقنية باجماع العلماء " والله أعلم. المسألة (الثانية الخيل إذا كانت إناثا سائمة وحال عليها الحول ففي العتاق) جمع عتيق، وهو الذي أبواه عربيان كريمان (عن كل فرس) منها في كل عام (ديناران وفي البرازين) جمع برزون بكسر الباء (عن كل فرس دينار استحبابا) بلا خلاف

[ 293 ]

أجده فيه، بل في التذكرة " قد أجمع علماؤنا على استحباب الزكاة في الخيل بشروط ثلاثة: السوم والأنوثة " ونحوه عن كشف الحق، وفي محكي المنتهى أن تمامية الملك والحول والسوم شرط عند الجميع، وقال: إنها مجمع عليها عند القائل بالزكاة فيها وجوبا أو استحبابا، وأما الأنوثة فباجماع أصحابنا، والأصل فيه حسن زرارة ومحمد بن مسلم (1) قالا: " وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كل فرس في كل عام دينارين، وجعل على البرازين دينارا " ويدل على اعتبار السوم - مضافا إلى قوله عليه السلام: " الراعية " وإلى الاجماع بقسميه، وإلى عموم ما دل عليه في سائر الحيوان - صحيح زرارة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شئ ؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شئ، إنما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأما ما سوى ذلك فليس فيه شئ " وهو وإن لم يكن فيه ظهور باعتبار الأنوثة، بل الفرس للأعم منها ومن الذكر لغة إلا أنه قد صرح به في صحيح زرارة (3) قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل في البغال شئ ؟ فقال: لا، فقلت: كيف صار على الخيل ولم يصر على البغال ؟ فقال: لأن البغال لا تلقح والخيل الاناث ينتجن، وليس على الخيل الذكورة شئ، قال: قلت: فما في الحمير ؟ قال: ليس فيها شئ " الحديث. ولعلهم فهموا الندب من ظاهر قوله (عليه السلام): " وضع " إلى آخره مضافا إلى محكي الاجماع في الخلاف على الندب، وفي محكي كشف الحق ذهبت الامامية إلى أنه لا تجب الزكاة في الخيل، وخالف أبو حنيفة، وعن الغنية الاجماع أيضا على استحبابها في الاناث منها، وعلى سقوط اعتبار النصاب، وكيف كان فلا إشكال من هذه الجهة، خصوصا بعد العمومات


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 - 3 - 3

[ 294 ]

الواردة في جملة من النصوص (1) في أنه لا شئ فيما عدا الأصناف الثلاثة. ثم إن ظاهر ما سمعته من محكي الاجماع ثبوت الاستحباب بمجرد اجتماع الشروط الثلاثة، لكن في المسالك وأكثر كتب المحقق الثاني اعتبار عدم العمل وأن يكمل للمالك فرس كاملة ولو بالشركة كنصف اثنين، وفي البيان " في اشتراط الانفراد ومنع استعمالها عندي نظر، وخصوصا الانفراد، فلو ملك اثنان فرسا فلا زكاة " قلت: قد استقرب ذلك في الدروس فقال: " والأقرب أنه لا زكاة في المشترك حتى يكون لكل واحد فرس، وفي اشتراط كونها غير عاملة أقربه نعم، لرواية زرارة (2) " قلت: خبر زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) - " ليس في شئ من الحيوان زكاة غير هذه الاصناف الثلاثة: الابل والبقر والغنم، وكل شئ من هذه الأصناف من الدواجن والعوامل فليس فيها شئ " إلى آخره - لا دلالة فيه على ذلك، ضرورة كون المراد من النفي فيه للوجوب، وأما صحيح الفضلاء (3) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: " ليس على العوامل من الابل والبقر شئ، إنما الصدقة على السائمة الراعية " ألى آخره فالظاهر أنه كذلك أيضا فتأمل، بل قد يناقش في اعتبار الانفراد أيضا باطلاق الخبر المزبور الظاهر في الأعم من ذلك، بل وفي عدم اعتبار البلوغ والعقل أيضا وغيرهما مما لا دليل له بحيث يصلح لتخصيص ما هنا ولو للتعارض من وجه، والترجيح للمقام بظاهر الفتاوى وبالتسامح في الندب وغير ذلك، والظاهر كون الزكاة هنا في الذمة، لما سمعته سابقا من منافاة قواعد الملك للاستحباب، وبذلك كله ظهر لك تمام القول في الواجب من الزكاة ومندوبها.


(1) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 و 2

[ 295 ]

نعم قد يقال باستحباب الزكاة في الرقيق في كل سنة بصاع، فانه وإن قال الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (1): " ليس على الرقيق زكاة إلا رقيق يبتغى به التجارة، فانه من المال الذي يزكى " وظاهره بقرينة الاستثناء نفي الندب، لكن يمكن إرادة التأكيد منه لصحيح زرارة ومحمد (2) سألا أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) " عما في الرقيق ؟ فقالا: ليس في الرأس أكثر من صاع تمر إذا حال عليه الحول، وليس في ثمنه شئ حتى يحول عليه الحول " جمعا بينهما، أللهم إلا أن يحمل الصحيح على زكاة الفطرة على أن يكون المراد من حول الحول ليلة الفطر، لكنه كما ترى، مع أنه لا داعي إليه، خصوصا بعد التسامح في الندب. وقد يقال أيضا باستحباب الزكاة في عوامل الابل ومعلوفها لخبر إسحاق (3) " سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الابل العوامل عليها زكاة فقال: نعم عليها زكاة " وخبره الآخر (4) " سألته عن الابل تكون للجمال أو تكون في بعض الأمصار أيجري عليها الزكاة كما تجري على السائمة في البرية فقال: نعم " ولا داعي إلى حمل الزكاة في الأول على الاعارة وحمل العاجز والضعيف، هذا، وقد تقدم لك سابقا الاستحباب أيضا في زكاة المال الغائب، وفيما يفر به من الزكاة قبل الحول، كما أنه تقدم لك في الحلي أن زكاته الاعارة، والله العالم. (النظر الثالث) مما يتعلق بزكاة المال (فيمن تصرف إليه ووقت التسليم والنية، القول) الأول (فيمن تصرف إليه ويحصره أقسام):


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 2 - 1 (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 8 - 7

[ 296 ]

(الأول أصناف المستحقين للزكاة) ثمانية بالنص والاجماع في محكي المنتهى تارة ولا خلاف فيه بين المسلمين أخرى وباجماع العلماء في التذكرة، بل لعل الاجماع ظاهر الغنية أيضا أو صريحها، بل يمكن تحصيله لاتفاق ما وصل الينا من كتب الأصحاب على الثمانية عدا المصنف في خصوص هذا الكتاب، فجعلهم (سبعة) بعد (الفقراء والمساكين وهم الذين تقصر أموالهم في مؤونة سنتهم، وقيل: من يقصر ماله عن أحد النصب الزكاتية) صنفا واحدا، بل لم يحك عن أحد من العامة ذلك أيضا عدا ما عن مجمع البيان من حكايته عن الجبائي وصاحبي أبي حنيفة، ولعله لا ينافي ذلك ما حكاه في المدارك عن المصنف وجماعة من القول بالترادف، إذ عليه يمكن القول في خصوص الزكاة بكون المراد التغاير الذي به صارت الأصناف ثمانية حتى سمعت الاجماع على ذلك، مضافا إلى النصوص كمرسل حماد بن عيسى (1) عن العبد الصالح (عليه السلام) المروي في باب الخمس وكيفية قسمته، ومرسله الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا الوارد في كيفية قسمة ما يخرج من الأرض المفتوحة عنوة، وخير عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام المشتمل على احتجاجه (عليه السلام) مع عمر بن عبيد، والمروي (4) عن المحكي عن تفسير علي بن إبراهيم عن العالم (عليه السلام) وصحيح محمد بن مسلم (5) وصحيح أبي بصير أو حسنه (6) اللذين تسمعهما عن قريب إن شاء الله تعالى وغير ذلك وتظهر الثمرة في وجوب البسط واستحبابه وفي نذره وغير ذلك، وقد ظهر من ذلك


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8 (2) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 وهو من قطعات المرسل الأول (3) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 - 2 - 3 الجواهر - 37

[ 297 ]

أنه لا إشكال هنا، وما حكاه المصنف بقوله: (ثم ومن الناس من جعل اللفظين بمعنى واحد) وظاهره في المقام بقرينة قوله: (ومنهم من فرق بينهما في الآية) (1) لم نتحققه ولا حكاه غيره عن غيره (و) من هنا كان الثاني لا (الأول أشبه) لما عرفت. نعم ما يظهر من المصنف - من الاتفاق على كونهما بمعنى في غير الآية أي في غير صورة الاجتماع، وخصها لعدم اجتماعهما في الكتاب بغيرها - قد يشهد له ما في محكي المنتهى من أنه لا تمييز بينهما مع الانفراد، بل العرب قد استعملت كل واحد من اللفظين في معنى الآخر، أما مع الجمع بينهما فلابد من المايز، وقد اختلف العلماء في أيهما أسوأ حالا من الآخر، وعن نهاية الأحكام التصريح بعدم الخلاف في إطلاق اسم كل منهما على الآخر حال الانفراد، وفي محكي المبسوط " لا خلاف في أنه إن أوصي للفقراء منفردين أو للمساكين كذلك جاز صرف الوصية ألى الصنفين جميعا " ولعل ظاهر السرائر ذلك أيضا، وفي المسالك " واعلم أن الفقراء والمساكين متى ذكر أحدهما دخل فيه الآخر بغير خلاف، نص على ذلك جماعة منهم الشيخ والعلامة كما في آية الكفارة (2) المخصوصة بالمسكين، فيدخل فيه الفقير، وإنما الخلاف فيما لوجمعا كما في آية الزكاة لا غير والاصح أنهما متغايران لنص أهل اللغة، وصحيحة أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه " ولا ثمرة مهمة في تحقيق ذلك، للاتفاق على استحقاقهما من الزكاة حيث ذكر، أو د خول أحدهما تحت الآخر حيث يذكر أحدهما، وإنما تظهر الفائدة نادرا فيما لو نذر أو وقف أو أوصي لأسوئهما حالا فان الآخر لا يدخل فيه بخلاف العكس " وفي الحدائق ومحكي إيضاح النافع نفي الخلاف


(1) سورة التوبة - الآية 6 (2) سورة المجادلة - الآية 5 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3

[ 298 ]

عن ذلك أيضا، بل في الروضة ومحكي الميسية الاجماع على ذلك، قال في الأول: " واختلف في أن أيهما أسوأ حالا مع اشتراكهما فيما ذكر، ولا ثمرة مهمة في تحقيق ذلك للاجماع على إرادة كل منهما من الآخر حيث يفرد، وعلى استحقاقهما من الزكاة، ولم يقعا مجتمعين إلا فيها، وإنما تظهر الفائدة في أمور نادرة، والمروي في صحيحة أبي بصير أن المسكين أسوأ حالا، وهو موافق لنص أهل اللغة " قلت: هو المحكي عن ابن السكيت وابن دريد وابن قتيبة ووأبى زيد وأبي عبيدة ويونس والفراء وتغلب وأبي إسحاق ويعقوب والأصمعي في أحد النقلين، قال يونس: " قلت لأعرابي: أفقير أنت ؟ قال: لا والله ولكن مسكين ". لكن ومع ذلك كله قال في القواعد في الاطعام في الكفارات: " وهل يجزي الفقراء ؟ إشكال إلا إن قلنا بأنهم أسوأ حالا " وفي الوصايا " ولو أوصي للفقراء دخل فيهم المساكين وبالعكس على إشكال " بل عن وصايا الايضاح وجامع المقاصد عدم الدخول، وفي وصية الدروس " لو أطلق أحد اللفظ ين ففي دخول الآخر خلاف قد سبق " وفي البيان " وقال الشيخ والراوندي والفاضل: يدخل كل منهما في إطلاق لفظ الآخر فان أرادوا به حقيقة ففيه منع، ويوافقون على أنهما إذا اجتمعا كما في الآية يحتاج إلى فصل مميز بينهما " وفي المدارك " أن المتجه بعد ثبوت التغاير عدم دخول أحدهما في إطلاق لفظ الآخر إلا بقرينة " وفي الجميع أنه اجتهاد في مقابلة ما سمعت، فلا ينبغي الالتفات إليه، وكأن الذي دعاهم إلى ذلك صعوبة جريان ذلك على الضوابط، ضرورة عدم الملاحظة في الوضع حال الاجتماع وحال الانفراد، كضرورة عدم الدليل الخارجي على اندراج كل منهما في الآخر مع الانفراد دون الاجتماع. والتحقيق بعد إعطاء التأمل حقه أنه لا ريب في صدق الفقير على المسكين ولو الفرد الأدنى منه عرفا، والأصل عدم النقل والتغير، وأما المسكين فهو مأخوذ من

[ 299 ]

المسكنة بمعنى الذلة، فحيث يستعمل في غير الغني يراد منه تمام مصداق الفقير، كما يؤمي إلى ذلك إطلاقه في الخمس والكفارة وغيرهما، فان من لاحظ أخبار الخمس مع التأمل الصادق علم أرادة الفقير من المسكين على وجه لا يخص الخمس، بل إنما هو من حيث ذل الفقر، وكفى به ذلا، فهو متحد المصداق حينئذ مع الفقير حال استعماله في هذا المعنى، وقد يستعمل في معنى آخر للذل من جهة أخرى تجامع الغنى والثروة، لكن لا مدخلية له في مقامنا، وقد ظهر من ذلك وجه اندراج كل منهما في الآخر حال الانفراد، وأنه ليس للترادف المصطلح، بل للاتحاد في المصداق وإن تغاير بالمفهوم، أما مع الاجتماع فوجود لفظ الفقير قرينة صارفة عن عدم أرادة مصداقه من لفظ المسكين لأصالة التأسيس بالنسبة إلى التأكيد، ولما عرفته حينئذ من نص الأكثر على التغاير، والأصل بقاء لفظ الفقير على حقيقته، فليس حينئذ بعد كون المراد من المسكين ذا الذلة من حيث عدم الغنى إلا أن يراد من المسكين ذلة خاصة تنطبق على بعض أفراد الفقير، وهي إظهار شدة الحاجة بالسؤال ونحوه، كما أو مأ إليه العالم (عليه السلام) فيما أرسله عنه في المحكي من تفسير علي بن أبراهيم (1) فقال: " الفقراء هم الذين لا يسألون لقول الله تعالى - في سورة البقرة (2) - " للفقراء الذين أحصروا في سبيل " إلى آخره، والمساكين هم أهل الديانات قد دخل فيهم النساء والصبيان " مراده (عليه السلام) بالديانات المذلات، فان الدين الذل، والصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير أو حسنه (3) قال: " قلت له: قول الله تعالى (4): " إنما الصدقات للفقراء والمساكين "


(1) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 - 3 مع الاختلاف في الأول (2) الآية 274 (4) سورة التوبة - الآية 60

[ 300 ]

فقال: الفقير الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم " الحديث وفي صحيح محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) أنه سأله " عن الفقير والمسكين فقال: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل " والظاهر أن مراده ما عرفت من ظهور أثر الذل عليه بالسؤال ونحوه، كما أن مراده نحو ما سمعته في خبر أبي بصير وسابقه من كون ذلك حال الاجتماع كما في آية الزكاة لا مطلقا، وقال ابن عرفة على ما حكي عنه: أخبرني أحمد بن يحيى عن محمد بن سلام أنه قال ليونس: " افرق لي بين المسكين والفقير فقال: الفقير الذي يجد القوت، والمسكين الذي لا شئ له " ويؤيد ذلك كله ما عن الغنية من الاجماع على أن الفقراء لهم شئ، والمساكين لا شئ لهم، وقد نص على ذلك الأكثر من أهل اللغة. قلت: قد عرفت فيما تقدم المحكي عنه من أهل اللغة، بل قد عرفت نسبته في المسالك ومحكي التنقيح إلى الأكثر من غير تقييد، بل قد سمعت نسبته إلى أهل اللغة، وفي محكي التحرير نسبة كون المسكين أسوأ حالا لأهل البيت (عليهم السلام) ونص أهل اللغة أيضا، وعلى كل حال فلا ريب في كونه المعروف بين أهل اللغة والفقه، بل قد يشهد له النبوي (2) الآتي " ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان " إلى آخره، ضرورة كون المراد منه نفي المعنى المعروف للمسكين وإثباته لغيره على نوع من التجوز نحو قول الشاعر: ليس من مات و استراح بميت * * إنما الميت ميت الأحياء وكيف كان فلا ريب في أن الأقوى كون المسكين أسوأ حالا من الفقير مع الاجتماع، خلافا للشيخ في أحد قوليه وابني حمزة وإدريس، فقالوا: إن الفقير أسوأ


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (2) سنن البيهقى ج 7 ص 11

[ 301 ]

حالا من المسكين، وربما نقل عن القاضي والطبرسي، وهو مع مخالفته لما سمعت وللعرف لم نعرف له شاهد معتدا به، ومن الغريب ما في السرائر من الاستدلال عليه - بعد تفسير الفقير بالذي لا شئ معه، والمسكين بالذي له بلغة من العيش لا تكفيه طول سنته - بقوله تعالى (1): " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " فسماهم مساكين ولهم سفينة بحرية، وقوله تعالى (2): " إنما الصدقات للفقراء " باعتبار أن القرآن قد نزل على لسان العرب، وكيفية خطابهم وعادتهم البدأة بالأهم فالأهم، فيعلم أن الفقير أهم، وما ذاك إلا لأنه أسوأ حالا، قال: ولا يلتفت إلى قول الشاعر: أما الفقير الذي كانت حلوبته * * وفق العيال فلم يترك له سبد يقال: لا سبد له ولا لبد أي لا قليل ولا كثير، لأنه لا يجوز العدول عن الآيتين من القرآن إلى بيت شعر، على أنه لا دلالة فيه على موضع الخلاف، لأن كل واحد من الفقير والمسكين إذا ذكر على الانفراد دخل الآخر فيه، وإما يمتاز أحدهما عن الآخر ويحتاج ألى الفرق إذا اجتمعا في اللفظ كما في الآية، وغيره بأنه مشتق من فقار الظهر، فكأن الحاجة كسرت فقار ظهره، وبأنه (صلى الله عليه وآله) تعوذ عن الفقر، وقال: " أللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين " (3). وفيه - مع أن الآية الأولى مستعمل فيها لفظ المساكين خاصة، وقد اعترف أنه غير محل النزاع - أولا يمكن أن يكون الاطلاق عليهم لاشتراكهم بها على وجه لا يكون لكل واحد منهم إلا الشئ اليسير، وثانيا يجوز أن يكون سماهم مساكين على وجه الرحمة كما في الأخبار مسكين ابن آدم، مساكين أهل النار، كقول الشاعر:


(1) سورة الكهف - الآية 78 (2) سورة التوبة - الآية 60 (3) المستدرك - الباب - 20 - من أبواب الصدقة - الحديث 15 من كتاب الزكاة

[ 302 ]

مساكين أهل الحب حتى قبورهم * * علاها تراب الذل بين المقابر وثالثا أنهم كانوا يعملون عليها بالاجارة فأضيفت إليهم، ورابعا أنه لا دلالة فيه على الدعوى، إذ الاطلاق أعم من ذلك، وأما آية الصدقة فكما أن العرب يبتدئون بالأهم فربما يترقون إلى الأعلى، وأما التعوذ من الفقر مع مسألة المسكنة فيحتمل أن يكون المراد بالفقر فيه العدم بلا قناعة، أو مجرد عدم القناعة، فانه أشد من العدم، كما أنه يحتمل إرادة الذل بين يدي الله من المسكين في دعائه (صلى الله عليه وآله). وبالجملة لا يخفى ما في ذلك كله من القصور عن ثبوت المطلوب، وكذا الاستدلال على المختار بقوله تعالى (1): " أو مسكينا ذا متربة " وهو المطروح على التراب لشدة الحاجة، وبأنه يؤكد به الفقير، فيقال: فقير مسكين، ضرورة عدم دلالة الأول على محل الاجتماع، وإمكان منع الثاني، وبالجملة إذا أحطت خبرا بجميع ما ذكرنا تعرف ما في كلام جملة من المتأخرين، بل وكلام بعض اللغويين، وخصوصا المخلط صاحب القاموس، فانه قال: الفقر ويضم ضد الغنى، وقدره أن يكون له ما يكفي عياله، أو الفقير من يجد القوت والمسكين من لا شئ له، أو الفقير المحتاج، والمسكين من أذله الفقر أو غيره من الأحوال، أو الفقير من له بلغة، والمسكين من لا شئ له، أو هو أخس حالا من الفقير، أو هما سواء، وظاهر الصحاح في مادة " فقر " عدم الترجيح لأنه قال رجل فقير من المال، قال ابن السكيت: " الفقير الذي له بلغة من العيش، والمسكين الذي لا شئ له " وقال الأصمعي: " المسكين أخس حالا من الفقير " وقال يونس: " الفقير أخس حالا من المسكين - قال -: وقلت لأعرابي: أفقير أنت ؟ فقال: لا والله بل مسكين " لكن قال في مادة " سكن ": المسكين الفقير، وقد يكون بمعنى الذلة والضعف، يقال: تسكن الرجل وتمسكن كما قالوا: تمدرع وتمندل من


(1) سورة البلد - الآية 16

[ 303 ]

المدرعة والمنديل على الفعل، وهو شاذ، وقياسه تسكن وتدرع وتندل مثل تشجع وتحلم وكان يونس يقول، إلى آخره، وفي الحديث (1) " ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، وإنما المسكين الذي لا يسأل ولا يفطن له فيعطى " إلى غير ذلك من كلماتهم وأقربها إلى ما حققناه - من أن الفقير ضد الغنى - المحتاج، قال الله تعالى (2): " أنتم الفقراء إلى الله " أي المحتاجون إليه، فأما المسكين فالذي قد أذله الفقر أو غيره، فإذا كان هذا إنما مسكنته من جهة الفقر حلت له الصدقة، وإذا كان مسكينا قد أذله شئ سوى الفقر فالصدقة لا تحل له، إذ كان شائعا في اللغة أن يقال: ضرب فلان المسكين وظلم المسكين وهو من أهل الثروة واليسار، وإنما لحقه اسم المسكين من جهة الذلة. وممن أشكل عليه الحال في المقام سيد المدارك وبعض من تأخر عنه حتى أنه حكى عن جده ما حكيناه سابقا، واعترض عليه بوجوه، منها أن المتجه بعد ثبوت التغاير عدم دخول أحدهما في إطلاق الآخر إلا بقرينة، وما ذكره من عدم الخلاف لا يكفي في إثبات هذا الحكم، وقد عرفت وجهه بلا إشكال، ومنها ما ذكره من الفائدة بأن المتجه عدم دخول كل منهما في الآخر وإن كان أسوأ حالا من المنذور له، لأن اللفظ لا يتناوله كما هو المفروض، وفيه أن المراد إذا علم كون النذر مثلا له من حيث الحاجة فان الدخول حينئذ للأولوية، نعم قد يناقش بأنه إن كان المذكور في النذر لفظ أحدهما دخل فيه الآخر على كل حال، لما عرفت من نفيه الخلاف عن ذلك، وإن ذكرا معا فلا حاجة للاندارج، وإن كان متعلق النذر أسوأهما حالا فهو خروج عما نحن فيه، ضرورة كون المراد بيان فائدة الخلاف في الفظ الفقير والمسكين لو كان هو المتعلق ولو جعل الفائدة في النذر والوصية والوقف إذا كان كل منها لهما معا مع تفضيل أحدهما


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 11 مع الاختلاف في اللفظ (2) سورة الفاطر - الآية 16

[ 304 ]

على الآخر أو أنه خص أحدهما بشئ من ذلك ونص على نفي الآخر لكان أظهر، ويمكن حمل كلامه على ذلك وإن قصرت عبارته، فتأمل جيدا، والأمر في ذلك كله سهل بعد تحقق أصل المسألة الذي تعرف ما في كلام جملة من الأصحاب من التشويش بعد الاحاطة به. وكيف كان فالحد المسوغ لتناول الزكاة في الصنفين عدم الغنى الشامل للمعنيين، فمتى تحقق استحق صاحبه الزكاة بلا خلاف، وعن المنتهى الاعتراف به، كما أنه أذا تحقق الغنى أو ما في حكمه حرمت بلا خلاف أيضا، بل قد تواتر أنها لا تحل لغني. نعم قد اختلف الأصحاب فيما به يتحقق عدم الغنى، والمشهور بين المتأخرين من الأصحاب تحققه بقصور المال أو ما يقوم مقامه عن مؤونة السنة له ولعياله، فيكون الغني من لم يقصر ماله قوة أو فعلا عن ذلك، بل عليه عامتهم عدا النادر الذي لا يعبأ بخلافه، بل نسبه غير واحد إلى الشهرة من غير تقييد، وعن آخر نسبته إلى محققي المذهب، وحكاه في المعتبر عن الشيخ في باب قسم الصدقات للمرسل (1) في المقنعة عن يونس بن عمار " سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة " وصحيح أبي بصير (2) " سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره، قلت: فان صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة قال: زكاته صدقة على عياله ولا يأخذها إلا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقل من سنة فهذا يأخذها، ولا تحل الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة " وفي الصحيح المروي عن العلل عن علي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 10 - 1 الجواهر - 38

[ 305 ]

ابن إسماعيل الدعي (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) سأله " عن السائل عنده قوت يوم أله أن يسأل، وإن أعطي شيئا أله أن يقبل ؟ قال: يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة، لأنها إنما هي من سنة إلى سنة " ومرسل حماد (2) عن العبد الصالح (عليه السلام) المشتمل على كيفية قسمة الخمس والزكاة والأنفال وغيرها، إلى غير ذلك من النصوص، بل عن فهرست الوسائل أن فيه أحد عشر حديثا، ولأن الفقر لغة وعرفا الحاجة، قال الله تعالى (3): " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله " ومن قصرت أمواله عن كفاية عامه فهو محتاج بل لعل المراد من النصوص التي يمر عليك بعضها المشتملة على الكفاية وعدمها ونحو ذلك كفاية السنة، وأنه ترك التعرض لها في كثير منها لمعلومية ذلك ولو بحسب عادة أغلب أفراد الانسان من الاهتمام بأمر قوت السنة، بل النصوص التي ذكرناها فيها أشارة إلى تعارف ذلك، وإلى معلومية كون المراد من إطلاق الكفاية ونحوها ذلك، خصوصا بعد عدم ظهور تحديد عرفا لهذا المطلق غيرها، ضرورة عدم إمكان تنقيح العرف زمانا مخصوصا لتمام مصداق هذا الاطلاق، وتنقيح بعض الأفراد غير كاف، بل جرت عادة الشارع في أمثال ذلك على الضبط التحقيقي الذي به تتميز الأفراد الداخلة والخارجة، وليس هنا إلا السنة نصا وفتوى. نعم قيل: إنه قصور المال عن أحد النصب الزكاتية، ولم نعرف القائل به وإن نسبه غير واحد إلى الشيخ وآخر إليه في الخلاف ولم نتحققه، بل المحكي في السرائر عن الخلاف القول الأول، بل في مفتاح الكرامة " ولقد نظرت الخلاف مرة بعد أولى وكرة بعد أخرى فلم أجد فيه تصريحا بشئ من النقلين إلا قوله في باب الفطرة: تجب زكاة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 وفيه على بن إسماعيل الدغشى كما أنه كذلك في العلل ج 2 ص 60 (2) أصول الكافي ج 1 ص 539 " باب الفئ والأنفال " الحديث 4 (3) سورة الفاطر - الآية 16

[ 306 ]

الفطرة على من ملك نصابا تجب فيه الزكاة أو قيمة نصاب، وبه قال أبو حنيفة " قلت: يمكن أن يكون مدار وجوبها عنده ذلك لا الغنى والفقر، وفيه أيضا عن بعض أنه على هامش المبسوط أن القائل به هو المفيد والسيد، فان صحت النسبة فلعله في غير ما حضرني من كتبهما، لكنه في الناصرية ادعى الاجماع على خلاف هذا القول، وفي المقنعة روى خبر يونس بن عمار (1) الظاهر في مذهب المشهور إن لم يكن الصريح. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه كضعف ما ذكر دليلا له، وهو النبوي (2) المروي مضمونه في نصوصنا أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) قال " لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فان هم أطاعو لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم " والتنافي بين وجوب دفع الزكاة عليه وجواز أخذ مالها، وفيه أن الأخذ من الأغنياء لا ينافي الأخذ من الفقراء والاقتصار عليهم، لكونهم الواجب عليهم غالبا، خصوصا وغنى الأعراب في ذلك الوقت يحصل بأدنى شئ، لقلة مؤونة سنتهم، بل وربما أجيب بجواز أن يكون الغنى مشتركا بين الموجب للزكاة والمانع من أخذها، والاشتراك وإن خالف الأصل فلابد من المصير إليه إذا وجد الدليل عليه، وقد وجد، وفيه مع كونه لا يدفع ما تعطيه المقابلة أنه لا حاجة إلى دعوى الاشتراك اللفظي التي يمكن القطع بفسادها، إذ يمكن أن يقال مع الاشتراك المعنوي أن للغنى والفقر مراتب لا تحصر، والمراد منهما ما دل عليه الدليل فيهما من المراتب، وأما دليل التنافي فمنعه واضح، إذ الزكاة على الفقير كالدين لا يدفع وجوب أدائه فقره، والعامل تدفع له


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 10 (2) سنن البيهقى ج 4 ص 96

[ 307 ]

الزكاة وقد تجب عليه وكذا غيره، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة (1): " لا يحل لمن كانت عنده أربعون درهما يحول عليها الحول عنده أن يأخذها، وإن أخذها أخذها حراما " كناية عن الغنى أي عنده أربعون درهما غير محتاج إليها وقد حال عليها الحول لذلك، كقوله (عليه السلام) في ذيل خبر أبي بصير (2): " لا تحل الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة ". فظهر لك أنه لا إشكال حينئذ من هذه الجهة كما ظهر لك استقرار المذهب على ما ذكرناه، وأنه ليس في المسألة إلا قولان كما هو ظاهر جماعة بل صريح البيان، قال: " إن الاتفاق واقع على أنه يشترط في الفقير والمسكين أن يقصر مالهما عن مؤونة السنة لهما ولعيالهما أو عن نصاب أو عن قيمته على اختلاف القولين " وكذا في مصابيح الأستاذ الأكبر، لكن مع ذلك كله جعل في المفاتيح الأقوال ثلاثة، ثالثها أن الفقير من لم يقدر على كفايته وكفاية من يلزمه من عياله عادة على الدوام بربح مال أو غلة أو صنعة، وهو الذي اختاره حاكيا له عن المبسوط، والمنقول من عبارته ما نصه " والغنى الذي يحرم معه أخذ الصدقة أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من يلزمه كفايته على الدوام، فان كان مكتفيا بضيعة وكانت ضيعته ترد عليه كفايته وكفاية من يلزمه نفقته حرمت عليه، وإن كانت لا ترد عليه حل له ذلك، وإن كان من أهل البضائع احتاج أن يكون معه بضاعة ترد عليه قدر كفايته، فان نقصت عن ذلك حلت له الصدقة، ويختلف ذلك على اختلاف حاله حتى إن كان الرجل بزازا أو جوهريا يحتاج إلى بضاعة قدرها الف دينار فنقص عن ذلك حل له أخذ الصدقة، هذا عند الشافعي، والذي رواه أصحابنا أنها تحل لصاحب السبعمائة، وتحرم على صاحب الخمسين، وذلك على قدر


(1) الوسائل الباب - 12 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 308 ]

حاجته إلى ما يتعيش به، ولم يرووا أكثر من ذلك، وفي أصحابنا من قال: إن ملك نصابا تجب فيه الزكاة وتحرم عليه الصدقة، وذلك قول أبي حنيفة " والذي فهمه المصنف وغيره من هذه العبارة مذهب المشهور، ولذا حكاه في المعتبر عنه في باب قسم الصدقات والموجود فيه في الباب المزبور هذه العبارة، وفي محكي المنتهى نقل عبارة المبسوط واختارها، واستدل عليه بأدلة المشهور، ونحوه ما عن المهذب البارع، وفي المختلف الظاهر أن مراد الشيخ بالدوام مؤونة السنة، مضافا إلى ما عرفته من أن ظاهر بعض وصريح آخر انحصار الخلاف في القولين. قلت: ويمكن أن يتعلق قيد الدوام في كلامه بلزوم الكفاية أي من يلزمه أن ينفق عليه دائما لا من تجب نفقته في بعض الأوقات مثل الأجير المشترط إجارته وغيره فيبقى حينئذ مطلقا كالنصوص يجب تنزيله على ما عند المشهور، لعدم التحديد له في الشرع غيره، كما أنه لا حد له في العرف واللغة، ولقد أطنب الأستاذ الأكبر في شرحه على المفاتيح في فساد فهمه، وأنه يمكن أن يكون مخالفا للضرورة من المذهب، وحيث كان الأمر من الوضوح بمكانة لم نتعرض لنقل كلامه، على أن ما قدمناه سابقا في أول المسألة كاف في رده، ضرورة عدم معقولية المراد بالدوام إذا لم ينزل على ما عند المشهور. وكيف كان ففي المدارك وبعض ما تأخر عنها " أن إطلاق المشهور مناف لما صرح به الشيخ والمحقق والعلامة وغيرهم من جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيش به، أو ضيعة يستغلها إذا كان بحيث يعجز عن استمناء الكفاية، إذ مقتضاه أن من كان كذلك كان فقيرا وإن كان بحيث لو أنفق رأس المال المملوك لكفاه - إلى أن قال -: والمعتمد أن من كان له مال يتجر به أو ضيعة يستغلها فان كفاه الربح أو الغلة له ولعياله لم يجز له أخذ الزكاة، وإن لم يكفه جاز له، ولا يكلف الانفاق من رأس المال ولا من ثمن الضيعة، ومن لم يكن له ذلك اعتبر فيه قصور أمواله عن مؤونة السنة له ولعياله "

[ 309 ]

والمحكي عن الأردبيلي أنه نسب إلى صريح الأصحاب جواز التناول إذ لم يكف الربح وإن كان رأس المال يكفيه، لكنه تأمل فيه، فانه بعد أن أورد خبرهارون بن حمزة الذي ستسمعه قال: وظاهره أنه يأخذها وإن كان رأس المال يكفيه كما صرح به الأصحاب، وفيه تأمل، لعدم الصراحة والصحة مع مخالفته للأخبار الأخر. قلت: الذي عثرنا عليه في المسألة من النصوص هو خبر هارون (1) قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي، فقال: لا تصلح لغني، قال: فقلت له: الرجل يكون له ثلاثمائة درهم في بضاعة وله عيال فان أقبل عليها أكلها عياله ولم يكتفوا بريحها قال: فلينظر ما يستفضل منها فيأكلها هو ومن وسعه ذلك، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله " وصحيح معاوية بن وهب (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها أيكب فيأكلها ولا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة ؟ قال: لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله، ويأخذ البقية من الزكاة، ويتصرف بهذه لا ينفقها " وموثق سماعة (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا " سألته عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم ؟ فقال: نعم إلا أن يكون داره دار غلة فيخرج له من غلتها ما يكفيه وعياله، فان لم تكن الغلة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلت له الزكاة، وإن كانت غلتها تكفيه فلا " وخبر أبي بصير (4) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) " عن رجل له ثماثمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 - 1 (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4

[ 310 ]

كثيرة أله أن يأخذ من الزكاة ؟ فقال: يا أبا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل ؟ قال: نعم، قال: كم يفضل ؟ قال: لا أدري، قال: إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، وإن كان أقل من نصف القوت أخذ الزكاة " وخبره الآخر (1) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة أذا لم يجد غيره، قلت: فان صاحب السبعمائة يجب عليه الزكاة فقال: زكاته صدقة على عياله، فلا يأخذها إلا أن يكون أذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقل من سنة، فهذا يأخذها، ولا تحل الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة " وموثق سماعة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قد تحل الزكاة لصاحب السبعمائة، وتحرم على صاحب الخمسين درهما، فقلت له: وكيف هذا ؟ قال: إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسمها بينهم لم تكفه فليف عنها نفسه وليأخذها لعياله، وأما صاحب الخمسين فانه يحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه السنة " وذيل خبر عبد العزيز (3) الآني. وهي وإن كان بعضها مطلقا شاملا لمن يكفيه رأس المال سنة ومن لا يكفيه لكن قد يستفاد من قوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير: " فلا يأخذها إلا أن يكون " إلى آخره اعتبار قصور رأس المال عن كفاية السنة، وكذا موثق سماعة، نعم إطلاقها بالنسبة إلى ثمن الضيعة لا معارض له، فلو فرض أن نماءها لا يكفيه لسنته حل له أن يأخذ الزكاة وإن كان ثمنها لو باعها يكفيه سنين، مع أنه لا يخلو من إشكال في بعض


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 وفى ذيله " ما يكفيه إن شاء الله " (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3

[ 311 ]

الأفراد، كما إذا كان عنده ضيعة ذات ثمن عظيم لبعض الأحوال التي لا مدخلية لها في النماء ويمكنه بيعها وشراء ضيعة أخرى بثمنها تقوم بمؤونته سنة أو أزيد، فان الزكاة لمثله قد يتوقف في حلها، بل يمكن دعوى عدم شمول النصوص لذلك، حملا لها على المتعارف. وعلى كل حال فالأمر في الضيعة هين، أما رأس المال فقد عرفت ظهور بعض النصوص في أن المدار على ربحه لا عليه، وسمعت نسبته إلى الأصحاب، كما أنك عرفت ظهور بعض النصوص في خلاف ذلك، مضافا إلى ما يظهر من الأصحاب في تعريف الفقر والغنى بملك ما يمون به نفسه وعياله سنة وعدمه، وإلى عد العرف لبعض الأفراد في سلك الأغنياء، كما لو كان رأس مالهم لكوكا لكن نماؤه يقصر عن مؤونتهم، إلا أنهم لو أرادوا الصرف من رأس المال كفاهم سنين متعددة، بل يمكن أن يكفيهم تمام أعمارهم، فان حل الزكاة لأمثالهم كما ترى، فلو جعل المدار على قصور الربح وعدم عده غنيا عرفا برأس ماله كان قويا، وربما يؤيده أن أكثر الموجود في النصوص فرض رأس المال الثمانمائة درهم، ومثلها مع قصور ربحها عن مؤونة السنة لا يعد كونه غنيا بها، بخلاف الآلاف المتعددة، وعلى كل حال لابد من ملاحظة أمر آخر، وهو أن المراد استعداد قصور رأس المال لعدم كفاية ربحه، فلا عبرة بالاتفاق في بعض السنين لبعض العوارض فلا تحل الزكاة بمجرد القصور في تلك السنين، فتأمل جيدا فان هذه المسائل ونظائرها غير محررة في كلام الأصحاب، بل قد يأتي نحو ما ذكرنا في الضيعة، بل ربما مال إليه في الروضة بعد أن حكاه قولا، قال: والمعتبر في الضيعة نماؤها لا أصلها في المشهور، وقيل: يعتبر الأصل، ومستند المشهور ضعيف، وكذا الصنعة بالنسبة إلى الآلات، فتأمل، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- من يقدر على اكتساب مايمون نفسه وعياه) على وجه

[ 312 ]

يليق بحاله (لا تحل له، لانه كالغني وكذا ذو الصنعة) اللائقة بحاله التي تقوم بذلك كالتجارة والحياكة ونحوهما بلا خلاف معتد به أجده في الأخير، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل والأول إذا كان محترفا فعلا، نعم عن الخلاف أنه حكى عن بعض أصحابنا جواز الدفع للمكتسب من غير اشتراط لقصور كسبه، ولعله لكونه غير مالك للنصاب ولا لقدر الكفاية، فجاز له الأخذ كالفقير، وفيه أن الفقير محتاج إليها بخلاف الفرض كما هو واضح، وبالجملة لا ينبغي التأمل في ذلك خصوصا مع ملاحظة النصوص والفتاوى، أما إذا لم يكن محترفا فعلا إلا أنه قابل لاكتساب ذلك فلا يخلو من أشكال ينشأ من اختلاف عبارات الأصحاب في المقام، لظهور جملة منها في اعتبار كونه محترفا فعلا، وأخرى في الاكتفاء بقدرته على ذلك، قال الشيخ في النهاية: " ولا يجوز أن يعطى الزكاة لمحترف يقدر على اكتساب ما يقوم بأوده وأود عياله، فان كانت حرفته لا تقوم به جاز أن يأخذ ما يتسع به على أهله، ومن ملك خمسين درهما يقدر أن يتعيش بها بقدر ما يحتاج إليه في نفقته لم يجز له أن يأخذ الزكاة، وإن كان سبعمائة وهو لا يحسن أن يتعيش بها جاز له أن يقبل الزكاة، ويخرج ما يجب عليه فيما يملكه من الزكاة ليتسع به على عياله " وفي التحرير " لو كان ذا كسب يكتسبه حرم عليه أخذها، ولو كان كسبه يمنعه من النفقة في الدين فالأقرب عندي جواز أخذها، ولو كان معه ما يمون به عياله ونفسه بعض السنة جاز أن يتناولها من غير تقدير، وقيل: لا يتجاوز " وفي الدروس " ويمنع من يكتفي بكسبه ولو ملك خمسين، كما لا يمنع من لا يكتفي به ولو ملك سبعمائة، وكذا ذو الصنعه والضيعة، ولو كان أصلها يقوم به دون النماء استحق، وهل يأخذ تتمة السنة أو يسترسل الأخذ قولان، ولو اشتغل بالنفقة أو محصلاته عن التكسب جاز الأخذ " وفي البيان " ويعطى ذو الحرفة والصنعة إذا قصرتا عن حاجته الجواهر - 39

[ 313 ]

أو شغلاه عن طلب العلم على الأقوى " إلى غير ذلك من العبارات الظاهرة في المحترف فعلا. وفي المقنعة " لا تجوز الزكاة في اختصاص الصفتين إلا لمن حصلت له حقيقة الوصفين، وهو أن يكون مفتقرا إليها بزمانه يمنعه من الاكتساب أو عدم معيشة تغنيه عنها فيلتجئ إليها للحاجة والاضطرار " وفي الغنية " وأن لا يكون ممن يمكنه الاكتساب لما يكفيه - إلى أن قال -: بدليل الاجماع المتكرر وطريقة الاحتياط، وقد روي (1) من طرق المخالف " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " وفي رواية أخرى (2) ولا لذي قوة مكتسب " وفي السرائر " وأن لا يقدر على الاكتساب الحلال بقدر ما يقوم بأوده وسد خلته " إلى غير ذلك من العبارات الظاهرة في الاكتفاء بالقدرة على الاكتساب، بل في المدارك في شرح المتن نسبته إلى الشهرة، وفي مفتاح الكرامة في شرح قول الفاضل في القواعد: " ويمنع القادر على تكسب المؤونة بصنعة أو غيرها " " هذا مما لا خلاف فيه كما في تخليص التلخيص إلا ما حكاه في الخلاف، وهو مع عدم معروفيته نادر ". وأما النصوص فالذي عثرنا عليه منها مضافا إلى بعض النصوص السابقة صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " سمعته يقول: إن الصدقة لا تحل لمحترف ولا لذي مرة سوي قوي، فتنزهوا عنها " وفي خبر معاوية بن وهب (4) قال: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يروون عن النبي (صلى الله عليه وآله) إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تصلح لغني " وكأنه إليه أشار الصدوق في الفقيه بقوله: قيل (5) للصادق (عليه السلام): " إن الناس يروون


(1) و (2) سنن البيهقى ج 7 ص 13 - 14 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 3 - 5

[ 314 ]

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي فقال (عليه السلام): قد قال لغني ولم يقل لذي مرة سوي " وفي خبر زرارة (1) المروي عن معاني الأخبار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ولا لمحترف ولا لقوي، قلنا: ما معنى هذا ؟ قال: لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر على ما يكف نفسه عنها " والخبر الأخير منها ظاهر في موافقة الثاني، لكن الأول فيه إشعار بالكراهة لا الحرمة، فيمكن حمل نفى الحل فيه للقوي عليها، كما أن الظاهر من انكاره أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ذلك جواز تناولها لذي لقوة، لكن في الوافي جعل الوجه فيه " أن ذكر الغني يغني عن ذكر ذي المرة السوي، قال: ولذا لم يقله، وذلك لأن الغنى قد يكون بالقوة والشدة كما يكون بالمال، ولو فرض رجل لا تغنيه القوة والشدة فهو فقير محتاج لا وجه لمنعه من الصدقة، فبناء المنع على الغنى ليس إلا " وهو كما ترى، والأولى حمله على ما قلنا، فيدل على جواز إعطاه ذي القوة إذا لم يكن محترفا فعلا. ويؤيد ذلك ما عساه يظهر من بعضهم من الاجماع على جواز إعطاء ذي الصنعة إذا أعرض عنها وترك التكسب بها، وإطلاق الأدلة وترك الاستفصال في كثير منها، والسيرة المستمرة في سائر الأعصار والأمصار على إعطائها للأقوياء القابلين للاكتساب أللهم إلا أن يحمل ذلك على حاجتهم الفعلية وإن كان ذلك بسبب تركه التكسب المقدور له، أو على عدم العلم بكونه قادرا على تكسب ما يمون به نفسه وعياله، ضرورة أعمية الاحتراف من ذلك، فمجرد قابليته للتكسب وقوته عليه لا يقضي بقدرته على تكسب مؤونته، إذ ربما لا يربح بل قد يخسر. لكن الأقوى في النظر الجواز مطلقا وإن كان الأولى له التنزه عنها إذا لم يكن


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 8

[ 315 ]

مشغولا بطلب العلم على وجه لا يمكنه الاجتماع مع الكسب، قال في المحي عن نهاية الأحكام والمنتهى والتحرير وغيرها: " لو كان التكسب يمنعه عن التفقه في الدين جاز أخذها، لأنه مأمور به إذا كان من أهله " نعم في الأول " لو كان لا يتأتى له تحصيل العلم لبلادته لم تحل له الزكاة مع القدرة على التكسب، وكذا لو اشتغل بنوافل العبادة وكان التكسب يمنعه عن استغراق الوقت بها لم تحل له الصدقة، لأن قطع الطمع عما في أيدي الناس أولى " ونحوه عن الايضاح والمهذب البارع، بل عن الأخير " وكذا لو اشتغل بالرياضات لا تحل له، وأما ما زاد على الواجب على التفقه فان كان طالبا لدرجة الاجتهاد أو قد بلغها وتحتاج الناس إلى التعلم منه جاز له ترك التكسب، وإن كان يعلم أنه لا يبلغ درجة الاجتهاد وكان في ازدياد ويعلم حاجة الناس إلى القدر الذي عنده جاز له الاشتغال بالتعلم والتعليم عن التكسب، وإلا فلا ". قلت: لا يخفى عليك عدم اعتبار شئ من ذلك على ما ذكرناه، لما عرفت من صدق اسم الفقير عليه بمجرد عدم ملكه لمايمون نفسه وعياله سنة، وعدم تلبسه بما يقوم بذلك، ولا تكفي القدرة عليه إذا لم يكن متلبسا به عازما عليه، ومن هنا كان البحث عن كثير من الفروع السابقة غير متجه، وإلا كان للنظر فيها مجال، خصوصا مع ملاحظة الوجوب الكفائي في العلم وعدمه، وأمكن المناقشة في جواز التناول مع عدم الوجوب، وفي غير ذلك مما لا يخفى، فتأمل جيدا، والله أعلم. وعلى كل حال فقد اتضح لك عدم الجواز إذا لم يقصر الحرفة أو الصنعة عن مؤونته (و) أنه (لو قصرت عن كفايته جاز له أن يتناولها) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص التي تقدم شطر منها ظاهرة أو صريحة فيه، إنما الخلاف (و) الاشكال في تقدير الأخذ للقاصر وعدمه، ف‍ (- قيل) كما حكاه غير واحد (يعطى ما يتمم كفايته و) استحسنه الشهيد في البيان والأكثر، بل المشهور أنه (ليس

[ 316 ]

ذلك شرطا) فيعطى ما يراد أن يعطى ولو زاد على غناه كالفقير غير المكتسب، لا طلاق الأمر بالاعطاء، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح سعيد بن غزوان (1) لما سأله " كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة ؟ فقال: أعطه من الزكاة حتى تغنيه " وفي موثقة عمار الساباطي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل " كم يعطى الرجل من الزكاة ؟ فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا أعطيت فأغنه " وقال أبو بصير (3): " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن شيخا من أصحابنا يقال له عمر سأل عيسى بن أعين وهو محتاج فقال له عيسى بن أعين: أما أن عندي من الزكاة ولكن لا أعطيك منها فقال له: ولم ؟ فقال: لأني رأيتك اشتريت لحما وتمرا، فقال: إنما ربحت درهما فاشتريت بدانقين لحما وبدانقين تمرا ثم رجعت بدانقين لحاجة، قال: فوضع أبو عبد الله (عليه السلام) يده على جبهته ساعة ثم رفع رأسه ثم قال: إن الله تبارك وتعالى نظر في أموال الأغنياء ثم نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بل يعطيه ما يأكل ويشرب ويتزوج ويتصدق ويحج " وموثق إسحاق بن عمار (4) " قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهما قال: نعم وزده، قلت: أعطيه مائة قال: وأغنه إن قدرت أن تغنيه " وموثقه (5) الآخر " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم قال: نعم قلت: مائتين قال: نعم، قلت: ثلاثمائة قال: نعم، قلت: أربعمائة قال: نعم، قلت: خمسمائة قال: نعم حتى تغنيه " إلى غير ذلك من النصوص المرخصة في الاغناء الذي من أفراده الاغناء سنين متعددة.


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 5 - 4 - 3 - 7 (3) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2

[ 317 ]

لكن في البيان " وما ورد في الحديث من الاغناء بالصدقة محمول على غير المتكسب " ورده في المدارك بأن هذا الحمل ممكن إلا أنه يتوقف على وجود المعارض، ولم نقف على نص يقتضيه، نعم ربما أشعر به مفهوم قوله (عليه السلام) في صحيح معاوية بن وهب (1): " ويأخذ البقية من الزكاة " لكنها غير صريحة في المنع من الزائد، ومع ذلك فمورد الرواية من كان معه مال يتجر به وعجز عن استنماء الكفاية لا ذو الكسب القاصر، قلت: هذا الاشعار مؤيد بما يظهر من رواية هارون بن حمزة (2) وموثق سماعة (3) وغيرهما من النصوص الظاهرة في الرخصة في أخذ البقية خاصة من الزكاة، والظاهر حجة شرعية كالصريح، بل يؤيده ما دل (4) على أن الله فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم، ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم، حيث علل عدم استحقاقهم الزائد باكتفائهم بالناقص، وما دل (5) على أن للفقير الذي عنده قوت شهر أن يأخذ قوت سنة، لأنها من سنة إلى سنة، الظاهر في أن منتهى الرخصة ذلك، والمناقشة في هذه باقتضائها عدم الفرق بين المكتسب القاصر كسبه وغير المكتسب يدفعها أن التحقيق ذلك إن لم يكن إجماعا ولم أتحققه، وإن كان ستسمعه من العلامة، بل ربما ادعاه بعض أهل الظاهر من أهل العصر تمسكا ببعض العبارات، لكن وصول الدال منها على المطلوب إلى حد الاجماع واضح المنع، ضرورة كون جملة منها كنصوص الاغناء التي لا دلالة فيها على المطلوب عند التأمل، ضرورة صدقه على كفاية السنة، ودعوى كون المراد منه الأعم من ذلك يمكن منعها، بل هي عند التدبر دالة على خلاف المطلوب، ومن هنا قال الفاضل الاصبهاني إنه لا دلالة فيها، لأن الاغناء يحصل بالتتمة، وما زاد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 4 - 2 (4) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7

[ 318 ]

عليها شئ زائد على الاغناء، ودعوى تحصيل الاجماع مع ما يظهر من عبارة المصنف وغيرها من كون محل الخلاف ذا الكسب القاصر دون غيره كما ترى، بل في المدارك ربما ظهر من كلام العلامة في موضع من المنتهى تحقق الخلاف في غيره أيضا، فانه قال: " لو كان معه ما يقصر عن مؤونته ومؤونة عياله حولا جاز له أخذ الزكاة، لأنه محتاج، وقيل: لا يأخذ زائدا عن تتمة المؤونة حولا، وليس بالوجه " لكنه حكى عنه في موضع آخر منه أيضا أنه قال: " يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه وما يزيد على غناه، وهو قول علمائنا أجمع " وبالجملة إن تحقق هذا الاجماع فهو، وإلا كان المنع قويا جدا، خصوصا مع الاجحاف بغيره من الفقراء، بل يمكن دعوى معلومية إنكار إعطاء الخمس أو الزكاة فقيرا واحدا من الشرع، فتأمل جيدا فيما وصل اليك من النصوص، والمعلوم من طريقة الشرع. وليعلم أن ذلك كله في الاعطاء دفعة، أما إذا أريد إعطاؤه دفعات فلا إشكال في عدم جواز ما زاد منها على كفاية السنة، ضرورة صيرورته غنيا بالدفعة الأولى مثلا فلا يجوز إعطاؤه حينئذ، والله أعلم. (و) على كل حال فقد بان لك أن (من هذا الباب تحل) الزكاة (لصاحب الثلاثمائة) بل السبعمائة بل الثمانمائة بل الأزيد من ذلك إذا كان ربحها لا يقوم بمؤونته (وتحرم على صاحب الخمسين) فما دون مع قيام الربح بها (اعتبارا بعجز الأول عن تحصيل الكفاية وتمكن الثاني) كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا، وسمعت النصوص الدالة عليه، والله أعلم. (ويعطى الفقير ولو كان له دار يسكنها أو خادم يخدمه إذا كان لاغنى له عنهما) ولو لشرفه بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، وفي الصحيح عن عمر

[ 319 ]

ابن أذينة (1) عن غير واحد عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " أنهما سئلا عن الرجل له دار أو عبد أو خادم يقبل الزكاة قال: نعم، إن الدار والخادم ليسا بمال " وفي خبر عبد العزيز (2) قال: " دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير: إن لنا صديقا وهو رجل صدق يدين الله بما ندين به، فقال: من هذا يا أبا محمد الذي تزكيه ؟ فقال: العباس بن الوليد بن صبيح، فقال: رحم الله الوليد بن صبيح ما له يا أبا محمد ؟ قال: جعلت فداك له دار تسوى أربعة آلاف درهم، وله جارية وله غلام يستقي على الجمل كل يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة ؟ قال: نعم، قال: وله هذه العروض فقال: يا أبا محمد أتأمرني أن آمره بيبع داره وهي عزه ومسقط رأسه أو بييع جاريته التي تقيه الحر والبرد، وتصون وجهه ووجه عياله، أو آمره يبيع غلامه أو جمله وهو معيشته وقوته بل يأخذ الزكاة وهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله " وهما ظاهران في استثناء كل ما يحتاج إليه كفرس الركوب وثياب التجمل اللتين نص على إلحاقهما الفاضل في المحكي من تذكرته، قائلا إنه لا يعلم في ذلك كله خلافا، والظاهر أرادته منهما المثال لكل ما يحتاجه حتى كتب العلم ونحوها مما تمس الحاجة إليه، ولا يخرج بملكها عن حد الفقر إلى الغنى عرفا، بل الظاهر أن منها ما يحتاج إليه لعزه وشرفه، هذا. وفي المدارك " أنه لو كانت دار السكنى تزيد عن حاجته بحيث تكفيه قيمة الزيادة حولا وأمكنه بيعها منفردة فالأظهر خروجه بذلك عن حد الفقر، أما لو كانت حاجته تندفع بأقل منها قيمة فالأظهر أنه لا يكلف بيعها وشراء الأدون، لا طلاق النص


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (2) ذكر ذيله في الوسائل في الباب - 9 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 وتمامه في فروع الكافي ج 1 ص 562 المطبوعة عام 1377

[ 320 ]

ولما في التكليف بذلك من العسر والمشقة، وبه قطع في التذكرة - ثم قال -: وكذا الكلام في العبد والفرس، ولو فقدت هذه المذكورات استثني له أثمانها مع الحاجة إليها، ولا يبعد إلحاق ما يحتاج إليه في التزويج بذلك مع حاجته إليه " وفيه أن إطلاق النص يقتضي عدم الفرق بين الزيادتين لحمله على المتعارف من عدم الزيادة، وكذا الكلام في العبد والفرس، وأما استثناء الاثمان فلا يخلو من وجه، ضرورة صدق الحاجة إليها، فتندرج في المؤونة من غير فرق في ذلك بين الحاجة إليها للعجز أو للعز، ولعله لذا جزم ثاني الشهيدين وثاني المحققين بالابدال مع الزيادة، وهو جيد لما عرفت، فالمدار حينئذ على عادته أو حاجته، وقد يجتمعان وقد يفترقان، ولا وجه لاعتبارهما جميعا كما عن بعضهم ولا للاقتصار على الأولى كما عن آخر، نعم لا بأس بالاقتصار على الثانية مع إرادة عمومها للأولى، ولا فرق معها بين المتحد والمتعدد، وما في بعض الكتب من أن الظاهر عدم اعتبار العادة في تعدد فرس الركوب، لعدم نقص قدر الشريف في الاقتصار على فرس واحد فيه مالا يخفى، وبالجملة المدار على ما يناسب حاله حاجة وعزا في جميع ذلك كما وكيفا، ويختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، والله أعلم. (ولو ادعى الفقر فان عرفت صدقه أو كذبه عومل بما عرف منه) بلا خلاف ولا إشكال (ولو جهل الأمران أعطي من غير يمين سواء كان قويا أو ضعيفا) بلا خلاف معتد به أجده، بل في المدارك هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل ظاهر المعتبر والعلامة في كتبه الثلاثة أنه موضع وفاق، نعم في المبسوط " لو ادعى القوي الحاجة إلى الصدقة لأجل عياله ففيه قولان، أحدهما يقبل قوله بلا بينة، والثاني لا يقبل إلا ببينة لأنه لا يتعذر، وهذا هو الاحوط " لكن في المختلف الظاهر أن مراد الشيخ بالقائل من الجمهور، وعلى كل حال فقد استدل عليه بعضهم بالأصل، وهو - مع أنه لا يتم فيمن الجواهر - 40

[ 321 ]

كان له أصل مال الذي ستعرف عدم الفرق بينه وبين المقام، ولا فيمن ادعى الكتابة أو الغرم كما ستعرف في سهم الرقاب والغارمين، إذ من المعلوم كون الجميع من واد واحد عند المعظم، بل مقتضاه جواز الدفع من دون دعوى - قد يناقش فيه بمعلومية انقطاع الأصل، للقطع بحصول مال له في الجملة فيما مضى من الأزمنة، وفرض موضوع لم يحصل فيه القطع غير مجد، إذ هو في غاية الندرة، نعم قد يقال: إن القطع بحصول مال له في الجملة لا ينافي استحصاب حال عدم الغنى له، إذ حصول مال له أعم من حصول صفة الغنى له به، لكن قد يدفع بأن المال المقطوع بحصوله له يمكن حصول وصف الغنى به، ويمكن أن لا يكون كذلك، وإثبات صفته بالأصل كما ترى، وعلى كل حال فالاستدلال بالأصل لا يتم في جميع أفراد البحث كما هو واضح. ومن هنا استدل عليه بعضهم بما حاصله أن الأصل قبول كل دعوى للمسلم مع عدم المعارض له فيها، ونصوص البينة (1) بقرينة قوله (عليه السلام) فيها: " واليمين على من أنكر " ظاهرة في الدعوى المقابلة بالانكار لا مطلقا، وفي خبر منصور بن حازم (2) عن الصادق (عليه السلام) " قلت له: عشرة كانوا جلوسا وفي وسطهم كيس وفيه الف دينار فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس ؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد: هو لي، فلمن هو ؟ فقال: هو الذي ادعاه " إشعار به في الجملة، بل قد يقال: إن الزكاة بعد أن أوجبها الشارع وملكها الفقراء صارت كالمال المطروح، فمن ادعى أنه من أهلها أخذ منها، وفي الحدائق يستفاد من هذا الخبر أن كل من ادعى ما لا يد عليه قضي له به، وبذلك صرح الأصحاب من غير خلاف ينقل، ثم حكى عن الشهيد الثاني


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب كيفية الحكم - من كتاب القضاء (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب كيفية الحكم - الحديث 1 من كتاب القضاء مع الاختلاف

[ 322 ]

في المسالك أنه بعد نقل الرواية المذكورة دليلا للحكم قال: ولأنه مع عدم المنازع لا وجه لمنع المدعي منه، ولا لطلب البينة ولا لاحلافه، إذ لا خصم له. وقد يناقش في هذا الدليل بأنه لو سلم فانما يسلم في الكيس ونحوه مما لا مدخلية لمسلم آخر فيه بخلاف المقام الذي قد كلف فيه المسلم بايصال الزكاة للفقير المتوقف ذلك على العلم بفقره ولو بالبينة الشرعية وما يقوم مقامها، وليس دعوى الفقير من ذلك، بل المقام أشبه شئ بدعوى العدالة أو دعوى الاجتهاد في جواز الصلاة خلفه أو الأخذ منه، وأما ما دل من النصوص (1) على تصديق المرأة في أن لا زوج لها فمع موافقته للأصل في بعض الأفراد لا يتعدى منه إلى غيره، كبعض الصحاح (2) الدالة على تصديقها في تجحيش نفسها إذا كانت مطلقة ثلاثا، وما دل من النصوص (3) أيضا على قبول قول من كان عليه خمس أو زكاة في الاخراج، وقبول قوله في إبدال النصاب فرارا من الزكاة، ودعوى النقصان عند الخرص، وغير ذلك من المواضع التي ذكر ثاني الشهيدين منها ما يزيد على عشرين، ثم قال: وضبطها بعضهم بأنها كل ما كان بين العبد وبين الله، ولا يعلم إلا من قبله، ولا ضرر فيه على الغير، أو ما تعلق به الحد أو التعزير ضرورة مطالبة كل ما كان منها نحو المقام بالدليل، ودعوى كون المنشأ في الجميع أنها دعوى لا معارض لها على وجه يشمل المقام ممنوعة، ولعله لذا استشكل في الحكم هنا في المدارك وتبعه غيره، قال: " والمسألة محل إشكال من اتفاق الأصحاب ظاهرا على جواز الدفع إلى مدعي الفقر إذا لم يعلم له أصل مال من غير تكليف له ببينة ولا يمين، وورود


(1) الوسائل - الباب - 23 و 25 - من أبواب عقد النكاح - من كتاب النكاح (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب أقسام الطلاق - الحديث 1 من كتاب الطلاق (3) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 والباب 14 من أبواب زكاة الأنعام

[ 323 ]

بعض الأخبار بذلك، وكونه موافقا للأصل، واستلزام التكليف باقامة البينة على الفقر الحرج والعسر في أكثر الموارد، ومن أن الشرط انصاف المدفوع إليه بأحد الأوصاف الثمانية، فلابد من تحقق الشرط كما في نظائره، والاحتياط يقتضي عدم الاكتفاء بمجرد الدعوى إلا مع عدالة المدعي أو ظن صدقه " وفيه أن عدالة المدعي أو ظن الصدق لا يجديان في إثبات الشرط أيضا على وجه يحصل به براءة الذمة كما هو واضح، ولعله أشار بورود بعض الأخبار إلى ما ورد (1) في إعطاء السائل ولو كان على ظهر فرس أو إلى خصوص خبر عبد الرحمان (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: " جاء رجل إلى الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما جالسان على الصفا فسألهما فقالا: إن الصدقة لا تحل إلا في دين موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع ففيك شئ من هذا، قال: نعم، فأعطياه وقد كان الرجل سأل عبد الله بن عمر وعبد الرحمان بن أبي بكر فأعطياه ولم يسألاه عن شئ، فرجع اليهما فقال لهما: ما بالكما لم تسألاني عن حالي كما سألني الحسن والحسين (عليهما اللسلام) وأخبرهما بما قالا، فقالا: إنهما غذيا بالعلم غداء " وضعف السند منجبر بالشهرة أو الاتفاق ظاهرا كالدلالة، وكأنهما (عليهما السلام) علما كونه من غير الاصناف الأخر وانحصار حاله في الفقر أو الغرم بناء على إرادة الصدقة الواجبة أي الزكاة. والانصاف أنه مع ذلك كله لا مناص عما عليه الأصحاب في المقام، وفي دعوى الكتابة والغرم ونظائرها لذلك، أو لأن الثابت من التكليف إيتاء الزكاة لا إيتاؤها للفقير مثلا، وقوله تعالى (3): " إنما الصدقات " إلى آخره لا يفيد إلا كونها لهم في الواقع


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب الصدقة - الحديث 1 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب المستحقين للزكاة - الحديث 6 وتمامه في فروع الكافي ج 2 ص 47 المطوعة عام 1377 (3) سورة التوبة - الآية 60

[ 324 ]

دون غيرهم، لا أن المكلف يجب عليه إحراز الصفات في الدفع، وقوله صلى الله عليه وآله (1): " لا تحل الصدقة لغني " إنما يفيد مانعية الغنى لا شرطية الفقر في الدفع والايتاء، وفرق واضح بينهما، فالزكاة في يد من كانت مكلف بدفعها، وأما من تناولها فان عرف أنه من أهلها فهي حلال له، وإلا فحرام عليه، لأنها مال الله، وليس لأحد مدخلية فيها، فهي في الحقيقة كالمال المطروح الذي لا يد لأحد عليه مؤيدا ذلك كله بالعسر والحرج في التكليف بالبينة في كثير من المقامات، وبالسيرة والطريقة، وما يظهر من جملة من النصوص في الصدقة الواجبة والمندوبة قولا وفعلا. ومن ذلك يظهر لك الحال في قول المصنف: (وكذا لو كان له أصل مال وادعى تلفه) كما هو المعروف أيضا بين الأصحاب في المقام (وقيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه (بل يحلف على تلفه) لأصالة بقائه، وفيه أنه لا دليل على إثبات اليمين لمثل ذلك، ولعله لذا كان المحكي عنه في نقل آخر التكليف بالبينة، وهو وإن كان أجود من الاكتفاء باليمين بناء على عدم قبول قوله لكن فيه ما عرفت مما لا فرق فيه في المقام بين ما لو كان له أصل مال أو لا، ولعل ما ذكرنا ونحوه هو الدليل في دعوى النسب في جواز تناول الخمس وإن توقفنا فيه هناك، ولو وكله من عليه الحق وكالة مطلقة فتناولها هو لعلمه بحاله كان طريق احتياط مع عدالة الوكيل إن قلنا باعتبارها، وكذا في دعوى النسب فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لا يجب إعلام الفقير أن المدفوع إليه زكاة) لاطلاق الأدلة (فلو كان ممن يترفع عنها) ويدخله حياء منها (وهو مستحق جاز صرفها إليه على وجه الصلة) ظاهرا والزكاة واقعا، بل ظاهر استحبابه، بل عن التذكرة أنه لا يعرف فيه


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 8

[ 325 ]

خلاف، قال أبو بصير (1) في الصحيح أو الحسن كالصحيح " قلت لأبي جعفر عليه السلام: الرجل من أصحابنا يستحي أن يأخذ الزكاة فأعطيه من الزكاة ولا أسمي له أنها من الزكاة فقال: أعطه ولا تسم له ولا تذل المؤمن " ودعوى ضعفها باشتراك أبي بصير بين الثقة وغيره مع أنا في غنية عنها باطلاق الأدلة وانجبارها بالعمل على وجه لا يعرف فيه خلاف كما اعترف به في الحدائق مضافا إلى ما سمعته من التذكرة يدفعها منع الاشتراك بين الثقة وغيره أولا كما حقق في محله، وثانيا أن الظاهر كونه المرادي الثقة الجليل القدر بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه، لكن قال محمد بن مسلم (2) في الحسن كالصحيح " قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يكون محتاجا فنبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها يأخذه من ذلك زمام واستحياء وانقباض، أفنعطيها إياه على غير ذلك الوجه وهي منا صدقة ؟ فقال: لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فان لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إياه وما ينبغي له أن يستحيي مما فرض الله عز وجل، إنما هي فريضة الله فلا يستحي منها " إلا أنه لم نجد عاملا به على ظاهره، وإن كان قد يظهر من الدروس نوع توقف في الحكم من جهته، لأنه اقتصر - بعد ذكر مثل ماهنا - على ذكر الخبر المزبور من غير تعرض للتأويل، وحمله في المدارك على الكراهة، قال: وروى الكليني (3) بعدة طرق عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " تارك الزكاة وقد وجبت له مثل مانعها وقد وجبت عليه " ومرجعه إلى أن الأولى منعه منها وإعطاؤها لمن يقبلها، فان ظاهره الغنى عنها، وآخر على أن " لا " فيه إضراب عن الكلام السابق لا على النهي، ويكون ما بعد


(1) الوسائل الباب - 58 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 58 من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 وذيله في الباب 57 منها - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 و 3

[ 326 ]

" لا " بيانا، وحاصل المراد أن له قبولها ولا يستحي من فريضة الله، فان لم يقبلها على هذا الوجه فلا يلزمه بها ويعطيها إياه على وجه الزكاة، ويفهم منه حينئذ جواز الاعطاء لا على هذا الوجه، وجواب السؤال حينئذ إنما علم من المفهوم، وإلا فمنطوق الخبر قد سيق لبيان حال المستحق من أنه ينبغي له ولا ينبغي له، وثالث على احتمال كون الامتناع لعدم الاحتياج وانتفاء الاستحقاق، وفيه أنه خلاف ما فرضه الراوي، وقال في الوافي بعد نقل الخبرين: " لعل الفرق بينهما أن الأول قد علم من حاله الاستحياء منها ولكن إذا بعثت إليه يقبلها إذا كان مضطرا إليها، بخلاف الثاني فانه قد بعثت إليه ولم يقبلها، وإنما نهي عن إعطائها إياه لأنه إن كان مضطرا إليها فقد وجب عليه أخذها، فان لم يأخذها فهو عاص، وهو كمانع الزكاة، وإن لم يضطر إليها ولم يقبلها فلا وجه لاعطائها إياه ". قلت: يمكن حمل الحسن المزبور على عدم الاجتزاء بقبض المستحق مصرحا باشتراط كونه لا على وجه الزكاة بل على وجه الصلة أو الهبة أو استيفاء دين يزعمه على الدافع أو نحو ذلك، وأنه إن كانت الزكاة فهو غير قابل لها، بخلاف الصحيح الأول فان أقصاه إيصال الزكاة له من دون تسميتها له، ولم يكن قد قبضها مشترطا في قبضه عدم كونها زكاة، بل أقصاه عدم تشخيص قصده بكونها زكاة الحاصل من عدم تسميتها له، ولا دليل على اشتراطه، بل إطلاق الأدلة يقتضي عدمه، خصوصا بناء على أنها في الذمة، أو صارت فيها بالعارض، لأنها كالدين يكفي فيه نية الدافع، وكذا بناء على كونها في العين فانه يكفي نيته وقبض المستحق بعنوان التملك، لا طلاق الأدلة، وصدق امتثال الأمر بالايتاء، ومعلومية كون الزكاة ليست من قسم العقود المعتبر مطابقة قبولها ولو فعلا لايجابها، بل هي أشبه شئ بالأحكام، واعتبار قبض المستحق إنما هو لتحقيق امتثال الدافع فيما أمر به من الايتاء، وإلا فهو لا ربط له بالدفع، فمع حصول كل من

[ 327 ]

الدفع والقبض يتم الامتثال وإن لم يقصد القابض كونها زكاة، ولا يحصل (ولا حصل خ ل) منافاة بين القصدين بل الظاهر الاجتزاء بذلك وإن كذب الدافع وقال: إنها ليست زكاة إلا أن القابض لم يقبضها على أنها ليست زكاة بل نوى التملك المطلق الذي يجامع كونها زكاة في الواقع، لأن الاثم الحاصل للدافع بالكذب في إخباره لا يقدح في صدق الامتثال في الواقع، نعم لو كان القبض على أنها ليست زكاة بل هبة أو نحوها أشكل براءة ذمة الدافع بذلك، وأشكل دخول المدفوع في ملك القابض، ضرورة كونه حينئذ كالذي لم ينو التملك، لأن ما نواه لم يسلم له في الواقع، والاكتفاء بمجرد القبض ولو كان مجردا عن النية لا يخلو من إشكال، لأستصحاب الشغل وعدم الدخول في ملك الفقير، ولو صح ذلك لجاز دسها في مال الفقير من غير علم، وأشكل منه الاكتفاء بنية التملك المنافي لقصد المالك الذي لم يسلم للناوي، ففي الحقيقة ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، فتأمل جيدا فان المقام محتاج إليه، ضرورة ظهور جملة من العبارات في الاجتزاء وإن اختلف القصدان، كعبارة اللمعة ونحوها مما صرح فيها بايصالها على وجه الهدية القاضي غالبا يكون قصد القابض ما ظهر له من الاهداء، فينافي كونها زكاة، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لو دفعها) أي الزكاة (إليه على أنه فقير فبان غنيا ارتجعت) منه مع التمكن) مع بقاء العين أو تلفها مع علم القابض بكونها زكاة، لكونه حينئذ غاصبا، فيجري عليه حكمه حتى لو كان جاهلا بحرمة دفع الزكاة للغني، إذ هو جهل بالحكم الشرعي لا يعذر فيه بالنسبة إلى الضمان، بل الظاهر ذلك أيضا لو دفعها إليه على أنه غني جاهلا بحرمة الزكاة على الغني أو عالما وتعمد الدفع، ضرورة تحقق العدوان في استيلاء يده على كل حال كالمقبوض بالمعاملة الفاسدة مع علم الدافع بالفساد وجهل المدفوع إليه، فضلا عن حال علمهما معا أو جهلهما معا أو جهل الدافع وعلم المدفوع إليه، لأن الفرض كون الدفع على وجه الزكاة، فاذنه حينئذ مقيدة بذلك، وعلمه بعدم تحقق القيد

[ 328 ]

شرعا لا ينافي التقييد به كي يتفرع عليه الضمان ونحوه، ولا غرور منه بعد الأخبار بأنه زكاة، وإنما غره جهله بالحكم الشرعي، فلا يعذر فيه، وبالجملة فساد الدفع يقضي بعدم ترتب أثر الدفع الصحيح عليه، وإرجاع بعض الصور السابقة إلى الهبة أو نحوها مع عدم قصد الدافع لها كما هو الفرض واضح الفساد. هذا كله مع علم المدفوع إليه بأنها زكاة، أما مع جهله فعن المصنف في المعتبر القطع بعدم جواز ارتجاع العين معللا له بأن الظاهر كونها صدقة أي مندوبة، وفيه أن الدفع بنفسه أعم من ذلك، وعن المنتهى ذلك أيضا معللا له بأن الدفع محتمل للوجوب والتطوع، وفيه أن الاحتمال لا يثبت المطلوب هنا، وحمل فعل المسلم على الصحة كما ترى بعد التصريح من الفاعل بما يقتضي الفساد، وهو المؤتمن على فعله وأبصر به، لأنه لا يعلم إلا من قبله، والفرض أن المدفوع إليه لم يعارضه بأن ادعى عليه إظهار كونه هبة أو نحوها وإلا كان من مدعي الصحة والفساد يقدم الأول بيمينه على الثاني، أما في الفرض فالمتجه العكس، وفرق واضح بين ذلك وبين المعاملة الواقعة من الطرفين إذا ادعى أحدهما صحتها والآخر فسادها، لاتحاد المعاملة المتنازع فيها، واختلاف وجهها، والأصل صحة فعل كل منهما، ودعوى أحدهما فساد فعله بحيث يسري إلى فساد فعل الآخر مخالفة للأصل المزبور، فكان القول قول الموافق للأصل دونه، بخلاف ما نحن فيه الذي قبض المدفوع إليه فيه من توابع فعل الدافع، فتأمل جيدا فانه دقيق. نعم قد يتجه عدم الرجوع مع التلف باعتبار كونه كالغار له، فهو أقوى منه في الاتلاف، ولعله إلى ذلك مال سيد المدارك، فانه - بعد أن حكى عن المعتبر والمنتهى ما سمعت، وعن التذكرة " أنه استقرب جواز الاسترجاع لفساد الدفع، ولأنه أبصر بنيته " - قال: " وهو جيد مع بقاء العين، وانتفاء القرائن الدالة على كون المدفوع الجواهر - 41

[ 329 ]

صدقة أي مندوبة " وإنما قيده بذلك لظهور عبارته في الاطلاق كالمتن، والتحقيق ما سمعت، وقال الأستاذ في كشفه: " ولو دفع زكاته إلى الامام (عليه السلام) أو نائبه العام أو الخاص برئت ذمته سواء أصاب الدافع المدفوع إليه في دفعه أو أخطأ، ولا ضمان على أحد منهم، ولو دفعها بنفسه إلى الفقير بزعم فقره وعلم المدفوع إليه بأنها زكاة وكان ممن لا يستحقها استرجعها منه مع التلف وبدونه، ومع علم الدافع لا رجوع مع التلف إلا أن يكون بعد العزل، وإن لم يعلم بكونها زكاة استرجعها مع بقائها دون التلف، والحكم في دفع الامام (عليه السلام) أو نائبه مثله " وهو موافق لما قلناه إلا في الفرق بين العزل وعدمه مع التلف وعلم الدافع، وفيه أن المتجه في ذلك ما سمعت من الرجوع مطلقا من غير فرق بين العزل وعدمه، وإن كان الأول أوضح باعتبار تشخصه بالعزل مال الغير، فلولي المسلمين مطالبة كل منهما به بخلافه قبل العزل، فيختض مطالبة الولي فيه بالمالك، لبقائه مشغولا بالخطاب، والمالك يطالب المدفوع إليه باعتبار كون الاذن مقيدة فتأمل جيدا، والله أعلم. وكيف كان (فان تعذر) ارتجاعها حيث يرجع عليه (كانت ثابتة في ذمة الآخذ) لما عرفت (ولم يلزم الدافع) مع عدم التقصير (ضمانها سواء كان الدافع المالك أو الامام (عليه السلام) أو الساعي) بلا خلاف أجده في الأخيرين كما اعترف به في محكي المنتهى، بل نفاه عنه بين العلماء، قال: لأن المالك أدى الواجب، وهو الدفع إلى الامام (عليه السلام) أو نائبه، فيخرج عن العهدة، والدافع فعل المأمور به، وهو الدفع إلى من يظهر منه الفقر، إذ الاطلاع على الباطن متعذر، وامتثال الأمر يقتضي الاجزاء وفيه أن مثله يجري في المالك أيضا، ومن هنا كان حيرة المصنف عدم الفرق، بل هو المحكي عن الشيخ وجماعة، بل قيل: إنه المشهور، أللهم إلا أن يفرق بينهما بظهور الأدلة في الشرطية الواقعية في الزكاة، فيبقى المكلف في العهدة، بخلاف دفع الامام (عليه السلام)

[ 330 ]

أو نائبه، فانه ليس فيه الدفع الزكاتي، بل خطاب آخر يكفي في امتثاله مراعاة الاذن الشرعية، خصوصا بعد أصالة براءة ذمتهما من الضمان، وبعد معلومية منافاة منصب السلطنة ضمان أمثال ذلك، ومعلومية كون فعل النبي (صلى الله عليه وآله) فعل الله الذي هو المالك الحقيقي، على أن خطأ الامام في الموضوع يكون في بيت المال، ولا معنى له هنا، إذ مرجعه الغرامة للفقراء من مالهم، إلى غير ذلك مما يصلح فارقا بين الامام (عليه السلام) والمالك. ولعله لذا كان المحكي عن المفيد وأبي الصلاح الاعادة في دفع المالك دونهما لما عرفت وللصحيح عن الحسين بن عثمان (1) عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل يعطي زكاة ماله رجلا وهو يرى أنه معسر فوجده موسرا قال: لا يجزي " وإرساله - مع كون الراوي عن الحسين بن أبي عمير الذي مراسيله كالصحاح عند الأصحاب، والظاهر كونه هو المرسل - منجبر بموافقته لقاعدة الشرطية المستفادة من ظاهر الأدلة القطعية، ودعوى ظهور الاجزاء مما دل على حجية الأصول والاستصحابات ونحوها واضحة المنع، خصوصا في إيصال الأموال إلى غير أهلها، ومعتضد بأصالة الشغل، وبما في صحيح أبي المعزا (2) عن الصادق (عليه السلام) " إن الله أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم " وما في غيره من الصحاح (3) والمعتبرة من أن الزكاة مخصوصة بأهلها حتى أن المخالف بعد الاستبصار يقبل منه جميع عباداته في حال الضلال سوى الزكاة، لأنه وضعها في غير أهلها، وفي الصحيح عن الوليد بن صبيح (4) " أنه قال له شهاب بن عبد ربه الثقة الجليل: أبلغ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث ؟ - 4 (3) الوسائل - الباب - 2 و 3 و 4 - من أبواب المستحقين للزكاة (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب مستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 331 ]

الصادق (عليه السم) عني السلام وأعلمه أنه يصيبني فزع في منامي، فقال الصادق عليه السلام: قال له: فليزك، فأجاب شهاب أن الأطفال يعلمون أني أزكي مالي، فقال (عليه السلام): قل له: إنك تخرجها ولا تضعها مواضعها " ولعل فيه إيماء إلى ترك الاجتهاد في مستحقها. ومن هنا جعل جماعة المدار في الضمان وعدمه على الاجتهاد وعدمه، بل لعله المشهور بين المتأخرين، لأنه أمين فيجب عليه الاستظهار، ولفحوى الحسن (1) أو إطلاقه " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل عارف أدى الزكاة إلى غير أهلها زمانا هل عليه أن يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم ؟ قال: نعم، قلت: فان لم يعرف لها أهلا فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل وقد كان طلب واجتهد ثم علم بعد سوء ما صنع قال: ليس عليه أن يؤديها مرة أخرى " وفي الكافي والتهذيب وعن زرارة (2) مثله غير أنه قال: " إن اجتهد فقد برئ، وإن قصر في الاجتهاد والطلب فلا " لكن في المدارك " يتوجه على الأول أنه إن أريد بالاجتهاد القدر المسوغ لجواز الدفع ولو بسؤال الفقير فلا ريب في اعتباره إلا أن مثل ذلك لا يسمى اجتهادا، ومع ذلك فيرجع هذا التفصيل بهذا الاعتبار إلى ما أطلقه الشيخ في المبسوط من انتفاء الضمان مطلقا، وإن أريد به البحث عن حال الفقير زيادة على ذلك كما هو المتبادر من لفظ الاجتهاد فهو غير واجب إجماعا على ما نقله جماعة " قلت: قد يقال: لا منافاة بين عدم وجوبه وترتب الضمان على عدمه، ثم قال: " وعلى الروايتين أن موردهما خلاف محل النزاع، لكنهما تدلان بالفحوى على انتفاء الضمان مع الاجتهاد في محل النزاع، أما الضمان مع انتفاء الاجتهاد فلا دلالة لهما عليه في التنازع بوجه " قلت: قد يمنع دلالتهما بالفحوى على عدم الضمان أيضا بناء على ظهورهما في إرادة إعطائها للمخالفين، والمراد بالاجتهاد فيهما في السؤال الثاني الطلب لأهلها المؤمنين فلم يجدهم ثم دفعها حينئذ إلى غيرهم، وهذا غير


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 2

[ 332 ]

ما نحن فيه من الاجتهاد في كون المدفوع إليه مؤمنا مثلا ثم بان أنه مخالف، ولا يستفاد منه حكمه لا بالفحوى ولا بغيرها، ومن ذلك كله ظهر لك قوة ما ذهب إليه المفيد وأبو الصلاح من الضمان مطلقا، ودعوى منافاته لسهولة الملة وسماحتها وكون الفقير من الموضوعات الخفية التي لا يكلف فيها بالواقع يدفعها أن المنافي لها أيجاب الدفع للمتيقن فقره في الواقع إذا قلنا بأن له الدفع، أما لمن ظاهره الفقر ولو بدعواه بل وإن لم يدع بناء على اعتبار الأصل فيه ولكن يضمن إذا ظهر الخلاف فلا منافاة فيه، كما هو واضح. (وكذا) الكلام فيما (لو بان أن المدفوع إليه كافر أو فاسق أو ممن تجب نفقته أو هاشمي وكان الدافع من غير قبيله) لاتحاد الجميع فيما تقدم من الأدلة، لكن قد يظهر من بعض متأخري المتأخرين إطباق الأصحاب هنا على عدم الضمان مطلقا، وكأنه أخذه مما في المختلف من الاجماع على الاجزاء فيها، إلا أنه يمكن أرادته الاجماع من الخصم، لأنه ذكره في الرد على أبي الصلاح بعد ما حكى عنه الفرق بين الفقير والغني على أنه يمكن منعه عليه بالتتبع حتى عند المتأخرين، فان ظاهر الدروس وغيره ممن جعل المدار على الاجتهاد عدم الفرق بين سائر الشرائط، وما ذكرناه من الكلام بعينه آت في المقام خصوصا بعد أن لم يذكروا له دليلا سوى قاعدة الاجزاء التي قد عرفت ما فيها سيما في المقام الذي هو كالدين وكالأمانة ونحوهما مما لا يسقط الاعادة عن المكلف بهما الأخذ بالطرق الشرعية الظاهرية. وكيف كان فقد استثنى غير واحد من ذلك ما لو بان أن المدفوع إليه عبد للمالك فان الاعادة فيه واجبة مطلقا، لان المال لم يخرج عن ملك المالك بذلك، فجرى مجرى عزلها من غير تسليم، وأشكله في المدارك بأن ذلك بعينه آت في سائر الصور، فان غير المستحق لا يملك الزكاة في نفس الأمر سواء كان عبدالمالك أو غيره، والجواب عن الجميع واحد، وهو تحقق التسليم المشروع المقتضي للاجزاء، وفيه أنه يمكن الفرق

[ 333 ]

بين العبد وغيره بأن الدفع إليه ليس إيتاء بخلاف الدفع ألى غيره، فانه إيتاء، إلا أنه فقد شرط الصحة في الواقع لا الملك وعدمه حتى يتجه عليه ما ذكره، والمراد بعدم الخروج عن ملك المالك أنه وقع المال في يد ماله، فهو كما لو عزله وجعله في صندوق ونحوه، ولعله لذا خص الاستثناء في عبد الدافع لا مطلق العبد، فتأمل، نعم الظاهر اختصاص الاستثناء بدفع المالك لا الامام، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة فلم يفرق بينهما وفيه منع واضح، والله أعلم. الصنف الثالث من مستحقي الزكاة كتابا (و) سنة وإجماعا بقسميه (العاملون) عليها (وهم عمال الصدقات) الساعون في تحصينها، وتحصيلها بجباية وولاية على الجباة وغيرهم من أصناف السعاة أو على بلد الزكاة بحيث تتضمن الولاية على السعاة، وكتابة وحساب وحفظ ونحو ذلك مما له مدخل في التحصيل أو التحصين إلى أن تصل إلى المستحقين، وفي شرح الفاضل " والقسمة مما لها مدخلية في ذلك، لأنها تحصيل الزكاة لمستحقيها، وتحصين لها عن غيره، وعن استبداد البعض بجميعها " قلت: لكن قال العالم (عليه السلام) في المروي (1) عنه في تفسير علي بن أبراهيم: " والعاملين عليها هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها " وظاهره خروج القسمة عن العمل، ويمكن إرادة أول الشهيدين وغيره من القسمة المذكورة في العمل القسمة مع المالك. وكيف كان فلا خلاف بيننا في استحقاق هؤلاء نصيبا منها، خلافا لبعض العامة فقال: إن ما يأخذه العامل يكون أجرة وعوضا لا زكاة، لأنه لا يعطى إلا مع العمل، والزكاة تدفع استحقاقا لا عوضا، ولأنه يأخذها مع الغنى إجماعا محكيا عن الخلاف، للأصل وظاهر الآية والصدقة لا تحل لغني، وحكاه في التذكرة عن أبي حنيفة، وفيه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7

[ 334 ]

مع أنه اجتهاد في مقابلة الكتاب والسنة أن توقف الأخذ على العمل لا ينافي الاستحقاق لها بشرط العمل، بل لا ينافي أخذها باعتباره لا باعتبار الفقر، ولذا جازت له مع الغنى كابن السبيل الغني في بلده، وما ورد في النصوص (1) من أن علة شرعها الفقر لا يقتضي اختصاص جهة صرفها فيه. (و) على كل حال فللعمال أحكام كثيرة قد اشتمل صحيح يريد (2) على جملة منها، إلا أن الذي (يجب أن يستكمل فيهم أربع صفات: التكليف) بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال، فلا تجوز عمالة الصبي والمجنون ولو باذن وليهما، لأنها نيابة عن الامام (عليه السلام) في الولاية على قبض مال الفقراء وحفظه لهم، وهما قاصران عن ذلك (و) من هنا اعتبر فيهم (الايمان) بالمعنى الأخص، لعدم جواز هذه الولاية لغيره، إذ هي غصن من شجرة العهد الذي لا يناله الظالمون، مضافا إلى عموم ما دل (3) على عدم جواز إعطائهم الصدقات (و) إلى ما حكي من الاجماع في الروضة والمفاتيح على اعتبار (العدالة) فيهم المعلوم انتفاؤها في غير المؤمن، والخلاف الآني في اعتبار العدالة في المستحقين في غير المقام، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) لمصدقه الذي أرسله إلى الكوفة: " انطلق يا عبد الله وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظا لما ائتمنتك عليه، راعيا لحق الله فيه - إلى أن قال له -: فإذا قبضته - أي حق الله - فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف بشئ منها، ثم احدر كل ما اجتمع عندك من كل ناد الينا نصيره حيث أمر الله، فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يفرق بينهما، ولا يمصرن لبنها


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (2) و (4) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب المستحقين للزكاة

[ 335 ]

فيضر ذلك بفصيلها، ولا يجهدنها ركوبا، وليعدل بينهن في ذلك، وليوردهن كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في الساعة التي تريح وتعبق وليرفق بهن جهده حتى يأتينا باذن الله سماحا سمانا غير متعبات ولا مجهدات، فيقسمن باذن الله على كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) فان ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك، ينظر الله إليها واليك وإلى جهدك ونصحك لمن بعثك وبعثت في حاجته، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما ينظر الله إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة والنصيحة له ولامامه (عليه السلام) إلا كان معنا في الرفيق الأعلى " الحديث. ومعلوم أن ذلك كله لا يطمئن بحصوله من الفاسق الذي عزله الشارع عن درجة الأمانة الشرعية والولاية الربانية. (و) أما اعتبار (الفقه) فلا دليل عليه في غير ما يحتاجون إليه في عملهم، ولذا قال المصنف: (ولو اقتصر على ما يحتاج إليه فيه جاز) بل قد يظهر من المصنف في المعتبر الميل إلى عدم اعتبار الفقه في العامل، والاكتفاء فيه بسؤال العلماء، واستحسنه في البيان، وفي البأس عنه في المدارك. (و) كذا يعتبر في العامل (أن لا يكون هاشميا) بلا خلاف أجده، وما عن المبسوط من أنه حكي عن قوم جوازه لأنه يأخذ على وجه الأجرة يريد به من العامة كما استظهره في المختلف، قال: إذ لا أعرف قولا لعلمائنا في ذلك، لعموم مادل (1) على حرمة الصدقة الواجبة عليهم، والتعارض بينه وبين الآية وإن كان من وجه لكن يرجح عليه من وجوه، مضافا إلى صحيح العيص بن القاسم (2) عن الصادق (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة (2) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 1 وتمامه في فروع الكافي ج 2 ص 58 الطبع الحديث

[ 336 ]

قال: " إن أناسا من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله عز وجل للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم ولكن قد وعدت الشفاعة، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): أللهم اشهد قد وعدها، فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة باب الجنة أتروني مؤثرا عليكم غيركم ". (وفي اعتبار الحرية) خلاف و (تردد) من أن العامل يملك نصيبا من الزكاة والعبد لا يملك، ومولاه لم يعمل، وهو خيرة الشيخ على ما قيل، ومن حصول الغرض بعمله، وكون العمالة نوعا من الاجارة، والعبد صالح لذلك مع إذن سيده، وقواه في المختلف ومال إليه المصنف في المعتبر ونفى البأس عنه في المدارك، ولا ريب في أن الأول أقوى. نعم ينبغي تقييده بغير المكاتب، أما هو فلا ريب في جواز عمالته، لأنه صالح للملك والتكسب، كما أنه ينبغي أن يعلم أن المراد في المقام ونظائره صيرورته عاملا مندرجا في آية الزكاة، لا أنه غير قابل لأصل العمل في الزكاة، فانه لا إشكال في صحة استئجاره من بيت المال، وتبرعه لو أذن له سيده بلا عوض، بل قد يقال بجواز إجارته من الزكاة، بل من الزكاة التي يستأجر للعمل فيها، لعدم كونه من العاملين الذين هم بعض مصارف الزكاة، وكذا الكلام في الهاشمي، ضرورة عدم كون ذلك أخذا من الزكاة على وجه التصدق بها عليهم، بل هي أجرة على عمل قد وقعت ممن له الولاية على الفقراء، وهو واضح بأدنى تأمل، كوضوح عدم البأس في العبد وغيره حتى الصبيان إذا كانوا من توابع العامل، وليسوا بعمال نواب عن الامام (عليه السلام) أو نائبه بحيث يندرجون في مصارف الزكاة، بل قد ينقدح في المقام شئ، وهو إمكان أن يقال: الجواهر - 42

[ 337 ]

إنه لا يعتبر في بعض أنواع العمل إذن الامام (عليه السلام)، وكونه نائبا عنه كالكتابة والحفظ ونحوهما، وبذلك يندرج صاحبه في العاملين، لاطلاق الآية، فيعطون حينئذ من هذا السهم وإن لم يكونوا في الصفات السابقة، ضرورة اعتبارها في العمال السعاة الولاة عن الامام (عليه السلام) وربما يشهد لذلك في الجملة بعض ما تسمعه من كلمات الأصحاب في المؤلفة فان جماعة جعلوا هناك من سهم العمالة إعطاء قوم يجبون الزكوات من غيرهم ولا يحوجون الامام (عليه السلام) إلى إرسال عامل لجبايتها ردا على من جعلهم من المؤلفة، فلاحظ وتأمل، لكن قد يمنع ذلك ظاهر تعريف الأصحاب للعاملين من أنهم النواب والسعاة من قبل الامام (عليه السلام) وحينئذ فيتجه سقوط هذا السهم في هذا الزمان إلا إذا استعمل المجتهد على جبايتها ونحوها، مع احتمال السقوط فيه أيضا باعتبار انسياق العمل الناشئ عن بسط اليد من الأدلة، وليس ذلك إلا في زمن ظهور الامام (عليه السلام) وبسط يده، قال في النهاية: " ويسقط سهم المؤلفة وسهم السعاة وسهم الجهاد، لأن هؤلاء لا يوجدون إلا مع ظهور الامام (عليه السلام)، لأن المؤلفة إنما يتألفهم ليجاهدون معه والسعاة الذين يكونون من قبله في جمع الزكوات " إلى آخره. (و) كيف كان ف‍ (- الامام (عليه السلام) مخير بين أن يقدر لهم جعالة مقدرة أو أجرة عن مدة مقررة) وبين أن لا يجعل لهم شيئا من ذلك، فيعطيهم ما يراه، قال الحلبي (1) في الحسن: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما يعطى المصدق ؟ قال: ما يرى الامام (عليه السلام) ولا يقدر له شئ " ثم لو عين له أجرة فقصر السهم عن أجرته أئمه الامام (عليه السلام) من بيت المال أو من باقي السهام، ولو زاد نصيبه عن أجرته فهو لباقي المستحقين، وفي المدارك " لا يخفى أن ذلك إنما يتفرع على وجوب البسط على الأصناف على وجه التسوية، وهو غير معتبر عندنا " وتبعه على ذلك في


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4

[ 338 ]

الحدائق، قلت: يمكن تفريعه على غيره أيضا، نعم قد ينافيه ما أشرنا إليه سابقا من أنه حيث تقدر للعامل أجرة يخرج عن كونه مصرفا للزكاة، ضرورة ملكه لها بعقد الاجارة، ولذا وجب الاتمام من بيت المال، بل لو لم يأت بشئ أو ذهب ما جاء به أخذ من الامام (عليه السلام) ما يستحقه، ومن المعلوم أن المراد من الآية إعطاء العامل من الصدقات على وجه الصدقة، وهو الذي لم يقدر له شئ، وقد سأل عنه الحلبي فأجابه (عليه السلام) بما عرفت، فتأمل جيدا، هذا. وقد ذكر غير واحد أنه يجب على الامام بعث السعاة في كل عام، وهو حسن إن توقف حصولها على ذلك، وحينئذ فلو فرقها الامام (عليه السلام) بنفسه أو وكيله في مكانها لم يجب، وكذا لو علم أن قبيلا يؤدوها إليه أو إلى أهلها ولم يتعلق له غرض بجمعها، وكان المسألة خالية عن الثمرة، إذ هو (عليه السلام) أعرف بتكليفه مع بسط يده (عليه السلام)، وأما مع قصورها كما في هذا الزمان فلا ريب في عدم وجوب ذلك عليه ولا على الحكام من قبله، كما هو واضح. (و) الثالث من الأصناف أو الرابع (المؤلفة قلوبهم، وهم الكفار الذين يستمالون إلى الجهاد، ولا تعرف مؤلفة غيرهم) كما في محكي المبسوط بتفاوت يسير، قال: " هم كفار يستمالون إلى الاسلام ويتألفون ليستعان بهم على الجهاد بالاسهام لهم منها - ثم قال -: ولا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الاسلام " ونحو منه عن الخلاف، ونص على الاجماع عليه لكن لم يذكر فيه الاستمالة إلى الاسلام، وفي محكي الاقتصاد " قوم كفار لهم ميل في الاسلام يستعان بهم على قتال أهل الحرب " ونحوه عن المصباح، وفي الوسيلة " والذين يستمالون من الكفار استعانة منهم على قتال غيرهم من أمثالهم " وفي الارشاد " هم الكفار الذين يستمالون إلى الجهاد " وفي الدروس " هم كفار يستمالون بها إلى الجهاد، وفي مؤلفة الاسلام قولان أقربهما أنهم يأخذون من سهم سبيل الله " ويمكن أن يكون مراده ما في الجمل حيث قال: " هم الذين يستمالون إلى الجهاد " بل والسيد ابن زهرة في الغنية لقوله:

[ 339 ]

" والمؤلفة قلوبهم هم الذين يستمالون إلى الجهاد بلا خلاف " فيكون معقد نفي الخلاف حينئذ، وإن كان ظاهره الاطلاق كالحلبي في إشارة السبق، حيث قال: " هم المستعان بهم في الجهاد وإن كانوا كفارا " ونحوه النافع والمعتبر والتذكرة، وظاهرهم أو صريحهم أنهم مسلمون وكفار كما هو صريح المحكي عن المفيد، واختاره ابن إدريس وغيره، كما أنه مال إليه جماعة من المتأخرين، بل ظاهر كتاب الأشراف للمفيد اختصاصهم بالمسلمين قال فيه: " هم الداخلون في الايمان على وجه يخاف عليهم معه مفارقته، فيتألفهم الامام بقسط من الزكاة، لتطيب نفوسهم بما صاروا إليه ويقيموا عليه، فيألفوه ويزول عنهم بذلك دواعي الارتياب " وعن حواشي القواعد للشهيد الأول لا ريب أن التأليف متحقق في الجميع، إلا أن المؤلفة قلوبهم زمن النبي (صلى الله عليه وآله) الذين كان يعطيهم من الزكاة وغيرها زيادة على غيرهم ما كانوا كفارا ظاهرا، بل مسلمين ضعيفي العقائد أشرافا في قومهم كأبي سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصين ونظائرهم (نظرائهم خ ل) وهم معلومون مضبوطون بالعدد بين العلماء، وقد أحسن ابن الجنيد حيث عرفهم بأنهم من أظهر الدين بلسانه وأعان المسلمين وإمامهم (عليه السلام) بيده، وكان معهم إلا قلبه، إلى آخره. وفي صحيح زرارة أو حسنه (1) عن الباقر (عليه السلام) " سألته عن قول الله عز وجل (2): " والمؤلفة قلوبهم " قال: هم قوم وحدوا الله عز وجل وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله، وشهدوا أن لا أله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وهم في ذلك شكاك في بعض ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله)، فأمر الله نبيه أن يتألفهم بالمال والعطاء لكي يحسن إسلامهم، ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقروا به، وأن


(1) اصول الكافي ج 2 ص 411 الطبع الحديث (2) سورة التوبة - الآية 60

[ 340 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم حنين تألف رؤساء العرب من قريش ومضر منهم أبو سفيان بن حرب وعبينة بن حصين الفزاري وأشباههم من الناس فغضبت الأنصار واجتمعت إلى سعد بن عبادة فانطلق بهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتأذن لي بالكلام ؟ فقال: نعم، فقال: إن كان هذا الأمر في هذه الأموال التي قسمت بين قومك شيئا أنزله الله رضينا، وإن كان غير ذلك لم نرض، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أكلكم على قول سيدكم سعد ؟ فقالوا: سيدنا الله ورسوله، ثم قالوا في الثالثة: نحن على قوله ورأيه، فحط الله نورهم وفرض للمؤلفة قلوبهم سهما في القرآن " وبه يظهر المراد من خبره الاخر (1) عنه عليه السلام أيضا " المؤلفة قلوبهم قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان (صلى الله عليه وآله) يتألفهم ويعرفهم ويعلمهم " كالمرسل (2) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن تفسير علي ابن إبراهيم بزيادة " فجعل لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا " بل وخبر زرارة (3) الآخر عن الباقر (عليه السلام) أيضا " المؤلفة قلوبهم لم يكونوا قط أكثر منهم اليوم " كمرسل موسى بن بكير (4) عنه (عليه السلام) أيضا لكن زاد فيه " وهم قوم وحدوا الله وخرجوا من الشرك ولم تدخل معرفة محمد (صلى الله عليه وآله) قلوبهم " بل لعله إلى ذلك رمز الصادق (عليه السلام) في قوله لاسحاق بن غالب (5) فيما رواه عنه: " كم ترى أهل هذه الآية (6) " إن اعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا


(1) و (3) أصول الكافي ج 2 ص 411 الطبع الحديث (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 (4) و (5) أصول الكافي ج 2 ص 412 الطبع الحديث (6) سورة التوبة - الآية 58

[ 341 ]

هم يسخطون " قال: ثم قال: هم أكثر من ثلثي الناس " لأن الظاهر كون المراد من الأولين أن ضعفاء الدين المحتاجين للتأليف لأجل البقاء عليه ورسوخه في قلوبهم ليسوا مخصوصين بوقته، بل هم أكثر كثير في هذه الأوقات، ولعل ذلك باعتبار عدم الاقرار بامامتهم (عليهم السلام) والاعتقاد بها التي هي أعظم ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) فان الشكاك في إمامتهم وهم القسم الثالث المتوسط بين النصاب والمؤمنين ويعبر عنهم في الأخبار (1) تارة بالشكاك وتارة بأهل الضلال وتارة بالمستضعفين أكثر الناس في زمانهم، كما دلت عليه الأخبار المتضمنة لكون حكمهم في الدنيا حكم أهل الاسلام وفي الآخرة من المرجين لأمر الله. والتحقيق بعد التأمل التام في كلمات الأصحاب والأخبار المزبورة ومعقد الاجماع ونفي الخلاف أن المؤلفة قلوبهم عام للكافرين الذين يراد ألفتهم للجهاد أو الاسلام، والمسلمين الضعفاء (الضعيفي خ ل) العقائد، لا أنهم خاصون بأحد القسمين، وإن أطنب في الحدائق في الانكار على من أدرج الكافرين عملا بظاهر النصوص المزبورة، لكن فيه مضافا ألى منافاته لاطلاق الآية طرح المعقد الاجماع ونفي الخلاف، بل ربما ادعي ظهور بعض النصوص السابقة في غير المسلم، وفي حاشية الارشاد لولد الكركي المروي أنهم قوم كفار، على أنه قد أرسل في دعائم الاسلام (2) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " أنه قال في قوله الله عز وجل والمؤلفة قوم يتألفون على الاسلام من رؤساء القبائل، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطيهم ليتألفهم، ويكون ذلك في كل زمان إذا احتاج إلى ذلك الامام فعله " وفي الصحيح أو الحسن عن زرارة ومحمد (3) أنهما قالا


(1) أصول الكافي ج 2 ص 399 إلى 406 الطبع الحديث (2) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 11 عن أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 342 ]

لأبي عبد الله عليه السلام: " أرأيت قول الله تعالى (1): " إنما الصدقات " - إلى آخره - لكل هؤلاء يعطى وإن كان لا يعرف، فقال: إن الامام يعطي هؤلاء جميعا، لأنهم يقرون له بالطاعة، قال زرارة: قلت: فان كانوا لا يعرفون فقال: يا زرارة لو كان يعطي من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع، وإنما يعطي من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأما اليوم فلا تعطها أنت وأصحابك إلا من يعرف، فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون الناس، ثم قال: سهم المؤلفة وسهم الرقاب عام، والباقي خاص " الحديث. فان الظاهر أن مراده بالعموم ما ذكرنا، بل قد يستفاد منه عموم التأليف لضعف الايمان بالمعنى الأخص، كما أنه يستفاد من بعض النصوص السابقة كمرسل الدعائم وبعض الفتاوى أن المراد بمؤلفة الكتاب من كان له ميل إلى الاسلام أو إلى الجهاد مع المسلمين، فانه يعطى لتحصيل كمال الألفة والدخول في الاسلام، بل لعل ذلك هو ظاهر الآية باعتبار الوصف كونهم كالعاملين بالنسبة إلى ذلك، وأما الاعطاء للكفار الذين لم يظهر منهم ميل لاحتمال حصول الألفة فلا يخلو من إشكال، فتأمل. وعلى كل حال فما عن الشافعي - من أن مؤلفة الاسلام أربعة أقسام: قوم لهم نظراء فإذا أعطوا رغب نظائرهم، وقوم في نياتهم ضعف فيعطون لتقوى نياتهم، وقوم بأطراف بلاد الاسلام أولوا قوة وطاقة بمن يليهم من الكفار إذا أعطوا منعوا الكفار من الدخول والهجوم على المسلمين، وإن لم يعطوا لم يفعلوا واحتاج الامام إلى تجهيز الجيوش لمقاتلتهم، وقوم جاوروا قوما يجب عليهم الزكاة إذا أعطوا منها جبوها للامام ولم يحوجوه إلى عامل، وإن لم يعطوا لم يفعلوا، واستحسنه بعض أصحابنا، بل تبعه عليه آخر - لا يخلو من إشكال إن أراد الاعطاء من سهم المؤلفة، ضرورة عدم كون


) (1) سورة التوبة - الآية 60

[ 343 ]

الأولين منهم قطعا، بل والأخيرين، بل والثالث ما لم يكن ذلك لضعف في إيمانهم، بل لا بأس باعطاء الجميع من غير هذا السهم بعد إحراز ما يعتبر فيه، ومن هنا قال بعضهم بعد ذكره الأقسام: " إنه يمكن إعطاء ما عدا الأخير من سهم سبيل الله، والأخير من سهم العمالة " وقد ظهر لك التحقيق، فلا حاجة إلى تطويل الكلام، وبه يظهر لك ما في جملة من كلمات الأصحاب، وكيف كان فالظاهر بقاؤه، وفي التذكرة نسبته إلى علمائنا لاطلاق الأدلة، وعدم الجهاد في هذا الزمان لا يقدح في بقائه مع أنه قد يحتاج إليه أيضا، وقد عرفت عدم انحصار التأليف فيه، فما في النهاية والوسيلة وعن الصدوق - من السقوط، واختاره شيخنا في كشفه، والثبوت لمن انبسطت يده من الأئمة (عليهم السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) - ضعيف، وكأن الأستاذ بناه على مختاره من أن المؤلفة قسم من الكفار وحدوا الله ولم يقروا بالنبوة ويجاهدون مع المسلمين، ثم قال: " والظاهر أنها حرام عليهم وإن وجب إعطاؤها لهم " وهو لا يخلو من وجه وإن كان للنظر فيه مجال، وقال أيضا: " والشرط في إعطاء هذا السهم رجاء التأثير في المعطى له، وعدم لزوم الخلل من جهة حسد قوم آخرين فينتقض الغرض، وفي هذا القسم يجب البسط مع توقف الغرض عليه، ولو دخلوا في الاسلام وحصل الاطمئنان فلا شئ لهم، ومع بقاء الخوف منهم بالرجوع إلى ما كانوا عليه يبقى السهم لهم، والظاهر أن هذا السهم مداره على حصول التأليف، فان كانوا متعددين لا يألفون إلا بتمامه سلم السهم تاما، وإن كانوا قليلين يحصل تأليفهم ببعضه أعطوا بعضه، ولو حصل تأليفهم بلين الكلام وحسن السيرة اقتصر على هذا الحال ولم يبذل المال " ولا يخفى عليك محل النظر من ذلك وغيره بأدنى تأمل، والله أعلم. (و) السهم الرابع أو الخامس (في الرقاب) وعدل عن اللام إلى " في " تبعا للآية، ولعل الوجه فيه ما قيل من أن الأصناف الأول يصرف إليهم المال فيتصرفون

[ 344 ]

فيه كيف شاءوا بخلاف الأربعة الأخيرة، فان المال يصرف في جهات حاجاتهم التي لأجلها استحقوا الزكاة، فيخلص به الرقاب من الأسر والرق، ويقضى به الدين، وكذا في سبيل الله وابن السبيل، وفي الكشاف " إنما عدل للايذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن " في " للوعاء، فنبه به على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنا لها ومصبا - إلى أن قال -: وتكرير " في " في قوله تعالى: " وفي سبيل الله وابن السبيل " فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين ". (و) على كل حال فهم عند المصنف وكثير (ثلاثة المكاتبون والعبيد الذين تحت الشدة والعبد يشترى ويعتق وإن لم يكن في شدة لكن بشرط عدم المستحق) بل لا خلاف أجده في الأول بيننا وبين العامة، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المرسل (1) المروي في الفقيه والتهذيب عن الصادق (عليه السلام) " أنه سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدي بعضها قال: يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله تعالى يقول في كتابه: وفي الرقاب " والتعليل ظاهر في عدم تقييد الحكم بما وقع في السؤال من تأدية البعض، ولذا أطلق الأصحاب الحكم في المكاتب من غير فرق بين ذلك وعدمه، بل ولا بين مطلقه ومشروطه، وأما الثاني فالعمدة في إدراجه في هذا القسم الاجماع المحكي صريحا وظاهرا مستفيضا المعتضد بالتتبع، وإلا فالصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) " في الرجل تجتمع عنده الزكاة يشتري بها نسمة يعتقها فقال: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم، ثم مكث مليا ثم قال: إلا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه فيعتقه " لا دلالة فيه على كونه من هذا السهم، لاحتمال كونه من سهم سبيل الله بناء


(1) الوسائل - الباب - 44 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 الجواهر - 43

[ 345 ]

على عمومه لذلك، أللهم إلا أن يقال ولو بمعونة الاجماع المزبور: إن مقتضى الاستثناء الظاهر في خروجه بذلك عن ظلم القوم كونه من سهم الرقاب حتى على القول بالمصرف لا البسط، فان المراد حينئذ عليه بيان أنهم إذا لم يكونوا في شدة لم يكونوا من موضوع الرقاب الذي جعله الله من المصارف، فليس حينئذ إلا كونه من سبيل الله، والكلام في ترجيحه على صلة الفقراء الجامعين للوصفين أيضا إن قلنا بكون السبيل أعم من الجهاد ومن المصالح العامة، فهو حينئذ ظلم لقوم آخرين، لعدم حاجة العبيد إليه، أما مع الحاجة فيندرجون في موضوع الرقاب، وقد جعله الله مصرفا، فتأمل جيدا، والأمر سهل بعد الاتفاق عليه عندنا. والمرجع في الشدة والضرورة إلى العرف، لعدم التقدير لها شرعا، وإن كان ربما قيل: أقلها أن يمنعوا من الصلاة أول الوقت، فيشترون منها ويعتقون بعد الشراء ولا يجزي الشراء بلا عتق، وربما يوجد في بعض الحواشي أنه إن نوى العتق حين الشراء حصل العتق، وإلا احتيج إلى الاعتاق، بل في زبدة البيان احتمال العتق بمجرد الشراء، وفيه مضافا إلى ظهور الصحيح السابق أو صراحته أن للعتق صيغة وأسبابا، والشراء من الزكاة ليس سببا، وكان وجهه ظهور الآية في حصول الفك بمجرد دفع الصدقة من غير حاجة إلى سبب آخر، لكن يدفع ذلك أنه يقتضي كون المراد بالرقاب المكاتبين لا الأعم المقتضي لحصول العتق في غيرهم بلا صيغة، وربما يؤيد ذلك أن الأصحاب ألحقوا هذا القسم بالرقاب إلحاقا، ولعله لأدلة خاصة أفتوا بمضمونها، أو ظهر لهم أن المراد بالرقاب في الآيه الأعم مما يحصل به الفك بلا واسطة. وعلى كل حال ففي الروضة " أن نية الزكاة مقارنة لدفع الثمن للبائع أو للعتق " وفي المسالك وعن حواشي النافع " أنها مقارنة للعتق " ولعل الثاني لا يخلو من قوة، لأن دفع الثمن خصوصا إذا كان بعد إجراء الصيغة لكونه مقتضى البيع، ومن هنا ينتقل

[ 346 ]

العبد إلى أهل الصدقة، ولذا كان ولاؤه لهم، كما صرح به غير واحد من الأصحاب في القسم الثالث، بل ربما نسب إليهم، ودل عليه خبر أبي محمد الوابشي (1) الآتي، فيكون إيصاله إلى الفقراء بعتقه عنهم، وكان وجه التخيير بينه وبين دفع الثمن أنه يحصل الامتثال بكل منهما أما بالعتق فلما عرفت، وأما بالدفع فلأنه به يحصل دفع الزكاة أيضا باعتبار الشراء لأهل الصدقة، وهذا. ولكن قد يفرق بين هذا القسم والقسم الثالث في حكم الولاء، فيجعل الولاء في الثالث للفقراء، دون ما نحن فيه باعتبار كونه من الرقاب بلا خلاف، فهو من مصارف الزكاة للفقراء، بخلاف العبد في غير الشدة فانه ليس من المصارف. خصوصا بعد استغنائه عن العتق، لعدم كونه في شدة، فهو إن اشتري يكون بمال الفقراء، ولهذا ورد كون ولائه لهم، فتأمل جيدا، والله أعلم. وأما القسم الثالث ففي المعتبر أن عليه فقهاء الأصحاب، ويدل عليه الموثق (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أخرج زكاة ماله الف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فاشتراه بتلك الالف درهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه هل يجوز ذلك ؟ قال: نعم لا بأس بذلك " لكن فيه أولا أنه لا دلالة فيه على كونه من سهم الرقاب، بل ظاهره أو صريحه خلاف ذلك، لكون المفروض الشراء بتمام الزكاة، وثانيا أن التقييد فيه بعدم المستحق إنما هو في السؤال، فلا يقتضي تقييد إطلاق الآية بناء على شمولها ولا إطلاق خبر أيوب بن الحر (3) المروي عن كتاب العلل، قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه في يد من يزيد أشتريه من الزكاة وأعتقه قال: فقال: أشتره وأعتقه، قلت: فان هو


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 3 مع الاختلاف في لفظ الثاني

[ 347 ]

مات وترك مالا قال: فقال: ميراثه لأهل الزكاة، لأنه اشتري بسهمهم " وفي حديث آخر " بمالهم " وخبر أبي محمد الوابشي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سأله بعض أصحابنا " عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله قال: اشترى خير رقبة لا بأس بذلك " ولعله لذا كان ظاهر الانتصار والمراسم والسرائر والقواعد وحواشيها والارشاد وصريح الايضاح والكنز والمسالك على ما حكي عن بعضها جواز العتق من سهم الرقاب مع وجود المستحق، وهو وإن كان جيدا من حيث الاطلاق لكن قد عرفت عدم الدليل على كونه من سهم الرقاب مع عدم المستحق فضلا عنه مع وجوده، بل ظاهر اقتصار جماعة من الأصحاب أو الأكثر على ما تعرف على الأولين عدمه، بل صرح في الروضة بكونه من سهم سبيل الله مع وجود المستحق، لكن الأمر سهل بعد عدم وجوب البسط، وأن الأصناف مصارف كما تعرف ذلك في محله إن شاء الله. فان قيل: كفى بالنصوص السابقة دليلا على كونه من سهم الرقاب، لأنه المنساق من مثل ذلك، ضرورة عدم إرادة بيان الجواز من حيث كونه قربة من القرب، بناء على أن ذلك معنى سبيل الله، مضافا إلى مرسل الدعائم (2) أنه قال في قوله: " وفي الرقاب ": " إذا جازت الزكاة خمسمائة درهم اشتري منها العبد وأعتق " بل لعل قوله (عليه السلام): " اشترى خير رقبة " فيه إيماء إلى ذلك. قلنا: إن كانت هذه النصوص جميعها مساقة لذلك فالمتجه حينئذ الاقتصار على القسمين الأولين، لأنهما حينئذ هما مقتضى الجمع بين الاطلاق والتقييد فيها، فان ما عدا خبر الشدة مطلق يقيد به، ولعله لذا اقتصر جماعة أو الأكثر أو المشهور عليهما. قال الشيخ في النهاية: " وفي الرقاب " وهم المكاتبون والمماليك الذين يكونون


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) المستدرك - الباب - 25 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 348 ]

تحت الشدة العظيمة، فيبتاعون من الزكاة ويعتقون، وقد روي أن من وجبت عليه كفارة عتق رقبة في ظهار أو قتل خطأ أو غير ذلك ولا يكون عنده يشترى عنه ويعتق وقال في الجمل: " وهم المكاتبون والعبيد إذا كانوا في شدة " وقال في الانتصار: " وهم المكاتبون، وعندنا يدخل فيهم المملوك الذي يكون في شدة يشترى من مال الزكاة يشترى ويعتق ويكون ولاؤه لأرباب الزكاة، لأنه اشتري بما لهم " وفي المبسوط " وأما سهم الرقاب فانه يدخل فيه المكاتبون بلا خلاف، وعندنا أنه يدخل فيه العبيد إذا كانوا في شدة، فيشترون ويعتقون عن أهل الصدقات، ويكون ولاؤهم لأرباب الصدقات، ولم يجز ذلك أحد من الفقهاء، وروى أصحابنا أن من وجب عليه عتق رقبة في كفارة ولا يقدر على ذلك جاز أن يعتق عنه، والأحوط عندي أنه يعطى ثمن الرقبة لكونه فقيرا فيشتري ويعتق هو عن نفسه " وفي المختلف قد اختار ما في المبسوط، وعن ابن الجنيد " وأما الرقاب فهم المكاتبون ومن يفدى من أسر العدو الذي لا يقدر على فدية نفسه والمملوك المؤمن إذا كان في يد من يؤذيه " وفي الغنية " وأما الرقاب فهم المكاتبون بلا خلاف أيضا، ويجوز عندنا أن يشترى من مال الزكاة كل عبد هو في ضر وشدة ويعتق بدليل الاجماع المشار إليه، وأيضا فظاهر الآية يقتضيه " وقال في الوسيلة: " وفي الرقاب العبيد المضيق عليهم عند ساداتهم، فان اشتروا وأعتقوا عن أهل الصدقة أو عن من وجب عليه عتق رقبة ولم يجد أجزأ من الزكاة، وكذلك المكاتب إذا عجز عن أداء مال الكتابة أعين بمال الصدقة على فك رقبته " وفي إشارة السبق " وهم المكاتبون ومن في حكمهم من كل عبد مضرور بالعبودية " وقال في المعتبر: " سهم الرقاب ويدخل فيه المكاتبون والعبيد إذا كانوا في ضر وشدة " وحكى عن أبي حنيفة والشافعي الاختصاص بالمكاتبين ودليلهم وبطلانه، ثم قال: " ولو لم يوجد مستحق جاز شراء العبد من الزكاة وعتقه وإن لم يكن في ضر، وعليه فقهاء الأصحاب روى

[ 349 ]

ذلك عبيد بن زرارة (1) " إلى آخره ولعله لا يريد من سهم الرقاب، بل لعل كلامه الأول يؤمي إلى خلافه، وأظهر منه في ذلك التحرير فانه قال: " المراد بالرقاب المكاتبون والعبد إذا كان في ضرو شدة يشترون ابتداء ويعتقون " ثم قال بعد ذلك: " المبحث الثالث لو لم يوجد مستحق جاز أن يشترى العبد من مال الزكاة ويعتق وإن لم يكن في شدة " وأظهر منهما التذكرة فانه قال: " والرقاب من جملة الأصناف المعدودة في القرآن وأجمع المسلمون عليه، واختلفوا في المراد فالمشهور عند علمائنا أن المراد به صنفان: المكاتبون يعطون من الصدقة ليدفعوه في كتابتهم، والعبيد تحت الشدة يشترون ويعتقون لقوله تعالى: " وفي الرقاب " وهو شامل لهما، فان المراد إزالة رقيته، وشرطنا في الثاني الضر والشدة، لما روي عن الصادق (عليه السلام) - إلى أن قال -: وروى علماؤنا ثالثا، وهو من وجب عليه كفارة عتق في ظهار وشبهه ولم يجد ما يعتق جاز أن يعطى من الزكاة ما يشتري به رقبة ويعتقها في كفارته، لرواية علي بن إبراهيم (2) - إلى أن قال -: ولو لم يوجد مستحق جاز شراء العبد من الزكاة وعتقه وإن لم يكن في ضر وشدة، وعليه فقاؤنا لقول الصادق (عليه السلام) " إلى آخره. بل وكذا كنز العرفان فانه قال: " الخامس الرقاب، وهم المكاتبون، وأضاف أصحابنا العبد المؤمن يكون في الشدة يشترى ويعتق، وبه قال ابن عباس والحسن ومالك وأحمد، وكذا جوز أصحابنا مع عدم المستحق شراء العبد من الزكاة وعتقه " وفي آيات الأحكام للجواد " الأكثر على اشتراط الضر والشدة " وفي الدروس " هم المكاتبون والعبيد في الشدة، وفي جواز شراء العبد منها بغير شدة أو ليكفر به في المرتبة أو المخيرة خلاف " وفي البيان " الرقاب وهم المكاتبون والعبيد في شدة، وروى علي بن إبراهيم في تفسيرها جواز التكفير للعاجز


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7

[ 350 ]

وربما حمل على الغارمين، وروى عبيد بن زرارة شراء العبد مطلقا من الزكاة عند عدم المستحق " وفي اللمعة " وهم المكاتبون والعبيد في الشدة " إلى غير ذلك من كلماتهم التي لاريب في تحقق الشهرة بملاحظتها على اختصاص الرقاب بالقسمين. فمع فرض كون الروايات مساقة لبيان ذلك كان المتجه الجمع بين مطلقها ومقيدها وهو يقتضي الانحصار فيهما، وحينئذ فمبنى الجواز في الفرض عموم سبيل الله لذلك وعدمه وستعرف الحال فيه، وإن كان المراد منها أصل الجواز وإن لم يكن من سهم الرقاب فلا تعارض بينها وبين خبر الشدة الذي لا إشكال في إرادة كونه من سهم الرقاب على ما أفتى به الاصحاب، ويكون المتجه حينئذ جواز العتق مطلقا، لما عرفت من كون القيد في السؤال، فلا يقتضى التقييد للاطلاق الذي عرفت، وظاهر الاجماع المحكي في المعتبر والتذكرة والمنتهى على الجواز مع عدم المستحق أعم من الاشتراط، فلا يعارض الاطلاق المزبور، أللهم إلا أن يقال: إن التقييد بعدم المستحق مستفاد مما في الصحيح المزبور، ضرورة ظهوره في كون الظلم باعتبار وجود المستحق ولو لأصالة كون الزكاة للفقراء وإن صرفت في الرقاب، ولذا كان الولاء لهم في موضوع الرقاب أي العبيد تحت الشدة، وحينئذ فمع فرض عدم المستحق لا ظلم، وعليه يكون المقيد بالشدة العتق مع وجود المستحق، أما إذا لم يوجد فهو على إطلاقه، لعدم المعارض، فيكون الرقاب حينئذ ثلاثة، وإطلاق خبر العلل (1) مقيد بما في الصحيح (2) بل ربما كان فيه إيماء إلى الشدة حيث أنه فرض فيه كون العبد عارفا وفى يد من يزيد، فيحتمل شراء المخالف له، بل لعل مولاه كان كذلك، لغلبتهم في ذلك الزمان، بل تعريضه بيد الدلال في السوق المشتمل على اليهودي والمخالف وغيرهما أشد شئ عليه، والمراد من المرسل السؤال عن شراء الأب وأنه من الرقاب أو لا، فلا إطلاق فيه حينئذ يدل على


(1) و (2) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 3

[ 351 ]

المطلوب، لكن مع ذلك كله قد اختار في المدارك جواز الاعتاق مطلقا وأنه من سهم الرقاب بعد أن حكاه عن الفاضل، قال: وقواه ولده في الشرح، ونقله عن المفيد وابن إدريس تمسكا بالخبرين السابقين، ثم حكى عن جده أن اشتراط الضرورة وعدم المستحق إنما هو في الاعتاق من سهم الرقاب، فلو أعتق من سهم سبيل الله لم يتوقف على ذلك، وقال: هو غير جيد، لعدم استفادته من النص، بل ظهوره في خلافه، إذ المتبادر من الرواية الأولى يعني رواية الظلم كون الشراء وقع بجميع الزكاة، والأولى حملها على الكراهة، أما الثانية فلا دلالة فيها على اعتبار هذا الشرط أعني عدم المستحق، لأن ذلك إنما وقع في كلام السائل، وليس في الجواب دلالة على اختصاص الحكم بالمسؤول عنه، كما هو واضح، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، والغرض من هذا الاطناب بيان التحقيق أولا، وثانيا بيان الخبط في كلام جملة من الناس حيث أنهم لم يحرروا كلام الأصحاب كسيد المدارك وغيره، بل قد يظهر من الكاشاني في المفاتيح الجواز من سهم الرقاب مع عدم المستحق قولا واحدا. فلاحظ وتأمل، والله أعلم. (و) كيف كان فقد (روي) قسم ثالث أو (رابع) من موضوع الرقاب (وهو من وجبت عليه كفارة ولم يجد فانه يعتق عنه) رواه علي بن إبراهيم (1) في كتاب التفسير عن العالم (عليه السلام) قال: " وفي الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفرون به وهم مؤمنون، فجعل الله لهم سهما في الصدققات ليكفر عنهم " وعليه يمكن أن يكون المراد بالرقاب من عليه الكفارة بمعنى تعلق الحق في رقبته أي ذمته، بل في المدارك " أن مقتضاه جواز إخراج الكفارة من الزكاة وإن لم تكن عتقا، لكنها غير واضحة الاسناد لان علي بن إبراهيم أوردها مرسلة، ومن ثم تردد المصنف في العمل بها، وهو في محله "


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7

[ 352 ]

قلت: مضافا إلى ما قيل في وجه قول المصنف: (وفيه تردد) من عدم الحاجة في الكفارة إلى العتق، لأنها مخيرة أو مرتبة، وعلى كل حال ينتقل إلى الفرد الآخر من الخصال، لكن فيه أن الخبر المزبور لم يذكر فيه اعتبار الحاجة ألى خصوص العتق، فمع فرض العمل به يتجه عدم اعتبار ذلك، على أن من الكفارة كفارة الجمع، نعم قد يتوقف في العمل بها وإن اشتهر روايتها بين الأصحاب إذا أريد الشراء من الزكاة والعتق عمن عليه الكفارة من غير احتساب عليه وتمليك الرقبة إياه، لعدم الجابر لها، ضرورة أن لا شهرة في العمل بها، بل لعلها على العكس وإن استفاض نسبة مضمونها إلى الرواية في كلمات الأصحاب حتى أنه في التذكرة نسبه إلى رواية علمائنا، لكن ليس ذلك عملا بها، كما هو واضح. هذا كله في صرف الزكاة في ذلك على الوجه المزبور، أما دفعها إليه باعتبار أنه فقير كما سمعته من المبسوط أو من سهم الغارمين بناء على شمول الغرم لذلك كما صرح به المصنف في المعتبر فلا بأس به، وليس عملا بالرواية، بل يبعد تخريجها عليهما، هذا، وقد أطنب المحدث البحراني في الانكار على عدم العمل بالخبر المزبور، وانحصار المراد بقي الرقاب به وبالمكاتب، وأن ما دل عليه باقي النصوص من جواز العتق مطلقا فهو شئ خارج عن الأصناف الثمانية بدليل التعليل بالظلم، وكون الولاء للفقراء، ولو أنه كان من الرقاب لم يكن فيه ظلم ولا استحق الفقراء الولاء، ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، ويمكن أن يكون مبنى الظلم والولاء على ما أشرنا إليه سابقا من أصالة كون الزكاة للفقراء كما أو مأت إليه نصوص التشريك (1) بينهم وبين الأغنياء،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة والباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 الجواهر - 44

[ 353 ]

ونصوص (1) حكمة مشروعية الزكاة لدفع الحاجة وسد الخلة وغيرهما، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- المكاتب إنما يعطى من هذا السهم إذا لم يكن معه ما يصرفه في كتابته) بلا خلاف محقق أجده، لأنه هو الذي دل عليه المرسل السابق، وإطلاق الآية غير مساق إلا لبيان المصرف، فلا وثوق بشموله للأفراد، كمالا وثوق بارادته من التعليل، خصوصا بعد ملاحظة التفاوى وما ورد من النصوص في مشروعية الزكاة وأنها لدفع الضرورة والحاجة، وإشعار تقرير السائل على سؤاله بعدم ذكر الجواب عاما بذلك أيضا، بل اعتبر الشهيد في البيان قصور كسبه عن مال الكتابة، وهو لا يخلو من قوة لما عرفت، مضافا إلى إطلاق عدم حلها للمحترف السوي، بل قد عرفت اندراجه في الغني عندهم، وإلى ما تسمعه من بعضهم في الغارمين، لكن في المدارك أن مقتضى العبارة الجواز وإن كان قادرا على تحصيله بالتكسب، وهو كذلك عملا بالاطلاق، قلت: قد عرفت عدم الوثوق بالاطلاق المزبور، وإلا لاقتضى الجواز مع المال أيضا، وليس في المرسل منافاة باعتبار كون التقييد في السؤال، وهو معلوم البطلان، ومنه يعلم بناؤهم على التقييد به في خصوص المقام، وهو يقتضي ما سمعته من الشهيد، بل قد يتجه لذلك ما قيل من توقف الاعطاء على حلول النجم فلا يجوز قبله، لانتفاء الحاجة في الحال، فلا يصدق العجز وإن استضعفه في المدارك أيضا معللا له بالعموم المراد منه الاطلاق الذي قد عرفت حاله، نعم لا بأس بالتمسك به في الآية والرواية بالنسبة إلى ما صرح به بعضهم من جواز الدفع إلى السيد بغير إذن المكاتب، لا طلاق الأدلة الشامل لذلك وللدفع إلى المكاتب نفسه، فان صرفه فيما عليه من مال الكتابة وتحرر فقد وقع موقعه إجماعا.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة

[ 354 ]

(ولو صرفه في غيره والحال هذه) أي دفع إليه ولم يكن معه ما يصرفه في الكتابة ولكن لم يصرفه فيها بل صرفه في غيرها ولو لاستغنائه عنها بأن أبرأه السيد من مال الكتابة أو تطوع عليه متطوع فالوجه الاجزاء عن الزكاة للامر، لكن إذا تمكن من إرجاعه (جاز) له (ارتجاعه) بل وجب عليه ذلك حسبة، لأنه مال الجهة الخاصة، فلا يصرف في غيرها حتى لو قلنا بعدم وجوب البسط، لكن لا ريب في أن للمالك الخيرة في صرف الزكاة في الأصناف، فمع فرض كون الدفع لهذه الجهة الخاصة تعين لها فلم يكن المكاتب مالكا للمال ليتصرف فيه كيف شاء، والمناقشة في اعتبار هذا القصد يدفعها ما تسمعه في الغارم وابن السبيل من الاستدلال على جواز الارتجاع منهما في مثل الفرض بأن كلا منهما إنما ملك المال ليصرفه في وجه مخصوص، فلا يسوغ لهما صرفه في غيره، وهو بعينه جار في المقام، بل في المدارك لولا ذلك لجاز إعطاء المكاتب والغارم وابن السبيل ما يزيد على قدر حاجتهم، وهو باطل اتقاقا. (و) حينئذ فقد ظهر لك من ذلك كله أن ما (قيل) والقائل الشيخ فيما حكي عنه من أنه (لا) يرتجع منه لأنه ملكه بالقبض فكان له التصرف فيه كيف يشاء ضعيف لما عرفت من كون الملك على وجه مخصوص، نعم لو دفعه المكاتب إلى السيد ثم عجز عن الأداء في المشروطة فاسترق ففي المدارك أنه قد قطع الشيخ وغيره هنا بعدم جواز ارتجاعه، لأن المالك مأمور بالدفع إلى المكاتب ليدفعه إلى سيده وقد فعل، والامتثال يقتضي الاجزاء، مع أنه حكى في التذكرة وجها للشافعية بجواز ارتجاعه، لأن القصد تحصيل العتق، فإذا لم يحصل به وجب استرجاعه كما لو كان في يد المكاتب، لكن رده في التذكرة بأن الفرق ظاهر، لأن السيد ملك المدفوع بالدفع، قلت: قد يمنع ملكه له على جهة الاطلاق، أللهم إلا أن يدعى ظهور الأدلة في صرف هذا السهم فيما يتعلق بالرقاب وإن لم يترتب عليه الفك، فتأمل جيدا.

[ 355 ]

(و) على كل حال فهذا كله مع الدفع من سهم الرقاب، أما (لو دفع إليه من سهم الفقراء لم يرتجع) قطعا وكان له التصرف فيه كيف يشاء، لأن الفقير لا يحتكم عليه فيما يأخذه من الزكاة إجماعا (ولو ادعى أنه كوتب) فان علم صدقه أو أقام بينة فلا بحث، وإلا فان كذبه السيد لم يقبل قوله بدونهما للأصل، وإن لم يعلم حال السيد من تصديق أو تكذيب إما لفقده أو لغير ذلك ف‍ (- قيل) والقائل الأكثر كما في المدارك (يقبل) قوله (و) في المتن (قيل) ولكن لم نعرف القائل منا: (لا) يقبل (إلا بالبينة أو يحلف، والأول أشبه) عند المصنف معللا له في المعتبر كالفاضل في التذكرة ومحكي المنتهى بأنه مسلم أخبر عن أمر ممكن فيقبل قوله كالفقير، وبأصالة العدالة الثابتة للمسلم، وهما معا كما ترى، خصوصا بعد ما عرفت فيما تقدم في دعوى الفقر، ومن هنا حكى في المدارك عن بعض العامة عدم القبول إلا بالبينة، ثم قال: وظاهر العبارة تحقق القائل بذلك من الأصحاب، ولا يخلو من قوة، وهو كذلك، نعم لا وجه لقيام الحلف مقامها كما هو ظاهر القيل في المتن (و) أما (لو صدقه مولاه) في دعواه (قبل) قوله بلا خلاف، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب، لأن الحق له، فيقبل أقراره فيه، لكن عن الشافعي أنه لا يقبل أيضا، لجواز التواطؤ لأخذ الزكاة، وعن الشيخ أن الأول أولى فيمن عرف أن له عبدا، والثاني أحوط فيمن لم يعلم منه ذلك، وهو حسن كما في المدارك، أما عدم الجواز مطلقا بدونها كما سمعته من الشافعي فواضح الضعف ضرورة كون التواطؤ مجرد احتمال لا يقدح في إطلاق ما دل على حجية الاقرار الذي لم يعارضه إنكار ولا غيره في أمثال المقام كالاقرار بالتحرير وطلاق الزوجة ونحوهما، نعم قد يتجه عدم قبول الاقرار فيما لو كذبه العبد، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) الخامس أو السادس (الغارمون وهم) لغة المدينون، ولكن المراد بهم شرعا هنا (الذين علتهم الديون في غير معصية) بلا خلاف أجده فيه، كما لا أجده

[ 356 ]

في استحقاقهم في الجملة هذا السهم من الزكاة كما اعترف به في المعتبر على ما قيل، بل الكتاب والسنة والاجماع بقسميه دالة على ذلك، نعم صرح غير واحد باعتبار كونه غير متمكن من القضاء، بل في محكي الخلاف والغنية وظاهر التذكرة الاجماع منا على اعتبار الفقر فيه، بل عن المبسوط الاجماع من أهل العلم كافة على ذلك، وهو المراد مما في المعتبر أن الغارم لا يعطى مع الغنى، لكن في المدارك الظاهر أن المراد من الغنى انتفاء الحاجة إلى القضاء لا الغنى الذي هو ملك قوت السنة، إذ لا وجه لمنع مالك قوت السنة من أخذ ما يوفي به الدين إذا كان غير متمكن من قضائه، وقد أخذ ذلك مما في المسالك حيث صرح بالفرق بين الفقير والغارم، فمنع من إعطاء مالك قوت السنة من سهم الفقراء وإن كان دينه أضعاف ما عنده، لأنه حينئذ غارم غير فقير، وفي شرح اللمعة للاصبهاني يمكن أن لا يكون المراد بالفقير هنا ما عرفته في الفقراء والمساكين من عدم مؤونة السنة فعلا أو قوة، بل عدم التمكن من قضاء الدين بدليل أن جماعة منهم الشارح عبروا بذلك ونحوه مما يفيد مفاده، قلت: الأصل في ذلك ما دل على أن الزكاة إنما شرعت لسد الخلة ودفع الحاجة، وأنها لا تحل لغني، وأن الله شرك بين الأغنياء والفقراء ألى غير ذلك مما دل على كونها للفقراء، وقد صرح غير واحد باعتبار الفقر فيهم، بل قد عرفت أنه معقد الاجماعات المزبورة، فيمكن أن ينقدح من ذلك اعتبار القدرة على قضاء الدين مع مؤونة السنة في الغني، فمن عجز عنهما أو أحدهما فهو فقير، ومن ملك ما يقابلهما معا كان غنيا كما صرح به الأستاذ في كشفه في تعريف الفقر والغنى ضرورة أن الحاجة إلى وفاء الدين أشد من الحاجة إلى غيرها من المؤن، مضافا إلى صدق الفقير على من ملك قوت سنته وكان عليه أضعافها دينا، وخصوصا إذا كان قد اشتراها به، ولذا يعطى في الخمس وغيره مما يشترط فيه الفقر، ودعوى أن مثله غني كما ترى، فحينئذ اشتراط الفقر ممن عرفت في محله، إذ متى كان عاجزا عن وفاء الدين

[ 357 ]

كلا أو بعضا كان فقيرا وإن ملك قوت سنته، وهو المراد من اشتراط عدم التمكن من القضاء، ولعل إلى ذلك لمح الفاضل بما في المحكي من نهايته من جواز إعطاء الغارم المتمكن من قضاء دينه من الزكاة إذا كان بحيث لو صرف ما عنده في دينه صار فقيرا معللا له بانتفاء الفائدة في أن يدفع ماله ثم يأخذ الزكاة باعتبار الفقر، وإن كان في التعليل بل والعبارة ما لا يخفى، بل الأولى تعليله بأنه في الفرض فقير، لقصور ما عنده عن مؤونة السنة التي منها وفاء الدين، ومقابلة الغارمين في الآية للفقراء يمكن أن يكون لبيان كون الغرم مصرفا من مصارف الزكاة وإن لم يصدق على الغارم أنه فقير كالميت ونحوه، فالغرض تعداد المصارف، ويكفي هذا الاعتبار في المقابلة، ولا ريب أن ذلك أولى من دعوى كون الفقير والغارم قسمين متقابلين بمعنى أنه قد يكون الغارم غنيا إذا كان مالكا لمؤونة سنته ولم يكن عنده ما يقابل دينه، ضرورة أنه مع منافاته لما عرفت يحتاج إلى ترجيح ما دل على جواز وفاء الغرم من الزكاة على ما دل على أنها لا تحل للغني فتأمل جيدا فان به يظهر لك ما في كلام جملة من الأعلام، وقد تقدم، وربما يأتي مزيد تحقيق لذلك، كما أنه به يظهر لك ثمرات مهمة في المقام وغيره. وعلى كل حال فلو لم يملك شيئا إلا أنه كسوب يتمكن من قضاء دينه من كسبه فعن نهاية الأحكام احتمال الاعطاء بخلاف الفقير والمسكين، لأن حاجتهما تتحقق يوما فيوما، والكسوب يحصل في كل يوم ما يكفيه، وحاجة الغارم حاصلة في الحال لثبوت الدين في ذمته، وإنما يقدر على اكتساب ما يقضي به الدين بالتدريج، واحتمال المنع تنزيلا للقدرة على الكسب منزلة القدرة على المال. ثم إن صريح المتن حيث قال: (فلو كان في معصية لم يقض عنه) كصريح غيره اعتبار عدم كون الدين في معصية، بل لا أجد فيه خلافا، بل عن الخلاف والمنتهى والتذكرة الاجماع على منع الاعطاء من سهم الغارمين في الدين المنفق في معصية، ويدل

[ 358 ]

عليه - مضافا إلى ذلك، وإلى أن الزكاة إرفاق لا تناسب المعصية، بل في وفائه منها إغراء بالقبيح - ما في تفسير علي بن إبراهيم (1) من قول العالم (عليه السلام): " والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من غير إسراف، فيجب على الامام (عليه السلام) أن يقضي عنهم ويفكهم من مال الصدقات " وخبر الحسين ابن علوان (2) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " أن عليا عليه السلام كان يقول: يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كله إذا استدانوا في غير سرف " وخبر محمد بن سليمان (3) المروي في الكافي في باب الديون " عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا نجار قال: سأل الرضا (عليه السلام) رجل وأنا أسمع فقال له: جعلت فداك إن الله عزوجل (4) يقول: " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر إليه لابد من أن ينظر وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفقه على عياله وليس له غلة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه، قال: نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام (عليه السلام) فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين أذا كان أنفقه في طاعة الله، فان كان أنفقه في معصية الله فلا شئ على الامام (عليه السلام) له قلت: فما هذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه في طاعة الله عز وجل أم في معصيته ؟ قال: يسعى له في ماله ويرده عليه وهو صاغر " وخبر صباح بن سيابة (5)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 10 (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الدين والقرض - الحديث 3 من كتاب التجارة وفيه " أبا محمد " بدل " أبا تجار " (4) سورة البقرة - الآية 280 (5) المستدرك - الباب - 27 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 359 ]

عن الصادق (عليه السلام) المروي فيه أيضا قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيما مؤمن أو مسلم مات وترك دينا لم يكن في فساد ولا إسراف فعلى الامام أن يقضيه، فان لم يقضه فعليه إثم ذلك " مضافا ألى ما يشعر به صحيح عبد الرحمان بن الحجاج (1) الآتي في قضاء الدين عن الميت، بل خبر موسى بن بكر (2) المروي في الكافي أيضا لا يخلو من إشعار أيضا، قال: " قال لي أبو الحسن (عليه السلام): من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله، فان غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله ما يقوت به عياله، فان مات ولم يقضه كان على الامام قضاؤه، فان لم يقضه كان عليه وزره، إن الله عز وجل يقول: " إنما الصدقات للفقراء - إلى قوله - والغارمين " وهو فقير مسكين مغرم " إلى غير ذلك من النصوص المحمول مطلقها على مقيدها وعامها على خاصها، فتجتمع جميعا على ما سمعت من الأصحاب الاجماع عليه، فوسوسة صاحب المدارك في دليل ذلك في غير محلها. (نعم لو تاب صرف إليه من سهم الفقراء وجاز أن يقضي هو) ولا يجوز إعطاؤه معها من سهم الغارمين لاطلاق الأدلة السابقة، خلافا للمحكي عن المصنف في بعض فتاواه وظاهره أو صريحه في المعتبر، فجوز إعطاءه من سهم الغارمين، واحتمله في التذكرة لاطلاق الآية، وفيه ما لا يخفى، واعتبار التوبة في الاعطاء من سهم الفقراء مبني على ما تعرف إن شاء الله من اعتبار العدالة أو اجتناب الكبائر، أما على القول بعدمه يعطى وإن لم يتب، بل قيل: وكذا الاعطاء من سهم سبيل الله بناء على تعميمه لكل قربة كما نص عليه في المسالك، ولعله لأنه بدونها لا قربة فيه، لما فيه من الاغراء بالقبيح، هذا. وفي المسالك " في المسألة إشكال، وهو أنه مع صرف المال في المعصية


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الدين والقرض - الحديث 2 من كتاب التجارة

[ 360 ]

إن لم يجز وفاؤه من سهم الغارمين لم يجز من سهم الفقراء وإن تاب، لأن الدين لا يدخل في سهم الفقراء، وإلا لم يكن الغرم قسيما للفقر، بل قسما منه، بل إما أن تكون التوبة مسوغة للدفع إليه من سهم الغارمين أو سهم سبيل الله، وإما أن لا يجوز الدفع لوفاء دين المعصية مطلقا، وقد لزم من ذلك احتمالات: عدم الجواز مطلقا اعتبارا بالمعصية المانعة، ذكره العلامة حكاية، والجواز مع التوبة من سهم الفقراء، وهو الذي اختاره الشيخ، وتبعه عليه جماعة، والجواز معها من سهم سبيل الله، وهو متوجه، ويمكن حل الاشكال بأن الفقير وإن لم يعط بسبب الفقر إلا قوت السنة لكن إذا دفع إليه ذلك ملكه وجاز له صرفه حيث شاء، فيجوز له صرفه في الدين، مع أن عطاء قوت الزائد على قوت السنة إنما هو ممنوع تدريجا، أما دفعة فلا، نعم لو لم يكن فقيرا بأن كان مالكا لقوت سنته لم يتوجه على ذلك إعطاؤه من سهم الفقراء لعدم الفقر، ولا من سهم الغارمين لانفاقه في المعصية، فيجب أن يقيد كلام المصنف في جواز إعطائه من سهم الفقراء بكونه فقيرا " ولعلك إذا أحطت خبرا بما ذكرنا لا يخفى عليك محال النظر من كلامه، بل قد يقال: إنه بناء على ما قدمنا من تحقق الفقر بالعزم لا حاجة إلى تقييد كلام المصنف بما ذكره، فانه يعطى المالك لقوت سنته من حيث الفقر بسبب ما عليه من الدين وإن كان قد صرفه في معصية لكن بشرط التوبة بناء على ما عرفت، فان دين المعصية وإن كان لا يقضى من سهم الغارمين لكنه يؤثر في الغارم صفة الفقر، فيعطى من هذه الجهة، فتأمل جيدا فانه دقيق. (و) كيف كان ف‍ (- لو جهل فيما ذا أنفقه قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن نهايته (يمنع) وربما مال إليه أول الشهيدين لخبر محمد بن سليمان (1) المتقدم آنفا،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب الدين والقرض - الحديث 3 من كتاب التجارة الجواهر - 45

[ 361 ]

وللشك في وجود شرط الاستحقاق، وهو الاستدانة في غير معصية، كما هو المفهوم من الأخبار السابقة، فيحصل الشك في المشروط، فلا تبرأ الذمة بالدفع إليه (وقيل) والقائل الأكثر كما عن التذكرة، بل المشهور: (لا) يمنع (وهو الأشبه) بعموم الأدلة وإطلاقها، والخبر المزبور - مع احتماله المعلوم حاله من الاقدام على المعاصي وعدم التحرز عن الفسوق - لا جابر له، بل قد عرفت الشهرة على خلافه. بل منها ينقدح الشك في كون ذلك شرطا وإن كان يقتضيه ظاهر النصوص المزبورة، إلا أنه لارادة المانعية منه وبعد التسليم يمكن تنقيح الشرط بأصالة الصحة في أفعال المسلم، لأنها من العلم الشرعي وقد بنيت عليه العبادات والمعاملات، مضافا إلى معلومية العسر في تتبع مصارف الأموال والتطلع على ما يخرجه الانسان دائما، خصوصا بالنسبة إلى بعض الأفراد في بعض الأوقات، فمن البعيد اشتراط إعطاء الزكاة به، نعم لو علم هو حال نفسه حرم عليه الأخذ من هذا السهم، ومن ذلك يقوى إرادة المانعية مما ظاهره الشرطية، كما أنه يقوى في الذهن كون المدار على الانفاق في غير المعصية، لا أن المدار على الانفاق في الطاعة وإن اقتضاه أيضا ظاهر النصوص المزبورة، إلا أن المراد منها ذلك، خصوصا بملاحظة كلام الأصحاب، فحينئذ لا فرق في الانفاق بين الواجب والمندوب والمكروه والمباح، والناسي والجاهل بالموضوع بل والحكم مع عدم احتمال المعصية عنده والمجبور والمضطر لا يدخلون في العصاة، بل وكذا غير المكلف، والظاهر أن المراد من الغرم هنا كل ما اشتغلت به الذمة ولو باتلاف لا خصوص الاستدانات، وفي اعتبار الحلول وجهان، ولكن مقتضى إطلاق النص و الفتوى عدمه هذا كله في الغارم لمصلحة نفسه، أما الغارم لاصلاح ذات البين - كما لو وجد قتيل لا يدرى من قتله وكاد يقع بسببه فتنة فتحمل رجل ديته، أو بأن تلف مال لا يدرى من أتلفه وكاد يقع بسببه فتنة فتحمل رجل قيمته - فالمحكي عن الشيخ ومن

[ 362 ]

تأخر عنه أنه يطعى الأول ما تحمله من الدية فقيرا كان أو غنيا إذا لم يؤدها من ماله، سواء استدان فأداها أم لم يؤدها بعد، لاطلاق الآية وغيرها المقتصر في تقييدها على المتيقن، ولقوله صلى الله عليه وآله (1): " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمس: غاز في سبيل الله، أو عامل عليها، أو غارم " وقد يناقش فيه إن لم يكن إجماع بأن الخبر المزبور غير موجود في أصولنا، بل الموجود فيها مجرد عن الاستثناء، فيكون دالا على اعتبار الفقر في الغارم كما سمعت دعوى الاجماع عليه سابقا، بل ربما كان المتن في بعضها أو جميعها مطلقا، فيقيد به الآية حينئذ على إطلاقه الشامل للمستدين للمصلحة المزبورة، نعم لا بأس باعطائه من سهم سبيل الله بناء على عمومه لكل قربة، بل لا بأس في استدانة الامام (عليه السلام) أو وكيله على هذا السهم باعتبار ولايته، ولعله لذا استشكل فيه في المحكي عن نهاية الأحكام فقال: " فيقضي دينه من سهم الغارمين غنيا كان على إشكال أو فقيرا، لئلا يمتنع الناس من هذه المكرمة ". ومن ذلك يظهر لك الحال في متحمل المال للاتلاف الذي قال في محكي المبسوط أنه ألحقه قوم بالدية، بل قيل: إنه قطع به الفاضل في جملة من كتبه ناصا على التسوية بين الفقير والغني للآية، وللحاجة إلى إصلاح ذات البين، بل ألحق به الضامن مالا عن غيره إلا أنه قال: ما حاصله إن كانا معسرين جاز الأداء قطعا من غير فرق بين الصرف إلى الضامن أو المضمون عنه إذا كان الضمان بالاذن، نعم إن دفعه إلى الضامن فقضى به لا يرجع به على المضمون عنه لعدم الغرامة، وإن كانا موسرين لم يعط من سهم الغارم، سواء كان الضمان بالاذن أولا، وأما إن كان الضامن خاصة معسرا فان ضمن بالاذن لم يعط، لأن له الرجوع عليه، وإلا أعطي، إذ لا ملجأ له، واحتمال العدم كما عن التحرير لعود النفع إلى المضمون عنه ضعيف، ولو كان المعسر المضمون عنه خاصة


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 15

[ 363 ]

جاز إعطاؤه مع كون الضمان باذنه، وفي الضامن إشكال من أنه دين تحمل لاصلاح ذات البين فيقضى مع اليسار، ومن أن المصلحة هنا جزئية فلا يلتفت إليها بخلاف الكلية وعن المنتهى " الأقرب الصرف إلى الأصل، لأنه ممكن، ولا يصرف إلى الضامن لا يساره " ونحوه عن التحرير، وعن النهاية " لو استدان لعمارة المسجد أو قرى الضيف أعطي مع الفقر " وعن بعض الحواشي " لا يشترط الفقر " ولا يخفى عليك تحقيق الحال بعد الاحاطة بما ذكرنا، والله أعلم. (و) كذا (لو كان للمالك دين على الفقير) الذي لم يملك قوت سنته أو لم يتمكن من قضاء دينه على الكلام السابق (جاز أن يقاصه به) من الزكاة بمعنى احتسابه عليه من الزكاة المستحقة عليه بلا خلاف، كما اعترف به الفاضلان في ظاهر المعتبر والتذكرة ومحكي المنتهى، ولا إشكال لأنه أحد أمواله، ومقبوض للمدفوع إليه، فهو أحد أفراد الايتاء المأمور به، قال عبد الرحمان بن الحجاج (1): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن دين لي على قوم طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة هل لي أن أدعه وأحتسب به عليهم الزكاة ؟ قال: نعم " وقال عقبة بن خالد (2): " دخلت أنا والمعلى وعثمان بن عمران على أبي عبد الله (عليه السلام) فلما رآنا قال: مرحبا بكم وجوه تحبنا ونحبها، جعلكم الله معنا في الدنيا والآخرة، فقال له عثمان: جعلت فداك فقال: نعم فمه، قال: إني رجل موسر فقال له: بارك الله في يسارك، قال: فيجئ الرجل فيسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): القرض عندنا بثمانية عشر، والصدقة بعشر، وما زاد عليك إذا كنت موسرا أعطيته، فإذا


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (2) ذكر ذيله في الوسائل في الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 وتمامه في فروع الكافي ج 2 ص 34 الطبع الحديث " باب القرض " الحديث 4

[ 364 ]

كان إبان زكاتك احتسبت بها من الزكاة " الحديث: إلى غير ذلك من النصوص الدالة عليه، بل الظاهر جواز مقاصته بأن يحتسبها صاحب الدين إن كانت عليه عليه، ويأخذها مقاصة من دينه وإن لم يقبضها المديون ولم يوكل في قبضها. وكذا يجوز لمن هي عليه دفعها إلى رب الدين كذلك كما صرح به الشهيدان لاطلاق الأخبار والفتاوى بالاحتساب وبقضاء الدين عن الشامل لصورتي الاذن وعدمه وفي موثق سماعة (1) " سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة فقال: إذا كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه دين من دار أو متاع من متاع البيت، أو يعالج عملا ينقلب فيها بوجهه، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دين فلا بأس أن يقاصه بما أراد أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها، وإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ شيئا منه فليعطه من زكاته ولا يقاصه بشئ من الزكاة " ولا يقدح ما فيه من التفصيل المحمول على ضرب من الندب، بل منه يعلم أن المقاصة غير الأحتساب، فالأولى تفسيرها في المتن ونحوه بما سمعته من الشهيدين وإن استبعده بعضهم بل الظاهر أنها حقيقة في ذلك مجاز في الاحتساب، والأمر سهل بعد جواز الأمرين معا، لكن عن نهاية الفاضل أنه يجوز صرف السهم إلى الغارم بغير إذن صاحب الدين، وإلى صاحب الدين باذن المديون، وبدون الاذن إشكال، ولو منعناه سقط من الدين قدر المصروف، ومنشأ الاشكال مما تقدم، ومن أن الغارم هو المستحق، والآية نصت على كونها له، ومنه ينسحب الاشكال في بعض أفراد المقاصة التي ذكرنا جوازها، إلا أنه لا ريب في ضعفه بعد ظهور الأدلة فيما قلناه، خصوصا ما تسمعه من نصوص الوفاء (2) عن الميت، بل في كشف الأستاذ بعد أن ذكر المسألة المزبورة قال: " ولو كان له على


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 (2) الوسائل الباب - 49 - من أبواب المستحقين للزكاة

[ 365 ]

الديان دين جاز له الاحتساب من الزكاة وإسقاط ما على المدين " وهو كذلك إذا كان قد حوله به أو أذن له في احتسابه على جهة الوفاء له عما عليه، بل له احتساب ما على الديان زكاة وفاء له عما له في ذمة الفقير. (وكذا لو كان الغارم ميتا جاز أن يقضى عنه) من الزكاة، لأنه كالحي بالنسبة إلى ذلك، ضرورة بقائه مشغول الذمة (وأن يقاص) بها على الوجهين السابقين فيها بلا خلاف أجده في ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، قال عبد الرحمان في الصحيح (1): " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل عارف فاضل توفي وترك عليه دينا لم يكن بمفسد ولا مسرف ولا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة الألف والألفان ؟ قال: نعم " وعن يونس بن عمار (2) قال: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر، إن أيسر قضاك، وإن مات قبل ذلك احتسب ما به من الزكاة " وقال زرارة (3) في الحسن: " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل حلت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين أيؤدي زكاته في دين أبيه ولابن مال كثير فقال: إن كان أورثه مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه قضاء عنه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه، فإذا أداها في دين أبيه على هذا الحال أجزأت عنه ". وهما معا شاهدان على اعتبار قصور التركة عن الوفاء في الاحتساب من الزكاة، كما عن المبسوط والوسيلة والتذكرة والتحرير والدروس والبيان التصريح به، واختاره


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 366 ]

في المدارك وكشف الأستاذ وغيرهما، تحكيما لهما على غيرهما من النصوص (1) مضافا إلى ما دل على عدم انتقال التركة للوارث إلا بعد الوفاء أو عدم تمامية الانتقال، نعم في الأخير " لو أتلف الوارث المال وتعذر الاقتضاء لم يبعد جواز الاحتساب والقضاء " وهو كذلك وإن نسبه في الدروس إلى القيل مشعرا بالتوقف فيه، بل لا يبعد جواز الاحتساب مطلقا إذا تعذر الاستيفاء من التركة إما لعدم إمكان إثباته أو لغير ذلك كما صرح به في المسالك وكذا الروضة اقتصارا في تقييد المطلق على محل اليقين، خلافا لصريح المختلف وظاهر المنتهى ونهاية الشيخ وابن إدريس والمصنف هنا والشهيد في اللمعة فجوزوا الوفاء مطلقا، للاطلاق المحمول على المقيد، ولا نتقال التركة إلى الوارث بالموت فيبقى الميت فقيرا، وفيه أن ذلك أولا أحد الأقوال في المسألة، وثانيا أنها وإن انتقلت إليه إلا أن حق الدين متعلق بها، كما هو محرر في محله. (وكذا لو كان الدين على من تجب نفقته جاز أن يقضيى عنه حيا وميتا وأن يقاص) بلا خلاف بل ولا إشكال، ضرورة كونه كالأجنبي بالنسبة إلى وفاء الدين، فتشمله الأدلة، بل لعل ظاهر المعتبر والتذكرة والمنتهى أنه موضع وفاق، وقد سمعت حسن زرارة (2) السابق، وقال إسحاق بن عمار (3): " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل على أبيه دين ولا بنه مؤونة أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه ؟ قال: نعم، ومن أحق من أبيه " ولا ينافي ذلك ما في صحيح عبد الرحمان بن الحجاج (4) " خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب والأم والولد والمملوك والامرأة، وذلك أنهم عياله


(1) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 والباب 49 منها - الحديث 8 (2) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 2 (4) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 367 ]

لازمون له " لأن المراد إعطاؤهم النفقة الواجبة، كما يدل عليه قوله عليه السلام: " وذلك " إلى آخره فان قضاء الدين لا يلزمه اتفاقا، والله أعلم. (ولو صرف الغارم ما دفع إليه) المصرح له بكونه (من سهم الغارمين في غير القضاء ارتجع على الأشبه) لتشخص المال بقصد الدافع للغرم، فصرفه في غيره صرف للمال في غير محله، خلافا للشيخ في المحكي من مبسوطه وجمله، فلا يرتجع لحصول الملك بالقبض، وفيه أنه بعد التسليم إنما ملكه ليصرفه في وجه مخصوص، فلا يشرع له غيره نعم الظاهر الاجتزاء عن الزكاة لحصول الامتثال بالدفع إليه، ولكن إذا تمكن من الارتجاع ارتجعه حسبة، كما تقدم تحقيق ذلك في المكاتب في نحو الفرض، ومنه ومما تقدم في الفقر يعلم الحال فيما لو أبرأه صاحب الدين أو بان أن دينه في معصية أو أنه غير غارم ونحو ذلك، فلاحظ وتأمل. (و) كذا تقدم في المكاتب والفقير ما يعلم منه الحال فيما (لو ادعى أن عليه دينا) من أنه (يقبل) قوله: " (إذا صدقه الغريم وكذا لو تجردت دعواه عن التصديق والانكار و) في المتن أنه (قيل: لا يقبل) إلا بالبينة، ويحتمل أو اليمين لكن لم نعرف القائل كما اعترف به في المدارك، نعم قال: حكى العلامة في التذكرة عن الشافعي أنه لا يقبل دعوى الغرم إلا بالبينة، لأنه مدع، ولا يخلو من قوة، قلت: قد عرفت أنه توقف أيضا في دعوى الفقر والكتابة، بل قال: ربما كان عدم القبول هنا أولى من عدمه في الفقر، لأن الغرم مما يمكن إقامة البينة عليه، وقد يقال في دفع الاشكال في المقامات الثلاثة إن الحاصل من الكتاب والسنة وجوب دفع الزكاة لا وجوب دفعها للفقير أو للغارم أو للمكاتب، وقوله تعالى: " إنما الصدقات " إلى آخره إنما يدل على كون الصدقات لهم لا أن التكليف دفعها إليهم، وفرق واضح بين المقامين، نعم ورد " لا تحل الصدقة لغني " ونحوه مما يقضي بعدم جواز دفعها لغير الاصناف الثمانية،

[ 368 ]

وهو كذلك في المعلوم أنه ليس منهم، أما غير المعلوم فيتحقق امتثال الأمر بالايتاء بالدفع إليه، لكونه أحد أفراد الاطلاق، ولم يعلم كونه من أفراد النهي، بل أصالة البراءة عن حرمة الدفع إليه يقتضي خروجه عنها، وبالجملة الغنى مانع لا أن الفقر شرط ولو سلم كونه شرطا فهو محل لتناول الزكاة لا لدفعها ممن وجبت عليه، لعدم الدليل، بل مقتضى الاطلاق خلافه، وعلى هذا يتجه ما ذكره الأصحاب من قبول دعوى الفقر والكتابة والغرم، ولذا قال المصنف: (والأول أشبه) فتأمل جيدا فانه دقيق نافع، وتقدم وربما يأتي له تتمة، هذا، وفي المدارك أن موضع الخلاف الغارم لمصلحة نفسه، أما الغارم لمصلحة ذات البين فلا يقبل دعواه إلا بالبينة قولا واحدا، ولعله كذلك إذا كان المانع متحققا فيه، كما لو كان غنيا، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) السادس أو السابع (في سبيل الله وهو) في المقنعة والنهاية والمراسم والاشارة على ما حكي عن بعضها (الجهاد السائغ خاصة وقيل) والقائل الأكثر بل المشهور (يدخل فيه المصالح كبناء القناطر والحج ومساعدة الزائرين وبناء المساجد) وجميع سبل الخير، بل عليه عامة المتأخرين، بل في الخلاف والغنية الاجماع عليه (و) من هنا كان (هو الأشبه) مضافا إلى اقتضاء اللفظ ذلك، إذ السبيل هو الطريق فإذا أضيف إلى الله سبحانه كان عبارة عن كل ما يكون وسيلة إلى تحصيل رضا الله وثوابه، فيتناول الجهاد وغيره، وقال العالم (عليه السلام) فيما رواه عنه علي بن إبراهيم (1) في تفسيره: " وفي سبيل الله قوم يخرجون إلى الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به وفي جميع سبل الخير فعلى الامام (عليه السلام) أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد " وقال علي بن يقطين في


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 الجواهر - 46

[ 369 ]

الصحيح (1) لأبي الحسن (عليه السلام): " يكون عندي المال من الزكاة أفأحج به موالي وأقاربي ؟ قال: نعم " وترك الاستفصال فيه عن كيفية إحجاجهم كاف في الاحتجاج، كخبر محمد بن أبي نصر (2) المروي في مستطرفات السرائر عن جميل، قال: " سألت الصادق (عليه السلام) عن الصرورة أيحجه الرجل من الزكاة ؟ قال: نعم " وقال الحسن بن راشد (3): " سألت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) بالمدينة عن رجل أوصى بمال في سبيل الله فقال: سبيل الله شيعتنا " وخبر الحسين بن عمر (4) قال: " قلت للصادق (عليه السلام): إن رجلا أوصى إلي بشئ في سبيل الله فقال لي: اصرفه في الحج، قال: قلت: أوصى في السبيل قال: اصرفه في الحج، فاني لا أعلم شيئا في سبيل الله تعالى أفضل من الحج " وفي رواية أحد المشايخ " لا أعلم سبيلا من سبيله أفضل من الحج ". وعلى كل حال هو ظاهر في تعدد سبل الله وإن كان الحج أفضلها، على أنه على أي تقدير فيه شهادة على خلاف ما يقوله الخصم من كونه الجهاد الذي ربما يشعر بعض النصوص بكون التفسير له به للعامة، قال يونس بن يعقوب (5): " إن رجلا كان بهمدان ذكر أن أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصية عند الموت وأوصى أن يعطى شئ في سبيل الله فسئل عنه أبو عبد الله (عليه السلام) كيف يفعل به ؟ فأخبرناه أنه كان لا يعرف هذا الأمر فقال: لو أن رجلا أوصى إلي بوصية أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما، إن الله عز وجل (6) يقول: " فمن بدله بعد ما


(1) و (2) الوسائل - الباب - 42 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 4 لكن الثاني عن آخر السرائر نقلا عن نوادر أحمد بن محمد بن أبى نصر عن جميل (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 33 - من كتاب الوصايا - الحديث 1 - 2 - 4 (6) سورة البقرة - الآية 177

[ 370 ]

سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه " فانظر إلى من يخرج إلى هذا الوجه يعني بعض الثغور فابعثوا به إليه ". فلا ريب حينئذ في أن الأقوى عمومه لكل قربة، فيداخل حينئذ جميع المصارف ويزيد عليها، وإنما يفارقها في النية، ضرورة شموله لجميع القرب من بناء خانات وتعمير روضة أو مدرسة أو مسجد أو إحداث بنائها، أو وقف أرض أو تعميرها، أو وقف كتب علم أو دعاء ونحوها، أو تزويج عزاب أو غيرهم، أو تسبيل نخل أو شجر أو ماء ومأكول أو شئ من آلات العبادة، أو إحجاج أحد أو إعانة على زيارة أو في قراءة أو تعزية، أو تكرمة علماء أو صلحاء أو نجباء، أو إعطاء أهل الظلم والشر لتخليص الناس من شرهم وظلمهم، أو إعطاء من يدفع ظلمهم ويخلص الناس من شرهم، أو بناء ما يتحصن به المؤمنون عنهم، أو شراء الأسلحة لدفاعهم، أو إعانة المباشرين لمصالح المسلمين من تجهيز الأموات أو خدمة المساجد والأوقاف العامة أو غير ذلك. ومن هنا قال الأستاذ في كشفه: " إنه لا يعتبر في المدفوع إليه إسلام ولا إيمان ولا عدالة ولا فقر ولا غير ذلك للصدق " لكن في التذكرة بعد أن ذكر دخول الزوار والحجاج قال: " وهل يشترط حاجتهم ؟ إشكال ينشأ من اعتبار الحاجة كغيره من أهل السهمين، ومن اندراج إعانة الغني تحت سبيل الخير " بل جزم في المسالك والروضة باعتبار الفقر، بل ربما ظهر من الغنية الاجماع عليه، قال في الأول: " ويجب تقييد المصالح بما لا يكون فيه إعانة لغني مطلقا بحيث لا يدخل في شئ من الاصناف الباقية، فيشترط في الحاج والزائر الفقر أو كونه ابن السبيل أو ضيفا، والفرق بينهما حينئذ وبين الفقير أن الفقير لا يعطى الزكاة ليحج بها من جهة كونه فقيرا ويعطى لكونه في سبيل الله " واستشكله في المدارك بأن فيه تخصيصا لعموم الأدلة من غير دليل، إلا أنه قال: " والمعتمد جواز صرف هذا السهم في كل قربة لا يتمكن فاعلها من الاتيان بها،

[ 371 ]

وإنما صرنا إلى هذا التقييد لأن الزكاة إنما شرعت بحسب الظاهر لدفع الحاجة، فلا تدفع مع الاستغناء عنها، ومع ذلك فاعتباره محل تردد " قلت: هو في محله، بل الأقوى عدم اعتباره، لاطلاق الأدلة، وحكمة المشروعية لا تصلح للتقييد، وإلا لاقتضت الصرف في خصوص سد الخلة، وما ورد من أنها لا تحل الصدقة لغني محمول على ما لا ينافي ذلك من إرادة الصدقة عليه على نحو الصدقة على الفقير، بل هو الظاهر منه، وحينئذ لا تكون الصدقة عليه من القرب التي هي سبيل الله، كما هو واضح. (و) مما يؤيد ذلك اتفاقهم ظاهرا على أن (الغازي يعطى وإن كان غنيا قدر كفايته على حسب حاله) شرفا وضعة وقرب المسافة وبعدها وغير ذلك، بل في المدارك أن هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، إذ العمدة فيه العموم المزبور، لأن النبوي (1) " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة - وعد منها - الغازي " قد عرفت عدم وجوده في شئ من أصولنا، وكون ما يأخذه من الزكاة كالأجرة على الغزو فلا يعتبر في إعطائه وصف آخر تعليل اعتباري لا يصلح أن يكون مدركا. (و) كيف كان فلا خلاف في أنه (إذا غزا لم يرتجع) ما بقي (منه) عنده، بل في التذكرة أنه موضع وفاق بين العلماء، لأنه ملكه بالقبض، وكونه كالاجارة له على عمله، أو كالنفقة التي لا ريب في ملك ذيها ما بفضل منها بما يضيق على نفسه، فلا يسترد (و) هو واضح، نعم (إن لم يغز) أو رجع من الطريق (استعيد) لانه إنما ملكه ليصرفه في الوجه المخصوص ولم يحصل (وإذا كان الامام (عليه السلام) غير مبسوط اليد على وجه لا يقع منه الجهاد أو كان (مفقودا) أي غائبا مسترا (سقط نصيب الجهاد) بناء على أنه سبيل الله، وحينئذ يحفظ بناء على التوزيع إلى حصول مصرفه (و) لا (يصرف في المصالح) نعم بناء على أن سبيل الله كل قربة لا يسقط


(1) سنن البيهقى ج 7 ص 15 وفيه " إلا خمس... "

[ 372 ]

هذا السهم بتعذر بعض أفراد المصرف (و) هو ظاهر، مع أنه (قد يمكن وجوب الجهاد مع عدم تمكنه) أيضا، كما إذا دهم المسلمين عدو يخاف منه على بيضة الاسلام لا للدعوة إلى الاسلام، فان ذلك لا يكون إلا مع الامام (عليه السلام) وحينئذ (ف‍) - لا يسقط هذا السهم على كل من القولين بل (يكون النصيب باقيا مع وقوع ذلك التقدير) بل منه يعلم عدم سقوط سهم المؤلفة بناء على أن المراد بهم المؤلفة قلوبهم للجهاد، لما عرفت من أمكانه في زمن الغيبة، لكن في المتن (وكذا يسقط سهم السعاة وسهم المؤلفة ويقتصر بالزكاة على بقية الأصناف) وفيه ما لا يخفى، بل قد عرفت أن الأقوى عموم التألف، بل في المدارك لم أقف على ما يقتضي سقوط سهم السعاة، ومن ثم جزم الشهيد في الدروس ببقائه في زمن الغيبة مع تمكن الحاكم من نصيبهم، وهو جيد، لاندارجهم في العاملين، قلت: أللهم إلا أن يقال: إن المراد بالعاملين السعاة لجباية الصدقات باذن الامام، وهذا لا يكون إلا مع ظهوره وبسط يده، بل لا ينكر إشعار الآية وغيرها بذلك وكذا التأليف، فلعل المراد بالسقوط هنا نحو سقوط تعيين صلاة الجمعة والعيدين والحدود وغيرها، والله أعلم. (و) السابع أو الثامن (ابن السبيل وهو) وإن كان عاما لمطلق المسافر إلا أن المراد به هنا (المنقطع به) فعجز عن سفره بذهاب نفقته أو نفادها أو تلف راحلته أو نحو ذلك مما لا يقدر معه أن يتحرك، فلا يستعمل إلا في المسافر إلى غير وطنه ومقره ولو بالعارض كالبلد التي دخلها مسافرا فعزم على استيطانها، أما المقيم عشرا فصاعدا أو المتردد ثلاثين يوما أو نحو ذلك مما يوجب التمام فغير خارج عن صدق ابن السبيل عرفا وإن انقطع سفره شرعا بالنسبة للقصر والاتمام، والافطار والصيام، ضرورة عدم التنافي بينهما، فما عن ظاهر المبسوط وصريح التذكرة وكذا ابن فهد في المحرر وإن قال: إلا لضرورة كانتظار رفقة من انقطاع سفره بالنسبة للمقام فلا يعط من سهم ابن السبيل

[ 373 ]

واضح الفساد، كوضوح فساد دعوى صدقه على من أراد إنشاء السفر المحتاج إليه ولا قدرة له عليه، خلافا للمحكي عن الاسكافي والشهيد في الدروس واللمعة، ضرورة انسياق المتلبس في الاستطراق لا المريد له، وفي تفسير علي بن إبراهيم (1) عن العالم عليه السلام " وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الاسفار في طاعة الله فينقطع عليهم ويذهب مالهم فعلى الامام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات " فدعوى صدقه عليه باعتبار إرادته قطع الطريق وإنشائه للسفر لا يصغى إليها، كقياسه على ناوي الاقامة في بلد ثم أراد الخروج منها، ضرورة فرق العرف بينهما، نعم لا بأس بالدفع إليه من سهم سبيل الله، كما أنه لا بأس بالدفع إليه بعد تلبسه بالسفر على وجه يصدق عليه أنه ابن سبيل، إذ لا نعتبر فيه حدوث انقطاع الطريق به يتجدد ذهاب ماله، بل يكفي فيه انقطاع الطريق به ولو لقصور أصل ماله، ولعل ذا هو الذي دعا الشهيد إلى عده ابن سبيل، لأنه بمجرد تلبسه بالسفر وخروجه إلى محل الرخصة يصدق عليه ذلك، فلا فائدة في اعتبار حصول ذلك منه، لكنه بعد تسليم الصدق عليه بذلك لابد من تحققه في جواز التناول والتصرف، لتوقف صدق الموضوع عليه، والأول إليه غير كاف قطعا. وكيف كان يعطى ابن السبيل هذا السهم (وإن كان غنيا في بلده) إذا كان لا يمكنه الاعتياض عنه ببيع أو اقتراض أو غيرهما، وإلا لم يعط، لعدم صدق الانقطاع به، ودعوى تحققه بمجرد تعذر البيع ونحوه دون الاستدانة كدعوى تحققه وإن تمكن من الجميع لا يصغى اليهما، وإن نسب ثانيهما إلى المصنف في المعتبر لكن لا تصريح فيه، نعم لم يذكره شرطا، ويمكن اكتفاؤه عن ذلك بتفسيره ابن السبيل بالمنقطع به، لما عرفت من عدم صدقه بدون ذلك، بل لعل ترك كثير التعرض له لذلك لا لعدم اشتراطه، وإلا كانوا محجوجين بما دل عليه من النص ومعقد الاجماع وغيرهما مما دل


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7

[ 374 ]

على اعتبار الفقر والحاجة في الزكاة، وأنها لا تحل لغني وغير ذلك. (وكذا) الكلام في (الضيف) الذي هو محتاج للضيافة، فانه لا يخرج بها عن كونه ابن سبيل، ضرورة تحقق الصدق عليه، فيعطى من سهم ابن السبيل، بل يحتسب عليه ما يأكله عنده منه، لعدم وجوب نفقته عليه، وكأن الداعي إلى نص المصنف عليه بيان أنه لا يخرج بالضيافة عن كونه ابن سبيل، ودفع توهم فرد آخر لابن السبيل، أو أنه يلحق به، وأن ما ورد فيه من الرواية (1) محمولة على ذلك، والأصل في المسألة عبارة المفيد في المقنعة قال: " وابن السبيل وهم المنقطع بهم في الأسفار، وقد جاءت رواية أنهم الأضياف يراد به من أضيف لحاجة إلى ذلك وإن كان له في موضع آخر عنى ويسار، وذلك راجع إلى ما قدمناه " وكأنه أشار بقوله: " وذلك راجع " إلى آخره إلى ما ذكرناه، وقال ابن زهرة: " وروي أيضا أنه الضيف الذي ينزل بالانسان وإن كان في بلده غنيا أيضا " وربما استظهر منها ومن المقنعة أن الرواية تقتضي انحصار ابن السبيل فيه، لكن قد يحتمل في كلام ابن زهرة عدم الانحصار باعتبار وجود لفظ " أيضا " في كلامه، وفي نهاية الشيخ " وقيل أيضا: إنه الضيف الذي ينزل بالانسان، ويكون محتاجا في الحال وإن كان له يسار في بلده وموطنه " ونحوه في نقل الانحصار قولا الطبرسي وسلار على ما قيل، لكن ليس في كلامهما لفظ " أيضا " وأطلقا الضيف، وعن المبسوط وروي أن الضيف داخل فيه، فصرح بالدخول، وأطلق الضيف كالمحكي عن نهاية الفاضل، وفي الوسيلة " وقال بعض أصحابنا: الضيف إذا كان فقيرا داخل فيه " وعن فقه القرآن للراوندي " وابن السبيل المسافر المنقطع به والضيف " وهو مع إطلاقه الضيف ظاهر في الدخول، وفي شرح الاصبهاني لللمعة، وكذا الفاضلان في غير المنتهى والتحرير والنهاية والمختلف إلا أنهما لم يطلقا، بل اشترطا السفر ونصا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 9

[ 375 ]

على التسوية بينه وبين المنقطع به في الشرائع والقواعد، وعن المنتهى والتحرير بعد ذكر المنقطع به قال: ويدخل فيه الضيف، وظاهرهما الدخول في التفسير كالشهيد في اللمعة، بل هو صريح المختلف، لكن في المسالك في شرح عبارة المصنف أي " يلحق بابن السبيل في جواز ضيافته من الزكاة " قال: " ويشترط فيه أن يكون مسافرا محتاجا إلى الضيافة وإن كان غنيا في بلده " وفي الارشاد " وهو المنقطع به وإن كان غنيا في بلده، والضيف بشرط إباحة سفرهما " وعن حاشية ثاني الشهيدين عليه أيضا أي يلحق بابن السبيل في جواز ضيافته من الزكاة مع حاجته إليها وإن غنيا في بلده، وفيه أن العبارتين ظاهرتان في الدخول في ابن السبيل، خصوصا عبارة الارشاد، مع أنه لا وجه للالحاق ولا دليل معتد به عليه، سيما مع ظهور الآية والرواية ومعاقد الاجماعات في خلافه، على أنه بعد أن اشترط فيه السفر والحاجة للضيافة لا ينبغي التأمل في دخوله فيه، بل في المنقع به. وبالجملة دعوى لحوق الضيف بابن السبيل في الحكم كدعوى كونه فردا منه مقابلا للمنقطع به لا دليل عليهما، إذ الرواية مع أرسالها وعدم انجبارها لم نقف على متنها في شئ من الأصول، فلا تصلح لاثبات ذلك، خصوصا مع منافاتها على هذا التقدير لظاهر الآية والرواية ومعاقد الاجماعات، فيجب الاقتصار حينئذ في ابن السبيل على ما ذكرنا، ويدخل فيه الضيف الذي هو مسافر ومحتاج للضيافة، ضرورة كونه حينئذ أحد أفراد المنقطع به، ومن الغريب ما يحكى عن بعض الحواشي من عدم اشتراط الغربة فيه ولا الحاجة، واحتمال أن مستنده إطلاق الرواية غير مجد، مع أن الذي عثرنا عليه ومن حكايتها الاطلاق الذي هو غير كاف في المعارضة لمفهوم ابن السبيل، وما وقع تفسيرا في غيرها ومقام استحقاق الزكاة المشعر بالحاجة وغير ذلك، وعلى كل حال فالنية عند شروعه في الأكل بالوضع في الفم أو المضغ أو البلع، وإن لم يعلم مقدار ما سيأكله

[ 376 ]

وقد يحتمل عند البذل كما في الفقير، إلا أن الأول أظهر، لعدم التمليك هنا بل ولا بذل وإنما فيه تقديم للأكل، ولذالا يملك إلا ما يأكله، وله أن ينوي ما أكله زكاة بعد الأكل، ولا يقدح كونه مجهولا عند المحتسب والناوي، لعدم منافاة ذلك لمعلومية أقل ما يحتمل أكله، على أنه إن كان قد عزل الحنطة للزكاة وقد بقي من الخبز شئ أعطاه مستحقا آخر إن أمكن، وإلا اقتصر في الاحتساب على ما ذكرناه، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (- لابد أن يكون سفرهما مباحا، فلو كان معصية لم يعط) بلا خلاف كما اعترف به بعضهم، بل نفاه في المدارك بين العلماء، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، ورواية العالم (عليه السلام) (1) دالة عليه، مضافا إلى ما في إعطائه من الاعانة على الاثم والعدوان، بل الرواية المزبورة دالة على اعتبار كون السفر طاعة كالمحكي عن ابن الجنيد، إلا أنها لقصور سندها وعدم مقاومتها لاطلاق الكتاب المعتضد بفتاوى الأصحاب ينبغي حمل الطاعة فيها على ما لا معصية فيه، واليه أومأ في المختلف في الجواب عنها بأن الطاعة تصدق على المباح، بمعنى أن فاعله معتقد لكونه مباحا مطيع في اعتقاده وإيقاع الفعل على وجهه، لا أن المراد صدقها حقيقة، كما هو واضح. (و) على كل حال ف‍ (- يدفع إليه) من الزكاة (قدر الكفاية) اللائقة بحاله من المأكول والملبوس والمركوب أو ثمنها أو الأجرة إلى أن يصل (إلى بلده) بعد قضاء الوطر من سفره، أو يصل إلى محل يمكنه الاعتياض فيه (ولو فضل منه شئ) ولو بالتضييق على نفسه (أعاده) وفاقا للأكثر بل المشهور، تقديرا للضرورة بقدرها، ولتشخيص المالك له في المصرف الخاص كما هو المفروض، وقد عرفت أن قصده مشخص للمصارف ولو لم نقل بوجوب البسط (وقيل) والقائل الشيخ في الخلاف


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 الجواهر - 47

[ 377 ]

(لا) يعيد، ولا ريب في ضعفه كما سمعته في الغارم والرقاب، هذا. وفي المسالك " لا فرق أي في وجوب الرد بين النقدين والدابة والمتاع " وكأنه أشار إلى ما عن نهاية الفاضل من إنه لا يسترد منه الدابة، لأنه ملكها بالاعطاء، بل عن بعض الحواشي إلحاق الثياب والآلات بها، ولعل ذلك لأن المزكي يملك المستحق عين ما دفعه إليه، والمنافع تابعة، والواجب على المستحق رد ما زاد من العين على الحاجة، ولا زيادة في هذه الأشياء إلا في المنافع، ولا أثر لها مع ملكية تمام العين، أللهم إلا أن يلتزم انفساخ ملكه عن العين بمجرد الاستغناء، لأن ملكه متزلزل، فهو كالزيادة التي تجاد الاستغناء عنها. ثم إن الاعادة كما في الروضة للمالك أو وكيله، فان تعذر فالى الحاكم، فان تعذر صرفه بنفسه إلى مستحق الزكاة ناويا به عن المالك، وفيه أولا أنه لا وجه للزوم هذا الترتيب بعد فرض تعين المال زكاة بالدفع والقبض، فيجزبه، بل يتعين عليه الدفع للحاكم من أول الأمر، أللهم إلا أن يقال ببقاء ولاية المالك عليه، فينبغي اعتبارها مع التمكن منها، ولو قيل بعدم صيرورته زكاة بذلك بل يعود إلى ملك المالك أشكل بعدم جواز دفع المستحق بل والحاكم الزكاة عنه من دون أذنه مع عدم امتناعه، وبالجملة لا يخلو الترتيب المزبور من إشكال، على أنه ينبغي تقييد الاخير بدفعه زكاة في هذا المصرف الخاص، لأنه هو الذي حصل فيه إذن المالك، والله أعلم. (القسم الثاني) (في أوصاف المستحقين) للزكاة (الوصف الأول الايمان) بالمعنى الأخص (فلا يعطى الكافر) بجميع أقسامه في غير التأليف وسبيل الله بلا خلاف معتد به بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل

[ 378 ]

الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه متواتر، بل يمكن دعوى كونه من ضروريات المذهب أو الدين (و) كذا (لا) يعطى عندنا (معتقدا لغير الحق) من سائر فرق المسلمين بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه متواتر كالنصوص خصوصا في المخالفين، قال إسماعيل بن سعد الأشعري (1): " سألت الرضا (عليه السلام) عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف ؟ قال: لا ولا زكاة الفطرة " وقال ضريس (2): " سأل المدائني أبا جعفر (عليه السلام) أن لنا زكاة نخرجها من أموالنا فيمن نضعها ؟ فقال: في أهل ولايتك، فقال: إني في بلاد ليس فيها أحد من أوليائك فقال: ابعث بها إلى بلدهم تدفع إليهم، ولا تدفعها إلى قوم أن دعوتهم إلى أمرك لم يجيبوك، وكان والله الذبح " وقال ابن بلال (3): " كتبت إليه أسأله هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي ؟ فكتب لا تعطي الصدقة والزكاة إلا لأصحابك " وقال عمر بن يزيد (4): " سألته عن الصدقة على النصاب وعلى الزيدية فقال: لا تتصدق عليهم بشئ، ولا تسقهم من الماء إن استطعت، وقال: الزيدية هم النصاب " وقال ابن أبي يعفور (5) لأبي عبد الله (عليه السلام): " جعلت فداك ما تقول في الزكاة لمن هي ؟ فقال: هي لأصحابك، قال: قلت: فان فضل عنهم قال: فأعد عليهم، قال: قلت: فان فضل عنهم قال: فأعد عليهم، قال: قلت: فان فضل عنهم قال: فأعد عليهم، قلت: فيعطى السؤال منها شيئا فقال: لا والله إلا التراب إلا أن ترحمه، فان رحمته فأعطه كسرة، ثم أو مأ بيده فوضع إبهامه على أصول أصابعه " وفي المقنعة عن زرارة وبكير والفضيل ومحمد بن مسلم وبريد كلهم (6) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " أنهما قالا: موضع الزكاة أهل الولاية " ورواه الشيخ


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 3 - 4 - 5 - 6 - 12

[ 379 ]

في الصحيح (1) بما يقرب من هذا الاسناد عنهما أيضا كذلك، قال: " قالا: الزكاة لأهل الولاية قد بين الله لكم موضعها في كتابه " بل في المروي (2) عن قرب الاسناد عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى (عليه السلام) " عن الزكاة هل هي لأهل الولاية ؟ فقال: قد بين الله لكم ذلك في طائفة من الكتاب " ولعل المراد الاشارة إلى آية النهي (3) عن موادة من حاد الله وما شابهها، فيكون الكتاب دالا على المطلوب مضافا إلى السنة، إلى غير ذلك من النصوص المروية في الكتب الأربعة وغيرها التي لا يسع المقام استقصاؤها، بل هي أكثر من أن تستقصى، خصوصا مع ملاحظة ما دل (4) على إعادة المستبصر زكاته، وجملة منها باطلاقها أو عمومها تدل على المنع بالنسبة إلى باقي الفرق المخالفة وإن عدوا من الشيعة. مضافا إلى ما ورد فيهم من النصوص بالخصوص، كخبر يونس بن يعقوب (5) " قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أعطي هؤلاء الذين يزعمون أن أباك حي من الزكاة شيئا قال: لا تعطهم، فانهم كفار مشركون زنادقة " ومرسل ضريس (6) عن الطيب يعني علي بن محمد وعن أبي جعفر (عليهما السلام) " أنهما قالا: من قال بالجسم فلا تعطوه من الزكاة ولا تصلوا وراءه " وغيرهما. ولا يخفى عليك ظهور النصوص في شرطية الايمان لا أن عدمه مانع، فمجهول الحال لا يعطى إلا أن يكون هناك طريق شرعي لاثبات إيمانه بدعواه أو كونه في سبيل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 9 - 15 (3) سورة المجادلة - الآية 22 (4) الوسائل الباب - 3 - من أبواب المستحقين للزكاة (5) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 (6) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 وهو مرسل الحسن بن العباس بن جريش الرازي

[ 380 ]

أهل الايمان، قال الأستاذ في كشفه: " ويكفي في ثبوت وصف الايمان ادعاؤه وكونه مندرجا في سلك أهله، أو ساكنا أو داخلا في أرضهم ما لم يعلم خلافه " بعد أن حكم بأن الجاهل المطلق القاصر عقله عن الادراك أو البعيد بحيث لا يمكنه الوصول والسؤال والمتربي بين كفار ونحوهم بحيث لا يمكنه الخروج للاستعلام أو كان مشغولا بالنظر يقبل عذره لو اعتذر ليسوا من العصاة، ولا يعطون من الزكاة، وهو جيد. ثم إن الظاهر استثناء المؤلفة لما عرفت وسهم سبيل الله من هذا الشرط، أما غيرهم فعلى مقتضى إطلاق ما دل على المنع، ودعوى كونه شرطا فيهم أيضا واضحة الفساد على ما سمعت البحث فيه مفصلا، كوضوح فساد اعتباره في سهم سبيل الله بعد ظهور دليله في عدم اعتبار ذلك فيه، بل هو موضوع آخر لا يوصف بالايمان، وظاهر ما دل على اعتبار الايمان إنما هو في المستحقين بالذات لا ما كان مصرفه الجهات وإن رجعت إلى الذات في بعض الأوقات، كاعطاء أهل الخلاف لدفع شرهم عن المؤمنين ونحو ذلك مما هو في الحقيقة دفع للمؤمنين باعتبار وصول النفع إليهم، مع أن أدلة اعتبار الايمان ظاهرة في كون ذلك شرطا في الاستحقاق الشرعي، والدفع لهؤلاء في نحو الفرض ليس لاستحقاقهم ذلك، وبالجملة لا يخفى على من له أدنى درية عدم صلاحية أدلة سبيل الله للتقييد بما هنا، نعم ظاهر الأدلة هنا أن غير المؤمن ليس من سبيل الله تعالى، فلا يدفع إليه لذاته من الزكاة، أما الدفع إليه لمصلحة أخرى فلا بأس به، ضرورة كونه كالدفع لتحصيل مصالح المؤمن أو دفع المضار عنه، ولعله إلى ما ذكرنا يرجع استثناء بعضهم المؤلفة والغزاة من اشتراط الايمان، لما عرفت من أن الدفع للغزاة من سهم السبيل أما استثناء العاملين خاصة مع المؤلفة كما وقع من ابن زهرة فلا وجه له، لما عرفت وتعرف أن العاملين يعتبر فيهم العدالة فضلا عن الايمان، ولعله لحظ أن الدفع إليهم من قسم الاجرة التي لا تفاوت فيها بين المؤمن وغيره، لكن لا يخفى عليك ما فيه

[ 381 ]

بعد الاحاطة بما قدمنا. وأوضح منه فسادا دعوى أن اعتبار الايمان في سهم الفقراء والمساكين خاصة دون باقي الأصناف، إذ مقتضاه جواز الدفع للغارمين من المخالفين وفي فلك رقابهم ولأبن السبيل منهم زيادة على العاملين، ولا ريب في بطلانه، لقوة ما دل على اعتبار الايمان في دفع الزكاة من النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات، حتى أنه ورد في بعض النصوص (1) طرحها في البحر مع عدم المؤمن، وأن أموالنا وأموال شيعتنا حرام على أعدائنا، وأنك لا تعطيهم إلا التراب، إلى غير ذلك مما لا يصغى معه إلى دعوى كون التعارض بين الأدلة من وجه التي هي في المقام شبه دعوى كون التعارض بين ما دل على قضاء حاجة المؤمن وحرمة اللواط مثلا من وجه، كما هو واضح، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- مع عدم المؤمن) وعدم مصرف آخر شرعي تحفظ إلى حال التمكن منه، ولا تعطى للمخالف بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، لاطلاق أدلة المنع، وظهور جملة منها، وصراحة آخر في ذلك، فما في خبر يعقوب بن شعيب الحداد (2) عن العبد الصالح (عليه السلام) من أنه " إن لم يجد من يحمل زكاة ماله للمؤمن يدفعها إلى من لا ينصب " مطرح أو محمول على مستضعف الشيعة أو نحو ذلك، كما أن ما عساه يظهر من جملة من الكتب من وجود الخلاف الآتي في الفطرة في المقام لا يلتفت إليه. نعم (يجوز صرف الفطرة خاصة) مع عدم المؤمن (إلى المستضعفين) من المخالفين كما في المسالك عند المصنف، بل نسب إلى الشيخ وأتباعه، لموثق الفضيل (3)


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 8 و 6 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3

[ 382 ]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) " كان جدي (صلى الله عليه وآله) يعطي فطرته الضعفة ومن لا يتوالى، وقال: قال أبوه: هي لا هلها إلا أن لا تجدهم فلمن لا ينصب ولا تنقل من أرض إلى أرض، وقال: الامام أعلم يضعها حيث يشاء، ويصنع فيها ما يرى " وموثق إسحاق بن عمار (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) " سألته عن صدقة الفطرة أعطيها غير أهل ولايتي من جيراني قال: نعم، الجيران أحق بها لمكان الشهرة " وصحيح علي بن يقطين (2) سأل أبا الحسن الأول (عليه السلام) " عن زكاة الفطرة أيصلح أن تعطى الجيران والظؤرة ممن لا يعرف ولا ينصب ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كان محتاجا " وخبر مالك الجهني (3) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن زكاة الفطرة قال: تعطيها المسلمين، فان لم تجد مسلما فمستضعفا " ومكاتبة على بن بلال (4) " تقسم الفطرة على من حضره ولا يوجه ذلك إلى بلدة أخرى وإن لم يجد موافقا ". لكن المعروف بين الأصحاب عدم الجواز حتى نسبه بعض إلى الأشهر وآخر إلى المشهور، بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد إطلاق النهي عن دفع الزكاة ألى غير المؤمن الشامل للمستضعف، وإطلاق قول الرضا (عليه السلام) (5) لما سئل عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف: " لا ولا زكاة الفطرة " كقوله (عليه السلام) (6) في تعليل تعطيل الزكاة أربع سنين إن لم يوجد لها أحد من الشيعة وإلا فصرها صررا واطرحها في البحر: " فان الله عز وجل حرم أموالنا وأموال شيعتنا على عدونا " وغير ذلك من إطلاق النصوص ومعاقد الاجماعات، لكن لا يخفى عليك انصرافها كغيرها من المطلقات إلى زكاة المال، وقول الرضا (عليه السلام) الأول


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 - 6 - 1 - 4 (5) و (6) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 8

[ 383 ]

مطلق يقيد بما عرفت، والاجماع المحكي موهون بمصير من عرفت إلى خلافه، خصوصا بعد عدم تحقق الشهرة المحكية التي يمكن أن يكون حاكيها قد استفادها من ظاهر إطلاق الفتاوى، لأن ما حكي عنهم من التصريح بذلك لم يصل إلى حد الشهرة، بل إن لم ينعقد إجماع لأمكن القول بجواز دفعها مع التقية لغير المستضعف من الجيران، كما أو مأت إليه تلك النصوص، وليس عليه أن يعيدها، ولعله لا إجماع عليه في هذا الفرض، بل لا يبعد الجواز أيضا في زكاة المال مع التقية أيضا، فتأمل جيدا، والله أعلم. (وتعطى الزكاة أطفال المؤمنين دون أطفال غيرهم) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل في المختلف والروضة والمدارك الاجماع عليه، وهو الحجة بعد إطلاق الكتاب والسنة، وحسن أبي بصير (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يموت ويترك العيال يعطون من الزكاة قال: نعم " وخبر عبد الرحمان (2) " قلت لأبي الحسن (عليه السلام): رجل مسلم مملوك ومولاه رجل مسلم وله مال لم يزكه وللمملوك ولد حر صغير أيجزي مولاه أن يعطي ابن عبده من الزكاة ؟ قال: لا بأس " وقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي خديجة (3): " ورثة الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما كان يعطى أبوهم حتى يبلغوا، فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوهم، وإذا نصبوا لم يعطوا " وخبر يونس بن يعقوب (4) المروي عن قرب الاسناد " قلت للصادق (عليه السلام): عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا وطعاما وأرى أن ذلك خير لهم قال: لا بأس ". ولا فرق في ذلك بين عدالة الآباء وفسقهم، لمعلومية عدم تبعية الولد في ذلك، لعدم الدليل، كمعلومية عدم بناء الحكم هنا على عدم اعتبار العدالة، أو على كون الفسق


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 2 - 3 (2) الوسائل - الباب - 45 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 384 ]

مانعا، وليس متحققا في الطفل، ضرورة تصريح من اشترطها بالدفع إليهم للأدلة الخاصة التي سمعتها، وانسياق ما دل على اعتبارها في القابل للاتصاف بها وبضدها، كما هو واضح. وكذا لا فرق بين الذكر والأنثى والخنثى ولا بين المميز وغيره، لاطلاق الأدلة. ولو تولد بين المسلم والكافر ففي البيان والمسالك مسلم، ومقتضاه عدم الفرق بين كون الأب المسلم أو الأم، ولعله لدليل التبعية لأشرف الأبوين ولو لكون الشرف بالنسبة إلى الاسلام والكفر أتم من الرقية بالنسبة للحرية، وكذا الحال في الايمان، ولذا صرحا أيضا بأنه لو تولد بين المؤمن وغيره من الفرق الاسلامية جاز إعطاؤه خصوصا أذا كان المؤمن الأب، بل قد يقال بالتبعية للجد المؤمن وإن كان الأب كافرا على إشكال، وولد الزنا من المؤمنين كولده من الكافرين لا تبعية فيه لأحدهما، بناء على كونها في النكاح الصحيح، فدفع الزكاة إليه حينئذ مبني على كون الايمان فعلا أو حكما شرطا فلا يعطى، أو أن الكفر فعلا أو حكما مانع فيعطى. ثم لا يخفى أن المراد من إعطاء الأطفال في النص والفتوى الايصال إليهم على الوجه الشرعي المعلوم بالنسبة إليهم، فإذا أراد الدفع إليهم من سهم الفقراء مثلا سلم بيد وليهم لأن الشارع سلب أفعالهم وأقوالهم، فلا يترتب ملك لهم على قبضهم، ومعلوم اعتبار الملك في هذا السهم، واحتمال الاجتزاء به هنا تمسكا بالاطلاق المزبور الذي لم يكن مساقا لذلك في غاية الضعف، كاحتمال عدم اعتبار الملك في هذا السهم تمسكا باطلاق الأمر بالايتاء الشامل للأمرين، إذ قد عرفت فيما تقدم ظهور الأدلة خصوصا السنة في ترتب الملك على القبض بالنسبة ألى هذا السهم، هذا، ولكن عن التذكرة أنه، بعد أن ذكر ما قلناه من كون الدفع للولي من غير فرق بين اليتيم وغيره - قال: " فان لم الجواهر - 48

[ 385 ]

يكن ولي جاز أن يدفع إلى من يقوم بأمره ويعتني بحاله " وفي المدارك " أن مقتضى كلامه جواز الدفع إلى غير ولي الطفل إذا لم يكن له ولي، ولا بأس به إذا كان مأمونا بل لا يبعد جواز تسليمها إلى الطفل بحيث تصرف في وجه يسوغ للولي صرفها فيه، وحكم المجنون حكم الطفل، أما السفيه فانه يجوز الدفع إليه وإن تعلق الحجر به بعد قبضه " وعن الكركي في فوائده على الكتاب والكفاية وشرح المفاتيح للمولى الاكبر موافقته على جواز الدفع لغير الولي ممن يقوم بأمره مع عدم الولي، بل ربما ظهر من بعض المعاصرين الميل إلى جواز ذلك مع التمكن من الولي، وهو أغرب من سابقه، ضرورة منافاتهما معا للمعلوم من قواعد المذهب بلا مقتض عدا بعض الاعتبارات التي لا تصلح لأن تكون مدركا لحكم شرعي، والاطلاق الذي لم يسق لارادة تناول ذلك كما عرفت. وأغرب من ذلك دعوى بعضهم بعد أن ذكر الحكم المزبور اتحاد حكم المجنون مع الطفل، ومقتضاه جواز التسليم إليه مطلقا أو مع عدم الولي، وهو كلام لا يصغى إليه ولا يستأهل التصدي للرد عليه، خصوصا في المجنون الذي يكون حاله كحال غير المميز ولا ينافي ذلك جواز الانفاق عليه في الأكل والكسوة من الولي أو من يقوم مقامه بعد القبض المزبور، ضرورة كونه حينئذ أي بعد قبض الولي من أمواله التي حكمها ذلك، بخلافه قبل القبض، فان الكلام في أن قبضه نفسه يصيره مالا له، بل لا ينافي ذلك الانفاق عليه من سهم سبيل الله، فانه لا يعتبر فيه الملكية، ومحل النية بناء على ما قلناه واضح، إذ هي حال الدفع إلى الولي، وفي سهم السبيل عند الصرف فيه، هذا، وتمام البحث في أحكام الأولياء واعتبار الايمان فيهم وعدمه، والعدالة وعدمها، ومعلومية الانفاق في المحل وعدمه ما لم يعلم الانفاق في غير المحل، ليس ذا محل ذكره، كالبحث عن كيفية الانفاق وأنه يراعى فيه المصلحة أو عدم المفسدة، فيجوز حينئذ مزج نفقته

[ 386 ]

مع نفقة العيال بعد ملاحظة ذلك، ولا يجب العزل، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لو أعطى مخالف زكاته أهل نحلته ثم استبصر أعاد) بلا خلاف أجده فيه، بل لعله إجماعي كما حكاه في التنقيح وغيره، لعدم وصول المال إلى مستحقه، واليه أشار الصادقان (عليهما السلام) في صحيح الفضلاء (1) قالا " في الرجل يكون في بعض الأهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية ثم يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه أيعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه إعادة شئ من ذلك ؟ قال: ليس عليه إعادة شئ من ذلك غير الزكاة، فان لابد أن يؤديه لأنه وضع الزكاة في غير موضعها، وإنما موضعها أهل الولاية " والصادق (عليه السلام) في صحيح العجلي (2) قال: " كل عمل عمله في حال نصبه وضلالته ثم من الله عليه وعرفه الولاية فانه يؤجر عليه إلا الزكاة، فان يعيدها، لأنه وضعها في غير موضعها، لأنها لأهل الولاية " وحسنة ابن أذينة (3) " أن كل عمل عمله الناصب في حال ضلالته أو حال نصبه ثم من الله عليه وعرفه هذا الأمر فانه يؤجر عليه ويكتب له إلا الزكاة، فانه يعيدها، لأنه وضعها في غير موضعها وإنما موضعها أهل الولاية، وأما الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما " إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة فيما ذكرنا. بل قد يستفاد منها جواز استرجاع العين مع بقائها، لعدم كون القابض من أهلها، فتبقى على ملك المالك، بل يستفاد منها وجه الفرق بين الزكاة وغيرها من العبادات التي هي حق الله تعالى وقد أسقطها عنه رحمة كما أسقطها عن الكافر بالاسلام، نعم قد يستفاد منها إلحاق غير الزكاة من العبادات المالية بها، ومن الغريب ما وقع للفاضل هنا حيث أنه بعد أن روى صحيح الفضلاء قال: " وهذا الحديث حسن الطريق وهل هو مطلق ؟ نص علماؤنا على أنه في الحج إذا لم يخل بشئ من أركانه لا يجب عليه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 1 - 3

[ 387 ]

الاعادة، أما الصوم والصلاة ففيهما إشكال من حيث أن الطهارة لم تقع على الوجه الصحيح والافطار قد يقع منهم في غير وقته، ويمكن الجواب بأن الجهل عذر كالتقية، فصحت الطهارة، والافطار قبل الوقت إذا كان لشبهة قد لا يستعقب القضاء كالظلمة الموهمة فكذا هنا، وبالجملة فالمسألة مشكلة " إذ هو كما ترى كأنه اجتهاد في مقابلة النص، ومن هنا رده في المدارك بما يقرب من ذلك، لكن قال: ليس في هذا الحكم أعني سقوط القضاء دلالة على صحة الأداء بوجه، فان القضاء فرض مستأنف، فلا يثبت ألا مع الدلالة، فكيف مع قيام الدليل على خلافه، مع أن الحق بطلان عبادة المخالف وإن فرض وقوعها مستجمعة لشرائط الصحة عندنا، للأخبار (1) المستفيضة المتضمنة لعدم انتفاعه بشئ من أعماله. قلت: لعل قوله (عليه السلام): " يؤجر عليه " فيه دلالة على الصحة، كخبر ابن حكيم (2) قال: " كنت قاعدا عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه رجلان كوفيان كانا زيديين فقالا: جعلنا لك الفداء كما نقول بقول: وإن الله من علينا بولايتك فهل يقبل شئ من أعمالنا ؟ فقال: أما الصلاة والصوم والحج والصدقة فان الله يتبعكما ذلك فيلحق بكما، وأما الزكاة فلا، لأنكما أنفذتما حق امرى مسلم وأعطيتماه غيره " فيكون الايمان حينئذ شرطا كاشفا لصحة عباداته السابقة، والأخبار السمتفيضة إنما تدل على الأعمال التي لم يتعقبها إيمان، نعم يعتبر في عباداته أن يكون قد جاء بها على مقتضى مذهبه، كما هو مقتضى إضافة الأعمال إليه في النصوص السابقة الظاهرة في عدم اندراج الصلاة الباطلة على مقتضى مذهبه مثلا فيها، وقد أوضحنا ذلك في باب القضاء من الصلاة، وذكرنا حكم ما لو جاء بها مستجمعة للشرائط على مذهبنا ونوى بها


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب مقدمة العبادات (2) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب مقدمة العبادات - الحديث 5

[ 388 ]

التقرب، وذكر هنا غير واحد أنه لو أعطى الزكاة أهل الولاية لا يعيد إذا استبصر تمسكا بظاهر التعليل، وفيه بحث، لمعارضته باطلاق المعلل، فتأمل جيدا فان فيه كلاما ليس ذا محل ذكره، إذ هو كالبحث في اقتضاء اختصاص الضمير العائد إلى العالم تخصيص العام، كقوله تعالى (1): " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء... وبعولتهن أحق بردهن " ومبنى البحث هنا عدم ما يقتضى في اللفظ مطابقة التعليل لجميع أفراد المعلل، فيبقى العام على دلالته اللفظية، أللهم إلا أن يدعى الفهم العرفي، وهو غير بعيد. بقى أمران: أحدهما أن الكافر والمخالف مع سقوط القضاء عنهما بالاسلام والايمان لم يعقل خطابهما به مع اشتراط صحته بهما، والفرض السقوط معهما، وهو مناف لقاعدة التكليف بالفروع عندنا، وربما أجيب بالتزام عدم التكليف به أو بأن التكليف به ابتلائي وامتحاني، لأنه هو الذي صير نفسه كذلك، ضرورة إمكان حصول الايمان منه قبل فوات وقت الأداء لتعقل خطابه بالقضاء، فتأمل جيدا، ثانيهما ظاهر النصوص السابقة عدم الفرق بين الحج وغيره من العبادات، لكن اعتبر في الدروس في سقوطه بالايمان عدم الاخلال بركن مبني على مذهبنا، ولم نجد ما يصلح للفرق بينه وبين غيره من العبادات التي عرفت اعتبار عدم الاخلال بها على مذهبه لا مذهبنا، بل ظاهر الأدلة أو صريحها عدم الفرق، ولتمام الكلام في هذه المباحث وغيرها محل آخر، والله أعلم. (الوصف الثاني العدالة، وقد اعتبرها كثيرون) من القدماء، بل في التنقيح نسبته إلى الثلاثة وأتباعهم، وفي المختلف إلى المرتضى وأبي الصلاح وابني إدريس والبراج، بل في الخلاف " الظاهر من أصحابنا أن زكاة الأموال لا تعطى إلا العدول


(1) سورة البقرة - الآية 228

[ 389 ]

من أهل الولاية دون الفساق منهم، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: إذا أعطى الفساق برئت ذمته، وبه قال قوم من أصحابنا " بل في ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع على ذلك، بل لعله إليه يرجع ما في الانتصار من الاجماع على عدم إعطائها الفساق وإن كانوا يعتقدون الحق، وأن المخالفين أجازوا إعطاءها إليهم وإلى أصحاب الكبائر، ضرورة عدم ملاحظة الواسطة على فرضها، كعدم ملاحظة مانعية الفسق لا شرطية العدالة ومن هنا حكى الفاضلان والشهيد وغيرهم عن السيد كما قيل شرطيتها، ودعواه الاجماع عليها، واحتمال أنه في غير هذا الكتاب أو في غير موضع منه تعويل على المنى واتكال على الهباء، فالحجة حينئذ على ذلك الاجماعان المزبوران المعتضدان بما سمعته من الخلاف الظاهر في كون ذلك هو المعروف المشهور بين الأصحاب، بل في الرياض نسبته إلى الشهرة العظيمة بين القدماء غير مرة، بل لم نر منهم مخالفا لم يعتبر العدالة مطلقا صريحا بل ولا ظاهرا عدا ما يحكى عن ظاهر الصدوقين والديلمي حيث لم يذكروها في الشروط وهو كما ترى ليس فيه الظهور المعتد به في المخالفة فضلا عن أن يقدح في الاجماع المنقول فقد يحتمل اكتفاؤهم بذكر الايمان بناء على احتمال اعتبار العمل فيه، كما يعزى إلى غيرهم من القدماء منهم المفيد، ويدل عليه جملة من النصوص (1). نعم أكثر المتأخرين على عدم اعتبارها مطلقا، وحكاه في الخلاف عن قوم من أصحابنا بعد أن عزاه إلى جميع الفقهاء من العامة العمياء، وهذا الاجماع المنقول معتضد بالشهرة العظيمة بين القدماء القريبة من الاجماع، بل الاجماع حقيقة على اعتبار مجانبة الكبائر، إذ لا خلاف فيه بينهم أجده، وربما تشعر به العبارة هنا وفي النافع حيث لم ينقل فيهما قولا بعدم اعتبارها مطلقا، والشهرة المتأخرة - مع أن الشهيد منهم في اللمعة اعتبرها - ليست بتلك الشهرة التي تقوى بها العمومات وتصونها عن قبولها التخصيص


(1) أصول الكافي ج 2 ص 33 إلى 40

[ 390 ]

بالاجماعين المزبورين المعتضدين بما عرفت، وبقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي خديجة (1): " فليقسمها - أي الزكاة - في قوم ليس بهم بأس أعفاء عن المسألة لا يسألون أحدا شيئا " إلى آخره، وبقاعدة الشغل، وبخبر داود الصيرفي (2) " سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا قال: لا " بناء على عدم القول بالفصل بين شرب الخمر وغيره من الكبائر، وعلى رجوع القولين إلى واحد كما أو مأنا إليه سابقا، وبما يشعر به منع ابن السبيل إذا كان سفره معصية والغارم إذا كان غرمه كذلك، وبكل ما دل على النهي عن الاعانة للفساق وعلى الأثم والعدوان (3) وعن الموادة لمن يحاد الله ورسوله (4) وعن الركون إلى الظالمين (5) من كتاب أو سنة المراد منها فعل ما يقتضي الاعانة وإن لم يكن بقصد الاعانة على الفسق، كما يؤمي إليه ما ورد من النصوص (6) في إعانة الظالمين وأن منها معاملتهم ومساعدتهم في بناء المسجد فضلا عن غيره، خصوصا بعد ما ورد (7) من أن الزكاة إرفاق ومعونة ومودة للفقراء ومواساة لهم، بل ورد (8) فيها أنها تقسم على أولياء الله المعلوم عدم كون الفساق منهم، وبما


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث ؟ عن داود الصرمى وهو الصحيح (3) سورة المائدة - الآية 3 (4) صورة المجادلة - الآية 22 (5) سورة هود عليه السلام - الآية 115 (6) الوسائل - الباب - 42 - من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة (7) الوسائل - الباب - 1 و 7 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (8) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 391 ]

كتب الرضا (عليه السلام) في جواب محمد بن سنان (1) في علة الزكاة من أنها من أجل قوت الفقراء إلى أن قال: " مع ما فيه من الزيادة والرأفة والرحمة لأهل الضعف والعطف على أهل المسكنة، والحث لهم على المواساة وتقوية الفقراء والمعونة لهم على أمر الدين " إلى غير ذلك مما هو معلوم عدمه في الفساق، وخصوصا بعض أنواع الفسق بل لعل منعها عنهم من النهي عن المنكر بل الأمر بالمعروف الواجبين على المكلف بالكتاب والسنة والاجماع، لا أقل من ذلك كله يحصل الشك في اندراج هؤلاء الفاسقين المعاندين المحاربين لله ورسوله في إطلاق الآية الذي لم يكن مساقا لبيان جميع الشرائط كاطلاق الشيعة وأهل الولاية والعارفين والمؤمنين في الروايات، سيما مع ملاحظة ما ورد في المؤمن والشيعي والموالي من المدح والثناء على وجه يقطع بعدم أرادة أولئك منهم، وأن الشيعة الذين أمرنا باعطائهم وأن الوصول إليهم وصول إلى الأئمة (عليهم السلام) غير هؤلاء المعاندين المرتكبين الفجور من الزنا واللواط وشرب الخمر وأمثال ذلك، بل ربما كان بعضهم من أجناد الظلمة، ويعيش مدة عمره لم يأت بصلاة واحدة فضلا عن استمراره على أنواع المعاصي. والمرسل (2) المروي عن العلل عن أبي الحسن (عليه السلام) " ما حد المؤمن الذي يعطى الزكاة ؟ قال: يعطى المؤمن ثلاثة آلاف ثم قال: أو عشرة آلاف ويعطى الفاجر بقدر، لأن المؤمن ينفقها في طاعة الله، والفاجر ينفقها في معصية الله " مع ضعف سنده غير دال على الجواز مطلقا كما هو ظاهر الخصم، بل على إعطائه بقدر، ولم يذكروا هذا الشرط، ومحتمل للتقية مما عليه إجماع العامة، ويؤيده كون الخبر المزبور عن أبي الحسن (عليه السلام) والتقية في زمانه في غاية الشدة، وعدوله عن الجواب بما يوافق


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2

[ 392 ]

السؤال ويناسبه من تحديد المؤمن وحاله من فسق أو عدالة مثلا إلى الجواب بتحديد مقدار ما يعطى عشرة آلاف أو ثلاثة آلاف فان في ذلك تنبيها واضحا على ورود الحكم للتقية، كما لا يخفى على من أنصف وأعطى التأمل حقه. لكن لا يخفى عليك أن كثيرا من ذلك إنما يقتضي القول الآخر، وهو ما ذكره المصنف بقوله: (واعتبر آخرون مجانبة الكبائر كالخمر والزنا دون الصغائر وإن دخل بها في جملة الفساق) وإن كنا لم نعرف من حكي عنه هذا القول إلا ابن الجنيد والمرتضى في ظاهره أو محتمله كما سمعت، بل أرجعه ثاني الشهيدين إلى القول الأول قائلا: قد عرف الشهيد العدالة هنا وفي شرح الارشاد بأنها الملكة الباعثة على التقوى، ولم يعتبر فيها المروة، وحينئذ فمرجعها إلى اجتناب الكبائر، لأن الاصرار على الصغيرة يلحقها بالكبيرة، وعدم الاصرار لا يؤثر، فيتحد القولان، وملخصه ما أشار إليه في الروضة من أن الصغائر إن أصر عليها لحقت بالكبائر، وإلا لم توجب الفسق، والمروة غير معتبرة في العدالة هنا، فلزم من اشتراط تجنب الكبائر اشتراط العدالة، وإن كان قد يناقش فيه بأنه - مع مخالفته للمصنف وغيره ممن حكى هذا القول مع القول الأول، وعدم معلومية عدم اعتبار المروة من كل من اشتراط العدالة الظاهرة في اعتبارها بعد دخولها في مفهومها، وعدم ظهور الدليل عليها عندنا لا يقتضي عدم اعتبارها عندهم لدليل لم يصل الينا أن تخليه وإن لم يكن كذلك، ومع إمكان الفرق بينهما على هذا التقدير باعتبار الملكة وعدمها فان اجتناب الكبائر أعم من أن يكون عن ملكة تقتضي ذلك بخلاف العدالة - يمكن أن يقال: إن المتبادر من الكبائر في عبارة من اعتبر اجتنابها كل ذنب من الذنوب الذي يكون بنفسه كبيرا لا باجتماع الصغائر، سيما في عبائر النقلة لهذا القول، وخصوصا المتن. لكن على حال قد عرفت أن جميع ما تقدم من الأدلة بين قاصر السند والدلالة الجواهر - 49

[ 393 ]

وبين ما لا يصلح للاستدلال، وإنما هو صالح للتأييد، وبين ما هو معارض لما يقتضي العدم مما ستسمعه من وجه، والترجيح لغيره من وجوه، وبين ما هو موهون بمصير المتأخرين إلا النادر إلى خلافه، فكيف يكون مثله صالحا لتقييد إطلاق الكتاب والسنة وعمومها، خصوصا قول الباقر والصادق (عليهما السلام) (1): " الزكاة لأهل الولاية قد بين الله لكم مواضعها في كتابه " وقول الصادق عليه السلام (2): " هي لأصحابك " وقوله (عليه السلام) أيضا (3): " من وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه " وقول الرضا (عليه السلام) (4): " إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها الينا " وترك الاستفصال من أبي الحسن (عليه السلام) لما سأله أحمد بن حمزة في الصحيح (5) " رجل من مواليك له قرابة كلهم يقولون بك وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته ؟ فقال له: نعم " خصوصا مع استبعاد العدالة في جميع القرابة حتى النساء، ونحوه الخبر الآخر (6) " لا تعطين قرابتك الزكاة كلها، ولكن أعطهم وافتسم بعضا " إلى غير ذلك من النصوص التي لا يستريب من تصفحها في توسعة الأمر في الزكاة بالنسبة إلى المؤمنين الذين يكفي إيمانهم في استحقاق الرأفة والرحمة والعطف والاعانة والموادة في الله تعالى، خصوصا بعد ملاحظة السيرة والطريقة في إعطاء مجهول الحال وغير العدل، وخصوصا مع ملاحظة تصديق من ادعى كونه من أهلها لفقر أو غرم أو كتابة من غير بينة. نعم لا ريب في رجحان إعطاء العدل على غيره، خصوصا إذا كان مرتكب الكبائر متجاهرا بها غير مبال بتوعد الله عليها، وخصوصا بعض أجناد الظلمة وفسقة الشيعة، وخصوصا إذا علم صرفهم لها في المعصية، أو كان الغالب فيها ذلك، بل لا يبعد


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 9 - 6 - 8 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (5) و (6) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 4

[ 394 ]

حينئذ عدم جواز دفعها إلى هؤلاء، لكون مثله إعانة وإن كانت هي حيثية أخرى غير ما نحن فيه، ضرورة خروجها عن محل التزاع، لأن الكلام في أصل الجواز من حيث نفسه لا إذا افترن بجهة أخرى، كما هو واضح، أما الدفع إليه لقوته أو قوت عياله فلا بأس، ولعله إلى ذلك أشار (عليه السلام) بقوله: " يعطى الفاجر بقدر " إلى آخره أي ما يحتاجه لقوته وقوت عياله ولباسهم، ولا يطلق له الأمر كما يطلق إلى غيره، ولكن مع ذلك كله فالاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة لا ينبغي تركه، خصوصا في مثل المقام الذي قد اشتغلت فيه الذمة بيقين، فانه قد يشك في أرادة بعض الأفراد من الاطلاقات والعمومات (و) لا ريب أن (الأول) هو (الأحوط) والله هو العالم بحقيقة الحال. هذا كله في الصنف الأول من أصناف الزكاة، وهو الفقير، أما غيره من الأصناف فلا ريب في عدم اعتبارها في المؤلفة منه كما عرفته سابقا، وإن كان قد يقضيه إطلاق بعضهم إلا أنه لا ريب في ضعفه، وأما العاملون أي السعاة ففي الارشاد والدروس والمهذب البارع والروضة وغيرها الاجماع على اعتبارها فيهم، وهو الحجة بعد اعتضاده بالتتبع، وبما في العمالة من تضمن الاستيمان، وقد سمعت ما في الصحيح (1) من أنه " لا يوكل بها إلا ناصحا شفيقا أمينا " ولا أمانة لغير العدل، وأما ابن السبيل والغارم فقد يؤمي اقتصارهم على اعتبار عدم كون السفر والغرم في معصية ممن اعتبرها هنا إلى عدم اعتبارها فيهما، وإن اقتضاه إطلاق بعضهم كبعض الأدلة، لكن الأقوى الأول وكذا الرقاب، وأما سهم سبيل الله فقد قدمنا ما يعلم منه عدم اعتبار الايمان والكفر فيه فضلا عن غيرهما، كما أنه تقدم لك ما يعلم منه عدم اعتبار المروة في العدالة هنا وإن اقتضاء إطلاق بعضهم، لكن لا يخفى عليك أن كثيرا من أداتهم السابقة إنما يقتضي


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 395 ]

عدم جواز الاعطاء للفاسق، ولا فسق في منافي المروة، والاستناد إلى إجماع ابن زهرة على اعتبار العدالة كما ترى، خصوصا مع غلبة الظن بكون مراده ما حكاه السيد، وقد سمعته، كما أنه لا يخفى عليك أن ذلك كله على القول باعتبارها أو اجتناب الكبائر، أما على المختار فلا إشكال في شئ من ذلك ولا في زكاة الفطرة التي لا خلاف على الظاهر في أن مصرفها مصرف زكاة المال كما تعرفه في محله إن شاء الله. بقي شئ وهو أنه على تقدير اعتبار العدالة لا ريب في أن مقتضى قاعدة الشرطية عدم جواز الدفع لمجهول الحال، وعدم الاكتفاء بدعواه، لكن قد يظهر لك مما قدمناه في قبول دعوى الفقير الفقر ما يقتضي قبول قوله، فلاحظ وتأمل وأما على اعتبار مجانبة الكبائر فالمتجه الدفع مع الشك، لاصالة عدم صدور معصية منه، ولا ينافي ذلك كون بعض أفرادها على مقتضى الأصل كعدم الصلاة والصوم ونحوهما من الأفعال الواجبة، ضرورة أعمية عدم فعلها من كونه معصية، فأصالة عدم المعصية بحالها، ولا يقتضي ذلك ثبوت العدالة التي هي بمعنى الملكة، كما هو واضح، فتأمل جيدا. (الوصف الثالث) من أوصاف المستحق (أن لا يكون) المدفوع إليه منها لمؤونته (ممن تجب نفقته على المالك كالأبوين وإن علوا والاولاد وإن سفلوا والزوجة والمملوك) بلا خلاف أجده فيه مع القدرة عليها والبذل لها كما اعترف به في السرائر، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، فضلا عن محكيه في التذكرة والتحرير وفوائد الشرائع والمدارك، بل في المحكي عن المنتهى أنه قول من يحفظ عنه العلم، مضافا إلى تصريحه أيضا بأنه لا يجوز لكل من الوالد والولد أخذها إذا كان مكتفيا بانفاق الآخر عليه إجماعا، كتصريحه ثالثا والمعتبر ونهاية الأحكام بأنه لا يجوز للزوج دفعها إلى الزوجة مطلقا إذا كان ينفق عليها إجماعا، وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الرحمان (1):


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 396 ]

" خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا الأب والأم والولد والمملوك والزوجة، وذلك بأنهم عياله لازمون له " وقال (عليه السلام) في خبر الشحام (1) في الزكاة: " يعطى منها الأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة، ولا يعطى الجد والجدة " وقال عليه السلام أيضا في خبر أبي خديجة (2) عن الصادق (عليه السلام): " لا تعط الزكاة أحدا ممن تعول " وسأل إسحاق بن عمار (3) الكاظم (عليه السلام) في الموثق أو الصحيح، فقال: " فلت له: لي قرابة أنفق على بعضهم وأفضل على بعضهم فيأتيني أو ان الزكاة أفأعطيهم منها ؟ قال يستحقون لها قلت: نعم، قال: هم أفضل من غيرهم أعطهم، قال: قلت: فمن الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتى لا أحتسب الزكاة عليهم ؟ فقال: أبوك وأمك قلت: أبي وأمي قال: الوالدان والولد " بل ظاهره المفروغية من ذلك عند الراوي، وفي مرفوع العدة (4) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن العلل، قال: " خمسة لا يعطون من الزكاة الوالدان والولد والمرأة والمملوك، لأنه يجبر على النفقة عليهم ". لكن ومع ذلك قال الأستاذ فيما حضرني من نسخة كشفه: إن الحكم فيما عدا الزوجة والمملوك بطريق الندب، بل في نسخة أخرى الاقتصار على المملوك ولم أجد موافقا له على ذلك، كما لم أجد له دليلا سوى الجمع بين النصوص المزبورة وبين مكاتبة عمران بن إسماعيل القمي (5) إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) " إن لي ولدا رجالا ونساء أفيجوز أن أعطيهم من الزكاة شيئا ؟ فكتب أن ذلك جائز لك " والمرسل عن محمد بن خرك (6) قال: " سألت الصادق (عليه السلام) أدفع عشر مالي إلى ولد ابني


(1) و (4) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 - 4 (2) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 6 - 3 - 4 لكن الثالث عن محمد بن جزك وهو الصحيح (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 15 من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 وذيله في الباب 13 منها - الحديث 2

[ 397 ]

فقال: نعم لا بأس " وهما - مع ضعف سندهما وقلة عددهما ومتروكيتهما، وكونهما مكاتبة ومرسلا، واحتمال الأولى الأقارب الذين يصلح إطلاق الولد عليهم مجازا كما عن المنتهى، والزكاة المندوبة، وعدم تمكن الوالد من الانفاق عليه، وكونهم ممن لا يجب إنفاقه عليهم، وأن المراد بقرينة قوله (عليه السلام): " لك " اختصاصه بهذا الحكم، ودفع الزكاة إليهم للتوسعة عليهم كما عن الشيخ مستدلا عليه بخبر أبي خديجة، إلى غير ذلك من الاحتمالات القريبة المتعين بعضها ولو باعتبار الاطلاق والتقييد، وكذا المرسل المحتمل أيضا المشاورة في هبة ذلك أو الصدقة به، وليس سؤالا عن الزكاة، واحتمل في الوافي بناءه على عدم وجوب نفقة ولد الولد، ورواه في الوسائل " ابنتي " وحمله على قيام الأب أو الجد له بنفقته، فيكون ما يدفعه الجد للأم على جهة التوسعة - لا ريب في قصورهما عن معارضة النصوص المزبورة المعتضدة بما سمعت، وبالاحتياط، وبكونه كالغني ذي الحرفة أو الصنعة، وبالشك في كونه إيتاء لو دفع إليهم باعتبار عود النفع إليه بسقوط نفقة الوالد والولد بها، لصيرورتهم بها ذوي مال، وبغير ذلك كما هو واضح. ولا يبعد كون النسخة غلطا كما يشهد لذلك قرائن، منها أن الموجود في رسالته المعروفة في الزكاة ما هو عند الأصحاب من عدم الجواز، أللهم إلا أن يكون الأستاذ في الكشف قد حمل النص والفتوى على إرادة احتساب نفقتهم زكاة، لا أن المراد عدم جواز دفع الزكاة لهم مطلقا، وربما يؤيده ما صرح به الفاضل في المنتهى، والمحكي عن التذكرة والنهاية ويحيى بن سعيد في الجامع والكركي في فوائده والشهيد في الدروس على ما حكي عن بعضهم من جواز تناول ما عدا الزوجة والمملوك الزكاة من غير المنفق وإن كان موسرا باذلا لها بتقريب عدم الفرق بين زكاة المالك وغيره، ضرورة اشتراكهما في اشتراط الفقر، فلو كان وجوب النفقة رافعا له لمنع في التناول من الغير للانفاق، وكذا ما ذكروه من جواز التناول من المالك فضلا عن غيره للتوسعة، لعدم

[ 398 ]

وجوبها عليه، وللحقوق اللازمة عليهم، كنفقة الزوجة والمملوك ونحوهما، إذ ذلك كله مؤيد لجواز الدفع من المالك، لأن وجوب النفقة عليه لا يخرجون به عن حد الفقر الذي يندرجون به تحت إطلاق الأدلة، وتحمل النصوص المانعة حينئذ على إرادة عدم احتساب النفقة الواجبة عليه زكاة، لأنها هي اللازمة عليه والتي يجبر عليها، ولكن إنما تجب عند الحاجة إليها لا مطلقا، فله أن يدفع إليهم من الزكاة لما عرفت من الاتصاف بالفقر باعتبار عدم ملكه لمؤونة السنة، فيرتفع وجوب النفقة عليه، لحصول مال لهم عند الحاجة، فلا تجب نفقتهم حينئذ، كما أن له أن يدفع إليهم عند الحاجة إليها باعتبار ما يلزمهم من مؤونة من يعولون به، أو للتوسعة ما يستغنون به، لما عرفت من عدم التقدير في المدفوع دفعة عند المعظم، فمع تحقق مقتضى الجواز فله أن يدفع ما يشاء وكل ذلك مؤيد لما يقوله الأستاذ، فيتجه له حمل النصوص المزبورة ولو للجمع بينها وبين ما عرفت على ما ذكرنا، أو على الكراهة أو غير ذلك هذا أقصى ما يمكن أن يقال له، إلا أنه كما ترى وإن كان الأقوى جواز التناول من الغير، واختاره في المدارك، لعدم الخروج بذلك عن حد الفقر، فيندرج حينئذ في إطلاق الادلة وعمومها، ولصحيح ابن الحجاج (1) عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) " سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمه أو أخوه يكفيه مؤونته أيأخذ من الزكاة فيوسع به إذا كانوا لا يوسعون عليه في كل ما يحتاجون إليه ؟ قال: لا بأس " خلافا للفاضل في التذكرة، فمنع مع البذل واليسار معللا له بأن الكفاية حصلت لهم بما يصلهم من النفقة الواجبة، فأشبهوا من له عقار يستغني بأجرته، وتبعه في شرح المفاتيح وهو كما ترى قياس أولا، ومع الفارق ثانيا، ودعوى شمول ما دل من صحيح


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 399 ]

ابن الحجاج (1) وخبر الشحام (2) على عدم جواز إعطاه الزكاة لزكاة المنفق وغيره واضحة المنع، ولو سلم فبينها وبين ما دل على الجواز من الآية وغيرها تعارض العموم من وجه، والترجيح للثاني من وجوه، وكذا دعوى ظهور التعليل في الغني الذي لا فرق فيه بين المنفق وغيره، ضرورة إمكان كون التعليل مبنيا على عدم صدق الايتاء معه باعتبار عود النقع له، أو على غير ذلك. فلا ريب في أن الأقوى الجواز وإن أطنب الأستاذ الأكبر في شرحه على المفاتيح في ترجيح عدم الجواز، بل مقتضى ما ذكرنا الجواز أيضا في الزوجة مع فقرها إن لم يقم إجماع، أللهم إلا أن يفرق بأن نفقتها كالعوض عن بضعها، ولذا يضمنها المنفق إذا لم يؤدها، بخلاف نفقة الوالد والولد، وإن كان قد يناقش فيه بأنها وإن كانت كذلك إلا أنها إنما تملك عليه يوما فيوما، ومثله لا يخرجها عن حد الفقر الذي هو عدم ملك مؤونة السنة، وكونها حينئذ كذي الصنعة قياس أولا، ومع الفارق بالدليل ثانيا لكن الاجماع على عدم جواز تناولها مع يسار الزوج وبذله يمكن تحصيله، وإن احتمل بعض الناس الجواز أيضا. نعم قد يقال بجوازها في غير نفقتها كما إذا كان عندها من تعول به من مملوك أو غيره، لا طلاق الأدلة السالم عن المعارض، ووجوب نفقتها على الزوج لا يجعلها غنية بمعنى ملك مؤونة السنة لها ولمن تعول به، بل لا يبعد جواز تناولها من الزوج المنفق من هذا الحيثية، وكذا غيرها من واجبي النفقة كما صرح به في المدارك وغيرها، لاطلاق الأدلة السالم عن معارضة ما هنا بعد ظهوره خصوصا بملاحظة التعليل في أرادة المنع من دفع الزكاة إليهم للانفاق، كما هو معقد إجماع الكركي في فوائد الكتاب، قال: " يشترط في المستحقين للزكاة أن لا يكونوا واجبي النفقة على الدافع أجماعا في أصل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 3

[ 400 ]

الانفاق " ولعل هذا مراد غيره، وعليه بني الكركي وثاني الشهيدين في المسالك جواز دفع الزكاة من المالك لقريبه للتوسعة، لعدم لزومها عليه، بل حكاه بعضهم عن غيرهما، لاطلاق الأدلة وعمومها، وخصوص موثق إسحاق بن عمار (1) وموثق سماعة (2) وخبر أبي خديجة (3) وخبر أبي بصير (4) لكن الجميع يحتمل زكاة التجارة التي قد عرفت ندبها، فيكون المراد حينئذ بيان أولوية مراعاة استحباب التوسعة من إخراج زكاة التجارة، بل بعضها كاد يكون صريحا في ذلك، ومنه يعلم الحال في غيره لكون الجميع على مذاق واحد، بل ظاهر آخر أنه لا زكاة عليه للتوسعة المزبورة، لا أنها يخرجها ويحتسبها عليهم، على أنه يمكن أن يكون المراد غير واجبي النفقة من عياله، وترك الاستفصال في ذلك كتركه في كون العيال أغنياء أو فقراء، إذ الزوجة قد تكون غنية وإن وجبت نفقتها، بل هما وغيرهما شاهدان على إرادة الزكاة المندوبة التي هي المتسامح فيها بالنسبة إلى ذلك وغيره، كل ذلك لاطلاق أدلة المنع الذي يمكن عدم معارضة التعليل له وإن كانت التوسعة غير واجبة على المنفق، إلا أن كثيرا من أفرادها أفضل أفراد الواجب المخير، كشراء البر عوض الشعير، وليس الحرير عوض الخام ونحو ذلك، فالانفاق الممنوع من احتسابه زكاة شامل لذلك حينئذ، خصوصا بملاحظة ندرة الاقتصار على أقل الواجب من المنفقين، وخصوصا بملاحظة السيرة المستمرة بين الأعوام والعلماء في إخراج الزكاة من الفقراء والأغنياء، بل لو كان ذلك جائزا لاشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار، لشدة الداعي له، ولكان ذلك عذرا


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 6 (4) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 الجواهر - 50

[ 401 ]

في عدم إخراج الزكاة، بل معه تهلك الفقراء من الجوع، سيما بالنسبة إلى بعض أفراد التوسعة وإن كانت هي مقيدة باللائق عند من جوزها، بل يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على خلاف ذلك، وأنه ليس إيتاء للزكاة، ضرورة رجوع التوسعة على عياله إليه، لأن الانسان همه في كسبه وتعبه عياله، ولعل إطالة الكلام في ذلك من اللغو الذي نسأل الله العصمة منه. وعلى كل حال فقد ظهر من ذلك كله أنه لا ينفع الأستاذ شئ مما ذكرنا جوازه لأنه خاص بما إذا كان هناك جهة للفقر غير الانفاق، وأما هو فليس للمالك مع وجوبه عليه الدفع لا لحصول وصف الغنى بل لكونه ليس إيتاء للزكاة، لأصالة عدم تداخل الأسباب، ومن المعلوم عدم أرادة النفقة آنا فآنا حتى يقال: إنه يجوز له دفع الزكاة لذلك حال عدم الحاجة إليها، بل المراد أنه متى كان بهذا الحال لا يجوز الا حتساب عليه لها مطلقا، بل قد يقال بوجوبها عليه مطلقا وإن توقفت التأدية على شرائط متأخرة لحصول سبب الوجوب المستصحب فيما يأتي من الزمان. نعم لو كان له جهة فقر غير الانفاق كما إذا كان عنده من يعول به أو غير ذلك جاز الدفع إليه، لاطلاق الأدلة السالم عن معارضة نصوص المقام بعد ظهورها بقرينة ما فيها من التعليل في النفقة، بل لا يبعد بناء على عدم تقدير الاعطاء للفقير جواز الدفع إليه على وجه يستغني به عن الانفاق. هذا كله في الدفع من المالك، أما الأجنبي فلا ينبغي التوقف في جواز الدفع منه للنفقة، خلافا للفاضل ومن تبعه كالبهبهاني في شرح المفاتيح، وعليك بالتأمل في المقام فانه قد أطنب فيه بعض المعاصرين من الأعلام، لكنه لم يأت بشئ، ولعل فيما ذكرنا الكفاية في ذلك، بل وفي غيره من الفروع المذكورة في المقام، مثل كون المراد بالزوجة هنا الدائمة دون المتمتع بها، لأنها ذات النفقة الواجبة التي قد عرفت دوران الحكم مدارها

[ 402 ]

في النصوص السابقة، نعم لو وجبت نفقتها بالنذر أو الشرط أو غيرهما أمكن القول بعدم الجواز حينئذ للتعليل المزبور، وفي كشف الأستاذ " أن من نذر أو عاهد أو حلف أن ينفق عليه بحكم واجب النفقة من الانساب، أما الخادم الذي وجبت نفقته بخدمته بمعاملة صلح أو غيره أو الذي كانت الخدمة حرفة له فلا يجوز له الأخذ من مخدومه ولا غيره إلا في حوائج ضرورية أو للتوسعة مع دخولها في الحاجة " قلت: لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان النذر مثلا على وجه يستغني به، لا ما إذا كان شهرا مثلا ونحوه، بل لعل المتجه عدم الفرق بين الجمع بناء على عدم استحقاق المنذور له على الناذر ما نذره، وأنه كالدين عليه. ولو أسقطت الدائمة نفقتها بشرط أو بغيره من الوجوة الشرعية صارت كغيرها في جواز التناول، ومن الغريب ما وقع هنا للأستاذ الأكبر في شرحه على المفاتيح فانه بعد أن حكى عن الذخيرة الجواز في المتعة لعدم وجوب الانفاق عليها قال: " هذا أيضا فيه ما فيه، لأن الدائمة ربما لا تتمكن من أخذ النفقة، وربما وقع اشتراط عدم النفقة، وفي المتعة ربما يقع الاشتراط، ومع عدمه ربما تكفي مؤونتها كما هو المتعارف الغالب الأن، فعدم الوجوب لا يصير علة، بل العلة عدم كفاية المؤونة، مع أنه لا تفاوت بين بضعها وبين بضع الدائمة في القابلية للعوض، فعندها العوض قبل إيقاع العقد ومتمكنة منه وبعد إيقاع العقد، وإعطاء البضع من دون عوض يكون حالها حال الدائمة التي يشترط عليها عدم النفقة، أو تهب النفقة لزوجها وتأخذ الزكاة بادخال نفسها في الفقراء الغير المتمكنين من العوض شرعا مع تمكنها من العوض وتحصيل المؤونة به، فلابد لها من عذر شرعي في ذلك، إذ هي كمن عنده مؤونة السنة ويهبها للرحم، أو بعوض قليل غاية القلة، أو يتلفها ويجعل الزكاة عليه حلالا بعد أن كانت حراما، فمع العذر الشرعي يكون الأمر كما ذكره بلا شبهة، وأما مع عدمه يكون

[ 403 ]

حراما، فعلى اعتبار عدم المعصية في الآخذ لا يجوز الدفع ولا الأخذ " إذ هو كما ترى من غرائب الكلام، ضرورة معلومية كون المدار في الفرق بين الدائمة وغيرها وجوب الانفاق وعدمه بناء على غالب الحال فيهما، لا ما إذا فرض انعكاس الأمر بشرط أو نحوه، فان الحكم حينئذ ينعكس، وقوله: إن المدار على كفاية المؤونة لا الوجوب واضح الفساد إذا كانت الكفاية بطريق التبرع ونحوه مما هو غير لازم، ولذلك جاز دفع المالك زكاته إلى بعض من يعول به ممن لا يلزمه عيلولته بلا خلاف نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه. واليه أشار المصنف بقوله: (ويجوز دفعها إلى من عدا هؤلاء من الأنساب ولو قربوا كالأخ والعم) بل في موثق إسحاق بن عمار (1) أنهم أفضل من غيرهم، من غير فرق بين الوارث منهم كالأخ والعم مع فقد الولد مثلا وعدمه، خلافا لبعض العامة فمنع منه في الأول بناء منه على أن على الوارث نفقة الموروث، وهو معلوم البطلان كما لا يخفى، وأغرب من ذلك دعواه كون البضع من قبيل الأموال، إذ هو وإن كان يقابل بالمال في بعض الأحوال لكن لا يعد بنفسه ما لا بحيث تكون المرأة به غنية، وبالجملة هذا الكلام كله خال عن الثمرة، ولعله ليس للأستاذ المزبور كما لا يخفى. ولو سقطت نفقة المرأة بالنشوز احتمل جواز الدفع إليها بناء على جوازها للفاسق ويحتمل العدم بسبب قدرتها على الطاعة، بل في كشف الأستاذ الجزم به، قال: " والزوجة الناشزة حكمها في المنع حكم غيرها، وكذا العبد الآبق والأجير الممتنع " قلت: لكن لا يخلو من إشكال، ضرورة اندراجها في إطلاق الأدلة وعمومها السالمين عن معارضة ما هنا بعد عدم وجوب الانفاق عليها، وقدرتها على الطاعة لا تدرجها تحت الموضوع المزبور الذي قد عرفت كونه المدار لا غيره، مع إمكان منع صدق الغنى عليها


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2

[ 404 ]

بالقدرة المزبورة، فتأمل جيدا. وقد ظهر أيضا مما ذكرنا أنه لا إشكال في جواز فع الزوجة زكاتها للزوج وكذا الأجير ومنذور النفقة وإن أنفقها عليهم، لاطلاق الأدلة وعمومها السالمين عن معارضة وجوب الانفاق وغيره، فما عن ابني بابويه من المنع مطلقا حتى أنه جعله أحدهما من معقد ما حكاه عن دين الامامية في أماليه على ما قيل واضح الضعف، وكذا ما عن ابن الجنيد من الجواز لكن لا ينفق عليها منها، بل هو أوضح فسادا من الأول كما لا يخفى، هذا. وكأن المصنف وغيره ممن ذكر المملوك في المقام تبعا للنص، وإلا فالأصح أن المانع فيه الرقية لا وجوب النفقة، ولذا لم يتفاوت الحال بين زكاة المالك وزكاة غيره، بل ولا بين إعسار المولى ويساره في عدم جواز الدفع إليه من سهم الفقراء، ولعله لظهور الأدلة في اعتبار كون المدفوع إليه من هذا السهم قابلا للملك، خصوصا ما دل منها على جواز تصرف الفقير بما يقبضه من الزكاة كيف يشاء لأنه ملكه، فضلا عن قوله تعالى (1): " إنما الصدقات للفقراء " إلى آخره. ولذا صرح غير واحد باعتبار الحرية في أوصاف المستحق، نعم لا بأس بالدفع إليه من سهم سبيل الله، لعدم اعتبار الملك فيه، بل لا بأس به حتى إذا لم يرض المولى مع اضطرار العبد كما صرح به الأستاذ في كشفه، لكن قال: " يدفعها حاكم الشرع إليه " كما أنه قال أيضا: " ولو كان مولاه عاجزا عن نفقته وكان فقيرا أخذها لنفسه ودفعها إليه، ولو أريد تعينها للعبد جعل دفعها إليه مشروطا على المولى ولزم ذلك على الأقوى ". قلت: لا يخفى عليك أن للنظر في لزوم هذا الشرط مجالا، وعلى كل حال فقد اختبط الأمر على بعض أعلام العصر، فظن أن المانع من إعطاء العبد الزكاة يمنع مطلقا


(1) سورة التوبة - الآية 60

[ 405 ]

حتى سهم سبيل الله، فاعترض عليهم بأنه لا يعتبر فيه الملكية، فلا وجه للمنع من الدفع إليه معللا بعدم قابليته للملكية، ثم حمل مادل على المنع منه حال وجوب نفقته من نص أو معقد إجماع على ما إذا بذلت له النفقة مطلقا، واعترض على نفسه بأن ذلك يقتضي اتحاد هذا الشرط أي عدم كونه من واجبي النفقة مع اشتراط الفقر والتزم به، وقال: إنه إلى الآن لم يظهر لي فرق بين الشرطين، فجوز الدفع إلى واجبي النفقة من المالك وغيره مع الفقر، وهو من غرائب الكلام، بل لا يكاد أن يرجع إلى محصل، وفرق واضح بين الشرطين كوضوح الثمرة المترتبة على كل منهما، كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما ذكرنا، وكيف كان فمن المعلوم أن منع المالك من دفع الزكاة لمن وجبت نفقته عليه إنما هو من سهم الفقراء لا مطلقا، أما إذا دخلوا تحت مستحقي باقي السهام فلا خلاف معتد به، كما لا إشكال في جواز الدفع إليهم من المالك وغيره، لعموم الأدلة السالم عن المعارض بعد تنزيل النصوص السابقة على الدفع من سهم الفقراء. (و) حينئذ ف‍ (- لو كان من تجب نفقته عاملا جاز أن يأخذ من الزكاة، وكذا الغازي والغارم والمكاتب وابن السبيل لكن يأخذ هذا ما زاد عن نفقته الأصلية مما يحتاج إليه في سفره كالحمولة) لما عرفت من وجوب الأصلية أي نفقة الحضر، فلا يدفعها المالك له زكاة، بخلاف الزيادة فانها ليست واجبة عليه، وقد صرحت النصوص (1) بفك رقبة الأب من الزكاة وأنه خير رقبة وبوفاء دين الأب وأنه أحق من غيره بذلك، فما عن ابن الجنيد من عدم جواز دفع السيد إلى مكاتبه من زكاته ليفك بها رقبته واضح الضعف، وأضعف من تعليله بعود النفع إليه، إذ فيه أنه لا دليل على منع ذلك ما لم يستلزم عدم كونه إيتاء ونحوه مما ينافي ما دل على اعتباره في الزكاة، كما هو واضح، والله أعلم.


(1) الوسائل الباب - 18 و 19 - من أبواب المستحقين للزكاة

[ 406 ]

(الوصف الرابع أن لا يكون هاشميا، فلو كان كذلك لم تحل له زكاة غيره) الواجبة بلا خلاف أجده فيه بين المؤمنين بل وبين المسلمين، بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكي منهما متواتر كالنصوص (1) التي اعترف غير واحد بكونها كذلك إكراما لهم بالتنزيه عن أوساخ الناس التي هي من الرجس الذي أذهب الله عنهم وطهرهم عنه تطهيرا، فحرمه عليهم وعوضهم عن الخمس من غير فرق بين أهل العصمة منهم وبين غيرهم، فما في خبر أبي خديجة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " أعطوا من الزكاة بني هاشم من أرادها منهم، وإنما تحرم على النبي (صلى الله عليه وآله) والامام عليه السلام الذي يكون بعده والائمة (عليهم السلام) " بعد الغض عما في سنده مطرح أو محمول على حال الضرورة، وبيان أن النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) بعده لا يضطر إلى ذلك، أو على بعض الصدقات المندوبة التي يختص بالرفعة عنها منصب النبوة والامامة، أو غير ذلك. ولا فرق في الحكم المزبور بين السهام كلها كما صرح به غير واحد، وهو مقتضى إطلاق الأدلة حتى معقد الاجماع منها، مضافا إلى تصريح صحيح العيص (3) عن الصادق (عليه السلام) بحرمة سهم العاملين عليهم الذي هو كالعوض عن العمل، فغيره أولى، قال فيه: " إن أناسا من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله عز وجل للعاملين عليها فنحن أولى به فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بني عبد المطلب إن الصدقة لا تحل لي ولا لكم، ولكن قد وعدت الشفاعة، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 0 - 5 (3) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 وتمامه في فروع الكافي ج 2 ص 58

[ 407 ]

لقد وعدها فما ظنكم يا بني عبد المطلب إذا أخذت بحلقة باب الجنة أتروني مؤثرا عليكم غيركم " فما في كشف الأستاذ من التأمل في حرمة سهم سبيل الله عليهم وسهم المؤلفة والرقاب - مع فرضهما بارتداد الهاشمي، أو كونه من ذرية أبي لهب ولم يكن في سلسلة مسلم، وبتزويجه الأمة واشتراط رقية الولد عليه على القول به - في غير محله، نعم هو كذلك بالنسبة إلى بعض أفراد سهم سبيل الله مما لا يعد أنه صدقة عليهم، كالتصرف في بعض الأوقاف العامة المتخذة منه والانتفاع بها ونحو ذلك مما جرت السيرة والطريقة في عدم الفرق فيها بين الهاشمي وغيره وإن كانت متخذة من الزكاة، مع أنها في الحقيقة كتناول الهاشمي الزكاة من يد مستحقها بعد الوصول إليه، فانه لا إشكال في جواز ذلك له، ضرورة عدم كونها زكاة حينئذ، كما هو واضح. ويثبت الانتساب إلى بني هاشم بالشياع وبالبينة، وفي كشف الأستاذ هنا بعد ذكرهما قال: " والظاهر الاكتفاء بادعائه أو ادعاء آبائه لها مع عدم مظنة الكذب، والأحوط طلب الحجة منه على دعواه، أما ادعاؤه في الفقر فمسموع، وحكم الادعاء للنسب الخاص كالحسنية والحسينية والموسوية ونحوها حكم الادعاء للعام " قلت: للنظر في ذلك مجال وإن تقدم لنا في الفقر ما يقتضي القبول، لكن لا على جهة الثبوت شرعا بذلك بل بالنسبة إلى دفع الخمس كدفع الزكاة لمن ادعى أنه أحد مصارفها، نعم في المقام لا يبعد قبوله إلزاما له باقراره، فلا تدفع له الزكاة. وعلى كل حال فالأحوط عدم دفعها للمتولد منهم ولو من زنا وإن كان قد يقوى خلافه، لعموم الفقراء في مصرف الزكاة، ولم يثبت أنه هاشمي بعد الانسياق للمتولد منهم بغير ذلك، فيبقى مندرجا تحت العموم كمجهول النسب ولو كان كاللقيط المجهول نسبه عنده وعند الناس، وإن كان الأحوط له تجنب ما عدا زكاة الهاشمي. وكيف كان فالذي يحرم على الهاشمي زكاة غيره (وتحل له زكاة مثله في النسب)

[ 408 ]

الذي هو الانتساب إلى هاشم وإن اختلفوا في الآباء بعده بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، قال زرارة (1) في الموثق: " قلت للصادق (عليه السلام): صدقات بني هاشم بعضهم على بعض تحل لهم قال: نعم " وسأله (عليه السلام) أيضا الشحام (2) عن الصدقة التي حرمت عليهم فقال: هي الزكاة المفروضة، ولم تحرم علينا صدقة بعضنا على بعض " وسأله (عليه السلام) أيضا إسماعيل بن الفضل الهاشمي (3) " عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي ؟ فقال: هي الزكاة، قلت: فتحل صدقة بعضهم على بعض قال: نعم " وسأله (عليه السلام) ابن دراج (4) أيضا " هل تحل لبني هاشم الصدقة ؟ قال: لا، قلت: لمواليهم قال: تحل لمواليهم، ولا تحل لهم إلا صدقات بعضهم على بعض " وسأل ابن أبي نصر (5) الرضا (عليه السلام) " عن الصدقة تحل لبني هاشم فقال: لا، ولكن صدقات بعضهم على بعض " إلى غير ذلك من النصوص التي لا معارض لها إلا ما يجب حمله عليه لو سلم أن فيه تناولا لذلك، وإلا كان عموم أدلة الزكاة كافيا في إثبات الحكم المزبور الذي لا غضاضة فيه عليهم بعد أن كانوا شجرة واحدة وبعضهم من بعض. والظاهر أنه لا فرق في جميع السهام بالنسبة إلى بعضهم مع بعض، فلا بأس حينئذ باستعمال الهاشمي على صدقات بني هاشم، لكن في الدروس جعله احتمالا، فقال: " ولو تولى الهاشمي العمالة على قبيله احتمل الجواز " وفيه أن المتجه بملاحظة الأدلة السابقة الجزم، وأن احتمال العدم لاطلاق صحيح العيص (6) ضعيف، ضرورة قوة ما سمعته


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 6 - 4 - 5 - 8 (4) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 (6) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 الجواهر - 51

[ 409 ]

من النصوص المعتضدة بما عرفت بحيث لا يصلح ذلك لمعارضتها، فوجب تنزيله على غير الفرض، كما هو واضح، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- ان لم يتمكن الهاشمي من كفايته من الخمس جاز له أن يأخذ من الزكاة ولو من غير هاشمي) كما عبر بذلك كثير، بل في المختلف " قد بينا أنه لا يحل إعطاء الهاشميين من الزكاة في حال تمكنهم من الأخماس، فان قصر الخمس عن كفايتهم جاز أن يأخذوا من الزكاة قدر الكفاية، وهل يجوز التجاوز عن قدر الضرورة ؟ الأشهر ذلك، وقيل: لا تحل " بل في الانتصار " ومما انفردت به الامامية القول بأن الصدقة إنما تحرم على بني هاشم إذا تمكنوا من الخمس الذي جعل لهم عوضا عن الصدقة فإذا حرموه حلت لهم الصدقة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، دليلنا على صحة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، ويقوى هذا المذهب بظاهر الأخبار وبأن الله حرم الصدقة على بني هاشم وعوضهم الخمس منها، فإذا سقط ما عوضوا به لم تحرم عليهم الصدقة " وفي الغنية " فان كان مستحق الخمس غير متمكن من أخذه أو كان المزكي هاشميا مثله جاز دفع الزكاة إليه بدليل الاجماع المشار إليه " وفي المدارك عن المنتهى " أن فتوى علمائنا على جواز تناول الزكاة مع قصور الخمس عن كفايتهم " وفي المعتبر " قال علماؤنا: إذا منع الهاشميون من الخمس حلت لهم الصدقة " إلى غير ذلك من عباراتهم التي ظاهرها جواز التناول بمجرد عدم التمكن من الخمس وإن تمكن مما هو جائز له مع الاختيار كزكاة مثله والصدقات المندوبة أو الواجبة غير الزكاة بناء على حلها لهم، بل ظاهر عبارة المصنف جواز التناول بمجرد قصور الخمس عن مؤونة السنة، بناء على أن المراد من الكفاية ذلك كما هو المنساق، بل لعل المراد من التمكن ما لا مشقة عليه في تحصيله، فمتى كانت ولو من جهة ما يلاقيه من الذل ونحوه عد غير متمكن. لكن لا يخفى عليك أنه لا دليل معتد به على هذا الحكم بهذا الاطلاق سوى

[ 410 ]

ما أومأ إليه السيد بمعاوضة حرمة الزكاة بالخمس المتمكن منه، فمع عدم الوصف تسقط المعاوضة، ويكون حالهم كحال باقي الفقراء وإن تمكنوا من غيره مما هو حلال لهم، وفيه أن الثابت من المعاوضة بالنسبة إلى الحكم أي حرم عليهم الزكاة وعوضهم بفرض الخمس على الناس من غير مدخلية للتمكن وعدمه، وسوى قصور تناول أدلة التحريم لمثل الفرض، فيبقى عموم أدلة الزكاة بحاله، وفيه منع واضح، كوضوح المنع للاستدلال باطلاق خبر أبي خديجة (1) الذي خرج منه حال التمكن من الخمس بالاجماع، فيبقى غيره، ضرورة كونه من قسم المأول الذي ليس بحجة عندنا، على أن ذلك كله تقرير صناعي إذا اختبرته لم تجد إذعانا للقلب منه بشئ، خصوصا بعد ورود موثق زرارة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، إن الله جعل لهم في كتابه ما فيه سعتهم، ثم قال: إن الرجل إذا لم يجد شيئا حلت له الميتة، والصدقة لا تحل لأحد منهم إلا أن لا يجد شيئا ويكون ممن تحل له الميتة " وظاهره اعتبار شدة الحاجة في جواز التناول، وأن المتناول مقدار الضرورة، كالمتناول للميتة لمن اضطر إليها، ومن هنا حكي عن الآبي التقدير بسد الرمق، لكن قد يقال: إن المراد من ذلك التشبيه لا كونه كذلك حقيقة، فينتقل منه حينئذ إلى أقرب المجازات ولذا قدره ابن فهد في المحكي عنه بقوت يوم وليلة لا مؤونة السنة، لأن الخمس لا يملك منه ما زاد عن مؤونة السنة، وهو له طلق، فكيف ما لا يحل له إلا للضرورة، وزاد آخر إلا مع عدم اندفاع الضرورة إلا به، كأن لا يجد في اليوم الثاني ما يدفعها به. فالذي يقوى في النظر عدم جواز التناول إلا مع شدة الحاجة، ويمكن حمل كلام كثير من الأصحاب على ذلك وإن قصرت عبارتهم عن التأدية، كما يؤمي إليه ما في


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 411 ]

المختلف وغيره من كون الخلاف في جواز تناول مقدار الضرورة أو أنه لا يقدر بقدر ومقتضاه المفروغية من اعتبار كون المسوغ للتناول حال الضروررة، ولكن الخلاف في المأخوذ حالها، بل لعل التأمل في عبارة المتن يقتضي ذلك أيضا لقوله متصلا بما سمعت: (وقيل: لا يتجاوز قدر الضرورة) وأظهر منها عبارة المدارك، وكذا شرح الاصبهاني لللمعة، فلاحظ وتأمل. هذا كله بالنسبة إلى حال التناول، وأما القدر المتناول فلا ريب أن الأحوط إن لم يكن الأقوى الاقتصار على ما يندفع به الضرورة، قال الكركي في حواشي الكتاب: " الأصح أنه يدفع إليه قدر كفايته له ولعياله يوما فيوما، ولو توقع ضرر الحاجة إن لم يدفع إليه ما يكمل به مؤونة السنة عادة دفع إليه ذلك، فلو وجد الخمس في أثناء السنة لم يبعد وجوب استعادة ما بقي من الزكاة " ونحوه عن حواشيه على الارشاد، قيل: وعكس في حواشي القواعد فذكر إعطاءه ما يكفيه لسنة له ولو اجنبي النفقة عليه إلا أن يرجى حصول الخمس في أثناء السنة على وجه لا يتوقع معه ضرر، فانه يعطى تدريجا، قلت: الأحوط إن لم يكن الأقوى التدريج على كل حال حتى مع العلم ببقاء الضرورة عليه إلى تمام السنة، لعدم جواز تقدم المسبب على السبب، وعليه يسقط حينئذ تفريع الاسترجاع بعد التمكن من الخمس، أما على القول الآخر - وهو عدم التقدير وصيرورته في حال الضرورة كالفقير من غير الهاشمي، تمسكا باطلاق ما دل على الاغناء المعلوم عدم إرادة مثل هذا الفرد منه - فالمتجه عدم الاسترجاع منه، ضرورة حصول ملكه لها، فلا يزول، ودعوى كونه مراعى لا شاهد عليها، فتأمل جيدا. ثم إنه قد يظهر من جماعة كالسيد والشيخ والمصنف والفاضل في جملة من كتبه إلحاق جميع الصدقات الواجبة بالزكاة كالكفارة ونحوها، بل ربما ظهر من الثلاثة في الانتصار والخلاف والمعتبر الاجماع عليه، بل صرح بعضهم بأن من ذلك الصدقة الواجبة

[ 412 ]

بالنذر وأخويه، وآخر الصدقة الموصى بها، وثالث الهدي الواجب، وربما كان مقتضى ذلك حرمة رد المظالم الواجبة عليهم، ضرورة كونها كالواجبة بالعارض بنذر ووصية ونحوهما، لكنه لا دليل صالح لذلك، إذ الاجماع المحكي - مع أنا لم نتحقق الاطلاق من معقده، لاحتمال إرادة خصوص الزكاة من الصدقة الواجبة كما هو المتعارف في إطلاق النصوص، خصوصا مع ذكرهم ذلك في باب الزكاة، فلا يشمل حينئذ غيرها من الصدقة الواجبة بالأصل فضلا عن الواجبة بالعارض - موهون بمصير جماعة من المتأخرين كالفاضل في القواعد والمقداد في التنقيح والكركي في جامعه وثاني الشهيدين في الروضة والمسالك وسبطه في المدارك إلى خلافه، وإطلاق كثير من الأخبار (1) الصدقة منساق إلى الزكاة، أو مقيد بما دل على ذلك من خبر الشحام (2) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم فقال: هي الصدقة المفروضة المطهرة للمال " إلى آخره وخبره الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن الصدقة التي حرمت عليهم ما هي ؟ فقال: هي الزكاة المفروضة " وخبر إسماعيل بن الفضل الهاشمي (4) " سألت الصادق (عليه السلام) عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي ؟ فقال: هي الزكاة " وخبر جعفر بن إبراهيم الهاشمي أو صحيحه (5) عن الصادق (عليه السلام) " قلت له: أتحل الصدقة لبني هاشم ؟ فقال: إنما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، فأما غير ذلك فليس به بأس، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة، وهذه المياه عامتها صدقة " بناء على انسياق الزكاة من الصدقة الواجبة فيه ولو باعتبار العهدية


هكذا في النسخة الأصلية ولكن الصواب " أخبار الصدقة " (2) لم نعثر على هذا الخبر إلى الآن بعد التتبع في كتب الأخبار (3) و (4) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 5 - 4 (5) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3

[ 413 ]

المفهومة من اسم الاشارة، وما دل (1) على كون الوجه في حرمتها عليهم أنها أوساخ وقد نزههم الله عنها وعوضهم بالخمس، والمعروف كون الزكاة الأوساخ، ولذا كانت مطهرة للمال، ولا يخفى على من رزقه الله فهم لسانهم (عليهم السلام) ومعرفة إشاراتهم كون المحرم الزكاة خاصة، فتقيد بذلك تلك النصوص (2) المعلوم عدم أرادة مطلق الصدقات منها، لخروج صدقة الهاشمي والصدقة المندوبة ونحو ذلك، كما أنه لا يخفى من قرائن كثيرة اعتبار هذه النصوص، فلا يقدح ضعف أسانيدها، على أن التعارض بين هذه الاطلاقات وإطلاق ما دل (3) على عموم مصرف الكفارة مثلا كاطلاق الأمر بالتصدق في غيرها من وجه، فلا أقل من خروج هذه النصوص مرجحة لها عليها، بل لولا ما يظهر من الاجماع على اعتبار اتحاد مصرف زكاة المال وزكاة الفطرة بالنسبة إلى ذلك لأمكن القول بالجواز في زكاة الفطرة، اقتصارا على المنساق من هذه النصوص من زكاة المال، خصوصا ما ذكر فيه صفة التطهير للمال الشاهد على كون المراد من غيره ذلك أيضا، وكيف كان فالذي يقوى الجواز مطلقا وإن كان الأحوط خلافه. هذا كله في الواجبة (و) أما غيرها ف‍ (- يجوز للهاشمي) غير النبي والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) (أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره) بلا خلاف أجده فيه بيننا كما اعترف به غير واحد، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه صريحا وظاهرا فوق الاستفاضة كالنصوص، منها ما تقدم سابقا، وفي خبر عبد الرحمان بن الحجاج (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " لو حرمت علينا الصدقة لم يحل أن نخرج إلى مكة، لأن كل ما بين مكة والمدينة فهو صدقة " نحو ما سمعته في خبر الهاشمي (5)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8 (2) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة (3) سورة المجادلة - الآية 5 (4) و (5) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 3

[ 414 ]

وما في خبر إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفري (1) قال: " كنا نمر ونحن صبيان ونشرب من ماء في المسجد من ماء الصدقة فدعانا جعفر بن محمد (عليهما السلام) فقال: يا بني لا تشربوا من هذا الماء واشربوا من ماء أبي " يمكن حمله على ماء أشتري بمال الزكاة، أو أن المراد ترجيح الشرب من مائه لا على تحريم الماء الآخر، أو غير ذلك، لما عرفت من أنه لا إشكال نصا وفتوى في عدم حرمة المندوبة عليهم، مضافا إلى ما دل على رجحان برهم وإعانتهم والاحسان إليهم ونحو ذلك من غير فرق بين أفراد ذلك فيشمل حينئذ الصدقة المندوبة وإفراضهم والاهداء إليهم والوقف عليهم ونحوها، بل ربما قيل: إن الكل من قسم الصدقة، لقوله (صلى الله عليه وآله) (2): " كل معروف صدقة " وإن كان فيه ما فيه، والخبر محمول على إرادة التشبيه بالنسبة إلى الثواب ونحوه، لا أن المراد منه بيان أفراد الموضوع كما هو واضح، وعلى كل حال فالحكم مفروغ منه. نعم قد يتوقف في الصدقة المندوبة بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، بل عن التذكرة وثاني الشهيدين حرمتها عليه، لما فيها من الغضاضة والنقص وتسلط المتصدق وعلو مرتبته على المتصدق عليه، وأن له المنة عليه، ومنصب النبوة أرفع وأجل وأشرف من ذلك، ولقوله (عليه السلام) (3): " إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة " لكن صريح جماعة وظاهر آخرين الجواز أيضا، بل في المعتبر نسبته إلى علمائنا وأكثر أهل العلم، للاطلاق، ولعل الأول أقوى بالنسبة إلى بعض أفرادها، كالزكاة المندوبة التي هي من الاوساخ أيضا، وبعض الصدقات الخسيسة كالتي توضع تحت رؤوس المرصى


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 41 - من أبواب الصدقة (3) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 6

[ 415 ]

ونحوها مما لا يليق بمنصب النبوة، والامام (عليه السلام) كالنبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك، وقولهم (عليهم السلام) (1): " لو حرمت علينا الصدقة " إلى آخره إنما تدل على إباحة مثل هذه الصدقات التي هي كالأوقاف العامة، ولا غضاضة عليهم في التناول منها، لا مطلق الصدقات، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- الذين تحرم عليهم الصدقة الواجبة من ولد هاشم خاصة على الأظهر) الأشهر، بل المشهور، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، خلافا للاسكافي والمفيد فألحقا به أخاه المطلب، ولا ريب في ضعفه، كما أو ضحنا ذلك في كتاب الخمس، مع أن المسألة قليلة الثمرة، لعدم معلومية من ينتسب إليه في هذا الزمان، بل لم نعلم من ذرية هاشم إلا العلويين، وربما قيل والعباسيين، لكن في المتن (وهم الآن أولاد أبي طالب عليه السلام والعباس والحارث وأبي لهب) ولم يثبت عندنا الآن من ينتسب إلى الأخيرين، بل الظاهر أن العباسيين أقرب إلى الاثبات منهما، فكان الأولى ذكرهم (2) والأمر سهل بعد أن عرفت الحال في المشكوك فيه منهم، والله أعلم. القسم الثالث (في المتولي للاخراج) (وهم ثلاثة: المالك والامام (عليه السلام) والعامل) بل أربعة باضافة نائب المالك، والاستغناء بذكر المالك عنه يقتضي الاستغناء بذكر الامام (عليه السلام) عن


(1) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الظاهر من هذه العبارة ان " العباس " لم يكن في النسخة التى كانت عند الشيخ قدس سره ولكنه موجود في كثير من النسخ

[ 416 ]

العامل الذي هو وكيل عنه أيضا، فيتجه حينئذ الاقتصار على الأصلين دون الفرعين، بل إن أريد من الا خرج أداء الزكاة على وجه القربة كان المتولي أصالة المالك خاصة، إذ الامام إن دفعت إليه على وجه الولاية عن الفقراء كان ذلك إخراجا من المالك، وإن كان على وجه النيابة عن المالك فهو كباقي الوكلاء عنه، وبالجملة فعبارة المتن غير نقية إلا أن الأمر سهل بعد وضوح الحكم. (و) على كل حال ف‍ (- للمالك أن يتولى تفريق ما وجب عليه بنفسه وبمن يوكله) إذ لا خلاف بيننا بل بين المسلمين كافة في قبول هذا الفعل للنيابة التي استفاضت بها النصوص (1) أو تواترت، بل جملة (2) منها دالة على الحكم الآخر، وهو تفريق المالك نفسه، مضافا إلى إطلاق الأدلة والنصوص الآخر التي بملاحظتها جميعا يشرف الفقيه على القطع بذلك، خصوصا نصوص (3) الأمر بايصالها إلى المستحقين، ونصوص (4) نقل الزكاة إلى بلد آخر، ونصوص (5) شراء العبيد، وغير ذلك، وإلى اليسرة القطعية بل لعل الحكم المزبور وسابقه من الضروريات بين العلماء، نعم قد يستفاد من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيام حياته ومن قام مقامه خصوصا سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في خلافته أنهم كانوا يجبون الصدقات ويرسلون العمال عليها، كما دل عليه صحيح عبد الله بن سنان (6) المتضمن أنه لما نزلت آية الزكاة (7) " خذ من


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب المستحقين للزكاة (2) الوسائل - الباب - 28 و 36 - من أبواب المستحقين للزكاة (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب المستحقين للزكاة (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب المستحقين للزكاة (5) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة (6) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 (7) سورة التوبة - الآية 104 الجواهر - 52

[ 417 ]

أموالهم " إلى آخره أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مناديه فنادى في الناس أن الله تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة - إلى أن قال -: ثم تركهم حولا، ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق، ونصوص (1) الأمر بخرص النخيل وإرسال أمير المؤمنين (عليه السلام) مصدقا يقبض الزكاة وينقلها إليه (2) وغير ذلك من النصوص التي يستفاد منها ذلك، مضافا إلى ما يؤمي إليه قوله تعالى (3): " والعاملين عليها ". ولعله لذا أفتى الشيخ بوجوب نصب الامام (عليه السلام) عاملا للصدقات، بل في الحدائق أنه المشهور إلا أنه يمكن حملها على زمان بسط اليد والتسلط لا زمن الغيبة وما في حكمه من زمن التقية، ومن هنا استفاضت النصوص (4) فيما يستفاد منه تولي المالك نفسه أو وكيله، لأن جميعها أو غالبها منهم (عليهم السلام) في زمن قصور اليد، حتى ورد في خبر جابر المروي (5) عن العلل امتناع الامام (عليه السلام) من قبضها، قال: " أقبل رجل إلى الباقر (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: رحمك الله اقبض مني هذا الخمس مائة درهم فضعها في مواضعها فانها زكاة مالي، فقال (عليه السلام): بل خذها أنت وضعها في جيرانك والأيتام والمساكين وفي إخوتك من المسلمين، إنما يكون هذا أذا قام قائمنا (عليه السلام) فانه يقسم بالسوية ويعدل في خلق الرحمان البر و الفاجر ". وكأن المفيد وأبا الصلاح وابن البراج اعتروا بتلك النصوص فأوجبوا حملها إلى الامام (عليه السلام) مع ظهوره، ومع غيبته فالى الفقيه المأمون من أهل ولايته، لأنه القائم مقامه عليه السلام في ذلك وأمثاله، بل ألحق النقي منهم الخمس وكل حق وجب إنفاقه بها


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب زكاة الغلات (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب زكاة الأنعام - الحديث 1 (3) سورة التوبة - الآية 60 (4) الوسائل الباب - 35 و 36 - من أبواب المستحقين للزكاة (5) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 418 ]

أيضا، وغفلوا عن النصوص الأخر الدالة على جواز تولي المالك ذلك التي هي فوق التواتر، بل مضمونها كالضروري بين الشيعة، والآية المشتملة على أمره صلى الله عليه وآله بالأخذ - التي يجري البحث فيها على نحو آية النداء (1) في صلاة الجمعة، فلا يكون فيها دلالة على حكم هذا الزمان ونحوه - يمكن اختصاصها فيمن هم مرجع الضمير فيها، وهم الذين أشار إليهم بقوله تعالى (2): " وآخرون اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " فلا تدل حينئذ على وجوب الأخذ من غيرهم، مع احتمال كون الصدقة فيها غير الزكاة، بل هي أموال كانوا يعطونها لتكفير ما أذنبوه من التخلف، فانه روي (3) " انهم قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال (صلى الله عليه وآله): ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل الله هذه الآية " كاحتمال القول بأن الأمر بالأخذ لا يستلزم وجوب الاعطاء، بل جزم به الفاضل في المحكي من نهايته في الأصول، وقال: " لا يقال وجوب الأخذ إنما يتم بالاعطاء، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، لأنا نقول: الأمر هنا إن كان بالطلب لم يتوقف على الاعطاء، وإن كان بالأخذ لم يكن الاعطاء واجبا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به إنما يكون واجبا لو كان مقدورا لمن وجب عليه الأخذ، وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الأخذ فلا يكون واجبا " واليه يرجع ما في المختلف من قوله بعد تسليم أن الأمر للوجوب إنما يدل على وجوب الأخذ عليه (صلى الله عليه وآله) إذا دفعت إليه، ولا يستلز ذلك وجوب الدفع إليه، هذا كله بعد القول بكون الأمر هنا للوجوب، وهو غير معلوم، لاحتمال كونه من الأمر بعد الحظر، فيكون للاباحة،


(1) سورة الجمعة - الآية 9 (2) سورة التوبة - الآية 103 (3) تفسير الرازي ج 15 ص 175 وتفسير الطبري ج 11 من ص 12 إلى 17

[ 419 ]

والأقوى في الجواب أن الآية عند بسط يد الامام وظهور السلطنة التي أشير إليها بقوله (عليه السلام) (1): " الامام يرى رأيه بقدر ما رآه، فان رأى أن يقسم الزكاة على السهام التي سماها الله قسمها، وإن أعطى أهل صنف واحد رآهم أحوج لذلك في الوقت أعطاهم " الحديث. ومما يؤيد ذلك أنه بعد موت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما اعتصب الناس منصب السلطنة جروا على آثارها، وأرسلوا عمالهم على جبايتها، وحاربوا من منعها، واستحلوا دماءهم وسموهم أهل الردة، وفي دعائم الاسلام (2) " وإن أحدا لم يكن يفرق زكاته بنفسه كاليوم " بل عن أكثر فقهاء العلمة إيجاب الدفع إلى الأمراء وإن علم عدم صرفها في محالها، ورووا ذلك عن سعد بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله ابن عمر وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير والأوزاعي والشافعي وأبي ثور وغيرهم حتى حكي عن بعضهم أنه سئل عن الزكاة فقال: ادفعوها إلى الأمراء ولو أكلوا بها لحوم الحيات، وعن آخر أنه سئل كذلك فأجاب بالدفع إلى الأمراء، فقيل له: إنهم يشترون بها العقد والدرر وينفقونها فقال: ما أنتم وذلك، أمرتم بدفعها إليهم وأمروا بصرفها في وجوهها، فعليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا، وعن ابن عمر أنه قال: أربعة إلى السلطان: الزكاة والجمعة والفئ والحدود، وأنه قيل: إن السلطان يستأثر بالزكاة فقال: ما أنتم وذلك، أرأيتم لو أخذتم لصوصا فقطعتم بعضا وتركتم بعضا أكنتم مصيبين ؟ قالوا: لا، قال: فلو رفعتم إلى السلطان فقطع بعضهم وترك بعضهم أكان عليكم من ذلك شئ ؟ قالوا: لا، قال:


(1) البحار - ج 20 ص 19 من طبعة الكمبانى (2) دعائم الإسلام ج 1 ص 312 وفيه " وإن أحدا لم يكن يفرق زكاة ماله على المساكين كما يفعل اليوم عامة الناس، الخ "

[ 420 ]

ولم ؟ قالوا: لأنا قد فعلنا ما كان علينا أن نفعله من رفعهم إلى السلطان، وما فعله فعليه، قال: صدقتم وهكذا تجري الأمور، إلى غير ذلك مما حكى عنهم في دعائم الاسلام التي صرح فيها بأن طريقة النبي (صلى الله عليه وآله) ومن قام مقامه كان على نقل الصدقات وجمعها من أيدي أهلها، وأنه لا إذن لأحد منهم في تفرقتها وتوزيعها ولعله كذلك في زمن السلطنة الربانية لا في زمن الغيبة والتقية التي قد أمرنا فيها باخفاء الأحكام الشرعية الخفية، فضلا عن نقل المال وجمعه المؤدي إلى استئصال الشيعة. لكن (و) مع ذلك كله لاريب في أن (الأولى) مع الامكان (حمل ذلك إلى الامام (عليه السلام) أو نائبه، بل عن الخلاف الاجماع عليه، لأنه أبصر بمواقعها وأعرف بمواضعها، وفيه رفع للتهمة وهوى النفس في التفضيل وغير ذلك (و) في المتن وغيره أنه (يتأكد الاستحباب في الأموال الظاهرة كالمواشي والغلات) لكن في المدارك أني لم أقف على حديث يدل عليه بمنطوقه، ولعل الوجه فيه ما يتضمنه من الاعلان بشرائع الاسلام والاقتداء بالسلف الكرام، قلت: وهو كذلك إلا أن أمره سهل يتسامح فيه، نعم قد فرق أبو عبيد بينهما فأوجب نقل هذه إلى الأمراء، ولا يجزيه الدفع من نفسه إلى الفقراء مثلا، بخلاف زكاة الذهب والفضة فجوز للمالك الأمرين، وقال الشيخ في المحكي من مبسوطه: " والأموال على ضربين ظاهرة وباطنة، فالباطنة الدنانير والدراهم وأموال التجارات فللمالك الخيار في هذه الأشياء بين أن يدفعها إلى الامام أو من ينوب عنه وبين أن يفرقها بنفسه على مستحقيه بلا خلاف في ذلك، وأما زكاة الأموال الظاهرة مثل المواشي والغلات فالأفضل حملها إلى الامام إذا لم يطلبها " ولعله يريد ما في المحكي من خلافه " الأموال الباطنة لا خلاف في أنه لا يجب دفع زكاتها إلى الامام، وصاحب المال بالخيار بين أن يؤديها للامام وبين أن يؤديها بنفسه، وأما الظاهرة فعندنا يجوز أن يؤديها بنفسه - إلى أن قال -: وفي القديم يجب عليه دفعها إلى

[ 421 ]

الامام " وظاهره أو صريحه الاجماع منا على ما سمعته من المفيد ومن تبعه، والله أعلم. هذا كله في الحمل ابتداء (و) أما (لو طلبها الامام) على وجه الايجاب بنفسه أو بساعيه (وجب صرفها إليه) بلا خلاف ولا أشكال، لوجوب طاعته وحرمة مخالفته عقلا ونقلا (ولو فرقها المالك) في أهلها (والحال هذه قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه وخلافه وابن حمزة والشهيد في اللمعة والدروس والفاضل في المختلف (لا يجزي) بل في الأخير أنه الذي يقتضيه قول كل من أوجب الدفع إليه ابتداء للنهي المفسد للعبادة باعتبار كون الدفع حينئذ إتيانا بالمأمور به على غير وجهه المطلوب شرعا (وقيل) والقائل المصنف في النافع والفاضل في التذكرة والارشاد وولده في المحكي من شرح الارشاد (يجزي) لصدق امتثال الأمر بالايتاء (وإن أثم) بترك امتثال أمر الطلب، ولعدم اقتضاء الأمر بالشي النهي عن الضد، ولأنه أدى الحق إلى مستحقه، فخرج عن العهدة، والامام إنما يطلبه لايصاله إلى المستحقين، فلا يكون الدفع إليهم ضدا للدفع إليه، بل موافقة لغرضه، بل الدفع إلى الفقير ليس ضدا للدفع إلى الامام بذاته، إذ يمكن الدفع إليه بعد الدفع إليه، وإنما عرضت له الضدية لاستلزامه هنا التمليك، وإن قلنا بالنهي عنه لاستلزامه التمليك لزم من وصفه صحة الدفع، فانه لا نهي إذا لم يكن تمليك، ولا تمليك إذا كان نهي، ولأنه في الحقيقة كالعبد الذي يطيع الله ويعصي سيده، ضرورة عدم اقتضاء طلب الامام عليه السلام لها تقييد أوامر الايتاء للفقراء. ومما سمعت للقولين تردد الفاضل وسيد المدارك، لكن قال في الأخير: " إلا أن الأمر فيها هين، لاختصاص الحكم بطلب الامام عليه السلام، ومع ظهوره عجل الله فرجه تتضح الأحكام كلها إن شاء الله " قلت: يمكن أن تظهر ثمرتها في زمن الغيبة بطلب الفقيه لها بناء على وجوب إجابته، لعموم نيابته كما حكاه الشهيد، فقال: " قيل وكذا يجب دفعها إلى الفقيه في الغيبة لو طلبها بنفسه أو وكيله، لأنه نائب للامام كالساعي،

[ 422 ]

بل أقوى منه لنيابته عنه في جميع ماكان للامام، والساعي إنما هو وكيل للامام عليه السلام في عمل مخصوص، لكن في شرح الاصبهاني لللمعة لم أظفر بقائل ذلك، وإنما عثرت على القول بوجوب الدفع إليه أو وكيله في الغيبة ابتداء، بل قال: " إنا نمنع كونه كالساعي، فان الساعي إنما يبلغ أمر الامام، فاطاعته إطاعة الامام بخلاف الفقيه، ولا يجدي كونه أعلا رتبة ومنصبا منه، ولم يعلم أمر منهم صلوات الله عليهم باطاعة الفقيه في كل شئ " قلت: إطلاق أدلة حكومته خصوصا رواية النصب (1) التي وردت عن صاحب الأمر (عليه السلام) روحي له الفداء يصيره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم، نعم من المعلوم اختصاصه في كل ماله في الشرع مدخلية حكما أو موضوعا، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يدفعها معلومية توليه كثيرا من الأمور التي لا ترجع للأحكام، كحفظه لمال الأطفال والمجانين والغائبين وغير ذلك مما هو محرر في محله، ويمكن تحصيل الاجماع عليه من الفقهاء، فانهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الاطلاق الذي ذكرناه المؤيد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشد من مسيسها في الأحكام الشرعية. ومن ذلك يظهر حينئذ أن ثمرة المسألة تتحقق في زمن الغيبة كزمن الظهور (و) التحقيق فيها أن (الأول أشبه) بأصول المذهب وقواعده مع النهي عن التفريق لعدم التمكن من نية القربة حينئذ التي لا ريب في اشتراطها في صحة دفع الزكاة، لأن نهيه (صلى الله عليه وآله) نهي الله تعالى، فانه " لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى " (2) وكذا مع الاقتصار على الأمر بالدفع إليه المنافي للأمر حينئذ بالايتاء، فوجب تقييده به على معنى وجوب الايتاء على هذا الوجه بالنسبة إلى خصوص من


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب صفات القاضى - الحديث 10 من كتاب القضاء (2) سورة النجم - الآية 3 و 4

[ 423 ]

تعلق به الطلب، بناء على توقف وجوب الدفع إليه عليه، وليس ذا من مسألة الضد بوجه، والايصال إلى المستحق بعد أن لم يكن على الوجه المأمور به غير مجز، كما أن عدم ترتب الملك عليه للنهي لا يقتضي جوازه، لعدم منافاته حينئذ، وما أشبه هذا الكلام بما عن أبي حنيفة من اقتضاء النهي الصحة، لعدم تحقق النهي عن الصلاة مثلا إلا بعد صحتها، لعدم كونها صلاة مع فسادها، فلا نهي، وهو واضح الفساد كما بيناه في محله، والله أعلم. (وولي الطفل) والمجنون (كالمالك في ولاية الاخراج) بنفسه أو وكيله والدفع إلى الامام، لاطلاق دليل ولايته، هذا (و) في المحكي عن المبسوط (أنه يجب على الامام أن ينصب عاملا لقبض الصدقات) لوجوب التأسي بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) الظاهر باعتبار استمراره على ذلك في الوجوب عليه أيضا إن لم نقل بوجوب التأسي بفعله الذي لم نعلم وجهه، مضافا إلى اقتضاء قاعدة اللطف ذلك، ضرورة عدم سماحة أنفس المكلفين بالاخراج من أموالهم، وبنقلها، وربما استلزم ذلك مؤونة عظيمة، فلا ريب في أن ذلك يبعدهم عن الطاعة ويقربهم إلى المعصية، وإلى اقتضاء قاعدة وجوب مراعاة الولي مصالح المولى عليهم أو عدم المفسدة ذلك أيضا، ولا ريب في خصوص المفسدة على الفقراء بترك نصب العامل، نعم عن المنتهى تقييد ذلك بما إذا عرف أو غلب على ظنه أن الصدقة لا تجمع إلا بالعامل، واستحسنه في المدارك، وفيه أنه يمكن أن يكون المتجه بناء على ما عرفت وجوب النصب إلا إذا علم الجمع بدونه، والأمر في ذلك كله سهل، بل في المدارك أن أمثال هذه المناصب لا يناسب أصولنا، لأن الامام (عليه السلام) أعلم بما يجب علينا وعليه، وهو كذلك بعد السقوط في زمن الغيبة التي هي وقت التقية وزمن الفترة، كما هو واضح، والله أعلم. (و) قد عرفت سابقا أنه لا أشكال ولا خلاف في أنه (يجب دفعها إليه عند

[ 424 ]

المطالبة) لكون طلبه طلب الامام (عليه السلام) (و) كذا قد عرفت سابقا أنه (لو قال المالك: أخرجت قبل قوله: ولا يكلف بينة ولا يمينا) كما نص عليه (1) مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في تعليمه لمصدقه (ولا يجوز للساعي تفريقها إلا باذن الامام) لأن العمالة ولاية ووكالة، فيقتصر فيها على موضع الاذن من الموكل، نعم في المدارك " لو أذن له المالك في تفريقها ولم نوجب حملها إلى الامام ابتداء جاز له ذلك، مع احتمال العدم، لأن طلب الساعي قائم مقام طلب الامام (عليه السلام) " قلت: لا ريب في قوة هذا الاحتمال، ضرورة عدم ولاية للمالك عليها بعد قبض الساعي لها، فاذنه كعدمها، واحتمال أن للعامل التفريق بنفسه باعتبار صيرورة المال للفقراء بقبضه فيشمله ما دل على إيصال الأمانة إلى أهلها فلا يحتاج إلى الاذن يدفعه أن يده يد الامام، فالأمانة حينئذ عند الامام لا عنده حتى يكون مكلفا بها وإن كانت هي أمانة عنده أيضا لكن على معنى كونه وكيلا عنه كالوكيل على قبض الوديعة من صاحبها، وهو واضح (أما إذا أذن له جاز أن يأخذ نصيبه ثم يفرق الباقي) بلا إشكال، لأنه أحد المستحقين بل أعظمهم، لكونه كالأجير، وإن كان الاذن مطلقة تصرف كيف شاء بما تحصل به البراءة، وإن كانت مقيدة لم يجز التعدي، ولو عين المالك وعين له الامام واختلف المحل أو التقسيط ففي المدارك اتبع تعيين الامام خاصة، لأنه أولى بنا من أنفسنا، وفيها أيضا " ولو أطلق الامام وعين المالك لم يبعد جواز التعدي عن تعيينه، لزوال ولايته بالدفع إلى الساعي " قلت: قد يقال بناء على عدم وجوب الدفع إلى الامام ابتداء ولم يكن طلب منه ولكن دفع المالك للساعي مثلا على أن يكون التفرقة على وجه


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1 الجواهر - 53

[ 425 ]

مخصوص بوجوب ما عينه المالك، لعموم قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " المؤمنون عند شروطهم " كما أو مأنا إليه سابقا، لكن الانصاف عدم خلوه بعد من الحبث والنظر، ومثله يأتي الأن في الدفع إلى المجتهد، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (- إذا لم يكن الامام (عليه السلام) موجودا) بين رعيته على وجه يتمكنون من الرجوع إليه (دفعت) ابتداء (إلى الفقيه المأمون من الامامية فانه أبصر بمواقعها) استحبابا أو وجوبا على القولين، لأنه نائب الامام فيجري فيه ما تقدم، بل قيل: إنه لا قائل بوجوب دفعها إلى الامام (عليه السلام) ابتداء وعدمه إلى الفقيه، وإن كان قد يخدش بما في الغنية من الوجوب في الأول وعدمه في الثاني، ولعله لما عرفت من عدم عموم ولايته، لكن فيه ما تقدم سابقا، ومنه يعلم الحال في طلبه. والمراد بالفقيه الجامع لشرائط الفتوى والحكومة، قيل: وبالمأمون من لا يتوصل إلى أخذ الحقوق مع غنائه عنها بالحيل الشرعية، بل في المدارك نسبته إلى المتأخرين، ثم نفى البأس عنه، قال: لأن في غير المأمون بهذا المعنى نقصا في الهمة وانحطاطا عما أهله الشارع له، وفي الدفع إليه إضرارا بالمستحقين، ونقصا في الحكمة التي لأجلها شرعت الزكاة، وعن بعضهم احتمال زيادة عدم التوجه إلى الأمور الدنيوية - التي توجب نقصا في إيصال الحقوق إلى المحتاج، كشدة الصحبة مثلا مع بعض الفقراء - على ذلك، إلا أن الانصاف عدم خلو اعتبار الزائد على العدالة عن الاشكال، لعدم الدليل، بل إطلاق عبارة النصب يقتضي خلافه. وعلى كل حال فالمستحب حملها إليه، خلافا لبعض العامة فجعل الأفضل تفريق المالك بنفسه، ولا ينافي ذلك قوله تعالى (2): " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو


(1) المستدرك - الباب - 5 - من أبواب الخيار - الحديث 7 من كتاب التجارة (2) سورة البقرة - الآية 273

[ 426 ]

خير لكم " إذ الاخفاء لا ينافي الحمل إلى الامام، لأن إعطاء الفقير كما يكون بالابداء والاخفاء كذلك الحمل إلى الامام، وإيتاء الفقراء لا يتعين أن يكون بنفسه، بل لعل المراد من الاخفاء الحمل إلى الامام، فان معه لا يعلم ممن ولا ما هو، على أن إسحاق بن عمار (1) روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في هذه الآية أنه قال: " هي سوى الزكاة، فانها علانية غير سر " وفي مرسل ابن بكير (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) فيها أيضا قال: " فنعما هي يعني الزكاة المفروضة، قلت: وإن تخفوها قال: يعني النافلة إنهم كانوا يستحبون إظهار الفرائض وكتمان النوافل " وعن العياشي في تفسيره عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) فيها أيضا، قال: " ليس تلك الزكاة، ولكنه الرجل يتصدق لنفسه الزكاة علانية ليس بسر " وفي المروي عن علي بن إبراهيم (4) عنه (عليه السلام) " الزكاة المفروضة تخرج علانية وتدفع علانية، وغير الزكاة إن دفعه سرا فهو أفضل " وفي خبر أبي بصير (5) عنه (عليه السلام) أيضا " كل ما فرض الله عز وجل عليك فاعلانه أفضل من إسراره، وكل ما كان تطوعا فاسراره أفضل من إعلانه " إلى غير ذلك، والله أعلم. (والأفضل قسمتها في الأصناف) الثمانية مع سعتها ووجودهم، لتعميم النفع والمراعاة لظاهر الآية، وعن التذكرة والمنتهى " ولما فيه من التخلص من الخلاف، وحصول الاجزاء يقينا " لكن فيه أنه لا يناسب ما تسمعه من دعواه الاجماع منا على عدم وجوب البسط، والأمر سهل. (و) كذا يستحب (اختصاص جماعة) أقلها ثلاثة (من كل صنف) مع الوجود والسعة، والأولى البسط مع إمكانه اعتبارا لصيغة الجمع المعرفة باللام، وأما في


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 54 - من أبواب المستحقين للزكاة الحديث 2 - 3 - 9 - 8 - 1

[ 427 ]

إعطاء جماعة فلانها وإن استعيرت للجنس الشامل للواحد نحو ركبت الخيل ونكحت النساء إلا أن الجمع أقرب أفراد المجاز إلى الحقيقة، كذا قيل، لكنك خبير أن ذلك لا يجري في سهم سبيل الله وابن السبيل، إذ لا جمع فيهما، أللهم إلا أن يكون وجهه ما في تفسير علي بن إبراهيم (1) عن العالم (عليه السلام) " وفي سبيل الله قوم يخرجون وقوله: وابن السبيل أبناء الطريق " والأمر سهل بعد أن كان الحكم ندبيا يتسامح فيه. ويستحب تخصيص أهل الفضل بزيادة النصيب كما رواه السكوني (2) قال: " قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به، وكيف أعطيهم ؟ فقال: أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل ". كما أنه ينبغي تفضيل الذي لا يسأل على الذي يسأل، لحرمانه في أكثر الاوقات ومدح الله له في كتابه المجيد (3) ولصحيح ابن الحجاج (4) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الزكاة يفضل بعض من يعطى ممن لا يسأل على غيره قال: نعم بفضل الذي لا يسأل على الذي يسأل ". وينبغي أيضا صرف صدقة المواشي إلى المتجملين ومن لا عادة له بالسؤال، وصرف صدقة غيرها ألى الفقراء المدقعين المعتادين للسؤال، قال عبد الله بن سنان (5): قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إن صدقة الخف والظلف تدفع ألى المتجملين من المسلمين، فأما صدقة الذهب والفضة وما كيل بالقفيز وما أخرجته الأرض فللفقراء المدقعين، قال: فقلت: كيف صار هذا هكذا ؟ فقال: لان هؤلاء يتجملون ويستحيون


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 7 (2) و (4) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 1 (3) سورة البقرة - الآية 174 (5) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 428 ]

من الناس، فيدفع إليهم أجمل الأمرين عند الناس، وكل صدقة " وربما تعارضت جهة الترجيح، وربما تحصل مرجحات أخر، والمتجه حينئذ مراعاة الميزان، ومن هذا وشبهه قلنا: إن الفقيه أبصر بمواقعها وأعرف بمواضعها، والذي يسهل الخطب كون الحكم استحبابيا. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا أنه (لو صرفها في صنف واحد جاز، ولو خص بها ولو شخصا واحدا من بعض الأصناف جاز أيضا) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في التذكرة نسبته إلى أكثر أهل العلم، والنصوص فيه مستفيضة أو متواترة، وفيها الصحيح والحسن وغيرهما، قال أحمد بن حمزة (1): " قلت لأبي الحسن (عليه السلام): رجل من مواليك له قرابة كلهم يقول بك، وله زكاة أيجوز أن يعطيهم جميع زكاته ؟ قال: نعم " وقال زرارة (2): " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل وجبت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين أيؤدي زكاته في دين أبيه ؟ - فقال بعد كلام طويل -: وإن لم يكن أورثه الأب مالا لم يكن أحد أحق بزكاته من دين أبيه، فإذا أداها في دين أبيه على هذا الحال أجزأت عنه " إلى غير ذلك مما تقدم من نصوص الاعتاق (3) والاحجاج (4) وغيرها، بل في حسنة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادي في البوادي، وصدقة أهل الحضر لأهل الحضر، ولا يقسمها بينهم بالسوية، وإنما يقسمها بينهم ما يحضره منهم وما يرى، وقال: ليس في ذلك شئ


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة (4) الوسائل - الباب - 42 - من أبواب المستحقين للزكاة (5) الوسائل - الباب 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 429 ]

موقت " ونحوها غيرها في ذلك، بل في المروي عن تفسير العياشي عن أبي مريم (1) عن الصادق (عليه السلام) في قول الله عز وجل: " إنما الصدقات " إلى آخره، فقال: " إن جعلتها فيهم جميعا وإن جعلتها لواحد أجزأ عنك ". وبذلك كله يعلم أن المراد من الآية بيان المصرف الذي هو مقتضى الأصل أيضا بعد قطع النظر عن النصوص والاجماع، فما عن بعض العامة - من وجوب القسمة على الأصناف الستة الموجودين على السواء، ويجعل لكل صنف ثلاثة أسهم فصاعدا، ولو لم يوجد إلا واحد من ذلك صرفت حصة الصنف إليه، لأنه تعالى جعل الزكاة لهم بلام الملك، وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك، وذلك يوجب الاشتراك في الحكم - ضعيف جدا (2) وربما أجيب عنه بأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية، فلا يلزم أن يكون كل جزء من أجزائها كصدقة زيد مثلا موزعا على كل واجد منهم، وبأن اللام في الآية الشريفة للاختصاص لا للملك، كما تقول باب الدار، فلا يقتضي وجوب البسط ولا التسوية في العطاء، وبأن المراد من الآية بيان المصرف أي الاصناف التي تصرف الزكاة إليهم لا إلى غيرهم، كما يدل عليه الحصر بانما، وقوله تعالى (3): " ومنهم من يلمزك في الصدقات " الآية، وهو الذي أشار إليه في محكي الخلاف بقوله: إن الآية محمولة على أن الثمانية أصناف محل الزكاة لا أنه يجب دفعها إليهم بدلالة أنه لو كان كذلك لوجب التسوية بين كل صنف، ويفرق في جميع الصنف، وذلك باطل بالاتفاق، قلت: وهو كذلك، ضرورة أنها لو أفادت وجوب الصرف إلى جميع ما ذكر من الأصناف أفادت وجوبه إلى جميع ما يدخل في كل صنف، لافادة الجمع المعرف الاستغراق إلا أن يراد منه الجنس مجازا، نحو ركبت الخيل، وأما التسوية فلعدم المرجح لبعضهم على


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 5 (2) ليس في النسخة الأصلية كلمة " ضعيف جدا " ولكن الصحيح ما أثبتناه (3) سورة التوبة - الآية 58

[ 430 ]

الآخر، فهو كما لو أوصى بشئ لجماعة من غير تفضيل، وعلى كل حال فالمحافظة على معنى اللام المعلوم انتفاؤه هنا من وجوه ليس بأولى من المحافظة على الاستغراق في الجمع الذي لا مانع من أرادته على تقدير كون المراد بيان المصرف والاستحقاق والاختصاص ونحو ذلك مما لا يقتضي البسط المزبور. (ولا يجوز أن يعدل بها) أي الزكاة (إلى غير الموجود) من الفقراء، لما فيه من تأخير الاخراج مع التمكن منه الممنوع عند المصنف على ما ستعرف (و) كذا (لا) يجوز نقلها (إلى غير أهل البلد مع وجود المستحق في البلد) على المشهور كما في الحدائق بل في التذكرة الاجماع عليه، بل لعله ظاهر الخلاف أو محتمله، وهو الحجة، مضافا إلى ما فيه من لزوم التأخير المنافي للفورية الذي ستعرف عدم جوازه عند المصنف، ومن التغرير بالمال والتعريض لتلفه، وإلى قول الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الكريم ابن عتبة الهاشمي (1): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم صدقة أهل البوادي على أهل البوادي وصدقة أهل الحضر على أهل الحضر " الخبر، وقوله في صحيح الحلبي (2): " لا تحل صدقة المهاجرين للأعراب، ولا صدقة الأعراب للمهاجرين " لكن الجميع كما ترى، إذ الشهرة فضلا عن الاجماع لم نتحققها، بل الفاضل نفسه الذي حكى الاجماع المزبور وقد اختار في المنتهى والمختلف والتحرير الجواز على كراهية، كالمحكي عن ابن حمزة، وأما الشيخ فانه وإن صرح بالعدم في الخلاف لكن المحكي عنه في مبسوطه والاقتصاد الجواز بشرط الضمان، وقواه أول الشهيدين في الدروس وثانيهما في المسالك ومحكي حواشي القواعد، بل اختاره فيما حكي عنه من حواشي الارشاد، أللهم إلا أن يريدوا بالضمان نقل المال إلى الملك باقتراض ونحوه، فيكون حاصله عدم


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 431 ]

جواز النقل إلا إذا أخرجه عن الزكاة بالضمان، لكن فيه أنه ليس قولا بعدم الجواز أيضا، ضرورة أنه عليه لا يجوز له أن يضمن وينقل، وبذلك كانت المسألة ثلاثية الأقوال، قال في الدروس: " ولا يجوز نقلها مع وجود المستحق فيضمن، وقيل: يكره ويضمن، وقيل: يجوز بشرط الضمان، وهو قوي " وظاهر الشهيد في الروضة أن ما في الدروس هو قول بالجواز. وعلى كل حال فالقول بالعدم ليس مظنة الاجماع، بل لعل العكس أقرب منه، خصوصا مع أن المحكي عن الحلبي أنه جعل عدم النقل أولى، وظاهره الجواز، وعن أيضاح المفيد كما في المنتهى الجواز أيضا، وإن كان ما وصل الينا من عبارته في المقنعة ليس بتلك الصراحة، والمنافاة للفورية التي يمكن منع وجوبها على وجه يقتضي منع ذلك كما ستعرفه في محله - بل في المدارك وغيرها أن النقل شروع في الاخراج، فلا يكون منافيا كالقسمة مع التمكن من إيصالها إلى شخص واحد - لا تخص النقل بعدم الجواز، ضرورة عدم الفرق حينئذ بينه وبين التأخير وإن لم ينقلها، بل قد يوافقها بعض أفراد النقل إلى البلدان القريبة دون الايصال في البلد، فلا وجه لذكر هذه المسألة بعنوان مخصوص ظاهر في عدم ابتنائها على الفورية، وأنه لا يجوز النقل نفسه إلى بلد آخر وإن جار له التأخير في بلده، والتغرير للمال (بالمال خ ل) والتعريض لتلفه بعد كونه مضمونا على المالك غير مضر في حق الفقير، والصحيح (1) غير دال على الوجوب، خصوصا بعد معلومية جواز الاعطاء لكل من القسمين مع عدم النقل، بل ليس فيه تعرض للنقل أصلا، ضرورة أنه قد يستدعي ذلك للنقل، بل فيه منافاة لما دل (2) على نقله عليه السلام للزكاة وإرسال الجباة لها، فالمقصود منه ضرب من الندب، وكذا الكلام في


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 432 ]

الصحيح الآخر (1). فبان لك من ذلك كله قصور هذه الأدلة عن تقييد إطلاق الآخر المقتضي تخيير المالك في جميع أفراد الدفع فضلا عن الأدلة الخاصة، كصحيح هشام بن الحكم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يعطي الزكاة يقسمها أله أن يخرج الشئ منها من البلدة التي هو فيها إلى غيرها ؟ قال: لا بأس " والصحيح عن أحمد بن حمزة (3) قال: " سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن الرجل يخرج زكاته من بلد إلى بلد آخر يصرفها إلى إخوانه فهل يجوز ذلك ؟ قال: نعم " ومرسل درست (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " في الزكاة يبعث بها الرجل إلى بلد غير بلده فقال: لا بأس أن يبعث بالثلث أو الربع، والشك من أبي أحمد ". نعم المتجه جمعا بين هذه النصوص وبين ما دل على الضمان بتأخير الأداء مع وجود المستحق - من حسن زرارة (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بعث إليه أخ له زكاة يقسمها فضاعت فقال: ليس على الرسول ولا على المؤدي ضمان، قلت: فانه لم يجد لها أهلا ففسدت وتغيرت أيضمنها ؟ قال: لا، ولكن إن عرف لها أهلا فعطبت أو فسدت فهو لها ضامن حين أخرها " وحسن محمد بن مسلم (6) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) رجل بعث بزكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم ؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنها خرجت من


(1) الوسائل - الباب - 38 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 37 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 4 - 2 (5) و (6) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 1 الجواهر - 54

[ 433 ]

يده، وكذلك الوصي الذي يوصى إليه يكون ضامنا لما دفع إليه إذا وجد ربه الذي أمر بدفعه إليه، فان لم يجد فليس عليه ضمان " وكذلك من وجه إليه زكاة مال ليفرقها ووجد لها موضعا فلم يفعل ثم هلكت كان ضامنا، وغير ذلك - الحكم بالجواز مع الضمان. وعلى كل حال فلو نقلها وأوصلها إلى المستحق أجزأ عند علمائنا أجمع، كما في المدارك وعن الخلاف والمنتهى والتذكرة والمختلف لصدق الامتثال، فما عن بعض العامة من عدم الاجزاء لأنه دفعها إلى غير من أمر بالدفع إليه فأشبه ما لو دفعها إلى غير الأصناف معلوم البطلان، نعم عن المنتهى " أنه إذا قلنا بجواز النقل كان مكروها، والأولى صرفها إلى فقراء بلدها دفعا للخلاف " وقال أيضا: " أنه إذا نقلها اقتصر على أقرب الأماكن التي يوجد المستحق فيها استحبابا عندنا، ووجوبا عند القائل بتحريم النقل " واستشكله في التذكرة من جواز النقل مطلقا لفقد المستحق، ومن كون طلب البعيد نقلا عن القريب مع وجود المستحق فيه " وعن النهاية " انه إن كان أحد البلدين طريقا للآخر تعين التفريق في الأقرب، ولو لم يكن كذلك تخير بين البعيد والقيب مع التساوي في غلبة ظن السلامة، إلا أن يختص الأبعد بالأمن تحقيقا أو احتمالا أو رجح احتمال الأمن فيه عليه في الأقرب فيجوز النقل إليه ولو كان الأقرب في طريقه إذا لم يمكنه المبادرة فيه إلى الدفع إلى الفقراء، وإن لم يكن في طريقه كان النقل إليه متعينا إن اشترطنا في جواز النقل ظن السلامة " وفيه أن المتجه بناء على كون منشأ التحريم منافاة الفورية مراعاة الأقرب فالأقرب مطلقا مع التساوي في الأمن، كما هو واضح، وأجرة النقل على المالك كما جزم به ثاني الشهيدين في الروضة، وقد يحتمل كونها من الزكاة فيما لا سبيل له إلى الايصال فيه إلا النقل، خصوصا مع عدم إمكان الابقاء أمانة لخوف تلف ونحوه، فتأمل جيدا. (و) كذا لا يجوز عند المصنف وجماعة (أن يؤخر دفعها مع التمكن) بناء

[ 434 ]

على الفورية التي ستعرف البحث فيها، وعليها وعلى حرمة النقل (فان فعل شيئا من ذلك أثم وضمن) للتعدي وللنصوص (1) المتقدمة في الضمان الذي لم نجد فيه خلافا على كل حال (وكذا) في الاثم والضمان (كل من في يده مال لغيره وطالبه) الغير به (فامتنع) عن دفعه إليه من دون عذر شرعي بلا خلاف ولا أشكال، لكن قد يفرق بينه وبين الزكاة بعدم الطلب من جميع المستحقين، وطلب البعض صريحا فضلا عن كونه بشاهد الحال لا يقتضي الوجوب، لعدم تعين الحق له، نعم لو طلب ولي الجميع كالامام (عليه السلام) أو نائبه اتجه الوجوب كما عرفت سابقا، لأنه بمنزلة طلب جميع المستحقين فيجب الدفع (أو أوصي إليه) بصرف (شئ فلم يصرفه) مع التمكن (أو دفع إليه ما يوصله إلى غيره) فلم يوصله كذلك، لحسن محمد بن مسلم (2) المتقدم الذي نص فيه على الضمان دون الفورية، فلابد لمدعيها من دليل آخر، كما أنه ينبغي له تقييد ذلك بما إذا لم ينص الموصي والدافع على التراخي أو دلت عليه القرائن، فانه لا ريب في انتفاء الفورية حينئذ، بل والضمان مع عدم التعدي والتفريط في وجه قوي، بل ينبغي الجزم به بناء على كونه حينئذ كالأمانات. (و) كيف كان ف‍ (- لو لم يجد المستحق) للزكاة (جاز نقلها إلى بلد آخر) بلا خلاف ولا إشكال، بل في محكي التذكرة والمنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد إطلاق الأمر بالايتاء، لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يكن الطريق مخوفا، وإلا كان مغررا بها أو مفرطا كما اعترف به الحلي والفاضلان، ولا عبرة باذن المستحق بعد عدم انحصار الحق فيه، فما عن الحلبي - من أنه إن كان السبيل مخوفا لم يجز حملها إلا باذن الفقير، فان حمل من غير إذنه فهي مضمونة حتى تصل إليه - في غير محله، وإن وافقه ابن زهرة مدعيا الاجماع عليه، ويمكن إرادتهما إذن الفقيه الذي هو الولي العام، لأنه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 0 - 1

[ 435 ]

هو الذي يكون إذنه إذن تمام المستحق، وحينئذ يتجه ما ذكراه، بل ظاهر الأستاذ في كشفه دوران جواز النقل وعدمه على إذن المجتهد وعدمه، قال: " ولا يجوز نقلها لغير المجتهد إلى مواضع بعيدة مع وجود المستحق في البلد، أو موضع قريب منها، ولو أخرجها ونقلها لفقد المستحق وعدم مصرف آخر في البلد فلا بأس ولا ضمان مع التلف، ولو نقلها إلى بعض المواضع القريبة مع وجود المستحق جاز، وعليه ضمانها مع التلف ما لم يكن مجتهدا أو مأذونا منه " إلى آخره، وإن كان قد عرفت فيما تقدم أن التحقيق عندنا الجواز مع وجود المستحق بدون الاذن منه من غير فرق بين المواضع القريبة والبعيدة. وكيف كان فالظاهر فيما نحن فيه الجواز من غير خلاف ولا إشكال، نعم قال المفيد: " إلا أن يغلب في ظنه قرب وجود المستحق ويكون أولى ممن يحمل إليه " وعن سلار موافقته إلا في قيد الأولوية والقرب فاعتبر ظن الحضور وأطلق، مع أن الأصح عدم اعتبار ذلك أيضا، خصوصا على ما اخترناه من جواز النقل مع وجود المستحق، للنصوص السابقة فضلا عن المقام الذي هو أولى منه من وجوه، خصوصا بعد حسن ابن مسلم (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل بعث زكاة ماله لتقسم فضاعت هل عليه ضمانها حتى تقسم ؟ فقال: إذا وجد لها موضعا فلم يدفعها فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان " ونحوه حسن زرارة (2). (و) منهما يعلم أنه (لا ضمان عليه مع التلف إلا أن يكون هناك تفريط) مضافا إلى الاجماع على الظاهر كما اعترف به بعضهم، وإلى أنه تصرف تصرفا مشروعا، فالأصل عدم ترتب الضمان عليه به، بل قد عرفت ما تقدم أن من المحتمل قويا عدم الضمان وإن تمكن من المصارف الأخر كسهم سبيل الله ونحوه، لظاهر الحسن المزبور


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 2

[ 436 ]

وغيره، وعلى كل حال فقد ظهر لك أنه لا إشكال في الجواز مع عدم الضمان، بل في المدارك الظاهر وجوب النقل لتوقف الدفع الواجب عليه وإن كان قد يناقش فيه بأن الأصل يقتضي التخيير بين ذلك وبين الحفظ إلى حضور مستحق مع التساوي في عدم فساد المال واحتمال التلف، كما صرح به الفاضل في الارشاد، بل قيل: إنه لا يظهر خلافه من كلام غيره من الأصحاب ولا من ألفاظ النصوص، إذ ليس فيها إلا نفي الضمان والجواز ونفي البأس، نعم في خبر ضريس (1) أنه سأل المدائني أبا جعفر عليه السلام " أن لنا زكاة نخرجها من أموالنا فيمن نضعها فقال: في أهل ولايتك، فقال: إني في بلاد ليس فيها أحد من أوليائك فقال: ابعث إلى بلدهم تدفع إليهم، ولا تدفعها إلى قوم إن دعوتهم غدا إلى أمر لم يجيبوك، وكان والله الذبح " وليس نصا في الوجوب، لأن المقصد فيه بيان حرمة الدفع إلى غير الموالي، مع أن الأمر في مقام توهم الحظر، فينزل على الاباحة، وفي خبر إبراهيم الأوسي (2) عن الرضا (عليه السلام) المتقدم سابقا الأمر بالانتظار بها سنة مع عدم معرفة أحد لها، بل وسنتين بل وأربع سنين، فان لم تصب لها أحدا فصرها صررا واطرحها في البحر، الحديث، وكأن منشأ توهم السيد المزبور استدلال الفاضلين على الجواز بكونه مقدمة الدفع الواجب، ويمكن أن يكون وجهه الوجوب ولو على التخيير بينه وبين الحفظ، فيكون حينئذ مقدمة للواجب في الجملة، وإلا كان محلا للمنع، ضرورة أن المستحقين إنما يستحقونه في المكان المخصوص فلا يجب عليه النقل إلى غيره، ولذلك تعارف في ذلك الزمان إرسال العمال لجلب الزكاة وجبايتها، فلا وجوب حينئذ للدفع حتى يجب النقل مقدمة له، بل قال بعضهم: إنه إذا كان الحفظ مؤديا إلى فساد أو تلف دون النقل ولم يمكن التبديل بما لا يفسد ولا يتلف من النقل ونحوه ففي وجوب النقل إشكال، وإن كان الوجوب حينئذ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 - 8

[ 437 ]

لا يخلو من قوة. (و) كيف كان ف‍ (- لو كان ماله في غير بلده فالأفضل صرفها في بلد المال) عند العلماء كافة كما في المدارك، وهو الحجة، مضافا إلى ما قيل من أنه يدل عليه مع ذلك حسن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (1) إلا أنه ليس بتلك المكانة، ضرورة عدم اقتضاء قسمته صلى الله عليه وآله صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر المحافظة على البلد، إنما الاشكال في أن ذلك لا يوافق ما تقدم من المصنف وغيره من حرمة النقل المقتضية لوجوب الصرف في البلد لا لأفضليته، واحتمال الفرق بين بلد المالك وغيره لا يصغى إليه، ويمكن دفعه بأنه ليس مراد المصنف بغير الأفضل جواز النقل، بل المراد جواز دفع العوض في بلده مثلا الذي أشار إليه بقوله متصلا بذلك: (ولو دفع العوض في بلده جاز) وقد نفى الخلاف عنه في المدارك، وليس هو من النقل لكن في الروضة وأما نقل قدر الحق بدون النية فهو كنقل شئ من ماله فلا شبهة في جوازه مطلقا، فإذا صار في بلاد أخر ففي جواز احتسابه على مستحقيه مع وجودهم في بلده على القول بالمنع نظر، من عدم صدق النقل الموجب للتغرير بالمال، وجواز كون الحكمة نفع المستحقين بالبلد، وعليه يتفرع مالو احتسب القيمة في غير بلده أو المثل من غيره، إلا أنه لا يخفى عليك وضوح ضعف النظر في المقامين، بل في محكي الخلاف في قسمة الصدقات والمنتهى والتذكرة والمختلف الاجماع على الاجزاء في الأول، ضرورة عدم الاختصاص لما بفرد دون فرد من الأصناف الثمانية، فيتحقق الدفع إلى المستحق، ولأنه إذا حضر فقير غير أهل البلد في البلد فدفعت إليه أجزأ فكذا في الفرض، بل أيده في المعتبر بحسن محمد بن مسلم السابق باعتبار جعل غاية الضمان فيه الدفع، نعم هو محكي عن أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، للنهي عن البدل المتضمن


(1) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 438 ]

للنهي عن الدفع ألى من ليس في البلد المقتضي للفساد من جهة التعلق بالعبادة، ومن جهة استلزامه خروج من ليس في البلد عن المستحقين، لكنه كما ترى، إذ قد عرفت أن العمدة في دليل حرمة النقل الفورية، فلا نهي إلا عن التأخير، وفي الفرض ربما يكون هو في بعض الأحوال أقرب من الايصال إلى المستحق في البلد، كما إذا كان له دين على شخص في غير بلده ونحو ذلك، وأما خروج من ليس في البلد عن الاستحقاق فلا وجه له. وعلى كل حال فقد بان لك أن مراد المصنف بغير الأفضل ما ذكرنا الذي لا ينافيه قوله بحرمة النقل، وكذا لا ينافيه قوله: (ولو نقل الواجب إلى بلده ضمن) حيث أنه اقتصر على الضمان دون الاثم بناء على ما في المسالك من احتمال كون المراد بالواجب في كلامه مماثله في القدر والوصف، وكون المراد بضمانه ذهابه من ماله وبقاء الحق في ماله أو ذمته، لكنه كما ترى، مع أنه خلاف الظاهر لا داعي له، وكأن الذي دعاه إلى ذلك ظهوره في كون المنقول الواجب خاصة لا أنه في ضمن غيره، وحينئذ لا يكون إلا بعزله الذي لا يجوز إلا مع عدم المستحق، وحينئذ إذا نقله لا ضمان عليه، لما عرفته سابقا، وفيه أولا منع كون المراد الواجب خاصة، ضرورة صدقه أذا نقل الجميع، وثانيا منع اعتبار عدم المستحق في العزل كما هو ظاهر المعتبر وصريح التذكرة والدروس وستعرف قوته فيما يأتي، وثالثا إمكان فرضه بالعزل مع عدم المستحق ثم وجد بعد ذلك، فالمراد حينئذ بيان أنه لا فرق في لزوم الضمان بالنقل بين أن يكون إلى بلد المالك أو غيره، لعموم الأدلة الدالة على ذلك. نعم كان عليه أن يذكر الاثم مع الضمان بناء على مختاره، ولعله تركه اعتمادا على ما سبق (و) الامر سهل، هذا كله (في) زكاة المال، وأما (زكاة الفطرة فالأفضل أن تؤدى في بلده وإن كان له مال في غيره، لأنها تجب في الذمة) دون المال

[ 439 ]

فلا مدخلية حينئذ لبلد ماله، كما أنه لا مدخلية لبلد استيطانه، بل ينبغي له تأديتها في البلد الذي هو فيها سواء كانت بلد استيطانه أولا، ولو أراد إخراج القيمة اعتبرت قيمة تلك البلد (ولو عين زكاة الفطرة في مال غائب عنه ضمن بنقله عن ذلك البلد مع وجود المستحق فيه) لما ستعرفه إن شاء الله في مبحث زكاة الفطرة أنها وإن كانت واجبة في الذمة إلا أنها تتعين بالتعيين مع وجود المستحق وعدمه، وحينئذ تكون كالمالية في تحريم النقل أو كراهته، وتحقق الضمان بتأخير الاخراج مع التمكن منه، كما قطع به الأصحاب على ما اعترف به في المدارك لا شتراكهما في الدليل على ذلك، واحتمال اختصاص العزل الجائز فيها بالمال الحاضر مناف لاطلاق أدلته، ولذا قال في البيان: " ولو عزلها في مال حاضر أو غائب في موضع جواز العزل ثم نقلها لعدم المستحق فلا ضمان كما لا يضمن في زكاة المال " هذا. وفي المدارك أنه ربما كان الوجه في فرض المصنف المسألة في تعيين الفطرة في المال الغائب التنبيه على أن استحباب إخراج الفطرة في بلد المخرج لا يقتضي انتفاء الضمان بنقلها من بلد المال مع وجود المستحق فيه، ولا يخفى ما فيه، قلت: هو كذلك، ضرورة كون الاستحباب لا ينافي الضمان كالجواز، وقد بينا هناك أنه يجوز له النقل والتأخير وإن ترتب عليه الضمان بهما، كما هو واضح، والله أعلم. (القسم الرابع) (في اللواحق وفيه مسائل): (الأولى إذا قبض الامام (عليه السلام) أو) نائبه الخاص ك‍ (- الساعي) أو العام كالفقيه (الزكاة) على جهة الولاية عن الفقراء (برئت ذمة المالك ولو تلفت بعد ذلك) بتفريط أو بدونه بلا خلاف ولا إشكال حتى في الأخير بناء على شمول

[ 440 ]

ولايته لذلك، لأن الوصول إليهم على الوجه المزبور بمنزلة الوصول إلى المستحق. المسألة (الثانية إذا لم يجد المالك لها مستحقا) يدفعها إليه (فالافضل له عزلها) وتعيينها في مال مخصوص، وبه يتشخص المال حينئذ زكاة، ويتبعه النماء وغيره، ولا يجب للأصل وغيره، وإن قيل: إنه محتمل عبارة الشيخين وغيرهما، ولعل نص المصنف والفاضل والشهيد على الأفضلية دفعا لهذا الاحتمال الذي لم أجد قائلا به ولا دليلا عليه، وموثق يونس (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): زكاتي تحل علي في شهر أيصلح لي أن أحبس شيئا منها مخافة أن يجيئني من يسألني فقال: إذا حال عليها الحول فأخرجها من مالك ولا تخلطها بشئ ثم أعطها كيف شئت، قال: قلت: فان أنا كتبتها وأثبتها يستقيم لي قال: لا يضرك " لا دلالة فيه على ذلك، ضرورة كون الأمر فيه للارشاد لجواز التأخير حتى مع وجود المستحق، ومنه ينقدح الاشكال في الاستدلال به على الندب كما وقع من بعضهم، والأولى الاستدلال له بخبر أبي حمزة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن الزكاة تجب علي في موضع لا يمكنني أن أؤديها قال: اعزلها فان اتجرت بها فأنت لها ضامن ولها الربح، وإن نويت في حال ما عزلتها من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك شئ، وإن لم تعزلها واتجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح ولا وضيعة عليها " بل ربما كان ظاهر الأمر فيه للوجوب، إلا أن قوله عليه السلام بعده: " وإن لم " إلى آخره، مشعر بجواز الابقاء، بل ربما كان فيه إشعار أيضا بارادة الارشاد من الأمر الأول إلى عدم الضمان بالعزل مع التلف، لكن الاستحباب أمره سهل يكفي فيه ذلك ونحوه بخلاف الوجوب الذي من المعلوم عدم كفاية ذلك ونحوه فيه.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 3 الجواهر - 55

[ 441 ]

ودعوى أن العزل إخراج وإيصال إلى المستحق، لأن المالك حينئذ يكون بمنزلة الولي له، ولذا يتعين المال زكاة بتعيينه، فهو كوجود الامام (عليه السلام) أو نائبه، فان الظاهر كون وجودهما كوجود المستحق، يدفعها أولا وضوح الفرق بينه وبينهما، وتعين المال بتعيينه للدليل لا يقتضي كونه بمنزلتهما في صدق الوصول إلى المستحق أو وليه، وثانيا أنه ستعرف عدم وجوب الفور في الدفع مع وجود المستحق وإن ترتب عليه الضمان بالتأخير، ومنه يعلم ضعف احتمال وجوب العزل في المقام الذي هو أدنى من وجود المستحق بمراتب، فلا إشكال حينئذ في فساده، كما أنه لا إشكال بتعين المال زكاة للخبرين السابقين، مضافا إلى حسن عبيد بن زرارة (1) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " إذا أخرجها من ماله فذهبت ولم يسمها لأحد فقد برى منها " وخبر أبي بصير (2) عن الباقر (عليه السلام) " إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثم سماها لقوم فضاعت، أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شئ عليه " ولا يقدح ما فيهما وفي غيرهما من إطلاق عدم الضمان مع العزل سواء وجد المستحق أو لم يوجد المقيد بالنصوص السابقة الدالة على الضمان بالتأخير مع وجود المستحق، لاعتضادها بالاجماع المحكي إن لم يكن المحصل، فما عساه يقال من كون التعارض بينها من وجه بعد تسليمه لا يصغى إليه. نعم لا ينكر ظهور معظم هذه النصوص في مشروعية العزل وحصول فائدته مع وجود المستحق ولو من جهة الاطلاق، بل كاد يكون صريح بعضها، ومن هنا جزم الفاضل في المحكي من تذكرته ومنتهاه بأن له العزل بحول الحول سواء كان المستحق موجودا أو لا، وسواء أذن له الساعي أو لا، مستدلا عليه مضافا إلى ما عرفت بأن له ولاية الاخراج، فيكون له ولاية التعيين، وبأنه أمين على حفظها فيكون أمينا على تعيينها وإفرادها، وبأن له القيمة وتملك العين فله إفرادها، وبأن منعه من إفرادها يقتضي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 - 3

[ 442 ]

منعه من التصرف في النصاب، وذلك ضرر عظيم، وإن كان لا يخفى عليك ما في بعض ذلك، والعمدة النصوص السابقة المؤيدة بما دل عليه في الفطرة التي هي في الذمة، أللهم إلا أن يقال: إن الحكم مخالف للضوابط المعلومة في الديون وفي الشركة، فينبغي الاقتصار فيه على المتيقن، وهو في حال عدم المستحق، والنصوص عدا الأول منها بين صريح كخبر أبي حمزة وبين ظاهر باعتبار الاشتمال على عدم الضمان بالتلف المعلوم اعتبار عدم المستحق فيه، لكن ذلك وإن كان هو أقصى ما يمكن أن يقال إلا أنه كما ترى فان الأول كاف في إثبات المطلوب، على أن جميع ما قيل في غيره أو أكثره يمكن دفعه بل لعله ظاهر، كما هو واضح، وحينئذ فالاشكال في العزل من بعضهم والجزم بالعدم من آخر باعتبار كون الزكاة دينا أو كالدين لا يتعين إلا بقبض المالك أو ما في حكمه مع الامكان لا يخلو من نظر أو منع. ولذا قال في الدروس: ولو عين المالية أو الفطرة في مال تعين مع عدم المستحق والأقرب التعين مع وجوده، فليس له أبداله في الموضعين في وجه، نعم لو نما كان له، لكن فيه أن المتجه القطع بعدم جواز الابدال وتبعيته النماء ولغير ذلك من الأحكام التابعة للزكاة المتعينة بغير ذلك كالقبض ونحوه، ضرورة كون المراد بالعزل تعينها في المال المخصوص، وصيرورتها أمانة في يده لا يضمنها إلا بالتفريط ونحوه، كما أشار إليه الباقر (عليه السلام) في خبر أبي حمزة (1) ولعله (رحمه الله) ظن أن العزل لا يخرج المال عن ملك المالك وإنما يعين دفعه للفقير، وفيه أنه مناف لما دل على كون التلف من الفقير والربح له، مما هو واضح. وقد ظهر لك مما ذكرناه قوة القول بجواز العزل مطلقا، فلا فرق حينئذ بين وجود المستحق وعدمه، ولا بين التمكن من باقي المصارف وعدمها، إنما يتجه ذلك على


(1) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3

[ 443 ]

القول الآخر، والمتجه عليه اعتبار عدم المستحق وعدم التمكن من غيره من المصارف حتى سهم سبيل الله الذي عرفت سعته، وحينئذ يندر فرضه ندرة لا تليق بتنزيل النصوص عليها، أللهم إلا أن يدعى الاكتفاء في جوازه بمجرد عدم وجود المستحق وإن تمكن من باقي المصارف، واستنادا إلى ظاهر بعض النصوص (1) وإلى كونه المعظم في المصرف، بل ربما قيل: إن الزكاة لهم كما تقضي به نصوص المشروعية (2) وإن جاز صرفها في باقي المصارف، وربما يؤيد ذلك استفاضة عبارات الأصحاب في الاقتصار على اعتبار عدم المستحق خاصة في العزل وفي الضمان وفي النقل وغير ذلك، لكن الانصاف عدم خلوه عن البحث والنظر، ولم أجد من تصدى لتحريره، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- لو أدركته الوفاة أوصى بها وجوبا) على وجه تثبت به شرعا كغيرها من الامانات والديون بلا خلاف أجده، بل في المدارك لا ريب فيه، لتوقف الواجب عليه، ولعموم الأمر بالوصية، ولكونه كالخائن والمفرط بدون ذلك، بل أوجب الشهيد في الدروس العزل مع ذلك، ولعله لكونها كالدين الذي قد غاب صاحبه غيبة منقطعة، وقد استوفينا الكلام على ذلك في محله، فلاحظ وتأمل فان له نفعا في المقام، ولو كان الورثة محاويج جاز احتسابها عليهم وإن كانوا ممن تجب نفقتهم على المورث، لانقطاع الوجوب عنه بالموت، إلا أنه يستحب دفع شئ منها لغيرهم، قال علي بن يقطين (3) في الصحيح: " قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): رجل مات وعليه زكاة وأوصى أن يقضى عنه الزكاة وولده محاويج إن دفعوها أضر بهم ذلك ضررا شديدا فقال: يخرجونها فيعودوا بها على أنفسهم، ويخرجون منها شيئا فيدفع


(1) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 5

[ 444 ]

إلى غيرهم ". المسألة (الثالثة المملوك الذي يشترى من الزكاة) لكونه في شدة أو مطلقا على البحث السابق (إذا مات ولا وارث له) عدا الامام (عليه السلام) وأرباب الزكاة (ورثه أرباب الزكاة) على المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة، بل في المعتبر وعن المنتهى نسبته إلى المحققين تارة وإلى علمائنا أخرى مشعرا بالاجماع عليه، بل ربما ظهر ذلك من الانتصار أيضا (وقيل): وإن كنا لم نعرف قائله من القدماء كما اعترف به في البيان لا يرثه أرباب الزكاة (بل يرثه الامام (عليه السلام)) إلا أنه اختاره من المتأخرين الفاضل وولده، وربما مال إليه المصنف في المعتبر (و) على كل حال ف‍ (- الأول أظهر) للصحيح عن أيوب بن الحر (1) " قلت لأبي عبد الله عليه السلام: " مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه أشتريه من الزكاة وأعتقه فقال: أشتره وأعتقه، قلت: فان هو مات وترك مالا قال: فقال: ميراثه لأهل الزكاة، لأنه أشتري بسهمهم " وموثق عبيد بن زرارة (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أخرج زكاة ماله الف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه ونظر إلى مملوك يباع بثمن يزيد فاشتراه بتلك الألف درهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه هل يجوز ذلك ؟ قال: قال: نعم لا بأس بذلك، قلت: فانه لما أعتق وصار حرا اتجر واحترف فأصاب مالا ثم مات وليس له وارث فمن يرثه إذا لم يكن له وارث ؟ قال: يرثه فقراء المؤمنين الذين يستحقون الزكاة، لانه إنما اشتري بمالهم " وإن ناقش فيه في المدارك بأنها مع قصور سندها لا تدل على أن أرثه لأرباب الزكاة مطلقا، بل إنما تدل على اختصاص الفقراء بذلك، قال: " والظاهر أن قوله (عليه السلام): " لأنه إنما اشتري بمالهم " توجيه للحكمة المقتضية لذلك، والمراد أنه اشتري بالمال الذي كان يسوغ صرفه في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 - 2

[ 445 ]

الفقراء لا أنه اشتري بسهم الفقراء خاصة " لكن يدفعه - مع أن الخبر من قسم الموثق وهو حجه - منجبر بالعمل كما عرفت، كانجبار الدلالة به، بل معتضدة بالخبر السابق (1) الظاهر في اتحاد المراد منه معه، سيما مع ملاحظة التعليل، وقد عرض بما ذكره أخيرا إلى ما في الدروس من أن في هذا التعليل إيماء إلى أنه لو اشتري من سهم الرقاب لم يطرد الحكم، لأنه اشتري بنصيبه لا بمال غيره، وذلك لأن الظاهر من الرواية وقوع الشراء بجميع الزكاة لا بسهم مخصوص منها، قلت: مضافا ألى ما عرفت من عدم وجوب البسط، فلم يكن سهم مخصوص للرقاب، لكن لا يخفى عليك ما في التوجيه المزبور في المدارك ضرورة عدم صلاحية ذلك حكمة للحكم المزبور فضلا عن أن يذكر علة، ولعل الأولى حمله على ما أشرنا إليه سابقا في الأصناف من أن المراد بيان كون الأصل في مصرف الزكاة الفقراء، كما يؤمي إليه نصوص المشروعية وغيرها، ومن هنا كان الولاء لهم في العبد المشترى من الزكاة. وبذلك يسقط ما أطنب به في الحدائق، ولقد ذكر فيها أن كلام الأصحاب في ذلك في غاية الاضطراب، ولقد وقع هو فيما ادعاه عليهم، والذي استقر عليه في آخر كلامه أن المدار على القصد والنية، فان كان المشتري قد اشترى العبد بالمال الذي قصد أنه للفقراء كان الولاء لهم، وإن كان قصد أنه من سهم سبيل الله كان ميراثه للامام (عليه السلام) وإن كان قد وقع من غير قصد بمال الزكاة صنفا من الأصناف كان الارث مشتركا بين جميع أرباب الزكاة، وبذلك جمع بين الخبرين السابقين اللذين تضمن أحدهما كون الارث للفقراء، وبه عبر جماعة كما قيل، والآخر لأرباب الزكاة كما عن جماعة أخرى، ثم استشكل بعد ذلك في القسم الأخير بأن هذا الارث على حسب الزكاة فيجوز اختصاص صنف به، أو أنه يجب فيه البسط على الأصناف، ومال إلى الاخير،


(1) الوسائل - الباب - 43 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 3

[ 446 ]

وجميع كلامه كما ترى، وما تركناه منه أظهر فسادا. والتحقيق كون الارث للفقراء، وهم أرباب الزكاة، لما عرفت من كونهم المعظم في مصرفها، بل ومشروعيتها، ومن المعلوم عدم إرادة البسط فيه، لعدم انحصار المستحق، فليس هم إلا مصرفا لذلك قطعا، فيجوز تخصيصه بواحد من الفقراء، كما هو واضح، وأغرب من ذلك كله ما وقع لبعض مشائخنا في كتاب الميراث، حيث أنه بعد أن حكى عن الطوسي ما نحن فيه من جملة أقسام الولاء وذكر له الصحيح دليلا، قال: وقد أعرض الأصحاب عن ذلك، وانعقد إجماعهم على حصر الولاء في الأقسام الثلاثة أي المعتق وضامن الجريرة والامام (عليه السلام) والمخالف نادر، نعم ذلك مذهب العامة، وكأنه (رحمه الله) غفل عما هنا من شهرة الأصحاب إن لم يكن إجماعهم كما سمعته من المعتبر، بل قد عرفت أن الشهيد في البيان لم يعرف القائل بأن الوارث الامام (عليه السلام) من القدماء، وإنما هو من المتأخرين، وأندر منه القول بأن الشراء إن كان من سهم الرقاب فالميراث للامام (عليه السلام) لصيرورة العبد سابئة، ولم يكن قد اشترى بمال الفقراء كي يكون الارث لهم كما هو مقتضى التعليل، وإن كان الشراء من سهم الفقراء كان الارث لهم، وأضعف منه التفصيل بين العبد في الشدة وبين غيره باعتبار كون الأول من موضوع الرقاب التي جعلها الله مصرفا، فيكون ميراثه للامام (عليه السلام) وبين الثاني فانه ليس منها بل من سهم الفقراء، ومن الواضح خلو هذا الكلام كله عن التحصيل، والتحقيق ما عرفت، وفي المسالك أن التفصيل بين من اشتري من سهم الرقاب فميراثه للامام (عليه السلام) وإلا فلأرباب الزكاة فلا أصل له في المذهب، والله أعلم. المسألة (الرابعة إذا احتاجت الصدقة ألى كيل أو وزن كانت الأجرة على المالك) المكلف بالايتاء الذي من مقدماته ذلك (وقيل) والقائل الشيخ (يحتسب من الزكاة)

[ 447 ]

لا صالة براءة ذمة المالك من وجوب دفعها، وظهور أدلة وجوب الزكاة التي هي بمعنى القدر المخصوص في عدم وجوب غيرها عليه (و) لا ريب أن (الأول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، ضرورة أولوية المقام من البيع الذي يجب فيه أجرة الكيل و الوزن على البائع باعتبار كونهما مقدمة للتسليم الواجب عليه، ضرورة توافق الكتاب والسنة على تكليفه بالايتاء الذي قد عرفت كونهما مقدمة له، وبذلك ينقطع الأصل، كما أنه يمنع ظهور أدلة وجوب الزكاة في عدم وجوب ما يشمل ذلك مما هو خارج عن المثال، وإنما هو مقدمة للامتثال عند الحاجة إليه، كما هو واضح. المسألة (الخامسة إذا اجتمع للمستحق) كالفقير وغيره (سببان أو ما زاد يستحق بهما الزكاة كالفقر والكتابة والغزو جاز أن يعطى بحسب كل سبب نصيبا) لاندراجه حينئذ في الصنفين مثلا، فيستحق بكل منهما، ودعوى اعتبار الانفراد في الأصناف بالنسبة إلى الدفع لا يصغى إليها، لعدم الشاهد لها، بل الشاهد على خلافها متحقق، فما في الحدائق - من المناقشة في ذلك بأن المتبادر من الآية إنما هو الشائع المتكثر من هذه الأفراد، ولذا صارت أصنافا ثمانية باعتبار مقابلة كل منها للآخر، وبأنه متى أعطي من حيث الفقر ما يغنيه ويزيد فكيف يعطى من حيث الغرم والكتابة المشروطين بالعجز كما تقدم - واضح الفساد خصوصا الأخير، ضرورة معلومية اعتبار ما تقدم سابقا في الدفع، فمع فرض حصول المانع لا يعطى كما في الفرض الذي فرضه، وهو خارج عن موضوع كلام الأصحاب، كما هو واضح. المسألة (السادسة أقل ما يعطى الفقير ما يجب في النصاب الأول) من النقدين وهو (عشرة قراريط أو خمسة دراهم، وقيل) والقائل الاسكافي وسلار وغيرهما والمرتضى في المصريات على ما حكي أقله (ما يجب في النصاب الثاني) وهو (قيراطان أو درهم) بل في الأخير الاجماع عليه (والأول أكثر) قائلا كما في المعتبر، إذ هو

[ 448 ]

على ما قيل خيرة الشيخين والصدوقين والمرتضى وابن زهرة والحلبي وغيرهم، بل ربما حكي عن ابن الجنيد أيضا، بل في الانتصار والغنية الاجماع عليه، لصحيح أبي ولاد الخياط (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سمعته يقول: لا يعطى أحد من الزكاة أقل من خمسة دراهم، وهو أقل ما فرض الله من الزكاة في أموال المسلمين، فلا تعطوا أحدا أقل من خمسة دراهم فصاعدا " وخبر معاوية بن عمار وعبد الله بن بكير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا " لا يجوز أن يدفع الزكاة أقل من خمسة دراهم، فانها أقل الزكاة " وهما وإن كان لم يذكر فيهما النصف دينار الذي هو الواجب في أول نصب الذهب لكن الظاهر إرادة المقدار من الخمسة دراهم، ومن المعلوم أن مقابلها من الذهب ذلك. وعلى كل حال فمن ذلك يظهر لك قوة هذا القول، بل القول الثاني لم أجد له دليلا، إنما الكلام في أن ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، ظاهر جملة من العبارات الأول، بل لعله الأكثر، كما أنه ظاهر معقد إجماعي الغنية والانتصار، إلا أن الفاضل في التذكرة ادعى الاجماع على الثاني منزلا عليه عبارات المقدرين، وهو مع أنه لا مقتضي له خلاف ظاهرهم جميعا، بل صريح بعضهم كسلار، قال فيما حكي عنه: " وأقل ما يجزي إخراجه من الزكاة ما يجب في نصاب، فمن أصحابنا من قال أقله نصف دينار أو خمسة دراهم، ومنهم من قال: أقله قيراطان أو درهم، فالأولون قالوا بوجوب النصاب الأول والآخرون قالوا بالثاني، والأثبت الأول، وكذلك في سائر ما يجب فيه الزكاة " وقال ابن حمزة: " لا يجوز أن يعطى المستحق من الذهب والفضة والمواشي أقل من نصاب " أللهم إلا أن يريدا من الوجوب تأكد الندب، ومن عدم الجواز الكراهة،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 4 الجواهر - 56

[ 449 ]

سيما مع معروفية ذلك في عبارات القدماء التي ظاهر بعضها في المقام الندب، قال ابن البراج فيما حكي عنه: " أقل ما ينبغي دفعه من الزكاة إلى مستحقها هو ما يجب في نصاب واحد " ولعله مراد الباقين كابن زهرة، قال: " وأما مقدار المعطى منها فأقله للفقير الواحد ما يجب في النصاب الأول، فان كان من الدنانير فنصف دينار، وإن كان من الدراهم فخمسة دراهم، وكذا في الأصناف الباقية " والحلبي في الاشارة " وأقل ما يعطى مستحقها ما يجب في أول نصاب من أنصبتها " إلى غير ذلك من عباراتهم المحتملة لذلك لكن لا مقتضي له. نعم هو التحقيق وفاقا للمرتضى في المحكي من جمله وابن إدريس والفاضل في جملة من كتبه وغيرهم من المتأخرين ومتأخريهم، للأصل وإطلاق الأدلة والاجماع المحكي في التذكرة، وحسن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (1) عن الصادق (عليه السلام) وليس في ذلك شئ موقت " وخبر محمد بن أبي الصهبان (2) " كتبت إلى الصادق (عليه السلام) هل يجوز لي يا سيدي أن أعطي الرجل من اخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة الدراهم ؟ قد اشتبه ذلك علي، فكتب ذلك جائز " وصحيح محمد بن عبد الجبار (3) " إن بعض أصحابنا كتب على يدي أحمد بن إسحاق إلى علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) أعطي الرجل من اخواني من الزكاة الدرهمين والثلاثة فكتب افعل إن شاء الله " وما في مرسل حماد بن عيسى (4) " ليس في ذلك شئ موقت ولا مسمى ولا مؤلف، إنما يضع ذلك على قدر ما يرى وما يحضره حت يسد فاقة كل قوم منهم " وحسن الحلبي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قلت له: ما يعطى المصدق ؟ قال: ما يرى الامام (عليه السلام) ولا يقدر له شئ " فالجمع بين ذلك والنصوص السابقة يقتضي


(1) و (4) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 3 (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 5 - 1 - 3

[ 450 ]

حمل النهي في الخبرين السابقين على الكراهة، وأنه يستحب إعطاء الخمسة فصاعدا. والمناقشة فيها بأن الأصل مقطوع بالدليل، والاطلاق لا دلالة فيه على كيفية الايتاء، مع أنه يجب تقييده بالدليل كالأصل، والاجماع مع معارضته بغيره متبين خلافه كما عرفت، وبأن المراد من حسن عبد الكريم نفي القول بالبسط الذي ادعاه عمرو ابن عبيد المعتزلي كما هو مقتضى مساق الخبر، لأن الصادق (عليه السلام) قال له: " ما تقول في الصدقات ؟ فقال له: إنما الصدقات للفقراء إلى آخر الآية، قال: فكيف تقسمها ؟ قال: أقسمها على ثمانية أجزاء فأعطي كل جزء واحدا، قال: وإن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد ما جعلت للعشرة آلاف قال: نعم، قال: وتجمع صدقات أهل الحضر والبوادي فتجعلهم فيها سواء قال: نعم، قال: فقد خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ما قلت في سيرته، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر، ولا يقسم بينهم بالسوية، وإنما يقسم على قدر ما يحضره منهم وما يرى، وليس في ذلك شئ موقت موظف، وإنما يصنع " إلى آخر ما سمعت، فسياقه يقتضي عدم التوقيت الذي ادعاه عمرو، والمكاتبتان محمولتان على التقية، لأن عدم التحديد مذهب العامة، وحسن الحلبي إنما هو في المصدق والظاهر أن محل الخلاف في الفقير لا في باقي الأصناف المعلوم عدم جريان هذا الخلاف فيه، إذ العمال والمؤلفة والغارمون لا تقوم بهم الخمسة أو الدرهم، كما هو واضح. يدفعها قصور الخبرين عن معارضة الأصل والاطلاق الذي الذي لا معنى لنفي دلالته بعد فرض اندراج معطى الأقل فيه، وأن المورد لا يخصص الوارد، والتقية إنما هي محمل اضطراري، لما فيها من إخراج الخبر عن الحجية، والمراد من حسن الحلبي عدم التوقيت في أصناف الزكاة لا في خصوص العاملين، وبالجملة لا يخفى على من رزقه الله

[ 451 ]

معرفة لحن القول عدم وجوب هذا التحديد، خصوصا مع ملاحظة ما في الخبرين من التعليل الظاهر في إرادة الكراهة من النهي فيهما، ضرورة كون المراد منه أنه إذا كان ذلك هو الأقل فرضا فهو الأقل دفعا، لأن الزكاة اسم للقدر المخصوص من المال، فمع فرض كون أقله ذلك كان الناقص منه ليس زكاة، فلا يصدق عليه أن المأتي زكاة حتى يكون خمسة فصاعدا، ولا يخفى عليك كونه تعليل مناسبة للحكم لا تعليلا له حقيقة لوجوه لا تخفى، ولعل الأشد من ذلك كراهة الأقل من الدرهم والقيراطين وإن كنا لم نعثر على ما يدل على ذلك صريحا، وإجماع المرتضى في المصريات متبين خلافه، على أنه غير صريح، لأن المحكي عنه أنه قال فيها: إن أقل ما يجزي من الزكاة درهم للاحتياط وإجماع الفرقة المحقة، لأن من أخرج هذا المبلغ أجزأ عنه وسقط ما في ذمته بالاجماع، وليس الأمر على ذلك فيمن أخرج أقل منه، وهو كما ترى، نعم لا بأس في القول بشدة الكراهة للتسامح، وللخروج عن شبهة الخلاف، ولما يشعر به سؤال المكاتبتين من أن منتهى القلة الدرهم الذي سئل فيهما عن جواز دفعه لا الأقل منه. كما أنه لم نعثر على التقدير بالنسبة إلى الذهب، ولعله لذا اقتصر عليها في المقنعة أللهم إلا أن يجعل المراد من الخمسة دراهم ما يقابلها منه، وهو نصف دينار، لمعروفية مقابلة العشرة به، ولعله لذا اقتصر بعضهم كالاسكافي وعلم الهدى والشيخين على ما حكي عنهم على التقدير بالنسبة اليهما خاصة، فيبقى غيرهما حينئذ على أصالة عدم التقدير، إنما العجب ما يحكى عن علي بن بابويه من الاقتصار على نصف دينار، مع أنا لم نعثر على خبر فيه فضلا عما يقتضي الاقتصار عليه، ونحوه ما في المختلف عن مقنع ولده من أنه يجوز أن يعطى للرجل الواحد الدرهمين والثلاثة، ولا يجوز في الذهب إلا نصف دينار وكأنه تبع به والده، لكن الفاضل الاصبهاني قال: إن الموجود فيما حضرني من نسخته الاقتصار علي نصف دينار من غير تعرض للدراهم، كما نقله في الفقيه عن أبيه، وعلى

[ 452 ]

كل حال لم يصل الينا ما يدل عليه. أما التعدي إلى غير النقدين بملاحظة التقدير بهما فهو أحد الوجهين الناشئين من إطلاق النص والفتوى بالتقدير بالمذكور، ولا يعم غير النقدين إلا بالتقويم، وشيوع مثل هذه العبارة فيه، ومن الاقتصار على النصوص فيما هو مخالف للأصل والأطلاق، بل عن ثاني الشهيدين القطع به في حواشي القواعد، واستجوده في المسالك، قال فيها: " والتقدير بخمسة دراهم ونصف دينار يؤذن بأن ذلك مختص بزكاة النقدين فلا يتعدى الحكم إلى غيرها وإن فرض فيها نصاب أول وثاني، وإلا لزم وجوب إخراج القيمة أو استحبابه ولا يقولون به، وقيل: يتعدى فلا يدفع للفقير أقل مما في النصاب الأول أو الثاني على حسبه، ويحتمل تقدير أقل ما يعطى بمقدار زكاة النقدين عملا بظاهر الخبر، فيعتبر قيمة المخرج إن لم يكن من النقدين بأحدهما، وهذا هو الأجود - إلى أن قال -: ولو لم يكن للمال إلا نصاب واحد كالغلات ففي اعتبار المخرج بقيمة النقدين كما مر الوجهان " قلت: قد يقال: إن الأولى اعتبار ما يجب في أول نصاب من كل جنس، وماله نصاب واحد وهو الغلة فما يجب أولا إذا بلغ النصاب، بل هو المنطبق على ما سمعته من العبارات السابقة، وجعله في السرائر أحد القولين، قال: " واختلف أصحابنا في أقل ما يعطى الفقير من الزكاة في أول دفعة، فقال بعضهم: أقل ما يجب في النصاب الأول من سائر أجناس الزكاة، وقال بعضهم: أخصه بأول نصاب الذهب والفضة فحسب " إلى آخر ما قال، وكان وجهه جعل ما في الخبرين مثالا لغيره لا أن المراد القيمة به، وربما كان في التعليل نوع إيماء إليه، والله أعلم. هذا كله مع بلوغ الواجب المقدار فصاعدا، أما لو أعطى ما في النصاب الأول من النقدين مثلا لواحد ثم وجبت عليه الزكاة في النصاب الثاني أخرج زكاته وسقط اعتبار التقدير فيه إذا لم يجتمع منه نصب كثيرة تبلغ الأول، ولو كان عند المالك نصاب أول

[ 453 ]

وثاني فقد ذكر ثاني الشهيدين وغيره أنه يجوز إعطاء مافى الأول لواحد وما في الثاني لآخر من غير كراهة ولا تحريم على القولين، واستشكله في المدارك لاطلاق النهي عن إعطاء ما دون الخمسة، وإمكان الامتثال بدفع الجميع إلى الواحد، وطريق الاحتياط واضح. (و) كيف كان فهذا كله بالنسبة إلى الأقل، وأما غيره فقد عرفت سابقا أنه (لا حد للأكثر إذا كان دفعة) فله إعطاء الفقير غناه وزيادة على ما صرح به غير واحد، وحكى عليه الاجماع في الجملة جماعة، واستفاضت به النصوص (1) كذلك لكن قد عرفت الاشكال منا فيه، كما أنك قد عرفت تفصيل الكلام فيه، وأنه يمكن التحديد بالغنى الذي هو بمعنى الكفاية، وتنزيل كثير من العبارات عليه، فلاحظ وتأمل. (ولو تعاقبت العطية فبلغت مؤونة السنة حرم عليه) تناول (ما زاد) من حيث الفقر، لحصول الغنى الذي لا تحل الصدقة معه، كما هو واضح. المسألة (السابعة إذا قبض) النبي (صلى الله عليه وآله) أو (الامام (عليه السلام) الزكاة دعا لصاحبها وجوبا) عند جماعة منهم الشيخ في المحكي من مبسوطه، والفلاضلان في المعتبر والارشاد، والشهيدان في الدروس والمسالك وغيرهم، بل نسب إلى الأكثر (وقيل) والقائل الشيخ والفاضل في غير التذكرة والارشاد على ما قيل وغيرهما (استحبابا، وهو الأشهر) عند المصنف لأصالة عدم الوجوب، ولأنه لا يجب على الفقير إجماعا حكاه في المدارك عن بعضهم فنائبه أولى، ولأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يأمر بذلك ساعيه الذي أنفذه إلى بادية الكوفة مع اشتمال وصيته التي أوصاه بها على كثير من الآداب والسنن (2) لكن فيه أن الأصل لا يعارض الدليل، وهو ظاهر


(1) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب المستحقين للزكاة (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 1

[ 454 ]

الآية (1) كما أن عدم الوجوب على الفقير للاجماع لا يقتضي عدمه في النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) ونائبهما، وترك أمير المؤمنين (عليه السلام) تعليمه الساعي أعم من عدم الوجوب قطعا، مع أنه لا ينافي وجوبه على النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام)، نعم في المدارك أن البحث في وجوب ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) واستحبابه خال عن الفائدة، وإنما الكلام في وجوب ذلك واستحبابه على الساعي والفقيه، لكن فيه منع عدم الفائدة، ضرورة اقتضاء الوجوب عليهما الوجوب على غيرهما، لأصالة الأشتراك أو للتأسي. وبذلك ظهر حينئذ أن المتجه الوجوب عملا بظاهر الامر بالصلاة عليهم (2) الظاهر في كون المراد منه عند الاخذ، نحو قولك: خذ من زيد كذا وادع له، ودعوى اختصاص ذلك بالنبي (صلى الله عليه وآله) والامام (عليه السلام) لظهور التعليل فيه، إذ هما الذي يسكن المرء إلى دعائهما وتطمئن به نفسه، لمعلومية استجابة دعائهما بخلاف غيرهما، يدفعها معلومية عدم كون المراد من التعليل دوران الحكم مداره وجودا وعدما، بل ربما ظهر من المحكي عن بعضهم إشعاره بالوجوب، لانه استدل عليه أولا بظاهر الصيغة، وثانيا بالعطف على " خذ " وثالثا لتعليله بأن فيه لطفا للمكلف واللطف واجب، فالموصل إليه مثله، ضرورة عدم التفاوت في اللطف بين النبي (صلى الله عليه وآله) ونائبه الخاص أو العام. وعلى كل حال فلا ريب في ظهور الاية في جواز الدعاء لهم بلفظ الصلاة كما ذهب إليه أصحابنا للاصل، ولقوله تعالى (3): " أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " ولان المنقول عن النبي (صلى الله عليه وآله) في صحاح العامة الدعاء لهم بلفظ


(1) و (2) سورة التوبة - الآية 104 (3) سورة البقرة - الآية 152

[ 455 ]

الصلاة، قال عبد الله بن أبي أوفى (1) " كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: أللهم صل على آل أبي فلان فأتاه أبي بصدقة فقال: أللهم صل على آل أبي أوفى " وفي رواية أخرى (2) " إذا أتى رجل النبي (صلى الله عليه وآله) بصدقة قال: أللهم صل عليه " فما عن العامة من عدم الجواز اجتهاد في مقابلة النص، وفي المسالك " أنهم وافقوا على الدلالة وخالفوا في المدلول لوجه قريب " قلت: بل قد يقال بتعيين الدعاء بلفظ الصلاة كما هو المحكي عن بعض أصحابنا، لتبادر خصوص الدعاء بلفظها من الأمر بها كالتحميد والتسبيح ونحوهما، لكن المعروف عدمه، بل في كنز العرفان أنه لا قائل بالعدم، لأن المراد من الصلاة الدعاء لغة، وهو عام للدعاء بلفظها وبغيره، والأحوط الأول وإن كان الأقوى الثاني، وفي محكي التذكرة أنه ينبغي أن يقال في صورة الدعاء آجرك الله تعالى فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك الله لك فيما أبقيت، ولكن لم أجده في نص وإن كان لا بأس به، والأمر سهل. المسألة (الثامنة يكره أن يملك ما أخرجه في الصدقة اختيارا واجبة كانت أو مندوبة) بلا خلاف أجده فيه كما عن المنتهى الاعتراف به، بل في المدارك الاجماع عليه وهو الحجة، مضافا إلى أنه طهور لماله لأنه وسخ، فالراجع فيه كالراجع بقيئه، وإلى أنه ربما استحيى الفقير فيترك المماكسة معه، ويكون ذلك وسيلة إلى استرجاع بعضها، وربما طمع الفقير في غيرها فأسقط ببعض ثمنها، وعلى كل حال فلا ريب في جوازه، لا طلاق الأدلة والاجماع بقسميه، بل الظاهر أن المالك أحق من غيره إذا أراده، قال الصادق (عليه السلام) (3): " فإذا أخرجها - يعني الشاة - فليقومها فيمن يزيد، فإذا قامت على ثمن فان أرادها صاحبها فهو أحق بها، وإن لم يردها فليبعها " كما أنه إذا


(1) و (2) سنن البيهقى ج 4 ص 157 (3) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب زكاة الأنعام - الحديث 3

[ 456 ]

احتاج إلى شرائها بأن يكون العوض جزء من حيوان لا يتمكن الفقير من الانتفاع به ولا يشتريه غير المالك أو يحصل للمالك ضرر بشراء غيره جاز شراؤها وزالت الكراهة إجماعا محكيا عن المنتهى، والأمر سهل، والله أعلم. (ولا بأس) في إبقائه على ملكه (إذا عاد عليه بميراث وما شابهه) مما هو غير الملك اختيارا، بل في المدارك يندرج في شبهة شراء الوكيل العام واستيفائها من مال الموكل، وهو جيد. المسألة (التاسعة يستحب) عند علمائنا وأكثر العامة كما في المدارك (أن يوسم نعم الصدقة في أقوى موضع منها وأكشفه كأصول الاذان في الغنم وأفخاذ الابل والبقر) فان النبي (صلى الله عليه وآله) (1) كان يسم الابل في أفخاذها، وعن أنس (2) " أنه دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يسم الغنم في آذانها " مضافا إلى ما فيه من التمييز عن غيرها، فيعرفها به من يجدها لو شردت فيردها، وغيره من الفوائد. (و) ينبغي أن (يكتب على الميسم) بكسر الميم وفتح السين وهو المكواة بكسرها أيضا (ما أخذت له زكاة أو صدقة أو جزية) ولو أضاف " لله " كان أبرك وأولى، والله أعلم. (القول في وقت التسليم) (إذا هل الثاني عشر) أو تم (وجب دفع الزكاة) وجوبا مستقرا على اختلاف القولين كما تقدم البحث فيه مشبعا (و) على كل حال فالأكثر كما في المدارك والمشهور في غيرها أنه (لا يجوز التأخير إلا لمانع كعدم المال أو خوف التغلب أو) لعدم


(1) و (2) سنن البيهقى ج 7 ص 36 الجواهر - 57

[ 457 ]

المستحق فيؤخرها حينئذ (لانتظار من له قبضها) بل عن المنتهى نسبة ذلك إلى علمائنا (و) به أفتى الشيخ في النهاية أولا لكن بعد ذلك: ما حاصله أنه (إذا عزلها جاز تأخيرها إلى شهر أو شهرين) واختاره في الحدائق بزيادة كتابتها وإثباتها على العزل، وجعله وجه جمع بين نصوص الجواز والعدم (والأشبه) عند المصنف (أن التأخير إذا كان لسبب مبيح دام بدوامه ولا يتحدد، وإن كان اقتراحا لم يجز) وظاهره أو صريحه وجوب الاخراج فورا مع الامكان من غير فرق بين العزل وعدمه، وانتظار الأفضل وعدمه، وإرادة التعميم وعدمه، ومعتاد السؤال وعدمه، وقد سمعت كلام الشيخ في النهاية، وجوز في الدروس التأخير لانتظار الأفضل والتعميم، ولم يذكر الثاني في البيان لكن زاد الأحوج ومعتاد الطلب منه، وقيد التأخير بما لا يؤدى إلى الاهمال، وفي محكي التذكرة والنهاية والمنتهى والتحرير التأخير للتعميم خاصة بشرط دفع نصيب الموجودين فورا، وفي محكي النهاية " جاز أن يؤخر إعطاء بعض بقدر ما يعطي غيره " ونحوه عن الأخيرين، وتردد فيهما في الضمان حينئذ إن تلفت، وعن محرر ابن فهد " ولو أخرها للبسط لم يأثم ويضمن " وعن جماعة جواز التأخير شهرا أو شهرين مطلقا خصوصا مع المزية، ومال إليه ثاني الشهيدين، وحكاه في البيان عن الشيخين، وكذا في التذكرة مع العزل، نعم ربما ظهر من ابن إدريس، بل ظاهره الاجماع عليه، قال: " وإذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه إذا حضر المستحق، فان أخر ذلك أيثارا به مستحقا آخر غير من حضر فلا إثم عليه بغير خلاف، إلا أنه إن هلك قبل وصوله إلى من يريد إعطاءه إياه فيجب على رب المال الضمان، وقال بعض أصحابنا إذا حال الحول فعلى الانسان أن يخرج ما يجب عليه على الفور، ولا يؤخره، فان أراد على الفور وجوبا مضيقا فهذا خلاف إجماع أصحابنا، لأنه لا خلاف بينهم في أن للانسان أن يخص بزكاته فقيرا دون فقير، ولا يكون مخلا بواجب ولا فاعلا لقبيح،

[ 458 ]

وإن أراد بقوله على الفورية إذا حضر المستحق فانه يجب عليه إخراج الزكاة، فان لم يخرج طلبا وأيثارا بها لغير من حضر من مستحقها وهلك المال فانه يكون ضامنا ويجب عليه الغرامة للفقراء فهذا الذي ذهبنا إليه واخترناه " لكنه كما ترى ليس فيه التقييد بالشهر والشهرين. وقد تلخص مما ذكرناه أن الأقوال في المسألة ستة أو خمسة، والظاهر إمكان تحصيل الاجماع هنا على عدم أرادة مطلق الطبيعة من الأمر على وجه يكون التكليف هنا على حسب غيرها من الواجبات المطلقة التي وقتها العمر أو الوصول إلى حد التهاون على اختلاف القولين، وإن كان ربما يوهم ذلك بعض كلمات بعض خصوصا ما في البيان، إلا أنه يمكن القطع بفساده من التدبر في النصوص فضلا عن الاجماع، كالقطع بفساد القول بالفورية وأنه لا يجوز التأخير مع الامكان مطلقا بحال من الاحوال، ضرورة اقتضائه طرح النصوص الكثيرة الدالة على جواز التأخير، كصحيح حماد بن عثمان (1) عن الصادق (عليه السلام) " لا بأس بتعجيل الزكاة شهرين و تأخيرها شهرين " وصحيح عبد الله بن سنان (2) عنه (عليه السلام) أيضا " في الرجل يخرج زكاته فيقسم بعضها ويبقى بعض يلتمس لها المواضع، فيكون بين ذلك وآخره ثلاثة أشهر، قال: لا بأس " وموثق يونس بن يعقوب (3) " قلت للصادق (عليه السلام): زكاتي تحل في شهر أيصلح لي أن أحبس منها شيئا مخافة أن يجيئني يسألني ؟ فقال: إذا حال الحول فأخرجها من مالك ولا تخلطها بشئ ثم أعطها كيف شئت، قال: قلت: فان أنا كتبتها وأثبتها أيستقيم لي ؟ قال: نعم لا يضرك " وصحيح معاوية بن عمار (4) عن الصادق


(1) و (4) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 11 - 9 (2) الوسائل - الباب - 53 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2

[ 459 ]

(عليه السلام) " قلت له: الرجل تحل عليه الزكاة في شهر رمضان فيؤخرها ألى المحرم قال: لا بأس، قال: قلت: فانها لا تحل عليه إلا في المحرم فيعجلها في شهر رمضان قال: لا بأس " وفي المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (1) " إنما أروي عن أبي عليه السلام في تقديم الزكاة وتأخيرها أربعة أشهر ". وليس في مقابلها من النصوص الدالة على التعجيل إلا صحيح سعد بن سعد الأشعري (2) قال: " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يحل عليه الزكاة في السنة ثلاثة أوقات أيؤخرها حتى يدفعها في وقت واحد ؟ فقال: متى حلت أخرجها " وخبر أبي بصير (3) المروي عن مستطرفات السرائر نقلا من نوادر محمد بن علي بن محبوب قال: قال الصادق (عليه السلام): " إن كنت تعطي زكاتك قبل حلها بشهر أو شهرين فلا بأس، وليس لك أن تؤخرها بعد حلها " وأما حسن عمر بن يزيد (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " الرجل يكون عنده المال أيزكيه إذا مضى عليه نصف سنة ؟ قال: لا، ولكن حتى يحول عليه الحول ويجعل عليه، إنه ليس لأحد أن يصلي الصلاة إلا لوقتها، وكذلك الزكاة، ولا يصوم أحد شهر رمضان إلا في شهره إلا قضاء وإنما تؤدى إذا حلت " فانه وإن استدل به بعضهم على ذلك للغاية والتشبيه بالصلاة والتسوية بينها وبين الزكاة واستفادة الحصر من " إلا " لكن الانصاف عدم دلالته، ضرورة كون المراد منه بيان عدم جواز التقديم على أنه زكاة لا التأخير الذي هو محل البحث، كما هو واضح، فينحصر دليل الفورية فيهما، مضافا إلى دعوى كونها من مقتضيات الصيغة التي قد فرغنا في الأصول من فسادها، ودعوى كون الزكاة كالوديعة


(1) المستدرك - الباب - 29 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 - 4 (4) الوسائل - الباب - 51 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2

[ 460 ]

والدين ونحوهما مما يجب أداؤها بالمطالبة المتحققة هنا من المستحق بشهادة الحال، بل لا ريب في كونها من الأمانات الشرعية التي يجب إيصالها إلى صاحبها وإن لم يطلب، وإنما جواز التأخير مشروط بالاذن فعدمها حينئذ كاف في وجوب الدفع فورا لا أن الطلب شرط، مع أنك قد عرفت تحققه، بل عن فخر الاسلام تحققه بطريق آخر، وهو أن طلب الولي يقوم مقام طلب المولى عليه، ولا ريب في كون الله تعالى وليا لقوله (1): " إنما وليكم الله ورسوله " إلى آخره. وقد طلبها بقوله (2): " آتوا الزكاة " فيجب الفور في الدفع. لكن الجميع كما ترى لا يصلح معارضا للأدلة الخاصة، بل الأخير منها واضح الفساد، لمعلومية عدم كون المراد من قوله تعالى طلب دفع من حيث الولاية، بل المراد منه طلب إيجاب للزكاة في المال، فلا محيص حينئذ عن العمل بالنصوص السابقة، وحمل الخبرين المزبورين على استحباب التعجيل وكراهة التأخير لا لغرض، أما التأخير مع العزل أو التماس المواضع أو لمعتاد السؤال أو شهر أو شهرين وثلاثة اقتراحا فلا بأس به عملا بالنصوص السابقة التي لا وجه للاقتصار على رواية العزل منها، وتقييد الخبرين بها، خصوصا بعد ظهورها بقرينة ما فيها من الكتابة والاثبات في عدم اعتبار العزل، وأنه غير لازم، كما أنه لم نعثر على ما يدل على جواز التأخير للتعميم خاصة، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) كيف كان فقد عرفت مما تقدم لنا في الأبحاث السابقة أنه (يضمن لو تلفت) مع التأخير لغير عذر وإن قلنا بجوازه للنصوص الخاصة التي قدمناها الصريحة في الضمان، فلاحظ وتدبر.


(1) سورة المائدة - الآية 60 (2) سورة البقرة - الآية 40

[ 461 ]

هذا كله في التأخير (و) أما التعجيل فالمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة أنه (لا يجوز تقديمها قبل وقت الوجوب، فان آثر ذلك دفع مثلها قرضا ولا يكون ذلك زكاة ولا يصدق عليها اسم التعجيل) فإذا جاء وقت الوجوب احتسبها زكاة إن شاء كغيرها من الديون بشرط بقاء المقترض على صفة الاستحقاق، خلافا لابن أبي عقيل وسلار، قال الأول: " يستحب إخراج الزكاة وإعطاؤها في استقبال السنة الجديدة في شهر المحرم، وان أحب تعجيله قبل ذلك فلا بأس " وقال أيضا: " ومن أتاه مستحق فأعطاه شيئا قبل حلول الحول وأراد أن يحتسب به في زكاته أجزأه إن كان قد مضى من السنة ثلثها إلى ما فوق ذلك، وإن كان قد مضى من السنة أقل من ثلثها فاحتسب به من زكاته لم يجزئه، بذلك تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) " وقال سلار: " وقد ورد الرسم بجواز تقديم الزكاة عند حضور المستحق " لكن الثاني لا صراحة في كلامه، بل ولا ظهور معتد به، فينحصر الخلاف حينئذ في الأول الذي دعاه إلى ذلك ما سمعته من دعوى تواتر النصوص إليه، وإن كان ما وصل الينا منها ليس كذلك. نعم قد سمعت صحيحتي (1) حماد ومعاوية بن عمار (2) وفي الصحيح عن أبي بصير (3) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن رجل يكون نصف ماله عينا ونصفه دينا فتحل عليه الزكاة قال: يزكي العين ويدع الدين، قلت: فانه اقتضاه بعد ستة أشهر قال: يزكيه حين اقتضاه، قلت: فانه هو حال عليه الحول وحل الشهر الذي كان يزكي فيه وقد أتى لنصف ما له سنة ونصف الآخر ستة أشهر قال: يزكي الذي مر عليه سنة ويدع الآخر حتى تمر عليه سنة، قلت: فإذا اشتهى أن بزكي ذلك قال: ما أحسن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 11 - 9 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 6 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 9 وذيله في الباب 49 من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4

[ 462 ]

ذلك " وفي الصحيح عن الحسين بن عثمان عن رجل (1) عن الصادق عليه السلام " سألته عن الرجل يأتيه المحتاج فيعطيه من زكاته في أول السنة فقال: إن كان محتاجا فلا بأس " وخبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) أيضا " سألته عن الرجل يعجل زكاته قبل المحل قال: إذا مضت خمسة أشهر فلا بأس " وخبره الآخر المروي (3) عن مستطرفات السرائر المتقدم آنفا في المسألة السابقة، وخبر الأحول (4) الآتي. لكن في مقابلتها حسن عمر بن يزيد (5) أو صحيحه المتقدم سابقا، وصحيح زرارة (6) " قلت للباقر (عليه السلام): أيزكي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة ؟ قال: لا، أيصلي الأولى قبل الزوال " مضافا إلى ما دل من النصوص (7) على اعتبار الحول وأنه لا شئ في المال قبله، بل مما ذكر في الصحيحين (8) المزبورين من الاستدلال على عدم جواز التعجيل إشعار بخروج تلك النصوص مخرج التقية، لأن المحكي في التذكرة عن الحسن البصري وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد جواز التعجيل مع وجود سبب الوجوب، وهو النصاب كمالا يخفى على من رزقه الله معرفة رمزهم (عليهم السلام) وما يلحنون به من أقوالهم. ولعل هذا أولى مما جمع به الشيخ بينها في التهذيب والاستبصار، قال في الأول: " ليس لأحد أن يقول: إن هذه الأخبار مع تضادها لا يمكن الجمع بينها، لأنه يمكن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 10 - 12 (3) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 4 (4) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (5) و (6) الوسائل - الباب - 51 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 - 3 (7) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب زكاة الأنعام والباب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة (8) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 و 3

[ 463 ]

ذلك، لأنه لا يجوز عندنا تقديم الزكاة إلا على جهة القرض، ويكون صاحبه ضامنا له متي جاء وقت الزكاة وقد أيسر المعطى، وإن لم يكن أيسر فقد أجزأ عنه، وإذا كان التقديم على هذا الوجه فلا فرق بين أن يكون شهرا أو شهرين أو ما زاد على ذلك، والذي يدل على هذه الجملة ما رواه محمد بن علي بن محبوب عن أحمد عن أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن مسكان عن الأحول (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في رجل عجل زكاة ماله ثم أيسر المعطى قبل رأس السنة فقال: يعيد المعطى الزكاة " وروى هذا الحديث محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه ومحمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير عن الأحول عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله " وقال في الثاني: " الوجه في الجمع بين هذه الأخبار أن يحمل جواز تقديم الزكاة قبل حلول وقتها على أن يجعلها قرضا على المعطى، فإذا جاء وقت الزكاة وهو على الحد الذي يحل له الزكاة وصاحبها على الحد الذي يجب عليه الزكاة احتسب به منها، وإن تغير أحدهما عن صفته لم يحتسب بذلك، ولو كان التقديم جائزا على كل حال لما وجب عليه الاعادة إذا أيسر المعطى عند حلول الوقت - قال -: والذي يدل على ذلك ما رواه محمد بن علي ابن محبوب " إلى آخر ما في التهذيب. وأورد عليه في المعتبر بأن ما ذكره شاهدا على الجمع لا دلالة فيه، إذ يمكن القول بجواز التعجيل مع ما ذكره، مع أن الرواية تضمنت أن المعجل زكاة، فتنزيله على القرض تحكم، وكأن الأقرب ما ذكره المفيد من تنزيل الرواية على ظاهرها في الجواز فيكون فيه روايتان، وفيه - بعد الاغضاء عما حكاه عن المفيد كما لا يخفى على من لاحظ المقنعة - أن عبارة التهذيب ليست نصا في الاستدلال بها على ما ذكره من التأويل، إذ من المحتمل كون المراد من هذه الجملة في كلامه ما ذكره " ويكون صاحبه ضامنا " إلى آخره


(1) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 464 ]

وعبارة الاستبصار ناصة على وجه الاستدلال بها، وهو وجه وجيه، فان يسار المستحق بعد أخذه الزكاة على وجه الزكاة لا أثر له فيما أخذه، فالروايات إن لم تصلح أدلة على ذلك فلا تقصر عن التأييد، لكن عن المنتهى القطع باعتبار هذا الشرط على تقدير تعجيل الزكاة، فلابد حينئذ من بقاء صفة الاستحقاق حال وجوب الزكاة، لصحيح الأحول السابق، ولما في المدارك من أن الدفع يقع مراعى في جانب الدافع اتفاقا فكذا القابض، وإن كان للنظر فيه مجال إن لم يحصل إجماع عليه، ودونه خرط القتاد، وحمل صحيح الأحول على ذلك ليس بأولى من جعله دليلا على عدم جواز التعجيل الذي يؤمي إليه كثير من النصوص الدالة على القرض للزكاة، ضرورة أن لو كان التعجيل مشروعا لم يحتج إلى جعل ذلك قرضا، كخبر عقبة بن خالد بن عثمان بن عمران (1) " دخل على أبي عبد الله (عليه السلام) وقال له: إنه رجل موسر فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): بارك الله في يسارك، قال: ويجيئني الرجل يسألني الشئ وليس هو إبان زكاتي فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): القرض عندنا بثمانية عشر والصدقة بعشرة، وماذا عليك إن كنت موسرا أعطيته فإذا كان إبان زكاتك احتسب بها من الزكاة " وغيره من النصوص، والقياس على حال الدافع الذي لا إشكال في اعتبار بقائه على صفة الوجوب بناء على التعجيل لا نقول به، خصوصا مع الفارق، ضرورة انكشاف عدم الزكاة مع فقد شئ مما يعتبر فيه، فلا زكاة حينئذ حتى تكون معجلة، بخلاف صفة القابض، فان المعتبر حصولها حال الدفع، لأن الفرض كونها زكاة


(1) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 وفروع الكافي ج 2 ص 34 الطبع الحديث والصحيح هكذا " كخبر عقبة بن خالد أن عثمان بن عمران دخل... " وتقدم الحديث أيضا بهذا المضمون في ص 363 الجواهر - 58

[ 465 ]

فلا مدخلية لمراعاة حاله حال الوجوب، إذ هو حينئذ كالدفع بهلال الثاني عشر بناء على عدم استقرار الوجوب إلا بالثاني عشر، فان ارتفاع صفة الاستحقاق للقابض ما بين الثاني عشر إلى الثالث عشر لا يقتضي فساد ما وقع من الدفع زكاة، بخلاف صفات الدافع والمال، فانه ينكشف حينئذ بفقد شئ منها عدم وجوب الزكاة، وأن ذلك الوجوب كان ظاهريا كما عرفته في محله. ومن هنا بان لك فساد آخر في القول بالتعجيل، ضرورة أنه إذا كان كالوجوب بالأحد عشر شهرا اقتضى عدم اعتبار الحول في الوجوب، فلابد من طرح ما دل عليه من النصوص ومعاقد الاجماعات، كطرح ما تقدم من الأدلة على أن الوجوب إنما يحصل بهلال الثاني عشر وأنه لا وجوب قبله، وإن اختلفوا في كونه حينئذ مستقرا أو متزلزلا واحتمال أن القائل بالتعجيل يدعي كونه رخصة أو ندبا يسقط به الواجب لا أنه واجب من أول السنة كالخمس عند ظهور الربح يدفعه أن لا يتم عليه ما ذكره من اعتبار النية كالزكاة في الوقت فيه، وأنه إن خرج الدافع أو المال عن صفة الوجوب استعيدت العين من المدفوع إليه، ولو كانت كذلك لم يكن وجه للرجوع، ضرورة كونه حينئذ كتقديم الغسل يوم الخميس، وكتقديم صلاة الليل على وقتها، ولئن أغضينا عن ذلك كله كانت النصوص قاصرة أيضا عن إثبات التعجيل على هذا الوجه، كقصورها عن إثبات كونه قرضا يكون زكاة قهرا عند حلول وقت الوجوب من غير حاجة إلى نية ونحوها، فلا وجه حينئذ لحملها عليه أو على كونه قرضا على الزكاة على حسب استقراض المجتهد عليها، فلا تكون ذمة الفقير حينئذ مشغولة، ويكون الدفع إليه كالصرف في سبيل الله على الزكاة، فانه لا شغل ذمة فيه لاحد، ولا على كون المراد منها أنه ليس قرضا محضا ولا زكاة معجلة كما يؤمي إليه بعض الفروع المحكية عن الشيخ، ولا غير ذلك مما هو مخالف للضوابط والقواعد التي من الواضح قصور هذه النصوص عن معارضتها من وجوه

[ 466 ]

فليس حينئذ إلا الطرح أو الحمل على التقية، وأما الحمل على القرض الذي سمعته فهو وإن كان المحمول عليه غير مخالف للضوابط لكن يبعد حملها عليه تقييد بعضها في كلام الامام (عليه السلام) بالشهر والشهرين ونحوهما لا يناسب ذلك، كما أنه لا يناسبا إطلاق اسم التعجيل زكاة كما هو واضح، ولولا ذلك لكان حملها على إرادة تقديم نية كونها زكاة، والاجتزاء باستمرار هذا العزم إلى حصول وقت الوجوب، فتكون زكاة حينئذ عند حلول الوقت باعتبار حصول الداعي سابقا، والاستمرار عليه على نحو نية الصوم، أو على غير ذلك مما هو أقرب منه، لكن لا يخفى على من رزقه الله معرفة رموزهم (عليهم السلام) ولحن قولهم أن المتجه حملها على التقية ممن عرفت، والله أعلم. وكيف كان فلو دفع المالك على جهة القرض (فإذا جاء وقت الوجوب احتسبها من الزكاة) إن شاء (ك‍) - غيرها من (الدين على الفقير بشرط بقاء القابض على صفة الاستحقاق وبقاء الوجوب في المال) بلا خلاف ولا إشكال في شئ من ذلك، بل قد عرفت الحال في ذلك لو دفعها زكاة معجلة وقلنا بجوازه، أما على الفساد فالمتجه بقاؤه على ملك الدافع، ضرورة عدم كونه قرضا، لعدم قصده، وعدم كونه زكاة، لأن الفرض عدم جواز التعجيل، فالمال حينئذ باق على ملك الدافع مع وجود عينه، ومضمون على القابض بالمثل أو القيمة مع التلف إذا كان عالما بالحال، نعم للمالك احتساب العين أو مثلها أو قيمتها زكاة جديدا عند حلول الوقت إذا اجتمعت الشرائط كما هو واضح، أذ فساد الدفع السابق لا ينافي شيئا من ذلك. (ولو كان النصاب) مما (يتم بالقرض لم تجب الزكاة سواء كانت عينه باقية أو تالفة على الأشبه) بأصول المذهب وقواعده، لأن التحقيق عندنا كما أشبعنا الكلام فيه في محله أن القرض يملك بالقبض، وأنه لا زكاة في الدين عندنا من غير فرق بين القرض وغيره، وبين بلوغه نفسه نصابا وبين كونه مكملا له، وأن تبديل النصاب في

[ 467 ]

الأثناء بجنسه أو بغير جنسه مسقط للزكاة، لانثلام النصاب في الحول، ولم يصدق عليه أن الحول قد حال على مال مخصوص بعينه، خلافا للشيخ في جميع ذلك، فقال: " إن القرض يملك بالتصرف دون القبض " وقال: " إن الزكاة تجب في الدين " وقال: " إن تبديل النصاب في أثناء الحول لا يسقط الزكاة " ومقتضى جميع ذلك أو بعضه أن النصاب إذا تم بالقرض وجبت الزكاة مع وجود العين، بل ومع تلفها إذا فرض كون مثلها أو قيمتها مكملة للنصاب كما في الدراهم والدنانير، ولعله على ذلك بنى ما يحكى عن مبسوطه من أنه إذا كان عنده أربعون شاة فعجل واحدة ثم حال الحول جاز أن يحتسب بها، لأنها بعد في ملكه ما دامت عينها باقية، واستدل عليه في محكي الخلاف بأنه ثبت أن ما يعجله على وجه الدين وما يكون كذلك فكأنه حاصل عنده، وجاز له أن يحتسب به، لأن المال ما نقص عن النصاب، لكن عن المنتهى " أن هذا الكلام من الشيخ يدل على أن المدفوع ليس قرضا محضا ولا زكاة معجلة " وفيه أن ما ذكرناه أولى. ومن هنا صرح في البيان بأنه مبني على ما صرح به قبيل ذلك من أنه لا يملكه المقترض ما بقيت عينه، وفرع عليه أن العين إن زادت فالزيادة للمالك متصلة كانت أم منفصلة، وفي المدارك - بعد أن ذكر ما يقرب من ذلك واستضعفه - قال: ونقل عنه قول آخر بأن النصاب لا ينثلم بالقرض مطلقا إذا تمكن المالك من استعادته، بناء على وجوب الزكاة في الدين إذا كان مالكه متمكنا منه، قال في المعتبر: وهذا ليس بجيد، لأنا بينا أن ما يدفعه يكون قرضا، ولا ريب أن القرض يخرج عن ملك المقرض فلا يتم به النصاب، ويتوجه أنه لا ريب في خروج القرض عن ملك المقرض إلا أن ما ثبت في ذمة المقترض من المثل أو القيمة من أقسام الدين، فيمكن تعلق الزكاة به عند من قال بوجوبها في الدين، وعدم سقوط الزكاة بابدال النصاب أو بعضه بالمثل،

[ 468 ]

ولا يخفى عليك رجوع ذلك كله إلى ما أشرنا إليه، ويمكن أن يكون المراد مما في المبسوط بيان عدم فساد الدفع زكاة على القول بالتعجيل باعتبار اقتضائها نقص النصاب، لأن هذا النقص غير قادح باعتبار كونه من حيث تعجيل الزكاة الذي هو بحكم البقاء على ملك المالك بالنسبة إلى هذه الجهة. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه أنه (لو خرج المستحق عن الوصف استعيدت) العين منه إن دفعها (و) إلا فمثلها أو قيمتها، لانها قرض عليه، ومن هنا كان (له أن يمتنع من إعادة العين ببذل القيمة عند القبض) إن كانت العين المدفوعة من القيمي، ضرورة كونه حينئذ (كالقرض) الذي لم يعزم صاحبه على احتسابه زكاة، وقد حررنا الحال فيه في محله، وقلنا هناك إن كانت العين المستقرضة مثلية ثبت مثلها في ذمة المستقرض، فيتخير حينئذ بين دفع تلك العين أو غيرها، لكون الجميع من أفراد المثل الثابت في الذمة، وإن كانت قيمية ثبت قيمتها في الذمة لا مثلها على الأصح، فلا يلزم المستقرض حينئذ بالعين المدفوعة التي ملكها بالقبض عندنا كما أنه لا يلزم المقرض بقبولها على الأصح لو دفعت إليه، لأن الثابت له في الذمة القيمة. (ولو تعذر استعادتها) من المقترض (غرم المالك الزكاة من رأس) وبقي له ذلك المال في ذمته كما هو واضح. (ولو كان المستحق على الصفات وحصلت شرائط الوجوب جاز) له أن يحتسبها عليه و (أن يستعيدها ويعطي عوضها، لأن) الفرض كون‍ (- ها) قرضا و (لم تتعين) زكاة (و) حينئذ ف‍ (- يجوز له أن يعدل بها عمن دفعت إليه أيضا) فيدفعها إلى غيره، وأن يدفع غيرها إليه وإلى غيره، نعم لو قلنا بكونها زكاة معجلة لم يجز شئ من ذلك، لصيرورتها زكاة حينئذ، ولو دفعها على هذا الوجه وقلنا بفساد التعجيل وكان القابض عالما بقيت العين على ملك الدافع، وكانت مضمونة على القابض لو تلفت يرجع المالك

[ 469 ]

عليه بالمثل أو القيمة، أما لو كان مغرورا من المالك كما إذا لم يعلم بالحال ودفعها إليه على أنها زكاة وتلفت في يده فالمتجه عدم الرجوع عليه، لغروره، وذلك كله واضح بحمدالله. (فروع) بناء على القرض (الأول لو دفع إليه) أي المستحق (شاة) قرضا (فزادت زيادة متصلة كالسمن) أو لم تزد (لم يكن له استعادة العين) على وجه يلزم المقترض به (مع ارتفاع الفقر) وعدمه، لأن القرض يملك عندنا بالقبض، والقيمي يضمن بقيمته، ف‍ (- للفقير حينئذ بذل القيمة، وكذا لو كانت الزيادة منفصلة كالولد لكن لو) تراضيا على (دفع الشاة لم يجب عليه دفع الولد) لأنه نماء ملكه، وبذلك يظهر أن تقييد المصنف الحكم المزبور بالزيادة وارتفاع الفقر ليس في محله، أللهم إلا أن يكون مبناه على غلبة عدم تعلق غرض المالك باستعادة العين بدونهما، وهو كما ترى، وأضعف منه توجيه اعتبار الأول بأنه مع الزيادة يمنع الزام المالك بالاعادة بكل وجه، أما بدونه فقد ثبت جواز الالزام على القول بأن الواجب في قرض القيمي المثل إذا انحصرت الأفراد المطابقة للحق في تلك العين، ويكون المراد حينئذ عدم وجوب الدفع على هذا التقدير، لخروجها بالسمن المتجدد عن المماثلة، فهو حينئذ من تعذر المثل ضرورة أن مقتضى كلامه في هذا الفروع وما بعده لزوم القيمة في القيمي، على أنه لا إشعار في العبارة بتعذر المثل، كما هو واضح، بل لا يخفى عليك بعد التأمل فيما ذكرنا ما وقع لثاني الشهيدين في المسالك، فلاحظ وتأمل، كما أنه لا يخفى عليك الحال بناء على عدم ملك المقترض بالقبض، ولا حكم الدفع زكاة معجلة، وقلنا بفساده أو انكشف عدم الوجوب باختلال أحد الشرائط، والله أعلم. الفرع (الثاني لو نقصت) الشاة (قيل) والقائل الشيخ: (يردها ولا شئ على الفقير) لعدم ملك المقترض بالقبض عنده، وفيه أنها مضمونة في يده وإن لم يملكها

[ 470 ]

بالقبض كما لو تلفت (والوجه) بناء على المختار (لزوم القيمة حين القبض) لأن القرض يملك بالقبض، فتثبت القيمة حينئذ في الذمة، أما لو كانت زكاة معجلة بناء على الصحة كذلك وانكشف عدم الوجوب فقد يقال بعدم الضمان لو كان النقصان بآفة سماوية للأصل، مع احتماله لأن اليد يد ضمان، فيشمله عموم (1) " على اليد " كما لو تلفت، ولو دفعها زكاة معجلة وقلنا بالفساد وكان عالما بالحال اتجه ضمان النقص، ضرورة كونه كالتلف، وذلك كله واضح بحمدالله. الفرع (الثالث إذا استغنى) المقترض (بعين المال ثم حال الحول جاز احتسابه عليه، ولا يكلف المالك أخذه وإعادته) لما قدمناه سابقا من اعتبار ما يقابل الدين في مؤونة السنة التي يحصل بها وصف الغنى المانع من الاحتساب، وحينئذ فهو فقير لا بأس باحتسابه عليه وإن استغنى به، إذ هو كالفقير الذي يدفع إليه ما يغنيه، خلافا لأبن إدريس فمنعه باعتبار كونه غنيا، لأن المقترض يملك ما استقرضه دون القارض، فهو غني حينئذ، قال: " وعندنا أن من عليه دين وله من المال الذهب والفضة بقدر الدين وكان ذلك المال الذي معه نصابا فلا يعطى من الزكاة، ولا يقال: إنه فقير يستحق الزكاة، بل يجب عليه إخراج الزكاة مما معه، لأن الدين عندنا لا يمنع من وجوب الزكاة، لأن الدين في الذمة والزكاة في العين " ولا يخفى عليك ما فيه من الخبط بين المسألتين، ضرورة الفرق بين عدم منع الدين وجوب الزكاة على من ملك النصاب وبين اقتضائه وصف الفقر أذا فرض قصور ماله عن مقابلته ومؤونة سنته، وبذلك يظهر عدم تناول خبرى الأحول (2) لمحل الفرض، لعدم حصول وصف اليسار له حينئذ مع فرض كون استغنائه بعين مال القرض، بل به يظهر أن ذلك أولى مما أجاب به في


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90 وكنز العمال ج 5 ص 257 الرقم 5197 (2) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 1

[ 471 ]

المختلف من أن الغنى هنا ليس مانعا، إذ لا حكمة ظاهرة في أخذه ودفعه. (و) لعله هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: " ولا يكلف المالك " إلى آخره هذا كله إن استغنى بنفس مال القرض، ف‍ (- ان استغنى بغيره) ولو بنمائه أو ارتفاع قيمته (استعيد القرض) منه واحتسب زكاة على غيره، والمراد عدم جواز الاحتساب عليه، لحصول وصف الغنى الذي عرفت كونه مانعا من الاحتساب بناء على ما عرفت من أن القرض يملك بالقبض، فالنماء مثلا حينئذ للمقترض، نعم يتجه الاحتساب بناء على مذهب الشيخ من أن القرض لا يملك بالقبض، فهو حينئذ على ملك القارض، ويتبعه النماء وارتفاع القيمة، ولا يمنع الاحتساب عليه إلا غناؤه بمال آخر، وهو واضح كوضوح باقي الفروع المتصورة في المقام على تقدير التعجيل وعدمه، وإن أطنب فيها الفاضل في المنتهى والتذكرة وغيرهما، والظاهر قصر الحكم فيه عند القائل به منا على خصوص اعتبار الحول، فلا تعجيل قبل غيره من الشرائط كالنصاب والسوم والتمكن من التصرف ونحوها، لعدم الدليل عليه، فتأمل جيدا، والله أعلم. واما (القول في النية) الذي هو أحد مباحث النظر الثالث فلا خلاف في اعتبارها في الزكاة، بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله كذلك بين المسلمين، وفي المعتبر أنه مذهب العلماء إلا الأوزاعي، وفي التذكرة أنه قول عامة أهل العلم، إلى أن قال: وحكي عن الأوزاعي عدم وجوبها فيها، لأنها دين فلاتجب فيها كسائر الديون، ولذا يخرجها ولي اليتيم ويأخذها السلطان من الممتنع، والفرق ظاهر، لانحصار مستحقه، فقضاؤه ليس بعبادة ولذا يسقط باسقاط مستحقه، وولي الطفل والسلطان يقومان عند الحاجة، فعموم ما دل

[ 472 ]

على اعتبارها من قوله (1): " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " وقوله (صلى الله عليه وآله) (2): " إنما الأعمال بالنيات " ونحو ذلك لا معارض له هنا، وكذا الكلام في الخمس وإن قل المصرح باعتبارها فيه، وكأنهم أو كلوا الأمر فيه على الزكاة، نعم في البيان في الخمس في أرض الذمي " ولا يشترط فيها النصاب ولا الحول ولا النية " لكن في الدروس في مسألة أرض الذمي قال: " والنية هنا غير معتبرة من الذمي، وفي وجوبها على الامام عليه السلام أو الحاكم نظر، أقربه الوجوب عنهما لاعنه عند الأخذ والدفع " وفي حواشي الارشاد للكركي في هذه المسألة " ويتولى النية هنا الامام (عليه السلام) أو الحاكم، ولا ينويان النيابة عن الكافر، إذ لا تقع العبادة منه ولا عنه مع احتمال أن يقال: إن هذا القسم من العبادة لا يحتاج إلى النية، كتغسيل الكافر للمسلم، وكغسلها أذا كانت حائضة تحت مسلم وقد طهرت وقلنا إنه لا يحل إتيان الحائض حتى تغتسل " ونحوه في حاشية الشرائع، وحكم في المسالك بتولي الامام (عليه السلام) أو الحاكم النية وجوبا عنهما لا عنه، ثم احتمل سقوطها هنا كما في القواعد، وحكى عن الشهيد في حواشيه على القواعد التعرض للنية في هذه المسألة، وحكايته عن الفخر، وعلى كل حال فلا أشكال في اعتبار النية. والظاهر جريان نحو هذا البحث في الزكاة المأخوذة من الكافر ونحوه مما لا تصح منه النية، فيتولاها حينئذ الامام (عليه السلام) أو الحاكم عنهما لا عنه على حسب ما عرفت ولا ينافي ذلك كون الخطاب لغير المتقرب، لأنه بعد أن قصر لعدم الأيمان المانع من صحة عباداته كان المخاطب بايتاء الزكاة من ماله الامام (عليه السلام) أو الحاكم، فالتقرب


(1) سورة البينة الآية 4 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات - الحديث 10 الجواهر - 59

[ 473 ]

حينئذ منهما باعتبار هذا الخطاب الذي لا ريب في إجزائه في نحو الزكاة المشابهة للديون من جهات، ولذا جازت النيابة فيها، بل قد عرفت أن الأقوى صحة التبرع بها كالدين من غير إذن من صاحبها سابقة ولا لاحقة إذا كان المال المدفوع زكاة من المتبرع من دون أرادة الرجوع به لا من صاحب الزكاة، وإلا اعتبرت الوكالة حينئذ سابقا أو لا حقا على نحو الفضولي فيها، بل قد يقال بجريان الفضولي في الزكاة من دون اعتبار الوكالة، لكنه لا يخلو من إشكال أو منع. (و) كيف كان ف‍ (- المراعى نية الدافع) للفقير أو من يقوم مقامه حال الدفع (إن كان مالكا) مخاطبا بالزكاة أو وليه (وإن كان) الدافع للفقير (ساعيا أو الامام (عليه السلام) أو وكيلا) للمالك (جاز أن يتولى النية) حال الدفع للمستحق (كل واحد من الدافع والمالك) قيل: أما الأخير فلتعلق الزكاة به أصالة، فكانت نيته عند الدفع إلى الفقير كافية، وأما الامام عليه السلام ونائبه والوكيل فلقيامهم مقام المستحق، (المالك خ ل) وفيه أن الأول مخالف للمحكي عن الشيخ بل المصنف في المعتبر من عدم إجزاء نية الموكل دون الوكيل، أللهم إلا أن يحمل ذلك على غير المفروض الذي هو النية حال الدفع للمستحق، وإنما هو النية حال الدفع للوكيل، وربما يؤيده ما يحكى عن الشيخ من الاستدلال لذلك بأن النية يعتبر مقارنتها للدفع إلى المستحق، والدفع إلى الوكيل غيره كما أنه يحمل إطلاق الاجتزاء هنا ومحكي الارشاد بها من الموكل على ما إذا كانت حال الدفع لا مطلقا، فيكون ذلك عين التفصيل المحكي عن نهاية الأحكام والتذكرة وفخر الاسلام وثاني الشهيدين، بل يرتفع الخلاف حينئذ من البين، ودعوى إمكان المنع وإن كان حال الدفع باعتبار عدم تحقق الايتاء منه - فلا وجه لنية التقرب منه، وتجويز الوكالة في إيتاء الزكاة المشتمل على النية لا يستلزم جوازها على مجرد الفعل بحيث يكون فعلا للموكل حتى ينوي التقرب به - واضحة الفساد بعد معلومية كون المراد من

[ 474 ]

الايتاء مجرد الوصول كيفما كان، ومعلومية تناول إطلاق الوكالة ذلك، فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة. نعم قد يناقش بأن هذا كله في الوكيل، أما الامام (عليه السلام) والساعي فان كانا وكيلين عن المالك في الدفع الذي نوى فيه الموكل فلا ينبغي ذكرهما بالخصوص، ضرورة كونهما حينئذ من قسم الوكيل، وإن لم يكونا وكيلين فلا وجه للنية في الدفع الحاصل منهما بعد عدم كونه فعلا له بالوكالة، ودعوى الاجتزاء به وإن لم يكونا وكيلين باعتبار كون المراد مجرد الوصول تستلزم عدم الفرق حينئذ بينهما وبين الأجنبي، فلا وجه لذكرهما بالخصوص، كما أن دعوى ثبوت ولايتهما عليه في ذلك مطلقا وهي غير الوكالة يمكن منعها، لعدم عموم في أدلتها بحيث يشمل الفرض، ومن ذلك ينقدح الاشكال في الاجتزاء بنيتهما عن نيته مع فرض عدم وكالتهما كما هو مقتضى مقابلتهما به، بل عن الشيخ والمصنف في المعتبر عدم الاجتزاء بها من الوكيل أيضا، لأنه غير مالك، فلا تكفي نيته، وإن كان يدفعه أنها عبادة تقبل النيابة كالحج، بل يمكن دعوى السيرة القطعية التي هي أعظم من الاجماع عليه، بل النصوص (1) أيضا دالة عليه، بل لا فرق على الظاهر في الجواز بين الوكالة في الدفع والنية أو في أحدهما. ومن هنا جزم غير واحد بالاجتزاء بنية الوكيل هنا كالشهيدين وفخر الاسلام والفاضل في جملة من كتبه، وإن توقف فيه في محكي المنتهى والتذكرة والتحرير، إنما الاشكال في الاجتزاء بنية الامام (عليه السلام) والساعي عن نيته مع عدم وكالتهما وعدم امتناعه، بل الأقوى العدم وفاقا للشيخ، وخلافا للمصنف هنا وبعض من تأخر عنه كالفاضل في الارشاد والمنتهى كما قيل وثاني الشهيدين، لكونه وليا عن المالك، ولذا يأخذها منه مع الامتناع اتفاقا، ولأنه كالقاسم بين الشركاء، فلم يحتج إلى نية،


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب المستحقين للزكاة

[ 475 ]

ولأنه لو لم يجز المالك ذلك لما أخذها ولأخذها ثانيا وثالثا حتى ينفد ماله، لأن أخذها إن كان لاجزائها لم يحصل بدون النية، وإن كان لوجوبها فهو باق بعد أخذها، ولأنه لا يدفع إلى السلطان إلا الفرض، وهو لا يفرق على أهل السهمين إلا الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية، ولأن الامام (عليه السلام) كالوكيل، وهذه عبادة يصح فيها النيابة، فاعتبرت نية النائب كالحج. والجميع كما ترى، ضرورة منع الولاية في مثل الفرض، وأن الأولوية بالمؤمن من النفس لا تقتضي النيابة عنه فيما هو متعبد به، فلا امتناع منه، وفرق واضح بين الممتنع الذي يسقط اعتبار نيته وبين غيره، لكونه وليا حينئذ عنه، مع أن ربما احتمل عدم الاجزاء للمالك باطنا، لأنه لم ينو، وهو متعبد بأن يتقرب، وإنما أخذت منه مع عدم الاجزاء حراسة للعلم الظاهر، كما يجبر المكلف على الصلاة ليأتي بصورتها وإن كان لم تجزه عند الله لعدم النية، وإن كان يدفعه أن الزكاة مال متعين للفقراء في يد المالك، وللامام (عليه السلام) الأجبار على قسمة المشترك وعلى تسليمها، فجاز له إفرادها عند امتناع المالك، والنيابة في تسليمها جائزة، وليست كذلك الصلاة، كما هو واضح، وكون الامام (عليه السلام) كالقاسم لا يخرج الزكاة عن العبادة المقتضية لوجوب النية من المتعبد، وبذلك افترقت عن القسمة التي لا يعتبر فيها النية، على أن البحث في إجزاء نية الامام (عليه السلام) والساعي لا الاجزاء بلا نية كما هو مقتضى هذا الاستدلال، وهي في يد الامام (عليه السلام) أمانة في الفرض لا يجوز له تسليمها، لكونها حينئذ مال المالك، ولم يتشخص كونها زكاة حتى من حيث العزل، ضرورة اعتبار النية فيه أيضا، وبذلك سقط الاستدلال بأنه لو لم يجز المالك إلى آخره، بل هو عند التأمل لا يرجع إلى حاصل ينفع في المقام، بل كأنه خارج عن محل البحث، كما أن الأخير مصادرة واضحة فالأحوط إن لم يكن الأقوى اعتبار النية من المالك، وأن تسليمه إلى الامام (عليه السلام)

[ 476 ]

بدونها لا يزيد على تسليمها للفقير بدونها. نعم لو نوى عند الدفع إلى الامام (عليه السلام) أو الساعي أو الفقيه اتجه الاجزاء باعتبار ولايتهم عن المستحق، كما عن جماعة التصريح به كالفاضل والشهيدين وغيرهم، بل في محكي التذكرة لا فرق بين أن يطول زمان دفع الامام (عليه السلام) إلى الفقراء وبين أن يقصر، واحتمال عدم الاجزاء - بناء على أن الامام عليه السلام كالوكيل عن المالك أيضا فلا تجزي النية عند الدفع إليه الذي هو كبقاء المال في يده - واضح الضعف كوضوح الضعف في احتمال الاجزاء مع عدم نية المالك والامام (عليه السلام) ضرورة منافاته لكونها عبادة كما صرح به غير واحد، فما عن التذكرة من أنه في كل موضع قلنا بالاجزاء مع عدم نية المالك لو لم ينو الساعي أو الامام (عليه السلام) أيضا حالة الدفع إلى الفقراء توجه الاجزاء، لأن المأخوذ زكاة قد تعينت بالأخذ، وهو كما ترى، والله أعلم، هذا. وربما احتمل في عبارة المتن كون المراد أن الدافع للفقير إن كان الامام عليه السلام أو الساعي أو الوكيل جاز أن يتولى المالك النية عند الدفع إلى أحد الثلاثة أو أحد الثلاثة عند الدفع إلى الفقير، وفيه مضافا إلى ما عرفت من الاجتزاء بنية الامام (عليه السلام) أو الساعي مع عدم الوكالة أنه لا وجه للاجتزاء بنيته عند الدفع إلى الوكيل الذي من الواضح الفرق بينه وبين الامام (عليه السلام) والساعي المعلوم ولايتهما عن المستحق، فكانت النية عند الدفع اليهما كالنية عند الدفع إليه، بخلاف وكيله الذي يده يد الموكل فتكون النية عند الدفع إليه كالنية والمال في يده، فما عن فخر الاسلام - من الاكتفاء بذلك لحصول الغرض الأقصى من الزكاة، وهو دفع حاجة المحتاجين، ووجود النية منه حال تعينها، لأنها بالدفع إلى الوكيل تتعين كما في صورة العزل، بل أولى، لأنه أخرجها هنا عن يده - لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت من عدم نيابة الوكيل عن الفقير،

[ 477 ]

أو عدم كون وقت التعيين وقت الدفع إلى الوكيل، بل هو وقت الدفع إلى الفقير، وجعل ذلك من العزل بناء على جوازه مطلقا خروج عن البحث الذي هو الاجزاء من حيث قبض الوكيل، كما هو واضح. ومن ذلك كله يظهر لك الحال في جملة من كلمات الأصحاب، بل ويظهر لك أيضا محل النظر وعدمه فيما ذكره في المسالك وإن كان هو أجود من غيره، قال فيها: " اعلم أن النية معتبرة في الزكاة عند الدفع، لكن الدفع قد يكون إلى المستحق، وقد يكون إلى من يدفع إليه، وهو إما وكيل المالك لا غير، أو وكيله ووكيل المستحق، وهو الامام (عليه السلام) وساعيه والفقيه عند تعذرهما، والدافع إلى المستحق إما المالك أو أحد الأربعة، فان دفع المالك الزكاة إلى المستحق ابتداء ونوى عنده أجزأ قطعا، وإن دفعه إلى أحد الأربعة ونوى عند الدفع إليهم ونوى المدفوع إليه عند المستحق أجزأ أيضا، بل هو الأفضل، وإن اقتصر على نية أحدهما فان كان الناوي هو المالك عند الدفع إلى أحدهم ففي الاجتزاء به قولان، أجودهما ذلك في غير وكيله المختص به، لأن يده كيده، فنيته عند الدفع إليه كنيته وهي في يده، وإن كان الناوي هو الدافع إلى المستحق ففي الاجتزاء به وجهان أيضا، والأصح الاجتزاء به مطلقا، وكذا لو لم ينو الدافع إلى المستحق ولكن نوى المالك عنده، وفي حكم نية المالك عند الدفع إلى الامام (عليه السلام) نية الساعي خاصة عند الدفع إليه، فتأمل جيدا " فانه لا يخفى عليك محل النظر من غيره بعد الاحاطة بما ذكرناه الذي هو موافق له في الأكثر. بقى شئ، وهو أن ذلك كله في الدفع إلى المستحق أو وليه، أما وكيله الخاص فحكمه حكمه، لكن عن ابني إدريس والبراج منع الوكالة في ذلك، واختاره سيد المدارك لأن إقامة الوكيل مقام الموكل في ذلك يحتاج إلى دليل، ولم يثبت، ولأن الذمة مرتهنة بالزكاة، ولا خلاف بين الأمة في اليقين بالبراءة بتسليمها إلى المستحق، وليس كذلك

[ 478 ]

إذا سلمت إلى الوكيل، لأنه ليس أحد الثمانية أصناف بلا خلاف، ولأن التوكيل إنما يثبت فيما يستحق الموكل المطالبة به، والزكاة لا يستحقها واحد بعينه، ولا يملكها إلا بعد القبض، والجميع كما تري، ضرورة صلاحية إطلاق أدلة الوكالة للأعم من ذلك، كما لا يخفى على من له أدنى بصيرة، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- الولي عن الطفل والمجنون يتولى) هو (النية) في دفع الزكاة المتعلقة بهما بلا خلاف ولا إشكال (أو) يتولاها عن كل منهما (من له أن يقبض عنه كالامام (عليه السلام) والساعي) بناء على ولايتهما على كل من كانت الزكاة في ماله، أو على خصوص زكاة الطفل والمجنون، وهما معا محل للنظر كما عرفته سابقا في الجملة، والأمر سهل، هذا. (و) قد تقدم في المباحث السابقة في الصلاة وغيرها وجوب مقارنتها لأول العمل، ف‍ (- تتعين) هنا حينئذ (عند الدفع) إلى المستحق مثلا الذي هو أول العمل ولا يجزي التقدم ولو يسيرا، خلافا لبعض العامة فجوزه، ولا ريب في بطلانه، لأن ما سبق إن لم يستدم خلا عن النية، وإن استدام تحقق الشرط، والأمر هين بناء على أنها الداعي لا الاخطار لغلبة استمراره (ولو نوى بعد الدفع لم أستبعد جوازه) بلا ريب فيه مع بقاء العين، لعدم خروجها عن الملك، فتصادفها النية، بل ومع التلف إذا كان القابض عالما بالحال، لكونه مشغول الذمة بالعوض، فيجوز احتسابها كسائر الديون، نعم المتجه عدم الجواز مع التلف وعدم العلم، لعدم الضمان حينئذ، فلا تصادف النية حينئذ شيئا، وفي محكي المبسوط بعد أن ذكر أنه ينبغي المقارنة قال: ولا يجوز نقل زكاة ما بأن نقله إلى غيره، لفوات محل النية، قيل: وهو مشعر بعدم الاجتزاء بالنية بعد الدفع، ولا ريب في ضعفه إلا إذا كان المراد احتساب الدفع الاول زكاة بالنية المتأخرة، لا إذا احتسب باعتبار ذلك الحال المقارن للاحتساب، وهو حينئذ يكون

[ 479 ]

احتسابا للزكاة لا الدفع السابق، وكذا لو أراد احتساب ما في يد الأمين أو الغاصب أو غيرهما، فتأمل جيدا. (و) على كل حال فقد ذكرنا سابقا أن (حقيقتها) أي النية (القصد إلى القربة) وأنه لا يعتبر فيها نية الوجه من (الوجوب أو الندب، و) لكن يعتبر فيها (كونها زكاة مال أو فطرة) بناء على أنهما نوعان مختلفان، وتوقف التعيين المتوقف عليه الامتثال على ذلك، إذ حالهما حينئذ كالكفارة والخمس، وإن كان قد يقوى عدم وجوب التعيين مع اتحاد الحق في ذمته وإن جهل نوعه (و) كيف كان ف‍ (- لا يفتقر إلى نية الجنس الذي يخرج) الزكاة (منه) كالأنعام والغلات والنقدين، لأنها أصناف لا أنواع، من غير فرق بين اتحاد محل الوجوب وتعدده، وبين اتحاد نوع الحق كما لو كان عنده أربعون من الغنم وخمس من الابل وعدمه كنصاب من النقدين وواحد من النعم، وبين كون المدفوع من جنس أحدهما وعدمه، ولكن لو عينه حال الدفع تعين على الظاهر، ولو دفعه من غير تعيين فهل يبقى له صرفه إلى ما شاء منهما أم يوزع ؟ صرح في التذكرة بالأول، واختاره الشهيد الثاني، وتعرف إن شاء الله في الفروع التحقيق، وتظهر الثمرة في تلف أحد النصابين قبل التمكن وقبل إخراج فريضة الثاني، وفي غير ذلك أيضا. (فروع لو قال: إن كان مالي الغائب باقيا فهذه زكاته، وإن كان تالفا فهي نافلة صح) بلا خلاف أجده بين من تعرض له منا، بل في فوائد الشرائع لا مانع من صحته بوجه من الوجوه، بل عن الشيخ الاجماع عليه (ولا كذا لو قال: أو نافلة) لكون الترديد حينئذ في النية، بخلاف الأولى فانه في المنوي، وهو غير قادح، لأنه جازم بالوجوب على تقدير سلامة المال، وبالنقل على تقدير تلفه، والتحقيق أن هذا وإن كان ترديدا لكن بعد الاجماع المزبور عليه - وشدة الحاجة إليه في كثير من

[ 480 ]

المقامات، وثبوت شرعيته في الفائتة المجهولة، وفي ركعات الاحتياط، بل وفي كثير من موارد الأحتياط - لا مناص من القول به مع الاضطرار دون الأحتيار كما صرح به في المسالك، بخلاف الصورة الأخرى التي لا دليل على صحتها، بل ما دل على اعتبار النية يقتضي العدم، ضرورة منافاة الترديد للجزم المتوقف عليه صدق امتثال الأمر المخصوص، فان حاصلها الترديد بين الزكاة والنفل على تقدير واحد، وهو بقاء المال كما هو واضح. (ولو كان له مالان) مثلا (متساويان) أو مختلفان، حاضران أو غائبان، أو أحدهما (حاضر و) الآخر (غائب فأخرج زكاة ونواها عن أحدهما) من غير تعيين (إجزأته) لاطلاق الأدلة، وما تقدم من عدم الدليل على وجوب تعيين الأفراد التي جمعها أمر واحد، نعم لو أراد التعيين لم يكن به بأس، لكن في الفرض يحتمل بقاء التخيير له في التعيين بعد الدفع، بل عن الفاضل في التذكرة الجزم به، وهو مشكل، وإن ذكروا نظيره في الدين لشخصين إذا قبضه وكيلهما، والدينين المختلفين في الرهن على أحدهما وعدمه للآخر، لأنه لا دليل على تعيين الأفعال بعد وقوعها، وإنما الثابت تعينها بالنية المقارنة، أللهم إلا أن يقال: إنه باق على كليته بعد الدفع كما كان قبله، فله احتسابه على الوجه الذي يريده بعد أن كان له التعيين، بل ربما يقال نحوه في مثل الصوم إذا كان عليه قضاء لشهري رمضان فصام بلا تعيين ثم أراده بعد ذلك تخلصا من كفارة تأخيره عن شهر رمضان المقبل، أو غير ذلك من الثمرات، بل لو كان عليه صلاة لشخصين فأدى من غير تعيين لأحدهما ثم عين بعد ذلك. لكن الجميع كما ترى، بل مقتضى الأخير جواز التأدية من غير تعين أصلا إذا كان قد جاء بتمام العمل لهما كالدينين لشخصين، وفي التزامه ما لا يخفى، هذا كله الجواهر - 60

[ 481 ]

مضافا إلى ما في المقام ونظائره من الضرر على الفقير لو تلف أحد المالين بتخير (باختيار خ ل) كون المدفوع عن الباقي، وكذا لو اختلفت القيمة وقت الاخراج والاحتساب إذا تخير بتعيين (إذا اختار تعيين خ ل) المدفوع عن الأقل قيمة، ولعله لذا مال في البيان إلى التوزيع، وفي فوائد الشرائع " وهو قريب " وفي المسالك " وهو الأجود " لكن فيه أنه لا دليل عليه بعد فرض كونه غير مقصود، ويحتمل قويا كون الحاصل من سببي الوجوب مثلا كالحاصل من السبب الواحد الذي يوجب التعدد، وكأفراد الدين الواحد ففي صورة وجوب الشاتين عليه لخمس من الابل وأربعين من الغنم لو أدى شاة عن أحدهما ولم يتمكن من إخراج الثانية لتعذر المصرف أو غيره بتلف أحد النصابين سقط عنه الشاة الأخرى وإن لم يعين المدفوعة عن الموجود، ضرورة اعتبار التمكن من كل النصابين في وجوب كل من الشاتين إلى حال الاخراج، فتلف أحدهما مسقط لأحدهما ولو اختلفت القيمة خير فيما بقي عليه، إلى غير ذلك من الأحكام التي لا يخفى عليك جريانها، فتأمل جيدا، أو يدعى وجوب التعيين مع اختلاف الثمرات إذا لم يكن يؤدي الجميع دفعة. (و) كيف كان ف‍ (- كذا) في الاجزاء (لو) أخرج الزكاة عن أحد المالين الحاضر والغائب و (قال: إن كان مالي الغائب سالما) فان ذلك لا ينافي الجزم بالنية، ضرورة كونه معتبرا في نفسه، ويمكن أن يريد الصنف بقوله: " وكذا " إلى آخره التنبيه على مسألة مستقلة لا تعلق لها بالمسألة السابقة، وهي الاجزاء لو أخرج زكاة عن ماله الغائب وقيده بالسلامة من غير ذكر النفل على تقدير التلف، ولا الزكاة عن الحاضر لكونه شرطا غير مناف بعد أن كان معتبرا في نفسه، وأقصاه البقاء على ملك المالك مع التلف، كما أشار إليه المصنف بقوله: (ولو أخرج عن ماله الغائب إن كان سالما ثم بان تالفا جاز نقلها إلى غيره) من أمواله (على الأشبه) بأصول المذهب وقواعده،

[ 482 ]

سواء كانت العين باقية أو تالفة إذا كان القابض عالما بالحال، لما عرفت من بقاء المال المدفوع حينئذ على ملك المالك، لانه لم يصادف سلامة المال، وكان مضمونا في يد القابض العموم " على اليد " بعد أن كان الدفع على وجه خاص لم يسلم، فله حينئذ احتساب العين أو مثلها أو قيمتها زكاة عن غير ذلك من أمواله على المدفوع إليه أولا وعلى غيره، وله أخذها واحتساب غيرها عليه أو على غيره إن كان عليه حق، بل الظاهر عدم الفرق في الحكم المزبور بين التصريح بالشرط المذكور حال الدفع وعدمه مع كون قصده ذلك ودفع على هذا الوجه وكان القابض عالما بالحال، أما مع عدم علمه فالمتجه عدم ضمانه مع التلف، لغروره، وقد مر نظائر ذلك، كما مر ضعف ما يحكى عن الشيخ في المقام ونحوه من عدم جواز النقل لفوات وقت النية، أللهم إلا أن يريد النية بالدفع الأول على ما عرفته سابقا، والله أعلم. (ولو نوى عن مال يرجو وصوله إليه لم يجز وإن وصل) إذ لم يتحقق فيه خطاب الزكاة، بل هو على هذا التقدير من مسألة التعجيل التي هي غير محل البحث، وإن فرض كون المراد مالا يتحقق فيه خطاب الزكاة على تقدير الوصول فهو كالمال الغائب إن كان سالما، وقد عرفت أن الأقوى فيه الأجزاء، أللهم إلا أن يفرق بينهما بأن الأصل يقتضي في الثاني السلامة، بخلافه في الأول، فانه يقتضي عدم الوصول، فالنية حينئذ خالية عن الجزم واقعا وشرعا، لكن قد عرفت أن مبنى المسألة على الاحتياط الذي هو أوسع من ذلك، ولا يتفاوت فيه بين موافقة النية للأصل ومخالفتها له، كالغسل عن الجنابة المحتملة والوضوء عن الحدث المحتمل، واحتساب المال عن احتمال الحق في الواقع، ونحو ذلك، فتأمل جيدا، والله أعلم. (ولو لم ينو رب المال ونوى الساعي أو الامام (عليه السلام) عند التسليم فان) كان قد (أخذها الساعي) أو الامام (عليه السلام) (كرها) من رب المال (جاز)

[ 483 ]

لقيامه بعد فرض امتناعه مقامه، بل لهما النية عند الأخذ منه، والاكتفاء بها عنها عند التسليم، لقيامهما مقام الدافع والقابض (وإن أخذها طوعا قيل) والقائل الشيخ: (لا يجزي) بناء على عدم الاكتفاء بنية الوكيل عن نية الموكل (والاجزاء أشبه) مع فرض الوكالة، وإلا فعدمه أشبه، كما هو واضح. (القسم الثاني) (في زكاة الفطرة) وهي فعلة من الفطر، وأصله الشق، واستعمل بمعنى الخلق، فهي حينئذ بمعنى الخلقة أي الحالة التي عليها الخلق، بل لعل منه إطلاقها على الاسلام ولو مجازا باعتبار كونه حالة لا ينفك الخلق عنها، وهو المراد من قوله صلى الله عليه وآله (1): " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه " والمراد بها على الأول زكاة الأبدان على معنى كونها مطهرة لها من أوساخ المعاصي، أو منمية لها، وصدقة لحفظها من الموت ونحوه كما يؤمي إليه قول الصادق (عليه السلام) (2) لمعتب: " اذهب فاعط عن عيالنا الفطرة أجمعهم، ولا تدع منهم أحدا، فانك إن تركت منهم أحدا تخوفت عليه الفوت، قلت: وما الفوت ؟ قال: الموت " وتقسيمهم الزكاة إلى مالية وبدنية، وعلى الثاني زكاة الاسلام والدين، ومن ثم وجبت على من أسلم قبل الهلال من دون توقف على حول ولا صوم على معنى مطهرته أو منميته أو موجبه ومقتضاه، بل ربما أيد بما في


(1) مسند أحمد ج 12 ص 120 الرقم 7181 وصحيح مسلم ج 8 ص 52 المطبوع عام 1334 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 5

[ 484 ]

صحيح زرارة وأبي بصير (1) " من أن من تمام الصوم إعطاء الزكاة يعني الفطرة، كما أن الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) تمام الصلاة، لأنه من صام ولم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمدا، ولا صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) إن الله تعالى قد بدأ بها قبل الصلاة، وقال (2): قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " وذكر في المسالك وجها ثالثا، وتبعه عليه غيره، وهو أن يكون الفطرة من الافطار أي الزكاة المقارنة ليوم الفطر، وهو المغروس في الأذهان المنساق إليها، إلا أني لم أجده فيما حضرني من كتب اللغة، نعم يفهم من بعض عبارات أهل اللغة بل والفقه بل وكثير من الأخبار (3) كون لفظ الفطرة اسما لما يخرج، فيحتمل وضعه لذلك مشتقا من الفطر أو من الفطر، فتكون إضافة الزكاة إليها حينئذ من إضافة العام إلى الخاص كيوم الأحد وشجر الأراك، ويحتمل كون الأصل زكاة الفطرة فحذف المضاف واكتفي بالمضاف إليه توسعا، ويجوز أن يكون كل من العبارتين اسما لذلك كرمضان وشهر رمضان، والأمر في ذلك كله سهل. (و) كيف كان ف‍ (- أركانها أربعة: الأول فيمن تجب عليه) لكن ينبغي أن يعلم أولا أن وجوبها في الجملة إجماعي بين المسلمين إلا من شذ من بعض أصحاب مالك ونصوصنا (4) متواترة فيه، بل هو من ضروريات الفقه، من غير فرق بين البادية وغيرها، فما عن عطاء وعمر بن عبد العزيز وربيعة من سقوطها عن البادية غلط قطعا، نعم إنما (تجب الفطرة بشروط ثلاثة: الأول التكليف) بلا خلاف أجده فيه، بل هو قول علمائنا أجمع في محكي المعتبر والمنتهى والتذكرة (فلا تجب على الصبي والمجنون)


(1) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 5 - 0 (2) سورة الأعلى - الآية 14 و 15 (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة

[ 485 ]

لرفع القلم عنهما، فلا يشملهما إطلاق الأمر، وتكليف الولي لادليل عليه، فالأصل براءة ذمته، وفي الصحيح عن محمد بن القاسم بن الفضيل البصري (1) " كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أسأله عن الوصي يزكي زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال، فكتب (عليه السلام) لا زكاة على يتيم، وعن المملوك يموت مولاه وهو عنه غائب في بلد آخر وفي يده مال لمولاه ويحضر الفطر يزكي عن نفسه من مال مولاه وقد صار لليتامى قال: نعم " بل قد يقوى سقوطها عنهما بالنسبة إلى من يعولون به أيضا لذلك لا أنفسهما خاصة، وذيل المكاتبة المزبورة مع مخالفته لما دل على عدم جواز التصرف لغير الولي لم أجد عاملا به، فلا يصلح دليلا لما خالف الأصول. (و) كذا (لا) تجب (على من أهل شوال) عليه (وهو مغمى عليه) بلا خلاف أجده فيه أيضا، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلام الأصحاب، لكن قال: " قد ذكره العلامة وغيره مجردا عن الدليل، وهو مشكل على إطلاقه، نعم لو كان الاغماء مستوعبا لوقت الوجوب اتجه ذلك " وفيه أن الدليل الأصل بعد ظهور الأدلة في اعتبار حصول الشرائط عند الهلال، فلا عبرة بالبلوغ والافاقة من الجنون والاغماء بعده كما تعرفه فيما يأتي عند تعرض المصنف له، ولا خصوصية للاغماء على غيره ومنه يعلم حينئذ أن التوسعة في وقت الأداء لا وقت الوجوب، فتأمل جيدا، والله أعلم. الشرط (الياني الحرية) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع محكي عليه مستفيضا إن لم يكن محصلا، بل عن المنتهى أنه مذهب أهل العلم كافة إلا داود، وحينئذ (فلا تجب على المملوك) القن، ووجهه واضح بناء على الأصح من عدم ملكه كما حققناه في محله، بل لا يجب عليه (ولو قيل يملك) لاطلاق معاقد الاجماعات، كاطلاق ما دل


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 و 3

[ 486 ]

على أن زكاته على مولاه من النصوص (1) المستفيضة، وما عن داود من وجوبها عليه ووجوب إطلاقه للتكسب فاسد قطعا (و) كذا (لا) تجب (على المدبر ولا على أم الولد ولا على المكاتب المشروط ولا المطلق الذي لم يتحرر منه شئ) لاشتراك الجميع في الاطلاق المزبور المعتضد بالأصول، لكن عن الصدوق (رحمه الله) أن المكاتب فطرته عليه، لصحيح علي بن جعفر (2) سأل أخاه موسى (عليه السلام) " عن المكاتب هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه وتجوز شهادته ؟ قال: الفطرة عليه، ولا تجوز شهادته " والمناقشة فيه باشتماله على ما لا يلتزم به من عدم جواز شهادته يدفعها أولا عدم سقوط الخبر عن الحجية بذلك، خصوصا بعد أن كان مذهب بعض كما قيل، وثانيا أن الصدوق (رحمه الله) حمله على الانكار دون الاخبار، ومال إليه بعض متأخري المتأخرين، بل عن كتاب المكاتب من المبسوط إطلاق نفي فطرة المكاتب المطلق على مولاه، كالمحكي عن ابني إدريس والبراج وإن كان لا دلالة فيه على كون الزكاة عليه، إذ من المحتمل سقوطها عندهم رأسا، وفيه أن الخبر المزبور وإن صح سنده قاصر عن تقييد ما عرفت، خصوصا بعد معارضته بقول الصادق (عليه السلام) في مرفوع محمد ابن أحمد بن يحيى (3): " يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه ورقيق امرأته وعبده النصراني والمجوسي وما أغلق عليه بابه " المنجبر بما سمعت، فلا ريب حينئذ في أن الأقوى ما تقدم. ولو ملك المملوك عبدا على القول بملكه فعن المنتهى أن الذي يقتضيه المذهب وجوبها على المولى، لأنه المالك حقيقة، والعبد مالك بمعنى إساغة التصرف، ولأن ملكه ناقص، وفيه أن الذي يقتضيه المذهب عدم الوجوب على المولى، لعدم ملكيته،


(1) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 0 - 9 (2) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3

[ 487 ]

أللهم إلا أن يقال: إنه من عياله، وأما العبد فان كانت العبودية مانعة من الوجوب عن نفسه وعن غيره - كما سمعت في الصبي والمجنون، وبه صرح في محكي التذكرة هنا بالنسبة إلى زوجة العبد، حتى على القول بالملك كما هو مقتضى الأصل، وإن أستشكله في المدارك - اتجه السقوط عنه أيضا كما احتمله في البيان، وإلا كانت زكاته عليه، والله أعلم. (ولو تحرر منه شئ وجبت عليه) وعلى المولى (بالنسبة) مع حصول باقي الشرائط، ضرورة عدم وجوب زكاة الجميع على المولى، لأصالة براءة ذمته بالنسبة إلى الجزء الحر، كاصالة براءة ذمة المكاتب عنها بالنسبة إلى الجزء الرق بعد إطلاق الأدلة في كون زكاة المملوك على مولاه، فليس حينئذ إلا كون الفطرة عليهما بالنسبة لاندراج حكم الجزء في دليل حكم الكل، واحتمال سقوط الفطرة عنهما - لعدم كونه جرا فيلزمه حكمه، ولا مملوكا لأنه قد تحرر بعضه، ولا هو في عيلولة مولاه فتلزمه فطرته لمكان العيلولة، فالأصل براءة الذمة، بل عن الشيخ في المبسوط أنه قواه، بل مال إليه في المدارك - ضعيف، إذ عدم كونه كامل الحرية والملكية لا يقتضي سقوط الفطرة عنه بعد إطلاق الأدلة أو عمومها، وعدم عيلولة الكل لا ينافي عيلولة البعض، أو يقال: إنه وسيده المعيلان به، فيكون كالعبد بين الشريكين كما ستعرف الحال فيه، ولئن كان قصور في شمول الأدلة فهو منجبر بفهم الأصحاب، وبما يظهر من الأدلة من عدم سقوط الفطرة عن المسلم مع يساره ويسار المعيل به، نعم يتجه وجوبها عليه بناء على ما سمعته من الصدوق من كون فطرة المكاتب عليه، ضرورة أولوية ذلك من الذي لم يتحرر منه شئ، هذا، وتسمع إن شاء الله في العبد بين الشريكين ماله نفع في المقام. (و) على كل حال فلا إشكال كما لا خلاف في أنه (لو عاله مولاه وجبت عليه دون المملوك) والله أعلم.

[ 488 ]

الشرط (الثالث الغنى، فلا تجب على الفقير) للأصل والاجماع بقسميه الذي لا يقدح في المحكي منه خلاف الاسكافي، حيث أوجبها على من فضل على مؤونته ومؤونة عياله ليومه وليلته صاع، فضلا عن المحصل منه، وإن حكاه في الخلاف عن كثير من علمائنا، إلا أنا لم نتحققه، بل المتحقق خلافه، ويمكن حمله على ذي الكسب الذي يكسب في كل يوم مؤونته ومؤونة عياله، واعتبار زيادة الصاع حينئذ مبني على ما تسمعه إن شاء الله من المصنف والفاضل من اعتبار زيادة مقدار الفطرة على قوت السنة في وجوبها على الغنى، أو على اعتبار ذلك في خصوص المكتسب كما صرح به في الدروس حيث قال: " ويجب على المكتسب قوت سنته إذا فضل عنه صاع " ولئن أبى كلامه ذلك فلا ريب في ضعفه، بل لم نجد له دليلا يدل عليه صريحا، مضافا إلى عدم معلومية كون المراد حينئذ وجوب الفطرة تماما وإن زادت على الصاع، بل ربما تزيد على ما عنده من قوت اليوم والليلة، أو أنه يكتفي باخراج الصاع عنه وعن عياله ولو بأن يديره عليهم لكن قد يمنع الادارة إيسار بعض العيال، أو بغير ذلك. وبذلك يظهر لك زيادة ضعفه مضافا إلى المعتبرة المستفيضة الدالة على خلافه، ففي الصحيح (1) عن الحلبي أنه " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من الزكاة عليه صدقة الفطرة قال: لا " المعلوم كون المراد منه أخذ الزكاة من حيث الفقر والمسكنة، لأنه الأصل في مصرف الزكاة، فكان هو المنساق، وفي الصحيح عن صفوان بن يحيى عن أسحاق بن عمار (2) " قلت لأبي ابراهيم (عليه السلام): على الرجل المحتاج صدقة الفطرة قال: ليس عليه فطرة " ونحوه خبر إسحاق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 - 6 الجواهر - 61

[ 489 ]

ابن المبارك (1) وفي خبر الفضيل بن يسار (2) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لمن تحل الفطرة ؟ قال: لمن لا يجد، ومن حلت له لم تحل عليه " وفى الصحيح عن أبان بن عثمان عن يزيد بن فرقد الهندي (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يقبل الزكاة هل عليه صدقة الفطرة ؟ قال: لا " وفي خبره الآخر (4) عنه عليه السلام أيضا سمعته يقول: " من تحل عليه الزكاة فليس عليه فطرة، قال: وقال أبو عمارة: إن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: لا فطرة على من أخذ الزكاة " وفي خبره الثالث (5) قلت له عليه السلام أيضا: " على المحتاج صدقة الفطرة قال: لا " والمروي في المقنعة عن يونس بن عمار (6) قال: " سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة " بل والمروي فيها أيضا عن عبد الرحمان بن الحجاج (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا " تجب الزكاة على من عنده قوة السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة " إلى غير ذلك من النصوص التي يجب بها الخروج عن إطلاق بعض الأدلة أو عمومها، خصوصا بعد اعتضادها بما عرفت، فيقيد بها أو يخص. كما أنه ينبغي إطراح ما عارضها من النصوص الأخر كخبر الفضيل بن يسار (8) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أعلى من قبل الزكاة زكاة ؟ فقال: أما من قبل زكاة المال فان عليه زكاة الفطرة، وليس عليه لا قبله زكاة، وليس على من يقبل الفطرة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث - 3 - 8 - 5 لكن روى الأخير عن يزيد بن فرقد النهدي وهو الصحيح. (4) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 7 مع الاختلاف (5) و (6) و (8) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 4 - 10 - 9 (7) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 وفيه " تجب الفطرة على كل من تجب عليه الزكاة " كما انه كذلك في المقنعة ص 40.

[ 490 ]

فطرة " ونحوه خبر زرارة (1) ومفهوم خبر القداح (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) أنه قال: " زكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من أقط عن كل إنسان حر أو عبد صغير أو كبير، وليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج " وفي خبر زراة (3) " قلت: الفقير الذي يتصدق عليه هل يجب عليه صدقة الفطرة ؟ قال: نعم يعطي مما يتصدق به عليه " أو تحمل على الندب كما صرح به الشيخ في كتابي الأخبار، بل به صرح في المقنعة أيضا، وجعلها سنة مؤكدة للفقير الذي يقبل الزكاة، وفضيلة دون ذلك لمن يقبل الفطرة، وهو جيد جدا، بل علل ما ذكره من الحمل باستحالة الايجاب بالفرض على الفقراء، كل ذلك بعد الاغضاء عما في سند الجميع، وإمكان المناقشة في دلالة البعض أو الجميع، وعدم صراحة شئ منها فيما تقدم عن ابن الجنيد، فلا عامل بها حينئذ أبدا على ظاهرها، ولا محيص عن حملها حينئذ على الندب ويبقى ما دل على اختصاص وجوبها بالغني بحاله. (و) كيف كان فالمراد بالفقير عند العجلي (هو من لا يملك) عين (أحد النصب الزكاتية) وعند الشيخ أو قيمتها (وقيل من تحل له الزكاة) لحاجته (وضابطه أن لا يملك قوت سنة له ولعياله، وهو الأشبه) كما تقدم الكلام مشبعا في ذلك، وفي اعتبار ما يقابل الدين ونحوه مع قوت السنة في الغني وغير ذلك مما قدمناه سابقا، بل ما تقدم آنفا من النصوص كاف في الدلالة على المطلوب، خصوصا خبر يونس بن عمار (4) المروي في المقنعة، بل غيره - مما دل على عدم وجوب


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 9 (2) ذكر ذيله في الوسائل في الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 11 وذيله في الباب 2 منها الحديث 2. (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 4 - الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 10

[ 491 ]

الفطرة على من لم يملك مؤونة السنة، لأن الزكاة والفطرة تحل له، ومن حلتا له لم تجب الفطرة عليه - كاف أيضا في المطلوب بضميمة ما دل على وجوب الفطرة على المكلف، ووجوب إخراجها عن نفسه وعن عياله، إذ لا ريب في كون الحاصل من الجميع وجوبها على المالك مؤونة السنة وعدمه على غير المالك، وليس هما إلا الفقير والغني، لعدم موضوع ثالث بينهما، وحينئذ فلا ينبغي التوقف في أن الأقوى ذلك، لكن في الدروس هنا وجوبها على المالك أحد نصب الزكاة أو قوت سنة على الأقوى، ولعله يريد الاشارة إلى القولين لا الجمع بينهما، وإحتمال خصوصية الفطرة في الاكتفاء بذلك وإن لم يتحقق به وصف الغنى لا يصغى إليه، ولقد أجاد المصنف في رده القول المزبور المحكي عن الشيخ وابن ادريس بأنه لا أعرف له حجة ولا قائلا من قدماء الأصحاب، فان كان تعويله على ما احتج به أبو حنيفة فقد بينا ضعفه، وبالجملة فانا نطالبه من أين قاله، وبعض المتأخرين ادعى عليه الاجماع، وخص الوجوب بمن معه أحد النصب الزكاتية، ومنع القيمة، وادعى اتفاق الامامية على قوله، ولا ريب أنه وهم، ولو احتج بأن مع ملك النصاب تجب الزكاة أي الفطرة بالاجماع منعنا ذلك، فان من ملك النصاب ولا يكفيه لمؤونة عياله يجوز له أن يأخذ الزكاة، وإذا أخذ الزكاة لم تجب عليه الفطرة لما روي عن الصادق (عليه السلام) في عدة روايات، منها رواية الحلبي (1) ويزيد ببن فرقد (3) ومعاوية بن عمار (3) أنه سئل " عن الرجل يأخذ الزكاة عليه صدقة الفطرة قال: لا " وهو جيد، مضافا إلى ما قدمناه في الزكاة، فلاحظ فانه نافع في ذلك وفي غيره مما يتعلق بالمقام.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 - 5 (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 7 والحديث مذكور في ذيل خبر يزيد بن فرقد

[ 492 ]

وعلى كل حال قمقتضى إطلاق النص والفتوى ومعقد الاجماع عدم اشتراط ملك الصاع أو مقدار الفطرة زيادة على ملك مؤونة السنة فعلا أو قوة في وجوب الفطرة، لا طلاق الأدلة، خلافا لما سمعته من الدروس من اعتبار زيادة الصاع في الغني قوة، ونحوه في البيان، لكن اعتبار زيادة قدر الفطرة كالمنتهى، إلا أنه ظاهر في اعتبار ذلك في الغني فعلا أو قوة، وكذا التحرير، مع احتمالهما الاختصاص بالأخير، وكذا التذكرة إلا أنه اعتبر زيادة الصاع نحو ما في الدروس ومحكي المعتبر، ولم نقف لهم جميعا على حجة معتبرة، نعم ربما وجه ذلك بأن الزكاة مواساة، فتجب حيث لا تؤدي إلى الفقر، فلو وجبت على من لا يملك الزيادة لا نقلب فقيرا، وهو كما ترى. وأما التفصيل بين الغني قوة وفعلا فان كان المراد أنه يشترط أن يزيد فيما يكتسبه طول السنة على مؤونة سنته صاع أو مقدار الزكاة فلا أجد له وجها، وإن كان المراد أنه يجب أن يكون بيده في يوم الفطر زيادة على مؤونته ليومه ذلك فلعل وجهه حينئذ أنه لو لم يكن ذلك احتاج في أداء الفطرة إلى الافتراض ونحوه، والأصل عدم وجوبه عليه، بخلاف الغني فعلا فان عنده ما يؤديه فطرة، وإلا لم يكن غنيا فعلا، ولا يخفى عليك عدم صلاحية مثل ذلك مقيدا للاطلاقات أو مخصصا للعمومات، فلا ريب حينئذ في أن الأقوى عدم الاشتراط مطلقا، والله أعلم. (و) كيف كان فلا ريب في أنه (يستحب للفقير إخراجها) أي الفطرة عن نفسه وعياله، بل الاجماع بقسميه عليه، وقد عرفت أن خلاف الاسكافي غير قادح، كما أنه قد عرفت ما يدل عليه من النصوص (و) المراد هنا بيان أن (أقل) ما يتأدى به (ذلك) الاستحباب للمحتاج (أن يدير صاعا على عياله ثم يتصدق به) لموثق اسحاق بن عمار (1) " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل لا يكون عنده شئ


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3

[ 493 ]

من الفطرة إلا ما يؤدي عن نفسه وحدها يعطيه غريبا أو يأكل هو وعياله قال: يعطي بعض عياله ثم يعطي الآخر عن نفسه فيرادونها فيكون عنهم جميعا فطرة واحدة " قيل وظاهر العبارة أن المتصدق هو الأول، وذكر الشهيد في البيان أن الأخير منهم يدفعه إلى الأجنبي، وهو لا يطابق معنى الأدارة التي ذكرها هو وغيره، والرواية خالية من ذلك كله، قلت: بل قد يدعى ظهور الرواية في عدم خروجها عنهم، كما أنه قد يدعى ظهور الرواية في أن المراد منها تعليم الاحتيال في إخراج الصاع الواحد عن الجميع، وذلك يكون باعطاء ذي العيال أحدا من عياله على وجه الفطرة والآخر للآخر إلى أن ينتهي الدور إليه، أو يكون باعطائه على وجه التمليك ثم هو يحتسبه عليه ثم يعطيه الآخر ويرده عليه محتسبا له إلى أن ينتهي العيال، فيخرجه هو عن نفسه، بل لعل ذلك غير محتاج إلى الرواية، لانطباقه على الضوابط التي لا فرق فيها عليه بين يسار العيال وإعسارهم، بل وكذا الأول الذي ليس فيه ما هو مناف للضوابط سوى احتسابها على من يعول به، ولعله جائز هنا مع إعسار العيال، لعدم وجوبها عليه، أو لاغتفاره في خصوص المقام، والأمر سهل بعد أن كان الحكم ندبيا، وظاهر إطلاق النص والفتوى عدم الفرق في المعال بين كونه مكلفا أو غيره، ولا يشكل ذلك بأنه لا يجوز إخراج الولي ما صار ملكا له عنه مع فرض كونه غير مكلف، إذ هو - مع أنه اجتهاد في مقابلة إطلاق النص والفتوى، وقد ثبت مثله في الزكاة المالية - يمكن دفعه بأن غير المكلف إنما ملكه على هذا الوجه أي على أن يخرج عنه صدقة، لكن في المدارك بعد أن حكى الاشكال المزبور وما يدفعه عن جده قال: " وهو جيد لو كان النص صالحا لاثبات ذلك، لكنه ضعيف من حيث السند، قاصر من حيث المتن عن إفادة ذلك، بل ظاهره اختصاص الحكم بالمكلفين، والأصح اختصاص الحكم بهم، لانتفاء ما يدل على تكليف ولي الطفل بذلك، بل يمكن

[ 494 ]

المناقشة في هذا الحكم من أصله إن لم يكن إجماعيا " وهو كما ترى خصوصا بعد أن كان الخبر من قسم الموثق الذي قد فرغنا من حجيته في الأصول، بل قد عرفت أن هذا الاحتيال موافق للضوابط في وجه، فلا يحتاج إلى النص، مع أنه وارد مورد الغالب من تسلط الولي على المولى عليهم بذلك وغيره، لماله من كمال اليد عليهم في الانفاق وغيره كما هو واضح، هذا، وفي البيان بعد أن ذكر أن الأخير من العيال يتصدق بالصاع على الأجنبي قال: " فلو تصدق به الأجنبي على المتصدق فطرة أو غيرها كره له تملكه كما قلناه في زكاة المال، وهل تكون الكراهة مختصة بالأخير منهم ؟ لأنه المباشر للصدقة عن نفسه، أو هي عامة للجميع ؟ الأقرب الثاني لصدق إعادة ما أخرجه من الصدقة إلى ملكه، ولأن إخراجها إلى الأجنبي مشعر بذلك، وإلا أعادها الأخير إلى الأول منهم " وفيه أن الأقرب الأول، لأنه الذي يصدق عليه العود إلى ملكه دون غيره، والله أعلم. (و) على كل حال ف‍ (مع) اجتماع (الشروط) يجب على المكلف أن (يخرجها عن نفسه وعن جميع من يعوله فرضا أو نفلا) أو أباحة أو كراهة بل أو حرمة في وجه مع صدق العيلولة (من زوجة وولد وما شاكلهما) من الأب والأم والجد وغيرهم من الأرحام الذين يعولهم (و) كذا يجب عليه أن يخرجها أيضا عن (الضيف وما شابهه) ممن يعولهم من الأجانب تبرعا من غير فرق في المخرج عنه في جميع ذلك (صغيرا كان أو كبيرا حرا أو عبدا مسلما أو كافرا) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص يمكن دعوى تواترها فيه، وفي خبر عبد الله بن سنان (1) منها عن أبي عبد الله (عليه السلام) " كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدي الفطرة عنه " وفي صحيح عمر بن يزيد (2) " سألت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 8 - 2

[ 495 ]

أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عنده الضيف من إخوانه فيحضر يوم الفطر يؤدي عنه الفطرة فقال: نعم الفطرة واجبة على كل من يعول من ذكر أو انثى صغير أو كبير حر أو مملوك " وفي مرفوعة محمد بن أحمد بن يحيى (1) عنه عليه السلام أيضا " يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه ورقيق امرأته وعبده النصراني والمجوسي ولما أغلق عليه بابه " قال المصنف في المعتبر: " وهذا وإن كان مرسلا إلا أن فضلاء الأصحاب، أفتوا بمضمونه " قلت: لتضمن الصحاح وغيرها مضمونه، وحينئذ فما في صحيح ابن الحجاج (2) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل ينفق على رجل ليس من عياله إلا أنه يتكلف له نفقته وكسوته أتكون عليه فطرته، قال لا إنما تكون فطرته على عياله صدقة دونه، وقال العيال الولد والمملوك والزوجة وأم الولد " مطرح أو محمول على أن المراد منه بيان عدم كفاية تكلف الانفاق في الوجوب، بل لابد مع ذلك من صدق العيلولة كالزوجة والولد والمملوك وأم الولد ونحوهم ممن يعولهم الانسان في الغالب، لا أن المراد حصر الوجوب في الأربعة أو حصر العيال بهم، لمنافاته حينئذ المقطوع به من النصوص والفتاوى معاقد الاجماعات. إنما الكلام في قدر الضيافة المسبب للوجوب ففي المقنعة " ومن أضاف مسلما لضرورة به إلى ذلك طول شهر رمضان أو في النصف الأخير إلى آخره وجب عليه إخراج الفطرة عنه " وظاهره اعتبار النصف الأخير، والذى يفهم من الانتصار والخلاف والغنية اعتبار طول الشهر، وفي السرائر " ويجب إخراج الفطرة عن الضيف بشرط أن يكون آخر الشهر في ضيافته، فأما إذا أفطر عنده مثلا ثمانية وعشرين يوما ثم انقطع باقي الشهر فلا فطرة على مضيفه، فان لم يفطر عنده إلا في محاق الشهر وآخره بحيث يتناوله اسم الضيف فانه يجب عليه إخراج الفطرة عنه ولو كان أفطاره عنده في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 9 - 3

[ 496 ]

الليلتين الأخيرتين فحسب " وظاهره عدم الاكتفاء بليلة فضلا عن لحظة في صدق الاسم، وظاهر الوسيلة ونهاية الشيخ الاكتفاء بمسمى الافطار عنده في الشهر، وفي محكي المنتهى " اختلف علماؤنا في الضيافة المقتضية لوجوب الفطرة، فقال بعضهم: يشترط ضيافة الشهر كله، وشرط آخرون ضيافة العشر الأواخر، واقتصر آخرون على آخر ليلة من الشهر بحيث يهل الهلال وهو في ضيافته، وهو الأقرب عندي " ونحوه في التذكرة والتحرير وأختار في المختلف قول ابن إدريس، وفي المعتبر " اختلف الأصحاب فشرط بعضهم في الضيافة الشهر كله، وآخرون العشر الأواخر، واقتصر آخرون على آخر جزء من الشهر بحيث يهل الهلال وهو في ضيافته، وهذا هو الأولى " وفي الدروس " ويكفي في الضيف أن يكون عنده في آخر جزء من رمضان متصلا بشوال سمعناه مذاكرة " وفي البيان " وموثق عمر بن يزيد (1) مطلق، فيمكن الاكتفاء بمسمى الضيافة في جزء من الشهر بحيث يدخل شوال وهو عنده كما قال في المعتبر إلا أن مخالفة قدماء الأصحاب مشكل ". قلت: إن كان مبنى هذا الخلاف دعوى توقف صدق العيلولة على ذلك بحيث يندرج في إطلاق اسم العيال فيستدل عليه بتلك النصوص التي علق الحكم فيها عليها فهو واضح الفساد، ضرورة عدم اندراجه في الاطلاق المزبور على جميع الأقوال، وأقصى ما يمكن تسليمه صدق العيال مع التقييد في شهر أو نصفه أو ليلة ونحوها، والأول مدار الحكم لا الثاني، فلا وجه للاستدلال عليه بتلك النصوص حينئذ، بل لا وجه للاستدلال عليه بما في خبر عبد الله بن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) " كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك فعليك أن تؤدي الفطرة عنه " وما في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 - 8 الجواهر - 62

[ 497 ]

آخر (1) " من ضممت اليك " فضلا غيرهما، للعلم بكون المراد منهما من يعولهم تبرعا لا مطلق من يضمه وإن لم يصدق معه اسم العيال، والموثق المزبور وإن أشعر باندراجه في مصداق من يعول به لكن يمكن أن يقال إن الجواب عن الضيف فيه بقول " نعم " ويكون ما بعده كلاما مستأنفا، أو يقال إن المراد منه الاكتفاء بالعيلولة الضيفية لا أن المراد اندراجه تحت الموضوع المزبور، فلا يتعدى حينئذ إلى غيره مما لا يعد ضيفا وإن عاله في تلك الليلة أو أزيد بحيث لا يعد في إطلاق العيال ومن يعول به ونحوه، ولعل منه المدعوين من أهل البلد ونحوهم مما لا يصدق عليهم اسم الضيوف، وإن كان مبنى الخلاف صدق الضيف فلا ريب في الاكتفاء في تحققه بنزوله في آخر جزء من نهار يوم الآخر، ولا يتوقف على آخر ليلة فضلا عن الليلتين والعشر الأواخر والنصف وكل الشهر كما اعترف به ثاني الشهيدين وفخر الاسلام في المحكي من شرح إرشاده وغيره. نعم يعتبر في وجوب الأداء عنه كونه ضيفا عند تعلق الوجوب كغيره ممن تخرج الفطرة عنه من العيال، لأنه زمن الخطاب، فلا يجدي السبق، ولا اللحوق من دون الاتصال المذكور، كما هو واضح، ولا يحتاج للاستدلال عليه بالنبوي (2) " أدوا صدقة الفطرة عمن تمونون " بتقريب أن يقتضي الحال والاستقبال، وتنزيله على الحال أولى، لأنه وقت الوجوب، والحكم المعلق على وصف يتحقق عند حصوله لا مع مضيه ولا مع توقعه، وقد عرفت عدم الحاجة إلى ذلك. كما أنه مما ذكرنا تعرف عدم اعتبار الافطار عند المضيف في الصدق، بل هو كذلك حتى على اعتبار الليلة والليلتين، خلافا للمحكي عن الشيخ وابني إدريس وحمزة من الافطار عنده، وفي الدروس والأقرب أنه لابد من الافطار عنده في شهر رمضان


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 12 (2) سنن البيهقى ج 4 ص 161 مع اختلاف في اللفظ

[ 498 ]

وربما أيد بما يظهر من الموثق المزبور من كون المناط فيه العيلولة المتوقفة على ذلك، وقد تقدم لك ما فيه، ولقد أجاد في المسالك الضيف نزيل الانسان وإن لم يكن قد أكل عنده، لأن ذلك هو المفهوم منه لغة وعرفا، فلا يشترط أن يفطر عنده مجموع الشهر ولا نصفه الثاني ولا العشر الآخر ولا ليلتين من آخره ولا آخر ليلة على الأصح، بل يكفي نزوله عليه قبل دخول شوال وبقاؤه عنده إلى أن يدخل، ويؤيده أن الضيف من ضاف بمعنى مال، فيكفي فيه ميله اليك ونزوله عليك، نعم لا يطلق عرفا إلا على من نزل للأكل، وأما تحقق الأكل فلا مدخل له، وإلا لم يصدق عليه قبله، وبطلانه ظاهر. (و) كيف كان ف‍ (- النية معتبرة في أدائها) كغيرها من العبادات، إذ لا ريب في أنها منها لآية الاخلاص (1) وغيرها، ولا يخفى عليك جريان ما يمكن جريانه مما تقدم من مباحث النية في الزكاة وغيرها، بل (و) لا يخفى عليك أيضا انه (لا يصح إخراجها من الكافر وإن وجبت عليه) كالزكاة المالية والصلاة وغيرها، لما عرفته من أن الايمان شرط في صحة العبادة فضلا عن الاسلام، واحتمال عدم وجوبها باعتبار كونها طهرا وهو ليس من أهلها واضح الفساد، ضرورة إمكان ذلك له بالاسلام والايمان، فعمومات الأدلة حينئذ بحالها (و) قد عرفت أيضا فيما تقدم أنه لا ينافي ذلك أنه (لو أسلم سقطت عنه) كالزكاة المالية وقضاء الصلاة ونحوهما مما يجبه الاسلام مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار (2) بالخصوص هنا، وليس كذلك المخالف هنا، لما سمعته سابقا من النصوص (3) الدالة على إعادته الزكاة لو استبصر كما تقدم الكلام


(1) سورة البينة الآية 4 (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمة العبادات

[ 499 ]

في ذلك مفصلا، والله أعلم. (مسائل ثلاث: الأولى من بلغ قبل) دخول ليلة (الهلال) التي هي غرة الشهر (أو أسلم أو زال جنونه) ولو الادواري أو اغماؤه (أو ملك ما به يصير غنيا وجبت) الفطرة (عليه) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة، مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار، أو خبره (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في المولود ولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر قال: ليس عليهم فطرة، ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر " ضرورة صدق الأدراك على محل الفرض، وخصوص مورده لا يقدح في العموم الشامل لما نحن فيه المستفاد منه عدم الوجوب على من لم يدركه مضافا إلى الأصل، وإدراك الشهر مع عدم الاتصال بليلة الهلال كما لو زال الجنون في أثناء الشهر ثم جن أو صار غنيا ثم افتقر كذلك لا يجدي ضرورة معلومية كون المراد الاجتزاء بادراك الشرائط آخر الشهر، وأنه منتهى تحقق سبب الوجوب، لا أن المراد حصولها آناما في أثناء الشهر وإن زالت، إذ لا فرق حينئذ بين الشهر وبين باقي الأشهر السالفة بعد فرض عدمها حال وقت الوجوب، كما هو واضح، وفي خبره الآخر (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مولود ولد ليلة الفطر عليه فطرة ؟ قال: لا قد خرج الشهر، قال وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة ؟ قال: لا ". (و) على كل حال ف‍ (- لو كان) البلوغ أو الاسلام أو العقل أو الغنى (بعد ذلك (أي بعد دخول الليلة (ما لم يصل العيد استحب) له إخراج الفطرة كما هو المحكي عن الأكثر، للمرسل (3) في التهذيب " ان من ولد له قبل الزوال يخرج عنه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الفطرة الحديث 1 - 2 - 3

[ 500 ]

الفطرة، وكذلك من أسلم قبل الزوال " وخبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عما يجب على الرجل في أهله من صدقة الفطرة قال: تصدق عن جميع من تعول من حر أو عبد صغير أو كبير من أدرك منهم الصلاة " المحمولين على الاستحباب جمعا بينهما وبين ما دل على نفي الوجوب من الأصل والاجماع بقسميه وخبر معاوية بن عمار (2) والمناقشة فيهما بأنهما يدلان على خروج الفطرة عمن يدخل في العيال ما بين الغروب والصلاة أو يسلم كذلك لا على البلوغ والعقل والغنى كذلك يدفعها ظهور النص والفتوى في عدم الفرق بين الأمرين هنا، ولذا كان الجواب في خبر معاوية بن عمار شاملا للحكمين معا. واليه أومأ المصنف بقوله: (وكذا التفصيل) بين ما قبل الهلال وما بعده في الوجوب والندب (لو ملك مملوكا أو ولد له) أو غيرهما مما يدخل في عياله نحو ما سمعته في خبر محمد بن مسلم بلا خلاف أجده سوى ما حكاه في المختلف من ظاهر قوله في المقنع: " وإن ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة، وإن ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذا أذا أسلم الرجل قبل الزوال وبعده " المحمول على الندب بقرينة قوله في الفقيه: " وإن ولد لك مولود يوم الفطر قبل الزوال فادفع عنه الفطرة استحبابا، وإن ولد بعد الزوال فلا فطرة عليه، وكذلك الرجل إذا أسلم قبل الزوال وبعده، وهذا على الاستحباب والأخذ بالأفضل، فأما الواجب فليست الفطرة إلا على من أدرك الشهر " وكيف كان فمراد المصنف وغيره من الصلاة منتهى وقتها وهو الزوال كما نص عليه بعضهم، وأو مأ إليه المرسل (3) بل وخبر محمد بن مسلم (4) بل هو مبنى كلام الصدوق وغيره.


(1) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب زكاة الفطرة الحديث 6. (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2 - 3.

[ 501 ]

بقي شئ وهو ما عساه يقال من أنه قد تحقق الاجماع على الحكم المزبور في الموضوعين، لكن ينافيه ما يحكى عن الشيخين في المقنعة والغربة والنهاية والمبسوط والخلاف والمرتضى في الجمل وسلار وأبي الصلاح وبني الجنيد والبراج وزهرة من أن وقت الاخراج فجر يوم العيد المقتضي لعدم تحقق الوجوب وقبله، إذ لا يعقل وجوب الموقت على التنجيز بحيث يخرج من التركة إن مات مثلا قبل حصول الوقت، إذ التمكن من الامتثال من شرائط الوجوب عقلا، بل يقتضي أيضا تحقق الوجوب على من أحرز الشرائط أو دخل في العيال في الليل قبل الفجر الذي هو أول وقت الاخراج المستلزم لكونه أول وقت الوجوب، مع أن المحكي عن الشيخ التصريح بعدم الوجوب في بعض ذلك، اللهم إلا أن يقال إن ذلك مما يدل على صحة القول الآخر الذي عليه الشيخ في جملة من كتبه وابنا حمزة وإدريس ومعظم المتأخرين من أن وقت الاخراج وقت الوجوب. وهو غروب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان، فيتخرج حينئذ ما سمعته من الأدلة على ما في المقام دليلا على هذا القول كما يحكى عن الفاضلين الاستدلال به، ويدفع ذلك كله ما ستعرفه في محله من أن نزاع معظم هؤلاء في الوجوب، ومنه يعلم ما في دعوى الاجماع عليه هنا من سيد المدارك وغيره، ولو سلم فلا تنافي بين الوجوب هنا بمعنى شغل الذمة وكونه كالدين وبين تأخر الاخراج من المكلف أو غيره ممن يقوم مقامه من وارث أو غيره، ولا نريد بالوجوب بمعنى مباشرة الاداء منه نفسه على كل حال، بل لعل وجوب الزكاة المالية أيضا كذلك، ضرورة عدم اشتراطه بالتمكن من الأداء على معنى أنه لو مات بعد تمام الحول قبل التمكن من الأداء سقط الزكاة، بل هي ثابتة في ماله تخرج منه بعد موته، ولذا قلنا هناك إنه شرط في الضمان لا الوجوب، والله هو العالم. المسألة (الثانية الزوجة والمملوك تجب الزكاة عنهما ولو لم يكونا في عياله إذا لم يعلهما

[ 502 ]

غيره) لاطلاق قول الصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار (1): " الواجب عليك أن تعطي عن نفسك وأبيك وأمك وولدك وامرأتك وخادمك " بل في السرائر " يجب إخراج الفطرة عن الزوجات سواء كن نواشز أو لم يكن، وجبت النفقة عليهن أو لم تجب، دخل بهن أو لم يدخل، دائمات أو منقطعات للاجماع والعموم من غير تفصيل من أحد من أصحابنا " وفي المدارك " قد قطع الأصحاب بوجوب فطرة المملوك على المولى مطلقا " وعن الشيخ التصريح بوجوبها عن العبد الغائب المعلوم حياته كالمصنف في المعتبر مع زيادة الأبق والمرهون والمغصوب محتجا بوجوب نفقته عليه فتجب فطرته عليه، ومقتضاه كون الفطرة تابعة لوجوب الانفاق، ولذا قال في المدارك أنه صرح الأكثر بأن فطرة الزوجة إنما تجب إذا كانت واجبة النفقة دون الناشز والصغيرة وغير المدخول بها إذا كانت غير ممكنة. (وقيل لا تجب) الفطرة عن الزوجة و المملوك فضلا عن غيرهما (إلا مع العيلولة، وفيه تردد) عند المصنف مما تقدم ومما تعرفه، فتكون الأقوال في المسألة حينئذ ثلاثة: الأول الوجوب في الزوجة والمملوك مطلقا، الثاني دوران الحكم على وجوب الانفاق عليهما، الثالث تبعيته للعيلولة وعدمها، وتفصيل الحال أنه لا خلاف ولا إشكال في وجوب إخراج الفطرة عنهما مع العيلولة، وجبت النفقة أو لم تجب، لاستفاضة النصوص في إخراجها عن جميع من تعول، فمع فرض عدم لزوم النفقة يكون كالمعال به تبرعا الذي لا بحث في وجوب إخراج الفطرة عنه، كما أنه لا ينبغي الاشكال في عدم وجوب الفطرة مع عدم لزوم الانفاق لنشوز ونحوه وعدم العيلولة، للأصل السالم عن المعارض والخبر المزبور (2) المشتمل على ما لا يقول به الخصم في الأب والأم والولد والخادم غير المملوك منزل على ما هو الغالب من العيلولة بهؤلاء مع حاجتهم، كما يؤمي إليه ما في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 4

[ 503 ]

صحيح ابن الحجاج (1) السابق " العيال الولد والمملوك والزوجة وأم الولد " ودعواه الاجماع ممنوعة عليه كما صرح به المصنف والفاضل، بل قالا: إنه لم يقل بلك أحد من الأصحاب، بل في المنتهى ولا أحد من الجمهور إلا الشذوذ، ويمكن أن يريد الاجماع على إخراجها عن الزوجة من غير تفصيل وإن كان لا يجديه، إذ المتيقن منه في الجملة لا الاطلاق. أما لو وجبت النفقة ولكن لم يعلها عصيانا فظاهر بعض وصريح آخر الوجوب بل قد عرفت نسبته إلى الأكثر، بل ربما نسب إلى المشهور لكونها عيالا شرعا حينئذ لكن للمناقشة فيه مجال ان لم يثبت الاجماع عليه ضرورة إنصراف غيره من نحو قولهم: " يعول " و " يمون " و " العيال " ونحو ذلك، والاستناد إلى إطلاق الخبر المزبور - مع أنه يقتضي عدم اختصاص الحكم بالزوجة والمملوك، إذ الفرق بينهما وبين غيرهما بأنه قد لا تجب نفقة غيرهما، وأن نفقة الزوجة من الديون لا يجدي، كما هو واضح، والتزامه خلاف ظاهر الأكثر - يدفعه أنك قد عرفت انسياقه إلى ما هو الغالب من العيلولة العرفية، ودعوى شمولها للشرعية واضحة المنع بعد أن لم تكن لها حقيقة شرعية، كدعوى عدم التعارض بين الخبر المزبور ونصوص العيلولة بعد التوافق في الحكم، إذ لا يخفى ملاحظة المفهوم في نصوص العيلولة، خصوصا في صحيح عبد الرحمان بن الحجاج المصرح فيه بالحصر، فلا ريب في التعارض حينئذ، نعم هو من وجه، ولا ريب في أن الترجيح لنصوص العيلولة من وجوه، ودعوى الترجيح للآخر بظاهر فتوى الأصحاب يدفعها أنه لم يتحقق عندنا إلى الآن الشهرة على ذلك فضلا عن الاجماع، خصوصا مع ملاحظة كلامهم في أول المبحث الظاهر في تعليق الحكم على العيلولة، ولعل إطلاقهم في العبد أن فطرته على مولاه مبني على غلبة كونه كلا على مولاه، لأنه إذا أكل من كسبه فهو من مولاه، ضرورة كونه مالا له.


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3

[ 504 ]

ومن ذلك كله يظهر لك ضعف ما يحكى عن المبسوط من إطلاق كون فطرة الأبوين والأجداد والأولاد الكبار عليه مع إعسارهم، وإن احتج له في المختلف بكونهم واجبي النفقة، لكن قد أجاب في رده بأن الفطرة تابعة للنفقة لا لوجوبها، وأضعف من ذلك ما يحكى عنه أيضا من أن نفقة الولد الصغير الموسر في ماله، وفطرته على أبيه، لأنه من عياله، والتحقيق سقوطها عنهما، أما الصغير فلاشتراط البلوغ، وأما الأب فلعدم عيلولته به كما هو الفرض، بل مما ذكرنا يظهر لك الاضطراب في كلام جملة من الاعلام حيث عللوا الحكم تارة بوجوب الانفاق، وأخرى بالعيلولة، فلاحظ وتأمل. هذا كله إذا لم يعلهما غيره، أما إذا عالهما فلا إشكال عندنا في سقوط الفطرة حينئذ عن الزوج والسيد بناء على ما عرفت من دورانها على العيلولة، كما لا إشكال لذلك في وجوبها على العائل مع يساره، لاطلاق ما دل على وجوبها عليه، نعم قد يشكل ذلك بناء على اقتضاء الزوجية والمملوكية وجوب الفطرة، ضرورة تحقق سببي الوجوب فيهما، وعدم الثنى في الصدقة بعد تسليم شموله لما نحن فيه إنما يقتضي عدم الوجوب على كل منهما، فالمتجه حينئذ التوزيع بينهما، أو صيرورته كالواجب الكفائي يسقط بفعل أحدهما، ويأثمان معا بالترك، وكذا الاشكال على تقدير دوران وجوبها على وجوب الانفاق، فانه متحقق في الفرض مع عدم قصد المعيل التبرع عنه في الانفاق فتأمل جيدا، فانه قد يدفع ذلك كله بأن المراد كفاية الزوجية والملك وإن لم يكن عيلولة، لا ان العيلولة إذا تحققت لم تؤثر، بل لا شبهة في أنها أقوى لنطق النصوص فكل من عالهما وجبت عليه صدقتهما، ولو جوزنا الثنى في الصدقة لأوجبناها على العائل والزوج والمولى، لكن ذلك كله كما ترى، ولو كان المعيل معسرا سقط الفطرة عنه وعن الزوج والسيد بناء على ما قلناه، لاعساره وعدم العيلولة منهما لكن الجواهر - 63

[ 505 ]

صرح الشهيدان بوجوبها حينئذ عليهما، وكأنهما بنياه على سببية الزوجية والملكية، فالسقوط من جهة العيلولة لا يقتضي السقوط من جهتهما. المسألة (الثالثة كل من وجبت زكاته على غيره) لضيافة أو عيلولة (سقطت عن نفسه وإن كان لو انفرد وجبت عليه كالضيف الغني والزوجة) وغيرهما بلا خلاف محقق معتد به أجده فيه بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب، بل عن شرح الارشاد لفخر الاسلام الاجماع عليه، نعم في البيان " ظاهر ابن إدريس وجوبها على الضيف والمضيف " والذي فهمه الاصبهاني من عبارته الوجوب على الضيف مع إعسار المضيف، وهو غير ما نحن فيه، فهو غير محقق الخلاف، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، لأنه لا ثنى في صدقة، ولأن ظاهر الأخبار المتضمنة لوجوب الزكاة على المعيل سقوطها عن المعال، خصوصا نحو خبر عبد الله بن سنان (1) عن الصادق عليه السلام " سألته عن صدقة الفطرة قال: عن كل رأس من أهلك الصغير منهم والكبير والحر والمملوك والغني والفقير، كل من ضممت اليك " الحديث، ولغير ذلك، بل الظاهر سقوطها وإن لم يخرجها عنهم كما عن جماعة التصريح به، بل ربما نسب إلى المشهور لتوجه الخطاب إليه دونهم، فما عساه يظهر من الارشاد - من اعتبار الاخراج في السقوط واحتمله في المسالك مع العلم بعدم الاخراج - واضح الضعف، ودعوى ظهور لفظ " عن " في النصوص في النيابة المقتضية بقاء الخطاب على المنوب عنه إذا لم يؤد النائب يدفعها معلومية عدم كون المراد منها ذلك هنا، ولذلك لم يفرق في التعبير بها بين الموسر والمعسر فلا ريب حينئذ في توجه الخطاب إليه دونهم، وعليه يتفرع حرمة إعطائها للهاشمي إذا كان المعيل غير هاشمي وإن كان العيال هاشميين، والجواز مع العكس، وذلك لما عرفت من أنها زكاة المعيل وإن كانت عن العيال، بل لو تكلفوا إخراجها بغير إذنه لم يجز عنه


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 12

[ 506 ]

ولا تكون فطرة، لما عرفت من عدم الخطاب، بل الظاهر ذلك أيضا حتى لو قصدوا التبرع بها عنه كما عن الشيخ في الخلاف التصريح به، بل عن الفاضل في التحرير القطع به لعدم الدليل، والقياس على الدين غير جائز، خصوصا بعد الفارق من اعتبار النية التي لا يتصور وقوعها من غير المخاطب في المقام وعدمه فيه، نعم استشكل فيه في القواعد من الأصالة والتحمل، وفيه أنه لا حاصل له، إذ الوجوب إن كان باقيا فلا تحمل، وإلا فلا وجوب، على أن عمومات الوجوب إن كانت شاملة لم يكن لما ذكره محصل، لثبوت الوجوب عليهما ولا تحمل، وإلا فلا وجوب عليها أصلا، أللهم إلا أن يتكلف ويقال: إن الوجوب على كل منهما يتحقق، فيسقط بفعل كل منهما، لكن على ذلك لا تحمل، كما هو واضح. هذا كله في الاخراج بغير إذنه، أما معها فعن الخلاف أنه لا خلاف في الاجزاء حينئذ، وظاهره في المسالك كونه مفروغا منه، ولعله لكونه حينئذ بمنزلة المخرج، كما إذا أمر بأداء الدين والعتق، وقد يشكل بأنه عبادة فلا يصح من غير من وجبت عليه والوكالة إنما صحت للدليل الذي صير فعل الغير ونيته فعل الموكل ونيته مع أنها من مال الموكل، أللهم إلا أن يقال: إن الاستئذان يتضمن التمليك، فيكون الاخراج حينئذ من ماله، لكنه كما ترى، ومن ذلك تعرف أنه لا فرق في الاشكال بين الاذن وعدمها، حتى أن ما سمعته من العلامة من الاشكال في الثاني للاشكال في الأصالة والتحمل بعينه جار في الاذن، لأنها إن كانت واجبة عليه أصالة لم يكف الاذن إلا إذا انضم إليها الوكالة، بل وكون الاخراج من ماله، إلا أن يقال: إن الاذن توكيل، أو المراد به المقرون به، أو الاستئذان تمليك، أو يثبت الاجماع عليه مؤيدا بقول الصادق عليه السلام في خبر جميل (1): " لا بأس بأن يعطي الرجل عن عياله وهم غيب عنه، ويأمرهم


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1

[ 507 ]

فيعطون عنه وهو غائب " إن لم نقل إن الظاهر منه أمر العيال بالاخراج من مال المعيل لكن الانصاف أن ذلك كله بعد الاغضاء عما قدمناه في الزكاة المالية من جواز التبرع، الصحيح منصور (1) الوارد في أداء المقرض الزكاة عما أقرضه، وإلا كانت الصحة متجهة مع عدم الاذن فضلا عنها بناء على أولوية المقام منها، ضرورة شدة شبهها في الدين منها، بل قد سمعت سابقا احتمال جريان الفضولي فيها، فلاحظ وتأمل، وليس ذا من القياس كما في المدارك بل من تنقيح المساواة أو الأولوية، فتأمل جيدا. هذا كله مع يسار المعيل، أما مع إعساره وإعسار المعال فلا خلاف ولا إشكال في سقوطها عنهما، فان كان المعال موسرا فقد قطع الحلي بالوجوب عليه وقواه في المعتبر لاطلاق الأدلة، خلافا لمحكي المبسوط والخلاف وإيضاح الفخر فلا وجوب للأصل المنقطع بما عرفت، واضطرب كلام العلامة في المختلف، فتارة فصل بين إعسار الزوج مثلا إلى حد يسقط نفقة الزوجة بأن لا يفضل معه شئ ألبتة، وبين ما لم ينته الحال إلى ذلك بأن كان الزوج ينفق عليها مع إعساره، فان كان الأول فالحق ما قاله ابن إدريس، لعموم الأدلة المقتصر في تخصيصه على زوجة الموسر لمكان العيلولة، وإن كان الثاني فالحق ما قاله الشيخ، لأنها في عيلولة الزوج، فسقطت فطرتها عن نفسها وعن زوجها لفقره، وفيه أن العموم المزبور شامل لها أيضا، ومجرد الانفاق لا يصلح للتخصيص، على أن الأول كأنه ليس محلا للبحث، وأن موضع الاشكال ما إذا تكلف الزوج المعسر إعالة الزوجة الموسرة، فلو أعالت نفسها وجب عليها الفطرة بغير إشكال، وأخرى قال: " التحقيق أن الفطرة إن كانت بالأصالة على الزوج سقطت لا عساره عنه وعنها، وإن كانت بالأصالة على الزوجة وإنما يتحملها الزوج سقطت عنه لفقره ووجبت عليها، عملا بالأصل " وفيه أن ظاهر الأخبار وكلام الأصحاب وإن اقتضى وجوب الفطرة بالأصالة على الزوج


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب من تجب عليه الزكاة - الحديث 2

[ 508 ]

مع يساره إلا أن ذلك لا يقتضي سقوطها عن الزوجة الموسرة مع إعساره، فلا ريب بعد ذلك كله في قوة القول الأول، نعم يبقى شئ، وهو أن لو تكلف المعيل المعسر الاخراج امتثالا للأمر الندبي يسقط الوجوب عن الموسر من العيال، لعدم الثنى في الصدقة، وظهور النصوص في اتحاد الفطرة، وأنها إذا أخرجها المعيل لم يبق خطاب للمعال، لكن في البيان أنه لمانع أن يمنع الندب في هذا، وإنما المنصوص استحباب إخراجها للفقير عن نفسه وعياله، والمفهوم من عياله الفقراء، سلمنا لكن الندب قاصر عن الوجوب في المصلحة الراجحة، فلا يساويه في الاجزاء، وهو غير خال من الوجه والله أعلم. (فروع: الأول إذا كان له مملوك غائب يعرف حياته فان كان يعول نفسه) باذن سيده (أو في عيال مولاه وجبت على المولى) لاندراجه حينئذ في إطلاق الأدلة، إذ عيلولته لنفسه مرجعها للمولى (وإن عاله غيره وجبت على العائل) إن كان موسرا إجماعا بقسميه عليه، وسقطت حينئذ عن السيد لما عرفت، بل منه يعلم سقوطها عنه وإن كان معسرا، لعدم العيلولة به عرفا، وعن المعيل لاعساره، وقد تقدم الكلام فيه سابقا، أما إذا كان عيلولته لنفسه بغير إذن سيده فظاهر إطلاق المتن وغيره أنه على المولى أيضا، لكن أشكله في المدارك بعدم صدق العيلولة حينئذ، وفيه أن التحقيق عدم تبعية صدقها وعدمه للاذن وعدمه، فرب مأذون ليس عيالا عرفا، ورب غير مأذون هو عيال كذلك، فالأولى جعلها أي العيلولة مناطا للحكم كما تقدم سابقا، ومن ذلك يعلم ما في كلام المصنف في المعتبر حيث قال فيه: " تجب الفطرة عن العبد الغائب الذي يعلم حياته والآبق والمرهون والمغصوب، وبه قال الشافعي وكثير من أهل العلم وقال أبو حنيفة: لا يلزمه زكاته لسقوط نفقته كما تسقط عن الناشز، لنا أن الفطرة تجب على من يجب أن يعوله، وبالرق تلزم العيلولة " وحجته ضعيفة، لأنا لا نسلم أن

[ 509 ]

نفقته على غير المالك مع الغيبة وإن اكتفى بغير المالك، كما لو كان حاضرا واستغنى بكسبه، ولقد أجاد رده في المدارك بأن مقتضى الروايات أن الفطرة تابعة للعيلولة نفسها لا لوجوبها، ودعوى أن الاجماع على عدم اعتبارها بالنسبة إلى المملوك واضحة المنع، بل ظاهر عبارة المصنف السابقة في المسألة الثانية تحقق الخلاف في ذلك، وأنه كالزوجة في اعتبار العيلولة عند بعض، وقد تردد هو فيه، بل عن المبسوط التصريح بأنه لا يجب فطرة العبد المغصوب على الغاصب، ولا على المولى إلا أنه استدل للسقوط عن الثاني بعدم التمكن، ويمكن أن يكون مراده الخروج عن العيلولة بذلك عرفا. ومن هنا يتجه سقوطها عن العبد الغائب غيبة منقطعة وفاقا لصريح سيد المدارك وظاهر غيره، لعدم صدق العيلولة، واستصحاب بقائه حتى جاز عتقه عن الكفارة للاجماع المحكي وصحيح الجعفري (1) لا يستلزم صدقها، بل قد عرفت عدم صدقها في بعض الأحيان حتى مع عدم الانقطاع فضلا عنه، ولعله هو الذي إليه أشار المصنف بالتقييد بمعرفة الحياة، لكن ذكر غير واحد أن للأصحاب في غير معروف الحياة قولين: أحدهما عدم الوجوب على المولى، وهو المحكي عن الشيخ في الخلاف والفاضلين في المعتبر والمنتهى محتجين عليه بأنه لا يعلم أن له مملوكا، فلا تجب عليه زكاته، وبأن الايجاب شغل للذمة فيقف على ثبوت المقتضي، وهو الحياة، وهي غير معلومة، وبأن الأصل عصمة مال الغير فيقف انتزاعه على العلم بالسبب، ولم يعلم، وثانيهما الوجوب، وهو المحكي عن ابن إدريس محتجا بأصالة البقاء، ولذا صح عتقه عن الكفارة، وأورد عليه بأن أصالة البقاء معارضة بأصالة براءة الذمة، وبالمنع من إجزائه في الكفارة، ومع التسليم يمكن الفرق بأن العتق إسقاط ما في الذمة من حقوق، وهي مبنية على التخفيف بخلاف الفطرة التي هي إيجاب مال على المكلف لم يثبت سبب وجوبه، لكن لا يخفى عليك


(1) الوسائل - الباب - 48 - من كتاب العتق - الحديث 1

[ 510 ]

ما في الجميع بناء على ما ذكرنا من بناء الأمر على العيلولة وعدمها، كما أنه لا يخفى عليك قوة ما قاله ابن إدريس بناء على أن السبب في وجوبها الملكية لا العيلولة، ضرورة عدم صلاحية معارضة أصالة البراءة لاستصحاب بقائه، ولا ينافيه عدم العلم بأن له مملوكا، وإنما ينافيه العلم بالعدم، فالمقتضي للشغل متحقق شرعا، وكذا العلم بالسبب، كما هو واضح. بل من ذلك يعلم ما في كلام سيد المدارك فانه وإن اعترف بعدم تحرير محل الخلاف في كلامهم لكن قال: إن كان المملوك الذي انقطع خبره كما ذكره الشهيد في البيان اتجه القول بعدم لزوم فطرته، للشك في السبب وإن جاز عتقه في الكفارة للدليل، وإن كان مطلق المملوك الذي لا يعلم حياته فينبغي القطع بالوجوب مع تحقق العيلولة إذا لم ينقطع خبره وإن لم تكن حياته معلومة ولا مظنونة كما في الولد الغائب وغيره، إذ لو كان العلم بالحياة معتبرا لم يجب إخراج الفطرة عن غائب، وهو معلوم البطلان، ويدل على الوجوب مضافا إلى العمومات ما رواه الكليني في الصحيح عن جميل بن دراج (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " لا بأس أن يعطي الرجل عن عياله وهم غيب عنه ويأمرهم فيعطون عنه وهو غائب " وفيه ما لا يخفى عليك من أنه ينبغي القطع بذلك في الأول أيضا بناء على أن السبب الملك كما عرفته سابقا، والله أعلم. الفرع (الثاني إذا كان العبد بين شريكين فالزكاة عليهما) مع عيلولتهما به، لفحوي مكاتبة محمد بن القاسم بن الفضيل البصري (2) المتقدمة في أول الباب، وإطلاق الأدلة المعلوم عدم الفرق فيها بين اتحاد المعيل وتعدده، ولا بين كون المعال إنسانا أو بعض إنسان ودعوى أن المنساق منها خلاف ذلك - خصوصا بعد اشتمال بعضها بعد


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3

[ 511 ]

بيان وجوبها عن كل العيال على بيان قدرها، وهو الصاع عن كل رأس - يدفعها أنه انسياق أظهرية، فلا ينافي الحجية في غيره، سيما بعد فهم الأصحاب وعدم معروفية الخلاف بينهم في ذلك في المقام وفي المكاتب الذي تحرر جزء منه ونحو ذلك، نعم عن ابن بابويه منهم خاصة عدم وجوب الفطرة على الموالي إلا أن يكمل لكل واحد منهم رأس تام، لخبر زرارة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " قلت له: عبد بين قوم عليهم فيه زكاة الفطرة قال: إذا كان لكل إنسان رأس فعليه أن يؤدي عنه فطرته وإن كان عدة العبيد وعدة الموالي سواء أدوا زكاتهم كل واحد على قدر حصته، وإن كان لكل إنسان منهم أقل من رأس فلا شئ " ومال إليه بعض متأخري المتأخرين، حيث قال: " وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند إلا أنه لا يبعد المصير إلى ما تضمنته لمطابقتها لمقتضى الأصل، وسلامتها عن المعارض " وفيه أنه يعارضها إطلاق الادلة أو عمومها، مضافا إلى المكاتبة السابقة، فلا يجدي بعد ضعف سندها مطابقتها للأصل المقطوع بذلك الذي لا ريب في عدم الفرق فيه بين اتحاد المعيل وتعدده، وما نحن فيه من ذلك، ولئن كان شك في الشمول فهو في نحو المكاتب الذي تحرر منه شئ باعتبار ظهور الأدلة في كون المعال إنسانا تاما لا نصف إنسان مثلا، وما نحن فيه من الأول لا الثاني، لكن المتجه حينئذ بناء عليه سقوطها رأسا مع إعسار أحدهما، لعدم صدق إيسار المعيل الذي هو عبارة عن مجموعهما لا كل واحد منهما، نعم لو كان بناء المسألة على صدق العيلولة على كل منهما باعتبار عيلولة النصف مثلا اتجه حينئذ سقوط نصفها عن المعسر منهما ولزوم النصف الآخر على الآخر، ولعل ذلك أقرب إلى كلام الأصحاب من سابقه خصوصا مع ملاحظة كلامهم في المكاتب الذي تحرر جزء منه، وربما يقوى التعميم في الأمرين، كما أنه يقوى فخصوص العبد دون غيره ملاحظة الاكتفاء بعيلولة


(1) الوسائل - الباب - 18 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1

[ 512 ]

البعض، وحينئذ فلا يقدح إعسار أحدهما في الوجوب على الآخر الموسر في حصته، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال (فان عاله أحدهما) تبرعا وكان موسرا (فالزكاة على العائل) دون الآخر، وإن كان معسرا دونه ففيه البحث السابق، نعم ينبغي أن يعلم أن مراد المصنف بالعائل ما ذكرنا من المتبرع بالنفقة على وجه يعد من عياله، لا ما إذا تهايوا فيه واتفق وقت الوجوب في نوبة أحدهم، فان ذلك لا يقتضي اختصاصه بوجوب الفطرة، ضرورة عدم صدق إطلاق أنه من عياله وإن صدق عليه أنه منهم مقيدا بذلك الوقت، والمدار على الأول لا مطلق العيال ولو بالتقييد، فتأمل جيدا فانه نافع في كثير من الأفراد التي يتوهم فيها ذلك، وقد أومأنا إليه سابقا في الضيف، وقلنا: إنه ليس من أفراد إطلاق العيال، فلا تشمله تلك الأدلة قطعا، وإن كان قد يوهمه الخبر الوارد فيه كما أنه ينبغي أن يعلم عدم اعتبار اتحاد الجنس في المخرج وإن اتفق نوبتهم كما صرح به بعضهم، لاطلاق الأدلة، نعم في المسالك الأولى اتفاقهم في جنس المخرج، ليصدق إخراج الصاع، والله أعلم. الفرع (الثالث ما مات المولى) أو غيره من العائلين (وعليه دين فان كان بعد الهلال وجبت) عليه (زكاة مملوكه) أو غيره من عياله (في ماله) سواء قلنا بأن وقت الأداء الفجر أو أول الليل، ومن هنا لم يعتبر في الوجوب مضي زمان يمكن فيه الأداء، لأنها بعد حصول السبب وهو الهلال دين في الذمة كغيرها من الديون، فلا تقدم عليه، ولا يقدم عليها، بخلاف زكاة المال الباقية فيه بعد الموت، فانها تقدم على الديون باعتبار كونها في العين، كما تقدم سابقا. (و) حينئذ ف‍ (- ان ضافت التركة) ولو لتلف بعضها في الأثناء (قسمت على الجواهر - 64

[ 513 ]

الدين والفطرة بالحصص) على نحو الديون بلا خلاف ولا إشكال، ولا فرق بين المملوك وغيره في ذلك، وإنما خصه بالذكر تنبيها على عدم تعلقها برقبته، أو ليفرع عليه ما بعده من قوله: (وإن مات قبل الهلال لم تجب) الزكاة (على أحد إلا بتقدير أن يعوله) بناء على بقاء التركة على حكم مال الميت مع الدين المستوعب مع فرض البحث فيه أو مطلق الدين، أما على القول بانتقالها إلى الوارث فالمتجه وجوب زكاته مع صدق العيلولة بناء على أنها المعتبرة في سبب الوجوب، وإلا وجبت مطلقا، لتحقق الملك حينئذ، وذلك كله واضح مما تقدم سابقا. الفرع (الرابع إذا أوصي له بعبد) وكان الثلث يسع ذلك (ثم مات الموصي فان قبل) الموصى له (الوصية قبل الهلال وجبت) الفطرة (عليه) لصيرورته حينئذ ملكه، فيكون فطرته عليه بناء على أنه السبب فيها، وإلا اعتبر صدق العيلولة مع ذلك (وإن قبل بعده سقطت) عنه، لكون الملك حينئذ بعد حصول سبب الوجوب، فتسقط الفطرة حينئذ، نعم لو قلنا: إن القبول كاشف عن الملك من حين الموت اتجه الوجوب حينئذ عليه، مع احتمال العدم، لاستحالة تكليف الغافل، ولعدم صدق العيلولة به، وفي المسالك أن الأصح الأول، لما سيأتي إن شاء الله من أن القبول كاشف، وعدم علمه حين الوجوب لا يقدح، لأنه إنما يخاطب حال العلم، كما لو ولد له ولد ولم يعلم به حتى دخل شوال، وهو جيد بناء على ذلك لكن مع صدق العيلولة به عرفا (و) على تقدير النقل (قيل تجب) الفطرة حينئذ (على الوارث) لأن التركة إلى حال القبول ملك له، فتكون الفطرة حينئذ عليه، بل في المسالك احتماله مع الكشف أيضا باعتبار كونه مالكا ظاهرا، ومن الممكن رد الموصى له الوصية، وفيه أن المتجه السقوط عن الوارث على الاحتمالين كما عن الشيخ الجزم به في الخلاف والمبسوط بناء على بقاء المال الموصى به وصية نافذة على حكم مال الميت، ومن هنا قال المصنف: (وفيه تردد) وقد

[ 514 ]

أشحنا البحث في ذلك وفي حكم المنجزات في كتاب الحجر، فلاحظ وتأمل. (ولو وهب له) عبد قبل الهلال وقبل (ولم يقبض لم تجب الزكاة على الموهوب له) بناء على أن القبض شرط في الصحة، إذ لا ملك حينئذ ولا عيلولة، بل تبقى الزكاة على الواهب مع حياته (ولو مات الواهب كانت على الورثة) لانتقال المال إليهم حينئذ وبطلان الهبة (وقيل) والقائل الشيخ: (لو قبل) الموهوب له (ومات ثم قبض الورثة) أي ورثة الموهوب له (قبل الهلال وجبت عليهم) بناء على عدم اعتبار القبض من الموهوب له في الصحة، فلا تبطل الهبة حينئذ بالموت قبله (وفيه تردد) تعرفه إن شاء الله في محله، ومن التأمل فيما ذكرنا يظهر لك الحال في المبيع بالخيار في الثلاثة وغيرها وفي الفضولي على النقل والكشف وفي غير ذلك، بل لا يخفى عليك جريان البحث بناء على العيلولة أو على الملك والزوجية حتى في المطلقة الرجعية التي هي يحكم الزوجة، أما البائن فلا ريب في عدم وجوب فطرتها إذا لم تكن حاملا، فان كانت حاملا ففي البيان " وجبت فطرتها عليه سواء قلنا: النفقة للحمل أو الحامل، قال: وبناها الفاضل على المذهبين فأسقطها إن قلنا بأنها للحمل، إذ لا فطرة له، قلنا: الانفاق في الحقيقة على الحامل وإن كان لأجل الحمل " قلت: قد عرفت أن المدار على صدق العيلولة، والله أعلم. الركن (الثاني) من أركان زكاة الفطرة (في جنسها وقدرها، والضابط) في الأول (إخراج ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما والتمر والزبيب والأرز) منزوع القشر الأعلى (واللبن) كما هو المحكي عن أبي الصلاح وابني الجنيد وزهرة والفاضل، بل في محكي منتهى الأخير منهما " الجنس ما كان قوتا غالبا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب (والأقط) واللبن، ذهب إليه علماؤنا أجمع " ونحوه عن المعتبر إلا أنهما اختارا بعد ذلك ما ذهب إليه الشيخ من عدم إجزاء الدقيق والسويق والخبز على

[ 515 ]

أنها أصول معللين ذلك بأن النص على الأجناس المذكوررة، فيجب الاقتصار عليها أو على قيمتها، وهو ظاهر في الحصر فيها، كما هو ظاهر اللمعة والشيخين في كتبهما، قال المفيد في المقنعة: " وهي فضلة أقوات أهل الأمصار على اختلاف أقواتهم من التمر والزبيب والحنطة والشعير والأرز والأقط واللبن، أهل كل مصر فطرتهم من قوتهم " وفي محكي المبسوط والفطرة يجب صاع وزنه تسعة أرطال بالعراقي وستة أرطال بالمدني من التمر أو الزبيب أو الحنطة أو الشعير أو الأرز أو الأقط أو اللبن، قال: " والأصل في ذلك أنه فضلة أقوات البلد الغالب على قوتهم " ثم ذكر اختصاص أهل كل ناحية بشئ منها. قال: " وإن أخرج واحد من هؤلاء من غير ما قلناه كان جائزا إذا كان من أحد الأجناس التي قدمنا ذكرها، فتأمل " وكذلك اقتصر في المحكي من جميع كتبه على وجه يظهر منه الحصر، وقال في الخلاف: " يجوز إخراج صاع من الأجناس السبعة - إلى أن قال - دليلنا إجماع الفرقة، وأيضا فالأجناس التي اعتبرناها لا خلاف أنها تجزي، وما عداها ليس على جوازها دليل " وهو صريح في الحصر، وعن سلار وابني حمزة وإدريس موافقتهما على ذلك، بل في الدروس نسبته إلى أكثر الأصحاب. وحينئذ تكون هي المرادة من الضابط المزبور، لا أنها مذكورة من باب المثال، كما أن المراد من الغلبة في القوت بالنسبة إلى غالب نوع الانسان، ويؤيده أنها جملة ما اشتملت عليه الأخبار نصا، وما اشتمل منها (1) على غيرها من الذرة والعدس والسلت ونحوها فقد نص في صحيح محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) على أنها لمن لا يجد الحنطة والشعير، ولا يقدح ضعف السند في بعضها بعد انجباره بما عرفت، وما في المدارك من الاقتصار على ما في الصحيح منها فحصرها في الحنطة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 0 - 13

[ 516 ]

والشعير والتمر والزبيب واللبن - مع انه كان عليه زيادة الذرة، لاشتمال صحيح الحذاء (1) عليها - لم نعرفه قولا لأحد، نعم يحكى عن الصدوقين وابن أبي عقيل الاقتصار على الأربعة الأول، وهو مشعر بالحصر فيها، ولعله لا يريدونه، مع أنك قد عرفت دعوى الاجماع من الشيخ والفاضل وغيرهما على خلافه، فلا ريب حينئذ في ضعفهما، بل وضعف القول بالحصر في السبعة فضلا عنهما. والأقوى كون المدار على الغلبة في القوت لغالب الناس كالأجناس الأربعة الزكوية، أو القطر أو البلد كغيرها، لمرسل يونس (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قلت: جعلت فداك على أهل البوادي الفطرة قال: فقال: الفطرة علي كل من اقتات قوتا فعليه أو يؤدى من ذلك القوت " وخبر زرارة وابن مسكان (3) عنه عليه السلام ايضا " الفطرة على كل قوم مما يغذون عيالاتهم من لبن أو زبيب أو غيره " وخبر ابراهيم ابن محمد الهمداني (4) " اختلفت الروايات في الفطرة فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) أسأله عن ذلك فكتب أن الفطرة صاع من قوت بلدك، على أهل مكة واليمن والطائف وأطراف الشام واليمامة والبحرين والعراقين وفارس والأهواز وكرمان تمر، وعلى أوساط الشام زبيب، وعلى أهل الجزيرة والموصل والجبال كلها بر أو شعير، وعلى أهل طبرستان الأرز، وعلى أهل خراسان البر إلا أهل مرو والري فعليهم الزبيب، وعلى أهل مصر البر، ومن سوى ذلك فعليهم ما غلب قوتهم، ومن سكن البوادي من الأعراب فعليهم الأقط " بل فيما في ذيله من الاجتزاء بالأقط وهو لبن جاف مستحجر غير منزوع الزبد من الايماء إلى ما ذكرنا ما لا يخفي كنصوص اللبن، ضرورة عدم كونهما من الأوقات الغالبة لغالب الناس، وإنما هما لبعضهم، وفي


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 10 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 4 - 1 - 2

[ 517 ]

خبر حماد ويزيد ومحمد بن مسلم (1) عن الصادقين (عليهما السلام) " سألناهما عن زكاة الفطرة، قالا: صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو نصف ذلك كله حنطة أو دقيق أو سويق أو ذرة أو سلت " وفي صحيح الحذاء (2) عن الصادق (عليه السلام) " صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرة ". هذا كله مضافا إلى ما في تكليف الانسان من شراء غير قوته وصرفه إلى الفقراء من الحرج والمشقة والضرر المنفية بالآية (3) والرواية (4) وإلى ما في اختلاف نصوص المقام بالزيادة والنقصان من الايماء إلى ما ذكرنا من أن الضابط ذلك، وأنها أمثله، فنقص في صحيح صفوان (5) الشعير، وفي صحيح عبد الله بن ميمون (6) البر وزيد الأقط، واقتصر في صحيح معاوية (7) على التمر والزبيب والشعير وترك الحنطة وغيرها، وفي صحيح الحلبي (8) " صاع من تمر أو نصف صاع من بر " وفي صحيح عبد الله ابن سنان (9) " صاع من حنطة أو صاع من شعير " وقد سمعت صحيح الحذاء، إلى غير ذلك من النصوص المبنية على ما ذكرنا، وأن الاقتصار في كثير منها على السبعة أو بعضها لغلبة التقوت به. ولعل ما ذكرنا هو مراد المنتهى والمعتبر وغيرهما ممن عرفت بقرينة ذكرهم الضابط المزبور، ولا ينافيه ما ذكراه في الدقيق والخبز، لا حتمال كون المراد اعتبار الأسماء الواردة في النصوص، فيكون الحاصل حينئذ اعتبار الصاع من القوت الغالب حنطة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 17 - 10 (3) سورة الحج - الآية 77 وسورة البقرة - الآية 181 (4) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 3 و 4 و 5 (5) و (6) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 - 11 (7) و (8) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 8 - 12 (9) الاستبصار ج 2 ص 47 - الرقم 155

[ 518 ]

أو شعيرا أو نحوهما، فلا يجزي الدقيق والخبز ولا غيرهما من الفروع وغيرها مما لا يندرج تحت الاسم كالرطب والعنب ونحوهما إلا على جهه القيمة. بل الظاهر انسياق الصحيح منها، فلا يجزي المعيب كما نص عليه في الدروس، بل ولا الممزوج بما لا يتسامح فيه إلا على جهة القيمة، لفقد الاسم المتوقف عليه الامتثال أو المنساق منه عند الاطلاق، خصوصا مع ملاحظة عدم إجزاء ذات العوار والمريضة في الزكاة المالية وإن كان هو من القوت الغالب، اللهم إلا أن يفهم الأولوية، وأن المراد اليسر على المالك بعدم تكليفه الطحن ونحوه، وهو غير بعيد، خصوصا مع ملاحظة الخبر المزبور الظاهر في الاجزاء أصالة لا قيمة، ولعله لذا جزم المصنف هنا باجزائهما، وفي خبر عمر بن يزيد (1) عن الصادق (عليه السلام) " سألته يعطى الفطرة دقيقا مكان الحنطة قال: لا بأس، بكون أجرة طحنه بقدر ما بين الحنطة والدقيق " ولعل مراد السائل إعطاء الدقيق أعني الذي يحصل من صاع من الحنطة بعد وضع أجرة الطحن منها كما يستفاد من الجواب، وعلى كل حال فهو خارج عما نحن فيه من إجزاء القوت الغالب في نفسه وإن لم يكن قوتا للمخرج وفي خصوص قطر المخرج أو بلده، وعدم اجزاء غير الغالب في شئ من الأحوال الثلاثة، لكن الاحتياط في الاقتصار على السبعة بل الخمسة بل الأربعة لا ينبغي تركة. (و) كيف كان فيجزبه (من غير ذلك) أن (يخرج بالقيمة السوقية) مع التمكن من الأنواع بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه فوق الاستفاضة كالنصوص، قال محمد بن إسماعيل بن بزيع (2): " بعثت إلى الرضا (عليه السلام) بدراهم لي ولغيري وكتبت له أنها من فطرة العيال فكتب بخطه قبضت وقبلت " وقال أيوب بن نوح (3) " كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أن قوما


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 5 - 1 - 3

[ 519 ]

يسألوني عن الفطرة ويسألوني أن أحمل قيمتها اليك، وقد بعثت اليك العام عن كل رأس من عيالي بدرهم على قيمة كل تسعة أرطال بدرهم، فرأيك جعلني الله فداك في ذلك، فكتب (عليه السلام) الفطرة قد كثر السؤال عنها، وأنا أكره كل ما أدي إلى الشهرة. فاقطعوا ذكر ذلك، واقبض ممن دفع لها وأمسك عمن لم يدفع " وقال إسحاق بن عمار (1): " قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك ما تقول في الفطرة أيجوز أن أؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميتها ؟ قال: نعم، إن ذلك أنفع له يشتري ما يريد " وعنه أيضا في موثقه الآخر (2) " لا بأس بالقيمة في الفطرة ". بل ربما استفيد من الأخير إخراج القيمة من الدراهم وغيرها، بل عن مبسوط الشيخ التصريح بهذا التعميم، فقال: " يجوز إخراج القيمة عن أحد الأجناس التي قدرناها سواء كان الثمن سلعة أو حبا أو خبزا أو ثيابا أو دراهم أو شيئا له ثمن بقيمة الوقت " وأشكله في المدارك بقصور الرواية المطلقة من حيث السند عن إثبات ذلك، واختصاص الأخبار السليمة باخراج القيمة من الدراهم، وفيه ما تبين في الأصول من حجية الموثق، نعم قد يشكل بانصراف خصوص النقدين من القيمة، بل الظاهر المسكوك منهما، لكن قد تقدم في الزكاة المالية ما يستفاد منه قوة التعميم المزبور هنا، ضرورة أولويته منها أو مساواته، فلاحظ وتأمل، بل ربما ظهر من خلاف الشيخ وغيره كون المسألتين من باب واحد، فيكون حينئذ ذلك من معقد إجماعه كما هو ظاهر غيره، بل لم يظهر الخلاف إلا من ظاهر مقنعة المفيد. ولعله لا يريده، والاقتصار في النصوص على الدراهم لغلبتها في ذلك الزمان، وإلا فلا ريب في إجزاء الدنانير وغيرها من النقد المسكوك، والظاهر خروج ما يكون كالصلح مع الحاكم الذي هو ولي الفقراء عن البحث، كخروج المدفوع إلى الفقير بثمن من النقد ثم يحتسب ذلك فطرة عنه أيضا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 6 - 9

[ 520 ]

بل قد يقال باجزاء المدفوع إلى الفقير على جهة الوفاء عن الفطرة على حسب دفع المديون بالنقد مثلا للديان من غيره مع الرضا به، بناء على كون الوفاء فيه باثبات قيمة المدفوع في ذمة المدفوع إليه على وجه يقع التهاتر قهرا، إذا الفطرة من جملة الديون للفقراء الذين جعل الشارع قبض واحد منهم كافيا في الاجزاء، لكنه لا يخلو من نظر أو منع، والاحتياط لا ينبغي تركه. ثم على الجواز لو أخرج نصف صاع أعلى قيمة يساوي صاعا أدون قيمة منها أو من غيرها فالأصح عدم الأجزاء، وفاقا للبيان والمدارك، لظهور كون قيمة الأصول من غيرها، خصوصا وليس في الأدلة التخيير بين الصاع من كل نوع وقيمته حتى يدعى ظهوره في تناول القيمة للنوع الآخر، وإنما الموجود فيها ما عرفت مما هو ظاهر فيما ذكرنا، وربما يؤيد ذلك ما تسمعه من النصوص (1) الآتية المشتملة على إنكار ما وقع في زمن عثمان ومعاوية من الاجتزاء بنصف صاع من حنطة باعتبار غلو سعرها كما ستعرف، وليس ذلك مبنيا على الاجتزاء به أصلا، ضرورة عدم وجوب نية ذلك وظهور تلك النصوص في غيره، نعم لو باعه من الفقير مثلا بثمن أراد احتسابه قيمة صاع من الأدون لم يكن في ذلك بأس، وحينئذ فقد ظهر لك أن ما في المختلف من الاجتزاء بالنصف المزبور عن الصاع من الأدون لا يخلو من نظر، وقد تقدم نظير ذلك في الزكاة المالية، ولا فرق فيما ذكرنا بين صاع نفسه وصاع من يعوله للاتحاد في المدارك قيل وربما يوجد الفرق في بعض القيود، وليس بشئ، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- الا فضل إخراج التمر) عند الأكثر، لقول الصادق عليه السلام (2)


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 8 الجواهر - 65

[ 521 ]

" التمر في الفطرة أفضل من غيره، لانه أسرع منفعة، وذلك انه إذا وقع في يد صاحبه أكل منه " وقوله (عليه السلام) أيضا في خبر زيد الشحام (1) " لئن أعطي صاعا من تمر أحب الي من أن أعطي صاعا من ذهب في الفطرة " وسأله أيضا عبد الله ابن سنان (2) عن صدقة الفطرة فقال: " عن كل رأس من أهلك الصغير والكبير الحر والمملوك عن كل إنسان صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر أو زبيب، وقال التمر أحب إلي " لكن قد يقال إن مقتضى التعليل مساواة الزبيب للتمر، ولعله لذا حكي عن ابن البراج ذلك، وفيه أن اختصاص التمر بما سمعت من النصوص كاف في زيادة فضيلته. ومن هنا قال المصنف: (ثم الزبيب) وإن ساواه في التعليل المزبور، وفي كونه قوتا وإداما (ويليه) أي الزبيب (أن يخرج كل انسان ما يغلب على قوته) لمكاتبة الهمداني (3) العسكري (عليه السلام) المتقدمة سابقا المحمولة على الندب قطعا وإجماعا محكيا ومحصلا، بل لها قال في الخلاف المستحب ذلك، وظاهره عدم خصوصية للتمر، ووافقه عليه بعض من تأخر عنه، بل هو محتمل المعتبر ومحكي المبسوط والاقتصاد، لكن فيه أن أقصاها استحباب الغالب على قوت البلد، وهو لا ينافى أفضلية التمر لخصوصية فيه، نعم في ظاهرة في مراعاة قوت البلد لا قوت الانسان نفسه الذي لا طريق إلى تعيينه، كما هو المحكي عن الشافعي في أحد قوليه، بل ربما استظهر ذلك من المصنف هنا والتذكرة والارشاد واللمعة، ويمكن إرادة قوت البلد منها كما وقع لأبن


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 6 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 12 وذيله في الباب 10 منها - الحديث 5. (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2

[ 522 ]

إدريس، وإن فهم منه في المختلف خلاف ذلك، فلا خلاف حينئذ بينها وبين ما في النافع والبيان من اعتبار البلد فضلا عما في القواعد والتبصرة والدروس من التعبير بغالب القوت، ضرورة كونه أولى بالرجوع إلى قوت البلد، بل في الخلاف الاستدلال على الشافعي باجماع الفرقة على الرواية المروية (1) عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) في تصنيف أهل الأمصار وما يخرجه أهل كل مصر وبلد، وبذلك تتفق عبارات الأصحاب، بل والنصوص بناء على كون المراد من قوله (عليه السلام) (2) " مما يغذون عيالاتهم " وقوله عليه السلام (3) " كل من اقتات قوتا فعليه أن يؤدي من ذلك القوت " ما هو الغالب من اتفاق معظم البلد في القوت الغالب، هذا، وقد ظهر لك أن مراتب الندب ثلاثة: التمر ثم الزبيب ثم غالب القوت، وما عن سلار من أن العبرة في الندب بعلو القيمة لم نجد له شاهدا سوى ما يؤمي إليه خبر الأنفع (4) لكن ذلك خارج عن النزاع، ضرورة كون المراد الأستحباب الخصوصي المنصوص دون ما يحصل بالمرجحات الخارجية، فان ذلك لا ضابطة له، والله أعلم هذا كله في الجنس (و) أما القدر ف‍ (- الفطرة من جميع الأقوات المذكورة) عدا اللبن (صاع) بلا خلاف أجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (5) يمكن دعوى تواترها فيه، فما في صحيح الحلبي (6) وصحيح الفضلاء (7) من الاجتزاء بنصف صاع من حنطة أو شعير، وصحيح آخر للحلبي (8) نصف صاع من بر، كصحيح عبد الله بن سنان (9) وما في صحيح حماد وبريد ومحمد (10) المتقدم سابقا مطرح أو محمول على التقية


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب زكاة الفطرة الحديث 2 - 1 - 4 (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 6 (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة الحديث 0 - 11 - 14 - 12 (9) و (10) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 12 - 17

[ 523 ]

كما جزم به في التهذيبين، قال: ووجهها أن السنة كانت جارية بصاع من كل شئ، فلما كان زمن عثمان وبعده في أيام معاوية جعل نصف صاع من حنطة بازاء صاع من تمر، وتابعهم الناس على ذلك، فخرجت هذه الأخبار وفاقا لهم، قلت: وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) في المرسل (1) عنه أنه سئل " عن الفطرة فقال: صاع من طعام، فقيل أو نصف صاع فقال: بئس الاسم الفسوق بعد الايمان " وقال الرضا (عليه السلام) في خبر ياسر القمي (2) " الفطرة صاع من حنطة وصاع من شعير وصاع من تمر وصاع من زبيب، وإنما خفف الحنطة معاوية " وقال ابن وهب (3) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في الفطرة جرت السنة بصاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير فلما كان زمن عثمان وكثرت الحنطة قومه الناس فقال: نصف صاع من البر بصاع من شعير " وفي صحيح الحذاء (4) عنه عليه السلام أيضا " صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من ذرة، قال: فلما كان زمن معاوية وخطب الناس عدل الناس عن ذلك إلى نصف صاع من حنطة " فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة، لما عرفت من النص والفتوى الظاهرين أيضا في اعتبار الصاع من كل جنس، فلا يجزي الملفق إلا على وجه القيمة، لتوقف صدق الامتثال على ذلك، خلافا للفاضل في المختلف فاستقرب إجزاءه، لان المطلوب شرعا إخراج الصاع وقد حصل، وليس تعيين الأجناس معتبرا في نظر الشارع، وإلا لما جاز التخيير فيه ولأنه يجوز إخراج الأصوع المختلفة من الشخص الواحد عن جماعة فكذا الصاع الواحد، ولأنه إذا أخرج أحد الصنفين فقد خرج عن عهدته وسقط عنه نصف الواجب فيبقى مخيرا في النصف الآخر، لأنه كان مخيرا قبل إخراج الأول فيستصحب، والجميع كما ترى، والاجتزاء بالتلفيق في


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب زكاة الفطرة الحديث 21 - 5 - 8 - 10.

[ 524 ]

العبد بين الشريكين إنما هو لأن كلا منهما مكلف بنصف صاع مخير فيه كما عرفته سابقا، لا أنهما مكلفان بصاع يخيران فيه، وإلا اتجه ذلك أيضا كما اختاره في الدروس، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا، فلاحظ وتأمل. (و) على كل حال ف‍ (- الصاع أربعة أمداد، وهي تسعة أرطال بالعراقي) وستة بالمدني كما بينا ذلك مفصلا. هذا كله في غير اللبن (و) أما (من اللبن) ففي مرفوع القاسم (1) انه " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل في البادية لا يمكنه الفطرة قال: يتصدق ب‍ (- الأربعة أرطال) من لبن " (وفسره قوم) وهم الشيخ في المبسوط والمصباح ومختصره والاقتصاد وابنا حمزة وإدريس كما قيل (بالمدني) فتكون ستة أرطال بالعراقي، وتبعهم الفاضل في محكي التذكرة والتبصرة، لمكاتبة ابن الريان (2) إلى الرجل يسأله عن الفطرة وزكاتها كم تؤدى ؟ فقال: أربعة أرطال بالمدني " وهي - مع عدم اختصاصها باللبن، فيكون معارضا للمقطوع به نصا وفتوى، واحتمال تصيحف الراوي الأمداد بالأرطال - غير صالحة للحجية من جهة السند الذي لا جابر له هنا، وتأييده بأن اللبن خال عن الغش بخلاف التمر والزبيب اللذين لا يخلوان عن النوى وأنه مستغن عن المؤونة بخلاف الحبوب فكان ثلثا الصاع يقاوم الصاع ذ تقريبا غير مجد، ومن هنا كان ظاهر المصنف كون الرطل عراقيا، لأنه المنساق، بل قيل إنه ظاهر الجمل والنهاية وكتابي الأخبار لذلك أيضا، بل حكي أيضا عن ظاهر الارشاد والتلخيص وصريح القواعد والنافع، لكن قد عرفت كون الخبر الذي هو الأصل في الحكم مرفوعا، مع عدم صراحته لاحتماله الندب باعتبار كون السؤال فيه عمن لا يمكنه الفطرة، وإن كان يمكن إرادته عدم التمكن من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3 - 5 - ولكن الأول مرسل.

[ 525 ]

الحبوب باعتبار كونه بالبادية لا باعتبار الفقر، بل ربما ادعي أنه الظاهر، فلا يصلح لتخصيص ما دل على اعتبار الصاع من جميع الأنواع خصوصا خبر علي بن بلال (1) وخبر جعفر بن معروف (2) قال: " كتبت إلى أبي بكر الرازي في زكاة الفطرة وسألناه أن يكتب في ذلك إلى مولانا يعني علي بن محمد الهادي (عليه السلام) فكتب أن ذلك قد خرج لعلي بن مهزيار أنه يخرج من كل شئ التمر والبر وغيره صاع، وليس عندنا بعد جوابه عليا في ذلك اختلاف " مؤيدا ذلك بما دل على اعتباره بالخصوص في الأقط، كقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار: (3) " يعطي أصحاب الابل والبقر والغنم في الفطرة من الأقط صاعا " بناء على أولويه اللبن منه، لأنه يخرج من جوهره، وبتوقف يقين البراءة عليه، وبغير ذلك. ودعوى أن نصوص الصاع لا تعارض ذلك باعتبار كون مقداره في خصوص اللبن ستة أرطال بالعراق - قال الشيخ في المحكي من مصباحه، " ويجب عليه عن كل رأس صاع من تمر أو الزبيب أو حنطة أو شعير أو أرز أو أقط أو لبن، والصاع تسعة أرطال بالعراقي من جميع ذلك إلا اللبن، فانه أربعة أرطال بالمدني أو ستة بالعراقي " قيل: ونحوه عبارة مختصره والجمل، وكأنه فهم منه ذلك الشهيد في اللمعة والبيان، وحينئذ تجتمع النصوص جميعا على ذلك - واضحة الفساد، بل فيها من الغرابة ما لا يخفى ضرورة منافاتها حينئذ للمقطوع به نصا وفتوى من عدم تفاوت مقدار الصاع في اللبن وغيره، نعم ربما ادعي ذلك في الماء وغيره، وقد بينا فساده أيضا في محله، فلاحظ وتأمل، وقد ظهر من ذلك كله أن الأحوط إن لم يكن الأقوى مساواة اللبن لغيره في المقدار الذي أفتى به غير واحد صريحا وظاهرا، كما أنه ظهر لك القطع بفساد ما عن


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 4 - 2

[ 526 ]

الشيخ من إلحاق الأقط به، إذ هو مع منافاته لصريح مادل عليه من الصحيح المزبور لا شاهد له سوى دعوى أولويته من اللبن الواضح منعها، والله أعلم. (و) كيف كان فالمشهور بين الأصحاب أنه (لا تقدير في) الشرع ل‍ (- عوض الواجب بل) الثابت فيه كما عرفته سابقا إطلاق الاجتزاء بالقيمة، ومقتضاه كما في غير المقام أنه (يرجع) فيه (إلى قيمة السوفية) عند الاخراج، بل في مضمر سليمان بن جعفر المروزي (1) " والصدقة بصاع من تمر، أو قيمته في تلك البلاد دراهم " لكن في المتن (و) غيره أنه (قدره قوم بدرهم وآخرون ب‍) ثلثي درهم (أربعة دوانيق فضة و) لا ريب في أن كلا منهما (ليس بمعتمد) بل لم نعرف قائله ولا مستنده، نعم روى في الاستبصار خبر أسحاق بن عمار (2) عن الصادق (عليه السلام) " لا بأس أن يعطيه قيمتها درهما " ثم قال: وهذه الرواية شاذة، والأحوط أن يعطي قيمة الوقت قل أم كثر، وهذه رخصة أذا عمل الانسان بها لم يكن مأثوما، ولعله ظاهر في جواز العمل بها، أللهم إلا أن يريد الاشارة بذلك إلى أصل القيمة لا خصوص الدرهم الذي تضمنه الخبر المزبور الذي هو مع ضعفه قد سمعت أنه رماه بالشذوذ، على أن من المحتمل كون المراد من الدرهم فيه الجنس، أو كون القيمة في ذلك الوقت كذلك، كما أشار إليه المفيد في المقنعة، قال: وسئل (3) الصادق (عليه السلام) " عن مقدار القيمة فقال: درهم في الغلاء والرخص، وروي (4) " أن أقل القيمة في الرخص ثلثا درهم " وذلك متعلق بقيمة الصاع في وقت المسألة عنه، والأصل إخراج المسألة عنها بسعر الوقت الذي تجب فيه، وفي محكي المبسوط " وقد روي أنه يجوز أن يخرج عن كل رأس درهما، وروي أربعة دوانيق في الرخص والغلاء، والأحوط إخراجه بسعر الوقت " والظاهر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 7 - 11 - 14 - 14

[ 527 ]

إرادته الاحتياط الواجب مراعاته باعتبار توقف يقين البراءة عليه. وكيف كان فلا ريب في أن الأقوى ما ذكرناه، ولا يجوز الخروج عنه بنحو ذلك مما هو ليس حجة بنفسه فضلا عن أن يعارض الحجة (وربما نزل على اختلاف الأسعار) بل سمعته من المفيد صريحا، وإلا فالطرح، والله أعلم. الركن (الثالث في وقتها وتجب) الفطرة (ب‍) - الادراك جامعا للشرائط السابقة (هلال شوال) كما عن جماعة التصريح به منهم الشيخ في الجمل والاقتصاد وابنا حمزة وإدريس والمصنف والفاضل والشهيدان وغيرهم، بل هو المشهور بين المتأخرين، بل قد عرفت فيما تقدم دعوى كونه موضع وفاق بين العلماء في المدارك وشرح الاصبهاني وإن كان فيه أنه خلاف المحكي عن ابن الجنيد والمفيد والمرتضى والشيخ في النهاية والمبسوط والخلاف وأبي الصلاح وابن البراج وسلار وابن زهرة من أن وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، واحتمال أن مرادهم وقت الاخراج لا وقت الوجوب - كما هو صريح الفاضل الاصبهاني بل وسيد المدارك، فيكون الوجوب بالهلال حينئذ متفقا عليه، وإنما الخلاف في وقت الاخراج، فهل مبتدأه وقت الوجوب كما هو المعروف في الواجبات أو أنه طلوع الفجر من يوم الفطر - خلاف الظاهر مما وصل الينا من كلامهم بلا داع ولا شاهد، نعم لعله كذلك بالنسبة إلى خصوص الشيخ في الكتب الثلاثة لما حكي عنه من التصريح فيها بأنه إذا وهب له عبد أو ولد له ولد أو أسلم أو ملك مالا قبل الهلال وجبت الزكاة، وإن كان بعده استحبت إلى قبل الزوال، وإن أمكن التكلف له بمالا ينافي كون وقت الوجوب طلوع الفجر ولو للدليل كما التزموه له في اختلاف وقت الاخراج والوجوب، لكنه خلاف ظاهر المحكي عنه، ومن هنا خصه في المختلف بذلك وحينئذ تكون المسألتان محل خلاف الأولى في كون الهلال وقت الوجوب أو طلوع الفجر، والثانية في وقت الاخراج هل هو طلوع الفجر أو وقت الوجوب.

[ 528 ]

وكيف كان فلا ريب في أن الأقوى الأول، لخبر معاوية بن عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) " في الولد يولد ليلة الفطر واليهودي والنصراني يسلم ليلة الفطر عليهم فطرة قال: ليس الفطرة إلا على من أدرك الشهر " وصحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن مولود ولد ليلة الفطر عليه الفطرة قال: لا قد خرج الشهر، وسألته عن يهودي أسلم ليلة الفطر عليه فطرة قال: لا " ولا ينافي ذلك صحيح العيص بن القاسم (3) " سألت الصادق (عليه السلام) عن الفطرة متى هي ؟ فقال: قبل الصلاة يوم الفطر، قلت: فان بقي منه شئ بعد الصلاة قال: لا بأس، نحن نعطي عيالنا منه ثم يبقى فنقسمه " وخبر إبراهيم بن ميمون (4) عنه (عليه السلام) أيضا " الفطرة إن أعطيت قبل أن يخرج إلى العيد فهي فطرة، وإن كان بعد ما يخرج إلى العيد فهي صدقة " إذ هما - مع ضعف سند الثاني منهما بل ودلالته، ضرورة كون المراد منه بيان حكم إعطائها قبل الخروج إلى العيد وبعده، فلا دلالة فيه على حكمه في الليل مثلا، بل يمكن دعوى شمول ما قبل الخروج إلى العيد له، وإن كان خلاف المنساق وعدم انطباق الأول منهما على ما يقوله الخصم من التوقيت بطلوع الفجر، لكون المنساق من قبلية الصلاة فيه خلافه - محمولان على إرادة بيان وقت الفضيلة، كما صرح به في صحيح الفضلاء (5) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " قالا: على الرجل أن يعطي عن كل من يعول من حر أو عبد وصغير وكبير يعطي يوم الفطر قبل الصلاة فهو أفضل، وهو في سعة أن يعطيها في أول يوم يدخل في شهر رمضان إلى آخره " الحديث. ولا يقدح فيه اشتماله على التوسعة المزبورة، مع أنك ستعرف قوة القول بها


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 - 2 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 5 - 2 - 4 الجواهر - 66

[ 529 ]

وأما الثانية فالأقوى فيها اتحاد وقتي الاخراج والوجوب، لأنه الأصل الذي لا معارض له هنا بعد ما عرفت من كون المراد من صحيح العيص وغيره بيان الفضل الذي لا ينافي وقت الاجزاء، فما في المدارك وغيره - من الاستدلال له بوجوب الاقتصار على المتيقن وهو طلوع الفجر دون غيره مما هو محل للشك - في غير محله ضرورة عدم الشك حينئذ بعد الأصل المزبور الذي هو مع كونه موافقا للعقل مقتضى ظاهر ما يدل على الوجوب. وبذلك وغيره يظهر لك ما في استدلاله له أيضا بالصحيح المزبور وخبر ابن ميمون وما في جوابه عن صحيح ابن عمار من أنه إنما يدل على وجوب الاخراج على من أدرك الشهر، لا على أن أول وقت الاخراج الغروب وأحدهما غير الآخر، إذ هو - بعد الاغضاء عما فيه من قصره النزاع عليه دون الوجوب، كما لا يخفى على من لاحظ كلامه هنا وإجماعه السابق - واضح الضعف، لما عرفت من ظهور جميع ما يدل على الوجوب مع عدم التقييد في زمان في صلاحية جميع الأوقات للامتثال، إذ الأزمنة كالأمكنة في ذلك، فلا ريب حينئذ في أن وقت الاخراج وقت الوجوب، كما أنه لا ريب بناء على ما عرفت في أن هلال شوال من وقت الوجوب. (و) أما أنه هو المبتدأ على وجه (لا يجوز تقديمها قبله إلا على سبيل القرض) من غير فرق بين شهر رمضان وغيره فهو خيرة المصنف هنا، حيث قال: (على الأظهر) والشيخين وأبي الصلاح وابن إدريس وغيرهم على ما قبل، بل في المدارك وغيرها أنه المشهور بين الأصحاب، لثبوت توقيتها بذلك، وللوقت لا يجوز تقدمه على وقته كصلاة الظهرين، بل يكفي الشك في مشروعيتها قبله، وقال ابنا بابويه والشيخ في المبسوط والخلاف والنهاية: يجوز إخراجها فطرة من أول شهر رمضان إلى آخره، ونسبه المفيد وسلار وابن البراج إلى الرواية، واختاره المصنف في المعتبر والفاضل في المختلف وثاني الشهيدين وغيرهم على ما قيل، بل في الدروس والمسالك أنه المشهور، بل في الخلاف

[ 530 ]

الاجماع عليه، لصحيح الفضلاء السابق (1) المؤيد بما في خبري معاوية بن عمار السابقين (2) من تعليق الحكم على إدراك الشهر، وتعليل عدم الوجوب عن المولود ليلة الهلال بأنه قد خرج الشهر المشعر خصوصا الأول بأن إدراك الشهر هو السبب في الوجوب وإن كان يتحقق ذلك بادراك آخره، فالفرد الأكمل حينئذ منه إدراكه تاما، فهو على حسب قوله (عليه السلام) (3): " من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله " وقوله (عليه السلام) (4): " من أدرك الامام راكعا فقد أدرك الجماعة " وغيرهما، فان في الفظ الادراك رمزا إلى كونه هو الغاية التي لابد لها من بداية، وليست هنا نصا وفتوى إلا أول الشهر، مضافا إلى ما في ذلك من المصلحة للفقراء بتعجيل الاعانة لهم ورفع الحاجة عنهم، وإلى ما في خلافه من طرح صحيح الفضلاء الذي قد عرفت عمل جملة من الأصحاب به، بل دعوى الاجماع عليه، وهو مناف لما دل على حجية مثله كتابا وسنة وعقلا، أو تأويله بالفرض ونحوه مما هو صريح في خلافه، خصوصا مع ملاحظة عدم اختصاص ذلك بشهر رمضان، والتزام احتساب خصوص هذا القرض دون غيره للصحيح المزبور ليس بأولى من التزام التوسعة المزبورة التي لا ينافيها قاعدة التوقيت بعد فرض كون الوقت ما ذكرناه من أول شهر رمضان كما أجاب به عن ذلك في المختلف، إذ لا دليل على التوقيت بغيره بعد ما عرفت من كون المراد من صحيح العيص الفضل، وخبر لمعاوية بن عمار إنما يدلان على خروج وقت الوجوب بالهلال لا أنه أوله، بل قد عرفت إشعارهما بخلاف ذلك، فصحيح الفضلاء


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 و 2 (3) الوسائل - الباب - 30 - من أبواب المواقيت من كتاب الصلاة مع الاختلاف في اللفظ (4) الوسائل - الباب - 45 - من أبواب صلاة الجماعة مع الاختلاف في اللفظ

[ 531 ]

حينئذ بحاله، نعم إن ثبت من إجماع أو غيره سقوط الفطرة بانتفاء أحد شرائط الوجوب في الأثناء كان الجمع بينهما بالوجوب غير المستقر نحو ما سمعته في الزكاة المالية عند القائل بوجوبها بهلال الثاني عشر، ويستقر الوجوب بتمامه كما تقدم الكلام فيه سابقا والمناقشة في ذلك كله أو بعضه بأنه لا خلاف في كون الوقت الهلال، وإنما الكلام في جواز التعجيل على حسب تقديم غسل الجمعة يوم الخميس، والزكاة المالية من أول الحول على القول به، يدفعها ملاحظة التصريح في كلام بعض القائلين بأن ذلك على جهة التوقيت لا التعجيل كما هو مقتضى ظاهر الصحيح المزبور، فحينئذ لا مناص للفقيه عن الفتوى به وإن كان الأفضل والأحوظ التأخير إلى الهلال بل إلى يوم الفطر قبل الصلاة. ومن هنا قال المصنف: (ويجوز إخراجها بعده) أي الهلال (و) لكن (تأخيرها إلى قبل صلاة العيد أفضل) بل في الدروس الاجماع على ذلك، وفي المدارك لا ريب في أفضلية ذلك، لأنه موضع نص ووفاق، وقد سمعت ما يدل عليه من النصوص كصحيح العيص (1) وصحيح الفضلاء (2) وما عن ابن بابويه - من أن أفضل وقتها آخر يوم من شهر رمضان - لم نعرف له شاهدا. وإنما الكلام في انتهاء وقتها، ففي المدارك " ذهب الأكثر إلى أن آخره صلاة العيد " حتى قال في المنتهى: " ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد اختيارا، فان أخرها أثم، وبه قال علماؤنا أجمع " لكن قال بعد ذلك بأسطر قليلة: " والأقرب عندي جواز تأخيرها عن الصلاة، ويحرم التأخير عن يوم العيد " ومقتضى ذلك امتداد وقتها إلى آخر النهار، وقال ابن الجنيد: " أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، وآخره زوال الشمس منه " واستقر به العلامة في المختلف. قلت: حاصل ذلك أن الأقوال فيه ثلاثة: الأول التحديد بفعل الصلاة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 5 - 4

[ 532 ]

لا وقتها، وهو الذي نسبه في محكي التذكرة إلى علمائنا، وفي المنتهى إليهم أجمع، وفي المدارك إلى الأكثر، ولعله أخذه مما في المختلف. لانه حكى فيه عن المرتضى في الجمل أنه قال: " وقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر قبل صلاة العيد، وروي أنه في سعة من أن يخرجها إلى زوال الشمس من يوم الفطر " قال: " وهذا الكلام يشعر بوجوب إيقاعها مضيقا قبل الصلاة، وأنه لا يجوز تأخيرها إلى قبل الزوال " وقال الشيخ في النهاية: " الوقت الذي يجب فيه إخراج الفطرة يوم الفطر قبل صلاة العيد " ولم يقيد بالزوال، وكذا في الخلاف والمبسوط والاقتصاد، وقال ابنا بابويه: " فهي زكاة إلى أن يصلي العيد، فان أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة " وهو موافق قول الشيخ في التحديد، وكذا قال ابن البراج، وزاد فيه " ويتضيق الوجوب كلما قرب وقت صلاة العيد " وقال المفيد: " وقت وجوبها يوم العيد بعد الفجر من قبل صلاة العيد " وقال سلار: " إلى صلاة العيد، فان أخر كان قاضيا " وبه قال أبو الصلاح، الثاني الزوال، واختاره في الدروس والبيان، والثالث إلى آخر يوم الفطر، واختاره في المنتهى ومال إليه في المدارك ومحكي الذخيرة. واستدل للأول بخبر إبراهيم بن ميمون (1) المتقدم سابقا، وخبر عبد الله بن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) قال فيه: " وإعطاء الفطرة قبل الصلاة أفضل، وبعد الصلاة صدقة " وصحيح الفضلاء السابق بناء على كون المراد منه مفضولية السابق لا الأعم منه واللاحق، وما عن إقبال ابن طاووس (3) قال: روينا باسنادنا إلى الصادق (عليه السلام) أنه قال: " ينبغي أن تؤدى الفطرة قبل أن يخرج إلى الجبانة، فإذا أداها بعد ما رجع فانما هي صدقة وليست فطرة " وما عن تفسير العياشي عن سالم بن


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 - 1 - 7

[ 533 ]

مكرم الجمال (1) عن الصادق (عليه السلام) " إعطاء الفطرة قبل الصلاة، وهو قول الله تعالى: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " فان لم يعطها حتى ينصرف من صلاته فلا تعدله فطرة " وخبر سليمان بن حفص المروزي (2) " سمعته يقول: إن لم تجد من تضع الفطرة فيه فاعزلها تلك الساعة قبل الصلاة ". وللثاني بعدم صلاحية فعل صلاة العيد لتحديد الوقت، ضرورة اختلافها فيه من المكلفين، بل لم يصلها كثير من الناس، خصوصا في هذه الازمنة، فلابد حينئذ من أرادة وقت الصلاة، وهو إلى الزوال، وربما يرمز إليه ما ورد (3) من استحباب إخراج (4) الفطرة عمن يولد قبل الزوال أو يسلم كذلك، إذ ليس هو إلا باعتبار بقاء الوقت، والنصوص السابقة ما كان قابلا للحمل منها على ذلك حمل عليه، وإلا كان محمولا على الفضل دون اللزوم، وربما احتمل بعضها أرادة صلاة الظهر لا العيد، خصوصا بعد خبر أبي الحسن الأحمسي (5) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن الاقبال نقلا من كتاب عبد الله بن حماد الأنصاري، قال: " والفطرة عن كل حر ومملوك إلى أن قال: قلت: أقبل الصلاة أو بعدها ؟ قال: إن أخرجتها قبل الظهر فهي فطرة، وإن أخرجتها بعد الظهر فهي صدقة لا تجزيك، قلت: فأصلي الفجر فأعزلها وأمسك يوما أو بعض يوم ثم أتصدق بها قال: لا بأس هي فطرة إذا أخرجتها قبل الصلاة " بناء على إرادة الظهر من الصلاة فيه أخيرا، وإن أريد منه بيان كون العزل قبل الصلاة كافيا في كونها فطرة ولو بعد يوم كفى الأول في الاستدلال به على المطلوب، واحتمال وقوع لفظ الظهر


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 8 (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3 (4) وفى النسخة الأصلية " خروج الفطرة " (5) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 16

[ 534 ]

سهوا لا يجوز التعويل عليه في النصوص. وللثالث - بصحيح العيص وصحيح الفضلاء، لكن قد عرفت ما في الاستدلال بالثاني، وأما الأول فيحتمل، بل لعله الظاهر منه أرادة المعزولة، وهي غير محل البحث، فلا ريب في ضعفه حينئذ، وانحصار الأمر في القولين، وأقواهما الثاني على الظاهر لما عرفت. (و) على كل حال ف‍ (- ان) صلى أو (خرج وقت الصلاة) أو خرج اليوم على الأقوال الثلاثة (و) لم يكن قد أوصلها إلى المستحق أو من يقوم مقامه فان كان (قد عزلها) في الوقت المزبور وإن لم يؤدها فيه ناويا للقربة (أخرجها واجبا بنية الأداء) بل لا يحتاج إلى نية ذلك أيضا، ضرورة صيرورتها فطرة، وخروجها من الذمة إلى الخارج بالعزل حينئذ، فليس حينئذ في يده إلا أمانة من الأمانات، إذ المكلف حينئذ يكون كالولي عن المستحق فيقوم قبضه واستيلاؤه مقام قبضه، ولذا ينوي التقرب بالعزل المزبور، ولا يناقش في مشروعية ذلك بعد تظافر النصوص والفتاوى به هنا، قال إسحاق بن عمار (1) في الصحيح " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفطرة قال: إذا عزلتها فلا يضرك متى أعطيتها " وقال زرارة (2): في الصحيح عنه (عليه السلام) أيضا " سألته عن رجل أخرج فطرته فعزلها حتى يجد لها أهلا فقال: إذا أخرجها من ضمانه فقد برئ، وإلا فهو ضامن حتى يؤديها " ومرسل ابن أبي عمير (3) عنه (عليه السلام) أيضا " في الفطرة إذا عزلتها وأنت تطلب لها الموضع أو تنتظر بها رجلا فلا بأس به " إلى غير ذلك من النصوص الدالة عليه. بل مقتضاها كالفتاوى عدم الفرق بين وجود المستحق وعدمه كما اعترف به في


(1) و (2) و (3) الوسائل - 13 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 4 - 2 - 5.

[ 535 ]

المدارك وما في بعض النصوص (1) مما يوهم التقييد غير مراد منه ذلك، أو قاصر عن معارضة الاطلاق المزبور من النص والفتوى، هذا. وفي المسالك " أن المراد بعزلها تعيينها في مال خاص بقدرها في وقتها بالنية، وفي تحقق العزل مع زيادته عنها احتمال، ويضعف بتحقق الشركة، وأن ذلك يوجب جواز عزلها في جميع ماله، وهو غير المعروف من العزل، ولو عزل أقل منها اختص الحكم به " قلت: ينبغي أن يكون المدار على صدق العزل عرفا، ولا ريب في عدم صدقه بالعزل في جميع المال ونحوه، أما اعتبار عدم الزيادة فيه أصلا فمحل منع، خصوصا مع رفع اليد عن الزيادة، ودعوى اعتبار التشخيص في المعزول على معنى اعتبار عدم الشركة فيه أصلا واضحة المنع، ضرورة صدق العزل بالمال المشترك بينه وبين غيره، فالأولى تعليق الحكم على ما ذكرنا، وربما يؤيده أن مرجع العزل إلى أن الشارع جعل المكلف كالولي عن المستحق، فأقام ذلك منه مقام قبضه، وحينئذ لم يكن فرق بعد صدق العزل بين الزيادة والنقيصة، كالقبض من المستحق، ثم إنه قد تقدم في الزكاة المالية ما يستفاد منه جملة من أحكام العزل، إذ الظاهر عدم الفرق بين المقامين في أحكامه، ولذا استدل غير واحد من الأصحاب على بعض أحكامه هناك ببعض نصوص المقام، وبالعكس، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (- ان لم يكن عزلها) حتى خرج الوقت (قيل) والقائل جماعة منهم المفيد وابنا بابويه وأبو الصلاح وابنا البراج وزهرة وغيرهم على ما قيل (سقطت) بل حكى الأخير منهم الاجماع عليه (وقيل) والقائل جماعة أيضا منهم الشيخ والفاضل وثاني الشهيدين وغيرهم: (يأتي بها قضاء، وقيل) والقائل ابن إدريس: يأتي بها (أداء والأول أشبه) عند المصنف، لقاعدة انتفاء الموقت بانتفا وقته، والقضاء يحتاج إلى


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 1

[ 536 ]

أمر جديد، بل قد سمعت ما تقدم من النصوص (1) الدالة على كونها صدقة بعد الوقت، وقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " وإلا فهو ضامن لها حتى يؤديها " إنما يدل على وجوب الاخراج مع العزل، وهو غير محل النزاع، وفي المدارك " الظاهر أن المراد باخراجها من ضمانه تسليمها ألى المستحق، وبقوله: " وإلا " إلى آخره الخطاب باخراجها وإيصالها إلى مستحقها، لا كونه بحيث يضمن مثلها أو قيمتها مع التلف لانها بعد العزل تصير أمانة في يد المالك " ثم احتمل أن يكون الضمير في " أخرجها " عائد إلى مطلق الزكاة، ويكون المراد باخراجها من ضمانه عزلها، والمراد أنه إن عزلها فقد برئ، وإلا فهو مكلف بأدائها إلى من يوصلها إلى أربابها، وقال: " لا ربب أن المعنى الأول أقرب " قلت: بل لعله غير دال على خلاف المطلوب على الثاني، ضرورة كون المراد منه بقاء الخطاب عليه في الوقت مع عدم العزل لا بقاؤه مطلقا. وبذلك كله يظهر لك ضعف القولين، خصوصا قول ابن إدريس الذي مرجعه إلى عدم التوقيت أصلا، وإلى حمل جميع ما دل عليه من النصوص السابقة على الفضل والندب وأن زكاة الفطرة كزكاة المال والخمس في امتداد الوقت وصلاحيته للفعل، إذ هو كما ترى، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، بل عن بعضهم دعواه عليه، نعم قد يقال: إن تلك النصوص لا صراحة فيها في التوقيت على وجه ينتفي التكليف بانتفائه، بل أقصاها الوجوب فيه، فيمكن حينئذ كونه تكليفا آخر زائدا على أصل وجوب الفطرة الذي دل عليه إطلاق كثير من النصوص ومعاقد الاجماعات مؤيدا ذلك بثبوت أحكام غير الموقت لها، كما لو مات من وجبت عليه قبل التمكن من أدائها


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الفطرة (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 الجواهر - 67

[ 537 ]

فان الظاهر تعلقها بتركته كسائر ديونه وإن خرج الوقت، وما ذاك إلا بملاحظة تسبيب الشغل منها من غير ملاحظة التوقيت فيها كالزكاة المالية، ولعله إلى هذا يرجع القول بالقضاء، لا أن المراد منه المعنى المصطلح، بل وقول ابن إدريس إن لم يجوز عدم أدائها في الوقت اختيارا، ولعل ما في المختلف يرجع إلى ما ذكرنا، حيث أنه استدل للقول الثاني بعد أن اختاره بأنه لم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف إلى أن يأتي به، وبأن المقتضي للوجوب قائم، والمانع لا يصلح للمانعية، أما الأولى فللعموم الدال على إخراج الفطرة عن كل رأس صاع، وأما الثانية فلان المانع ليس إلا خروج وقت الأداء، لكنه لا يصلح للمعارضة إذ خروج الوقت لا يسقط الحق كالدين وزكاة المال والخمس، وبصحيحة زرارة " وإلا فهو ضامن لها حتى يؤديها " إلا أنه بناء على استتباع القضاء للأداء، وعدم احتياجه إلى أمر جديد الذي قد بينا ضعفه في الأصول. وبالجملة لا يخفى على من لاحظ النصوص الدالة على وجوب الفطرة والنصوص المستفاد منها التوقيت قصورها عن التقييد على وجه يكون الحال فيه كالموقت الذي هو كقوله تعالى (1) " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " وإنما أقصاها الوجوب في نفسه كقضاء شهر رمضان بين الشهرين وغيره، سيما بعد ما عرفت من إرادة الندب في أكثر تلك النصوص، بل لولا إمكان تحصيل الاجماع على الوجوب في هذا الوقت لأ مكن حملها جميعا على الندب، لقوة تلك المطلقات، ويتجه حينئذ ما سمعته من ابن أدريس حاكيا له عن الشيخ، ومع الاعضاء عن ذلك كله فلا أقل من الشك في التقييد على الوجه المزبور، والعمل على الاطلاقات حتى يثبت التقييد وعلى استصحاب الوجوب الذي لم يعلم كونه مغيا بالوقت المزبور على وجه يرتفع التكليف بانتهاء الوقت، مضافا


(1) سورة الاسراء - الآية 80

[ 538 ]

إلى موافقة الاخراج للاحتياط الذي لا ينبغي تركه في المقام، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- إذا أخر دفعها بعد العزل مع الامكان كان ضامنا) بلا خلاف نصا وفتوى ولا إشكال لما سمعته في الزكاة المالية (و) منه يعلم أنه (إن كان) التأخير (لا معه) أي الامكان فتلف المال من غير تعد ولا تفريط (لم يضمن) بل (و) منه يعلم الحال أيضا في قول المصنف هنا كقوله هناك: (لا يجوز حملها إلى بلد آخر مع وجود المستحق) وأنه لا مدخلية لعدم الجواز في الضمان، فان التحقيق كما تقدم أنه يضمن وإن جاز له النقل وكذا الحال في التأخير، نعم لا أشكال يعتد به بل (و) لا خلاف كذلك في أنه (يجوز) له الحمل (مع عدمه) أي المستحق (ولا يضمن) بذلك كما تقدم الحبث في ذلك وفي غيره مفصلا، والله أعلم. الركن (الرابع في مصرفها، وهو مصرف زكاة المال) على المعروف بين الأصحاب، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلامهم، بل في شرح الاصبهاني لللمعة الاجماع عليه، ولعله كذلك، إذ لم يحك فيه الخلاف إلا عن ظاهر المفيد في المقنعة، فخصها بالمساكين، والمحكي عن الاقتصاد حيث قال: " ومستحق زكاة الفطرة هو مستحق زكاة المال من المومنين الفقراء العدول وأطفالهم، ومن كان بحكم المؤمنين من البله والمجانين " وأما ما يحكى عن المعتبر والمنتهى من حصر مصرفها في ستة فقد قيل إنه مبني على أنه لا سهم للمؤلفة والعاملين في الغيبة، وحينئذ فيختص الخلاف إن كان بمن عرفت، ولعله لخبر الفضيل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قلت لمن تحل الفطرة ؟ فقال: لمن لا يجد " وخبر زرارة (2) " قلت له: هل على من قبل الزكاة زكاة، قال: أما من قبل زكاة المال فان عليه الفطرة، وليس على من قبل الفطرة فطرة ". لكن لا يخفى عليك عدم دلالة الأول على الحصر، بل المراد منه ومن الثاني


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 8 - 9

[ 539 ]

بيان كون الفطرة ينبغي أن تكون لذي الحاجة الشديدة كصدقات المرضى ونحوهم، وليس المراد من ذلك حصر مصرفها في المساكين الذين لا يجدون شيئا، خصوصا بعد قوله تعالى (1) " إنما الصدقات للفقراء " إلى آخره وقوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي (2) " عن كل انسان نصف صاع من حنطة أو شعير أو صاع من تمر أو زبيب لفقراء المسلمين " بل قد يقال إنه مما يشملها لفظ الزكاة التي قد عرفت ما يدل على مصرفها، بل جزم به في محكي المنتهى حتى استدل به هنا، وبعد السيرة المستمرة على عدم اختصاصها بالمساكين، وربما كان الوجه في ذكر الفقراء في الصحيح المزبور باعتبار كونه المصرف الأعظم نحو ما ورد في زكاة المال، لا أن المراد الاختصاص، بل ربما يحمل على ذلك عبارة المقنعة، فتخرج المسألة عن الخلاف، قال: " ومستحق الفطرة هو من كان على صفات مستحق الزكاة من الفقراء أولا ثم المعرفة والايمان " بل هي مع عدم اختصاصها بالمساكين كما حكي عنه محتملة لأرادة بيان اعتبار ما تقدم في الزكاة في خصوص هذا الصنف من مصرفها، وهو كذلك بالنسبة إلى كثير مما تقدم، كعدم كونه من واجبي النفقة وعدم كونه هاشميا إلا إذا كان من عليه الفطرة هاشميا، وقد ذكرنا سابقا أن العبرة في ذلك بالمعيل دون العيال، لما تقدم من ظهور النصوص في كون الخطاب له أصليا لا تحمليا، فإذا كان هاشميا وعياله أعواما جاز له دفع الفطرة للهاشمي دون العكس، وإضافة الفطرة إلى أفراد العيال في بعض الأحوال إنما هو لأدنى ملابسة، على أنه معارض باضافتها إلى المعيل أيضا، ودفع الموت بها عنهم إنما يقتضي كون ثمرتها لهم كالصدقة عن المريض، لا أن الخطاب بها لهم وإن تحملها المعيل عنهم، ضرورة القطع بفساده بملاحظة النصوص التي صرحت بوجوبها على المعيل عن


(1) سورة التوبة - الآية 60 (2) الوسائل - الباب - 6 من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 11

[ 540 ]

عياله الذين قد يكون فيهم من لا يصلح للخطاب لصغر أو جنون غيرهما، فليست هي حينئذ كالزكاة المشترط التبرع بها على غير من وجبت عليه، ولفظ " على " في نصوص الفطرة قد ذكرنا أنه بمعنى " عن " لا أن المراد الثبوت عليه، كما هو واضح بأدنى تأمل، ومن ذلك يظهر لك سقوط ما أطنب به المحدث البحراني من دعوى كون المدار على العيال دون المعيل، فلاحظ وتدبر، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (- يجوز أن يتولى المالك إخراجها) وإيصالها إلى المستحق، لأنه المخاطب بها، وفي المحكي عن المنتهى أنه لا خلاف فيه بين العلماء كافة (و) لكن (الأفضل دفعها إلى الامام) (عليه السلام) لقول الصادق (عليه السلام) (1): " هو أعلم يضعها حيث يشاء، ويصنع فيها ما يرى " وللاجماع المحكي في الخلاف، وفي خبر علي بن راشد (2) " سألته عن الفطرة لمن هي ؟ قال: للامام (عليه السلام) قال: قلت له: فأخبر أصحابي قال: نعم من أردت أن تطهره منهم، وقال: لا بأس بأن تعطي وتحمل ثمن ذلك ورقا " ولعل المراد من ذيله التخيير بين الاعطاء بنفسه وبين حمل الثمن للامام (عليه السلام)، وعلى كل حال فالمراد استحباب دفعها له (أو من نصبه) خصوصا (ومع التعذر) كزماننا هذا ف‍ (- إلى فقهاء الشيعة) المأمونين الذين هم من المنصوبين أيضا من الامام (عليه السلام) ولعل البحث السابق في زكاة المال في وجوب الدفع ابتداء أو مع الطلب منه عليه السلام خاصة أو منه ومن المجتهد وفي الاجزاء وعدمه مع المخالفة يأتي مثله في المقام، خصوصا مع ظهور بعض نصوصه (3) في شمول آية التطهير (4) لهذه


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 عن ابن على بن راشد (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما تجب فيه الزكاة - الحديث 1 (4) سورة التوبة - الآية 104

[ 541 ]

الزكاة، خصوصا مع ظهور بعض آخر (1) في أن عادة السلف حملها إلى الامام (عليه السلام) وربما ظهر من المفيد وجوبه (و) إن كان الأقوى ما قدمناه هناك، فلاحظ وتأمل. كما أن الأقوى ما تقدم أيضا سابقا من أنه (لا تعطى غير المؤمن أو المستضعف مع عدمه و) أنه (تعطى أطفال المؤمنين ولو كان آباؤهم فساقا) فلاحظ وتدبر. (و) المشهور بين الأصحاب نقلا وتحصيلا أنه (لا يعطى الفقير) منها (أقل من صاع) بل في المختلف نسبته إلى فقهائنا، وأنه لم يقف على مخالف منهم، بل في انتصار المرتضى مما انفردت به الامامية القول بأنه لا يجوز أن يعطى الفقير الواحد أقل من صاع، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك، لمرسل الحسين بن سعيد (2) عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) المنجبر بما عرفت " لا يعطى أحد أقل من رأس " وفي الفقيه انه في خبر (3) " لا بأس أن تدفع عن نفسك وعمن تعول إلى واحد، ولا يجوز أن تدفع ما يلزم واحد إلى نفسين " بناء على أن " ولا يجوز " إلى آخره مما في الخبر كما فهمه في الوسائل لا من كلامه كما فهمه في الوافي، واستظهره في الحدائق، وربما يؤيده غلبة تعبيره وأبيه بما في فقه الرضا (عليه السلام) والمحكي عنه " ولا يجوز " إلى آخره دون سابقه، فيكون الخبر حينئذ لا بأس، وحينئذ ينحصر الدليل في المرسل الأول، لكن في المعتبر انه مرسل لا يصلح للحجية، فالأولى أن يحمل على الاستحباب، وتبعه على ذلك جماعة ممن تأخر عنه منهم الشهيدان وغيرهما، لا طلاق الأدلة، خصوصا خبر إسحاق بن المبارك (4) " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن صدقة الفطرة قلت


(1) الوسائل - الباب - 35 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 6 - والباب 9 من ابواب زكاة الفطرة - الحديث 3 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 - 4 - 1 مع اختلاف في لفظ الأخير.

[ 542 ]

أجعلها فضة وأعطيها رجلا واحدا أو اثنين قال: تفرقتها أحب إلي " وخصوصا بعد ملاحظة ما ورد من حسن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (1) ومرسل حماد بن عيسى (2) وغيرهما ممن تضمن كيفية قسمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) صدقات أهل الحضر والبادية، وأنه ليس في ذلك شئ موقت ولا مسمى، وبعد ملاحظة ما ورد من نحو ذلك في زكاة المال الذي قد عرفت حمله على الندب. وخصوصا مع ملاحظة قول المصنف وغيره (إلا أن يجتمع جماعة لا يتسع لهم) معللين له بأن فيه تعميما للنفع، وبأن في منع البعض أذية للمؤمن، فجاز التشريك بينهم حينئذ وإن كان نصيب كل واحد منهم أقل من صاع، إذ لا يخفى عليك أن مثل ذلك لا يصلح الخروج به عن الدليل المزبور، مع أنه ربما يحصل أيضا مع عدم الاجتماع، فلا ريب في أن المراد من الخبر المزبور أنه لا ينبغي إعطاء الأقل من صاع للفقير الواحد لقلة الانتفاع به حينئذ ما لم يحصل مرجح آخر من الاجتماع وشدة الحاجة ونحوهما. وبذلك يظهر لك أن هذا القول لا يخلو عن قوة، وإن كان الاحتياط ينبغي تركه، والله أعلم. (و) على كل حال فلا خلاف نصا وفتوى كما لا إشكال في أنه (يجوز أن يعطى الواحد) أصواعا متعددة، بل (ما يغنيه دفعة) ودفعات على حسب ما تقدم في الزكاة المالية (ويستحب اختصاص ذوي القرابة بها) كغيرها من الصدقة، لقوله (عليه السلام) (3): " لا صدقة وذو رحم محتاج " وقوله (4): " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح " (ثم الجيران) لقوله (عليه السلام) (5): " جيران الصدقة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب المستحق للزكاة الحديث 1 - 3 (3) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب الصدقة - الحديث 4 - 1 (5) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب زكاة الفطرة - الحديث 2 و 5 و 7

[ 543 ]

أحق بها " وينبغي ترجيح أهل الفضل في الدين والعلم، قال عبد الله بن عجلان السكوني (4) قلت: لأبي جعفر (عليه السلام): إني ربما قسمت الشئ بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم ؟ فقال: أعطهم على الهجرة في الدين والفقه والعقل " والمقصود من ذلك بيان أن هذه ونحوها مرجحات، ومع التعارض ينبغي ملاحظة الميزان كما أشرنا إلى نحو ذلك في الزكاة المالية، والأمر سهل. إلى هنا تم الجزء الخامس عشر من كتاب جواهر الكلام بحمدالله ومنه وبه تم كتاب الزكاة وقد بذلنا غاية الجهد في تصحيحه ومقابلته للنسخة الأصلية المخطوطة بقلم المصنف (قدس سره) وقد خرج بعون الله عز وجل خاليا عن الأغلاط إلا ما زاغ عنه البصر ويتلوه الجزء السادس عشر في الخمس والصوم ان شاء الله تعالى عباس القوچاني


(1) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية