جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 17


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنه 1266 الجزء السابع عشر قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچاني نهض بمشروعه الشيخ على الاخوندى نام كتاب: جواهر الكلام تأليف: الشيخ محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتب تيراز: 1500 جلد نوبت چاپ: دوم تاريخ انتشار: 1365 چاپ از: چاپخانه خورشيد آدرس ناشر: تهران، بازار سلطاني، دار الكتب الاسلامية تلفن 520410 - 527449

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (الثاني في الشروط) (وهي قسمان) (الاول ما باعتباره يجب الصوم، وهو سبعة: البلوغ وكمال العقل فلا يجب على الصبي ولا على المجنون إلا ان يكملا قبل طلوع الفجر) فانه يجب عليهما حينئذ بلا خلاف ولا اشكال (و) اما (لو كملا بعد طلوعه لم يجب) الصوم (على الاظهر) الاشهر بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون اجماعا، بل هي كذلك عند ابن ادريس فانه - بعد أن حكى ما في الخلاف للشيخ من إن الصبي إن نوى الصوم أول النهار ولم يفطر فبلغ وجب عليه الاتمام الذي يرجع الى ما عن المبسوط إذا بلغ حال الصوم جدد النية وكان صوما صحيحا - قال انه خلاف إجماع اصحابنا وانه من فروع المخالفين فلا يلتفت إليه، قلت خصوصا بعد ان كان المحكي عنه في الجمل والاقتصاد وكتابي الصلاة من المبسوط والخلاف اطلاق ان عليه الامساك بقية النهار تأديبا لا وجوبا من غير تقييد بتناول المفطر وغيره، بل استدل في الاخير بعد أن نص على عدم وجوب القضاء عليه على عدم وجوب الامساك بأن أول النهار لم يكن مكلفا فتجب عليه العبادة، وبقية النهار لا يصح صومه، ووجوب

[ 3 ]

الاعادة يحتاج إلى دليل، والاصل براءة الذمة، ومن ذلك يعلم ضعف ما يحكى عن الاقتصاد من وجوب القضاء بعد القول بعدم وجوب الامساك، كما انه يعلم حينئذ ضعف الخلاف المزبور وان حكي عن ابن حمزة القول به، بل اطلق وجوب الصوم عليه إن بلغ في الاثناء ولم يفطر من غير تقييد بالنية، وعن المصنف وفي المعتبر انه قواه تمسكا بأن الصوم ممكن في حقه، ووقت النية باق، ثم قال لا يقال لم يكن الصبي مخاطبا لانا نقول لكنه الان صار مخاطبا، ولو قيل لا يجب صوم بعض اليوم قلنا متى إذا تمكن من نية يسرى حكمها الى أول النهار أو إذا لم يتمكن، وههنا هو متمكن من نية تسرى إلى اوله، ومال إليه في المدارك وفيه منع ما يدل هنا على سيريان النية بعد أن لم يكن مكلفا إلا القياس الممنوع عندنا بل المتجه منعه هنا عند غيرنا أيضا لكونه مع الفارق، هذا، وقد تقدم في آخر المواقيت من كتاب الصلاة في مسألة مالو بلغ الصبي في اثناء الصلاة ماله نفع في المقام في الجملة، فلا حظ وتأمل، وكذا الحال في المجنون. (وكذا المغمى عليه) وان أفاق قبل الزوال وقد سبقت منه النية، لما عرفته فيما تقدم من كون الاغماء مفسدا كالحيض (و) عرفت أيضا ضعف ما (قيل) من أنه (إن نوى الصوم قبل الاغماء صح) صومه (وإلا كان) فاسداو (عليه القضاء و) لا ريب في ان (الاول اشبه) بأصول المذهب وقواعده، كما أن الاشبه أيضا سقوط القضاء عنه أيضا كما تعرفه في محله ان شاء الله. (و) منها (الصحة من المرض) لما تقدم سابقا من عدم صحة الصوم من المريض الذي يتضرر به إجماعا بقسميه، وكتابا (1) ونصوصا (2) مستفيضة


(1) سورة البقرة - الاية 180 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب من يصح من الصوم

[ 4 ]

أو متواترة (فان برئ قبل الزوال ولم يتناول) شيئا يقتضى الافطار (وجب) عليه (الصوم) بتجديد النية على المشهور، لتمكنه منه حينئذ ببقاء وقت النية فيشمله عموم ما دل على وجوب صوم الشهر، لكن قد يناقش بمنع ما يدل على بقاء وقت النية فيه إلا القياس على المسافر والناسي والجاهل ونحوهم، وهو معلوم البطلان عندنا، ولعله لذا أطلق ابن زهرة استحباب الامساك للمريض إذا برئ، وعد ابن حمزة من الصوم المندوب صوم المريض إذا برئ وأطلق، وقال والمسافر إذا قدم أهله قبل الزوال ولم يفطر وجب عليه الصوم، فكأنه فرق بينه وبين المريض للنص، وهو جيد ان لم يقم اجماع على المساواة في ذلك. (و) كيف كان ف‍ (ان كان) قد (تناول) قبل البرء أو كان برؤه بعد الزوال أمسك استحبابا ولزمه القضاء احتراما لشهر رمضان وتشبيها بالصائمين وأمنه من تهمة من يراه وقول علي بن الحسين (عليه السلام) في رواية الزهري (1) " وكل من أفطر لعلة من أول النهار ثم قوي بقية يومه أمر بالامساك عن الطعام بقية يومه تأديبا وليس بفرض " خلافا لظاهر المفيد والمرتضى فاوجباه، ويمكن أن يريدا تأكد الندب، لعدم الدليل عليه بل ظاهر الادلة خلافه، لكن في الخلاف " القادم من سفره وكان قد أفطر والمريض إذا برئ والحائض إذا طهرت والنفساء إذا انقطع دمها يمسكون بقية النهار تأديبا، وكان عليهم القضاء، وقال أبو حنيفة ليس عليهم الامساك وان أمسكوا كان أحب الينا، دليلنا إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط ولان هذا اليوم واجب صومه وانما ابيح الافطار لعذر، وقد زال العذر، وبقي حكم الاصل - ثم قال - إذا بلغ الصبي والكافر إذا أسلم والمريض إذا برئ وقد أفطروا أول النهار يمسكون بقية النهار تأديبا ولا يجب ذلك بحال - ثم قال -: دليلنا إجماع الفرقة وأيضا الاصل براءة الذمة ولا يجب عليهم الا بدليل وربما جمع


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1

[ 5 ]

بينهما بنفي الوجوب أصالة، فلا ينافيه حينئذ تأديبا " قلت ومنه ينقدح الشك في دلالة خبر الزهري الا أن الجميع كما ترى لا يصلح لقطع الاصل وغيره، والله أعلم. (و) منها (الاقامة) عشرا (أو) ما في (حكمها) من الحضر والمتردد ثلثين يوما وكثير السفر وغير ذلك (فلا يجب) الصوم (على المسافر ولا يصح منه) بلا خلاف أجده فيه بيننا (بل) الاجماع بقسميه عليه والنصوص (1) بعد الكتاب العزيز (2) مستفيضة أو متواترة فيه وفي أنه (يلزمه القضاء) مضافا الى الكتاب والاجماع (و) حينئذ ف‍ (لو صام لم يجزه مع العلم) قطعا للنهي (و) غيره نعم (يجزيه مع الجهل) بكون السفر موجبا للافطار حتى خرج الوقت بلا خلاف أجده فيه للصحيح (3) عن ابن ابي شعبة " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) رجل صام في السفر فقال ان كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك فعليه القضاء، وان لم يكن بلغه فلا شئ عليه " وسأله أيضا عبد الرحمان بن الحجاج (4) في الصحيح " عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال ان كان لم يبلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم " الى غير ذلك من النصوص التي لا ريب في صراحتها بأن الجهل هنا عذر على حسب ما سمعته في القصر والاتمام، ومن هنا لا يخفى عليك جريان كثير مما تقدم هناك فلا حظ وتأمل كي تعلم أن المتجه الاقتصار فيما خالف الاصل على المتيقن من النص والفتوى، فلا يلحق حينئذ بجاهل الحكم ناسيه وان حكي عن بعضهم ذلك للاشتراك في العذر، ومرجعه الى القياس المعلوم بطلانه عندنا، فيجب عليه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم (2) سورة البقرة - الاية 180 (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 3 - 2 والثانى عن عبد الرحمان بن ابى عبد الله

[ 6 ]

القضاء حينئذ، ومن الغريب ما في المسالك من أن الناسي هنا كالجاهل وان افترقا في الصلاة، إذ لا يتصور اعادة الناسي هنا في الوقت إذا كان مراده أنه مثله في المعذورية المزبورة، ضرورة عدم اقتضاء عدم تصوره ذلك، بل اقصاه أنه يتعين عليه القضاء لو لم يذكر حتى خرج الوقت، ويجب عليه الافطار مع ذلك لو تذكر قبله كالجاهل الذي يعلم في الاثناه، فانه لا اشكال في وجوبهما عليه كما هو واضح. (و) على كل حال فلا يلحق به المريض لو تكلف الصوم وصام غير عالم بنهي الشارع عنه، لما عرفته من حرمة القياس نعم (لو حضر) المسافر (بلده أو بلدا يعزم فيه) على (الاقامة عشراكان حكمه حكم المريض في الوجوب) لو كان قبل الزوال ولم يفعل المفطر (وعدمه) لو كان بعد الزوال أو كان قد فعل المفطر ويستجب له الامساك بقية يومه بلا خلاف معتد به أجده في شئ من ذلك، وفي خبر أحمد بن محمد (1) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان ولم يطعم شيئا قبل الزوال قال يصوم " وخبر أبي بصير (2) " سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فقال إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به " وصحيح يونس بن عبد الرحمن (3) عن الكاظم (عليه السلام) " انه قال في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه ان يتم صومه ولا قضاء عليه " بناء على كون المراد الجنابة عن احتلام ونحوه مما لا يقدح البقاء عليها في الصوم، ومن ذلك يعلم بقاء وقت النية بالنسبة كالناسي والجاهل بكونه شهر رمضان، وما في الغنية من اطلاق استحباب الامساك للمسافر إذا قدم أهله يجب تنزيله على ما بعد الزوال كتنزيل الخيار بين الصوم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث - 4 - 6 - 5

[ 7 ]

وعدمه في صحيح ابن مسلم (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار فقال: إذا طلع الفجر وهو خارج لم يدخل أهله فهو بالخيار ان شاء صام وان شاء أفطر " وحسن رفاعة (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقبل في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل اهله ضحوة أو ارتفاع النهار قال: إذا طلع الفجر وهو خارج لم يدخل فهو بالخيار ان شاء صام وإن شاء أفطر " على ما قبل القدوم، بل يجب تنزيل صحيح ابن مسلم (3) الاخر عن ابى عبد الله (عليه السلام) " إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به من شهر رمضان، فإذا دخل ارضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الاقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم، وان دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه، وان شاء صام " وما في خبر سماعة (4) " ان قدم بعد زوال الشمس أفطر ولا يأكل ظاهرا، وان قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ان شاء " على ما لا ينافي ذلك من ان له الخيار قبل القدوم إذا عرف أنه يقدم قبل الزوال، أو غير ذلك مما هو أولى من الطرح. وعلى كل حال فلا ريب في عدم الاجتزاء بالصوم منه إذا قدم بعد الزوال لما سمعته من النصوص، مضافا الى خبر محمد بن مسلم (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلا) عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب من يصح من الصوم الحديث - 3 - 2 - 7 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 5 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 وذيله في الباب - 6 - منها الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 10

[ 8 ]

من الحيض يواقعها فقال لا بأس به " المعتضدة بفتاوى الاصحاب على وجه يمكن تحصيل الاجماع عليه، فما عن نهاية الشيخ من اطلاق وجوب الصوم عليه وسقوط القضاء عنه إذا قدم أهله ولم يكن قد فعل ما ينقض الصوم يجب تنزيله على ما قبل الزوال، وإلا كان محجوجا بما عرفت بل في محكى السرائر انه مخالف للاجماع نعم عليه أن يمسك بقية يومه استحبابا احتراما لشهر رمضان، كمن أفطر قبل الدخول قبل الزوال وكالمريض، ودعوى الوجوب فيه أضعف من دعواه فيه. (و) قد تقدم في كتاب الصلاة ان (في حكم الاقامة كثرة السفر كالمكاري والملاح وشبههماما لم يحصل لهم الاقامة عشرة أيام) والعاصي بسفره والمتردد ثلاثين يوما في مكان واحد وغير ذلك مما هو مذكور هناك مفصلا. (و) منها (الخلو من الحيض والنفاس فلا يجب) الصوم (عليهما أو لا يصح منهما وعليهما القضاء) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل لاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) مستفيضة أو متواترة فيه. (الثاني) من الشرائط (ما باعتباره يجب القضاء) وينتفي بانتفائه (وهو ثلاثة شروط البلوغ وكمال العقل والاسلام، فلا يجب على الصبي القضاء) لما فاته من الايام في حال الصبا بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى أصل البراءة وغيره وما عن ابن ابي عقيل من " ان الكافر إذا اسلم والصبي إذا بلغ وقد مضى بعض رمضان أو بعض يوم منه لم يلزمهما الا صيام ما يستقبلانه ولو قضيا ما مضى ويومهما كان احب الي واحوط " يجب حمله على ضرب من الندب لما عرفت من عدم وجوب عليه (الا اليوم الذي) قد (بلغ فيه قبل طلوع فجره)


(1) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب الحيض والباب - 6 - من ابواب النفاس من كتاب الطهارة الجواهر - 1

[ 9 ]

ولم يصمه فانه يجب عليه قضاؤه قطعا، لاطلاق الادلة حينئذ حتى لو كان بلوغه قبله في زمن لا يسمعه الطهارة من الجنابة مثلا ولو الترابية، ضرورة كونه حينئذ معذورا في ذلك كمن أفاق كذلك، واما اليوم الذي قد بلغ في اثنائه قبل الزوال ولم يفعل المفطر فقد عرفت البحث فيه، وان الاصح عدم وجوبه عليه، فلا يلزمه قضاؤه، ولو قارن بلوغه طلوع الفجر قوي القول بوجوب الصوم عليه لشمول الادلة حينئذ، ولو شك في تقدمه وتأخره بنى على تأخر مجهول التاريخ منهما، ولو جهلا حكم بالاقتران، فيجب الصوم حينئذ، لكن فيه ما أشرنا إليه سابقا في كتابي الطهارة والصلاة من ان الاقتران حادث أيضا، والاصل عدمه، فالمتجه الرجوع الى غيرهما من أصل ونحوه، وهو هنا البراءة كما يشهد له جعلهم ذلك شرطا فالشك فيه حينئذ شك في المشروط، بل ربما قيل بنحو ذلك في الصورة الاولى ايضا، لعدم اقتضاء الاصل تأخر المجهول عن المعلوم، بل اقصاه التأخر في نفسه وهو لا يجدي في ثبوت التكليف أو سقوطه، فتأمل جيدا. (وكذا) البحث في (المجنون) الذي هو كالصبي في ذلك ونحوه عند الاصحاب من غير خلاف يعتد به بينهم، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه بل حكاه عليه في الروضة من غير فرق ما كان الجنون بفعله على جهة الحرمة وعدمها وبين ما كان بفعل الله تعالى، لاطلاق الادلة، خلافا للمحكي عن الاسكافي فاوجب القضاء عليه إذا كان بفعله على جهة الحرمة، قال: والمغلوب على عقله من غير سبب ادخله على نفسه لا قضاء عليه إذا لم يفق في اليوم كله، فان أفاق في بعض اليوم ولم يكن فعل ما بمثله يفطر الصائم صام ذلك اليوم واجزأ، وان كان من محرم قضى كل ما غم عليه منه، ولعله لاندراجه في الاول تحت " كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر) (1) بخلافه في الثاني فانه هو الذي فوت على نفسه الشرط


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 6

[ 10 ]

كالكافر، وربما مال إليه بعض متأخري المتأخرين، لكن قال: لا فرق بين المحرم والمحلل إذا علم افضاؤه الى الاغماء يوم الصوم في وجوب القضاء كما لا فرق في عدمه إذا لم يعلم الافضاء ثم قال: ويمكن تنزيل كلام من اطلق نفي القضاء على هذا التفصيل وفيه ان الادلة مطلقة سيما ما تعرفه ان شاء الله تعالى من نصوص الاغماء التي فيها الصحيح وغيره، نعم يمكن تنزيل كلام الاسكافي على السكران الذي ستعرف الحال فيه، وعلى كل حال فمن ذلك يعلم ضعف ما يحكى عن الشيخ أيضا من تكليف المجنون بالقضاء إذا أفاق إن لم تتقدم النية على جنونه، والا كان صومه صحيحا والله أعلم. (والكافر) الاصلي (وان وجب عليه) الصوم، لانه مكلف بالفروع (لكن لا يجب) عليه (القضاء) إجماعا بقسميه (إلا ما ادرك فجره مسلما) لان الاسلام يجب ما قبله بناء على منافاة القضاء وان كان بفرص جديد لجب السابق باعتبار كون المراد منه قطع ما تقدم: وتنزيله منزلة ما لم يقع، كالمراد من قوله (1) " قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " لا ان المراد جب خصوص العصيان، ولصحيح الحلبي (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سئل عن رجل اسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه قال: ليس عليه الاما أسلم فيه " وصحيح العيص (3) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام هل عليهم ان يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذى اسلموا فيه قال ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي اسلموا فيه إلا ان يكونوا اسلموا قبل طلوع الفجر " وخبر الحلبي (4) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اسلم بعد ما دخل


(1) سورة الانفال الاية 39 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 2 - 1 - 5

[ 11 ]

من شهر رمضان ايام قال: ليقض ما فاته " محمول على الندب كما سمعته من ابن ابي عقيل أو على من اسلم وفاته ذلك لعارض من مرض ونحوه، أو من اسلم ولم يعلم وجوب الصوم وافطر، ثم علم الوجوب أو غير ذلك لقصوره عن افادة الوجوب من وجوه. (و) من ذلك كله يعلم الحال فيما (لو اسلم في اثناء اليوم) فان نفي قضائه عنه ظاهر في نفي وجوبه عليه كما هو المشهور شهرة عظيمة، نعم (امسك) بقيته (استحبابا) احتراما للشهر (ويصوم ما يستقبله وجوبا، وقيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه (يصوم إذا اسلم قبل الزوال) وجدد النية، وكان صومه صحيحا (وان ترك قضى) وقواه المصنف في المعتبر لعين ما سمعته سابقا في الصبي، وظاهر صحيح الحلبي المتقدم آنفا الذي محل الفرض اول ما يدخل فيه بل لعله لا ينافيه صحيح العيص، لاحتمال وجوب صومه اداء ويكون فائدة النص فيه على عدم قضائه لرفع توهم وجوبه معه باعتبار خلو بعض اليوم من شرط الصحة، وفيه ان ما دل على جب الاسلام ما قبله شامل لبعض اليوم ايضا الذي قد تعمد ترك النية فيه، ولا دليل هنا على سراية النية الاخيرة، والاستثناء في خبر العيص يأبى التنزيل المزبور المحتاج الى تقييد نفي القضاء فيه بما إذا ادوا الصوم، فالصواب حمل صحيح الحلبي على النصف الاخير الذي حصل الاسلام فيه، فلا يدخل فيه إلا اليوم الذي يدرك فجره مسلما، إذ الناقص مندرج في عموم النفي عنه، فإذا سقط وجوب صوم ذلك البعض اداء وقضاء لم يجب عليه صوم الباقي لانه لا يتبعض (و) لذا كان (الاول اشبه) باصول المذهب وقواعده. (الثالث) في (ما يلحقه من الاحكام) وان بان لك مما تقدم بعضها وهو (من فاته شهر رمضان أو شئ منه لصغر أو جنون أو كفر اصلي فلا قضاء عليه) للاصل وغيره، بل عن جواهر ابن البراج والمعتبر والمنتهى والتذكرة

[ 12 ]

الاجماع عليه في الاخير فضلا عن الاولين (وكذا ان فاته لاغماء) على الشمهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل عن ظاهر فقه القران للراوندي الاجماع حيث قال: لا قضاء عليه عندنا، وحمل كلام المخالف على الاستحباب، للاصل وقاعدة معذورية ما يغلب الله عليه التي ينفتح منها الف باب، وصحيح ايوب ابن نوح (1) قال: " كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عن المغمى عليه يوما أو اكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة ام لا فكتب لا يقضي الصوم لا يقضي الصلاة " وصحيح علي بن مهزيار (2) " سألته عن المغمى عليه يوما أو اكثر هل يقضي ما فاته من الصلاة أم لا فكتب لا يقضي الصوم ولا يقضي الصلاة " ومكاتبة القاشاني (3) " كتبت إليه أسأله عن المغمى عليه يوما أو اكثر هل يقضي ما فاته فكتب لا يقضى الصوم " السالمة عن المعارض سوى دعوى كون الاغماء مرضا فيشمله ما دل (4) على وجوب القضاء عليه من الكتاب والسنة، وسوى النصوص (5) الواردة في وجوب قضاء الصلاة عليه بناء على انه لا قائل بالفرق ومنع الاولى واضح، وبعد التسليم يتجه تخصيص تلك الادلة بما هنا، على أنه لا كلام في تخصيصها بما يضر، ومقتضاه تخصيص الاغماء بذلك بناء على اندراجه في المرض، وهو تفصيل لم يقل به احد، واما الثانية فالمتجه حمل تلك النصوص على الندب، لمعارضتها بالاقوى منها من وجوه كما تقدم بيانه في محله، ولو سلم الفتوى بها اقتصر عليها دون الصوم، لحرمة القياس عندنا، على أنه مع الفارق


(1) و (2) الوسائل - الباب - - 3 من ابواب قضاء الصلوات الحديث 2 - 18 (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 (4) سورة البقرة - الاية 180 والوسائل - الباب 25 من ابواب احكام شهر رمضان (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب قضاء الصلوات

[ 13 ]

باعتبار كون الصلاة آكد، ودعوى عدم القول بالفصل على وجه يحصل منه إجماع معتد به على التسوية ممنوعة كل المنع، إذ عدم العلم بالقائل لا يقتضي عدمه كما هو واضح، وخبر حفص (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " يقضي المغمى عليه ما فاته " مع ضعفه بالارسال وغيره قاصر عن مقاومة غيره من وجوه. (و) من ذلك كله وما قدمناه سابقا فيمن يصح منه الصوم يظهر لك ضعف ما (قيل) من انه (يقضي ما لم ينو قبل اغمائه) فان نوى صح صومه ولو بقي مغمى عليه تمام الشهر بناء على الاجتزاء بنية واحدة، وان حكي ذلك عن المفيد والمرتضى وسلار وابن البراج، قال الاول: " إذا اغمي على المكلف قبل استهلال الشهر ومضى عليه ايام ثم أفاق كان عليه قضاء ما فاته من الايام، فان استهل الشهر عليه وهو يعقل فنوى صيامه وعزم عليه ثم اغمي عليه وقد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه، لانه في حكم الصائم بالعزيمة على اداء فرض الصيام " ونسبه الفاضلان الى الشيخ، ولعله لظهور قوله في الخلاف " إذا نوى الصوم من الليل فاصبح مغمى عليه يوما ويومين وما زاد عليه كان صومه صحيحا، وكذلك إن بقي نائما يوما أو اياما، وكذلك من أصبح صائما وجن في بعضه أو مجنونا فأفاق في بعضه ونوى فلا قضاء عليه " في ان الاغماء كالنوم إن سبقت منه النية صح، والا كان عليه القضاء، خصوصا بعد قوله ايضا إذا نوى ليلا واصبح مغمى عليه حتى ذهب اليوم صح صومه، ولا فرق بين الجنون والاغماء، بل لعل ظاهر موضع من مبسوطه ذلك ايضا، قال: " والمغمى عليه إذا كان مفيقا في اول الشهر ونوى الصوم ثم اغمي عليه واستمر به ايام لم يلزمه قضاء شئ، لانه بحكم الصائم، وان لم يكن مفيقا في اول الشهر بل كان مغمى عليه وجب عليه القضاء على قول بعض اصحابنا، وعندي انه لا قضاء عليه اصلا


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 5

[ 14 ]

لان نيته المتقدمة كافية في هذا الباب، وانما يجب ذلك على مذهب من رأى تعيين النية أو مقارنة النية التي هي القربة ولسنا نراعي ذلك " ضرورة ظهوره في كون المسقط للقضاء صحة صومه بتقدم النية ولو على الشهر، فيلزمه وجوب القضاء مع عدمها اصلا، ويكون الفرق بينه وبين المفيد بجواز تقديم النية على الشهر وعدمه والا فهما متفقان علي القضاء، لكن قال قبل ذلك: " واما إذا زال عقله بفعل الله مثل الاغماء والجنون وغير ذلك فانه لا يلزمه قضاء ما يفوته في تلك الاحوال فعلى هذا إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مغمى عليه أو مجنون أو نائم وبقي كذلك يوما أو اياما كثيرة افاق في بعضها أو لم يفق لم يلزمه قضاء شي مما مر به الا ما أفطر فيه، أو طرح في حلقه على وجه المداواة له، فانه يلزمه حينئذ القضاء لان ذلك لمصلحته ومنفعته، سواء أفاق في بعض النهار أو لم يفق، فان الحال لا يختلف فيه " وظاهره نفيه مطلقا الا في الصورتين. (و) على كل حال فلا ريب في أن (الاول اظهر) لما عرفت من الاصل والنصوص السالمة عن المعارض عدا ما عرفت مما هو واضح الضعف، كمرسل حفص بن البختري (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " يفضي المغمى عليه ما فاته " القاصر عن معارضة غيره من وجوه، فلا بأس بحمله على الندب، ومن الغريب ما في المختلف من الاستدلال عليه بخبر حفص بن البختري الاخر (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " المغمى عليه يقضي صلاته ثلاث أيام " الوارد أولا في خصوص الصلاة وفي خصوص ثلاثة ايام منها، وقياس الصوم عليها يقضي بكونه كذلك، ولا قائل به وهذا من أقوى الشواهد على حمل تلك النصوص على الندب كما لا يخفى على من لاحظها متأملا لما فيها من الاختلاف بنفي القضاء مطلقا، واثباته كذلك، وفي


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب قضاء الصلوات - الحديث 7

[ 15 ]

خصوص بعض الايام كما تقدم الكلام فيها سابقا، فلاحظ وتأمل. (ويجب القضاء على المرتد سواء كان عن فطرة أو عن كفر) بلا خلاف اجده فيه، لعموم " من فاتته " وغيره مما هو دال على وجوب القضاء لكل تارك، وخصوصا العامد الذي محل الفرض منه السالم عن معارضة مادل (1) على سقوطه عن الكافر بعد ظهوره في الاصلي ولو بمعونة فهم الاصحاب، ولا ينافي ذلك قولنا بعدم قبول توبة المرتد عن فطرة ظاهرا وباطنا، إذ اقصاه عدم التمكن من القضاء كغيره من التكاليف حتى الاسلام، الا ان ذلك غير مانع من تكليفه على وجه يترتب عليه العقاب بعد ان كان ذلك بسوء اختياره، كما حررناه في كتاب الطهارة، واما المخالف فقد اشبعنا الكلام فيه في باب القضاء من الصلاة وفي كتاب الزكاة، فلاحظ وتأمل، والله أعلم. (و) كذا يجب القضاء على (الحائض والنفساء وكل تارك له بعد) حصول ما تقدم من شرط (وجوبه عليه) من البلوغ والعقل، فيدخل حينئذ النائم ونحوه ممن يجب القضاء عليه وان لم يكن مكلفا بالاداء، نعم انما يجب عليه (إذا لم يقم) الشارع (مقامه غيره) كالفدية للشيخ والشيخة وذي العطاش والحامل المقرب ومن استمر عليه المرض كما ستعرف تفصيل ذلك كله عند تعرض المصنف له. واما السكران ونحوه ممن لا يدخل تحت اسم المجنون والمغمى عليه فالمتجه وجوب القضاء عليه، لعموم " من فاتته " كما عن الشيخ وابن ادريس والفاضلين والشهيد القطع به، بل المتجه عدم الفرق بين كون ذلك منه على جهة الحرمة وعدمها كالغافل والمكره والمضطر ونحوهم، خلافا لما يظهر من بعضهم من الفرق بينهما في القضاء وعدمه، وفيه ان الدليل عام ولا معارض له، والاثم وعدمه


(1) المتقدم في ص 10

[ 16 ]

لا مدخلية له في القضاء وعدمه، لكن استفاضة الفتوى في اعتبار كمال العقل في وجوب القضاء ينافي ذلك، اللهم الا ان ينزل على ارادة نفيه عن خصوص المجنون والمغمى عليه من ذلك، كما يؤمي إليه تفريعهم ذلك عليه لا مطلق زوال العقل، ولو سلم يمكن منع وصوله الى حد الاجماع الذي يرفع العذر، فتأمل جيداوالله أعلم. (وتستحب الموالاة في القضاء احتياطا للبراءة) ولا تجب اجماعا محكيا عن الناصريات والخلاف والمختلف ان لم يكن محصلا للاصل واطلاق الامر بالقضاء في الكتاب والسنة، وصحيح سليمان بن جعفر (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أيقضيها متفرقة قال: لا بأس بتفريق قضاء شهر رمضان انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار وكفارة الدم " وغيره من النصوص التي سيمر عليك بعضها، نعم يستحب احتياطا للبراءة من احتمال اعتبارها كالمقتضي الذي ينبغي ان يكون قضاؤه مثله، ولصحيح الحلبي (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فان لم يستطع فليقضه كيف شاء، وليحص الايام، فان فرق فحسن وان تابع فحسن، قال: قلت: أرأيت إن بقي عليه شئ من صوم شهر رمضان أيقضيه في ذي الحجة قال: نعم " وصحيح ابن سنان (3) عنه (عليه السلام) أيضا " من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فان قضاه متتابعا فهو أفضل، وان قضاه متفرقا فحسن ". (وقيل) والقائل بعض الاصحاب على ما أرسله في السرائر: (بل يستحب


(1) و (3) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 8 - 4 - والاول عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) (2) ذكر صدره في الوسائل في - الباب - 26 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 5 وذيله في الباب 27 منها الحديث 1 الجواهر - 2

[ 17 ]

التفريق للفرق بين الاداء والقضاء، وفي المدارك وغيرها انه مال إليه في المقنعة فانه بعد أن حكم بالتخيير بين التتابع والتفريق قال: وقد روي (1) عن الصادق (عليه السلام) " إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، وكذا إن كان عليه خمسة أيام وما زاد، فان كان عليه عشرة أو اكثر تابع بين الثمانية ان شاء ثم فرق الباقي " والوجه في ذلك أنه ان تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرق بين الشهر في صومه وبين القضاء، فاوجبت النية الفصل بين الايام ليقع التفريق بين الامرين لكنه كما ترى ليس فيه استحباب التفريق مطلقا، كما أنا لم نجد ما ذكره من الوجه في شئ مما وصل الينا من النصوص، والاعتبار يقضي بأولوية المشابهة لا أن من فاتنه فريضة يقضيها كما فاتنه. (وقيل) والقائل بعض الاصحاب على ما أرسله في السرائر أيضا: (يتابع في ستة ويفرق) في (الباقي للرواية) التي هي موثق عمار (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها ؟ فقال ان كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وان كان عليه خمسة فليفطر بينها أياما، وليس له ان يصوم اكثر من ستة ايام متوالية، وان كان عليه ثمانية ايام أو عشرة افطر بينها يوما " ورواه الشيخ في الزيادات بهذا السند (3) عنه ايضا " سألته عن الرجل يكون عليه ايام من شهر رمضان كيف يقضيها ؟ قال: ان كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما، وان كان عليه خمسة ايام فليفطر بينها يومين وان كان عليه شهر فليفطر بينها اياما، وليس له ان يصوم اكثر من ثمانية أيام يعني متوالية، وان كان عليه ثمانية ايام أو عشرة أفطر بينهما يوما " إذ لم نجد غيره لكنه كما ترى لا دلالة فيه على استحباب المتابعة في الستة أو الثمانية، بل أقصاه


(1) المقنعة ص 57 (2) و (3) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 6 - 7

[ 18 ]

الرخصة اللهم إلا ان يستدل عليها باطلاق الادلة السابقة وقوله هنا: " إذا كان عليه ثمانية أو عشرة " الى آخره بناء على كون المراد التفرقة بين الستة أو الثمانية وما زاد كما يقضي به قوله " بينهما " بصيغة التثنية على ما وجدته فيما حضرني من نسخة التهذيب وان كان قد كتب عليها " بينها " فوق نسخته، وايضا لابد من حمل ذيله على ان ذلك فرد آخر للتفريق، والا نافاه ما ذكره من الفصل بين الخمسة بأيام ويومين كما في الثاني، واحتمال التعبد في ذلك بعيد، فيكون المتجه حينئذ حمله على بيان افراد التفريق، وان الكامل منها فصل كل يومين بيوم، فالخمسة حينئذ تحتاج الى الفرق بأربعة، ودونه الفرق بينها بيومين، ودونه الفرق بين الثمانية والعشرة بيوم، وعلى هذا يصلح الموثق دليلا للقول السابق من استحباب التفريق بناء على كون المراد ذلك في جميع أيام القضاء على معنى فصل كل يومين منه بيوم، لا ان المراد منه الفرق في الجملة. وعلى كل حال فالظاهر هو الذي اشار إليه المفيد بل والمرتضى في المحكى عن جمله، حيث قال: " القاضي مخير بين المنابعة والتفريق، وقد روي انه ان كان عليه عشرة أيام أو اكثر منها كان مخيرا في الثمانية الاول بين المتابعة والتفريق ثم يفرق ما بقي ليقع الفصل بين الاداء والقضاء " بل وابن الجنيد حيث قال: وقد روي عن ابي عبد الله (عليه السلام) " ليس له ان يصوم اكثر من ثمانية ايام ثم يقطعها " وفي محكى المبسوط وما لا يراعى فيه التتابع اربعة مواضع الى ان قال: " وصوم قضاء شهر رمضان لمن افطر لعذر، وان كان التتابع فيه أفضل فان أراد الفضل فليصم ستة ايام متعا قبات ثم يفرق الباقي " ونحوه عن النهاية إلا أن فيها " فان لم يتمكن من سرده " وفي محكي الوسيلة " فان صام ثمانية أو ستة متواليات وفرق الاخر كان أفضل " وهو يشعر بأفضليته من التتابع مطلقا والتفريق مطلقا جميعا وفي محكي السرائر ومنهم من قال: " ان كان الذي فاته عشرة أيام وثمانية فليتابع

[ 19 ]

بين ثمانية أو ستة، ويفرق الباقي ". ولا يخفى عليك ان نظر الجميع الى هذا الموثق إذ لم نجد غيره، نعم خبر علي بن جعفر (1) عن اخيه (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد فرق بين اليومين وغيرهما قال: " سألته عمن كان عليه يومان من شهر رمضان كيف يقضيهما قال: يفصل بينهما بيوم، فان كان اكثر من ذلك فليقضها متوالية " ولعله لذا قال في المختلف لا يقال قد اشتهر هذا النقل بين الاصحاب، فان اكثر علمائنا نقلوا هذا الحديث مرسلا عن الصادق (عليه السلام) ولولا ثبوته عندهم لما نقلوه كذلك، لانا نقول: الذي ذكروه انه روي كذا ولم يذكروا على سبيل القطع، قال مع انها قابلة للتأويل بما قاله الشيخ من ان الامر بالفصل ليس على الايجاب بل على جهة التخيير، لئلا يتوهم وجوب التتابع في القضاء كما وجب في الاعداء، واليه يرجع ما عن المنتهى من انه على جهة التخيير والاباحة لا على سبيل الايجاب ولا الندب ليحصل الارشاد لكن فيه انه يدفع ذلك اشتماله على قوله " ليس له " الى آخره ومن هنا قال بعض متأخرى المتأخرين: " ان الصواب جعل السؤال في الخبر عن رجل معهود كان يضربه التوالي " وان كان هو كما ترى ايضا الا انه أولى من طرحه، وان أبيت الا ذلك كان حقيقا به باعتبار معارضته لما عرفت، خصوصا مع اشتماله على ما يقتضي كراهة المتابعة، ولا اظن أحدا منا يقول بها بعد الغض عن اضطرابه في نفسه كما سمعت، على ان من ذكره من الاصحاب لا يأتي بتمام ما تضمنه. (و) حينئذ فلا ريب في ان (الاول) أي القول باستحباب المتابعة مطلقا (أشبه) بل ربما يستفاد كراهة التفريق من المفهوم في خبر غياث بن ابراهيم (1) عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) في قضاء شهر رمضان، ان كان لا يقدر


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 12 (2) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 3

[ 20 ]

على سرده فرقه " بل ومن قوله (عليه السلام) فيه أيضا " لا يقتضي شهر رمضان في عشرة من ذي الحجة " بنا على كون ذلك للتحرز عن التفريق بالعيد وأيام التشريق، ولعله لذلك قال المصنف انها احوط إذ لم نجد قائلا بوجوبها سوى ما يلزم المحكي عن ابى الصلاح من القول بفورية القضاء، مع انه في غاية الضعف بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل في محكى الناصريات انه لو كان الامر بالقضاء هنا على الفور لكان يجب متى امكنه القضاء ان يتعين الصوم فيه حتى لا يجزي سواه، ولا خلاف في انه يؤخر القضاء، مضافا الى ما سمعته من النصوص ومما ورد في صحيح البخترى (1) من تأخير نساء النبي (صلى الله عليه وآله) القضاء الى شعبان، نعم انما يحكى القول بوجوب المتابعة عن بعض العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم. وكما لا يجب المتابعة لا يجب الترتيب بلا خلاف أجده، للاصل واطلاق الادلة، وعدم وجوبه في الاداء، وانما كان فيه من ضرورة الوقت، وحينئذ فلو أخلى النية من التعيين أو عين الاخير اجزأ كما نص عليه بعضهم، نعم في المسالك وغيرها انه أفضل، لكون الاسبق أحق بالمبادرة، مع انه لا يخلو من اشكال كما في الدروس، ولعله لتساوي الايام في التعلق بالذمة، وكون الترتيب في الاداء من ضرورة الوقت، فالاصل حينئذ لا معارض له، والسبق أعم من ذلك، لكن على كل حال ظاهر من تعرض لهذا الحكم انه يتعين بالتعيين لا أن نيته تقع لغوا باعتبار كون الامر بالقضاء كالامر بصوم عدد معين من الزمان لا جهة لتعيين أحدها، ضرورة وضوح الفرق بين ما نحن فيه وبين ذلك بوجود جهة التعيين هنا، وهو السبق واللحوق بخلافه هناك، وتظهر الثمرة فيما لو ظهر صحة ذلك اليوم الذي نوى قضاءه، فان المتجه حينئذ عدم وقوعه عن غيره، لعدم نيته، ولو


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 4 عن حفص بن البختري

[ 21 ]

كان الظهور في الاثناء ففي جواز العدول أو التجديد اشكال كالاشكال في جواز العدول بعد التعيين مع عدم الظهور، بل وفيما لو لم يعين في الابتداء ثم أراده بعد الفراغ من الصوم، وكذا لا ترتيب بين أفراد القضاء إذا كان رمضانين فصاعدا لعين ما عرفت، نعم لا يبعد وجوب خصوص الحاضر عند التضيق. ولا ترتيب أيضا بين القضاء وغيره من أقسام الصوم الواجب كفارة أو غيرها للاصل السالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن ابن ابي عقيل من عدم جواز الصوم عن النذر أو الكفارة لمن عليه قضاء عن شهر رمضان حتى يقضبه، ولم نقف على مأخذه. نعم لا يجوز التطوع بشئ من الصيام لمن عليه صوم واجب قضاء كان أو غيره كما هو المشهور، لقول الصادق (عليه السلام) (1) في صحيح الحلبي والكناني المروي في الوسائل عن الفقيه " لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام أو عليه شئ من الفرض " المعتضد باطلاق النهي عن التطوع لمن عليه شئ من الفرض، بل فيها عنه ايضا انه قال: قد وردت بذلك الاخبار والاثار، كما أن المحكي عنه في المقنع انه كذلك وجدته في كل الاحاديث، وخروجنا عنه في الصلاة لقوة المعارض لا ينافي حجيته هنا، خلافا لسيد المدارك والمحدث البحراني فخصا ذلك بمن عليه قضاء شهر رمضان دون غيره من الواجبات مستظهراله أولهما من (السيد) الكليني، وبالاصل المقطوع بما عرفت، وبالعمومات المخصصة به، واختصاصه في صحيح الكناني (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه من شهر رمضان أيام أيتطوع ؟ فقال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " وصحيح


(1) و (2) الوسائل - الباب - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 2 - 6

[ 22 ]

الحلبي (1) " سألته ايضا عن الرجل يكون عليه من شهر رمضان طائفة ويتطوع قال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان " غير مناف للصحيح الاول، بل لعلهما حجة على الاطلاق أيضا بضميمة عدم القول بالفصل المحجوجين به، كما أن قياس الصلاة عليه اي قضاء شهر رمضان في المنع في صحيحي زرارة (2) المرويين في التهذيب والحبل المتين المتقدمين في كتاب الصلاة في مسألة النافلة وقت الفريضة لا يقضي بكون المراد منه الكراهة هنا على حسب ما اخترناه هناك، لما تقدم سابقا، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين ولذا فرق بينهما في الدروس وكشف الاستاد، بل ظاهر هذين الصحيحن المفروغية منه هنا وانه كان من الواضحات في ذلك الزمان، فما عن المرتضى (رحمه الله) وجماعة منهم العلامة في القواعد من القول بالجواز مطلقا تمسكا بالاطلاق الواجب تقييده بما هنا واضح الضعف، هذا، وفي المدارك " الظاهر ان المنع من التطوع مع اشتغال الذمة بالصوم الواجب عند من قال به انما يتحقق حيث يمكن فعله، فلو كان بحيث لا يمكن كصوم شعبان ندبا لمن عليه كفارة كبيرة جاز صومه " وقد تبع بذلك الشهيد في الدروس حيث قال: ويشترط فيه كله أي صوم النفل خلو الذمة عن صوم واجب يمكن فعله، فيجوز حيث لا يمكن كشعبان لمن عليه كفارة كبيرة ولم يبق سواه، وجوز المرتضى التنفل مطلقا والرواية بخلافه، لكن فيه ان الادلة مطلقة، ويمكن ان يكون المانع نفس اشتغال الذمة بالواجب وان كان غير متمكن من ادائه لسفر ونحوه. نعم ينساق منها الواجب عليه لنفسه دون غيره باجارة أو نذر أو تبرع أو


(1) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب المواقيت الحديث - 3 عن التهذيب وفي الوافي (باب كراهة التطوع في وقت الفريضة " عن الحبل المتين وفي المستدرك الباب - 20 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 4 عن روض الجنان

[ 23 ]

لكونه وليا أو غير ذلك مع احتماله، كما أن المنساق منه التطوع من حيث كونه تطوعا، فلو وجب عليه بنذر ونحوه جاز أداؤه، لخروجه عن الوصف المزبور واندراجه في الواجب من غير فرق بين أن ينذر النطوع على الاطلاق أو أياما مخصوصة يمكن وقوع الواجب قبلها، اما لو نذر أياما مخصوصة لا يمكن وقوعه قبلها ففي صحة نذره اشكال، اقواه الصحة لحصول الرجحان الذاتي الذي يكفي في تعلق النذر به المخرج له حينئذ عن التطوع، ولو نسي الواجب فتطوع ولم يعلم حتى فرغ صح واحتسب له ولو علم في الاثناء قطع ويحتمل كون الخلو شرطا في الواقع، لانه الاصل ولو كان مستفادا من النواهي كما حرر في محله. (و) كيف كان ف‍ (في هذا الباب مسائل: الاولى من فاته شهر رمضان) (أو بعضه بمرض فان مات في مرضه لم يقض عنه وجوبا) بلا خلاف أجده فيه نصا (1) وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه (و) لكن (استحب) القضاء عنه عند الاصحاب على ما في المنتهى، لكن قد ينافيه خبر ابي بصير عن (2) أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان وماتت في شوال فأوصتني أن اقضي عنها قال: هل برئت من مرضها قلت لا، ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها، فان الله لم يجلعه عليها، قلت فاني أشتهي أن اقضي عنها وقد اوصتني بذلك قال فكيف تقضي شيئا لم يجعله الله علهيا، فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم " اللهم إلا أن يكون المراد نفي تأدية القضاء عنها، لعدم ثبوته عليها على حسب النصوص (3) النافية للقضاء عن المريض الذي مات في مرضه، لا الصوم عنها على جهة النيابة بحيث يكون لها، وكأنه واقع منها وهو الذي قد اشار إليه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 0 - 12 - 0

[ 24 ]

بقوله (عليه السلا) " فان اشتهيت " الى آخره إذ الظاهر كون المراد الصوم لنفسك عنها أي لا لوصيتها الباطلة لا ان المراد الصوم لنفسك ثم اهداء الثواب إليها وبذلك يظهر لك انه مستند الاصحاب في الاستحباب المزبور، ضرورة عدم ارادتهم استحباب تأدية القضاء عنها لتصريحهم بنفيه عنها، فكيف يتصور تأدية له فضلا عن استحبابه، بل المراد ما ذكرناه ولا بأس باطلاق اسم القضاء عليها توسعا وربما يؤيد ذلك استدلاله عليه في المنتهى بأنه طاعة فعلت عن الميت فوصل إليه ثوابها. والمناقشة في مشروعية يدفعها إطلاق ما دل (1) على جواز فعل جميع العبادات عن الاموات، وتنزيل ذلك على اهداء الثواب لاداعي له، فما في المدارك - من انه أي دليل المنتهى ضعيف، إذ ليس الكلام في جواز التطوع بالصوم واهداء ثوابه الى الميت، بل في قضاء النائب عنه، والحكم بشرعيته يتوقف على الدليل، لان الوظايف الشرعية انما تستفاد من النقل، ولم يرد التعبد بذلك، بل مقتضى الاخبار المتقدمة عدم مشروعية القضاء - واضح الضعف خصوصا مع ملاحظة ما يحكى من تعاقد بعض السلف من أصحاب الائمة (عليه السلام) على أن يؤدي الحي منهم عن الميت الصوم والصلاة، فان من الواضح عدم كون ذلك من إهداء الثواب بناء على عدم مشروعية التنفل باليومية والصوم بعنوان ما فات من شهر رمضان، فليس حينئذ الا لمشروعية النيابة على حسب ما ذكرنا، والحائض والنفساء في شهر رمضان مع موتهما كالمريض في سقوط وجوب القضاء للنصوص (2) المستفيضة في ذلك وفي ثبوت الاستحباب بناء على أن مدركه ما ذكرنا. (و) كيف كان ف‍ (ان استمر به المرض الى رمضان آخر سقط قضاؤه على


(1) الوسائل الباب - 12 - من ابواب قضاء الصلوات (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الجواهر - 3

[ 25 ]

الاظهر) الاشهر، بل المشهور (وكفر عن كل يوم من السالف بمد من الطعام) كما استفاضت بذلك النصوص (1) أو تواترت، وقد رواه محمد بن مسلم (2) عن ابي جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) وزرارة (3) عن ابي جعفر (عليه السلام) وابو بصير (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) أيضا والفضل بن شاذان (5) عن الرضا (عليه السلام) وعلي بن جعفر (6) عن أخيه موسى (عليه السلام) و عبد الله بن جعفر (7) عن اخيه (عليه السلام) ايضا، بل وابو الصباح الكناني (8) و عبد الله بن سنان (9) على ما ستعرف، وفيها المكرر، فلا بأس بدعوى تواترها، والخروج بها عن ظاهر قوله تعالى (10) " فمن كان منكم مريضا " الى آخره، على أن التحقيق جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد فلا محيص عن العمل بها خصوصا بعد اشتهار الفتوى بها بين الطائفة، وعدم المعارضة المعتد به لها، خصوصا بالنسبة الى الفدية كما اعترف به المصنف في المعتبر، فما عن ابني ابي عقيل وبابوبه والشيخ في الخلاف وابني زهرة وادريس وابي الصلاح والفاضل في النحرير من تعين القضاء دون الكفارة واضح الضعف، لا بتنائه بالنسبة الى ثبوت القضاء على عدم حجية الخبر الواحد أو عدم تخصيص الكتاب به، وهما معا باطلان كما حرر في محله، مضافا الى امكان دعوى التواتر هنا أو القطع ولو بالفرائن، ودعوى الشيخ في الخلاف الاجماع منزلة على غير ذلك، بل ظاهرها


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 0 - 1 - 2 - 6 - 8 - 9 - 10 والاخير ايضا عن علي بن جعفر (8) و (9) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 3 - 4 (10) سورة البقرة - الاية 180

[ 26 ]

المسألة الاتية كما لا يخفى على من لا حظه، والى ما عساه يقال من ظهور ما دل على القضاء بالمرض من الكتاب والسنة في غير الفرض فلا يكون ظاهر الكتاب حينئذ معارضا وان كان فيه ما فيه، واما ضعيف ابي الصباح الكناني (1) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل قال: عليه أن يصوم وأن يطعم عن كل يوم مسكينا، فان كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه الا الصيام ان صح، فان تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا " فغير صالح للمعارضة من وجوه، مع احتماله صيام الشهر رمضان الحاضر لاقضاءه أو قضاءه لكن مع عدم استمرار المرض كما ستسمعه من الكاشاني في القسم الاخير، ولذا أدرجه سيد المدارك في نصوص المشهور. وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور كالمحكى عن ابن الجنيد من الاحتياط بجمعهما معا بناء على ارادته الواجب منه، جمعا بين الادلة التي لا تخصص بخبر الواحد، وما دل على وجوب الفدية، ولحصول اليقين بالفراغ بذلك، وفيه ما لا يخفى، فلا ريب في ضعفه وان نسبه في الدروس الى الرواية ولعلها خبر سماعة (2) " سألته عن رجل أدركه رمضان وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه فقال: يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي عليه بمد من طعام، وليصم هذا الذى أدرك، فإذا افطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فاني كنت مريضا فمر علي ثلاث رمضانات لم أصح فيهن، ثم أدركت رمضان فتصدقت بدل كل يوم مما مضى بمد من طعام، ثم عافاني الله وصمتهن " لكنها - مع ضعفها واضمارها واحتمالها عدم الصحة فيهن لا بينهن، ولا ينافي العصمة عدم القضاء، لجواز أن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 3 - 5

[ 27 ]

يكون تجدد له من العذر ما منعه من القضاء، سواء خلت أيام من العذر راسا أم لا، لسعة الوقت المجوزة للتأخير عن اول زمان العذر، وانه (عليه السلام) مرض في رمضان ففدى عن كل يوم بمد ثم عوفي قبل الرمضان الثاني فصامه، ثم مرض في الرمضان الثاني ففدى عن كل يوم بمد ثم عوفي قبل الثالث فصامه، وكذا الثالث ويكون السؤال عن رجل عوفي فيما بين الرمضانين ولم يصم ما فاته من الاول - قاصر عن معارضة ما تقدم من وجوه، فلا بأس بحمله على الندب، كما يشهد له صحيح عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) " من افطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم، وأما انا فاني صمت وتصدقت " بناء على ان المراد منه الاستمرار، ومن العذر فيه المرض بقرينة قوله " وهو مريض " الى آخره أو على تساوي المرض مع غيره من الاعذار مع الاتصال، والله أعلم. هذا كله فيما إذا استمر المرض الى رمضان آخر (و) أما (ان برى بينهما وأخره عازما على القضاء) مع التمكن منه فاتفق حصول العذر عند الضيق (قضاه ولا كفارة وان) كان (تركه تهاونا) بأن لم يكن عازما على الفعل ولا على الترك في تمام الزمان على فرض قصوره، أو كان عازما على العدم فيه سواء عرض له عذر بعد ذلك منعه من القضاء اولا أو على العدم عند الضيق خاصة بعد العزم على الفعل قبله، أو على العدم في السعة لكن عرض له بعد ذلك ما منعه عن القضاء، وبالجملة أدركه الرمضان الثاني أو عذر آخر مستمر إليه وهو غير عازم على القضاء (قضاه وكفر عن كل يوم من السالف بمد من الطعام) بلا خلاف اجده في الاخير بأقسامه السابقة إلا من الحلى في السرائر فاقتصر على القضاء طرحا للنصوص على أصله من عدم العمل بأخبار الاحاد، فيبقى حينئذ أصل


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث - 4

[ 28 ]

البراءة سالما عن المعارض، ثم قال: والاجماع غير منعقد على وجوب هذه الكفارة لان اكثر اصحابنا لا يذهبون إليها ولا يوردونها في كتبهم مثل الفقيه وسلار والسيد المرتضى وغيرهما ولا يذهب الى الكفارة في هذه المسألة يعني مسألة التواني الا شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان في الجزء الثاني من مقنعته، ولم يذكرها في كتاب الصيام فيها ولا في غيرها من كتبه وشيخنا أبو جعفر ومن تابعهما وقلد كتبهما ويتعلق باخبار الاحاد التي ليست عند أهل البيت (عليه السلام) حجة على ما شرحناه وقد يؤبده ايضا مرسل سعد بن سعد (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) (سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو اكثر ما عليه في ذلك ؟ قال: احب له تعجيل الصيام، فان كان أخره فليس عليه شئ " وهو كما ترى مبنى على اصل فاسد، لكن بالغ في الانكار عليه في المعتبر فقال انه ارتكب ما لم يذهب إليه احد من فقهاء الامامية فيما علمت، ثم ذكر رواة الفدية زرارة ومحمد بن مسلم وابو الصباح الكناني وابو بصير و عبد الله ابن سنان، وقال: هؤلاء فضلاء السلف من الامامية، وليس لروايتهم معارض الا ما يحتمل رده الى ما ذكرناه، فالراد لذلك متكلف لما لا ضرورة إليه، ونحو منه عن المنتهى، وفي المختلف ان البراءة انما يصار إليها مع عدم دليل الثبوت وشغل الذمة، وقد بينا الادلة، وعدم ذكر احد من اصحابنا غير الشيخين لهذه المسألة ليس حجة على العدم مع ان الشيخين هما القيمان بالمذهب، وكيف يدعى ذلك وابنا بابويه رحمهما الله سبقا الشيخين بذكر وجوب الصدقة مطلقا، ولم يفصلا بين التواني وغيره، وكذا ابن ابي عقيل، وهو اسبق من الشيخين، وهؤلاء عمدة المذهب، والحديث الذي رواه سعد بن سعد مرسل ضعيف السند. قلت ومع ذلك كله يمكن دعوى تواتر النصوص فيه أو القطع به منها ولو


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث - 7

[ 29 ]

بالقرائن كالاعتضاد ونحوه، فلا إشكال حينئذ في ذلك، بل ظاهر المحكي عن الصدوقين ومحتمل ابني سعيد والمفيد وابن زهرة وجوبهما على كل تارك له مع القدرة عليه، سواء عزم على القضاء أو عدمه ام لا، واختاره الشهيد ان وغيرهما كسيد المدارك وغيره، بل حكاه فيها عن المصنف في المعتبر على الجزم لاطلاق قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1) " فان كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى ادركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا وتصدق عن الاول " والصادق (عليه السلام) في صحيح ابي الصباح (2) بل وخبر سماعة (3) المتقدمين سابقا وقول الرضا (عليه السلام) في صحيح الفضل (4) المروي عن العلل والعيون: " إذا أفاق بينهما أو أقام - أي المسافر - ولم يقضه وجب عليه القضاء والفداء الى أن قال في ذيله فان أفاق فيما بينهما ولم يصمه وجب عليه الفداء لتضييعه والصوم لاستطاعته " وغيرها من النصوص الظاهرة في ان الحكم هنا على قسمين خاصة، أحدهما الفداء لا غير، والاخر مع القضاء. لكن قد يشكل ذلك بما في صحيح ابن مسلم أو حسنه (5) عن ابي جعفر وابى عبد الله (عليهما السلام) " سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر فقال: ان كان برئ ثم توانى قبل ان يدركه الرمضان الاخر صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين وعليه قضاؤه، وان كان لم يزل مريضا " الحديث، وفي خبر أبي بصير (6) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " وان صح فيما بين الرمضانين فانما عليه أن يقضي الصيام، فان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث - 2 - 3 - 5 - 8 - 1 (6) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث - 6

[ 30 ]

تهاون به وقد صح فعليه الصدقة والصيام جميعا لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان " وفي خبره الاخر (1) المروي عن تفسير العياشي " فان صح فيما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى حال الرمضان الاخر فان عليه الصوم ويتصدق من اجل انه ضيع ذلك الصيام " مضافا الى إطلاق نفي الفدية في مرسل سعد السابق وانه مع التهاون مفرط في واجب وتارك للعزم الذي يجب بدل الفعل ما دام موسعا فناسب عقوبة إيجاب الصدقة الذي هو تطهير للذنب، بخلاف عدمه، ولعله لذا والاصالة براءة الذمة اقتصر المصنف وغيره - بل قيل انه المشهور خصوصا بين المتأخرين كما في المسالك - على القضاء خاصة في غير المتهاون بالمعنى المزبور، إذ لا معارض لهذه النصوص الا تلك المطلقات المقيدة بما هنا من التفصيل المستفاد من تعليق الحكم على الهاون في حسن ابن مسلم وغيره المشعر بالعلية. لكن قد يدفع ذلك بمنع كون التهاون والتواني ذلك، بل ليس المراد منهما الا عدم القضاء مع النمكن منه تكاسلا واعتمادا على السعة، وهو أعم منه بالمعنى المزبور، بل ظاهر المقابلة له باستمرار المرض في حسن ابن مسلم وغيره يقتضي ارادة مجرد ترك الفضاء منه، فكأنه قال: ان كان برئ ثم ترك القضاء، وفي فوائد الشرائع ان اللايح من الاخبار ان غير المتهاون هو الذى يعرض له ما يمنع الصوم وهو ظاهر كلامه في التذكرة، قلت: لكن قد تكلف الكاشاني واطنب في دعوى اشتمال خبري ابي الصباح وابي بصير علي تثليث الاقسام كما يقوله المشهور بجعل المذكور في الصدر في الاول القسم الاول، وهو ما تجب به القضاء والفدية، وقوله " فان كان مريضا " الى آخره القسم الثاني، وهو ما يجب فيه القضاء خاصة على معنى حدوث المرض فيه بعد ان تمكن من القضاء كما اشار إليه بقوله " ان صح " وقوله " فان تتابع " الى آخره القسم الثالث، وهو الذي تجب به الفدية خاصة، وعكسه


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث - 11

[ 31 ]

خبر ابي بصير فان القسم الاول فيه ما تجب به الفدية، والقسم الثاني القضاء خاصة بأن يكون المراد من قوله فيه: فانما عليه ان يقضي الصيام بعد اداء الرمضان الحاضر أي ليس على من فاته شئ من شهر رمضان لمرض قد صح بعد وتركه الى ان جاء شهر الرمضان الاخر غير متهاون الا القضاء: فان كان قد تهاون كان عليه الفدية معه ايضا، وهو القسم الثالث فيه، الا انه كما ترى، اللهم الا ان يكون بملاحظة الشهرة المزبورة ومنه يظهر لك قوة القول بكون الاقسام ثلاثة، ولا ينافي ذلك الاطلاقات المزبورة المحمولة على هذا التفصيل، على انه قد يدعى كون الظاهر منها السؤال عمن تعمد ترك القضاء حتى جاء شهر رمضان آخر، فلا تشمل العازم على المبادرة في ثاني اوقات الامكان ثم عرض له المانع المستمر الى الرمضان الاخر، بل ينبغي القطع بعدم صدق النهاون على ذلك، بل ولا التواني، بل قد يقال بعدم صدق التهاون عرفا بالتأخير في مثل المقام الذي قد حدد فيه الوجوب وان كان على جهة النوقيت ولو الى آخر ازمنة الامكان كالصلاة بالنسبة الى وقتها إلا على إرادة النهاون بالواجب من حيث وجوبه أي تعمد تركه في وقته الذي قد خوطب به مع تمكنه منه متهاونا به وعدم مبالاته فيه، ولعل هذا هو المقصود أولا وبالذات من هذه النصوص وان كان قد يلحق به غيره مما سمعته في صور المشهور، كمن كان عازما على العدم ففاجأه العذر وان عزم بعد ذلك على القضاء وإذا ارتفع فلم يتيسر له حتى أدركه رمضان آخر الا انه لا يخلو من اشكال، واشكل منه الخالي عن العزم إذا كان كذلك، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. ثم ان الظاهر عدم الفرق هنا بين الفوات بالمرض وبين غيره من الاعذار كالسفر والحيض، بل ولا بين العذر وبين غيره كالعامد، ضرورة ظهور الادلة في ترتب القضاء أو الفدية أو القضاء خاصة على التهاون وعدمه أو على المتمكن من القضاء وعدمه، من غير فرق بين اسباب الافطار في شهر رمضان، لاطلاق أدلة

[ 32 ]

القضاء، ولتعليل الفدية بالتضييع في خبر ابي بصير (1) وصحيح الفضل (2) وإطلاق وجوبها مع القضاء في خبر سماعة (3) بل وغيره، واشتمال اكثر النصوص على الفوات بالمرض يراد منه المثال بالنسبة الى ما نحن فيه قطعا، نعم قد يفرق بين المرض والسفر في المسألة السابقة التي قلنا بوجوب الفدية فيها دون الفضاء وفاقا للفاضل في المختلف وثاني الشهيدين وسبطه وغيرهم باعتبار اطلاق أدلة القضاء الذي يجب الاقتصار في تقييده على المتيقن، وهو ما إذا كان الفوات بالمرض المستمر، والقياس عليه هنا منحصر في المحرم، اذلا اولوية ولا مساواة بالنسبة الى ذلك، اللهم إلا ان يقال بالجمع استنادا في القضاء للعمومات وفي الفدية الى أولوية السفر من المرض الذي هو اعظم الاعذار، لكن لا اظن قائلا به، مع احتمال منع الاولوية هنا، وان ذكرها في المختلف فيما لو كان الفوات بغير المرض وأخر القضاء توانيا، للفرق الواضح باعتبار فرض ثبوت القضاء معه دونه، فلعل التكليف بالقضاء الذي هو أشق منها كاف في مرجوحيته بالنسبة الى المرض، كما اني لا اظن قائلا بكونه كالمرض في الاقتصار عليها، وان كان هو ظاهر صحيح الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)، الا انه مع اتحاده وعدم ظهور العمل به قاصر عن معارضة الاية والرواية، لكن في الدروس هل يلحق غير المريض به كالمسافر ؟ توقف فيه المحقق في المعتبر، وتظهر الفائدة في وجوب الفدية على القادر وسقوط القضاء عن العاجز، وكلام الحسن والشيخ يؤذن بطرد الحكم في ذوي الاعذار وربما قيل بطرد الحكم في وجوب الكفارة بالتأخير لا في سقوط القضاء بدوام العذر، ولا يخفى عليك ان الاخير هو الاصح، والمحكي عن الحسن مساواة الطرد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 11 - 8 - 5 الجواهر - 4

[ 33 ]

في ذوي الاعذار في غير صورة الاستمرار، على ان مذهبه كالشيخ في الخلاف الذي حكي عنه فيه الطرد المزبور وجوب القضاء لا غير في استمرار المرض، ولا خلاف حينئذ، ولعل ما وقع من المصنف في المعتبر والفاضل في التحرير والمنتهى من النظر والاشكال فيما حكياه عن الشيخ من إلحاق غير المرض به مبني على الطرد من حيث كونه طردا بحيث يأتي على جميع الاقوال التي منها الاقتصار على الفدية وسقوط القضاء مع الاستمرار، ولا ريب في اشكاله حينئذ، بل الاقوى عدمه إذ الظاهر اختصاص ذلك بالفوات بالمرض المستمر الى الرمضان الاخر دون غيره مع التلفيق وعدمه، وصحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) " من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم ادركه رمضان آخر وهو مريض فليتصدق بمد لكل يوم " - مع احتماله كون العذر المرض، كما لعله يشعر به قوله (عليه السلام): " وهو مريض " - قاصر عن تخصيص مادل على القضاء من الاية والرواية، خصوصا بعد عدم ظهور العامل به، كصحيح الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) الذى أشرنا إليه سابقا المحتمل اختصاصه ايضا بالمرض كما لا يخفى على من لا حظه، سيما وقد عرفت أن الشيخ (رحمه الله) يقول بالقضاء في استمرار المرض فضلا عن غيره فلا وجه لحكاية الخلاف عنه هنا، ومنه يعلم حينئذ مهجورية الخبرين، فلا بأس بطرحهما أو حملهما على ما يقتضى الاختصاص بالمرض. ومقدار الفدية مد عن كل يوم على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة بل لا خلاف فيه فيما وصل الينا من النصوص (2) سوى ما عن بعض النسخ في خبر سماعة (3) من المدين، وكأنه اشتباه من قلم النساخ في لفظ " من " كما يشهد له الرسم في " طعام " فما عن النهاية والاقتصاد وابني حمزة والبراج - من أنها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 4 - 0 - 5

[ 34 ]

مدان، فان لم يتمكن فمد، بل قد يحتمله ما عن الجمل والمبسوط انها مدان، وأقله مد، والترتيب في الفضل - لم نجد ما يشهد له فضلا عن أن يصلح معارضا لما هنا، والقياس على كفارة جزاء الصيد أو على كفارة ذي العطاش والشيخ الكبير ليس من مذهبنا، على انك ستعرف انها مد ايضا في الاخيرين وان ورد في صحيح ابن مسلم (1) انها مدان الا انه لمعارضته بما هو أقوى منه كما ستعرف يجب حمله على الندب. ولا تتكرر الفدية بتكرر السنين من غير فرق بين فدية الاستمرار وفدية التهاون، لصدق الامتثال بالمرة كما صرح به هنا غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا الا من الفاضل في المحكى من تذكرته، فقال تتكرر قياسا على السنة الاولى التي أوجبت المد عن كل يوم، وهو كما ترى، نعم لا فرق في حكم الاستمرار بين الرمضان الواحد والاكثر، لاطلاق الادلة، وخصوص خبر سماعة (2) وخبر أبي بصير (3) المروي عن تفسير العياشي، فما عساه يظهر من المحكي عن الصدوقين من وجوب الفدية للاول والقضاء للثاني الذي قد استمر الى الثالث واضح الضعف بل لم أجد له دليلا، وخبر علي بن جعفر (4) المروي عن قرب الاسناد عن أخيه موسى (عليه السلام) " سألته عن رجل يتابع عليه رمضانان لم يصم فيهما ثم صح بعد ذلك كيف يصنع ؟ قال يصوم الاخير ويتصدق عن الاول بصدقة كل يوم مد من طعام لكل مسكين " يراد منه الذي قد صح بعد الثاني، بل ربما يحتمل ذلك كلام الصدوقين كما اعترف به في المختلف، بل عن ابن ادريس الجزم به، وحينئذ فلا خلاف، والامر سهل.


(1) الوسائل - البا ب - 15 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 5 - 11 - 9

[ 35 ]

ثم ان الفدية في مستمر العذر على المختار عزيمة لا رخصة، فلا يجزي القضاء حينئذ عنها، لظاهر التعيين في الادلة السابقة، لكن عن تحرير الفاضل الاجزاء، ولا ريب في ضعفه، كما هو واضح. المسألة (الثانية يجب على الولي ان يقضي ما فات عن الميت من صيام واجب رمضان كان أو غيره سواء فات بمرض أو غيره) بلا خلاف اجده فيه في أصل الحكم سوى ما عن ابن ابي عقيل من ان المشروع الصدقة عنه عن كل يوم بمد دون القضاء، بل نسب القول به الى الشذوذ، كما انه نسب الصدقة الى التواتر، وهو من الغرائب، ضرورة كون العكس مظنة التواتر أو القطع ولو بمعونة شهرته بين الامامية، بل كان من ضروريات مذهبهم وصول جميع ما يفعل عن الميت من صوم أو صلاة إليه، ومن ذلك يعلم ما في استدلال المختلف له بقوله تعالى (1): " ليس للانسان إلا ما سعى " وجوابه عنه بأنا نقول بمقتضاها وانه لا ثواب للميت بصوم الحي وان كان ما فات منه سببا لوجوب الصوم على الولي وسمي قضاء لذلك، وإلا فالثواب للحي خاصة، ونحوه عن الانتصار والغنية ومتشابه القرآن لابن شهر اشوب، حتى انه قال في الاول: فان قيل فما معنى قولهم صام عنه إذا كان لا يلحقه وهو ميت ثواب ولا حكم لاجل هذا العمل قلنا معنى ذلك انه صام وسبب صومه تفريط الميت، ولانه حصلت به علقة قيل عنه من حيث كان التفريط المتقدم سببا في لزوم هذا الصوم، ثم احتج له أيضا بما روي (2) عنه (عليه السلام) " إذا مات المؤمن انقطع عمله الا من ثلاث " ولم يذكر فيه الصوم عنه، وأجاب بنحو


(1) سورة النجم - الاية 40 (2) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الوقوف والصدقات مع الاختلاف في اللفظ.

[ 36 ]

ما سمعت، وتبعه في الغنية، وهو غريب ضرورة تواتر النصوص (1) في وصول ثواب ما يفعله الحي عن الميت، بل هو من ضروريات مذهب الشيعة، وبذلك تخصص الاية والرواية إن لم نقل انها منسوخة الحكم، وانها مخصوصة بالامم السالفة كما روي عن ابن عباس، لقوله تعالى (2): " والحقنا بهم ذريتهم " فرفع درجة الذرية بأعمالهم، بل ربما قيل ان ولده وحميمه وصديقه وكل من تبرع عنه من سعيه أيضا، وأن الصلاة والصوم من ولده استفغار له، فيندرج في أحد الثلاثة. واما صحيح ابي مريم الانصاري (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه قضاء، وان صح ثم مرض حتى يموت وكان له مال تصدق عنه، فان لم يكن له مال تصدق عنه وليه " فهو قاصر عن معارضة غيره من النصوص التي يمكن دعوى تواترها، وسيمر عليك بعضها، على أن الصدوق والكليني المعلوم كونهما أضبط من غيرهما قد رويا هذه الرواية " وان صح ثم مات وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد، فان لم يكن له مال صام عنه وليه ". ثم ان إطلاق النص والفتوى وترك الاستفصال في الاول منهما يقتضي عدم الفرق بين أسباب الفوات وبين العمد وغيره، لكن في الذكرى عن المصنف (رحمه الله) انه قال في مسائله البغدادية المنسوبة الى جمال الدين بن حاتم المشعري: " الذي ظهر لي أن الولد يلزمه قضاء ما فات من الميت من صيام وصلاة لعذر


(1) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الاحتضار من كتاب الطهارة والباب - 12 - من ابواب قضاء الصلوات (2) سورة الطور - الاية - 21 (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 8

[ 37 ]

كالمرش والسفر والحيض لا ما تركه عمدا مع قدرته عليه " ثم قال الشهيد وقد كان شيخنا عميد الدين ينصر هذا القول، ولا بأس به، فان الروايات تحمل على الغالب من الترك، وهو انما يكون على هذا الوجه، وهو اعتبار حسن، قلت: لا يخفى عليك ما فيه. (و) كيف كان ف‍ (لا يقضي الولي الا ما تمكن الميت من قضائه وأهمله إلا ما يفوت بالسفر، فانه يقضي ولو مات مسافرا على رواية) بلا خلاف أجده فيما عدا السفر، فلو مات المريض حينئذ قبل التمكن من القضاء سقط عن الولى اتفاقا كما قيل، بل عن المنتهى نسبته الى العلماء، وقد سأل أبو حمزة (1) أبا جعفر (عليه السلام) " عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها ؟ قال: اما الطمث والمرض فلا، واما السفر فنعم " ونحوه موثق محمد بن مسلم (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام)، وفي خبر منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل سافر في شهر رمضان فيموت قال: يقضى عنه، وان امرأة حاضت في شهر رمضان فماتت لم يقض عنها، والمريض في شهر رمضان لم يصح حتى مات لا يقضى عنه " ولانه لم يجب على الميت حتى يقضيه عنه وليه كما أو مأ إليه الصادق (عليه السلام) في خبر ابي بصير المتقدم في المسألة السابقة في الامرأة التي مرضت في شهر رمضان وماتت وقد أوصت بالقضاء عنها، وفي مرسل ابن بكير (5) تعليل قضاء الولي بأنه قد صح - أي المريض - فلم يقض ما وجب عليه، ولذلك كان خيرة الشيخ في الخلاف والنهاية والفاضلين في النافع والتحرير والمنتهى والمختلف وظاهر السرائر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 4 - 16 - 15 - 12 - 13

[ 38 ]

والتبصرة على ما حكي عن بعضهم عدم القضاء عن المسافر إذا لم يتمكن من القضاء ولو بالاقامة في أثناء السفر، فتحمل النصوص المزبورة على الندب، لكن عن التهذيب وجامع ابن سعيد وظاهر الصدوق في المقنع الوجوب، للنصوص (1) المزبورة التي فيها الصحيح وغيره الواجب تحكيمها على غيرها، مضافا الى اطلاق خبر ابي بصير (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فادر كه الموت قبل أن يقضيه قال: يقضيه افضل أهل بيته " وربما كان الفرق بينه وبين المريض حيث لا يكون السفر ضروريا بأن السفر من فعله، وكان يمكنه الاقامة والاداء الذي هو أبلغ من التمكن من القضاء، بخلاف المرض مثلا الذي هو مما غلب الله عليه فيه، ودعوى حمل نصوص السفر على ما إذا كان معصية ولو لانه في شهر رمضان بناء على كونه فيه كذلك يدفعها أنها خلاف الظاهر بلا قرينة، كدعوى المناقشة في سندها ومنع صحته بحيث يصلح لاثبات الحكم، إذ هي كما ترى، نعم قد يقال انها بعد اعراض المشهور عنها قاصرة عن تقييد الاطلاق المزبور، خصوصا بعد ما أومي إليه في خبر أبي بصير (3) من العجب وأنه كيف القضاء عما لم يجعله الله، إلا أنه ومع ذلك فالاحتياط لا ينبغى تركه. ثم ان ظاهر المعظم نصا وفتوى عدم الفرق في وجوب القضاء على الولي بين من ترك ما يمكن التصدق به عنما عليه من الصيام وغيره، بل في السرائر أما الصدقة فلا تجب، لان الميت ما وجبت عليه كفارة بل صوم لا بدل له، والولي هو المكلف بقضائه لا يجزيه غيره، والاجماع منعقد من أصحابنا على ذلك، ولم


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 4 و 11 و 15 و 16 (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 11 - 12

[ 39 ]

يذهب الى ما قاله السيد غيره، خلافا للمرتضى فاشترطه لصحيح ابي مريم السابق (1) على ما رواه الصدوق والكليني اللذان هما أضبط من غيرهما، ومال إليه بعض متأخري المتأخرين، بل في المعتبر ليس ما قاله أي ابن ادريس صوابا مع وجود الرواية الصريحة المشتهرة وفتوى الفضلاء من الاصحاب، ودعوى علم الهدى إجماع الامامية على ما ذكره، فلا أقل من ان يكون ذلك قولا ظاهرا بينهم فدعوى المتأخر أن محققا لم يذهب إليه تهجم. قلت لكن لا يخفى عليك قصور الرواية باعتبار اتحادها وظهور اعراض المعظم عنها وموافقتها للمشهور عن العامة عن تقييد اطلاق غيرها الذي هو كالصريح في هذا الفرد باعتبار غلبة تركه مقدار ذلك من اكثر الناس، فهي حينئذ معارضة لا مقيدة، علي أنه ينافيها خبر ابي مريم (2) المروي في التهذيب، ولا مدخلية لضبط الكليني والصدوق هنا إذ الظاهر انهما خبران له، ومقتضى الجمع بينهما حينئذ التخيير كما تضمنه صحيح محمد بن اسماعيل بن بزيع (3) عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام) " قلت له: رجل مات وعليه صوم يصام عنه أو يتصدق قال: يتصدق عنه، فانه أفضل " لكن لا يقول به أحد عدا ما عساه يظهر من الشيخ، وقد أعرض الجميع عنه، ولئن سلم الاتحاد فهو مضطرب يشكل العمل به في نحو المقام، واجماع المرتضى مع موهونيته بمصير المعظم الى خلافه انما ادعاه على الصيام عنه ان لم يتصدق في مقابلة من انكر الصيام عنه اصلا، لا على ما نحن فيه فلا ريب حينئذ في أن الاقوى ما عليه المشهور، والله أعلم. (و) كيف كان فالمشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا أن (الولي هو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 8 - 7 (3) الوافى الجزء السابع ص 51 - الباب - 55 - الحديث - 9 عن الفقيه

[ 40 ]

اكبر اولاده الذكور) لا غير أي من لا ذكر اكبر منه من ولده وإن لم يكن هو الا واحدا (و) حينئذ ف‍ (لو كان الاكبر أنثى لم يجب عليها القضاء) لان المنساق من الولي هنا الولد الذكر، خصوصا مع ملاحظة الشهرة وقوله تعالى (1): " فهب لي من لدنك وليا يرثني " ولذا فسره الشيخ به، بل في المختلف منع صدق الولي على غيره، ومكاتبه الصفار (2) الى الاخير (عليه السلام) " رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا، خمسة ايام احد الوليين وخمسة ايام الاخر فوقع (عليه السلام) يقضي عنه اكبر ولديه عشرة أيام ولاء ان شاء " بناء على ما عن الحر العاملي من ان روايته كذلك، وان كان الموجود فيما عندنا من الاصول " وليه " لا " ولديه ". وعلى كل حال فمنه يستفاد اعتبار كونه الاكبر، بل لعله المراد من خبر ابي بصير المتقدم آنفا باعتبار كونه هو أفضل اهل البيت بسبب اختصاصه بالحباء بل ظاهر الاصحاب في كتاب الميراث تعليل الحباء بأن عليه القضاء، بل ربما فرعوا عليه حرمان فاسد العقل ونحوه ممن لم يكن صالحا للقضاء من الحبوة، وقد اعترف في الذكرى بأن الاكثر قد قرنوا بين الحبوة وبين قضاء الصلاة، بل قد يقال انه المراد ايضا من خبر حفص بن البختري (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام قال: يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فان كان أولى الناس بميراثه امرأة فقال: لا إلا الرجال " ونحوه مرسل حماد بن عثمان (4) عنه (عليه السلام) ايضا بناء على انه هو الاولى من جميع الناس بالميراث باعتبار اختصاصه بالحبوة ولا ينافيه قوله " فان " الى آخره ضرورة كون المراد انه إذا اتفق اختصاص المرأة


(1) سورة مريم (عليها السلام) الاية - 5 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 3 - 5 - 6 الجواهر - 5

[ 41 ]

بالارث، وحينئذ يكون المراد من اولى الناس فردا معينا لا انه مطلق يدور الحكم مداره في جميع الطبقات، ولئن كان في ذلك نوع تكلف امكن جبره بالشهرة فانها صالحة لذلك ونحوه باعتبار حصول الظن بكون ذلك هو المراد دون غيره وانكار الشهرة المعتد بها يدفعه التتبع، بل لم اجد من عمل بهذه النصوص على طبقات الارث، فان الذي نسب إليه الخلاف هنا المفيد وابن الجنيد والصدوقان وابن البراج، وقد قال الاول منهم: " فان لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه اكبر اوليائه من اهله واولاهم به وان لم يكن إلا من النساء " وقال الثاني: " وأولى الناس بالقضاء عن الميت اكبر اولاده الذكور أو اقرب اوليائه إليه ان لم يكن له ولد " وهما كما ترى قد اعتبرا نفي الولد في قضاء غيره، وهو غير مدلول الرواية وقال الصدوق في الرسالة " من مات وعليه صوم رمضان فعلى وليه ان يقضي عنه، وان كان للميت وليان فعلى اكبرهما من الرجال، فان لم يكن له ولي من الرجال قضى عنه وليه من النساء " ونحوه ولده في المقنع، وليس في كلامه تصريح في المراد من الولي، وقال ابن البراج: " على ولده الاكبر من الذكوران يقضي عنه ما فاته من ذلك ومن الصلاة ايضا، فان لم يكن له ذكر فالاولى من النساء " وهو كالاولين في اعتبار نفي الولد، نعم قد اتفقوا على ثبوت الولاية للنساء، وهم محجوجون بصريح الخبرين السابقين وظاهر غيرهما، واحتمال كون المراد منهما نفيها عنهن مع وجود الرجال كما ترى، فمن الغريب بعد ذلك ما في الدروس من حيث انه حكى عن المفيد سمعت ثم قال: " وهو ظاهر القدماء والاخبار والمختار، ولذا قال في المدارك بعد أن حكاه عنه: " وهو غير جيد، فان صحيحة حفص ومرسلة حماد صريحتان في اختصاص الوجوب بالرجال، نعم مقتضاهما عدم اختصاص الوجوب بالولد الاكبر بل تعلقه بالاولى بالميراث من الذكور مطلقا وبمضمونهما أفتى ابن الجنيد وابنا بابويه وجماعة، ولا بأس به " وفيه بعد الغض عما ارسله من جماعة ان كلام هؤلاء

[ 42 ]

الثلاثة صريح في خلاف ذلك لتصريح الاخيرين بثبوت الولاية للنساء، واعتبار الاول فقد الولد الاكبر، ومما ذكرنا يظهر لك ان ما في الروضة لا يخلو من خلل فانه أشار الى ذلك بقوله: وقيل يجب على الولي مطلقا من مراتب الارث حتى الزوجين والمعتق وضامن الجريرة، ويقدم الاكبر من ذكورهم فالاكبر ثم الاناث واختاره في الدروس، ولا ريب انه احوط إذ لا يخفى عليك عدم تمام انطباقه على ما سمعته من عباراتهم ولئن اغضي عن ذلك كله كان المتجه ما عليه المشهور ايضا، لان الاصل البراءة، والواجب الاقتصار في الخروج عنه على المتيقن، وليس الا أكبر الاولاد. وعلى كل حال فلا يعتبر بلوغ الولي عند الموت، بل ولا عقله، لاطلاق الادلة التي ليس في شئ منها ظهور في كون تعلق القضاء بذمة الولي من حين الموت ولا اشعار بكماله حينه، بل هي ظاهرة في كونها من باب الاسباب نحو من أجنب اغتسل، ومن أتلف مال غيره فهو ضامن له، وما شابههما مما لا ينافيه رفع القلم عن الصبي والمجنون، ومن ذلك يعلم ما في التمسك لعدم الوجوب باستصحابه، فما في الروضة والمسالك من التردد بل في كشف الاستاد وعن حاشية الارشاد والذكرى والايضاح الجزم بعدم الوجوب لا يخلو من نظر، كما انه لا يخلو منه ما فيها ايضا من انه لو اختص احد اولاده بالبلو والاخر بكبر السن فالاقرب تقديم البالغ، لكونه الاولى بالميت، إذ هو كما ترى مناف لاطلاق النص والفتوى ومقتضاه ذلك ايضا في العاقل والمجنون ونحوهما. ولو اشتبه الاكبر احتمل السقوط والقرعة والتوزيع، وان كان الاقوى الاول لاصالة البراءة بالنسبة الى كل منهم، كواجدي المني في الثوب المشترك. ولا يعتبر في الولي الارث فعلا للاطلاق، فلو حجب بقتل أو كفر اورق تعلق به القضاء وان توقف بعضهم في الاخير لمنع صدق كونه وليا ومعارضة حق السيد، بل ربما ينقدح الاشكال في سابقه أيضا، لعدم الولاية

[ 43 ]

له، الا انه لا يخفى عليك دفعهما خصوصا بعد زوال المانع. (ولو كان له وليان أو اولياء متساوون في السن تساووا في القضاء) بالتقسيط عليهم (و) ان قال المصنف هنا: (فيه تردد) لكن الاقوى ذلك وفاقا للاكثر، لعموم الولي والاولى للواحد والمتعدد، وخبر الاكبر انما يقضي بالتعيين عليه مع وجوده، لا انه يقضي باشتراط وجوده في القضاء، إذ لا ريب في وجوب القضاء عليه مع الاتحاد الذي لا يصدق معه وصف الاكبرية الا على معنى أن لا أكبر منه، وهو هنا متحقق فما عن ابن ادريس من اسقاط القضاء من رأس للاصل المقتصر في الخروج عنه على المتيقن وهو الولد الاكبر واضح الضعف كالمحكى عن ابن البراج من تخيير أيهما شاء قضى، فان اختلفا فالقرعة، ومرجعه عند التأمل الى الوجوب الكفائي، لصدق الولي على كل منهما، والظاهر انه يجوز التوزيع مع التراضي، وربما احتمل العدم، وعلى كل حال ففيه انه لا وجه للقرعة حينئذ اولا، ضرورة كونه كباقي الواجبات الكفائية المعلوم عدم القرعة فيها لعدم الاشكال حينئذ في شئ، لتحقق الوجوب على الجميع وان سقط بفعل البعض، ومع عدمه يعاقب الجميع، فلا اشكال حينئذ، وثانيا ما قيل من منع صدق اسم الولي على كل منهما، بل هو مجموعهما وإن كان هو ترى، وثالثا أن المنساق من أمثال ذلك مما هو قابل للتوزيع الاشتراك، نعم هو متجه فيما لا يقبله كاليوم الواحد على ما صرح به الفاضل والشهيدان وغيرهم، فلهما حينئذ أن يوقعاه معا، ولا ينافي ذلك اتحاده في ذمة الميت، ضرورة عدم توقف البراءة منه على التعيين، ولو أفطرا فيه بعد الزوال وكان قضاء شهر رمضان احتمل وجوب الكفارة عليهما، لصدق القضاء عن رمضان على صوم كل منهما وان اتحد الاصل ووجوب كفارة واحدة عليهما بالسوية، لكون القضاء في الواقع احدهما، وحيث لا ترجيح كانت بالسوية، ووجوبها وكونها على الكفاية أيضا كأصل الصوم

[ 44 ]

وسقوطها عنهما، واستقربه في الدروس واستوجهه في المسالك ولم يستبعده في المدارك لانتفاء ما يدل على وجوب الكفارة في القضاء على وجه يتناول ذلك، وفيه أنه يكفي الاطلاق بعد فرض تناول القضاء للنفس وللغير، وإلا جاز الافطار في المقام وغيره بلا اثم فضلا عن الكفارة، وفي الدروس ايضا " ولو أفطر احدهما فلا شئ عليه إذا ظن بقاء الاخر، والا اثم لا غير " وفي المدارك " أن مقتضى ذلك جواز الافطار بعد الزوال مع ظن بقاء الاخر " ويمكن المناقشة فيه بأن صوم كل منهما يصدق عليه انه صوم واجب من قضاء رمضان، فلا يجوز الافطار فيه بعد الزوال، اللهم إلا ان يناقش في العموم المتناول لذلك كما في كالفارة. (و) كيف كان ف‍ (لو تبرع ب‍) جميع (القضاء بعض) الاولياء (سقط) عن الباقي كالاجنبي لانه كالدين كما يؤمى إليه المرسل (1) عن النبي (صلى الله عليه وآله) ان رجلا جاء إليه فقال يا رسول الله ان أمي ماتت وعليها صوم شهر فاقضيه عنها، فقال: لو كان على أمك دين كنت تقضيه عنها قال نعم قال: فدين الله أحق أن يقضى " وخبر ابي بصير (2) المتقدم سابقا المشتمل على وصية الامرأة بالقضاء، وقول الصادق (عليه السلام) (3) " إذا مات الرجل وعليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله " وغيرها من النصوص المتفرقة في الجح وغيره، والمناقشة في ذلك كله من بعض الناس لا يصغى إليها، ومنه ينقدح جواز استيجار أحد الوليين الاخر على ما يخصه كما صرح به في الدروس، بل واستيجارهما الاجنبي لاتحاد المدرك، وهو انه عمل جاز التبرع به، فجاز الاستيجار


(1) صحيح مسلم ج 3 ص 156 " باب قضاء الصيام عن الميت " الحديث 3 من كتاب الصيام (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 12 - 1

[ 45 ]

عليه كالعكس، وان فرق بينهما في الدروس فاستقرب الجواز في الاول واحتمله في الثاني، لكنه في غير محله ضرورة تحقق التلازم بينهما كما هو مفروغ منه في محله، ولا ينافي ذلك وجوبه على الولي، ضرورة ارتفاع موضوع الوجوب بأداء الاجير كما هو واضح، ومنه يعلم ضعف ما في المدارك من ان الوجوب تعلق بالولي وسقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل، ومن ثم ذهب ابن ادريس والعلامة في المنتهى الى عدم الاجتزاء بفعل المتبرع وان وقع باذن من تعلق به الوجوب، لاصالة عدم سقوط الفرض عن (على خ ل) المكلف بفعل غيره، وقوته ظاهرة، قلت: بل ضعفه ظاهر كما يخفى على من أحاط بنصوصهم (عليهم السلام) وفهم رموزها وما ألحنوه له من القول، فانه لا يستريب في جواز التبرع، ومتى جاز جاز الاستيجار ومتى جازا معا ووقع الاداء برئت ذمة الولي، لفراغ ذمة الميت حينئذ التي شغلها كان سببا للوجوب عليه على وجه التأدية عنه كالدين، إذ قد عرفت ان التحقيق وقوع ذلك عن الميت وابراء له من خطاب القضاء، لا انه يقع للولي نفسه كما زعمه بعضهم، والله هو العالم. (وهل يقضى عن المرأة ما فاتها) من الصوم على حسب حال الرجل ؟ (فيه تردد) وخلاف اقواه ذلك وفاقا لظاهر المعظم، بل نسب الى الاصحاب لقاعدة الاشتراك، وصحيح ابي حمزة (1) وموثق محمد بن مسلم (2) وخبر أبي بصير (3) المتقدمة سابقا في المسافرة والمريضة، بل ظاهر الاخير عدم الفرق في أسباب الفوات، لكن قد يناقش بأن قاعدة الاشتراك في التكاليف على معنى ان الاصل اشتراكهما في التكليف لا في نحو المقام، وبأن غاية ما يستفاد من النصوص السابقة مشروعية القضاء عنها، وهو أعم من الوجوب ومن كونه على


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 4 - 16 - 11

[ 46 ]

الولي على حسب الرجل، وبأن ثبوت القضاء في مقابل الحبوة المنفية هنا، فاصالة البراءة حينئذ بحالها بلا معارض، ولعله لذا بالغ ابن ادريس في انكاره، وقال انه ليس مذهبا لاحد من الاصحاب، والشيخ انما أورده إيرادا لا اعتقادا، والاحماع انما انعقد على قضاء الولد عن والده، وربما مال إليه الشهيد الثاني في الروضة ويدفع الاول بأن الثابت أصالة الاشتراك في جمبع الاحكام من غير فرق بين الوضع والتكليف، والثاني بأن ظاهر خبر ابي بصير الوجوب، وبأنه يثبت متى ثبتت المشروعية، لعدم القائل بالفصل، كما انه متى ثبتت أو ثبت الوجوب ثبت بالنسبة الى الولى، ضرورة معلومية عدم الوجوب على جميع الناس، فليس حينئذ الا الولي ولو بقرينة ثبوته في الرجل، بل قد يقال انه في تلك النصوص من باب المثال على حسب غير المقام، فيكون تلك الادلة دليلا للمسألة، ومن هنا شدد الفاضل في المختلف الانكار على ابن ادريس، بل قال: انكاره كونه مذهبا لاحد من اصحابنا جهل منه، وأي احد اعظم من الشيخ، خصوصا مع اعتضاد قوله بالروايات والادلة العقلية، مع ان جماعة قالوا بذلك كابن البراج، ونسبة قول الشيخ الى انه ايراد لا اعتقاد غلط منه، وما يدريه بذلك، مع انه لم يقتصر على قوله بذلك في النهاية بل في المبسوط ايضا. ولا فرق ايضا بين الحر والعبد في الحكم المزبور، لا طلاق النص والفتوى السالم عن معارضة اقتضاء نفي الحبوة نفيه، لعدم ثبوت العلة الصالحة لذلك والمراد بأولى الناس بميراثه الاستحقاق ذاتا لولا المانع، فتوقف الفاضل فيه في القواعد بل عن فخر الاسلام الجزم بالعدم في غير محله. ولو كان الولد خنثى مشكلا فلا قضاء، للاصل بعد الشك في الرجولية التي هي شرط الوجوب، بل لو كان معه ذكر اصغر منه أمكن نفيه عنهما معا أما الخنثى فلما عرفت، واما الاخر فلعدم ثبوت كونه الاكبر، لاحتمال كون الخنثى ذكرا

[ 47 ]

والفرض أنها الاكبر، فالاصل براءة الذمة، ويحتمل ثبوته، لصدق الولدية التي هي المرادة من الولاية، واعتبار الاكبرية انما هو مع التعدد، ولم يعلم ولعله الاقوى. وولد الولد ولد، فيتعلق به القضاء مع كونه اكبر أو ليس غيره، إلا انه لا يخلو من اشكال، بل لعل الاقوى خلافه، للاصل بعد انسياق غيره، سيما في بعض الصور، كما لو كان للميت اولاد وله اولاد اولاد اكبر من اولاده، فان تعلق القضاء بهم حينئذ مع عدم الارث لهم وفراغ ذمة الاولاد الذينهم أولى بالميراث كما ترى، فتأمل جيدا، والله أعلم. المسألة (الثالثة إذا لم يكن له ولي) اصلا لا ذكر ولا انثى (أو كان) له أناث خاصة ف‍ (الاكبر) منهن (انثى) حينئذ أو ليس له حينئذ الا انثى واكبريتها على معنى ان لا اكبر منها، وعلى كل حال متى كان كذلك (سقط القضاء) عن ورثته وعن غيرهم بناء على المختار من انحصار الولي في الولد الذكر الذي ليس معه ذكر اكبر منه، للاصل السالم عن المعارض (نعم قيل) والقائل الشيخ وابن حمزة والفاضل وجماعة بل في صريح المختلف وظاهر الروضة انه المشهور (يتصدق عنه من كل يوم بمد) مطلقا أو مع العجز عن المدين على حسب ما سمعته في صدقة ما بين الرمضانين، وقد نص ما عدا الاولين على انه (من) اصل (تركته) الا انه توقف فيه غير واحد من متأخري المتأخرين، بل لعله ظاهر المتن أيضا لعدم الدليل، قلت: قد يستدل له - بعد معلومية قيام هذه الصدقة مقام الصوم من فحوى خبر الوشا (1) الاتي، بل استفاضت به النصوص (2) في بدلية صيام


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الصوم المندوب

[ 48 ]

الثلاثة من كل شهر، وفى بعضها (1) انه أفضل من صوم اليوم، بل في آخر (2) افضلية اطعام المسلم من صوم الشهر - بخبر أبي مريم (3) المتقدم سابقا المعتضد بمرسل ابن أبي عقيل (4) الذي قد ادعى تواتر مضمونه، ولا ينافيه الخروج عن الاطلاق مع وجود الولي للادلة السابقة، كما انه لا ينافيه ما في خبر أبي مريم بعد ذلك من انه " ان لم يكن له مال تصدق عنه الولي أو صام " اذاقصاه اقتضاء كون الحكم كذلك على تقدير وجود الولي أيضا، والخروج عنه فيه بخصوصه لحصول المعارض لا ينافي حجيته في القسم الاخر، على انه يمكن ارادة غير الاكبر من الولي فيه وانه يصوم ندبا عنه مع عدم المال له، ودعوى ظهور القائل هنا بتعيين الصدقة وانه لا يشرع القضاء عنه واضحة الفساد، خصوصا مع ملاحظة صحيح ابن بزيع (5) المتقدم الظاهر في اجزائهما معا عنه، وانما الصدقة أفضل، من هنا قال في الروضة بعد أن ذكر الحكم المزبور: " هذا إذا لم يوص الميت بقضائه والاسقطت الصدقة حيث يقضى عنه " وهو صريح في عدم تعين الصدقة وعلى كل حال فما عن ابي الصباح (الصلاح خ ل) من انه يستأجر عنه من ماله من يقضي عنه، لانه صوم وجب عليه ولم يفعله فوجب قضاؤه عنه بالاجرة كالحج فيه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الصوم المندوب الحديث - 3 - 4 (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 8 (4) الظاهر أن المراد مما أرسله ابن ابي عقيل هو خبر أبى الانصاري حيث انه حكم بتواتره كما ذكره المحدث الكاشانى (قدس سره) في تعليقته على الحديث في الوافي الجزء السابع ص 51 الباب - 55 - الحديث 7 (5) الوافي " الجزء السابع " ص - 51 - الباب - 55 - الحديث - 9 عن الفقيه الجواهر - 6

[ 49 ]

ما لا يخفى من منافاته للخبر المزبور وغيره ان أراد التعيين على وجه لا تجزي الصدقة، بل في المختلف منع الملازمة والمساواة للحج، فان الحج لا يجب على الولي والصوم هنا يجب عليه، قلت: ولان الصوم له فداء بخلاف الحج، ولا بأس به ان اراد جواز ذلك للوارث لما عرفت، وكذا ما عن ابن ادريس من انكار الصدقة، بل قال انه لم يقل به احد من اصحابنا المحققين، وعلى كل حال تخرج الصدقة والاجرة من أصل ماله، لظاهر الخبر المزبور ومؤيدا بكونه باعتبار انه حق واجب كالدين، بل قد سمعت ما في المرسل (1) السابق من انه لكونه حق الله أعظم من غيره، والله أعلم. (ولو كان عليه شهر ان متتابعان صام الولي شهرا وتصدق من مال الميت عن شهر) وفاقا للمشهور كما في الروضة، بل في الدروس انه ظاهر المذهب لخبر الوشا (2) عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) المروي في الكافي والتهذيب " سمعته يقول: إذا مات الرجل وعليه صيام شهرين متتابعين من غير علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الاول ويقضي الثاني " المنجبر ضعفه بسهل مع سهولته بالشهرة، فلا بأس حينئذ بتقييد إطلاق النصوص السابقة به الذي هو ليس بتلك المكانة في التناول لما هنا، فان اكثر النصوص السابقة أو جميعها في قضاء شهر رمضان، نعم فيها من التعليل ما يفضي بعدم اختصاصه بذلك، والمناقشة بعدم ذكر الولي فيه يدفعها ظهور لفظ " عليه " بالوجوب، وليس هو إلا على الولي، فاحتمال ارادة الميت توسعا باعتبار الثبوت في الذمة فيتصدق عنه حينئذ عن الاول ويستأجر على


(1) صحيح مسلم ج 3 ص 156 " باب قضاء الصيام عن الميت " الحديث 3 من كتاب الصيام (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 1 وفيه " من علة "

[ 50 ]

قضاء الثاني لا داعي إليه ولا قرينة عليه، كاحتمال ارادة الرمضانين المتتابعين بقرينة قوله: " من غير علة " فتخرج حينئذ عن الدلالة على المشهور، إذ هو كما ترى، فما عن ظاهر المفيد وصريح الحلي والفاضل والشهيد وغيرهم من متأخري المتأخرين - من طرح الخبر المزبور، والعمل على إطلاق ما دل على وجوب الصوم على الولي فيقضي الشهرين حينئذ إلا أن يكونا من كفارة مخيرة، فيتخير بين صومهما وبين العتق والاطعام من مال الميت كما نص عليه ابن ادريس - لا يخلو من ضعف نعم قد يتجه على المختار تعيين الصدقة على الاول والقضاء للثاني كما نص عليه في الدروس لانه مدلول الخبر، فاطلاق المصنف وغيره تسامح أو مبني على عدم وجوب هذه النية، وليس في الخبر دلالة على تقديم الصدقة، فلا يبعد كون المراد الصدقة عن أحدهما والقضاء عن الاخر، فتأمل ولا يتعدى منه الى غير مدلوله من الزايد علي الشهرين أو الاقل، لعدم تنقيح العلة على وجه يخرج عن القياس المحرم، فيبقى حينئذ على إطلاق الادلة، نعم يقوى في الذهن أن ذلك رخصة لا عزيمة، فيجزيه حينئذ صيام الشهرين كما يجزي لو تبرع بهما متبرع، وتسقط حينئذ الصدقة، ضرورة كونها بدلا عن الصوم الذي قد فرض حصوله، ومن ذلك تعرف أنه لو أوصى الميت بقضاء الشهرين عنه سقط عن الولي مع فرض الاداء كما هو واضح، وقد نص عليه بعضهم. ثم ان الظاهر اختصاص الحكم بالشهرين المعتبر فيهما التتابع لا ما اتفق فيهما كذلك، كما لو فاته رمضانان على التعاقب، بل ان لم يقم إجماع أمكن اختصاص الحكم بما إذا كان التتابع معتبرا فيه بأصل الشرع كالكفارة، فلا يدخل المنذوران كذلك، بل قد يدعى أن المنساق الاشارة الى الكفارة من ذكر التتابع، إلا ان من تعرض هنا من الاصحاب لذلك لم يفرق بين الكفارة والمنذور، وحينئذ يقوى إرادة الاطلاق المزبور المتناول لذلك، كما أن الاقوى عدم الفرق بين من

[ 51 ]

كان عليه شهر ان متتابعان عينا وبين من كانا عليه تخييرا لصدق " عليه " ولو على التخيير، الا انه لا يتعين على الولي ذلك، لعدم نقصان الفرع عن اصله، وحينئذ فله التخيير الذي كان للميت، فان اختار الصيام چاز له حينئذ الصدقة عن شهر وصيام الاخر، ولو كان قد تعين على الميت الصوم لعجز عن غيره لم يتعين على الولي، بل له الخيار بينه وبين غيره، كما لو عجز عن الصوم لمرض فانه لا يتعين على الولي الفردان الاخران، ضرورة عدم كون العجز معينا للتكليف في اصله كما هو واضح بأدنى تأمل، والله اعلم. المسألة (الرابعة) المشهور بين الاصحاب أن (القاضي لشهر) رمضان مع سعة الوقت (لا يحرم عليه الافطار قبل الزوال لعذر وغيره) بل عن العلامة في المدنيات الاولى الاجماع عليه، للمعتبرة المستفيضة، منها صحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) " صوم النافلة لك ان تفطر ما بينك وبين الليل متى شئت، وصوم قضاء الفريضة لك ان تفطر الى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس لك أن تفطر " ومنها صحيح جميل (2) على ما في التهذيب عنه (عليه السلام) ايضا " في الذي يقضي شهر رمضان انه بالخيار الى زوال الشمس " ومنها موثق اسحاق بن عمار (3) عنه (عليه السلام) ايضا (الذي يقضي شهر رمضان هو بالخيار في الافطار ما بينه وبين ان تزول الشمس، وفي التطوع ما بينه وبين ان تغيب الشمس " الى غير ذلك من النصوص التي يقصر عن معارضتها صحيح ابن الحاج (4) المحمول علي الكراهة " سألت عن الرجل يقضي رمضان أله ان يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بداله ؟ قال: إذا كان نوى من الليل وكان من قضاء رمضان فلا يفطر ويتم صومه "


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 9 - 4 - 10 - 6

[ 52 ]

وموثق زرارة (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل يقضي من شهر رمضان فأتى النساء قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي اصاب في شهر رمضان لان ذلك اليوم عند الله من ايام رمضان " المقيد بها مع ارادة التشبيه فيه بأصل الكفارة وإن ايدا بعموم (2) " لا تبطلوا أعمالكم " المخصص بها أو المنزل على الصلاة أو على ارادة إبطالها بالكفر ونحوه كما هو مقتضى العموم فيه، وباقتضاء البدلية ذلك كما أو مأ إليه أبو جعفر (عليه السلام) (3) وإلا لكان اتمامه مستحبا، فلا يجزي عن الواجب الذي هو كما ترى، ضرورة منع اقتضاء المعنوية منها ذلك بل المسلم اقتضاء إطلاق اللفظية المشاركة في الاحكام المتعارفة للمبدل، واقصاها حينئذ الاطلاق الذي يقيده بعض ما عرفت فضلا عن جميعه، فما عن ابن ابى عقيل وابي الصلاح وابن زهرة من الحرمة واضح الضعف، واضعف منه دعوى الاخير منهم الاجماع عليه المعارض باجماع الفاضل الذي يشهد له التتبع. (و) حينئذ فالمختار مظنة الاجماع لا دعواه، نعم (يحرم) عليه الافطار (بعده) إجماعا محكيا في الانتصار والخلاف والغنية، ونصوصا قد تقدم بعضها، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه أو القطع به، لعدم المخالف فيه سوى ما عساه يظهر مما في التهذيبين من حمل خبر عمار (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) الذي رماه بعضهم بالشذوذ " انه سئل عن الرجل يكون عليه ايام من شهر رمضان ويريد ان يقضيها متى يريد ان ينوي الصيام قال: هو بالخيار الى ان تزول الشمس


(1) و (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 3 (2) سورة محمد (صلى الله عليه وآله) - الاية 35 (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 10 وذيله في الباب - 29 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 4

[ 53 ]

فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم، وان كان نوى الافطار فليفطر سئل فان كان نوى الافطار يستقيم ان ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس قال: لا، سئل فان نوى الصوم ثم افطر بعد ما زالت الشمس قال: قد اساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي اراد ان يقضيه " على انه ليس عليه شئ من العقاب وان كان عليه القضاء والكفارة، بخلاف من افطر في رمضان فعليه العقاب والقضاء والكفارة وربما يؤيده خبر ابي بصير (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار قال: لا ينبغي له ان يكرهها بعد الزوال " للتعبير بلفظ " لا ينبغي " المشعر بالكراهة، وفيه ان حمله على التقية أو على إرادة عدم وجوب اكثر من يوم في قضائه أو غير ذلك أولى، ضرورة عدم صلاحيته لمعارضة ما دل على الحرمة من الاجماع والنصوص السابقة وغيرها حتى مادل منها علي الكفارة التي من المعلوم كون الاصل فيها أن تكون عن ذنب، فلا ينافي حينئذ ثبوتها في قتل الخطأ والصيد خطأ ونحوهما للدليل، كما ان الاصل فيها التكفير للذنب وان جميع الكفارات من سنخ واحد بالنسبة الى ذلك، وحينئذ فان اراد الشيخ نفي العقاب عنه قبل التكفير فلا وجه حينئذ للكفارة، وان أراد بعدها فلا فرق بينه وبين رمضان، وخبر ابي بصير وان كان مشعرا بذلك لكن يجب حمله على ارادة الحرمة هنا، لقوة المعارض، علي انه يمكن بناؤه على جواز الاكراه للزوج وإن كان فرضها الامتناع منه على حسب طاقتها عملا لكل منهما على حكمه، إذ الوجوب عليها لا يقتضي حرمة الوطء عليه، بل لعل مثله يأتي في شهر رمضان حيث يكون الزوج مفطرا لعذر والزوجة صائمة، ولا يفسد صومها بذلك لكونها مكرهة كالموجر في حلقه الماء، فتأمل جيدا، هذا. (و) مع ذلك كله فخبر عمار مناف لما في المتن وغيره من انه (تجب معه)


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الصوم الحديث - 2

[ 54 ]

أي الافطار بعد الزوال (الكفارة) بل في الانتصار والخلاف والغنية الاجماع عليه، بل لعله كذلك، إذ لم اجد فيه خلافا إلا من المحكي عن ابن ابي عقيل حيث اطلق نفيها، ومال إليه في المسالك كما ستعرف، للاصل المقطوع بالنصوص والاجماع ولانه زمان لا يتعين صومه كقبل الزوال، وهو اجتهاد في مقابلة النص أو قياس مع الفارق، وللخبر المزبور الشاذ القاصر عن معارضة غيره من النصوص المستفيضة التي سمعت وتسمع جملة منها، فلا وجه للجمع بينه وبينها بحمله على خصوص من جدد النية وحملها على من بيتها من الليل الذي لم نجد له شاهدا، بل هو مخالف للنص والفتوى، كما لا وجه لحمله في المعتبر على كون الافطار بترك النية التي لا توجب الكفارة في شهر رمضان، فكذا في قضائه الذي لا يوجبها فيه الا ما يوجبها في شهر رمضان، وكأن الذي دعاه الى ذلك انه حذف في رواية الخبر المزبور جملتي جواب وسؤال، قال: وفي رواية عمار " سئل ان نوى الافطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد مازالت الشمس قال: لا قد اساء وليس عليه شئ " الى آخرها، وقد سمعت انه ليس هكذا، فلا يتم فيه الحمل المزبور، على انه يمكن منع عدم ترتب الكفارة بذلك خصوصا في شهر رمضان، ضرورة كون المراد من الافطار في النصوص افساد الصوم الواجب الشامل لنحو ذلك كما أشرنا إليه سابقا. (و) كيف كان ف‍ (هي) عنده (إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مدمن طعام، فان لم يمكنه صام ثلاثة ايام) لخبر بريد العجلى (1) " في رجل اتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان إن كان اتى اهله قبل الزوال فلا شئ عليه إلا يوم مكان يوم، وان كان أتى اهله بعد الزوال فعليه ان يتصدق على عشرة مساكين فان لم يقدر صام يوما مكان يوم، وصام ثلاثة ايام كفارة لما صنع " وصحيح


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 1

[ 55 ]

هشام بن سالم (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل وقع على اهله وهو يقضي شهر رمضان فقال: ان كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شئ عليه، يصوم يوما بدل يوم، وان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، واطعم عشرة مساكين، فان لم يمكنه صام ثلاثة ايام كفارة لذلك " ولا ينافيه اشتماله على نفيها قبل صلاة العصر خصوصا بعد تقييده بغيره، واحتمال ابدال الظهر بالعصر سهوا، وكونه مبنيا على اشتراك الوقت بين الظهرين، فاول وقت العصر حينئذ الزوال، وغير ذلك، كما لا ينافي اشتمال سند الاولى على الحرث بن محمد المجهول بعد الانجبار بما عرفت. خلافا للصدوقين وابن البراج على ما عن موضع من المختلف فكفارة رمضان ولابي الصلاح وابن زهرة فالاطعام أو الصيام مدعيا ثانيهما الاجماع عليه، ولابن حمزة والمحكي عن ابي الفتح الكراجكي وابن البراج على ما عن موضع من المختلف فكفارة رمضان إن افطر استخفافا، كما عن الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار احتماله، وإلا فالاطعام أو الصيام، ولابن ادريس فكفارة يمين، إلا انه يمكن ان يريد بها ما عند المشهور بقرينة اختياره له في موضع آخر نحو ما قال المفيد في باب الكفارات: " كان عليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة ايام متتابعات " وقال الفاضل في المختلف: " المشهور عند علمائنا ان كفارة من افطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال مختارا كفارة يمين، ذهب إليه الشيخان وسلار وابو الصلاح وابن ادريس " واستدل له بما سمعت، بل منه يعلم رجوع ما سمعته من ابي الصلاح وابن زهرة المشهور أيضا، كما يشهد له ما عرفت من دعوى الثاني منهما الاجماع الذي لا وجه لدعواه إلا على ذلك، وفي المحكي من النهاية " كان عليه كفارة اليمين، فان لم يجد صام ثلاثة ايام ". والظاهر ان مراده من كفارة اليمين إطعام العشرة مويدا ذلك كله بأنه


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 2

[ 56 ]

لم نقف على ما يدل علي شئ من هذه الاقوال عدا الاول منها، فانه يدل عليه خبر زرارة (1) السابق المطعون في سنده بعلي بن فضال، ومرسل حفص بن سوقة (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يلاعب اهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل فقال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان " الفاقد شرائط الحجية، مع احتمال الاول الصوم قضاء عن رمضان من غير علم بأنه فيه مؤيد بما فيه من التعليل، والثاني كون القضاء بمعنى الفعل والاحتياط المقتضي للوجوب ممنوع كمنع البدلية المقتضية للمساواة، بل جواز الافطار فيه قبل الزوال ينافيها على ان ما عدا رمضان من الايام متساوية، فافطار بعضها له بدل مساو بخلاف رمضان، فيبعد تساويهما في العقوبة، بل المناسب انحطاط مرتبة عنه بعد الزوال كانحطاطها قبله، كما يؤمي إليه استبعادهم (عليه السلام) مساواة قضاء رمضان له حتى قالوا (3) " وأنى له بمثله " فلو كانت كفارته كفارته لساواه، كل ذلك مع ضف مقاومة الخبرين المزبورين لما عرفت من وجوه، فلا ريب في ان الاقوى الاول واما ما في المسالك - من جودة احتمال حمل الكفارة هنا على الاستحباب، لا ختلاف تقديرها في الروايات واختلاف تحديد وقت ثبوتها يعني بالزوال والعصر، والاطلاق، وقصورها من حيث السند عن إفادة الوجوب - فهو واضح الضعف لما عرفت من النص والاجماع على الوجوب وليس نحو هذا الاختلاف الغالب وجود نظيره في النصوص امارة الاستحباب، كما هو ظاهر.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث - 3 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 2 الجواهر - 7

[ 57 ]

هذا كله في قضاء شهر رمضان، أما غيره من الواجبات المطلقة فقد يشعر ما في المتن وغيره بجواز الافطار فيها قبل الزوال وبعده، كما صرح به جماعة منهم الفاضل والشهيد الثاني وغيرهما، للاصل السالم عن المعارض، نعم لو تعين لم يجز الخروج عنه مطلقا قبل الزوال وبعده قضاء رمضان كان أم غيره، إلا انه لا كفارة، للاصل السالم عن المعارض، خلافا للمحكي عن بعضهم، فحرم قطع كل واجب معين أو غيره، ولعله الظاهر من المحكي عن ابي الصلاح وابن زهرة حيث ذكرا في النذر الغير المعين ان كل من افطر كان مأثوما، واختاره بعض متأخري المنأخرين عملا بعموم النهي عن إبطال العمل، خرج منه قضاء رمضان بالنص وبقي الباقي، لكنك لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما قدمناه هنا وفي باب الصلاة من عدم صلاحية الاية لاثبات ذلك، فلا ريب حينئذ في ضعفه، كضعف المحكي عن علي بن بابويه من مساواة قضاء النذر لقضاء رمضان في الحرمة بعد الزوال والكفارة، وان كان قد يشهد للحرمة صحيح ابن سنان (1) السابق وخبر سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) " الصائم بالخيار الى زوال الشمس قال: ان ذلك في الفريضة، فاما النافلة فله ان يفطر أي ساعة شاء الى غروب الشمس " إلا انه يمكن دعوى انصراف الفريضة فيهما في عرف الحديث الى الواجب بالاصالة، فلا يشمل المنذور، على ان المراد من خبر سماعة إخراج النافلة، ثم انه لا دلالة فيهما على الكفارة، والاستدلال لها بأن الموجب لها كونه قد أبطل عبادة فعل اكثرها، وهو متحقق هنا، وباقتضاء اللبدلية عن المنذور ذلك لا ينطبق على اصول الامامية.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب وجوب الصوم - الحديث 9 - 8

[ 58 ]

ثم انه لا يجب عليه المضي في الصوم مع افساده بعد الزوال كما يعطيه المحكي عن تحرير ابن فهد، بل لعله ظاهر غيره للاصل السالم عن المعارض، وقوله (عليه السلام) في صحيح هشام (1) " صام ذلك اليوم " يراد منه صوم يوم بدل ذلك اليوم بقرينة ما تقدم، وعدم صدق الصوم حقيقة على هذا الامساك، على انه ان حمل عليه خلا الخبر عن التعرض للقضاء، وخبر زرارة قد عرفت ندرته وشذوذه، على انه لا يقتضي المساواة في جميع الاحكام التى منها الامساك تعبدا بناء على وجوبه في شهر رمضان الذي ورد انه لا يساويه غيره أبدا، ومن الغريب التمسك بالاستصحاب مع ان حقيقة هذا الامساك مباينة لحقيقة الصوم شرعا فما في الروضة ومحكي الدروس من الوجوب واضح الضعف، وعلى تقديره فالظاهر عدم وجوب تكرار الكفارة بتكرر السبب، للاصل السالم عن المعارض ايضا وان قلنا به في شهر رمضان مطلقا أو مع تخلل التكفير، أو اختلاف الجنس أو الجماع خاصة بعد حرمة القياس عندنا ومعلومية الفرق بين شهر رمضان وغيره في عظم الحرمة وغيرها، وقد عرفت ندرة الخبر المزبور وشذوذه وقصوره عن المساواة في ذلك ونحوه، فما في الروضة أيضا من تكررها به كالاصل واضح الضعف أيضا، والله أعلم. المسألة (الخامسة إذا نسي غسل الجنابة ومر عليه أيام أو الشهر كله قيل) والقائل الاكثر: (يقضي الصلاة والصوم) لصحيح الحلبي (2) عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال: عليه ان يقضي الصلاة والصيام " وخبره الاخر (3) الذي هو بهذا المضمون ايضا، وخبر ابراهيم بن ميمون (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يجنب


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 2 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 3 - 3 - 1

[ 59 ]

بالليل في شهر رمضان ثم ينسى ان يغتسل حتى يمضي لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان قال: يقضي الصلاة والصيام " بل ومرسل الصدوق (1) " ان من جامع في اول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه ان يغتسل ويقضي صلاته وصومه إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة، فانه يقضي صلاته وصومه الى ذلك اليوم، ولا يقضي ما بعد ذلك " فان ما فيه من الاستثناء لا ينافي الاستدلال به على المطلوب، كما هو واضح، نعم هي اخبار آحاد يتجه طرحها عند من لم يعلم بها. (و) لذلك (قيل) والقائل ابن ادريس: (يقضي الصلاة حسب) لعدم ثبوت اشتراط الصوم بالطهارة من الاكبر الا مع العلم، ومن ثم لو نام جنبا اولا فاصبح صح صومه وان تعمد ترك الغسل طول النهار، فههنا أولى، لكن وافقه عليه هنا من لم يوافقه على الاصل المزبور كالمصنف هنا والنافع حيث قال: (وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده، بل لعله ظاهر الفاضل في المحكي عن التلخيص، حيث نسب الاول الى القيل، وفي اللمعة الاقتصار على نسبته الى الاشهر، ولعله لرفع الخطأ والنسيان بناء على ان القضاء من المؤاخذة المرفوعة باعتبار كونها اقرب المجازات بعد نفي الحمل على الحقيقة، ولان الظاهر من إطلاق الفاضل في القواعد والشهيد في الدروس واللمعة عدم الفرق عندهم في هذا الحكم بين اليوم والايام وجميع الشهر، واقتصار النصوص المزبورة على الايام وجميع الشهر تنبيها على الفرد الاخفى، وهو مناف لما ذكر سابقا من عدم قضاء ما نام الجنب فيه حتى أصبح وان تعمد ترك الغسل طول النهار، فكيف يقضي مع النسيان. ومن هنا قال في المدارك: " ينبغي تقييد ذلك بما إذا عرض النسيان في


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2

[ 60 ]

الليلة الاولى وانتبه قبل طلوع الفجر على وجه يمكنه الاغتسال لو كان ذاكرا واصبح في النومة الثانية، أما إذا حصل بعد طلوع الفجر من اليوم الاول وكان قد اصبح في النومة الاولى فينبغي القطع بسقوط قضاء ذلك اليوم، للاخبار (1) الصحيحة المتضمنة لان الجنب إذا أصبح في النومة الاولى فلا قضاء عليه، أما ما عدا اليوم الاول فلا ريب في وجوب قضائه عملا بالنص الصحيح (2) السالم عن المعارض " وقد أخذ ذلك من جده في المسالك فانه بعد ان ذكر الاشكال المزبور قال: " واجيب بحمل ما هنا على الناسي ليلا بعد الانتباه أو على ما عدا اليوم الاول على تقدير النسيان بعد فوات محل الغسل جمعا بين النصوص - ثم قال -: ولعل مخالفة المصنف في الحكم هنا لاجل ذلك حيث لم يجد قائلا بالتفصيل، ولم يمكن القول بالقضاء مطلقا، لمنافاته ما مر " وفي الروضة بعد أن ذكر الاشكال المزبور قال: وربما جمع بينهما بحمل هذا على الناسي، وتخصيص ذلك بالنائم عالما عازما فضعف حكمه بالعزم أو بحمله على ما عدا اليوم الاول، ولكن لا يدفع إطلاقهم وانما هو جمع بحكم آخر، والاول اوفق، بل لا تخصيص لاحد النصين لتصريح ذلك بالنوم عامدا عازما وهذا بالناسي، ويمكن الجمع ايضا بأن مضمون هذه الرواية نسيانه الغسل حتى خرج الشهر، فيفرق بين اليوم والجميع عملا بمنطوقهما إلا انه يشكل بأن قضاء الجميع يستلزم قضاء الابعاض، لاشتراكهما في المعنى إن لم يكن أولى، ونسب المصنف القول الى الشهرة دون القوة وما في معناها إيذانا بذلك، فقد رده ابن ادريس والمحقق لهذا أو لغيره، إلا ان الجميع كما ترى خصوصا ما سمعته من ابن ادريس المبنى على أصل فاسد قد فرغنا منه في الاصول. وأضعف منه الاستدلال بحديث الرفع الذي هو إما مقيد بما هنا أو غير


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم (2) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 3

[ 61 ]

شامل، لمنع كون القضاء مؤاخذة، بل هو تكليف جديد بعبادة، بل أضعف من ذلك دعوى انحصار القضاء في تعمد البقاء، وقد عرفت وجوبه بالنوم بعد الانتباه ولو مع العزم على الغسل قبل الفجر، وهو ليس من التعمد قطعا، بل لا يخفى عليك ان جملة من الكلمات السابقة كأنها اجتهاد في مقابلة النص، ودعوى المنافاة لما دل على عدم قضاء ما نام الجنب فيه حتى أصبح يدفعها ظهور تلك النصوص كما لا يخفى على من لاحظها متدبرا لها في كون العذر النوم خاصة، فلا تشمل ما لو نسي ونام الذي يشبه العامد على البقاء على حالته التي هي جنابة في الواقع ضرورة انه بعد أن نسي جنابته نام عازما على البقاء على ما هو عليه بزعمه المخالف للواقع، فلا تشمله تلك النصوص الظاهرة في أن المانع من الغسل غلبة النوم دون غيره، فمن أجنب ليلا ونسي ثم نام حتى اصبح وجب عليه القضاء للنصوص الصحيحة ولا يحتاج الى الانتباه قبل طلوع الفجر على وجه يمكنه الاغتسال، نعم لو نام متذكرا فاصبح في نومته ولما أصبح نسي الغسل لم يكن عليه قضاء ذلك اليوم قطعا والنصوص لا تشمله، ضرورة ظهورها في نسيانه في وقت الخطاب به لو كان ذاكرا، بخلاف الفرض الذي لو فرض كونه ذاكرا فيه لم يشترط في صحة صوم ذلك اليوم، كما هو واضح، ودعوى عدم تعقل الفرق بين كون العذر في عدم الغسل النوم وبين كونه النسيان واضحة الفساد، بل هي اجتهاد في مقابلة النص، ولا حاجة الى ابداء الفرق بينهما بالعزم على الغسل في الاولى، فضعف حينئذ حكم الجنابة فلم يكن عليه قضاء، بخلافه في النسيان كي يرد عليه بأن العزم قد يتقدم على النسيان الذي فرض انه كالنوم. كما انه لا حاجة بعد ما عرفت الى الجمع بين النصين بالفرق بين اليوم والايام فيخص ما هنا بالايام كما هو منطوق نصوصه، والاول باليوم، مع انه قد يرد عليه ان عذرية النوم قد تكون في أيام ايضا فيما لو أجنب في الليل ونام عازما على

[ 62 ]

الغسل فاصبح وترك ثم جاء الليلة الثانية ونام عازما على الغسل فاصبح وهكذا ودعوى انه يندرج في الليلة الثانية تحت ذي الانتباهتين الذي قد تقدم الكلام فيه سابقا وقلنا انه يجب بها القضاء وفي الثالثة تحت ذي الثلاثة التي تجب بها الكفارة يمكن دفعها بظهور تلك النصوص في ذي الانتباهتين في ليلة واحدة وكذا الثلاثة، واشكله ايضا في الروضة بأن قضاء الجميع يستلزم قضاء الابعاض لاشتراكهما في المعنى ان لم يكن أولى، وإن كان فيه ما فيه. بل لا حاجة ايضا الى ما أطنب به الشهيد في المحكى من شرحه في دفع الاشكال المزبور، قال: " ويمكن حله بأن النائم ليس بناس، وقد أبيح له فعل النوم أول مرة ارفاقا، وليس النوم مظنة التذكر، واباحته تستلزم اباحة ما يترتب عليه، بخلاف النائم ثانيا، فانه قد تخلله التذكر، فترك الغسل عقيبه والاشتغال بالنوم تفريط محض، اما الناسي فانه مع يقظنه في مظنة التذكر، وعدم تذكره مع طول الزمان لا يكون إلا لتفريطه، فافترقا - قال - فان قلت: ما تقول: لو نام أولا ثم انتبه ونسي النسيان المذكور أيجب عليه قضاء مع إطلاق الاصحاب ان لا قضاء عليه قلت: ان كان انتباهه ليلا واستمر نسيانه فالاجود وجوب القضاء لعين ما ذكرناه وان لم ينتبه حتى فات وقت الغسل واستمر نسيانه عذر في ذلك اليوم، واطلاق الاصحاب محمول عليه، واطلاق الرواية في قضاء الصوم من غير استثناء اليوم الاول محمول على الذاكر ليلا إما عقيب نومته أو لا عقيبها مع طول زمان التذكر ثم ينسى، فان قلت: يلزمك فيما لو انتبه جنبا وطال الزمان عليه مستيقظا ثم نام فاصبح انه يجب عليه القضاء، قلت، ليس ببعيد، وإطلاق الاصحاب يراد به المعتاد من النوم عقيب الانتباه الذى هو في موضع الضرورة، ولو منع القضاء فالفرق عدم صدق النسيان هنا، والتفريط انما هو بالنسيان في مظنة التذكر أو بالنسيان بعد التذكر، وكلاهما منفيان " إذ لا يخفى عليك ان جميع ذلك تكلف لا حاجة

[ 63 ]

إليه، وكفى بالنصوص المعتبرة دليلا للحكم، ولا معارض لها بعد تنزيل تلك النصوص على ما سمعت. والظاهر انه لا فرق في نسيان الجنابة بين وقوعها في شهر رمضان وبين وقوعها سابقا عليه فنسيها فيه أو قبله واستمر نسيانه، كما انه لا فرق على الظاهر بين غسل الجنابة وغسل الحيض والنفاس في الحكم المزبور بناء على أنهما شرط في صحة الصوم، إذ الظاهر اتحاد الجميع في كيفية الشرطية، بل قيل انهما أقوى لانه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم أن الشرط انما هو تعمد البقاء، وكذا في حكم صوم رمضان النذر المعين وقضاؤه وغيرهما، لعدم الفرق على الظاهر في أقسام الصوم في الاشتراط بالطهارة، والله أعلم. المسألة (السادسة إذا اصبح يوم الثلاثين من شهر رمضان صائما وثبتت الرؤية الماضية) قبل الزوال (افطر وصلى العيد) بلا إشكال، لبقاء الوقت (وإن كان بعد الزوال) افطر (فقد فاتت الصلاة) ولا قضاء عليه على الاصح والمشهور كما تقدم الكلام فيه مفصلا في كتاب الصلاة، والله أعلم. وأما (القول في صوم الكفارات) فتام البحث فيه في ابوابها (و) لكن لما كان الغرض هنا استيفاء أقسام الصوم ناسب التعرض له اجمالا، فنقول: (هواثنى عشر) قسما وعن بعض النسخ ثلاثة عشر قسما، ولعله الاصح، لانه المنطبق على ما ذكره (وينقسم أربعة أقسام). (الاول ما يجب فيه الصوم مع غيره، وهو) صوم (كفارة قتل العمد فان خصالها الثلاث تجب جميعا) بلا خلاف معتد به اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا الى النصوص المستفيضة، منها صحيحة ابني سنان وبكير (1) عن


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث - 1 من كتاب القصاص

[ 64 ]

أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: سئل المؤمن يقتل المؤمن متعمدا أله توبة ؟ فقال إن كان قتله لايمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو سبب من أمر الدنيا فان توبته ان يقاد منه، وإن لم يكن علم به انطلق الى أولياء المقتول فاقر عندهم بقتل صاحبهم، فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية وأعتق نسمه وصام شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا " (وألحق بذلك من افطر على محرم في شهر رمضان عامدا على رواية (1) قد تقدم الكلام فيها مفصلا. (الثاني ما يجب الصوم فيه بعد العجز عن غيره، وهو ستة) أحدها (صوم كفارة قتل الخطأ) بلا خلاف معتد به للاية (2) التي في معناها أخبار كثيرة (3) قد عمل بها الاصحاب إلا من شذ ممن هو محجوج بذلك كالمحكي عن ظاهر المفيد وسلار من انها مخيرة (و) ثانيها كفارة (الظهار) التي نص على ترتيبها الكتاب العزيز، قال الله عزوجل (4): " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة - الى ان قال - فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ان يتماسا، فمن لم يستطيع فاطعام ستين مسكينا " (و) ثالثها كفارة (الافطار في قضاء شهر رمضان بعد الزوال) الذي قد عرفت البحث فيها آنفا (و) رابعها صوم ال‍ (كفارة) في (اليمين) المعلقة في الكتاب العزيز (5) فضلا


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1 (2) سورة النساء - الاية - 94 (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1 والباب - 10 - من ابواب الكفارات - الحديث 1 من كتاب الايلاء والكفارات والباب - 10 - من ابواب القصاص في النفس - الحديث 3 (4) سورة المجادلة - الاية - 4 (5) سورة المائدة - الاية 91 الجواهر - 8

[ 65 ]

عن السنة (1) والاجماع على عدم الوجدان (و) خامسها (الافاضة من عرفات قبل الغروب عامدا) فان الواجب فيها صيام الثمانية عشر يوما بعد العجز عن البدنة، قال ضريس (2): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمن أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس قال: عليه بدنة تنحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما " ويأتي انشاء الله تمام البحث فيها في الحج (و) سادسها الصوم (في كفارة جزاء الصيد) الذى هو النعامة والبقرة الوحشية والظبي وما ألحق بها، لكن في المتن هنا فيه (تردد) من لفظ " أو " في الاية (3) ومن دلالة اكثر الاخبار (4) على الترتيب، ثم قال: (وتنزيلها على الترتيب اظهر) ويأتي انشاء الله تحقيق الحال فيها (وألحق بهذه) الكفارة المرتبة (كفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده، وكفارة خدش المرأة وجهها) في المصاب حتى أدمته (ونتفها شعر رأسها) فيه ايضا لقول الصادق (عليه السلام) في خبر سدير (5) " وإذا شق زوج علي امرأته أو والد على ولده فكفارته كفارة حنث يمين، ولا صلاة لهما حتى


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب الكفارات من كتاب الايلاء والكفارات (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب احرام الحج والوقوف بعرفة - الحديث 3 من كتاب الحج (3) سورة المائدة - الاية - 95 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب كفارات الصيد وتوابعها من كتاب الحج (5) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الكفارات - الحديث - 1 من كتاب الايلاء والكفارات وهو خبر خالد بن سدير وهو الصحيح كما نقله (قده) في الجواهر كذلك في احكام الاموات ج 4 ص 368

[ 66 ]

يكفرا ويتوبا من ذلك، وإذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا، وفي خدش الوجه إذا أدمت وفي النتف كفارة حنث يمين " الا انه لضعف الرواية بخالد حتى قيل ان كتابه موضوع حملت على الاستحباب، كما هو المحكي عن ابن إدريس واختاره غيره، ومن هنا جعلها المصنف إلحاقا، ويأتي ان شاء الله تحقيق الحال فيها. القسم (الثالث ما يكون الصائم مخيرا فيه بينه وبين غيره، وهو خمسة: كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان عامدا) على الاصح كما تقدم البحث فيه سابقا (وكفارة خلف النذر) بناء على كونها مثل كفارة شهر رمضان (و) اما كفارة (العهد) ففي المدارك المشهور أنها مخيرة أيضا، وقيل انها مرتبة، وقيل انها كفارة يمين، ويأتي تحقيق الحال إن شاء الله (و) كذا كفارة (الاعتكاف الواجب) التي هي مثل كفارة شهر رمضان عند الاكثر على ما قيل لخبر سماعة (1) وقيل انها كفارة ظهار، فتكون مرتبة حينئذ لصحيح زرارة (2) وابي ولاد الخياط (3) ويأتي تحقيق الحال فيها ان شاء الله (وكفارة حلق الرأس في حال الاحرام) التي نص عليها في الكتاب العزيز بقوله تعالى (4): " ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " (وألحق بهذه) الكفارة المخيرة (كفارة جز المرأة شعر رأسها في المصاب) للخبر المزبور (5) وربما قيل انها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 2 - 1 - 6 (4) سورة البقرة - الاية 192 (5) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الكفارات - الحديث - 1 من كتاب الايلاء والكفارات

[ 67 ]

مرتبة، وفي المدارك الاصح انها تأثم ولا كفارة، استضعافا للرواية وتمسكا بالاصل، ويأتي تحقيق الحال في ذلك. القسم (الرابع ما يجب مرتبا على غيره مخيرا بينه وبين غيره، وهو كفارة الواطئ امته المحرمة باذنه) لانها كما ستعرف ان شاء الله بدنة أو بقرة أو شاة فان عجز عن الاولين فشاة أو صيام ثلاثة أيام، فالصيام فيها مرتب على غيره وهو البدنة والبقرة مخيرا بينه وبين غيره، وهو الشاة كما تعرفه ان شاء الله في محله (و) كيف كان ف‍ (كل الصوم) الواجب (يلزم فيه التتابع إلا أربعة) لان ما عداها فالتتابع فيه اما لازم لتعيين الزمان كشهر رمضان، أو منصوص عليه في الكتاب والسنة أو في السنة خاصة، نعم في المدارك " انه يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صيام كفارة قضاء رمضان، وحلق الرأس، وصوم الثمانية عشر في بدل البدنة وبدل الشهرين عند العجز عنهما، لاطلاق الامر بالصوم فيها، فيحصل الامتثال مع التتابع وبدونه " قلت: يمكن دعوى انصراف التتابع من الاطلاق المزبور ولو بقرينة الفتوى به، وكونه كفارة والغالب فيها التتابع، خصوصا بملاحظة ما ورد (1) من تعليل التتابع في الشهرين منها بأنه كي لا يهون عليه الاداء فيستخف به، لانه إذا قضاها متفرقاهان واستخف بالايمان، مضافا الى ما عرفت من ان الصوم في كفارة قضاء رمضان كالصوم في كفارة اليمين، ولذا نص المفيد والفاضل على انها كفارة يمين مع التصريح بأن خصالها الاطعام أو الصيام دون الكسوة والتحرير، وأما الحلق ففى ظاهر الغنية أو صريحها الاجماع على وجوب التتابع في صومه، وأما صوم الثمانية عشر بدل الشهرين فالظاهر ان المراد الاقتصار على هذا القدر منهما ارفاقا بالمكلف، فتكون حينئذ متتابعة، مضافا الى ما أرسله المفيد في المقنعة بعد تصريحه بالتتابع وغيره الى مجئ الاثار عنهم (عليهم السلام) بذلك


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1

[ 68 ]

بل الظاهر انها هي المجزية في بدل البدنة لمن أفاض من عرفات، وان كان ظاهر الدروس أو صريحها عدم وجوب التتابع فيه، وربما يأتي لذلك كله تتمة في محله ان شاء الله، وحينئذ بان أن الكلية المزبورة في محلها في المعظم أو الجميع ولا ينافيها الحصر الاضافي في خبر الجعفري (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) " انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار والقتل واليمين " إذ من المعلوم كون المراد منه بقرينة السؤال بالنسبة الى قضاء شهر رمضان، كمعلومية أن المراد من قول الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان (2) " كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين " عدم التفرقة ولو على بعض الوجوه الاتية أو غير ذلك. وعلى كل حال فالكية المزبورة تامة في الجميع أو المعظم، انما الكلام في الاربعة المستثنيات، الاول (صوم النذر المجرد عن التتابع) أو ما يستلزمه (وما في معناه من يمين أو عهد) حيث لا يضيق وقته بظن الوفاة أو ظن طرو العذر المانع من الصوم أو العلم، ومنه ضيق الوقت، والمشهور كما قيل جواز تفريقه للاصل خلافا للمحكي عن أبي الصلاح فيمن نذر صوم شهر واطلق، فان ابتدأ بشهر لزمه إكماله، ولابن زهرة وان لم يشترط الموالاة يعنى من نذر صوم شهر فافطر مضطرا بنى، وان كان مختارا في النصف استأنف، وان كان في النصف الثاني اثم وجاز له البناء، ونحوه المحكي عن ابن البراج، بل والمفيد إلا انه لم يصرح بعدم اشتراط الموالاة فربما يحتمل حمله على ما إذا نذر شهرا متتابعا وكيف كان فحجتهم على ذلك بعد انسياق الاتصال خبرا موسى بن بكير (3) عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم الواجب - الحديث 3 - 1 (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1 وهو على ما في سند الشيخ (قدس الله سره) موسى بن بكر كما في التهذيب ج 4 ص 285 الرقم 863 و 864

[ 69 ]

ابى عبد الله (عليه السلام) والفضيل بن يسار (1) عن ابى جعفر (عليه السلام) الاتيين لكن قيل إنهما - مع ضعفهما، واحتمال حملهما على شرط التتابع ولو بقرينة أن السائل لا يسأل إلا عن ذلك - انما يدلان على اشتراط قيام النصف وان كان مضطرا، ولم يقولا به، هذا. والانصاف انه يمكن دعوى انصراف الاتصال في جميع من علق نذره على ما ينساق الى الذهن من اللفظ ولم يلحظ المطلق الصادق على المتتابع وغيره كما ذكروه في ثلاثة: الحيض والاعتكاف وعشرة الاقامة، بل لعله المدرك لهم في اعتبار التتابع في جملة من الكفارات التي ذكروا وجوبه فيها مع عدم دليل غير الاطلاق المزبور، كما في كفارة قضاء شهر رمضان والثمانية عشر يوما للمفيض وكفارة الحلق ونحو ذلك، فان لم يقم إجماع كان القول به متجها، بل يمكن حمل ماهنا من كلام الاصحاب على ما لا ينافيه من نذر مطلق الصوم، أو الصوم المطلق الذي هو لا فرق في صدق الثلاثة أو الشهر على المتتابع منه وعدمه وان كان المنساق منها الاول، إلا انه لا مانع من كون المقصود المنذور من حيث الصدق دون الانسياق فتأمل جيدا. (و) الثاني (صوم القضاء) أي قضاء الصوم الواجب ولو نذرا معينا للاصل السالم عن المعارض بعد أن كان القضاء بامر جديد خلافا لابي الصلاح في قضاء شهر رمضان وقد عرفت ضعفه، والشهيد في الدروس فاستقرب وجوب التتابع في قضاء ما اشترط فيه ذلك، كنذر ثلاثة أيام متتابعة في رجب مثلا، وتردد فيه العلامة في القواعد من ذلك، ومن ان القضاء هو الاداء، وانما يتغاير ان في الوقت، وهو واضح الضعف، واضعف منه دعوى ان التتابع منذور، فكما يجب تحصيل الصوم يجب تحصيل تتابعه، إذ المنذور إذا فات وقته انحل، ولو لم يكن دليل على القضاء لم


الوسائل - الباب - 5 - من ابواب بقيه الصوم الواجب - الحديث 1

[ 70 ]

يجب، ولا دليل على تتابعه، ودعوى ان دليل القضاء وهو " من فاتته فريضة فليقضها كما فاتنه) يدل عليه، لكون الفائت متتابعا، يدفعها ظهور كون المراد من التشبيه غير ذلك من الكيفيات التي وضعها الشارع كالقصر والاتمام والجهر والاخفات لا ما يشمل مثل ذلك الذي هو كنذر المكان والاحوال ونحوها مما هو معلوم عدم الالتزام بمراعاتها في القضاء، والله أعلم. (و) ثالثها (صوم جزاء الصيد) ولو كان نعامة، لعدم الدليل سوى ما عرفته من انصراف الاتصال من الاطلاق، خلافا للمفيد والمرتضى وسلار فاوجبوه في جزائها، بل في المختلف المشهوران فيه شهرين متتابعين، ويأتي تحقيق الحال فيه ان شاء الله. (و) الرابع صوم (السبعة في بدل الهدي) للاطلاق، وخبر اسحق بن عمار (1) " قلت لابي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): اني قدمت الكوفة ولم أصم السبعة الايام حتى فرغت في حاجة الى بغداد قال: صمها ببغداد قلت: افرقها قال: نعم " خلافا لابن ابى عقيل وابن زهرة وابي الصلاح فاوجبوه فيها كالثلاثة لحسن علي بن جعفر (2) عن اخيه (عليه السلام) كما عن المختلف والمنتهى والصحيح كما عن حج المنتهى والتذكرة قال: " سألته عن صوم ثلاثة ايام في الحج والسبعة أيصومها متوالية أو يفرق بينها ؟ قال: يصوم الثلاثة ولا يفرق بينها والسبعة ولا يفرق بينها ولا يجمع السبعة والثلاثة جميعا " وخبر الحسين بن يزيد (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام):


(1) و (2) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب الذبح - الحديث 1 - 2 من كتاب الحج (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 2 عن الحسين بن زيد

[ 71 ]

" السبعة الايام والثلاثة الايام في الحج لا تفرق، انما هي بمنزلة الثلاثة الايام في اليمين " إلا انهما - مع ما في سندهما حتى الاول منهما الذي فيه محمد بن احمد العلوي ولم ينص على توثيقه في كتب الرجال على ما قيل، وندرة العامل بهما - يمكن ان يكون المراد بهما تجويز المتابعة لا وجوبها الذي من المحتمل كون السؤال عنه والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (كل ما يشترط فيه التتابع إذا افطر في اثنائه لعذر) كحيض ومرض ونحوهما (بنى عند زواله) لقاعدة اولوية الله عزوجل بالعذر فيما هو يغلب عليه التي قالوا (عليهم السلام) انه ينفتح منها ألف باب، بل أشير إليها في نصوص المقام، قال رفاعة (1) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا ومرض، قال: يبني عليه، الله حبسه، قلت امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وافطرت ايام حيضها قال: تفضيها قلت: فانها قضتها ثم يئست من الحيض قال: لا تعيدها اجزأها ذلك " ونحوه صحيح محمد بن مسلم (2) عن ابي جعفر (عليه السلام)، ومن المعلوم ان المراد بالقضاء البناء بقرينة السؤال الثاني، وقال سليمان بن خالد (3): " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة وعشرين يوما ثم مرض فإذا برئ يبني على صومه ام يعيد صومه كله فقال: بل يبني على ماكان صام، ثم قال: هذا مما غلب الله عزوجل عليه وليس على ما غلب الله عزوجل عليه شئ " فما في صحيح جميل ومحمد بن حمران (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل الحر يلزمه صوم الشهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا ثم يمرض قال: يستقبل فان زاد على الشهر الاخر يوما أو يومين بنى على ما بقي " وخبر ابي بصير (5) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قطع صوم كفارة اليمين وكفار الظهار


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 3 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 10 - 11 - 12 - 3 - 6

[ 72 ]

وكفارة الدم فقال: ان كان على رجل صيام شهرين متتابعين فافطر أو مرض في الشهر الاول كان عليه ان يعيد الصيام، وان صام الشهر الاول وصام من الشهر الثاني شيئا ثم عرض له ما فيه العذر فانما عليه ان يقضي " يجب حمله على الاستحباب أو على كون المرض غير مانع من الصوم، أو على التقية من المحكي عن الشافعي في احد قوليه من الفرق بين المرض والحيض، فخص العذر بالثاني دون الاول، أو على عدم المبادرة بعد ارتفاع المانع، أو غير ذلك، ضرورة قصورهما عن معارضة تلك النصوص المعمول بها بين الاصحاب قديما وحديثا، بل لا أجد فيه خلافا بالنسبة الى الشهرين، بل في شرح الاصبهاني انه مما اتفقت عليه كلمة الاصحاب فيهما وفي الشهر، ولعله كذلك إلا ان الشيخ في النهاية بعد ان ذكر هذا الحكم في الشهرين المتتابعين قال: " ومن نذر ان يصوم شهرا متتابعا فصام خمسة عشر يوما وعرض له ما يفطر فيه وجب عليه صيام ما بقي من الشهر، وإن كان صومه اقل من خمسة عشر يوما كان عليه الاستئناف " وظاهره ذلك مع العذر ولعله لخبر موسى بن بكير (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله ان يقضي ما بقي، وان كان اقل من خمسة عشر يوما لم يجز حتى يصوم شهرا تاما " وخبر الفضيل بن يسار (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) " في رجل جعل على نفسه صوم شهر فصام خمسة عشر يوما ثم عرض له امر فقال: جاز له ان يقضي ما بقي عليه، وان كان اقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1 وهو عن موسى بن بكر كما تقدم الاشارة إليه (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1 الجواهر - 9

[ 73 ]

تاما " ولانه بدون المتابعة خارج عما تعلق به النذر، فلا يجزي وان لم يكن عليه اثم للعذر، لا انهما - مع ضعفهما، وعدم الجابر لهما بالنسبة الى ذلك، واحتمالهما الامر الذى لا يؤدي الى الاضطرار، ويكون مما غلب الله عليه - قاصران عن معارضة ما عرفت من النصوص السابقة من وجوه، مضافا الى خبر علي بن أحمد بن أشيم (1) " كتب الحسين الى الرضا (عليه السلام) جعلت فداك رجل نذر أن يصوم أياما معلومة فصام بعضها ثم اعتل فافطر ايبتدئ في صومه ام يحتسب مما مضى، فكتب إليه يحتسب بما مضى " ودعوى الخروج بذلك مما تعلق به النذر فلا يجزي كأنها اجتهاد في مقابلة النص والفتوى، مع ما قيل من انها مبنية على كون صوم الشهر عبادة واحدة منذورة وهو ممنوع، بل الظاهر ان صوم كل يوم عبادة فصوم الشهر ثلاثون عبادة منذورة والتتابع منذور آخر، فإذا صام منها شيئا فقد اتى ببعض المنذورات وقد برأت ذمته مما فعله ولا دليل على فعله مرة أخرى والمتابعة سقطت عنه للضرورة، وان كان لا يخلو من نظر. وعلى كل حال فمن ذلك كله يعلم أن ما في المدارك - من قصر الحكم على الشهرين خاصة، لعدم الدليل على غيرهما، فيبقى المكلف تحت العهدة الى ان يتحقق الامتثال بالاتيان بالمأمور به على وجهه الذي هو المتابعة - في غير محله، ضرورة ان ذلك لا يصلح معارضا للمستفاد من النصوص المزبورة من القاعدة المذكورة نعم صرح الشهيد في الدروس واللمعة بأن كل ثلاثة يجب تتابعها تستأنف بالاخلال به سواء كان لعذر أو لغيره إلا ثلاثة دم المتعة في خصوص الفصل بيوم النحر وايام التشريق، ولعله ظاهر يحيى بن سعيد من غير استثناء، وفي القواعد " من أخل بالمتابعة في كفارة اليمين أو قضاء رمضان أو الاعتكاف أعاد مطلقا " ونحوه في المسالك ومحكي الاقتصاد والمبسوط لقاعدة عدم الاتيان بالمأمور به على


الوسائل - الباب - 3 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 2

[ 74 ]

وجهه، وقول الصادق (عليه السلام) (1): " كل صوم يفرق إلا ثلاثة أيام في كفارة اليمين " وقول ابي الحسن (عليه السلام) في خبر الجعفري (2): " انما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار وكفارة الدم وكفارة اليمين " وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): " صيام كفارة اليمين في الظهار شهران متتابعان، والتتابع ان يصوم شهرا ويصوم من الاخر اياما أو شيئا منه فان عرض له شئ يفطر منه افطر ثم قضى ما بقي عليه، وان صام شهرا ثم عرض له شئ فافطر قبل ان يصوم من الاخر شيئا فلم يتابع فليعد الصيام، وقال: صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات ولا يفصل بينهن " لكن الاخير انما يدل ولو بقرينة السياق على الفرق بين كفارة اليمين في الظهار واليمين في غيره بالنسبة الى تجاوز النصف وعدمه، لا على حكم الفصل للعذر، كما ان الحصر في سابقة اضافي بالنسبة الى قضاء شهر رمضان، ضرورة عدم حصر ذلك في هذه الثلاثة كضرورة تحقق التفرقة في الاولين للعذر الذي يغلب الله عليه، اوان المراد هذه وما ماثلها، والمراد بالتفريق المنفي في كفارة اليمين الاختياري بتجاوز النصف لا ما كان للعذر، ترجيحا للمستفاد من النصوص السابقة على ذلك، خصوصا بملاحظة اطلاق معقد إجماع الانتصار وخصوص إجماع الغنية قال في الاول: " ومما يظن انفراد الامامية به القول بأن من أفطر لمرض في صوم التتابع بنى على ما تقدم ولم يلزمه الاستيناف - ثم قال - دليلنا الاجماع المتردد وايضا فان المرض عذر ظاهر لسقوط الفروض، وقد علمنا انه لو افطر بغير عذر للزمه الاستئناف ولم يجزله البناء فلا يجوزان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 - 3 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 3 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 9 وذيله في الباب - 10 - منها - الحديث 4 مع الاختلاف في صدره

[ 75 ]

يكون مثل ذلك حكمه مع العذر، لان المعذور لابد ان يخالف حكمه حكم من لا عذر له " وقال في الثاني: " ويجب التتابع في كل ذلك يعني صوم كفارة الحلق وكفارة اليمين، فمن فرق مختارا استأنف، ومن فرق مضطرا بنى بدليل ما قدمناه أي الاجماع والاحتياط " ونص ابن حمزة على البناء مع العذر على ثلاثة دم المتعة وغيرها، واصرح منه الحلبي في الاشارة، كما انه نص عليه في السرائر في ثلاثة اليمين، كل ذلك مضافا الى إطلاق المصنف في كتبه والفاضل فيما عدا القواعد. ومن ذلك يعلم ان المشهور البناء مع العذر مطلقا، فلا بأس حينئذ بترجيح المستفاد من النصوص المزبورة من القاعدة التي ينفتح منها الف باب على ما يظهر منه خلاف ذلك، من غير فرق بين الثلاثة وغيرها حتى ثلاثة الاعتكاف، اللهم إلا ان يقال بأن فيه جهة أخرى غير تتابع الصوم، وهي التتابع من حيث الاعتكاف ولم يثبت البناء فيه من هذه الجهة، مضافا الى ظاهر بعض النصوص التي تسمعها في محلها ان شاء الله. ثم ان المصنف وغيره أطلق تعليق الحكم على العذر وعدمه، كما ان آخر أطلق تعليق الحكم على الاضطرار والاختيار من غير تعرض للخصوصيات، ولا إشكال كما لا خلاف نصا وفتوى في اندراج المرض الحاصل منه تعالى بل وكذا الحيض، وان كان اقتصار الصدوق على المرض قد يشعر بعدمه، لكن لا يبعد ارادة المثال منه، بل في الخلاف ان الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد حكمهما حكم المريض عندنا، واختاره في الدروس خلافا له في المبسوط فقوى قطع التتابع بافطارهما، لكن ينافيه عموم التعليل المزبور كما انه ينافي ما عن يحيى بن سعيد من النص على وجوب الاستئناف لغير المرض والحيض، بل لعله ظاهر اقتصار الشيخ عليهما في المحكي من جمله ومبسوطه واقتصاده، ضرورة ظهور النصوص السابقة في

[ 76 ]

تحقق العذر بكل ما غلب الله عليه من غير فرق بين المرض والحيض وغير هما، بل لا يبعد ظهور قوله (عليه السلام): " الله حبسه " في تناول السفر وان لم يكن ضروريا باعتبار كونه محبوسا عن الصوم معه، بل هو حينئذ مما غلب الله عليه باعتبار كون منع الصوم فيه منه، فيكون ذلك كناية عن كل ما ينافي الصوم إذا لم يكن من قبل المكلف بمعنى انه لا ينافي التتابع إلا التعمد للافطار، فما في الوسيلة والسرائر وظاهر الخلاف - من ان السفر قاطع للتتابع، بل صرح في الثاني عدم الفرق بين المضطر في ذلك والمختار، ولعله لعدم صدق غلبة الله له عليه بعد ان كان باختياره مع حرمة قياسه على المرض والحيض الذين لم نتعرض لغيرهما، فلا مخرج حينئذ عن اصل وجوب التتابع - فيه انه شريكهما في الضرورة، بل لعله شريكهما في حبس الله وغلبته بعد الاذن فيه، لنفي العسر والحرج في الدين، ولذا جاز وقوعه في شهر رمضان الذي يجب التتابع فيه، بل قد عرفت ان دقيق النظر يقضي بكون المراد من التعليل بالحبس والغلبة إخراج تعمد الافطار، فلا يشمل تعمد سبب ما أمر الشارع بالافطار منه. ومنه يعلم حينئذ انه لا فرق في المرض والحيض وغيرهما من الاعذار التي يرتفع خطاب الصوم معها بين ان تكون اسبابها من الله عزوجل وبين ان تكون من العبد، فانها على كل حال تكون اعذارا وقد حبسه الله تعالى عن الصوم معها وغلبه عليها، كما ان منه يعلم حينئذ عدم الفرق بين السفر الضروري والاختياري كما هو مقتضى إطلاق الشيخ في النهاية عذرية السفر، وان استحسن الفرق بينهما المصنف في المعتبر، بل قطع به الفاضل بل والشهيد في الدروس إذا حدث سببه بعد الشروع في الصوم، وهذا وان كان هو الاحوط، بل احوط منه قطع التتابع به مطلقا، الا ان الاقوى ما عرفت، ويندرج فيه ما لو نسي النية حتى فات وقتها أو نام عنها كذلك، فان صوم ذلك اليوم باطل، الا انه لا يقطع التتابع للعذرية

[ 77 ]

ودعوى ان النسيان من الشيطان فلا يكون عذرا كما ترى، بل من العذر ايضا ما لو كان نادرا مثلا قبل تعلق الكفارة ما ينافي التتابع، كصوم كل خميس فيجزيه حينئذ المتابعة فيما عداه، ولا يجب عليه الانتقال لغير الصوم من خصال الكفارة باعتبار تعذر التتابع، نعم لو كان قد نذر صوم الدهر اتجه ذلك. وكيف كان فالمراد من البناء مع العذر انه لا يخل بالتتابع شرعا باعتبار غلبة الله تعالى عليه، فهو أولى بالعذر، لا أن المراد سقوط التتابع حينئذ معه في جميع الصوم حتى ما بقي باعتبار انقطاعه في الجملة، وحينئذ لا يمكن حصوله، فما في الدروس من القول بسقوطه فيما بقي لذلك واضح الضعف. هذا كله ان افطر لعذر (وان افطر لغير عذر استأنف) في الشهرين إجماعا بقسميه، بل يمكن دعوى التواتر المحكي منهما، بل لا اجد خلافا بين الاصحاب في غيرهما ايضا خصوصا في الشهر المنذور تتابعه، وقد اعترف الاصبهاني بقطع الاصحاب في ذلك إلا اني لم أقف له في السنة على ما يدل عليه في غير الشهرين والشهر، نعم ذكر غير واجد الاستدلال عليه بأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف، وهو جيد بناء على ان الجميع عبادة واحدة وعمل واحد ضرورة فسادها بالاخلال بالتتابع، إذ هي كالصلاة المركبة من الركعات المعتبر فيها صحة السابق منها بصحة اللاحق إلا انه لا يخفى عليك صعوبة التزام ذلك بعد حصر مفسدات الصوم الشامل لصوم الكفارة وغيره بغير ذلك خصوصا بعد انتهاء اليوم وتمامه المقتضي لاعتبار الكشف عن الفساد لو اخل بالمتابعة المتأخرة كالركعة المتأخرة بالنسبة الى الركعة السابقة، بل المتجه بناء على ذلك الاجتزاء للجميع بنية واحدة، ضرورة كونه عملا واحدا مركبا، الى غير ذلك مما يصعب التزامه فلا يبعد القول بكون كل الايام عبادات مستقلة لاربط لصحة بعضها بالاخر واوجب الشارع تتابعها في الكفارة حينئذ، فالمتجه حينئذ بناء على ذلك كون المتابعة

[ 78 ]

واجبا تعبديا لا شرطيا، فيأثم بتركها، والصوم على صحته كالمتابعة في صلاة الجماعة على الاصح، ودعوى كون المتجه على ذلك اعتبار شرطيتها في الكفارة دون الصوم فتكون كالمتابعة الواجبة في القضاء ونحوه بنذر وشبهه يدفعها ان ذلك انما يتم في المتابعة الخارجة عن العمل نفسه، بخلاف ما نحن فيه الذي هو نوع من الصوم، وليست الكفارية أمرا خارجا عنه، بل لا يتصور القول بصحة الصوم وعدم اجزائه عن الكفارة، ضرورة اقتضاء صحته سقوط الاعادة ودعوى انه بالاخلال بالمتابعة يبطل كونه صوم كفارة ويصح صوما مطلقا واضحة الفساد، إذ الفرض ان المكلف لم ينوه إلا صوم كفارة، فنقله الى غيرها بلا نية مخالف للضوابط الشرعية، إذ الجنس لا يبقى مع ذهاب الفصل كما هو واضح وأضعف منه دعوى انه صوم كفارة لكنه غير مجز عنها باعتبار فقده للتتابع فيحتاج الى الاستئناف لذلك، إذ عدم اجزائه عنها يقتضي فساده بالنسبة إليها، والفرض عدم نية غيرها، فلا محيص عن القول بالوجوب التعبدي أو التزام الامور السابقة من اتحاد العمل ونحوه، كما هو ظاهر وجوب الاستئناف في كلمات الاصحاب ولعله لا باس بالتزامها بعد مساعدة النص والفتوى عليها، وربما فرق بين ما كان دليله نحو " كفارته كذا " وبين ما كان نحو " عليه كذا " فيدخل التتابع في الحقيقة على الاول دون الثاني لكنه كما ترى لا مساعد له من النص والفتوى بل هما ظاهر ان في خلافه، هذا وربما قيل ان المحكي عن فخر الاسلام في شرح الارشاد ظاهر في كون المتابعة واجبا تعبديا، قال: " الصوم اما ان يجب فيه التتابع اولا فان لم يجب فلا بحث، وان وجب فاما ان يكون شرطا في صحته اولا، والثاني لا يبطل بترك التتابع، ولا يجب الاستئناف والاول يجب الاستئناف إلا ما استثني " وفيه انه يمكن أن يريد التتابع الواجب في القضاء ونحوه بنذر وشبهه، فانه لا ريب في عدم اعتباره في صحة الصوم عن القضاء، ضرورة كونه كنذر الموالاة في وضوء

[ 79 ]

مخصوص فلم يفعلها، فانه يحنث بالنذر، والوضوء صحيح ضرورة عدم صلاحية النذر لاثبات شرطية ونحوها مما امره راجع الى الشرع، بل اقصاه الوجوب دون الشرطية كما هو محرر في محله فتأمل جيدا فان المقام غير منقح في كلام الاعلام والمتجه الوقوف على ما هو الظاهر منهم من وجوب الاستئناف بتعمد الاخلال فيما وجب فيه التتابع على وجه يدخل في الصوم (إلا) في (ثلاثة مواضع) احدها (من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فصام شهرا ومن الثاني ولو يوما) فانه إذا كان كذلك (بنى، ولو كان قبل ذلك استأنف) بلا خلاف ولا اشكال بخلافه في الاول فانه يبني وان اخل بالمتابعة عمدا بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما متواتر أو مستفيض، للمعتبرة المتقدم بعضها مضافا الى خبر سماعة بن مهران (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين ايفرق بين الايام ؟ فقال إذا صام اكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فافطر فلا بأس فان كان اقل من شهر أو شهرا فعليه ان يعيد الصيام " وخبر منصور بن حازم (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في رجل صام في ظهار شعبان ثم ادركه شهر رمضان قال: يصوم شهر رمضان ويستأنف الصوم، فان صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته " الى غير ذلك مما هو موافق لسهولة الملة وسماحتها ونفي الحرج في الدين وارادة التخفيف واليسر، ولا حاجة الى تكلف الاستدلال بما هو محل للنظر، وحينئذ فما في النهاية - من ان من وجب عليه شئ من هذا الصيام وجب عليه ان يصومه متتابعا فان لم يتمكن من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث. - 5 لكن روى الثاني في الوسائل مضمرا الا ان الموجود في التهذيب ج 4 ص 283 الرقم 855 قال: " سألت ابا عبداله (عليه السلام).... " (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1

[ 80 ]

صيامه متتابعا صام الشهر الاول ومن الشهر الثاني شيئا، ثم فرق ما بقي عليه " مما يعطي وجوب التتابع في الشهرين، وان متابعة الشهر الثاني بيوم منه للاول انما يكون مع العجز - واضح الضعف، مع انه قال فيها بعد ذلك: " ومن وجب عليه صيام شهرين متتابعين في اول شعبان فليتركه الى انقضاء شهر رمضان ثم يصوم شهرين متتابعين، فان صام شعبان والرمضان لم يجزه إلا ان يكون قد صام مع شعبان شيئا مما تقدم من الايام فيكون قد زاد على الشهر، فيجوز له البناء عليه ويتمم شهرين " وهو يعطي جواز التفريق إذا صام من الثاني يوما ولعل بمعونته يمكن حمل كلامه الاول على ارادة الاثم بالتفريق بعد الشهر ويوم، كما هو مذهبه فيما حكي عن التبيان وكفارات النهاية وظهار المبسوط، بل هو خيرة المفيد والسيد وابني ادريس وزهرة، لا وجوب الاستئناف الذي قد عرفت الاجماع والنص عليه، وان كان الاقوى في هذا ايضا خلاف ما ذكروه وان (وممن خ ل) حكى السيدان الاجماع عليه وفاقا لظاهر المحكي عن ابني الجنيد والبي عقيل وصريح الفاضل والدروس، لظهور النصوص السابقة في الاذن في التفريق بعد ذلك فيستعقب عدم الاثم، مضافا الى ظهور قوله (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) " والتتابع " الى آخره في حصول التتابع المأمور به بذلك، ولعله لكون المراد تتابع الشهرين انفسهما دون أيامهما بناء على صدقه بذلك كما تسمع له تتمة ان شاء الله في المسألة الثانية. فما عساه يقال ان الثابت الشرطية والتكليفية وسقوط الاولى بذلك لا يقتضي سقوط الثانية واضح الضعف ضرورة كونه بعد الاغضاء عما نحن فيه نفسه غير صالح


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب بقيه الصوم الواجب الحديث 9 الجواهر - 10

[ 81 ]

لمعارضة ما عرفت، فتأمل، كالمحكي عن ابن ادريس من الاستدلال بأن التتابع ان يصوم الشهرين، ولقد أجاد في محكي المنتهى في رده بقوله: نحن نمنع ذلك لما ثبت في حديث الحلبي عن الصادق (عليه السلام) " ان حد التتابع " الى آخره، وحينئذ لا يتوجه الخطاب الى المكلف، وقول الصادق (عليه السلام) أولى بالاتباع من قول ابن ادريس، وهو كما قال إلا ان الاحتياط مع ذلك لا ينبغي تركه، لعدم ثبوت ذلك عن الصادق (عليه السلام) بطريق التواتر، وعدم القطع بكون المراد منه ذلك، نعم هو حجة شرعية للفتوى التي لا تنافي أولوية الاحتياط كما هو واضح، هذا. وظاهر الفتاوى بل ومعاقد الاجماعات عدم الفرق في الحكم المزبور بين النذر وغيره، لكنه لا يخلو من إشكال باعتبار انسباق غيره من النصوص وشدة مخالفة الحكم فيه للضوابط، خصوصا مع تصريح الناذر بالتتابع ستين يوما بل ومع إطلاقه بناء على ظهوره في ذلك، ضرورة عدم الحقيقة الشرعية لتتابع الشهرين، وكشف النصوص للمراد بالخطابات الشرعية لا تقتضي التعدي الى الخطابات العرفية التي من المعلوم كون المرجع فيها العرف، ولعله لذا قصر بعض مشايخنا الحكم على غير النذر ونحوه، وهو جيد، اللهم إلا ان يكون الناذر علق مراده بالمراد الشرعي مما وقع فيه ذلك، أو ان الشارع قد كشف كون المراد واقعا بهذا الخطاب ذلك وان زعم صاحبه خلافه، والحكم الشرعي يتبع الواقع الذي هو المقصود بالخطاب، وتخيل ذي الخطاب كون الواقع غير ذلك لا مدخلية له بعد ان لم يكن مقصودا له بالخطاب كما حررناه في محله، وحينئذ فيتجه إطلاق الاصحاب، نعم يخرج منه ما لو صرح الناذر بتتابع الايام، ولعله غير مندرج في كلامهم، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع، والله اعلم.

[ 82 ]

(و) الموضع الثاني (من وجب عليه صوم شهر متتابع بنذر فصام خمسة عشر يوما ثم أفطر) لغير عذر فضلا عنه (لم يبطل) ما مضى من (صومه وبنى عليه، ولو كان قبل ذلك استأنف) على المشهور بين الاصحاب، بل في السرائر الاجماع عليه، لخبري موسى بن بكير (1) والفضيل بن يسار (2) المتقدمين سابقا المنجبرين سندا ودلالة بذلك، ولا حاجة هنا الى تجاوز النصف بيوم كما في الشهرين ضرورة عدم احتمال التتابع هنا غير اتصال الايام، فليس الاجتزاء بالخمسة عشر إلا للدليل بخلافه في الشهرين، فان من المحتمل فيه إرادة تتابع الشهرين دون الايام كما أو مأت إليه النصوص، وفي السرائر بعد أن ذكر الفرق بينهما بذلك قال: وهذا فرق تواترت به الاخبار عن أئمة آل محمد الاطهار (عليهم السلام)، ومن ذلك كله يعلم انه لا وجه للمناقشة في هذا الحكم من أصله، كما لا وجه لما في الوسيلة من عدم الفرق بين الشهر والشهرين في اعتبار مجاوزة النصف في البناء، إذ هو كما ترى خارج عن الادلة المزبورة وعن مراعاة الضوابط مع فرض عدم العمل بها هنا مضافا الى حرمة القياس وكونه مع الفارق وكذا لا وجه معتد به لما في الغينة من الفرق بين الشهر الذي شرط تتابعه في النذر والذي أطلق، فحكم بالاستئناف في الاول على كل حال إذا أفطر مختارا وفي الثاني بأنه ان كان في النصف الاول استأنف، وإلا فلا، ولعله لعدم تقييد الخبرين بالتتابع، وفيه مضافا الى ترك الاستفصال فيهما انه لا فرق بين ذكر القيد وعدمه الا بالصراحة والظهور، بناء على انسياق التتابع من المطلق، والا خرجا عن موضوع المسألة، ولا ينطبق ما فيهما من الحكم عليه، فالندبر فيهما يقضي بعدم الفرق بينهما، ومنه يعلم ما في إرشارة السبق، قال في صوم النذر والعهد:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 والاول عن موسى بن بكر كما تقدم الاشارة إليه سابقا

[ 83 ]

" ومتى شرط فيهما التتابع لم يجز التفريق - الى ان قال - ولو اضطر الى تفرقة صومهما بنى ولم يلزمه استئناف إلا مع الاختيار، وإذا لم يشترط متابعة ولا ألجأت ضرورة الى غيرها فلا بناء إلا بعد الاتيان بالنصف وما زاد عليه، وإلا فالاختيار لافطاره فيه قبل بلوغه يوجب الاستئناف " إذ هو - مع انه فرق بما سمعته من ابن زهرة بل وابن حمزة، اللهم إلا أن يريد معنى " أو " من قوله " وما زاد " بقرينة قوله " قبل بلوغه " المعلوم ارادة قبل بلوغ النصف منه - ظاهر في عدم الفرق في ذلك بين الشهر والشهرين وما زاد أو نقص، وهو تعد عن الادلة بلا شاهد بعد حرمة القياس عندنا، وكونه مع الفارق في بعض الصور فالمتجه الاقتصار على مضمونها بعد مخالفة الحكم للضوابط كما هو واضح، فما عن الشيخ من طرد الحكم في السنة لا يخلو من منع وإن كان هو أعلم بما قال كما في الدروس والله أعلم (و) الموضع الثالث التفريق (في صوم الثلاثة الايام عن الهدي) المعلوم وجوب التتابع فيها نصا (1) وفتوى بل إجماعا إلا (لمن صام يوم التروية وعرفة ثم أفطر يوم النحر) فانه (جاز) له (ان يبني بعد انقضاء أيام التشريق) إجماعا محكيا عن المختلف لخبر عبد الرحمان بن الحجاج (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " فيمن صام يوم التروية ويوم عرفة قال: يجزيه أن يصوم يوما آخر " وخبره الاخر (3) ايضا عن ابي الحسن (عليه السلام) " كان أبو جعفر (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 2 و 5 الوسائل - الباب - 52 - من ابواب الذبح الحديث - 1 من كتاب الحج (3) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب الذبح الحديث 4 وفيه " كان جعفر (عليه السلام) يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحج " واما ذيله فليس من الخبر وانما هو عبارة الشيخ (قدس الله سره) في الهذيب ج 5 ص 231 المطبوع بالنجف الاشرف

[ 84 ]

يقول: ذو الحجة كله من اشهر الحرم، ومن صام يوم التروية ويوم عرفة فانه يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق " وخبر يحيى الازرق (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) أيضا " سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة قال: يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق " لكن في المدارك " أنها اخبار ضعيفة، وفي مقابلها اخبار صحيحة السند دالة على خلاف ما تضمنته وسيجئ تحقيق ذلك في كتاب الحج " قلت: ويأتي تحقيق غيره أيضا، وهو ما إذا فاتت الثلاثة قبل النحر فلم يصمها ولا اليومين منها يصومها أيام التشريق كما عن ابن الجنيد، لخبري اسحاق بن عمار (2) و عبد الله بن ميمون القداح (3) عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما لسلام) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الايام التى في الحج فليصمها أيام التشريق، فان ذلك جائز له " الشاذين المعارضين بالاصح سندا والاكثر عددا، مضافا الى العمل، قال ابن سنان (4) في الصحيح: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع فلم يجد هديا قال: فليصم ثلاثة أيام ليس فيها أيام التشريق " ونحوه خبر ابن مسكان (5) عنه (عليه السلام) ايضا، نعم في صدر خبر ابن الحجاج (6) المتقدم عن ابى الحسن (عليه السلام) الذي نص فيه على صوم الثالث منها بعد أيام التشريق قال: " فان فاته ذلك - أي صوم الثلاثة - يصوم صبيحة يوم الحصبة ويومين بعد ذلك " وفي صحيح صفوان (7) عنه (عليه السلام) ايضا قال: " ذكر ابن البراج انه كتب اليك يسألك عن متمتع لم يكن له هدي فاجبته في كتابك يصوم ثلاثة أيام بمنى، فان فاته ذلك صام صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك قال: أما أيام منى فانها أيام أكل وشرب لا صيام فيها، وسبعة أيام إذا رجع الى أهله "


(1) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب الذبح - الحديث 2 من كتاب الحج (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب الذبح - الحديث 5 - 6 - 1 - 2 - 4 - 3

[ 85 ]

فان اقتصاره على إنكار أيام منى ظاهر في الاقرار بالاخر، وهو الصوم صبيحة الحصبة واليومين بعدها، بل عن الصدوق ووالده والشيخ في النهاية والمبسوط وابن ادريس الفتوى بذلك، الا ان الصدوق قال: " تسحر ليلة الحصبة وهي ليلة النفر واصبح صائما " وفي النهاية فسر يوم الحصبة بيوم النفر، مع انهم ومقتضى ذلك ابتداء الصوم في ثالث أيام التشريق، لانه هو يوم النفر، مع انهم صرحوا بعدم جواز الصوم فيها، اللهم إلا ان يكون المراد عدم جواز تمام الثلاثة فيها، لكنه كما ترى مناف لاطلاق دليل الحرمة فيها، ويمكن ان يكون المراد في الخبرين بصبيحة الحصبة اليوم الذي بعدها، بل قيل انه المتبادر، فهو حينئذ الرابع عشر، وليس من أيام التشريق، وتكلف ارادة ذلك في كلامهم يأباه تصريح بعضهم، فليس حينئذ إلا الحكم بضعف قولهم، كضعف قول ابن الجنيد وان الاصح الصوم بعدها، وهذا كله خارج عما نحن فيه، إذا الكلام فيمن صام يومين قبل النحر (و) على كل حال فالتفريق انما هو في هذه الصورة، ف‍ (لو كان اقل من ذلك) بأن صام يوما (استأنف) صومه (وكذا لو فصل بين اليومين والثالث بافطار غير العيد) كما لو صام قبل التروية بيوم ويوم التروية وأفطر يوم عرفة (استأنف ايضا) لاطلاق ما دل على اشتراط التتابع فيها، ولعل اطلاق الشيخ في المحكي من مبسوطه وجمله واقتصاده جواز البناء إذا صام يومين منزل على ذلك، نعم صرح ابن حمزة بجواز الفصل بيوم عرفة، ونفي البأس عنه في المختلف لمطلوبية التشاغل بالدعاء للشارع، ولا يخفى ما فيه. بقي شئ وهو ان الظاهر من النص والفتوى عدم الفرق في ذلك بين علمه بتخلل العيد وعدمه فيكون هذا مستثنى من الكلية الاتية أيضا، لكن في المسالك " يظهر من بعض ان البناء مشروط بما لو ظهر العيد وكان ظنه يقتضي خلافه، والا استأنف " قلت: صرح به الشيخ على ما في حاشية الكتاب هنا وان كان المحكي

[ 86 ]

عنه في الحج الاول، وهو الاقوى، للاطلاق الذي أظهر افراده العلم بالعيد. ثم ان ظاهر المتن عدم الاستئناف بهذا التفريق ولو تعمد تأخير صوم اليوم عن أيام التشريق بناء على كون هذه المسألة كالمسألتين السابقتين، لكن صرح بعضهم بأن التتابع يسقط في الثالث الى انقضاء أيام الشتريق، وفي شرح الاصبهاني ان المبادرة بالصوم بعد أيام التشريق وان لم يصرح به في فتوى ولا خبر عثرنا عليه الا انه المتبادر من كلام الاصحاب وبعض الاخبار، ويدل عليه ان التتابع واجب فيها، وانما اغتفر الفصل بالعيد وايام التشريق، للعذر بحرمة الصوم فيها ولا عذر فيما بعدها، فلا وجه لاغتفار التأخير بعدها، كما إذا أفطر في النصف الاول من الشهر أبو الشهرين لعذر ثم يزول العذر، ومقتضى ذلك أن هذا التفريق للعذر، وهو خلاف ظاهر الاستثناء الذي قد يستدل له باطلاق البعدية، اللهم إلا ان يقال بانصراف أول أفرادها منه، ولا ريب في انه أحوط، ويأتى ان شاء الله في كتاب الحج له تتمة. (و) كيف كان فقد (ألحق) الشيخ ويحيى بن سعيد والفاضل فيما عدا المنتهى على ما قيل (به) أي الشهر المنذور (من وجب عليه صوم شهر في كفارة قتل الخطأ أو الظهار لكونه مملوكا) وكفارته نصف كفارة الحر، مستدلا عليه في المختلف بأن التنصيف كما يكون في العدد كذا يكون في الوصف، وكما أجزأ تتابع الشهرين بيوم كذا النصف يحصل به التتابع، لان الشهر في معرض النقصان فلو أوجبنا تتابع ستة عشر يوما لزدنا على حكم الشهرين، فاكتفي بتتابع خمسة عشر يوما التي تزيد على نصف الناقص بنصف يوم، وبأنه لا يزيد على النذر المتتابع، وقد أجزأ فيه تتابع خمسة عشر يوما، فيثبت الحكم في الاضعف بطريق الاولى، وبأن الجعل الذي في الخبرين قد يكون بالنذر وقد يكون بفعل ما يوجب ذلك من افطار أو ظهار أو نحوهما، والجميع كما ترى، ومن هنا قال

[ 87 ]

المصنف: (وفيه تردد) من ذلك ومن وجوب الاقتصار على المتيقن في مخالفة القواعد، ودعوى القطع بالاولوية من المنذرو واضحة المنع. (و) من ذلك تعلم ان الاولى الجزم بالعدم دون التردد، كما انه يعلم مما قدمنا ان (كل من وجب عليه صوم متتابع لا يجوز ان يبتدئ زمانا) يعلم انه (لا يسلم) له التتابع (فيه) بتخلل عيد أو شهر رمضان أو غير ذلك مما لا يجوز صومها عنه، لتوقف امتثال الامر على اجتناب ذلك، وحينئذ (فمن وجب عليه شهران متتابعان لا يصوم شعبان إلا أن يصوم قبله ولو يوما) وفي صحيح منصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: " في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان قال يصوم شهر رمضان ويستأنف الصوم فان صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته " إلا انه كما ترى لا يدل على اتمام الكلية، ولذا اقتصر على مضمونه في النهاية ولم أتحقق إجماعا عليها، بل ربما ظهر من بعضهم خلافها، ولعله لانه انقلاب تكليف، فتشمله روايات العذر، وربما كان في تكليف المرأة بها وعدم انتطار زمان يأسها مع غلبة عدم سلامتها من الحيض شهرا ويوما (عسر وحرج ظ) والصحيح المزبور معارض بنصوص الثلاثة التي يفصل بينها بالعيد، وقد ظهر من ذلك كله ان هذه الكلية ان لم يتحقق إجماع عليها أمكن المناقشة فيها، خصوصا فيما لو صام واتفق العذر الشرعي من مرض ونحوه في أيام الفصل التي هي شهر رمضان أو أيام العيد والتشريق ونحو ذلك، بل ينبغي الجزم بالصحة في الفرض مع الغفلة، بل وان لم يتفق العذر فيها ويكفي كونها عذرا مع الغفلة، لكن في الدروس ولا يعذر بفجأة مثل رمضان أو العيد، سواء علم اولا، بخلاف فجأة الحيض والنفاس، وكيف كان فيستفاد من المثال في المتن ان البدأة بالصوم في اثناء الشهر لا يوجب كونه ثلاثين متصلة، وإلا


(1) الوسائل - الباب - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 1

[ 88 ]

لم يتم الحكم إلا بتقدير كون شعبان تاما ليسلم له أحد وثلاثون، وكذا يستفاد انه لا فرق في اليوم الزائد على الشهر بين سبقه عليه ولحوقه به، ولعله كذلك وان كان الذي ينساق الى الذهن تعقيب الشهر بيوم، الا ان التدبر يقضي بكون المراد صوم شهر ويوم كيفما كان. (و) على كل حال (لا) يجوز لمن كان عليه شهران متتابعان أن يصوم (شوالا مع يوم من ذي القعدة ويقتصر) على ذلك (وكذا الحكم في ذي الحجة مع يوم آخر) من المحرم ضرورة نقصان الشهر بالعيد، فلا يحصل المطلوب باليوم، نعم لو صام يومين اتجه الاجزاء، لحصول الشهر ويوم كما هو واضح (وقيل) والقائل الشيخ والصدوق في المحكي عن مقنعة وابن حمزة: ان (القاتل في أشهر الحرم يصوم شهرين) متتابعين (منها وان دخل فيهما العيد وأيام التشريق لرواية زرارة) (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) " سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام قال: ويغلظ عليه الدية، وعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من اشهر الحرم، قلت: فانه يدخل في هذا شئ قال: وما هو قلت: يوم العيد وأيام التشريق، قال: يصوم فانه حق لزمه " ونحوه حسن زرارة الاخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا، لكن في المعتبر " وهي نادرة مخالفة لعموم الاحاديث المجمع عليها ومخصصة لها، ولا يقوى الخبر الشاذ على تخصيص العموم المعلوم على انه ليس فيه تصريح بصوم العيد، والامر المطلق بالصوم في الاشهر الحرم ليس بصريح في صوم عيدها، وأما أيام التشريق فلعله لم يكن بمنى، ونحن لا نحرمها الا على من كان بمنى " ونحوه في المختلف، بل في التذكرة " ان في طريقه سهل ابن زياد، وهو ضعيف، ومع ذلك فهو مخالف للاجماع " ونحوه عن المنتهى


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 - 2 الجواهر - 11

[ 89 ]

ومن ذلك يعلم الحال في الحسن عن زرارة (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) " قلت له رجل قتل رجلا في الحرم قال: عليه دية وثلث دية، ويصوم شهرين متتابعين من اشهر الحرم، ويعتق رقبة، ويطعم ستين مسكينا، قال: قلت: يدخل في هذا شئ قال: وما يدخل ؟ قلت: العيدان وأيام التشريق، قال: يصومه فانه حق لزمه " بل ارادة صوم الشهرين وانه لا يضر هذا الفصل بالتتابع أظهر من الاول لاتحاد ضمير " يصومه " والمتقدم فيه العيدان، مع انه ليس في هذه الاشهر الا الاضحى الا ان يريد بالاخر يوم