جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 16


[ 1 ]

جواهر الكلام (في شرح شرائع الاسلام) تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 الجزء السادس عشر قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچانى نهض بمشروعه الشيخ على الاخوندى نام كتاب: جواهر الكلام تأليف: الشيخ محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتاب الاسلاميه تيراژ: 1500 جلد نوبت چاپ: دوم تاريخ انتشار: 1365 چاپ از: چاپخانه خورشيد آدرس ناشر: تهران، بازار سلطاني، دار الكتب الاسلاميه تلفن 520410 - 527449

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله كتاب الخمس وهو حق مالي فرضه الله مالك الملك بالاصالة على عباده في مال مخصوص له ولبني هاشم الذين هم رؤساؤهم وسواسهم، واهل الفضل والاحسان عليهم عوض إكرامه إياهم بمنع الصدقة والاوساخ عنهم، كاكرامه تعالى لهم بجعله ذلك من شرائط الايمان وبقرنه وبتشريكه ذاته تعالى معهم في ذلك مبالغة في نفي احتمال الصدقة والوسخية التي تنزه عنها تلك الذات الجامعة لجميع صفات الكمالات، وتعظيما وإجلالا لهم باظهار هذه الشركة، وإلا فحقه تعالى لوليه كما اشار إليه الصادق (عليه السلام) بقوله في خبر معاذ (1): (إن الله لم يسأل خلقه مما في ايديهم قرضا " من حاجة به إلى ذلك، وما كان لله من حق فانما هو لوليه) إلى آخره إكراما " منه له، وإلا فوليه (عليه السلام) ايضا " لا يحتاج إلى ما في ايدي الناس بل قال الصادق (عليه السلام) ايضا " في مرفوعة الحسين بن محمد (2): (من زعم


(1) و (2) أصول الكافي ج 1 ص 537 " باب صلة الامام عليه السلام " الحديث 3 - 1.

[ 3 ]

ان الامام (عليه السلام) يحتاج إلى ما في ايدي الناس فهو كافر، إنما الناس يحتاجون ان يقبل منهم الامام (عليه السلام) قال الله عز اسمه (1): (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقال (عليه السلام) ايضا " في خبر ابن بكير (2): (إني لاخذ من احدكم الدرهم، واني لمن اكثر اهل المدينة مالا ما اريد بذلك إلا ان تطهروا) الحديث. على انه قد تظافرت الاخبار وشهد له التدبر والاعتبار بأن الدنيا بأسرها لهم (عليهم السلام) كما يؤمي إليه (3) تسمية ما جعله الله لهم من الانفال فيئا، إذ هو بمعنى الرجوع اي انه كان في ايدي الكفار ثم ارجعه الله إليهم، وفي خبر ابن الريان (4) (كتبت إلى العسكري (عليه السلام) جعلت فداك روي لنا ان ليس لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من الدنيا إلا الخمس، فجاء الجواب ان الدنيا وما عليها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي مرسل محمد بن عبد الله المضمر (5) (الدنيا وما فيها لله ولرسوله ولنا، فمن غلب على شئ منها فليتق الله وليؤد حق الله وليبر إخوانه، فان لم يفعل ذلك فالله ورسوله ونحن براء منه) وفي آخر (6) عن الباقر (عليه السلام) (قال رسول الله (صلى الله عليه واله): خلق الله تعالى آدم واقطعه الدنيا قطيعة فما كان لادم فلرسول الله صلى الله عليه واله


(1) سورة التوبة - الآية 104. (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3. (3) الوسائل - الباب 1 - من ابواب الانفال من كتاب الخمس. (4) و (6) أصول الكافي ج 1 ص 409 " باب أن الارض كلها الامام عليه السام " - الحديث 6 - 7 (5) أصول الكافي ج 1 ص 408 " باب أن الارض كلها للامام عليه عليه السلام " الحديث 2 عن أحمد بن محمد بن عبد الله.

[ 4 ]

وما كان لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فهو للائمة من آل محمد عليهم السلام وفي خبر ابي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) (قلت له: أما على الامام زكاة ؟ فقال: احلت يا ابا محمد، أما علمت ان الدنيا والاخرة للامام عليه السلام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله، إن الامام عليه السلام يا ابا محمد لا يبيت ليلة ابدا " ولله في عنقه حق يسأله عنه) إلى غيرذلك. خصوصا " الاراضي كما استفاضت به الاخبار (2) ايضا "، والانهار الخمسة بل الثمانية التي خرقها جبرئيل (عليه السلام) بابهامه بأمر الله تعالى منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ والخشوع وهو نهر الشاش بلد وراء النهر ومهران وهو نهر الهند ونيل مصر ودجلة وفرات، فقد قال الصادق (عليه السلام) في خبر المعلى ابن خنيس (3): (إن ما سقت هذه أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي اوسع فيما بين ذه إلى ذه - يعني بين السماء والارض - ثم تلا هذه الاية (4) (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) المغصوبين عليها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصب) بل عن السندي بن الربيع عن ابن ابي عمير حمل هذه الاخبار على ظاهرها لا باطنها، قال: إنه اي ابن ابي عمير لم يكن يعدل بهشام بن الحكم شيئا "، وكان لا يغب إتيانه ثم انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك ان ابا مالك الحضرمي كان احد رجال هشام وقع بينه وبين ابن ابي عمير ملاحاة في شئ من الامامة، قال ابن


(1) أصول الكافي ج 1 ص 408 " باب أن الارض كلها للامام عليه السام " الحديث 4. (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال من كتاب الخمس. (3) الوسائل - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 7 " (4) سورة الاعراف - الآية 30.

[ 5 ]

ابي عمير الدنيا كلها للامام على جهة الملك، وانه اولى بها من الذين هي في ايديهم وقال أبو مالك كذلك املاك الناس لهم إلا ما حكم الله به للامام من الفئ والخمس والمغنم، فذلك له، وذلك ايضا " قد بين الله للامام اين يضعه وكيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا إليه فحكم هشام لابي مالك على ابن أبي عمير، فغضب ابن ابي عمير وهجر هشاما " بعد ذلك، مع احتمال عدم إرادته اي ابن ابي عمير ما عساه ينساق إلى الذهن من المحكي من كلامه مما ينافي ضرورية الحكم المذكور وبداهته وإن ساعده ظاهر الاخبار السابقة المقطوع بعدم إرادته منها، وإن كان شرح ذلك باظهار باطنها وبابطان ظاهرها محتاجا " إلى إطناب لا يسعه المقام، وعلى كل حال فالخمس في الجملة مما لا ينبغي الشك في وجوبه بعد تطابق الكتاب والسنة والاجماع عليه بل به يخرج الشاك عن المسلمين ويدخل في الكافرين كالشك في غيره من ضروريات الدين نعم يقع البحث فيه من غير هذه الجهة * وفيه فصلان * (الاول فيما يجب فيه) وهو بحسب استقراء الادلة الشرعية منحصر في سبعة على الاصح كما ستعرف فيما يأتي. الاول من غير خلاف فيه كما في ظاهر الغنية أو صريحها (غنائم دار الحرب) بين المسلمين والكافرين كفرا " تستحل به اموالهم وتسبى به نساؤهم واطفالهم، كأن يكون بانكار ولو عنادا " للملك الجبار أو النبي المختار (صلى الله عليه وآله) أو المعاد أو شك في ذلك في غير فسحة النظر، أو إثبات إله أو نبي آخر، لا غيره من اقسام الكفر مما لا يجري فيه ذلك كالمرتدين بغير النصب ملة أو فطرة وإن شاركوا الكفار في القتل ونجاسة السؤر وحرمة الذبائح والنكاح ونحوها، كما هو واضح، كوضوح وجوب الخمس في الاول في الجملة، بل الظاهر الاجماع عليه، بل في الرياض دعواه صريحا "، كما في المدارك حكايته عن المسلمين عليه بل على تمام ما في المتن، وهو الحجة معتضدا " بعدم الخلاف في الغنية بعد الاخبار

[ 6 ]

الكثيرة (1) بل في الرياض انها متواترة، والاية (2) سواء قلنا بكون الغنيمة في الاية والنصوص حقيقة في المفروض كما لعله الظاهر عرفا " بل ولغة كما قيل، أو في الاعم منه ومن غيره مما افاد الناس كما يؤمي إليه إدراج السبعة فيها في البيان بل هو كصريح جهاد التذكرة وغيره، بل ظاهر كنز العرفان وعن مجمع البيان نسبته إلى اصحابنا. بل يشهد له - مضافا " إلى المحكي من فقه الرضا (عليه السلام) (3) وظاهر صحيحة ابن مهزيار (4) الطويلة - خبر حكيم مؤذن بني عبس (5) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله عزوجل: (واعلموا إنما غنمتم) فقال بمرفقيه على ركبتيه ثم اشار بيده، ثم قال: هي والله الافادة يوما " بيوم، إلا ان ابي جعل شيعته في حل ليزكيهم) وغيره وإن كان عليه يلزم زيادة تخصيص في الاية بل لعله مناف للعرف واللغة كما اعترف به في الرياض، بل ظاهر مقابلة الاصحاب لها بباقي السبعة ذلك ايضا ". لكنه عليه بل وعلى الاول يتجه تعميم المصنف بل وغيره من الاصحاب كالشيخ والحلي وابن حمزة والعلامة والشهيدين والمقداد وغيرهم، بل لا اعرف فيه خلافا " * لما حواه العسكر وما لم يحوه من ارض وغيرها * بل هو من معقد إجماع المدارك، كما انه مندرج في خبر ابي بصير (6) عن الباقر (عليه السلام) قطعا "، قال: (كل شئ قوتل عليه على شهادة ان لا إله الا الله وان محمدا "


(1) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 0 - 5 (2) سورة الانفال - الآية 42. (3) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1. (4) الوسائل - الاب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 (5) أصول الكافي ج 1 ص 514 " باب الفي والانفال " - الحديث 10

[ 7 ]

رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فان لنا خمسه، ولا يحل لاحدان يشتري من الخمس شيئا " حتى يصل الينا حقنا) بل وغيره ايضا " مما سيمر عليك، بل لعل خبر عمر بن يزيد (1) يشهد له في الجملة ايضا "، قال: (رأيت مسمعا " بالمدينة وقد كان حمل إلى ابي عبد الله (عليه السلام) تلك السنة مالا فرده عليه، فقلت له: لم رده عليك ؟ فقال: إني قلت له حين حملت إليه المال: إني وليت البحرين الغوص فأصبت اربعمائة الف درهم وقد جئتك بخمسها ثمانين الف درهم وكرهت ان احبسها عنك أو اعرض لها وهي حقك الذي جعله الله لك في اموالنا، فقال: أو مالنا من الارض وما اخرج الله منها إلا الخمس، يا ابا سيار ان الارض كلها لنا فما اخرج الله منها من شئ فهو لنا، فقلت له: وانا احمل اليك المال كله، فقال: يا ابا سيار قد طيبناه لك واحللناك منه، فضم اليك مالك، وكل ما في ايدي شعيتنا من الارض فهم فيه محللون، يحل ذلك لهم حتى يقوم قائمنا (عليه السلام) فيجيبهم طسق ما كان في ايديهم، ويترك الارض في ايديهم، واما ما كان في ايدي غيرهم فان كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا (عليه السلام) فيأخذ الارض من ايديهم ويخرجهم عنها صغرة). ومنه بل وغيره من الاخبار يستفاد إباحتهم (عليهم السلام) لشيعتهم حقهم في الارض معتضدا " ذلك بالسيرة القطعية على عدم إخراج الخمس من هذه الاراضي من غير فرق بين اسهم الخمس الستة، ولا استبعاد في تسلطهم على ذلك بالنسبة للاسهم الثلاثة ايضا " بعد ان كان اهلها عيالهم واتباعهم، ونقصهم عليهم، كما ان زيادة حقهم لهم، بل هو وسائر الناس وجميع ما في ايديهم ملك لهم، كما سمعته من الاخبار السابقة، فلا إشكال حينئذ فيما يأخذه الشيعة في هذا الزمان من


(1) اصول الكافي ج ص 408 " باب أن الارض كلها للامام عليه السلام " الحديث 3

[ 8 ]

الارض المفتوحة عنوة من حاكم الجور وإن كان فيها الخمس، بل لعل استفاضة الاخبار (1) بل تواترها بتحليل نحو ذلك لنا معللا بطيب مولدنا ونحوه يراد به ماكان لهم في مثل هذه الاراضي، ضرورة انه المحتاج إليه، بل به قوام الشيعة وان كان مثله ايضا " ما فتح بغير إذنهم مما حكم الله تعالى به لهم خاصة، بل وسائر الانفال ايضا "، بل وسائر غنائم دار الحرب وإن كان عن فتح سابق باذنهم كما صرح بذلك كله الاستاذ في كشفه، فتشعر حينئذ هذه الاخبار ايضا " بوجود الخمس في الاراضي المغتنمة ايضا " مضافا " إلى ما سمعت. فما في الحدائق - من الاطناب بانكاز ذلك على الاصحاب وانه لا دليل عليه سوى ظاهر الاية (2) التي يمكن تخصيصها بظاهر ما ورد من الاخبار في هذا المضمار من قصر الخمس على ما يحول وينقل من الغنائم دون غيره من الاراضي والمساكن كصحيح ربعي (3) وغيره مما اشتمل على القمسة اخماسا " واسداسا " عليهم وعلى الغانمين الذي لا يتصور بالنسبة للارض، ضرورة عدم استحقاق الغانمين ذلك في الارض، إذ هي للمسلمين كافة إلى يوم القيامة، وامرها بيد الامام عليه السلام بل ملاحظة هذه الاخبار الواردة في بيان احكام الارض المفتوحة عنوة خصوصا " ارض خيبر وبيان حكم الخراج مما يشهد لذلك ايضا "، لخلوها جميعها عن التعرض فيها للخمس مع تعرض بعضها للزكاة - مما لا ينبغي ان يلتفت إليه. ومن العجيب دعواه ظهور سائر الاخبار في قصر الحكم على ذلك مع انا لم نقف على خبر منها كذلك، نعم ظاهر بعضها الوارد في كيفية القسمة غير الارض لكن لا على جهة الحصر والتخصيص، كما ان تلك الاخبار الواردة في المفتوحة


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال من كتاب الخمس (2) سورة الانفال - الآية 12 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قمسة الخمس - الحديث 3 الجواهر - 1

[ 9 ]

عنوة وانها ملك للمسلمين وكيفية خراجها لا تأبى التقييد بماهنا من كون ذلك بعد الخمس، كما صرح به الشيخ في نهايته، بل هو ظاهر الاصحاب بل كأنه من المسلمات عندهم، نعم قد يشعر به خمس المقنعة فلاحظ وتأمل. فالوجه حينئذ وجوب الخمس في سائر ما يغنم من دار الحرب لكن ينبغي استثناء صفايا الامام منه من فرس وجارية ونحوهما، كما نص عليه غير واحد من الاصحاب، لصحيح ربعي (1) عن الصادق (عليه السلام) (كان رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا اتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة اخماس ويأخذ خمسه، ثم يقسم اربعة اخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم قسم الخمس الذي اخذه خمسة اخماس يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه، ثم يقسم الاربعة اخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وابناء السبيل، يعطي كل واحد منهم جميعا "، وكذلك الامام (عليه السلام) يأخذ كما اخذ رسول الله (صلى الله عليه واله) وخبر ابي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) (سألته عن صفو المال قال: الامام (عليه السلام) يأخذ الجارية الروقة والمركب الفارة والسيف القاطع والدرع قبل ان تقسم الغنيمة، فهذا صفو المال..) الحديث. بل لعل منه قطايع الملوك ايضا "، لمضمر سماعة (3) (سألته عن الانفال فقال: كل ارض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للامام (عليه السلام) ليس للناس فيها سهم) وقول الصادق (عليه السلام) في خبر داود بن فرقد (4): (قطايع الملوك كلها للامام (عليه السلام) ليس للناس فيها شئ) كما انه في جهاد الكتاب واللمعة والروضة التصريح باخراج المؤن التي انفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها قبله، بل وهو الاقوى في النظر والموافق للعدل


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 3 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 15 - 8 - 6

[ 10 ]

المناسب لغيره مما يتعلق فيه الخمس، بل هو قضية ما تسمعه فيما يأتي من عموم ما دل (5) على تأخر الخمس عن المؤونة الشامل لما هنا في وجه، خلافا " للمحكي عن بعضهم، فقدم الخمس عليها، وهو ضعيف. بل في الاخير كالاول التصريح باخراج الجعائل ايضا " اي ما يجعله الامام عليه السلام على فعل مصلحة من مصالح المسلمين، وهو قوي ايضا "، بل لا يبعد عدم وجوبه على المجعول له من هذه الحيثية وإن تعلق به من حيث الاكتساب مع اجتماع شرائطه بل عن الشيخ إخراج السلب ايضا "، بل هو خيرة جهاد الكتاب، إذ هو من قبيل الجعائل بناء " على عدم استحقاق القاتل إياه بدون شرط الامام، وإن فارقها باندراجه تحت اسم الغنيمة بالمعنى الاخص بالنسبة للسالب دونها، فيمكن القول حينئذ بوجوب الخمس عليه وإن قدم بالنسبة إلى اصل القسمة للغنيمة بمعنى إخراج الخمس من الغنيمة بدون ملاحظته، لا انه يجعل من حصة الغانمين خاصة، لكن ظاهر التذكرة عدم الخمس فيه على السالب ايضا " حاكيا " له عن بعض علمائنا وعلله بأنه قضى (عليه السلام) بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب، وهو لا يخلو من بحث. بل في جهاد الكتاب ايضا " كما عن الشيخ تقديم الرضائخ للنساء والعبيد ونحوهم ممن لا حق له في الغنيمة ايضا "، بل عن ابن الجنيد ذلك في النقل ايضا "، وهو العطاء لبعض الغانمين، وهو لا يخلو من قوة، بل لا يجب ايضا " على من رضخ لهم، لعدم اندراجهم في آية الغنيمة بالمعنى الاخص، ودعوى إرادة الاعم منها كما سمعته سابقا " فيجب الخمس حينئذ فيها بل وجميع ما تقدم بعد التسليم يدفعها اتفاق الاصحاب على الظاهر إلا النادر على عدم إرادة غير السبعة منها على تقدير ذلك، هذا.


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 11 ]

وتمام البحث في ذلك كله في باب الجهاد، بل وفي غير ذلك من المباحث التي لها نوع تعلق بالمقام وإن اشار إليها بعضهم هنا، منها تقييد الغنيمة هنا الواجب فيها الخمس باذن الامام لاخراج المأخوذ بغير إذنه، وبالقهر والغلبة لاخراج المأخوذ باذنه بغيرهما كالسرقة والغيلة والدعوى الباطلة والربا ونحوها، إذ الاول للامام (عليه السلام)، والثاني لآخذه، كما يشهد للاول خبر الوراق (1) عن رجل سماه عن الصادق (عليه السلام) (إذا غزا قوم بغير إذن الامام (عليه السلام) فغنموا كانت الغنيمة كلها للامام (عليه السلام) وإذا غزا قوم بأمر الامام (عليه السلام) فغنموا كان للامام (عليه السلام) الخمس) وللثاني بعد الاصل مفهوم خبر حكيم المتقدم (2) سابقا "، كآخر ايضا " (3) (الخمس من خمسة اشياء - إلى ان قال -: والمغنم الذي يقاتل عليه) لكن في الروضة ان هذا التقييد للاخراج عن اسم الغنيمة بالمعنى المشهور، لان الاول للامام (عليه السلام) خاصة، والثاني لاخذه، نعم هو غنيمة بقول مطلق فيصح إخراجه منها، وهو واضح الفساد بالنسبة للاول بعد تسليم انه للامام (عليه السلام) كما هو صريح كلامه، إذ هو حينئذ كالانفال التي لا يتعلق فيها خمس ان لم يكن منها، بل خبر ابي بصير (4) السابق يشعر بعدم تعلق الخمس في سائر امواله. نعم في كون ذلك للامام (عليه السلام) مطلقا " كما هو المشهور - بل عن الحلي الاجماع عليه، أو هو كالمأذون فيه للغانمين عدا الخمس كما عن المنتهى قوته بل في المدارك انه جيد، بل يشهد له حسنة الحلبي (5) عن الصادق (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 16 (2) الوسائل - الباب - 4 من أبواب الانفال - الحديث 8 من كتاب الخمس (3) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 11 - 8 (4) أصول الكافي ج 1 ص 408 " باب أن الارض كلها للامام عليه السلام " الحديث 4

[ 12 ]

(في الرجل من اصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة فقال: يؤدي خمسا " ويطيب له) أو التفصيل بين ما يغنمه المخالفون على وجه الجهاد والتكليف بالاسلام نحو ما يقع من خلفاء الجور فللامام (عليه السلام)، وما اخذ جهرا " وغلبة وغصبا " لا بذلك العنوان فليس كما اختاره في الحدائق، بل فيها اني لم اعلم قائلا بالاطلاق، ولا دليل له، إذ مرسلة الوراق موردها ما سمعت - بحث يأتي الكلام فيه عند تعرض المصنف له، وإن كان يقوى الان في النظر الاول، لاطلاق النص والفتوي والاجماع المحكي، وما سمعته من الحدائق لا ينبغي ان يصغى إليه، وجيد بالنسبة للثاني فيما اندرج منه تحت اسم الغنيمة عرفا " دون الربا ونحوه، وإن اختاره الاستاذ في كشفه مطلقا "، خلافا " للدروس وغيره لا للصحيح عن ابن البختري (1) عن الصادق (عليه السلام) (خذ مال الناصب حيث ما وجدته وادفع الينا الخمس) وعن ابي بكر الحضرمي (2) عن المعلى قال: (خذ من مال الناصب حيث ما وجدت وابعث (وادفع خ ل) الينا الخمس) إذ هو مبني على إرادة الحربي من الناصب بمعنى الناصب للحرب، ولا شاهد له بناء على معروفية غير ذلك منه، أو على الاولوية أو المساواة منه، وقد يمنعان بعد تسليم ذلك في الناصب وانه كالحربيين فيه، وإلا فلو قلنا: إنه كالمرتدين في حرمة المال ونحوه - كما هو صريح الحلي، بل هو الذي دعاه إلى تفسير الناصب في الخبرين بالمعنى الاول، إذ هو في الثاني قد اعتصم بالاسلام، وإن رده في الحدائق بأنه خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفا " وخلفا " من الحكم بكفر الناصب، وجواز اخذ ماله وقتله - لم نحتج حينئذ إلى منعهما، بل لاطلاق الاية والنصوص إذ دعوى اشتراطه المقاتلة في اسم الغنيمة واضحة المنع، ومن ذلك يظهر لك ما في إخراجها، بل وإخراج المغتنم بغير إذن الامام (عليه السلام) ايضا " عنها بالمعنى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 6 - 7

[ 13 ]

المشهور كما سمعته من الروضة. ومنها إلحاق البغاة بالمشركين في وجوب الخمس في المغتنم من اموالهم مما حواه العسكر كما صرح به بعضهم، بل في الروضة نسبته للاكثر، واستشكله في الحدائق بأنه لا دليل عليه. بل ظاهر الادلة كتابا " وسنة خلافه، نعم تباح اموالهم للمسلمين من غير فرق بين ما حواه العسكر وغيره، وهو جيد فيما لا يدخل منهم ببغيه تحت اسم الناصب، وإلا امكن الاستدلال عليه بالخبرين السابقين بناء على إرادة الناصب فيهما بالمعنى المعروف. ومنها تقييد المغتنم ب‍ (ما لم يكن غصبا " من مسلم) أو ذمي أو (معاهد) ونحوهم من محترمي المال، ووجهه واضح، نعم لا فرق فيما كان في يد المحاربين بين اموالهم واموال غيرهم من اهل الحرب ايضا وإن لم يكن الحرب معهم في تلك السرية، لاطلاق الادلة كتاب وسنة، كما انه لا فرق فيما يجب فيه من المغتنم (قليلا كان أو كثيرا) وفاقا لصريح جماعة وظاهر آخرين، بل لااعرف فيه خلافا سوى ما يحكى عن ظاهر غرية المفيد من اشتراط بلوغ مقدار عشرين دينارا وهو ضعيف جدا لا نعرف له موافقا ولا دليلا، بل هو على خلافه متحقق كما عرفت. ومن الغنيمة عرفا فداء المشركين وما صولحوا عليه وفاقا للدروس والروضة وكشف الاستاذ، فيجب فيه الخمس، بل هو منها قطعا بالمعنى الاعم وإن كان في وجوب الخمس فيه حينئذ بحث، لمنع إرادة ما عدا السبعة منه. فتأمل. وليس الجزية من احدهما ولا من الملحق به قطعا وإن حكى الاول من الكتب السابقة الاخير عن ابن الجنيد، لكنه ضعيف. (الثاني) من السبعة الواجب فيها الخمس (المعادن) إجماعا محصلا

[ 14 ]

ومنقولا صريحا في الخلاف والسرائر والمنتهى والتذكرة والمدارك وغيرها، وظاهرا في كنز العرفان وعن مجمع البحرين والبيان، بل في ظاهر الغنية نفي الخلاف بين المسلمين عن معدن الذهب والفضة، كما ان ظاهره فيها أو صريحه الاجماع على غيرهما من افراده ايضا وكتابا بناء على إرادة الاعم من الغنيمة، وسنة مستفيضة عموما وخصوصا، منها صحيح الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) (عن الكنز كم فيه ؟ قال: الخمس، وعن المعادن كم فيها ؟ قال: الخمس وكذلك الرصاص والصفر والحديد، وكل ما كان من المعادن يؤخذ منها ما يؤخذ من الذهب والفضة) ومحمد (2) عن الباقر (عليه السلام) انه سئل (عن معادن الذهب والفضة والحديد والرصاص والصفر فقال: عليها الخمس) كصحيحه الاخر المروي (3) في غير الفقيه (سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة فقال: وما الملاحة ؟ فقلت: ارض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا، فقال: هذا المعدن فيه الخمس، فقلت: فالكبريت والنفط يخرج من الارض قال: فقال: هذا واشباهه فيه الخمس) بل والفقيه ايضا وان كان الموجود من بعد قول (يصير ملحا) (هذا مثل المعدن) الي آخره، وصحيح زرارة (4) عن ابي جعفر (عليه السلام) (سألته عن المعادن ما فيها ؟ فقال: كل ما كان ركازا ففيه الخمس، وقال: ما عالجته بمالك ففيه ما اخرج الله سبحانه من حجارته مصفى الخمس) بناء على إرادة المعادن من الركاز كما هو المناسب للسؤال بل وللسائل لما في المغرب وعن ابن الاثير من انه كذلك عند اهل العراق، أو الاعم منها وغيرها من المال المدفون وما فيه وعنه ايضا من انه عند الحجاز الكنوز المدفونة، فهو وان كان يناسب إرادته المسؤل إلا ان الظاهر منه ما قلناه، إلى


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 2 - 1 - 4 - 3

[ 15 ]

غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي كادت تكون متواترة. ومنها مع التأمل والتدبر يستفاد تعميم المعدن لغير منبت الجواهر من الذهب والفضة ونحوها وان فسره به في القاموس، بل مال إليه الفاضل المعاصر في رياضه مدعيا انه المتبادر منه عرفا، بل فيه ان العموم مخالف لبعض النصوص (1) السابقة المتضمن لكون الملاحة مثل المعدن لا نفسه، لكنه كما ترى ممنوع، بل لعل العرف على خلافه، كما ان ذلك البعض من النصوص مع ان الموجود في غير رواية الفقيه ما عرفت لاصراحة فيه، بل لعل مثله مما يقال فيما يراد به المعدن نفسه ايضا، على انه من جملة مسمى المعدن، خصوصا بعد ان عرفت ان العرف على الاعم من ذلك بل واللغة كما عن ابن الاثير انه ما يخرج من الارض ويخلق فيها من غيرها مما له قيمة، بل في التذكرة المعادن كلما خرج من الارض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء كان منطبعا بانفراده كالرصاص والصفر والنحاس والحديد أو مع غيره كالزيبق، أو لم يكن منطبعا كالياقوت والفيروزج والبلخش والعقيق والبلور والشبه والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة والملح، أو كان مايعا كالقير والنفط والكبريت عند علمائنا اجمع) كما انه قال في المنتهى ايضا: (ويجب الخمس في كل ما يطلق عليه اسم المعدن سواء كان منطبعا بانفراده كالرصاص والنحاس والحديد أو مع غيره كالزيبق، أو غير منطبع كالياقوت والفيروزج والبلخش والعقيق، أو مايعة كالقار والنفط والكبريت ذهب إليه علمائنا اجمع) بل صرح بهذا التعميم أو ما يقرب منه كثير من الاصحاب كالشيخ في جمله وخلافه ونهايته، وابن حمزة في وسيلته وابن زهرة في غنيته، بل ذكر فيها الموميا والعنبر كالسرائر في الاول والشهيد الاول في دروسه، بل زاد فيها المغرة والجص والنورة وطين الغسل ذا العلاج، كما انه في


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 4

[ 16 ]

بيانه بعد تعداد جملة منها قال: (وألحق به حجارة الرحى وكل ارض فيها خصوصية يعظم الانتفاع بها كالنورة والمغرة) والثانى في روضته بل ومسالكه، قال فيهما: (المعدن بكسر الدال ما استخرج من الارض مما كانت اصله ثم اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها كالملح والجص وطين الغسل وحجارة الرحى والجوهر من الزبرجد والعقيق والفيروزج وغيرها) والاستاذ في كشفه، إلى غير ذلك من عباراتهم الظاهرة بل الصريحة في ذلك التعميم، وفى دوران الحكم مدار التسمية الشاملة لذلك كله، ولذ قال في السرائر (انه يجب في كل كل ما يتناوله اسم المعدن على اختلاف ضروبه سميناه وذكرناه أو لم نذكره، وقد حصر بعض اصحابنا وهو شيخنا أبو جعفر الطوسى في جمله وعقوده، فقال: (الخمس يجب في خمسة وعشرين جنسا) وهذا غير واضح وحصر ليس بحاصر، ولم يذكر في جملة ذلك الملح ولا الزمرد ولا المفرة ولا النورة) إلى آخره، وإن كان ما حضرني من عبارة الجمل لا حصر فيها كما ذكر، وإن اكثر من الامثلة كالوسيلة بل وغيرها، وإلا فهو صرح في النهاية بأن المدار التسمية. فظهر من ذلك كله انه لا إشكال عندنا في وجوب الخمس في المعادن كلها (سواء كانت منطبعة) بانفرادها (كالذهب والفضة والرصاص) والنحاس أو مع غيرها كالزيبق (أو غير منطبعة كالياقوت والزبرجد) والفيروزج والعقيق (والكحل، أو مايعة كالقير والنفط والكبريت) نعم توقف في المدارك كما عن غيره، بل استجوده في الرياض في المغرة والجص والنورة وطين الغسل وحجارة الرحى، للشك في تناول اسم المعدن لها، وعدم الدليل عليها بالخصوص، وهو جيد خصوصا في مثل الجص لولا ما عرفت من ظهور اتفاق الاصحاب على التعميم السابق فضلا عن محكيه، سيما بالنسبة إلى المغرة التي هي من معقد إجماع التذكرة


الجواهر - 2

[ 17 ]

المتجه مع ملاحظته التعميم لسائر الافراد المشكوك في صدق اسم المعدن عليها، بل في الرياض (انه ينبغي القطع بوجوب الخمس فيها اي هذه الافراد المشكوك فيها بناء على عموم الغنيمة لكل فائدة، والكل منها بلا شبهة، ووجوبه فيها من هذه الجهة غير وجوبه فيها من حيث المعدنية، وتظهر الثمرة في اعتبار مؤونة السنة فتعتبر على جهة الفائدة لا على المعدنية، ولعل هذا احوط) انتهى، لكن فيه انه قد يقال لا تلازم بين البناء على عموم الغنيمة والقول بوجوب الخمس فيها ان لم نقل إنها من المعدن، لظهور اتفاق الاصحاب عدا النادر على عدم وجوبه في غير السبع منها، وظاهر حصر الخمس في خمسة في بعض النصوص، اللهم إلا ان يدعى اندراجه في الخامس منها كما تعرفه إن شاء الله، وكذا لا تلازم بين القول بوجوب الخمس فيها لا من جهة المعدنية وبين كونه متأخرا عن مؤونة السنة حينئذ حتى يكون ذلك ثمرة، إذ لعل الظاهر من اخبار المؤونة غيرها، فيبقى إطلاق الاية وغيره من غير معارض، أو لعله ملحق بالمعادن وإن لم نقل إنه منها كما عساه يؤمي إليه عبارة البيان السابقة، بل وكشف الاستاذ، لظاهر الصحيح (1) السابق على رواية الفقيه له، بل لعل توسعهم في المعدن هنا حتى ادرجوا فيه ما عرفت لذلك على معنى إرادة المعدن وما في حكمه وإن توسعوا في العبارة لا ان المراد اندراج سائر الافراد السابقة في موضوعه، خصوصا مع ملاحظة ما وقع لهم في غير المقام من عدم هذه التوسعة في المعدن، بل لعل اخذ الغير في تعريفي النهاية والتذكرة يقتضي إخراج جملة مما سمعت عن المعدن، بل هو مضاد لما سمعته من الروضة في تفسيره، اللهم إلا ان يراد بالغير ما كان اصله منها إلا انه صار غيرها بالاستحالة لا انه غيرها اصلا، ولكن خلق فيها على ما عساه يوهمه ظاهر العبارة كما انه يراد بما في الروضة انه المخرج من الارض مما كان اصله منها لكنه خرج


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 4

[ 18 ]

عنها وصار غيرها، فحينئذ يتحد التفسيران من هذه الجهة، وإن كان قد يشكل تعريف الروضة بعدم اعتبار كون الاصل من الارض في المعدن، بل لعل القير ونحوه من المعلوم انه ليس كذلك وبدخول مثل الكماة ونحوه فيه، وكان هذا التسامح والاجمال في المعدن لما عرفت، أو لارادة الايكال إلى العرف، ولعله الاقوى لكن فيما سلب عنه الاسم عرفا ولعل منه الجص ونحوه والكماة ونحوها كما يشهد له السيرة المستقيمة، اما ما شك فيه وكان مندرجا فيما سمعته من التفسير له فيحتمل وجوب الخمس فيه، لعدم تحقق معارضة العرف اللغة فيه، وعدمه للاصل، فتأمل جدا. (و) كيف كان ففي صريح الخلاف والسرائر وظاهر غيرهما بل في الدروس نسبته إلى الاكثر انه (يجب فيه الخمس بعد المؤونة) وإن قل من غير اعتبار نصاب، بل في ظاهر الاول أو صريحه كصريح الثاني الاجماع عليه لاطلاق الادلة (وقيل) والقائل الشيخ في نهايته وعن مبسوطه وابن حمزة في وسيلته، ووافقهما جماعة من المتأخرين، بل في المدارك نسبته إلى عامتهم (لا يجب حتى يبلغ) مايخرج منه قيمة (عشرين دينارا) ولو في معدن الذهب، لكن لا تجزي القيمة القديمة، بل لابد من اعتبار القيمة وقت الخروج، فمتى خرج من الصفر ونحوه ذلك وجب الخمس، فما عن الشهيد من الاجتزاء بالقيمة التي كانت في صدر الاسلام لا يخلو من نظر (و) على كل حال فبلوغ النصاب المذكور (هو المروي) صحيحا عن ابي الحسن (عليه السلام) سأله ابن ابي نصر (1) (عما اخرج من المعدن قليل أو كثير هل فيه شئ ؟ فقال: ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا).


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1

[ 19 ]

وقيل كما عن ابي الصلاح اختياره، والفقيه والمقنع روايته (1) مرسلا (لا يجب حتى يبلغ قيمته دينارا واحدا) لخبر ابن ابي نصر (2) عن محمد بن علي بن ابي عبد الله عن ابي الحسن (عليه السلام) ايضا (سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة هل فيه زكاة ؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس) (والاول اكثر) قائلا من القدماء، إذ هو مع انه صريح من عرفت ظاهر غيره: بل حكي عن المفيد والاسكافي والعماني وغيرهم، بل قد عرفت دعوى الاجماع عليه والثانى اكثر قائلا من المتأخرين، بل قد عرفت حكايته عن عامتهم، بل هو الاقوى في النظر، لوجوب تقييد الاطلاق بالصحيح المعتضد بالاصل وبالشهرة المتأخرة التي قد يدعى اقوائيتها من المتقدمة، خصوصا هنا باعتبار صراحة الفتوى بذلك منهم دون الاول: على انها اعظم منها بل في الرياض انها كادت تكون إجماعا بل لعلها إجماع في الحقيقة، والخروج عن الاجماع المذكور بعد موهونيته باعراض المتأخرين وبعض القدماء عنه، بل وحاكيه الاول في نهايته وعن مبسوطه، وعدم صراحة اولهما فيما نحن فيه بل ولا ظهوره عند التأمل كما لا يخفى على من لاحظه، كعدم صراحة ثانيهما بالاجماع المصطلح، بل ظاهره إرادة نفي الخلاف منه الموهونة بثبوته ممن عرفت ممن تقدم على حاكيه وقصور الخبر سندا عن مقاومة ذلك الصحيح الذى رواه ابن ابي نصر من غير واسطة اصلا فضلا عن ان تكون مجهولة، بل ودلالة، لعدم تناوله غير معدن الذهب والفضة اولا، واحتماله الجواب عن غيرهما والاستحباب ثانيا. نعم لا يعتبر في النصاب المذكور الاخراج دفعة وفاقا لظاهر جماعة وصريح آخرين، لاطلاق الادلة، بل لافرق بين تحقق الاعراض بين الدفعات وعدمه، وفاقا لظاهر بيان الشهيد الاول وصريح مسالك الثاني والمدارك وغيرها لذلك ايضا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث (5)

[ 20 ]

وخلافا للفاضل في المنتهى فاعتبر عدم الاهمال في الانضمام المزبور، ولم نعرف له مأخذا معتدا به. وكذا لا فرق قطعا بين اتحاد المستخرج للمعدن وتعدده بحيث اشتركوا في حيازته إذا بلغ نصيب كل واحد منهم النصاب، اما إذا لم يبلغ فقد صرح غير واحد بعدم الوجوب على احد منهم، بل لا اعرف من صرح بخلافه، لكن قد يقال بظهور صحيح ابن ابي نصر السابق بل وغيره من الاخبار بخلافه، كما اعترف به الشهيد في بيانه، وهو احوط إن لم يكن اولى، بل قد يدعى ظهور الصحيح المذكور في عدم اعتبار ذلك في المتعددين غير الشركاء ايضا وإن كان بعيدا جدا إن لم يكن ممتنعا. نعم لا فرق في الظاهر بين ما يخرج من معدن واحد أو معادن متعددة إذا بلغ مجموع الخارج منها نصابا كما صرح به الاستاذ في كشفه تبعا للشهيد في مسالكه وسبطه في مداركه في وجه فيهما، لاطلاق الادلة، إلا ان الانصاف عدم خلوه عن الاشكال، للاصل وانسياق المتحد من الادلة السابقة، خصوصا صحيح النصاب (1) على انه صرح في السرائر والمنتهى بعدم الخمس فيما لو وجد ركازا دون النصاب ثم وجد ركازا آخر دون النصاب واجتمعا نصابا، ولم اجد الفرق بينه وبين ما نحن فيه، بل يحتمل قويا إرادة من عدا الاستاذ وجوب الضم بالنسبة لما يخرج به بعد ذلك في المنتهى، قال: إذا اشتمل المعدن على جنسين كالذهب والفضة ضم احدهما إلى آخر، وكذا ما عداهما، خلافا لبعض الجمهور فلا يضم في الذهب والفضة خاصة، بل كاد يكون كلام المدارك نصا في إرادة ذلك، فينفرد الاستاذ في كشفه بما سمعت لولا ان الظاهر من الدروس ذلك ايضا.


(1) الوسائل الباب - 4 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1

[ 21 ]

ثم من المعلوم انه بعد إحراز النصاب المزبور يجب الخمس فيه وفيما زاد وإن قل، لظاهر الادلة السابقة، ولا يجزي في الخمس إخراج خمس تراب المعدن مثلا لجواز اختلافه في الجوهر، اما لو علم التساوي أو الزيادة ففي المسالك والمدارك إجزاؤه، لكن قد يشكل بظهور ذيل صحيح زرارة (1) السابق في اول البحث في تعلق الخمس بعد التصفية وظهور الجوهر، بل قد يدعى ظهور غيره في ذلك ايضا، بل لعله المتعارف المعهود، ولذا صرح الاستاذ في كشفه بعدم الاجزاء فتأمل. ولو لم يخرج الجوهر من المعدن حتى عمله دراهم أو دنانير أو حليا أو نحو ذلك من الالات فزادت قيمته اعتبر في الاصل الذي هو المادة الخمس، وفي الزائد حكم المكاسب، فيقوم حينئذ سبيكه ويخرج خمسه، كما هو واضح، وبه صرح في المسالك والمدارك، لكن قال في الاول بعد ذلك بلا فاصل: (وكذا لو اتجر به قبل إخراج خمسه) وقد يشكل بأن المتجه وجوب الخمس في الثمن ايضا بناء على تعلق الخمس بالعين، وعلى تعلق الخمس بالبائع مع بيعه له جميعه كما صرح به في التذكرة والمنتهى مستشهدا له في الاخير بما رواه الجمهور (2) بل والشيعة وإن كان بتفاوت يسير بينهما لكنه غير قادح عن ابي الحرث المزني (انه اشترى تراب معدن بمائة شاة متبع فاستخرج منه ثمن الف شاة، فقال له البائع: رد علي البيع فقال: لا افعل، فقال: لاتين عليا (عليه السلام) فلا سعين بك، فأتى علي بن ابي طالب (عليه السلام) فقال: إن ابا الحرث اصاب معدنا فأتاه علي (عليه السلام) فقال: اين الركاز الذي اصبت ؟ قال: ما اصبت ركازا إنما


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3 (2) ذكر ذيله في كنز العمال ج 3 ص 306 الرقم 5118

[ 22 ]

اصابه هذا فاشتريته منه بمائة شاة متبع، فقال له علي (عليه السلام): ما ارى الخمس إلا عليك) وكأنه (رحمه الله) فهم البايع من الضمير، وهو كذلك لما في المروى (1) في الكافي والتهذيب من نقل هذه (انه قال امير المؤمنين (عليه السلام) لصاحب الركاز: إن الخمس عليك، فانك انت الذي وجدت الركاز، وليس على الاخر شئ، لانه إنما اخذ ثمن غنمه) ويدفع بأنه وإن كان متعلقا بها وجاز له بيعه وكان الخمس عليه لكن له ضمانه على ان يؤديه من مال آخر، فيتجه حينئذ تعلق الوجوب بالاصل خاصة دون الزيادة الحاصلة بالاكتساب، كما صرح به في المنتهى والتذكرة ايضا معللا له بأن الخمس تعلق بالعين لا بالثمن، نعم يجب فيها ذلك من حيث الربح بعد اجتماع شرائطه، هذا. وفي كشف الاستاذ (لو وجد شيئا من المعدن مطروحا في الصحراء فأخذه فلا خمس) ولعله لظهور الادلة في اعتبار الاخراج وإن كان للنظر فيه مجال، بل قد يدعى تناول الادلة لمثله مع فرض مطروحيته مباحا بأن كان المخرج له حيوانا مثلا، وقد يشهد له في الجملة ما صرح به غير واحد من الاصحاب من ان المعدن إن كان في ملك مالك فأخرجه مخرجه كان المعدن لصاحب الارض، وعليه الخمس، بخلاف الارض المباحة، فانه لمخرجه، إذ لا فرق عند التأمل بين المطروح وبين ذلك. كما ان ما في الكشف المذكور من ان لوجوب الخمس فيما يحتاج إلى العمل من التراب كالتربة الحسينية والظروف وآلات البناء وجها محل للنظر ايضا إذ لا نعرف وجه الوجه سوى احتمال الاندراج في بعض تفاسير المعدن أو ما ألحق به باعتبار الخصوصية التي يعظم الانتفاع بها، لكنه كما ترى، للقطع بعدم إرادة نحو ذلك من الخصوصية المذكورة، كالقطع بعدم عد قابلية الارض للظروف


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1

[ 23 ]

والالات من الخصوصية المعدنية أو الملحق بها، ضرورة قبول اكثر الارض لذلك وإن اريد بالخصوصية المعنى الحاصل بعد العمل من حيث العمل نفسه كما هو ظاهر العبارة فهو اوضح نظرا نعم ما فيه من انه لم حصل شئ قليل من المعدن في مكان فاستنبطه مرة بمقدار النصاب ثم انقطع ففي دخوله في حكم المعادن إشكال في محله وإن كان الاقوى في النظر وجوبه، لاطلاق الادلة المقتضي دخول ذلك كاقتضائه عدم الفرق بين افراد المستنبطين بعد تحقق الملك للمستنبط نفسه أو سيده كما لو كان عبدا. بل ولا بين المسلم والكافر وإن حكى عن الشيخ، بل هو ظاهر البيان انه يمنع الذي من العمل في المعدن، لكن صرح الاول بأنه لو خالف وعمل ملك وكان عليه الخمس لاطلاق الادلة، نعم اعترف في المدارك بأنه لم يقف له على دليل يقضي بمنع الذمي من العمل في المعدن، وهو كذلك بالنسبة إلى غير ما كان في ملك الامام (عليه السلام) من الاراضي الميتة ونحوها، أو المسلمين كالاراضي المفتوحة عنوة، واما فيها فقد يقال بعدم ملكه اصلا فضلا عن منعه فقط، لعدم العلم بتحقق الاذن من الامام (عليه السلام) لهم في الاول، وعدم كونه من المسلمين في الثاني، كما انه قد يقال ببقاء المعادن على الاباحة الاصلية لسائر بني آدم نحو الحطب والماء وإن كانت في الاراضي المذكورة، أو يقال بالفرق بين ما كان للامام (عليه السلام) والمسلمين، فيلتزم بعدم الملك في الثاني دون الاول، لعموم إذنه (عليه السلام) الحاصل من قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (من احيى ارضا ميتة فهي له) أو يفرق بين الذمي وغيره بامكان التزام معاملة الذمي لذمته معاملة المسلمين في نحو ذلك دون غيره، لكن يتجه على الاول حينئذ بل وعلى الاخير استثنا ذلك من إطلاق الحكم بملكية المعدن لمالك الارض، بل لعله من


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 5

[ 24 ]

اللازم في الجملة، للقطع بملك المجيز من المسلمين له إذا كان في الارض المفتوحة عنوة، مع انها ملك لسائر المسلمين، ولعله لانه بنفسه في حكم الموات وإن كان في ارض معمورة منها بغرس أو زرع ولتمام الكلام محل آخر. وكذا لا فرق بين المكلف وغيره كما صرح به في البيان، وإن كان لم يخاطب هو باخراج الخمس إلا انه يثبت في المال نفسه ذلك، لاطلاق الادلة، بل ظاهرها ان الحكم المذكور من الوضعيات الشاملة للمكلفين وغيرهم. (الثالث) من السبعة الواجب فيها الخمس (الكنوز) جمع الكنز المسمى في جملة من عبارات الاصحاب منها التذكرة والمنتهى بالركاز من الركز بمعنى الخفاء بلا خلاف فيه في الخلاف والحدائق وظاهر الغنية أو صريحها، بل مع زيادة (بين اهل العلم) في المنتهى، بل (إجماعا) في الخلاف والتذكرة وظاهر الانتصار أو صريحه، بل في المدارك اجمع العلماء كافة على وجوب الخمس فيه للاية على عموم الغنيمة فيها، خصوصا له للمروى (1) عن الفقيه والخصال في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (يا علي ان عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن اجراها الله له في الاسلام إلى ان قال: ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدق به فأنزل الله واعلموا انما غنمتم..) الاية وعموم السنة، منها خبر سماعة (2) سأل ابا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال: (في كل ما افاد الناس من قليل أو كثير) وخصوص صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) (عن الكنز كم فيه ؟ فقال: الخمس) وصحيح زرارة (4)


(1) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3 - 1 (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 6 (4) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3 الجواهر - 3

[ 25 ]

المتقدم سابقا في المعادن بناء على إرادة الكنز أو الاعم منه ومن المعادن من الركاز فيه، وغير ذلك. (و) الكنز (هو) كما في التنقيح بل والتذكرة بل والمنتهى والبيان والروضة والمسالك (كل مال مذخور تحت الارض) مع زيادة (قصدا) في الاخيرين، ولعل الذخر يغني عنه إن قلنا باعتباره في مسماه كما صرح به في الاخير قال: فلا عبرة باستتار المال بالارض بسبب الضياع، بل يلحق باللقطة، ويعلم ذلك بالقرائن الحالية كالوعاء، وإلا كانت زيادته مفسدة، لعدم الفرق في الظاهر نصا وفتوى في وجوب الخمس بالكنز بين ما علم قصد الذخر فيه وعدمه بل لو علم عدمه كما في بعض المدن المغضوب عليها من رب العالمين، ولعله لذا قال الاستاذ في كشفه: (مذخورا بنفسه أو بفعل فاعل) اللهم إلا ان يلتزم إلحاق نحوه بالكنز لا الدخول في مسماه أو منع جريان الحكم في مثله كالمذخر في جدار أو في بطن شجرة أو خباء من بيوت أو خشب أو تحت حطب فانه صرح الاستاذ المذكور بعدم الخمس فيه وإن كان هو لا يخلو من إشكال في البعض إن لم يكن الكل، بل منع لامكان دعوى التنقيح، سيما مع ملاحظة إلحاقهم الموجود في جوف الدابة والسمكة به بالنسبة للخمس بعد تسليم الشك، أو عدم الصدق وعدم إرادة المثال من الارض لما يشمل مثل بعض ذلك وعدم إمكان الاستدلال بعموم الكتاب والسنة. ثم إن ظاهر تعريف الاصحاب للكنز والركاز المجعول في كلام بعضهم معقدا لنفي الخلاف وللاجماع من آخر بعد تفسيره منهم بما سمعت عدم الفرق بين النقدين وغيرهما مما يعد مالا، بل صرح في التذكرة والمنتهى والدروس والبيان بذلك، بل قد تشعر عبارة الاولين بعد التأمل فيها بالاجماع عليه عندنا، لكن في كشف الاستاذ ان الظاهر تخصيص الحكم بالنقدين، وغيره يتبع الحكم اللقطة بل لعله

[ 26 ]

ظاهر السرائر ايضا، وربما يشهد له بعد الاصل وفهم النوع من صحيح النصاب (1) الاتي وإن حكي في الرياض الاتفاق على إرادة المقدار منه لا النوع - صحة سلب اسمه عن اكثر ما عداهما بل جميعه، إلا انه قد يقال بعد الاغضاء عن عموم الاية والسنة كما عرفت منشأ النعيم المزبور صدق اسم الركاز الموجود في صحيح زرارة (2) السابق المفسر في المصباح المنير وغيره بالمال المدفون، وفي القاموس بما ركزه الله في المعادن اي احدثه، ودفين اهل الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن فلا يقدح سلب اسمه عنه حينئذ بل الظاهر من ملاحظة كلام الاصحاب خصوصا التذكرة والمنتهى والبيان إرادة الركاز من الكنز هنا ولعله لذا فسره المصنف وغيره هنا بما سمعت مما هو معنى الركاز دونه، فتأمل جيدا ويعتبر في وجوب الخمس فيه النصاب بلا خلاف اجده فيه وإن اطلق بعض القدماء بل في الخلاف والغنية والسرائر وظاهر التذكرة والمنتهى والمدارك الاجماع عليه، بل في معقد الاربعة المتأخرة انه عشرون دينارا، كما ان معقد الاول بلوغ نصاب يجب في مثله الزكاة للاصل وصحيح البزنطي (3) عن الرضا (عليه السلام) (سألته عما يجب فيه الخمس من الكنز فقال، ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس) ولعله المروي (4) في المقنعة مرسلا وإن كان هو اصرح منه بالنسبة إلى إرادة المقدار وغيره، قال: (سئل الرضا (عليه السلام) عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس فقال: ما يجب فيه الزكاة من ذلك ففيه الخمس، وما لم يبلغ حد ما يجب فيه الزكاة فلا خمس فيه (لكن في الغنية انه بلوغ قيمة دينار فصاعدا بدليل الاجماع، وهو غريب، بل دعواه الاجماع عليه


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 2 (2) الوسائل الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3 (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 2 - 6

[ 27 ]

اغرب، إذ لم نعرف له موافقا ولا دليلا، نعم كان على بعض الاصحاب أو اكثرهم عدم الاقتصار على العشرين دينارا نصاب الذهب الظاهر في اعتبار ذلك حتى في الفضة بحيث لا يجزي الاقل منه ولو مائتا درهم المساوية له في صدر الاسلام، بل كان ينبغي ذكر المائتي درهم نصاب الفضة معه للصحيح السابق ومعقد إجماع الخلاف بل في المسالك (انه ينبغي القطع به) إلى آخره فيقال حينئذ يعتبر بلوغ العشرين في الذهب والمائتين في الفضة، وايهما كان في غيرهما كما صرح به في المنتهى والتذكرة وغيرهما لا انه يجزي في الذهب مثلا مائتا درهم لو فرض قلتها عن العشرين، أو في الفضة العشرون لو فرض قلتها عن المائتين، وإن امكن تخريجه من لفظ مثله في الصحيح المزبور خصوصا مع ملاحظة تناوله لغير النقدين، بل قد يوهمه عبارتا البيان والمسالك إلا ان المنساق إلى الذهن منه ما ذكرنا، ولعل ذلك الاقتصار للمساواة المزبورة، أو لارادة المثالية أو لدعوى إرادة ذلك من الصحيح المذكور بقرينة الصحيح (1) المتقدم سابقا في المعادن المشتمل على تفسير نحو العبارة فيه بالعشرين دينارا، سيما مع تقارب المسؤول عنه واتحاد الراوي والمروي عنه فيهما. (ف‍) يتجه حينئذ ما في المتن وغيره من انه (إذا بلغ) الكنز (عشرين دينارا وكان في ارض دار الحرب أو دار الاسلام وليس عليه اثره وجب فيه الخمس) وعلى كل حال فلا نصاب له غير ذلك، فيجب حينئذ في بالغه والزائد عليه وإن قل الخمس كما هو ظاهر الاصحاب، بل كاد يكون صريحهم، بل هو صريح بعضهم كالعلامة في المنتهى والتذكرة والشهيد في الدروس والبيان وغيرهما، لكن في المدارك يشكل بأن مقتضى الصحيح السابق مساواة الخمس للزكاة في اعتبار النصاب الثاني كالاول، إلا اني لا اعلم بذلك مصرحا، ويدفع


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1

[ 28 ]

بظهوره بعد ان عرفت إرادة السؤال عن المقدار فيه بالاتفاق المحكي في مساواة الخمس للزكاة في مبدأ تعلق الوجوب لا المساواة في النصب ليكون مابين النصابين عفوا كالزكاة، خصوصا مع ملاحظة المرسل السابق في المقنعة، لا اقل من الشك، فتبقى الاخبار السابقة على إطلاقها اقتصارا على القدر المتيقن خروجه منه. كما انها هي كذلك بالنسبة إلى اعتبار الحول، فلا يعتبر فيه حول حينئذ قطعا كما صرح به غير واحد، كالقطع بعدم اعتبار بلوغ النصاب فيه بضمه إلى مال آخر زكاتي أو غيره وإن حكي عن الشافعي ذلك، نعم في إجزاء حصوله بضم بعض الكنوز إلى بعض وجه وقول تقدم نظيره في المعادن، مع ان المصرح به هنا في السرائر والمنتهى والتذكرة عدمه بل لعله لا يخلو من قوة، وليس هو كالاخراج دفعات من كنز واحد ضرورة، بل ولا كالمال المذخور في ظروف متعددة في مكان واحد أو كالواحد، فان إجزاء الضم فيهما لا يخلو من قوة لا عدمه، بل ينبغي القطع به في الاول، كما هو واضح وتقدم نظيره في المعدن فلاحظ وتأمل. ثم الكنز إن وجد في ارض الحرب وإن كانت ملكا لواحد خاص منهم بل ودار الاسلام إذا كانت مباحة أو لم تكن ملكا لواحد من المسلمين بالخصوص كالمعمور من المفتوح عنوة وكان لا اثر للاسلام من سكة ونحوها عليه فلا خلاف اجده في وجوب الخمس على واجده، لاطلاق الادلة السابقة المستفاد منها ملكيته لواجده المنفي عنها الخلاف في الحدائق على البت في الاول، والظهور في الثاني، بل فيها الاتفاق عليه حكاه في الفائدة الثالثة من الفوائد التي ذكرها فيها، بل قد يظهر من الغنية الاجماع عليه وعلى سابقه ايضا، والمقطوع بها بين الاصحاب في المدارك في الاول، كما انه قد تشعر عبارته بعدم الخلاف في الثاني

[ 29 ]

وهو كذلك، ضرورة انسياقه إلى الذهن من خطابه بتخميسه أو لزومه له كما اعترف به في الحدائق بل قد يستفاد ايضا في الجملة من صحيح ابن مسلم (1) عن احدهما عليهما السلام (سألته عن الورق توجد في دار فقال: إن كان الدار معمورة فيها اهلها فهي لاهلها، وإن كانت خربة فانت احق بما وجدت) كصحيحه الاخر (2) عن الصادق (عليه السلام)، مضافا إلى ما في المدارك من ان الاصل في الاشياء الاباحة والتصرف في مال الغير انما يحرم إذا ثبت كون المال لمحترم أو تعلق به نهي خصوصا أو عموما، والكل هنا منتف، وإن كان في اقتضا ذلك بعد تسليمه ملكية الواجد المتوقفة على ذكر الشارع سببا ينقطع به استصحاب عدمها للواجد وثبوتها للاصيل نظر واضح. بل وكذا الموجود في دار الاسلام السابقة وكان عليه اثر الاسلام ايضا على الاقوى، وفاقا للخلاف والسرائر والمدارك وكشف الاستاذ، بل لعله ظاهر ما عن المفيد والمرتضى والحسن من الاطلاق ايضا، بل لعله ظاهر ابن زهرة في غنيته بل تحتمل عبارته دعواه الاجماع عليه، وخلافا للفاضلين والشهيدين في البيان والمسالك والمقداد وعن المبسوط فلقطة، بل في التنقيح ان عليه الفتوى لما سمعته سابقا من إطلاق وجوب الخمس وغيره المؤيد باشعار صحيحة عبد الله ابن جعفر (3) الواردة في الموجود في جوف الدابة التي ستسمعه فيما يأتي والسالم عن معارض معتد به، إذا هو إما إصالة احترام مال المسلم المتوقف الاستدلال بها على ثبوت كونه مالا لمسلم، وهو في حيز المنع، لاعمية اثر الاسلام والارض منه، على انهما لا يفيدان إلا ظنا لا دليل على حجيته هنا، وإما تناول تعريف


(1) و (2) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللقطة - الحديث 2 - 1 لكن الثاني عن أبي جعفر عليه السلام (3) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب اللقطة - الحديث،

[ 30 ]

اللقطة له الذي هو مال ضائع عليه اثر ملك إنسان ووجد في دار الاسلام، وهو كذلك في حيز المنع ايضا، لظهور الضائع في عدم قصد صاحبه الذخر بخلاف المكنوز، واما قول الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن قيس (1) (قضي علي (عليه السلام) في رجل وجد ورقا في خربة ان يعرفها، فان وجد من يعرفها وألا تمتع بها) فهو مع معارضته بصحيحتي ابن مسلم المتقدمتين لا دلالة فيه على التفصيل المزبور، والجمع بينهما وبينه بذلك لا شاهد عليه، وليس بأولى من الجمع بحمله على كون الخربة لمالك معروف، أو على ما إذا كان الورق غير مكنوز وحمل الصحيحين على المكنوز، نعم لو علم ولو من القرائن المفيدة قطعا بالعادة كونه من الكنوز الاسلامية اتجه الحكم بعدم اندراجه فيما نحن فيه، للقطع بكونه لمحترم المال، بل هو إما لقطة يعرف بها، أو انه يرجع امره إلي حاكم الشرع، أو من مجهول المالك فيتصدق به، لظهور اتفاق الاصحاب على إرادة غير المعلوم كونه لمسلم من الكنز هنا كما يؤمي إليه التفصيل بأثر الاسلام وعدمه، وإن لم نجنح إلي ذلك التفصيل لكن لاعمية الاثر من ذلك لامع تسليم دلالته. ومن هنا كان لا وجه لاحتمال التمسك باطلاق الاخبار كون الخمس في الكنز الشامل لمثل المفروض، ولعل من ذلك ما يوجد الان من بعض الكنوز العباسية أو الاموية أو نحوهما من الدول الاسلامية، بل الظاهر تعين الوجهين الاخيرين فيه بل قد يؤمي إلى الثاني منهما موثق اسحاق (2) الآتي، واما احتمال اللقطة الواجب تعريفها في مثله فبعيد جدا بل لعل مثله ليس من المال الضائع كما عرفت سابقا بل قد يظهر منهم في كتاب اللقطة انه لواجده، وهو متجه إن لم يكن إجماعا، ولكن الانصاف عدم خلو المسألة عن إشكال لاطلاق النصوص، بل قد يقوى جريان حكم الخمس عليه، وكيف كان فما ذكرنا يظهر اولوية جريان الحكم المزبور


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب اللقطة - الحديث 5 - 3

[ 31 ]

في المكنوز في ارض الاسلام المغنومة من الكفار التي يعلم عدم استعمال المسلمين لها بعد الفتح في كنز ونحوه، أو الارض التي لا يد للمسليمن والكفار عليها، بل وكذا الارض المملوكة لمسلم خاص إلا انها خرجت بخلوها عن اهلها وانجلائهم وإعراضهم عنها، فصارت مباحة، فيكون الموجود فيها كالموجود في الارض المباحة، كما هو مضمون صحيحي ابن مسلم السابقين، بل وكذا ما وجده في ارضه المملوكة له باحياء كما صرح به في المدارك، بل حكاه في الحدائق عن جمع، فيملكه ويخرج خمسه إن لم يكن عليه اثر إسلام، وإلا جرى فيه الخلاف السابق الذي قد عرفت قوة كونه كذلك ايضا، اما لو كانت مملكة بابتياع أو هبة أو نحوها مما لا يحصل بسببه ملك للكنز وكان عليه اثر الاسلام ففي المنتهى والتذكرة والمسالك وغيرها عرفه البائع، فان عرفه وإلا فالمالك الذي قبله هكذا، بل لا اجد فيه خلافا بيننا، لوجوب الحكم به له مع دعواه إياه إجماعا في المنتهى، قضاء لظاهر يده السابقة، بل قد يدعى انه محكوم بملكيته له ما لم ينفه عن نفسه لذلك من غير حاجة إلى دعواه إياه، كما عساه يؤمي إليه في الجملة صحيحتا ابن مسلم السابقتان، فيجب تعريفه إياه حينئذ قطعا بل هو اولى من اللقطة في ذلك بناء على انه ليس منها، فما في المدارك حينئذ من انه يمكن المناقشة في وجوب تعريفه لذي اليد السابقة إذا احتمل عدم جريان يده عليه، لاصالة البراءة من هذا التكليف مضافا إلى اصالة عدم التقدم لا ينبغي ان يصغى إليه كما لا يخفى على من له ادنى ممارسة للفقه، وإن قال في الحدائق: إنه لا يخلو من قرب، بل فيها انه يؤيده صحيحة عبد الله بن جعفر (1) المتضمنة لحكم الموجود في جوف الدابة التي ستسمعها فيما يأتي، وهو كذلك، لكن قد يقال بارادة المثال من البائع فيها، أو يفرق بظهور المدفون في الدار انه لصاحبها الاول بخلاف الدابة، نعم لو علم انتفاءه عن


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب اللقطة - الحديث 1

[ 32 ]

بعض الملاك ولو ببعض القرائن المفيدة له عادة لم يجب تعريفه له، لانتفاء فائدته كانتفاء فائدته بالنسبة للمالك السابق على البائع بعد دعوى معرفة البائع إياه لتقديمه عليه إذا تداعياه، كما هو مقتضى الترتيب السابق في التعريف، بل صرح به في المسالك وإن كان لا يخلو من تأمل باعتبار تساوي الجميع في عدم اليد لهم وقت التعريف، كمساواتهم فيها قبله، وقرب زمان يد احدهم من يد المعرف لا يقتضي ترجيحه على غيره، ولعله لذا اطلق في البيان وجوبه تعريفه من كل من جرت يده على المبيع من غير ذكر الترتيب، وإن لم يعرفه جميع من امكنه تعريفه إياه من الملاك السابقين فالمتجه بل صرح به بعضهم صيرورته حينئذ كالموجود في ارض المسلمين يجرى فيه الخلاف السابق، اما إذا لم يكن عليه اثر للاسلام فقضية إطلاق لقطة الكتاب بل كاد يكون صريح الشهيدين في الدروس والمسالك مساواته للاول في وجوب التعريف ايضا وترتيبه، بل قد يظهر من الغنية الاجماع على تعريفه من البائع، كصريحه على انه إن لم يعرفه احد كان لواجده بعد إخراج الخمس، وظاهر التذكرة والمنتهى بل صريحهما اختصاص التعريف فيما عليه اثر للاسلام دون ما لا اثر له عليه، فانه لواجده على احد قولي الشيخ، أو لقطة على الثاني، وفيه بحث، لاشتراك الجميع في المقتضى للتعريف السابق. نعم ينبغي التفصيل بعده إذا انكروه بأنه للواجد إن لم يكن عليه اثر الاسلام، وإلا جرى فيه الخلاف السابق، لا انه مطلقا للواجد كما عساه يوهمه لقطة الكتاب، كاطلاقه هنا ذلك ايضا حيث قال: (ولو وجده في ملك) له (مبتاع عرفه البائع، فان عرفه فهو احق به، وإن جهله فهو للمشتري وعليه الخمس) اللهم إلا ان يريد بالضمير الكنز الذي لا اثر للاسلام عليه، لكن


الجواهر - 4

[ 33 ]

لا يكون كلامه حينئذ مشتملا على حكم القسمين، والظاهر إرادته الجنس من البائع لا البائع القريب خاصة، أو المثالية منه، وإلا فلا فرق بينه وبين الواهب والمصالح وغيرهما، بل في المسالك ووراث كل واحد منهم، ولا بأس به، ولو تعددوا ورثة كانوا أو غيرهم واتفقوا على نفيه أو ثبوته فلا إشكال، كما انه كذلك لو تنازعوا فيه، لرجوعه حينئذ إلى حكم التداعي، اما لو ادعاه بعضهم ونفاه الاخر عن نفسه اختص به في غير صورة الارث على إشكال تعرفه فيما يأتي بل وفيها إذا صرح بأن سبب ملكه غير الارث، أو اطلق دعوى ملكيته من غير تعرض للسبب كما صرح به في المسالك، لثبوت يد له سابقا، وعدم معارض له في دعواه، وإن كان لا يخلو من إشكال، لعدم ثبوت يد له غير يد الشركة، ففي الزائد على حصته يكون كدعوى الاجنبي الموقوف قبولها على البينة، كما هو ظاهر تخصيص التعريف بالبائع ونحوه في كلام الاصحاب اما لو صرح بأن سبب ملكه الارث فليس له إلا حصته قطعا، وهل يملك الباقي الواجد لعدم مدع له ولا تلازم بين الحكم ظاهرا بحصة منه لذلك المدعي وبين ثبوت كون الباقي لمسلم محترم المال، لاحتمال كذبه، أو هو كاللقطة خصوصا عند من اعتبر عدم اثر الاسلام في ملكية الكنز، إذ ليس هو اقوى إمارة من ظهور مدع بعضه بسبب يقتضي الشركة بينه وبين غيره من باقي الورثة وإن نفوه هم عن انفسهم، أو كمجهول المالك يتصدق به ؟ احتمالات، بل يحتمل تسليمه حاكم الشرع أو إيقافه حتى يدعوه لكن اول الاحتمالات لا يخلو من قوة، كما انه لا يخلو من قوة ايضا احتمال وجوب دفع الباقي إلى من يدعيه من الملاك السابقين على مورث هذا الوارث، فيشترك فيه الطبقتان أو الطبقات. وفي إلحاق المستأجر والمستعير ونحوهما بالمالك في سائر ما تقدم وجه، بل اختاره الاستاذ في كشفه مصرحا فيه بتقديم المالك عليه عند التعارض، وعدم

[ 34 ]

شاهد حال لاحدهما كما عن احد قولي الشيخ، بل عن معتبر المصنف اختياره، وهو جيد إن اريد بالمالك المؤجر، لفرعية يده عن يده، وإلا فتقديم السابق عليه لا يخلو من نظر بل منع، وقيل كما عن مختلف الفاضل اختياره، بل قربه الشهيد في بيانه: يقدم المستأجر، لثبوت يده حقيقة ويد المالك حكما، ولاستبعاد إجارة دار فيها كنز، كما انه جزم في الاخير بالعمل بقرينة الحال لمن وجدت له مع اليمين، بل قد يظهر من الاستاذ في كشفه اختياره ايضا، وهو لا يخلو من وجه، فتأمل جيدا فيه وفي جميع ما تقدم ليظهر لك وجه جملة من الفروع التي تركنا التعرض لها لذلك أو لغيره، منها مساواة الارض المنتقلة إليه بارث للمبتاعة في اكثر ما تقدم أو جميعه، فتأمل. بل منه يظهر الحال ايضا في الموجود من الكنز في مالك الغير، إذا الحكم فيه كما صرح به في المدارك كالحكم في الارض المملوكة للواجد، بل في المنتهى والتذكرة والبيان وغيرها التصريح ايضا بتعريفه صاحب الدار، لكن في الاولين انه إن لم يعترف به فهو لاول مالك من دون تعرض للتعريف ولاشتراط الاعتراف ولا لحكمه بعده إذا لم يعترف به بناء على اشتراطه، وفي الثالث انه ان لم يعترف به فهو لواجده، فيخمسه من غير تعرض لتعريفه المالك السابق على من في يده وقت الوجود، بل استغرب في الحدائق حكمه في مثله بأنه لواجده، وعليه الخمس من غير تفصيل بين اثر الاسلام وعدمه مع تفصيله بذلك في الموجود في الارض المباحة، وهو في محله، بل هو اولى في الحكم بكونه لقطة حتى فيما لا اثر للاسلام عليه من السابق، لموثق اسحاق بن عمار (1) سأل ابا ابراهيم (عليه السلام) (عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع ؟ قال: يسأل عنها اهل المنزل


(1) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب اللقطة - الحديث 3

[ 35 ]

لعلهم يعرفونها، قلت: فان لم يعرفوها ؟ قال: يتصدق بها) من حيث ظهوره بذلك كما اعترف به في الحدائق وإن كان قد يمنع عليه ويدعى ظهوره في انه من مجهول المالك، لكن لما كان لا تفصيل فيه بظهور اثر الاسلام وعدمه مع انه يمكن تحصيل الاجماع على ملكية الواجد الثاني إذا لم يعترف به المالك، مضافا إلى اطلاق الادلة السابقة ضعف الركون إلى اطلاقه بالنسبة إليه، بل وبالنسبة للثاني لما عرفته سابقا، فالاولى تنزيله على معلومية كونه لمسلم، فيتجه امره حينئذ بالصدقة، كما انه يحتمل تنزيل ما في الخلاف من انه إذا وجد ركازا في ملك مسلم أو ذمي في دار الاسلام لا يتعرض له إجماعا - على ذلك أو على إرادة حرمة التعرض، وإن كان الحكم فيه لو تعرض ما سمعت أو نحو ذلك مما ينزل عليه صحيحا ابن مسلم (1) المتقدمان في اول المبحث الظاهر ان ايضا في ملكية صاحب الدار ما فيها، فتأمل جيدا، فان المسألة لا تخلو من بحث، وقد ذكرنا التحقيق فيها في كتاب اللقطة، وهو مناف لما هنا، فلاحظ وتدبر. (وكذلك) يجب تعريف البائع (لو اشترى دابة ووجد في جوفها شيئا له قيمة) فان عرفه وإلا فهو للمشتري، وعليه الخمس لصحيح عبد الله بن جعفر (2) قال: (كتبت إلى الرجل اسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للاضاحي فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر لمن يكون ذلك ؟ فوقع عليه السلام عرفها البائع فان لم يكن يعرفها فالشئ لك رزقك الله إياه) لكن ظاهره تعريف البائع خاصة، اللهم إلا ان يريد المثال أو علم نفيه عن غيره كما ان ظاهره عدم الفرق بين ما عليه اثر الاسلام اولا، بل لعله ظاهر في الاول، وهو مما يؤيد المختار، ضرورة مساواته للارض المبتاعة، بل ظاهره عدم الخمس


(1) الوسائل الباب - 5 - من كتاب اللقطة - الحديث 1 و 2 (2) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب اللقطة - الحديث 1

[ 36 ]

ايضا كما هو مقتضى الاصل ايضا، لكن في المدارك انه قد قطع به الاصحاب، وظاهره كالكفاية والحدائق الاتفاق عليه لكن فيها بعد ذلك (ان ظاهرهم اندراجه في مفهوم الكنز، وهو بعيد، نعم يمكن دخوله في قسم الارباح). قلت: بل جزم في الحدائق بذلك، وببطلان اندراجه في الكنز، وهو جيد بالنسبة للثاني، بل لم اعرف احدا من الاصحاب صرح بخلافه، نعم قد يظهر من بعضهم إلحاقه به تنقيحا، وهو موقوف على الدليل، فان ثبت إجماعا كان أو غيره تعين القول به، كما ان الظاهر انه كذلك، لعدم وصول شئ منها الينا، كما ان الظاهر عدم اندراجه في قسم الارباح، ضرورة كونه بمعزل عنه، إذ ليس هو مما اعد أو اخذ للتعرض له، نعم إن قلنا بعموم الغنيمة لكل فائدة اتجه وجوبه فيه على ان يكون قسما مستقلا غير السبعة، ولعله لذا قال في السرائر في باب اللقطة ما لفظه: (وكذلك إذا ابتاع بعيرا أو بقرة أو شاة وذبح شيئا من ذلك فوجد في جوفه شيئا اقل من مقدار الدرهم أو اكثر عرفه من ابتاع ذلك الحيوان منه، فان عرفه اعطاه إياه، وإن لم يعرفه اخرج منه الخمس بعد مؤونة طول سنته، لانه من جملة الغنائم والفوائد وكان له الباقي، وكذلك حكم من ابتاع سمكة فوجد في جوفها درة أو سبيكة أو ما اشبه ذلك، لان البائع باع هذه الاشياء ولم يبع ما وجده المشتري، فلذلك وجب عليه تعريف البائع، وشيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) لم يعرف بائع السمكة الدرة، بل ملكها المشتري من دون تعريف البائع، ولم يرد بهذا خبر عن اصحابنا، ولا رواه عن الائمة (عليهم السلام) احد منهم، والفقيه سلار في رسالته يذهب إلى ما اخترناه، وهو الذي يقتضيه اصول مذهبنا) انتهى. وهو صريح في عدم اندراج ذلك في الكنز وفي عدم الفرق في التعريف بين السمكة والدابة، كما انه كاد يكون صريحا في عدم الفرق بين ما عليه اثر الاسلام وغيره.

[ 37 ]

لكن قد يشكل اعتبار إخراج مؤونة سنته منه بعد فرض عدم اندراجه في الارباح اللهم إلا ان يقال بعموم ما دل على اعتبارها للارباح وغيرها إلا ما خرج من الكنز والمعدن ونحوهما، كما انه يشكل إطلاقه وإطلاق غيره بما في المسالك من انه إنما يتم مع عدم اثر الاسلام، وإلا فلا يقصر عما يوجد في الارض لاشتراك الجميع في دلالة اثر الاسلام على مالك سابق، والاصل عدم زواله، فيجب تقييد جواز التملك بعدم وجود الاثر، وإلا كان لقطة في الموضعين، إلا ان ذا قد يدفع بالصحيح السابق (1) إذ لعله الفارق، مع ان التحقيق عندنا عدم الفرق كما عرفت، بل لعل كلامهم هنا مؤيد لما سمعت. بل يشكل ايضا بظهور الفرق بين الدابة والسمكة، ضرورة كون الموجود في الاولى كالموجود في الارض المملوكة، بخلاف الثانية فكالمباحة أو المملوكة التي يعلم عدم كون ما فيها لمالكها، ومن هنا وجب تعريف البائع فيها دونها، بل القطع حاصل غالبا بعدم كون ما في جوف السمكة البائع، فلا فائدة في التعريف، بل قد يقال إن ما وقع من مال المسلم في البحر ووصل إلى جوف السمكة صار كالمعرض عنه، فيجوز اخذه لمن وجده كما يؤمي إليه ما ذكر في السفينة المنكسرة (2) وإن خدشه في المسالك بأن الحكم في السمكة غير مقصور على المأخوذة من البحر بل هو متناول للمملوكة بالاصل، كما لو كانت في ماء محصور مملوك للبائع بحيث يكون منشؤها فيه، فتكون كالدابة، ومع ذلك فالاصل ممنوع، لكنه كما ترى واضح المنع بظهور انصراف كلام الاصحاب إلى الافراد المتعارفة، فلا يقدم فيه الالتزام بالمساواة للدابة في الفرض المذكور، كما انه لا يقدح فيه التزام مساواة الدابة للسمكة في عدم التعريف ونحوه إذا فرض اصطيادها وحيازتها كالغزال


(1) الوسائل - الباب - 9 - من كتاب اللقطة - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب اللقطة

[ 38 ]

ونحوه وعلم تقدم ما وجد في جوفها على يد البائع كالسمكة، نعم حكي عن التذكرة الميل إلى مساواة السمكة للدابة مطلقا في التعريف للبائع من حيث ان القصد إلى حيازة السمكة يستلزم القصد إلى حيازة جميع اجزائها وما يتعلق بها، وفيه ان المتجه حينئذ الحكم بملكية الصياد لما في جوفها لا تعريفه إياه، والظاهر إن لم يكن المقطوع به خلافه. بل قد يظهر ذلك من الاخبار ايضا، كخبر ابي حمزة (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) (إن رجلا عابدا من بني إسرائيل كان محارفا إلى ان قال: فأخذ غزلا فاشترى به سمكة، فوجد في بطنها لؤلؤة، فباعها بعشرين الف درهم فجاء سائل فدق الباب فقال له الرجل: ادخل، فقال له: خذ احد الكيسين، فأخذ احدهما وانطلق، فلم يكن اسرع من ان دق السائل الباب فقال له الرجل: ادخل، فدخل فوضع الكيس مكانه، ثم قال: كل هنيئا مريئا، إنما انا ملك من ملائكة ربك اراد ربك ان يبلوك، فوجدك عبدا شاكرا، ثم ذهب) وخبر حفص بن غياث (2) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن الراوندي في قصص الانبياء قال: (كان في بني اسرائيل رجل وكان محتاجا فألحت عليه امرأته في طلب الرزق فابتهل إلى الله في الرزق، فرأى في النوم ايما احب اليك درهمان من حل أو الفان من حرام ؟ فقال: درهمان من حل فقال: تحت رأسك فانتبه فرأى الدرهمين تحت رأسه، فأخذهما واشترى بدرهم سمكة واقبل إلى منزله، فلما رأته امرأته اقبلت عليه كاللائمة واقسمت ان لا تمسها، فقام الرجل إليها فلما شق بطنها إذا بدرتين فباعهما بأربعين الف درهم) والمروي (3) عن امالي الصدوق عن علي بن الحسين (عليهما السلام) حديثا يشتمل على ان رجلا شكا إليه الحاجة فدفع إليه قرصتين، قال له: خذهما فليس عندنا غيرهما فان الله يكشف بهما عنك،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 10 - من كتاب اللقطة - الحديث 1 - 2 - 4

[ 39 ]

إلى ان قال: (فلما شق بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين فباع اللؤلؤتين بمال عظيم، فقضى منه دينه وحسنت بعد ذلك حاله) قيل: ونحوه المروي (1) في تفسير العسكري (عليه السلام). (و) من ذلك كله ظهر لك حال ما في المتن من انه (لو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئا اخرج خمسه وكان له الباقي ولا يعرف) البائع من غير فرق بين اثر الاسلام وعدمه كما ظهر لك وجه ذلك كله، كظهور الوجه في الخمس ايضا، إذ هو كالدابة على ما اعترف به في المدارك وغيرهما، بل لم اجد احدا فصل بينهما فيه، بل وظهر مما تقدم ايضا وجه ما ذكره هنا بقوله: (تفريع: إذا وجد كنزا في ارض موات من دار الاسلام فان لم يكن عليه سكة أو كان عليه سكة عادية) أي قديمة، كأنه نسبة إلى عاد قوم هود (اخرج خمسه وكان له الباقي، وإن كان عليه) اثر (سكة الاسلام قيل يعرف كاللقطة، وقيل يملكه الواجد وعليه الخمس و) قد بينا ان الثاني لا (الاول اشبه) فلاحظ وتأمل. (الرابع) مما يجب فيه الخمس (كلما يخرج من البحر بالغوص) مما اعتيد خروجه منه بذلك (كالجواهر والدور) ونحوهما بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به في الحدائق، بل في ظاهر الانتصار وصريح الغنية والمنتهى الاجماع عليه، كظاهر نسبته إلى علمائنا في التذكرة للاية بالتقريب السابق، وصحيحي الحلبي (2) سأل الصادق (عليه السلام) (عن العنبر وغوص اللؤلؤ فقال: عليه الخمس) كخبر محمد بن علي بن ابي عبد الله (3) سأل ابا الحسن (عليه السلام) (عما


(1) الوسائل - الباب 10 - من كتاب اللقطة - الحديث 5 (2) الوسائل الباب - 7 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 40 ]

يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعن معادن الذهب والفضة ما فيه قال: إذا بلغ ثمنه دينار ففيه الخمس) ومرسل حماد (1) عن العبد الصالح عليه السلام (الخمس من خمسة اشياء من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة) وابن ابي عمير (2) عن غير واحد عن الصادق (عليه السلام) المروي عن الخصال والمقنع (الخمس من خمسة اشياء: الكنوز والمعادن والغوص والغنمية ونسي ابن ابي عمير الخامس) واحمد بن محمد (3) عن بعض اصحابنا (الخمس من خمسة اشياء الكنوز والمعادن والغوص والمغنم الذي يقاتل عليه ولم يحفظ الخامس) إلى غير ذلك مما هو مستغن بصحة سنده ووضوح دلالته عن الانجبار، وما هو منجبر بالاجماع المحكي إن لم يكن محصلا خصوصا " بالنسبة إلى عدم الفرق في انواع ما يخرج فما في المدارك من الاقتصار على ذكر صحيحة الحلبي الاولى ثم المناقشة فيها بقصورها عن إفادة التعميم كما ترى. نعم يجب فيه الخمس * بشرط ان يبلغ قيمته دينارا " فصاعدا " * كما هو المشهور نقلا وتحصيلا شهرة كادت تكون إجماعا "، بل في التذكرة والمنتهى نسبته إلى علمائنا، بل في الثاني لا يعتبر في الزائد نصاب إجماعا "، بل لو زاد قليلا أو كثيرا " وجب الخمس فيه، كما انه في التنقيح اتفق الاصحاب على اعتبار دينار، وفي الحدائق (اتفق الاصحاب قديما " وحديثا " على نصاب الدينار في الغوص) إلى آخره، مضافا " إلى الاصل ومفهوم الخبر السابق، بل الاجماع بقسميه بالنسبة إلى عدم الخمس في الناقص عن ذلك، وإلى إطلاق الادلة ومنطوق ذلك الخبر المعتضد والمنجبر بما عرفت بالنسبة للوجوب في الزائد عليه، فما عن غرية المفيد من اعتبار


(1) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 4 - 11 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 7 الجواهر - 5

[ 41 ]

عشرين دينارا " فيه ضعيف لا نعرف له مأخذا " معتدا " به، كما اعترف به غير واحد. ومما تقدم سابقا " في المعدن والكنوز يظهر لك البحث هنا في اعتبار اتحاد الاخراج والمخرج والنوع وتعدد الشركاء ونحو ذلك ضرورة تساوي الجميع في جهة البحث، كما اعترف به في الرياض وغيره، لكن في الروضة ان الاجود اعتبار اتحاد النوع في الكنز والمعدن دون الغوص وفاقا " للعلامة (ره) وعليه بيان الفرق. ثم إنه لا يراد بوجوب الخمس في المذكور باعتبار ذاته، بل المراد خروجه بالغوص * و * إلا ف * لمواخذ منه شئ * وكان خارجا " لنفسه على الساحل ونحوه * من غير غوص لم يجب الخمس * قطعا " للاصل السالم عن معارضة الادلة السابقة الظاهرة في غيره عدا خبر الدينار (1) بل وهو ايضا " بناء على انصارفه إلى المتعارف، بل ظاهر المشتمل (2) على العدد منها عدمه فيه ايضا "، وكذا المخرج بالالات من غير غوص، لكن في البيان انه لو اخذ منه شئ بغير غوص فالظاهر انه كحكمه ولو كان مما ألقاه الماء على الساحل، ولعله للخبر (3) السابق المحتاج إلى جابر في ذلك، وليس، بل الموهن متحقق على الظاهر. كما انه في المسالك جزم بالحاق ما يخرج من داخل الماء بآلة مع عدم دخول المخرج في الماء بالغوص، وفيه منع، كمنع ما في الوسيلة من تعلق الخمس بما يؤخذ على رأس الماء في البحر إن اراد غير جهة الربح كما هو ظاهره، نعم قد يقوى تعلق الخمس فيما لو غاص وشده بآلة مثلا ثم اخرج بل هو من افراد الغوص على الظاهر، كما انه يقوى وجوب الخمس فيما ذكره الاولان مع دخوله في قسم الارباح


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 (2) الوسائل الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحدث 4 و 11 والباب 3 منها - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 42 ]

ولا ينافيه إطلاق العبارة نفيه فيه بعد ظهوره في إرادة ذلك من جهة الغوص، إذ لا ينافي نفيه من جهة ثبوته من اخرى ولو من جهة بلوغ النصاب وعدمه، كما لو فرض اجتماع جهتي الخمس أو جهاته فبلغ نصاب إحداها دون الاخرى تعلق به الخمس من هذه الجهة قطعا " كما لو فرض معدن تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلا بالغوص فأخرج منه شئ لا يبلغ نصاب المعدن ويبلغ نصاب الغوص وجب فيه الخمس حينئذ بناء " على تعلقه بمثل ذلك مما يخرج بالغوص، فتأمل. ثم الخمس على الغواص إن كان اصيلا، وإن كان اجيرا " فعلى المستأجر، والمتناول من الغواص لا يجري عليه حكم الغوص إلا إذا تناول وهو غائص مع عدم نية الاول الحيازة على إشكال فيه، للشك في اندراجه في إطلاق الادلة، كالشك في اندراج ما لو غاص من غير قصد فصادف شيئا "، وإن جزم بهما الاستاذ في كشفه. ولا يجب الخمس فيما يخرج بالغوص من الاموال الغارقة في البحر وإن كانت لالي ونحوها، للاصل وظهور النصوص والفتاوى في غيرها، وإن استشكل فيه في الحدائق، بل هو لاخذه بعد إعراض صاحبه وانقطاع رجائه، لخبر الشعيري والسكوني (1) (في سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضه بالغوص واخرج البحر بعض ما غرق، فقال: أما ما اخرجه البحر فهو لاهله، الله اخرجه، وأما ما اخرج بالغوص فهو لهم، وهم احق به) وإن كان يشكل انطباق تفصيلهما على القواعد الشرعية، ضرورة اتحاد إباحتهما مع الاعراض، وعدمها مع عدمه، اللهم إلا ان يقال بعدم اعتبار الاعراض فيما يخرج بالغوص، بل يكفي في ملك آخذه انقطاع رجاء صاحبه عن حصوله وتركه التعرض لخروجه كما هو المتعارف بين غريقي البحر، لا الاعراض والاباحة لكل احد، فلو اخرجه البحر حينئذ


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب اللقطة - الحديث 2 و 1

[ 43 ]

فهو على ملك مالكه اقتصارا " فيما خالف الاصل واستصحاب الملك على المتيقن، فتأمل جيدا ". وكذا لا يجب في الحيوان ونحوه مما هو من غير المعادن المعتاد خروجها بالغوص، للاصل وغيره، فما حكاه الشهيد في بيانه عن بعض من عاصره من جعله من قبيل الغوص ضعيف جدا " بل باطل قطعا "، كالمحكي عن الشيخ في التذكرة والمنتهى من تعلق الخمس به لو اخذ غوصا " أو اخذ قفيا ". نعم لو غاص فأخرج حيوانا " بغوصه فظهر في بدنه شئ من المعدن فالاحوط بل الظاهر كما في كشف الاستاذ تعلق الخمس به، مع انه لا يخلو من إشكال ايضا " إذا فرض عدم اعتياد كون الحيوان محلا لذلك. والانهار العظيمة كفرات ودجلة والنيل حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها إذا فرض تكون مثل ذلك فيها كالبحر، لاطلاق الادلة التي لا يحكم عليها ذكر البحر في الخبر السابق (1) بعد خروجه مخرج الغالب، نعم قد يقال بانصراف الاطلاق إلى ما يخرج من البحر خاصة لانه المتعارف، لكن لعل ذلك من ندرة الوجود لا الاطلاق، إلا ان ظاهر الاستاذ انه من الثاني حيث اطلق مساواة ما يخرج منها لما يغرق في البحر، فتأمل. ولو غاص قاصدا " للمعدن فأخرج معه مالا آخر فهل يوزع المصرف عليهما لما ستعرف إن شاء الله من عدم تعلق الخمس بالغوص إلا بعد إخراج مؤونته منه أو يختص بالمعدن ؟ وجهان اقواهما الثاني واحوطهما الاول، كما انه يقوى عدم احتساب المصرف عليه لو كان المقصور غيره فاتفق الاتيان به، اما لو شركهما بالقصد فالوجه التوزيع. ولو غاص غوصات متعددة فأصاب ببعضها في مقام واحد قوي اخذ


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه القمس - الحديث 5

[ 44 ]

مصارف الجميع منه، بخلاف ما إذا اختلف الزمان أو المكان، لكن ومع ذلك فقد اجاد الاستاذ في كشفه بقوله: لابد من الاحتياط الكامل في مثل هذه المسائل الفاقدة للاقوال والدلائل. (تفريع): لا يجب في المسك خمس إذا لم يدخل في قسم الارباح عند اهل العلم كافة إلا في رواية عن احمد وعمر بن عبد العزيز كما في التذكرة والمنتهى، وهو مع الاصل الحجة، بل ولا في شئ من انواع الطيب عدا (العنبر) فانه يجب فيه بلا خلاف اجده بل في المدارك والحدائق الاجماع عليه، كظاهر الغنية أو صريحها لصحيح الحلبي المتقدم (1) سابقا "، لكن هل لا نصاب له كما هو ظاهر النهاية والوسيلة بل والسرائر، بل قد يظهر من الاخير الاجماع عليه إن لم يكن صريحه، لاطلاق الصحيح، ومال إليه في المدارك والحدائق، بل استقر به في الكفاية، أو ان له حكم المعادن مطلقا " فيعتبر فيه العشرون كما عن غرية المفيد، لانه منها أو ملحق بها، لاصالة البراءة في الناقص عنه، أو ان له حكم الغوص مطلقا " كما هو ظاهر جمع الحلبي لهما في السؤال أو يفصل بأنه إذا خرج بالغوص روعي فيه مقدار دينار لاندراجه في الخبر السابق (2) الذي لا يقيده ما بعد (من) البيانية بعد إرادة المثال وإن جني من وجه الماء أو من الساحل كان له حكم المعادن لاصالة البراءة في الناقص عنه كما صرح به في المنتهى والتذكرة وغيرهما بل في المدارك والكفاية والحدائق نسبته إلى الاكثر ؟ أقوال سوى الثالث - فلم أجد قائلا به ولا من نسب إليه ذلك عدا ظاهر الاستاذ في كشفه أو صريحه هنا وإن قوى نصاب المعادن فيه - احوطها اولها بل أقواها في غير الخارج بالغوص منه، بل وفيه على تأمل، لعدم تحقق الجابر للخبر (3)


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 45 ]

المذكور حتى يحكم على إطلاق الصحيح (1) السابق بعد تسليم عدم ظهور البيان فيه لما لا يشمل ذلك وإن كان المراد منه المثال، فتأمل. والعنبر معروف، لكن عن القاموس انه روث دابة بحرية، أو نبع عين فيه، وعن المبسوط والاقتصاد انه نبات في البحر، وفي السرائر عن كتاب الحيوان للجاحظ (انه يقذفه البحر إلى جزيرة، فلا يأكل منه شئ إلا مات، ولا ينقره طير بمنقاره إلا نصل فيه منقاره، وإذا وضع رجليه عليه نصلت أظفاره) وفيها ايضا " عن منهاج البيان لابن جزلة المتطيب (انه من عين في البحر) وفي البيان (قال أهل الطب: هو جماجم تخرج من عين في البحر، اكبرها وزنه الف مثقال) وفي الحدائق عن كتاب مجمع البحرين عن كتاب حياة الحيوان (العنبر المسموم قبل ان يخرج من قعر البحر يأكله بعض دوابه لدسومته، فيقذفه رجيعا "، فيطفو على الماء، فيلقيه الريح إلى الساحل) والامر سهل، إذ لا مدخلية لجميع ذلك فيما نحن فيه من تعلق الخمس به. * الخامس * مما يجب فيه الخمس (ما يفضل عن مؤونة السنة) على الاقتصاد (له ولعياله من أرباح التجارات والصناعات والزراعات) بلا خلاف معتد به اجده فيه، بل في الخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى الاجماع عليه، بل في ظاهر الانتصار والسرائر أو صريحهما ذلك، بل ارسله في الرياض عن الشهيد الثاني ايضا "، بل في الاخيرين من الاربعة دعوى تواتر الاخبار به، وهو الذي استقر عليه المذهب والعمل في زماننا هذا، بل وغيره من الازمنة السابقة التي يمكن دعوى اتصالها بزمان اهل العصمة (عليهم السلام)، فما عن ظاهر القديمين - من عدمه أو العفو عنه في هذا القسم، للاصل المعلوم انفطاعه بغير واحد من


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1

[ 46 ]

الادلة القطعية، وحصر الخمس في غير هذا القسم في خبر عبد الله بن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) (ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة) الواجب تقييده بما عرفت ايضا " إن لم نقل بشمول لفظ الغنائم له كما دلت عليه الاخبار (2) المعتبرة المتقدمة سابقا " باطل قطعا "، بل في البيان دعوى انعقاد الاجماع على خلافه في الازمنة السابقة لزمانهما، مع ان المحكي من عبارة الاسكافي منهما بل قيل والعماني لا ظهور فيها بذلك، بل ظاهرها التوقف في حصول العفو منهم (عليهم السلام) عنه وعدمه، لاختلاف الرواية في ذلك. بل ربما مال إليه بعض متأخري المتأخرين، لخبر حكيم مؤذن بني عبس (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: (قلت له: واعلموا انما غنمتم - إلى آخرها - قال: هي والله الافادة يوما " بيوم إلا ان ابي جعل شيعتنا في حل من ذلك ليزكوا) وصحيح حرث بن المغيرة النضري (4) عنه (عليه السلام) ايضا " (قلت له: إن لنا أموالا من غلات وتجارات ونحو ذلك وقد علمنا ان لك فيها حقا "، قال: فلم أحللنا إذا " لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهو في حل مما في ايديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب) وخبر يونس بن يعقوب (5) قال: (كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك يقع في ايدينا الاموال والارباح والتجارات نعلم ان حقك فيها ثابت وانا عن ذلك مقصرون، فقال (عليه السلام): ما أنصفنا كم إن كلفناكم ذلك اليوم) وأبي خديجة (6) عنه (عليه السلام) ايضا "، قال: (قال له رجل


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب 4 - من أبواب الانفال - الحديث 8 والباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 و 6 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال الحديث 8 - 9 - 6 - 4

[ 47 ]

وأنا حاضر حلل لي الفروج ففزع أبو عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل: ليس يسألك ان يعترض الطريق إنما يسألك خادما " يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا " يصيبه أو تجارة أو شيئا " اعطيه فقال: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب والميت منهم والحي وما توالد منهم إلى يوم القيامة، فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا احدا " ذمة وما لاحد عندنا عهد ولا لاحد عندنا ميثاق) وعبد الله بن سنان (1) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (على كل امرئ غنم أو اكتسب الخمس مما اصاب لفاطمة (عليها السلام) ولمن يلي امرها من بعدها من ذريتها الحجج على الناس، فذلك لهم خاصة يضعونه حيث شاءوا. وحرم عليهم الصدقة، حتى الخياط يخيط قميصا " بخمسة دوانيق فلنا منه دانق إلا من احللناه من شيعتنا ليطيب لهم به الولادة، انه ليس شئ عند الله يوم القيامة اعظم من الزنا، انه ليقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب سل هؤلاء بما نكحوا) إلى غير ذلك، مضافا " إلى ما دل على إباحة مطلق الخمس لشيعتهم فضلا عن خصوص هذا القسم منه. بل يظهر من الخبر الاخير وغيره وسؤال الثاني والثالث ان خمس هذا القسم من الخمس لهم خاصة، كخبر علي بن مهزيار أو صحيحه (2) قال: (قال لي أبو علي ابن راشد قلت له: امرتني بالقيام بأمرك واخذ حقك فأعلمت مواليك ذلك، فقال لي بعضهم: وأي شئ حقه فلم ادر ما اجيبه، فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أي شئ ؟ فقال: في امتعتهم وضياعهم، قلت: فالتاجر عليه والصانع بيده فقال: ذلك إذا امكنهم بعد مؤونتهم) كصحيحه الاخر (3) عن علي بن محمد بن شجاع النيشابوري سأل ابا الحسن (عليه السلام) (عن رجل اصاب من


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 8 - 3 - 2

[ 48 ]

ضيعته من الحنطة مائة كر - إلى ان قال -: فوقع (عليه السلام) لي منه الخمس مما يفضل عن مؤونته) بل وغيرها من الاخبار السابقة ونحوها المتضمنة لاباحة خمس هذا القسم، ضرورة ظهور ذلك في انه لهم، إذ لا معنى لاباحة مال غيرهم، فيندرج حينئذ فيما دل من الاخبار التي تأتي إن شاء الله في محلها على إباحة حقهم ومالهم لشيعتهم. ومن ذلك كله قال في المدارك: إن الاخبار لواردة بثبوت الخمس في هذا النوع مستفيضة جدا "، وإنما الاشكال في مستحقه وفي العفو عنه في زمن الغيبة وعدمه، فان في بعض الروايات دلالة على ان مستحقه مستحق خمس الغنائم وفي بعض آخر إشعارا " باختصاص الامام (عليه السلام) بذلك، ورواية علي بن مهزيار مفصلة كما بيناه، وفي الجميع ما عرفت، ومقتضى صحيحة الحرث بن المغيرة النضري (1) وصحيحة الفضلاء (2) وما في معناهما إباحتهم (عليهم السلام) لشيعتهم حقوقهم من هذا النوع، فان ثبت اختصاصهم بخمس ذلك وجب القول بالعفو عنه مطلقا " كما اطلقه ابن الجنيد، وإلا سقط استحقاقهم من ذلك خاصة وبقي نصيب الباقين، والمسألة قوية الاشكال، والاحتياط فيها مما لا ينبغي تركه بحال، بل يظهر من الخراساني في كفايته الميل أو الجزم باختصاصه به وإباحته، بل احتمل تنزيل كلام المتقدمين والاخباريين المبيحين للخمس على ذلك ايضا ". لكن لا يخفى عليك ان هذا وسابقه منهما من غرائب الكلام، ضرورة عدم الاشكال في ان مستحقه مستحق الخمس من غيره من الاقسام، وإن حكي عن المنتقى تشييده أو اختياره كالذخيرة، لكنه ضعيف جدا "، بل ظاهر الاصحاب كافة أو صريحهم خلافه كما عن جماعة الاعتراف به ايضا "، بل هو ظاهر الاخبار


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 9 - 1 الجواهر - 6

[ 49 ]

ايضا " التي سيمر عليك في بيان قسمته وغيره من المباحث طرف منها، وإلا فهي اكثر من ان تحصى، بل لعلها من قسم المتواتر، خصوصا " ما ورد منها في كون المراد بالغنيمة في الاية الشريفة ما هو اعم من غنائم دار الحرب، منها الصحيح الطويل (1) (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى (2): (واعلموا انما غنمتم) - إلى آخرها، إلى أن قال -: فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله) الحديث. فتدل الاية حينئذ بناء على ذلك مضافا " إلى الاخبار (3) على اشتراك هذا القسم من الخمس بين الاصناف كغيره من الاقسام والمناقشة فيها - بعد التسليم باختصاصها، لاشتمالها على خطاب المشافهة بالحاضرين، وإلحاق غيرهم بهم بالاجماع الممنوع دعواه هنا كما ترى، لمنع حصول شرطه من توافق الحاضرين وغيرهم في سائر الشرائط، إذ لا ريب في اختلاف الزمانين بحضور المعصوم وعدمه وبعد التسليم فلا بد من تخصيصها أو حملها على بيان المصرف لا الملكية والاختصاص جمعا " بينها وبين ما دل على الاباحة من الاخبار - واضحة الفساد، إذ مقتضاها اولا صيرورته مختصا " بهم (عليهم السلام) بالعرض دون الاصالة، وهو كما ترى، بل مخالف لما استشعره من تلك الاخبار التي هي الاصل في هذا الوهم هنا، وابتناؤها ثانيا " على منع إمكان الاستدلال بقاعدة الاشتراك الثابتة بالاجماع وغيره، لعدم إحراز التوافق من كل وجه المعلوم بطلانه، ضرورة عدم قدح مثل هذه الاحتمالات الفاقدة لشهادة إمارة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 (2) سورة الانفال - الآية 42 (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس

[ 50 ]

من الامارات، والقاضية ببطلان الاستدلال في اكثر المقامات بسبب قيام احتمال شرطيته بشئ من المقارنات لنزول تلك الخطابات، كما هو واضح. وأوضح منه فسادا " ما في آخرها من لابدية تخصيصها أو حملها على ما سمعت المتوقفين على معارض مقاوم لمقابله الظاهر من اكثر النصوص وسائر الفتاوى، خصوصا " الثاني منهما، لشدة مخالفته ظاهر الاية من عدم تساوي المعطوف والمعطوف عليه منها من الاصناف، وليس إلا ظاهر تلك الخطابات والاضافات في الاخبار السابقة المطعون في اسانيد اكثرها، والمعارضة بالاقوى منها من وجوه تقدمت الاشارة إلى بعضها، فلا محيص عن حمل تلك الاضافات والخطابات على إرادة ولاية التصرف والقسمة، خصوصا " وهم في الحقيقة عياله وأطفاله، ومع انها غير مساقة لبيان الاختصاص والملكية له دونهم، بل ولا دلالة في بعضها كاباحته إياه على اختصاصه به، ضرورة تسلطهم على اموال سائر بني آدم وابدانهم فضلا عن عيالهم من ايتامهم ومساكينهم ومن إذا اعوزهم خمسهم كان الاتمام عليهم لهم من اموالهم، على ان بعض المعتبرة كالصحيح (1) المتضمن لحكاية صالح الواقفي واستباحته الخمس وغيره من صحيح ابن مهزيار (2) الطويل ظاهر أو صريح في ان لهم إباحة حصصهم وحصص غيرهم من الاصناف، لظهور كون غالب ما في ايديهم في ذلك الوقت من الخمس من هذا القسم، فلا ريب حينئذ في إرادة ما عرفت من نحو هذه الخطابات، سيما بعد معارضتها بما سمعت من ظهور اكثر النصوص وكافة الفتاوى بخلافها المعتضد ايضا " بما دل من النصوص الكثيرة التي منها بعض أخبار الخصم السابقة على حكمة تحريم الصدقة على بني هاشم، وانه وجب الخمس عوضا " عنها، إكراما " لهم وصيانة لهم عن الاوساخ، وكفا "


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الانفال - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 51 ]

لوجوههم عن السؤال لرعيتهم وخدامهم وعبيدهم، وانه لو علم احتياجهم إلى ازيد من ذلك لا وجب لهم غيره. ومن الواضح البين ان خمس ما عدا الارباح قليل التحقق في هذه الازمان بل وغيرها، فلو فرض اختصاص ذلك بالامام (عليه السلام) بقت يتامى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومساكينه وأبناء السبيل منهم حيارى في شدة الضيق والعسر، بل من هذا الاخير ينقدح لك وضوح بطلان الاشكال في الثاني ايضا " ضرورة منافاة إباحة مثل هذا القسم من الخمس في عام زمان الغيبة، لما عرفت من حكمة اصل مشروعية الخمس، مضافا " إلى ظهور النصوص والفتاوى بل وصريح اجماع البيان بل والكتاب ايضا " بخلافه، نعم في خصوص حقه (عليه السلام) منه بحث يأتي تفصيله عند تعرض المصنف له ان شاء الله، فما ورد منهم (عليهم السلام) مما هو ظاهر في اباحة الخمس مطرح أو منزل على حصة خاصة، أو خصوص ذلك الوقت من خصوص زمان ذلك الامام (عليه السلام) بخصوصه، إذ امر خمس كل زمان راجع إلى إمام ذلك الزمان (عليه السلام)، بل قد يمنع تسلط إمام زمان على اباحة ما يتجدد في زمان إمام آخر، إلا ان يكون ذلك منه عن امر مالك الخلائق لا إباحة منه جارية على نحو إباحة الملاك واهل الولاية لاموالهم ومالهم الولاية عليه، وإلا فهي لا تشمل ما يتجدد في غير زمانه مما يتعلق به الخمس، فتأمل. وعلى كل حال فلا ينبغي الاشكال في شئ من الامرين السابقين إنما البحث في متعلق الخمس من هذا القسم، فان النصوص ومعاقد إجماعات الاصحاب فضلا عن عباراتهم لا تخلو من اختلاف فيه في الجملة، ففي المقنعة والقواعد والارشاد ومعقد إجماع الانتصار كالمتن، بل إليه يرجع ما في النافع واللمعة والبيان والتنقيح والتذكرة وان كان في الاول الاقتصار على أرباح التجارات

[ 52 ]

كالثاني، لكن مع إبدالها بالمكاسب، وفي الثالث والرابع كمعقد إجماع الخامس حاصل انواع التكسبات من التجارة والصناعة والزراعة، بل وكذا معقد إجماع الخلاف ايضا " جميع المستفاد من ارباح التجارات والغلات والثمار، وفي السرائر تارة كالتحرير ومعقد إجماع المنتهى ارباح التجارات والمكاسب وما يفضل من الغلات والزراعات على اختلاف اجناسها، واخرى سائر الاستفادات والارباح والمكاسب والزراعات كالنهاية جميع ما يغنمه الانسان من ارباح التجارات والزراعات وغير ذلك، بل وكمعقد إجماع الغنية ايضا " كل مستفاد من تجارة وزراعة وصناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة اي وجه كان. وأما النصوص ففي خبر حكيم مؤذن بني عبس (1) وعلي بن محمد بن شجاع النيسابوري (2) وعبد الله بن سنان (3) وصحيح ابن مهزيار (4) المتقدمة سابقا " ما عرفت، كخبر محمد بن الحسن الاشعري (5) قال: (كتب بعض اصحابنا إلى ابي جعفر الثاني (عليه السلام) اخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع ؟ وكيف ذلك ؟ فكتب بخطه الخمس بعد المؤونة) وموثق سماعة (6) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال: في كل ما افاد الناس من قليل أو كثير) ومكاتبة يزيد (7) المتضمنة للسؤال عن الفائدة، فقال: (الفائدة مما يفيد اليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة) والمروي (8) في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب (كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ إلى الفى درهم أو اقل أو اكثر هل عليه فيه الخمس فكتب الخمس في ذلك، وعن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال الحديث 8 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 2 - 8 - 3 - 1 - 6 - 7 - 10

[ 53 ]

الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة تأكله العيال إنما يبيع منه الشئ بمائة درهم أو خمسين درهما " هل عليه الخمس فكتب أما ما اكل فلا، وأما البيع فنعم هو كسائر الضياع) وخبر الريان بن الصلت (1) قال: (كتبت إلى ابي محمد عليه السلام ما الذي يجب علي يا مولاي في غلة رحى ارض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبردي وقصب ابيعه من اجمة هذه القطيعة فكتب يجب عليك فيه الخمس) وعن الرضوي (2) بعد ذكر الاية قال: (وكل ما افاد الناس غنيمة، لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص - إلى ان قال -: وربح التجارة وغلة الضيعة وسائر الفوائد والمكاسب والصناعات والمواريث وغيرها، لان الجميع غنيمة وفائدة) وفي مكاتبة ابن مهزيار في الصحيح (3) الطويلة المشتملة على إباحة نوع من الخمس للشيعة في بعض السنين، قال فيها: (وانما اوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليها الحول، ولم اوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارته ولا ضيعة إلا ضيعة سأفسر لك امرها تخفيفا " مني عن موالي ومنا " مني عليهم، لما يغتال السلطان من اموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، وأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: (واعلموا انما غنمتم) - إلى آخرها - فالغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها، والجائزة من الانسان للانسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى موالي من اموال الخرمية الفسقة، فقد علمت ان اموالا عظاما " صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شئ من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائيا " بعيد الشقة فليعمد لايصاله ولو بعد


(1) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 9 - 5 (2) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1

[ 54 ]

حين، فان نية المؤمن خير من عمله، فأما الذي اوجب من الضياع والغلات في كل عام فهو نصف السدس ممن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك) الحديث. وخبر الحسين ابن عبد ربه (1) قال: (سرح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبى وكتب إليه ابي هل علي فيما سرحت إلي خمس، فكتب إليه لا خمس فيما سرح به صاحب الخمس) والمستفاد من التأمل في النصوص والفتاوى وبعض معاقد الاجماعات تعلقه بكل استفادة تدخل تحت مسمى الكسب حتى حيازة المباحات، بل وإن لم يكن من الامور الاختيارية في وجه كالنماء الحاصل بالتولد ونحوه مما لا خمس فيه من المأخوذ هبة أو المنتقل ميراثا " كما ستعرف، ولا ينافيه نحو ما في المتن بعد احتمال أو ظهور إرادة ذلك مما ذكر فيه، ومنه أو ملحق به عندهم فاضل الزراعات والغلات لا الهبة والمواريث والصدقات ونحوها إلا إذا نمت مثلا، فانه يجب في نمائها الخمس كما نص عليه في البيان، ويقتضيه إطلاق غيره، وإن كان قد يشكل في النماء الذي لا يدخل تحت مسمى الاكتساب كالتولد ونحوه، لكن قد يدفع بظهور جملة من عبارات الاصحاب كالسرائر والغنية والنهاية التي بعضها معقد إجماع فيما هو أعم من الاكتساب عرفا "، بل لعل فاضل الغلات والزراعات من ذلك، بل ما نحن فيه حينئذ كالمال المخمس الذي قد يزداد بعد تخميسه زيادة متصلة أو منفصلة فانه يجب الخمس حينئذ في الزائد كما صرح به في الروضة والمسالك سواء اخرج الخمس من العين أو القيمة، وسواء نما المخرج خمسا " ايضا " بقدر تلك الزيادة أو لا، إذ هي زيادة في ملك المستحق، فلا تحتسب خمسا " لغيره، بخلاف نماء مال المالك فانه ربح جديد، فيجب خمسه كما صرح به في المسالك، بل قد يقال إن المتجه وجوب خمس تلك الزيادة وإن لم يكن قد اخرج الخمس مثلا انتظارا " به لتمام الحول


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 2

[ 55 ]

كما لو ربح مثلا مقدار مائة فلم يخرج خمسه ثم اتجر بذلك الربح غير ضامن لمقدار الخمس منه، أو قلنا ليس له ضمانه، أو كان ممن ليس له ذلك فربح، فانه يجب إخراج خمس الربح الاول، ويتبعه نماؤه من الربح الثاني لكونه نماء مال الغير ضرورة اشتراك ذوي الخمس معه وإن كان له تأخير الاداء إلى تمام الحول، ثم يجب عليه إخراج خمس الربح الثاني، فلو ربح أولا مثلا ستمائة وكانت مؤونته منها مائة وقد اخذها فاتجر بالباقي مثلا من غير فصل معتد به فربح خمسمائة كان تمام الخمس مائتين وثمانين، مائة من الربح الاول، ويتبعها نماؤها من الربح الثاني، وهو مائة ايضا "، فيكون الباقي من الربح الثاني اربعمائة، وخمسها ثمانون، فيكون المجموع مائتين وثمانين كما ذكرنا، فتأمل جيدا ". وكيف كان فعبارات الاصحاب السابقة لا تخلو من نوع إجمال بالنسبة إلى تعلق الخمس في النماء الحاصل من المال المنتقل بارث ونحوه بناء على عدم الخمس فيه إذا فرض حصول ذلك النماء بما لا يدخل به تحت مسمى الكسب كالتولد ونحوه، بل لعل ظاهر كثير من عبارات الاصحاب خلافه، وان كان الاحوط الاخراج، لظهور جملة منها كما عرفت في إرادة الاعم من ذلك إن لم يكن الاقوى لكن على كل حال ما عن الشيخ في مبسوطه من عدم الخمس في المن والعسل الذي يؤخذ من الجبال للاصل محجوج بجميع ما عرفت، بل هما حينئذ كغيرهما من الترنجبين والصمغ والشير خشك ونحوها. ومن الاكتساب قطعا " الاستئجار على الاعمال عبادات كانت أو غيرها، فما في خبر ابن مهزيار (1) (كتبت إليه رجل دفع إليه مال ليحج به فعلى ذلك المال حين يصير إليه الخمس أو على ما فضل في يده بعد الحج فكتب ليس عليه الخمس) مطرح أو محمول على إرادة نفيه بالنسبة للقسم الاول من السؤال،


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب ما يجب فبه الخمس - الحديث 1

[ 56 ]

ضرورة وجوب إخراج ما يحتاجه نفس العمل وإن لم يرد إيقاعه في تمام الاجارة، إذ هو حينئذ كرأس المال ومؤونة السنة أولا ثم يجب الخمس في الباقي أو على غير ذلك، إذ لم نعرف احدا " من الاصحاب توقف في ذلك، بل ولا في المنصوص عداه إشارة إليه، بل عمومها وإطلاقها قاض بخلافه. بل قد يستفاد من معقد إجماع الغنية وبعض العبارات وخبر الاشعري (1) وموثق سماعة (2) ومكاتبة يزيد (3) وخبر السرائر (4) والرضوي (5) وصحيح ابن مهزيار (6) بل ومفهوم خبر ابن عبد ربه (7) وإن كنا لم نجد عاملا بظاهره من التفصيل تعلقه بنحو الهبات والهدايا والجوائز بل والمواريث وغيرها، إلا ان ظاهر الاصحاب عدمه، نعم حكي عن ابي الصلاح تعلقه بالهبة والهدية والميراث والصدقة، وانكره عليه ابن إدريس، فقال: إنه لم يذكره احد من اصحابنا غيره ولو كان صحيحا لنقل امثاله متواترا "، والاصل براءة الذمة، لكن لا يخفى عليك قوته من جهة الادلة، بل مال إليه في اللمعة، فالاحتياط لا ينبغي ان يترك بل قد يدعى دخول الهبة في الاكتساب، كما لعله الظاهر من الروضة، لان قبولها نوع منه، ومن ثم يجب حيث يجب كالاكتساب للنفقة، وينتفي حيث ينتفي كالاكتساب للحج، بل كثيرا " ما يذكر الاصحاب ان قبول الهبة ونحوها اكتساب، وحيث نقول بتعلق الخمس بها ففي كشف الاستاذ (لا يجوز لمالكها الرد إذا تعلق وإن كانت هي في نفسها مما يصح فيه ذلك، لخروج بعضها عن الملك


(1) و (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب - 8 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1 - 6 - 7 - 10 - 3 (5) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 1 (7) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 2 الجواهر - 7

[ 57 ]

الذي هو أقوى من التصرف، نعم لو اعتبر في تعلق الخمس استقرار الملك اتجه حينئذ جواز الرد قبله، لعدم الخروج حينئذ وكذا البحث في المنتقل بوجه الجواز كالذي فيه الخيار، فليس له الرد حينئذ بعد ظهور الربح، لتبعض الصفقة) انتهى، وفيه بحث لسبق تعلق حق جواز الرجوع عليه. ثم لافرق في الربح بين النماء والتولد وارتفاع القيمة ولو للسوق كما صرح به في الروضة وغيرها، لصدق الربح والفائدة، لكن في المنتهى واستجوده في الحدائق (لو زرع غرسا فزادت قيمته لزيادة نمائه وجب عليه الخمس في الزيادة، أما لو زادت قيمته السوقية من غير زيادة فيه ولم يبعه لم يجب عليه) وكذا في التحرير إلا انه لم يقيده بعدم البيع، ونظر فيه في المسالك فقال: (ولو زاد مالا خمس في زيادة متصلة أو منفصلة وجب الخمس في الزائد وفي الزيادة لارتفاع السوق نظر) وقطع العلامة في التحرير بعدم الوجوب فيه، بل جزم بخلافه في الروضة، فقال: الرابع أرباح المكاسب من تجارة إلى ان قال: ولو بنماء وتولد وارتفاع قيمة وغيرها، خلافا للتحرير حيث نفاه في الارتفاع، قلت: قد يريد بقرينة قيده في المنتهى الغرس الذي يراد الاكتساب بنمائه دون اصوله، فانه لا خمس فيها حينئذ وان ارتفعت قيمتها كما صرح به الاستاذ في كشفه: بل وبعدمه ايضا في زيادة أعيانه إذا لم يقصد الاكتساب بها، بل قال ايضا: إن ما لم يقصد الاسترباح به ولا بفوائده وانما الغرض الانتفاع بها فالظاهر انه كسابقه وفوائده كفوائده أي يتعلق الخمس بها دون أعيانه، ولعله لاطلاق خبر السرائر (1) المتقدم وغيره. وكيف كان فخمس هذا القسم وإن شارك غيره في توقف تعلقه شرعا على إخراج سائر الغرامات التي حصل بسببها النماء والربح لعدم صدق اسم الفائدة


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب قيه الخمس - الحديث 10 (إ *)

[ 58 ]

والغنيمة بدونه ومكاتبة يزيد (1) وخبر الاكرار (2) المتقدمين سابقا وغيرهما لكنه يزيد باختصاص تعلقه بالفاضل عن مؤونة السنة له ولعياله، كما صرح به اكثر الاصحاب، بل في المدارك نسبته إليهم مشعرا بدعوى الاجماع عليه، كنسبته في المنتهى والتذكرة إلى علمائنا، بل في السرائر دعواه صريحا عليه غير مرة، كظاهر إجماع غيرها، وهو بعد شهادة التتبع له والاصل الحجة، مضافا إلى خبري ابن مهزيار (2) والاشعرى (3) المتقدمين سابقا وصحيح ابن أبي نصر (5) (كتبت إلى ابي جعفر (عليه السلام) الخمس أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة فكتب بعد المؤونة) وخبر ابراهيم بن محمد الهمداني (6) ان من توقيعات الرضا (عليه السلام) إليه ان الخمس بعد المؤونة، وهي وان أطلق فيها لفظ المؤونة لكن بمعونة ما عرفت وظاهر خبر السرائر وذيل خبر ابن مهزيار الطويل بل والاخر يجب إرادة ما عرفت من المؤونة فيها، بل قد يشعر قوله في الخبر الاخير (7) (فأما الغنائم والفوائد) إلى آخره بتحديد ذلك بالسنة التي هي معقد الاجماع السابق، بل لعله المتعارف المعهود من إطلاق هذا اللفظ كما اعترف به غير واحد، كما انه يستفاد من خبر السرائر إرادة مؤونة عياله مع مؤونته، بل هو من مؤونته المستفاد اعتبارها من خبر ابن مهزيار، بل هو صريح خبر ابراهيم بن محمد الهمداني (8) المروي عن ابن مهزيار في التهذيب ايضا، قال: (كتبت إلى ابي الحسن (عليه السلام) أقرأني علي بن مهزيار كتاب ابيك فيما اوجبه على صاحب الضياع نصف السدس من بعد المؤونة وانه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولا غير ذلك، واختلف من قبلنا في ذلك، فقالوا:


(1) و (2) و (3) و (4) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 7 - 2 - 3 - 1 - 5 - 4 (5) و (6) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب ما يجب قيه الخمس - الحديث 1 - 2

[ 59 ]

يجب على الضياع الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرجل وعياله، فكتب (عليه السلام) بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان) فليست الاخبار حينئذ خالية عن الاشارة إلى المراد بالمؤونة، بل ولا عن تحديدها بالسنة، نعم هي خالية عن تفصيل المؤونة وبيانها كخلوها عن بيان العيال واجبي النفقة أو الاعم منهم ومندوبيها، وهو في محله في كل منهما سيما الاول، لعدم إمكان الاحاطة ببيان ذلك جميعه، خصوصا مع ملاحظة الاشخاص والازمنة والامكنة وغيرها. فالاولى إيكاله إلى العرف كايكال المراد بالعيال إليه، إذ ما من احد إلا وعنده عيال، وله مؤونة، ولعله لا فرق فيه على الظاهر بين واجبي النفقة وغيرهم مع صدق اسم العيلولة عليه عرفا "، كما صرح به في المسالك والمدارك والرياض وإن اطلق بعضهم، بل اقتصر في السرائر وعن غيره على الاول، لكن لا صراحة فيه بعدم اندراج غيره معه، كما انه لافرق في تناوله المؤونة بين ما يحتاجه لنفس المأكل والمشرب والملبس والمسكن ونحوها وبين ما يحتاجه لزياراته وصدقاته وجوائزه وهداياه وأضيافه وغيرها مما هو جار على نسق العرف والعادات بحيث لا يعد من السرف والسفه والمستنكر عادة مع ملاحظة حال الشخص بالنسبة إلى ما يناسبه من جميع ذلك، وبالجملة إيكال المؤونة والعيال إلى العرف اولى من التعرض لبيانهما وتفصيلهما، وإن قال في المسالك والروضة وتبعه عليه غيره: المراد بالمؤونة هنا ما ينفقه على نفسه وعياله الواجبي النفقة وغيرهم، كالضيف والهدية والصلة لاخوانه وما يأخذه الظالم منه قهرا " أو يصانعه به اختيار "، والحقوق اللازمة له بنذر أو كفارة ومؤونة التزويج وما يشتريه لنفسه من دابة وأمة وثوب ونحوها ويعتبر في ذلك ما يليق بحاله عادة، وزاد في الاخير والمدارك والرياض ما يغرمه في أسفار الطاعات من حج مندوب أو زيارات، بل لم يستبعده في المسالك ايضا

[ 60 ]

وقال في كشف الاستاذ: (ما يفضل عن مؤونة السنة لنفسه ونفقة عياله الواجبي النفقة ومماليكه وخدامه وأضيافه وغيرهم وعطاياه وزياراته وحجاته فرضا أو ندبا ونذوره وصدقاته ومركوبه ومسكنه وكتبه وجميع حوائجه مما يناسب حاله) ثم قال بعد ذلك: (ويدخل في المؤونة دار تناسبه وزوجة كذلك وما يحتاج من ظروف وأسباب وغلمان وجوار وخيل وفراش وغطاء ولباس ومراكب ونحوها مما يليق بحاله) وفي البيان ((مؤونة سنة له ولعياله، ومنها قضاء ديونه وحجه وغزوه وما ينوبه من ظلم أو مصادرة) إلى غير ذلك من العبارات التي لااستقصاء فيها لتمام ذلك، لعدم انحصار انواع الاحتياج وأفراده الذي هو معنى المؤونة. بل قد يندرج فيه حلي نسائه وبناته وثياب تجملهم مما يليق بحاله، بل وما يحتاجه لتزويج اولاده واختتانهم ومرضهم أو مرض أحد من عياله غيرهم، بل وما تعارف في مثل هذا الزمان من المصارف عند موت احد منهم وغير ذلك مما لا يمكن عده ولاحصره، ومن هنا ترك التعرض له في النصوص واكثر الفتاوى نعم لو شك في شئ بالنسبة لاحتسابه من المؤونة احتمل عدم اعتباره، لاطلاق الادلة في وجوب الخمس الواجب الاقتصار معها على المتيقن، مع احتمال الاعتبار وإن بعد للاصل، وتقييد الاطلاق بدليل المؤونة المحتمل اندراج ذلك فيها، فهي كالمجمل حينئذ بالنسبة إليه وإن تيقن في بعض الاشياء انه منها، لا انه تمام المراد بها، كما انه قد يشك ايضا في اعتبار بعض ما تقدم من المؤونة أو يستظهر عدمه، إما لانه من مؤونة السعة، ضرورة اختلاف مراتب المؤونة بالنسبة للشخص الواحد، والمعتبر الوسط المعتاد الذي لا يعد بتركه مقترا " وإن كان بفعله لا يعد سرفا، لانه الذي ينصرف إليه الاطلاق كما في أمثاله أو لانه من غير المعتاد، كما لو اتفق انه ظلم أو عصب منه شئ أو انكر عليه بعض من له في ذمته

[ 61 ]

ممن لا يستطيع إثباته عليه أو سرق منه أو نحو ذلك، فان احتساب ذلك كله من المؤونة وإن لم يكن من مال التجارة لا يخلو من إشكال أو منع. ومن هنا صرح في المسالك والروضة والدروس وغيرها بعدم جبر تلف أو خسران غير مال التجارة بالربح وإن كان في عامه، بل قد يقوى ما هو الاحوط من عدم جبر خسارة أو تلف مال تجارة بربح أخرى، خصوصا إذا فرض تعقب الربح للخسارة، ضرورة مراعاة مؤن الحول من حين حصوله. فلا يخرج منه الخسارة السابقة، بل ولا التجارة الواحدة في الوقتين، إذ هي في الحقيقة كالتجارتين، سيما ايضا لو كان الربح في الوقت الثاني، بل ولا هي في وقت واحد ايضا إذا فرض التلف بسرقة ونحوها لا بتغير السعر ونحوه مما يحصل به الخسران في التجارة، نعم قد يقوى الجبر لخسران بعض مال التجارة بربح الاخر في الحول الواحد، كما لو فرض انه بيع بعض اعيان التجارة الواحدة بأنقص من رأس المال ثم تغير السعر فباعه بأضعافه، لعدم صدق الربح والغنيمة عرفا بدون ملاحظة خروجه، لكن في الروضة وفي جبر خسران التجارة بربحها في الحول وجه قطع به المصنف في الدروس إلا انه لعله يريد ما ذكرنا، وإلا كان محلا للنظر والتأمل، كما ان ما في كشف الاستاذ كذلك ايضا حيث قال فيه: (ولا يجبر خسران غير مال التجارة بالربح منها، والاحوط ان لا يجبر خسران تجارة بربح اخرى، بل يقتصر على التجارة الواحدة) انتهى. فظهر حينئذ ان إطلاق بعض الاصحاب عدما يأخذه الظالم قهرا " أو مصانعة منها قد ينزل على ما هو المتعارف والمعتاد من الظلم كالخراج ونحوه لا الاتفاقي، بل قد يستفاد من قوله (عليه السلام) في خبر ابن مهزيار (1) الطويل: (تخفيفا مني عن موالي ومنا مني عليهم) إلى آخره خروج جميع ما يغتاله السلطان في اموالهم عنها حتى يلائم التخفيف والامتنان


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب قيه الخمس - الحديث 5

[ 62 ]

وكذا الاشكال في احتساب اروش جناياته وقيم متلفاته العمدية منها بخلاف الخطائية، وإن كان قد يدفع من الديون التي قد عرفت احتسابها من المؤونة، بل هي مما يحتاجه الناس في كثير من الاوقات، بل هو من أعظم مؤنهم، لكن يعتبر في ذلك وفي الديون وفي النذور والكفارات ونحوها سبقها أو مقارنتها لحول الربح مع الحاجة، بل قد لا تعتبر الحاجة في الدين السابق مثلا لصيرورة وفائه بعد شغل الذمة به من الحاجة وإن لم يكن أصله كذلك دون المتجدد منها بعد مضي الحول، فانه لا يزاحم الخمس في ربح ذلك العام الماضي، بل سائر المؤن السابقة كذلك ايضا، كما صرح به بعضهم، بل هو ظاهر الاصحاب جميعهم على ما اعترف به في الكفاية حتى استطاعة الحج فانها من المؤونة بالنسبة إلى عام الاستطاعة، اما لو استطاع من فضلات أحوال متعددة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة، وكانت مؤونة الحج في ذلك العام من جملة مؤونة السنة إذا صادف سير الرفقة حول تلك الفضلة، وإلا فكالفضلة المتقدمة، كما لو كان حول فضلة سنة الوجوب رمضان فمضى شعبان المكمل لحولها قبل سير القافلة للحج وقد تكمل ما يكفي الحج، فانه يجب الخمس في تلك الفضلة وإن كانت الاستطاعة للحج حصلت في تلك السنة. نعم لو لم يسافر مع تيسر الرفقة عصيانا " بقي الخمس على سقوطه، إذ هو كالتقتير حينئذ المصرح باحتساب ما قتر فيه له في البيان والمسالك والروضة والمدارك والكفاية، بل لا أعرف فيه خلافا، بل لعله ظاهر معقد إجماع الغنية والسرائر والمنتهى والتذكرة لصدق كونه من المؤونة التي لا يتعلق الخمس إلا بالزائد عليها وإن لم يصرفه فعلا فيها، مع انه نظر فيه في الاخير بالنسبة إلى ترك الحج عصيانا "، ولعله لا يخلو من وجه أو قوة فيه وفي سائر التقتيرات، لانصراف المؤونة عرفا " إلى ما يتلفه في حوائجه ومآربه إرفاقا " من الشارع بالمالك، خصوصا "

[ 63 ]

بالنسبة إلى بعض الاشياء التي لا يعد تركها نقصا في حقه من شراء كتب ومراجعة أطباء وصنعة ولائم ونحوها وإن كانت هي لو فعلها من مؤنه، إذ لا تلازم بين كونها منها وعدم النقص في تركها، ضرورة أعمية المؤونة من ذلك، ولعله لذا قال الاستاذ في كشفه: (لو اقتصر في قوت أو لباس أو الات مساكن أو اوضاع ولم يفعل ما يناسبه لم يحسب التفاوت من المؤونة على الاقوى) بل ظاهره ذلك حتى فيما يحتمل النقص بتركه، فلو فضل من مؤونته حينئذ بسبب التقتير مما لم يتخذ للقنية كالحبوب وجب الخمس فيه، وأولى منه الفاضل لا للتقتير. أما لو أسرف وجب عليه خمس الزائد قطعا " كما صرح به جماعة، بل لا أعرف فيه خلافا "، بل لعله لذلك أوله ولسابقه اشير بتقييد المؤونة بالاقتصاد في معقد إجماع الغنية والسرائر والمنتهى والتذكرة، ومنه يعلم وجه ما في الدروس مستجودا " له في الكفاية من انه لو وهب المال في اثناء الحول أو اشترى بغبن حيلة لم يسقط ما وجب من الخمس حينئذ. ولو كان عنده مال آخر لا خمس فيه أو أخرج خمسه ففي إخراج المؤونة منه خاصة أو من الربح كذلك أو بالنسبة بمعنى انه لو كانت المؤونة مائة والارباح مائتين والمال الاخر ثلاثمائة مثلا بسطت المؤونة عليهما أخماسا "، فيسقط من الارباح خمسها، ويخمس الباقي، وهو مائة وستون ؟ وجوه كما في الروضة والمسالك وغيرهما، أحوطها الاول، وأعدلها الاخير، وأقواها الثاني وفاقا " للكفاية والحدائق وظاهر الروضة، للاصل، وظاهر النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات خصوصا " في مثل رأس المال المحصل للربح، فان كلامهم كالصريح في عدم احتساب شئ منه في المؤونة، وإن أطلق في الدروس، فقال: (والمؤونة مأخوذة من تلاد المال في وجه ومن طارفه في وجه، ومنهما بالنسبة في وجه) لكن قد يريد غيره، فتأمل، وخلافا " لمجمع البرهان فالاول للاحتياط الذي لا يجب مراعاته

[ 64 ]

عندنا، وإطلاق أدلة الخمس المحكوم عليها بما دل على اعتبار المؤونة مما عرفت الذي لا يقدح فيه عدم صحة السند على تقدير تسليمه بعد انجباره بما سمعت وعدم انحصار الدليل فيه، كما انه لا شاهد لتزيله على غير ذلك ممن لامال له آخر غيره إلا دعوى تبادر المؤونة في ذلك الممنوعة على مدعيها ولزوم عدم الخمس في نحو أرباح أموال السلاطين والاكابر وزراعاتهم مما ينافي أصل حكمة وجوب الخمس الذي لا بأس بالتزامه. نعم قد يقوى عدم احتساب ما عنده من دار وعبد ونحوه مما هو من المؤونة إن لم يكن عنده من الارباح، لظهور المؤونة في الاحتياج وإرادة الارفاق فمع فرض استغنائه عن ذلك ولو بسبب انتقال بارث ونحوه مما لا خمس فيه وقد بنى على الاكتفاء به يتجه حينئذ عدم تقدير احتساب ذلك من المؤونة، بل قد يتجه مثله في ربح مال من قام غيره بمؤونته لو جوب شرعي كالزوجة أو تبرع قد رضي المتبرع له به، كما ان المتجة الاكتفاء بما بقي من مؤن السنة الماضية مما كان مبنيا " على الدوام كالدار والعبد ونحوهما بالنسبة إلى السنة الجديدة، فليس له حينئذ احتساب ذلك وأمثاله من الربح الجديد، نعم لو تلفت أو انتقلت ببيع ونحوه اتجه احتسابه لكن مع إدخال ثمن المبيع منها في ما يريد ان يستجده، فان نقص أكمل، وإن اتفق انه ربح به دخل في الارباح التي يجب إخراج خمسها، وكذا في كل ما اتخذه للقنية إذا أراد بيعه، فتأمل. نعم قد يقال ان ظاهر تقييد المؤونة في السنة (1) يقتضي وجوب إخراج خمس ما زاد منها عليها من غير فرق بين المأكل وغيره من ملبس أو فرش أو اواني أو غير ذلك إلا المناكح والمساكن، فانها إذا اخذت من ربح سنة لا يجب إخراج


(1) هكذا في النسخة الاصلية والصواب " تقييد المؤونة بالسنة " الجواهر - 8

[ 65 ]

خمسها بعد السنة، بخلاف غيرهما فانه يجب إخراج خمس الجميع بعد السنة، ولعله لهذا استثنيت المناكح والمساكن كما ستسمع الكلام فيهما دون غيرهما لاطلاق أدلة الخمس المقتصر في تقييدها على المتيقن، وهو مؤونة السنة، والله العالم. (السادس) مما يجب فيه الخمس (إذا اشترى الذمي ارضا " من مسلم وجب فيها الخمس) عند ابني حمزة وزهرة واكثر المتأخرين من اصحابنا، بل في الروضة نسبته إلى الشيخ والمتأخرين أجمع، بل في المنتهى والتذكرة نسبته إلى علمائنا، بل في الغنية الاجماع عليه، وهو بعد اعتضاده بما عرفت الحجة، وإن كان قيل إنه لم يذكر الخمس في ذلك جماعة من القدماء كابن ابي عقيل وابن الجنيد والمفيد وسلار والتقي، إذ هو مع عدم منافاته لحجية الاجماع المنقول عندنا اعم من الحكم بالنفي، مضافا " إلى المروي في التهذيب عن ابي عبيدة الحذاء (1) بسند صحيح بل قيل أعلى درجات الصحة، قال: (سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: أيما ذمي اشترى من مسلم ارضا " فان عليه الخمس) بل في الحدائق انه رواه المفيد في المقنعة عن الحذاء ايضا " والمحقق في المعتبر عن الحسن بن محبوب، بل قال: إنه روى الشيخ المفيد في باب الزيادات من المقنعة عن الصادق (عليه السلام) (2) مرسلا (الذمي إذا اشترى من المسلم الارض فعليه فيها الخمس) وبذلك كله ينقطع الاصل، ويقيد مفهوم حصر الخمس في الكنوز والمعادن وفي الغنائم إن لم نقل إنها منها كما ادعاه في المنتهى، فما عن الشهيد الثاني في فوائد القواعد من الميل إلى عدم الخس فيها استضعافا " للرواية ضعيف جدا "، إذ هي مع اعتضادها بما سمعت في أعلى مراتب الصحة كما عرفت، فما في الروضة تبعا " لما عن المختلف انها من الموثق ليس في محله، على انه حجة عندنا ايضا ". ثم إن ظاهر النص والفتوى قصر الحكم على الشراء خاصة، للاصل، لكن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب ما يجب قيه الخمس - الحديث 1 - 2

[ 66 ]

في البيان واللمعة والروضة عمومه له ولغيره، بل ظاهرها مطلق الانتقال من مسلم ولو بغير عقد معاوضة تنقيحا " للمناط، وفيه تأمل بل منع بالنسبة إلى غير عقود المعاوضة، ولذا اقتصر عليها الاستاذ في كشفه، ولعله لدعوى إرادة مطلق الانتقال بعوض من الشراء وكذا ظاهر النص والفتوى بل هو صريح جماعة عدم الفرق بين ارض المزرع والمسكن وغيرهما، خلافا " لما عن المعتبر فخصها بالمزرع دون المسكن، وتبعه عليه في المنتهى بعد اعترافه، بأن إطلاق الاصحاب يقتضي العموم، واستجوده في المدارك، ولعله لا يخلو من وجه، للاصل، ودعوى تبادر ذلك من الارض وتعارف التعبير عن غيرها بالدار والمسكن، إلا ان فيهما معا " تأملا " خصوصا " إن ارادا حتى الارض المتخذة للمسكن. فالاولى ثبوت الخمس سواء كانت مزرعا " أو مسكنا " بل و (سواء كانت مما فيه الخمس كالارض المفتوحة عنوة) حيث يصح بيعها، كما لو باعها إمام المسلمين في مصالحهم أو باعها اهل الخمس، إذ قد عرفت ثبوته في الاراضي من الغنائم أو غير ذلك، بل قد يقال به في المبيع منها تبعا " لاثار التصرف فيها وفاقا " للمحكي عن جمع من المتأخرين بناء على حصول الملك للمتصرف بذلك، وإن كان هو يزول بزوال تلك الاثار، لكنه لا يمنع تناول النص والفتوى له فتأمل الاردبيلي في هذا التعميم من المصنف وغيره معللا له بعدم جواز بيع المفتوحة عنوة لعدم ملك احد بالخصوص لها ولزوم تكرار إخراج الخمس فيها حينئذ في غير محله، وإن تبعه تلميذة في المدارك في خصوص البيع لاثار التصرف، لما عرفت، وعدم وضوح بطلان اللازم، بل الظاهر صحته لاختلاف جهتي الخمس فيهما، فتأمل. (أو) كانت (ليس) مما (فيه) الخمس (كالارض التي أسلم عليها أهلها) طوعا " بل وسوا باعها الذمي من ذمي آخر أو لا لتعلق الخمس فيها، نعم أرباب الخمس بالخيار بين الرجوع على البائع والرجوع على المشتري، فيرجع

[ 67 ]

على البائع بما قابل خمسها من الثمن إن لم يختر الفسخ، لتبعض الصفقة، بل وكذا لو باعها لمسلم وإن كان الاصلي، بل وكذا لا يسقط لو ردها بالاقالة وإن احتمله في البيان والمسالك، بل قد يقال به ايضا " فيما لو ردها بخيار كان له بشرط أو غيره، لاطلاق الادلة، وإن كان لا يخلو من تأمل، لامكان دعوى ظهور اللازم المستقر من الشراء، لكن عليه يكون هو المستقر في ذمته الخمس، بل قد يكون ليس له بدون رضي الناقل بناء على تعلق الخمس بالعين ولم نكتف بضمانه للزوم تبعض الصفقة عليه حينئذ. وكذا لا يسقط الخمس باسلامه بعد صيرورة الارض في ملكه، بخلاف مالو أسلم قبله وإن كان بعد العقد قبل القبض الذي يتوقف عليه الملك، ولو تملك ذمي من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل الاقباض أخذ من الذمي الخمس في وجه قوي، وعلى كل حال فليس للذمي الخيار مع عدم لزوم الضرر في أخذ الخمس منه، بل ومعه على الاقوى، لانه حكم شرعي من غير قبل المالك، ولو اشتراها من مسلم ثم باعها منه أو من مسلم آخر ثم اشتراها كان عليه خمس الاصل مع خمس الاربعة الاخماس وهكذا حتى تفنى قيمتها، ولو اشترى الخمس في جميع الدفعات أخذ منه خمسه، ولو كرر الشراء مرتين فخمسا الخمسين، ولو شراها وشرط نفي الخمس أو تحمله بطل الشرط بل والعقد على الاقوى. ومصرف هذا الخمس مصرف غيره من الاخماس كما هو ظاهر النص والفتوى بل كاد يكون صريحهما، بل هو كذلك وإن لم نقل بالحقيقة الشرعية، ضرورة كفاية المتشرعية الواجب حمل الفتاوى ومثل هذا النص عليها فيه، لكن في المدارك وعن المنتقى احتمال إرادة تضعيف العشر الذي هو الزكاة على الذمي من النص تبعا " للمحكي عن مالك من القول بمنع الذمي من شراء الارض العشرية، وانه إذا اشتراها ضوعف عليه العشر فيجب الخمس، بل في الاخير احتمال صدور

[ 68 ]

هذا الخبر تقية منه، فان مدارها على الرأي الظاهر لاهل الخلاف وقت صدور الحكم، ومعلوم ان رأي مالك كان هو الظاهر في زمن الباقر (عليه السلام)، فينقدح حينئذ ما في التمسك به لاثبات هذا الحكم، وليس بمظنة بلوغ الاجماع ليغني عن طلب الدليل، فان جمعا " منهم لم يذكروه، كما عن آخر التوقف فيه، وهو منهما بعد ما سمعت مما تقدم عجيب، كالعجب في التوقف في متعلق الخمس هنا بعد ظهور النص والفتوى في كون الارض كغيره مما ثبت فيه الخمس. نعم يتخير من إليه أمر الخمس بين أخذ رقبة الارض وبين ارتفاعها من إجازة وحصة مزارعة ونحوهما كما صرح به غير واحد، لكن في الحدائق ان الاقرب التخيير إذا لم تكن الارض مشغولة بغرس أو بناء، وإلا تعين الاخذ من الارتفاع، وطريقه ان تقوم الارض مع ما فيها بالاجرة، وتوزع الاجرة على ما للمالك وعلى خمس الارض، فيأخذ الامام (عليه السلام) أو المستحق ما يخص الخمس من الاجرة، قلت: قد يقال إن له اخذ خمس الرقبة هنا ايضا " وإن كان ليس له قلع الغرس والبناء اللذين في حصة الخمس، بل عليه إبقاؤه بالاجرة، كما ان له اخذ القيمة لو بذلت له، فتقوم الارض حينئذ مشغولة بالغرس أو البناء بالاجرة، ثم يأخذ الخمس تلك القيمة، ولذا اطلق في البيان فقال: (ويجوز الاخذ من الرقبة ومن الارتفاع) وفي المسالك (ويتخير الامام (عليه السلام) أو الحاكم بين اخذ خمس العين أو خمس الارتفاع) وفي الروضة بعد ان اختار عموم الحكم لارض المزرع والمسكن قال: (وطريق معرفة الخمس ان تقوم مشغولة بما فيها بأجرة للمالك ثم قال: ويتخير الحاكم بين اخذ خمس العين والارتفاع) كما ان الاستاذ في كشفه بعد ان اختار ذلك قال: (وطريق الاخذ في هذا القسم ان يقوم مشغولا بما فيه بأجرة للمالك) وقال الشهيد الاول في المنسوب إليه من حواشي القواعد: (ويتخير الامام (عليه السلام) بين خمس أصلها وحاصلها) وفي حاشية

[ 69 ]

على الارشاد مدونة أظن انها لولد المحقق الثاني (والظاهر ان المراد ارض الزراعة كما صرح به بعض اصحابنا، فيتخير بين إخراج الخمس من رقبتها أو ارتفاعها) إلى غير ذلك من عباراتهم الظاهرة فيما ذكرنا عدا الاخيرتين منها، بل يمكن إرادة ذلك ايضا " من اوليهما بل وثانيتهما، فتأمل. ومقصودهم بقولهم: (مشغولة) إلى آخره مراعاة ذلك في التقديم احترازا " عن دخول النقص لمن له الخمس لو قوم بدون ملاحظة الاجرة، بل لولاه لاحاط بالقيمة كما اعترف به في المسالك، وعن دخوله لمن عليه لو لم يلاحظ استحقاق بقاء المشغولية، فتأمل جيدا ". ولاحول ولا نصاب هنا للاطلاق، بل ولا نية على ذمي قطعا "، بل ولا على غيرها حين الاخذ والدفع لاطلاق الدليل، خلافا " لما عن الدروس فأوجبها عند الاخذ والدفع عن الاخذ والدافع لا عن الذمي، ولعله ظاهر المسالك حيث قال: (ويتوليان أي الحاكم والامام (عليه السلام) النية عند الاخذ والدفع وجوبا " عنهما لا عنه، مع احتمال سقوط النية هنا، وبه قطع في البيان، والاول خيرة الدروس) انتهى، غير ظاهر الوجه بالنسبة للاخذ بعد فرض كون النية عن الاخذ لا الذمي، والامر سهل. ويلحق بالذمي والمسلم في ذلك كله ما هو في حكم أحدهما من صبيانهم ومجانينهم وغيرهم كما في غيره من الاحكام، بل في كشف الاستاذ (وفي دخول المنتحل للاسلام الخارج عنه في الحقيقة وجهان) لكن ستعرف فيما يأتي ان بعضهم استوجه اشتراط التكليف في وجوب الخمس، والله أعلم. (السابع) مما يجب فيه الخمس (الحلال إذا اختلط بالحرام، ولا يتميز) صاحبه أصلا حتى في عدد محصور ولا قدره ايضا " أصلا ولو على الاشاعة مما اختلط معه (وجب فيه الخمس) وفاقا " للنهاية والغنية والوسيلة والسرائر والنافع

[ 70 ]

والقواعد والتذكرة والمنتهى والارشاد والتحرير واللمعة والبيان وحواشي البخارية والتنقيح والروضة وحاشية الارشاد والحدائق والرياض وغيرها، بل في المنتهى نسبته إلى اكثر علمائنا، والمفاتيح إلى المشهور، بل في ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع عليه، وهو بعد شهادة التتبع له في الجملة الحجة، مضافا " إلى ما في البيان من دعوى اندراجه في الغنيمة، وإلى ما في صحيح ابن مهزيار (1) السابق (ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل مال يؤخذ لا يعرف له صاحب، وما صار إلى موالي من أموال الخرمية الفسقة) إلى آخره، وإلى خبر ابن زياد (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إن رجلا أتى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني أصبت مالا لا أعرف حلاله من حرامه فقال له: اخرج الخمس من ذلك المال فان الله عزوجل قد رضي من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يعلم) ونحوه خبر السكوني (3) الذي رواه المشايخ الثلاثة ايضا " بل وعن المفيد روايته مرسلا ايضا "، بل وعن البرقي روايته عن النوفلي عن الصادق عن آبائه عن علي (عليه السلام): تصدق بخمس مالك فان الله رضي من الاشياء بالخمس، وسائر المال لك حلال) كمرسل الصدوق (4) في الفقيه (جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالا أغمضت فيه أفلي توبة ؟ قال عليه السلام: ائتني بخمسه، فأتاه بخمسه فقال: هو لك، إن الرجل إذا تاب تاب ماله معه))


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب - 10 - من أبواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1 - 4 - 3

[ 71 ]

وبسنده المروي عن الخصال بسند قوي إلى عمار بن مروان (1) (سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس). بل ربما استدل عليه ايضا " بالموثق (2) عن الصادق (عليه السلام) (انه سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل قال: لا إلا ان لا يقدر على شئ يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شئ فليبعث بخمسه إلى أهل البيت (عليهم السلام)) بل في مجمع البرهان إمكان الاستدلال عليه بصحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) ايضا " (في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة فقال: يؤدي خمسا " ويطيب له) لكنهما كما ترى وإن كانا لا يخلوان من نوع تأييد، خصوصا " بعد انجبارها كقصور غيرهما سندا " ودلالة بما عرفت. فما في مجمع البرهان من التأمل في ذلك، بل مال إلى خلافه تلميذه في المدارك وتبعه عليه الكاشاني بل والخراساني في الظاهر بل ربما استظهر ايضا " من ترك جماعة من القدماء التعرض له، فأوجب عزل ما تيقن انتفاؤه عنه، والتفحص عن مالكه إلى ان يحصل اليأس من العلم به، فيتصدق به على الفقراء كغيره من مجهول المالك الذي قد ورد بالتصدق به نصوص (4) كثيرة مؤيدة بالاطلاقات


(1) الوسائل الباب - 3 - من ابواب ما يجب قيه الخمس - الحديث 6 وفيه قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام... الخ " (2) الوسائل الباب - 10 - من ابواب ما يحب قيهالخمس - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب قيه الخمس - الحديث 8 (4) الوسائل الباب - 1 - من كتاب اللقطة - الحديث 2 و 7 و 13 والباب 7 منه

[ 72 ]

المعلومة والاعتبارات العقلية في غير محله، بل هو مع مخالفته الاحتياط في المصرف بل والمال في بعض الاحوال اجتهاد في مقابلة النصوص، خصوصا " مع ظهور تلك الروايات في غيرها ما نحن فيه من الممتزج المجهول قدرا " وصاحبا "، ولقد أجاد في رده في الحدائق بأن طرح هذه النصوص المتكررة في الاصول المتفق عليها بين الاصحاب ممالا يجتري عليه ذو مسكة، وكذا المناقشة منه ومن غيره في مصرف هذا القسم من الخمس بأنه لادلالة في هذه النصوص على مساواته لغيره من الخمس في ذلك، بل ظاهر الامر بالتصدق في خبر السكوني وإعطائه إياه في مرسل الفقيه وما ورد في حكم مجهول المالك خلافه، إذ يدفعها بعد موافقة الاختصاص للاحتياط كما صرح به بعضهم، بناء على اختصاص الصدقة المحرمة عليهم بالزكاة المفروضة ونحوها ظهور لفظ الخمس في النصوص والفتاوى في ذلك بل لعله حقيقة شرعية فيه، بل ينبغي القطع بالمتشرعية التي تحمل عليها الفتاوى وبعض النصوص، خصوصا " بعد ذكر الاصحاب له في هذا الباب، ومن هنا اعترف في البيان ان ظاهر الاصحاب ذلك، على ان خبر الخصال كالصريح فيه، بل وصحيح ابن مهزيار، بل وخبري السكوني وابن زياد بمعونة التعليل السابق فيهما، بل الموثق السابق صريح فيه بناء على ظهوره فيما نحن فيه، والامر بالصدقة بعد وقوع التعبير بمثله عن الخمس مستدلا عليه بآية التطهير والتزكية لا دلالة فيه كاعطائه إياه إن سلم رجوع الضمير فيه إلى الخمس بعدما سمعت ان للامام عليه السلام التصرف فيه يفعل به ما يشاء، بل لعل قوله (عليه السلام) فيه: (ائتني) مشعر بالمختار، وأخبار مجهول المالك مع ظهورها في غير ما نحن فيه يجب الخروج عنها بما هنا. نعم لو علم قدر المال والصاحب سقط الخمس ووجب الدفع إليه كغيره من


الجواهر - 9

[ 73 ]

الشركاء من غير إشكال بل ولا خلاف، وإن كان ظاهر ترك الاستفصال في بعض الاخبار السابقة يقتضي خلافه، لكن الضرورة وخبر الخصال وصحيح ابن مهزيار كاف فيه، بل لعل الظاهر ايضا " سقوطه لو علمه في عدد محصور، فيجب التخلص من الجميع بالصلح ونحوه كما صرح به في المدارك والروضة ولو إجبارا " بمعنى التوزيع عليهم حتى لو ظنه خصوص واحد منه، إذ هو لا يجدي ولا يغني كما في سائر الشبه المحصورة، بل وكذا لا عبرة به لو ظن ان زيدا " مثلا صاحبه في غير المحصور، لكن في الحواشي المنسوبة للشهيد في إعطائه إياه وجهان، بل ظاهر ذيل عبارته فيها جريانه مجرى العلم في تعبد المكلف به هنا، وهو لا يخلو من نظر بل منع، وإن كان يوافقه الاحتياط في بعض الاحوال. فالاقوى حينئذ انه كما لو لم يظن له صاحبا " أصلا يتصدق به على من يشاء من الفقراء بعد اليأس كما صرح به في الحواشي المذكورة والبيان والروضة والمدارك سواء كان بقدر الخمس أو ازيد أو انقص، لاطلاق الامر بالتصدق بمجهول المالك، ولانه اقرب الطرق إيصالا إلى صاحبه، لكن في الحدائق بعد ان حكى ذلك عن المدارك ومستنده والقول بوجوب إخراج الخمس ثم الصدقة بالزائد عن غيرها اعترض الاول بأن ظاهر تلك الاخبار المال المتميز في حد ذاته لا المشترك الموقوف صحة قسمته على رضا الشريكين الذي هو صلح عن استحقاق كل منهما في المقسوم بالاخر أو كالصلح، والثاني بذلك ايضا " بالنسبة إلى الصدقة بالزائد، ثم قال: (وبما ذكرنا يظهر ان الاظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الاخبار المتقدمة اي اخبار الخمس وانه لا دليل على إخراجها) وفيه مع عدم ثبوت ما ذكره من القول الثاني لاحد من الاصحاب وإن حكاه في المدارك عن التذكرة وجماعة لكن الموجود فيها في الفرض وجوب الاخراج سواء قل عن الخمس أو كثر، نعم قال بعد ذلك: (وكذا لو عرفه بعينه، ولو عرف انه اكثر

[ 74 ]

من الخمس وجب إخراج الخمس وما يغلب على الظن في الزائد) وهو مع انه لاظهور فيه بوجوب إخراجه خمسا "، بل لعل ظاهر العطف خلافه، إلا ان يدعى إيجابه صرف الزيادة في مصرف الخمس ايضا " كما فهمه منه في البيان على الظاهر، بل حكى في الكفاية عن بعضهم احتماله، وإن كان لا دليل عليه حينئذ، بل ينبغي الصدقة بها كما في الروضة، وغير (1) ما نحن فيه، إذ يمكن دعوى وجوب الخمس فيه دونه كما هو ظاهر الروضة بل صريحها، لصدق عدم معرفة المقدار وعدم التمييز فيه وإن علم مقدارا " إجماليا " انه اكثر من الخمس مثلا، فيندرج تحت إطلاق تلك الادلة، بل لو علم انه اقل من الخمس اوجب في الروضة دفع ما يتيقن البراءة به خمسا " في وجه، وإن كان قد استظهر قبل ذلك كونه صدقة انه لا شمول في اكثر نصوص المقام لذلك، سيما المشتمل على التعليل برضا الله في التطهير بالخمس، إذ ظاهرها عدم معرفة الحلال من الحرام عينا " وقدرا "، على انه لو اكتفى باخراج الخمس هنا لحل ما علم من ضرورة الدين خلافه إذا فرض زيادته عليه، كما انه لو كلف به مع فرض نقيصته عنه وجب عليه بذل ماله الخالص له، وأما مانع الشركة فهو مشترك الالزام على الصدقة والخمس، فان استند إلى اقتضاء الامر باخراج خمسه قيام من في يده المال مقام المالك الاصلي في ذلك كنا اولى بتقرير ذلك ايضا " في الصدقة به، مع إمكان التخلص باستئذان حاكم الشرع الذي هو ولي الغائب وغيره. نعم في المدارك (ان الاحتياط يقتضي دفع الجميع إلى الاصناف الثلاثة من الهاشميين، لان هذه الصدقة لا تحرم عليهم قطعا ") قلت: هو كذلك، لكن قد يظهر من البيان خلافه حيث قال هنا: (تصدق به على مصارف الزكاة) أما لو علم الصاحب وجهل قدر المال إجمالا وتفصيلا وجب الصلح كما صرح


(1) الظاهر زيادة حرف الواو في قوله " وغير ما نحن فيه " لانه خبر لقوله " وهو "

[ 75 ]

به جماعة، وكان مرادهم ولو إجبارا "، لكن في الرياض (وجوب مصالحته بما يرضى به ما لم يعلم زيادته على ما اشتغلت الذمة به بيقين) وهو جيد، وعنده حينئذ يتجه إجبار الحاكم له على الصلح، وفي التذكرة (انه ان أبي دفع إليه خمس المال، لان هذا القدر جعله الله مطهرا " للمال) وهو لا يخلو من وجه، خصوصا " مع ملاحظة التعليل السابق، وان استشكله بعضهم بظهور النصوص السابقة سيما خبر الخصال في خلافه من مجهولية المالك، ثم قال: (فالاحتياط يقتضي وجوب دفع ما يحصل به يقين البراءة من يقين الشغل، ولا يبعد الاكتفاء بدفع ما يتيقن انتفاؤه عنه، لاصالة براءة الذمة عن الشغل بغيره، قلت: لعل الصلح ولو إجبارا " بما يرضى به ما لم يزد اولى منه هنا، للقطع بكون بعض الاعيان المختلطة له فلا يجوز التصرف في ذلك المال إذا لم يأذن، نعم ما ذكره متجه بالنسبة للديون، فتأمل. ولو علمه إجمالا اي اكثر من الخمس أو الثلث مثلا دفع إليه ماتيقنه، بل وما يحصل به يقين البراءة احتياطا " ان لم يصالحه، وفي المدارك في نحو الفرض يحتمل قويا " الاكتفاء باخراج ما يتيقن انتفاؤه عنه، ووجهه ما عرفت، ولا فرق في ذلك كله بين المختلط بكسبه أو من ميراث كما صرح به جماعة، وإن كان ظاهر جملة من النصوص الاول. ولو تبين المالك بعد اخراج الخمس أو الصدقة ففي الضمان وعدمه وجهان بل قولان، من اطلاق قوله صلى الله عليه وآله وسلم (1): (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) ومن انه تصرف باذن المالك الاصلي فلا يستعقب ضمانا "، ولعل الاقوى الاول وفاقا " للروضة والبيان وكشف الاستاذ، لمنع اقتضاء الاذن رفع الضمان، بل أقصاها رفع الاثم وبعد التسليم فاقتضاؤها إياه إن لم يكن هناك دليل عليه، لا انها بحيث تعارضه،


(1) سنن البيهقى ج 6 ص 90 وكنز العمال ج 5 ص 257 الرقم 5197

[ 76 ]

فالجمع حينئذ بينهما بالضمان وعدم الاثم هو المتجه. ولو كان خليط الحرام مما فيه الخمس ايضا " لم يكف خمس واحد لهما كما صرح به بعضهم، لتعدد الاسباب المقتضي لتعدد المسببات، فيجب حينئذ بعد إخراج خمس التطهير خمس آخر، فما في الحواشي البخارية من الاكتفاء به ضعيف جدا "، كدليله من الاطلاق الذي لم يسق لبيان ذلك، ولو علم زيادة الحرام عن الخمس بعد إخراجه منه تصدق بها، لكن في البيان احتمال استدراك الصدقة في الجميع بالاسترجاع، فان لم يمكن أجزأ وتصدق بالزائد بل في الكشف احتمال الاكتفاء بالسابق) وهماكما ترى أولهما مبني على حرمة مثل هذه الصدقة على بني هاشم، كما ان ثانيهما مستلزم لحلية معلوم الحرمة. ولو خلط الحرام بالحلال عمدا " خوفا " من كثرة الحرام، وليجتمع شرائط الخمس فيجتزئ باخراجه عصى بالفعل، وأجزأه الاخراج، ويحتمل قويا " تكليف مثله باخراج ما يقطع معه بالبراءة إلزاما " له بأشق الاحوال ولظهور الادلة في غيره ولو تملك شيئا " بمقابلة ذلك المخلوط أمكن الرجوع في الخمس إلى الناقل والمنقول إليه، لكن يختص ذلك في المال المختلط دون ما أخذ في مقابلته إلا إذا جهل صاحبه، بل وإن جهل فانه يجب إخراج خمسه حينئذ عن صاحبه صدقة لا خمسا "، لمعلومية قدره الباقي على ملكه. ولو تصرف في المختلط بحيث صار الحرام منه في ذمته لم يسقط الخمس، فان لم يعرف مجموع ذلك المختلط حتى يخرج خمسه وجب عليه دفع ما يحصل به يقين البراءة في وجه، وفي آخر دفع ما ينتفي معه يقين الشغل، وفي ثالث وجوب الصلح مع الامام (عليه السلام) أو من يقوم مقامه، لكونه من معلوم الصاحب أو كمعلومه، بل الامام (عليه السلام) ممن يستحقه معلوم قطعا "، بل قد يقال إن عليه الصلح بما يرضى به ما لم يعلم زيادته على ما اشتغلت ذمته به، كما عرفته

[ 77 ]

سابقا " في نظيره، لكن قد يفرق بينهما بوجود الاعيان المختلطة هناك المحتاج تصرفه فيها إلى الصلح دونه هنا، فالوجه حينئذ الصلح مع إمكانه، وإلا فدفع ما يحصل به يقين البراءة، أو ما ينتفي معه يقين الشغل في وجه قوي. أما لو تصرف بالحرام قبل اختلاطه ثم اشتبه عليه مقدار ما ثبت في ذمته كان له حكم مجهول المالك يتصدق بما يحصل به اليقين احتياطا "، أو يرتفع به اليقين لكن في كشف الاستاذ انه يعالج بالصلح ثم الصدقة، ولا ريب ان الاحوط الاول وإن كان هو أحوط من الاخير. ولو كان الاختلاط من اخماس أو زكوات فهو كمعلوم الصاحب في وجه قوي، وفي الكشف ان الاقوى كونه كالسابق. ولو كان الاختلاط مع الاوقاف فهو كمعلوم الصاحب في وجه قوي. ولو حصل الاشتباه بين الثلاثة أو أحدها وبين غيرها أو بينها بعضها مع بعض فالاقوى فيه الرجوع إلى الحكم السابق، وهو إخراج الخمس إلا في اختلاط الاوقاف، فان علاجها الصلح، ثم قال: (ولو كان ما فيه الواجب مشتركا فامتنع أحد الشركاء عن القسمة أدى غير الممتنع سهمه وحل التصرف بمقدار أربعة اخماس حصته، ولو امكن جبره على القسمة اجبر) انتهى، وهو جيد، لكن المتجه فيما ذكره بل وفي غيره من الفروع المتصورة هنا التي يصعب إرادتها من ظاهر النصوص مراعاة الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة، بل قد يقوى في النظر عدم اندراج نحو اختلاط الزكاة مثلا فيما نحن فيه من اختلاط الحلال والحرام الذي يجب إخراج خمسه للذرية، بل ينبغي القطع به، فتأمل جيدا "، والله اعلم. (فروع): (الاول الخمس يجب في الكنز) لما عرفت من الادلة السابقة، بل ظاهرها

[ 78 ]

ذلك (سواء كان الواجد له حرا " أو عبدا " صغيرا " أو كبيرا ") كما في التحرير والقواعد والمنتهى والتذكرة والبيان والمسالك وغيرها، بل هو قضية إطلاق الباقين بل سواء كان مجنونا " أو عاقلا ذكرا " أو انثى مسلما " أو ذميا " كما صرح به ايضا " في بعض هذه الكتب، للادلة السابقة الظاهرة في انه من احكام الوضع والاسباب التي لا تفاوت فيها بين المكلف وغيره، نعم يكلف ولي الطفل والمجنون ومولى العبد إن لم يكن مكاتبا "، وإلا كان عليه إخراج الخمس بل (وكذا المعادن والغوص) كما في القواعد لعين ما سمعت ايضا "، لكن ما في المتن كالقواعد قد يشعر باعتبار التكليف والحرية في غير هذه الانواع الثلاثة، واستشكله في المدارك بالنسبة للثاني بأن مال المملوك لمولاه، فيتعلق به خمسه، كما انه استوجهه بالنسبة للاول، وقضيته عدم الخمس في ارباح تجاراته أو ماله المختلط بالحرام، بل وأرضه المشتراة له لو كان ذميا " وغنيمته، وفي غير الاخير منه نظر وتأمل إن لم ينعقد إجماع عليه، خصوصا " الثاني منه الذي إخراج الخمس فيه لتطهير المال، بل والاول لمساواة بعض ادلتهما السابقة بعض ادلة الثلاثة السابقة في إفادة تعلق الخمس بالمال نفسه، وإن لم يكن صاحبه مكلفا " كما لا يخفى على من أحاط خبرا " بما تقدم منها، ولا ينافيه الخطابات التكليفية في البعض الاخر، كما لم ينافه في الثلاثة المتقدمة، ضرورة ظهور موردية المكلف فيه لاشرطيته كي يحصل التنافي، فلاحظ وتأمل جيدا "، بل قد يؤيده إطلاق الفتاوى ومعاقد الاجماعات. الفرع (الثاني لا يعتبر الحول في) وجوب (شئ من الخمس) مما تقدم عدا الارباح بلا خلاف اجده فيه، بل في المدارك الاجماع عليه، بل فيها عن المنتهى انه قول العلماء كافة إلا من شذ من العامة، بل في الرياض نسبته إلى إجماعنا الظاهر المصرح به في كلام جماعة، بل في التذكرة نسبته في المعدن إلى عامة أهل العلم، وهو الحجة بعد إطلاق الادلة السابقة كتابا " وسنة المعتضد به وباطلاق

[ 79 ]

الفتاوى ومعاقد الاجماعات، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع عليه، بل وعلى وجوبه فورا " زيادة على ذلك ايضا "، لانه حق للغير المطالب به حالا إن لم يكن قولا، مع انه يكفي في عدم جواز إبقائه عدم الاذن من مستحقه، إذ هو من قبيل الامانة الشرعية عنده. بل وكذا لااعتبار للحول في الارباح ايضا " على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل لا أجد فيه خلافا " إلا ما يحكى عن السرائر من اعتباره، مع ان عبارتها ليست بتلك الصراحة، بل ولا ذلك الظهور كما اعترف به بعضهم، بل قد وقع لمثل العلامة في المنتهى ممن علم ان مذهبه عدم اعتبار ذلك بعض العبارات الظاهرة في بادئ النظر في عدم الوجوب إلا بعد الحول المراد منها بعد التروي التضيق كعبارة السرائر، خصوصا " بعد دعواه الاجماع فيها ظاهرا " على ذلك، ضرورة كون مظنته التضييق لا أصل الوجوب، على انه محجوج باطلاق الادلة حتى معاقد الاجماعات، بل فيما حضرني من نسخة المفاتيح الاجماع عليه ايضا " واستثناء المؤونة لادلالة فيه على تأخر الوجوب بعد إرادة إخراج قدرها تخمينا " منها، لصدق اسم المؤونة به لا المصارف الفعلية كي يستلزم تأخر الوجوب عنها، لعدم تعقل تعقب وجوبه عليها قبل حصولها، ولعل ذا هو الذي ألجأ الحلي إلى الخلاف، إن كان، إلا انه كما ترى. فالاقوى حينئذ اتحاد جميع محال الخمس في عدم اعتبار الحول (ولكن يؤخر) جوازا " خصوص (ما يجب في ارباح التجارات) كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا "، بل الظاهر الاجماع عليه، بل قد يشعر به صحيح ابن مهزيار (1) الطويل المتقدم سابقا " (احتياطا " للمكتسب) وإرفاقا " به، لامكان تجدد مؤن له لم يكن قد دخلت في تخمينه، بل في البيان (وللمستحق، لاحتمال


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 80 ]

نقصان المؤونة) لكن قد يشكل بأن تعجيل الاخراج عن الزائد المعلوم لا يسقط الوجوب فيما تجدد وعلم زيادته، إذ التقديم مبني على التخمين والظن فمتى فضل شئ من المؤونة وجب إخراج خمسه سواء كان بسبب نقص النفقة أو بغيره، فتعجيل الاخراج مما علم زيادته أغبط للمستحق على التقديرين ولو عورض ذلك بمثله في المكتسب فان له الرجوع على المستحق لو ظهر له نقص ما قدره عن المؤونة دفع بالمنع مع تلف العين وعدم علم المستحق، لانه هو الذي سلطه عليه باختياره، بل ومع العلم ايضا " وبقاء العين في وجه قوي، كما استوجهه في المسالك فضلا عن أحدهما، لاحتمال كون المعتبر عند إرادة التعجيل تخمين المؤونة وظنها وإن لم تصادف الواقع، على انه بعد تسليمه ولو في الجملة لا يرفع الاحتياط للمكتسب، لما فيه من تكلف المطالبة، واحتمال عدم الحصول له معها ايضا "، وغير ذلك، هذا وقد يشعر تعليل المصنف وغيره التأخير بالاحتياط وتخصيص فائدته به بل ظاهر غيره حصرها فيه بعدم جواز التصرف والاكتساب بالخمس، وهو كذلك لكونه مال الغير، نعم لو ضمنه وجعله في ذمته جاز له ذلك، لكن ليس في الادلة هنا تعرض لبيان ان له ضمانه مطلقا " أو بشرط الملاءة أو الاطمينان من نفسه بالاداء أو غير ذلك، بل لا تعرض فيها لاصل الضمان، وجواز التأخير أعم من ذلك، بل هو أمانة في يده يجري عليه حكم الامانات، فتأمل. ثم المراد بالحول في معقد الاجماعات وغيرها هنا تمام الاثنى عشر كما صرح به بعضهم، لاصالة الحقيقة، فلا يكفي الطعن في الثاني عشر قياسا " على الزكاة، ومبدئه كما في المسالك والروضة ظهور الربح، بل فيهما انه لو حصل له ربح في اثناء الحول لوحظ له حول آخر بانفراده. نعم كانت مؤونة بقية الحول الاول معتبرة منهما، ويختص هو بالباقي إلى زمان حصوله، كما انه اختص الاول بالمدة السابقة عليه،


الجواهر - 10

[ 81 ]

وهكذا، ونحوهما في ذلك كشف الاستاذ حيث قال: (ولكل ربح عام مستقل، والقدر المشترك بينهما يوزع عليهما، وعليه يتجه حينئذ سقوط الخمس عمن كان له ربح قام ببعض مؤونة سنته نصفها مثلا ثم حل له ربح آخر عند انقضاء مؤونة الاول قام بالنصف من سنته وزاد لكن لا يحملها إلى زمان أول حصوله وهكذا وإن كان قد حصل له تمام مؤونة سنة من الربح وزاد، بل وعمن يحل له في كل يوم ربح ككثير من أرباب الصنائع والحرف، لكن لا يقوم كل واحد منها بمؤونته إلى أول حصوله ولو مع ملاحظة توزيع المشترك بينهما من المدة عليهما سواء أريد باخراج مؤونة المشترك منهما التوزيع على حسب النسبة أو غيره) وهو وإن كان قد يوافقه ظاهر الفتاوى لكن كأنه معلوم العدم من السيرة والعمل، بل وإطلاق الاخبار، بل خبر عبد الله بن سنان (1) المتقدم سابقا " المشتمل على قوله (عليه السلام): (حتى الخياط يخيط قميصا " بخمسة دوانيق فلنا منه دانق) كالصريح بخلافه وإن كان هو مقيدا " بأخبار المؤونة، ولعله لذا قال في الدروس والحدائق: (ولا يعتبر الحول في كل تكسب، بل يبتدئ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا تم خمس ما فضل) وهو جيد لا يرد عليه ما سمعت موافق للاحتياط، بل وللاقتصار على المتيقن خروجه عن إطلاق الادلة بل قد يدعى القطع به في نحو الصنائع المبني ربحها على التجدد يوما " فيوما " أو ساعة بعد اخرى، تنزيلا لها باعتبار إحرازها قوة منزلة الربح الواحد الحاصل في أول السنة، ولذا كان يعد صاحبها بها غنيا "، بل لعل بعض الحرف مثلها فيما ذكرنا أيضا "، فتأمل. لكن قد يناقش بأنه لا دليل عن احتساب المؤونة السابقة على حصول الربح مع فرض تأخر حصوله عن أول زمان التكسب، إذ هو حينئذ كالزمان


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 8

[ 82 ]

السابق على التكسب، بل المنساق من النصوص والفتاوى احتساب مؤونة السنة من أول حصول الربح، إذ ذلك وقت الخطاب بالخمس، ومن هنا مال في المدارك والكفاية لما في الدروس لكن جعل أول السنة ظهور الربح في أولهما، فقال بعد ان نظر في استفادة ما سمعته عن جده من الاخبار: ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شئ من الربح ثم احتساب الارباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤونة ذلك الحول كان حسنا " والله أعلم. الفرع (الثالث إذا اختلف المالك) للدار مثلا (والمستاجر) لها (في الكنز فان اختلفا في ملكه) بأن قال كل منهما انه لي (فالقول قول) المالك (المؤجر مع يمينه) لاصالة يده، وفرعية يد المستأجر عنها، وقيل قول المستأجر، لفعلية يده، ومخالفة دعوى المؤجر الظاهر المتعارف من عدم إجارة داره وفيها كنز، وقد تقدم البحث في ذلك ونظائره مفصلا (وان اختلفا في قدره فالقول قول المستأجر) المنكر للزيادة الموافق بانكاره أصالة البراءة وغيرها كما ان القول قول المالك لو فرض إنكاره الزيادة، بأن ثبت مثلا انه للمستأجر فادعى على المالك مقدارا " أنكره عليه فالقول قوله ايضا " لعين ما عرفت، فالضابط انه يقدم قول من نسب إلى الخيانة بيمينه، وتخصيص المصنف المستأجر، بناء منه على تقديم قول المالك في السابق، وتعارف إنكار الزيادة من المستأجر حينئذ إذ لا وجه لادعاء غير المالك الزيادة والمالك النقصان، كما هو واضح. الفرع (الرابع الخمس يجب بعد) إخراج (المؤونة التي يفتقر إليها إخراج الكنز والمعدن) والغوص ونحوها (من) آلات و (حفر وسبك وغيره) بلا خلاف أجده كما اعترف به في المفاتيح، بل في المدارك نسبة ما في المتن إلى القطع به في كلام الاصحاب، كما انه في الخلاف الاجماع عليه، ولعله كذلك، بل يمكن تحصيله في الجميع وإن سمعت الخلاف فيه في الغنيمة، مضافا "

[ 83 ]

إلى إشعار قوله (عليه السلام) في مكاتبة يزيد (1) السابقة: (وحرث بعد الغرام) إلى آخره، وخبر علي بن محمد بن شجاع النيسابوري (2) المتقدم آنفا " المشتمل على السؤال عن الضيعة وما حصل منها من الاكرار التي صرف منها ثلاثون كرا على عمارة الضيعة إلى آخره بذلك بعد إلغاء الخصوصية وعدم القول بالفصل، بل قد يقال بامكان تحميل لفظ المؤونة الوارد خروجها قبل الخمس في النصوص السابقة لذلك ايضا " على ان يراد منها الاعم من مؤونة العيال، على ان اسم الغنيمة والفائدة ونحوهما الظاهر من الادلة اعتبارهما في جميع انواع الخمس لا يتحقق قبل خروجها، بل هو الموافق للعدل والمناسب للطف الذي يقرب العبد إلى الطاعة. نعم هل يعتبر النصاب فيما اعتبر فيه من انواع الخمس قبلها أو بعدها ؟ وجهان في المدارك أقواهما في النظر الثاني، للاصل وظاهر المنساق إلى الذهن من مجموع الادلة وفاقا " للمنتهى والتذكرة والبيان والدروس، بل ظاهر الاولين كونه مجمعا " عليه بيننا حيث نسب الخلاف فيه فيهما إلى الشافعي وأحمد، بل في المسالك نسبته إلى تصريح الاصحاب ايضا "، بل قال: إنهم لم يتعرضوا فيه لخلاف كما ذكروه في مؤونة زكاة الغلات.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 7 - 2

[ 84 ]

(الفصل الثاني) من فصلي كتاب الخمس (في قسمته) والمشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا " بل هي كذلك في صريح الانتصار وظاهر الغنية وكشف الرموز أو صريحهما انه (يقسم ستة أقسام، ثلاثة) منها (للنبي (صلى الله عليه وآله) وهي سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى) كما صرح به في القواعد وغيرها، بل كأنه مفروغ منه، ولعله لان المراد بذي القربى الامام (عليه السلام) كما ستعرفه، وهو الامام في حياته، فيأخذ الثلاثة حينئذ سهم له بالاصالة وسهم الله، لان ماكان له فهو لوليه وسهم ذي القربى باعتبار أنه الامام (عليه السلام) حال حياته، ولا إمام غيره، وحينئذ فاطلاق المصنف كون الثلاثة للنبي (صلى الله عليه وآله) على هذا الوجه ولو لانه لم يعرف في ذلك خلاف وإن كان ظاهر الاية وغيرها من النصوص خلافه، وكذا لم يعرف ايضا " في ان سهم الله عزوجل ملك للنبي (صلى الله عليه وآله) حقيقة يتصرف به كيف يشاء كغيره من أملاكه، بل هو قضية إجماع المرتضى كما في الحدائق دعواه عليه، وفي خبر معاذ صاحب الاكسية (1) عن الصادق (عليه السلام) (ان الله تعالى لم يسأل خلقه مما في أيديهم قرضا " من


(1) أصول الكافي ج 1 ص 537 " باب صلة الامام عليه السلام " الحديث 3

[ 85 ]

حاجة به إلى ذلك، وما كان لله من حق فهو لوليه) وفي خبر البزنطي (1) عن الرضا عليه السلام (انه قيل له: فما كان لله من الخمس فلمن هو ؟ فقال عليه السلام: لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو للامام) إلى آخره، وفي مرسل ابن بكير (2) عن أحدهما (عليهما السلام) في تفسير آية الغنيمة (خمس الله عزوجل للامام (عليه السلام) وخمس الرسول (صلى الله عليه وآله) للامام (عليه السلام)، وخمس ذي القربى لقرابة الرسول الامام واليتامى يتامى آل الرسول والمساكين منهم وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم) وفي مرسل أحمد المرفوع (3) (فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله وسهم للرسول وسهم لذوي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل، فالذي لله فلرسول الله فرسول الله أحق به، فهو له والذي للرسول هو لذوي القربى والحجة في زمانه، فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (عليهم السلام) الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة، عوضهم الله مكان ذلك بالخمس، هو يعطيهم على قدر كفايتهم، فان فضل منهم شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل كذلك لزمه النقصان) إلى غير ذلك من الاخبار الدالة على المطلوب صريحا " وضمنا " المعتضدة بفتاوى الاصحاب ومحكي الاجماع بل ومحصله على الظاهر. فما في خبر زكريا بن مالك الجعفي (4) عن الصادق (عليه السلام) (انه سأله عن آية الغنيمة فقال: أما خمس الله فللرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول فلا قاربه، وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، واليتامى يتامى أهل


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 6 - 2 - 1 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب قسمة الخمس - الحديث 9 وذيله في الباب 3 منها - الحديث 2

[ 86 ]

بيته، فجعل هذه الاربعة أسهم فيهم، وأما المساكين وأبناء السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا، فهي للمساكين وأبناء السبيل) يجب تأويله أو طرحه، سيما مع ملاحظة اشتماله على غير ذلك مما هو مخالف للمعلوم من المذهب كما ستعرف. (و) المراد بذي القربى في الكتاب والسنة (هو الامام (عليه السلام) بلا خلاف معتد به أجده فيه بيننا، بل الظاهر الاجماع عليه، بل هو من معقد إجماع الانتصار والغنية، كما انه في التذكرة نسبته إلى علمائنا، وفي المنتهى عن الشيخ الاجماع عليه للمرسلين السابقين، ومرسل ابن عيسى (1) عن العبد الصالح (الخمس على ستة أسهم: سهم لله وسهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابناء السبيل، وسهم الله وسهم رسوله لاولي الامر من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وراثة، فله ثلاثة أسهم، سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته) إلى آخره، إلى غير ذلك من المعتبرة الصريحة فيه والظاهرة وغير الممتنع إرادته منها حتى ما جاء فيها بلفظ الجمع بالحمل على إرادة مجموع الائمة عليهم الصلاة والسلام مضافا " إلى ما في المنتهى والمختلف وعن المعتبر من أن لفظ ذي القربى في الاية مفرد لا يتناول اكثر من واحد، فينصرف إلى الامام، لان القول بأن المراد منه واحد هو غير الامام منفي بالاجماع، لكن قد يناقش باحتمال إرادة الجنس منه كابن السبيل، وإن كان قد يفرق بينهما بأنه مجاز صير إليه في الثاني للقرينة، إذ ليس هناك واحد متعين يمكن حمل اللفظ عليه دون الاول، فانه لاقرينة، بل قد عرفت مما تقدم وجودها بخلافه، بل لعل عطف اليتامى والمساكين وابن السبيل مع أن المراد منهم أقرباؤه أيضا " يعين إرادة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8

[ 87 ]

الامام من الاول، فتأمل، فما عن بعض علمائنا والظاهر انه ابن الجنيد كما حكاه عنه في المختلف من عدم هذا السهم للامام بل هو لاقارب النبي (صلى الله عليه وآله) من بني هاشم كالمحكي عن الشافعي بزيادة المطلب مع هاشم ضعيف جدا "، وإن كان قد يشم من المدارك الميل إليه لظاهر بعض الاخبار (1) التي منها خبر زكريا السابق القاصرة عن مقاومة ما تقدم من وجوه، بل لا تأبى الحمل عليه، لكنه في غير محله قطعا "، بل كاد يكون مخالفا " للمقطوع به من المذهب. (و) مما سمعت ظهر لك أن ما كان للنبي (صلى الله عليه وآله) من سهمه وسهم الله ينتقل (بعده للامام (عليه السلام) القائم مقامه) فيكون حينئذ الان نصف الخمس كملا لصاحب الامر روحي له الفداء ونفسي لنفسه الوقاء، سهمان بالوراثة، وسهم بالاصالة كما هو مضمون الادلة السابقة المعتضدة باجماع الانتصار وغيره، بل هو محصل على الظاهر، فما عن الشافعي من انتقاله بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المصالح كبناء القناطر وعمارة المساجد وأهل العلم والقضاة وأشباه ذلك وأبي حنيفة من السقوط أصلا غلط عندنا قطعا "، وأوضح منه غلطا " ما عن الثاني خاصة من سقوط سهم ذي القربى بموت النبي (صلى الله عليه وآله) إذ هو اجتهاد منشأه هوى النفس والشيطان في مقابلة الكتاب والسنة إن لم يكن الضرورة، ولا غرو في حرمان الورثة غير الامام السهمين المذكورين بعد أن كان الظاهر أن استحقاقهما سيما سهم الله عزوجل بمقام النبوة المساوي لمقام الامامة، أو أعلا منه بمرقاة، بل قيل بعلو مقام الامامة منه. (نعم ما كان) قد (قبضه النبي (صلى الله عليه وآله) أو الامام (عليه السلام) من الاسهم السابقة (ينتقل إلى وارثه) ضرورة صيرورته حينئذ كسائر أمواله التي فرض الله تقسيمها على الوارث، واحتمال اختصاص الامام (عليه السلام) به


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس

[ 88 ]

أيضا " لقبض النبي (صلى الله عليه وآله) له مثلا بمنصب النبوة أيضا " باطل قطعا "، إذ هو وإن كان كذلك لكنه صار ملكا من أملاكه بقبضه وإن كان سببه منصب النبوة، وفرق واضح بينه وبين انتقال الاستحقاق السابق للامام بعد أن علم ملاحظة الوصف فيه الذي لا يشاركه فيه غير الامام، بخلاف المقبوض فانه قد صار خصوصية الذات لها مدخلية، وما في خبر زكريا السابق من أن خمس الرسول لاقاربه مطرح أو يراد به الائمة بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) على إرادة لا خمس المستحق لا المقبوض، أو ورثته على إرادة الثاني، وإلا فهو على ظاهره غير مطابق للمعلوم من المذهب ولذا قال في الحدائق: ان اريد حال الحياة فلا قائل به ولا دليل عليه، بل الاجماع والاخبار على خلافه، وان اريد بعد موته فلا قائل به ايضا " هنا مع دلالة الاخبار على خلافه، لدلالتها على كونه للامام (عليه السلام) وابن الجنيد وان خالف في سهم ذوي القربى إلا انه لم يخالف في سهم الرسول، والامر سهل بعد وضوح الحال، ومن ذلك كله علم مصر ف الثلاثة من الاسهم الستة. (و) أما ال‍ (ثلاثة) الاخرى فهي (للايتام والمساكين وأبناء السبيل) كتابا " وسنة مستفيضة جدا " بل متواترة وإجماعا " بقسميه عليه، بل وعلى أن المراد بهم أقارب النبي (صلى الله عليه وآله) لا مطلقا "، وان حكي عن ابن الجنيد ذلك مع استغناء ذي القربى، لكن خلافه غير قادح في محصل الاجماع فضلا عن محكيه، خصوصا " بعد استفاضة الاخبار التي مرت وسيمر عليك بعضها في ذلك، وفي أن ما زاد من الخمس عليهم للامام، وأنه لا يحل الخمس لغير بني هاشم، جعله الله لهم عوض تحريم الزكاة، فمن تحل له الزكاة يحرم عليه الخمس وبالعكس، وبعد أن لم نعثر له على مستند، إذ إطلاق الاية وبعض الاخبار


الجواهر - 11

[ 89 ]

مقيد عندنا بالسنة والاجماع بقسميه، وعنده وإن كان بغير دليل، كما ان خبر زكريا بن مالك المتقدم يجب حمله على إرادة ما ذكرنا أو غيره، وإلا فهو لايتم ايضا " عندنا وعنده كما هو واضح. (وقيل) ولم نعرف قائله منا كما اعترف به في المسالك وغيرها، نعم هو محكي عن الشافعي وأبي حنيفة: (بل يقسم) الخمس (خمسة اقسام) بحذف سهم الله تعالى وإن افتتح به في الاية تيمنا " وتبركا، وإلا فالاشياء كلها له، فالمراد حينئذ ان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسه، أو المراد ان من حق الخمس ان يكون متقربا " به إلى الله تعالى لاغير، وان قوله: (وللرسول ولذي القربى) من قبيل التخصيص بعد التعميم تفضيلا لهذه الوجوه على غيرها، كقوله تعالى (1): (وملائكته ورسله وجبريل وميكال) إلى غير ذلك من اللغو الذي لا يستحق أن يسطر، نعم قد يظهر من المدارك الميل إلى هذا القول مستدلا عليه بأصح رواية وصلت إليه، وهي صحيحة ربعي (2) عن الصادق (عليه السلام) (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له ثم يقسم ما بقي خمسة اخماس ويأخذ خمسه، ثم يقسم اربعة اخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم قسم الخمس الذي اخذه خمسة اخماس يأخذ خمس الله عزوجل لنفسه ثم يقسم الاربعة اخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل، يعطي كل واحد منهم جميعا "، وكذلك الامام يأخذ كما اخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله)) وهي مع انها حكاية فعل محتمل لرفع يده صلى الله عليه وآله عن حقه توفيرا "


(1) سورة البقرة - الآية 92 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 3

[ 90 ]

لغيره، ومشتملة على حذف سهمه صلى الله عليه وآله لاسهم الله تعالى الذي هو مذهب ذلك القائل قاصرة عن معارضة ما تقدم من محكي الاجماع بل ومحصله على الظاهر وظاهر الكتاب والمعتبرة المستفيضة جدا "، بل ما اشتمل منها على ثبوت سهم الله متواتر على الظاهر. (و) منه يعلم حينئذ أن (الاول) مع كونه (أشهر) أقوى وأصح بل لا شهرة ولا قوة ولا صحة في غيره، إذ هو وإن كان لمجهول النسب القادح في تحصيل الاجماع على بعض الطرق إلا انه حيث يكون له جهة صحة، لا إذا كان موافقا " للعامة ومخالفا " للكتاب والمستفيض من السنة أو المتواتر ومحكي الاجماع المعتضد بتتبع فتاوى الاصحاب وغير ذلك، فلا ريب في إمكان تحصيل الاجماع حينئذ بخلافه حتى على الطريق المذكور كما هو واضح، فتأمل. (ويعتبر في الطوائف الثلاثة انتسابهم إلى عبد المطلب بالابوة، فلو انتسبوا بالام خاصة لم يعطوا شيئا " من الخمس على الاظهر) الاشهر، بل عليه عامة اصحابنا كما اعترف به في الرياض عدا المرتضى (رحمه الله) وابن حمزة على ما حكي عنهما، مع ان فيما حضرني من نسخه وسيلة الثاني موافقة المشهور، ويؤيده نسبة غير واحد من الاصحاب ذلك للمرتضى خاصة، نعم وافقه عليه المحدث البحراني في حدائقه حاكيا " فيها عن المسلك نقله ايضا " في ميراث اولاد الاولاد عن الحلي ومعين الدين المصري، وفي بحث الوقف عن المفيد والقاضي ايضا "، بل وعن رسالة لبعض أفاضل العجم صنفها في اختيار مذهب السيد، نقله عن القطب الراوندي والفضل بن شاذان وابن ابي عقيل وأبي الصلاح والشيخ في الخلاف وابني زهرة والجنيد، بل وعن كتاب الميراث من كنز العرفان عن الراوندي ايضا " والشيخ احمد بن المتوج البحراني، ثم قال: ونقل عن المقدس الاردبيلي الميل إليه، وهو مختار المدقق مير محمد باقر الداماد والمولى محمد صالح المازندراني في شرح الاصول

[ 91 ]

والسيد نعمة الله الجزائري والشيخ عبد الله بن صالح البحراني، لكن قد عرفت انهم هنا لم ينسبوا الخلاف إلا للمرتضى (رحمه الله) وكأنه لان مبناه في المقام ليس صدق اسم الولد حقيقة وعدمه، حتى انه يلزم مدعي الصدق في غيره موافقة المرتضى هنا كما استفاده هذا المحدث، وجعل مدار المسألة ذلك وجودا " وعدما "، حتى انه نسبه لبعض من عرفت من هذه الجهة، بل هو صريح المرسل الطويل (1) عن العبد الصالح المروي في كتب المحمدين الثلاثة الذي يكفي اتفاقهم على روايته جبرا " لارساله فضلا عن شهادة النظر في متنه والتأمل فيه وفيما اشتمل عليه من الاحكام المخالفة لمن جعل الله الرشد في خلافهم، وعم عمل كافة الاصحاب عداه به وإن ذكر في بعض الكتب مستندا " غيره الذين فيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات، وعن اعتضاده بموافقة الاحتياط الذي جعله الله طريق السلامة خصوصا " فيما اشتغلت الذمة به بيقين، وبامكان دعوى انصراف اسم الولد إلى غيره وإن كان هو حقيقة فيه سيما المضاف منه، كامكان دعوى منع دخوله بذلك وإن سلم كونه حقيقة ايضا " تحت اسم القبيلة والعشيرة التي حرم الله عليها الصدقة معوضا " لها عنها بالخمس، ولان دخل لذلك فدخوله من جهة الاب تحت اسم القريشي مثلا الذي أحل الله له الصدقة وحرم عليه الخمس اولى حينئذ من وجوه. ودعوى ان الموجود في اخبار الخمس لفظ الال والذرية والعترة وذوي القرابة وأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ونحو ذلك من الالفاظ التي لاكلام في دخول المفروض فيها، دون لفظ الابن واسم القبيلة، خصوصا " بعد تفسير الال في رواية (2) بالذرية، وأخرى (3) بمن حرم نكاحه على محمد (صلى الله


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 8 (2) و (3) معاني الاخبار ص 94 " باب معنى الآل والاهل والعترة والامة " الحديث 2 - 1

[ 92 ]

عليه وآله) ونص الكتاب العزيز (1) على ان عيسى من ذرية إبراهيم وليس إلا من جهة الام، يدفعها بعد منع دخوله عرفا " في اكثر هذه الالفاظ أو جميعها عدا الذرية انه لا ينبغي التوقف في كون المفهوم من أخبار المقام وأخبار تحريم الصدقة ان موضوع الخمس وحرمة الصدقة الهاشمي أو نحوه قال الصادق عليه السلام في خبر زرارة (2): (لو كان عدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة إن الله جعل لهم في كتابه ماكان فيه سعتهما) مما لا يدخل فيه المفروض عرفا " بل ولا في بني هاشم وبنى عبد المطلب وإن كان ابنا " حقيقة، إذ المصاديق العرفية للتراكيب لا تدور مدار نحو ذلك، فتأمل إلى غير ذلك من العواضد والجوابر والمبعدات لقول المرتضى إذ قضيته تحليل الخمس لسائر الفرق حتى الاموية، إذ قل ما يخلو أحد من كون احد جداته من امه أو ابيه وإن علت علوية، فيشارك حينئذ بني هاشم سائر الناس في خمسهم، وهو معلوم البطلان، بل قد يدعى السيرة القطعية بخلافه، مع انه لو كان كذلك لشاع وذاع حتى خرق الاسماع، فكيف والشائع خلافه، كما ان المروي عن أئمتنا كذلك، قال في المرسل المزبور (3) بعد ان ذكر ان نصف الخمس للامام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) الذين ذكرهم الله تعالى، فقال (4): (وانذر عشيرتك الاقربين) وهم بنو عبد المطلب انفسهم الذكر منهم والانثى، ليس فيهم من اهل بيوتات قريش ولا من العرب احد، ولا فيهم ولا منهم في هذا


(1) سورة الانعام - الآية 84 و 85 (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب المستحقين للزكاة - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8 (4) سورة الشعراء - الآية 214

[ 93 ]

الخمس من مواليهم، وقد تحل صدقات الناس لمواليهم، وهم والناس سواء، ومن كانت امه من بني هاشم وابوه من سائر قريش فان الصدقات تحل له، وليس له من الخمس شئ، لان الله تعالى يقول: ادعوهم لابائهم). وإلا فقد توافق المرتضى (رحمه الله) وغيره في كونه ابنا " حقيقة كما يظهر من جماعة من الاصحاب في غير المقام، بل قد يظهر من المحكي عن ابن إدريس في كتاب المواريث الاجماع عليه، كما عن المرتضى فيه ايضا " نفي الخلاف فيه، بل وكذا المحكي عن خلاف الشيخ في باب الوقف والميراث، بل ظاهره فيهما إجماع الامة على ذلك، فلاحظ، لكثرة استعماله في الحسن والحسين (عليهما السلام) بل وباقي الائمة كثرة يبعد معها إرادة المجاز، خصوصا " في المقام الذي اريد منه الافتخار والاستظهار على الغير، كبعد احتمال الخصوصية في الائمة (عليهم السلام) وإن كان قد يحتمل، لانهم من طينة واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض بل لم يعلم حقائقهم وكيفية خلقهم سوى خالقهم، إلا ان الظاهر مما ستسمع خلافه، ولمعلومية حرمة زوجة ابن البنت بقوله تعالى (1): (وحلائل ابنائكم) وحرمة بنت ابن البنت بقوله (2): (وبناتكم) وحرمة زوجة الجد بقوله (3): (ما نكح آباؤكم) وحلية إرادة الزينة لابن البنت وابن بنت البعل، وحجب الابوين عما زاد من السدس والزوج إلى الربع والزوجة إلى الثمن بقوله (4): (ان كان له ولد) ولخبر ابي الجارود (5) قال: (قال أبو جعفر عليه السلام: يا ابا الجارود ما يقولون لكم في الحسن والحسين (عليهما السلام) ؟ قلت: ينكرون علينا انهما ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فبأي شئ احتججتم عليهم ؟ قلت: احتججنا عليهم


(1) و (2) سورة النساء - الآية 27 (3) و (4) سورة النساء - الآية 26 - 12 (5) البحار ج 10 ص 66 من طبعة الكمبانى

[ 94 ]

بقول الله عزوجل (1) في عيسى بن مريم (عليهما السلام) ومن ذريته داود وسليمان وأيوب إلى قوله: وعيسى، قال: فبأي شئ قالوا لكم ؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب، قال: فبأي شئ احتججتم عليهم قلت: بقول الله تعالى (2) لرسوله: (فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم) قال: فأي شئ قالوا لكم ؟ قلت قالوا: قد يكون في كلام العرب ابناء رجل ويقول آخر: ابناؤنا، قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: يا ابا الجارود لاعطينكها من كتاب الله عزوجل (3): حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم إلى ان انتهى إلى قوله: وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم، فسلهم يا ابا الجارود هل كان لرسول الله نكاح حليلتهما ؟ فان قالا نعم كذبوا وفجروا، وإن قالوا لافهما إبناه لصلبه (. وصحيح ابن مسلم (4) عن احدهما (عليهما السلام) (لو لم يحرم على الناس ازواج النبي (صلى الله عليه وآله) بقول الله عزوجل (5): وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ولا ان تنكحوا ازواجه من بعده حرم على الحسن والحسين (عليهما السلام) بقول الله عزوجل (6): ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، ولا يصلح للرجل ان ينكح امرأة جده). والمروي (7) عن عيون الاخبار واحتجاج الطبرسي في حديث طويل يتضمن


(1) سورة الانعام - الآية 84 و 85 (2) سورة آل عمران - الآية 54 (3) و (6) سورة النساء - الآية 27 - 26 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة - الحديث 1 من كتاب النكاح (5) سورة الاحزاب - الآية 53 (7) عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 81 إلى 85 - الحديث 9 من الباب 7

[ 95 ]

ذكر ما جرى بينه وبين الرشيد لما أدخل عليه، وموضع الحاجة منه انه قال له الرشيد: (لم جوزتم للعامة والخاصة ان ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون: يابن رسول الله وانتم من علي (عليه السلام) وإنما ينسب المرء إلى ابيه وفاطمة انما هي وعاء، والنبي (صلى الله عليه وآله) جدكم من قبل امكم، فقلت: يا امير المؤمنين لو ان النبي (صلى الله عليه وآله) نشر فخطب اليك كريمتك هل كنت تجيبه ؟ فقال: سبحان الله لم لا أجيبه بل افتخر على العرب وقريش بذلك: لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه، فقال: ولم ؟ فقلت: لانه ولدني ولم يلدك، فقال: احسنت يا موسى، ثم قال: كيف قلتم إنا ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) والنبي لم يعقب، وانما العقب للذكر لا الانثى، وانتم ولد لابنته ولا يكون لها عقب ثم ساق الخبر إلى ان قال فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف إلى ان قال وعيسى، من أبو عيسى يا امير المؤمنين ؟ فقال: ليس لعيسى أب فقلت: انما ألحقناه بذراري الانبياء من طريق مريم وكذلك ألحقنا بذراري النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل أمنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) وكذلك ازيدك يا امير المؤمنين قال: هات قلت: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم فمن حاجك فيه الاية ولم يدع احد انه أدخله النبي (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء إلا علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فالابناء هم الحسن والحسين، والنساء هي فاطمة، وأنفسنا وأنفسكم إشارة إلى علي بن ابي طالب). والمروي (1) عن كتاب الاختصاص للمفيد في حديث طويل عن الكاظم (عليه السلام) مع الرشيد ايضا "، قال فيه: (واني اريد ان أسألك عن مسألة فان اجبتني اعلم انك قد صدقتني وخليت عنك ووصلتك ولم اصدق ما قيل فيك


(1) الاختصاص - ص 55 و 56

[ 96 ]

فقلت: ماكان علمه عندي اجبتك فيه، فقال: لمن لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم يابن رسول الله وانتم ولد علي، وفاطمة انما هي وعاء، والولد ينسب إلى الاب لا الام، فقلت: إن رأى امير المؤمنين ان يعفيني عن هذه المسألة فعل، فقال: لست افعل أو تجيب، فقلت: فأنا في امانك أن لا يصيبني من آفة السلطان شئ فقال: لك الامان، فقلت: اعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ووهبنا له اسحق إلى ان قال وعيسى، فمن أبو عيسى ؟ فقال: ليس له أب انما خلق من كلام الله عزوجل وروح القدس، فقلت: انما ألحق عيسى بذراري الانبياء من قبل مريم، وألحقنا بذراري الانبياء من قبل فاطمة لا من قبل علي (عليه السلام) فقال: احسنت احسنت يا موسى زدني من مثله، فقلت: اجتمعت الامة برها وفاجرها ان حديث النجراني حين دعاه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المباهلة لم يكن في الكساء إلا النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال الله تبارك وتعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل: تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم، فكان تأويل ابناءنا الحسن والحسين (عليهما السلام) ونساءنا فاطمة، وانفسنا علي (عليه السلام) فقال: احسنت). والمروي (1) عن الكافي عن بعض اصحابنا، قال: (حضرت ابا الحسن الاول عليه السلام وهارون الخليفة وعيسى بن جعفر وجعفر بن يحيى بالمدينة، وقد جاءوا إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال هارون لابي الحسن: تقوم فأبى فتقدم هارون فسلم وقام ناحية، فقال عيسى بن جعفر لابي الحسن: تقدم فأبى فتقدم عيسى فسلم ووقف مع هارون فقال جعفر لابي الحسن (عليه السلام):


(1) فروع الكافي ج 2 ص 553 الطبع الحديث الجواهر - 12

[ 97 ]

تقدم فأبى فتقدم جعفر وسلم ووقف مع هارون فتقدم أبو الحسن (عليه السلام) وقال: السلام عليك يا أبة أسأل الله الذي اصطفاك واجتباك وهداك وهدى بك ان يصلي عليك فقال هارون لعيسى: سمعت ما قال ؟ قال: نعم، فقال: أشهد انه ابوه حقا "). والمروي (1) عن المشايخ الثلاثة بطرق عديدة ومتون متقاربة عن عابد الاحمسي، قال (دخلت على أبي عبد الله وأنا اريد ان اسأله عن صلاة الليل فقلت: السلام عليك يابن رسول الله فقال: وعليك السلام إي والله إنا لولده، وما نحن بذوي قرابته). والمروي عن كتاب مطالب السؤل (2) في مناقب آل الرسول لمحمد ابن طلحة الشامي الشافعي قال: (قد نقل ان الشعبي كان يميل إلى آل الرسول وكان لا يذكرهم إلا وهو يقول: هم أبناء رسول الله وذريته، فنقل عنه ذلك إلى الحجاج بن يوسف وتكرر ذلك منه وكثر نقله عنه، فأغضبه ذلك من الشعبي ونقم عليه، فاستدعاه الحجاج يوما " وقد اجتمع لديه أعيان المصرين الكوفة والبصرة وعلماؤهما وقراؤهما، فلما دخل الشعبي لم يهمش له ولا وفاه حقه من الرد عليه، فلما جلس قال له: يا شعبي ما أمر يبلغني عنك فيشهد عليك بجهلك قال: ما هو يا أمير ؟ قال: ألم تعلم ان ابناء الرجل هل ينسبون إلا إليه والانساب لا يكون إلا بالاباء، فما بالك تقول عن أبناء علي انهم أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذريته، وهل لهم اتصال برسول الله إلا بأمهم فاطمة، والنسب لا تكون بالبنات وانما يكون بالابناء، فأطرق الشعبي ساعة حتى بالغ الحجاج في الانكار عليه وقرع إنكاره مسامعه والشعبي ساكت، فقال: يا امير ما أراك إلا


(1) فروع الكافي ج 1 ص 87 " باب النوادر " - الحديث 3 (2) ص 4 المطبوعة عام 1287 مع الاختلاف في اللفظ

[ 98 ]

متكلما " بكلام من يجهل كلام الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) أو يعرض عنهما فازداد الحجاج غضبا " منه، وقال: المثلي تقول هذا يا ويلك، قال: نعم هؤلاء قراء المصرين حملة الكتاب العزيز أليس قد قال الله تعالى: يا بني آدم يا بني إسرائيل وعن ابراهيم ومن ذريته.. عيسى، وهل كان اتصال عيسى بالثلاثة إلا بأمه، وقد صح النقل عن رسول الله هذا ابني سيد، فخجل الحجاج وعاد يتلطف الشعبي). بل هو من الال ايضا "، والمروي عن تفسير العياشي عن ابي عمر والزبيري (1) عن الصادق (عليه السلام) (قلت له: ما الحجة في كتاب الله أن آل محمد هم أهل بيته ؟ قال: قول الله تبارك وتعالى (2): (إن الله اصطفى آدم ونوحا " وآل ابراهيم وال عمران) وآل محمد، هكذا نزلت على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، ولا يكون الذرية من القوم إلا نسلهم من أصلابهم، وقال: اعملوا آل داود شكرا " وقليل من عبادي الشكور). والمروي (3) عن العيون والمجالس عن الرضا (عليه السلام) في مجلس له مع المأمون إلى ان قال: (وأما العاشرة فقول الله عزوجل (4): (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) الاية، فاخبروني هل كانت ابنة أحدكم يصلح ان يتزوجها لو كان حيا " ؟ قالوا: نعم، قال: ففي هذا بيان اني من آله ولستم من آله، ولو كنتم من آله لحرم بناتكم عليه كما حرم عليه بناتي، لاني من آله وانتم من أمته، فهذا فرق بين الال والامة، لان الال منه والامة إذا لم تكن من الال ليست منه، وأما


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 169 سورة آل عمران - الحديث 35 (2) سورة آل عمران - الآية 3 (3) عيون أخبار الرضا (ع) ج 1 ص 239 و 240 المطبوعة عام 1377 (4) سورة النساء - الآية 27

[ 99 ]

الحادية عشر فقوله عزوجل (1) في سورة المؤمن: وساق الكلام إلى ان قال وكذلك خصصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادتنا منه) الحديث وقال ايضا " في الخبر المذكور ردا " على من ادعى ان الال هم الامة (اخبروني هل تحرم الصدقة على الال ؟ قالوا: نعم قال: فتحرم على الامة قالوا: لا، قال: هذا فرق بين الال والامة). بل قد يستظهر من هذا الاخير ما نحن فيه، إذ المنتسب بالام داخل في الال لما ورد من تفسيره بالذرية في خبر (2) وبمن حرم نكاحه على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في آخر (3) فتحرم عليه الصدقة بنص الخبر المذكور، وإذا حرم عليه ذلك حل له الخمس، لانه لم حرمت عليه، فيعارض المرسل (4) السابق المصرح بحلية الصدقة له، على أنه مع موافقته للعامة مشتمل على التعليل بالاية الكريمة الظاهرة في إرادة التقريب منه لا التحقيق، إلا فهي بمعزل عما نحن فيه، حيث ان سبب نزولها ما كان معتادا " في الجاهلية من تبني اليتيم وجعله كالولد الحقيقي في سائر الاحكام حتى انهم اعابوا على النبي (صلى الله عليه وآله) لما تزوج بزينب زوجة زيد بن حارثة، لانه كان تبناه صغيرا " حتى كان يدعى زيد بن محمد (صلى الله عليه وآله) فنزلت الاية ردا " عليهم، لا انها النفي بنوة ابن البنت الذي هو المطلوب، كما ان قول الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد مع انه قول أعرابي جاهل لا يعارض الكتاب والسنة محتمل لارادة المتعارف


(1) سورة المؤمن - الآية 29 (2) و (3) معاني الاخبار ص 94 " باب معنى الآل والاهل والعترة والامة " الحديث 2 - 1 (4) الوسائل - الباب - 1 من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8

[ 100 ]

المعتاد في جلب المنافع الدنيوية ودفع المضار بالاولاد وأولادهم دون أولاد البنات فكانوا كالاباعد بالنسبة إلى ذلك، بل لعل ظهور إرادة هذا الشاعر المجاز والمبالغة في النفي شاهد على العكس، إذ من البعيد إرادته بيان الوضع واللغة، فتأمل، كقوله (صلى الله عليه وآله) (1): (انت ومالك لابيك) إذ المراد منه نوع من المجاز قطعا لا ما نحن فيه. والقول ان الولد مخلوق من ماء الاب، والام ظرف ووعاء كما في خبر عبد الله ابن هلال (2) عن الصادق (عليه السلام) (سألته عن رجل تزوج ولد الزنا فقال: لا بأس، انما يكون مخافة العار، وانما الولد للصلب وانما المرأة وعاء) من غرائب الكلام بعد ما عرفت من الاخبار (3) المتضمنة لرد عين هذه الدعوى من المخالفين بل قوله تعالى (4): (يخرج من بين الصلب والترائب) أي صلب الرجال وترائب المرأة، وقوله (5): (نطفة أمشاج نبتليه) أي مختلطة من مائهما (6) كما في التفسير فانه تفسير للامشاج لا لقوله: (نبتليه) اقوى شاهد على رده ايضا، مضافا إلى الاخبار الدالة على ذلك. وكذا القول انه يصح سلب اسم الولدية عنه عرفا، إذ فيه انه إن سلم فالمراد نفيه بلا واسطة كولد الولد، بل قد يناقش في العمل بالمرسل المذكور بعدم حجيته في نفسه، بل وعدم قابلية الشهرة لجبره ايضا بعد ظهور كون مستندها


(1) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة - الحديث 8 من كتاب النكاح (3) المتقدمة في ص 95 و 96 (4) سورة الطلاق - الآية 7 (5) سورة الدهر - الآية 2

[ 101 ]

عندهم عدم صدق اسم الولد حقيقة لا هذا المرسل حتى يكون عملهم به طريق تبين ومن هنا كان الاحتياط في ترك اخذه الخمس والزكاة وإن كان الاقوى في النظر ما عرفت، لامكان دفع جميع ذلك بأدنى تأمل ونظر، خصوصا بعد تحرير الطريقة ووضوحها، لكن المحدث المزبور قد بالغ في اختيار ذلك لاختلال طريقته مشددا للانكار على الاصحاب بتسجيع شنيع وخطاب فظيع حتى انه تجاوز ما يجب عليه من الاداب مع حفظة السنة والكتاب، ونسأل الله تعالى ان يغفر له ذلك، كما انه اوضح الان له المسالك والمدارك، والله اعلم. (و) كيف كان ففي المدارك وعن الذخيرة المعروف من مذهب الاصحاب انه (لا يجب استيعاب) أشخاص (كل طائفة) من الطوائف الثلاثة (بل لو اقتصر من كل طائفة على واحد جاز) كما انه يجوز البسط عليهم متفاوتا، بل عن غيرهما نفي الخلاف فيه، بل قد يفهم من المنتهى الاجماع عليه، للاصل وإرادة الجنس من الجمع المعرف في الكتاب والسنة كابن السبيل، بل هو وآية الزكاة (1) قرينة عليه في الاولين، لعدم القول بالفصل، وكون الخمس زكاة في المعنى، وللموثق بل الصحيح (2) في الكافي عن الرضا (عليه السلام) (سئل عن قول الله: (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول) الاية، فقيل له: فما كان لله فلمن هو ؟ فقال: لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو للامام (عليه السلام) فقيل له: أفرأيت إن كان صنف من الاصناف اكثر وصنف أقل ما يصنع به ؟ قال: ذاك إلى الامام (عليه السلام) أرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف يصنع إنما كان يعطي على ما يرى وكذلك الامام) وتعسر الاستيعاب بل تعذره في أغلب الاحوال والاوقات


(1) سورة التوبة - الآية 60 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 1

[ 102 ]

خصوصا بعد انتشار الذرية الطاهرة في سائر الاماكن، على ان خمس الشخص نفسه غالبا لا قابلية فيه للاستيعاب، بل ينبغي القطع به حينئذ مع العسر أو التعذر لقلة الخمس أو تشتت المستحقين، وعدم التوقف فيه بوجه من الوجوه. نعم قد يشكل عدم الايجاب فيما لو فرض التمكن من الاستيعاب وفي القدر الممكن منه بأنه الموافق للاحتياط في البراءة عما اشتغلت الذمة به بيقين، وبمنع إرادة الجنسية من الجمع المزبور، لكونه حقيقة في الاستغراق، وسقوط الوجوب في المتعذر والمتعسر لا يستلزم إرادة الجنسية منه التي هي معنى مجازي له كما ان إرادتها في الزكاة لدليل وقرينة لا تستلزم ذلك هنا، وبعدم ظهور الصحيح المزبور فيما نحن فيه من عدم وجوب الاستيعاب المذكور، بل أقصاه عدم وجوب تساوي القسمة في الاصناف الثلاثة بحيث يجب ان يكون لكل صنف ثلث تام وإن كان المستحق قليلا، على أنه اوكل الامر فيه إلى الامام عليه السلام وهو عند التأمل خارج عن البحث، إذ الامام (عليه السلام) يراد منه كفاية الجميع ولو من نصيبه فلا ضير إن فاوت أو منع، انما الكلام فيمن أراد إيصال الخمس بنفسه، خصوصا في مثل هذه الاوقات، وإلا فالامام (عليه السلام) ولي الجميع، والوصول إليه وصول إليهم جميعهم، وهو العالم بالمصالح والمفاسد وقدر حاجاتهم، لا يتهم بميل نفس أو شيطان أو أغراض دنيوية أو صداقات ومحبات أو توصل إلى بعض الفوائد النفسانية بخلاف غيره، وبأنه المنساق من أخبار المقام، خصوصا مرسلة حماد بن عيسى (1) عن العبد الصالح المتقدمة سابقا المشتملة على كيفية القسمة قال فيها: (فسهم ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لابناء سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب والسنة - إلى ان قال -: ان فقراء الناس جعل أرزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم فلم يبق منهم أحد وجعل للفقراء قرابة الرسول نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8

[ 103 ]

الناس وصدقات النبي (صلى الله عليه وآله) وولي الامر فلم يبق فقير من فقراء الناس ولم يبق فقير من فقراء قرابة الرسول إلا وقد استغنى) الحديث بل وغيرها من الاخبار ايضا بل لعل بعضها أظهر منها على انه هو الموافق لحكمة الخمس والغرض الباعث لوجوبه، وإلا فلو خص به بعض الطائفة بقيت أطفال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو مساكينه أو ابناء سبيله حيارى. ولعله من ذلك كله مال في الحدائق إلى القول بوجوب الاستيعاب، بل صرح بضعف المشهور، كما انه في السرائر قال: (والظاهر يقتضي انه يفرق في جميع من تناوله الاسم في بلد الخمس كان أو في غيره من البلاد قريبا كان أو بعيدا إلا ان ذلك يشق والاولى ان نقول يخص به من حضر البلد الذي فيه الخمس) لكن قال بعد ذلك: (ومتى حضر الثلاثة الاصناف ينبغي ان لا يخص به قوم دون قوم بل الافضل تفريقه في جميعهم) وظاهره الاستحباب، كما انه لعله المفهوم من عبارة المبسوط المحكية وإن نسب إليه الخلاف ايضا، نعم قال في الدروس: (وفي اعتبار تعميم الاصناف نظر، أما الاشخاص فيعم الحاضر) ولقد أجاد المعاصر في الرياض حيث قال: (إن الاحتياط في تحصيل البراءة اليقينية عما اشتغلت به الذمة يقتضي البسط على الثلاثة، بل استيعابها ايضا إلا ان يشق ذلك فيقتصر على من حضر البلد، ويبسط عليهم مع الامكان كما عن ظاهر السرائر والدروس وإن ضعفه من تأخر عنهما معربين عن عدم خلاف في فساده كما مضى، فان تم إجماعا وإلا فما فيهما قوي جدا، وإن كان خيرة المتأخرين لعله أقوى) انتهى. وهو وإن كان في كلامه السابق على ذلك ما عساه ينافي ما وقع له هنا، لكنه جيد جدا مناقشة واختيارا، خصوصا مع ملاحظة السيرة في الامصار والاعصار، بل لعل القول بالاستيعاب ساقط في هذه الازمان، لافضائه إلى تعطيل جميع الذرية، وشدة الحاجة لقلة ما يحصل من الناس بحيث لو روعي فيه

[ 104 ]

الاستيعاب لم يحصل لاحد منهم فائدة يعتد بها، بل لا يحصل ما يملا الجوف في غالب الاوقات، نعم لو أمكن جمع ما في أيدي الناس من الخمس اتجه القول به حينئذ، لامكانه هذا، وربما يأتي في البحث عن جواز التخصيص بطائفة ماله نفع في المقام إن شاء الله، والله أعلم. وهنا مسائل: الاولى في مستحق الخمس وهو من انتسب إلى هاشم جد النبي (صلى الله عليه وآله) بنسب صحيح أو كالصحيح لا الزنا ونحوه، وذريته محصورة فيمن ولده عبد المطلب الذي قيل ان له عشرة أسماء غير اسمه المشهور الذي تعرفه العرب وملوك العجم وملوك الحبشة وملوك القياصرة به منها: عامر، وشيبة الحمد، وسيد البطحاء، وساقي الحجيج، وساقي الغيث، وغيث الوادي في العام الجدب، وحافر بئر زمزم، وأبو السادة العشرة: عبد الله وأبي طالب والعباس وحمزة والزبير وأبي لهب وضرار والغيداق، وربما سمي حجل، ومقوم والحارث، وهو أسنهم، لكن ربما قيل إنهم أحد عشر بجعل حجل غير الغيداق، بل إثنى عشر باضافة قشم مع ذلك، إلا ان نسله منهم قد انحصر في الخمسة الاولى، بل الاربعة منهم، إذ عبد الله ليس له إلا النبي صلى الله عليه وآله المنحصر نسله في فاطمة، فدخل في نسل أبي طالب. وانحصر الخمس حينئذ فيمن كان نسل عبد المطلب منهم وهم بنو أبي طالب والعباس والحارث وأبي لهب الذكر والانثى بل لم يعرف منهم اليوم إلا المنتسب إلى الاولين، بل لم يبارك الله إلا في ذرية الاول منهما، وإن كان لا خلاف في استحقاق الجميع الخمس، بل الاجماع محصل ومنقول عليه، كما انه المفهوم من المعتبرة المستفيضة إن لم تكن المتواترة، فما عساه يظهر من بعض الاخبار من تخصيصه بذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو آله وأهل بيته غير مراد


الجواهر - 13

[ 105 ]

قطعا إن لم نقل إن الجميع من آله وأهل بيته عرفا، نعم في الدروس (ينبغي توفير الطالبيين على غيرهم، وولد فاطمة على الباقين) ولا بأس به خصوصا الثاني منه، بل ولا بما في كشف الاستاذ (ليس بالبعيد تقديم الرضوي ثم الموسوي ثم الحسيني والحسني، وتقديم كل من كان علاقته بالائمة عليهم السلام اكثر) لكن قال فيه بعد ذلك: (إنه يصدق مدعي النسب إن لم يكن متهما كمدعي الفقر) وفيه بحث لعدم صدق الامتثال قبل إحراز مصداق الموصوع، وأصالة صحة دعوى المسلم فيما لا يعارضها فيها احد لا تكفي قطعا في فراغ ذمة الدافع، بل أقصاها عدم الحكم بفسق الاخذ لو اتفق، والقياس على الفقر مع انه مع الفارق لا نقول به. ودعوى عموم بعض ما ذكر مستندا له هناك للمقام - إذ عمدته أصالة صحة قول المسلم ودعواه التي لا معارض لها المستفادة من جملة من المعتبرة، كخبر الكيس المطروح (1) الذي ادعاه واحد من عشرة، وصحيح (2) تصديق الامرأة في عدم الزوج لها، وفي انها جحشت إذا أراد زوجها مراجعتها، وغير ذلك - يدفعها منع كون العمدة ذلك، بل لعله الاصل في غير المسبوق بالغنى، أو الاتفاق المحكي إن لم يكن محصلا، أو السيرة القطعية المستمرة في سائر الاعصار والامصار، أو العسر والحرج في تكليف البينة، أو ما يفهم من خصوص بعض الاخبار (3) المنجبرة، أو غير ذلك، وإلا فهي لا تتأتى في جملة من ابواب الفقه التي لا تخفى على الخبير الماهر، فتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب كيفية الحكم - الحديث 1 من كتاب القضاء (2) الوسائل الباب - 23 و 25 - من أبواب عقد النكاح من كتاب النكاح والباب - 11 - من أبواب أقسام الطلاق - الحديث 1 من كتاب الطلاق (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب كيفية الحكم من كتاب القضاء

[ 106 ]

نعم قد يحتال في الدفع للمجهول المدعي بأن يوكله من عليه الحق في الدفع إذا فرض عدالته أو قلنا بعدم اشتراطها، فانه يكفي في براءة ذمته وإن علم انه هو قبضه، لان المدار في ثبوت الموضوع على علم الوكيل دون الموكل ما لم يعلم الخلاف لكن الانصاف انه لا يخلو من تأمل ايضا. (و) كيف كان ف‍ (في استحقاق بني المطلب) أخي هاشم خلاف و (تردد) ينشأ من أصالة عدم الاستحقاق، وتوقف الشغل اليقيني على البراءة اليقينية، والمرسل (1) عن العبد الصالح (وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فقال: (وأنذر عشيرتك الاقربين) (2) وهم بنو عبد المطلب انفسهم الذكر منهم والانثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب احد - إلى ان قال -: ومن كانت أمه من بني هاشم وابوه من سائر قريش فان الصدقات تحل له، وليس له من الخمس شئ، لان الله تعالى يقول: ادعوهم لابائهم) إلى آخره. ويستفاد من ذيله كغيره من الاخبار بل هو معلوم غير محتاج إلى الدليل ان الخمس لمن حرمت عليه الصدقة، ولا ريب في ظهور ما ورد من النصوص في ذلك ولو بانضمام قرائن خارجية كما لا يخفى على من لاحظها في ان المحرم عليهم الصدقة بنو هاشم، خصوصا نحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن سنان (3): (لا تحل الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم) وفي خبر ابن خنيس (4)


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8 (2) سورة الشعراء - الآية 214 (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب المستحقين للزكاة - الحديث 3 من كتاب الزكاة (4) الوافي ج 2 ص 28 - الباب - 18 - من ابواب زكاة المال - الحديث 4 وفيه " من ولد عبد المطلب "

[ 107 ]

(لا تحل الصدقة لاحد من ولد العباس ولا لاحد من ولد علي (عليه السلام) ولا لنظرائهم من بني هاشم) إذ هو وإن كان لا صراحة فيه في نفي الحرمة عن غيرهم لكن اقتصاره عليهم كغيره من الاخبار على كثرتها مع ان بعضها في مقام المدح أو غيره المقتضي بيان من حرمت الصدقة عليهم كالصريح في الاختصاص، بل قد يدعى انه المنساق إلى الذهن من سير أخبار الخمس ايضا سيما ما اشتمل منها على النسبة ونحوها إليهم (عليهم السلام) أو إلى محمد (صلى الله عليه وآله) إلى غير ذلك مما ستسمع بعضه. ومن الاقتصار على المتيقن خروجه من عموم الكتاب والسنة، وهو من عدا بني هاشم والمطلب، وقول الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة (1): (لو كان عدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة) لكن (أظهره المنع) وفاقا للمشهور بين الاصحاب، بل هو ظاهر معقد إجماع الانتصار وغيره، بل لعله كذلك، إذ لا نعرف فيه خلافا ولا حكي إلا عن الاسكافي الذي لا يقدح خلافه فيه عندنا، وغرية المفيد خصوصا بعد وضوح ضعف مستندهما مما عرفت، إذ التمسك بعموم الفقراء المعلوم إراة الخاص منهم الذي لم يتيقن منه إلا بنو هاشم دخول للدار من غير الباب، والخبر المذكور مع قصوره عن المقاومة باعراض المشهور وغيره وموافقته لظاهر المروي (2) من طرق العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وشبك بين اصابعه وقال: بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد) محتمل لارادة النسبة إلى عبد المطلب بحذف أول الجزءين كغيره من النسبة


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب المستحقيق للزكاة - الحديث 1 من كتاب الزكاة (2) كنز العمال ج 7 ص 140 - الرقم 1237

[ 108 ]

إلى المركب وإن كان ذلك مقتضيا لجعله من العطف التفسيري الذي لا تأسيس فيه والله أعلم. المسألة (الثانية هل يجوز ان يخص ب‍) النصف من (الخمس) الذي هو لغير الامام (عليه السلام) (طائفة) ؟ (قيل) بل هو المشهور نقلا وتحصيلا خصوصا بين المتأخرين، بل نسب إلى الفاضلين ومن تأخر عنهما: (نعم) للاصل والصحيح (1) السابق، واتفاق عدم قابلية الخمس للقسمة أثلاثا، والسيرة والطريقة وظاهر الكتاب بناء على إرادة بيان المصرف كما في الزكاة، إذ الخمس زكاة في المعنى، بل هو مقتضى وجوبه عوضا عنها وبدلا و (قيل) كما عن ظاهر المبسوط وابي الصلاح: (لا) ونظر فيه في الدروس واختاره في الحدائق للشغل، وظاهر اللام والعطف في الاية وما ماثلها من السنة، بل لو أريد المصرف منها لجاز تخصيص أحد الاصناف الستة بجميع الخمس، وهو معلوم العدم، إذ يجب دفع نصف الامام له، وللتأسي بفعل النبي (صلى الله عليه وآله) وصريح ما دل على قسمة الخمس ستة أقسام من مرسل ابن عيسى (2) المتقدم آنفاو غيره (و) لا ريب في انه (هو الاحوط) وإن كان الاول أقوى، بل لعله لا خلاف معتد به فيه، لعدم ظهور عبارة من حكي عنه ذلك فضلا عن صراحتها فيه، للاكتفاء في البراءة عن الشغل بالمستفاد من ظاهر الادلة، ومنع ظهور اللام والعطف بذلك بعد ما سمعت من احتمال المصرف في خصوص هذا النصف المؤيد بفهم المشهور وظاهر الصحيح وغيرهما، وأعمية فعل النبي (صلى الله عليه وآله) من الوجوب حتى يثبت التأسي بناء على اعتبار معرفة الوجه فيه، فلا يعارض القول وغيره من الادلة السابقة، واحتمال الندب فيما دل على التسديس كما اشار إليه الحلي في عبارته السابقة، أو إرادة قسمة


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 8

[ 109 ]

تمام الخمس لا كل شئ يحصل منه وإن قل، إذ ربما قيل إن الاية ونحوها وإن سلم دلالتها على الملك والاشتراك لكن بالنسبة إلى خمس جملة الغنائم، وإن كان لا يخلو من نظر، وقد تقدم سابقا ما يفيدك ملاحظته هنا، فلاحظ وتأمل. المسألة (الثالثة) يجب إيصال جميع الخمس إلى الامام (عليه السلام) حال حضوره كما هو المفهوم من النصوص (1) والفتاوى، بل يشهد له الاعتبار أيضا، فيأخذ نصفه له يصرفه فيما يشاء كما عرفت، و (يقسم) أي (الامام عليه السلام) النصف الاخر منه (على الطوائف كلها) الحاضر والغائب (قدر الكفاية مقتصدا) من غير إسراف ولا تقتير (فان فضل) منه شئ (كان) ملكا (له وإن أعوز) ونقص (أتم من نصيبه) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل في المسالك نسبته إلى أجلاء الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا صريحا إلا من الحلي، وإن توقف فيه في المختلف، بل والمنتهى، فلم يوجب إتمام الناقص، ولم يجوز تناول الزائد، بل بالغ في إنكار الاول وأطنب حتى انه ربما أساء في بعض كلماته الادب محتجا بما حاصله من ان الاصل براءة الذمة وحرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه عقلا وشرعا، وانه لا يخرج عنهما إلا بدليل، وليس، بل ظاهر اللام والتفصيل القاطع للشركة خلافه، وانه لم يعرف عيال للامام عليه السلام يجب نفقتهم عليه غير عياله، ولا سمع استحقاق أحد لماله، نعم يصرف عليهم مع فرض الاعواز من بيت المال، لان لهم حظا فيه كسائر الناس، وليس هو مختصا بأرباب الزكاة، وهو جيد على أصوله من عدم جواز العمل بأخبار الاحاد المسندة صحيحا فضلا عن المرسلة، إذ لم نعثر على ما يوجب الخروج عما ذكر وإن كان بعضه محلا للنظر في نفسه إلا على مرسلة حماد بن عيسى (2) المجمع على تصحيح


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 1

[ 110 ]

ما يصح عنه المقتضي لعدم قدح من علم فسقه ممن تأخر عنه في وجه فضلا عن غير المعلوم عن العبد الصالح (عليه السلام) قال فيها: (فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لابناء سبيلهم يقسم بينهم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فان فضل عنهم شئ فهو للوالي، وإن عجز ونقص عن استغنائهم كان على الوالي ان ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وانما صار عليه ان يمونهم لان له ما فضل عنهم) ومرسلة احمد المضمرة (1) قال فيها: (فالنصف له خاصة، والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد (صلى الله عليه وآله) الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة، عوضهم الله تعالى مكان ذلك بالخمس، فهو يعطيهم على قدر كفايتهم، فان فضل منهم شئ فهو له، وإن نقص عنهم ولم يكفهم أتمه لهم من عنده، كما صار له الفضل لزمه النقصان) لكن يتعين العمل بهما عندنا، لانجبارهما بفتوى الاصحاب، واحتمال إرادتهم بكون الفاضل له ولايته وحفظه والقيام به كما في السرائر مع ضعفه بل بطلانه يدفعه الفقرة الثانية لهم، بل قد يشهد لصحتهما زيادة على ذلك الاعتبار، وملاحظة متنيهما، خصوصا الاولى منهما، بل في المعتبر ردا على الطعن فيهما (ينبغي اتباع ما نقله الاصحاب وأفتى به الفضلاء ولم يعلم من باقي العلماء رد له من كون الامام يأخذ ما فضل، ويتم ما أعوز، وإذا سلم النقل عن المعارض والمنكر لم يقدح إرسال الرواية الموافقة لفتواهم، فانا نعلم مذهب ابي حنيفة والشافعي وإن كان الناقل عنه واحدا، بل ربما لم يعلم الناقل عنه بلا فصل، وإن علمنا نقل المتأخرين له، وليس كل ما أسند عن مجهول لا يعلم نسبته إلى صاحب المقالة، فلو قال إنسان لا أعلم مذهب ابي هاشم في الكلام ولا مذهب الشافعي في الفقه لانه لم ينقل مسندا كان متجاهلا، وكذا مذهب أهل البيت عليهم السلام ينسب إليهم بحكاية بعض شيعتهم سواء ارسل أو أسند إذا لم ينقل عنهم


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 2

[ 111 ]

ما يعارضه، ولا رده الفضلاء منهم) انتهى. وكيف كان فمدار البحث هنا على قبول هاتين المرسلتين وردهما، فكثرة البحث حينئذ كما وقع من بعض متأخري المتأخرين تطويل من غير طائل، نعم يمكن الاحتجاج بالاية على بعض المطلوب بل جميعه في وجه، لكنه لا يخلو من سماجة بعد تفصيل النصوص ما يراد منها، والامر سهل، بل في الحدائق ما يظهر منه سقوط البحث في ذلك الان، قال: (إن المفهوم من الاخبار إيصال جميع الخمس إلى الامام (عليه السلام) حال وجوده، وأما ان الواجب عليه فيه ماذا فنحن غير مكلفين في البحث عنه، بل ربما كان ذلك سوء أدب في حقه، إذ هو المرجع في سائر الاحكام والاعرف بالحلال والحرام) لكن فيه ان ثمرة البحث عنه دفع حصة الامام (عليه السلام) في هذا الزمان إلى السادة للاتمام كما عن المحقق الثاني الاعتراف به مفرعا له عليه، وإن أشكله في الرياض بأنه قد توقف جماعة في المسألة، ومع ذلك ذهبوا إلى صرف حصته في زمان الغيبة إليهم على وجه التتميم كالفاضل في التحرير والمختلف وصاحب الذخيرة، إلا انه يدفعه احتمال غفلتهم عن ذلك، أو هو وارد عليهم، نعم قد يشكل بأن وجوب التتميم على الامام عليه السلام حيث يقصر نصيبهم من تمام الخمس لا انه إذا كان بتقصير من العباد في الدفع كما في مثل هذا الزمان، إذ من الواضح فرض المسألة السابقة في قسمة الخمس جميعه لا الحاصل منه ولو بعضا كما أومأ إليه الشهيد في بيانه، حيث قال: (ومع حضور الامام (عليه السلام) يدفع إليه جميع الخمس، فيقسم على الاصناف بحسب احتياجهم فالفاضل له والعوز عليه للرواية عن الكاظم (عليه السلام)) إلى آخره، فيكون البحث السابق حينئذ علميا محضا، خصوصا بعد ما ورد (1) (ان الله تعالى لم يبق


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 8 والباب 1 من ابواب ما يجب فيه الزكاة

[ 112 ]

فقيرا من السادة بالخمس، كما لم يبق فقيرا من غيرهم بالزكاة، ولو علم عدم كفايتهما لشرع غيرهما) إذ هو حينئذ كالصريح في سقوط ثمرة ذلك البحث من هذه الحيثية، وإن كان قد يقال إنه يتفرع عليه كما عن المحقق الثاني الاعتراف به عدم جواز إعطاء الفقير من الذرية زائدا على مؤونة السنة، لكن فيه ان ذلك وإن كان هو الاقوى في النظر وفاقا للدروس والمسالك وغيرهما، بل لا أجد فيه خلافا وإن جعل الجواز وجها في المسالك لاطلاق الادلة وحصول الوصف حين القبض، إذ الفرض الدفعة لا التدريج، وما تقدم في الزكاة، إلا انه قد يمنع تفريعه عليه، ضرورة عدم التلازم بين عدم جواز إعطاء الزائد للمرسلين المنجبرين بفتوى المشهور وبين كون الفاضل للامام عليه السلام بل هو متجه حتى على مذهب الحلي، إذ لعله يوجب حفظه لحوائجهم ونوائبهم المستقبلة أو صرفه في مصارف بيت المال أو غيرها، كما هو واضح، والله أعلم. المسألة (الرابعة ابن السبيل) بمعنى المسافر فعلا سفر طاعة أو غير معصية على الاقوى لا العازم على السفر وإن لم يفعل (لا يعتبر فيه الفقر) في بلده بلا خلاف أجده فيه، بل في المنتهى الاجماع عليه، لاطلاق الادلة كتابا وسنة، ومقابلته بالفقراء فيها (بل) يكفي في استحقاقه الخمس (الحاجة في بلد التسليم ولو كان غنيا في بلده) بل ربما استظهر من إطلاق بعضهم عدم اعتبار الفقر فيه عدم اعتبار هذه الحاجة فيه ايضا، فيعطى وإن كان غير محتاج، بل لعله كاد يكون صريح السرائر، لكن اعترف الشهيد في روضته بأن ظاهرهم عدم الخلاف في اشتراط ذلك فيه، ولعله لانه المنساق إلى الذهن منه، والمتيقن في براءة الذمة وظاهر المرسلين السابقين، بل في أولهما مواضع للدلالة على المطلوب، كما لا يخفى على من لاحظه بتمامه في الاصول، وغير ذلك، فالتمسك حينئذ باطلاق الاية بل


الجواهر - 14

[ 113 ]

بمقابلته للفقير فيها لعدم الاشتراط ضعيف، على انه يكفي في المقابلة عدم اعتبار فقره في بلده، وتمام الكلام فيه وفي موضوعه بل وبعض الاحكام الاخر المتعلقة به من شرطية عجزه عن الاستدانة وبيع ماله في بلده في استحقاقه وعدمها وغير ذلك في باب الزكاة، ضرورة اتحادها مع المقام في جميع ذلك (وهل يراعى ذلك) أي الفقر (في اليتيم) بمعنى الطفل الذي لا أب له (قيل) بل هو المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا: (نعم) للشغل وبدلية الخمس عن الزكاة المعتبر فيها ذلك وكونه المنساق إلى الذهن من الادلة والمرسلين السابقين، بل في أولهما مواضع للدلالة على المطلوب لا تخفى على الملاحظ له بتمامه، تركنا التعرض لها خوف الاطالة، بل قيل: ولانه لو كان له أب لم يستحق شيئا قطعا، فإذا كان المال له كان بالحرمان أولى، إذ هو أنفع له من الاب، ولتقسيم الامام الخمس بينهم على قدر كفايتهم والفاضل له والعوز عليه، فمع فرض الكفاية انتفي النصيب، بل في المدارك الجزم بتعين ذلك بناء على القول بالصرف قدر الكفاية، لكن الاول كما ترى اعتبار محض، والثاني إن لم يرجع إلى ما ذكرنا من ظهور المرسلين في ذلك فيه نظر بين، كما في الروضة، إذ هو أعم من اعتبار الفقر، إذ قد يدعى استحقاقهم الكفاية من الخمس خاصة وان كان عندهم مال يمكن اكتفاؤهم به، كما هو واضح، ومنه يعرف ما في جزم المدارك بما عرفت. (وقيل) كما في السرائر وعن المبسوط: (لا) يعتبر، فيعطى اليتيم وإن كان غنيا، لاطلاق الادلة، والمقابلة للفقير كتابا وسنة، ولانه ليس من الصدقات بل هو من حق الرئاسة والامارة، ولذا يأخذه الامام (عليه السلام) وإن كان غنيا، بل جعله الله تعالى شأنه له حقا فيه (و) لذا توقف فيه في الدروس كظاهر المتن وغيره. لكن (الاول) مع كونه (أحوط) بل لابد من عمل المتوقف به

[ 114 ]

تحصيلا للبراءة اليقينية أصح وأقوى، لوجوب الخروج عن الاول ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه، وعدم اقتضاء هذه المقابلة المباينة، إذ لعل النص على الذكر للتأكيد والاهتمام كالصلاة الوسطى بالنسبة إلى مطلق الصلاة، ودفع احتمال ظهور الفقير في البالغ، أو لارادة التخصيص بسهم مستقل غير سهم الفقراء البالغين رأفة بهم بناء على المحكي عن ظاهر بعض من إرادة الاشتراك لا المصرف بل وعلى المختار من إرادة المصرف، لكنه لا يخلو من رجحان قطعا ولو للخروج عن شبهة الخلاف، وعدم التلازم بين الاخيرو استحقاق اليتيم له وإن كان غنيا إذ لعله وإن لم يكن من الصدقات خصه الله بالفقراء، ولذا منعه الاغنياء غير اليتامى المسألة (الخامسة) حكم الخمس بالنسبة إلى جواز النقل وعدمه مع وجود المستحق وعدمه وإلى الضمان وعدمه حكم الزكاة، لاتحاد الطريق والتنقيح، فمن منع نقل الزكاة إلى غير البلد - للاجماع المحكي ومنافاة الفورية والتغرير وغير ذلك - قال هنا ايضا: (لا يحل حمل الخمس إلى غير بلده مع وجود المستحق) ومن قال بالجواز هناك - للاصل والمعتبرة (1) ومنع الفورية المنافية، أو ان النقل شروع في الاخراج، فلم يكن منافيا، كالقسمة مع التمكن من إيصالها إلى شخص واحد، واندفاع التغرير بالضمان المحكي عليه الاجماع عن المنتهى مضافا إلى ما ورد به من المعتبرة (2) - قال به هنا ايضا ومنه يعلم حينئذ أنه (لو حمل) الخمس (والحال هذه) أي ان المستحق موجود (ضمن) كالزكاة، بل (و) مما تقدم في باب الزكاة يعلم عدم الاشكال حينئذ في أنه (يجوز) حمل الخمس (مع عدمه) ولا إثم ولاضمان لما عرفت من اتحادهما بالنسبة إلى ذلك، فراجع وتأمل


(1) الوسائل الباب - 37 - من ابواب المستحقين للزكاة من كتاب الزكاة (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب المستحقين للزكاة من كتاب الزكاة

[ 115 ]

المسألة (السادسة) صرح جماعة بأن (الايمان معتبر في المستحق) بل لا أجد فيه خلافا محققا كما اعترف به بعضهم، بل في الغنية الاجماع عليه، للشغل المقتضي للاقتصار على المتيقن، وكون الخمس كرامة ومودة لا يستحقهما غير المؤمن المحادد لله، ولانه عوض الزكاة المعتبر فيها ذلك إجماعا في المدارك وغيرها، لكن في المتن كالنافع الحكم باعتباره (على تردد) لاطلاق الكتاب والسنة الذي لم يسق لبيان سائر الشرائط، مع ان من الواجب الخروج عنه بما عرفت، بل قد يدعى ان المنساق منه إلى الذهن خصوصا إطلاق السنة المؤمن، وعن المحقق الثاني ان من العجائب هاشمي مخالف يرى رأي بني أمية، فيشترط الايمان لا محالة. (و) كيف كان فليس هو ك‍ (العدالة) إذ هي (لا تعتبر) فيه (على الاظهر) بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في المدارك والرياض بعد نسبته في أولهما إلى مذهب الاصحاب، لاطلاق الادلة السالم عن المعارض، والسيرة المستمرة خصوصا في غير معلوم الفسق، لكن قد يوهم ما في المتن الخلاف فيه، بل لعله من المرتضى لما حكي عنه من اعتبارها في الزكاة مستندا لما يشمل المقام من النهي كتابا وسنة عن معونة الفساق والعصاة، بل قد يقال بلزوم اعتبارها هنا لاعتبارها فيها مع قطع النظر عن ذلك، بل لبدلية الخمس عن الزكاة وعوضيته عنها بل قيل إنه زكاة في المعنى، وإن كان ذلك كله كما ترى لا يجوز الاعتماد على مثله في إثبات الاحكام الشرعية، نعم هو صالح للتأييد، ولقد أجاد في المدارك حيث قال: والقول باعتبار العدالة هنا مجهول القائل، ولا ريب في ضعفه. (و) إذ فرغ من البحث في كتاب الخمس شرع فيما (يلحق بذلك) وهو (مقصدان): (الاول في الانفال) جمع نفل ساكنا " ومحركا بمعنى الغنيمة في المصباح بل وعن القاموس وإن عطف عليها الهبة فيه، نعم عن الازهري النفل ماكان زيادة

[ 116 ]

عن الاصل، سميت الغنائم بذلك لان المسلمين فضلوا بها على سائر الامم، وسميت صلاة التطوع نافلة لانها زيادة عن الفرض، وقال الله تعالى (1): (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) أي زيادة على ما سأله (و) كيف كان ف‍ (هي) هنا (ما يستحقه الامام (عليه السلام) من الاموال على جهة الخصوص كما كان للنبي (صلى الله عليه وآله) سميت بذلك لانها هبة من الله تعالى له زيادة على ما جعله له من الشركة في الخمس، إكراما " له وتفضيلا له بذلك على غيره (وهي) عند المصنف ومن تابعه (خمسة: الارض التي تملك من غير قتال) ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (سواء انجلى) عنها (أهلها أو سلموها) للمسلمين (طوعا ") وهم فيها بلا خلاف أجده، بل الظاهر أنه إجماع، لقول الصادق (عليه السلام) في الموثق (2): (الانفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم، أو قوم صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية فهذا كله من الفئ، والانفال لله وللرسول، فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يجب) كقوله (عليه السلام) في صحيح حفص أو حسنه (3): (الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الاودية فهو لرسول الله صلى الله عليه واله، وهو للامام (عليه السلام) من بعده يضعه حيث شاء) وقول أبي الحسن الاول (عليه السلام) في مرسل حماد بن عيسى (4): (وله بعد الخمس الانفال، والانفال كان أرض خربة قد باد أهلها، وكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صولحوا عليها وأعطوا بأيديهم على غير قتال، وله رؤوس الجبال وبطون الاودية والاجام، وكل أرض ميتة لا رب لها، وله صوافي الملوك مما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لان


(1) سورة الانبياء - الآية 72 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 10 - 1 - 4

[ 117 ]

الغصب كله مردود، وهو وارث من لا وارث له) إلى آخره، إلى غير ذلك من الاخبار المعتبرة المستفيضة جدا "، بل ظاهر بعضها كالصحيح المتقدم أن كل ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب من الانفال لا خصوص الارض منه كما هو ظاهر المصنف وغيره من الاصحاب. (والارضون الموات) عرفا، ولعلها التي لا ينتفع بها لعطلتها بانقطاع الماء عنها، أو استيجامها، أو استيلاء الماء عليها، أو التراب أو الرمل، أو ظهور السبخ فيها، أو غير ذلك من موانع الانتفاع (سواء ملكت ثم باد أهلها، أو لم يجر عليها ملك) لمسلم (كالمفاوز) لاطلاق المعتبرة (1) المستفيضة التي منها ما تقدم المعتضدة بظاهر اتفاق الاصحاب، نعم قد يظهر من المتن وغيره كمفهوم بعض الاخبار من المرسل السابق وغيره ان ما كان لها مالك معروف ليست من الانفال، وبه صرح في المدارك، وجعل الضابط اختصاصه بالموات الذي لا مالك له، لكن في صحيح الكابلي (2) بعد أن ذكر ان الارض كلها لهم (عليهم السلام) (فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الامام (عليه السلام) من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فان تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها، يؤدي خراجها إلى الامام (عليه السلام) من أهل بيتي، وله ما أكل منها) إلى آخره، بل نسبه في الحدائق إلى تصريح جملة من الاصحاب. ومنه يستفاد حينئذ ان من ملك موات الارض المفتوحة عنوة بالاحياء المأذون فيه منه (صلوات الله عليه) يزول ملكه عنها برجوعها مواتا كما هو أحد القولين في المسألة، نعم لا دلالة فيه على زوال الملك إذا كان بغير الاحياء بل


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 2

[ 118 ]

بالارث أو الشراء أو الفتح أو نحوها برجوعها مواتا، فالمتجه حينئذ بقاؤها على الملك إلا إذا باد أهلها، فترجع للامام (عليه السلام) وتكون من الانفال، لانه وارث من لا وارث له، ولعله على هذا يحمل التقييد في المرسل السابق وغيره ببواد الاهل لا على ما يشمل المتقدم. ومن ذلك يعلم ان عمار المفتوحة عنوة لو مات بعد الفتح ليس من الانفال في شئ، لان له مالكا معلوما، وهو المسلمون، وإطلاق بعض الاصحاب والاخبار (1) (ان الموات له (عليه السلام) منزل على غيره قطعا، نعم لا يعتبر فيما له (عليه السلام) من الموات بقاؤه على صفة الموت، للاصل وظاهر صحيح الكابلي السابق، فلو اتفق حينئذ إحياؤه كان له (عليه السلام) ايضا من غير فرق بين المسلمين والكفار إلا مع إذنه، وإطلاق الاصحاب والاخبار ملكية عامر الارض المفتوحة عنوة المسلمين يراد به ما أحياه الكفار من الموات بعد (قبل ظ) ان جعل الله الانفال لنبيه (صلى الله عليه وآله)، وإلا فهو له ايضا وإن كان معمورا وقت الفتح، نعم المدار على الموات من حين نزول آية الانفال لا قبلها وكان معمورا حينها، واحتمال اختصاص الانفال بالموات الذي تتسلط عليه يد المسلمين ويدخل تحت سلطانهم لان المراد بها ما يختص به الامام (عليه السلام) من الغنائم زيادة على غيره، أو لغير ذلك مناف لعموم الادلة، كاحتمال انه وإن كان له لكنه إن أحياه الكفار ثم فتحه المسلمون عنوة دخل في ملكهم، لا طلاق ما دل على ملكيتهم لعامر الارض المفتوحة عنوة، إذ يدفعه قوة عموم أدلة المقام، ضرورة عدم سوق ذلك الاطلاق لبيان مثله، على انه من المعلوم إرادة العامر من المفتوحة عنوة غير المغصوب كسائر باقي أموال الغنائم، فكونه حينئذ للمسلمين موقوف على كونه إحياء صحيحا مفيدا ملكيته للكفار، فإذا فتحوا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 17

[ 119 ]

انتقل منهم للمسلمين، فلا يستدل به عليه حينئذ، نعم لو ثبت عموم إذن الامام (عليه السلام) في تمليك المحيي للموات وإن كان كافرا أمكن حينئذ القول بانتقاله للمسلمين كباقي العامر، على انه قد يناقش ايضا في جريان سائر أحكامه، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) ذكر المصنف من الانفال (سيف البحار) بالكسر أي ساحلها كما عن الجوهري، لكن يحتمل عطفه في كلامه على المفاوز، فيكون مثالا للارض الموات التي لم يجر عليها ملك، وعلى اول الخمسة، فيكون قسما آخر غيرها إلا انه قد يخدش الاول بأنه لا يشمل حينئذ شطوط الانهار العظيمة من دجلة والفرات وغيرهما قديمها ومتجددها، لعدم كونها من الموات، بل لا يحتاج أغلب أنواع الانتفاع بها إلى كلفة عظيمة من حيث قربها إلى الماء، كما انه يخدش الثاني احتياجه إلى دليل حينئذ غير دليل الاولين يدل على كونها من الانفال، وليس، وقد يدفع الاول بأنها قبل بروزها وجفاف الماء عنها من الموات، ضرورة تعطيلها عن الانتفاع بغلبة الماء عليها، فهي ملك الامام (عليه السلام) حينئذ وإن برزت بعد ذلك وكان يمكن الانتفاع بها، نعم ماكان بارزا منها سابقا على آية الانفال ليس للامام (عليه السلام) حينئذ بناء على ذلك، إلا ان يقال بمنع اختصاص الانفال بالموات والمنتقل من يد الكفار بغير قتال، بل هو أعم منه ومن كل أرض لا رب لها وإن لم تكن مواتا، لقول الباقر (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1) المروي عن المقنعة (لنا الانفال، قلت: وما الانفال ؟ قال: منها المعادن والاجام، وكل أرض لا رب لها وكل أرض باد أهلها فهو لنا) وقول الصادق (عليه السلام) في خبر اسحاق بن عمار (2) المروي عن تفسير علي بن ابراهيم بعد ان سأله عن الانفال، فقال: (هي القرى التي قد خربت وانجلى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 28 - 20

[ 120 ]

اهلها، فهي لله وللرسول (صلى الله عليه وآله)، وما كان للملوك فهو للامام (عليه السلام)، وما كان من الارض الخربة لم يوجف بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها) الحديث. بل قد يشمله عموم جملة من الاخبار ان من الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب وإن كان الظاهر منه سيما مع ملاحظة جملة اخرى منها ما كان في يد الكفار ثم استولي عليه من دون ان يوجف عليه بخيل ولا ركاب لا مطلق ما لم يوجف عليه وإن لم يكن في يد احد، إلا ان في الاول غنية عن ذلك، مضافا إلى مادل (1) على ان الارض كلها لهم عليهم السلام الذي لا ينافيه خروج بعض الافراد منها ومنه يعلم الجواب عن الخدش الثاني على تقدير العطف المزبور، لكن الانصاف انه مع ذلك كله لا يخلو من إشكال من حيث ظهور كلمات اكثر الاصحاب في اختصاص الانفال بالموات وما كان عليه يد الكفار ثم استولي عليه من دون ان يوجف عليه بخيل ولا ركاب، اما غير الموات الذي لم يكن لا حديد عليه ومنه ما نحن فيه فلا دلالة في كلامهم على اندراجه في الانفال، بل ظاهره العدم، فيكون من المباحات الاصلية حينئذ، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة في كلام الاصحاب. (و) منها (رؤوس الجبال وما يكون بها) مما هو منها (وكذا بطون الاودية والاجام) بالكسر والفتح مع المد جمع أجمة بالتحريك وهو الشجر الكثير الملتف كما عن القاموس، ونحوه ما في المصباح، لكن فيه ان الجمع أجم مثل قصبة وقصب، والاجام جمع الجمع، إلا انه على كل حال ما في الرياض تبعا للروضة من ان الاجمة الارض المملوة من القصب ونحوه ليس في محله إلا ان يريدا


(1) أصول الكافي ج 1 ص 407 الطبع الحديث الجواهر - 15

[ 121 ]

ما ذكرناه، والامر سهل، لقول العبد الصالح في مرسل حماد بن عيسى (1): (وله رؤوس الجبال وبطون الاودية والاجام) الحديث، كقول ابي الحسن الاول (عليه السلام) في خبر الحسن بن راشد (2) والصادق (عليه السلام) في خبر داود بن فرقد (3) المروي عن تفسير العياشي قلت: (وما الانفال ؟ قال: بطون الاودية ورؤوس الجبال والاجام) الخبر، والباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (4) المروي في المقنعة بعد أن سئل عن الانفال ايضا، فقال: (كل أرض خربة أو شئ يكون للملوك وبطون الاودية ورؤوس الجبال) وفي خبر أبي بصير (5) المروي عن تفسير العياشي بعد ان قيل له أيضا وما الانفال ؟ فقال: (منها المعادن والاجام) بل في صحيح ابن مسلم وموثقه (6) وصحيح حفص (7) عد بطون الاودية منها، وهي كافية في إثبات المطلوب بعد تتميمها بعدم القول بالفصل إن قطعنا النظر عن الاخبار السابقة لضعفها، وإلا فمع النظر إليها لانجبار ذلك الضعف باطلاق الاكثر وصريح بعضهم كانت المسألة من الواضحات، بل إطلاقها حينئذ قاض بعدم الفرق في الثلاثة بين ماكان منها في أرض الامام أو غيره خلافا للروضة في الاجام وعن الحلي في الثلاثة فحصاها بالاول، للاصل المنقطع بما سمعت، بل رده في البيان بعد ان حكي خلاف الحلي في الاولين من


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 (2) التهذيب ج 4 ص 128 الرقم 366 عن الحسن بن راشد قال: حدثنا حماد بن عيسى قال: حدثنا بعض أصحابنا ذكره عن أبي الحسن الاول (عليه السلام).. الخ (3) و (4) و (5) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 32 - 22 - 28 - 1 (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 10 و 12 من كتاب الخمس

[ 122 ]

الثلاثة بأنه يفضي إلى التداخل وعدم الفائدة في ذكر اختصاصه بذلك، لكن في المدارك بعد ذكره ما في البيان (انه جيد لو كانت الاخبار المتضمنة لاختصاصه (عليه السلام) بذلك على الاطلاق صالحة لاثبات هذا الحكم، إلا انها ضعيفة السند، فيتجه المصير إلى ما ذكره الحلي قصرا لما خالف الاصل على موضع الوفاق) وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما تقدم. بل قد يقال بملكية الامام لرؤوس الجبال وإن فرض انها نفسها ليست من الموات وكذا بطون الاودية، للاطلاق السابق، بل وإن كانت من المفتوحة عنوة، تحكيما للاطلاق المزبور على ما دل على ملكية المسلمين لعامرها ولو بترجيحه عليه، بناء على تعارض العموم من وجه بينهما، بل قد يقال بندرة ترتب ثمرة على الخلاف المزبور بالنسبة للاولين، لاغلبية الخراب والموات فيهما، فيدخلان حينئذ في القسم السابق على كل حال، واحتمال تبعيتهما في الملك للارض التي يكونان فيها وإن كانا هما مواتا فتظهر الثمرة حينئذ فيه بعيد لا دليل عليه. نعم لو اتفق صيرورة الارض المملوكة جبلا أو بطن واد بعد أن كانت معمورة ومملوكة امكن القول ببقاء ملكية الارض استصحابا، مع انه قد عرفت فيما مضى ان الحق التفصيل بين ما كان ملكها بالاحياء، وغيره فيزول الاول بمجرد الموت دون الثاني، وما نحن فيه من أفراد تلك المسألة عند التأمل، أما بالنسبة للاجام فالثمرة في كمال الوضوح والغلبة بخلاف الاولين، بل قد يقال بعدم الخلاف فيهما من الحلي، لان عبارة السرائر ليست بتلك الصراحة، قال فيها: (ورؤوس الجبال وبطون الاودية والاجام التي ليست في أملاك المسلمين، بل التي كانت مستأجمة قبل فتح الارض، والمعادن التي في بطون الاودية التي هي ملكه، وكذلك رؤوس الجبال، فأما ماكان من ذلك في أرض المسلمين ويد مسلم عليه فلا يستحقه (عليه السلام)، بل ذلك في أرض المفتتحة عنوة، والمعادن التي في بطون الاودية

[ 123 ]

مما هي له) انتهى، نعم هي كالصريحة بالنسبة للاجام، ولعل منشأه تبعية نبات الارض لها في الملك، لانه نماؤها، بل هو في الحقيقة منها، إذ هي أصله، فالاجام التي في أرض المسلمين حينئذ لهم كالذي في عامر المفتوحة عنوة لو مات فاستوجم مثلا والتي في أرضه له واليه أشار في المتن بقوله: ورؤوس الجبال وما يكون بها لكن قد عرفت ان إطلاق الادلة يقتضي أعم من ذلك، فلا مانع حينئذ من كون الارض ملكا لغير الامام (عليه السلام) والاجام ملكا له، إلا أنه لا يخفى عليك أن مقتضى التبعية المزبورة كون جميع نبات أرض الامام عليه السلام ملكا له وإن لم يكن من الاجام لا أنه من المباحات الاصلية، كما أن جميع نبات أرض غير الامام الذي ليس بآجام ملك لاربابها، إذ قد عرفت تضمن النصوص عد الاجام من الانفال دون غيرها، فتأمل جيدا فان المسألة غير محررة في كلام الاصحاب مع احتياجها إليه، والسيرة المستمرة في جميع الاعصار والامصار على معاملة النباتات من آجام وغيرها في أرض المسلمين كالمفتوحة عنوة أو الامام عليه السلام خاصة كمواتها معاملة المباحات الاصلية كالماء الجاري فيهما ونحوه تملك بالحيازة من غير فرق المحتيز بين الشيعة وغيرهم، وقد يأتي إن شاء الله في أول المقصد الثاني ماله نوع تعلق في المقام، خصوصا ما تسمعه فيه من كلام الشهيد في الحواشي، فلاحظ وتأمل، والله أعلم. (وإذا فتحت دار الحرب فما كان لسلطانهم من قطايع) أراضي (وصفايا فهي) من الانفال التي للنبي (صلى الله عليه وآله) ثم (للامام عليه السلام (بعده بلا خلاف أجده فيه، للمعتبرة المستفيضة التي فيها الصحيح وغيره، منها صحيحة داود بن فرقد (1) عن الصادق (عليه السلام) ((قطايع الملوك كلها للامام (عليه السلام)، وليس للناس فيها شئ) وموثقة سماعة بن مهران (2) (سألته


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 6 - 8

[ 124 ]

عن الانفال فقال: كل أرض خربة أو شئ يكون للملوك فهو خالص للامام عليه السلام ليس للناس فيه سهم) ومرسلة حماد بن عيسى (1) عن العبد الصالح (عليه السلام) إلى ان قال: (وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لان الغصب كله مردود) وخبر الثمالي (2) عن الباقر (عليه السلام) المروي عن تفسير العياشي (ماكان للملوك فهو للامام) إلى غير ذلك، بل ظاهر بعضها اندراج سائر ماللملوك فيها صفايا وقطايع كان أو غيرهما من الاموال المعتادة الاقتناء، كما هو قضية الضابط الذي في المدارك، بل والمنتهى والحدائق من أن كل أرض فتحت من أهل الحرب فما كان يختص به ملكهم فهو للامام، اللهم إلا ان يريدوا بالاختصاص المصطفى من الاموال لا غيره، ولعله المنساق من الاخبار السابقة المعاضدة للاصل. نعم هي له (إذا لم تكن مغصوبة من مسلم أو معاهد) ممن كان محترم المال للاصل، والاقتصار على المتيقن، والمرسل السابق. (وكذا له أن يصطفي من الغنيمة ما شاء من فرس) جواد (أو ثوب) مرتفع (أو جارية) حسناء أو سيف فاخر ماض (أو غير ذلك ما لم يجحف) فيكون من الانفال عند علمائنا أجمع كما في المنتهى، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ربعي (3): (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له إلى ان قال: وكذلك الامام عليه السلام يأخذ كما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله)) وفي خبر ابي بصير (4) بعد أن سأله عن صفو المال (الامام عليه السلام يأخذ الجارية الروقة والمركب الفاره والسيف القاطع


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 4 - 31 - 15 (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 3

[ 125 ]

والدرع قبل أن يقسم الغنيمة، فهذا صفو المال) وفي موثق ابي الصباح (1) (نحن قوم فرض الله طاعتنا، لنا الانفال ولنا صفو المال) وكأنه من عطف الخاص على العام تنبيها على مزيد اختصاصه (عليه السلام) به ردا على العامة القائلين بسقوط ذلك بعد الامام عليه السلام (2) وقول العبد الصالح في مرسل حماد (3) (وللامام (عليه السلام) صفو المال ان يأخذ من هذه الاموال، صفوها الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع مما يحب ويشتهي، فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس). لكن في المدارك أن قيد الاجحاف مستغنى عنه، بل كان الاولى تركه ولعله لاطلاق الادلة، بل قد يقضي بأن له ذلك وإن كان هو الغنيمة لاغير، إلا انك قد عرفت اشتراطه قي معقد إجماع المنتهى المعتضد بالاصل، والاقتصار على المتيقن وإطلاق مادل على استحقاق الغانمين الغنيمة، بل وبامكان دعوى انه المنساق من النصوص، بل قد يدعى ظهورها في نفي الاخير، كظهور اكثرها والمتن بل وغيره في ان هذا القسم من الانفال موقوف ملكيته على أخذ الامام (عليه السلام) واصطفائه لا قبله كغيره من الانفال التي حصل تمليك الله تعالى له إياه قهرا، وإن كان له تعلق باستحقاق الاصطفاء، فان لم يأخذ حينئذ ولم يصطف كان من الغنيمة، ويجري عليه حكمها لاحكم مال الامام (عليه السلام)، إلا أن موثق أبي الصباح بل وغيره ظاهر في انه كغيره من الانفال الداخلة في ملكه (عليه السلام) قهرا، ويؤيده بعد انفراد هذا القسم عنها بذلك، خصوصا بعد قوله تعالى: (4)


(1 الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الانفال - الحديث 2 (2) هكذا في النسخة الاصلية ولكن الصحيح " بعد النبي صل الله عليه واله وسلم، (3) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الانفال - الحديث 4 (4) سورة الانفال الآية 1

[ 126 ]

(يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول) إذ الظاهر إرادة تمليك الاعيان وانها هي الانفال، وعليه فهل المدار على وجود المصطفى في حد ذاته ونفسه أو بحسب نسبة الغنيمة ؟ وجهان، أقواهما الاول، بل هو الظاهر من الاخبار، كما انه على الاول هل يختص جواز أخذه واصطفائه بما لو كان في المال مصطفى أولا فله حينئذ أخذ ما يريد ويحب ويشتهي وإن لم يكن من الاشياء المصطفاة في حد ذاتها ونفسها كما عساه يشعر به ذيل خبر ابي بصير وعبارة المتن وغيرها ؟ وجهان، لا يبعد في النظر الاول، لانه المتيقن المنساق من النصوص السابقة، فيقتصر عليه في الخروج عن الاصل، وإطلاق استحقاق الغانمين الغنيمة، والله اعلم (وما يغنمه المقاتلون) في سرية أو جيش (بغير إذنه (عليه السلام) فهو) من الانفال (له (عليه السلام) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، بل نسبه غير واحد إلى الشيخين والمرتضى وأتباعهم، بل قي التنقيح نسبته إلى عمل الاصحاب، كما في الروضة نفي الخلاف عنه، وفي بيع المسالك أن المعروف من المذهب مضمون المقطوعة (1) الاتية لا نعلم فيه مخالفا، بل عن الحلي الاجماع عليه، وهو الحجة وإن ناقشه فيه في المعتبر، فقال: (وبعض المتأخرين يستلف صحة دعواه مع إنكاره العمل بخبر الواحد، فيحتج لقوله بدعوى إجماع الامامية وذلك مرتكب فاحش، إذ هو يقول: إن الاجماع إنما يكون حجة إذا علم أن الامام (عليه السلام) في الجملة، فان كان يعلم ذلك فهو منفرد بعلمه، فلا يكون علمه حجة على من لم يعلم) إذ هي كما ترى مآلها إلى إنكار حجية الاجماع المنقول المفروغ منها في محلها، فلا بأس حينئذ بجعله الحجة لنا هنا، خصوصا مع شهادة التتبع له واعتضاده بقول الصادق (عليه السلام) في مرسل الوراق (2) المنجبر به وبالشهرة العظيمة) إذا غزا قوم بغير أمر الامام (عليه السلام) فغنموا كانت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 16

[ 127 ]

الغنيمة كلها للامام (عليه السلام)، فإذا غزوا بأمر الامام (عليه السلام) فغنموا كان للامام (عليه السلام) الخمس) بل وبمفهوم قوله (عليه السلام) أيضا في حسن معاوية بن وهب (1) بابراهيم بن هاشم أو صحيحه المروي عن باب الجهاد من كتاب الوافي بعد أن سأله عن السرية يبعثها الامام (عليه السلام) فيصيبون غنايم كيف تقسم ؟ قال: ((إن قاتلوا عليها مع امير أمره الامام (عليه السلام) اخرج منها الخمس لله تعالى وللرسول (صلى الله عليه وآله) وقسم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا المشركين كان كلما غنموا للامام (عليه السلام) يجعله حيث أحب). فما عساه يظهر من نافع المصنف من التوقف في هذا الحكم، بل في المنتهى قوة قول الشافعي الذي هو المساواة للمأذون فيها، بل في المدارك أنه جيد لاطلاق الاية الواجب تقييده كاطلاق غيرها من الاخبار بما عرفت، مع انها من خطاب المشافهة، وخصوص حسنة الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) (في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة فقال: يؤدي خمسا ويطيب له) الواجب حمله بسبب ما تقدم على التحليل منه (عليه السلام) لذلك الشخص أو الاذن منه (عليه السلام) له في تلك الغزوة، إذ الغالب عدم صدور اصحابهم إلا باذنهم، خصوصا في مثل ذهاب الانفس، أو غير ذلك من التقية ونحوها - ضعيف جدا، وإن امكن تأييده زيادة على ما سمعت بصحيحة علي بن مهزيار (3) الطويلة المتقدمة سابقا عن ابي جعفر عليه السلام المشتملة على عداد ما يجب فيه الخمس إلى ان قال فيها: (ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله) لكن في


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 8 (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 128 ]

الحدائق ان الظاهر منها إرادة المخالف لا الكافر المشرك، وبما عساه يظهر من بعض أخبار التحليل (1) الاتية من إباحة نصيبهم لشيعتهم من الفئ والغنائم التي من المعلوم أن موردها زمان استيلاء الجور وظهور كلمة أهل الباطل، إذ لا ريب في إشعار ذلك بعدم استحقاقهم (عليهم السلام) الجميع، بل هو كصريح المروي (2) عن العسكري (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) منها (انه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): قد علمت يارسول الله أنه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولي على خمسي من السبي والغنائم ويبيعونه، ولا يحل لمشتريه لان نصيبي فيه، وقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك منه شيئا من شيعتي) إلى آخره، فتأمل جيدا. ثم إنه كان على المصنف ذكر ميراث من لا وارث له غير الامام عليه السلام هنا من الانفال، إذ هو كذلك عند علمائنا أجمع كما في المنتهى، لقول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (3): (من مات وليس له وارث من قبيل قرابته ولا مولى عتاقه ولا ضامن جريرته فماله من الانفال) والصادق (عليه السلام) في خبر أبان بن تغلب (4) (من مات ولا مولى له ولا ورثة فهو من أهل هذه الاية يسألونك عن الانفال قال الانفال لله والرسول) والعبد الصالح في مرسل حماد بن عيسى (5) المتقدم آنفا (وهو وارث من لا وارث له يعول من لا حيلة له) إلى غير ذلك.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 0 - 20 (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب ولاء ضمان الجريرة - الحديث 1 - 8 من كتاب الارث (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4 الجواهر - 16

[ 129 ]

بل كان عليه التعرض لحكم المعادن هنا ايضا، إذ قد اختلف الاصحاب فيها فبين من أطلق كونها من الانفال وانها للامام (عليه السلام) كالمفيد وعن الكليني والشيخ والديلمي والقاضي والقمي في تفسيره، واختاره في الكفاية كما عنه في الذخيرة، بل هو ظاهر الاستاذ في كشفه ايضا من غير فرق بين ماكان منها في أرضه أو غيرها، وبين الظاهرة والباطنة، للموثق المروي عن تفسير علي بن ابراهيم (1) عن الصادق (عليه السلام) بعد أن سئل عن الانفال فقال: (هي القرى التي قد خربت وانجلى أهلها، فهي لله وللرسول (صلى الله عليه وآله)، وما كان للملوك فهو للامام (عليه السلام)، وما كان من الارض الخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فماله من الانفال) وخبر ابي بصير (2) المروي عن تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام) (لنا الانفال، قلت: وما الانفال ؟ قال: منها المعادن والاجام وكل أرض لا رب لها) الحديث، وخبر داود بن فرقد (3) المروي قيه أيضا عن الصادق (عليه السلام) في حديث (قلت: وما الانفال ؟ قال: بطون الاودية ورؤوس الجبال والاجام والمعادن وكل أرض لم يوجف عليه بخيل) إلى آخر. وبين من أطلق كون الناس فيها شرعا سواء كما في النافع والبيان، بل حكاه في الروضة عن جماعة للاصل والسيرة، وإشعار إطلاق أخبار (4) الخمس في المعادن، ضرورة أنه لا معنى لوجوبه على الغير، وهي ملك للامام (عليه السلام). وبين من فصل بين أرضه وغيرها كالحلي والفاضل في المنتهى بل والتحرير


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 20 - 28 - 32 (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب ما يجب فيه الخمس

[ 130 ]

والشهيد في الروضة وغيرهم، فيختص بالاول تبعا للارض، بل هي منها، فما دل على ملكها له دال على ذلك دون غيره، للاصل السالم عن معارض معتبر صالح لقطعه فيما تقدم من الاخبار عدا الموثق (1) منها، لعدم تحقق الشهرة الجابرة لغيره، بل في الدروس ان الاشهر مساواة الناس فيها، وأما هو فمع إبدال (منها) فيه عن بعض النسخ بفيها فيخرج حينئذ عن الاطلاق الشاهد للاول غير واضح الدلالة، لاحتمال عود الضمير فيه إلى الارض، سيما مع قربها إليه، بل في الرياض تأييده زيادة على ذلك باستلزامه لو رجع إلى الانفال استئناف الواو التي الاصل فيها العطف، خصوصا وهو مغن عن قوله (منها) هنا وإن كان قد يخدش بأنها للعطف ايضا، لكنه عطف الجمل دون المفردات، بل لعله منه ايضا بجعل منها خبرا عن المعادن وما قبلها من الارض الخربة والتي لا رب لها، بل لعله الظاهر من متن الخبر بقرينة ما قبله وما بعده. نعم قد يؤيد بخلو الاخبار المروية في الاصول المعتمدة على كثرتها المتعرض فيها للمعادن عن ذلك، بل وبما مرت إليه الاشارة آنفا من إشعار المعتبرة المستفيضة الدالة على وجوب الخمس على من اخرج المعدن بعدمه ايضا، إذ لا معنى لوجوبه فيما له (عليه السلام) على الغير، وإن كان قد أجاب بعضهم عن ذلك ويفهم من آخر بأنه يجوز ان يكون الحكم في المعادن ان من اخرجه باذنه (عليه السلام) يكون خمسه له والباقي لمخرجه، فتحمل حينئذ أخبار الخمس في المعادن على ما إذا كانت باذنه (عليه السلام) ولو في حال الغيبة باعتبار تحليله (عليه السلام) ذلك، لكن فيه اولا انه يقتضي اختصاص هذا الخمس به، لكونه عوضا عن التصرف في ماله، لا انه كغيره من الخمس يوزع على الاصناف كما هو ظاهر النصوص والفتاوى، وإن كان يحتمل ان يقال إنه حكم شرعي مترتب على إخراج المعدن


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 20

[ 131 ]

المأذون فيه، وثانيا انه يقتضي ملكية الامام (عليه السلام) له جميعه لو أخرج في حاله وجوده وعدم إذنه مع ظهور بعض (1) تلك الاخبار أو صراحتها في خلافه، وثالثا انه يقتضي حصر هذا الحكم في زمن الغيبة فيمن حلل لهم من الشيعة دون غيرهم، فمن اخرجه منهم كان جميعه حينئذ للامام عليه السلام، ورابعا انه يتمشى هذا الجواب على تقدير ثبوت كونه له عليه السلام فيرتكب جمعا، وإلا فلا ريب انه خلاف الظاهر المنساق إلى الذهن من تلك الاخبار عند فقد الدليل. نعم قد يجاب عن ذلك بامكان تنزيل أخبار الخمس على المعادن المملوكة لمالك خاص تبعا للارض، أو بالاحياء، فان ظاهر الشهيد في الروضة خروجها عن محل النزاع، وانه لا كلام في انها ليست من نقل الامام (عليه السلام) لكنه لا يخلو من تأمل ونظر، خصوصا الثاني، لاطلاق جماعة ممن عرفت ان المعادن من الانفال، فتأمل جيدا، فان المسألة غير سالمة الاشكال، والاحتياط الذي جعله الله ساحل بحر الهلكة فيها مطلوب، هذا، وقد عد في المقنعة من الانفال البحار والمفاوز، كما عن ابي الصلاح الاول، ولم نقف له على دليل فيما لم يرجع إلى الاراضي السابقة من المفاوز، ولا لهما في البحار كما أعترف به غير واحد، اللهم إلا ان يكونا أخذاه مما دل من الاخبار (2) على أن الدنيا وما فيها للامام عليه السلام وعلى ان جبرئيل قد كرى برجله الانهار الخمسة أو الثمانية، وان ما سقت وما استقت للامام (عليه السلام)، خصوصا خبر حفص بن البختري (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: (إن جبرئيل (عليه السلام) كرى برجله خمسة أنهار، ولسان الماء يتبعه الفرات ودجلة ونيل مصر ومهران ونهر بلخ، فما سقت أو سقي


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يجب فيه الخمس (2) اصول الكافي ج 1 ص 407 " باب ان الارض كلها للامام عليه السلام " (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 18

[ 132 ]

منها فللامام (عليه السلام)، والبحر المطيف بالدنيا وهو أفسيكون) وما عساه يظهر من خبر مسمع بن عبد الملك (1) الاتي المشتمل على حكاية توليته الغوص وإتيان خمس ما حصل له. وكذا زاد في كشف الاستاذ وفي الانفال ما لم نقف له على دليل، فقال: (منها ما يوضع له من السلاح المعد له والجواهر والقناديل من الذهب والفضة والسيوف والدروع، ومنها ما يجعل نذرا للامام (عليه السلام) بخصوصه على أن يستعمله بنفسه الشريفة، أو يصرفها على جنده من الدراهم والدنانير وجميع ما يطلب للجيوش، ومنها المعين للتسليم إليه ليصرفه على رأيه) وهو كما ترى لا يتجه ولا يتم سواء فرض إرادة الامام الحي منه (عليه السلام) أو الميت، إذ المراد بالانفال ما اختص بأصل ملكيتها بمعنى عدم صحة ملك غيره لها بوجه من الوجوه إلا منه (عليه السلام)، وما ذكره (رحمه الله) مع الاغضاء عن صحة بعضه في نفسه بحيث يدخل في ملكه (عليه السلام) خصوصا لو فرض إرادة غير القائم (عليه السلام) منه كما هو الموجود في زماننا بالنسبة إلى ما يأتون به للحضرات المشرفات من الاسلحة وغيرها لا يختص به (عليه السلام)، بل لو فرض غير الامام (عليه السلام) وأعد له أو نذر له أو اعطي مالا ليصرفه اختص به ايضا ولعل مراده بالانفال مطلق المال الذي يرجع إليه. ومن هنا قال: إن هذه الثلاثة من الانفال لا يجوز التصرف فيها بل يجب حفظها والوصية بها، ولو خيف فساد شئ منها بيع وجعل نقدا وحفظ على النحو السابق، ولو أراد المجتهد الاتجار به مع المصلحة قوي جوازه، ولو وقف عليه واقف كان للمجتهد أو نائبه وإلا فعدول المسلمين قبضه عنه، ولو خاف من التلف مع بقاء العين اقرضها من ملي تقي، ومع تعدد المجتهدين يجوز لكل منهم التوجه


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 12

[ 133 ]

لذلك، ولو اختلف آراؤهم عول على قول الافضل، ولو ظهرت خيانة الامين أو خيف عليه من التلف عند شخص انتزعه الحاكم وجعله عند غيره، وكذا لو كان قرضا وخشي من إفلاس المقترض أو من وارثه، ولو احتاجت بعض الامور المختصة به إلى إصلاح وتوقف على بذل المال أخذ من ماله الاخر من قناديل أو سلاح أو فرش ونحوها مقدار ما يصلحه، ويتولى أو وكيله أو مأذونه، فان لم يكن أحدهم قام عدول المسلمين مقامهم، وإلا فحكم الانفال الاباحة زمن الغيبة عنده وعند غيره من الاصحاب كما ستعرف تحرير ذلك إن شاء الله، نعم ما ذكره (رحمه الله) من هذه الاحكام وإن كان بعضها مستفادا من اصول المذهب وقواعده لكن جملة منها محل للتوقف والنظر، كما ان حكم اصل موضوعها من بعض الامور الثلاثة كذلك ايضا، فتأمل. ثم إنه لا كلام في كون الانفال ملكا للنبي (صلى الله عليه وآله) كما يدل عليه الكتاب والسنة والاجماع، ثم من بعده للقائم مقامه، فما في خبر محمد بن مسلم (1) (سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: وسئل عن الانفال فقال: كل قرية يهلك اهلها أو يجلون عنها فهي نفل لله عزوجل نصفها يقسم بين الناس ونصفها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو للامام (عليه السلام)) كخبر حريز (2) المروي عن تفسير العياشي عنه أيضا يجب تأويله بارادة القسمة تفضلا أو حمله على التقية كما في الحدائق أو طرحه لما عرفت، واحتمال تأييده بأن آية الانفال تقتضي التشريك بينه وبين الله تعالى فيها فيصرف سهم الله في سبيله والاخر يختص به (عليه السلام) لا يصغى إليه في مقابلة ما عرفت، سيما بعد ما ورد ايضا ان ما كان لله فهو لوليه (3) زيادة على المستفاد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الانفال - الحديث 7 - 25 (3) أصول الكافي ج 1 ص 537 " باب صلة الامام عليه السلام " الحديث 3

[ 134 ]

هنا من الاخبار المتواترة من اختصاصه (عليه السلام) بها، فلا يجوز التصرف بشئ منها حينئذ بدون إذنه في زمن الحضور والغيبة كما اشار إليه المصنف بقوله: المقصد (الثاني) من المقصدين الملحقين بكتاب الخمس (في كيفية التصرف في مستحقه) من الانفال والخمس (وفيه مسائل: الاولى لا يجوز التصرف في ذلك بغير إذنه) عقلا وشرعا بل ضرورة من الدين كغيره من الاملاك (ولو تصرف متصرف كان غاصبا) ظالما مأثوما (ولو حصل له فائدة) تابعة للملك شرعا لا التابعة لغيره من البذر ونحوه (كانت للامام عليه السلام) كما هو قضية اصول المذهب وقواعده في جميع ذلك من غير فرق بين زمني الحضور والغيبة، وتحليل الانفال منهم (عليهم السلام) للشيعة في الثاني خروج عن موضوع المسألة، إذ هو إذن، فما في المدارك من تخصيص ما في المتن بعد ان جعل ذلك فيه إشارة للانفال تبعا لجده في المسالك بالحضور حاكيا له عن نص المعتبر في غير محله، قال: (أما حال الغيبة فالاصح إباحة الجميع كما نص عليه الشهيدان وجماعة للاخبار (1) الكثيرة المتضمنة لاباحة حقوقهم (عليهم السلام) لشيعتهم في حال الغيبة، قال في البيان، وهل يشترط في المباح له الفقر ؟ ذكره الاصحاب في ميراث فاقد الوارث، أما غيره فلا، وأقول: إن مقتضى العمومات عدم اشتراط ذلك مطلقا، نعم ورد في الميراث (2) رواية ضعيفة ربما تعطي اعتبار ذلك، ولاستقصاء البحث فيه محل آخر) انتهى. وظاهره بل صريحه عدم اختصاص الاباحة بالمناكح والمساكن والمتاجر، بل هو صريح جده في المسالك والروضة ايضا بل نسبه في الاخيرة إلى مشهور، قال فيها: (والمشهور أن هذه الانفال مباحة حال الغيبة، فيصح التصرف في الارض المذكورة بالاحياء وأخذ ما فيها من شجر


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال من كتاب الخمس (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ولاء ضمان الجريرة - الحديث 10

[ 135 ]

وغيره، نعم يختص ميراث من لا وارث له بفقراء بلد الميت وجيرانه للرواية، وقيل بالفقراء مطلقا، لضعف المخصص، وهو قوي، وقيل مطلقا كغيره) انتهى بل هو صريح الشهيد الاول في دروسه بل وبيانه، قال في الاول: (والاشبه تعميم إباحة الانفال حال الغيبة كالتصرف في الارضين الموات والاجام وما يكون بها من معدن وشجر ونبات لفحوى رواية يونس (1) والحارث (2) نعم لا يباح الميراث إلا لفقراء بلد الميت) وقال في البيان في حكم الانفال: (ومع وجوده لا يجوز التصرف في شئ من ذلك بغير إذنه، فلو تصرف متصرف أثم وضمن، ومع غيبته فالظاهر إباحة ذلك لشيعته، وهل يشترط في المباح له الفقر ؟ ذكره الاصحاب في ميراث فاقد الوارث، أما غيره فلا) بل هو ظاهر المحكي من عبارة سلار في المختلف واختاره في الكفاية والحدائق، لكن ظاهر نهاية الشيخ وسرائر الحلي وقواعد الفاضل بل وتحريره ومنتهاه وتذكرته تخصيص الاباحة بالثلاثة المذكورة أو الاول منها، بل في الحدائق نسبته إلى ظاهر المشهور، قال فيها: ظاهر المشهور هنا هو تحليل ما يتعلق من الانفال بالمناكح والمساكن والمتاجر خاصة، وان ما عدا ذلك يجري فيه الخلاف الذي في الخمس، بل قد يظهر من المحكي عن ابي الصلاح في المختلف تحريم الثلاثة ايضا، قال: ويلزم من تعين عليه شئ من أموال الانفال ان يصنع فيه ما بيناه من تشطير الخمس، لكونه جميعا حقا للامام (عليه السلام) فان أخل المكلف بما يجب عليه من الخمس وحق الانفال كان عاصيا لله سبحانه ومستحقا لعاجل اللعن المتوجه من كل مسلم إلى ظالمي آل محمد وآجل العقاب، لكونه مخلا بالواجب عليه لافضل مستحق، ولارخصة في ذلك بما ورد من الحديث فيها، لان فرض الخمس والانفال ثابت بنص القرآن والاجماع من الامة وان اختلفت فيمن يستحقه، فاجماع آل محمد دال على ثبوته


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 6 - 9

[ 136 ]

وكيفية استحقاقه، وحمله إليهم وقبضهم إياه، ومدح مؤديه وذم المخل به، ولا يجوز الرجوع عن هذا المعلوم بشاذ الاخبار، انتهى. والاقوى في النظر الاول، بل ينبغي القطع به في الاراضي المحياة، بل في المدارك انه أطبق عليه الجميع، كما انه في الكفاية تارة الظاهر لا خلاف بينهم في إباحة التصرف للشيعة في زمن الغيبة في أراضي الموات وما يجري مجراها، وأخرى انهم صرحوا بأن المحيي يملك الارض الموات في زمان الغيبة، بل ادعى بعض المتأخرين إطباق الاصحاب عليه إلى آخره، ولعله كذلك كما يشهد له ملاحظة كلامهم في باب إحياء الموات، مضافا إلى السيرة القطعية والاخبار المعتبرة كالصحيح عن عمر بن يزيد (1) قال: (رأيت أبا سيار مسمع بن عبد الملك بالمدينة وقد كان حمل إلى ابي عبد الله (عليه السلام) مالا في تلك السنة فرده أبو عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: ولم رد عليك أبو عبد الله (عليه السلام) المال الذي حملته إليه ؟ فقال: إني قلت له حين حملت المال إليه: إني كنت وليت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة الف درهم وقد جئت بخمسها ثمانين الف درهم اليك وكرهت ان احبسها عنك وأعرض لها، وهي حقك الذي جعله الله لك في أموالنا، فقال: أو مالنا من الارض وما أخرجه الله منها إلا الخمس يا ابا سيار ؟ ان الارض كلها لنا فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا فقلت له: وأنا أحمل اليك المال كله فقال: يا ابا سيار قد طيبناه لك وأحللناك منه، فضم اليك مالك وكلما في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون، يحل ذلك لهم حتى يقوم قائمنا (عليه السلام) فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم، ويترك الارض في أيديهم


(1) ذكر ذيله في الوسائل في الباب 4 من أبواب الانفال - الحديث 12 وتمامه في أصول الكافي ج 1 ص 408 " باب أن الارض كلها للامام عليه السلام " الحديث 3 الجواهر - 17

[ 137 ]

وأما ما كان في أيدي غيرهم فان كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا عليه السلام فيأخذ الارض من ايديهم ويخرجهم عنها صغرة قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيار: ما ارى أحدا من اصحاب الضياع ولا من يلي الاعمال يأكل حلالا غيري إلا من طيبوا له ذلك). وخبر يونس بن ظبيان أو المعلي بن خنيس (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما لكم من هذه الارض ؟ فتبسم ثم قال: إن الله تعالى بعث جبرئيل وأمره ان يخرق بابهامه ثمانية انهار في الارض، منها سيحان وجيحان وهو نهر بلخ، والخشوع وهو نهر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر ودجلة وفرات فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه، وإن ولينا لفي اوسع فيما بين ذه وذه يعني بين السماء والارض، ثم تلا هذه الاية (2) قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا المغصوبين عليها خالصة لهم يوم القيامة بلا غصب) وصحيح عمر بن يزيد (3) قال، (سمعت رجلا من اهل الجبال يسأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اخذ ارضا مواتا تركها أهلها، فعمرها وأكرى انهارها وبنى فيها بيوتا وغرس فيها نخلا واشجارا قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): كان امير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من أحيى ارضا من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها يؤديه للامام (عليه السلام) في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه) إلى غير ذلك من الاخبار (4) الواردة في خصوص الاراضي التي ليس ذا محل إحصائها فضلا


(1) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 17 - 13 (2) سورة الاعراف - الآية 30 (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الانفال - الحديث 4 و 17 و 20 و 28 و 32

[ 138 ]

عن التعليل الوارد في أخبار (1) تحليل الخمس وغيره من حقوقهم لشيعتهم التي سيمر عليك بعضها بطيب الولادة المراد منه بحسب الظاهر حل المأكل والمشرب اللذين يتكون منهما نطفة الولد الحاصل بسببه الزكاة وطيب الولادة، وهو لا يحصل إلا باباحة حقوقهم (عليهم السلام) من الاراضي حتى الخمس المشترك بينهم وبين غيرهم في الارض المفتوحة عنوة على ما عرفت سابقا، وإباحة قبالتنا من يد غيرهم ومقاسمتنا إياه وعطاياه وأقطاعه في الاراضي المشتركة بين المسلمين ايضا التي أمرها إلى الامام (عليه السلام)، لشدة الاحتياج إليها، بل لا يمكن التعيش بدونها، بل لعل التكليف باجتنابها مما لا يطاق، إذ فيه من العسر والحرج مالا يتحمل، كما هو واضح. وفضلا عن إطلاق كثير من الاخبار تحليل حقهم (عليهم السلام) الشامل للارض وغيرها من الانفال، كصحيحة الحرث النضري (2) عن الصادق عليه السلام قلت له: (إن لنا أموالا وتجارات ونحو ذلك وقد علمت أن لك فيها حقا، قال: فلم أحللنا إذا لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكل من والى آبائي فهم في حل مما في ايديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب) وصحيح الفضلاء (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: قال امير المؤمنين (عليه السلام): (هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لانهم لم يؤدوا الينا حقنا، ألا وإن شيعتنا من ذلك في حل وآباءهم في حل) وعن الصدوق روايته (وأبناءهم) وصحيح ابن مهزيار (4) قال: (قرأت في كتاب لابي جعفر (عليه السلام) إلى رجل يسأله أن يجعله في حل من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب (عليه السلام) بخطه من أعوزه شئ


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 9 - 1 - 2

[ 139 ]

من حقي فهو في حل) والحسن عن سالم بن مكرم (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: قال له رجل وأنا حاضر: حلل لي الفروج ففزع أبو عبد الله (عليه السلام) فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق، إنما يسألك خادما يشتريها أو امرأة يتزوجها أو ميراثا يصيبه أو تجارة أو شيئا اعطيه، فقال: هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب الميت منهم والحي وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلا لمن حللنا له، ولا والله ما أعطينا أحدا ذمة وما عندنا لاحد عهد، ولا لاحد عندنا ميثاق) والموثق عن الحرث بن المغيرة النضري (2) قال: (دخلت على ابي جعفر (عليه السلام) فجلست عنده فإذا نجية قد استأذن عليه، فأذن له، فدخل فجثى على ركبتيه ثم قال: جعلت فداك اني اريد أن اسألك عن مسألة، والله ما اريد بها إلا فكاك رقبتي من النار، فكأنه رق له، فاستوى جالسا فقال: يا نجية سلني، فلا تسألني اليوم عن شئ إلا أخبرتك به، قال: جعلت فداك ما قول في فلان وفلان ؟ قال: يا نجية ان لنا الخمس في كتاب الله، ولنا الانفال، ولنا صفو المال، وهما والله أول من ظلمنا حقنا في كتاب الله، وأول من حمل الناس على رقابنا، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة بظلمنا اهل البيت، وان الناس ليتقلبون في حرام إلى يوم القيامة بظلمنا اهل البيت، فقال نجية: إنا لله وإنا إليه راجعون ثلاث مرات، هلكنا ورب الكعبة، قال: فرفع جسده عن الوسادة فاستقبل القبلة فدعا بدعاء لم أفهم منه شيئا إلا إنا سمعناه في آخر دعائه، وهو يقول: اللهم إنا قد أحللنا ذلك لشيعتنا قال: ثم أقبل الينا بوجهه فقال: يا نجية ما على فطرة ابراهيم غيرنا وغير شيعتنا)


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 4 (2) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب 4 من أبواب الانفال - الحديث 14 وتمامه في التهذيب ج 4 ص 145 الرقم 405

[ 140 ]

وخبر ابي حمزة (1) عن الباقر (عليه السلام) في حديث قال: (إن الله تعالى جعل لنا أهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفئ إلى ان قال -: فنحن أصحاب الخمس والفئ، وقد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا) وخبر داود الرقي (2) عن الصادق (عليه السلام)، قال: (سمعته يقول: الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا، إلا انا احللنا شيعتنا من ذلك) وخبر الفضيل (3) قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال امير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة (عليها السلام): أحلي نصيبك من الفئ لاباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): إنا قد أحللنا امهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا) والمروي (4) عن العسكري عليه السلام عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (انه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): قد علمت يارسول الله انه سيكون بعدك ملك عضوض وجبر فيستولي على خمسي من السبي والغنائم، ويبيعونه ولا يحل لمشتريه لان نصيبي فيه، وقد وهبت نصيبي منه لكل من ملك شيئا من ذلك من شيعتي، لتحل لهم منافعهم من مأكل ومشرب، ولتطيب مواليدهم، ولا يكون أولادهم أولاد حرام، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما تصدق احد افضل من صدقتك، وقد تبعك رسول الله في فعلك، أحل للشيعة كلما كان فيه من غنيمة أو بيع من نصيبه على واحد من شيعتي، ولا احلها أنا وانت لغيرهم) إلى غير ذلك من الاخبار التي لا يقدح في الاستدلال بما فيها من التعليل والتعميم لسائر حقوقهم اشتمال بعضها على تحليل تمام الخمس الذي لا نقول به. على انه قد يدعى ظهوره في إرادة الاموال التي في أيدي مخالفينا مما لم يخرجوا منها الخمس ولا غيره من حقوقهم (عليهم السلام)، بمعنى إباحة سائر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 19 - 7 - 10 - 20

[ 141 ]

التصرفات لنا فيها من مأكل ومشرب ولباس وبيع وغيره وإن كان محرما عليهم، لا إرادة إباحة الخمس المتعلق في اموال الشيعة بسبب اكتساب أو عثور على كنز أو نحو ذلك من اسبابه المتقدمة، وكيف وقد أكدوا صلوات الله عليهم وجوبه وشددوا النكير على من ترك إخراجه، بل في بعض الاخبار لعنه كما سيأتي إن شاء الله ذكر جملة منها، وبذلك حينئذ يجمع بين أخبار الاباحة وأخبار الحث على إخراجه وإيصاله إلى اهله، وإن أشكل ذلك على كثير من الاصحاب حتى وقعوا من جهته في كمال الاضطراب على ما ستعرف إن شاء الله. وكيف كان فسبر هذه الاخبار المعتبرة الكثيرة التي كادت تكون متواترة المشتملة على التعليل العجيب والسر الغريب يشرف الفقيه على القطع باباحتهم عليهم السلام شيعتهم زمن الغيبة، بل والحضور الذي هو كالغيبة في قصور اليد وعدم بسطها سائر حقوقهم (عليهم السلام) في الانفال، بل وغيرها مما كان في أيديهم، وأمره راجع إليهم مما هو مشترك بين المسلمين، ثم صار في أيدي غيرهم من اعدائهم كما نص عليه الاستاذ في كشفه، ولقد أجاد حديث قال بعد تعداده الانفال: (وكل شئ يكون بيد الامام (عليه السلام) مما اختص أو اشترك بين المسلمين يجوز أخذه من يد حاكم الجور بشراء أو غيره من الهبات والمعاوضات والاجارات، لانهم أحلوا ذلك للامامية من شيعتهم) إلى آخره، من غير فرق بين الفقير منهم والغني نعم في خصوص ميراث من لا وارث له الخلاف السابق الذي ليس ذا محل تحريره أما غير الشيعة فهو محرم عليهم أشد تحريم وأبلغه، ولا يدخل في املاكهم شئ منها، كما هو قضية اصول المذهب بل ضرورته، لكن في الحواشي المنسوبة للشهيد على القواعد عند قول العلامة: (ولا يجوز التصرف في حقه بغير إذنه، والفائدة حينئذ له) قال: (ولو استولى غيرنا من المخالفين عليها فالاصح انه يملك لشبهة الاعتقاد كالمقاسمة وتملك الذمي الخمر والخنزير، فحينئذ لا يجوز انتزاع ما يأخذه

[ 142 ]

المخالف من ذلك كله وكذا ما يؤخذ من الاجام ورؤوس الجبال وبطون الاودية لا يحل انتزاعه من آخذه وإن كان كافرا، وهو ملحق بالمباحات المملوكة بالنية لكل متملك، وآخذه غاصب تبطل صلاته في اول وقتها حتى يرده) انتهى وفيه بحث لامكان منع شمول مادل على وجوب مجاراتهم على اعتقادهم ودينهم لمثل ذلك من استباحة تمليك الاموال ونحوه، خصوصا بالنسبة للمخالفين، وإن ورد (ألزموهم بما ألزموا به انفسهم) على ان ذلك لا يقضي بصيرورته كالمباح الذي يملك بالحيازة والنية لكل احد حتى من لم يرد أمر باجرائهم ومعاملتهم على ما عندهم من الدين، وكيف وظاهر الاخبار بل صريحها أنه في ايدي غير الشيعة من الاموال المغصوبة، نعم قد يوافق على ما ذكره من حيث التقية وعدم انبساط العدل، ولعله مراده وإن كان في عبارته نوع قصور. كما انه يوافق في الجملة في المعنى المزبور بالنسبة للشيعة خاصة، ضرورة عدم إرادة إباحة التصرف لهم التي لا يترتب عليها ملك اصلا، كاباحة الطعام للضيف، بل المراد زيادة على ذلك رفع مانعية ملكهم (عليهم السلام) عن تأثير السبب المفيد للملك في نفسه وحد ذاته كالحيازة والشراء والاتهاب والاحياء ونحو ذلك، فلا يرد حينئذ لزوم تبعيض التحليل في نحو الجواري المغتنمة من دار الحرب بغير إذن الامام إن قلنا بمساواته للمأذون فيه، أو جواز النكاح بغير عقد التحليل إن قلنا بأنها جميعا للامام، ولا غير ذلك مما لا يترتب خلافه شرعا على الاباحات المحضة، لما عرفت أن المراد بالتحليل منهم (عليهم السلام) المعنى المذكور المفيد للملك، فيكون الوطء حينئذ بملك اليمين كالعتق والوقف ونحوهما من التصرفات الاخر، أو يقال بتنزيل إباحتهم (عليهم السلام) لشيعتهم منزلة الاباحة الاصلية


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 5 و 6 من كتاب الطلاق والباب 3 من ابواب ميراث المجوس - الحديث 2 من كتاب الارث .

[ 143 ]

التي يملك بسببها المباح بالحيازة، فيكون حينئذ شراؤها من يد المخالفين للفك من ايديهم، لا انه شراء حقيقة مفيد للملك، بل المملك الاستيلاء المتعقب لذلك الشراء الصوري، أو يقال بما في الدروس بل حكي عن جماعة ممن تأخر عنه على ما قيل، قال، بعد ان حكم بحل المناكح في زمن الغيبة ممثلا له بالامة المسببة: (وليس من باب التحليل، بل تمليك الحصة أو الجميع من الامام) مشيرا بالترديد إلى القولين السابقين، وقد يشهد له في الجملة خبر العسكري (عليه السلام) (1) المتقدم سابقا، أو يقال إن هذه العقود التي تقع من الشيعة مع مخالفيهم مأذون فيها من المالك الذي هو الامام (عليه السلام) وإن كان من في يده معتقدا انها له، ولم يوقع العقد عن تلك الاذن، بل بنية انه المالك، لكن ذلك لا يؤثر فسادا في العقد الجامع لشرائط الصحة واقعا التي منها الاذن، فينتقل حينئذ ملك الامام (عليه السلام) إلى الثمن المدفوع عن العين يطالب به الغاصب أو القيمة لو كانت أزيد منه، كما انه ينتقل إليها لو كان العقد مجانا نحو الهبة وغيرها، لان تصرفه ناش عن اعتقاد انه ملكه وماله، فيكون الاذن في الحقيقة للمتهب مثلا دون الواهب، ولا بأس في ترتب الملك وحصوله على عقد يحرم على الموجب دون القابل، فتأمل. إلا ان الانصاف خروج ذلك كله عن مقتضى القواعد الفقهية، كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان، فلا حاجة حينئذ إلى شئ من هذه التكلفات، بل يقال إنها إباحة محضة أجرى الشارع عليها حكم سائر الاملاك، وإلا فهي ملك للامام لا تخرج عنه، نعم ما ذكرناه أخيرا لو لم نقل بصيرورة تمام القيمة في العقود المجانية مثلا في ذمة الغاصب كالزائد منها على الثمن في عقود المعاوضة وانه غاصب ظالم في خصوص تصرفه من بيع أو هبة وإن كان لشيعي امكن انطباقه


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 20

[ 144 ]

حينئذ على القواعد، ولكن التزامه في غاية البعد، بل مخالف للمعلوم من المذهب وان امكن في نفسه. وكيف كان فهل يترتب الملك ويحصل لو استولت يد الشيعي على ما استولت عليه يد المخالف بغير الاسباب الشرعية المملكة كالبيع ونحوه بل كان بسرقة ونحوها ؟ ظاهر ما سمعته من كلام الشهيد في حواشيه العدم، بل هو الذي نسمعه مشافهة من بعض مشايخنا، لكن إطلاق ادلة الاباحة ينافيه، ولعله لما ذكره الشهيد من شبهة الاعتقاد أو للتقية بمعنى استعداد الزمان في نفسه للتقية الموجبة خفاء المعصوم (عليه السلام)، فلا يجدي حينئذ فرض عدم الضرر من كل جهة. أما ما لم يكن في يد المخالفين من الانفال كميراث من لا وارث له أو غيره فيحتمل فيها الرجوع ايضا إلى سلطان الجور، لقيامه زمان التقية مقام سلطان العدل، والاقوى عدمه، لاطلاق الادلة، وعدم عموم يقتضي إقامته مقامه فيما يشمل ذلك، والغنايم من اهل الحرب والفتوحات التي تحصل لبعض سلاطين الشيعة كسلطان الفرس في زماننا هذا الذي لا يد لسلطان المخالفين عليه بوجه من الوجوه بل لعل اليد له عليه خمسها للامام (عليه السلام) وقبيله إن لم نعتبر الاذن، أو اعتبرناها وقلنا بقيام إذن حاكم الشرع مقامها وكان قد حصلت، وإلا كان الجميع للامام (عليه السلام)، لكن هو مباح للشيعة منهم يملكونه بحيازتهم واستيلائهم عليه، إذ هو من الانفال التي قد عرفت الحكم فيها، أما على تقدير أن الخمس منها له ولقبيله فهل هو مباح كذلك، أو حقه منها خاصة، أو لا يباح شئ منه أو يباح خصوص المناكح، أو هي والمساكن والمتاجر، أو أن الحكم فيه كالحكم في غيره من خمس الارباح ونحوه مما سيتعرض له المصنف ؟ وجوه قد تسمع فيما


الجواهر - 18

[ 145 ]

يأتي إن شاء الله ما يرجح بعضها، وإن كان يقوى في النظر الان الاول منها، خصوصا بالنسبة للمناكح والمساكن، إلا ان الحزم عدم ترك الاحتياط في كثير مما سمعت من المسائل، لعدم تحريرها في كلام أحد من العلماء هنا، وعدم وضوح أدلتها من الكتاب والسنة، فتأمل، والله أعلم. المسألة (الثانية إذا قاطع الامام (عليه السلام) أحدا (على شئ من حقوقه) بقليل أو كثير (حل له) أي للمقاطع (ما فضل عن القطيعة) التي هي ربع حاصل الارض أو ثلثه (ووجب عليه الوفاء) بلا خلاف أجده في شئ منه، بل ولا إشكال، ضرورة مساواة الامام (عليه السلام) في ذلك لغيره، بل أجاد في المدارك حيث قال: إن ترك التعرض لذلك أقرب إلى الصواب. المسألة (الثالثة) صرح جماعة بأنه (ثبت) شرعا (إباحتهم (عليهم السلام) المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة) كما نطق بعين ذلك المرسل (1) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن غوالي اللئالي، بل اختص هو من بين أخبار الباب بهذا الجمع وهذا اللفظ، قال: (سأله بعض أصحابه فقال: يابن رسول الله ما حال شيعتكم فيما خصكم الله به إذا غاب غائبكم واستتر قائمكم ؟ فقال (عليه السلام): ما انصفناهم إن واخذناهم، ولا أجبناهم إن عاقبناهم، نبيح لهم المساكن لتصح عباداتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكو أموالهم) والمراد كما صرح به ايضا الاباحة (وإن كان ذلك بأجمعه للامام (عليه السلام) كأرض الموات وغنائم دار الحرب بغير إذنه على الاصح، التي منها الجواري المسبية (أو بعضه) كالمغتنم باذنه مثلا، فانه مباح ايضا (ولا يجب إخراج حصة الموجودين من ارباب الخمس منه) وإن كان في عباراتهم نوع اختلاف بالنسبة للمباح هل هو الانفال، أو الخمس، أو الاعم، بل وفي انه المناكح خاصة


(1) المستدرك - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 3

[ 146 ]

أو هي والمتاجر والمساكن ؟ ففي المقنعة بعد ذكر الخمس والانفال وأخبار التحليل والتشديد قال: (واعلم ارشدك الله تعالى ان ما قدمته في هذا الباب من الرخصة في تناول الخمس والتصرف فيه إنما ورد في المناكح خاصة، للعلة التي سلف ذكرها في الاثار عن الائمة (عليهم السلام) لتطيب ولادة شيعتهم، ولم يرد في الاموال وما أخرته عن المتقدم مما جاء في التشديد في الخمس والاستبداد به فهو يخص الاموال) انتهى. وبذلك نفسه جمع بين الاخبار في الاستبصار حاكيا له عنه مستوجها إياه، وفي النهاية (فأما حال الغيبة فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم (عليهم السلام) مما يتعلق بالاخماس وغيرها مما لابد لهم من المناكح والمتاجر والمساكن، فأما ما عدا ذلك فلا يجوز التصرف فيه على حال). وفي التهذيب (فان قال قائل: إذا كان الامر في أموال الناس مما ذكرتموه من لزوم الخمس فيها، وفي الغنائم ما وصفتم من وجوب إخراج الخمس فيها، وكان أحكام الارض ما بينتم من وجوب اختصاص التصرف فيها بالائمة (عليهم السلام) إما لانها مما يخصون برقبتها دون سائر الناس مثل الانفال والارضين التي ينجلي أهلها عنها، أو للزوم التصرف فيها بالتقبيل والتضمين لهم، مثل أرض الخراج وما يجري مجراها، فيجب ان لا يحل لكم منكح ولا يتخلص لكم متجر ولا يسوغ لكم مطعم على وجه من الوجوه، وسبب من الاسباب، قيل له: إن الامر وإن كان على ما ذكرتموه من السؤال من اختصاص الائمة (عليهم السلام) بالتصرف في هذه الاشياء، فان لنا طريقا إلى الخلاص مما ألزمتموناه، أما الغنائم والمتاجر والمناكح وما يجري مجراها مما يجب للامام (عليه السلام) فيها الخمس فانهم قد اباحوا ذلك لنا، وسوغوا لنا التصرف فيه، وقد قدمنا فيما مضى ذلك، ويؤكده ايضا ما رواه إلى ان قال بعد ان ذكر بعض أخبار التحليل: فأما الارضون فكل أرض تعين لنا انها مما قد اسلم اهلها عليها فانه يصح لنا التصرف فيها بالشراء منهم والمعاوضة وما

[ 147 ]

يجري مجراها، وأما أراضي الخراج وأراضي الانفال والتي قد انجلى اهلها عنها فانا قد أبحنا ايضا التصرف فيها مادام الامام (عليه السلام) مستترا، فإذا ظهر يرى هو في ذلك رأيه، فنكون نحن في تصرفنا غير آثمين، وقد قدمنا ما يدل على ذلك، والذي يدل عليه ايضا ما رواه إلى ان قال بعد ان ذكر بعض الاخبار الدالة عليه: فان قال قائل: إن جميع ما ذكرتموه إنما يدل على إباحة التصرف لكم في هذه الارضين، ولم يدل على انه يصح لكم تملكها بالشراء والبيع، فإذا لم يصح الشراء والبيع فما يكون فرعا عليه لا يصح ايضا كالوقف والنحلة والهبة وما يجري مجرى ذلك، قيل له: إنا قد قسمنا الارضين فيما مضى على اقسام ثلاثة: أرض يسلم اهلها عليها، وهي تترك في ايديهم، وهي ملك لهم، فما يكون حكمه هذا الحكم صح لنا شراؤها وبيعها، وأما الارضون التي تؤخذ عنوة أو يصالح اهلها عليها فقد أبحنا شراءها وبيعها لان لنا في ذلك قسما، لانها اراضي المسلمين وهذ القسم ايضا يصح الشراء والبيع فيه على هذا الوجه، وأما الانفال وما يجري مجراها فليس يصح تملكها بالشراء والبيع، وإنما ابيح لنا التصرف حسب) ثم ذكر بعض الاخبار الدالة على بعض ذلك، انتهى. وفي السرائر بعد ان ذكر الانفال وانها للنبي (صلى الله عليه وآله) ثم للقائم مقامه قال: (فأما في حال الغيبة وزمانها واستتاره (عليه السلام) من اعدائه خوفا على نفسه فقد رخصوا لشيعتهم التصرف في حقوقهم مما يتعلق بالاخماس وغيرها مما لابد لهم منه من المناكح والمتاجر، والمراد بالمتاجر ان يشتري الانسان مما فيه حقوقهم (عليهم السلام) ويتجر في ذلك، فلا يتوهم متوهم انه إذا ربح في ذلك المتجر شيئا لا يخرج منه الخمس، فليحصل ما قلناه، فربما اشتبه والمساكن، فأما ما عدا الثلاثة الاشياء فلا يجوز التصرف فيه على حال) إلى آخره وتبعهم في هذا التعبير وهذا الاجمال جماعة من المتأخرين بل جميعهم، ففي المتن

[ 148 ]

ما عرفت، وفي النافع (لا يجوز التصرف فيما يختص به الامام (عليه السلام) مع وجوده إلا باذنه، وفي حال الغيبة لا بأس بالمناكح، وألحق الشيخ المساكن والمتاجر به) وفي القواعد بعد ذكر الانفال (وأبيح لنا خاصة حال الغيبة المناكح والمساكن والمتاجر، وهي ان يشتري الانسان ما فيه حقهم (عليهم السلام) ويتجر فيه، لا إسقاط الخمس من ربح ذلك المتجر) وفي التحرير (اباح الائمة (عليهم السلام) لشيعتهم المناكح في حال ظهور الامام (عليه السلام) وغيبته، وألحق الشيخ المساكن والمتاجر وإن كان ذلك بأجمعه للامام أو بعضه، ولا يجب إخراج حصة الموجودين من ارباب الخمس منه، قال ابن إدريس: المراد بالمتاجر) إلى آخر ما سمعته في كلامه، وفي المنتهى (مسألة وقد أباح الائمة حالتي ظهور الامام وغيبته، وعليه علماؤنا اجمع، لانه مصلحة لايتم التخلص من المآثم بدونها، فوجب في نظرهم (عليهم السلام) فعلها، والاذن في استباحة ذلك من دون إخراج حقهم (عليهم السلام) منه لاعلى ان الواطئ يطأ الحصة بالاباحة، إذ قد ثبت ان يجوز إخراج القيمة في الخمس، فكان الثابت قبل الاباحة في الذمة إخراج خمس العين من الجارية أو قيمته، وبعد الاباحة ملكها الواطئ ملكا تاما فاستباح وطأها بالملك التام) إلى آخره، ونحوه في التذكرة إلا انه لم يحك الاجماع فيها، وزاد تفسير المتاجر بما سمعته من السرائر، وفي الدروس بعد ذكر الانفال (وفي الغيبة يحل المناكح كالامة المسبية، ولا يجب إخراج خمسها، وليس من باب التحليل بل تمليك الحصة أو للجميع من الامام (عليه السلام) والاقرب أن مهور النساء من المباح وإن تعددن لرواية سالم (1) ما لم يؤد إلى الاسراف، كاكثار التزويج والتفريق، وتحل المساكن، إما من المختص بالامام (عليه السلام) كالتي انجلى عنها الكفار، أو من الارباح بمعنى انه يستثنى من الارباح مسكن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 4

[ 149 ]

فما زاد مع الحاجة، وأما المتاجر فعند ابن الجنيد على العموم، لرواية يونس بن يعقوب (1) وعند ابن إدريس ان يشتري متعلق الخمس ممن لا يخمس، فلا يجب عليه إخراج الخمس إلا ان يتجر فيه ويربح) إلى آخره، وفي البيان (ورخص في حال الغيبة المناكح والمساكن والمتاجر أي جلب الامة المسبية وإن كانت للامام (عليه السلام)، وسقوط الخمس في المهر وفي المسكن وفيما يشتري ممن لا يخمس إلا إذا نمى فيجب في النماء، وقول ابن الجنيد: بأن الاباحة انما هي من صاحب الحق في زمانه فلا يباح في زماننا ضعيف، لان الروايات ظاهرها العموم، وعليه إطباق الامامية) إلى غير ذلك من العبارات، كعبارة المختلف والارشاد والمسالك المشترك كثير منها في الاجمال بالنسبة إلى إرادة الاباحة في الانفال أو في الاعم منها والخمس، والى المراد بالمناكح والمتاجر والمساكن، والى إرادة الاباحة لكل احد أو لمن في يده والى غير ذلك وإن اطنب العلامة في المختلف بنقل العبارات والادلة معللا ذلك بأنها من امهات المسائل. لكن في حاشية الشهيد على القواعد (للمناكح تفسيران: الاول إسقاط الخمس من السراري المغنومة حال الغيبة، الثاني إسقاط مهور الزوجات، لان ذلك من جملة المؤن، وللمساكن تفسيرات: الاول مسكن يغنم من الكفار فيجوز تملكه ولا يجب إخراج الخمس منه، الثاني مسكن الارض المختصة بالامام عليه السلام كرؤوس الجبال، الثالث المراد بالمسكن مطلق المنزل وإن كان من غير ذين، كما لو حصل بكسب من ربح تجارة أو زراعة أو صناعة، فانه يخرج منه الخمس بعد المؤونة التي من جملتها دار السكنى، وللمتاجر تفسيرات: الاول ما يشتري من الغنائم الحربية حال الغيبة، فانها بأسرها أو بعضها للامام (عليه السلام) وهي مباح لنا لا بمعنى إسقاط الخمس من مكسبها بل عن اصلها، الثاني ما يكتسب من


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 6

[ 150 ]

الارض والاشجار المختصة به (عليه السلام) ولو ألحق هذا بالمكاسب المطلقة كان اقوى، الثالث ما يشترى ممن لا يخرج الخمس استحلالا أو اعتقادا لتحريمه، فانه يباح التصرف وان كان بعضه للامام (عليه السلام) وذويه (1) وهذه التفسيرات كلها حسنة، وقد علل الائمة (عليهم السلام) ذلك بحل الصلاة والمال وطيب الولادة) انتهى. وقد تبعه في اكثر ذلك جماعة منهم الشهيد في مسالكه، قال فيها: (المراد بالمناكح السراي المغنومة من اهل الحرب في حال الغيبة، فانه يباح لنا شراؤها ووطؤها وان كانت بأجمعها للامام (عليه السلام) على ما مر، أو بعضها على القول الاخر، وربما فسرت بالزوجات والسراري التي يشتريها من كسبه الذي يجب فيه الخمس، فانه حينئذ لا يجب إخراج خمس الثمن والمهر، وهذا التفسير راجع إلى المؤونة المستثناة، وقد تقدم الكلام فيها، وانه مشروط بحصول الشراء والتزويج في عام الربح، وكون ذلك لائقا بحاله، والمراد بالمساكن ما يتخذه منها في الارض المختصة به (عليه السلام) كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال، وهو مبني على عدم إباحة مطلق الانفال في حال الغيبة وفسرت ايضا بما يشتريه من المساكن بمال يجب فيه الخمس كالمكاسب، وهو راجع إلى المؤونة ايضا كما مر، وبالمتاجر ما يشتري من الغنائم المأخوذة من اهل الحرب حال الغيبة وان كانت بأسرها أو بعضها للامام، أو ما يشتري ممن لا يعتقد الخمس كالمخالف مع وجوب الخمس فيها، وقد علل إباحة هذه الثلاث في الاخبار بطيب الولادة وصحة الصلاة وحل المال) انتهى. مضافا إلى ما سمعته سابقا من الدروس والبيان وغيرهما. لكن قد يناقش في التفسير الاول للمناكح بأنه وان كان يدل عليه بعض الاخبار السابقة بل وخبر الفضيل (2) عن الصادق (عليه السلام) (من وجد برد


(1) وفي النسخة الاصلية " دونه " بدل " وذويه " (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 10

[ 151 ]

حبنا في كبده فليحمد الله على أول النعم، قلت: جعلت فداك ما اول النعم ؟ قال: طيب الولادة، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): قال امير المؤمنين عليه السلام لفاطمة (عليه السلام): أحلي نصيبك من الفئ لاباء شيعتنا ليطيبوا، ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام)، إنا احللنا امهات شيعتنا لابائهم ليطيبوا) وخبر ضريس الكناسي (1) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) أتدري من اين دحل الناس الزنا ؟ فقلت لاادري، فقال: من قبل خمسنا اهل البيت إلا شيعتنا الاطيبين، فانه محلل لهم ولميلادهم) وغيرهما، إلا انه فيه ما عرفت من حل سائر التصرفات في سائر الانفال حال الغيبة لا خصوص النكاح منه، فلا يناسبه هذا التخصيص الموهم، على انه لا تلائمه بعض العبارات بل والاخبار الظاهرة في ان متعلق التحليل الخمس والجواري المغتنمة من دار الحرب بغير إذنه التي كلها للامام لا الخمس خاصة له ولقبيله، بل ولا يلائمه ظهور بعض الاخبار في إباحة ذلك حالتي ظهور الامام وغيبته كما صرح به بعضهم، بل قد عرفت أنه معقد إجماع المنتهى إلا ان يدفع الثاني بارادة الاعم من الحالين من الغيبة (2) تنزيلا للظهور الذي لا بسط فيه لليد منزلتها، كما انه قد يدفع الاول بأنه مبني على مساواة المغتنم بغير إذنه له معها في استحقاق الخمس أو حيث يكون فيه الخمس، كما لو كان مع الاذن كما في بعض فتوح الثاني، أو خصوص من أذن لهم من الشيعة بأن يكونوا معهم تحت لوائهم، أو في نحو المأخوذ سرقة بناء على تعلق الخمس فيه، لكونه من الاكتساب أو لان الخمس يجب في كل فائدة أو غير ذلك. وأما التفسير الثاني لها الذي قد عرفت التصريح من غير واحد برجوعه إلى المؤونة المستثناة بل قد يظهر من المدارك اولويته من التفسير الاول بالنسبة إلى


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 3 (2) متعلق بالارادة: أي المراد بالغيبة الاعم من الحالين

[ 152 ]

عبارة المتن ففيه انه لا يناسب ذكرهم له بالخصوص بعد ذكرهم المؤونة وانه منها بل ولا يناسب تخصيصه بالشيعة ولا زمن الغيبة، بل ولا إطلاق الاباحة، إذ هو مستثنى من خمس الارباح خاصة في خصوص عام الربح مع اشتراط مناسبة الحال فيه على انه ليس من حقوق الائمة (عليهم السلام) كي يستثنى أو يباح منهم، ضرورة عدم تعلق حقهم (عليهم السلام) به إلا بعد المؤونة التي هو منها، بل ولا يناسبه التعليل بطيب الولادة، ضرورة عدم مدخلية حرمة المهر فيه، لعدم اشتراطه في صحة النكاح. ومن ذلك كله يظهر لك المناقشة ايضا في التفاسير الاخر للقسمين الاخيرين فلا ريب في إجمال عبارات الاصحاب في هذا المقام وسماجتها وعدم وضوح المراد منها، أو عدم صحته، بل يخشى على من أمعن النظر فيها مريدا إرجاعها إلى مقصد صحيح من بعض الامراض العظيمة قبل أن يأتي بشئ، وظني انها كذلك مجملة عند كثير من أصحابها وإن تبعوا في هذه الالفاظ بعض من تقدمهم ممن لا يعلمون مراده، وليتهم تركونا والاخبار فان المحصل من المعتبر منها اوضح من عباراتهم، إذ هو إباحتهم حقوقهم التصرفية والمالية كالانفال مطلقا، سواء كان ابتداء حصولها في أيدينا أو انتقلت الينا من يد غيرنا ممن خالفنا في الدين حتى ما يحصل للشيعة من الغنائم مع سلاطين الجور مناكح وغيرها، وإن كان في حسنة الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) المتقدمة سابقا أمر مثله بتأدية الخمس وانه يطيب له بعده، لكن قد يراد به بالنسبة إلى خصوص ذلك الوقت من زمان ذلك الامام (عليه السلام) لا زمان غيره ولو زمان الغيبة، كأمره عليه السلام مواليه بالخمس مما صار في أيديهم من أموال الخرمية الفسقة في صحيحة ابن


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 8 الجواهر 19 0

[ 153 ]

مهزيار (1) الطويلة، وكذا حقوقهم من الاخماس التي لهم وقبيلهم مما حصل وثبت استحقاقهم إياه في يد غيرنا ممن خالفنا من سائر الفرق تشبثوا بصورة الاسلام أولا، فأباحوا لنا سائر التصرفات بما في ايديهم من مأكل ومشرب ومنكح ومتجر ومسكن واستيهاب وهدايا وعطايا وميراث وغير ذلك، وإن علمنا ثبوت حقوقهم (عليهم السلام) فيها، للحكمة التي أشاروا (عليهم السلام) لها في المتواتر من أخبارهم، وهي تزكية شيعتهم وطيب ولادتهم حيث علموا عليهم السلام انه لابد لشيعتهم من الاختلاط معهم والبيع والشراء منهم وغير ذلك، وانه لا يمكنهم اعتزالهم عنهم وبوجه من الوجوه، بل لعل خصوص خبر سالم بن مكرم (2) المتقدم في المسألة ظاهر في ذلك كله، إن لم يكن صريحا عند التأمل، كما ان خبر النمالي (3) مشعر بذلك ايضا، قال: (سمعته يقول: من أحللنا له شيئا أصابه من اعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرمناه من ذلك فهو حرام) بل وخبر عبد العزيز بن نافع (4) قال: (طلبنا الاذن على أبي عبد الله (عليه السلام) وأرسلنا إليه (عليه السلام) فأرسل الينا ادخلوا اثنين اثنين، فدخلت أنا ورجل معي، فقلت للرجل: أحب ان تستأذنه المسألة، فقال: نعم، فقلت له: جعلت فداك ان أبي ممن كان سباه بنو أمية وقد علمت ان بني امية لم يكن لهم أن يحرموا ولا يحللوا ولم يكن لهم مما في ايديهم قليل ولا كثير، وإنما ذلك لكم، فإذا ذكرت الذي كنت فيه دخلني من ذلك ما يكاد يفسد على عقلي ما أنا فيه، فقال له: أنت في حل مما كان من ذلك، وكل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حل من ذلك) إلى آخره، إلى غير ذلك من الاخبار المشعرة بارادة الحل من


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 (2) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 4 - 18 (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 4

[ 154 ]

نحو ذلك الذي من الواضح عسر التعيش وحرجه بدونه، لا حقوقهم (عليهم السلام) من الاخماس التي تثبت في الاموال التي بيد الشيعة بسبب اكتساب أو وجدان كنز أو غوص أو غير ذلك، وإن كان قد يشعر به بعض الاخبار لكنه معارض بما هو أقوى منه مما ستعرفه في المسألة الرابعة من غير فرق في ذلك بين نصف الخمس الذي لقبيلهم والنصف الذي لهم، وإن ظهر من صاحب المدارك الميل إلى عموم إباحتهم (عليهم السلام) مالهم من الانفال ومن نصف الخمس الذي في ايدي الشيعة أو انتقل إليهم من يد غيرهم ممن خالفهم، لاطلاق كثير من الادلة إباحة حقوقهم الشامل لذلك كله، إلا انك ستعرف فيما يأتي ضعفه، ووجوب تنزيله على ما ذكرنا من حقوقهم، لمكان قوة المعارض، فان اكثرها لا يأباه عند التأمل حتى قول الصادق (عليه السلام) في خبر حكيم مؤذن بني عبس (1) في تفسير الغنيمة: (هي والله الافادة يوما بيوم إلا ان أبي جعل شيعتنا في حل من ذلك ليزكوا) على ان يراد به الحل مما يقع في ايديهم ممن وجب عليه ذلك من غير الشيعة، أو يحمل هو نظيره على إرادة التحليل من خصوص ذلك الامام عليه السلام في خصوص ذلك الزمان، أو غير ذلك كما ستعرف إن شاء الله، هكذا. ويمكن ان يراد باستثناء المناكح والمساكن انه لا بأس باتخاذهما من الربح في أثناء السنة وإن تعلق به الخمس، وانه لا يجب إخراجه بعد السنة بخلاف غيرهما من المؤن، فانه لا يستثني له إلا مقدار السنة، ويجب عليه الخمس فيها بعد السنة كما اشرنا إليه في بحث المؤونة، بل لعل هذا مراد من سمعت تفسيره إياها بذلك فلا يرد عليه انهما كغيرهما من المؤن، ضرورة ظهور الفرق حينئذ بينهما وبين غيرهما، بل يمكن إرادة ما يشترى من الربح في أثناء السنة للتجارة وإن كان الخمس فيه من المتاجر على معنى ان له في أثناء السنة الشراء للتجارة ولو بعد أن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال

[ 155 ]

يربح وتعلق الخمس به وإن استلزم ذلك التأخير سنين، ولا يجب عليه بتمام السنة إخراج خمس المال مع عدم ظهور ربح فيه باعتبار أن ثمنه كان من ربح تلك السنة وتعلق فيه الخمس، وإن كان الاحوط له إخراج الخمس من ثمنه، فإذا تجدد له ربح كان من ربح السنة الثانية، وإن كان يقوى جواز إبقائه، وتلحقه حصته من الربح المتجدد مضافا إلى ما فيه من خمس السنة الاولى، فتأمل جيدا فانه دقيق، والله العالم. المسألة (الرابعة ما يجب من الخمس) بأحد الاسباب السابقة (يجب صرفه إليه مع وجوده) وحضوره (عليه السلام) كما هو ظاهر الاكثر وصريح البعض كالفاضل في قواعده وغيره، بل ينبغي القطع به بالنسبة إلى حصته، ضرورة وجوب إيصال المال إلى أهله، أما حصة قبيله فالظاهر انها كذلك ايضا، خصوصا خمس الغنائم وفاقا لمن عرفت، تحصيلا للفراغ اليقيني، ولانه الواقع والمأثور، بل كان وكلاؤهم (عليهم السلام) على قبض الخمس في كثير من النواحي حتى في الغيبة الصغرى، ولظهور سياق اكثر الاخبار فيه من إضافته إليهم عليهم السلام وتحليلهم (عليهم السلام) بعض الناس منه، وغير ذلك مما يؤمي إلى ان ولاية التصرف والقسمة إليه (عليه السلام)، وللامر بايصاله إلى وكيله (عليه السلام) في صحيحة ابن مهزيار (1) الطويلة، بل لولا وحشة الانفراد عن ظاهر اتفاق الاصحاب لامكن دعوى ظهور الاخبار في ان الخمس جميعه للامام (عليه السلام) وإن كان يجب عليه الاتفاق منه على الاصناف الثلاثة الذين هم عياله، ولذا لو زاد كان له (عليه السلام)، ولو نقص كان الاتمام عليه من نصيبه، وحللوا منه من أرادوا. وخلافا للفاضل في المنتهى والتحرير والتذكرة فاجتزى بايصالها إلى اهلها


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5

[ 156 ]

في غير خمس الغنائم على إشكال فيه ايضا في الاولين، بل عن المصنف الاجتزاء بالايصال إلى الاصناف مطلقا في الغنائم وغيرها، لاقتضاء امتثال إطلاق الامر الاجتزاء، ولا ريب في ضعفه، خصوصا وكثير من الاخبار كالكتاب مشتمل على مجرد ثبوته في المال بأحد الاسباب السابقة مما هو حكم وضعي لا تكليفي كي يستدل باطلاقه، فما في المدارك من الاشكال في إطلاق وجوب صرف الخمس كله للامام (عليه السلام) مع حضوره ليس بتلك المكانة، لكن قال: إن الامر فيه هين، وفيه انه وإن كان كذلك ظاهرا من حيث أنا في زمن الغيبة إلا انه قد تترتب عليه قوة القول بمساواة حصة قبيله حصته في وجوب صرفها في هذا الزمان إلى يد الفقيه العادل الذي هو وكيل الامام (عليه السلام) ومنصوبه العام والمتولي لكل ما يتولاه، كما عن المجلسي الميل إليه أو القول به لا حصته فقط. (و) أما (مع) غيبته (عليه السلام) التي عبر عنها المصنف ب (عدمه) مخالفا للحس المأنوس غير المستبشع من التعبير، بل للصحيح منه الموافق للادب ف‍ (قيل) والقائل الديلمي وتبعه صاحب الذخيرة، ولا ثالث لهما فيما أجد، نعم حكاه في المقنعة والنهاية وغيرهما قولا من دون تعيين القائل، وفي الحدائق عن جملة من معاصريه، بل قال: إنه مشهور بينهم، وعن المحدث عبد الله بن صالح البحراني: (يكون) الخمس بأجمعه (مباحا) للشيعة وساقطا عنهم، فلا يجب إخراجه عليهم، للاخبار المتقدم سابقا في أول مسائل الانفال اكثرها مع زيادة خبر يونس بن يعقوب (1) قال: (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل من القماطين فقال: جعلت فداك تقع في أيدينا الارباح والاموال والتجارات، ونعرف ان حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم) وخبر ضريس


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 6

[ 157 ]

الكناسي (1) قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (أتدري من اين دخل على الناس الزنا ؟ فقلت: لا أدري، فقال: من قبل خمسنا أهل البيت إلا لشيعتنا الاطيبين، فانه محلل لهم ولميلادهم) وخبر محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (وقد طيبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا اولادهم) وصحيح زرارة (3) عن الباقر (عليه السلام) قال: (إن امير المؤمنين (عليه السلام) حللهم يعني الشيعة من الخمس لتطيب مواليدهم) وخبر أبي حمزة (4) عنه عليه السلام في حديث قال: (إن الله تعالى جعل لنا اهل البيت سهاما ثلاثة في جميع الفئ، ثم قال تبارك وتعالى (5): (واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فنحن أصحاب الخمس والفئ، وقد حرمناه على جميع الناس ماخلا شيعتنا، والله يا ابا حمزة مامن ارض تفتح وخمس يخمس فيضرب على شئ منه إلا كان حراما على من يصيبه فرجا كان أو مالا) والمرسل (6) المروي عن تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال: (إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة إذا قام صاحب الخمس فقال: يا رب خمسي، وإن شيعتنا من ذلك في حل). والمناقشة فيها وفيما تقدم من الاخبار ايضا بارادة تحليل إمام ذلك العصر (عليه السلام) خاصة في حقه خاصة، فلا يتناول نحو زماننا، ولا النصف الاخر الذي هو لغيره، لانه ليس له إلا تحليل ما يملكه فقط دون ملك غيره كما عن ابن


(1) و (2) الوسائل - اباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 3 - 5 (3) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 15 - 19 - 22 (5) سورة الانفال - الآية 42

[ 158 ]

الجنيد التصريح به، يدفعها ظهور اكثر الاخبار في إرادة دوام التحليل واستمراره وعموميته لتمام الخمس، سيما المشتمل منها على التعليل بطيب الولادة، بل كاد يكون صريح بعضها، فيعلم منه أنه (عليه السلام) له الولاية على ذلك، وأنه مأمور من الله مالك الملك بذلك، كما هو واضح، وأشير إليه في مضمر أبي خالد الكابلي (1) قال: (قال: إن رأيت صاحب هذا الامر يعطي ما في بيت المال رجلا واحدا فلا يدخلن في قلبك شئ، فانه انما يعمل بأمر الله) مضافا إلى ما علم من وقوع تحليله لبعض الناس في زمانه (عليه السلام) من تمام الخمس سهمه وسهم قبيله الذين هم عياله وأولى بهم من انفسهم، بل هو كذلك بالنسبة إلى سائر المؤمنين فضلا عنهم فما سمعته عن ابن الجنيد مما لا ينبغي الالتفات إليه، بل كاد يكون مخالفا للمعلوم المقطوع به من المذهب، كما اعترف به في الحدائق، لتواتر التحليل بالنسبة إلى غير حق المحلل في الجملة، ولذلك أعرض عنه كل من تأخر عنه، على انه أباح صاحب الزمان (عليه السلام) ايضا روحي لروحه الفداء الخمس لشيعته في التوقيع المروي عن كتاب إكمال الدين عن محمد بن محمد بن عصام الكليني عن محمد بن يعقوب (2) الكليني عن اسحاق بن يعقوب أنه ورد عليه من التوقيعات بخط صاحب الزمان (عليه السلام) (أما ما سألت عنه من أمر المنكرين إلى ان قال: وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكله فانما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى ان يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث). نعم قد يناقش فيها بقصور أسانيد جملة منها عن إثبات المطلوب، سيما بعد إعراض المشهور عنها، بل ودلالة جملة اخرى منها بسبب ظهورها في إباحة حقه


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 16

[ 159 ]

(عليه السلام) خاصة من الخمس لاتمامه، وحتى باقي الائمة (عليهم السلام) وباقي الذرية، بل في الرياض (ليس في شئ منها تصريح باباحة الاخماس كلها، بل ولا ما يتعلق بالائمة (عليهم السلام) جميعا، وإنما غايتها إفادة إباحة بعضهم شيئا منها أو للخمس مطلقا، لكن كونه ما يتعلق بالجميع أو به خاصة فلا، مع ان مقتضى الاصول تعين الاخير بل قال: وليس في تعليل الاباحة بطيب الولادة والتصريح بدوامها وإسنادها بصيغة الجمع في جملة دلالة على تحليل ما يتعلق بالاصناف الثلاثة بل ولا ما يتعلق بمن عدا المحلل من باقي الائمة (عليهم السلام)، لظهور أن ليس المقصود من الاول تطيبها من كل محرم وإلا لاستبيح بذلك اموال الناس كافة وهو مخالف للضرورة، فيحتمل طيبها من مال المحلل خاصة أو ما يتعلق بجميعهم (عليهم السلام) من الامور الثلاثة المتقدمة، كما نزلها عليه جمهور الاصحاب وإرادة هذا مما يجتمع معه إطلاق الدوام والاباحة بصيغة الجمع، فلا دلالة في شئ منها على عموم التحليل والكلية، مع ان (حللنا) بالاضافة إلى من يأتي مجاز قطعا وكما يمكن ذلك يمكن التعبير عن المحلل أو مع من سبقه خاصة، والترجيح لابد له من دليل، وليس، إن لم نقل بقيامه على الاخير، ولذا في المدارك لم يجعل هذه القرائن إمارة على إباحة الاخماس مطلقا، وانما استند إليها لاثباتها بالاضافة إلى حقوقهم (عليهم السلام) خاصة، ولكن فيه ايضا ما عرفته) انتهى. وان كان فيه من المنع ما لا يخفى ان اراد انكار الظهور فضلا عن أصل الدلالة، وكيف وفي بعضها التصريح بالتحليل إلى يوم القيامة، وفي آخر (فليبلغ الشاهد الغائب) وفي ثالث (شيعتنا وأبناءهم) وفي رابع (إلى ان يظهر أمرنا) إلى غير ذلك من القرائن الكثيرة، بل انكار ظهور التعليل بذلك مكابرة واضحة كانكار ظهورها في ارادة تمام الخمس، خصوصا المصرح فيها بلفظه، إذ احتمال ارادة الحق منه لادليل عليه فيها، بل قد يدعى ظهور ارادة تمامه من المشتمل

[ 160 ]

على التعبير بحقي منها، فضلا عن الذي هو بصيغة الجمع منها كما لا يخفى على من لاحظها بتمامها بعين الانصاف، بل ولا يخفى ايضا ظهورها في اباحة الاعم من الثلاثة التي ادعى تنزيل الاصحاب لها عليها، بل هو كصريح بعضها، بل هي جميعها تأبى التنزيل على ارادة النكاح منها بالتفسير الثاني له، بل هو لا يناسبه التعليل، ضرورة عدم خبث الولادة بحرمة مهر الزوجة كما تقدمت الاشارة إليه سابقا، إلى غير ذلك مما في كلامه وان كان قد سبقه ببعضه أو اكثره المحدث البحراني في حدائقه. نعم هي بأسرها قاصرة عن مقاومة مادل على وجوب اخراج الخمس سهمهم وسهم قبيلهم وعدم اباحة شئ منه، كخبر محمد بن زيد الطبري (1) قال: (كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله عن الاذن في الخمس، فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم ان الله واسع كريم ضمن على العمل الثواب، وعلى الخلاف العذاب، لا يحل مال إلا من وجه أحل الله، ان الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا، وما نبذل ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فان إخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم، وما تمهدون لانفسكم يوم فاقتكم، والمسلم من يفي بما عهد إليه، وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب، والسلام). وخبره الاخر (2) قال: (قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس، فقال: ما أمحل هذا، تمحضونا المودة بألسنتكم، وتزوون حقا جعله الله لنا وجعلنا له، وهو الخمس،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 2 - 3 الجواهر - 20

[ 161 ]

لا نجعل أحدا منكم في حل). والحسن (1) كالصحيح (كنت عند ابي جعفر الثاني (عليه السلام) إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل وكان يتولى له الوقف بقم، فقال: يا سيدي اجعلني من عشرة الألف درهم في حل فاني انفقتها، فقال له: أنت في حل، فلما خرج صالح قال أبو جعفر (عليه السلام): أحدهم يثب على اموال آل محمد ويتاماهم ومساكينهم وفقرائهم وأبناء سبيلهم فيأخذها ثم يجئ فيقول: اجعلني في حل، أتراه ظن اني أقول لاافعل، والله ليسألنهم الله تعالى يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا). وخبر ابي بصير (2) (قلت لابي جعفر (عليه السلام): ما أيسر ما يدخل به العبد النار، قال: من أكل من مال اليتيم درهما ونحن اليتيم) وصحيحة علي ابن مهزيار (3) الطويلة المتقدمة في الابحاث السابقة، والمحكي من عبارة الفقه الرضوي (4) المشتملة على المبالغة في التشديد باخراجه. وخبر الحسين بن حمدان (5) المروي عن الخرائج والجرائح في حديث عن صاحب الزمان (عليه السلام) (انه رآه وتحته بغلة شهباء وهو متعمم بعمامة خضراء يرى منه سواد عينيه، وفي رجله خفان حمراوان، فقال: يا حسين كم ترز أعلى الناحية ولم تمنع اصحابي من خمس مالك ثم قال: إذا مضيت إلى الموضع الذي تريد أن تدخله عفوا وكسبت ما كسبت تحمل خمسه إلى مستحقه، قال: قلت: السمع والطاعة ثم ذكر في آخره أن العمري أتاه وأخذ خمس


(1) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 1 - 8 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الانفال - الحديث 5 (3) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 5 (4) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 7

[ 162 ]

ماله بعدما أخبره بما كان). وخبر أبي الحسن الاسدي (1) عن ابيه المروي عن الاكمال، قال: (ورد على توقيع من محمد بن عثمان العمري ابتداء لم يتقدمه سؤال، بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين على من استحل من مالنا درهما إلى ان قال: فقلت: في نفسي إن ذلك في كل من استحل محرما، فأي فضيلة في ذلك للحجة، فوالله لقد نظرت بعد ذلك التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما وقع في نفسي بسم الله الرحمن الرحيم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين على كل من أكل من مالنا درهما حراما، قال الخزاعي: وأخرج الينا أبو علي الاسدي هذا التوقيع حتى نظرنا فيه وقرأناه). وخبر محمد بن جعفر الاسدي (2) قال: (كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائلي إلى صاحب الدار (عليه السلام) وأما ما سألت عنه من أمر من يستحل ما في يده من أموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله من غير أمرنا فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خصماؤه فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): المستحل من عترتي ما حرم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب، فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين لنا، لعنة الله عليه، يقول الله عزوجل (3): (ألا لعنة الله على الظالمين) إلى ان قال، وأما ما سألت عنه من أمر الضياع التي لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للاجر وتقربا اليكم فلا يحل لاحد ان يتصرف في مال غيرنا بغير إذنه فكيف يحل ذلك في مالنا، انه من فعل شيئا من ذلك بغير أمرنا فقد استحل منا ما حرم عليه، ومن أكل من مالنا شيئا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 7 - 6 (3) سورة هود عليه السلام - الآية 21

[ 163 ]

فانما يأكل في بطنه نارا، وسيصلى سعيرا) إلى غير ذلك من الاخبار الكثيرة التي مر في أثناء الابحاث السابقة شطر منها من خبر الريان بن الصلت (1) وصحيح ابن مهزيار (2) عن ابي علي بن راشد، وخبر محمد بن علي بن شجاع النيسابوري (3) وغيرها مما لا يمكن الاحاطة بها، ولقد أجاد بعض مشايخنا في دعوى تواترها. ومع ذلك فهي معتضدة بالاعتبار المستفاد من جملة من الاخبار (4) المشتملة على بيان حكمة مشروعية الخمس للذرية، وانه عوض عن الزكاة صيانة لهم من الاوساخ، وكفا لماء وجوههم، بل ومعتضدة بالمعلوم من سبر أخبار غير المقام بل وبعض أخباره (5) من أن لهم (عليهم السلام) وكلاء في الاطراف على قبض الاخماس، خصوصا في الغيبة الصغرى التي هي نيف وسبعون سنة، فان النواب الاربعة كانوا يقبضون فيها الاخماس ويعملون بها بأمره كما اعترف به المجلسي وغيره، بل قيل: وبظاهر الكتاب ايضا، وما كان مثله من السنة ايضا كأخبار كيفية القسمة (6) وغيرها، وإن كان قد يقال لا دلالة فيها على عدم التحليل والاباحة، بل أقصى ما يستفاد منها حكم وضعي هو ثبوت الخمس الذي لا ينافيه ورود التحليل منهم بل يؤكده، اللهم إلا ان يدعى إرادة التكليفي منه الذي هو أداؤه إلى مستحقيه، فينافيه حينئذ أخبار الاباحة، ويحتاج تقديمها إلى مرجح وليس، بل هو على العكس قائم بسبب الاعتضاد بالاصول وأخبار الباب وغيرها من حرمة التصرف بمال الغير ونحوها، مضافا إلى الاعتضاد بفتاوى الاصحاب، إذ القائل بتحليل تمام الخمس في غاية الندرة، بل لعله لا يقدح في تحصيل الاجماع على خلافه.


(1) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب قسمة الخمس - الحديث 10 - 0 - 0 - (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يجب فيه الخمس - الحديث 3 - 2 - 5

[ 164 ]

والمناقشة في دلالة الاية باختصاصها بالغنائم المختصة بحال الحضور دون الغيبة، وبأنها من خطاب المشافهة المحتاج تعديه إلى غيره إلى الاجماع، وهو انما يتم مع التوافق في الشرائط الممنوع في محل البحث في غاية الضعف، كما اشرنا إليه فيما تقدم من البحث في خمس ارباح المكاسب، كالمناقشة في دلالتها ودلالة ما ماثلها من الاخبار على استحقاق الاصناف وملكيتهم نصف الخمس لينافي التحليل من الامام عليه السلام له، وإن اطنب في بيانها في الذخيرة كما انه أطنب في الحدائق والرياض في رده، لكن ليس للجميع ثمرة يعتد بها، لتناهي اصل المناقشة في الوهن بحيث لا تحتاج إلى شد حبزوم أو تشمير ساعد. وبالجملة لاريب في مرجوحية أخبار التحليل بالنسبة إلى مادل على عدمه من وجوه كثيرة، فلا وجه للجمع بينهما بتقييد الثانية بأخبار التحليل الذي لا يقبله كثير منها، إذ هو فرع التكافؤ المفقود هنا، أو بحمل الاولى على زمن الغيبة والثانية على الحضور الذي يأباه كل منهما، ضرورة ظهور أخبار التحليل أو صراحتها في الحضور أو في الاعم منه ومن الغيبة، كظهور مقابلة فيه ايضا، بل لعل بعضها في الغيبة اظهر منه في الحضور، خصوصا ما تضمن حكمة مشروعية الخمس وتعويضهم عنه بدل الزكاة، وإرادة كف وجوه ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن السؤال والذل والمسكنة، وانه لو يعلم الله عدم كفايته لهم لشرع لهم غيره، أو بغير ذلك من اوجه الجمع التي يقطع بفسادها بأدنى نظر وتأمل، ولقد أجاد في السرائر في رد هذا القول بعد ان حكاه عن قوم بأنه لا يجوز العمل عليه ولا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، لانه ضد الدليل ونقيض الاحتياط واصول المذهب وتصرف في مال الغير بغير إذن قاطع، فلا يجوز العمل به على حال، إلى آخره، ونحوه غيره من اساطين الاصحاب، على انه لم يظهر لنا مراد قائله هل هو سقوط الخمس بحيث لو أخرجه من كان في يده على انه خمس وتناوله أحد منه كان

[ 165 ]

اكل مال بالباطل، أو عدم وجوبه عليه وإن كان لو أخرجه صح لاهله تناوله، أو أن المراد الاباحة لغير من في يده من الشيعة، وإلا فهو يجب عليه إخراجه وإن كان الظاهر إرادته الوسط، بل قد يقطع بعدم إرادته الاخير، لكن على كل حال ضعف هذا القول في غاية الوضوح. (و) من هنا (قبل) على ما حكاه غير واحد من أجلاء الاصحاب بأنه (يجب) عزله و (حفظه ثم يوصى به) إلى ثقة (عند ظهور إمارة الموت) وهكذا حتى يصل إلى صاحب الامر عليه السلام روحي لروحه الفداء، إلا اني لم اعرف قائله بالخصوص وإن نسبه بعضهم إلى المفيد في المقنعة، لكن ظني انه وهم كما لا يخفى على من تدبر عبارتها تماما، فانه وإن كان قد حكى القول بالسقوط وبالدفن وباستحباب صلة الذرية وفقراء الشيعة والقول بالوصية به، وقال: (إن هذا القول عندي اوضح من جميع ما تقدم، لان الخمس حق وجب لصاحبه عليه السلام لم يرسم مايصنع فيه قبل غيبته حتى يجب الانتهاء إليه فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه والتمكن من إيصاله إليه) إلا انه قال بعد ذلك بلا فاصل: (وإن ذهب ذاهب إلى ما ذكرناه في شطر الخمس الذي هو خالص للامام (عليه السلام) وجعل الشطر الاخر لايتام آل محمد (صلى الله عليه وآله) وابناء سبيلهم ومساكينهم على ما جاء في القرآن لم يبعد إصابة الحق في ذلك، بل كان على صواب) وظاهره اختيار الاخير، ونحوه في ذلك الحلي في سرائره، بل هو أصرح فيما قلناه. وكيف كان فلم نقف له على دليل سوى ما اشار إليه من كون الخمس حقا لامام لم يأمرنا ما نصنع فيه، فيجب حفظنا له كما في سائر الامانات الشرعية، وفيه مع ما في الايداع من التغرير بالمال وتعريضه للتلف سيما في مثل هذه الاوقات منع كونه تماما للامام (عليه السلام) إن اراد الملكية والاستحقاق كما بيناه سابقا، ودلت عليه الاية وأخبار القسمة وغيرها، وإن ناقش فيه بعض

[ 166 ]

متأخري المتأخرين بما لا ينبغي الاصغاء إليه ولكن اطنب في رده بعض الناس بل وكذا إن اراد ولاية التصرف والقسمة المقتضيين تسليمه بيده (عليه السلام) ليعطي من يشاء كيف يشاء ويمنع من يشاء، لعدم ظهور دليلها في الاعم من حالتي الظهور والغيبة، وكيف وقد ناقش بعضهم في وجوبها حال الحضور، فجوز دفع نصف الخمس إلى اهله لمن كان في يده تمسكا بالاصل وإطلاق ادلة استحقاقهم له ووجوبه على من كان في يده كما تقدم البحث فيه سابقا، وإن كان الاصح عندنا وجوب الدفع للامام (عليه السلام) حال الظهور، لما عرفت. إلا ان الانصاف عدم ظهور في الادلة السابقة فيما يشمل مثل هذا الزمان، بل قد يظهر من بعضها خلافه، خصوصا مادل منها على حكمة مشروعية الخمس السابقة، بل في المروي عن كتاب الطرائف لابن طاووس باسناده عن عيسى بن المستفاد (1) عن ابي الحسن موسى بن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) تصريح بخلافه، قال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لابي ذر وسلمان والمقداد: اشهدوني على انفسكم بشهادة ان لا إله إلا الله إلى ان قال: وأن علي بن ابي طالب (عليه السلام) وصي محمد (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسوله، والائمة من ولده (عليهم السلام) وأن مودة اهل بيته مفروضة واجبة على كل مؤمن ومؤمنة مع إقام الصلاة لوقتها، وإخراج الزكاة من حلها، ووضعها في اهلها، وإخراج الخمس من كل ما يملكه احد من الناس حتى يدفعه إلى ولي المؤمنين واميرهم، ومن بعده من الائمة عليهم السلام من ولده فمن عجز ولم يقدر إلا على اليسير من المال فليدفع ذلك إلى الضعفاء من اهل بيتي من ولد الائمة (عليهم السلام)، فمن لم يقدر على ذلك فلشيعتهم ممن لا يأكل بهم الناس ولا يريد بهم إلا الله تعالى إلى ان قال: فهذه شروط الاسلام) الحديث


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الانفال - الحديث 21

[ 167 ]

فيبقى حينئذ مادل على استحقاقهم النصف وملكهم إياه المقتضيين تسليمه إياهم كما هو الموافق لاصول المذهب على حاله سالما عن المعارض، مقتصرا في الخروج عنه على المتيقن، وهو حال الظهور دون غيره، كالزكاة التي الخمس بدل عنها، فانها لا تسقط ولا يوصى بها إجماعا في هذه الازمان وان كان يجب تسليمها للامام (عليه السلام) عند الظهور، اللهم إلا أن يفرق بينهما بظهور أشدية تعلق حق الامام (عليه السلام) بالخمس دونها، ولذا لو زاد كان له. بل ربما قيل أو يقال انه بأجمعه له، كما يؤمي إليه إضافته إلى نفسه وتصرفه به بالتحليل وغيره وإن كان يجب ان يصرف منه على الاصناف الثلاثة ما يكفيهم بل وعن غيره لو نقص عنهم، ففي الحقيقة جعلهم الله عيالا له، وأوجب له في رقاب الناس ذلك مقابلة هذه العيلولة، إلا أن التحقيق ما قدمناه سابقا الذي ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه، ومع الاغضاء عن ذلك كله فيندفع جميع ما تقدم بتسليمه إلى الفقيه المأمون الذي هو وكيله على كل ماكان يفعله من القسمة ونحوها، إذ احتمال قصر وكالته على خصوص القضاء والفتوى كما في الحدائق ضعيف جدا مناف لما عليه الاصحاب في سائر الابواب، بل وللمعلوم من ضرورة المذهب. (و) على كل حال فهذا القول في غاية السقوط، وأولى منه بذلك ما حكاه الشيخان والحلي وغيرهم، بل أشار إليه المصنف بقوله: (قيل) من انه يجب ان (يدفن) تمام الخمس، إذ هو مع انه مجهول القائل مناف للاحتياط والاعتبار والكتاب والسنة وفتاوى الاصحاب والاصول العقلية والشرعية لم نقف له على دليل سوى ما ارسل (1) من ظهور الكنوز عند قيام القائم عليه السلام، وهو مع انه ليس بحجة في نفسه فضلا عن أن يعارض تلك الحجج، بل اقصاه


(1) البحار المجلد 13 ص 177 " باب خروجه عليه السلام وما يدل عليه " الطبعة الكمبانى

[ 168 ]

ظهور الكنوز التي تصادف قيامه (عليه السلام)، وإلا فقد تتلف أو تلتقط قبل ذلك لا دلالة فيه على الاذن بذلك فضلا عن الامر به، كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان. (و) أما ما (قيل) من انه (يصرف النصف إلى مستحقيه ويحفظ ما يختص به بالوصاية أو الدفن) فهو جيد جدا بالنسبة للشق الاول منه موافق للمشهور بين الاصحاب قديما وحديثا نقلا وتحصيلا إن لم يكن المجمع عليه، وللاصول والكتاب والسنة التي قد علمت قصور أخبار التحليل عن مقاومتها، بل يجب تنزيلها على ما ذكره غير واحد ناقلا له عن الاصحاب من إباحة المناكح أو هي والقسمين الاخرين معها، وإن كان لا يساعده سياق كثير منها كما تقدمت الاشارة إليه سابق، أو على ما حكي عن المجلسي في بعض حواشيه على التهذيب والكافي من إرادة الاباحة والتحليل قبل إخراج الخمس بمعنى ان له ضمانه في ذمته ثم يتصرف بما فيه عين الخمس في المناكح والمساكن والمتاجر لا سقوط الخمس وبراءة الذمة منه، وإن كان فيه من العجب مالا يخفى، بل هو مخالف للمجمع عليه بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، ضرورة معلومية الاباحة في الامور الثلاثة بالتفاسير المتقدمة، بمعنى سقوط الخمس منها كما مر الكلام فيه مفصلا، أو على إرادة الاباحة من حقوقهم (عليهم السلام) خاصة في زمانهم لا الاباحة الشاملة لحق الاصناف وحق الصاحب (عليه السلام) في زمانه، إذ من المعلوم انه في الغيبة الصغرى وهي نيف وسبعون سنة كان الوكلاء الاربعة المشهورين يقبضون حقه بل سائر الخمس من الشيعة ويعملون به بأمره (عليه السلام)، وإن كان ايضا لا يلائمه ما في جملة منها من إرادة دوام الاباحة منها وعمومها، على انه ورد منه (عليه السلام) في التوقيع السابق الاباحة، أو على ما اشرنا إليه غير مرة من إرادة


الجواهر - 21

[ 169 ]

تحليل ما تعلق فيه الخمس في يد غيرنا من المخالفين وغيرهم منكحا كان أو مسكنا أو متجرا أو غيرها، ولو فرض فيها ما يأبى ذلك وكان معتبر السند أمكن حمله على إباحة خصوص ذلك الامام (عليه السلام) في ذلك الزمان أو غير ذلك. واما الشق الثاني منه فهو وإن كان مال إليه في المقنعة واختاره في النهاية لما سمعته في وجهي القولين السابقين لكن في الدفن الذي هو أحد فردي التخيير منه ما عرفت، ومن هنا اقتصر في السرائر بعد اختياره له على الفرد الاول منه مصرحا بعدم جواز الثاني، كالمحكي من عبارة ابن البراج وأبي الصلاح بل في السرائر (أن هذا القول هو الذي يقتضيه الدين واصول المذهب وأدلة العقول وأدلة الفقه وأدلة الاحتياط، واليه يذهب وعليه يعول جميع محققي أصحابنا المصنفين المحصلين الباحثين عن مأخذ الشريعة وجهابذة الادلة ونقاد الاثار بغير خلاف بينهم) إلى آخره، لكن قد يناقش فيه ايضا بأنه يتم حيث لادليل يدل على وجوب دفعه إلى قبيله من الاصناف الثلاثة كما ادعاه فيها بل حكي عن سائر المحصلين التصريح بعدم نص فيه معين، وأطنب بنقل عبارات بعض من صرح بذلك أو يظهر منه كالمفيد والمرتضى والشيخ، وهو ممنوع، إذ قد يستدل عليه مضافا إلى الفحوى المورثة علما برضاه في الدفع إلى اقاربه وعياله المحتاجين الحيارى ذكورا وأناثا الذين لا يعلمون كيف يفعلون ولا يدرون اين يتوجهون خصوصا مع عداوة اكثر الناس لهم، وإرادتهم إراقة دمائهم بغضا وحسدا لابائهم، بل قد يقطع من ذلك ونحوه بعدم رضاه في المنع فضلا عن إذنه بالجواز وكيف وقد كانوا يبيحون ما هو أعظم من ذلك للاجانب عنهم مع حاجتهم إليه فضلا عن اقاربهم وغناهم عنه، وإلى معرضية للتلف إن لم يدفع، بل لعل ذلك من الاحسان المحض الذي لم يجعل الله سبيلا على فاعله، وإلى ظاهر خبر عيسى بن

[ 170 ]

المستفاد (1) المروي عن كتاب الطرائف لابن طاووس الذي قدمناه آنفا ما سمعته سابقا من وجوب إتمام الناقص من الخمس عن مؤونة الاصناف على الامام عليه السلام من ماله وأخذه الزائد للمرسلين (2) السابقين المنجرين بما عرفت، وإن بالغ الحلي في إنكار ذلك وأطنب على ما أشرنا إليه سابقا، بل استظهر من نفي المفيد وغيره النص في هذه المسألة وإيجابهم الوصية به ونحوها عدم اعتمادهم على هذين المرسلين لكن فيه انه لعلهم لم يعثروا عليهما أو غفلوا عنهما أو لم يتنبهوا لتفريع ذلك على ما فيهما، أو غير ذلك. (و) من هنا (قيل): لا يوصى به ولا يدفن (بل) يجب أن (تصرف حصته (عليه السلام)) إلى الاصناف الموجودين ايضا، لان عليه الاتمام عند عدم الكفاية، وكما يجب ذلك مع وجوده فهو واجب عليه عند غيبته) لان الحق الواجب لا يسقط بغيبة من يثبت عليه مؤبدا، بل اختاره المصنف فقال: (وهو الاشبه) وفاقا للتحرير وظاهر المحكي من عبارة غرية المفيد وزاد المعاد للمجلسي وكشف الاستاذ والمنقول في الرياض عن الديلمي وجمع من متأخري المتأخرين وإن كنا لم نتحققه، خصوصا الاول، إذ المحكي عنه في المختلف الاباحة لسائر الخمس، ومع التسليم فلم يبلغوا حد الشهرة الجابرة للمرسلين بالنسبة إلى ذلك كي يصح العمل بهما فيه، بل هي بسيطة ومركبة على خلافه، إذ الظاهر من مقنعة المفيد والمحكي من جواب مسائل له في السرائر ونهاية الشيخ وعن مبسوطه بل وغيره من كتبه وسرائر الحلي وما عن ابن البراج وأبي الصلاح وغيرهم وجوب الوصية به ونحوها لا جواز الدفع إليهم فضلا عن وجوبه، وفي الوسيلة (أنه يقسم بين مواليه والعارفين بحقه من أهل الفقه والصلاح والسداد) وأما المتأخرون


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الانفال - الحديث 21 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب قسمة الخمس - الحديث 1 و 2

[ 171 ]

فالمصنف في النافع والفاضل في المختلف والارشاد والقواعد وظاهر المنتهى والشهيدان في الدروس والبيان واللمعة وظاهر الروضة وغيرهم على جواز الدفع والتخيير بينه وبين الوصية ونحوها لا وجوبه، بل نسبه إلى المشهور في الروضة وإلى كثير في الرياض، بل ظاهر موضع آخر من الثاني انه الذي استقر عليه رأي المتأخرين، وفي المدارك والمفاتيح والوافي والحدائق سقوطه في زمن الغيبة، فأي شهرة يمكن أن تدعى حينئذ على الوجوب، بل هي على الخلاف متحققة إن لم يكن إجماع، بل لا صراحة في المتن والتحرير والمحكي من عبارة الغرية بارادة الوجوب وإن كان ما ذكر دليلا للحكم في الاولين من إيجاب الاتمام ظاهرا في ذلك أو صريحا، ومن العجيب ذكره ذلك في المختلف والمنتهى بل وغيرهما دليلا للجواز مع اقتضائه الوجوب، فتأمل. وكيف كان فالعمل بالمرسلين السابقين غير موافق لاصول المذهب بعدما عرفت، واحتمال عدم احتياج العمل بهما بالنسبة إلى ذلك إلى جابر إذ ليس هو مدلولهما بل هو لازم ما تضمناه من قسمة الامام (عليه السلام) الخمس بينهم قدر الكفاية، فان أعوز كان عليه، وإن زاد كان له الذي قد عرفت انجباره بعمل الاصحاب هناك، بل لا خلاف فيه إلا من الحلي كما قدمنا البحث فيه سابقا يدفعه انه عمل بهما، وذلك لاستفادة وجوب الاتمام عليه في هذا الزمان منهما المقتضي استحقاقهم اخذ حقه ووجوب دفع الوكيل الذي هو الفقيه إياه إليهم تفريغا لذمة الامام (عليه السلام) كما أومأ إليهم تعليل غير واحد منهم بعدم سقوط الوجوب بالغيبة، على أنه لو سلم ذلك كله لامكن المناقشة في دلالتهما بما ذكرناه سابقا في محله من ظهورهما في كيفية قسمة تمام ما شرعه الله تعالى من الخمس حال انبساط يد الامام (عليه السلام) وظهور سلطانه وتساوي الغريب والبعيد إليه والقوي والضعيف المقتضي لجلب تمام ما يحصل من الخمس إليه، فيقسمه هذه القسمة

[ 172 ]

المسطورة نحو ما يقسم ما يحصل من الزكاة كذلك، قال في المرسل المزبور (1) المشتمل على قسمة الخمس كما عرفت في حاصل الارض المفتوحة عنوة (بدأ فأخرج منه العشر من الجميع مما سقت السماء أو سقي سيحا، ونصف العشر مما سقي بالدوالي والنواضح، فأخذه الوالي فوجهه في الجهة التي وجهها الله على ثمانية أسهم للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ثمانية أسهم، تقسم بينهم في مواضعهم بقدر ما يستغنون به في سنتهم بلا ضيق ولا تقتير، فان فضل من ذلك شئ رد إلى الوالي، وإن نقص من ذلك شئ ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا) إلى آخره، وفي المرسل المزبور أيضا (2) (وهو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له) إلى غير ذلك مما هو ظاهر في أن ذلك عند بسط يد الامام (عليه السلام) لا في مثل زمن الغيبة أو نحوه مما كان فيه الامام (عليه السلام) بهذا الحال، فانه لا يجب عليه قطعا لو اتفق حصول الجزء اليسير في يده الذي هو كالعدم بالنسبة إلى الخمس كله إعطاؤه تماما للاصناف ودفعه إليهم، كما هو واضح لا يحتاج إلى بيان، خصوصا مع خلو الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) عن فعل أحد منهم شيئا من ذلك مع انه كان لهم وكلاء في البلدان على قبض ما يحصل من ذلك وغيره، بل ظاهر ما ورد عنهم قبض حقهم لهم مما اتفق حصوله منه وإباحة من أرادوا إباحته، ولو كان الامر كما سمعت لاختص ذلك بالاصناف، ضرورة كثرتهم وشدة حاجتهم وقلة ما يحصل من الخمس من بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) الذي هو أول زمان الابتلاء، ومن المعلوم خلافه، كما انه من المعلوم عدم وجوب ذلك على الامام (عليه السلام) في مثل هذا الزمان المشرد فيه عن الاوطان، والذي لم يستطع ان يرى فيه أحدا من أفراد الانسان، وكيف


(1) و (2) أصول الكافي ج 1 ص 541 - 542 الطبع الحديث

[ 173 ]

وسائر لوازم الامامة ساقطة في هذه الاوقات المشحونة بالمحن والابتلاءات، ودعوى توكيل الفقيه المأمون في القيام بما يمكن من ذلك عنه ممنوعة كل المنع، كدعوى القيام حسبة وإن لم يوكله كالولايات ونحوها في وجه. وبالجملة فدعوى وجوب دفع حق الامام (عليه السلام) للاصناف الان من حيث وجوب الاتمام عليه حتى في هذا الزمان للمرسلين السابقين مما لا تستأهل أن يسود بها قرطاس أو يستعمل فيها يراع، وفي خبر المعلى بن خنيس (1) المروي في أصول الكافي في باب سيرتهم (عليهم السلام) في أنفسهم إذا ظهر أمرهم، قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام) يوما: جعلت فداك ذكرت آل فلان وما هم فيه من النعم، فقلت: لو كان هذا لكم لعشنا معكم، فقال (عليه السلام): هيهات هيهات يا معلى أما والله ان لو كان ذلك ماكان إلا سياسة الليل وسياحة النهار ولبس الخشن وأكل الجشب، فزوي ذلك عنا، فهل رأيت ظلامة قط صيرها الله نعمة إلا هذه) وهو كالصريح في سقوط هذه التكاليف عنهم عند قصور اليد، وأما الاستناد إلى إذن الفحوى بالطريق المتقدم ففيه منع حصول العلم بالرضا بذلك، إذ المصالح والمفاسد التي في نظر الامام (عليه السلام) مما لا يمكن إحاطة مثلنا به، خصوصا من لم تزهد نفسه في الدنيا منا، فقد يكون صلة واحد من شيعته أو إطفاء فتنة بينهم أو فعل امور لها مدخلية في الدين أولى من كل شئ في نظره، كما يؤمي إليه تحليلهم بعض الاشخاص وأقاربهم في شدة الحاجة فكيف يمكن القطع برضاه فيما يفعله غيرهم، خصوصا مع عدم خلوص النفس من الملكات الردية كالصداقة والقرابة ونحوهما من المصالح الدنيوية، فقد يفضل على البعض لذلك ويترك الباقي في شدة الجوع والحيرة، بل ربما يستغني ذلك البعض بقبض ما حصل له فيحتال في قبض غيره إلى تمليلك زوجته أو ولده ما عنده


(1) أصول الكافي ج 1 ص 410 الطبع الحديث

[ 174 ]

كي يبقى فقيرا فيقبض ما يشاء، وكيف يمكن ان يقاس هذا بفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) مع عقيل الذي فر منه لعدم صبره على تلك المؤونة، ويؤمي إلى جملة مما ذكرنا مع عدم الاعتماد على نحو هذه الفحوى في اموالهم (عليهم السلام) ذيل توقيع العمري (2) الذي ذكرناه سابقا، بل كاد يكون صريحا في بعضه، ضرورة انه سأله عما يقطع في نظرنا وخيالنا بأنه إحسان محض وأنه يرضى به المالك ومع ذلك نهاه عنه. ولو أغضينا عن ذلك كله وتكلفنا الجواب عنه كما لعله مقتضى الانصاف لاتجه مع اقتضاء الفحوى وجوب حصره في الاصناف الثلاثة بحيث لا يجوز صرفه في غيره من الوجوه ولا حفظه والوصية به إلى أن يصل إلى يده (عليه السلام)، كما هو واضح، ومن هنا لم يوجبه كثير بل المشهور كما عرفت، فخيروا بينه وبين الوصية به، بل في القواعد خير بينهما في تمام الخمس، فقال: (ومع الغيبة يتخير المكلف بين الحفظ بالوصية به إلى ان يسلم إليه وبين صرف النصف إلى أربابه وحفظ الباقي وبين قسمة حقه على الاصناف) وإن كان فيه منع واضح بالنسبة إلى حصة الاصناف يعرف مما تقدم، ولذا اقتصر غيره على هذا التخيير في حق الامام (عليه السلام) خاصة جمعا بين مادل على حكم الامانة وبين مادل على جواز دفعه للسادة من إذن الفحوى المستفادة مما عرفت، ومما ورد من الحث على إعانتهم وإكرامهم وسد فقرهم، سيما في مثل هذه الازمان المقتضي للرضا بدفع ذلك إليهم بطريق أولى، لكن فيه ما سمعت من عدم انحصار ذلك فيهم خاصة، بل قد يتفق بعض مصارف يقطع الانسان بأنها أولى


(1) البحار - ج 40 ص 347 الطبع الحديث - الباب 98 من المجلد التاسع الحديث 29 الطبعة الكمبانى (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الانفال - الحديث 6

[ 175 ]

من إعانة بعض السادة، خصوصا من لم يكن منهم في غاية الفقر ولا غاية التقوى والصلاح، ومن هنا لم يخصه ابن حمزة بهم كما سمعته، بل قال: (إنه ينقسم نصيبه على مواليه العارفين بحقه من أهل الفقر والصلاح والسداد). خلافا للحر العاملي في وسائله فجعل الدفع إلى غيرهم مرتبة ثالثة مشروطة بعدم حاجة الاصناف، واستوجهه في الرياض حيث قال: (وهل يجوز دفعه إلى الموالى كالذرية كما استحسنه ابن حمزة ونفى عنه البعد المفيد في غير الغرية أم لا ؟ الوجه التفصيل بين وجود المستحق من الذرية فلا، ومع فقده فلا بأس به، لما مر من الاعتبار القطعي وأنه إحسان محض ليس شئ على فاعله) انتهى، إلا انك خبير بما فيه من عدم الدليل المعتبر القاطع للعذر في ذلك، كما انك خبير بأن ما سمعته من ابن حمزة ليس قولا باحة حقه (عليه السلام) لشيعته التي ذهب إليها الكاشاني في مفاتيحه، ومال إليها في المدارك تمسكا بما ورد من أخبار التحليل والاباحة بعد حملها على إرادة حقهم (عليهم السلام) من ذلك وإن جاء بعضها بلفظ الخمس التي قد عرفت إعراض اكثر الاصحاب عنها بالنسبة إلى ذلك، بل حملوها على ما تقدمت الاشارة إليه أو غيره، ضرورة اقتضاء ذلك عدم وجوب إخراجه وإفرازه على من وجب عليه من الشيعة، بخلاف الاول فانه يوجب إخراجه بل وإيصاله إلى المجتهد على الظاهر وإن جوز له صرفه على من عرفت، لكن في الحدائق بعد اختياره الاباحة في زمن الغيبة مصرحا بموافقة الكاشاني له وإن اختلف معه في مدرك ذلك نقل قول ابن حمزة وقال: إنه عين ما اخترناه نعم اعترضه بأنه لا دليل على ما ذكره من التخصيص وإن كان أولى، وأولى منه صرفه على السادة المستحقين، وفيه ما عرفت، بل لعل مبنى اعتراضه أن مدركه في التحليل والاباحة ليس إذن الفحوى كي يحتاج في إحرازها إلى هذه الاصناف ولا أخبار التحليل الواردة من غير صاحب الامر (عليه السلام)، لانها منزلة

[ 176 ]

على التحليل منهم في زمانهم لمن أرادوا تحليله، فلا يفيد بالنسبة إلى زماننا، بل هو خصوص بالتوقيع من صاحب الزمان (عليه السلام) الذي قدمناه سابقا في أخبار التحليل المشتمل على تحليل الخمس تمامه للشيعة إلى ان يظهر أمرهم لتطيب ولادتهم ولا تخبث، إلا أنه يجب الخروج عنه في غير حقه لمكان المعارض دونه فيراد حينئذ منه تحليل حقه من الخمس لا غير، وفيه أن هذا التوقيع مع معارضته بالتوقيعين وخبر الحسين عن الحجة (عليه السلام) ايضا المتقدمة في أخبار التحريم مقابل أخبار التحليل، بل وعدم اشتهاره بين أساطين الاصحاب من المفيد والشيخ وغيرهما، بل قد سمعت ما في المقنعة من الاعتراف بعدم النص وشدة التحير والمحنة، واحتماله كثيرا من الوجوه التي ذكرناها في غيره من أخبار التحليل انه لا يجوز الاعتماد عليه في قطع الاصول والادلة كتابا وسنة، لاشتمال سنده على المجاهيل الذين لا يجوز الركون إلى أخبارهم قبل التبين، فكيف مع تبين العدم. ومن ذلك كله يظهر لك سر ما ذكره المفيد من المحنة والحيرة، لعدم وضوح مأخذ قاطع للعذر لشئ من الاقوال المذكورة، كما يؤمي إليه ظهور الاضطراب في هذه المسألة من أساطين الاصحاب في تمام الخمس فضلا عن حق الامام (عليه السلام) منه، منهم المفيد في مقنعته كما عرفت، والشيخ في نهايته فانه بعد أن اعترف بعدم النص المعين فيه، وحكى القول بالاباحة والوصاية والدفن والتفصيل بين حق الامام (عليه السلام) وغيره قال: وهذا مشيرا إلى الاخير مما ينبغي أن يكون العمل عليه، ثم قال بعد أن ذكره مستند ذلك: (ولو أن إنسانا استعمل الاحتياط أو عمل على احد الاقوال المقدم ذكرها من الدفن والوصاية لم يكن مأثوما) ونحوه عن مبسوطه.


الجواهر - 22

[ 177 ]

لكن قد عرفت بحمد الله تعالى وضوح السبيل في مصرف حق غير الامام، وإن اضطرب فيه من عرفت، واما حقه (عليه السلام) فالذي يجول في الذهن، أن حسن الظن برأفة مولانا صاحب الزمان روحي لروحه الفداء يقضي بعدم مؤاخذتنا في صرفه على المهم من مصارف الاصناف الثلاثة الذين هم عياله في الحقيقة، بل ولا في صرفه في غير ذلك من مصارف غيرهم مما يرجح على بعضها وإن كان هم أولى وأولى عند التساوى، أو عدم وضوح الرجحان، بل لا يبعد في النظر تعين صرفه فيما سمعت بعد البناء على عدم سقوطه، إذ غيره من الوصية به أو دفنه أو نحوهما تعريض لتلفه وإذهابه من غير فائدة قطعا، بل هو إتلاف له. واقوى من ذلك معاملته معاملة المال المجهول مالكه باعتبار تعذر الوصول إليه روحي له الفداء، إذ معرفة الملك باسمه ونسبه دون شخصه لا تجدي، بل لعل حكمه حكم مجهول المالك باعتبار تعذر الوصول إليه للجهل به، فيتصدق به حينئذ نايب الغيبة عنه، ويكون ذلك وصولا إليه على حسب غيره من الاموال التي يمتنع ايصالها إلى أصحابهما، والله اعلم بحقائق احكامه. المسألة (الخامسة) صرح غير واحد بأنه (يجب أن يتولى صرف حصة الامام (عليه السلام) في اصناف الموجودين) بناء على أن الحكم فيه ذلك في زمن الغيبة (من إليه الحكم) ممن جمع شرائط الفتوى (بحق النيابة) التي جعلها الشارع له خاصة في أمثال ذلك، فيصرفه مؤديا به ما على الامام (عليه السلام) من الاتمام للخمس (كما يتولى أداء ما يجب على الغائب) غير الامام بل في الرياض نسبته إلى المتأخرين، وفي المسالك إلى كل من أوجب صرفه بذلك، وفي المحكي عن زاد المعاد إلى أكثر العلماء، لانحصار ولاية ذلك وامثاله فيه، خلافا لما عساه يظهر من المحكي من غرية المفيد من جواز صرفه لمن

[ 178 ]

في يده، ومال إليه في الحدائق محتجا بأنا لم نقف على دليل يوجب صرف الاموال ونحوها إليه لاعموما ولا خصوصا، بل اقصاه نيابته بالنسبة للترافع والاخذ بحكمه وفتاواه، وقياسه على النواب الذين ينوبونهم (عليهم السلام) حال وجودهم لذلك أو لما هو أعم منه لا دليل عليه، وهو وإن كان كما ذكر خصوصا بالنسبة إلى ما يخص الامام (عليه السلام) من الاموال إذ دعوى ولايته عن الغائبين حتى الامام وحتى في ذلك كما ترى، وإلا كان من الواجب دفع تمام الخمس والزكاة إليه على حسب ماكان حال ظهور الامام (عليه السلام) كما اعترف به المجلسي في المحكي عنه في زاد المعاد، حيث قال: (واكثر العلماء قد صرحوا بان صاحب الخمس لو تولى دفع حصة الامام (عليه السلام) لم تبرأ ذمته بل يجب عليه دفعها إلى الحاكم، وظني أن هذا الحكم جار في جميع الخمس) انتهى. اللهم إلا أن يفرقوا بينهما بظهور الادلة في ولاية الامام (عليه السلام) على الخمس والزكاة ونحوهما حال ظهوره، فيقتصر عليها في الخروج عن ظاهر الخطابات المقتضى الاجزاء بتولي المكلفين بهما صرفهما لا ما يشمل زمان الغيبة، فتسقط حينئذ ولايته فيه لا أنها باقية حتى يتولاها الحاكم عنه، وفيه بحث، على ان ذلك لو سلم لا يجدي فيما نحن فيه من دعوى عموم ولاية الحاكم حتى لمثل المقام الموقوفة على دليل، وليس، لكن ظاهر الاصحاب عملا وفتوى في سائر الابواب عمومها، بل لعله من المسلمات أو الضروريات عندهم. بل صرح غير واحد منهم هنا بعدم براءة الذمة لو صرفه غيره وبضمانه، بل في الكفاية عن الشهيد الثاني إجماع القائلين بوجوب الصرف للاصناف على الضمان، لكن في كشف الاستاذ (ان للمجتهد الاجازة. إن كان الاحوط الاعادة) كما ان فيه ايضا (لو دفع إلى من ظنه مجتهدا فظهر خلافه فان بقيت العين استرجعت

[ 179 ]

منه، وإن تلفت وكان عالما بانه حق الصاحب عليه السلام ضمن، وإن تعذر إرجاعها وكان المذكور معذورا فلا ضمان عليه، وإلا ضمن) إلى غير ذلك من الاحكام المذكورة هنا المبنية على المفروغية مما عرفت من ولايته ونصبه، بل في زماننا هذا من يصالح عن حقه بمقدار يحتمل نقيصته وزيادته في ذمة المصالح بمراتب، ولا يكلف بالدفع حتى يتيقن البراءة أو لا يتيقن بقاء الشغل، وبالجملة يجرونه مجرى حضور الامام (عليه السلام) بالنسبة إلى جميع ذلك، ومنه عدم جواز تولي غيره صرفه، نعم في كشف الاستاذ (جوازه لعدول المسلمين إذا تعذر الوصول إليه ولم يمكن حفظ المال حتى يصل الخبر) كما أن فيه وفي غيره التصريح بجواز التوكيل فيه، إلا انه لا يخفى عليك عدم جرأة المتورع على بعض هذه الاحكام، لعدم وضوح مأخذها خصوصا بعد ان شرع له العقل والشرع طريق الاحتياط. ثم إن ظاهر بعضهم ان ايجاب الدفع المزبور للحاكم إنما هو حيث نقول بأن الحكم فيه الصرف وإلا فبناء على وجوب حفظه لا نه امانة أو التخيير بينه وبين الدفع واختار المكلف الحفظ مثلا لا يجب، وقد يشكل بأن مقتضى ولاية المجتهد ومنصوبيته وجوب تسليمه إليه لان وصوله إليه وصول إلى مالكه، ثم هو يرى رأيه فيه من دفع للاصناف أو حفظ أو غيرهما كما هو ظاهر الروضة أو صريحها، وقد يدفع بمنع الولاية له على حفظ مال الغائب الذي هو في يد امين ولو شرعي مكلف بحفظه حتى يوصله إلى مالكه بل قد يشكل وجوب الدفع إليه ولو للصرف بناء على ان تصرفه فيه باذن الفحوى ونحوها لا لتأدية واجب عن الامام (عليه السلام) ضرورة جواز التصرف لمن تحصل له وان لم يكن الحاكم إذ ليس له خصوصية حينئذ، بل لا يجب دفعه إليه وان كان الفحوى حاصلة له أي الحاكم دونه، بل لعله لا يجوز له في وجه، اللهم إلا أن يكون دفعه إليه لتشخيص كونه مالا له، ضرورة عدم طريق إلى تعينه غير قبض النائب في

[ 180 ]

زمن الغيبة، إذ ليس هو كقبض المستحق في الزكاة ونصف الخمس، لكونه مال شخص مخصوص لا يتعين بعد إشاعته في المال إلا بقبضه أو من يقوم مقامه كما هو واضح، فتأمل جيدا فان كثيرا من مباحث المقام غير محرر في كلام الاصحاب كما اشرنا إلى بعضه فيما تقدم، ومنها ما نحن فيه من ولاية الحاكم على نحو ما عرفت، فلم يحرروا أن ذلك له من باب الحسبة أو غيرها، وعلى الاول ما وجه تقديمها على ولاية عدول المؤمنين، وعلى الثاني فهل هي انشاء ولاية ونصب له من الله تعالى على لسان الامام، أو بعنوان النيابة عنه والوكالة، وإلا فالولاية له، وعلى الاخير فهل هي على الاطلاق بحث له عزل وكيل مجتهد آخر، وله الوكالة عن الامام (عليه السلام) لا عنه فلا ينعزل بموته أو جنونه أو غيرهما مما ينعزل بها الوكيل عن وكالته، أو ليس له شئ من ذلك بل يوكل عن نفسه خاصة، لكن على تقديره فهل إطلاق توكيله ينصرف إلى الاول أو الثاني وان كان الظاهر في هذا الاخير الثاني، كما أن الظاهر قصر وكالة الحاكم عن الامام (عليه السلام) على مناصب الامامة والولايات العامة لا ما يشمل اموره المختصة به من ضياعه وجواريه وغير ذك إلا من حيث الولاية على الغائب اما لو اريد إدخال شئ الان مثلا في ملك القائم (عليه السلام) متوقف على قبول ونحوه لم يكن له القبول بناء على عدم عموم ولايته عن الغائبين في امثال ذلك، بل هي خاصة في حفظ اموالهم وتأدية ما يجب عنهم، ثم ان جملة من هذه المباحث يأتي تحقيقها في القضاء والله اعلم، والحمد لله اولا وآخرا وظاهرا وباطنا على تواتر آلائه ووفور نعمائه، وصلى الله على محمد وآله ذوي الايادي العظيمة والمنن الجسيمة التي منها توفيقنا ببركاتهم لاتمام كتاب الخمس ضحوة يوم الخميس تاسع عشر من عاشور من السنة الحادية والثلاثين بعد الال‍ ف والمائتين.

[ 181 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي (كتاب الصوم) الذي هو من اشرف الطاعات وافضل القربات، ولو لم يكن فيه إلا الارتقاء من حطيط النفس البهيمية إلى ذورة الشبه بالملائكة الروحانية لكفى به منقبة وفضلا على انه قد ورد فيه من الاخبار ما ظهر بها علو مرتبته ظهور الشمس في رابعة النهار، ضرورة اشتمالها على انه احد الخمسة التي بني الاسلام عليها (1) وانه جنة من النار (2) وانه به يدخل العبد الجنة (3) وان نوم الصائم عبادة، ونفسه وصمته تسبيح، وعمله متقبل، ودعائه مستجاب (4) وانه ليرتع في رياض الجنة وتدعو له الملائكة حتى يفطر (5) وان له فرحتين فرحة حين يفطر وفرحة حين يلقى الله (6) وانه في عبادة ما لم يغتب مسلما (7) ولا يجري عليه القلم حتى يفطر ما لم يأت بشئ ينقض صومه (8) وان خلوق فم الصائم عند الله احب من ريح المسك (9) وانه زكاة الابدان (10) وان من صام يوما لله


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 8 - 11 - 38 - 16 (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 17 و 4 (7) و (8) و (9) و (10) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الصوم المتدوب الحديث 12 - 34 - 16 - 2

[ 182 ]

عزوجل في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به الف ملك يمسحون وجهه ويبشرونه بالجنة حتى إذا افطر، قال الله جل جلاله ما اطيب ريحك وروحك، يا ملاتكتي اشهدوا اني قد غفرت له (1) وانه الذي يستعان به على النازلة والشدة من الفقر وغيره (2) وغلبة الشهوة (3) وإذهاب البلغم والحفظ وصحة البدن (4) وانه يباعد الشيطان كتباعد المشرق والمغرب، ويسود وجهه (5) وأن لله ملائكة موكلين بالصائمين والصائمات يمسحونهم بأجنحتهم، ويسقطون عنهم ذنوبهم وأن لله ملائكة قد وكلهم إلا استجاب فيه (7) وان من صام يوما تطوعا لو اعطي ملا الارض ذهبا ما وفي أجره دون يوم الحساب (8) وكل أعمال بني آدم بعشرة أضعافها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فانه لي وأنا اجزي به، فثواب الصبر مخزون في علم الله، والصبر الصوم (9) وكأن وجه اختصاصه تعالى بالصوم كما في غيره من الاخبار المروية عند الطرفين انه أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه لغير الله تعالى، بخلاف غيره كالحج والصلاة، ولما في الصوم من ترك الشهوات والملاذ في الفرج والبطن الموجب لصفاء العقل والفكر بواسطة ضعف القوى الشهوية وقوة القوى العقلية، فيصل بسببهما إلى دقائق الحكمة والى كمال


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الصوم المندوب - الحدبث 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب الصوم المندوب (3) الوسائل - الباب - 4 من أبواب الصوم المندوب (4) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب الصوم المندوب - الحديث 14 والمستدرك الباب 1 منها الحديث 11 (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 - 36 - 3 - 32 - 33

[ 183 ]

المعارف الربانية التي هي أشرف أحوال النفس الانسانية، ومن جرب ذلك واختبره بأن راض نفسه باستعماله مع ترك اللغو في أفعاله وأقواله وكان من العارفين المتنبهين عرف استغناءه عن إقامة الادلة والبراهين، بل والفرق بينه وبين غيره من سائر العبادات، وإن كان كل منها فيه قرب إلى رب العالمين. وعلى كل حال فما ورد في فضل الصوم وفوائده اكثر مما يحصى فضلا عما ورد في خصوص صوم شهر رمضان (1) منه ورجب (2) وشعبان (3) ويوم الغدير (4) وأيام البيض (5) وستة شوال (6) وكل خميس وجمعة (7) واثنين (8) وثلاثة أيام من كل شهر أول خميس وآخر خميس ووسط اربعاء (9) وغير ذلك، على ان فيه من الحكم العجيبة والاسرار الغريبة من معرفة عظم فضل الله في المأكل والمشرب والمنكح وشدة ألم الجوع والعطش كي يرأف الغني بالفقير وغير ذلك مما لا يخفى على من كان مسرح عقله الخوض في حكم الله ومراعاة أسراره على تفاوت الناس في هذه المرتبة حتى ينتهي إلى أهل العصمة صلوات الله وسلامه عليهم، فانهم يعرفون ما فيه من الاسرار ما لا يعرفه غيرهم، فعن الحسن بن امير المؤمنين (عليهما السلام) (10) (انه جاء نفر من اليهود إلى رسول الله (صلى الله


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب احكام شهر رمضان (2) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب الصوم المندوب (3) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب الصوم المندوب (5) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الصوم المندوب (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب الصوم المندوب - الحديث 1 (9) الوسائل - الباب - 7 - عن ابواب الصوم المندوب (10) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب احكام شهر رمضان - الحدبث 4

[ 184 ]

عليه وآله) فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما سأله انه قال له: لاي شئ فرض الله عزوجل الصوم على امتك بالنهار ثلاثين يوما، وفرض على الامم اكثر من ذلك ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن آدم لما أكل من الشجر بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما الجوع والعطش والذي يأكلونه بالليل فضل من الله عزوجل عليهم، وكذلك كان على آدم ففرض الله ذلك على امتي، ثم تلا هذه الاية (1): (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون اياما معدودات) قال اليهودي: صدقت يا محمد، فما جزاء من صامها ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): مامن مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلا أوجب الله تبارك وتعالى له سبع خصال أولها يذوب الحرام من جسده، والثانية يقرب من رحمة الله عزوجل، والثالثة يكون قد كفر خطيئة آدم أبيه، والرابعة يهون الله عليه سكرات الموت، والخامسة امان من الجوع والعطش يوم القيامة، والسادسة يعطيه الله براءة من النار، والسابعة يطعمه الله من طيبات الجنة، قال: صدقت يا محمد) إلى آخره. (و) على كل حال ف (النظر) فيه يقع (في اركانه واقسامه ولواحقه واركانه اربعة). (الاول الصوم) لغة الامساك (و) شرعا على ما عرفه المصنف (هو الكف عن المفطرات مع النية) وقد عرفه غيره بغير ذلك، ولا يكاد ينطبق شئ منها على خواص التعريف الحقيقي، فيعلم منه عدم ارادتهم من ذلك بل المراد مجرد التصوير في الجملة، إذ عرف المتشرعة واف في معرفته كغيره من الفاظ العبادات، فلا وجه للاطالة في ذكر التعاريف وما يرد عليها


(1) سورة البقرة - الآية 179 الجواهر - 23

[ 185 ]

طردا وعكسا وما لا يرد، كما ان الظاهر عدم وجوب معرفة انه الكف أو الترك، وإلا لزم بطلان صوم اكثر الناس ان لم يكن جميعهم، وانما هو بحث علمي، بل الظاهر عدم وجوب علم المفطرات على التفصيل، فلو نوى الامساك عنها أو عن جملة اشياء تدخل هي فيها لم يبعد الصحة، نعم قد يشكل فيما لو نوى الامساك عن بعضها دون الاخر بتخيل انه ليس منها وان كان لم يفعله، لعدم حصول نية الصوم الشرعي، مع ان الصحة لا تخلو من وجه، بل هي الظاهر فيما إذا لم يلاحظ عدم الامساك عنه في النية، فتأمل جيدا والله العالم. وكيف كان فهي أي النية في الصوم كما تقدم في الصلاة إما ركن فيه وإما شرط في صحته وقد تقدم هناك انها هي بالشرط اشبه بل هنا أولى، لوقوعها ليلا، واحتمال تعلقها ببعض الصوم لعيد كاحتمال وقوع بعض أجزأ الصوم ليلا وكيف كان فالظاهر جريان جملة مما سمعته سابقا في المقام، كاعتبار نية الوجه والقضاء والاداء والاصالة والتحمل، لعدم تعقل الفرق كما لا يخفى، فما عساه يتوهم من المتن والشيخ من الفرق حيث اجتزيا هنا بنية القربة بخلاف الصلاة في غير محله، ولعل ذلك منهما في معرض عدم وجوب التعيين لما تقدم من أن التحقيق عندنا عدم اعتبار شئ من ذلك، فلو لم ينوها أو نوى شيئا منها في محل ضده على وجه لا ينافي التعيين ولا يقتضي تغير النوع صح، كما لو نوى صفة خارجة، والتشريع مقتض للعقاب دون الفساد بلا معارض للاصل، نعم لو توقف التعيين على شئ من المذكورات أو غيرها وجب مقدمة لحصول التعيين الذي يتوقف الامتثال عليه كما حرر في محله إلا انه يحتاج إليه مع تعدد نوع المأمور به، إذ مع اتحاده لا اشتراك كي يحاج إلى التعيين فيكفي في رمضان حينئذ على المختار من عدم اعتبار نية الوجه ان ينوي انه يصوم غدا متقربا إلى الله تعالى من غير حاجة إلى التعرض لكونه من رمضان، لعدم

[ 186 ]

صحة غيره فيه، فقصد امتثال الامر بالصوم غدا مثلا لا يكون إلا للامر المتعلق به فتعينه مجز عن تعيينه، على أنه عند التحليل تعيين، ولم اعرف خلافا في ذلك، بل عن الغنية والتنقيح الاجماع عليه، نعم في الذخيرة عن بعض الاصحاب اعتبار نية التعيين فيه ايضا من غير ان يذكر اسمه، وفي غيرها نسبته إلى العلامة. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه، لما عرفت خصوصا مع عدم مستند له سوى ما قيل من قاعدة الشك، ومن ان امتثال ا لامر فرع تعقل المكلف ان الامر امره بذلك، فإذا لم يعتقد ان الصوم غدا مما أمر الشارع به لم يكن ممتثلا للتكليف بالصوم غدا وإن كان ممتثلا للتكليف بالصوم المطلق، فالامتثال يتوقف على اعتقاد انه الصوم الذي تعلق به غدا، ونحن لا نعني بالتعيين سوى هذا إذ به يتعين كونه من رمضان، وفي الاول منع جريان قاعدة الشك، خصوصا في نحو النية التي عرفت كون التحقيق فيها انها من الشرائط، وخصوصا في الصوم الذي يمكن منع اجماله بملاحظة النصوص الاتية في محلها، وفي الثاني أن القائل بعدم التعيين لا يكتفي بقصد امتثال الامر بالصوم وان لم يعلم انه مأمور به غدا كي يتجه عليه ما ذكره، بل اقصاه - كما سمعت التصريح به في الاستدلال الاكتفاء بقصد امتثال الامر المتعلق بصوم غد عن تعيين كونه من رمضان، لعدم تعدد الامر به، فمع فرض قصد الامر المتعلق به حينئذ يتعين كونه شهر رمضان، وحينئذ فمرجع القولين إلى قول واحد، ولو سلم اكتفاؤه بذلك لم يعتبر التعيين أيضا بعد فرض عدم قابلية الزمان إلا لشخص خاص من الصوم، فتعينه كاف عن تعيينه. نعم قد يقال بأنه يعتبر فيه عدم قصد المكلف الاطلاق الذي ينافي التشخص بأن يكون مراده الكلية من حيث الكلية، فان ذلك حينئذ كنية الخلاف، بل يكفي مصداق الاطلاق الذي يجامع التشخص، وعلى كل

[ 187 ]

حال فلا وجه إلى رده في الذخيرة بأن مبنى دليل عدم التعيين على ان الصوم عبارة عن الامساك المخصوص بنية التقرب إلى الله تعالى وحينئذ فإذا نوى الصوم متقربا إلى الله تعالى فقد حصل الامتثال، سواء قصد كونه صوم شهر رمضان أو لم يقصد. وبالجملة لا ريب في حصول الفعل ممتثلا لامر الامر به مطلقا وإن لم يحصل الفعل قاصدا به امتثال الامر الخاص، واثبات ان الاجزاء يستدعي حصول الفعل بالقصد المذكور يحتاج إلى دليل، نعم إتمام هذا الاستدلال يتوقف على إثبات ان النية خارجة عن حقيقة الصوم، وأنه حقيقة شرعية في مهية الامساك المعين من غير اعتبار استجماع شرائط الصحة في معناه الحقيقي حتى إذا انتفي بعض شرائط الصحة صدق الصوم حقيقة، إذ المتجه حينئذ الاحتياج إلى دليل في اثبات اعتبار الامر الزائد على القدر المسلم بخلافه على التقديرين الاخرين ضرورة توقف يقين الفراغ من يقين الشغل على الاتيان بالفرد المعلوم حصول الامتثال به ثم قال: (وحيث كان اثبات الامرين المذكورين لا يخلو عن عسر كانت البراءة اليقينية من التكليف الثابت تقتضي اعتبار قصد التعيين، لكن عند انتفائه لا يلزم الحكم بوجوب القضاء، لان القضاء بتكليف جديد منوط بفوات الفعل أداء، ولم يثبت في موضع البحث فتدبر) وظاهره الميل إلى اعتبار التعيين لكن على الوجه الذي ذكره. وفيه اولا ما عرفت من انه لا ريب في ظهور تعلق النية بالصوم ووقوعها ليلا في خروجها عنه، إذ القول بتعلقها ببعض الصوم أو وقوع بعض اجزاء الصوم ليلا كما ترى، وثانيا عدم فهم اعتبار الخصوصية في النية وعدم دلالة الدليل عليه كاف في الحكم بالامتثال بمقتضى الاية، فإذا امسك المكلف عن المفطرات من طلوع الصبح إلى غروب الشمس مع نية القربة في هذا الامساك عالما بان الامساك في هذا اليوم مما طلبه الشارع صدق عليه في عرف فرق الاسلام انه

[ 188 ]

صام، ولا يفهم أحد من قوله فليصمه أمرا زائدا على ما يعبر عنه في عرف فرق الاسلام بالصوم، كما ان اعتبار النية الذي ظهر من خارج لا يدل على ازيد من اعتبار نية القربة في هذا الامساك، فالاتي بهذا الامساك آت بما يفهم من هذا الامر وهو دليل الاجزاء. نعم قد يقال بوجوب نية التعيين لو كان المكلف جاهلا بعدم وقوع غير شهر رمضان فيه، فجوز صلاحية الزمان له ولغيره، وبوجوبها ايضا كما قواه في البيان في المتوخي لشهر رمضان، كالمحبوس الذي لا يعلم الاهلة لانه زمان لا يتعين فيه الصوم، ولانه معرض للقضاء، والقضاء يشترط فيه التعيين مع احتمال العدم فيه. لانه بالنسبة إليه شهر رمضان، واحتمل اشتراط التعيين على تقدير عدم وجوب التحري عليه، بل يجوز له الصوم في اي وقت شاء، والا لم يجب ونفى عنه البأس في المدارك ولا ريب في ضعفه، إذ لا فرق بينهما من حيث صيرورته بذلك شهر رمضان في حقه، فان كان ذلك مجزيا عن التعيين ففيهما معا وإلا فلا، نعم قد يفرق بينهما بان المتجه إحداث نيه التعيين لشهر رمضان للمتوخي على الاول، وهي غير نية التعيين لصوم كل يوم، والتحقيق عدم وجوب التعيين عليه على كل حال بعد صيرورة مظنونه أو مختاره شهر رمضان بالنسبة إليه، بل قد يناقش في وجوب التعيين في الاول، والتعدد الذي منشاؤه الجهل لا ينافي صدق امتثال الامر المتحد في الواقع، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فلا ريب في ان نية التعيين في الجميع احوط، بل في الدروس وفي المبسوط فسر نية القربة ان ينوي صوم شهر رمضان، وفي البيان ولو اضاف التعيين إلى القربة والوجوب في شهر رمضان فقد زاد خيرا، والاقرب استحبابه ثم قال: واما التعرض لرمضان هذه السنة فلا يستحب ولا يضر، ولو تعرض لرمضان سنة معينة في غيرها ففي البيان ان كان غلطا لغى، وان تعمد فالوجه

[ 189 ]

البطلان، وناقشه في المدارك بحصول الامساك مع نية التقرب، فيحصل الامتثال ويلغو الزائد مع ان هذه لا معنى لها، فانها انما تقع على سبيل التصور لا التصديق قلت: لكن تكون سببا لعدم قصد امتثال خصوص الامر المتعلق به في هذه السنة، وهو كاف في البطلان، فتأمل جيدا. وكيف كان فهل يكفي ذلك في النذر المعين واخويه وما يشبههما (قيل) قال المرتضى وابن ادريس: نعم وقواه الفاضل في المنتهى لانه زمان تعين بالنذر للصوم، فكان كشهر رمضان، واختلافهما باصالة التعيين وعرضيته لا يقتضي اختلافهما في هذا الحكم وقيل: ذهب جماعة منهم الشيخ إلى أنه لا يكفي وهو الاشبه وفاقا للفاضل في جملة من كتبه والشهيدين والمقداد وغيرهم، بل في المسالك انه المشهور لانه زمان لم يعينه الشارع في الاصل للصوم، ولا بالنذر على وجه لا يصح وقوع غيره فيه حتى مع السهو والنسيان والجهل ونحوها، إذ لا دليل عليه بالنسبة إلى ذلك، والالتزام بالنذر أعم من رفع الصلاحية، بل ربما احتمل صحة وقوع غيره فيه مع العمد وان أثم بترك ايقاع النذر فيه وان كان فيه ما فيه، بل يمكن منع وقوع غيره فيه حتى مع السهو والجهل فضلا عن غيره لاختصاصه بالنذر فيه، بل ظاهر ما يأتي في المدارك المفروغية من ذلك وان كان خلاف ما حكاه فيها عن المنتهى بل في الدروس الاجماع عليه فالانصاف حينئذ انه ان تم ذلك كان الالحاق بشهر رمضان متجها، وإلا كان المتجه العدم، ومن ذلك يظهر لك ما في المدارك والذخيرة وغيرهما من عدم الفرق بين شهر رمضان والنذر المعين سواء كان تعيينه في اصل النذر الذي هو السبب في وجوبه وبين ما كان مطلقا بالاصل ثم تعين بنذر آخر مثلا، واحتماله بدعوى ان الثاني صالح للوقوع في سائر الازمنة وانما أفاد النذر فوريته خاصة فهو كالنذر للواجب المطلق كما ترى، وأوضح منه فسادا ما قيل من ان مبنى الوجهين على تفسير

[ 190 ]

المعين فان فسر بأنه الفعل الذي إذا فات محله صار قضاء لم يكن معينا، وان فسر بأنه الفعل الذي لا يجوز تأخيره عن ذلك الزمان الذي تعلق به كان معينا، ضرورة عدم دوران الحكم على هذا اللفظ كي يرجع إلى تفسيره، بل ظاهرهما عدم الفرق ايضا بين ذلك وبين قضاء شهر رمضان عند تضييق الوقت في عدم وجوب التعيين بل وان لم يتضيق إذا لم يكن في ذمة المكلف صوم واجب سواه، وقلنا بامتناع المندوب لمن في ذمته واجب، وفي الجميع ما عرفت، وامتناع تعمد الندب لمن عليه قضاء لا يمنع من الصحة لو وقع نسيانا ونحوه مما افترق به عن شهر رمضان، فلا ريب في ان الاحوط والاقوى اعتبار التعيين في غيره، لكن في المسالك انه يلزم القائل بوجوب التعيين هنا القول بوجوب التعرض للوجوب ايضا لاقتضاء دليله له، وهو ان الزمان بأصل الشرع غير معين، وانما تعين بالعارض، وما بالاصل لا يزيله ما بالعارض، فلا بد من نية التعيين، وهذا بعينه آت في الوجوب، ومقتضى كلام المصنف الاكتفاء في النذر المعين بالقربة والتعيين، وفيه سؤال الفرق بين الامرين، اللهم الا ان يحمل نية القربة على ما يعم الوجوب كما سيأتي مثله عن جماعة، وفي المدارك بعد ان حكى ذلك عنه قال: وهو غير جيد لعدم الملازمة كما اعترف هو به في مواضع من كتبه، قلت: وهو كذلك إذ الوجوب والندب حال عدم توقف التعيين عليهما من الصفات الخارجية اللاحقة للفعل على كل حال سواء نوى أو لم ينو بخلاف نية التعيين التي قد عرفت عدم تحقق الامتثال بدونها، لعدم انصراف الفعل في القابل للوجوه إلى المكلف به في نفسه، كما هو واضح، والله اعلم. (ولابد فيما عداهما) اي شهر رمضان والنذر بناء على الالحاق (من نية التعيين وهو القصد إلى الصوم المخصوص) كالكفارة والنذر المطلق ونحوهما بلا خلاف كما عن التنقيح الاعتراف به، بل عن المعتبر نسبته إلى فتوى الاصحاب

[ 191 ]

مشعرا بدعوى الاجماع. بل في التحرير دعواه صريحا (فلو اقتصر على نية القربة وذهل عن تعيينه لم يصح) لعدم تميز المنوي وتشخصه مع صلوحه لوجوه متعددة، فلا يقع حينئذ لشئ منها، ولا امر بالصوم المطلق حتى يصح له، فليس حينئذ الا الفساد، نعم ألحق الشهيد في البيان بالواجب المعين المندوب المعين كأيام البيض، بل حكى عنه ثاني الشهيدين في الروضة انه ألحق به في بعض تحقيقاته مطلق المندوب، لتعينه شرعا في جميع الايام الا ما استثني، فيكفي نية القربة واستحسنه هو، وتبعه في الذخيرة، وفي المدارك لا بأس به خصوصا مع براءة ذمة المكلف من الصوم الواجب، وهو ظاهر في الاجتزاء بذلك وان كانت ذمته مشغولة بواجب، الا انه لا يخفى ما فيه بل وما في الجميع ضرورة عدم صلاحية امثال ذلك للاستغناء عن نية التعيين التي اوجبها العقل في بعض الاحوال فضلا عن الشرع وتوقف عليها صدق الامتثال باعتبار عدم انصراف الفعل إلى احد الخصوصيات بدونها كما هو واضح فتأمل، هذا. وقد ظهر من تفسير المصنف نية التعيين انه لا يستغنى بها عن نية القربة كما عن المبسوط ضرورة مغايرتها له حينئذ فلا يجزي احدهما عن الاخر كما اعترف به المصنف في المحكي عن معتبره، والمراد بالخصوصية في التفسير المزبور ما تفيد تعيين الصوم الواقع على وجه تشخصه، فلا يجب التعرض لخصوص الكفارة مثلا بل يكفي القصد إلى ما في ذمته مع فرض اتحاده وان لم يعلم كونه قضاء أو كفارة كما صرح به شيخنا في كشفه، ودعوى انها اوصاف داخلة في حقيقة المكلف به فيجب حينئذ قصدها واضحة المنع، فتأمل هذا. (و) على كل حال فان كان الصوم معينا ف‍ (لابد من حظورها) أي النية (عند أول جزء من الصوم) كغيره من الاعمال تحصيلا للمقارنة

[ 192 ]

المفهوم اعتبارها من نحو قوله (صلى الله عليه وآله) (1): (إنما الاعمال بالنيات) وغيره، لكن لما كان تحصيل ذلك متعسرا ان لم يكن متعذرا - ضرورة عدم العلم بطلوع الفجر إلا بعد الوقوع، فتقع النية بعده، وذلك غير المقارنة المعتبرة فيها بالنسبة إلى غير الصوم من الاعمال - اجتزى الشارع عن ذلك في الصوم المعين فضلا عن غيره بوقوعها في الليل، وهو الذي اشار إليه المصنف بقوله: (أو تبييتها) في أي جزء من الليل، خلافا لبعض العامة فخصها بالنصف الاخير ولا ريب في ضعفه، كضعف ما عساه يظهر من المحكي عن المرتضى من كون النية قبل طلوع الفجر إلى الزوال إذا اريد منه ما لا يشمل جميع الليل الذي لا ينبغي التأمل في جواز وقوع النية في أي جزء من اجزائه، بل لا تبطل بعد وقوعها بفعل ما ينافي الصوم بعدها قبل طلوع الفجر سواء في ذلك الجماع وغيره لاطلاق دليل الاجزاء، خلافا لما عن البيان من الجزم بعدم جوازها بالتناول ثم قال: (وفي الجماع وما يبطل الغسل تردد من أنه مؤثر في صيرورة المكلف غير قابل للصوم، فيزيل حكم النية، ومن حصول الشرط وزوال المانع بالغسل) لكن لا يخفى عليك ما فيه، بل في المدارك انه دعوى خالية عن الدليل، قلت بل الدليل على خلافها، ضرورة ان الصوم المنوي من طلوع الفجر، فلا مدخلية لاجزاء الليل التي يقع فيها المفطر. وكيف كان فلا إشكال في إجزاء تبييتها ليلا إلا انه يعتبر فيه كونه (مستمرا على حكمها) غير ناقض لها بما ينافيها من نية اخرى أو غيرها جاعلا له المصنف قسيما للحظور من غير خلاف يعرف فيه، بل الاجماع بقسميه عليه بل السيرة التي هي أعظم من الاجماع عليه، بل يمكن دعوى صدق كون الصوم بالنية


(1) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب مقدمة العبادات الحديث 10. الجواهر - 24

[ 193 ]

على ذلك، إذ نية كل شئ بحسب حاله لكن قد يقال إن المتجه حينئذ عدم ذكر الفرد الاول من الفردين لعدم الفائدة فيه، اللهم إلا ان يكون ذلك لبيان الاجتزاء به إذا اتفق ردا على المحكي عن ابن أبي عقيل من ايجاب وقوع النية ليلا الظاهر في عدم اجراء المقارنة المزبورة، إلا إذا حمل على ارادة تعذرها أو تعسرها كما عرفت، أو يمنع إرادة المقارنة المزبورة في نحو عبارة المصنف بل ما يشمل حصولها بعد تحقق الفجر، كما يشهد له ما في الروضة هنا من ان ظاهر الاصحاب أن النية للفعل المستغرق للزمان المعين تكون بعد تحققه لا قبله لتعذره وممن صرح به المصنف في الدروس في نيات أعمال الحج كالوقوف بعرفة، فانه جعلها مقارنة لها بعد الزوال، فيكون هنا كذلك، وحينئذ يتجه ذكر المصنف له فردا مقابلا للتبييت، لكن بناء عليه يقع جزء من الزمان بلا نية حينئذ، وهو خلاف المعلوم من الشرع. ولعل من ذلك كله ينقدح لك قوة ما قلناه سابقا من أن النية عبارة عن الداعي الذي لا ريب في تصور مقارنة خطوره، ضرورة إمكان استمراره مما قبل الفجر إلى ما بعده، كما انه يكفي وجوده في الليل مستمرا على حكمه في صدق استناد الصوم إلى النية عرفا، وحينئذ فلا حاجة في جواز تقديم النية ليلا إلى دليل خاص، اللهم إلا أن يقال انه وإن قلنا بان النية الداعي لكن لا نقول بالاكتفاء بخطوره آنا ما قبل الشروع في الفعل وان غاب حاله كما في نحو المقام إذ لا ريب في صحة صوم من نواه من أول الليل ثم نام إلى ما بعد طلوع الفجر على انه لا يعقل فرق بين ذلك وبين الوقوع قبل الليل حتى اجزأ الاول دون الثاني، خلافا لابن الجنيد فاجتزى بهما معا، ونحوه ما تسمعه من الشيخ الذي سيشير إليه المصنف، لكن لا ريب في ضعفهما، وحينئذ فلا بد من الاستناد إلى دليل خاص في ذلك كله، اللهم إلا أن يدعى ان للصوم خصوصية، فيصدق

[ 194 ]

مع وجود الداعي وان غاب بالنوم ونحوه انه بنية دون غيره، كما أن له خصوصية في هذا الصدق بالنسبة إلى الليل والنهار. وكيف كان فلا يجوز تأخير النية عن الفردين في الواجب المعين ولو للعارض، بل قد يظهر من إطلاق المتن عدم الفرق في ذلك بين المعين وغيره وإن كان هو بالنسبة إلى الثاني واجبا شرطيا، لكن - مع انه قد ينافيه لفظ النسيان في الجملة - مقتضى ذلك عدم جواز تجديد النية قبل الزوال في القضاء والكفارة والنذر المطلق لمن لم ينو الصيام من الليل مختارا، ولم اعرف به قائلا من الاصحاب، بل المنسوب في المدارك وغيرها إلى قطعهم استمرار وقت النية فيه من الليل إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا، لصحيح عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن ابي الحسن عليه السلام: ((في الرجل يبدو له بعد ما يصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل قال: نعم فليصمه ويعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا) والصحيح عن محمد بن قيس (2) عن ابي جعفر عن علي (عليهما السلام) (إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب شرابا ولم يفطر فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر) وسئل الصادق عليه السلام في موثق الساباطي (3) (عن الرجل يكون عليه الايام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد ان ينوي الصيام ؟ فقال: هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الافطار فليفطر، وسئل فان كان نوى الافطار يستقيم الصوم بعد ما زالت الشمس فقال: لا) الحديث، وقال له الحلبي (4): (إن رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أيصوم ؟ قال: نعم) كقوله عليه السلام في


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 2 - 5 - ؟ - 1

[ 195 ]

خبر عبد الله بن سنان (1) (إن بدا له ان يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم، فانه يحسب له من الساعة التي نوى فيها) وقال صالح بن عبد الله (2) لابن ابراهيم عليه السلام: (رجل جعل الله عليه الصيام شهرا فيصبح وهو ينوي الصوم ثم يبدو له فيفطر، ويصبح وهو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم فقال: هذا كله جائز). بل إطلاق المحكى عن ابن الجنيد يقتضي جواز تجديد النية بعد الزوال، ولعله للاصل وإطلاق بعض النصوص السابقة بل ترك الاستفصال فيه، وصحيح عبد الرحمان (3) سأل أبا الحسن (عليه السلام) (عن الرجل يصبح ولم يطعم ولم يشرب ولم ينو صوما وكان عليه يوم من شهر رمضان أله ان يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار ؟ قال: نعم له أن يصوم ويعتد به من شهر رمضان) ومرسل ابن ابي نصر (4) (قلت للصادق (عليه السلام): الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان ويصبح فلا يأكل إلى العصر أيجوز ان يجعله قضاء شهر رمضان ؟ قال: نعم) وصحيح هشام بن سالم (5) قال للصادق (عليه السلام): (الرجل يصبح ولا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم فقال: إن هو نوى الصوم قبل ان تزول الشمس حسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى) وهو لولا ندرته لكان في غاية القوة، لعدم المعارض إلا موثق عمار (6) المنفي فيه الاستقامة الذي يمكن إرادة الكمال منه كما اومأ إليه صحيح هشام (7) بل هو كالصريح في إرادة نحو ذلك، ويرجع إليه ما في المسالك من انه إن اوقع النية قبل الزوال أثيب على الصوم لجميع النهار، وإن نوى بعده حسب له من الوقت الذي نوى فيه إلى آخر النهار، والصوم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم - الحديث 3 - 4 (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 6 - 9 - 8 - 10 - 8

[ 196 ]

صحيح على التقديرين، وحمل العامة الخبر الاول على ما قبل الزوال كما ترى، وأضعف منه حمل الخبر الثاني على الناوي صوما مطلقا مع نسيان القضاء فأراد صرفه بعد العصر إليه، إذ هو مع انه خلاف ظاهر الخبر أو صريحه لا دليل على المنزل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه، وأضعف منهما استدلاله في المحكي عن المعتبر بأن الصوم الواجب يجب ان يأتي به من اول النهار أو بنية تقوم مقام الاتيان به من اوله وقد روى إى آخر صحيح هشام السابق، إذ هو واضح الضعف، فليس حينئذ إلا الندرة، خصوصا والخبر الثاني الذي هو العمدة في إثبات الدعوى مرسل لا جابر له، بل قد عرفت الاعراض عنه، وخصوصا مع مخالفة الحكم القواعد المحكمة والعمومات المعمول بها. نعم لا بأس بالقول به في المندوب المتسامح فيه وفاقا للمرتضى والشيخ وابن ادريس والفاضل والشهيدين وغيرهم، بل عن المنتهى نسبته إلى الاكثر، بل عن الانتصار والغنية والسرائر الاجماع عليه للاصل وإطلاق بعض النصوص، حتى قول الصادق (عليه السلام) في صحيح هشام (1): (كان أمير المؤمنين عليه السلام يدخل إلى اهله فيقول: عندكم شئ وإلا صمت، فان كان عندهم شئ أتوا به، وإلا صام) وخصوص موثق أبي بصير (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة قال: هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وان مكث حتى العصر ثم بدا له ان يصوم وإن لم يكن نوى ذلك فله ان يصوم ذلك اليوم إن شاء) وغير ذلك متمما بعدم القول بالفصل، وان المراد بالعصر فيه بقاء زمان يصلح لتجديد نية الصيام كما صرح غير واحد باعتبار ذلك، وخلافا للمحكي عن الاكثر فجعلوه كالواجب في عدم جواز التجديد بعد الزوال للاصل الذي قد


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 1

[ 197 ]

عرفت انقطاعه، كما عرفت ان المراد من صحيح هشام بن سالم تفاوت الفضل، فلا ريب أن الاقوى حينئذ ذلك. قد ظهر من ذلك كله ان الاولى حمل ما في المتن على الواجب المعين بالاصل أو بالعارض، فانه هو المتجه فيه وجوب الاستحضار أو التبييت باعتبار توقف الصحة حال الاختيار عليهما، إذ لا دليل عليها بدونهما وإن جدد قبل الزوال حتى في القضاء المنذور تعيينه مثلا وإن كان مقتضى استصحاب حكمه قبل النذر ذلك إلا أنه لما كان الحكم مخالفا للقواعد وجب الاقتصار فيه على المتيقن من النصوص من الواجب غير المعين، بل لا ريب في ظهورها لاشتمالها على لفظ البدو وغيره فيه، وربما كان ذلك من حيث توسعته (و) حينئذ يتجه قول المصنف: ف‍ (لو نسيها) أي النية (ليلا) وفي الدروس أو كان جاهلا بوجوب ذلك اليوم (جددها نهارا) في ما (بينه) أي الليل و (بين الزوال) من المدة على معنى أنه يجددها حالة الذكر على الفور في هذه المدة لئلا يخلو جزء من النهار من النية اختيارا لا أن له التراخي بها إليه، فان فعل حينئذ بطل وان جددها قبل الزوال كما صرح به في المسالك إذ لا خلاف يعتد به في ان ذلك حكم الناسي في المعين بل قيل: إن ظاهر المعتبر والتذكرة والمنتهى انه موضع وفاق ولعله كذلك عدا ما عساه يظهر من المحكي عن ابن أبي عقيل في المختلف من عدم الفرق بين العامد والناسي في بطلان الصوم مع الاخلال بالنية من الليل وهو وإن كان مقتضى القواعد إلا أنه يجب الخروج عنها بما سمعت من ظهور الاتفاق المعتضد بفحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال وبنبوي الرفع وبالمروي (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) (ان ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إليه فشهد برؤية الهلال فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) مناديا


(1) سنن البيهقى ج 4 ص 212 مع الاختلاف في اللفظ

[ 198 ]

ينادي من لم يأكل فليصم ومن اكل فليمسك) بتقريب أنه إذا جاز مع العذر وهو الجهل بالهلال جاز مع النسيان كما في التذكرة وغيرها وإن كان هو كما ترى كأصل الاستدلال بالمرسل المزبور وأضعف منه الاستدلال في المدارك باصالة عدم اعتبار تبييت النية مع النسيان كما هو واضح وعدا ما عساه يظهر من إطلاق ما يحكى عن المرتضى من ان وقت النية في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر إلى وقت الزوال من جواز تأخير النية اختيارا وابن الجنيد ويستحب للصائم فرضا وغير فرض أن يبيت الصيام لما يريده به وجائز ان يبتدئ وقد بقي بعض النهار ويحتسب به من واجب إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام ولو جعله تطوعا كان افضل من التأخير إلى ما بعد الزوال إلا أنه لا ريب في ضعفهما معا بل يجب حمل الاول على إرادة تحديد الوقت الاختياري والاضطراري كما انه يجب حمل الثاني على ذلك أو غير المعين من الواجب. وعلى كل حال فعبارة المتن في المعين لكن فيما حضرني من النسخة تعقيب ذلك بقوله: فلو زالت الشمس فات محلها واجبا كان الصوم أو ندبا وقيل: يمتد وقتها إلى الغروب كصوم النافلة والاول أشهر وكأنه مناف لحمل العبارة السابقة على الواجب المعين الذي لم نعرف قائلا بامتداد وقتها فيه إلى الغروب عدا ما سمعته من عبارة ابن الجنيد السابقة كما انه لا يستقيم التعميم السابق مع قوله: كصوم النافلة الظاهر في المفروغية منه واحتمال إرادة المعين من الندب والمطلق من النافلة يدفعه انه لا فرق عند الاصحاب بين أفراد الندب في الحكم المزبور ويمكن حمل العبارة الاخيرة على إرادة بيان منتهى وقت النية الاختياري والاضطراري في الواجب والندب ولا ينافيه كون العبارة السابقة في الواجب المعين والامر سهل بعد ما عرفت تفصيل الحال في أفراد المسألة الذي منه انه إذا ترك النية في المعين عمدا حتى أصبح لم يجزه تجديد النية قبل الزوال لعدم الدليل

[ 199 ]

فيبقى على مقتضى القواعد لكن في البيان جعل الاجزاء وجها وأقرب منه العدم وفي الكتاب فيما يأتي ولو قيل بانعقاده كان أشبه ولا ريب في ضعفه فيجب عليه حينئذ القضاء. بل لا يبعد وجوب الكفارة وفاقا للمحكي عن أبي الصلاح بل في البيان ان به كان يفتي بعض مشايخنا المعاصرين لان فوات الشرط أو الركن أشد من فوات متعلق الامساك بل ما نحن فيه أشد قطعا، ضرورة انه من أفراده العاصي الذي قصد عدم الامتثال وعزم عليه إلا انه اتفق إمساكه عن المفطرات لعارض في بدنه أو غيره ومن ذلك يظهر لك ضعف القول بعدم الكفارة وان قطع به الفاضل في المحكي من المنتهى وقواه في المدارك لاصالة البراءة المقطوعة بما يظهر من نصوص الكفارة الاتية. ولو نوى من الليل صوما غير معين ثم نوى الافطار ولم يفطر كان له تجديد النية بعد ذلك بناء على ان ذلك مفسد للصوم كما لو أصبح بنية الافطار ثم جدد النية بعد ذلك ويحتمل العدم لفساد الصوم بذلك كما هو المفروض فلا يكون له التجديد ولا ريب في ضعفه هذا وفي المدارك تبعا لما سمعته من المسالك في الجملة (ولو جدد النية في أثناء النهار فهل يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية أو من ابتداء النهار أو يفرق بين ما إذا وقعت النية بعد الزوال أو قبله ؟ أوجه أجودها الاخير لصحيح هشام بن سالم) قلت: قد عرفت إرادة تفاوت الفضل من الصحيح لا اصل الثواب المترتب على صدق اسم الصيام الشامل لما نحن فيه بالادلة الشرعية التي لا معنى لاستبعاد تأثير النية فيما مضى بعدها هنا على ان معنى تأثيرها احتساب اليوم بجميعه يوم صيام فالامساك المتأخر أشبه شئ باجازة الفضولي في التأثير في السابق لا انه ينوي التقرب فيما مضى من إمساكه لعدم معقوليته على وجه الحقيقة كما هو واضح والله اعلم.

[ 200 ]

(و) كيف كان فقد ظهر لك من ذلك ابتداء وقت النية وانتهائه فما (قيل) من انه (يختص رمضان بجواز تقديم نيته عليه) وانه (لو سها عند دخوله فصام كانت النية الاولى كافية) كما هو خيرة النهاية والمبسوط والخلاف واضح البطلان قال في الاول: (إن نسي أن يعزم على الصوم في أول الشهر وذكر في بعض النهار جدد النية وقد أجزأه فان لم يذكرها وكان من عزمه قبل حضور الشهر صيام الشهر إذا حضر فقد أجزأه ايضا فان لم يكن في عزمه ذلك وجب عليه القضاء) وفي الثاني (نية القربة يجوز ان تكون متقدمة، فانه إذا كان من نيته صوم الشهر إذا حضر ثم دخل عليه الشهر ولم يجددها لسهو لحقه أو نوم أو اغماء كان صومه صحيحا، فان كان ذاكرا فلابد من تجديدها) وفي الثالث (وأجاز أصحابنا في نية القربة في شهر رمضان خاصة ان تتقدم على الشهر بيوم أو أيام) وحاصلها بعد رجوع بعضها إلى بعض الاجتزاء بذلك للناسي مثلا خاصة، فأما الذاكر فلا يجتزى به إجماعا في المختلف بل في البيان قولا واحدا، وهو شئ غريب، بل لا يوافق ما ذكر دليلا له من ان مقارنة النية ليست شرطا في الصوم، فكما جاز ان تتقدم من أول ليلة الصوم وإن تعقبها النوم والاكل والشرب والجماع جاز أن تتقدم على تلك الليلة بالزمان المتقارب كاليومين والثلاث إذ هو مع انه قياس ومع الفارق اعتبارا ودليلا من الاجماع بقسميه والنصوص التي منها خبر التبييت يقتضى الاجتزاء بذلك مع الذكر ايضا، ويكفي ذلك في ضعف هذا القول وسقوطه، والله اعلم. (وكذا قيل: تجزي نية واحدة لصيام الشهر كله) لكن القائل هنا الشيخان والمرتضى وابو الصلاح وسلار وابن زهرة وغيرهم، بل عن المنتهى نسبته إلى الاصحاب من غير نقل خلاف، بل في المحكي عن الرسية للمرتضى


الجواهر - 25

[ 201 ]

والانتصار والخلاف والغنية الاجماع عليه صريحا ولا استبعاد في ذلك، ضرورة إمكان تأثير النية فيه للدليل وإن طال وتخلل الفصل، كما اثرت في أجزاء اليوم الواحد وفي النهار مع وقوعها في أول الليل، فلا مانع حينئذ من ان يكون الثلاثون يوما بالنسبة إلى ذلك كالعمل الواحد بعد اقتضاء الدليل، وليس المراد من ذلك القياس كي يرد انه ممنوع أولا، ومع الفارق ثانيا، ولا ان المراد أنه عمل واحد حقيقة كاليوم الواحد كي يرد عليه ان صوم كل يوم مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله ومابعده شرعا وعرفا، ولذلك تتعدد الكفارة بتعدده، ولا يبطل صوم الشهر ببطلان بعض أيامه كالصلاة، ولا غير ذلك مما هو واضح المنع، بل المراد التنظير بعد دلالة الدليل، إلا انه في المقام منحصر في الاجماع المحكي المعتضد بالشهرة القديمة، فمع القول بحجيته لا محيص عنه هنا، وعدم الاطلاع عليه من غير جهة النقل غير قادح في حجيته، كعدم العمل به من جماعة ممن تأخر، بل ربما قيل إنه المشهور بينهم، ضرورة معارضته بعمل من تقدم واشتهاره بينهم، وعدم الصيام لمن لم يبيت الصيام بعد تسليم اعتبار مادل عليه مخصوص بغير الفرض، أو يراد من التبييت فيه ما يشمل المقام الذي وقعت النية فيه من اول ليلة، كما ان دليل المقارنة يجب تخصيصه أو تنزيله على نحو ذلك وقاعدة الشغل بعد تسليم جريانها في نحو المقام يجب الخروج عنها بالدليل المزبور على انه قد اعترف في الذخيرة هنا بعدم اقتضائها القضاء لو خالفها، ولعله لعدم صدق الفوات به، فتأمل جيدا. ومن ذلك كله مال في الرياض وغيره إلى القول به، بل فيه انه مال إليه في المعتبر ايضا، إلا انه لا ريب في ان الاولى تجديد النية لكل يوم عملا بالاحتياط قال في محكي المنتهى: (ولو قلنا بالاكتفاء بالنية الواحدة فان الاولى تجديدها بلا خلاف) ونحوه عن الغنية، وهما صريحان في جواز تفريق النية في المقام عند

[ 202 ]

القائل بالاكتفاء بالنية الواحدة وإن منعوه منه في غير المقام، فما وقع من ثاني الشهيدين من إشكاله بأن القائل بالاكتفاء بالنية الواحدة للشهر يجعله عبادة واحدة، ومن شأن العبادة الواحدة ان لا يجوز تفريق النية على أجزائها في غير محله، إذ لو سلم امتناع التفريق في غير المقام، إلا ان ظاهر القائل الجواز هنا بل قد سمعت ما في الغنية والمنتهى، ولعله لما عرفت من انه ليس عبادة واحدة عندهم كي يتأتى عليه إشكال التفريق، بل حكمها حكمها من هذه الحيثية الخاصة، وإلا فلا ريب في عدم ارتباط صوم يوم بآخر كما هو واضح. نعم في الذخيرة (انه لا يبعد القول بأن كل واحد من الايام عبادة مستقلة والمجموع ايضا عبادة مستقلة، فلو قيل بذلك لم يبعد أن يقال المجموع أيضا يحتاج إلى نية، كما أن الاجزاء تحتاج إليها، لكن لا أعرف أحدا صرح بهذا) قلت: لوضوح بطلانه باعتبار وضوح عدم مدخلية الاجتماع في العبادة. ومن ذلك يظهر لك ان المتجه بناء على هذا القول الاجتزاء بنية واحدة لبعض الشهر إذا فاته النية للبعض الاخر لعذر أو غيره، ضرورة اولوية الاجتزاء بها للبعض منه للجميع، لكن عن البيان (ان الاوجه عدم الاكتفاء بذلك، لان شهر رمضان إما عبادة واحدة أو ثلاثون عبادة، فلا يجوز ان يجعله قسما آخر) وفي المدارك (ان ضعفه ظاهر، إذ المفروض كونه عبادة واحدة، فلا وجه لتفريق النية، لكن العبادة الواحدة لا يمتنع الاتيان ببعضها لفوات البعض الاخر، ومتى وجب الاتيان به تعين باعتبار النية فيه على هذا الوجه) قلت: مضافا إلى ما قد عرفت من ان المراد من الوحدة فيه الاجتزاء بالنية الواحدة لا غير. وكيف كان فهذا الحكم مختص بشهر رمضان، اما غيره فيجب فيه تجديد النية لكل يوم يوم بلا خلاف اجده فيه، بل في الدروس الاجماع عليه من غير فرق بين نذر شهر معين أو ايام معينة متتابعة وبين غيرهما، للقاعدة السالمة عن

[ 203 ]

المعارض هنا، لكن عن المنتهى تعليله بأنه عندنا لعدم النص، وعندهم للفرق بين صوم لا يقع فيه غيره وبين صوم يجوز ان يقع فيه سواه، وفي المدارك وكان مراده جواز الوقوع لولا النذر، إذ لا ريب في امتناعه بعده، واما تعليله بعدم النص فهو مشترك بين صوم شهر رمضان وغيره، والامر سهل بعد وضوح المقصود (و) على كل حال فالمشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا انه (لا يقع في) شهر (رمضان صوم غيره) واجبا أو مندوبا، من المكلف بصومه وغيره كالمسافر ونحوه، بل هو المعروف في الشريعة، بل كاد يكون من قطعيات اربابها إن لم يكن من ضرورياتها، لكن عن مبسوط الشيخ (لو كان مسافرا سفر القصر فصام بنية رمضان لم يجزه، وإن صام بنية التطوع كان جائزا، وإن كان عليه صوم نذر معين ووافق ذلك شهر رمضان فصام عن النذر وهو حاضر وقع عن رمضان، ولا يلزمه القضاء لمكان نذر، وإن كان مسافرا وقع عن النذر وكان عليه القضاء لرمضان، وكذا إن صام وهو حاضر بنية صوم واجب عليه عن رمضان وقع عن رمضان ولم يجزه عما نواه، وإن كان مسافرا وقع عما نواه) وهو غريب، خصوصا بعد مرسل الحسن بن بسام (1) قال: (كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلت فداك امس كان من شعبان وانت صائم واليوم من شهر رمضان وانت مفطر فقال: إن ذلك تطوع ولنا ان نفعل ما شئنا، وهذا فرض وليس لنا ان نفعل إلا ما امرنا) وكأنه اومأ بذيله إلى ما استدل به هنا غير واحد من اصحابنا من ان العبادة وظيفة متلقاة من الشارع فتتوقف على النقل، ولم يثبت التعبد في شهر رمضان بصوم سوى الصوم الواجب منه بالاصالة، فيكون فعله بدعة محرمة، وزاد في المختلف الاستدلال بقوله


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 5

[ 204 ]

تعالى (1): (فمن كان منكم مريضا) إلى آخره، فان إيجاب العدة يستلزم إيجاب الافطار، وبقوله (عليه السلام) (2): (ليس البر الصيام في السفر) إلى ان قال في الجواب عما ذكر دليلا للجواز من انه زمان لا يجب صومه عن رمضان فأجزأه عن غيره كغيره من الازمنة التي لا يتعين الصوم فيها، قال: الفرق ان هذا الزمان لا ينفك عن وجوب الصوم عن رمضان ووجوب الافطار، بخلاف غيره من الازمنة، ولا يجب إفطاره في السفر فأشبه العيد في عدم صحة صومه، والانصاف ان جميع ذلك محل للنظر، بل بعضه مصادرة، فالعمدة حينئذ معلومية عدم وقوع غير رمضان فيه في الشريعة. (و) أنه (لو نوى غيره) فيه (واجبا كان أو ندبا) لم يقع عما نواه قطعا إذا كان ممن يصح منه شهر رمضان، وفي الدروس إجماعا فيه وفي غيره من المعين لو نوى فيه غيره، نعم قد سمعت ما في المبسوط من انه إن نوى ذلك (أجزأه عن رمضان دون مانواه) ونحوه عن المرتضى ومعتبر المصنف، وفي المختلف انه لا يخلو من قوة، بل هو صريح التذكرة، لحصول نية القربة، والزائد عليها باعتبار عدم إمكان وقوعه لغو لا عبرة به، ولذا لم يحتج إلى نية التعيين التي تحتاج إليها للتمييز بين المنوي وغيره، وهذا لا يقتضي عدم إيجاب النية أصلا، ضرورة أعمية وقوع الامساك من الصوم وغيره، كما انه لايرد ان المتجه حينئذ عدم وجوب نية التعيين لو تضيق وقت الصلاة باعتبار عدم وقوع غيرها فيه، إذ هو مع ندرة فرضه، وعدم تعين الوقت للصلاة، لامكان وقوعها قبله مثلا قد يجاب عنه بمنع كون التعيين فيه كشهر رمضان بحيث لا يصلح وقوع غيره فيه كائنا ماكان كما هو واضح، وقد ظهر من ذلك حينئذ أن


(1) سورة البقرة - الآية 180 (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 11

[ 205 ]

الصوم المأمور به وقع على وجهه وبشرطه، فكان مجزيا، ولانه لا فرق عند التأمل بين الجاهل بكونه شهر رمضان والناسي وبين العالم، والظاهر الاتفاق على الاجزاء في الاول فكذا الثاني، قال في التذكرة: (لو نوى الحاضر في رمضان صوما مطلقا وقع عن رمضان إجماعا، ولو نوى غيره مع الجهل فكذلك، للاكتفاء بنية القربة في رمضان وقد حصلت، فلا تضر الضميمة) وفي المدارك أما الوقوع عن رمضان مع الجهالة بالشهر فالظاهر أنه موضع وفاق كما اعترف به بعض الاصحاب في يوم الشك، والفرق بينهما بارتفاع حكم الخطاب عنهما دونه كما ترى غير صالح لقاعدة تبعية الافعال للنيات، لكن قد يناقش بأن إلغاء الزائد على نية التقرب إنما هو بالنسبة إلى وقوع مانواه، لا انه لغو بحيث يكون كما لو نوى الصوم المطلق الذي ينصرف إلى شهر رمضان، ضرورة انه لا دليل على ذلك، بل معلومية تضاد جزئيات الكلي وان إرادة أحدهما تنافي إرادة الاخر تقتضي خلافه، فلا ريب في اقتضاء القواعد حينئذ البطلان في الفرض باعتبار خلو الفعل عن النية بالخصوص، وبالاطلاق المنصرف إليه، ولا يقع عما نواه لعدم صلاحية الزمان، فدعوى وقوع الصوم المأمور به على وجهه وبشرطه فيكون مجزيا كما ترى. نعم لو كان الفرض انه نوى صوم شهر رمضان وانه قضاء عما في ذمته مثلا أمكن فيه تقرير ذلك لا انه انما نوى من اول الامر القضاء مثلا، وعدم الفرق بين الجاهل وغيره مسلم من حيث القاعدة، لكن خرجنا عنها فيه للاجماع ولنصوص يوم الشك، خصوصا خبر الزهري (1) منها الطويل المشتمل على أقسام الصوم، وعن المقنعة انه ثبت (2) عن الصادقين (انه لو ان رجلا تطوع شهرا وهو لا يعلم انه من شهر رمضان ثم تبين له من بعد صيامه انه كان


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 13

[ 206 ]

من شهر رمضان أجزأ ذلك عن فرض الصيام) فلا يقاس عليه العالم الذي قد نهي عن نية غير رمضان فيه، ومن هنا كان مختار الحلي والشهيدين وجماعة عدم الاجزاء عنهما في العالم، بل الظاهر انه لا يجزي وإن جدد النية قبل الزوال، للاصل السالم عن معارضة ما يقتضي الاجزاء بعد بطلان القياس عندنا على الاجتزاء بالتجديد لناسي النية ونحوه، أما الجاهل ونحوه فقد عرفت الاجتزاء فيه عن رمضان، وألحق في الدروس الواجب المعين في رمضان بذلك، فقال: (ويتأدي رمضان بنية النفل مع عدم علمه، والاقرب سريانه في غيره من الواجبات المعينة ثم قال: ويتأدي رمضان وكل معين بنية الفرض غيره بطريق الاولى " وظاهره الفرق في رمضان وغيره بين نية النفل وغيره، ولعله لنصوص يوم الشك واتحاد صنف الواجب بخلاف المندوب، نعم قد يتوقف في أصل الحكم بتأدي المعين غير رمضان بنية النفل أو فرض آخر غيره، لعدم الدليل، وحرمة القياس، فتأمل جيدا، وحكم تجديد النية بعد الانكشاف ما تسمعه في يوم الشك، والله أعلم. (و) كيف كان ف (لا يجوز ان يردد نية صومه بين الواجب والندب) قطعا بناء على اعتبار نية الوجه (بل لابد من قصد أحدهما تعيينا) بل وعلى تقدير عدم اعتبار نية الوجه إذا لم يذكر القربة، بل ذكرهما مرددا بينهما أما إذا ذكرها فلا بأس، لان هذه الضميمة غير منافية للتقرب، فلا تكون مبطلة بل لو قلنا بصحة العبادة وإن اشتملت على الوجه الذي لا يطابق الواقع فنوى الوجوب في مقام الندب وبالعكس كان الحكم بالصحة هنا أولى، كما وهو واضح، ودعوى انه مع التعرض للوجه يتعين قصد أحدهما وإن لم نقل بوجوب التعرض عارية عن الدليل، بل إطلاق الاكتفاء سابقا في رمضان بنية انه يصوم متقربا إلى الله تعالى مناف لذلك، واحتمال إرادة ما يتناول الطاعة بالفعل والوجه الذي

[ 207 ]

يقع عليه من القربة كما ترى، نعم يمكن ان يريد المصنف وجوب التعيين مع تعدد ما على المكلف من الواجب والمندوب، فان من الواضح حينئذ عدم جواز الترديد له بل لابد من التعيين، لا ان المراد وجوب التعيين في صوم اليوم المشخص الذي لم يرد من المكلف غيره، فانه غير متجه بناء على عدم اعتبار نية الوجه قطعا، كما هو واضح، والله أعلم. (ولو نوى الوجوب) أي وجوب شهر رمضان في صوم (آخر يوم من شعبان مع الشك لم يجز عن أحدهما) عن المشهور بين الاصحاب، بل في الرياض نسبته إلى عامة من تأخر، بل عن المبسوط نسبته إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، لبطلانه بالنهي عنه المقتضي للفساد في العبادة ولو كان لشرطها، قال الصادق (عليه السلام) في موثق سماعة (1): (انما يصام يوم الشك من شعبان، ولا يصومه من شهر رمضان، لانه قد نهي ان ينفرد الانسان بالصيام في يوم الشك، وانما ينوي من الليل انه يصوم من شعبان، فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بفضل الله عزوجل وبما وسع على عباده، ولولا ذلك لهلك الناس) وفي خبر الزهري (2) (سمعت علي بن الحسن (عليهما السلام) يقول: يوم الشك أمرنا بصيامه ونهينا عنه، أمرنا ان يصومه الانسان على انه من شعبان، ونهينا ان يصومه على انه من شهر رمضان وهو لم ير الهلال) وفي صحيح هشام (3) عن الصادق (عليه السلام) (يوم الشك من صامه قضاء وإن كان كذلك يعني من صامه على انه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه وإن كان يوما من شهر رمضان، لان السنة جاءت في صيامه على انه من شعبان، ومن خالفها كان عليه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 4 - 8 مع اختلاف في الثاني (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 5

[ 208 ]

القضاء) وفي صحيح محمد بن مسلم (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) (في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقال (عليه السلام): عليه قضاؤه وإن كان كذلك، وقال الصادق (عليه السلام) في خبر الاعشى (2): (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن صوم ستة أيام: العيدين والتشريق والذي يشك فيه من رمضان) وقال له عبد الكريم (3): (إني جعلت على نفسي ان اصوم حتى يقوم القائم (عليه السلام) فقال: لاتصم في السفر ولا العيدين ولا أيام التشريق ولا اليوم الذي يشك فيه) وعن المقنع روايته بزيادة من شهر رمضان. وعلى كل حال فالمراد ما في النصوص السابقة من النهي عن صومه على انه من شهر رمضان، إذ صوم يوم الشك لا بهذه النية بل نية انه من شعبان مندوب إليه بلا خلاف فيه بيننا إلا من المفيد فيما حكي عنه، فكرهه على بعض الوجوه، وهو شاذ، بل على خلافه النصو ص والاجماع في محكي الانتصار والغنية والخلاف وظاهر غيرها كالتنقيح والروضة، بل هو أولى من حمل النهي عن صومه فيما سمعت على التقية، لانه مذهب جماعة من العامة، وإن كان يشهد له بعض المعتبرة (4) (عن اليوم الذي يشك فيه فان الناس يزعمون ان من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان فقال: كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له، وإن كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الايام) كل ذلك مضافا إلى ما فيه من التشريع المقتضي لعدم تحقق الامتثال، خلافا لابني ابي عقيل والجنيد فاجتزيا بها عن شهر رمضان لو صادف، وعن خلاف الشيخ اختياره محتجا عليه باجماع


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 2 - 3 (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 7 الجواهر - 26

[ 209 ]

الفرقة وأخبارهم على ان من صام يوم الشك أجزأ عن رمضان ولم يفرقوا، وهو كما ترى، ضرورة تحقق الفرق في النص والفتوى، والاولى الاستدلا عليه بصحيح معاوية (1) وموثق سماعة (2) الايتيين. والمناقشة في بعض الادلة السابقة كصحيح هشام باحتمال قوله: (يعني) إلى آخره من الراوي لا الامام (عليه السلام) فلا يكون حجة، وصحيح محمد ابن مسلم وما شابهه باحتمال تعلق الجار بيشك بل هو أولى من (يصوم) لقربه والاجماع على تر ك العمل به على هذا التقدير لا يقتضي حمله على المعنى الذي يصلح لان يكون حجة، إذ لا دليل يعتد به على ذلك، على أن أقصاه أولوية ذلك من الابطال، وهي لا تصلح لجعل ذلك المعنى حجة على الدعوى، ولو سلم فالمعنى المعتمد عليه في هذه الادلة غير منحصر فيما ذكر لاحتمال الورود مورد التقية، وهو معنى جيد يصح أن يحمل عليه أخبار أهل العصمة، بل في الذخيرة احتمال الجمع بين هذه النصوص والنصوص (3) الدالة على نفي القضاء عمن صام يوم الشك بحمل الاولى على الندب والاخرى على نفي الوجوب، والتشريع إنما يقتضي الحرمة دون الفساد واضحة الدفع بعدم جريانها في البعض الاخر من النصوص التي سمعتها الذي هو الشاهد لارادة ذلك في باقي النصوص، بل هو الشاهد على أن قوله: (يعني) إلى آخره من الامام (عليه السلام) على أن كونه من الراوي المشافه بالخطاب كاف في المطلوب، وتعلق الجار بيشك غير قادح بعد أن كشفت النصوص الحال عن صوم يوم الشك وأنه صام بنية أنه من رمضان كان عليه قضاؤه، وإن صام بنية أنه من شعبان أجزأ، فوجب حينئذ حمل النصوص المطلقة على هذا التفصيل، فلو سلم تعلقه بيشك كان دالا على المطلوب، ولا يعارضه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 5 - 6 - 0 -

[ 210 ]

حسن معاوية (1) أو صحيحه قلت لابي عبد الله (عليه السلام): (الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان فيكون كذلك فقال: هو شئ وفق له) وموثق سماعة (2) (سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدري هو من شعبان أو من رمضان فصامه من شهر رمضان فقال: هو يوم وفق له ولا قضاء عليه) بعد التنزيل على التفصيل المزبور، خصوصا وقد روى الاخير في الكافي (صامه فكان من شهر رمضان) وهو أضبط من غيره، وكون التشريع يقتضي الحرمة دون الفساد إذا لم يكن في ابتداء النية ولم يخرج الفعل به عن قصد امتثال الامر المتعلق به، وما نحن فيه من ذلك. وكذا المناقشة باحتمال هذه النصوص النهي عن صومه محتسبا له من شهر رمضان وإن لم يظهر كونه كذلك، فتكون كالنصوص المتضمنة لذلك، ففى خبر محمد بن الفضيل (3) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) (وفي اليوم الذي يشك فيه إلى أن قال: لا يعجبني ان يتقدم احد بصيام يوم) وفي المرسل (4) (كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لان أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان أزيده في شهر رمضان (وفي خبر سهل بن سعد (5) (سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: الصوم للرؤية والفطر للرؤية، وليس منا من صام قبل الرؤية للرؤية وأفطر قبل الرؤية للرؤية، قلت: يابن رسول الله فما ترى في صوم يوم الشك ؟ فقال: حدثني أبي عن جدي عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لان أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من شهر رمضان) إلى غير ذك، ضرورة صراحة بعض النصوص السابقة بعدم العبرة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب وجوب الصوم - الحديث 5 - 6 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب وجوب الصوم الحديث - 7 - 8 - 9

[ 211 ]

به وإن بان أنه من شهر رمضان، لكن ومع ذلك فالمسألة لا تخلو من إشكال، ومن هنا كان ما عليه المشهور قويا باعتبار موافقته للاحتياط، هذا وفي المدارك وغيرها (لا يخفى أن نية الوجوب مع الشك إنما تتصور من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة، أما العالم بانتفائه شرعا فلا يتصور منه ملاحظة الوجوب إلا على سبيل التصور، وهي غير النية فانها إنما تتحقق مع الاعتقاد كما هو واضح)) قلت: هذا جار في غير المقام مما كان من التشريع، ولعل الصورة كافية في ثبوته وترتب الحكم عليه. (و) كيف كان فيوم الشك (لو نوى) المكلف صومه (مندوبا) لانه من شعبان (أجزأ عن رمضان إذا انكشف انه منه) بلا خلاف أجده فيه، بل ربما ظهر من المصنف والفاضل نفيه بين المسلمين، بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكي منهما مستفيض حد الاستفاضة إن لم يكن متواترا كالنصوص (1) التي فيها الصحيح وغيره المتضمنة لبيان وجه الاجزاء من أنه يوم وفق له، وقد سمعت أن في خبر الزهري منها التعليل بأن الفرض انما وقع على اليوم بعينه، ومنه بل ومن التأمل في غيره يستفاد الاجزاء به عن شهر رمضان وإن لم ينوه ندبا بل نواه عن قضاء أو نذر أو نحوهما، وبالجملة العنوان أنه صامه على أنه من شعبان فبان كونه من رمضان، وقد سمعت التصريح به في الدروس وانه أولى من الاجتزاء بالمندوب وإن ناقشه فيها في المدارك، لكنه في غير محله نعم قد يتوجه عليه ما ذكرنا سابقا فلاحظ وتأمل. ثم إن إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء بذلك وإن لم يجدد النية إذا بان انه من رمضان في أثناء النهار، لكن في الدروس (ولو نوى الندب وظهر الوجوب جدد نية الوجوب وأجزأ وإن كان بعد الزوال، وكذا لو نوى


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب وجوب الصوم

[ 212 ]

الوجوب عن سبب فظهر استحقاق صوم اليوم لغيره جدد التعيين، وهنا يجب التعيين في رمضان) وعن المعتبر ايضا التصريح بوجوب التجديد، إلا انه قال في المدارك: (انما يتم إذا اعتبرنا ذلك في صوم رمضان، نعم لا بأس باعتبار التعيين هنا وإن لم يفتقر إليه صوم رمضان، لتعلق النية بغيره، فلا ينصرف إليه بغير نية) وفيه انه قد يقال: إن الصرف هنا شرعي لا مدخلية للنية فيه، ومنه يعلم عدم وجوب التجديد للاطلاق المزبور. (و) قد تبين من ذلك كله حكم صوم يوم الشك بنية انه من رمضان أو من شعبان ندبا أو قضاء ونحوه، أما (لو صامه على انه إن كان من) شهر (رمضان كان واجبا وإلا كان مندوبا) ف (قيل) والقائل الشيخ في الخلاف والمبسوط والعماني وابن حمزة والفاضل في المختلف والشهيد في جملة من كتبه: (يجزي) عن رمضان إذا صادفه (وقيل) والقائل الشيخ في باقي كتبه وابن إدريس والمصنف واكثر المتأخرين: (لا يجزي) عنه (وعليه الاعادة، وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده، لان صوم هذا اليوم انما يقع على وجه الندب على ما يقتضيه الحصر الوارد في النص، ففعله على خلاف ذلك لا يتحقق به الامتثال، ودعوى انه نوى الواقع فوجب ان يجزيه، وانه نوى العبادة على وجهها فوجب ان يخرج عن العهدة، وان نية القربة كافية وقد نواها، يدفعها منع الاولين بعد ان عرفت كون الوجه المعتبر الندب خاصة بمقتضى الحصر الوارد في الرواية، ولا ينافيه كون ذلك اليوم من رمضان، فان الوجوب انما يتحقق إذا ثبت دخوله لا بدونه، والوجوب في نفس الامر لا معنى له، وأما الثالث فيدفعه انه لا يلزم من الاكتفاء في صوم شهر رمضان بنية القربة الصحة مع إيقاعه على خلاف الوجه المأمور به بل على الوجه المنهي عنه، وايضا فان نية التعيين تسقط فيما علم انه من شهر رمضان لا فيما لم يعلم، هذا حاصل ما في المدارك

[ 213 ]

والرياض والذخيرة، نعم في الاخير بعد أن ذكر التشريع دليلا لعدم الاجزاء قال: (ويرد عليه ان غاية ما يستفاد من ذلك تحريم بعض خصوصيات النية، ولا يلزم منه فساد الصوم، والحق ان إثبات وجوب القضاء لو صامه على الوجه المذكور في غاية الاشكال) قلت: يقوى في النظر عدم وجوب القضاء إذا كان قد نوى القربة المطلقة، والترديد انما هو في الشئ في نفسه وفي حد ذاته لا انه ترديد في النية، إذ هو كالترديد لاحتمال طرو العارض من حيض أو سفر الذي صرح بصحة الصوم معه، وانه ليس من الترديد في النية، ولعله بذلك يمكن رجوع النزاع هنا إلى حفظ، ضرورة ان من المستبعد القول بالصحة مع فرض كون الترديد في النية، وما في الدروس من انه يشترط الجزم مع علم اليوم، وفي يوم الشك بالتردد قول قوي يجب حمله على ما ذكرنا، لقوله في التذكرة لو نوى انه يصومه عن رمضان أو نافلة لم يصح إجماعا، كما ان من المستبعد القول بالعدم إذا كان بالفرض الذي ذكرنا، ودعوى توقف الصحة على نية الندب المقابل للوجوب وعلى كونه من شعبان يمكن منعها، إذ المسلم البطلان مع نية انه من شهر رمضان خاصة، فتأمل جيدا، هذا. ولا يخفى ان موضوع هذه المسألة أخص من موضوع المسألة السابقة يعني قوله: (ولا يجوز أن يردد) إلى آخره لاختصاص هذه بصوم يوم الشك وإطلاق تلك، فما عن بعض الشارحين من اتحاد المسألتين وانه مكررة ليس بجيد. (ولو أصبح) في يوم الشك (بنية الافطار ثم بان انه من الشهر جدد النية) إذا كان لم يفعل ما يقتضي الافطار (واجتزأ به) كغيره من أفراد الجاهلين والناسين بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الاجماع بقسميه عليه كما عرفته سابقا، إذ المسألة من واد واحد (وإن كان ذلك بعد الزوال أمسك) وجوبا بلا خلاف، بل عن ظاهر المنتهى انه لم يخالف فيه أحد من علمائنا إلا النادر

[ 214 ]

من العامة وعن الخلاف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد اعتضاده بما عرفت، وبما قيل من عموم عدم سقوط الميسور بالمعسور بناء على أن الواجب عليه الصوم مع النية فإذا فاتت لم يفت، وإن كان هو كما ترى، المعروف بين الاصحاب عدم الاجتزاء بهذا الامساك (و) ان (عليه القضاء) لعدم كونه صوما معتبرا باعتبار فوات وقت النية منه، إذ ما بعد الزوال ليس منه كما عرفت، ووجوب الامساك أعم من كونه صوما معتبرا، خلافا للاسكافي فساوى بين ما قبل الزوال وبعده، فيجدد النية ويجزي به، ولا ريب في ضعفه كما تقدم سابقا، فلاحظ وتأمل. بقي في المقام (فروع) كثيرة ذكر المصنف منها (ثلاثة: الاول) ما تقدمت الاشارة إليه سابقا من أنه (لو نوى الافطار في يوم من) شهر (رمضان) عصيانا (ثم) تاب ف (جدد النية قبل الزوال) فالمعروف بين الاصحاب كما في المدارك وإن نسبه المصنف إلى ال (قيل) مشعرا بتمريضه انه (لا ينعقد وعليه القضاء) لان الاخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فساد ذلك الجزء لفساد شرطه، ويلزم منه فساد الكل، لان الصوم لا يتبعض، فيجب قضاؤه، ودليل التجديد المخالف للقواعد غير شامل لما نحن فيه قطعا، بل قد عرفت فيما تقدم القول بوجوب الكفارة بذلك فضلا عن القضاء (و) أن قول المصنف: (لو قيل بانعقاده كان أشبه) في غاية الضعف، وفي المسالك انما يتجه على القول بالاجتزاء بالنية الواحدة للشهر كله مع تقدمها، أو على القول بجواز تأخير النية إلى ما قبل الزوال، وفيه أن القول الثاني غير متحقق، واللازم على الاول عدم اعتبار تحديد النية مطلقا للاكتفاء بالنية السابقة. (الثاني لو عقد نية الصوم ثم نوى الافطار ولم يفطر ثم جدد النية كان صحيحا) وفاقا للاكثر في الذخيرة، وللمشهور في المدارك استصحابا للصحة

[ 215 ]

السابقة بعد السلامة عن المعارض، لحصر الناقض للصوم في صحيح ابن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء) ولان نية الافطار انما تنافي نية الصوم لاحكمها الثابت بالانعقاد الذي لا ينافيه النوم إجماعا، ولان النية لا يجب تجديدها في كل أزمنة الصوم إجماعا، فلا تتحقق المنافاة، خلافا للمحكي عن أبي الصلاح فجزم بالفساد بذلك، بل جعله موجبا للقضاء والكفارة، وإن خالفه فيه الفاضل في المختلف للاصل السالم عن المعارض بعد أن وافقه على الاول لفوات الشرط الذي هو النية التي كان مقتضى الاصل اعتبارها في جميع أجزاء العبادة، إلا انه للمشقة والحرج اعتبر فيما عدا الابتداء حكمها المفسر بأن لا يتأتي بنية تخالفها ولا ينوي قطعها، فمع أحدهما تفوت النية حينئذ حقيقة وحكمها، فيبطل الفعل خصوصا في نحو الصوم الذي لا يتبعض، فإذا فسد جزء منه بفوات النية فسد جميعه، كما هو واضح. ومرجع الجميع من الطرفين إلى اعتبار استمرار النية في الصحة وعدمه، والتحقيق حصول البطلان بنية القطع التي هي بمعنى إنشاء رفع اليد عما تلبس به من الصوم على نحو إنشاء الدخول فيه، ضرورة خلو الزمان المزبور عن النية، فيقع باطلا، ودعوى تأثير النية الاولى فيه وإن كان بهذا الحال واضحة المنع، وأما نية القطع بمعنى العزم على ما يحصل به ذلك، وإن لم يتحقق الانشاء المزبور وكذا نية القاطع فقد يقوى عدم البطلان بهما، استصحابا للصحة السابقة التي لم يحصل ما ينافيها، إذ الواقع عند التأمل يؤكدها، ودعوى كون المعتبر في الصحة العزم في سائر الازمنة على الامتثال بالصوم في سائر أوقات اليوم لا نعرف لها مستندا وإن كان مقتضى الاقتصار على المتيقن ذلك، والتردد في الاثناء


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 216 ]

مناف للجزم المعتبر في النية كالابتداء. نعم في كشف الاستاذ (أن التردد في الاثناء إن كان للتوقف على السؤال فلا إشكال) وفيه انه يمكن أن يكون ذلك خارجا عما نحن فيه، ضرورة بقاء عزمه السابق على الصوم، إلا أن تردده في حصول المنافي، فتأمل، وقال فيه ايضا: (إنه لو نوى الابطال لزعم الاختلال فبان عدم الاشكال فلا إشكال وكذا لو زعم رجحان ترك الصيام فبان الرجحان) قلت: يمكن أن لا يكون ذلك ايضا مما نحن فيه من نية القطع، ضرورة تحقق الفساد بها بناء عليه من غير فرق في أسباب حصولها، فليس في الحقيقة إنشاء عدم الصوم في الفرض، بل أقصاه انه تخيل البطلان فعزم على ما ينافي الصوم لو كان معتبرا، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فتجديد النية الذي ذكره المصنف في المتن بل ربما قيل: إنه كاد يكون صريح المنتهى وأنه إذا لم يجدد لاإشكال يعتد به في البطلان لامدخلية له فيما نحن فيه، ضرورة كون المقتضي للبطلان النية المزبورة، فان ثبت ذلك وجب الحكم بالبطلان بها وإلا وجب القول بالصحة كذلك، كما أطلقه في المحكي عن المعتبر، والله أعلم بحقيقة الحال، ومما ذكرنا يعلم ما في كلام جماعة من الاصحاب وإطلاقهم حتى الدروس، قال: ويجب استمرار حكمها، فلو نوى الافطار في الاثناء أو ارتد ثم عاد فالمشهور الاجزاء وإن أثم، وكذا لو كره الامتناع من المفطرات يأثم ولا يبطل، أما الشهوة لها مع بقاء إرادة الامتناع والاستمرار عليها حكما فلا إثم، ولو تردد في الافطار أو في كراهة الامتناع فوجهان مرتبان على الجزم، وأولى بالصحة هنا، والوجه الافساد بالجميع، فتأمل جيدا، والله أعلم. الفرع (الثالث) قد تقدم البحث في أن (نية الصبي المميز صحيحة)


الجواهر - 27

[ 217 ]

أولا (وصومه شرعي) أو تمريني، لكن في المسالك هنا (لاإشكال في صحة صومه، لان الصحة خطاب الوضع، وهو غير متوقف على التكليف وإن كان صومه تمرينيا) وفيه ان الصحة والبطلان اللذين هما موافقة الامر ومخالفته لا تحتاج إلى توقيف من الشارع، بل يعرف بمجرد العقل لكونه مؤديا للصلاة وتاركا لها، فلا تكونان من حكم الشرع في شئ، بل هو عقلي مجرد كما صرح به ابن الحاجب وغيره. الفرع الرابع مقتضى اصول المذهب وقواعده انه لا يجوز العدول من فرض مع تعيين الزمان للاول بل ولو صلح الزمان لهما، أما لو كان بعد الزوال في قضاء رمضان لم يجز قطعا، بل وكذا لو عدل من فرض غير متعين إلى نقل، لكن في الدروس وجهان مرتبان وإن قال إنه أولى بالمنع، نعم فيها يجوز العدول من نفل إلى نفل ما دام محل النية باقيا، ولا ريب في ان الاحوط إن لم يكن الاقوى العدم في الجميع، والله أعلم. الركن (الثاني) في (ما يمسك عنه الصائم، وفيه مقاصد: الاول يجب الامساك عن كل مأكول معتادا كان كالخبز والفواكه أو غير معتاد كالحصى والبرد، وعن كل مشروب ولو لم يكن معتادا كمياه الانوار وعصارة الاشجار) بلا خلاف اجده في المعتاد منهما بيننا، بل بين المسلمين بل لعله من الضروريات المستغنية عن ذكر ما دل عليه من الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين، فيفسد حينئذ في تعمده الصوم ويجب القضاء والكفارة، انما الكلام في غير المعتاد: والمشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا انه كالمعتاد في الحكم شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف إلا عن الاسكافي والمرتضى فلم يفسدا الصوم بابتلاع غير المعتاد كالحصاة ونحوها، وعن بعض أصحابنا وإن كنا لم نعرفه، فأوجب القضاء فيه خاصة دون الكفارة، وهو موافق في الافساد به مخالف في خصوص الكفارة

[ 218 ]

التي لا ينبغي التوقف فيها بعد تسليم تحقق صدق الافطار له المقتضي لوجوب القضاء، ضرورة شمول أدلة وجوبها حينئذ لمثله، فالاخير حينئذ مع كونه مجهول القائل واضح الضعف، بل وكذا سابقه الذي لم نتحقق كونه مذهب المرتضى، بل المحكي عنه في مسائل الناصرية لا خلاف فيما يصل إلى جوف الصائم من جهة فمه إذا اعتمده انه يفطره مثل الحصاة والخرزة وما لا يؤكل ولا يشرب، وانما خالف في ذلك الحسن بن صالح، وقال: إنه لا يفطر، وروي نحوه عن أبي طلحة، والاجماع متقدم ومتأخر عن هذا الخلاف، فسقط حكمه، وكفى به خصما لنفسه مع فرض خلافه، مضافا إلى تناول النهي عن الاكل والشرب في الكتاب والسنة لذلك، وعدم اعتياد المأكول والمشروب لا يقتضي عدم صدق الاكل والشرب، بل ولا يقتضي ندرة في إطلاقهما على ازدرادهما، ضرورة عدم التلازم بينهما، فالمعتاد حينئذ وغير المعتاد سواء في صدق الاكل والشرب، كما هو واضح بأدنى تأمل، ومنه يظهر ما في الاستدلال بانصراف الاكل والشرب إلى المعتاد كغيره من المطلقات، فيكون حينئذ باختلاف الازمنة والامكنة، فيكون مفطرا في أحدهما دون الاخر، وهو مقطوع بعدمه في الشرع هنا، وأما قول الباقر (عليه السلام) (1): (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء) كقول الصادق (عليه السلام) (2): (الصيام من الطعام والشراب) فيمكن إرادة ما يشمل غير المعتاد من الطعام والشراب فيهما كما جزم به في المختلف حتى جعل الخبرين من أدلة المطلوب، لكنه لا يخلو من نظر، خصوصا بعد خبر مسعدة بن صدقة (3) عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) (ان عليا (عليه السلام) سئل عن الذباب يدخل في حلق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 39 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2

[ 219 ]

الصائم فقال: ليس عليه قضاء، انه ليس بطعام)) ضرورة ظهوره في عدم عموم الطعام لكل مطعوم، بل هو دال على ان الذي يوجب القضاء المعتاد من الطعام خاصة لا مطلقا بحيث يشمل غير المعتاد، اللهم إلا ان يقال إن خبر مسعدة خال عن شرائط الحجية بحيث يصلح مقيدا للاطلاق في الكتاب والسنة، والخبران الاولان لو سلم إرادة خصوص المعتاد من الطعام والشراب فيهما فليسا بمساقين لنحو المقام قطعا، كما لا يخفى على من لاحظهما متأملا، فأصالة صحة الصوم حينئذ مقطوعة بالاطلاق المزبور بعد تسليم صدق اسم الصوم على الامساك عن خصوص المعتاد، وإلا لم يثبت اصل الصوم فضلا عن استمراره، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) يجب فيه الامساك ايضا (عن الجماع) المتحقق بدون الانزال قطعا (في القبل) للمرأة (إجماعا) من المسلمين فضلا عن المؤمنين بقسميه، مضافا إلى الكتاب والسنة، بل ويجب الامساك عن الجماع في دبر المرأة والغلام والبهيمة وقبلها على الاظهر الاشهر، بل المشهور، بل في الخلاف الاجماع على بعضه، قال: (إذا ادخل ذكره في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء والكفارة، دليلنا إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، ثم قال: إذا اتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء والكفارة، فان اولج ولم ينزل فليس لاصحابنا فيه نص، لكن مقتضى المذهب ان عليه القضاء، لانه لا خلاف فيه، وأما الكفارة فلا تلزمه، لان الاصل براءة الذمة) وإن كان قد يناقش بأن دليل القضاء دليل الكفارة، فالمتجه نفيهما أو إثباتهما، ومن هنا قال ابن إدريس: لما وقفت على كلامه كثر تعجبي، والذي دفع به الكفارة به يدفع القضاء مع قوله: لا نص لاصحابنا فيه وإذا لم يكن فيه نص مع قولهم (1): (اسكتوا كما سكت الله) فقد كلفه القضاء


(1) ذكر مضمون الحديث في تفسير الصافى في سورة المائدة ذيل الآية 101 =

[ 220 ]

من غير دليل، وأي مذهب لنا يقتضي وجوب القضاء، بل اصول المذهب تقتضي نفيه، وهي براءة الذمة، والخبر المجمع عليه، لكن مقتضاه اختيار عدم القضاء والكفارة فيه، فلا يكون مفسدا للصوم، بل عن ظاهر الشيخ نوع تردد في الفساد بالوطئ في دبر المرأة فضلا عن غيرها، قال: (يجب القضاء والكفارة بالجماع في الفرج انزل أو لم ينزل، سواء كان قبلا أو دبرا فرج امرأة أو غلام أو ميتة أو بهيمة وعلى كل حال على الظاهر من المذهب، وقد روي ان الوطئ في الدبر لا يوجب نقض الصوم إلا إذا انزل معه، وان المفعول به لا ينقض صومه بحال والاحوط الاول) قلت: كأنه أشار بالرواية إلى ما رواه احمد بن محمد في الصحيح (2) عن بعض الكوفيين يرفعه إلى ابي عبد الله (عليه السلام) (في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة قال: لا ينقض صومها، وليس عليها غسل) وعلي ابن الحكم في الصحيح عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (إذا اتى الرجل المرأة في الدبر وهي صائمة لم ينقض صومها، وليس عليها غسل) لكن المحكي عنه في تهذيبه انه اعترف بعدم العمل بهما. وإلى كثير مما ذكرنا أشار المصنف بقوله: (و) يجب الامساك ايضا عن الجماع (في دبر المرأة على الاظهر، ويفسد صوم المرأة، وفي فساد الصوم بوطئ الغلام والدابة تردد وإن حرم، وكذا الكلام في فساد صوم الموطوء والاشبه انه يتبع وجوب الغسل) كما ان منه يعرف عدم المحيص للفقيه عن القول بالفساد بالوطئ في دبر المرأة وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، بل قد عرفت دعوى الاجماع الذي يشهد له التتبع في المقام، فالاجماع لا بأس بدعواه، وكفى به دليلا،


= والبحار - الباب - 33 - من أبواب كتاب العلم - الحديث 5 (1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الجناية - الحديث 3 - 4 من كتاب الطهارة

[ 221 ]

مضافا إلى آية المباشرة (1) بناء على إرادة ما يشمله من الاذن في المباشرة فيها كي يكون المنهي عنه في الصوم المباشرة في القبل والدبر، ومتى كان محرما فيه افسد إجماعا، بل لو سلم إرادة خصوص الوطئ في القبل من إباحة المباشرة بناء على حرمة الوطئ في الدبر في نفسه امكن دعوى استفادة حرمة اخرى من جهة الصوم للوطئ فيه، وبها يتم المطلوب، لكن لا يخفى الاجماع بعده، والامر سهل بعد عدم انحصار الدليل في ذلك، بل قد عرفت الاجماع وغيره، مضافا إلى صحيح ابن الحجاج (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع) كمرسل ابن سوقة (3) وغيره الدال على تحقق الفساد بصدق الجماع الذي لا ريب في تحققه في الوطئ بالدبر، اللهم إلا ان يدعى انه خلاف المنساق هنا، ومضافا إلى ما دل على وجوب الغسل به في باب الجنابة بناء على التلازم بينه وبين الافطار إذا كان بالاختيار، كما اومأ إليه المصنف والفاضل وغيرهما وإن ناقشه فيه في المدارك والذخيرة، لكن اعترف اولهما بأنه يلوح ذلك من الاخبار، قلت: منها مادل (4) على تعمد البقاء على الجنابة من الليل أو بعد الانتباه مرتين كما تسمع إن شاء الله، كل ذلك مضافا إلى الفتاوى، بل يمكن دعوى الاجماع المركب، وفي معقد إجماع الغنية عد في عداد ما يوجب القضاء والكفارة ان يحصل جنبا في نهار الصوم مع تذكر للصوم عن عمد واختيار، سواء كان ذلك


(1) سورة البقرة - الآية 183 (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2 (4) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم والباب 15 منها - الحديث 2

[ 222 ]

بجماع أو غيره، وسواء كان مبتدئا بذلك فيه أو مستمرا عليه من الليل. ومن ذلك يظهر لك الوجه في الفساد بوطئ البهيمة: مضافا إلى ما سمعته من نفي الخلاف من الشيخ الذي لا ينافيه ما ذكره لاصحابنا بعد إرادة الخبر منه لا الفتوى، بل مقتضاه الفساد به وإن لم يجب الغسل به كما هو المحكي عنه ايضا، ولعله لقاعدة الشغل بناء عليها أو لصدق الجماع عليه، واشتراط الغسل بالتقاء الختانين فلا يجب الغسل به، لعدمه فيه، وإن فسد به الصوم لصدق الجماع، أو لانه المراد من نفي الخلاف الاجماع، فيكون حينئذ هو الحجة في الفساد به تعبدا وإن لم يجب الغسل به، نعم يتجه عليه ما قدمناه سابقا من وجوب الكفارة ايضا، لاتحاد الدليل كما تسمع لذلك تتمة إن شاء الله. ولا فرق في الموطوء بين الحي والميت، بل ولا الواطي، فلو ادخلت المرأة مثلا ذكر ميت في فرجها أو دبرها افطرت، لاتحاد المدرك في الجميع. وكذا لافرق بعد تحقق اسم الوطئ والجماع بين الصغير والكبير، خصوصا بناء على التلازم بين الغسل والافطار، فلو اولج في صغير أو صغيرة من إنسان أو حيوان افسد صومه، ولو اولج الصغير في الكبير أو الكبيرة فسد صوم الموطوء، نعم قد يستشكل في إدخال آلة الطفل الصغير قبل نشوه كما في كشف الاستاذ، كما انه يستشكل في الفساد بادخال ذكر البهيمة للاشكال في الغسل وربما ظهر من بعض البطلان ايضا، وهو لا يخلو من وجه ينشأ من احتمال التلازم بين حكم الواطئية والموطوئية، ومنه ينقدح وجوب الغسل وإن كان قد تقدم لنا في باب الغسل ما ينفيه. ويتحقق الجماع عرفا بغيبوبة الحشفة، ولعله الذي كشف عنه الشارع بالتقاء الختانين، ومنه يتجه اعتبار دخول مقدارها من المقطوع، فلو دخل

[ 223 ]

بجملته ملتويا ولم يبلغ الحد ولو ارسل بلغ فلا فساد. كما انه لافساد ايضا مع النسيان والقهر المانع عن الاختيار والشك في الاصل وفي غيبة الحشفة والايلاج في غير الفرجين بلا إنزال وإدخال غير الذكر من إصبع وغيره ولو طعن بزعم غير الفرج فدخل فيه من غير قصد فلا شئ عليه، بل وكذا العكس بناء على عدم اعتبار نية القاطع، ولو ارتفع القهر والنسيان أو طلع الصبح بعد إدخاله فنزعه من حينه فلا بأس، ولو تراخى فسد الصوم كما هو واضح، هذا. وفي كشف الاستاذ (ان جماع الخنثى لمثله مشكلا اولا قبلا أو دبرا يقضي الفساد على الاقوى) وفيه ما لا يخفى مع عدم الانزال، خصوصا مع عدم الاشكال، والتحقيق فساد صومها بموطوئيتها دبرا من الرجل، وبوطئها للمرأة مع وطئ الرجل إياها، وإن كان لا يحكم بفساد صوم كل من الرجل والامرأة بخلافها هي، اما لو وطئت كل من الخنثى الاخرى فلا قطع بفساد صومهما، ضرورة احتمال كونهما امرأتين، ولاجماع بالنسبة اليهما، والمساحقة لا تفسد ما لم يكن معها إنزال، وبذلك يظهر لك ما في عبارة الاستاذ من الاجمال، والله العالم بحقيقة الحال. (و) كذا يجب الامساك في الصوم (عن الكذب على الله ورسوله والائمة عليهم السلام) بلا خلاف أجده فيه كما في الرياض، بل قال: ولا في وجوب الامساك عن مطلق الكذب بل مطلق المحرمات، وإنما الخلاف في إيجابه الفساد والافطار الموجب للقضاء والكفارة، كقول المصنف بعد الحكم بوجوب الامساك عنه: (وهل يفسد الصوم بذلك ؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وهو الاشبه) مما هو مشعر بمعلومية وجوب الامساك عنه، وهو كذلك بالنسبة إلى نفسه كغيره من المحرمات، أما حرمة اخرى من حيث الصوم على وجه تخصه

[ 224 ]

دون باقي المحرمات فقد يمنع عدم الخلاف فيه، بل يمكن نفي الخلاف في عدمه، وستسمع ما يأتي للمصنف في المقصد الثاني، ولكن الامر في ذلك سهل، نعم هو متجه على القول بالفساد، فيكون حينئذ محرما من جهتين كما هو المحكي عن الشيخين والقاضي والتقي والسيدين في الانتصار والغنية وغيرهم، كالاستاذ في كشفه والفاضل في الرياض، بل في الخلاف نسبته إلى الاكثر، بل في الدروس إلى المشهور، بل في الاخيرين الاجماع عليه، وهو الحجة، مضافا إلى موثق سماعة (1) (سألته عن رجل يكذب في رمضان فقال: قد أفطر وعليه قضاؤه، فقلت: ما كذبته ؟ قال: يكذب على الله ورسوله) وموثقه الاخر (2) وخبر أبي بصير (3) (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم قال: قلت: هلكنا قال: ليس حيث تذهب، انما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة (عليهم السلام) كخبره الاخر (4) عنه (عليه السلام) ايضا (ان الكذب على الله ورسوله وعلى الائمة (عليهم السلام) يفطر الصائم) وكذا خبره المروي عن نوادر ابن عيسى (5) وفي المرفوع (6) إلى الصادق (عليه السلام) المروي عن الخصال (خمسة أشياء تفطر الصائم: الاكل والجماع والارتماس في الماء والكذب على الله ورسوله وعلى الائمة (عليهم السلام)) ونحوه المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (7). إلا أنه مع ذلك كله صار اكثر المتأخرين إن لم يكن جميعهم إلى عدم الفساد به، كما هو المحكي عن المرتضى في الجمل أيضا والعماني، للاصل وحصر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 3 - 2 - 4 - 7 - 6 (7) المستدرك - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 الجواهر - 28

[ 225 ]

المفطر في غيره في الصحيح (1) بعد موهونية الاجماع بمصير اكثر المتأخرين كما عرفت إلى خلافه، بل في المعتبر دعواه مكابرة، بل المرتضى الذي هو العمدة في حكاية ابن زهرة له كما لا يخفى على الماهر قد سمعت قوله بخلافه، والشهرة المحكية في الدروس لم نتحققها، وبعد الطعن في النصوص سندا واشتمالا على ما لا يقول به الخصم من نقض الوضوء واحتمال القراءة بالصاد المهملة، فيكون المراد منه نحو المراد من غيره كالمروي (2) عن عقاب الاعمال عن رسول الله صلى الله عليه وآله (من اغتاب أخاه المسلم بطل صومه ونقض وضوؤه) إلى آخره، كوصيته صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام المروية (3) عن تحف العقول لابن شعبة (يا علي احذر الغيبة والنميمة، فان الغيبة تفطر، والنميمة توجب عذاب القبر) وقول الباقر عليه السلام في خبر محمد بن مسلم (4) المروي عن الخصال (والغيبة تفطر الصائم وعليه القضاء) وفي كتاب الاقبال (5) رأيت في اصل من كتب اصحابنا (سمعت ابا جعفر عليه السلام يقول: إن الكذب يفطر الصائم والنظرة بعد النظرة والظلم كله قليله وكثيره) بل قد يقال: إن المراد بنصوص المقام التريض بها في قضاة العامة ورواتهم وأتباعهم بقرينة اشتمالها على نقض الوضوء بالكذب، فيكون المطلوب حينئذ بيان حال صومهم وصلاتهم أي انه لا صوم لهم ولا صلاة بسبب ذلك. وعلى كل حال فلا ريب ان الاحوط الاول وإن كان الثاني لا يخلو من قوة، بل المتجه مراعاة الكفارة ايضا كما هو المعروف بين من قال بكونه مفطرا، لعموم مادل على وجوبها بالافطار المفروض تحققه، وخلو نصوص المقام عنها اعم من عدم وجوبها، وتسمع إن شاء الله فيما يأتي التحقيق في نظائر المسألة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 5 - 10 - 8 - 9

[ 226 ]

وان المستفاد من النصوص ان الاصل وجوب الكفارة في كل ما تحقق به اسم الافطار إذا كان على جهة العمد والاختيار لا خصوص المتعارف من أكل المفطرات كالاكل ونحوه. وكيف كان فالاولى إلحاق الزهراء وباقي الانبياء والاوصياء (عليهم السلام) لرجوع الكذب عليهم إلى الكذب على الله، خصوصا بناء على ما في كشف الاستاذ من كون المراد الكذب في نسبة الاحكام الشرعية مستفادة من قول أو فعل أو تقرير دون الامور العادية والطبيعية، نعم قال: الاحتياط في تسرية الاحكام إليها وإلى القضاء والفتوى، وإن كان قد يناقش بأن من الفتوى ما يكون إخبارا، فمع فرض كونها باطلا كانت كذبا، وباطلاق النصوص الظاهر في تناول الاعم من الاحكام الشرعية، وفي التحرير لافرق بين الدنيا والدين بناء على الافطار به، كظهوره في عدم الفرق بين الرجوع عن الكذب والاخبار من حينه بالصدق وعدمه مع التوبة وعدمها والجهل بالحكم وعدمه، أما لو نقل قول الكاذب عليهم أو قصد الهزل أو قصد الكذب فبان صدقا بناء على عدم الفساد بنية القطع أو الصدق فبان كذبا أو كان ناسيا للصوم فلا فساد، وفي كشف الاستاذ أو أفاد المعنى بفعل أو تقرير أو في مقام تقية أو دون البلوغ أي لا فساد، لكن قد يناقش باحتمال إرادة ما يشمل الاول من الكذب، خصوصا إذا كان بالكتابة والاشارة كما اعترف به هو بعد ذلك فيهما، وخصوصا إذا كان المقصود من الفعل الاخبار، والتقية عنده ترفع الاثم لا انها ترفع حكم الافطار من القضاء والمفطر لا فرق فيه بين ما قبل البلوغ وعدمه، ودعوى ان الافطار بما هنا من جهة الاثم المفقود في الصبي يمكن منعها، كما انه قد يناقش في بعض ما ذكره بقوله: لو حد ث بحكم صادق ثم قال: كذبت، أو كاذب فقال: صدقت أو أخرج الخبر الكاذب إلى الانشاء بعهد أو يمين أو نحوهما أو أخبر بخبر عن إمام

[ 227 ]

عليه السلام مسند إلى واسطة، أو كذب ليلا فقال: نهارا ما أخبرت به البارحة صدق أو اخبر صادقا في الليل فقال في النهار خبري ذاك كذب، أو سأله سائل هل قال النبي صلى الله عليه وآله كذا ؟ فقال: نعم في مقام لا أولا في مقام نعم، أو افاد المعنى باشارة أو كناية ترتب الفساد، فلاحظ وتأمل، ولا فرق بين أقسام الصوم ولا بين اللغات، نعم يشترط فيه قصد الافهام، فلو تكلم بالخبر غير موجه خطابه إلى احد أو موجها له إلى من لا يفهم معنى الخطاب فلا فساد، والله اعلم. (و) كذا يجب الامساك (عن الارتماس) على المشهور بين الاصحاب بل قيل: إنه إجماع، لقول الصادق (عليه السلام) في خبر يعقوب ابن شعيب (1) (لا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم) كقوله في صحيح الحلبي (2) (لا يرتمس الصائم ولا المحرم رأسه في الماء) وفي مرسل ابن زياد (3) (أن الحسن الصيقل قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصائم يرتمس في الماء قال: لا ولا المحرم، قال: وسألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول قال: لا) وقال الباقر عليه السلام في خبر ابن مسلم (4): (الصائم يستنقع في الماء ويصب على رأسه ويتبرد بالثوب وينضح المروحة وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء). (وقيل) والقائل المرتضى في المحكي من احد قوليه وابن إدريس وغيرهما: (لا يحرم) للاصل (بل يكره) حملا للنهي في النصوص المزبورة عليه بقرينة قول الصادق عليه السلام في خبر عبد الله بن سنان (5): (يكره للصائم أن يرتمس في الماء) والتعبير به فيه وفي لبس الثوب المبلول المعلوم انه للكراهة في خبر الصقيل


(1) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 4 - 2 - 9 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 8 عن حماد عن حريز

[ 228 ]

وفيه ان الاصل مقطوع بما سمعت مما لا يقبل حمله على الكراهة، كمحكي الاجماع بل خبر ابن مسلم كالصريح في نفيها عند التأمل، مضافا إلى عدم المقتضي، وخبر ابن سنان بعد الطعن في سنده يمكن إرادة الحرمة من الكراهة فيه، بل هو أولى من حمل النهي في النصوص السابقة عليها: والجمع بينه وبين الثوب المبلول بلفظ النهي في خبر واحد أعم من الكراهة بعد استقلال كل منهما بنهي. (و) بالجملة لا محيص للفقيه عن القول (الاول) بل هو (أشبه) واستبعاد كون خصوص غمس الرأس من البدن مفطرا مع فرض عدم دخول شئ من الماء في شئ من المنافذ اجتهاد في مقابلة النص، كالقول بأنه محرم ولكن لا يوجب قضاء ولا كفارة وإن اختاره المصنف لقوله: (وهل يفسد) الصوم (بفعله ؟ الاشبه لا) تبعا للمحكي عن استبصار الشيخ وتبعه عليه غيره كالفاضل وولده والمحقق الثاني وثاني الشهيدين وغيرهم، للاصل بعد خلو النصوص عن التعرض لهما حتى حكي عن الشيخ انه قال: لا أعرف حديثا في إيجاب القضاء والكفارة أو أحدهما به، واقتصارها على النهي المراد منه حقيقة الحرمة التي هي أعم منهما بعد فرض تعلقها بخارج عن العبادة، لكنه كما ترى هدم للمستفاد في سائر الابواب من الاحكام الوضعية في أمثال هذه النواهي كالاوامر بقرينة كون المقصد الاهم للشارع بيان الصحة والفساد، حتى صار ذلك من تفاهم اهل العرف في خطاب المتعلق بعبادة أو معاملة مما يوصف بالصحة والفساد، وعليه بنوا كثيرا من الشرائط والموانع كما لا يخفى على المتتبع، ودعوى ان النهي هنا للاحتياط عن دخول الماء المنافذ لا لانه مفطر اجتهاد لا دليل عليه، كل ذلك مضافا إلى ظهور خبر الخصال (1) المتقدم في المسألة السابقة في انه من المفطرات


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 6

[ 229 ]

وانه كالاكل والشرب، بصراحته في ذلك، بل وصحيح ابن مسلم (1) (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء) وغير ذلك مما هو دال على كونه مفطرا بعد قطع النظر عن محكي الاجماع المؤيد بالشهرة العظيمة، وخبر اسحاق بن عمار (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا عليه قضاء ذلك اليوم قال: ليس عليه قضاء ولا يعدون) قاصر عن المعارضة سندا ودلالة من وجوه. بل المتجه إيجاب الكفارة مع القضاء بناء على ما ستعرف من ظهور الادلة في وجوبها بكل مفسد للصوم، بل هي من معقد محكي الاجماع، فالقول بوجوب القضاء فيه خاصة كما عن أبي الصلاح للاصل ضعيف ايضا لما عرفت، وخلو النصوص عن التعرض غير قادح بعد ظهور نصوص أخر فيه، على أن عدها إياه هنا مع الاكل والشرب في الصحيح وغيره لا يخلو من إشعار باتحاد الحكم فيها، ولعله لذا قال في المحكي عن المبسوط: إن وجوب القضاء والكفارة به أظهر في الروايات. وكيف كان فالمراد من الارتماس هنا غمس الرأس خاصة لاجميع البدن كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا بل ولا ترددا عدا ما سمعته من الدروس لتعلق النهي به فيما سمعت من النص (3) الذي لا ينافيه إطلاق الارتماس في آخر (4) فيكفي حينئذ في ترتب الحكم غمسه وإن كان البدن كله خارجا، والظاهر أن المراد غمسه دفعة للغسل أو للتبريد، فلو غمسه على التعاقب لم يتعلق


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 و 7 (4) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 230 ]

الحكم وإن احتمله في المدارك، لكن لا ريب في ضعفه، نعم لو غمسه تدريجا حتى انتهى إلى حصول تمام رأسه تحت الماء حينا ترتب الحكم، وعلى كل حال فما في الدروس بعد أن ذكر المفطرات الثمانية التي منها الارتماس ولو غمس رأسه دفعة أو على التعاقب ففي إلحاقه بالارتماس نظر، نعم لو سبق الماء إلى حلقه قضى ولو سبق في الاغسال الواجبة أو المستحبة فلا شئ، وفي التبرد احتمال لا يخلو من نظر بل منع وإن كان هو ظاهر المتن وغيره ممن عبر بالارتماس الظاهر في ارتماس البدن جميعه، لكن قد عرفت أن ظاهر الادلة خلافه. ثم إن المنساق إلى الذهن من الرأس هنا تمام ما فوق الرقبة، وفي المدارك لا يبعد تعلق التحريم بغمس المنافذ كلها دفعة وإن كانت منابت الشعر خارجة من الماء، وفيه أنه مبني على كون منشأ الحكم الاحتياط في عدم إدخال الماء المنافذ، وليس في شئ من النصوص إشعار به، نعم لا يقدح في الصدق خروج الشعر وحده من الماء، كما انه لا بأس بالافاضة ونحوها مما لا يسمى ارتماسا وإن كثر الماء، بل لا بأس برمس بعضه في الماء وإن كان ما فيه المنافذ، ولو شك في التمام بنى على الصحة، وخبر العدل فضلا عن العدلين بدخوله تماما يقوم مقام العلم على الاقوى، وفي كشف الاستاذ (أما سد المنافذ وإدخال الرأس في مانع من وصول الماء إليه متصلا به فلا يرفع حكم الغمس، وفي المنفصل يقوى رفعه) وفي الاول نظر واضح، ضرورة كون الرأس اسما للبشرة، وذو الرأسين يبطل بغمسهما معا ما لم يكن أحدهما زائدا، فيكون المدار على الاصلي، مع أن طريق الاحتياط أسلم، وما كان منه عن نسيان أو قهر أو سقوط من غير اختيار أو إلقاء نفسه زاعما أن الالقاء لا يسبب انغماس الرأس بالماء لا يبعث على فساد، فحينئذ الناسي لا يفسد صومه ولا غسله، كما أن العامد يفسدان معا بالنسبة إليه، ولو ارتمس في المغصوب أو فيما كان في آنية من أحد النقدين ناسيا للصوم بطل غسله دون صومه، ولو توقف

[ 231 ]

خروج نفس محترمة أو مال كذلك عليه صح الغسل وفسد الصوم، وكذا إذا كان الصوم نافلة أو واجبا موسعا، وفي المدارك احتمال حرمته تعبدا بناء على أنه محرم غير مفسد كالتكفير في النافلة، قال: (إطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضي أنه لا فرق في هذا الحكم بين صوم الفريضة والنافلة، ثم إن قلنا: إنه مفسد جاز فعله في صوم النافلة كغيره من المفطرات، وإن قلنا بالتحريم خاصة كما هو الظاهر احتمل التحريم في صوم النافلة كالتكفير في الصلاة المندوبة، والاباحة إما لقصور الاخبار المانعة عن إفادة العموم أو لانه إذا جاز تناول المفطر جاز فعل ما هو مظنة له بطريق أولى) قلت: هذا كله يؤيد ما قلناه من إرادة الفساد من نحو هذا النهي، ضرورة إطلاق الصوم في النصوص، وإرادة الحرمة منه خاصة في النافلة بل الواجب الموسع مع جواز الابطال فيهما كما ترى لا يقبله ذوق فقيه، وكذا التكفير، فتأمل جيدا، هذا. وفي المسالك بعد أن حكم أن الاصح الحرمة من غير إبطال قال: (وتظهر فائدة التحريم فيما لو ارتمس في غسل مشروع فانه يقع فاسدا للنهي عن بعض أجزائه المقتضي للفساد في العبادة، لو كان ناسيا ارتفع حدثه، لعدم توجه النهي إليه، والجاهل عامد) وفي المدارك (أنه جيد إن وقع الغسل في حال الاخذ في الارتماس أو الاستقرار في الماء لاستحالة اجتماع الواجب والمحرم في الشئ الواحد اما لو وقع في حال الاخذ في رفع الرأس من الماء، فانه يجب الحكم بصحته، لان ذلك واجب محض لم يتعلق به نهي أصلا، فينتفي المقتضي للفساد) وفي الذخيرة بعد أن حكاه عن المدارك (هو حسن إن كان الغسل يتحقق باخراج البدن من الماء، لكن لي في ذلك تأمل، لان المتبادر من الغسل المأمور به في الاخبار غير ذلك، وبالجملة لا يحصل اليقين بامتثال التكليف بهذا الفعل) قلت: قد بينا في محله أن المراد من الغسل ما يشمل ذلك، فلاحظ.

[ 232 ]

ثم لا يخفى أن مراد الشهيد التفريع على الحرمة خاصة، وإلا فعلى البطلان لا ينبغي التأمل في الصحة بكل ما يصدق معه الارتماس في حال المكث أو الخروج أو غيرها بعد حصول المبطل منه للصوم، وحينئذ فالمتجه الحرمة بالارتماس والمكث والخروج بناء على أن ما بالاختيار لا ينافي الاختيار، فهو كالداخل في الدار المغصوبة، فانه يأثم بخروجه منها وإن كلف به كما تقرر في محله، فيتجه بناء على ذلك ما أطلقه الشهيد، بل منه يظهر أيضا ما في المدارك من أن الاظهر مساواة الجاهل للناسي في الصحة، لاشتراكهما في عدم التوجه النهي وإن أثم الجاهل بتقصيره في التعلم، ضرورة إمكان منعه عليه، وأنه لامانع من توجه النهي إليه بعد أن كان التقصير بسوء اختياره، والامر سهل، هذا. وألحق بعضهم كالشهيد الثاني وغيره غير الماء من المايعات به في حكم الارتماس، بل قال في المسالك: (في حكم الماء مطلق المايع وإن كان مضافا كما نبه عليه بعض أهل اللغة والفقهاء) قلت: قد يشكل بأن الموجود في النصوص التقييد بالماء، اللهم إلا أن يقال إنه غير مناف للمطلق، فلا يتقيد به، نعم قد يمنع انسياق المطلق لما يشمل الارتماس بكل مايع، بل أقصى ما يسلم منه الماء المضاف ونحوه، ولعله لذا قال الاستاذ في كشفه ويقوى عدم إدخال باقي المايعات في حكم الرمس إلا ماكان من المياه المضافة ونحوها في وجه قوي، ولكن مع ذلك الاحتياط لا ينبغي تركه، والله أعلم. (وفي إيصال الغبار) الغليظ من الدقيق والتراب أو غيرهما (إلى) ما يحكم معه بالافطار من (الحلق خلاف) و (الاظهر التحريم وفساد الصوم) وفاقا للمشهور، بل لم أجد فيه خلافا بين القائلين بعموم المفطر للمعتاد وغيره إلا من المصنف في المعتبر فتردد فيه، كما اعترف بذلك الفاضل في الرياض، بل ظاهر


الجواهر - 29

[ 233 ]

الغنية والتنقيح وصريح السرائر ومحكي نهج الحق الاجماع عليه، ومن ذلك يعلم ما في قول المصنف: (خلاف) اللهم إلا أن يريد المرتضى ومن تبعه على القول باختصاص المفطر بالمعتاد، لكن كان عليه حينئذ تقييد الغبار بذلك، أو المفيد لقوله فيما حكي عنه: (ويجتنب الصائم الرائحة الغليظة والغبرة التي تصل إلى الجوف، فان ذلك نقص في الصوم) بناء على أن مراده نقص فضيلة الصوم، لكن فيه أن من المحتمل القراءة بالضاد المعجمة، بل هو متعين، لقوله في موضع آخر على ما حكي عنه: (وإن تعمد الكون في مكان فيه غبرة كثيرة أو رائحة غليظة وله غناء عن الكون فيه فدخل حلقه شئ من ذلك وجب عليه القضاء). وكيف كان فلم نتحقق ما ذكره المصنف من الخلاف، نعم هو متحقق بالنسبة إلى القضاء خاصة أو مع الكفارة، وهو شئ آخر، مع أن الاقوى فيه وجوبهما معا به بناء على ما عرفت وتعرف من وجوبهما بكل مفطر مع العمد والاختيار لا خصوص الاكل ونحوه، مضافا إلى خصوص خبر المروزي (1) الذي هو دليل الاصحاب في المقام على أصل الافطار به، قال: (سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين، فان ذلك له مفطر كالاكل والشرب والنكاح) وإضماره بعد معلومية عروضه من تقطيع الاخبار لا من أصل الرواية كما بين في محله غير قادح، فلا جهة للمناقشة فيه بذلك، وأنه لا يجدي في دفعه الانجبار بالشهرة، ضرورة عدم ثبوت كونه خبرا حتى تجبره الشهرة، كما انه لا يقدح فيه اشتماله على ما لا تقول به من الافطار من شم الرائحة والمضمضة والاستنشاق بعد أن تبين في محله كون الخبر الواحد وإن كان نحو المقام مما كان الجواب فيه متحدا عن الجميع بمنزلة الاخبار


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 234 ]

المتعددة، مع أنه يمكن فرضها جميعا على وجه يوجب ذلك وان كان بعيدا، بل نحن في غنية عنه بناء على اندراج نحوه في الاطلاقات، لعدم اعتبار الاعتياد في المفطر، مضافا إلى محكي الاجماع وغيره، فما في المعتبر من أن هذه الرواية فيها ضعف، لانا لا نعلم القائل، وليس الغبار كالاكل والشرب ولا كابتلاع الحصى والبرد واضح الضعف، وإن كان يشهد له الموثق (1) عن الرضا عليه السلام (سألته عن الصائم يدخن بعود أو بغير ذلك فيدخل الدخنة في حلقه قال: لا بأس وسألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه قال: لا بأس) المؤيد بالاصل، وصحيح الحصر (2) في غيره الواجب تقييدهما بما سمعت، كوجوب حمل الموثق المزبور بعدما عرفت من قصوره عن المقاومة من وجوه، منها ما قيل من موافقته العامة على دخول الغبار لا إيصاله إليه ولو بفعل باعث عليه، والمفطر عندنا الثاني لا الاول الذي هو ما يوصله الهواء من دون قصد، بل في كشف الاستاذ (انه لا يلزم سد الفم والانف من غبار الهواء، ويلزم عما يحدث بكنس أو نسفه أو تقليب طعام أو حفر أرض ونحوها) وظاهره الفرق بين ترك التحفظ من الهواء وبين تركه من الكنس ونحوه سواء كان منه أو من غيره كما صرح به قبل ذلك، قال: (ثالثها وصول الغبار الغليظ إلى الجوف بايصاله إليه أو بفعل باعث عليه منه أو من غيره) وهو مشكل بناء على أن الافطار به لاطلاق النصوص باعتبار دخول الاجزاء الجوف لا لخصوص الخبر المزبور، وإلا كان المتجه الاقتصار على ما إذا كان الباعث منه خاصة لا الاعم منه ومن غيره عدا الهواء ونحوه، وفي تعليق الارشاد الايصال تمكينه من الوصول بأن لا يتحفظ مع التمكن منه، بل قد يشكل بناء على ما ذكرنا تقييده بالغليظ كما وقع من الاستاذ وغيره، بل نسب إلى الاكثر


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 235 ]

ومال إليه بعض متأخري المتأخرين معللا له بالاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن وفرع عليه في الكشف عدم البطلان بالشك في دخول الغليظ والوصول إلى الجوف، وخروج آثار الغبار بنخامته وبصاقه لا يدل على غلظه، إذ قد يحصل من استمرار الخفيف، لكن لا يخفى عليك أن المتجه الافطار به وإن لم يكن غليظا، بناء على أن المدرك الاطلاق، بل ولو قلنا الخبر المزبور، إذ هو مطلق أيضا، ولقد أجاد في المدارك والذخيرة حيث قال: (إن الاعتبار يقتضي عدم الفرق) لكن في الرياض (أن التقييد لا يخلو من قوة لا للجمع لعدم شاهد عليه، بل لعدم دليل على الابطال على الاطلاق سوى الرواية، وهي لقطعها وعدم معلومية المسؤول عنه فيها لا تصلح للحجية وإن حصلت معها الشهرة، لانها انما تجبر الرواية المسندة لا المقطوعة، ولا إجماع على الاطلاق، لوقوع الخلاف فيما عدا الغليظ مع شهرة التقييد به كما عرفته) وفيه أن القطع غير قادح بعدما ذكرناه في محله، ومعقد بعض الاجماع مطلق ايضا، مضافا إلى ما يظهر من الفاضل وغيره من أن مدرك الافطار به الاطلاقات وأنه كابتلاع غير المعتاد لا خصوص الخبر، وفي المسالك لم يقيد المصنف الغبار بكونه غليظا كما فعله جماعة وورد في بعض الاخبار، والظاهر أن عدم القيد أجود، لان الغبار المتعدي إلى الحلق نوع من المتناولات وإن كان غير معتاد، فيحرم ويفسد الصوم ويجب به الكفارة سواء في ذلك الغليظ والرقيق، بل الحكم فيه أغلظ من المأكول إذا كان غبار ما يحرم تناوله، وهو جيد جدا، نعم ينبغي أن يستثنى ما يعسر التحرز منه، كما أنه ينبغي أن يعلم انه مطلقا غير مفطر مع النسيان والقهر إلا إذا خرج إلى فضاء الفم بهيئة الطين فابتلعه، فانه يفسد حينئذ ويأثم. وعلى كل حال فعن أكثر المتأخرين إلحاق الدخان الغليظ به الذي يحصل منه جزء يتعدى إلى الحلق، بل في المدارك نسبته إلى المتأخرين، وقد يشكل

[ 236 ]

بمنافاته للاصل وغيره، ولذا مال إلى العدم في المدارك والذخيرة، وفي كشف الاستاذ (انه غير مفطر إلا لمن اعتاده وتلذذ به، فقام عنده مقام القوت، فانه اشد من الغبار، وكذا البخار غير مفطر إلا مع الغلبة والاستدامة، فانه إذا فقد الماء قد يقوم هذا مقامه، والاحوط تجنب الغليظ منها مطلقا) وفيه ما لا يخفى مما لا يرجع إلى دليل معتبر، نعم قد يقال بالافطار به بناء على شمول الاطلاقات للغبار باعتبار كونه أجزاء وصلت إلى الجوف بالحلق، والمفروض عدم اعتبار الاعتياد بالمفطر، ومثله يجري في الدخان الذي هو أشد من الغبار في بعض الاحوال، فالقول بكونه مفطرا خصوصا بالنسبة إلى بعض الاشخاص الذين يستعملون التنباك لا يخلو من قوة، بل يجب معه القضاء والكفارة كالغبار، لما عرفت، ولسلب الاسم معه في عرف المتشرعة، وخبر الدخنة (1) يمكن حمله على اتفاق الدخول لا المقصود منه، أو على الحلق دون الجوف، أو نحو ذلك، والله أعلم. (و) يجب ايضا الامساك (عن البقاء على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر من غير ضرورة على الاشهر) بل المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في الخلاف والوسيلة والغنية والسرائر وظاهر التذكرة كالمحكي عن الانتصار وظاهر المنتهى ايضا، بل هو إن لم يكن محصلا يمكن دعوى تواتره، كالنصوص (2) التي فيها الصحيح وغيره القريبة من التواتر، بل لعلها كذلك كما في الرياض، خصوصا إذا لوحظ معها ما دل من النصوص على فساد الصوم بتعمد الجنابة في النهار بتقريب ان ذلك ليس إلا لمنافاة تعمد الجنابة للصوم بل ما نحن فيه اولى بالبطلان باعتبار سبق انعقاد الصوم وعدمه، كما صرح بذلك


(1) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 16 من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 237 ]

في المختلف ومحكي المنتهى وأومأ إليه في المعتبر، بل عن الانتصار (ليس لهم ان يقولوا إن حكم الجنابة لا ينافي الصوم بدلالة انه قد يحتلم نهارا ويؤخر اغتساله ولا فساد، لانا لم نوجب ذلك للمنافاة بين الجنابة والصوم، بل لانه اعتمد لان يكون جنبا في نهار الصوم، وليس كذلك من احتلم نهارا أو استمر على حاله، لان كونه جنبا في هذا الحال من غير اعتماد، ولان بقاءه على الجنابة الواقعة بالاحتلام ليس بأكثر من حصول الجنابة في النهار، وأما الجنابة الواقعة في الليل وتمكن من إزالتها فقد اعتمد أن يكون جنبا في النهار، فاختلف الموضوعان. وعلى كل حال فالحكم من القطعيات، بل لم أتحقق فيه خلافا، ورواية الصدوق في المقنع خبر حماد بن عثمان (1) قال: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل اجنب في شهر رمضان من اول الليل فأخر الغسل إلى ان يطلع الفجر فقال له: قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجامع نساءه من أول الليل ويؤخر الغسل إلى ان يطلع الفجر، ولا اقول كما يقول هؤلاء الاقشاب يقضي يوما مكانه) اعم من العمل به، وكونه لا يروي إلا ما يعمل به غير ثابت، على ان محجوج بما عرفت من الاجماعات والنصوص التي لا يعارضها غيرها، إذا هو بين مطلق غير مساق لذلك يجب تقييده بها، كقوله تعالى (2): (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) وقوله (3): (فالان باشروهن)) إلى (حتى يتبين) وبين ما يجب تأويله إلى ذلك وإن بعد، لقصوره عن المقاومة من وجوه، كصحيح العيص (4) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان في اول الليل فأخر الغسل حتى يطلع الفجر قال: يتم يومه ولا شئ عليه) المحمول على غير العمد،


(1) و (4) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 4 (2) و (3) سورة البقرة - الآية 183

[ 238 ]

أو الفجر الكاذب أو كاد ان يطلع أو الضرورة لاعواز الماء أو التقية، لان العدم مذهب الجمهور كما في المعتبر والتذكرة، ويؤيده النسبة إلى عائشة، ولا ينافيه النسبة إلى الاقشاب في خبر الحماد المحمول على التأكيد في التقية بقرينة ما فيه من انه كان يجامع نساءه من اول الليل ويؤخر الغسل حتى يطلع الفجر ويفوته وقت الفضيلة التي لا ينبغي ان ينسب إلى من له ادنى رابطة في الدين، فضلا عمن هو اساسه ونظامه والمتأسي بأفعاله واقواله، مع ظهور (كان) في استمرار ذلك منه، مع أن صلاة الليل واجبة عليه اتفاقا بعد الاغضاء عن حرمة شهر رمضان ونوافله وإحياء ليله بالعبادة فلا يشك من له أدنى ممارسة لكلماتهم في أن ذلك منهم خارج مخرج التقية، أو التعريض بهم على نحو الاستهزاء والسخرية بهم وبعائشة التي روت لهم ذلك، وكذا صحيح حبيب الخثعمي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي صلاه الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر) ورواية اسماعيل بن عيسى (2) قال: (سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتى أصبح أي شئ عليه ؟ قال: لا يضره هذا ولا يفطر ولا يبالي، فان أبي عليه السلام قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح جنبا من جماع من غير احتلام) ونحوه خبر سعد بن اسماعيل (3) بل وصحيح القماط (4) سئل الصادق


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب مايميك عنه الصائم - الحديث 6 (3) ليس سعد بن اسماعيل رواية عن الامام عليه السلام بهذا المضمون نعم روى في الاستبصار ج 2 ص 85 - الرقم 266 نحو ذلك عن سعد بن اسماعيل عن أبيه اسماعيل بن عيس وأشار إليه في الوسائل أيضا (4) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 وليس فيه " أو على العمد "

[ 239 ]

عليه السلام (عمن أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح قال: لا شئ عليه، وذلك أن جنابته كانت في وقت حلال أو على غير العمد) وكذا خبر سليمان (1) بن أبي زينبة (كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر فكتب إلي بخطه أعرفه مع مصادف يغتسل من جنابته ويتم صومه ولا شئ عليه)). وبالجملة لابد من طرحها وتأويلها، لقصورها عن المقاومة من وجوه، منها إعراض الاصحاب، وللعلم أو الظن المتاخم له بأنها صدرت غير مراد منها ظاهرها كما هو واضح، بل المتجه وجوب الكفارة مع القضاء فيه، لاطلاق مادل على وجوبها في فساده، وخصوص خبر سليمان بن جعفر المروزي (2) عن الفقيه عليه السلام قال: (إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، ولا يدرك فضل يومه) وخبر ابراهيم بن عبد الحميد (3) عن بعض مواليه (سألته عن احتلام الصائم فقال: إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فليس له أن ينام حتى يغتسل، وإن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام ساعة حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم، ويتم صيامه ولم يدركه أبدا) وموثق أبي بصير (4) عن الصادق عليه السلام (في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح قال: يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، قال: وقال: إنه خليق أن لا أراه يدركه أبدا) لكن في المدارك أن هذه الروايات كلها ضعيفة السند، فيشكل التعويل عليها في إثبات


(1) الوسائل - الباب - 13 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 4 - 2

[ 240 ]

حكم مخالف للاصل، ومن هنا يظهر رجحان ما ذهب إليه ابن أبي عقيل والمرتضى من ان الواجب بذلك القضاء دون الكفارة، أما الحائض والمستحاضة والنفساء فينبغي القطع بعدم ترتب ذلك عليهن مع الاخلال بالغسل تمسكا بمقتضى الاصل السالم من المعارض، وفيه مع أنا لم نتحقق حكايته عن المرتضى، بل المنقول عنه في المختلف مذهب المشهور، كما أن المحكي عن الخلاف في المسألة ان أبي عقيل خاصة أن خلافه بعد اتفاق من عداه من الاصحاب على العمل بالاخبار المزبورة، بل في الخلاف والغنية وعن ظاهر الانتصار الاجماع عليه غير قادح، بل لا يضر معه ضعف السند، على أن فيها الموثق وغيره، مضافا إلى مادل على وجوب القضاء للافساد الذي ستعرف أصالة وجوب الكفارة معه، فحينئذ الاصل يقتضيها لا ينفيها، واقتصار بعض النصوص أو اكثرها على القضاء لا ينافي وجوبها بالنصوص المزبورة، حتى ما تسمعه من صحيح الاستغفار وإن كان فيه كمال الاشعار، ولو سلم فهي أقوى منها دلالة قطعا، ولو سلم فهي أرجح منها من وجوه أخر. ثم إن ظاهر المشهور كما اعترف به في الحدائق عدم الفرق في الفساد بالبقاء عمدا على الجنابة بين شهر رمضان وغيره من أفراد الصوم الواجب معينا أو غيره والمندوب، ضرورة عدهم له في سلك غيره من المفطرات التي لا يختلف فيها أفراد الصوم، ثم حكي بعضهم الاجماع على ما هو من جملتها من دون إيماء إلى التفريق بينه وبين غيره، لكن في المعتبر (ولقائل أن يخص هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام) قلت: كأنه اخذه من اختصاص نصوص المقام على كثرتها فيه، ولا قياس يقتضي التعدية، بل قيل: إن صحيح الحلبي (1) منها مشعر بذلك،


(1) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 الجواهر - 30

[ 241 ]

قال: (قال أبو عبد الله عليه السلام في رجل احتلم اول الليل أو اصاب من اهله ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى اصبح قال: يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا افطر من شهر رمضان ويستغفر ربه) وإن كان قد يمنع، إذ المراد منه القضاء بعد أن يفرغ من شهر رمضان، فليس هو حينئذ إلا كغيره من النصوص في الاختصاص المحتمل للاهمية، ولانه الواقع مكررا من الناس، ومن هنا كثر السؤال عنه وعن قضائه دون غيره من أفراد الصوم، بل لعل جملة من المفطرات إنما وردت فيه بالخصوص، إلا ان الاصحاب عدوها منه إلى غيره، مع انه قد يؤيد ذلك هنا صحيح ابن سنان (1) الوارد في قضائه لا فيه، قال: (كتب ابي إلى ابي عبد الله عليه السلام وكان يقضي شهر رمضان فقال: إني اصبحت بالغسل واصابتني جنابة ولم أغتسل حتى طلع الفجر فأجابه لاتصم هذا اليوم وصم غدا) وصحيحة الاخر (2) قال: (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي رمضان فيجنب من اول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل وهو يرى ان الفجر قد طلع قال: لا تصوم ذلك اليوم ويصوم غيره) وموثق سماعة (3) (سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام وقد علم بها ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر فقال: عليه أن يتم صومه ويقضي يوما آخر، فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان قال: فليأكل يومه ذلك وليقض، فانه لا يشبه رمضان شئ من الشهور) ومراده بعدم الشبه انه يجب فيه الامساك حرمة له وإن فسد الصوم لا انه من جهة لحوق قضائه بأدائه في الحكم، فيختصان بذلك، ويبقى غيره من الصوم المندوب والواجب الموسع والمضيق على أصالة عدم البطلان بذلك كما اختاره في المدارك والذخيرة والرياض بعد ان حكي الاخير منهم التردد عن المنتهى من


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 - 1 - 3

[ 242 ]

النصوص ومن الفتاوى، وعن المعتبر الميل إلى الاختصاص، قال: وهو الاظهر وفاقا لجملة ممن تأخر، لما مر من عدم بلوغ فتوى الاصحاب بالاطلاق الاجماع، مع اختصاص عبائر جملة منهم كالنصوص برمضان كابن زهرة والشيخ في الخلاف وغيرهما، مضافا إلى جملة من المعتبرة المصرحة بالعدم في التطوع، وفيها الصحيح والموثق وغيرهما، ويلحق به ما عداه من الصوم الواجب بمعونة ما مر من الدليل، ويستثنى منه قضاء رمضان للصحيحين والموثق. وفيه أولا انه لا يخفى على المتتبع لكلمات الاصحاب إطلاقها على وجه يظهر منه عدم الاختصاص، ومن هنا نسب القول بالبطلان في الندب الكركي في تعليقه على الكتاب إلى الشيخ والاصحاب، قال: وعليه الفتوى، وكذا النذر المطلق وما جرى مجراه، ومنه يعلم ما في نسبته إلى خلاف الشيخ، مع ان الموجود فيما حضرني من نسخته ونسخة الغنية لاظهور فيهما في الاختصاص بل ولا إشعار، ضرورة أعمية ذكر القضاء والكفارة من ذلك، كما هو واضح، وثانيا ان الذي عثرنا عليه مما ورد في صوم التطوع خبر حبيب الخثعمي (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن التطوع وعن هذه الثلاثة الايام إذا اجنبت من اول الليل فأعلم اني قد اجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر اصوم أو لا اصوم قال: صم) وموثق ابن بكير (2) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أيصوم ذلك اليوم تطوعا ؟ فقال: أليس هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار) وخبره الاخر (3) عنه (عليه السلام) ايضا، قال: (سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ثم اراد الصيام بعدما اغتسل ومضى من النهار ما مضى قال: يصوم إنشاء وهو بالخيار إلى نصف الليل) ووصفها بالمعتبرة بعد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 2 - 3

[ 243 ]

فرض إعراض المعظم عنها غير لائق، على انه لو عمل بها في خصوص التطوع لم يتعد منه إلى غيره، ضرورة معلومية التسامح فيه بما لا يتسامح في غيره، كما في صلاة التطوع بالنسبة إلى صلاة الفريضة، ولعله لذا ظهر من الدروس العمل بها في خصوص التطوع، قال: (ولو اصبح جنبا ولم يعلم العقد المعين خاصة، وفي الكفارة وما وجب تتابعه وجهان، وإن كان نفلا ففي رواية ابن بكير (1) صحته وإن علم بالجنابة ليلا، وفي رواية كليب إطلاق الصحة إذا اغتسل، ويحمل على المعين أو الندب للنهي عن قضاء الجنب في رواية ابن سنان (3)) وكذا ثاني الشهيدين في المسالك عند قول المصنف: (ولو استيقظ جنبا لم ينعقد صومه قيل ولا ندبا) قال: (نسبته إلى القول ساكتا عليه يشعر بتوقفه فيه، ووجه عدم الجواز انه غير معين فلم يصح صومه كقضاء رمضان، وان الجنب غير قابل للصوم في تلك الحال والصوم لا يتبعض، ومستند الجواز رواية عبد الله بن بكير عن الصادق (عليه السلام) إلى آخرها، وفي رواية كليب إطلاق الصحة إذا اغتسل، وحملها الشهيد على المعين أو الندب، وهو يشعر بتجويزه ذلك، ويؤيده ايضا جواز تجديد النية للعازم على الافطار خصوصا بعد الزوال، وهو ايضا مناف للصوم، وعدم قابلية الصوم للجنب انما يمنع منه حال الجنابة، أما بعد الغسل فلا يمنع عدم تبعض الصوم مطلقا، كيف وقد تقدم النص الصحيح بأن الناوي بعد الزوال انما له من الصوم ما بعد النية، وهذه الادلة وإن ضعف بعضها إلا انها لا يقصر عن أدلة جواز صوم النافلة سفرا، وقد عمل بها المصنف والجماعة


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3 (2) لم نعثر على هذه الرواية كما انه ذكر في الحدائق انه لم يقف عليها بعد التتبع في كتب الاخبار (3) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 244 ]

تساهلا بأدلة السنن، وخبر (1) من بلغه شئ من اعمال الخير يشملها) وهو كما ترى صريح في الاقتصار على التطوع، خصوصا بعد قوله آنفا في شرح قول المصنف: (ولو استيقظ جنبا لم ينعقد صومه) لا فرق في ذلك بين من علم بالجنابة ليلا وتعمد البقاء عليها ومن لم يعلم بها حتى أصبح، لاطلاق النهي في الخبر، ولان القضاء موسع، نعم لو تضيق برمضان أمكن جواز القضاء للثاني، كما ينعقد مع ذلك كل صوم معين، وفي حكم القضاء النذر المطلق والكفارة قبل التلبس بها ولو كان في الاثناء حيث يشترط التتابع أو في أثناء صوم يشترط تتابعه فوجهان، اجودهما عدم صحة الصوم، ولا يقطع التتابع لعدم التقصير، وظاهر الذخيرة موافقته في جميع ذلك أو اكثره. فظهر من ذلك كله ان القول باختصاص التطوع بالصحة دون باقي أقسام الصوم أولى من التعدي منه إلى غيره المرجوح بالنسبة إلى التعدي فيما دل على بطلان الصوم في شهر رمضان وقضائه إلى غيرهما كما أومأنا إليه سابقا، فتأمل، بل الواجب الموسع يفسده الاصباح بالجنابة وإن لم يكن عالما بها، أو كان قد نسيها أو غير ذلك من صور الاضطرار حتى فيما يشترط فيه التتابع مع الوقوع في الاثناء، وإن كان يقوى عدم بطلان التتابع به، لعدم التقصير كما سمعته من الشهيد. وعلى كل حال فمن البقاء على الجنابة عمدا إحداث سببها في وقت لا يسع الغسل بعد حصوله ولا التيمم، ولو وسع التيمم فقط عصى وصح الصوم على إشكال، وتارك التيمم مع فقد الماء حتى يصبح كتارك الغسل، لعموم المنزلة، وما في المدارك من أن الاصح عدم وجوب التيمم مبني على أصل فاسد قد ذكرناه


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب مقدمة العبادات

[ 245 ]

في كتاب الطهارة، وعدم الامر به هنا في صحيح ابن مسلم (1) وخبر ابن عيسى (2) لابتناء السؤال ظاهرا على تخيل سعة الوقت، لا أقل من احتمال ذلك فيهما، فيبطل الاستدلال، كما انه يبقى عموم المنزلة سالما، فتأمل جيدا. والاحوط بل الاقوى وجوب البقاء معه مستيقظا حتى يصبح فيه، خلافا له ايضا، قال: لان انتقاض التيمم بالنوم لا يحصل إلا بعد تحققه، وبعده يسقط التكليف، لاستحالة تكليف الغافل، وهو كما ترى، وكذا الكلام في كل ما يصح فيه الصوم بالتيمم عوضا عن الغسل. ولو تيقظ بعد الصبح محتلما فان علم سبق الجنابة عليه ليبس المني مثلا دخل في حكم البقاء غير متعمد حتى يصبح، وإلا فهو كمن أجنب بالنهار من ذوي الاعذار، فلا يفرق فيه بين الموسع وغيره، والله أعلم. والظاهر أن حدث الحيض والنفاس كحدث الجنابة في الابطال، بل هو أشد، ضرورة بطلان الصوم بمفاجأته قهرا، فليس هو إلا للمنافاة بينه وبين الصوم، فالبقاء حينئذ متعمدا حتى الصبح مبطل للصوم، كما أومأ إليه موثق أبي بصير (3) عن الصادق عليه السلام (إن طهرت بليل من حيضها ثم توانت ان تغتسل في رمضان حتى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم) وعلى كل حال فالتردد في اصل الحكم كما هو ظاهر المعتبر ومحكي الذكرى بل عن نهاية الفاضل الميل إلى العدم، بل قيل إنه الذي يعطيه كلام الجمل والمبسوط في غير محله قطعا، بل لعل المتجه وجوب الكفارة مع القضاء وإن لم ينص عليها في الخبر، إلا انك ستعرف أصالة وجوبها في تعمد الافطار، وتنتقل إلى التيمم عند حصول موجبه ولو كان الضيق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 21 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 246 ]

بسوء الاختيار الموجب للاثم، بل تبقى مستيقظة إلى الصبح معه كالجنب. نعم لو حصل النقاء حيث لم يبق مقدار فرصة الغسل أو بدله أو اشتغلت بالغسل أو بدله في وقت تظن سعته له ففاجأها الصبح أو لم تعلم بنقائها في الليل حتى دخل النهار صح صومها المعين، وفي كشف الاستاذ أو المندوب دون الموسع وهو مبني على ان المندوب بالنسبة إليها كالمندوب بالنسبة إلى الجنب، وفيه بحث يعرف مما قدمناه سابقا، بل هو قال بعد ذلك: لا فرق في الواجب الموسع بين تعمد الاصباح وعدمه في الافساد، وفي التطوع لا بأس به مطلقا على إشكال. وأما حدث الاستحاضة فقد تقدم في كتاب الطهارة تفصيل البحث فيها خصوصا عند شرح قولهم: وإذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهر، وفي الحدائق في المقام تارة المشهور بين الاصحاب توقف صوم المستحاضة على الاغسال، وأخرى ان الحكم متفق عليه بينهم، وفي المدارك (ان المتأخرين قيدوا ذلك بالاغسال النهارية وحكموا بعدم توقف صوم اليوم الماضي على غسل الليلة المستقبلة وترددوا في توقف صوم اليوم الاتي على غسل الليلة الماضية) قلت: يظهر لك التحقيق في ذلك كله بملاحظة ذلك المقام الذي العمدة فيه بعد كلام الاصحاب صحيح ابن مهزيار (1) (كتبت إليه امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت وصامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل كل صلاتين هل يجوز صلاتها وصومها أم لا ؟ فكتب تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر فاطمة (عليها السلام) والمؤمنات من نسائه بذلك) وإن كان فيه من الاشكال بنفي قضاء الصلاة مالا يخفى، فلاحظ وتأمل كي تعرف شرطية ماله مدخلية في الصوم من أفعالها أو انه الغسل خاصة بل الغسل النهاري منه دون الليلي، لعدم


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 247 ]

تعقل تأخر الشرط، وتعرف أيضا أن الصغرى حينئذ لا مدخلية لشئ من أفعالها في الصوم، لعدم الغسل فيها، أو أن أفعالها لها مدخلية كما هو مقتضى مفهوم قوله: (وإذا فعلت ذلك كانت بحكم الطاهر) وتعرف غير ذلك أيضا حتى ما في شرح اللمعة للفاضل الاصبهاني في المقام أن الوجوه ستة: الاول اشتراط صومها بكل ما عليها كما هو ظاهر الشيخ وابن إدريس، الثاني عدم اشتراطه بشئ كما يظهر من المبسوط والمنتهى حيث أشعر كلامهما بالتوقف في القضاء إن أخلت بالاغسال، والثالث اشتراطه بالغسل النهاري خاصة، وهو اختيار الدروس والبيان والرابع اشتراطه بالغسل الفجري وعدم اشتراطه بالغسل للظهرين إن تجددت الكثرة في اليوم، وهو الذي احتمله العلامة في التذكرة، الخامس اشتراطه بالغسل الفجري خاصة، وهو الذي احتمله العلامة في النهاية مع وجوب تقديمه على الصوم بناء على أنه لا يكون مشروطا إلا بما تقدمه، والسادس اشتراطه بما قارنه أو تقدم عليه لا بما تأخر عنه، وهو الذي اختاره ثاني الشهيدين، ويحتمله كلام أولهما في اللمعة، وربما يحتمل وجوب القضاء مع صحة صومها، لان القضاء أمر جديد ورد به النص، وأفتى به الاصحاب، ولم يقم على الفساد دليل، وإيجاب القضاء لا يدل عليه، والله أعلم. هذا كله في تعمد البقاء على الجنابة إلى الصبح (و) أما (لو أجنب فنام غير ناو للغسل) ولا لعدمه بل كان ذاهلا أو مترددا واتفق انه استمر نومه (فطلع الفجر فسد الصوم) كما عن الفاضل وغيره، بل عن منتهى الاول أن عليه مع ذلك القضاء، ذهب إليه علماؤنا، وظاهره الاجماع عليه، ويعضده تعبير كثير من غير خلاف يعرف بينهم، ومنهم المصنف في المعتبر، إلا أنه استدل عليه بأنه مع العزم على ترك الاغتسال يسقط اعتبار النوم، ويعود كالمتعمد على البقاء على الجنابة، وفيه أنه لا يلزم من انتفاء نية الغسل تحقق العزم على ترك الاغتسال

[ 248 ]

لجواز الذهول عن كل منهما، ومن هنا جعل في الرياض مراده صورة النوم مع العزم على الترك، قال: وإلا لما توجه الاستدلال وورد عليه ذلك، مع أن مورد الاستدلال ما هو الغالب، ضرورة ندرة الذهول، إلى أن قال: وحينئذ يمكن تنزيل باقي إطلاق عبارات القوم على ذلك، ومال إلى عدم القضاء لعدم الدليل وإن كان احوط، واما الاستدلال عليه بصحيح احمد بن محمد (1) عن ابي الحسن عليه السلام قال: (سألته عن رجل اصاب من اهله في شهر رمضان أو اصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا قال: يتم صومه ذلك اليوم، وعليه قضاؤه) والحلبي (2) عن ابي عبد الله عليه السلام المتقدم آنفا، ففيه ما سمعته من ان الظاهر من تعمد النوم منهما العزم على البقاء على الجنابة ايضا، فتنتفي الدلالة على وجوب القضاء في حال الذهول، ولذلك كله قال في المدارك: إن وجوب القضاء في هذه الصورة غير واضح، لكنها نادرة، قلت: بعد الاغضاء عن المناقشة في دلالة الصحيحين المزبورين يمكن دعوى دلالة خبر سليمان المروزي (3) وخبر ابراهيم بن عبد الحميد (4) المتقدمين آنفا في الكفارة على متعمد البقاء، بل منهما يتجه القول بوجوبها في المقام مع القضاء كما هو الاصل في كل مفطر فعل عمدا، بل في المسالك انما يصح النومة الاولى بعد الجنابة مع نية الغسل ليلا، إلا لم يصح النوم، ولا بد مع ذلك من احتمال الانتباه، وإلا كان كمتعمد البقاء، وشرط بعض الاصحاب مع ذلك اعتياده الانتباه، وإلا كان كمتعمد البقاء على الجنابة، ولا بأس به، لكن في المدارك انه مشكل جدا، خصوصا على القول بأن غسل الجنابة انما يجب لغيره


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 4 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 3 - 4 الجواهر 31

[ 249 ]

مع انه لا معنى لتحريم النوم، لسقوط التكليف معه، ولعل المراد تعلق الحرمة بالتوجه إليه والاخذ في مقدماته، وكيف كان فلا ريب في تحريم العزم على ترك الاغتسال، وأما تعلق الحرمة بالنوم فغير واضح، خصوصا مع اعتياد الانتباه قبل طلوع الفجر، قلت: قد يدل عليه صحيح معاوية بن عمار (1) الاتي على حرمة النوم في الجملة، وأولى منه خبر ابراهيم بن عبد الحميد المتقدم سابقا، والامر سهل. (ولو كان) الجنب النائم قد (نوى الغسل) فاتفق انه استمر إلى ان أصبح (صح صومه) المعين، لصحيح العيص (2) وغيره من النصوص (3) بل لا خلاف اجده فيه، بل عن الخلاف الاجماع، لكن في موضع من المعتبر (ولو أجنب فنام ناويا للغسل حتى أصبح فسد صوم ذلك اليوم، وعليه قضاؤه، وعليه اكثر علمائنا) ثم استدل عليه بصحيح ابن ابي يعفور (4) الاتي وصحيح ابن مسلم (5) وهو عجيب، ضرورة ان المعروف بين الاصحاب ما ذكرناه، بل هو قال في موضع آخر من المعتبر: (من اجنب ونام ناويا للغسل فطلع الفجر فلا شئ عليه، لان نومه سائغ ولا قصد له في بقائه، والقاعدة مترتبة على التفريط والاثم وليس احدهما مفروضا، أما لو انتبه ثم نام ثانيا ناويا للغسل فطلع الفجر فعليه القضاء، لانه فرط في الاغتسال مع القدرة، ولا كذا المرة الاولى، لان في المنع منها تضييقا على المكلف) ثم استدل بصحيحي ابني عمار (6) وابي يعفور (7) وهو صريح فيما ذكره الاصحاب، فلابد من حمل كلامه الاول على صورة الانتباهة


(1) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 2 - 3 - 1 - 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 - 0 -

[ 250 ]

أو غير ذلك أو يكون قد عدل عنه، وإطلاق صحيحي احمد (1) والحلبي (2) وخبر ابي بصير (3) وصحيح ابن مسلم (4) وموثق سماعة بن مهران (5) في القضاء يجب تقييده بمن لم ينو الغسل، بل لعل المراد من التعمد فيها ذلك على معنى تعمد النوم إلى الصبح، أو بما إذا نام بعد الاستيقاظ، أو نحو ذلك مما لا بأس به للجمع بين الفتاوى وباقي النصوص التي هي كالمقيدة لهذه المطلقات، فما عن المنتهى من انه لو اجنب ثم نام ناويا للغسل حتى يطلع الفجر ولم يستيقظ فمفهوم ما تقدم من الاحاديث يدل على الافساد والقضاء في غير محله، إذ لا ريب في ان مراده الاطلاق المزبور الذي عرفت وجوب الخروج عنه للنص والفتوى ومحكي الاجماع صريحا وظاهرا، وأما احتمال الفرق بين الجنابة مستيقظا مثلا وبينها محتلما فيجب القضاء في الاول بالنومة الاولى لانه كالمنتبه ثم نام، بخلاف المحتلم في نومه، والفرض عدم علمه حتى الصبح فانه لاقضاء عليه، لعدم التقصير بوجه، واستيقاظ المحتلم ثم نومه كنوم الجنب مستيقظا، فينبغي تساوي الحكم فيهما فهو تهجس في النصوص والفتاوى، ضرورة صراحتهما معا في خلافه، فلاحظ وتأمل كي تعرف ذلك وتعرف ما في الذخيرة من الاحتمالات في الجمع بين النصوص. هذا كله في غير المنتبه (ولو) كان قد (انتبه ثم نام ناويا للغسل) أولا (فأصبح نائما فسد صومه وعليه قضاؤه) لصحيح معاوية بن عمار (6)


(1) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 - 3 - 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2 (5) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3

[ 251 ]

(قلت للصادق عليه السلام في الرجل يجنب من اول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان قال: ليس عليه شئ، قلت: فانه استيقظ ثم نام حتى أصبح قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة) وصحيح ابن ابي يعفور (1) عنه (عليه السلام) ايضا (قلت له: الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح قال: يتم صومه ويقضي يوما آخر، فان لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له) وغيرهما معتضدة بالشهرة العظيمة، بل في المدارك (لا اعلم فيه مخالفا، بل عن الخلاف الاجماع) هذا، وفي المسالك ايضا هنا (قد تقدم ان النومة انما يصح مع العزم على الغسل وإمكان الانتباه واعتياده، فإذا نام بالشرط ثم انتبه ليلا حرم عليه النوم ثانيا وإن عزم على الغسل واعتاد الانتباه، لكن لو خالف وأثم فأصبح نائما وجب عليه القضاء خاصة ونوقش بعدم وضوح مأخذ الحرمة، وربما كان قوله (عليه السلام): (عقوبة) بناء على انها انما تكون على فعل المحرم، وفيه ان ترتب مثل هذه العقوبة لا يقتضي تحريمه، والاصح إباحة النومة الثانية بل والثالثة ايضا وإن ترتب عليهما القضاء كما هو ظاهر المحكي عن منتهى الفاضل، للاصل السالم عن المعارض) قلت: خبر ابراهيم بن عبد الحميد واضح الدلالة على الحرمة) للنهي فيه صريحا عن النوم حتى يغتسل، والامر سهل، ضرورة كون المفرو ض الصوم المعين الذي يجب على المكلف حفظه من كل ما يقتضي إبطاله، ومنه البقاء جنبا إلى الصبح. وأما لو انتبه في الفرض بعد ذلك ايضا فسيأتي التعرض له في كلام المصنف والمشهور فيه وجوب القضاء والكفارة فيكون حاصل ما عند الاصحاب في النوم مع نية الغسل انه على ثلاثة أقسام: الاول لا يوجب شيئا، وهو الذي استمر


(1) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 مع الاختلاف

[ 252 ]

إلى الصبح، والثاني الذي حصل معه انتباهة، وهو موجب للقضاء خاصة، الثالث ما حصل معه انتباهتان، وهو موجب للقضاء والكفارة، لكن قد يناقش في عدم الكفارة في الثاني إن لم يكن إجماعا بناء على ما أومأنا إليه غير مرة من أصالة ترتبها على كل مبطل مقصور، واقتصار النصوص هنا على القضاء اعم من عدمها، كما انه ينبغي ان يعلم ان الفاضل الاصبهاني حكى عن فخر الاسلام في شرح الارشاد انه قال: الانتباه من الاحتلام وفي حال الجماع لا يعد من الانتباهتين بل المعتبر انتباهة بعد نومة جنبا، ثم أيده هو بالنصوص من الاصحاب والاخبار فان الحكم انما علق على النوم ثلاثا يتخللها انتباهتان بعد الجنابة، قال: ولو أجنب في النوم ولم ينتبه بالاحتلام ثم انتبه فالظاهر انه ايضا غير معدود، وانما المعدود ما بعد العلم بالجنابة كما هو نص الشارع، قلت: قد أومأنا سابقا إلى بعض ذلك وقلنا إن الانتباه من الاحتلام كالجنابة مستيقظا، ولا ريب في عدم عد تلك اليقظة عندهم انتباهة، فكذلك هذه، لعدم صدق انه نام جنبا ثم استيقظ، وهو المدار نصا وفتوى، إلا ان الاحتياط لا ينبغي تركه بحال، والله اعلم. (و) ستسمع تمام البحث عند تعرض المصنف لحكم الانتباهتين، كما انك تعرف فيما يأتي تمام الكلام فيما ذكره هنا من انه (لو استمنى أو لمس امرأة فأمنى فسد صومه) لكن ينبغي ان يعلم ان المراد بالاستمناء هنا طلب الامناء بغير الجماع مع حصوله لا مطلق طلبه وإن كان محرما ايضا، إلا انه لا يترتب على حكم سوى الاثم، بخلاف الاول فانه لا خلاف اجده في حصول الافطار به، بل في المعتبر (ويفطر بانزال الماء بالاستمناء والملامسة والقبلة اتفاقا) ومحكي المنتهى (الانزال نهارا مفسد للصوم مع العمد سواء أنزل باستمناء أو ملامسة أو قبلة بلا خلاف) وفي المدارك (قد أجمع العلماء كافة على ان الاستمناء مفسد للصوم) وفي شرح الاصبهاني اللمعة إفساده مما أطبق عليه الاصحاب ونصت به الاخبار،

[ 253 ]

وفي صحيح ابن الحجاج (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع) وخبر سماعة أو موثقه (2) (سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل قال: على إطعام ستين مسكينا مدا لكن مسكين) وخبر أبي بصير (3) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل وضع يده على شئ من جسد امرأته فأدفق فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، أو يعتق رقبة) بل في صحيح ابن مسلم (4) انه سأل ابا جعفر عليه السلام (هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان فقال: إني أخاف عليه فليتنزه عن ذلك إلا ان يثق ان لا يسبقه منيه " إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في الافطار وإن لم يكن قد قصد بذلك الامناء ولا كان من عادته كما هو مقتضى إطلاق الفاضلين وغيرهما، مع انه لا يخلو من إشكال، خصوصا إذا كان الملموسة حلالا، بل في المدارك الاصح ان ذلك انما يفسد إذا تعمد الانزال، وربما يؤيده انه المناسب للجمع بين إطلاق الاخبار السابقة وبين مرسل المقنع (5) عن علي (عليه السلام) (لو أن رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن على شئ) وتسمع تمام الكلام في ذلك إن شاء الله فيما يأتي. (ولو احتلم بعد نية الصوم نهارا لم يفسد صومه) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه على من غير فرق بين اقسام الصوم، بل لا يجب عليه البدار في الغسل، وفي المدارك لا أعلم فيه خلافا ايضا، وخبر ابراهيم بن عبد الحميد (6)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 4 - 5 (4) و (5) الوسائل - الباب - 33 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13 - 5 (6) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 4

[ 254 ]

المتقدم آنفا محمول على ضرب من الندب، نعم لو ترك الغسل لليوم الثاني فهو من متعمد البقاء على الجنابة، بل لو كان ناسيا قضى في المعين على ما تسمع الكلام فيه إن شاء الله، كما انه لو كان جاهلا كذلك، بل المتجه في الاخير الكفارة إلا إذا كان معذورا بعدم حظور السؤال بباله فعليه القضاء خاصة، والله أعلم (وكذا) لا يفسد الصوم (لو نظر إلى امرأة) حلال أو حرام (فأمنى على الاظهر) عند المصنف (أو استمع فأمنى) للاصل وغيره، خلافا للشيخ فعليه القضاء إذا كان المنظورة لا تحل له بشهوة، ولابي الصلاح فانه حكي عنه انه قال: لو اصغي إلى حديث أو ضم أو قبل فأمنى فعليه القضاء، نعم قد يشكل فيما إذا لم يكن مقصوده الامناء ولا عن عادته، ومن هنا قال في المدارك: الاصح ان ذلك غير مفسد إلا إذا كان من عادته الامناء، وكذا القول في التخيل لو ترتب عليه الانزال فلا بأس به، وستسمع تحقيق الحال في ذلك، بل (و) في (الحقنة) وان الاقوى كونها (بالجامد جائزة وبالمايع محرمة، ويفسد بها الصوم) لكن (على تردد) عند المصنف وخلاف تعرف تمام الكلام فيه إن شاء الله. وهنا (مسألتان: الاولى كلما ذكرنا انه يفسد الصيام) غير البقاء على الجنابة (انما يفسده إذا وقع عمدا) لابدونه كالذباب يطير إلى الحلق والغبار الذي يدخل من غير قصد، فانه لا يفسد الصوم بأقسامه قولا واحدا ونصوصا (1) بخلاف الاول فانه يفسده بأقسامه ايضا (سواء كان عالما) بكونه مفطرا (أو جاهلا) به على تردد عند المصنف في الجاهل لا الاول الذي لاريب في فساد الصوم معه ينشأ من الخلاف فيه، فان المحكي عن الاكثر بل هو المشهور فساد صومه كالعالم، فيجب عليه القضاء والكفارة، لاطلاق مادل على وجوبهما،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 255 ]

وعن الشيخ في التهذيب وابن إدريس انه إذا جامع أو أفطر جاهلا بالتحريم لم يجب عليه شئ، وظاهرهما سقوطهما معا كما عن المنتهى احتماله لسقوط القلم عنه، وفي المعتبر (الذي يقوى عندي فساد صومه ووجوب القضاء دون الكفارة) وفي المدارك (وإلى هذا القول ذهب اكثر المتأخرين، وهو المعتمد). قلت: فيكون حاصل الاقوال ثلاثة، وربما كان التفصيل بين الجاهل المقصر في السؤال فيجب عليه القضاء والكفارة وبين غير المقصر لعدم تنبه، فلا يجب عليه الكفارة خاصة، واختاره بعض مشايخنا قولا رابعا، إذ دعوى كون محل البحث الاول دون الثاني محل منع، اللهم إلا ان يقال إن الكفارة انما هي عقوبة، ولا وجه لها مع عدم الاثم، لان المفروض عدم تنبه بحيث يصح عقابه، وفيه ان إطلاق بعض أدلة الكفارة شامل للجميع، فيمكن حينئذ منع اعتبار الاثم في وجوبها، وسقوطها في النسيان ونحوه للدليل اعم من ذلك، إلا ان الانصاف عدم خلوه من الاشكال، بل الذي يقوى في النفس من ملاحظة النصوص والفتاوى حتى في غير المقام اعتبار الاثم في الكفارة، لاأقل من الشك والاصل البراءة. ومن ذلك يظهر لك حينئذ قوة القول الاخير، أما القضاء فلاطلاق أدلته الذي لا يعارضه موثق زرارة وأبي بصير (1) (قالا: سألنا ابا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى اهله في شهر رمضان أو أتى اهله وهو محرم وهو لا يرى إلا ان ذلك حلال له قال: ليس عليه شئ) بعد ظهوره في غير المتنبه من الجاهل، وان المراد حينئذ من نفي الشئ عليه فيه نفي الكفارة، وهو كذلك بناء على ما قدمناه بل هو شاهد له عند التأمل كالنصوص الدالة على عذر الجاهل، كقول الصادق


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 12

[ 256 ]

(عليه السلام) في صحيح عبد الصمد (1) (أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شئ عليه) وغيره (2) بناء على إرادة عدم الاثم والمؤاخذة، واحتمال إرادة الاعم من ذلك يدفعه ان التعارض بين الادلة حينئذ من وجه، ولا ريب في كون الرجحان لادلة القضاء من وجوه، منها الشهرة، ومنها ظهور جملة من أدلة القضاء في الجاهل كما لا يخفى على من لاحظ المقام وغيره. وأما الكفارة فلاطلاق موثقي سماعة (3) وصحيح ابن الحجاج (4) وخبر عبد السلام بن صالح الهروي (5) وغيرها مما رتب فيها الكفارة على الجماع ونحوه مما لاريب في شموله للجاهل والعالم، فما في المدارك من انه لادلالة في شئ من الروايات التي وصلت الينا في هذا الباب على تعلق الكفارة بالجاهل، إذ الحكم فيها وقع معلقا على تعمد الافطار، وهو انما يتحقق مع العلم بكون ذلك الفعل مفسدا للصوم، فان من اتى بالمفطر جاهلا كونه كذلك لا يصدق عليه أنه تعمد الافطار وإن صدق عليه أنه تعمد لذلك الفعل، بل رواية ابن سنان (6) التي هي الاصل في هذا الباب انما تضمنت تعلق الكفارة بمن افطر في شهر رمضان متعمدا من غير عذر، والجهل بالحكم من أقوى الاعذار، كما يدل عليه صحيح عبد الرحمن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 12 و 13 (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب 10 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (6) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 الجواهر - 32

[ 257 ]

ابن الحجاج (1) المتضمن لحكم تزويج المرأة في عدتها، حيث قال: (قلت: فأي الجهالتين اعذر جهالته أن ذلك محرم عليه أم جهالته انها في عدة ؟ فقال: إحدى الجهالتين اهون من الاخرى، الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه، وذلك انه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: في الاخرى هو معذور قال: نعم) لا يخفى ما فيه، بل قد يمنع عليه عدم تناول تعمد الافطار للجاهل، ضرورة صدقه على من أكل المفطر في الواقع وإن لم يعلم انه كذلك، ولو أنه يعتبر فيه ذلك لم يتجه له الحكم بأن عليه القضاء، لما في الحدائق من ان روايات القضاء قد علق الحكم فيها على من افطر عامدا، والفرض عدم صدقه على الجاهل، فالتفرقة حينئذ بينه وبين الكفارة في غير محلها ودعوى ان مطلق الجهل عذر واضحة المنع، وخبر ابن سنان لاصراحة فيه في ذلك بل ولا ظهور، بل لعل الظاهر منه غير المتنبه من الجاهل، لانه الذي لا يقدر على الاحتياط، بخلاف المتنبه فانه يستطيع السؤال فالاستدلال له به على ذلك في غير محله، كالاستدلال بموثق زرارة وابي بصير (2) المتقدم سابقا الذي حملناه على غير المتنبه من الجاهل، وبذلك كله ظهر لك ما في بقية الاقوال، خصوصا نفيهما معا مطلقا وإن اختاره المحدث البحراني، والله هو العالم. هذا كله فيمن تناول المفطر جهلا (و) (لو كان سهوا) عن الصوم (لم يفسد) صومه (سواء كان الصوم واجبا أو ندبا) فلا يترتب عليه قضاء فضلا عن الكفارة بلا خلاف اجده فيه، كما عن المنتهى الاعتراف بذلك، قال: لا خلاف بين علمائنا في أن الناسي لا يفسد صومه ولا يجب عليه قضاء ولا


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة - الحديث 4 من كتاب النكاح (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 12

[ 258 ]

كفارة بفعل المفطر ناسيا، وفي صحيح الحلبي (1) أنه سئل (عن رجل نسي فأكل وشرب ثم ذكر قال: لا يفطر، انما هو شئ رزقه الله تعالى فليتم صومه) ونحوه غيره مما لا فرق في إطلاقه كالفتوى بين أقسام الصوم الواجب والمندوب والمعين وغيره ولا بين أفراد المفطرات، نعم قد عرفت في الجملة وتعرف ما (فيما ظ) يأتي حكم نسيان الجنابة حتى يطلع الفجر، والله اعلم. (وكذا) في عدم فساد الصوم (لو أكره على الافطار) بأن توعد على تركه بما يكون خطر له في نفسه أو من يجري مجراه بحسب حاله مع قدرة المتوعد على فعل ما توعد به، وشهادة القرائن بأن يفعله به لو لم يفعل (أو وجر في حلقه) بلا خلاف اجده في الاخير، لعدم صدق الاختيار الظاهر اعتباره في الافطار من الادلة عليه كما هو واضح، أما الاول فعن الاكثر انه كذلك للاصل وحديث الرفع (2) ومشاركة الناسي في عدم الاثم بالتناول، ولا ينافيه ترتب القضاء على المريض بعد اختصاصه بالدليل، والمحكي عن مبسوط الشيخ الفساد لصدق الاختيار معه، وضعفه في المدارك بأنه ليس بمفطر اختيارا، وقال: (نعم يمكن الاستدلال على هذا القول بعموم مادل على كون الاتيان بتلك الامور المخصوصة مفسد للصيام، لكن في إثبات العموم على وجه يتناول المكره نظر) قلت: الاولى الاستدلال بما دل على حكم اليوم الذي يفطر للتقية، إذ هو في معنى الاكراه، كمرسل رفاعة (3) عن الصادق عليه السلام انه قال: (دخلت على ابي العباس بالحيرة فقال: يا ابا عبد الله ما تقول في الصيام اليوم ؟ فقلت: ذلك إلى الامام إن صمت صمنا وإن افطرت افطرنا، فقال: يا غلام علي بالمائدة فأكلت


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب جهاد النفس من كتاب الجهاد (3) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5

[ 259 ]

معه وأنا اعلم والله انه من شهر رمضان، فكان إفطاري يوما وقضاؤه أيسر علي ان يضرب عنقي ولا أ عبد الله) وفي آخر (1) (أفطر يوما من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي) حيث أطلق عليه اسم الافطار، مؤيدا ذلك كله بما عساه يظهر من تتبع النصوص (2) الواردة في المتسحر في رمضان بعد الفجر قبل المراعاة وغيره من التنافي بين الاكل ونحوه والصوم بحيث لم يجتمعا وإن كان الاكل جائزا شرعا، ولذا أمر المتسحر المزبور بعدم صوم يومه إذا كان قضاء عن رمضان مطلقا ولو كان للفجر مراعيا، على ان حقيقة الصوم ليست إلا الامساك عن المفطرات، وهو غير متحقق لغة وعرفا قطعا بل وشرعا، إذ ليس هو إلا ما عند المتشرعة، ولا ريب انه الامساك وعدم وقوع المفطر باختيار المكلف أصلا، وهو منتف، ولذا صح سلب الصوم والامساك عنه، وأطلق عليه الافطار في الخبر المزبور، وليس هو إلا للفساد، فيجب القضاء، لعدم قائل بالفرق بينهما كل هذا مع ضعف دليل الخصم، ضرورة انقطاع الاصل وإرادة رفع المؤاخذة من حديث الرفع لا القضاء، وعدمه في الناسي لدليل مخصوص لا له، والمشاركة للناسي في عدم الاثم لا توجب المشاركة في عدم القضاء بعد حرمة القياس عندنا فحينئذ قول الشيخ في غاية القوة كما مال إليه شيخنا في الرياض واختاره في المسالك وستسمع تردد المصنف فيه فيما يأتي، ومنه علم حال اليوم الذي يفطر للتقية، قيل ومنه الذي يفطر قبل الغروب. قلت: قد يفرق بامكان إدراجه في التقية التي هي دين باعتبار ذهابهم إلى ان الغروب ذهاب القرص، فلا يستعقب قضاء، بخلاف الاول، اللهم إلا ان يدعى رجوعه ايضا إلى ذلك باعتبار اكتفائهم بالبينة وإن لم تكن عادلة، وحينئذ


(1) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 260 ]

منه ينقدح الفرق بين مسألة الاكراه والتقية، ويضعف خبر القضاء فيها بالارسال ويختص دليل القضاء حينئذ في الاكراه غير التقية بما ذكرناه مؤيدا، والاحوط سلك الجميع من واد واحد، للشك في شمول دينية التقية لمثل ذلك الذي مرجعه في الحقيقة إلى موضوع مصداقا أو مفهوما لا إلى حكم، ولتفصيل الحال في شقوقها محل آخر. وعلى كل حال فيكفي فيها وفي الاكراه مطلق ظن الضرر بل خوفه كما هو المستفاد من النص والفتوى، خلافا لما عساه يظهر من الدروس فخصه بخوف التلف ولعله للمرسلين (1) السابقين اللذين لادلالة فيهما على التخصيص، فلا يعارضان المطلقات، نحو (التقية في كل ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به) (2) ونحو (التقية في كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله تعالى (3)) هذا، وفي المسالك وحيث ساغ الافطار للاكراه والتقية يجب الاقتصار على ما تندفع به الحاجة، فلو زاد عليه كفر، ومثله ما لو تأدت بالاكل فشرب أو بالعكس، وهو جيد بالنسبة إلى وجوب الاقتصار، لكن قد يناقش في وجوب الكفارة بناء على ما اختاره، وهو من فساد الصوم، إذ الكفارة تختص بما يحصل به الافطار ويفسد به الصوم، والفرض حصولهما بالمباح مما وقع عليه الاكراه، فلا فساد حينئذ، ولا إفطار بالزائد، فلا تتعلق به الكفارة، وإن كان محرما تعبدا احتراما لشهر رمضان مثلا، والله العالم. المسألة (الثانية لا بأس بمص الخاتم ومضغ الطعام للصبي وزق الطائر وذوق


(1) الوسائل - الباب - 57 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5 و 4 (2) و (3) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب الامر والنهى - الحديث 1 - 2 من كتاب الامر بالمعروف

[ 261 ]

المرق) ونحوها مما لا يتعدى إلى الحلق، للاصل وإطلاق الصحيح (1) (لا يضر الصائم) وخصوص صحيح الحلبي (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (سئل عن المرأة يكون لها الصبي وهي صائمة فتمضغ الخبز وتطعمه قال: لا بأس، والطير إن كان لها) وصحيح عبد الله بن سنان (3) عنه عليه السلام ايضا (في الرجل يعطش في شهر رمضان قال: لا بأس ان يمص الخاتم) وصحيح حماد بن عثمان (4) قال: (سأل عبد الله بن ابي يعفور ابا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع عن الصائم يصب الدواء في أذنيه قال: نعم ويذوق المرق ويزق الفرخ) إلى غير ذلك من النصوص المؤيدة بصدق اسم الصوم مع عدم الابتلاع، ولا ينافيه خبر سعيد الاعرج (5) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصائم يذوق الشئ ولا يبلعه فقال: لا) بعد حمله على الكراهة التي هي أولى من جمع الشيخ بينها بحمله على من لا يكون به حاجة إلى ذلك، قال: (والرخصة انما وردت في ذلك لصاحبة الصبي، أو الطباخ الذي يخاف فساد طعامه، أو من عنده طائر إذا لم يزقه هلك، فأما من هو مستغن عن جميع ذلك فلا يجوز له ان يذوق الطعام) ضرورة قصوره عما دل على الجواز من العموم والخصوص المعتضدين بالفتاوى، فلا يجسر على هذا الحكم بمثله، بل لو مضغ شيئا فسبق منه شئ إلى الحلق بغير اختياره لم يفسد صومه على الاصح للاذن وصدق عدم التعمد، لكن عن المنتهى (انه لو أدخل في فيه شيئا وابتلعه سهوا فان كان لغرض صحيح فلا قضاء عليه، وإلا وجب القضاء) ولا يخلو من نظر


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (4) و (5) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 2

[ 262 ]

بعدما عرفت، والله أعلم. (و) كذا لا بأس ب (الاستنقاع في الماء للرجال) بلا خلاف اجده فيه، للاصل وإطلاق بعض النصوص (1) وخصوص خبر ابن راشد (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة قال: لا، قلت: تقضي الصوم قال: نعم، قلت: من اين جاء هذا ؟ قال: اول من قاس إبليس قلت: فالصائم يستنقع في الماء قال: نعم، قلت: فيبل ثوبا على جسده قال: لا قلت: من اين جاء هذا ؟ قال: من ذاك) وخبر حنان بن سدير (3) عن ابي عبد الله عليه السلام ايضا قال: (سألته عن الصائم يستنقع في الماء قال: لا بأس ولكن لا يغمس رأسه، والمرأة لا تستنقع في الماء لانها تحمله بقبلها) بل مقتضاهما عدم الكراهة في ذلك بعد حمل النهي في الاول عن بل الثوب وفي الثاني للامرأة عليها، كما هو كذلك كما ستعرف، والله اعلم. (ويستحب السواك للصائم باليابس) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل (وبالرطب) عند الاكثر، بل عن المنتهى انه قول علمائنا أجمع إلا ابن ابي عقيل فكرهه، قلت: ومقتضاه انه لا خلاف بين الجميع في الجواز، لكن في المختلف حكى عنه المنع، وعلى كل حال فضعفه واضح، إذ لا دليل عليه سوى حسن الحلبي (4) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الصائم يستاك قال: لا بأس به وقال: لا يستاك بسواك رطب) وحسن ابن سنان (5) عنه (عليه السلام) ايضا (انه كره للصائم أن يستاك بسواك رطب، وقال: لا يضر أن يبل سواكه بالماء


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 0 - 5 - 6 (4) و (5) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 10 - 11

[ 263 ]

ثم ينفضه حتى لا يبقى فيه شئ) وموثق الساباطي (1) عنه (عليه السلام) ايضا (في الصائم ينزع ضرسه قال: لا، ولا يدمي فاه ولا يستاك بعود رطب) ونحوها، وعلى تقدير أن قوله المنع يجب حمل الكراهة في الحسن عليه، كما انه على الكراهة يجب حمل النهي عليها، لكن في الاول انه قاصر عن مقاومة الاصل والعمومات والاطلاقات خصوصا قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): (يستاك الصائم أي ساعة من النهار أحب) وغيره، وخصوص صحيح الحلبي (3) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه ؟ فقال: لا بأس به) من وجوه لا تخفى، منها الاعتضاد بالشهرة العظيمة، بل سمعت إجماع المنتهى، وأما الثاني فانه وإن حكي عن الشيخ وابن زهرة وجماعة من المتأخرين للتسامح في الكراهة فينبغي حمل النصوص السابقة عليها، لكن لعل الاولى منه جمعا باعتبار مراعاة كلام الاصحاب إرادة الاقل رجحانا لا عدمه بالمرة، أو الحمل على التقية، خصوصا بعد المروي (4) عن قرب الاسناد بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: (قال علي (عليه السلام): لا بأس بأن يستاك الصائم بالسواك الرطب في أول النهار وآخره، فقيل لعلي (عليه السلام) في رطوبة السواك فقال: المضمضة بالماء أرطب منه، فقال علي (عليه السلام): فان قال القائل: لابد من المضمضة لسنة الوضوء قيل له فانه لابد من السواك للسنة التي جاء بها جبرئيل) وخبر موسى بن أبي الحسن الرازي (5) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (سأله بعض جلسائه عن السواك في شهر رمضان قال: جائز، فقال بعضهم: إن السواك يدخل رطوبته في الجوف فقال: الماء للمضمضة أرطب من السواك الرطب، فان قال قائل


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 12 - 1 - 3 - 15 - 4

[ 264 ]

لابد من) إلى آخر ما تقدم في الخبر السابق، وكيف كان فالامر سهل إن كان الخلاف في الكراهة وعدمها، وعن الشيخ في التهذيب أن الكراهة في هذه الاخبار انما توجهت إلى من لا يضبط فيبصق ما يحصل في فيه من رطوبة العود أما من يتمكن من حفظ نفسه فلا بأس باستعماله على كل حال، وكأنه جمع آخر لكن لا شاهد له، والامر سهل بعد كون النزاع في الكراهة وعدمها، والله اعلم (المقصد الثاني فيما يترتب على ذلك، وفيه مسائل) قد تقدم الكلام في حكم (الاولى) منها، وهي (يجب مع القضاء الكفارة بسبعة أشياء: الاكل والشرب المعتاد وغيره، والجماع حتى تغيب الحشفة في قبل المرأة أو دبرها، وتعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر، وكذا لو نام غير ناو للغسل حتى يطلع الفجر والاستمناء، وإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق) بل وفي غير ذلك مما عرفته مفصلا فلاحظ وتدبر. (الثانية لا تجب الكفارة إلا في صوم) شهر (رمضان وقضائه بعد الزوال، والنذر المعين، وفي صوم الاعتكاف إذا وجب) بلا خلاف فيما عدا الثاني من ابن ابي عقيل فلم يوجبها في وإن أثم بالافطار كما في المدارك، لكن هو قد نقل عنه انه قال: (من جامع أو أكل أو شرب في قضاء شهر رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أثم وعليه القضاء ولا كفارة عليه) ومقتضى إطلاقه خلافه في النذر المعين ايضا، بل حكى في الدروس عنه انه لا كفارة في غير رمضان ثم قال: وهو شاذ. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه للمعتبر المستفيضة في خصوص قضاء شهر رمضان بعد الزوال، كخبر بريد العجلي (1) وصحيح هشام بن سالم (2) وموثق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 1 - 2 الجواهر - 33

[ 265 ]

زرارة (1) ومرسل حفص (2) وإن اختلفت في كيفيتها، وبها ينقطع الاصل، ويطرح موثق الساباطي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصيام ؟ قال: هو بالخيار إلى ان تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصيام ثم أفطر بعدما زالت الشمس قال: قد أساء، ليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي يريد أن يقضيه) لقصوره عن المعارضة بوجوه، أو يحمل على التقية، لا على ما عن الشيخ من إرادة ليس عليه شئ من العقاب، لان من أفطر في هذا اليوم لا يستحق العقاب وإن أفطر بعد الزوال ولزمته الكفارة، إذ هو مع انه مناف لقوله عليه السلام فيه: (أساء) وللتفصيل بين قبل الزوال وبعده مخالف للمعلوم من أن الكفارة لا تكون إلا مع الذنب، كما انه من المعلوم نصا وفتوى التحديد بالزوال فما في صحيح هشام من التحديد بالعصر مطرح أو محمول على إرادة دخول الصلاتين بالزوال إلا أن هذه قبل هذه، أو أن الوهم من النساخ بابدال الظهر بالعصر أو نحو ذلك، لاأنه يجمع بينها بالاثم بالافطار بالزوال والكفارة بما بعد العصر، لعدم المقاومة والشهرة العظيمة على الخلاف، بل لعل الفقيه الماهر يمكنه القطع بفساد ذلك، فميل بعض متأخري المتأخرين تبعا لاحتمال بعض المتقدمين إليه لا يلتفت إليه.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 56 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 10 وذيله في الباب 29 من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 4 مع الاختلاف اليسير في اللفظ

[ 266 ]

وللمعتبرة أيضا في صوم النذر، منها صحيح علي بن مهزيار (1) قال: (كتب بندار مولى إدريس يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة ؟ فكتب وقرأته لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صوم في سفر ولا مرض إلا ان تكون نويت ذلك، فان كنت أفطرت ذلك من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين، نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى) وللمعتبرة ايضا في صوم الاعتكاف كموثق سماعة (2) وخبر زرارة (3) وعبد الاعلى بن أعين (4) وان اختلفت في كيفيتها، إذ الكلام الان في أصل وجوبها، ويأتي إن شاء الله في مظانها البحث عنها، فخلاف ابن ابي عقيل في ذلك مع أنا لم نجد له شاهدا في الاخيرين مما لا يصغى إليه، سيما مع شهرة الاصحاب شهرة عظيمة، بل لا بأس بدعوى الاجماع معها. (نعم ما عداه لا تجب فيه الكفارة مثل صوم الكفارات والنذر الغير المعين والمندوب وإن فسد الصوم) بلا خلاف أجده، بل عن المنتهى أنه قول العلماء كافة، بل لا يبعد جواز الافطار قبل الزوال وبعده كما عن العلامة وغيره التصريح به، لكن في المدارك وربما قيل بتحريم قطع كل واجب، لعموم النهي عن إبطال العمل: وهو ضعيف لما ذكرناه في بطلان الاستناد إلى عموم الاية (5) لوجوه، والله اعلم (تفريع من أكل ناسيا فظن فساد صومه فأفطر عامدا فسد صومه وعليه القضاء) بلا خلاف ولا إشكال (وفي وجوب الكفارة تردد) كما في كل جاهل للحكم، إذ ما نحن فيه من أفراده وقد قدمنا سابقا أن (الاشبه الوجوب)


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 4 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف الحديث 5 - 1 - 4 (5) سورة محمد صلى الله عليه وآله - الآية 35

[ 267 ]

فيه إلا إذا كان جهلا بحيث يرتفع الاثم معه، فلاحظ وتدبر. (و) كذا قد تقدم الكلام في حكم ما (لو وجر في حلقه أو اكره إكراها يرتفع معه الاختيار) وأنه (لم يفسد صومه) قطعا (و) أما (لو خوف فأفطر وجب القضاء على تردد) عند المصنف (ولا كفارة) قطعا، لكن ينبغي أن يعلم أنه قد أطلق المصنف وغيره عدم البطلان بالاكراه الرافع للاختيار مع أن من صوره الاغماء والجنون ونحوهما، وعدم البطلان بهما لا يخلو من إشكال، اللهم إلا أن يكون ذلك مستثنى باعتبار أنه فعل الغير، أو يحمل كلامهم على إرادة رفع الاختيار لا على هذا الوجه، قال المحقق الثاني في حواشي المتن: (وينبغي أن يكون كذلك أي كالايجار مالو اكره على الافطار حتى ارتفع قصده وذهب اختياره كما لو قهره ذو شوكة بضرب شديد ونحوه أو تخويف عظيم وتهديد بليغ حتى لم يملك أمره ولم يكن له بد من إيقاع الفعل، أما لو خوف تخويفا لا يرفع القصد لكن حصل بسببه الخوف وشهدت القرائن بأنه إن خالف اوقع به إلا ان قصده لم يذهب واختياره لم يرتفع ففي إفساد صومه قولان) إلى آخره، وكذا في، المسالك، وظاهرهما عند التأمل أن المراد برفع الاختيار ما لا يحصل معه زوال العقل، وأن الفرق بينه وبين القسم الثاني انه وقع به الفعل، بخلاف الثاني بالخوف من وقوعه، والله أعلم. المسألة (الثالثة) المشهور بل عن الانتصار والغنية الاجماع عليه أن (الكفارة في شهر رمضان عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا مخيرا في ذلك) للاصل وصحيح ابن سنان (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فان لم يقدر تصدق بما


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 268 ]

يطيق) وخبر أبي بصير (1) (سألت الصادق عليه السلام عن رجل وقع يده على شئ من جسد امرأة فأدفق فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة)) وموثق سماعة (2) المروي عن النوادر (سألته عن رجل اتي أهله في شهر رمضان متعمدا قال: عليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صوم شهرين متتابعين وقضاء ذلك اليوم، ومن أين له مثل ذلك اليوم) وصحيح عبد الرحمن بن ابي عبد الله (3) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا قال: عليه خمسة عشر صاعا، لكل مسكين مد) ونحوه حسن جميل (4) في الامر بالصدقة الدال على عدم الترتيب، وإلا لم يناسب إطلاق الامر بها المحمول على أنها احد الخصال بقرينة النصوص السابقة. (وقيل) والقائل ابن ابي عقيل والمرتضى في احد قوليه على ما حكي عنهما ليست على التخيير (بل هي على الترتيب) بمعنى العتق أولا، فان لم يجد فالصيام فان لم يستطع فالاطعام، لخبر عبد المؤمن بن الهيثم الانصاري (5) عن أبي جعفر عليه السلام (ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هلكت وأهلكت، فقال: وما أهلكك قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أعتق رقبة قال: لا اجد فقال: صم شهرين متتابعين، قال: لا أطيق فقال: تصدق على ستين مسكينا، قال: لا اجد فأتي النبي صلى الله عليه وآله بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، فقال له: خذ هذا فتصدق به، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما بين لابتيها اهل البيت احوج إليه منا، فقال: خذه فكله انت واهلك فانه كفارة لك وهو مع اتحاده وقصوره سندا، وعدم صراحته في الترتيب بل


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13 - 10 - 2 - 5

[ 269 ]

ولا ظهوره (1) وإن وقع الترتيب في الذكر، واشتماله على كون الصدقة به عليه اهله كفارة له قاصر عن معارضة النصوص السابقة المعمول بها بين الاصحاب، ولو وضحت دلالته لاتجه حمله على الندب لذلك، كالمروي (2) عن كتاب علي بن جعفر أنه سأل اخاه (عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ما عليه ؟ قال: عليه القضاء وعتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا، فان لم يجد فليستغفر الله)) أو التقية من المحكي عن ابي حنيفة والثوري والشافعي والاوزاعي على معنى أن ابا جعفر عليه السلام نقل الخبر الاول على حسب ما رووه تقية، وأن الكاظم عليه السلام ذكر الحكم على ما عندهم. (وقيل) والقائل الصدوق: إنه (يجب بالافطار بالمحرم ثلاث كفارات وبالمحلل كفارة واحدة) على التخيير فيكون مخالفا للمشهور في الشق الاول، وإطلاق النصوص السابقة حجة عليه، واحتمال تقييدها بخبر عبد السلام بن صالح الهروي (3) (قلت للرضا عليه السلام: يابن رسول الله قد روي عن آبائك فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات وروي عنهم ايضا كفارة واحدة فبأي الحديثين نأخذ ؟ قال: بهما جميعا، متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا، وقضاء ذلك اليوم، وإن نكح حلالا أو افطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وقضاء ذلك اليوم، وإن كان ناسيا فلا شئ عليه)) مؤيدا باطلاق موثق سماعة (4) السابق على ما رواه الشيخ بالواو لا (أو) وبما في الفقيه


(1) وفى النسخة الاصلية " ولا ظهور " بدون الضمير (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 9 (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2

[ 270 ]

من ان الخبر الذي روي فيمن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا ان عليه ثلاث كفارات فاني أفتي به فيمن أفطر بجماع محرم أو بطعام محرم عليه، لوجود ذلك في روايات ابي الحسن الاسدي (1) فيما ورد عليه من الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري انتهى، والظاهر اتصال ذلك بالناحية، لانه من وكلائها التي لا ينطق إلا عنها فرع المقاومة المفقودة بقلة القائل بل شهرة القائل بالخلاف شهرة عظيمة وفي المحكي عن معتبر المصنف ان هذه الرواية لم يظهر العمل بها بين الاصحاب ظهورا يوجب العمل بها، وربما حملناها على الاستحباب ليكون آكد في الزجر مضافا إلى ما في المدارك من ان في طريق هذه الرواية علي بن محمد بن قتيبة، وهو غير موثق بل ولا ممدوح مدحا يعتد به، وعبد السلام بن صالح الهروي، وفيه كلام، فيشكل التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للاصل، وإن امكن مناقشته بأن العلامة في المحكي عن تحريره قد حكم بصحتها، وفي المختلف أن عبد الواحد بن عبدوس النيشابوري لا يحضرني الان حاله، فان كان ثقة فالرواية صحيحة يتعين العمل بها، وظاهره عدم التوقف فيها إلا من عبد الواحد الذي هو من مشايخ الصدوق المعتبرين الذين اخذ عنه الحديث، وقد اكثر في الرواية عنه في كتبه، كما ان ابن قتيبة قد قيل إنه من مشايخ الكشي وقد اكثر النقل عنه في كتابه، فلا اقل من ان يكونا هما من مشايخ الاجازة المتفق بينهم كما قيل على عدم احتياجهم (إلى ظ) التوثيق، وأما حمدان بن سليمان فهو ثقة في كتب الرجال ولا خلاف فيه، وأما عبد السلام فقد وثقه النجاشي، وقال: إنه صحيح الحديث وما ذكره الشيخ في كتب الرجال من انه عامي فهو وهم، وقد اورد الكشي روايات تدل على انه من فضلاء الشيعة، وبالجملة يمكن تصحيح الخبر المزبور بناء على الظنون الاجتهادية، إلا انه مع ذلك لا يخلو من دغدغة، والعمدة ما ذكرناه


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3

[ 271 ]

سابقا (و) منه قد ظهر لك مع كون (الاول اكثر) قائلا انه اظهر دليلا فلا مناص للفقيه عنه، إلا ان الاحتياط لا ينبغي تركه، وأما الكلام في باقي احكام الكفارة فيأتي في محله إن شاء الله، والله اعلم. المسألة (الرابعة إذا افطر زمانا نذر صومه على التعيين كان عليه القضاء) بلا خلاف ولا إشكال نصا وفتوى (وكفارة كبرى مخيرة) كشهر رمضان عند المشهور بين الاصحاب، بل عن الانتصار الاجماع عليه، لخبر عبد الملك بن عمير (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (من جعل لله عليه أن لا يركب محرما فركبه قال: ولا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين أو ليطعم ستين مسكينا) وخبر القاسم بن فضيل (2) قال: (كتبت إليه يا سيدي رجل نذر ان يصوم يوما لله فوقع ذلك اليوم على أهله ما عليه من الكفارة ؟ فأجاب يصوم يوما بدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة) ونحوه مكاتبة علي بن مهزيار (3) والاقتصار فيهما على التحرير محمول على التخيير بقرينة الخبر السابق وعدم القائل به خصوصا. (وقيل) والقائل الصدوق: (كفارة يمين) لصحيح الحلبي (4) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته عن الرجل يجعل عليه نذرا ولا يسميه قال: إن سميت فهو ما سميت، وإن لم تسم شيئا فليس شئ، فان قلت: لله علي كفارة يمين) وصحيح علي بن مهزيار (5) (كتب بندار مولي إدريس يا سيدي إني


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الكفارات - الحديث 7 من كتاب الايلاء والكفارات عن عبد الملك بن عمرو وهو الصحيح (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب بقية الصوم الحديث 3 عن القاسم الصيقل (3) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب الصوم الواجب الحديث 1 - 4 (4) الوسائل - الباب - 2 - من النذر والعهد - الحديث 5

[ 272 ]

نذرت ان اصوم كل سبت، وإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة ؟ فكتب وقرأته لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صوم في سفر ولا مرض إلا ان تكون نويت ذلك، وإن كنت افطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين) (والاول اظهر) عند المصنف وغيره، خلافا لسيد المدارك فالثاني لصحة السند بخلاف راوي خبر الاول، فانه غير موثق ولا ممدوح مدحا يعتد به وجهالة القاسم بن فضيل، وإضمار الثالث الذي في طريقه علي بن محمد بن جعفر الرزاز، وهو غير موثق ايضا، مع تضمن الاخيرتين الامر بالتحرير خاصة، ولم يقل به احد، والجمع بالتخيير بينه وبين باقي خصال الكبرى ليس بأولى مع الجمع بالتخيير بينه وبين كفارة اليمين، وتحمل الرواية الاولى حينئذ على الاستحباب قلت: لاريب في ان الاحوط الاول وتحقيق الحال يأتي إن شاء الله في محله وإن كان جميع ما ذكره واضح الدفع، والله اعلم. وأما المسألة (الخامسة) التي ذكرها المصنف هنا وهي ان (الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام حرام على الصائم وغيره وإن تأكد على الصائم لكن لا يجب به قضاء ولا كفارة على الاشبه. والسادسة وهي أن الارتماس حرام على الاظهر ولا يجب به كفارة ولا قضاء وقيل يجبان به والاول أشبه - فقد عرفت الكلام فيهما مفصلا ومنه تعرف ما في كلام المصنف فلاحظ وتأمل وتدبر والله أعلم. السمألة السابعة لا بأس بالحقنة بالجامد على الاصح وفاقا للاسكافي والشيخ وابن إدريس وجماعة من المتأخرين بل ومعظمهم للاصل وحصر ما يضر الصائم (1) في غيره وكثير مما تسمعه في التقطير في الاحليل ومما يصل إلى الجوف


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 الجواهر - 34

[ 273 ]

من غير الحلق وغير ذلك وخصوص صحيح علي بن جعفر (1) سأل أخاه عليه السلام (عن الرجل والمرأة هل يصلح لهما أن يستدخلا الدواء وهما صائمان فقال: لا بأس) وموثق ابن فضال (2) (كتب إلى ابي الحسن عليه السلام ما تقول في اللطف يستدخله الانسان وهو صائم ؟ فكتب لا بأ س بالجامد) بل لا اجد فيه خلافا قبل الفاضلين في المعتبر والمختلف فحرمها الاول خاصة وأوجب بها الثاني القضاء خاصة نعم أطلق ابن بابويه عدم الجواز والمفيد الفساد والمرتضى في المحكي عن جملة عن قوم من اصحابنا وجوب القضاء والكفارة وعن آخرين القضاء خاصة وعن ناصرياته وأما الحقنة فلم يختلف في انها تفطر وفي الغنية وجوب القضاء بها خاصة كالمحكي عن ابي الصلاح ويمكن إرادة الجميع المايع كما هو المنساق من الاحتقان فينحصر الخلاف حينئذ فيمن عرفت وضعفه واضح لابتنائه على عدم حجية الموثق كي يصلح لتقييد صحيح البزنطي (3) سأل ابا الحسن عليه السلام (عن الرجل يحتقن يكون به العلة في شهر رمضان فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن) مؤيدا بما عن فقه الرضا عليه السلام (4) (لا يجوز للصائم أن يقطر في أذنه شيئا ولا يسعط ولا يستحقن) وفيه - مضافا إلى ما تحرر في الاصول من حجية الموثق سيما مع اعتضاده بما سمعت - أنه يمكن دعوى انسياق المايع من الصحيح المزبور كما اعترف به في المدارك وغيرها فيبقى غيره على مقتضى الاصل.


(1) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 4 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 هكذا في المطبوع من الوسائل ولكن الموجود في الكافي والتهذيب والاستبصار " التلطف " (4) المستدرك - الباب - 6 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 والباب 5 منها - الحديث 2

[ 274 ]

(و) من ذلك كله ظهر لك أنه لا ينبغي التوقف في أنه (يحرم) الاحتقان (بالمايع) وإن حكي عنم ابن الجنيد إطلاق استحباب الامتناع من الحقنة لانه يصل إلى الجوف بل عن المرتضى (أن قوما قالوا بإن الحقنة تنقص الصوم ولا تبطله وهو الاشبه) لكن لا يخفى عليك أن الصحيح (1) المزبور وما سمعته من الناصريات ومحتمل إجماع الغنية حجة عليهم بل وعلى معتبر المصنف لا لما في المختلف من ان تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية - فيكون بين الصوم والاحتقان الذي هو نقيض المعلول منافاة وثبوت احد المتنافيين يقتضي عدم ثبوت الاخر وذلك يوجب عدم الصوم عند ثبوت الاحتقان الذي اورد عليه في المدارك وغيرها بأن نقيض المعلول انما هو جواز الاحتقان لا نفسه والازم من ذلك انتفاء الصوم عند جواز الاحتقان لا عند حصوله وإن كان محرما كما هو واضح وإن امكن مناقشة فيه بل مقتضاه البطلان ولو جاز الاحتقان لمرض ونحوه - بل لظاهر انسياق البطلان عرفا من نحو هذه النواهي في العبادة لا الحرمة خاصة كما هو محرر في محله. (و) حينئذ ف‍ (يجب به القضاء على الاظهر) خلافا لمن عرفت بل الاقوى إن لم ينعقد إجماع كما حكاه في المختلف عن السيد وجوب الكفارة به لاندراجه فيمن أفطر متعمدا اللهم إلا أن يدعى انسياق غيره منها وفيه بحث فمن الغريب بعد ذلك كله ما في الرياض من انه لو لا اشتهار القول بالتحريم بالمايع - بل عدم الخلاف فيه إلا من المرتضى حتى انه نستفاد من الناصرية والغنية الاجماع على الافطار به والقضاء - لكان القول بالجواز غير بعيد لما مر من الادلة في السعوط مع قوة احتمال الجمع بين أخبار المسألة بالحمل على الكراهة سيما الرضوي المتضمن للنهي عن السعوط بكلمة (لا يجوز) الداخلة على كلتيهما


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 4

[ 275 ]

وهي بالاضافة إلى السعوط للكراهة فليكن بالاضافة إلى الاحتقان كذلك لئلا يلزم استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز إذ هو كما ترى جمع لا شاهد عليه ولا داعي إليه نعم ما ذكره غير واحد من الاصحاب من كراهة الاحتقان بالجامد لم أقف فيه على خبر بالخصوص إلا أنه لا بأس به للتسامح فيها وكراهه بعض النظاير والاحتياط ونحو ذلك بل قد يتكلف له بدعوى إرادة الاعم من الحقيقة والمجاز من النهي في الصحيح بقرينة ما في الموثق وغيره مما دل على الجواز في الجامد بعد إرادة الاعم من المايع من الاحتقان والله أعلم. المسألة (الثامنة من أجنب ونام ناويا للغسل) قبل الفجر (ثم انتبه ثم نام كذلك ثم انتبه ونام ثالثة ناويا حتى طلع الفجر لزمته) مع القضاء (الكفارة على قول مشهور) بل في الخلاف والغنية والوسيلة وجامع المقاصد الاجماع عليه وهو الحجة مع خبر المروزي (1) ومرسل عبد الحميد (2) بعد تقييدهما بما دل على القضاء خاصة في الانتباهة الواحدة ولانه كتعمد البقاء على الجنابة لندرة الانتباه قبل الفجر زائدا على ذلك ولكن مع ذلك كله فيه تردد عند المصنف بل جزم بعدم الكفارة في المعتبر وتبعه الفاضل في المنتهى وبعض متأخري المتأخرين للاصل و قصور سند الخبرين بل ودلالتهما لاطلاقهما الكفارة على تارك الغسل حتى الصبح و تقييدهما بما إذا تعمد الترك كما في خبر ابي بصير (3) ممكن أو أولى من التقييد المزبور والبحث في مثل هذا الاجماع معلوم وفيه أن الاصل مقطوع والقصور مجبور بل في الدلالة ممنوع ضرورة إمكان التقييد بهما معا ولو سلم فهو أولى للشهرة وغيرها مما عرفت والبحث هنا ضعيف لشهادة التتبع له قبل المصنف وأضعف منه البحث في أصل الحجية


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 4 - 2 والثانى مرسل ابراهيم بن عبد الحميد

[ 276 ]

والذهل عن نية الغسل في الانتباهتين أو إحداهما أولى بالوجوب والظاهر أنه لا إثم عليه في النوم وإن زاد على الثالث مع احتمال الانتباه احتمالا معتدا به للاصل ولا تلازم بين الكفارة والاثم. المسألة (التاسعة يجب القضاء) خاصة (في الصوم الواجب المعين) كشهر رمضان (بتسعة اشياء) عند المصنف الاول (فعل المفطر قبل مراعاة الفجر مع القدرة) تمسكا بالاستصحاب ثم ظهر سبق طلوعه بلا خلاف اجده فيه نصا وفتوى بل في صريح الانتصار والخلاف وظاهر الغنية الاجماع عليه مضافا إلى عموم الفوات في وجه الصادق بعدم إمساك تمام اليوم سواء كان ظانا لبقاء الليل أو شاكا فيه أو ظانا عدمه لاشتراك الجميع في جوار الاقدام لقاعدة اليقين وللاية الكريمة (4) الظاهرة في عدم اعتبار الامر بامساك النهار واقعا كي يحتج بباب المقدمة المقتضية للصوم مع ظن البقاء ايضا فضلا عن الشك مع انه لا خلاف في جواز تناول المفطر فيه كما اعترف به بعضهم وفي نفي الكفارة بالاصل السالم فما توهمه بعض العبارات من وجوبها على الشاك فضلا عن الظان للعدم واضح المنع. والمعروف بين الاصحاب بل في الرياض لا خلاف اجده فيه انه لا قضاء على العاجز عن المراعاة كالمحبوس والاعمى بلا خلاف اجده للاصل وجواز التناول له مع اختصاص النص والفتوى بحكم التبادر وغيره بصورة القدرة كما لا يخفى على من تدبرهما لكن قد يناقش بانقطاع الاصل بعموم (5) (من فاتته) بناء على صدق اسمه عليه بعدم الامساك في بعض اليوم في أي حال يكون إلا ما علم عدم البأس فيه كالنسيان ومن هنا كان تناول المفطر في غير شهر رمضان


(1) سورة البقرة - الآية 183 (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب قضاء الصلوات - الحديث 1

[ 277 ]

بعد طلوع الفجر مفسدا للصوم واجبا كان أو مندوبا مع المراعاة وبدونها كما عن العلامة وغيره التصريح به وقد رواه الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام في غير رمضان واسحاق بن عمار (2) وعلي بن ابي حمزة (3) عن ابي ابراهيم (عليه السلام) في قضاء شهر رمضان لكن في المدارك ينبغي تقييد ذلك بغير الواجب المعين أما هو فالاظهر مساواته لصوم شهر رمضان وهو لا يخلو من نظر تعرفه فيما يأتي وبأن جواز التناول له للاستصحاب لا ينافي ثبوت القضاء عليه وبمنع اختصاص النص بما في القادر فالاحتياط لا ينبغي تركه ومراعاة غير العارف كعدمها وفي معاملته حينئذ معاملة العاجز أو تكون مراعاته رجوعه إلى غيره - فيكون هو المدار حينئذ في القضاء وعدمه - وجهان أقواهما الاول. (و) الثاني (الافطار إخلادا إلى من أخبر) كالجارية ونحوها (أن الفجر لم يطلع مع القدرة على عرفانه ويكون طالعا) بلا خلاف اجده فيه ايضا بل في الغنية الاجماع عليه لاصالة عدم الكفارة وعموم الفوات في القضاء في وجه وقال معاوية بن عمار (4) للصادق (عليه السلام): (آمر الجارية أن تنظر طلع الفجر أم لا فتقول: لم يطلع بعد فآكل ثم أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرت فقال: تتم يومك وتقضيه أما انك لو كنت انت الذي نظرت ما كان عليك قضاؤه) وصريحه كالموثق سقوط القضاء مع المراعاة بنفسه مع انه لا خلاف فيه بل في صريح الانتصار وظاهر المحكي عن المنتهى وغيره الاجماع عليه بل ظاهر النص والفتوى سقوطه مع المراعاة وإن كان شاكا أو ظانا بالفجر ثم تبين انه تناول بعده لكن قد يشكل باطلاق ما دل على القضاء بتناول المفطر وبأنه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2 - 3 (4) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 278 ]

اولى بذلك من الظان ببقاء الليل باخبار الجارية والاستصحاب ومن هنا مال إليه في الرياض وهو أحوط إن لم يكن اقوى نعم ظاهرهما أي الصحيح والموثق كالفتاوى اعتبار المباشرة في ذلك فلا يجدي غيره وإن كانوا عدولا متعددين واختصاص السؤال في صدره بالجارية لا ينافي العموم المستفاد من الجواب خلافا لثاني المحققين والشهيدين وغيرهما فأسقطوا القضاء بالعدلين لكونهما حجة شرعية بل عن غيرهما الاكتفاء بالعدل الواحد بناء على ان المقام من الاخبار لا الشهادة فيكون الواحد فيه حجة شرعية وهما معا كما ترى ضرورة انه ليس المدار في سقوطه على كون التناول بحجة شرعية وإلا لكفى الاستصحاب بل على مباشرة المراعاة فبدونها يبقى مندرجا تحت إطلاق ما دل على القضاء بذلك من خبر علي بن ابي حمزة (1) وغيره وحجية العدلين أو العدل الواحد لا تنافي ثبوت القضاء وإلا وجب تخصيص ما دل عليها بما هنا. والثالث ترك العمل بقول المخبر بطلوعه أي الفجر والبقاء على ما كان عليه من الافطار لظنه إرادة المخبر كذبه للسخرية ونحوها بلا خلاف اجده بل في ظاهر المدارك وعن غيرها الاجماع عليه بل هو أولى قطعا من الاولين في وجوب القضاء وسأل عيص بن القاسم (2) الصادق (عليه السلام) (عن رجل خرج في شهر رمضان وأصحابه يتسحرون في بيت فنظر إلى الفجر فناداهم فكف بعضهم وظن بعضهم انه يسخر فأكل فقال: يتم صومه ويقضي) أما الكفارة بالجميع مشترك في نفيها بالاصل ولا فرق بين تعدد المخبر واتحاده وعدالته وفسقه خلافا لجماعة فاستقربوا الكفارة باخبار العدلين ولعلهم يريدون إذا لم يظن السخرية باخبارهما فان جواز التناول حينئذ مع إخبارهما بل إخبار


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 279 ]

العدل الواحد وترك المراعاة اعتمادا على الاستصحاب الذي يشك في حجيته مع هذا الفرض لا يخلو من نظر بل لعل المتجه الكفارة لانقطاع الاصل بالخبر فهو كالمتعمد نعم لو أخبر العدلان أو العدل الواحد فراعى فلم يتبين له ذلك ساغ له التناول سواء ظن الخطأ أو لا بناء على جواز التناول له حال الشك وفي الموثق (1) (عن رجلين قاما فنظرا إلى الفجر فقال احدهما هو ذا وقال الاخر ما ارى شيئا قال: فليأكل الذي لم يتبين له الفجر وقد حرم على الذي زعم انه رأى الفجر ان الله عزوجل يقول: كلوا واشربوا حتى يتبين.. الخ) ومن ذلك بان أن الاحوال ثلاثة ولعل التقييد بما في المتن بظن الكذب إشارة إليها أو إلى قسمين منها كما ان نصوص نفي الشئ على من راعى بنفسه فأخطأ شاملة باطلاقها لمثل المقام وإن كان المخبر عدلا أو عدلين والظاهر اختصاص هذا الحكم وسابقيه بشهر رمضان دون غيره من الواجب والمندوب المضيق والموسع المعين وغيره بلا إشكال في شئ منه إلا في المضيق والمعين خصوصا بعد ما ورد من استيناف يوم آخر وإفطار ذلك اليوم في قضاء رمضان الذي هو أولى من غيره بالالحاق بل قد يدعى أن مقتضى إطلاق خبري ابن ابي حمزة (2) وإسحاق بن عمار (3) ذلك وإن تضيق بدخول رمضان بل في الثاني منهما التعليل بأنك أكلت مصبحا فيؤخر حينئذ إلى ما بعده كما انه أطلق في صحيح الحلبي (4) الافطار ان تسحر في غير شهر رمضان مضافا إلى أنه الموافق للضوابط ضرورة ظهور الادلة كقول الباقر (عليه السلام) في صحيح


(1) الوسائل - الباب - 48 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 2 - 1

[ 280 ]

ابن مسلم (1): (لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام والشراب والنساء والارتما س) ونحوه مما أطلق فيه اعتبار الاجتناب عن ذلك في اعتبار الصوم اللغوي في الشرع إلا ما خرج بالدليل من النسيان ونحوه بل خبر (2) أبي بصير وسماعة في المسألة الاتية كالصريح في ذلك بل منه يظهر دلالة قوله تعالى (3): (ثم أتموا الصيام) عليه فلاحظ وتدبر. وحينئذ فهو في الفرض مفطر لا يصلح للامتثال به لامر الصوم فان كان مما له بدل انتقل إلى بدله وإلا سقط ودعوى أن صحيح معاوية بن عمار (4) بل وموثق سماعة (5) كالصريحين في إطلاق الصحة مع المراعاة من غير فرق بين شهر رمضان وغيره بل ربما قيل إن الصحيح منهما عام بترك الاستفصال فيها مع رجحانها عليها بظهور الصحيح وتصريح الموثق بكون ذلك في شهر رمضان ومن ذلك بان ضعف إلحاق المعين فضلا عن غيره به وإن كان قد يحتج للاول بعدم معلومية الفساد شرعا لاعمية فساد الصوم لغة منه كما في الناسي ومع احتمال ذلك يجب إمساكه تحصيلا لامتثال الامر القطعي فلا يجب القضاء لانه بأمر جديد ولا فوات معلوم بعد عدم التقصير في الاجتهاد نعم هذا مختص بالواجب المعين لانه الذي يفرض فيه القضاء المتوقف على أمر جديد المنفي


(1) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (3) سورة البقرة - الآية 183 (4) الوسائل - الباب - 46 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 الجواهر - 35

[ 281 ]

فيما نحن فيه ولا كذلك الواجب المطلق لان أمره لعدم توقيته بوقت باق فلابد من الخروج عن عهدته ولا يحصل بمثل هذا الصوم المشكوك في صحته وفساده ومن هنا نظهر الحكم في المندوب بقسميه ويذب عن النصوص بأنها مع ضعف السند في بعضها بين مختص برمضان موردا فلا يعارض ووارد في قضائه مما لا يجري فيه الاصل المذكور ومنساق منه عدم المراعاة لكن الجميع كما ترى خصوصا بعد ما عرفت من ظهور الادلة في اعتبار الامساك لغة عن المفطرات في الصوم شرعا إلا ما ثبت فيه خلافه كالناسي ونحوه ومقتضاه الافطار في الجميع إذ حقيقة الصوم ليست إلا عبارة عن الامساك عن المفطرات وهو في المقام لم يتحقق قطعا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا إذ ليس معناه عنده إلا ما هو المتبادر عند المتشرعة من الامساك ودم وقوع المفطر باختيار المكلف أصلا وهو منتف ولذا يصح سلب اسم الصوم والامساك عنه كما يصح إطلاق لفظ الافطار عليه ومنه ينقدح الاستدلال عليه أيضا بما في بعض نصوص القضاء من ظهور دورانه على تحقق الافطار وأنه متى ثبت ثبت القضاء بل لا يخفى على من تتبع النصوص خصوصا الواردة منها فيما تقدم من المسألتين غاية وضوحها في التنافي بين فعل المفطر والصوم بحيث لا يجتمعان وإن كان التناول جائزا شرعا لاستصحاب ونحوه. (وكذا) يجب القضاء خاصة في الرابع من التسعة وهو (الافطار تقليدا) لمن أخبر (أن الليل دخل) حيث يجوز له التقليد لعمى وشبهه أو قلنا بجواز التعويل فيه على العدل الواحد أو العدلين (ثم تبين فساد الخبر) ضرورة عدم منافاة الجواز شرعا للقضاء الذي قد عرفت ظهور النصوص في ثبوته بمطلق فعل المفطر إلا ما قام الدليل عليه بل هو أولى بالقضاء من التناول في الليل باخبار المخبر ببقائه المعتضد باستصحابه وحجية البينة أو خبر العدل ليست

[ 282 ]

أزيد من ذلك فلا يستلزم شئ منها سقوط القضاء المترتب على ما عرفت مع ان في الخلاف والغنية الاجماع على القضاء خاصة على من افطر شاكا في دخول الليل وكان غير داخل ويندرج فيه بعض أفراد المقام بل لو اريد من الشك ما يشمل الظن - كما هو معناه لغة ويفهم من كثير من الاخبار الواردة في بحث الخلل في الصلاة بل وفتاوى الفقهاء - اندرج فيه جميع افراده إذ لا يحصل من الخبر نفسه ولو كان شهادة ازيد من الظن المفروض اندراجه في الشك. وأما الكفارة فالاصل عدمها بعد عدم الاثم في التناول والجواز شرعا نعم لو تناول باخبار المخبر وكان لا يجوز له التقليد اتجه وجوبها مع القضاء لصدق الافطار عمدا حتى لو كان جاهلا بعدم جواز التقليد في وجه بل في بعض النصوص (1) الصحيحة ما يقتضي وجوبها مطلقا من غير تقييد بالعمد بل هو في اكثر أخبارها في كلام الرواة خاصة فلا يصلح مقيدا لما اطلق من أخبارها وحينئذ فالاصل وجوبها مطلقا إلا ما قام الدليل فيه على العدم وليس منه ما نحن فيه وبعض الاخبار (2) الدالة على اشتراط التعمد بالنسبة إليها بل والقضاء ايضا ضعيف السند بل والدلالة ومن ذلك كله يظهر لك محل النظر فيما في جملة من كتب الاصحاب خصوصا الرياض والمدارك والذخيرة بل وجامع المقاصد وأن دعوى ظهور المتن فيمن لا يجوز له التقليد - إذ لا إشكال في سقوط القضاء عمن يجوز له كالاعمى ونحوه كما انه لا كفارة على من لا يجوز له التقليد للاصل - واضحة النظر من وجوه لا تخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرنا اللهم إلا ان يقوم إجماع على بعضها كسقوط القضاء عمن جاز له التقليد وعمن اخذ بخبر العدل أو العدلين بناء على جواز ذلك ودون ثبوته خرط القتاد فتأمل جيدا والله


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 283 ]

العالم بحقيقة الحال. (و) الخامس (الافطار للظلمة الموهمة) اي الموجبة لحصول الوهم بالمعنى المصطلح ل‍ (- دخول الليل) أو الشك كما هو لفظ النهاية مقابلا له في صورة القضاء بغلبة الظن وحينئذ لا خلاف ولا إشكال في وجوب القضاء بل الاجماع بقسميه عليه لعموم ما دل عليه مما عرفت لكن قد يشكل عدم الكفارة حينئذ بما سمعت مما يقتضي وجوبها بل هو هنا من العالم العامد ولو بملاحظة الاصل الشرعي وعدم جواز الاقدام له حتى لو استمر الاشتباه ودعوى اعتبار العلم بالافطار بالنهار في وجوبها بحيث لا يكفي الاصل ونحوه واضحة المنع كما عرفته سابقا وإجماع الغنية ومحتمل إجماع الخلاف على سقوطها عمن تناول شاكا في الليل كما هو صريح المختلف متبين خلافه نعم قد يقال بانتفائها مع جهله بعدم جواز الاقدام بذلك بناء على سقوطها عن الجاهل بالحكم وبه ايضا مع مصادقة الواقع للاصل مع ان في فوائد الشرائع وحاشية الارشاد الاشكال في الاخير كنظائره من الافطار معتقدا انه من رمضان فظهر انه عيد ونحوه لكن قال بعد ذلك في الاول: والذي ينساق إليه النظر حصول الاثم دون الكفارة وإن اريد من الوهم الظن كما هو احد إطلاقاته بل ينبغي إرادة غير الغالب هنا بقرينة قوله: (فلو غلب على ظنه لم يفطر) فلم يقض ففيه ان سقوط القضاء به حينئذ دون الثاني مذهب ابن إدريس خاصة ولم يساعد عليه شئ من الادلة ضرورة عدم الفرق فيها بين مراتب الظن حيث يجوز التعويل عليه أو لا يجوز بل لعل دعوى استفادة سقوطهما معا عن الغالب والكفارة خاصة عن غيره من الادلة ولو بدعوى أنه مقتضى الجمع الذي لا شاهد له بين النصوص من الغرائب ولذا شدد النكير عليه في المختلف وجعل منشأ خياله هذا ما توهمه من كلام شيخنا أبي جعفر مما هو ليس مقصودا له ومثله في الغرابة ما عن الشهيد من تفسير الوهم على هذا

[ 284 ]

التقدير بترجيح احد الطرفين لامارة غير شرعية والاخر الترجيح لها مع ما في الروضة من أنه غير تام ايضا لان الظن المجوز للافطار لا يفرق فيه بين الاسباب المثيرة له لكن الانصاف أن تفسير المتن وما شابهه بالاول أي إرادة الشك من الوهم أو الطرف المرجوح بعيد ايضا جدا بل قد عرفت ما فيه من إشكال عدم الكفارة. ولعل الاولى إرادة الخطأ منه بمعنى ان الظلمة اوقعت الصائم في الخطأ فيها حتى تخيل انه ليل ومثله يتجه فيه وجوب القضاء للاطلاق السابق وخصوص موثق سماعة (1) هنا بخلاف ما لو علم أن في السماء علة من سحاب ونحوه وظن دخول الليل معه فانه لا يقضي لا للرخصة له شرعا إذ قد عرفت أعميتها من سقوط القضاء وانها لا تنافي إطلاق ما يقتضيه بل لان ابا الصباح الكناني (2) سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل صام ثم ظن ان الشمس قد غابت وفي السماء غيم فأفطر ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم يغب فقال: قد تم صومه ولا يقضيه) والشحام (3) روى عنه عليه السلام ايضا (في رجل صائم ظن ان الليل قد كان وان الشمس قد غابت وكان في السماء سحاب فأفطر ثم إن السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب فقال: تم صومه ولا يقضيه) والباقر عليه السلام قال لزرارة (4): (وقت المغرب إذا غاب القرص فان رأيته بعد ذلك وقد صليت اعدت الصلاة ومضى صومك وتكف عن الطعام إن كنت أصبت منه شيئا) وبها يقيد إطلاق ما دل على القضاء. كما انك قد عرفت ان دليل القضاء على الاول بناء على ما ذكرناه من


(1) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 51 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 4 - 1

[ 285 ]

التفسير مضافا إلى الاطلاق موثق سماعة (1) (سألته عن قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب الشمس فظنوا أنه ليل فأفطروا ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس فقال: على الذي أفطر صيام ذلك اليوم إن الله تعالى يقول ثم أتموا الصيام إلى الليل فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لانه أكل متعمدا) وهو كالصريح فيما ذكرنا بل من علم أن نظر الاصحاب في تعبيرهم إلى النصوص وأنهم كالناقلين بالمعنى يقطع بكون المراد ما في هذا الخبر وهو ظاهر أو صريح في تخيلهم كون السحاب الليل والمراد من الظن حينئذ القطع نحو قوله (2): (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) لمعلومية عدم جواز الاعتماد عليه مع عدم العلة والمناقشة في دلالته على القضاء - باحتمال إرادة وجوب إتمام صيام ذلك اليوم والاستدلال بالاية لا ينافيه بل يؤكده كقوله عليه السلام: (فمن أكل) إلى آخره إذ التعمد في الاكل الموجب للقضاء انما يتصور بعد الانجلاء لانه إفطار حينئذ لا قبله إذ هو تعمد للاكل كناسي الصوم لا للافطار - كما ترى إذ هو مخالف للظاهر من وجوه خصوصا بعد فهم معظم الاصحاب منه ذلك والتعبير عنه بالافطار وظهور الاستدلال فيه بقرينة تتمته بقوله (عليه السلام): (فمن) إلى آخره في إرادة بيان قضاء ذلك اليوم كما هو واضح. نعم لا وجه للاستدلال به كما عن المعظم على القضاء على من أفطر بظن الدخول ولو للعلة في السماء مؤيدا باطلاق ما دل عليه والطعن في سند المعارض وفي دلالة الصحيح منه بأن مضي الصوم لا يستلزم عدم القضاء وشذوذ العمل باطلاقه الشامل لصورتي الوهم والشك ولا قائل بهما قطعا كالظن مع التمكن


(1) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) سورة البقرة - الآية 43

[ 286 ]

من العلم بالمراعاة ونحوها الذي لم يقل احد بسقوط القضاء به إلا ما يحكى عن صاحب الذخيرة لهذا الصحيح الذي يمكن تخصيصه بهذه الصورة توفيقا بينه وبين الاصول المقتضية اعتبار حصول العلم بدخول الليل المؤيدة بما دل من النصوص (1) على لزوم مراعاة الوقت بالنظر إلى القرص والحمرة مع دلالة بعضها (2) كما قيل على انه مع عدم القدرة لابد في الحكم بدخول الوقت من العلم بغيبوبة القرص أو زوال الحمرة كل ذا مع ندرة القائل بأصل العارض أو شذوذه إذ لم يعرف القول به بحيث لم يرجع عنه بعد ذلك إلا من الصدوق لرجوع الشيخ عما سمعته منه في النهاية إلى القضاء في المبسوط وعبارة الغنية والخلاف وفي الرياض وابن البراج على ما في المختلف - وإن كان لا يوافق ما حضرني من نسخته - الشك المحتلم إرادة المعنى الشامل للظن منه بل قيل إنه المعروف منه لغة ويكونون من القائلين بالقضاء معه حينئذ بل في الاخيرين الاجماع عليه والفاضل قد رجع عنه في المختلف ومال إلى القضاء. إذ لا يخفى عليك سقوط ذلك كله بناء على تفسير الصحيح بما ذكرناه ضرورة خلو نصوص السقوط حينئذ عن المعارض إلا الاطلاق المقيد بها والطعن في السند ممنوع بل لعل جميعها صحاح كما يعلم من البحث في الرجال والندرة ممنوعة بعد فتوى الصدوق والشيخ والقاضي والمصنف هنا والنافع والفاضل في الارشاد والقواعد وغيرهم بل يمكن إرادة المثبت للقضاء مع الظن ما لا يجوز التعويل عليه منه فان المتجه فيه ذلك بل والكفارة مع العلم بعدم الجواز بل ومع عدم العلم بالجواز في وجه يعلم مما تقدم بل لعل المفيد الذي هو أصل الخلاف في المقام بنى ذلك على ما يظهر من كلامه من عدم جواز التعويل على


(1) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (2) الوسائل - الباب 24 - من أبواب المواقيت من كتاب الصاة

[ 287 ]

الظن بحال بل يجب الصبر إلى حصول اليقين ولعل غيره ممن وافقه كالمرتضى وابي الصلاح وغيرهما كذلك كما ان ظاهر المحكي عن ابن إدريس بناء إيجابه القضاء على من أفطر بالظن الضعيف على عدم جواز عمله بالظن المزبور. ومن ذلك كله ظهر لك ما في نفي الخلاف في المدارك عن جواز العمل بالظن عند تعذر العلم بل عن الذخيرة أن ما ذكره من نفي الخلاف غير واضح فان اكثر عباراتهم خال عن التصريح به وفي التذكرة ما يشير إلى وجود الخلاف في ذلك فلاحظ وتأمل وقد ظهر لك مما ذكرنا الحكم في جميع الصور حتى لو أفطر بالاعتقاد الجازم حيث لا يكون في السماء علة ثم بان الخلاف وأن المتجه وجوب القضاء عليه للاطلاق وصحيح زرارة غير معلوم شموله لمثله كي يقيد به والاولوية من الظن حيث يعمل به ممنوعة وعلى كل حال فالامر حينئذ في المراد من المتن ونحوه سهل بعد معرفة الحكم في شقوق المسألة والله اعلم. (و) السادس (تعمد القئ) على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل إجماع من المتأخرين بل في الخلاف وظاهر الغنية والمحكي عن المنتهى الاجماع عليه وقد رواه الحلبي (1) في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) كالصحيح المروي عن كتاب علي بن جعفر (2) وأرسله ابن بكير (3) ايضا عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام وأضمره سماعة (4) في الموثق إلى غير ذلك من النصوص المقتصرة في مقام البيان على بيان القضاء خاصة بل في بعضها (5) بعد الامر بالاعادة التعرض لاثمه وانه إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له وهو كالصريح في عدم الكفارة التي يفزع إليها في تكفير الذنب وإطلاق الصحيح (6) في أحد طريقيه الافطار منزل على ما في غيره مما أطلق فيه ذلك ثم عقب بما هو


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 10 - 7 - 5 - 6 - 1

[ 288 ]

كالبيان للمراد منه من وجوب القضاء عليه كل ذلك مضافا إلى صريح إجماع الخلاف وظاهر غير المؤيد بالتتبع بل لم نعرف القائل بوجوبهما معا عليه منا وانما حكي عن المرتضى إرساله كما أنه لا دليل عليه سوى إطلاق نصوص الكفارة (1) فيمن أفطر عمدا الذي يجب الخروج عنه بما عرفت بل قيل إن المتبادر من الافطار الافساد بالاكل والشرب وأن إطلاق الوصف عليه في نصوص المقام أعم من الحقيقة والمجاز أولى من الاشتراك وإن كانت المناقشة فيه واضحة حتى لو سلم تبادر الاكل من الافطار في نصوص الكفارة لكن التجوز باطلاقه عليه هنا يقتضي الاشتراك في وجوه الشبه والمنزلة اللهم إلا أن يدعى تبادر الاثم والقضاء منها خاصة وفيه منع واضح نعم قد يقال له في خصوص المقام لما عرفت كوضوح منع مجازية إطلاق الافطار عليه بعد وجوب القضاء به المتوقف على الفساد ضرورة سقوطه بصحيح العبادة عند الفقهاء. وما أبعد ما بين هذا القول والقول بعدم وجوب شئ به أصلا كما عن المرتضى للاصل المقطوع بما سمعت وأن الصوم الامساك عما يدخل الجوف لا ما يخرج منه الذي هو اجتهاد في مقابلة النص وحصر الباقر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (2) (ما يضر الصائم) في أربع خصال: الطعام والشراب والنساء والارتماس الذي إن لم نقل باندراج ذلك في الطعام فيه بناء على إرادة الاعم من ابتلاعه أو إخراجه منه وجب تقييده بما سمعت وأما قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح أو الموثق (3): (ثلاثة لا يفطرن الصائم: القئ


(1) الوسائل - البا ب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 8 الجواهر - 36

[ 289 ]

والاحتلام والحجامة) إن لم يحمل على نفي الكفارة فالمراد منه ما هو الغالب وأشار إليه المصنف (و) غيره من أنه (إن ذرعه) القئ وسبقه قهرا لم يفطر الذي لا خلاف اجده فيه نصا وفتوى سوى ما عن ابن الجنيد من وجوب القضاء به إذا كان من محرم بل إذا استكثر الكفارة ايضا ولا ريب في ضعفه وعدم الدليل عليه بعد البناء على عدم البطلان بابتلاع المحرم للامر بقيئه الذي هو مفطر كما عرفت كما هو ظاهر كلام الاسكافي وإلا لم يحتج حينئذ في وجوب القضاء إلى ذرع القئ فتأمل. (و) السابع ما تقدم الكلام فيه من (الحقنة بالمايع و) الثامن (دخول الماء إلى الحلق للتبرد) بالمضمضة وغيرها فغلبه ودخل الجوف والمراد (1) دخول الماء الفم فغلب ودخل ما يبطل به الصوم من الحلق وعلى كل حال فالمراد واحد والحكم لا خلاف فيه أجده بل هو من معقد النسبة إلى علمائنا في المحكي عن المنتهى بل عليه الاجماع في الانتصار والخلاف والغنية ورواه سماعة (2) في موثقه لكن مضمرا بل في خبر ابن الصلت (3) عن يونس إطلاق الاعادة للدخول بالحلق بالمضمضة في غير وقت الفريضة للتبرد وغيره إلا ان الظاهر كونه من كلام يونس كما اومأ إليه بنسبة ذيله في الدروس وغيرها و أولويته من القضاء بدخول الماء الحلق في الوضوء لصلاة النافلة كما في الصحيح (4) عن الصادق عليه السلام يمكن منعها أولا وأصل الحكم ثانيا كما ستعرف فالاولى الاقتصار في الاستدلال على قطع الاصل وعموم حديث الرفع ونحوه ذلك مما يقضي بعدم القضاء على ما عرفت الذي يجب بملاحظته تنزيل ما عن الصادق عليه السلام في موثق


(1) هكذا في النسخة الاصلية والظاهر إبدال حروف الواو بأو أي " أو المراد " (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 4 - 3 - 1

[ 290 ]

الفطحية (1) من انه ليس على المتمضمض إذا دخل حلقه الماء شئ إذا لم يتعمد ذلك في الاولى والثانية والثالثة على غير مضمضة التبرد كما هو واضح. ولا يلحق به في القضاء ما لو ابتلعه لنسيانه الصوم بعد الوضع في الفم مثلا لاطلاق دليله العفو عنه بعد انسياق غيره من أدلة المقام خلافا لظاهر المعتبر أو صريحه فأوجبه وهو ضعيف نعم صريح بعضهم إلحاق العبث بالتبرد بل هو في معقد إجماع المنتهى وفي معقد إجماع الانتصار التمضمض لغير الطهارة من التبرد وغيره ولعله لاولويته من المضمضة للعطش وصلاة النافلة وخبر يونس والمفهوم في موثق سماعة وانتفاء حقيقة الصوم به وخروج النسيان مثلا لا يقضي بخروجه والاجماع المحكي لكن في الجميع نظر إذ لعل العطش جزء سبب في دخوله الحلق ولذا فرق المصنف بينه وبين العبث فيما تسمعه في الفروع على أن النافلة فيها البحث الاتي ويونس لا حجة في قوله والمراد من المفهوم في موثق سماعة مضمضة العطش لا مطلق مضمضة غير الوضوء والاجماع المحكى لا يجسر هنا على رفع اليد عن تلك الادلة به ويمنع انتفاء حقيقة الصوم شرعا به إلا ان الاحتياط مع ذلك كله لا ينبغي تركه وكذا لو أدخل غير الماء فمه عبثا أو لغرض صحيح فدخل جوفه لا دليل على القضاء به إلا دعوى التنقيح وفيها منع واضح كوضوح المنع ايضا في إلحاق الاستنشاق للتبرد بها بناء على أن الدخول في الانف كالدخول في الفم وإن كان هو صريح الدروس بل من معقد إجماع الغنية بل في الرياض بعد أن حكاه قولا إنه احوط إن لم نقل بكونه المتعين هذا كله في دخول الماء للتبرد ونحوه (دون التمضمض به للطهارة) فانه لا قضاء لو دخل وكان في وضوء الفريضة المؤداة بلا خلاف نصا وفتوى بل الاجماع في الانتصار والخلاف ومحكي المنتهى عليه بل معقد الاول منها التمضمض


(1) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5

[ 291 ]

للطهارة والاخيرين المضمضة للصلاة نافلة كانت أو فرضا وهو أخص من الاول لاندراج الكون على الطهارة ونحوه فيه واحتمال أخصية الاول منه ايضا باندراج التجديد فيه بخلافه لعدم كونه طهارة بعيد. والطهارة من الاكبر مندرجة فيهما معا وهذا التعميم هو الموافق للاصل وحديث الرفع وموثق الفطحية وما أرسله من إخبار الطائفة في الخلاف والاجماع المحكي وغير ذلك فما في صحيح حماد (1) عن الصادق عليه السلام من أن عليه القضاء إن كان وضوؤه لصلاة نافلة بناء على إرادة المضمضة له وأنها مستفادة بالاولى ينبغي حمله على الندب لضعفه عن مقاومة غيره عموما وخصوصا من وجوه منها الموافقة لظاهر الفتاوى إلا أنه ومع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه سيما مع ما حكي عن جماعة من القول به أو الميل إليه. والتمضمض للتداوي وإزالة النجاسة لا قضاء فيه ايضا لا للالحاق بالصلاة الذي يمكن منعه بل لاتحاد الجميع في أصالة عدم القضاء خرج المضمضة ونحوها للتبرد فيبقى غيره عليه خصوصا مع جواز المضمضة له شرعا حتى للتبرد للاصل ومرسل حماد (2) عن الصادق عليه السلام وموثق الفطحية (3) وغيرها نعم في خبر الشحام (4) عن الصادق عليه السلام (لا يبلع المتضمض ريقه حتى يبزق ثلاث مرات) كما أن في مرسل حماد (5) عنه ايضا (في الصائم يستنشق ويتمضمض فقال: نعم ولكن لا يبلغ) واليه أومأ في الدروس بذكره كراهة المبالغة فيه للصائم ولولاه لامكن قراءتها بالعين المهملة والامر سهل بعد أن كان الحكم أدبا. والمراد انه لا إشكال في الجواز خلافا للمحكي عن كتابي الحديث


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 2 - 5 - 2 (4) الوسائل - الباب - 31 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 292 ]

للشيخ فمنع عنه للتبرد في الاستبصار وفي التهذيب (إن كان لغير الصلاة فدخل حلقه فعليه الكفارة والقضاء)) ولا نعرف له في الاول موافقا ولا دليلا معتدا به بل يمكن إرادة رجحان الترك من عدم الجواز فيه كما هو مقتضى المحكي من استدلاله بما في خبر ابن الريان عن يونس (1) (والافضل للصائم أن لا يتمضمض) وكذا الثاني حتى في نحو التبرد الذي اوجبنا القضاء فيه ايضا للاصل المؤيد بخلو نصوص بيان الحاجة عنها والفتاوى وإيجاب صيام الشهرين بالتمضمض والاستنشاق وشم الرائحة الغليظة ودخول الغبار الانف والحلق بكنسه في خبر المروزي (2) الضعيف جدا الذي لا قائل باطلاقه لشموله ما إذا لم يتعد الحلق فينبغي تقييده بما إذا تعمد الازدراد جمعا وتقييده بصورة التعدي خاصة فيه إطراح لما مر من الادلة فتأمل جيدا والله أعلم. (و) التاسع (معاودة) أي رجوع (الجنب) باحتلام أو جماع أو غيرها إلى (النوم ثانيا حتى يطلع الفجر) الصادق (ناويا للغسل) لاجماعي الخلاف والغنية الشاهد فيهما التتبع والرضوي (3) بناء على حجيته وبصحيحتي ابني معاوية (4) وأبي يعفور (5) عن الصادق عليه السلام المحتاج دلالتهما على عدم الكفارة إلى قبح التأخير عن وقت الحاجة ونحوه أما إذا لم ينتبه من النومة


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3 عن ريان بن الصلت عن يونس وهو الصحيح كما تقدم في 289 (2) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 (3) المستدرك - الباب - 10 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (4) و (5) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2 والاول عن معاوية بن عمار

[ 293 ]

الاولى أو نام ناويا لعدم الغسل فقد مر تفصيل البحث فيه فلاحظ والذاهل أولى بالقضاء من الناوي والظاهر عدم الاثم عليه بالنوم مطلقا للاصل والعقوبة في صحيح ابن عمار أعم من الاثم قطعا خلافا لبعضهم فحرمه بعد الانتباه ولا ريب في ضعفه بل ستعرف انه لا إثم عليه بالزيادة على الثلاث فضلا عنها. (و) أما (من نظر إلى من يحرم عليه نظرها بشهوة فأمنى) فقد (قيل) إن (عليه القضاء) بل هو خيره الشهيد والمحكي عن المفيد والمبسوط وسلار وغيرهم للنهي (وقيل لا يجب وهو الاشبه) عند المصنف وفاقا للسيدين والفاضلين والشهيدين والقاضي والحلي للاصل المعتضد بما في الخلاف ومحكي الناصرية من الاجماع ولا نهي مقتضي للفساد (وكذا لو كانت محللة لم يجب) القضاء ايضا بل هو أولى نعم لو كان من عادته الامناء بذلك وقد قصده وجبت الكفارة عليه فضلا عن القضاء لاندراجه حينئذ فيما دل عليهما (1) في الاستمناء إذ لا فرق فيه بين اللعب والنظر والتخيل وغيرها من أسبابه وكأنه لا خلاف فيه كما اعترف به في الرياض بل في المختلف واللمعة وجوبهما معا بالقصد خاصة كما ان في الروضة ذلك بالاعتياد خاصة وإن كان دخول الثاني في الاستمناء بسبب اعتياده مع أنه غير مقصود لا يخلو من نظر كما أن إيجاب الكفارة بالقصد بدعوى الاندراج كذلك خصوصا والموجود في نصوص الكفارة (2) الملاعبة واللزق بالاهل ونحوهما مما لا يشمل ذلك والالحاق يقضي بالكفارة ولو مع عدم القصد كما هو المشهور في الملحق به ولا قائل به. نعم قد يقوى وجوب القضاء خاصة بكل منهما بل وبكل إنزال غير مقصود حصل من النظر والاستماع بشهوة لغلام أو امرأة محللة أو محرمة وفاقا للفاضل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم

[ 294 ]

في المختلف والشهيد في اللمعة لما يفهم من فحاوي نصوص (1) اللمس والتقبيل وما فيها من التعليل بخوف الانزال وعدم الامن منه وإن بدو القتال اللطام ونحو ذلك مما هو ظاهر في البطلام لو وقع ولذا حسن التحرز عنه نعم إن كان معتاد الانزال حرم عليه هذه المقدمات وإلا كان تركها (2) مستحبا وإن اشترك الجميع في البطلان مع الانزال ومن ذلك ظهر لك أنه لا فرق بين المحلل والمحرم ضرورة عدم مدخلية الاثم بالنظر في فساد الصوم كما هو واضح والله أعلم. (فروع) قد تقدم ما يعرف به (الاول) منها وهو (لو تمضمض متداويا أو طرح في فيه خرزا أو غيره لغرض صحيح فسبق إلى حلقه لم يفسد صومه ولو فعل ذلك عبثا قيل عليه القضاء وقيل لا وهو الاشبه). (الثاني ما يخرج من بقايا الغذاء من بين أسنانه) ولو بمخرج يحرم ابتلاعه للصائم بل ولغيره إذا صار من الخبائث (فإذ ابتلعه عمدا وجب عليه القضاء) قولا واحدا عندنا خلافا لابي حنيفة فلم يوجبه والمناقشة بعدم تسميته أكلا وبما رواه عبد الله بن سنان (3) عن الصادق عليه السلام (في الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشئ أيفطره ذلك ؟ قال لا قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه قال لا يفطره ذلك) واهية، لمعلومية إرادة ما يشمل مثل ذلك من الاكل الممنوع منه في الصوم وبالفرق بين محل البحث وما في الصحيح المحتمل أصل اللسان المتصل بالحلق أو كون الازدراد بغير اختياره كما هو الغالب فان المراد بالقلس كما في موثق سماعة (4) الجشأة التي يرتفع الطعام بها من جوف


(1) الوسائل - الباب 33 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم (2) ليس في نسخة الاصلية كلمة " تركها " والصحيح ما أثبتناه (3) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3

[ 295 ]

الرجل من غير أن يكون تقيؤا وقد سأله عن ذلك فقال: (لا ينقض وضوءه ولا يقطع صلاته ولا يفطر صيامه) وفي مختصر النهاية والصحاح أنه خروج الطعام من الجوف مل ء الفم أو دونه وليس بقئ فان عاد فهو القئ وحكاه في الصحاح عن الخليل بعد أن فسره فيه بالقذف ولو لا اعتبار مل ء الفم أمكن إرجاع الجميع إلى شئ واحد وسئل أبو عبد الله عليه السلام في الموثق الاخر (1) (عن الرجل يخرج من جوفه القلس حتى يبلغ الحلق ثم رجع إلى جوفه وهو صائم فقال: ليس بشئ) وسئل الباقر عليه السلام عن القلس ايضا في صحيح ابن مسلم (2) (أيفطر الصائم ؟ فقال: لا) على انه لا أجد عاملا بما في صحيح ابن سنان نعم في النهاية وعن القاضي الاقتصار على القضاء فيمن ابتلع ما حصل في فيه من ذرع القئ وعن ابن الجنيد (والقلس لا يفطر فان تحصل في الفم ثم عاد إلى جوف الصائم فالاحوط القضاء وإن تعمد أفطر) وفي المختلف والظاهر أنه يريد بذلك وجوب الكفارة فيكون المراد مما حكاه عن المبسوط من انه إن تعمد أفطر والتحقيق وجوبهما معا في ابتلاع ما تخلف في الفم من القئ أو القلس عمدا كما عن ابن إدريس التصريح به لاندراجه فيما دل عليهما خلافا لصريح الغنية فالقضاء خاصة بل ظاهره الاجماع عليه ولا ريب في ضعفه لصدق تناول المفطر وإلا لم يجب به القضاء عمدا كما هو المفروض عليه وأما القلس عمدا من دون تخلف ما يبتلعه عمدا منه فلا شئ فيه إذا لم يصل الطعام فيه إلى الفم ولو وصل ولكن سبقه رجوعه ولم يبتلعه اختيارا فوجوب القضاء به لتفريطه بالتسبيب لا يخلو من قوة بل هو من القئ فيشمله حينئذ ما دل عليه ونصوص المقام محمولة على ما إذا حصل القلس قهرا أو لم يصل به الطعام إلى الفم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 - 1

[ 296 ]

(و) من ذلك كله ظهر لك أن (الاشبه القضاء والكفارة) ايضا في ابتلاع الخارج من الغذاء من بين الاسنان في العمد بل لا اجد فيه خلافا صريحا، إذ إيجاب القضاء عليه ردا على ابي حنيفة من غير تعرض للكفارة لا يقتضي نفيها (و) أما (في السهو) ف‍ (لا شئ عليه) قطعا إن لم يكن قصر في التخليل أما معه فجرى الريق ببقية طعام في خلل الاسنان ففي فوائد الشرائع الاقرب وجوب القضاء خاصة لتعريضه صومه للافطار بتهاونه في تخليل الاسنان وللنظر فيه مجال والله اعلم. (الثالث لا يفسد الصوم ما يصل إلى الجوف بغير الحلق) من منافذ البدن المعلومة (عدا) ما عرفت البحث فيه من (الحقنة بالمايع) لصدق اسم الصوم معه شرعا لكون المعتبر فيه عدم الوصول إلى الجوف بما يسمى أكلا وشربا لا مطلق الواصلى والموصول إليه كيف ما كان وأصالة الصحة فيما لو كان ذلك طاريا بعد الانعقاد وفحوى ما تعرفه من كراهة الكحل والسعوط والاحتقان بالجامد والتقطير بالاذن وإيصاله الماء من منافذ الشعر ببل الثوب أو الجسد ونحو ذلك ونحوها وحصر الباقر عليه السلام ما يضر الصائم في أربع (1): الطعام والشراب والجماع والارتماس بل في آخر (2) عن الصادق عليه السلام (الصيام من الطعام والشراب) كما أن في جملة من النصوص (3) تعليل عدم الفطر بالكحل والذباب بأنه ليس بطعام والغالب فيما يصل بغير الحلق من منافذ البدن لا يسمى طعاما ولا شرابا نعم لو فرض منفذ ولو بالعارض لهما في البدن أفطر به قطعا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم والباب 39 منها الحديث 2 الجواهر - 37

[ 297 ]

إن كان مما يصل به الغذاء أما لو كان في مكان لا يتغذي بالوصول منه لسفله عن المعدة مثلا ففيه وجهان أقواهما عدم الافطار. وحينئذ فما قيل - من ان صب الدواء في الاحليل حتى يصل إلى الجوف يفسده كما حكاه في المختلف عن المبسوط قال: قال: وإن كان يابسا لم يفطر واختاره هو فيه كما حكى عن جماعة مستدلا بأنه قد اوصل جوفه مفطرا بأحد المسلكين فان المثانة تنفذ إلى الجوف فكان موجبا للافطار كما في الحقنة - في غاية الضعف خصوصا مع إمكان منع نفوذ المثانة إلى الجوف وانه انما يرشح لها رشحا أو معلوميته وأضعف من ذلك ما حكاه عنه ايضا فيه مع اختياره له ايضا من الافطار بطعنه نفسه أو أمره به فوصل إلى جوفه بخلاف ما لو طعنه غيره الذي هو كما لو اوجر في حلقه لكن لا كفارة للاصل بل استقرب فيه ايضا مستظهرا له عن المبسوط الافطار بوصول دواء الجرح إلى جوفه والجميع كما ترى مع انه مخالف للادلة مخالف للمشهور بين الاصحاب بل الشيخ نفسه صرح في الخلاف بعدم الافطار بالتقطير في الذكر ولا بوصول الدواء إلى جوفه من جرحه ولا بوصول الرمح مثلا إليه رطبا كان أو يابسا استقر في الجوف أو لا باختياره أو لا مقتصرا في حكاية الخلاف في ذلك على العامة ومن ذلك كله ظهر لك ما في قول المصنف: وفيه تردد. ولو وضع الشئ في المنفذ ولم يعلم وصوله إلى الجوف فلا إفطار قطعا بل وكذا لو وصل وكان غير مقصود ولا معتادا واحتمال الافطار بهذا التعريض في غاية الضعف فمحل البحث حينئذ في الموضوع بقصد الايصال فوصل أو كان معتاد الوصول بالوضع وقد عرفت أن الاقوى فيه العدم ايضا والله أعلم. الرابع لا يفسد الصوم بابتلاع النخامة وهي في مختصر النهاية (البزقة التي تخرج من أقصى الحلق من مخرج الخاء المعجمة) وفي الصحاح (النخامة

[ 298 ]

النخاعة وبالعكس) لكن في المختصر المزبور (النخامة البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي النخاع) وعن الدروس (انها النخامة أو ما يخرج من الصدر أو الخيشوم) والمغرب (ما يخرج من الخيشوم عند الننخع) وعلى كل حال فلا يفسد ابتلاعها ولا اجتلابها. (و) لا (البصاق) المجموع في الفم أو لا (ولو كان عمدا ما لم ينفصل عن الفم) بل في التذكرة نسبة الثاني إلى علمائنا قال: (سواء جمعه في فمه ثم ابتلعه أو لم يجمعه)) وفي الخلاف نفي الخلاف فيه بل ظاهره ذلك في النخامة أيضا للاصل في الجميع والسير في بعض والحرج فيه وفي آخر حتى أثر النخامة المختلف بعد البصق وقول الصادق عليه السلام في الموثق (1): (لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته) وإطلاق قوله عليه السلام في خبر عبد الله بن سنان (2): (من نخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته) وفحوى بعض نصوص الفلس (3) وغير ذلك مما لا فرق فيه بين الوصول إلى فضاء الفم وعدمه وبين جلبها وعدمه واحتمال أن الثاني من قبل القئ كما عن بعض العامة - ومقتضاه الافطار به ولو ردها به كدعوى مساواة فضاء الفم للخارج عنه كما اختاره أول الشهيدين وثاني المحققين وغيرهما - في غاية الضعف إذ لا شاهد لهما بل عليهما متحقق كما عرفت نعم لو انفصلا عنه ثم ابتلعهما أفسدا كما لو كانا من أجنبي بل في التذكرة ((لو ترك في فمه حصاة وشبهها وأخرجها وعليها بلة من الريق ثم أعادها وابتلع الريق أفطر وإن كان قليلا فاشكال ينشأ من أنه لا يزيد


(1) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب أحكام المساجد - الحديث 1 من من كتاب الصلاة (3) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 299 ]

على رطوبة المضمضة ومن أنه ابتلع ريقا منفصلا عن فمه فأفطر به كالكثير وفيها ايضا (لو بل الخياط الخيط بالريق أو الغزال المغزل بريقه ثم يرده إلى الفم على ما يعتاد عند الفتل فان لم يكن عليه رطوبة تنفصل فلا بأس وإن كانت وابتلعها أفطر عندنا وهو قول اكثر الشافعية) وإن كان في جميع ما ذكره منع واضح متى استهلك بما في الفم بحيث يعد ابتلاع ريقه لا غيره وعليه تحمل نصوص (1) ذوق المرق وغيره ومضغ الطعام ونحوه وسئل الرضا عليه السلام في خبر أبي الحسن الرازي (2) (عن السواك الرطب يدخل رطوبته في الحلق فقال: الماء للمضمضة أرطب من السواك الرطب) بل وخبر أبي بصير (3) وعلي بن جعفر (4) في امتصاص ريق أحد الزوجين الاخر مع أنه اعم من الابتلاع كما أن النبوي (5) العامي من مصه صلى الله عليه وآله لسان عائشة كذلك مع انه اعم من رطوبته ايضا بل وخبر ابي ولاد الحناط (6) الذي قال للصادق عليه السلام: (إني أقبل بنتا لي صغيرة وأنا صائم فيدخل في جوفي من ريقها شئ فقال له: لا بأس ليس عليك شئ) ولعله أولى من حمله في الدروس على عدم القصد وعلى كل حال فمتى استهلك لم يكن به بأس بل كان كما لو أخرج لسانه ثم رده وابتلع ما عليه الذي صرح غير واحد بعدم البطلان به بل في التذكرة (عندنا). وأما ما ينزل من الفضلات من رأسه إذا استرسل وتعدى الحلق


(1) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 4 عن موسى بن أبى الحسن الرازي (3) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 - 3 - 1 (5) سنن البيهقى ج 4 ص 234

[ 300 ]

من غير قصد لم يفسد الصوم) بلا خلاف ولا إشكال و (لو تعمد ابتلاعه أفسد) كما في الارشاد وفي الدروس وغيرها إن صار في فضاء الفم وربما حد كما في فوائد الشرائع بما بعد الحاء المهملة والاقوى كونه كالاول لا يبطل مطلقا وفاقا لجماعة بل المشهور على الظاهر لاكثر ما سمعت أو جميعه حتى خبر النخامة (1) بناء على شمولها للخارج من الجوف والرأس كما في الذخيرة بل لو سلم وجوب الاجتناب مطلقا أو إذا وصل إلى فضاء الفم تحصيلا ليقين البراءة مع فرض الشك فيها بدونه أمكن القول بعدم القضاء معه ايضا في احد الوجهين بل جزم به في الذخيرة والرياض في مواضع لعدم العلم بتحقق سببه من الافطار ونحوه بذلك إذ الفرض احتمال كونه مفطرا وإن كان قد يناقش بامكان تحقيق سببه بأصالة عدم وقوع المراد والمطلوب من المكلف فيندرج فيما دل على القضاء إذا لم يفعل وكيف كان فعلى الفساد تجب الكفارة مع القضاء بل ربما قيل بوجوب كفارة الجمع بناء على حرمة ابتلاعه ووجوبها فيه وفيهما معا منع نعم لو خرج من فمه مثلا دم فابتلعه أمكن وجوب ذلك بناء عليه وقد يحتمل عدم الافطار به لانه من الريق وإن حرم ابتلاعه لانه دم ولو شك في الفضلة أنها من الرأس أو الصدر بناء على الفرق بينهما كان له ابتلاعه للاصل ولو اشتبهت محصورة لا يجوز له الابتلاع إلا انه إذا ابتلع لا قضاء ولا كفارة عليه في وجه قوي. (الخامس ما له طعم) إذا تغير الريق بطعمه من غير انفصال أجزاء منه (كالعلك) ونحوه (قيل) والقائل كما قيل الشيخ في النهاية والاسكافي: يفسد الصوم وإن كان الذي عثرت عليه في الاولى نفي جواز العلك للصائم وإلا فلم يعده في موجبات القضاء ولا مفسدات الصوم فيمكن إرادة الكراهة منه والمحكي عن ابن الجنيد فيما حضرني من المختلف غير صريح فيه (وقيل) والقائل


(1) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 301 ]

الاكثر أو المشهور: (لا يفسده وهو الاشبه) للاصل وحصر الباقر عليه السلام (ما يضر الصائم) في غيره ومضغه عليه السلام العلك وهو صائم في صحيح ابن مسلم (1) إلا انه حذره منه لانه قد وجد في نفسه منه شيئا وفي خبر ابي بصير (2) سأل الصادق عليه السلام (عن الصائم يمضغ العلك قال: نعم إن شاء) لكن عن الشيخ انه غير معمول عليه ولعل المراد ظهوره أو إشعاره في عدم الكراهة لا في الرخصة فيه نعم هو مكروه كما يستفاد من التحذير السابق والجمع بين ما عرفت وحسن الحلبي أو صحيحه (3) قال للصادق عليه السلام: (الصائم يمضغ العلك فقال: لا) فالقول بعدم الجواز لذلك ولامتناع انتقال الاعراض فوجود الطعم لا يكون إلا بتحلل أجزاء ذي الطعم وابتلاعها مفسد وفيه منع التحلل أولا ولعل الطعم المزبور بالمجاورة وعن المنتهى قد قيل من لطخ باطن قدميه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطره إجماعا ومنع الافطار بمثل هذه الاجزاء التي لا تدرك بالحس وانما يعلم وجودها بوجود بعض الاعراض الحالة فيها ثانيا نعم لو كان مفتتا فوصل منه شئ إلى الجوف بطل صومه كما لو وضع سكرة في فمه وابتلع الريق بعد ما ذابت فيه والله أعلم. (السادس إذا طلع الفجر وفي فيه طعام لفظه ولو ابتلعه فسد صومه وعليه مع القضاء الكفارة) إجماعا بل في المدارك أنه موضع وفاق بين العلماء كما أنه معلوم من نصوص المذهب (4) واحتمال إلحاق ما في الفم بما في الجوف فيجوز ابتلاعه حينئذ لا ينبغي الالتفات إليه. (السابع المتفرد برؤية هلال شهر رمضان) يجب عليه الصوم ف‍ (إذا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 36 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 3 - 2 (4) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم

[ 302 ]

أفطر عليه القضاء والكفارة) لتناول الادلة له خلافا لما عن بعض العامة فيصوم مع جماعة الناس وأبي حنيفة فلا تجب الكفارة وإن وجب القضاء. (المسألة العاشرة) لا إشكال ولا خلاف في انه (يجوز الجماع) في ليلة الصيام (حتى يبقى لطلوع الفجر مقدار إيقاعه والغسل) فان عصى ولم يغتسل كان عاصيا بذلك لا بجماعه (ولو تيقن ضيق الوقت) عن الجماع والغسل (فواقع) وطلع الفجر عليه وهو جنب أثم قطعا و (فسد صومه و) كان (عليه الكفارة) مع القضاء بناء على ما عرفت من وجوبهما بذلك وفي الخلاف الاجماع عليه نعم لو قيل بمشروعية التيمم بدله للضيق عنه كالصلاة امكن القول بصحة صومه وعدم الكفارة وإن كان قد أثم بنقله حال الاختيار إلى الاضطرار (ولو فعل ذلك ظانا سعته) فبان عدمها (فان كان مع المراعاة لم يكن عليه شئ) كما في الاكل إذ لا فرق بين سائر المفطرات في ذلك فالدليل حينئذ متحد وبه يخرج عن ظهور ما يقتضي القضاء من النصوص بحصول ما ينافي الامساك (و) حينئذ ف‍ (ان أهمل) المراعاة (فعليه القضاء) خاصة لاصالة عدم الكفارة وإطلاق الادلة في القضاء فدغدغة سيد المدارك وفاضل الذخيرة فيه بأنه لا دليل عليه سوى باب التشبيه بوجوب القضاء بالاكل قبل المراعاة وهو متوقف على ثبوت التعليل في الاول وفيه تأمل في الثاني في غير محلها بعد ما سمعت من احتياج عدم القضاء إلى المخرج لا القضاء. المسألة (الحادية عشر تتكرر الكفارة بتكرر الموجب إذا كان في يومين من صوم تتعلق به الكفارة) من شهر واحد فضلا عن الشهرين إجماعا منا بقسميه من غير فرق بين تخلل التكفير وعدمه واتحاد جنس الموجب وعدمه والوطئ وغيره لصدق الافطار المعلق عليه الكفارة خلافا للمحكي عن احمد والزهري فواحدة وابي حنيفة إن لم يكفر في إحدى الروايتين وفي الاخرى كالاول

[ 303 ]

(وإن كان) تكرر الموجب في (يوم واحد قيل تتكرر) الكفارة (مطلقا) كما عن المرتضى في إحدى الروايتين وفي الاخرى الوطئ خاصة وثاني المحققين بل وثاني الشهيدين وإن قال: إن لم ينعقد الاجماع على خلافه بل صرح الاول بتعدده في الاكل والشرب بتعدد الازدراد وفي الجماع بالعود بعد النزع وكذا الثاني منهما لكن قال يتجه في الشرب اتحاده مع اتصاله وإن طال للعرف و (قيل إن تخلله التكفير) وإلا فلا مطلقا كما عن الاسكافي وقيل إن اختلف الجنس أو تخلل التكفير واختاره الفاضل في المختلف وفي اللمعة والدروس بالوطئ مطلقا ومع تخلل التكفير أو تغاير الجنس في غيره لكن في الدروس منهما في الاخير على الاحوط وقال فيها: ومع اتحاده فلا تكرار قطعا وفي الروضة عن المهذب إجماعا (وقيل لا تتكرر) مطلقا كما هو خيرة الشيخ وابن حمزة والمصنف والفاضل في المحكي عن منتهاه وغيرهم (وهو الاشبه) في غير الوطئ (سواء كان من جنس واحد أو مختلفا) تخلل التكفير أو لا للاصل وما تسمعه من خبر العيون (1) وتعليقها في اكثر النصوص على الافطار ونحوه المتحقق بالاول بل سياق جميع النصوص ذلك حتى النادر منها الذي علق فيها في كلام السائل على العبث بالاهل حتى أمنى ضرورة إرادة المفطر منه لا فعله مطلقا حتى ممن لا يجب عليه صيام السفر ونحوه خصوصا بعد عدم استفصاله كعدم استفصاله عن الافطار مع غلبة تعدده إن كان بالاكل بناء على حصوله بتعدد الازدراد وكعدم أمره بالتعدد للجماع الذي هو في الغالب الاستمناء مع إدخال الفرج في الجماع وهما سببان بل المأمور به له كفارة واحدة. أما الوطئ فقد يقال بالتعدد لتعدده لما رواه الصدوق في العيون والمحكي


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 304 ]

عن الخصال باسناده عن الفتح بن يزيد الجرجاني (1) (انه كتب إلى ابي الحسن عليه السلام يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرات قال: عليه عشر كفارات لكل مرة كفارة فان اكل أو شرب فكفارة يوم واحد) وما في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه قال: ذكر أبو الحسن زكريا ابن يحيى صاحب كتاب شمس الذهب عنهم (عليهم السلام) أن الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة وإن عاد إلى المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة وفي المعتبر لا ريب أن قول الشيخ ليس لاصحابنا فيه نص وهم وإلا فقد روي (2) عن الرضا عليه السلام ان الكفارة تتكرر بتكرر الوطئ واختاره المرتضى وعن المنتهى بعد نقلها في حجة السيد أنه يحتمل أن يكون قول الشيخ قبل وقوفه على هذه الرواية لكن اجاب عنها بأنه لم يحضرني الان حال رواتها وبالجملة القول بالتكرار في خصوص ذلك غير بعيد لا مطلقا فانه لا دليل عليه سوى أصالة تعدد المسببات بتعدد الاسباب وفيه منع السببية بعدأن كان المعلق عليه الافطار وسوى دعوى وجوبها للامساك بعد الافطار كالامساك قبله وفيه ان الاول صوم يصدق على إبطاله اسم الافطار بخلاف الثاني بل لا ينكر ظهور النصوص أو صارحتها في كون الاول سببا للكفارة لا الاعم منه ومن الاخير ولا مع شئ من التفاصيل السابقة إذ لا أثر لاختلاف الجنس والاستدلال في المختلف بأن الكفارة تترتب على كل واحد من المفطرات فمع الاجتماع لا يسقط الحكم وإلا لزم خروج الماهية عن مقتضاها حالة انضمامها إلى غيرها فلا يكون تلك الماهية تلك الماهية وهذا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 3 الجواهر - 38

[ 305 ]

خلف يدفعه - مع انه يمكن تقريره في غير المختلف جنسا - ما عرفت من صدق السبب حالة الانفراد دون الاجتماع فلا تغير للماهية التي هي الافطار وليس لها حالة اجتماع وانفراد كما هو واضح ولا أثر ايضا لتخلل التكفير بعد ما عرفت من أن السبب صدق الافطار الذي لا تفاوت فيه بين التكفير وعدمه ومن الغريب الاستدلال عليه في المختلف بأن الثاني مؤثر كالاول لاشتراكهما في الصدق فاما أن يكون أثره الاول ويلزم تحصيل الحاصل أو غيره وهو المطلوب واما إذا لم يكفر فلان الحكم معلق على الافطار وهو أعم من المتحد والمتعدد والاصل براءة الذمة إذ فيه - مع انه مخالف لدعوى تعليقها على اسم التناول لا الافطار في السابق إن تخلل التكفير - غير مجد على كل حال وإن اردت تمام العجب فالحظ ما في المختلف. ومن ذلك كله يظهر لك ايضا انه لا كفارة في إفساد ما وجب قضاؤه من الصوم بترك مراعاة ونحوه من الاسباب السابقة لانه إمساك لا صوم صحيح وإلا كان مسقطا للقضاء واحتمال كون وجوب صوم آخر غيره حكما شرعيا لا لانه باطل وهذا تدارك له يدفعه إطلاق النص والفتوى عليه اسم القضاء كاطلاق اسم الافطار على فعله. وكذا لا تجب الكفارة بافطار الصوم الذي عرض له مشكوك المانعية مثلا بناء على ان إتمامه عند اهل هذه القاعدة لتوقف يقين البراءة عليه وإلا فهو غير معلوم كونه صوما صحيحا ولا فاسدا فلا يجب قضاؤه بعروض المشكوك مثلا لعدم العلم بالفوات وإلا وجب عليه اجتناب ذلك للاحتياط الواجب فلو تناول مفطرا في مثل هذا اليوم الذي قد فرض سبق عروض المشكوك قبل تناوله لم تجب عليه الكفارة لعدم العلم بكونه إفطارا لاحتمال تحققه قبله بعرو ض ذلك الذي لم يكن معتمدا له وإنه به تحقق الافطار فتأمل جيدا.

[ 306 ]

(فرع من فعل ما تجب به الكفارة ثم سقط فرض الصوم بسفر) قهري (أو حيض) أو جنون (وشبهه قيل تسقط الكفارة) واختاره الفاضل في جملة من كتبه إن لم يكن فعل المسقط للتخلص منها وقيل كما في فوائد الشرائع تسقط إن لم يكن المسقط اختياريا كسفر ونحوه وإن كنت لم أتحقق قائله (وقيل لا) تسقط مطلقا كما هو خيرة الاكثر بل في الخلاف الاجماع عليه (وهو الاشبه) لذلك لا لصدق الافطار إذ التحقيق انتفاء الامر بالمشروط مع العلم بانتفاء شرطه نعم يمكن أن يكون مبني الكفارة ولو بمعونة الاجماع السابق المعتضد بفتوى الاكثر التكليف ظاهرا الذي به يحصل هتك الحرمة بالجرأة بل قد يظهر ذلك ايضا من صحيح زرارة ومحمد بن مسلم (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) الوارد في الفرار من الزكاة بعد تعلقها وانه كالفار من الكفارة بالافطار بالسفر في آخر النهار وإلا فهو دال على بعض الدعوى وهو ما إذا كان المسقط من فعل المكلف مقصودا به إبطال الكفارة وإن حكي عن بعض المتأخرين ان موضع الخلاف في غيره ولعله لانه لو لم يكن كذلك لصار عذرا لسائر العصاة المتناولين للمحرمات وسيأتي من المصنف الجزم بوجوب الكفارة على من أفطر من المسافرين قبل بلوغ محل الترخص وإن سافر بعد ذلك حتى بلغه ولعله يخرجه عن موضوع النزاع ايضا كما ان ظاهر الفاضل وغيره خروج سقوط الكفارة عمن افطر آخر الشهر ثم بان انه من شوال عن ذلك ايضا وانه من المسلمات ولا بأس به إن كان إجماعا لو قلنا إن مدار وجوبها على إفطار شهر رمضان واقعا وإلا فبناء على ان مدار الكفارة التكليف شرعا ظاهرا يتجه حينئذ وجوبها فيه ايضا كما لو طرأ الحيض وتبين عدم الخطاب


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب زكاة الذهب والفضة - الحديث 2 عن أبى عبد الله عليه السلام

[ 307 ]

بالصوم واقعا حتى يتحقق إفطار. المسألة (الثانية عشر من افطر في شهر رمضان عالما عامدا) فان كان مستحلا فهو مرتد لانكاره الضروري لو كان بأكل وشرب وقال الباقر عليه السلام في صحيح بريد (1): (في رجل شهد عليه انه افطر شهر رمضان ثلاثة أيام يسأل هل عليك في إفطارك إثم فان قال: لا فان على الامام أن يقتله وإن قال: نعم فان عليه ان ينهكه ضربا) واليه اشار المصنف وغيره بقوله: (عزر مرة فان عاد كذلك عزر ثانيا) لكن قد يستفاد من الخبر (2) في المسألة الاتية تقدير تعزيره بخمسة وعشرين سوطا بناء على مساواة الجماع لغيره وإن كان ظاهر الفتاوى هنا عدم التقدير كما انك سمعت ما في الصحيح المزبور وعلى كل حال (فان عاد قتل) عند اكثر الاصحاب بل قيل إنه المشهور ورواه سماعة (3) وقيل يقتل في الرابعة للمرسل (4) عنهم (عليهم السلام) (إن اصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة) وهو وإن كان معارضته للاول بالتعميم والتخصيص بل هذا المرسل معارض بالصحيح (5) (اصحاب الكبائر إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة) إلا انه احوط خصوصا في الدماء وخصوصا بعد الطعن في سند الخبرين معا ولتمام الكلام في المسألة محل آخر وعلى كل حال ففي التذكرة (انما يقتل في الثالثة أو الرابعة لو رفع في كل مرة إلى الامام وعزر أما إذا


(1) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1 - 2 (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (4) المبسوط للشيخ قده - كتاب المرتد - حكم تارك الصلاة (5) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب حد المكسر - الحديث 2 من كتاب الحدود

[ 308 ]

لم يرفع فعليه التعزير خاصة) وهو جيد. المسألة (الثالثة عشر من وطأ زوجته في شهر رمضان وهما صائمان مكرها لها كان عليه كفارتان) وتعزيران مجموعهما خمسون سوطا ولا قضاء عليها إن كان برفع الاختيار بل وبغيره في المشهور بل ظاهر التذكرة الاجماع عليه (و) على كل حال (لا كفارة عليها فان طاوعته فسد صومهما وعلى كل واحد منهما كفارة عن نفسه ويعزران) أي كل منهما (بخمسة وعشرين سوطا) كل ذلك لقول الصادق عليه السلام في خبر المفضل بن عمر (1) (في رجل اتى امرأته وهو صائم وهي صائمة فقال: إن كان استكرهها فعليه كفارتان وإن كانت طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة وإن كان اكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطا وضربت خمسة وعشرين سوطا) ولا يقدح ضعفها في إثبات حكم مخالف لاصالة عدم التحمل عن الغير وعدم الكفارة على المتحمل عنه للاكراه بعد انجبارها بفتوى المشهور شهرة عظيمة بل لا أجد فيه خلافا إلا ما حكاه في المختلف عن ظاهر العماني مع ان ما حكاه من عبارته فيه يمكن منع ظهورها فيه بل في ظاهر المعتبر وغيره وصريح الخلاف الاجماع عليه بل في المعتبر وعن المنتهى والتنقيح أن علماءنا ادعوا الاجماع على ذلك ومع ظهور القول بها ونسبة الفتوى إلى الائمة (عليهم السلام) يجب العمل بها وتعلم نسبة الفتوى إلى الائمة (عليهم السلام) باشتهارها بين ناقلي مذهبهم كما تعلم اقوال ارباب المذاهب بنقل اتباعهم مذاهبهم وان استندت في الاصل إلى آحاد من الضعفاء وهو جيد جدا والمناقشة فيه في المدارك والذخيرة واهية فلا ينبغي حينئذ التوقف في الحكم المزبور خصوصا بعد مخالفته للجمهور وامكان تقريبه من الاعتبار بأنه باكراهه صار كأن الفعلين


(1) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 309 ]

منه فيجب بهما مسببهما. نعم ينبغي الاقتصار عليه فلا يلحق بالجماع غيره ولو للزوجة ولا اكراهها اياه ولا اكراه الاجنبي لهما على الفعل أو على اكراه الاخر ولا النائمة خلافا للشيخ ولا المدلس عليها ولا تندرج الامة في المرأة المضافة إليه كما عثرنا عليه في رواية الخبر المزبور في كتب الفروع والاصول بل لم نعثر على نسخة بالتجريد من الاضافة على أن اندراجها في المرأة فيه ما فيه كدعوى الالحاق وان لم تكن مندرجة خلافا للفاضل فاستقرب الكفارتين باكراهها ايضا وقد يجتمع في حالة واحدة الاكراه والمطاوعة ابتداء واستدامة وحينئذ يلزمه حكمه ويلزمها حكمها كما في الروضة والمدارك والرياض ولعله لظهور النص في استمرار الاكراه إلى الفراغ فيبقى غيره على مقتضى الضوابط فلا حاجة حينئذ إلى دعوى الاندراج في المطاوعة في النص الواضح منعها. نعم قد يقال فيما لو اكرهها ابتداء أنه وجب عليه الكفارتان بأول مصداق الجماع ومطاوعتها بعد ذلك سبب آخر لوجوب الكفارة عليها باعتبار صدق الافطار عليها عمدا ان لم تكن قد أفطرت بالاكراه الاول ان كان رافعا للاختيار أو قلنا بعدم الافطار به مطلقا وإلا فلا كفارة عليها لانه قد طاوعته بعد أن أفطرت اللهم إلا أن يدعى ظهور النص المزبور في كون الموجب للكفارتين الاكراه بتمام الوطئ حتى أنه لو ارتفع صدق الاكراه في الاثناء بنوم ونحوه بحيث كان وقوع تمام الفعل لا للاكراه الاول لم تجب الكفارتان وفيه بحث. ولو كان مفطرا بسفر ونحوه وهي صائمة فأكرهها فعن بعضهم وجوب الكفارة عنها لا عنه وقد يحتمل كما في القواعد السقوط لكونه مباحا غير مفطر لها لانتفاء المقتضي للتحريم وهو فساد الصوم إذ المفروض أن صومها لا يفسد بذلك لكن في المدارك أن الاصح التحريم لاصالة عدم جواز إجبار

[ 310 ]

المسلم على غير الحق الواجب عليه وفيه بحث والله أعلم. والتقييد في المتن بشهر رمضان خال عنه النص فيمكن طرد الحكم في كل ماله كفارة من الصوم الواجب عليهما أو في خصوص قضاء الصوم عند تعينه اللهم إلا ان يدعى انسياق شهر رمضان والحكم مخالف للقواعد ومنه يعلم ما في قول المصنف: و (كذا) تجب الكفارتان (لو كان الاكراه لاجنبية) حاكيا له عن بعضهم بقرينة قوله: (وقيل لا يتحمل هنا وهو الاشبه) لما عرفت وغلظ الذنب لا يفيد اولوية إذ لا يقبل التكفير لعظمه كما في تكرار الصيد عمدا إلا أن الانصاف قوة القول بها في جملة مما سمعت فالاحتياط لا ينبغي تركه خصوصا فيما لو اكرهها على انها زوجته ثم بان انها اجنبية إذ لا عظم فيه للذنب حينئذ كما انه لا يخفى عليك بعد ما ذكرنا ما يمكن تصوره من الفروع وان كثرت والله اعلم. المسألة (الرابعة عشر كل من يجب عليه شهران متتابعان) في نذر أو كفارة مرتبة أو مخيرة كذا قيل ويمكن دعوى انسياق المعنيين من المتن وما شابهه بل المتجه في المخير الانتقال إلى الفرد الاخر من التخيير كما ان المتجه عدم عنوان الحكم المستفاد من الخبرين الاتيين به بمثل هذه العبارة الظاهرة في المباينة لها باعتبار اشتراط تعذر الخصال الثلاث في الانتقال إلى الثمانية عشر ولعله لذا عبر في الدروس بما يفيد ذلك فقال: ولو عجز عن الخصال الثلاث صام ثمانية عشر يوما متتابعا على الاشبه وقد يظهر من الاول من الخبرين أن الذي ينبغي مراعاته من الثلاث عند التعذر الاطعام لانه اخفها ومع فرض التخيير انما يطالب المكلف به لانه أدنى ما يمتثل به فلو عجز صام ولعل صحيحي الصدقة (1) بما يطيق يؤميان إلى ذلك وإلى قاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 و 3

[ 311 ]

وعلى كل حال ف‍ (لو عجز صام ثمانية عشر يوما) عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام (ولو عجز عن الصوم أصلا) ففي النافع في باب الكفارات بل في معقد ما حكي من شهرة المسالك وما حكي ايضا في الرياض عن الشيخ وجماعة تصدق بمد عن كل يوم من الستين أو الثمانية عشر على اختلاف الوجهين كما في الرياض وفيه نظر يعرف مما مر ويأتي وإلا (استغفر الله فهو كفارته) إلا انه لم أقف في الادلة على ما يدل على ذلك نعم في الموثق (1) (عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق ولا ما يتصدق ولا يقوى على الصيام قال: يصوم ثمانية عشر يوما) وخبر أبي بصير وسماعة (2) إذ سألا ابا عبد الله عليه السلام (عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ولم يقدر على العتق ولم يقدر على الصدقة قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة ايام) وهما معا كما ترى غير دالين على تمام ذلك ومقتضاهما كما في المدارك الانتقال إلى الثمانية عشر بعد العجز عن الخصال الثلاثة وإن كان ما ذكره لا يخلو من نظر بل الاول منهما في خصوص الظهار وفي الرياض ان سياق الثاني صدرا وذيلا اختصاص الحكم بصيامها بصورة العجز عن الخصال الثلاث التي هي في الكفارة خاصة فهذا القسم خارج عن موردها البتة لكن قد يناقش فيه بظهور السؤال في الاعم ولا ينافيه ذكر العجز عن العتق والصدقة لامكان إرادة التكفير لهما لو عجز عن أداء النذر ايضا فتأمل جيدا فالاولى التعميم بالنظر إلى هذا الحكم.


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الكفارات - الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1 وفيه عن ابى بصير إلا ان الموجود في الاستبصار ج 2 ص 97 - الرقم 314 عن ابى بصير وسماعة بن مهران مع الاختلاف في لفظه

[ 312 ]

نعم قد يقال إن مقتضى الجمع بينهما وبين الصحيحين (1) (في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا فان لم يقدر تصدق بما يطيق) التخيير في البدل كما في المختلف والدروس لا انه الصوم خاصة كما عن المشهور لاقتضائه طرح الصحيحين ولا التصدق المزبور المقتضي طرح المعتبرين ولو بالعمل ولا دليل على الجمع بينهما بالترتيب بمعنى انه إن عجز عن الصوم تصدق بما يطيق فلم يبق إلا التخيير وما في المدارك بعد ان حكى عن جده القطع به - من انه جيد لو تكافأ الدليلان وليس لضعف سند الاولين وصحة الاخيرين - فيه ما لا يخفى من وضوح معادلة الصحة بالعمل وفي اشتراط التتابع في الثمانية عشر قولان ينشآن من الاطلاق ومن انه بدل عن صوم يعتبر فيه التتابع لكن قد يمنع الثاني بظهور الخبر المزبور في ان ذلك بدل عن الاطعام إلا انه الاحوط إن لم يكن المنساق من الاطلاق كما اختاره في الدروس ولو حصل العجز بعد صوم شهر ففي المدارك (احتمل وجوب تسعة لان الثمانية عشر بدل عن الشهرين فيكون نصفها بدلا عن الشهر والسقوط لصدق صيام الثمانية عشر ووجوب الثمانية عشر بعد الفجر لان الانتقال إلى البدل لا يكون إلا بعد العجز عن المبدل وما صامه أولا انما كان محسوبا من المبدل فلا يجزي عن البدل وهذا الاحتمال لا يخلو من قوة) قلت: قد يتجه بناء على المختار السقوط والتصدق بما يطيقه الذي كان يجزيه من العجز أولا. ولو عجز عن الثمانية عشر أتى بالممكن من الصوم والاطعام وفي الدروس أن فيه وجها مخرجا وهو الاتيان بالممكن منهما ابتداء حتى لو امكن الشهران


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 و 3 الجواهر - 39

[ 313 ]

متفرقين وجب ولو قدر على صيام الاكثر من ثمانية عشر ففي الشرائع في الوجوب نظر قلت: ظاهر الادلة عدمه كما ان ظاهرها عدم الاقل لو قدر عليه خاصة وأما الاستغفار فلم أجد في النصوص تعميم بدليته ايضا نعم قال الصادق عليه السلام في خبر ابي بصير (1): ((كل من عجز عن الكفارة التي يجب عليه صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار) والباقر عليه السلام في الموثق (2) في كفارة اليمين لما قيل له فان عجز عن ذلك قال: (فليستغفر الله عزوجل ولا يعودها) وهما غير عامين لجميع صور تعذر الشهرين بل في اولهما التصريح بخروج يمين الاستظهار ثم إن المعتبر منه كما في الرياض مرة واحدة بالنية عن الكفارة مضافا إلى اللفظ الدال على الندم على ما فعل والعزم على عدم العود إن كان عن ذنب قلت: إن لم ينعقد إجماع كما عساه يظهر من المدارك حيث قال: هذا الانتقال مع العجز عن الصوم إلى الاستغفار مقطوع به في كلام الاصحاب بل ظاهرهم انه موضع وفاق فان تم وإلا امكن إرادة سقوط الكفارة من الخبرين ما دام عاجزا والاجتزاء بالتوبة لا على انها بدل عن الكفارة وربما يؤمي إليه ما في الموثق (3) في المظاهر أنه يستغفر ويطأ فإذا وجد الكفارة كفر وعن الشيخ العمل به في التهذيبين إذ لو كان بدلا لاجزأ وإن تمكن وفي الدروس ولو قدر بعد الاستغفار فاشكال إذ لا تجب الكفارة على الفور ومن الامتثال أما لو قدر بعد الثمانية عشر أو ما امكن منها فلا شئ ولعل فيه شهادة على بعض


(1) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الكفارات - الحديث 1 - 4 من كتاب الايلاء والكفارات (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب الكفارات - الحديث 6 من كتاب الايلاء والكفارات

[ 314 ]

ما ذكرنا وتمام الكلام في المسألة في باب الكفارات إن شاء الله. المسألة (الخامسة عشر لو تبرع متبرع بالتكفير عمن وجبت عليه الكفارة جاز) وإن كان حيا لاقتضاء تنزيل نحوه من النصوص منزلة الدين ذلك مضافا إلى ابتناء حق الله على التخفيف (لكن) مقتضى ذلك عدم الفرق بين الصوم وغيره كما هو المحكي عن مبسوط الشيخ واختاره في المختلف لا انه (يراعى في) خصوص (الصوم الوفاة) كما اختاره المصنف وإن كان قد يوجه بأن الصوم كالصلاة لا يؤدى عن الحي أصالة وإن أذن وفيه بحث إن لم ينعقد إجماع على خلافه والاقوى عدم التبرع عن الحي مطلقا وفاقا لجماعة بل لعله المشهور للاصل أما الميت فالمعروف بين الاصحاب صحة التبرع عنه مطلقا لكن ظاهر الدروس ترتب الاجزاء وعدمه في الحي على القولين في الميت قال: وأولى بالمنع لعدم إذنه ولتحقيق الحال في ذلك محل آخر والله اعلم. (المقصد الثالث فيما يكره للصائم وهو) عند المصنف (تسعة أشياء): الاول (مباشرة النساء تقبيلا ولمسا وملاعبة) مع ظن عدم الامناء لمن تتحرك شهوته بذلك إجماعا عن المنتهى وفي الخلاف (يكره القبلة للشاب إذا كان صائما ولا يكره للشيخ دليلنا إجماع الفرقة) وفي التذكرة أجمع العلماء على كراهة التقبيل لذي الشهوة وسأل الحلبي (1) الصادق عليه السلام (عن مس الصائم شيئا من المرأة أيفسده أم ينقضه ؟ فقال له: إن ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني) وسماعة (2) ايضا (عن الالتصاق بالاهل فقال: ما لم يخف على نفسه فلا بأس) ومنصور بن حازم (3) (عن تقبيل الجارية والمرأة فقال، أما الشيخ الكبير مثلي ومثلك فلا بأس وأما الشاب الشبق فلا فانه لا يؤمن


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 6 - 3

[ 315 ]

والقبلة إحدى الشهوتين) الحديث وزرارة (1) الباقر عليه السلام (عن المباشرة والتقبيل فقال له: فليتنزه عن ذلك إلا ان يثق ان لا يسبقه منيه). ومن ذلك كله قيد إطلاق الكراهة بما عرفت جماعة من الاصحاب منهم الفاضلان والشهيدان وغيرهم لكن فيه ان التسامح وما تحقق في الاصول من عدم حمل المطلق على المقيد في أمثال المقام واحتمال ان منشأ الكراهة التلذذ كما ورد (2) في كراهة شم الريحان لا خوف الوقوع في المبطل بل قد يؤمي إليه قول النبي صلى الله عليه وآله (3) لما سئل (عن قبلة الرجل امرأته وهو صائم: هل هي إلا ريحانة يشمها) بقرينة ما ستسمعه من كراهة شم الرياحين للصائم يقتضي الجمع بين ذلك وبين ما يستفاد منه إطلاق الكراهة - كترك الاستفصال في خبر الاصبغ (4) قال: (جاء رجل إلى امير المؤمنين عليه السلام فقال: أقبل وأنا صائم فقال: عف صومك فان بدو القتال اللطام) وقال عليه السلام ايضا (5): (أما يستحي أحدكم أن لا يصبر يوما إلى الليل انه كان يقال إن بدو القتال اللطام) وصحيح ابن مسلم (6) سأل الباقر عليه السلام (عن الرجل يجد البرد أيدخل مع اهله في لحاف وهو صائم فقال له: يجعل بينهما ثوبا) - بالشدة والضعف ولعله لذا أطلق جماعة الكراهة منهم المصنف هنا وفي النافع بل هو مقتضى ما في التهذيب انه روى عبد الله بن سنان (7) رخصة للشيخ في المباشرة ومن إطلاق اسم الرخصة بل سأل رفاعة (8) ابا عبد الله عليه السلام (عن رجل لامس جارية في شهر


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 13 - 4 - 15 - 5 - 7 - 8 لكن الاول عن محمد ابن مسلم وزرارة (2) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم (8) الوسائل - الباب - 55 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3

[ 316 ]

رمضان فأمذى فقال: إن كان حراما فليستغفر الله استغفار من لا يعود ابدا ويصوم يوما مكان يوم وإن كان من حلال فليستغفر الله ولا يعود ويصوم يوما مكان يوم) ولكن نسبه في التهذيبين إلى الشذوذ ومخالفته لفتوى اصحابنا كلهم ثم إلى وهم الراوي لانه شرع فيه ليفرق بين الحلال والحرام ثم سوى بينهما في الحكم ولعل حمله على الاستحباب كما عن موضع آخر من التهذيب أولى وفي الوافي أن التقييد بالابد الظاهر في إرادة رمضان وغيره في الاول دون الثاني يرفع التسوية المزبورة وظاهره الفرق بين رمضان وغيره في الحلال وقد يشهد له خبر ابي بصير (1) سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان وهو صائم فقال: ليس عليه شئ وإن أمذى فليس عليه شئ والمباشرة ليس بها بأس ولا قضاء يومه ولا ينبغي أن يتعرض لرمضان). وكيف كان فلا إشكال في أصل الجواز خصوصا بعد ما روى أبو بصير (2) عن الصادق عليه السلام نفي البأس عن وضع الرجل يده على جسد امرأته وهو صائم وعن تقبيلها وعن مصها لسانه وعلي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) نفي البأس عن مص كل منهما لسان الاخر نعم ينبغي تقييده بما إذا لم يقصد الانزال بذلك ولا كان من عادته وإلا حرم في الصوم المعين لانه كتعمد الابطال اللهم إلا أن يدعى توقفها على حصول الانزال وإلا فلا كما عرفته سابقا وإما إذا لم يغلب على ظنه ذلك ففي التذكرة ان الاقرب الكراهة لا الحرمة لان التعريض للافساد مشكوك فيه ولا يثبت التحريم بالشك قلت:


(1) الوسائل - الباب - 55 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 16 والباب 34 منها الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3

[ 317 ]

قد يؤمي إليها إيجاب الكفارة بناء على ملازمتها للاثم إلا أن يعلم العدم على اللازق بأهله فانزل في الموثق (1) الشامل لمحل الفرض كمعاقد الاجماعات عليها وإن لم يكن من قصده الانزال قال هو في التذكرة في المقام: إذا عرفت هذا فلو قبل لم يفطر إجماعا فان أنزل وجب القضاء والكفارة عند علمائنا وبه قال أحمد ومالك بل قد يقال بارادة الحرمة من تلك النصوص المقيدة حتى ما ورد بلفظ الكراهة منها بناء على انها للاعم منها ومن المصطلح في العرف القديم. ومنه ينقدح وجه آخر للجمع بينها غير ما ذكرناه من الشدة والضعف إلا أنه ينافي ذلك حكم الاصحاب هنا بالكراهة أما مطلقا أو لخصوص من تتحرك شهوته ولا يملك إربه الشامل لصورة الظن قطعا فيمكن ان يكون هذا منهم مع ضميمة ما ذكروه سابقا من الكفارة لو أنزل بالملامسة والتقبيل وإن لم يكن من قصده لعدم التلازم عندهم بين الكفارة والاثم كما اومأنا إليه في السابق فوجوبها حينئذ بذلك لا ينافي الكراهة في مقدمة الانزال كما هو صريح نهاية الشيخ أو كصريحها فتأمل جيدا والله أعلم. (و) الثاني (الاكتحال بما فيه صبر) ونحوه مما يجد طعمه (أو مسك) بلا خلاف اجده وهو المراد من البأس في مفهوم مضمر سماعة (2) (إذا كان كحلا ليس فيه مسك وليس له طعم في الحلق فلا بأس) وقول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (3): (إذا لم يكن كحلا تجد له طعما في الحلق فلا بأس) لا الحرمة إجماعا محكيا صريحا وظاهرا ان لم يكن محصلا مضافا إلى نفي البأس عن مطلق الكحل في خبر ابن مسلم (4) وابن أبي العلاء (5)


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 4 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 - 5 - 1 - 7

[ 318 ]

وابن ابي يعفور (1) والقداح (2) معللا بأنه ليس بطعام ولا شراب وعن خصوص ما فيه مسك في خبر ابن ابي غندر (3) الذي منه يعلم بطلان احتمال الجمع بينهما بالاطلاق والتقييد كما في الذخيرة على انك قد عرفت الاجماع على الكراهة نعم قد يحتمل الجمع بين هذه النصوص وبين النهي عن الكحل بالذرور وشبهه في موثق ابن فضال (4) وعن الكحل في صحيح الحلبي (5) معللا بأنه يخاف ان يدخل رأسه وعن الذرور في صحيحي سعد بن سعد (6) بالرخصة فيه مطلقا مع الكراهة وشدتها فيما فيه مسك أو يجد طعمه في الحلق مؤيدا بالتسامح فيها وقاعدة عدم حمل المطلق على المقيد في نحوه هذا وقد يتوهم من التعليل بتخوف دخول الرأس الافطار لو علمه وليس بمراد لما عرفته سابقا من عدمه بوصول مثل ذلك مما ليس بطعام وشراب من غير الحلق فهو كالتعليل المستفاد من التقييد بما إذا لم يجد طعمه مما لا افطار به قطعا وان وجده كما عرفت يراد منه الكراهة في الواصل وفيما يخاف منه أو الشدة في الاول فتأمل جيدا والله اعلم (و) الثالث (اخراج الدم المضعف) أي يخشى منه الضعف بحجامة وغيرها وان كان مورد النصوص (7) الاولى إلا ان التعليل فيها بتخوف الغشيان أو ثوران المرة والضعف يقتضي التعميم بل لغير إخراج الدم مما يورث شيئا من ذلك من غير فرق بين شهر رمضان وغيره للاطلاق وقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (8): (لا بأس بأن يحتجم الصائم إلا في رمضان فاني اكره أن يغرر بنفسه إلا ان لا يخاف على نفسه) محمول على الشدة فيه كما ان نفي


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 6 - 4 - 11 - 8 - 9 - 3 (7) و (8) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 0 - 12

[ 319 ]

البأس عن الاحتجام للصائم في موثق الساباطي (1) وأن لا ينبغي للحجام أن يحجم وهو صائم محمول على الرخصة في الاول وشدة الكراهة في الثاني نعم تطابقت نصوص المقام على نفي البأس مع عدم الخوف وهو كذلك كما ان في خبر القداح (2) منها عن ابي عبد الله (عليهما السلام) التصريح بأن الحجامة لا تفطر الصائم وانه قد احتجم النبي صلى الله عليه وآله وهو صائم مضافا إلى الاجماع بقسميه عليه لكن قد يقيد ذلك في الصوم المعين بما إذا لم يعلم حصول الغشيان لحرمة الابطال به كما هو واضح. (و) الرابع (دخول الحمام كذلك) أي ما يخاف معه الضعف ونحوه لما عرفت من التعليل المزبور مضافا إلى قول الباقر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (3) وقد سئل عنه: (لا بأس ما لم يخش ضعفا) وبه يقيد إطلاق نفي البأس في خبر ابي بصير (4) عن الصادق (عليه السلام) أو يحمل على مطلق الرخصة للاجماع على عدم العزيمة. (و) الخامس (السعوط بما لا يتعدى) إلى ما يحصل به الافطار من (الحلق) كما في كثير من عبارات المتأخرين لقول الباقر (عليه السلام) في خبر غياث (5): (لا بأس بالكحل للصائم وكره السعوط للصائم) وسأل ليث المرادي (6) الصادق (عليه السلام) (عن الصائم يحتجم ويصب في أذنه الدهن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 13 - 11 (3) و (4) الوسائل - الباب - 27 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 1 - 2 (5) و (6) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 1

[ 320 ]

فقال: لا بأس إلا السعوط فانه يكره) لكن لا تقييد فيهما بما في المتن كالخلاف والنهاية ومحكي الجمل والاقتصاد والمرتضى للاصل وحصر ما يضر الصائم في صحيح ابن مسلم (1) في غيره وما سمعته من تعليل نفي البأس عن الكحل بأنه ليس بطعام ولا شراب وفحوى كراهة الاكتحال بذي الطعم وما تقدم في الفرع الثالث خلافا للمحكي عن المفيد وسلار وإن كان مقنعة الاول غير صريحة في ذلك فأوجبا القضاء والكفارة به وعن المرتضى نسبته إلى قوم من اصحابنا وفي الفقيه (لا يجوز) لكن قد يريد الكراهة بقرينة ما عن المقنع (لا بأس) وكيف كان فلا دليل عليه سوى دعوى إرادة الحرمة من لفظ الكراهة في الخبرين المزبورين وسوى أنه أوصل إلى جوفه أو دماغه المفطر وفيه اولا منع لزوم السعوط الوصول اليهما فتعمده أعم من تعمد الوصول وحصوله من دونه لا يوجب القضاء فضلا عن الكفارة ومنه قد منع الاول (الثاني ظ) منهما ولذا لم يفطر التقطير في الاذن بلا خلاف أجده فيه حتى من المفيد إلا من أبي الصلاح، وخبر ليث (2) وصحيح حماد حسنه (3) وإطلاق غيرهما والاصل حجة عليه، وقد عرفت المراد من تعليل الكحل في صحيح الحلبي (4) بل منع قدح الثاني (الاول ظ) ايضا بعدما عرفت في الفرع الثالث، ومنه يعلم منافاة تقييد المصنف هنا إطلاقه السابق، كما أن منه يعلم ما في المحكي عن أبي الصلاح وابن البراج من إيجاب القضاء به خاصة، بل وما في المختلف من انه إن تعمد


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 و 2 (4) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 9 الجواهر - 40

[ 321 ]

الوصول إلى الحلق قضى وكفر، وإلا فلا، وما أبعد ما بين هؤلاء وما عن ابن الجنيد ومقنع الصدوق من عدم الكراهة، لاطلاقهما نفي البأس، لكن قد يريدان مطلق الجواز، والله أعلم. (و) السادس (شم) كل نبت طيب الريح، وعن نص أهل اللغة تسميته ب‍ (الرياحين) بلا خلاف أجده، بل عن المنتهى الاجماع عليه، للنهي عنه في خبري ابن راشد (1) وخبر الصيقل (2) والمرسل (3) معللا في بعضها بأنه لذة ويكره للصائم التلذذ، نحو ما ورد (4) عن الصادق عليه السلام لما سئل عن تركه شم الريحان إذا صام فقال: (اكره أن أخلط صومي بلذة) ولي آخره (5) بأنه بدعة للصائم، بخلاف الطيب فانه سنة، ومنه مضافا إلى الاجماع المزبور، وخبر أبي بصير (6) وصحيح البجلي (7) وخبر سعد بن سعد (8) وإشعار التعليل وغير ذلك يعلم إرادة الكراهة من النهي كما هو مقتضى الجمع بينها وإن ضعف سند نصوص النهي، فدغدغة سيد المدارك في الكراهة المتسامح فيها كظاهر المقنعة فيما عدا النرجس منها في غير محله. (نعم تتأكد) الكراهة (في النرجس) للنهي عنه بالخصوص في خبر ابن رئاب (9) معللا بأنه ريحان الاعاجم، وفي الكافي (10) (أخبرني بعض أصحابنا ان الاعاجم كانت تشمه إذا صاموا، وقالوا إنه يمسك بالجوع) وفي الاستبصار (كان للمجوس يوم يصومونه، فلما كان ذلك اليوم كانوا يشمون النرجس) ومراد الجميع ما في المقنعة من ان النهي عنه خلافا لهؤلاء وتنزها عن الشبه بهم، ومن الجميع علم شدة الكراهة، ضرورة زيادته على علة كراهة


(1) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 7 و 12 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) و (10) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 13 - 2 - 15 - 14 - 9 - 8 - 10 - 4 - 5

[ 322 ]

الريحان من التلذذ ونحوه بذلك. هذا كله في خصوص الريحان وخصوص النرجس، وإلا ففي خبر ابن راشد (1) (كان أبو عبد الله عليه السلام إذا صام تطيب، ويقول: الطيب تحفة الصائم)) وفي المرسل السابق ما سمعت من الفرق بينهما بالسنة والبدعة، وفي آخر (2) ان (من تطيب اول النهار وهو صائم لم يكن يفقد عقله) نعم عن الحلي وابن زهرة إلحاق خصوص المسك منه بالرياحين، بل عن العلامة إلحاقه بالنرجس منه، لكن لا دليل عليه، إذ خبر غياث (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (ان عليا عليه السلام كره المسك ان يتطيب به الصائم) دال على الاول مؤيدا بما تقدم من كراهة الاكتحال بالكحل فيه المسك، وبغلظ رائحته التي في النهاية، وعن ابن البراج وجوب القضاء بشمها حتى تصل إلى الحلق لمضمر المروزي (4) (إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه وحلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين) وبأن الرائحة عرض وانتقاله بدون محله محال، فوصولها إلى الجوف دال على وصول محلها، وهو موجب للافطار، وإن كان فيه من الضعف ما لا يخفى، سيما مع معارضته ما يقتضي الصحة من الاصل والحصر في صحيح ابن مسلم (5) وغيره، وفحوى موثق عمر ابن سعيد (6) عن الرضا عليه السلام سأله (عن الصائم يدخن بعود أو بغير ذلك فيدخل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 3 - 16 - 6 (4) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (6) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 11 عن عمرو بن سعيد وهو الصحيح

[ 323 ]

الدخنة في حلقه فقال: لا بأس) وغير ذلك. (و) السابع (الاحتقان بالجامد) على ما تقدم من الكلام فيه. (و) الثامن (بل الثوب) ولبسه (على الجسد) بلا خلاف اجده فيه، قال ابن راشد (1) للصادق عليه السلام: (الحائض تقضي الصلاة قال: لا، قلت: تقضي الصوم قال: نعم، قلت: من أين جاء هذا ؟ قال: أول من قاس إبليس، قلت: فالصائم يستنقع في الماء قال: نعم، قلت: فيبل ثوبا على جسده قال: لا، قلت: من أين جاء هذا ؟ قال: من ذاك) وسأله الصيقل (2) (عن الصائم يلبس الثوب المبلول فقال: لا) وسمع عبد الله بن سنان (3) يقول: (لا تلزق ثوبك إلى جسدك وهو رطب وأنت صائم حتى تعصره) لكن الاخير يقضي برفع الكراهة بالعصر مع انه لا يرتفع اسم البلل به، فاما ان يراد منه ما قبل العصر أو التخفيف به جمعا بين الادلة، كما أن خبر الصيقل يقضي بكراهة لبسه وإن لم يكن على الجسد، ولا ينافيه سابقه ولا حقه، لعدم المعارضة، بل ولا قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (4): (الصائم يستنقع في الماء ويصب على رأسه ويتبرد بالثوب وينضح بالمروحة وينضح البوريا تحته، ولا يغمس رأسه في الماء) بعد إرادة الرخصة منه، وكيف كان فالمراد الكراهة من النهي المزبور قطعا، للاصل والاجماع في الظاهر، والحصر في الصحيح المزبور المنساق بل الثوب من التبرد به فيه أو أنه شامل له مضافا إلى الضعف نصوص النهي، والله اعلم (و) التاسع (جلوس المرأة في الماء) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا، للنهي في موثق حنان (5) عنه معللا بأنه تحمله بقبلها، وهو مضافا إلى الشهرة العظيمة والاصل والحصر في الصحيح وغيره وإطلاق الرخصة في استنقاع


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 5 - 4 - 3 - 2 - 6

[ 324 ]

الصائم في الماء وعدم الوصول إلى الجوف قطعا، بل لعل الاستنجاء أعظم منه، وغير ذلك مما لا يخفى شاهد على إرادة الكراهة من النهي لا الحرمة الموجبة للقضاء خاصة كما عن الحلبي أو مع الكفارة كما عن القاضي وابن زهرة ومدعيا عليه ثانيهما الاجماع الموهون بمصير غير من عرفت إلى خلافه الذي هو مظنة الاجماع لا ما ذكره، فمن العجيب ميل سيد الرياض إليه في الجملة، نعم هو أحوط ويلحق بالماء غيره من المايعات كما ألحق في اللمعة بالمرأة الخنثى والخصي الممسوح لمساواتهما لها في العلة، والله اعلم. (الركن الثالث) من اركان الصوم (في الزمان الذي يصح فيه الصوم وهو النهار دون الليل) إجماعا بل ضرورة من المذهب بل الدين (و) حينئذ ف‍ (لو نذر الصيام ليلا لم ينعقد، وكذا لو ضمه إلى النهار) لعدم مشروعيته، والنذر انما يلزم المشروع لا انه يشرعه، من غير فرق بين ضم النهار معه وعدمه بل الظاهر عدم انعقاده نفسه ايضا كما عن التذكرة التصريح به، واستحسنه في المدارك، لكونه حينئذ بعضا من غير المشروع الذي لم ينعقد بالنذر. (و) كذا (لا يصح صوم العيدين) بحال إجماعا من المسلمين (و) حينئذ ف‍ (لو نذر صومهما لم ينعقد) خلافا لما عن بعض العامة من انعقاد النذر وأن عليه قضاءه، بل قال: إنه لو صامه أجزأ عن النذر وسقط القضاء، وهو كما ترى، بل لا فرق فيما ذكرنا بين جهل الناذر وعلمه، فلو نذره جاهلا أنه عيد لم ينعقد إجماعا، بل لم يكن عليه قضاؤه، ضرورة عدم مدخلية الجهل بالحكم أو الموضوع في المشروعية، فلو نذر العيد للجهل بكونه عيدا أو بحرمة الصوم فيه لم ينعقد، ولم يكن عليه قضاء قطعا، بل وكذا لو نذر يوم السبت المخصوص مثلا وكان هو العيد (و) اما (لو نذر يوما معينا) باسم مخصوص (فاتفق) كونه (أحد العيدين) كما لو جعل لله عليه صوم كل سبت

[ 325 ]

مثلا فاتفق يوم مخصوص اجتمع فيه الوصفان بعد أن افترق كل منهما بمصداق آخر (لم يصح صومه) قطعا وإجماعا، ترجيحا لما دل على حرمته على مادل على الوفاء بالنذر (و) لكن (هل يجب قضاؤه) لصدق اسم الفوات الذي يكفي فيه حصول عنوان الوجوب وإن منع الوصف الاخر من التأدية الذي هو كالحيض والسفر والمرض ونحوها مما يمنع صحة الصوم، لا انه يكشف عن بطلان تعلق النذر، ولمكاتبة القاسم بن أبي القاسم الصيقل (1) إليه (عليه السلام) (يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو ايام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيدي ؟ فكتب إليه قد وضع الله عنك الصيام في هذه الايام كلها، وتصوم يوما بدل يوم إن شاء الله) وصحيح ابن مهزيار (2) قال: وكتب إليه يعني أبا الحسن (عليه السلام) (يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو اضحى أو يوم جمعة أو ايام التشريق أو سفر أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيدي ؟ فكتب إليه قد وضع الله الصيام في هذه الايام كلها، ويصوم يوما بدل يوم إن شاء الله). (قيل) والقائل الصدوق والشيخ وابن حمزة: (نعم) يجب قضاؤه (وقيل) والقائل الشيخ في موضع آخر من المبسوط وابنا البراج وإدريس وأبو الصلاح والفاضلان وثاني الشهيدين وغيرهم: (لا) يجب قضاؤه، للاصل ولظهور عدم تعلق النذر لتخصيص عموم الوفاء بالنذر بما دل على حرمة صوم العيد، والقضاء وإن قلنا انه بفرض جديد لكن لابد فيه من حصول سبب


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 10 من كتاب النذر والعهد - الحديث 1

[ 326 ]

الاداء، وليس، ضرورة كونه كنذر السنة الخارج عنها يوما العيد ونحوها، والعامان من وجه بعد تحكيم أحدهما على الاخر يكونان كالعام والخاص المطلقين في خروج محل التخصيص عن حكم العام، والفرق بين المقام وبين السفر والمرض والحيض واضح، ضرورة كون الزمان هنا غير صالح، فلا وجه للقضاء الذي هو تدارك مصلحة الاداء، بخلاف الثلاثة، فان الزمان صالح إلا أن المكلف منعه مانع، فتأمل جيدا، وضعف المكاتبة الاولى لجعل الكاتب والمكتوب إليه، وتعليق القضاء فيها على المشيئة بلفظة (إن) التي هي للمحتمل، فتحمل حينئذ على الندب، واشتمال الثانية على ما أجمع الاصحاب على خلافه من مساواة يوم الجمعة ليومي العيدين. (و) من هنا كان هذا (هو الاشبه) عند المصنف وغيره، لكن فيه أن الاصل مقطوع بما عرفت، ومنع ظهور عدم تعلق النذر بعد أن كان عنوانه موجودا، نعم لما تعارضت الادلة كان متقضى الجمع بينها ترجيح دليل الحرمة باعتبار إمكان تدارك الواجب بالقضاء دونها، وكذا بالنسبة للحيض والسفر والمرض، إذ لافرق بين يوم العيد ويوم الحيض مثلا في جميع ذلك، وكون المنع في الاول في التكليف والثاني في المكلف غير مجد، والضعف في المكاتبة بعد معلومية منعه بالنسبة إلى الاضمار خصوصا في المقام المشتمل على مالا يقع منهم مع غير الامام (عليه السلام) غير قادح بعد المكاتبة الصحيحة المصرح فيها باسمه (عليه السلام) واشتمالها على يوم الجمعة غير قادح، على أنه في خصوص رواية التهذيب لها دون الكافي، والتعليق على المشية معلوم إرادة التبرك منه، ضرورة عدم الفرق بين الواجب والندب في عدم التعليق عليها، على أنه لا خلاف في وجوب القضاء بالنسبة إلى ما اشتملت عليه من السفر والمرض، وخبر زرارة (1)


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 3

[ 327 ]

وغيره المشتمل على نفيه في السفر مطرح، فلا وجه حينئذ للاشكال فيها من هذه الجهة، كما لا إشكال في عدم صحة حملها على الندب، ومن هنا كان الاحوط إن لم يكن الاقوى وجوب القضاء. (وكذا البحث في أيام التشريق) وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة باعتبار أن لحوم الاضاحي تشرق فيها أي تقدد، أو لان الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، للاجماع في المعتبر على تحريم صومها (لمن كان بمنى) فيكون حكمها حكم يومي العيدين كما اشتمل عليه المكاتبتان، وإن كان لتمام البحث في اعتبار الكون بمنى في الحرمة وللنسك مقام آخر، والله أعلم. (الركن الرابع من يصح منه الصوم، وهو العاقل المسلم، فلا يصح صوم الكافر) إجماعا (وإن وجب عليه) بناء على خطابه بالفروع كما هو المعروف عندنا، بل لو ارتد في الاثناء فسد صومه وإن عاد إلى الاسلام بعده، خلافا للمصنف ومحكي المبسوط والحلي ويحيى بن سعيد، وفاقا للفاضل والشهيد وغيرهما لبطلان جزء منه بفوات استدامة النية، والصوم لا يتبعض، ولا دليل على سراية تجديد النية لو جددها وكان قبل الزوال فضلا عن غير ذلك، مضافا إلى قوله تعالى (1): (لئن أشركت ليحبطن عملك) ودعوى اشتراط ذلك بالموت على الشرك منافية لاطلاق الاية، فلا ريب حينئذ في كون الاسلام في مجموع النهار شرطا، بل قد عرفت سبق أن الايمان شرط في صحة العبادات التي منها الصوم فضلا عن الاسلام، فلا تصح عبادة المخالف وإن جاء بها جامعا للشرائط عندنا، نعم قد أشرنا سابقا إلى احتمال الصحة مع جمعها للشرائط عندهم إذا تعقب الايمان مع أن التحقيق خلافه، وان عدم التدارك لما فعله غير الزكاة تفضلا من الله تعالى.


(1) سورة الزمر - 65

[ 328 ]

(ولا) يصح صوم (المجنون) الذي رفع الله القلم عنه مطبقا أو ادواريا، مستغرقا للوقت أو بعضه، لفوات الامر المعتبر بقاؤه في صحة العبادة (ولا) صوم (المغمى عليه) وغيره ممن فقد العقل الذي هو شرط في التكليف المعتبر في صحة العبادة ضرورة كونه حينئذ كالمجنون، وإلى ذلك أشار في محكي المنتهى في الاستدلال على ذلك بأنه بزوال عقله سقط التكليف عنه وجوبا وندبا، فلا يصح منه الصوم مع سقوطه، وزاد بأن كلما أفسد الصوم إذا وجد في جميعه أفسده إذا وجد في بعضه كالجنون والحيض، وبأن سقوط القضاء يستلزم سقوط الاداء في الصوم، والاول ثابت على ما يأتي فيتحقق الثاني، لكن مع ذلك كله في المقنعة (فان استهل عليه الشهر وهو يعقل فنوى صيامه وعزم عليه ثم أغمي عليه وقد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه، لانه في حكم الصائم بالنية والعزيمة على أداء الفرض) ونحوه في الخلاف. وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (وقيل إذا سبقت من المغمى عليه النية كان بحكم الصائم) بل في المدارك أنه نقل عن ظاهر الشيخ في الخلاف ايضا أنه ساوى بين الجنون وبين الاغماء في الصحة مع سبق النية، قال: ولا يخلو من قرب، وناقش في جميع ما تقدم بمنع الملازمة، فان النائم غير مكلف قطعا، مع أن صومه لا يفسد بذلك إجماعا، وبالمنع من كون الاغماء مفسدا للصوم مع سبق النية، بل ذلك محل النزاع، فكيف يجعل دليلا، وبأن سقوط القضاء يجامع صحة الاداء وفساده، كما أن وجوبه يجامع وجوب الاداء وعدمه، لانه فرض مستأنف، فيتوقف على الدليل، وينتفي بانتفائه، فلا يكون في سقوط القضاء دلالة على سقوط الاداء، ثم قال: والحق أن الصوم إن كان عبارة عن مجرد الامساك عن الامور المخصوصة منع النية كما هو المستفاد من العمومات وجب الحكم بصحة صوم


الجواهر - 41

[ 329 ]

المغمى عليه إذا سبقت منه النية كما اختاره الشيخان، وان اعتبر مع ذلك وقوعه بجميع أجزائه على وجه الوجوب أو الندب بحيث يكون كل جزء أجزائه موصوفا بذلك اتجه القول بفساد ذلك الجزء الواقع في حال الاغماء، لانه لا يوصف بوجوب ولا ندب، ويلزم من فساده فساد الكل، لان الصوم لا يتبعض، إلا أن ذلك منفي بالاصل، ومنقوض بالنائم، فانه غير مكلف قطعا، مع ان صومه لا يفسد بذلك إجماعا، وفيه ما لا يخفى من وضوح الفرق بين النوم والغفلة وبين الجنون والاغماء ولو من حيث الادلة الشرعية، ومن ان المراد من الدليل الثاني اقتضاء الصحة في الجنون ونحوه الذي لا ينبغي لفقيه التزامه، ضرورة معلومية عدم الاكتفاء في الصوم بالنية واتفاق الامساك ولو مع عدم اهلية القصد، وإلا لزم صحته من الميت ونحوه، إذ لافرق بينه وبين الجنون في رفع التكليف، بل لعل المتجه بناء على ما ذكره الصحة ولو مع عدم الامساك، ضرورة عدم الافطار بما يقع منه حينئذ كالغافل والناسي والنائم، ومن ذلك ظهر لك ما في كلامه الاخير الذي ظاهره فيه الميل إلى الشق الاول من الشقين، مضافا إلى القطع بعدم كفاية ذلك بعد ظهور النصوص في اعتبار مصاحبة النية لتمام العمل، وهذا من جملة المؤيدات لكونها هي الداعي الذي يمكن دعوى مصاحبته لتمام العمل، بخلاف الاخطار، والصحة مع زواله في الاثناء في النائم والغافل للدليل غير قادحة في ذلك مع انه يمكن دعوى عدم زواله في الغافل، وانه انما زال الالتفات إليه، بل ربما ادعي ذلك في النائم ايضا، لكنه بعيد، فتأمل، ومن ان المراد من الدليل الثالث أن سقوط القضاء دليل على سقوط الاداء، وإلا لصدق عليه اسم الفوات الذي علق عليه القضاء، فليس حينئذ هو إلا كالصبي ونحوه مما لم يصدق عليه اسم الفوات، فتأمل جيدا. (و) بذلك كله ظهر لك أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقوعداه

[ 330 ]

إذ لا ريب في عدم صدق الصائم على المجنون والمغمى عليه والسكران بخلاف النائم ونحوه، ولعل مراد الشيخين من كونه بحكم الصائم بالنسبة إلى سقوط القضاء لا الصحة بمعنى امتثال الامر، وكان الذي دعاهما إلى التعبير المزبور فرقهما في القضاء وعدمه في المغمى عليه بذلك، فأوجباه على من لم تسبق منه النية، بخلاف من سبق منه، فوجب حينئذ التعبير عنه بصحة صومه، وانه بحكم الصائم من هذه الجهة، لانها عند الفقهاء بمعنى إسقاط القضاء، ومن هنا تقل ثمرة الخلاف في الفرض بناء على سقوط القضاء عنه كما ستعرف الحال فيه. (و) على كل حال ف‍ (يصح صوم الصبي المميز) مع جمعه لما عدا البلوغ من الشرائط صحة شرعية يترتب عليها الثواب بناء على ما سلف لنا سابقا من كونها عباداته شرعية كذلك لا تمرينية، ولا انها صحيحة بمعنى جواز وصفها بها باعتبار كونها من أحكام الوضع التي لا يعتبر فيها البلوغ: فيكون حينئذ معنى صحتها ترتب الاثر عليها لولا أن تفقد الامر، ولعل هذا هو المراد مما حكي عن ثاني الشهيدين من ان الصحة لا تستلزم كون صومه شرعيا، لانها من خطاب الوضع، وهو لا يتوقف على التكليف، وإن كان هو كما ترى، وفي المدارك انه غير جيد، وقد تقدم تفصيل الحال في ذلك، والله اعلم. (و) أما (النائم) فلا خلاف ولا إشكال في صحة صومه (إذا سبقت منه النية ولو استمر إلى الليل) بل الاجماع بقسميه عليه، بل لعله من الضروريات المستغنية عن الاستدلال بالاجماع والروايات، وما في السرائر من ان النائم غير مكلف بالصوم وليس صومه شرعيا محمول على إرادة ان الامساك في حال النوم لا يوصف بوجوب ولا ندب، لعدم الامر حينئذ، فلا يوصف بالصحة التي هي بمعنى موافقته، بخلاف الصحة التي هي بمعنى إسقاط القضاء، فما في المختلف من تغليطه في ذلك قائلا إنه بحكم الصائم وإنه لا يسقط عنه التكليف بذلك لزوال

[ 331 ]

عذره سريعا في غير محله، خصوصا قوله أخيرا: (وانه لا يسقط) إلى آخره وإن أراد منه ما أطال به ثاني الشهيدين في مسالكه حيث قال: (إن تكليف النائم والغافل وغيرهما ممن يفقد شروط التكليف قد ينظر فيه من حيث الابتداء به بمعنى توجه الخطاب إلى المكلف بالفعل، وأمره بايقاعه على الوجه المأمور به بعد الخطاب، وقد ينظر فيه من حيث الاستدامة بمعنى انه لو شرع في الفعل قبل النوم والغفلة أو غيرهما ثم عرض له ذلك في الاثناء، والقسم الاول لا إشكال في امتناع التكليف به عند المانع من تكليف ما لا يطاق، من غير فرق فيه بين انواع الغفلة، وهذا هو المعنى الذي أطلق الاكثر من الاصوليين وغيرهم امتناعه، كما يرشد إلى ذلك دليلهم عليه وإن أطلقوا الكلام فيه، لانهم احتجوا عليه بأن الاتيان بالفعل لغرض امتثال الامر يقتضي العلم به المستلزم للعلم بتوجه الامر نحوه فان هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في كثير من الموارد إجماعا، إذ لا يتوقف صحتها على توجه الذهن إليها فضلا عن إيقاعها على الوجه المطلوب، كما سنبينه إن شاء الله تعالى، وأما الثاني فالعارض قد يكون مخرجا عن أهلية الخطاب والتهيؤ له أصلا كالجنون والاغماء على أصح القولين وهذا يمنع استدامة التكليف كما يمنع ابتداءه، وقد لا يخرج عن ذلك كالنوم والسهو والنسيان مع بقاء التعقل، وهذه المعاني وإن منعت من ابتداء التكليف بالفعل لكن لا تمنع استدامته إذا وقع على وجه) إذ هو ايضا كما ترى مخالف لاطلاق كلامهم في امتناع تكليف الغافل وحديث رفع القلم، ولصريح الدليل الذي عولت عليه الامامية في امتناعه من كونه قبيحا عقلا، لجريانه مجرى تكليف البهائم والجمادات من غير فرق بين الابتداء والاستدامة، وإلا كان آثما بالاخلال بها، وهو باطل بالضرورة، نعم لا بأس بدعوى إجراء الشارع إياه مجرى الصحيح في استحقاق الثواب وفي إسقاط القضاء وفي نحو ذلك، فان كان المراد بالاستدامة ذلك على

[ 332 ]

معنى اكتفاء الشارع في المركبات بالنية أولا ثم وقوع الفعل جامعا للشرائط ثانيا فمرحبا بالوفاق، وإلا كان محلا للمنع، كمنع دعوى مساواة الجنون والاغماء للنوم والغفلة، ضرورة وضوح الفرق بينها ولو باعتبار سرعة زوالهما وكونهما كالطبيعة الثانية للانسان، بل لا يمكن تعيشه بدون النوم، ولعله لذا فرقت الادلة بينها، وكفى بها فارقة. (نعم لو لم يعقد صومه بالنية مع وجوبه ثم طلع الفجر عليه نائما واستمر حتى زالت الشمس فعليه القضاء) بلا خلاف ولا إشكال، لفساد الاداء بفوات النية التي هي شرط فيه، بل المتجه بناء على ما قدمناه سابقا وجوب الكفارة عليه ايضا مع تعمد الترك في صوم شهر رمضان مثلا، خلافا لسيد المدارك. (و) كذا لا خلاف ولا إشكال في انه (لا يصح صوم الحائض والنفساء) بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) متواترة في الحائض المتحد حكم النفساء معها على ما بيناه في محله (سواء حصل العذر قبل الغروب أو انقطع بعد الفجر) وكذا لا إشكال ولا خلاف في أنه (يصح من المستحاضة إذا فعلت ما يجب عليها من الاغسال أو الغسل) وغيرهما، وانما الكلام في بطلان صومها إذا أخلت بذلك اؤ بالاغسال خاصة أو النهاري منه خاصة بالنسبة إلى يوم الصيام، بخلاف اليوم الذي بعده، فانه يخل فيه الاخلال بغسل ليلته، وقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا في باب الحيض وغيره، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان فالمشهور نقلا وتحصيلا أنه (لا يصح الصوم الواجب) صوم شهر رمضان وغيره (من مسافر يلزمه التقصير إلا ثلاثة أيام في بدل الهدي وثمانية عشر يوما في بدل البدنة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا، والنذر المشترط سفرا وحضرا على قول مشهور) بلا خلاف معتد به، للنصوص التي


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب ما يصح منه الصوم

[ 333 ]

يمكن دعوى تواترها، منها قول أبي جعفر عليه السلام (1): (ليس من البر الصيام في السفر) كقول الصادق عليه السلام في خبر الساباطي (2): لا يحل الصوم في السفر فريضة كان لو غيره، والصوم في السفر معصية) وقوله عليه السلام في صحيح عمار بن مروان (3): (من سافر قصر وأفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله أو رسولا لم يعص الله عزوجل أو طلب عدو وشحناء أو سعاية أو ضرر على قوم مسلمين) وقال سماعة (4): (سألته عن الصيام في السفر فقال: لا صيام في السفر، قد صام أناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فسماهم العصاة إلا الثلاثة الايام التي قال الله عزوجل في الحج) وقال محمد بن حكيم (5): (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه) إلى غير ذلك من النصوص. نعم يستثنى من ذلك صوم الثلاثة دون السبعة للاية (6) والاجماع المحكي إن لم يكن المحصل، والخبر المزبور، وخبر يونس (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في رجل متمتع لم يكن معه هدي قال: يصوم ثلاثة أيام قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، قال: فقلت له: إذا دخل يوم التروية وهو لا ينبغي أن


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 10 وهو قول أبى الحسن عليه السلام كما في التهذيب ج 4 ص 218 الرقم 622 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 8 (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 3 (4) و (7) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب ما يصح منه الصوم الحديث 1 - 3 (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 9 (6) سورة البقرة - الآية 192

[ 334 ]

يصوم بمنى أيام التشريق قال: فإذا رجع إلى مكة صام، قال: قلت: فان أعجله اصحابه وأبوا أن يقيموا بمكة قال: فليصم في الطريق، قال: فقلت: يصوم في السفر قال: هو ذا يصوم في غرفة، واهل عرفة هم في السفر) ولا ينافي ذلك صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) (الصوم الثلاثة ايام إن صامها فآخرها عرفة، وإن لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في اهله ولا يصومها في السفر) بعد القطع بارادة الرخصة منه وانه لا يجب عليه ان يصومها في السفر كما عساه يوهمه ظاهر الاية على ماأومأ إليه بنفي الامر فيما ارسله المفيد (2) قال: (سئل عمن لم يجد هديا وجهل ان يصوم الثلاثة ايام كيف يصنع ؟ فقال عليه السلام: أما انني لا آمره بالرجوع إلى مكة ولا اشق ولا آمر بالصيام في السفر ولكن يصوم إذا رجع إلى اهله). وصم الثمانية عشر يوما ايضا لصحيح ضريس (3) عن ابي جعفر عليه السلام (سألته عن رجل افاض من عرفات قبل ان تغيب الشمس عامدا قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في اهله) لكن ظاهر الاقتصار في الاستثناء على غيره في المحكي عن المرتضى في الجمل والشيخ في الاقتصار وسلار والراوندي وابني حمزة وزهرة يقتضي عدم جوازه، للاطلاق المقيد بما عرفت، وعن الصدوقين جواز صومها اي الثمانية عشر سفرا في جزاء الصيد وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله. واما النذر المقيد به فقد تشعر عبارة المتن بوجود الخلاف فيه، إلا اني


(1) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الذبح - الحديث 10 من كتاب الحج (2) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب الذبح - الحديث 5 من كتاب الحج (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الاحرام بالحج والوقوف بعرفة الحديث 3

[ 335 ]

لم اجده لاحد من اصحابنا كما اعترف به بعضهم، لصحيح علي بن مهزيار (1) (كتب بندار مولى إدريس يا سيدي نذرت ان اصوم كل يوم سبت فان أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة ؟ فكتب عليه السلام وقرأته لا تتركه إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلا ان تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت منه من غير علة فتصدق بقدر كل يوم على سبعة مساكين) ولا يقدح جهالة الكاتب بعد قراءة علي ولا إظمار المكتوب إليه بعد العلم بكونه الامام عليه السلام كما هو محرر في محله، ولا اشتماله على كون كفارة النذر الصدقة على سبعة، وكون المرض كالسفر مع احتمال رفع الاخير بدعوى تخصيص الاشارة في السفر، ولا احتمال كون المراد نوى الصوم ثم سافر فيخرج عن الدلالة على المطلوب، ضرورة عدم منافاة للظهور الذي مناط الاستدلال في اكثر الاحكام عليه، فهو حينئذ جامع لشرائط الحجية، خصوصا بعد اعتضاده بما عرفت، فما في المعتبر من انه لمكان ضعف هذه الرواية جعلناه قولا مشهورا مما يشعر بتوقفه فيه وتبعه بعض متأخري المتأخرين في غير محله قطعا، كما ان الواجب حينئذ تقييد خبر ابراهيم ابن عبد الحميد (2) عن ابي الحسن عليه السلام به، قال: (سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى قال: يصومه أبدا في السفر والحضر) سيما بعد معارضته بخبر كرام (3) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني جعلت على نفسي ان اصوم حتى يقوم القائم عليه السلام فقال: صم ولا تصم في السفر ولا العيدين ولا ايام التشريق ولا اليوم الذي يشك فيه انه من شهر رمضان) وخبر القاسم بن ابي القاسم الصيقل (4) قال: (كتبت إليه يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1 - 7 - 2 (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبوب بقية الصوم الواجب - الحديث 1

[ 336 ]

فيوافق ذلك يوم عيد فطر أو أضحى أو ايام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك كيف يصنع يا سيدي ؟ فكتب إليه قد وضع الله عنك صيام في هذه الايام كلها، وتصوم يوما بدل يوم إن شاء الله) وخبر زرارة (1) (إن أمي جعلت عليها نذرا إن رد الله عليها بعض ولدها من شئ كانت تخافه عليه ان تصوم ذلك اليوم الذي يقوم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة فأشكل علينا لمكان النذر أتصوم أو تفطر ؟ فقال: لا تصوم، وضع الله عزوجل حقه عنها وتصوم هي ما جعلت على نفسها) وخبر معاوية بن عمار (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (في الرجل يجعل لله عليه ان يصوم شهرا أو اكثر من ذلك فيعرض له أمر لابد أن يسافر أيصوم وهو مسافر ؟ قال: إذا سافر أفطر، لانه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره) المعتضدة بعموم مادل على النهي عن الصوم في السفر من النصوص الكثيرة (3). فما عن المفيد والمرتضى وسلار من الاكتفاء باطلاق النذر لتناوله السفر ولعموم الوفاء بالنذر واضح الضعف، ضرورة اشتراط قصده خصوصا منفردا أو منضما إلى الحضر، فلا يكفي قصد ما يشمله على الاجمال والعموم المزبور، مع ان التعارض بينه وبين مادل على النهي عن الصوم في السفر من وجه، والرجحان لما هنا من وجوه يجب تخصيصه بما عرفت، ولا غرابة بعد الدليل في عدم مشروعيته مع إطلاق النذر وإن قلنا بجواز صوم الندب في السفر، كما لا غرابة


(1) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 8 عن عمار السابطى مع الاختلاف في اللفظ (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم الجواهر - 42

[ 337 ]

في مشروعيته بالنذر عليه خصوصا وإن قلنا بحرمة الصوم ندبا في السفر، كما هو واضح، وأضعف من ذلك ما عن المفيد أيضا من جواز مطلق الصوم الواجب عدا شهر رمضان في السفر، لاطلاق ما دل على وجوبه الذي يجب الخروج عنه ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه، ولا الافطار في السفر رخصة من الله للناس وهدية لهم فيما اوجبه هو عليهم، فلا ينبغي ان ترد هديته، لا فيما اوجبوه هم على انفسهم بسبب من الاسباب كما أومأ إليه بعض النصوص كخبر الحسن بن أسباط (1) عن رجل، قال: (كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر فقلت له: جعلت فداك أمس كان من شعبان وانت صائم واليوم من شهر رمضان وانت مفطر، فقال: إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا) ونحوه خبر اسماعيل بن سهل (2) عنه (عليه السلام) ايضا، إلا أنه كما ترى لا يصلح بمثل ذلك الخروج عن تلك النصوص الدالة على خلاف ذلك نصا وظاهرا التي يمكن دعوى تواترها، بل خبر كرام (3) المتقدم يدل على خلاف ما ذكره وانه إذا سقط الصوم الذي ابتدأ الله بايجابه عليه فأولى بالسقوط ما اوجبه المكلف على نفسه، وفي خبر محمد بن مسلم (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (وإن ظاهر وهو مسافر أفطر حتى يقدم) مضافا إلى ما تقدم وغيره من النصوص الدالة على خلافه بالخصوص، فضلا عن العموم المقطوع بعدم إرادة خصوص شهر رمضان منه، هذا، وربما قيل إن خلاف المقيد ليس بمطلق الواجب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 5 - 4 والاول عن الحسن بن بسام الجمال وهو الصحيح كما يأتي في ص 339 (3) هكذا في النسخة الاصلية ولكن الصحيح خبر زرارة كما هو الظاهر (4) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 1

[ 338 ]

كما حكاه عنه الفاضلان والشهيد وغيرهم، بل انما هو في خصوص المتعين ولو بالشروع فيما يجب فيه التتابع، وقد يؤيده صدر عبارته المحكية عنه، لكن ذيلها وما فيها من التعليل يشهد للاول، فلاحظ وتأمل، وعلى كل حال ضعفه بمكانة من الوضوح، كضعف المحكي عن الصدوقين من جوازه سفرا في كفارة جزاء الصيد وربما يأتي إن شاء الله التعرض له، والله اعلم. هذا كله في الواجب (وهل يصوم مندوبا ؟ قيل) والقائل الصدوقان وابنا البراج وإدريس وغيرهم على ما حكي عن بعضهم: (لا) يجوز، بل نسبه الاخير إلى جملة المشيخة الفقهاء من اصحابنا المحصلين (وقيل) والقائل ابن حمزة: (نعم) يجوز بلا كراهة (وقيل) والقائل الاكثر على ما في شرح الاصبهاني: (يكره، وهو الاشبه) عند المصنف وجماعة جمعا بين ما دل على المنع من الاطلاقات والعمومات وخصوص صحيح زرارة (1) عن الصادق (عليه السلام) (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يصوم في السفر في شهر رمضان ولا غيره) كخبر محمد بن مسلم (2) المروي عن تفسير العياشي عنه (عليه السلام) ايضا (انه لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يصوم في السفر تطوعا ولا فريضة) وصحيح البزنطي (3) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر قال: فريضة قلت: لا ولكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة فقال: تقول: اليوم وغدا قلت: نعم فقال: لاتصم) وخبر الساباطي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (إذا سافر فليفطر، لانه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره، والصوم


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 4 (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 6 - 2 (4) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 8

[ 339 ]

في السفر معصية) وبين ما دل على الجواز من مرسل ابن سهل (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم ثم دخل شهر رمضان وهو في السفر فأفطر فقيل له أتصوم شعبان وتفطر في شهر رمضان ؟ فقال: نعم شعبان إلي إن شئت صمت وإن شئت لا، وشهر رمضان عزم من الله عزوجل علي الافطار) وخبر الحسن بن بسام الجمال (2) قال: (كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر، فقلت له: جعلت فداك أمس كان من شعبان وانت صائم واليوم من شهر رمضان وانت مفطر فقال: إن ذلك تطوع، ولنا أن نفعل ما شئنا، وهذا فرض وليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا) وفحوى مادل على جوازه نذره الظاهر في ثبوت مشروعيته قبله، وما عساه يشعر به استفصال ابي الحسن (عليه السلام) في صحيح البزنطي (3) المتقدم، والمناقشة في سندهما يدفعها الانجبار بما عرفت، وفي دلالتهما باحتمال الامساك بلا نية أو نذر الصوم فيه أنه خلاف الظاهر منهما إن لم يكن المقطوع به، فلا بأس بالعمل بهما لا للتسامح في أدلة السنن كي يرد عليه أنه هنا دائر بين الوجوب والحرمة الذاتية كصوم يوم العيد ومستلزم لتخصيص أدلة الحرمة بل لجمعهما شرائط الحجية ولو بملاحظة الانجبار بالشهرة، والاعتضاد باطلاق ما دل على صوم التطوع الذي بينه وبين مادل على حرمة الصوم تعارض العموم من وجه. وعلى كل حال فيستثنى من الكراهة أو الحرمة صوم الثلاثة الايام للحاجة بالمدينة بلا خلاف أجده فيه، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 4 - 5 - 2

[ 340 ]

ابن عمار (1) (إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت اول يوم الاربعاء وتصلي ليلة الاربعاء عند اسطوانة ابي لبابة، وهي اسطوانة التوبة التي كان ربط فيها نفسه حتى نزل عذره من السماء، وتقعد عندها يوم الاربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ليلتك ويومك، وتصوم يوم الخميس ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلى الله عليه وآله ومصلاه ليلة الجمعة، فتصلي عندها ليلتك ويومك وتصوم يوم الجمعة، وإن استطعت أن لا تتكلم بشئ في هذه الايام إلا ما لا بد لك منه، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا تنام في ليل ولا نهار، فان ذلك مما يعد فيه الفضل، ثم احمد الله في يوم الجمعة واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله وسل حاجتك، وليكن فيما تقول: اللهم ما كان لي اليك من حاجة شرعت أنا في طلبها والتماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فاني أتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وآله نبي الرحمة في قضاء حوائجي صغيرها وكبيرها، فانك أحرى أن تقضى حاجتك إن شاء الله). وألحق بها المفيد في المقنعة باقي المشاهد، قال فيها: (ولا يجوز لاحد أن يصوم في السفر تطوعا ولا فرضا إلا صوم ثلاثة ايام لدم المتعة من جملة العشرة الايام، ومن كانت عليه كفارة يخرج عنها بالصيام، وصوم النذر إذا نواه في الحضر والسفر معا، أو علقه لوقت من الاوقات، وصوم ثلاثة ايام للحاجة اربعاء وخميس وجمعة، متواليات عند قبر النبي صلى الله عليه وآله أو في مشهد من مشاهد الائمة (عليهم السلام) وقد روي حديث في جواز التطوع في السفر بالصيام، وجاءت أخبار بكراهة ذلك، وانه ليس من البر الصيام في السفر، وهي اكثر، وعليها العمل عند فقهاء العصابة، فمن أخذ بالحديث لم يأثم إذا كان اخذه من جهة الاتباع، ومن عمل على اكثر الروايات واعتمد على المشهور منها في اجتناب الصيام في السفر على


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب المزار - الحديث 1 من كتاب الحج

[ 341 ]

كل وجه سوى ما عددناه كان أولى بالحق) وفهم ابن إدريس منها حرمة صوم التطوع، ولعل ذلك هو الظاهر من اولها، بل يمكن إرادة الحرمة من الكراهة في آخرها، إلا ان قوله: (فمن اخذ) إلى آخره ينافي ذلك، بل هو نص في الجواز، بل يؤيده ما حكي عنه قبل ذلك من جواز صوم الواجب عدا شهر رمضان في السفر فضلا عن المندوب، وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك، وأما سلار فالمحكي عنه أنه بعدما عد صوم الواجب في السفر من المحرمات وصوم النافلة فيه من المكروهات قال: ((ولا يصوم المسافر تطوعا ولا فرضا إلا صوم الثلاثة الايام لدم المتعة، وصوم النذر إذا علقه بوقت حضر وسفر، وصوم الثلاثة ايام للحاجة اربعاء وخميس وجمعة، وقد روي جواز الصوم التطوع في السفر) قيل: لعله اراد بنفي الصيام في السفر ما يعم التحريم والكراهة، وبالجواز انتفاء الكراهة، وهو كما ترى، وقال ابن حمزة: (وأما صيام النفل فضربان: مستحب وجائز، فالاول صيام ثلاثة ايام عند قبر النبي صلى الله عليه وآله لصلاة الحاجة، والثاني ما سوى ذلك، وروي كراهية الصوم في السفر، والاول اثبت) قيل: وهو يعطي جواز المندوب غير الثلاثة بالمعنى الاخص المرادف للمباح، وفيه ان الصوم الشرعي لا يكون إلا عبادة، والعبادة لا تقع إلا راجحة، فيمكن ان يكون المراد بالاستحباب المتأكد منه، وبالجواز غير المتأكد، والامر سهل بعد أن عرفت حقيقة الحال. هذا كله في الصوم في السفر الموجب للتقصير، أما المنقطع فلا إشكال في صحة الصوم فيه (و) حينئذ ف‍ (يصح ممن له حكم المقيم) في وطنه كناوي الاقامة عشرا والمتردد ثلاثين يوما والعاصي بسفره وكثير السفر وغيرهم مما تقدم تفصيله في الصلاة بلا خلاف أجده فيه، قال الصادق عليه السلام (1): (هما يعني


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب صلاة المسافر الحديث 17

[ 342 ]

التقصير والافطار واحد، إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت) كما هو واضح، هذا. (و) قد تقدم الكلام في انه (لا يصح) صوم شهر رمضان ولا غيره من الصوم الواجب (من الجنب إذا ترك الغسل عامدا مع القدرة حتى يطلع الفجر و) أما (لو استيقظ بعد) طلوع (الفجر جنبا) فالمعروف بين الاصحاب أنه (لم ينعقد صومه قضاء عن) شهر (رمضان) لصحيح عبد الله بن سنان (1) (كتب ابي إلى ابى عبد الله عليه السلام وكان يقضي شهر رمضان وقال: إني أصبحت بالغسل فأصابتني جنابة فلم أغتسل حتى طلع الفجر فأجابه لا تصم هذا اليوم وصم غدا) وما رواه هو ايضا عنه عليه السلام في الصحيح (2) انه سأله (عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من اول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل وهو يرى أن الفجر قد طلع قال: لا تصوم ذلك اليوم ويصوم غيره) وفي المدارك ان إطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق في ذلك بين من اصبح في النومة الاولى أو الثانية، ولا في القضاء بين الموسع والمضيق، وفيه منع إطلاق في النص يقتضي الاخير، خصوصا بعد قوله عليه السلام: (وصم غدا) بل قد يمنع شمول إطلاق الفتوى لذلك، نعم هما مطلقان بالنسبة إلى الاول، ومن هنا استدل في المسالك على أصل الحكم مضافا إلى إطلاق الخبر بأن القضاء موسع، ومقتضاه ان المقتضي لعدم الانعقاد كونه موسعا، ثم قال: نعم لو تضيق برمضان امكن جواز القضاء للثاني، كما ينعقد مع ذلك كل صوم معين، وفي المدارك انه يحتمل مساواته لصوم رمضان، فيصح إذا اصبح في النومة الاولى خاصة، وفيه أنه لا دليل على المساواة المزبورة على وجه يخرج عن القياس المحرم، فلا يبعد الحكم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 - 1

[ 343 ]

بصحته مطلقا تمسكا بالاطلاق المقتصر على تقييده بالاصباح عمدا، بخلاف الفرض الذي هو بحكم الجنابة في النهار نسيانا ونحوه، بل أن لم ينعقد إجماع على البطلان في الموسع امكن ذلك فيه ايضا، ويحمل الصحيح المزبور على الاصباح عمدا، بل قد يدعى ظهوره في ذلك، ومن هنا حكي عن الذخيرة الاعتراف بعدم وضوح الدلالة على البطلان وعدم الانعقاد، ولو سلم فينبغي قصر الحكم عليه خاصة، لكن في المسالك ان في حكم القضاء النذر المطلق والكفارة قبل التلبس لها، بل في ظاهر حاشية الكركي على الكتاب نسبة إلحاق ذلك والندب إلى الشيخ والاصحاب، وان عليه الفتوى، ولعل الوجه فيه ان مبنى البطلان في القضاء التوسعة المشتركة بين الجميع، لكن قد يمنع ذلك، ومن هنا قال في المدارك انه يمكن المناقشة في إلحاق النذر المطلق وصوم الكفارة بالقضاء، لعدم وضوح مستنده، قلت: ويؤيده إطلاق الاصحاب في اول الكتاب ان المفطر تعمد البقاء على الجنابة الظاهر في عدم الفطر بغيره، وفي عدم الفرق بين صوم شهر رمضان وغيره وفي المسالك ايضا انه لو كان ذلك في أثناء الكفارة حيث يشترط التتابع أو في أثناء صوم يشترط تتابعه فوجهان، اجودهما عدم صحة الصوم، ولا يقطع التتابع لعدم التقصير، وناقشه في المدارك بأن عدم التقصير انما يقتضي انتفاء الاثم لاتحقق الامتثال مع عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، قلت: يمكن ان يكون مستنده ما تسمعه في محله إن شاء الله من عدم قطع التتابع بما يقع قهرا كالمرض والحيض ونحوهما، نعم تتجه المناقشة في حكمه بفساد الصوم بما عرفت، بل هنا أولى بالصحة، لانه كالمعين. (و) من ذلك كله يعرف الوجه فيما يشعر به قول المصنف (قيل: ولا) يصح الصوم ايضا (ندبا) في الفرض من تمريض هذا القول، وإن نسبه الكركي إلى الشيخ والاصحاب كما سمعت، إذ مبني البطلان فيه الالحاق بالقضاء

[ 344 ]

لعدم التعيين فيه، ولان الجنب غير قابل للصوم في تلك الحال، والصوم لا يتبعض لكن قد عرفت ان الالحاق بعد عدم الدليل عليه لا يخرج عن القياس كما اعترف به في المدارك مع أن عبد الله بن بكير (1) قد روى عن الصادق (عليه السلام) (في الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أيصوم ذلك اليوم تطوعا ؟ فقال: أليس هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار) وحبيب الخثعمي (2) عنه (عليه السلام) ايضا في الصحيح (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): اخبرني عن التطوع وعن هذه الثلاثة الايام إذا اجنبت من اول الليل فأعلم اني اجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر اصوم أو لا اصوم ؟ قال: صم) بل مقتضى الخبر الاول الجواز في القضاء ايضا باعتبار توسعة الامر في نيته، لكن خرج للادلة السابقة، فيبقى غيره على الجواز، وفي الدروس وإن كان الصوم نفلا ففي رواية ابن بكير صحته ولو علم بالجنابة ليلا، وفي رواية كليب إطلاق الصحة إذا اغتسل، ويحمل على المعين أو الندب للنهي عن قضاء الجنب في رواية عبد الله بن سنان (3) لكن في الحدائق أن ما أسنده إلى رواية كليب هو مضمون رواية ابن بكير، والرواية التي ذكرها لم أقف عليها في كتب الاخبار بعد الفحص والتتبع، قلت: لكن حمله الرواية على ما ذكره ظاهر في المفروغية من الجواز في المعين والندب، وفي المسالك أنه يؤيده ايضا جواز تجديد النية في الندب للعازم على الافطار خصوصا بعد الزوال، وهو ايضا مناف للصوم، وعدم قابلية الصوم للجنب انما يمنع منه حال الجنابة، أما بعد الغسل فلا، ويمنع عدم تبعض الصوم مطلقا، كيف وقد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث 2 - 1 (3) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 الجواهر - 43

[ 345 ]

تقدم النص الصحيح (1) بأن الناوي بعد الزوال انما له من الصوم ما بعد النية، وهذه الادلة وإن قصر بعضها إلا انها لا تقصر عن أدلة جواز صوم النافلة سفرا وقد عمل المصنف وجماعة بها تساهلا بأدلة السنن، وخبر من بلغه شئ من اعمال الخير يشملها، وناقشه في المدارك وإن وافق على الجواز فيما عدا شهر رمضان وقضائه للاصل وصحيح الخثعمي، ومن ذلك كله يظهر لك الحال في الالحاق المزبور، وان الاقوى الصحة مع تعمد الاصباح جنبا في الندب فضلا عن حال عدم التعمد إن لم ينعقد إجماع على الخلاف، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان ف‍ (ان كان في رمضان فصومه صحيح، وكذا في النذر المعين) بلا خلاف ولا إشكال، كما لا خلاف) (و) لا إشكال في انه (يصح) الصوم (من المريض ما لم يستضر به) لاطلاق الادلة السالم عن معارضة إطلاق ما دل على الافطار للمريض من الاية (2) والرواية (3) بعد معلومية كون المراد منه خصوص المتضرر به نصا وفتوى لا مطلق المرض، وعلى ذلك ينزل خبر عقبة بن خالد (4) عن الصادق عليه السلام (في رجل صام وهو مريض قال: يتم صومه ولا يعيد يجزيه) ضرورة عدم جواز الصوم للمريض الذي يتضرر بالصوم بزيادة مرضه أو بطؤ برئه أو حدوث مرض آخر أو مشقة لاتتحمل أو نحوه ذلك، وانه إذا تكلفه مع ذلك لم يجزه، بل كان آثما بلا خلاف اجده، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (5) مستفيضة فيه أو متواترة


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 8 (2) سورة البقرة - الآية 180 (3) الوسائل - الباب - 18 -. 20 - من ابواب من يصح منه الصوم (4) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 20 - و 22 - من ابواب من يصح منه الصوم

[ 346 ]

مضافا إلى قوله تعالى (1): (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر) بل لا يبعد البطلان مع الغفلة عن المرض كما ستعرف، والمدار في معرفة الضرر إليه، لان الانسان على نفسه بصيرة، قال سماعة (2): سألته ماحد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر ؟ فقال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه، فان وج ضعفا فليفطر، وإن وجد قوة فليصم، كان المرض ماكان) وقال عمر بن أذينة (3): (كتبت إلى ابي عبد الله عليه السلام أسأله ماحد المرض الذي يفطر فيه صاحبه والمرض الذي يدع صاحبه فيه الصلاة من قيام ؟ قال: بل الانسان على نفسه بصيرة، وقال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه) ونحوهما غيرهما، ويكفيه الظن بالضرر قطعا من أمارة أو تجربة أو قول عارف أو نحو ذلك بل قد يقوى الاكتفاء بالخوف الذي لا يعتبر في صدقه عرفا حصول الظن كما هو مقتضى تعليق الحكم على الخوف في إطلاق المحكي عن الاكثر، بل لعله المراد من الظن في القواعد والدروس واللمعة نعم نص شارح الاخير على عدم كفاية مجرد الاحتمال، فأوجب الصوم مع اشتباه الحال، لثبوته في الذمة فيستصحب ما لم يعلم مسقطه، وهو العلم بالضرر أو ظنه، وفيه ان الاصل براءة الذمة إلى ان يحصل القطع، وصوم كل يوم عبادة متجددة، والتمسك باطلاق أدلة الصوم ليس بأولى من التمسك باطلاق الاية والنصوص، مضافا إلى تعليق الحكم على الخوف في صحيح حريز (4) عن الصادق عليه السلام (الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر) ودعوى إرادة الظن منه لا شاهد عليها، كما انه


(1) سورة البقرة - الآية 180 (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 4 - 5 (4) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 1

[ 347 ]

لا مقتضي لها، بل منافية لنفي الحرج في الدين، وإرادة الله بالناس اليسر دون العسر، وسهولة الملة وسماحتها، نعم يعتبر فيه كونه خوفا معتدا به لا نحو الناشئ من الاوهام السوداوية، وكذا الكلام في غير المقام المشترك معه في كون المدرك حسن التجنب عن كل ما فيه خوف، بل ربما كانت النفوس مجبولة عليه من غير اعتبار للظن، بل ربما لا يمكن حصوله في كثير من المقامات، كما هو واضح، والله العالم. وعلى كل حال فإذا بان عدم الضرر لم يكن عليه إثم في إفطاره لتعبده بظنه انما الكلام في الصحة لو صام بزعم عدم الضرر فبان خلافه، فيحتمل عدمها لعدم الامر له في الواقع به وإن تخيل هو الامر، ضرورة كونه حينئذ كالحائض التي لم تعلم بحيضها، والمسافر الذي لم يعلم بسفره، ودعوى ان الفساد هنا للنهي عن التغرير بالنفس مثلا، وليس في الفرض، لتخيل عدم الضرر، يدفعها منع كون الفساد لذلك، بل لظهور أدلة المقام في إخراج هذا الموضوع عن الاوامر بل وإدخاله في المنفي عنه الصوم واقعا، ويحتمل الصحة، لتعليق الحكم في صحيح حريز (1) على الخوف المفروض انتفاؤه، فيكون حينئذ مأمورا، والامر يقتضي الاجزاء، وتعليقه في غيره على الضرر المنصرف إلى الواقع لا يجدي بعد الصحيح المزبور الذي هو بمنزلة المقيد له، ويكون الحاصل حينئذ من المجموع انه إذا خاف الضرر وجب الافطار عليه، ولعل ذا لا يخلو من قوة. وكيف كان فقد ظهر لك أن المدار في الافطار على خوف الضرر من غير فرق بين المريض والصحيح في ذلك، لاطلاق قوله عليه السلام (2): (كل ما أضر به الصوم فالافطار له واجب) ولانه المناسب لمقتضى سهولة الملة وسماحتها، وإرادة


(1) الوسائل - الباب - 19 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 2

[ 348 ]

الله اليسر بالناس دون العسر، ولظهور النصوص في أن المبيح للفطر في المريض الضرر، فلا يتفاوت بين الصحيح والمريض معه، لكن تردد في المنتهى في الصحيح الذي يخشى المرض بالصيام من ذلك، ومن عموم الامر بالصوم السالم عن معارضة المرض، وفيه ما لا يخفى خصوصا بعدما عرفت من عدم مدخلية المرض، وإلا لابيح له الافطار مع عدم الضرر، وهو معلوم البطلان نصا وفتوى بل المدار على الضرر الذي لا تفاوت فيه بين الصحيح والمريض الذي من أقسامه من يخشى حدوث مرض آخر بالصوم الذي هو كالصحيح الذي يخاف المرض بالصوم وبالجملة فالعمدة اشتراك الصحيح والمريض في معظم المدارك المسوغة للافطار كما هو واضح، والله أعلم. (مسألتان: الاولى البلوغ الذي تجب معه العبادات) وتصح معه المعاملات (الاحتلام) أي خروج المني من الذكر والانثى في اليقظة أو النوم بالجماع أو غيره (أو الانبات) للشعر الخشن على العانة (أو بلوغ خمس عشرة سنة في الرجال على الاظهر) الاشهر، بل المشهور شهرة عظيمة، خلافا لابن الجنيد فاكتفى ببلوغ الاربع عشرة (و) لاريب في ضعفه وضعف غيره من الاقوال المحكية في المقام على فرض ثبوتها، أو بلوغ (تسع) سنين (في النساء) كما بينا ذلك كله وغيره على وجه لم نسبق إليه في كتاب الحجر مفصلا عند تعرض المصنف له، فلاحظ وتأمل. المسألة (الثانية) يستحب للوالي أن (يمرن الصبي والصبية على الصوم) وغيره من العبادات (قبل البلوغ) ويعودا عليه سواء قلنا بشرعية عبادتهما أو لا عند تمييزهما على وجه يمكن حصول الصورة منهما، وفي المتن ومحكي القواعد والتحرير وغيرهما (ويشدد عليهما لسبع مع الطاقة) ومقتضاه حصول التمرين قبلها، وهو جيد إذا فرض حصول التميز والطاقة قبلها، وفي المعتبر ويؤخذ الصبي

[ 349 ]

بالصوم إذا بلغ ست سنين وأطاق الصوم استحبابا، وفي صحيح زرارة والحلبي وحسنهما (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل (عن الصلاة على الصبي متى يصلي عليه ؟ فقال: إذا عقل الصلاة، قلت: متى تجب الصلاة عليه ؟ قال: إذا كان ابن ست سنين، والصيام إذا أطاقه) وخبر سماعة (2) (سألته عن الصبي متى يصوم ؟ قال: إذا قوي على الصيام) لكن في اللمعة والنافع أنه يمرن الصبي لسبع، ولعله الحسن الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فان كان إلى نصف النهار أو اكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش أفطروا حتى يتعودوا الصيام ويطيقونه فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بما أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا) وفيه مع اشتماله على التفرقة بين صبيانهم (عليهم السلام) وصبيان غيرهم الذين هم محل البحث، ولذا والمرسل (4) عن الصادق عليه السلام (الصبي يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه، فان أطاق إلى الظهر أو بعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر) علق التمرين في النهاية كالمحكي عن ابني بابويه على الطاقة والتسع انه يمكن أن يكون ذلك مبنيا على ما هو الغالب من الفرق بين صبيانهم (عليهم السلام) وصبيان غيرهم في شدة التمييز والطاقة اللذين هما المدار في التمرين، ويشتد باشتدادهما، وربما كان في المحكي عن المبسوط نوع إيماء إلى ذلك، قال: (ويستحب أخذه أي الصبي بذلك إذا أطاقه، وحد ذلك بتسع سنين فصاعدا، وذلك بحسب حاله في الطاقة) هذا كله


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب صلاة الجنازة - الحديث 1 من كتاب الطهارة (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 2 - 3 - 11

[ 350 ]

بناء على تفرقة الرواية بين صبيانهم (عليهم السلام) وصبيان غيرهم، أما على كونها بالسبع فيهما كما رواها في المختلف فهي دالة على استحباب التمرين للسبع، كما سمعته من بعضهم. وعلى كال حال فالتحقيق الذي يجتمع عليه الادلة ما ذكرنا، ولا ينافيه صحيح معاوية بن وهب (1) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في كم يؤخذ الصبي بالصيام ؟ فقال: ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فان هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته) ضرورة عدم المنافاة بين الاخذ في هذا الوقت وبين الامر به قبل هذا الوقت، مع احتمال كون المراد الاخذ الشرعي دون التمريني على أن يكون المراد أنه يؤخذ به إذا بلغ، ويحصل البلوغ بالاحتلام ونحوه في إحدى السنتين غالبا، فتأمل جيدا، ومن الغريب ماعن الشارح من أن مقتضى هذه الرواية عدم تحديد مبدأ وقت التمرين، إذ فيه أنه لو كان كذلك لم يبق لقوله عليه السلام: (فان هو صام قبل ذلك فدعه) وكذا قوله (عليه السلام): (ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته) فائدة وأما ما رواه السكوني (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان) فلم اجد من افتى به سوى ما يحكى عن المقنعة من انه يؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل ان يبلغ الحلم، ولعل المتجه حمله على شدة التشديد عليه إذا كان كذلك. وقد ظهر لك مما ذكرنا أنه لا فرق في استحباب التمرين بين الصبي والصبية على الوجه الذي ذكرنا، ضرورة اشتراكهما في حكمته التي أومأ إليها حسن الحلبي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 1 - 5

[ 351 ]

وفي المدارك أنه قطع الاصحاب باستحباب تمرينها قبل البلوغ، والتشديد عليها للسبع، لكن قال: (ولا ريب في استحباب التمرين إلا أن تعيين مبدئه يتوقف على الدليل) قلت: قد يعرف الحال فيها مما سمعته في الصبي. وعلى كل حال فقد قيل إنه يتخير في الصوم الواجب وغيره من كل عبادة واجبة يمرن عليها بين نية الوجوب والندب، فالوجوب لان الغرض التمرين على الفعل الواجب، والندب لعدم وجوبه عليه، وفي الروضة انه قد ذكر ذلك المصنف وغيره، قلت: لكن في البيان رجح الوجوب، قال: (ينوي الصبي الوجوب، ولو نوى الندب جاز) وفي الذكرى (وهل ينوي الوجوب أو الندب ؟ الاجود الاول ليقع التمرين موقعه) وقال: (ويكون المراد بالوجوب في حقه ما لابد منه يعني ولو تمرينا، أو المراد به الواجب على المكلف، ويمكن الثاني لعدم وجه الوجوب في حقه) وفي الروضة (أن الندب أولى) وعن العلامة انه اقتصر عليه واختاره بعض المتأخرين، لانه لا معنى لافعل شيئا لوجوبه على غيره، ولا معنى للوجوب التمريني إلا الاولوية المتحققة في الندب أو الوجوب العقلي، لقبح مخالفة الامر من والد ونحوه عقلا، ولا عبرة به إذا خالف الشرع ولا يجدي كون الغرض التمرين على فعل الواجب، فان التمرين عليه لا يستلزم التمرين على إيقاعه لوجهه، على أن الغرض من التمرين تسهيل التكليف عليه لتعوده به، ولا صعوبة في النية ليمرن عليها، بل الاولى أن لا ينوي إلا القربة، فان الندب ايضا لا معنى له في حقه، فان الاحكام الشرعية كلها متساوية في انتفائها من غير المكلف، فكما لا وجوب عليه شرعا لاندب بالنسبة إليه، إلا أن يمنع عدم خطاب المميز بالمندوبات، فانها باعتبار ما ليست مكلفا بها، ومعنى رفع القلم انما هو رفع قلم الايجاب ورفع المؤاخذة، فان من البين كونه يثاب بفعل الطاعات بل ذلك متعين بناء على شرعية عبادات الطفل على جهة الندبية، ولا ينافيه كون

[ 352 ]

الحكمة في ذلك التمرين، ضرورة كون المراد منه التمرين على نفس الافعال لا نياتها كما هو واضح، نعم بناء على التمرينية قد يتجه ذلك، لكون الاثم فيه نية الوجوب في الواجب، والندب في المندوب، ودعوى أنه لا معنى للوجوب التمريني إلا الاولوية المتحققة في الندب أو الوجوب العقلي، لقبلح مخالفة الامر من والد ونحوه عقلا، ولاعبرة به إذا خالف الشرع، يدفعها بعد الاغضاء عما فرضه من مخالفة الشرع لما حكم العقل بقبح مخالفته أن المراد منه التشبه بالبالغين بابراز الصورة الصادرة منهم، كما هو واضح، والله اعلم. (النظر الثاني أقسامه) أي مطلق الصوم الشامل للصحيح والفاسد (وهي أربعة: واجب وندب ومكروه) كراهة عبادة (ومحظور) ولو للتشريع، أما (الواجب) ف‍ (ستة) باستقراء الادلة الشرعية، والاجماع بقسميه، الاول (صوم شهر رمضان) والثاني صوم (الكفارات) التي سيأتي تفصيلها إن شاء الله (و) الثالث صوم بدل (دم المتعة) في الحج (و) الرابع صوم (النذر وما في معناه) من العهد واليمين ونحوهما (و) الخامس صوم (الاعتكاف على وجه) كالنذر واعتكاف يومين الموجب لاعتكاف ثالث (و) السادس صوم (قضاء الواجب، القول في شهر رمضان والكلام في علامته وشروطه وأحكامه، أما الاول ف‍) لا إشكال ولا خلاف بيننا في أنه (يعلم الشهر برؤية الهلال) وحينئذ (فمن رآه وجب عليه الصوم ولو انفرد، وكذا لو شهد فردت شهادته، وكذا يفطر لو انفرد ب‍) رؤيته (هلال شوال) كل ذلك لصدق الرؤية المأمور بالصوم والافطار لها، وصدق شهادة الشهر، وللسنة المستفيضه أو المتواتره، والاجماع بقسميه، خلافا لما عن بعض العامه من عإم صوم المنفرد وفطره إلا في جماعه الناس، وهو محجوج بالكتاب والسنه والاجماع


الجواهر - 44

[ 353 ]

(و) أما (من لم يره) ف‍ (لا يجب عليه الصوم) للاصل وظاهر كثير من النصوص (إلا أن يمضي من شعبان ثلاثون يوما) فيجب الصوم حينئذ إجماعا أو ضرورة من الدين (أو يرى رؤية شايعة) على وجه تفيد العلم الذي هو مدار التكاليف، فيجب الصوم حينئذ بلا خلاف ولا إشكال، ضرورة عدم اعتبار الزائد على ذلك، نعم إن لم يكن الشياع على الوجه المزبور بل كان مفيدا للظن كان المتجه عدم الاجتزاء به، للاصل السالم عن المعارض، وظاهر النصوص، خلافا للفاضل في التذكرة فاكتفى به، لمساواة الظن الحاصل من شهادة العدلين، بل حكاه في المدارك عن الشارح وغيره، قال: واحتمل في موضع من الشرح اعتبار زيادة الظن على ما يحصل منه بقول العدلين ليتحقق الاولوية المعتبرة في مفهوم الموافقة، إلا أن ذلك كله كما ترى، ضرورة توقفه على كون الحكم بقبول شهادة العدلين معللا بافادتها الظن ليتعدى إلى ما يحصل به ذلك، وليتحقق الاولوية المذكورة، وليس في النص ما يدل على هذا التعليل، وانما هو مستنبط، فلا عبرة به، مع أن اللازم من اعتباره الاكتفاء بالظن الحاصل من القرائن إذا ساوى الظن الحاصل من شهادة العدلين أو كان أقوى، وهو باطل إجماعا، فلا دليل له حينئذ سوى معلومية الاكتفاء بالعلم في جميع التكاليف، فيكون الامر دائرا مداره، وما أطنب به في الحدائق من الاستدلال عليه لصحيح محمد بن مسلم (1) وموثق عبد الله بن بكير (2) وخبر أبي العباس (3) وخبر ابراهيم بن عثمان الخزاز (4) التي سيمر عليك بعضها المشتملة على تفسير الصوم للرؤية بما يؤل الشياع لا دلالة فيه على غير المفيد للعلم كما اعترف هو به، لعدم ذكر لفظ الشياع فيه نفسه حتى يستند إلى صدقه بدعوى


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 11 - 14 - 12 - 10

[ 354 ]

شموله للاعم، وكذا الاستدلال عليه بخبر سماعة (1) المشتمل على الامر بالصوم إذا رآه أهل المصر وكانوا خمسمائة، وخبر عبد الحميد الازدي (2) وخبري أبي الجارود (3) المشتملة على الامر بذلك وبالصوم بصوم الناس والفطر بفطرهم إن لم نحملها على إرادة الصوم بصوم العامة والافطار بفطرهم للتقية، وعلى كل حال لادلالة فيها على غير ما عرفت، وحينئذ لا ينحصر المخبرون في عدد، ولا يفرق في ذلك بين خبر المسلم والكافر والصغير والكبير الذكر والانثى كما قرر في حكم التواتر، ضرورة كون المدار على حصول العلم الذي تدور معه التكاليف. وكيف كان (فان لم يتفق ذلك وشهد شاهدان) عدلان (قيل) ولكن لم نعرف القائل: (لا تقبل، وقيل) والقائل الصدوق والشيخ وبنو زهرة وحمزة والبراج وأبو الصلاح: (تقبل مع العلة) خاصة، ومع عدمها يعتبر الخمسون، نعم في عباراتهم خلاف بالنسبة إلى داخل المصر وخارجه، ففي المختلف عن المقنع (واعلم انه لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، ويجوز شهادة رجلين عدلين إذا كانوا من خارج البلد، أو كان بالمصر علة) ومقتضاه قبول شهادتهما مع الخروج عن البلد مطلقا، لكن في شرح الاصبهاني لللمعة أن الموجود فيها عندنا من نسخ المقنع بالواو، ثم قال: ولعلها أوضح، لان الظاهر أنه أفتى بلفظ خبر حبيب الجماعي (4) وقد ذكره تماما من غير تغيير، وقال في محكي المبسوط ما حاصله: (إنه مع العة تقبل شهادتهما من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 7 - 4 (3) الوسائل - الباب - 12 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 5 والمستدرك - الباب - 9 - منها الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 13

[ 355 ]

البلد وخارجه، وبدونها لا يقبل إلا شهادة القسامة خمسين رجلا من البلد أو خارجه) ونحوه عن ابني زهرة وحمزة، وقال في محكي الخلاف: (لا يقبل في هلال رمضان إلا شهادة شاهدين، فأما الواحد فلا يقبل منه، هذا مع الغيم، فأما مع الصحو فلا يقبل فيه إلا خمسون قسامة أو أثنان من خارج البلد) وقال في محكي النهاية: (إن كان في السماء علة لم يثبت إلا شهادة خمسين رجلا من أهل البلد أو عدلين من خارجه، وإن لم يكن هناك علة وطلب فلم ير لم يجب الصوم إلا أن يشهد خمسون من خارج البلد أنهم رأوه) وكذا عن ابن البراج، لكن من المعلوم إرادتهم اعتبار الخمسين إذا لم يحصل الشياع بالاقل، وإلا أجزأ قطعا، كما هو واضح. (وقيل) والقائل المشهور: (تقبل مطلقا) سواء كان في السماء علة أو لا (وهو الاظهر سواء كانا من البلد أو خارجه) لاطلاق ما دل على قبولهما، وخصوص المعتبرة المستفيضة، كصحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (ان عليا عليه السلام كان يقول: لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين) وصحيح منصور ابن حازم (2) عنه عليه السلام ايضا أنه قال: (صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته، فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه) وصحيح عبد الله الحلبي (3) عنه عليه السلام ايضا، قال علي عليه السلام: (لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين) وصحيح الشحام (4) عنه عليه السلام أيضا سأله عن الاهلة فقال: (هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فافطر، فقلت: أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم قال: لا إلا أن تشهد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 8 - 4 - 7 (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 4

[ 356 ]

لك بينة عدول، فان شهدوا انهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم) إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة بغيرها التي لا معارض لها سوى خبر ابراهيم بن عثمان الخزاز (1) عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: (قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال ؟ فقال: إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوه بالتظني، وليس رؤية الهلال أن تقوم عدة، فيقول واحد: قد رأيته ويقول الاخرون لم نره، إذا رآه مائة، وإذا رأه مائة رآه الف، ولا يجوز في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة اقل من شهاة خمسين، وإذا كان في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر) وخبر حبيب الجماعي (2) قال: أبو عبد الله عليه السلام: (لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة، وانما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية) الذين ردهما في المعتبر بأن اشتراط الخمسين لم يوجد في حكم سوى قسامة الدم، ثم لا يفيد اليقين بل قوة الظن، وهي تحصل بشهادة العدلين إلى ان قال: (وبالجملة فانه مخالف لعمل المسلمين كافة، فكان ساقطا) وفي محكي المنتهى بالمنع من صحة السند، ولعله لما قيل من أن في طريق الاول العباس بن موسى وهو غير معلوم الحال وإن كان الظاهر أنه الوراق الثقة الذي هو من اصحاب يونس بقرينة روايته عنه هنا، وفي يونس كلام، وجهالة حبيب في سند الثانية، وفي محكي المختلف بالحمل على عدم عدالة الشهود، وحصول التهمة في أخبارهم، وظني والله اعلم انهما تعريض لما في يد العامة من الاجتزاء بشهادة رجلين في الصحو مع القطع بكذبهما باعتبار عدم العلة في الرائي والمرئي وكثرة المتطلعين وغير ذلك.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 10 - 13

[ 357 ]

وعلى كل حال فلا ريب في سقوطهما في مقابلة ما عرفت، لكن أطنب في الحدائق وظن انه قد جاء في الباب بما لم يلم به احد من الاصحاب، وهو الجمع بين هذين الخبرين وبين غيرهما من النصوص الدالة على الاجتزاء بشهادة الشاهدين بأنه لابد من العلم مع عدم العلة من الغيم ونحوه، ولا يجزي التظني وإن كان من شهادة العدلين، وهذا هو الذي أشاروا (عليهم السلام) إليه بقولهم (1): إذا رآه الواحد رآه عشرة، وإذا رآه عشرة رآه مائة، وليس معنى رؤيته ان يقوم واحد من العشرة فيقول: رأيته يقول التسعة لم نره، نعم لو كان هناك غيم أو نحوه اجتزي بالشاهدين، لامكان اختصاصهما حينئذ بالرؤية دون غيرهما، بل لعل اعتبار كونهما من خارج البلد جريا مجرى الغالب، لانهما لو كانا قد رأياه وهما من اهل البلد لرآه غيرهما ايضا بخلاف الخارجين، كما ان اعتبار الخمسين في الخبرين ليس إلا لارادة حصول العلم، ونصوص الاجتزاء بالشاهدين ليس فيها إلا الاهمال المتحقق في حال الغيم، وعلى تقدير الاطلاق فهو مقيد بالخبرين المزبورين، إلا أن ذلك جميعه كما ترى، إذ هو مع إمكان تحصيل الاجماع المركب بخلافه واضح الضعف من وجوه، خصوصا بعد ما عرفت من أن مبنى تلك النصوص الانكار على ما هو متعارف عند العامة من الشهادة على الهلال زورا، وانه يجئ الواحد منهم فيقول: رأيته من بين الجم الغفير، بل ربما ادعى رؤيته في غير إمكانها كما لا يخفى على من له علم بأحوالهم وفساد مذهبهم فخرجت هذه النصوص مخرج الانكار عليهم لا لبيان عدم الاجتزاء بالشاهدين العدلين اللذين قد اكتفى الشارع بهما في جميع الموضوعات التي فيها ما هو أعظم من رؤية الهلال بمراتب كالدماء ونحوها، فلا ينبغي التوقف في ذلك ولا الاطناب في فساد ما يخالفه.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 10 و 11

[ 358 ]

والظاهر من النص والفتوى الاجتزاء بهما من غير اعتبار لحكم الحاكم بشهادتهما، بل لكل من قامت الشهادة عنده الصوم والافطار بعد فرض إحراز العدالة تمسكا باطلاق الادلة، بل قال الصادق عليه السلام في صحيح منصور بن حازم (1) (فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه) وفي صحيح الحلبي (2) وقد قال له: (أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم: قال: لا، إلا ان تشهد لك بينة عدول، فان شهدوا انهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم) بل الظاهر من إطلاقهما الاجتزاء بهما وإن ردهما الحاكم لعدم تحقق عدالتهما أو نحو ذلك مما لم يكن كذلك عند غيره ممن شهدوا عنده. ولو اختلف الشاهدان في صفة الهلال بالاستقامة والانحراف ونحو ذلك مما يقتضي اختلاف المشهود عليه بطلت شهادتهما، ولا كذلك لو اختلفا في زمان الرؤية مع اتحاد الليلة، ولو شهد أحدهما برؤية شعبان الاثنين وشهد الاخر برؤية رمضان الاربعاء احتمل القبول لاتفاقهما في المعنى، وعدمه لان كل واحد يخالف الاخر في شهادته، ولم يثبت أحدهما، ولعل الاول اقوى، هذا، وفي المدارك لا يكفي قول الشاهد اليوم الصوم أو الفطر، بل يجب على السامع الاستفصال، لاختلاف الاقوال في المسألة، فيجوز استناد الشاهد إلى سبب لا يوافق مذهب السامع، نعم لو علمت الموافقة أجزأ الاطلاق كما في الجرح والتعديل، وقد يناقش بأن مقتضى شهادته كونه كذلك واقعا، وهو لا اختلاف فيه، ولذا لم يجب استفصاله في الشهادة بالملك والغصب والنجاسة ونحوها مما هي مختلفة الاسباب ايضا، وكذلك الجرح والتعديل وإن ظهر منه المفروغية من وجوب استفصال الشاهد بهما، ولعل الامر بالعكس كما يشهد له الاكتفاء بما


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب احكام شهر رمضان - الحديث 9

[ 359 ]

يذكره علماء الرجال فيهما، بل السيرة من العلماء وغيرهم على عدم استفصال الشاهد إذا شهد بالفسق أو العدالة، وماذاك إلا لما ذكرناه، فتأمل جيدا. ثم إن الظاهر ثبوت بالشهادة على الشهادة، لاطلاق أو عموم مادل على قبولها، ولان الشهادة حق لازم الاداء، فيجوز الشهادة عليه كسائر الحقوق خلافا للفاضل في المحكي عن تذكرته فلم يثبته بها بل أسنده فيها إلى علمائنا مستدلا عليه باصالة البراءة، واختصاص مورد القبول بالاموال وحقوق الادميين وفيه بعد انقطاع الاصل بما عرفت ان اختصاص مورد القبول بذلك لا يقتضي تخصيص العموم، كما أن الظاهر ثبوته بحكم الحاكم المستند إلى علمه، لاطلاق ما دل على نفوذه وأن الراد عليه كالراد عليهم (عليهم السلام) من غير فرق بين موضوعات المخاصمات وغيرها كالعدالة والفسق والاجتهاد والنسب ونحوها، وفي المدارك ولانه لو قامت عنده البينة فحكم بذلك وجب الرجوع إلى حكمه كغيره من الاحكام والعلم اقوى من البينة، ولان المرجع في الاكتفاء بشهادة العدلين وما يتحقق به العدالة قوله، فيكون مقبولا في جميع الموارد، ومقتضاه المفروغية من الثبوت بحكمه المستند إلى شهادة العدلين، وحينئذ يتجه الاستدلال به في المقام، ضرورة كون المستند في الثبوت عند الغير في المشبه به ليس إلا حكمه الحاصل في الفرض، إذ شهادة الشاهدين عنده ليس شهادة عند غيره، والحصر في قوله عليه السلام (1): (لااجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين) مراد منه بالنسبة إلى الشهادة بمعنى اني لااجيز في الشهادة على رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين لا فاسقين أو مجهولين كما هو عند العامة، ولا عدل واحد لا أن المراد عدم ثبوته إلا بذلك ضرورة ثبوته بالشياع وبالحكم بالبينة وبغير ذلك، فاحتمال العدم حينئذ للخبر المزبور الذي هو بعد الاغضاء عما ذكرناه معارض لما (بماظ) دل على قبول حكمه


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أحكام شهر رمضان - الحديث 8

[ 360 ]

من وجه، ولاريب في رجحانه عليه من وجوه في غاية الضعف، وأضعف منه الاستناد إلى عدم ثبوت عموم حكم الحاكم لما يشمل ذلك، انما المسلم منه في خصوص موضوعات المخاصمة دون غيرها، إذ هو كما ترى مناف لاطلاق الادلة، وتشكيك فيما يمكن تحصيل الاجماع عليه، خصوصا في امثال هذه الموضوعات العامة التي هي من المعلوم الرجوع فيها إلى الحكام، كما لا يخفى على من له خبرة بالشرع وسياسته، وبكلمات الاصحاب في المقامات المختلفة، فما صدر من بعض متأخري المتأخرين من الوسوسة في ذلك من غير فرق بين حكمه المستند إلى علمه أو البينة أو غيرهما لا ينبغي الالتفات إليه، لما عرفت من ثبوت الهلال بذلك، بل الظاهر عدم الفرق في ذلك بين الحاكم الاخر وغيره، فيجب الصوم أو الفطر على الجميع، نعم لو قال: اليوم الصوم أو الفطر من غير تصريح بكونه لرؤية أو شهادة ففي الدروس في وجوب استفساره على السامع ثلاثة اوجه، ثالثها إن كان السامع مجتهدا استفسره، قلت: قد يقوى في النظر عدم وجوب استفساره، ضرورة كون ذلك منه حكما، فيجب اتباعه به، لاطلاق مادل عليه. (و) كيف كان ف‍ (إذا رؤي) الهلال (في البلاد المتقاربة كالكوفة وبغداد) ونحوهما مما لم تختلف فيه المطالع (وجب الصوم على ساكنيها اجمع) بلا خلاف ولا إشكال بعد قول الصادق عليه السلام في صحيح منصور (1): (فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه) وفي صحيح هشام (2) فيمن صام تسعة وعشرين يوما (إن كانت له بينة عادلة على اهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما) وغيرهما من النصوص (دون) البلاد (المتباعدة


(1) الوسائل - الباب - 11 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 13 الجواهر - 45

[ 361 ]

كالعراق وخراسان) ونحوهما مما علم فيه اختلاف المطالع أو احتمل، فلا يجب الصوم ولا القضاء (بل يلزم حيث رؤي) للاصل بعد انصراف النصوص إلى غير الفرض لكنه قد يشكل بمنع اختلاف المطالع في الربع المسكون، إما لعدم كروية الارض بل هي مسطحة، فلا تختلف المطالع حينئذ، وإما لكونه قدرا يسيرا لا اعتداد باختلافه بالنسبة إلى علو السماء، وربما يؤمي إلى ذلك مضافا إلى الاطلاق المزبور، خصوصا صحيح هشام المشتمل على النكرة الشائعة المتناولة للجميع على البدل قوله عليه السلام في الدعاء (1) (وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرءا واحدا) وعدم اتفاق حصول الاختلاف بين البلاد الشرقية والغربية في ذلك، ولعله لذا قال في الدروس بعد نسبة ما في المتن إلى قول الشيخ: ويحتمل ثبوت الهلال في البلاد الغربية برؤيته في البلاد الشرقية وإن تباعدت، للقطع بالرؤية عند عدم المانع، بل ظاهر المحكي عن المنتهى اختياره في أول كلامه، لكن قال في آخره: وبالجملة إن علم طلوعه في بعض الاصقاع وعدم طلوعه في بعضها للتباعد عنه لكروية الارض لم يتساو أحكامهما، أما بدون ذلك فالتساوي هو الحق، واستجوده في المدارك، ويمكن أن لا يكون كذلك، ضرورة عدم اتفاق العلم بذلك عادة، فالوجوب حينئذ على الجميع مطلقا قوي، وحينئذ يسقط ما ذكره في الدروس من التفريع بما لو رأى الهلال في بلد وسافر إلى آخر يخالفه إلى (في ل ظ) حكمه انتقل حكمه إليه، فيصوم زائدا أو يفطر على ثمانية وعشرين يوما، حتى لو أصبح معيدا ثم انتقل أمسك، ولو أصبح صائما للرؤية ثم انتقل ففي جواز الافطار نظر، أي لو رأى الهلال في بلد ليلة الجمعة مثلا ثم سافر إلى بلد بعيدة مشرقية قد رؤي الهلال فيها ليلة السبت أو بالعكس صام في الاول أحد وثلاثين يوما، ويفطر في الثاني على ثمانية وعشرين يوما، ولو أصبح


(1) وهو من جمل دعاء السمات

[ 362 ]

معيدا ثم انتقل ليومه ووصل قبل الزوال أمسك بالنية وأجزأه، ولو وصل بعد الزوال أمسك مع القضاء، ولو اصبح صائما للرؤية احتمل جواز الافطار لانتقال الحكم، وعدمه لتحقق الرؤية، وسبق التكليف بالصوم، ضرورة سقوط ذلك كله على المختار، لكن في الدروس انه لو روعي الاحتياط في هذه الفروض كان أولى، وفي المدارك انه لاريب في ذلك: لان المسألة قوية الاشكال، قلت: لكن يسهل الخطب ندرة وقوع شئ من الفروض السابقة، والله أعلم. (ولا يثبت) الهلال (بشهادة الواحد على الاصح) خلافا لسلار فاجتزأ في هلال شهر رمضان بالنسبة إلى الصوم دون حلول الاجل ونحوه بشهادة العدل الواحد، لقول ابي جعفر عليه السلام في خبر محمد بن قيس (1) قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إذا رأيتم الهلال فافطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام إلى الليل، وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم افطروا) لكن مع ندرة خلافه، بل يمكن دعوى استقرار الاجماع بعده بل وقبله على ذلك، وكون خبره في شوال، مضافا إلى الطعن في سنده باشتراك محمد بن قيس بين الثقة والضعيف، وإن كان قد يدفع بأنه هنا البجلي الثقة بقرينة كون الراوي عنه يوسف بن عقيل، وفي دلالته بصحة إطلاق لفظ العدل على الواحد فما زاد، لانه مصدر يقع على القليل والكثير، فيقال رجل عدل ورجلان عدل ورجال عدل، واضطرا به لان الشيخ رواه في الاستبصار بطريقين أحدهما ما سمعت، والثاني (إذا رأيتم الهلال فافطروا أو يشهد عليه بينة عدل من المسلمين) وفي التهذيب بطريقين ايضا، أحدهما ما سمعت، والثاني (إذا رأيتم الهلال فافطروا وأشهدوا عليه عدولا من المسلمين) وقصوره عن معارضة المعتبرة المستفيضة لعدم الاكتفاء بما دون العدلين من وجوه لا ينبغي


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 1

[ 363 ]

الالتفات إليه، كما هو واضح. (و) كذا (لا) يثبت (بشهادة النساء) منفردات ومنضمات إلى الرجال إجماعا بقسميه ونصوصا (1) (و) كذا (لااعتبار) في ثبوته (بالجدول) الذي هو حساب مخصوص عند المنجمين مأخوذ من مسير القمر واجتماعه مع الشمس، لاستفاضة النصوص (2) في عدم ثبوت دخول الشهر إلا بالرؤية أو مضي ثلاثين يوما من الشهر السابق، على ان اكثر احكام التنجيم من الحدس الذي خطأه اكثر من صوابه، بل هم لا يثبتون اول الشهر على وجه لزوم الرؤية بذلك وانما هو على معنى تأخر القمر عن محاذاة الشمس ليرتبوا عليه مطالبهم من حركات الكواكب وغيرها، ويعترفون بأنه لا يمكن رؤيته، وانما يظنون في بعض الاحوال مقارنة الرؤية للتأخر المفروض، فقد يخطئ وقد يصيب، فضبط الحساب المزبور وكونه كأيام الاسبوع عندنا وأنه من القطعيات وليس من أحكام المنجمين لا تقتضي تحقق الرؤية به التي يظنها المنجم بسبب التأخر المزبور وحينئذ فما عن بعض الجمهور وشاذ منا لم نتحققه من الثبوت به، لقوله تعالى (3): (وبالنجم هم يهتدون) وبأن الكواكب والمنازل يرجع إليها في القبلة والاوقات التي هي أمور شرعية واضح الضعف، ضرورة تحقق الاهتداء بالنجم بمعرفة الطرق ومسالك البلدان ومعرفة الاوقات ونحو ذلك، وان الذي يرجع إليه في الوقت والقبلة مشاهدة النجم لاظنون أهل التنجيم الكاذبة في اكثر الاوقات الذين مما ورد (4) فيهم (من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل على محمد


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب أحكام شهر رمضان (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب أحكام شهر رمضان (3) سورة النحل - الآية 16 (4) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 2

[ 364 ]

(صلى الله عليه وآله)). (و) كذا (لا) اعتبار (بالعدد) المراد به هنا ما صرح به المصنف في المحكي عن معتبره من عد شعبان ناقصا ابدا وشهر رمضان تاما ابدا الذي يكذبه الوجدان، والنصوص الصحيحة الصريحة، كقول الصادق عليه السلام في صحيح حماد بن عثمان (1): (شهر رمضان شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان) وقال له عليه السلام الحلبي (2) في الصحيح ايضا: ((أرأيت إن كان الشهر تسعة وعشرين يوما أقضي ذلك اليوم ؟ قال: لا إلا ان تشهد لك بينة عدول، فان شهدوا انهم رأوه الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم) وقال أبو جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (3): (إذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين)) إلى غير ذلك من النصوص التي لا يعارضها غيرها من النصوص (4) المنسوبة إلى أهل البيت عليهم السلام التي جميعها أو اكثرها لا يخلو من ضعف وإن تكثر عددها واشتملت على القسم بالله خصوصا بعد إعراض الاصحاب عنها، بل في محكي المعتبر أن عمل المسلمين على خلافها، بل لو صح سندها لوجب تأويلها بما ذكره الشيخ في كتابي الاخبار أو بغيره أو طرحها بعد منافاتها للوجدان والمشاهد بالعيان، فما عن قوم من الحشوية كما في المعتبر من العمل بها لا ينبغي أن يلتفت إليه، ولعل المراد بها سيما المشتمل منها على القسم بالله على ان شهر رمضان لا ينقص التعريض بما يستعمله المخالفون في هذه الازمنة من نقصان يوم أو يومين بدعوى رؤية الهلال على وجه هم يعلمون كذبها، ولذلك لم يوفقوا لعيد فطر ولا لاضحى ابدا،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 3 - 9 - 5 (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب احكام شهر رمضان - الحديث 24 إلى 30

[ 365 ]

فمن الغريب ماعن المفيد في بعض كتبه من القول بالعدد، اللهم إلا ان يريد به غم الشهور الذي ستعرف الحال فيه، وأغرب منه ما في من لا يحضره الفقيه حيث انه بعد ان ذكر جملة من الروايات الدالة على ذلك المشتركة في الضعف كما في المدارك قال: (من خالف هذه الاخبار وذهب إلى الاخبار الموافقة للعامة في ضدها اتقي كما يتقى العامة ولا يتكلم إلا بالتقية كائنا من كان إلا ان يكون مسترشدا فيرشد ويبين له، فان البدعة انما تماث وتبطل بترك ذكرها، ولاقوة إلا بالله) وكأنه إليه أشار المصنف ببعض الحشوية، لكن لا ينبغي ترك الادب معه، لانه من أجلاء الطائفة ومن خزان آل محمد صلى الله عليه وآله، فهو أعلم بما قال وإن صدر منه ما هو أعظم من ذلك من القول بجواز السهو على المعصومين عليهم السلام ووقوعه الذي من ضرورة مذهب الشيعة خلافه، ونسأل الله العفو والعافية والمغفرة لنا وله، فانه الغفور الرحيم الرؤف الحليم العليم الحكيم. (و) كذا (لا) اعتبار (بغيبوبة الهلال) في ليلة الرؤية (بعد الشفق) في ثبوت كونه لليلة السابقة، لما عرفته من النصوص (1) المعتضدة بالعمل بل لعل الوجدان على انه قد يكون كذلك فيما هو معلوم انما هو هلال ليلته إذا كان الشهر تاما، خلافا للصدوق ايضا في المحكي من مقنعه، قال فيه: (اعلم ان الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة، وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين، وإن رؤي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال) ولعله لقول الصادق (عليه السلام) في خبر اسماعيل بن الحر (2) (إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإن غاب بعد الشفق فهو لليلتين) الذي هو مع ضعفه معلوم القصور عن معارضة غيره من وجوه، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، مضافا إلى ما سمعته من دعوى


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب أحكام شهر رمضان (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 3

[ 366 ]

الوجدان الذي لا تصلح هذه الاخبار لمعارضته، والله أعلم. (و) كذا (لا) اعتبار (برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال) في ثبوت انه لليلة الماضية على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة يمكن تحصيل الاجماع معها، ولذا نسبه في المنتهى إلى اكثر علمائنا إلا من شذ منهم، بل في الغنية دعواه على ذلك معللا له بأن من خالف من اصحابنا لم يؤثر خلافه في دلالة الاجماع، بل نسبه في التذكرة إلى علمائنا اجمع من دون إشارة إلى شذوذ المخالف وفي الخلاف نسبته إلى الرواية عن امير المؤمنين (عليه السلام) وابن عمر وأنس، ثم قال: ولا مخالف لهم، فدل على انه إجماع الصحابة، وعلى كل حال فذلك هو الحجة بعد الاصل، وخبر محمد بن عيسى (1) المعتضد بما عرفت، قال: (كتبت إليه جعلت فداك ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان فيرى من الغد الهلال قبل الزوال، وربما رأيناه بعد الزوال، فترى ان نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا كيف تأمر في ذلك ؟ فكتب (عليه السلام) يتم إلى الليل، فانه إن كان تاما رؤي قبل الزوال) والمناقشة في سندها وجهالة المكتوب إليه واضحة السقوط بعد الانجبار بما عرفت، ومعلومية كون المكتوب إليه هنا الامام (عليه السلام) ولو بالقرائن الموجودة في نفس الخبر المزبور، كسقوط دعوى طرحها باعتبار اضطرابها لكون المفروض في السؤال وقوع الاشتباه في شهر رمضان، وانه انما رؤي في غد تلك الليلة، وهو يوم الثلاثين من شعبان، وعلى هذا فالحكم بصوم ذلك اليوم يدل على اعتبار الرؤية قبل الزوال، وقول السائل فترى ان نفطر إلى آخره كالتعليل في الجواب يدل على ان الاشتباه في هلال شوال، وانه لا اعتبار برؤيته قبل الزوال في الحكم به لليلة الماضية، لانه قد يتفق رؤية هلال الليلة اللاحقة قبل الزوال إذا كان الشهر تاما، فتكون مضطربة ساقطة في نفسها فضلا عن النظر


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 4

[ 367 ]

إلى معارضتها لغيرها، ضرورة كون المراد بهلال شهر رمضان هلال شوال توسعا ولو بقرينة ذيل الرواية، لصدق الاضافة بأدنى ملابسة، وأغرب من ذلك دعوى دلالتها على الاعتبار بحمل قوله (عليه السلام): (إن كان تاما) إلى آخره على ان المراد الشهر المستقبل تاما رؤي هلاله قبل الزوال، إذ لا يخفى عدم مدخلية تمام الشهر المستقبل ونقصانه في رؤية الهلال قبل الزوال وعدمها، فقد يرى هلاله وإن كان ناقصا باعتبار تمامية الشهر الماضي كما هو واضح. وخبر جراح المدائني (1) عن الصادق (عليه السلام) (من رأى هلال شوال بنهار في رمضان فليتم صومه) والمناقشة في سنده مدفوعة بما عرفت، وفي دلالته بكونه مطلقا يحمل على المقيد وهو ما تسمعه مما دل على التفصيل يدفعها معلومية اعتبار المقاومة في الحمل المزبور، وهي مفقودة هنا من وجوه، والمرسل (2) المروي عن بعض الكتب عن امير المؤمنين (عليه السلام) (إذا رأيتم الهلال أو رآه ذوا عدل منكم نهارا فلا تفطروا حتى تغرب الشمس، كان ذلك في اول النهار أو في آخره، وقال: لا تفطروا إلا لتمام ثلاثين من رؤية الهلال أو بشهادة شاهدين عدلين انهما رأياه) بل لا يخفى عليك ما فيه من الاشعار بأن المراد من إطلاق الرؤية الرؤية في الليل، وحينئذ تكون النصوص (3) المستفيضة أو المتواترة كما قيل الدالة على ان الصوم والافطار للرؤية دالة على المطلوب، ضرورة ظهورها أو صراحتها في حصر الطريق بذلك، على ان الامر بالصوم فيها انما يكون قبل دخول وقت الصوم، إذ لو أمر به بعد مضي جزء من وقته فاما ان يتوجه إلى مجموع الوقت، أو إلى الليلة المستقبلة من النهار،


(1) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 2 (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 333 (3) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب أحكام شهر رمضان

[ 368 ]

والاول باطل، لانتفاء القدرة عليه، وكذا الثاني، لعدم كونه صوما شرعيا، فتعين كون المراد الامر بصوم يوم ليلة الرؤية وإفطار يوم ليلتها. والمناقشة في ذلك بأن ظهور لفظ الرؤية في الرؤية الشائعة المتعارفة لا يدل على عدم إرادة غيرها من اللفظ، وانما يقتضي ذلك القطع بارادتها منه، ويتوقف إرادة الغير وعدمها على دليل يدل عليه، ومع فرضه لا يكون ذلك معارضا له، إذ كما لا يدل اللفظ على إرادة الرؤية الغير الشائعة فكذا لا يدل على عدم إرادتها، وليس الظهور هنا بمنزلة ظهور اللفظ في المعنى الحقيقي، إذ ذاك يقتضي إرادته خاصة حذرا من لزوم المجاز، بخلافه هنا، فان المفروض دلالة اللفظ حقيقة عليهما معا، إلا انه ينساق إلى الذهن، منهما الشائع المتعارف، فمع فرض دليل يدل على إرادة الاخر معه لا يكون منافيا له، فظهر لك ان المعنى الظاهر من اللفظ قسمان: أحدهما الموضوع له اللفظ، وثانيهما الفرد الشائع من المعنى الموضوع له اللفظ، والاول هو الذي يقتضي عدم إرادة غيره، بخلاف الثاني الذي ما نحن فيه منه، فانه لا يعارض ما يدل على اعتبار الرؤية قبل الزوال وبأن المراد من الامر بالصوم بعد مضي جزء من الوقت هو الامساك في البقية المستقبلة على وجه الاعتداد به، كما ورد استعماله في ذلك في كثير من الاخبار الواردة في الصوم المندوب إذا أراده في اثناء النهار ولم يكن قد تناول مفطرا، كصحيحي عبد الرحمن (1) وموثق أبي بصير (2) وغيرهما. يدفعها اولا اقتضاؤها اعتبار الرؤية قبل الزوال لنفسها لا لكشفها عن صلاحية الرؤية في الليلة السابقة، إلا أنه اتفق المانع من غيم أو أخطأه المتطلع


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم - الحديث 2 و 6 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب وجوب الصوم - الحديث 1 الجواهر - 46

[ 369 ]

أو نحو ذلك، وحينئذ يمكن دعوى الضرورة على خلافه وان المعتبر انما هو الرؤية الليل دون النهار بالمعنى المزبور، وثانيا انه بعد تسليم ظهور تلك النصوص في إرادة الحصر، وتسليم كون المنساق إلى الذهن الرؤية الليلية يكون المعنى لا تصوموا إلا للرؤية الليلية، ولا تفطروا إلا لها، فتعارض حينئذ مادل على اعتبارها قبل الزوال، كما هو واضح بأدنى تأمل، وأن إطلاق الامر بالصوم على الامساك في البقية في بعض النصوص (1) للقرينة الدالة عليه لا ينافي ظهوره مع عدمها فيما قلناه. وبالجملة لا يكاد ينكر منصف ظهور تلك النصوص في عدم اعتبار غير الرؤية الليلية، كظهور النصوص الواردة في إفطار يوم الشك بمجرد الاستهلال في ليلته وعدم رؤيته فيها إذا كانت مصحية من غير تعرض للاستهلال في النهار، كصحيح هارون بن خارجة (2) وخبر الربيع بن ولاد (3) وخبر محمد بن مسلم (4) وخبر عبيد بن زرارة (5) ودعوى كون المراد منها عدم الرؤية في جميع زمن اعتبارها الذي منه قبل الزوال مخالفة لظاهرها أو صريحها كما لا يخفى على من لاحظها، كدعوى دفع ذلك كله أو اكثره بأن الرؤية قبل الزوال كاشفة عنها في الليل ولكن اتفق خطأ المتطلع أو حصول المانع أو نحو ذلك، إذ هي واضحة المنع إن أريد كشفها على جهة العلم، بل لا يدعيها الخصم، ولئن ادعاها كان


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 4 - 2 (4) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1 - 10

[ 370 ]

ردها عليه مفروغا منه وداخلة تحت التظني التي قد استفاضت النصوص (1) أو تواترت في عدم الاعتبار به هنا إن اريد كشفها على جهة الظن بعد التسليم، ودعوى خروج خصوص هذا الظن للدليل القاصر عن معارضة ما سمعت من وجوه كما ترى، إذ ليس هو إلا نصوص قد وردت على حسب غيرها مما ورد (2) في العمل بالجدول والعدد والتطوق ونحوها مما هو مطروح عند الاصحاب، لمعارضة المتواتر من غيرها كما اعترف به الشيخ في التهذيب مكررا، أو محمول على بعض الوجوه التي لا مدخلية لها فيما نحن فيه، منها الحسن كالصحيح (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلته الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلته المستقبلة) ومنها موثق عبيد بن زرارة (4) عنه عليه السلام ايضا (إذا رأوا الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رأوا بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان) ومنها صحيح محمد بن قيس (5) عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال امير المؤمنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فافطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين، وإن لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام، وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم افطروا) ومنها موثق إسحاق بن عمار (6) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان فقال: لاتصم إلا أن تراه، فان شهد اهل بلد آخر فاقضه، وإذا رأيته وسط


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب أحكام شهر رمضان (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب ما يكتسب به - الحديث 2 و 3 والباب 9 من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 2 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 6 - 5 - 1 - 3

[ 371 ]

النهار فأتم صومه إلى الليل) ومنها خبر داود الرقي (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (إذا طلب الهلال في المشرق غدوة فلم ير فهو ههنا هلال جديد رؤي أو لم ير) ومنها المرسل (2) عن ابي جعفر عليه السلام (إذا أصبح الناس صياما ولم يروا الهلال وجاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا وليخرجوا من الغد اول النهار إلى عيدهم، وإذا رؤي هلال شوال بالنهار قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رؤي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان). لكن لا يخفى عليك شذوذ هذه النصوص الفاقد بعضها بعض شرائط الحجية، وأنها كغيرها من نصوص العدد والجدول والتطوق وغيرها، وقد ألقتها الطائفة وأعرضت عنها واستقر عملها قديما وحديثا على نصوص الرؤية، فالواجب حينئذ طرحها أو حملها على بعض الوجوه ولو بعيدا، لكونه أولى من الطرح، ولذا حمل الشيخ الاولين منها اللذين هما العمدة في هذا المقام، ولذا اقتصر عليهما بعض على اعتبارها مع شهادة الشاهدين بالرؤية في الليل في الصحو الذي يعتبر فيه لولاها الخمسون، إلا أنه كما ترى مع بعده في نفسه ولا يتم على القول باعتبار الشاهدين مطلقا مناف لظاهرها وظاهر ما دل على اعتبار الخمسين وما دل على حكم الشاهدين، ولابد حينئذ من ارتكاب التخصيص في الاولين كما لا يخفى، ولعل الطرح أولى من هذا الحمل، أو يحملان على إرادة بيان كون ذلك أمارة يستفاد منها الظن، وربما تفيد إذا انضمت مع غيرها كشهادة الواحد أو المتعدد ممن لا يعتبر شهادته حصول القطع، ولعل ذلك هو الوجه في ذكرها، أو أن المراد منها بيان ذلك ليظن السامع ممن يتقى منه الاجتزاء بها وإن لم تكن هي كذلك،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 4 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 6 من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 2 وتمامه في الفقيه ج 2 ص 110 الرقم 468

[ 372 ]

فتندفع التقية بذلك مع عدم التصريح بالاعتبار، وكون المحكي عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك وغيرهم عدم اعتبار ذلك بل قيل إنه المشهور بينهم فتوى ورواية لا ينافي وجودها من غيرهم، كأبي ثور وأبي يوسف اللذين هما في زمن الصادق (عليه السلام) وغيرهما، بل حكاه المرتضى عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وقال: إنه لا مخالف لهم، بل الظاهر أن استفاضة النصوص بعدم العمل هنا بالشك والظن وأن شهر رمضان فريضة من فرائض الله لا يؤدي بهما تعريضا في الرد عليهم وأن المشهور بين رواتهم ومحدثيهم ذلك. وأما صحيح محمد بن قيس فقد يقال بدلالته على المطلوب باعتبار كون المراد من الوسط فيه ارتفاع النهار، وتخصيص ذلك لكونه المظنة في ابتداء رؤية الهلال نهارا بخلاف أول طلوع الشمس أو قبلها، لا أقل من الاحتمال الذي يبطل به الاستدلال، ودعوى كون المراد من الوسط ما بعد الزوال فيدل بالمفهوم على خلاف المطلوب لا شاهد لها، بل لعل اشتراط الوسط فيما بين قبل الزوال وبعده ينافيها، وتكلف تخصيص خصوص الاخير منها لاقتضاء إلغاء المفهوم في الوسط على تقدير دخول جزء مما قبل الزوال لاداعي له، مع احتمال كون الفائدة في الاقتصار كون ذلك ابتداء مظنة الرؤية نهارا كما أومأنا إليه، فتأمل جيدا، ولعله لذلك ونحوه جعله بعضهم دليلا للمشهور، وكذا موثق إسحاق ايضا بناء على كون المراد من الوسط فيه ما عرفت، فيكون المراد الامر باتمام صومه على انه من شعبان كما فهمه الراوي حيث قال (عليه السلام) يعني أتم صومك إلى الليل على أنه من شعبان دون أن ينوي انه من رمضان، لاأن المراد منه ما قبل الزوال، لحمل الامر فيه بالاتمام على الوجوب، ولايكون ذلك إلا للحكم بكونه لليلة الماضية للرؤية قبل الزوال، إذ هو كما ترى، ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال.

[ 373 ]

وأما خبر داود الرقي فالظاهر كون المراد الحكم بطلوعه في الليلة المستقبلة بمجرد عدم الرؤية في المشرق فيما قبل تلك الليلة عند الفجر، وهو حينئذ خارج عما نحن فيه وإن كان ايضا لا عبرة بذلك كما أومأ إليه في الدروس بقوله: (ولاعبرة بعدم طلوعه من المشرق في دخول الشهر في الليلة المستقبلة إلا في رواية داود الرقي) بل واللمعة حيث قال: (ولاعبرة بالخفاء ليلتين في الحكم به بعدها) بناء على قراءتها بالثاء المنقطة من فوق ثلاثا، فيكون عين ما في الدروس، وربما يؤيده انه ليس في نفس ولا فتوى اعتبار خفاء الليلتين حتى يكون إشارة إليه، اللهم إلا ان يكون إشارة إلى ما يشعر به المرسل (1) عن الصادق (عليه السلام) (قد يكون الهلال لليلة وثلث، وليلة ونصف، وليلة وثلثين، وليلتين، ولا يكون وهو لليلة) من ان منتهى الخفاء ليلتين، وعلى كل حال لا عبرة بذلك لما نراه بالوجدان من الخفاء أزيد من ليلتين. وأما مرسل الصدوق فهو مع عدم كونه حجة كخبر داود الرقي يجري فيه بعض ما ذكرنا. وقد بان لك من ذلك كله انه لا يليق بالفقيه العارف بقواعد الفقه ولسانه الركون إلى هذه النصوص، والاعراض عن تلك النصوص التي ادعي تواتراها، والموافقة مع ذلك لقوله (2): (لتكملوا العدة) بناء على إرادة الثلاثين منها مع قيام نحو هذه الامارات على ما أشار إليه بعض النصوص، ولقوله تعالى (3): (أتموا الصيام إلى الليل) كما أشار إليه بعض آخر، وللاصل والاجماع المحكي وغيرها، فما عن المرتضى (رحمه الله) في الناصريات من اعتبار ذلك حيث أنه


(1) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 2 وفي ذيله " ولليلتين إلا شئ ولليلة " كما في المقنع ص 58 الطبع الحديث (2) و (3) سورة البقرة - الآية 181 - 183

[ 374 ]

بعد أن ذكر قول الناصر: (إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية) قال: (هذا هو الصحيح، وهو مذهبنا، بل قال: إن عليا (عليه السلام) وابن مسعود وابن عمر وأنسا قالوا به، ولا مخالف لهم) وقد سمعت ما حكاه الشيخ في الخلاف عن هؤلاء، وربما يستظهر ذلك ايضا من الصدوق والكليني باعتبار إيرادهما رواية التفصيل في الفقيه والكافي، خصوصا الاول الذي ذكر في أوله انه ما يورد فيه إلا ما يعتقد انه حجة بينه وبين ربه، لكن من تتبع كتابه المزبور بعلم عدوله عن ذلك، كما ان من تتبع الكافي يعلم انه قد يورد فيه ما لا يعمل به فانحصر الخلاف حينئذ فيمن عرفت، نعم مال إليه جماعة من متأخري المتأخرين، إلا أن منشأه اختلاف الطريقة، لكن من غرائب الاتفاق خيرة العلامة الطباطبائي له في مصابيحه مع استقامة طريقه، وأما ما ذهب إليه العلامة في المختلف من التفصيل بين الصوم والفطر فيعتبر في الاول دون الثاني فكأنه ليس قولا في المسألة ضرورة ان منشأه الاحتياط، بل قال في آخر المبحث: لو رأى الهلال في اول الشهر قبل الزوال ولم ير ليلة أحد وثلاثين هلال شوال وجب صومه إن كان هذا الفرض ممكنا، أو حصلت علة، لان الاحتياط للصوم متعين، فلا يجوز الاقدام على الافطار بناء على مثل هذه الروايات المفيدة للظن المعارضة بمثلها، ومنه يعلم ان المراد بالاحتياط تأكد الصوم في الاول بنية الند ب لابنية انه رمضان، وانه يقوى بذلك احتمال تقدم الهلال، فلا وجه حينئذ لمناقشه بأن الاحتياط في الصوم في الاخير معارض بحرمته في العيد، وبأنه مناف لنية كونه من رمضان نعم قد يقال إن الحكم فيما ذكره من الفرع كذلك مع قطع النظر عن الاحتياط إذ من الواضح كون ذلك عند القائل أمارة يجوز تخلفها، فهو حينئذ كما لو ثبت بشهادة العدلين، ومما يؤيد ان ما في المختلف ليس قولا في المسألة وضوح عدم الفرق، بل ولا بين سائر الاهلة في الامارة المزبورة، خصوصا مع إطلاق بعض

[ 375 ]

الادلة، اللهم إلا ان يقال باحتصاص الشهرين اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن لكنه كما ترى. (و) كذا (لا) يعلم (بتطوقه) بظهور النور في جرمه مستديرا بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به في المدارك عدا ما عساه يظهر من الصدوق في الفقيه، حيث روى فيه الصحيح الدال عليه بناء على ما ذكره في صدره من انه لا يورد فيه إلا ما يعمل عليه، وربما مال إليه الخراساني في الذخيرة، لصحة الخبر الدال عليه، وهو صحيح مرازم (1) عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) ((إذا تطوق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث ليال) وكون نسبته إلى معارضيه نسبة المقيد إلى المطلق الذي هو مادل على وجوب الصوم بالرؤية أو الشاهدين أو مضي ثلاثين يوما، وما دل على عدم وجوب قضاء يوم الشك إلا مع قيام البينة بالروية في الليلة السابقة، وفيه ان الشرط في حمل المطلق على المقيد المكافأة المفقودة في المقام قطعا، من وجوه بعد الاغضاء عن سنده الذي منع صحته في التذكرة، وعن احتماله الاختفاء تحت الشعاع لليلتين أو ثلاث كاحتمال خبر الغيبوبة (2) قبل الشفق وبعده ذلك ايضا، بل يقوى في الظن أن المشار إليه في نصوص النهي عن العمل بالشك والتظني هنا هو ذلك ونحوه مما عرفت وتعرف، ومن الغريب ما في التهذيب فانه مع مبالغته للعمل بأمثال هذه النصوص حتى جعلها مخالفة للمعلوم من الادلة بالتواتر وغيره قال هنا بعد ان اورد هذا الصحيح وخبر اسماعيل بن الحر (3) المتقدم آنفا الوجه في هذين الخبرين وما يجري مجراهما مما هو في معناهما أن ذلك انما يكون أمارة على اعتبار دخول


(1) الوسائل - الباب 9 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 2 عن محمد بن مرازم عن ابيه (2) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 3

[ 376 ]

الشهر إذا كان في السماء علة من غيم أو ما يجري مجراه، فجاز حينئذ اعتباره في الليلة المستقبلة بتطوق الهلال وغيبوبته قبل الشفق وبعد الشفق، ولعله يريد ما ستسمعه منه في النصوص الاتية من الاعتبار الاحتياطي بمعنى انه ينبغي له الاحتياط مع ذلك، لقوة الظن بكون اليوم السابق من شهر رمضان، وإلا فلا فرق بين العلة وعدمها في عدم كون ذلك علامة، بل هو قول حينئذ بما هو خارج عن النصوص جميعا، واحتمال الاكتفاء هنا بالظن كالوقت بالنسبة إلى الفريضة خلاف الظاهر النصوص والفتاوى أو صريحها، وإن كان متجها من حيث القياس المعلوم بطلانه عند الامامية. (و) كذا (لا) عبرة (بعد خمسة أيام من أول الهلال في) السنة (الماضية) وصوم يوم الخامس وإن كان موافقا للعادة، بل في المحكي عن عجائب المخلوقات للقزويني قد امتحنوا ذلك خمسين سنة فكان صحيحا، وبه خبر عمران الزعفراني (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن السماء تطبق علينا بالعراق اليوم واليومين والثلاثة فأي يوم نصوم ؟ قال: أفطر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وصم اليوم الخامس) وخبره الاخر (2) ايضا (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا نرى شمسا ولانجما فأي يوم نصوم ؟ قال: أفطر اليوم الذي صمته من السنة الماضية، وعد خمسة أيام وصم اليوم الخامس) ومرسل الصدوق (3) عنه عليه السلام (إذا كان شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام، وصم يوم الخامس) وخبر


(1) و (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب أحكام شهر رمضان الحديث 3 - 4 مع اختلاف في لفظ الاول (2) فروع الكافي ج 2 ص 81 الطبع الحديث الجواهر - 47

[ 377 ]

محمد بن عثمان الخدري (1) عن بعض مشايخه عنه صلوات الله عليه (صم في العام المستقبل يوم الخامس من يوم صمت عام الاول) وخبر عاصم بن حميد (2) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) (عدوا اليوم الذي تصومون فيه وثلاثة أيام بعده وصوموا يوم الخامس، فانكم لن تختلفوا) وخبر غياث (3) الذي هو نحوه، نعم قيد ذلك بعضهم بغير السنة الكبيسة، أما فيها فيعد ستة أيام لخبر السياري (4) قال: (كتب محمد بن الفرج إلى العسكري عليه السلام يسأله عما روي من الحساب في الصوم عن آبائك (عليهم السلام) في عد خمسة أيام بين أول السنة الماضية والسنة الثانية التي تأتي فكتب صحيح، ولكن عد في كل اربع سنين خمسا، وفي السنة الخامسة ستا فيما بين الاولى والحادث وما سوى ذلك فانما هو خمسة خمسة، قال السياري: وهذه من جهة الكبيسة، قال: وقد حسبه أصحابنا فوجدوه صحيحا، قال: وكتب إليه محمد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين ومائتين هذا الحساب لا يتهيأ لكن إنسان يعمل عليه، انما هذا لمن يعزف السنين، ومن يعلم متى كانت السنة الكبيسة، ثم يصح له هلال شهر رمضان اول ليلة، فإذا صح الهلال لليلته وعرف السنين صح له ذلك إن شاء الله) ولعل هذا من كلام الكليني وان قوله (قال) ثانيا يراد منها بيان تاريخ الكتابة الاولى التي رواها أولا، وحينئذ يكون ذلك وجها للنصوص المزبورة جميعها، وانها خاصة فيمن عرف ذلك، والظاهر اختصاص هذه المعرفة على وجهها القطعي بأهل البيت عليهم السلام خاصة، أو تحمل النصوص المزبورة على إرادة بيان الامر بصوم يوم الخامس لا على أنه من شهر رمضان بل من شعبان ليحصل الاجزاء به لو بان انه من شهر رمضان، أو على ما قيل من اختصاص الاعتبار بها مع غم الشهور وإذا كانت في


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 1 - 8 - 8 - 2

[ 378 ]

السماء علة بناء على الاجتزاء بالظن حينئذ، وإن كان الاقوى عدم اعتبارها مطلقا لقصورها عن معارضة غيرها ولو بالتقييد من النصوص المزبورة التي ادعي تواترها ولعلها كذلك المفتى بمضمونها على وجه يمكن تحصيل الاجماع عليه، خصوصا مع ملاحظة المحكي منه على لسان جماعة، وخصوصا مع تصريح غير واحد بكون هذه النصوص وما جرى مجراها مما لا يفيد بالنسبة الينا إلا الظن من الشواذ المهجورة المطرحة التي خرجت منهم (عليهم السلام) مخرج التقيد، أو لخصوص العالم بها على وجه يحصل له القطع دون الظن والتخمين، أو يراد منها الاحتياط لكونها من الامارات المفيدة للظن أو غير ذلك، وإن أبيت فليس لها إلا الطرح وردها إلى علمهم (عليهم السلام) بها هذا. وفي اللمعة بعد أن ذكر مثل ماهنا من عدم العبرة بشئ من الامور السابقة قال: والخفاء لليلتين في الحكم به بعدها خلافا لما روي في شواذ الاخبار من اعتبار ذلك كله، وهو جيد، لكني لم أقف على من أفتى باعتبار الخفاء ليلتين في الحكم بخروج الهلال بعدهما، ولا على خبر دال عليه، اللهم إلا أن يكون أشار به إلى ما رواه الصدوق في المحكي عن مقنعه مرسلا (1) عن أبى عبد الله عليه السلام (قد يكون الهلال لليلة وثلث، وليلة ونصف، وليلة وثلثين، وليلتين، ولا يكون وهو لليلة) باعتبار إشعار الاقتصار على ليلتين أنه لا يكون لثلاث، وإلى خبر داود الرقي (2) عنه صلوات الله عليه (إذا طلب الهلال في المشرق غدوة فلم ير فهو هنا هلال جديد رؤي أو لم ير) إلا انهما كما ترى مع ضعفهما وشذوذهما غير ظاهرين في شئ من ذلك، ومن هنا قد يحتمل في عبارته


(1) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 2 وفي ذيله " ولليلتين إلا شئ ولليلة " كما في المقنع ص 58 من الطبع الحديث (2) الوسائل - الباب - 9 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 4

[ 379 ]

لثلثين بالثائين المثلثتين، ويكون متعلقا بجيمع ما ذكره سابقا أي لا عبرة بشئ من ذلك لكون الهلال لليلة الثلاثين، ويكون المراد بالخفاء ما في خبر داود المزبور، كما قال في الدروس: (ولا عبرة بعدم طلوعه من المشرق في دخول الشهر في الليلة المستقبلة إلا في رواية داود) ولعل ذلك أولى، لان الخفاء ليلتين مما لم يذكره أحد ممن وصل الينا كلامه، والله أعلم. (و) قد بان لك من ذلك كله انه لا يحكم بشئ من ذلك عدا الرؤية نعم (يستحب صوم) يوم (الثلاثين من شعبان بنية الندب) بلا خلاف معتد به نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، بل (و) على انه (إن انكشف من الشهر أجزأ) مضافا إلى النصوص (1) (و) أما (لو صامه بنية رمضان لامارة قيل: يجزيه وقيل: لا) يجزيه (وهو الاشبه) كما تقدم الكلام في ذلك كله مفصلا هذا كله فيما لو صامه (فان أفطره فأهل شوال ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان قضاه) قطعا، لانكشاف خروجه قبل ذلك، ضرورة عدم نقصان الشهر عن تسعة وعشرين (وكذا لو قامت بينة برؤيته ليلة الثلاثين من شعبان) بلا خلاف نصا وفتوى ولا إشكال، أما إذا كان هلاله ليلة التاسع والعشرين من هلال رمضان ببينة ففي وجوب القضاء وعدمه وجهان، أقواهما الاول إجراء للبينة مجرى اليقين. (و) حيث بان عدم العبرة بشئ من الامور السابقة كان المتجه في (كل شهر تشتبه رؤيته يعد ما قبله ثلاثين) ويحكم به من غير فرق بين شهر رمضان وغيره، لاصالة بقاء الشهر ببقاء القمر في المحاق السالمة عن معارضته عادة ونحوها فيما لو كان الاشتباه في شهر أو شهرين على وجه لا تقضي العادة بنقصانهما، وفي


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب وجوب الصوم

[ 380 ]

صحيح محمد بن قيس (1) (كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم افطروا) وفي صحيح محمد بن مسلم (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) (وإذا كان ذا علة فأتم شعبان ثلاثين) ونحوهما غيرهما (و) أما (لو غمت شهور السنة) كلها فالاكثر كما في المسالك (عد كل شهر منها ثلاثين) ايضا، للاصل المزبور ايضا، لكن اشكله في المسالك بأن ذلك خلاف الواقع في جميع الازمان وبمنع كون التمام هو الاصل، إذ ليس للشهر شرعا وظيفة معينة حتى يكون خلافها خارجها عن الاصل، وانما المعتبر شرعا الاهلة، وهي محتملة للامرين وأجاب بأن معنى الاصل أن الشهر المعين كشعبان مثلا واقع ثابت، فالاصل استمراره إلى ان يتحقق زواله، ولا يتم ذلك إلا بمضي ثلاثين، وكذا القول في غيره، أو تقول إذا حصلت الخفية للهلال وهو المحاق فالاصل بقاؤها، وعدم إمكان الرؤية إلى ان يتحقق خلافه بمضي الثلاثين، ولكن ذلك يتوجه في الشهرين والثلاثة، أما في جميع السنة كما هو المفروض ففيه إشكال، لبعده وعدم وجود نظيره، ومن ثم قال جماعة من الاصحاب منهم العلامة والشهيد في الدروس بالرجوع إلى رواية الخمسة (3) ولا بأس به عملا بالرواية وقضاء العادة، لكن يبقى الاشكال فيما لو غم بعض السنة خاصة كما هو الواقع، وحينئذ فعد الثلاثين للشهرين أقوى، وفيما زاد نظر، ثم ذكر خبر الزعفراني (4) وقال: وعمران مجهول والرواية مرسلة في طريق، وضعيفة في آخر، وغير مقيدة بغمة الجميع، ومحتاجة إلى تقييد الخمسة بغير السنة الكبيسة، وفيها ستة عملا بالعادة ومقتضى الحساب


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 5 (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 0 - 3

[ 381 ]

قلت: (و) لعله لذلك (قيل ينقص منها لقضاء العادة بالنقيصة) لكن في المدارك ان القول باحتساب بعضها ناقصا مجهول القائل مع جهالة قدر النقص وجهالة خصوص الناقص (و) من هنا (قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن مبسوطه، والفاضل في المحكي من جملة من كتبه، والشهيدان في الدروس والروضة (يعمل في ذلك برواية الخمسة) وفي المختلف ان المعتمد في ذلك العادة لا الرواية، وفيه منع اطراد العادة بالنقيصة على هذا الوجه، كمنع صلاحية الرواية للعمل بها كذلك (و) حينئذ فلا ريب في أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده مع كون المراد تنقيح حال شهر أو شهرين بل وأزيد من ذلك مع تعدد المكلف واتحاده، ضرورة امكان جريان الاصل حينئذ بلا معارض، أما إذا كان محل التكليف تمام السنة كما لو نذر عبادة مثلا في سنة هلالية واتفق غم الشهور كلها أشكل حينئذ وجوبها في جميعها على ثلاثين للاصل المعلوم عادة انقطاعه، فالمتجه حينئذ فعلها فيما لم يتيقن بمقتضى العادة نقصانه، وكذا كل ما كان من هذا القبيل، بخلاف ما لو كان محل التكليف شهرا بخصوصه أو شهرين ونحو ذلك، ولا يخفى عليك ان العادة لا تعارض حكم الثلاثين في الشهرين فما زاد ضرورة عدم الحكم بتمامها واقعا كي يلزمه نقصان ما بعدها، بل هي تامة بمقتضى الاصل الذي هو حجة في مقتضاه خاصة دون لازمه، كما هو واضح، فتأمل جيدا فانه لا يخلو من دقة، ومنه يعلم كون المدار على ثلاثين إلا مع العلم عادة بالنقصان ولو على الوجه المزبور، والله اعلم. (ومن كان بحيث لا يعلم الشهر) شهر رمضان بخصوصه (كالاسير والمحبوس صام شهرا تغليبا) له على غيره إذا كان قد تحرى فغلب هو على ظنه انه شهر رمضان دون غيره من الاشهر، إذ احتمال وجوب السنة تماما عليه للمقدمة مناف لنفي الضرر والعسر في الشريعة، وصوم غير المظنون مناف لتعبد المرء بظنه

[ 382 ]

وحينئذ (فان استمر الاشتباه فهو برئ، وان اتفق في شهر رمضان أو بعده أجزأه، وان كان قبله قضاه) بلا خلاف اجده، بل الاجماع في محكي التذكرة والمنتهى عليه، لصحيح عبد الرحمان بن الحجاج (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (قلت له: رجل أسرته الروم ولم يصم شهر رمضان ولم يدر أي شهر هو قال: يصوم شهرا يتوخاه ويحسب، فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه، وان كان بعد رمضان أجزأه) ولا يشكل ذلك بأن شرط صحه القضاء نية التعيين، وهو لم ينو القضاء وانما نوى الاداء، إذ هو مع انه اجتهاد في مقابلة النص والفتوى يمكن التخلص منه بما قيل من انه ينوي الوجوب عما في ذمته، فان كان ذلك الشهر شهر رمضان أجزأه ذلك، لما عرفت من الاكتفاء فيه بنية القربة، لانه لا يقع فيه غيره، وان كان ما بعده تعين كونه قضاء، لانه هو الثابت في الذمة، وقد تبين في محله عدم وجوب التعرض لنية الاداء والقضاء، وان كان قد يناقش فيه بأنه غير جازم بكونه في ذمته بعد فرض احتمال التقدم على شهر رمضان. وعلى كل حال فقد صرح غير واحد من الاصحاب بأنه يلحق ما ظنه حكم الشهر في وجوب الكفارة في افساد يوم منه ان لم يتبين تقدمه، وإلا كان فيه الوجهان فيمن فعل موجبا للكفارة ثم سقط فرض الصوم عنه بحيض أو مرض أو نحوهما، وكذا إن تبين تأخره كان في وجوب كفارة الافطار في رمضان أو كفارة الافطار في قضائه وجهان، وفي وجوب متابعته وإكماله ثلاثين لو لم ير الهلال في الطرفين، فان رآه فيهما لم يكن عليه إلا صوم شهر هلالي، نعم لو تبين مخالفته لرمضان، وكان رمضان تاما كان عليه قضاء يوم إن لم يكن الشهر الذي


(1) الوسائل - الباب - 7 - من أبواب أحكام شهر رمضان - الحديث 1 عن عبد الرحمان بن أبى عبد الله

[ 383 ]

صامه شوالا أو ذا الحجة، وإلا فصيام يومين أو اكثر، لمكان العيدين وإيام التشريق، نعم لو كان رمضان ناقصا وقد صام شوالا وكان تاما لم يكن عليه قضاء، ويلحقه ايضا احكام العيد من الصلاة والفطرة وحرمة الصوم وغير ذلك من احكام الشهر واجباته ومندوباته، لكن قد يشكل ذلك بأنه ليس في النص الذي هو العمدة في المقام ما يقتضي ذلك من إطلاق منزلة ونحوها، ومجرد وجوب الصوم للظن أعم من ذلك، ولو سلم فجريان الوجهين فيما لو بان التقدم بل والتأخر في غاية الاشكال، ضرورة ظهور عدم إفطاره شهر رمضان، إذ هو حينئذ كمن زعم يوما من شهر رمضان فأفطره ثم بان أنه ليس منه، وأشكل من ذلك كله ما ذكروه ايضا من غير خلاف فيه بينهم بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه من انه إن لم يظن شهرا تخير في كل سنة شهرا مراعيا للمطابقة بين الشهرين في سنتين بأن يكون بينهما أحد عشرا شهرا لاأزيد ولا أنقص، وإلا كان أحد الشهرين على اليقين غير رمضان، ثم يجري عليه الاحكام السابقة، وفيه أولا انه لا دليل على هذا التخيير، ودعوى انحصار الامتثال فيه بعد العلم ولو بالاطلاقات والاستصحاب ونحوهما ببقاء التكليف يدفعها منع العلم ببقاء التكليف، بل لعل العلم بسقوطه لعدم الطريق إلى امتثاله متحقق، والتخيير لم يثبت كونه طريقا شرعا، والانتقال إليه من مجرد فرض الخطاب بالصوم ممنوع، سيما مع تعدد الطرق الممكن تكليف الشارع بها في هذا الحال من القرعة وغيرها، ثم بعد الاغضاء عن ذلك كله إجراء أحكام شهر رمضان عليه كما ترى، مع ان العلامة في التذكرة لم يقطع بذلك بالنسبة إلى التتابع في الصورة الاولى فضلا عن الثانية، قال: (فإذا توخى شهرا فالاولى وجوب التتابع فيه وإن كان له ان يصوم قبله وبعده) ولعله لذلك كله وغيره مال بعض المحققين من مشايخنا إلى سقوط الاداء عنه، ويتعين عليه القضاء، ولو حصل له العلم بعدم التقدم لو صام أمكن القول

[ 384 ]

بوجوب صومه ناويا ما في ذمته من الاداء أو القضاء، فتأمل جيدا، ثم إنه إذا اختار شهرا فهل يتعين ذلك في حقه بحيث لا يجوز له العدول عنه إلى شهر آخر ؟ وجهان ؟ أقواهما العدم، كما ان الظاهر العدول في المظنون لو تجدد له ظن بغير الشهر الذي ظنه أولا. (و) كيف كان ف‍ (وقت الامساك) عن المفطرات (طلوع الفجر الثاني) بلا خلاف بين علماء الاسلام، بل إجماعهم بقسميه عليه، وقد قال الله تعالى (1): (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) نعم في المدارك وغيرها (انه يستثنى من ذلك الجنابة، فيجب الامساك عنها قبل طلوع الفجر إذا لم يتسع الزمان لها وللاغتسال، لبطلان الصوم بتعمد البقاء على الجنابة) وهو كذلك مع فرض قصور الوقت عن الغسل والتيمم أما إذا كان عن الاول خاصة فقد يقال بصحة صومه وإن أثم بالجنابة، كتعمد البقاء عليها حتى ضاق الوقت، والاثم بذلك أعم من البطلان، نحو من أراق الماء بعد دخول الوقت، لكن الانصاف عدم خلو ذلك هنا من الاشكال باعتبار عدم دليل يعتد به في قيام التيمم مقام الغسل، خصوصا بعد ان لم يرد هنا نحو ما ورد في الصلاة من عدم سقوطها بحال ونحوه كما أشرنا إلى ذلك سابقا، والله اعلم. (ووقت الافطار غروب الشمس) بلا خلاف ايضا كذلك (و) انما الكلام في (حده) والتحقيق أنه (ذهاب الحمرة من المشرق) كما اشبعنا فيه البحث في كتاب الصلاة، خلافا لجماعة منا وكثير من العامة، فلاحظ وتأمل. (ويستحب) له (تأخير الافطار حتى يصلي المغرب إلا ان تنازعه نفسه


(1) سورة البقرة - الآية 183 الجواهر - 48

[ 385 ]

أو يكون من يتوقعه للافطار) لصحيح الحلبي (1) (سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الافطار قبل الصلاة أو بعدها فقال: إن كان معه قوم يخاف ان يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم، وإن كان غير ذلك فليصل ثم ليفطر) ومرسل عبد الله بن بكير (2) عنه عليه السلام ايضا (يستحب للصائم إن قوي على ذلك أن يصلي قبل أن يفطر) وموثق زرارة وفضيل (3) عن الباقر عليه السلام (في رمضان تصلي ثم تفطر إلا ان تكون مع قوم ينتظرون الافطار، فان كنت معهم فلا تخالف عليهم وافطر ثم صل، وإلا فابدأ بالصلاة، قلت: ولم ذلك ؟ قال: لانه حضرك فرضان الافطار والصلاة فابدأ بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة، ثم قال: تصلي وانت صائم فتكتب صلاتك تلك وتختم بالصوم أحب إلي) ولعل المراد كما قيل انه تكتب صلاتك مختومة بالصوم بمعنى كتابتها صلاة الصائمين، ورواه في المقنعة (4) عنهما عنه عليه السلام (تقدم الصلاة على الافطار إلا ان تكون مع قوم يبتدئون بالافطار، فلا تخالف عليهم وافطر معهم وإلا فابدأ بالصلاة، فانها أفضل من الافطار، وتكتب صلاتك وانت صائم أحب إلي) هذا. وفي المدارك (انه ربما ظهر من العبارة عدم استحباب تأخير الافطار إذا نازعته نفسه في تقديم الصلاة، ولم أقف على رواية تدل عليه، وربما كان وجهه استلزام تقديم الصلاة على هذا الوجه فوات الخشوع والاقبال المطلوب في العبادة وعندي أن الاولى تقديم الصلاة في هذه الصورة، لاطلاق النصوص المتقدمة، ومخالفة النفس في الميل إلى خلافه، فان الخير عادة) قلت: في المقنعة (5) روى ايضا في ذلك (انك إذا كنت تتمكن من الصلاة وتفعلها وتأتي على حدودها قبل ان تفطر فالافضل أن تصلي قبل الافطار، وإن كنت ممن تنازعك نفسك


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب آداب الصائم الحديث 1 - 3 - 2 - 4 - 5

[ 386 ]

للافطار وتشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالافطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة، غير أن ذلك مشروط بأن لا يشتغل بالافطار قبل الصلاة إلى ان يخرج وقت الصلاة) وربما توهم كون ذلك بعد الفتوى به من المصنف وغيره كافيا في إثباته للتسامح، وفيه انه هنا مقتض لرفع مستحب آخر، فيشكل جريان دليل التسامح فيه، إذ الظاهر اختصاصه بما إذا كان المقابل احتمال الاباحة، على أنه قد يمنع استحباب الافطار في الفرض بدعوى كون الظاهر من النص والفتوى عدم استحباب تقديم الصلاة حينئذ لااستحباب الافطار، والامر وإن ورد به لكنه في مقام توهم ترك الاولى، فلا يراد منه إلا بيان عدم كونه كذلك حينئذ لكنها كما ترى خصوصا مع ملاحظة الموثق، وقد يلحق به منازعة النفس على التنباك والقهوة والترياك ونحوها إن لم يدخل تحت المراد من الافطار. وعلى كل حال فالظاهر عدم اختصاص الحكم في شهر رمضان، لاطلاق الادلة، وعدم اعتبار كون المنتظر قوما وإن كان هو الموجود في النصوص المزبورة والممسك أدبا خارج عن أصل المسألة، ضرورة ظهور النص والفتوى في الصوم المعتبر شرعا، نعم ظاهر صحيح الحلبي الاجتزاء في ثبوت الندب في المستثنى بمخافة حبس القوم عن عشائهم، هذا، وفي الحدائق الظاهر أن المراد بالصلاة المأمور بتقديمها في هذه النصوص هي صلاة المغرب وحدها محافظة على وقت فضيلتها لضيقه، فيكفي في تأدي السنة تقديمها خاصة، وفيه ان ذلك وإن كان ظاهر المصنف ايضا إلا انه قد ينكر ظهور النصوص في ذلك، خصوصا مع ملاحظة تعليل الختم بالصوم، ومنه يعلم منع كون الحكمة في ذلك المحافظة على وقت الفضلية، بل لو أفطر بما لا ينافي المحافظة على وقت الفضيلة فاته المستحب كما هو واضح، كما انه قد يعلم من التأمل في بعض النصوص المزبورة خصوصا الموثق المزبور كون المراد هنا أفضلية الافطار في المستثنى لا أن الاستحباب مخصوص

[ 387 ]

فيه بمعنى انه لو لم يفطر وقدم الصلاة في الفرض المزبور لم يترتب له شئ من الثواب، بل المراد انه في هذا الحال الاولى مراعاة المنتظر، وكذلك العكس، فتأمل جيدا، والله أعلم. إلى هنا تم الجزء السادس عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه، وقد بذلنا غاية جهدنا في تصحيحه ومقابلته للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف طاب ثراه وقد خرج بعون الله تعالى خاليا عن الاغلاط الا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر ويتلوه الجزء السابع عشر في شروط الصوم ان شاء الله تعالى عباس القوچانى.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية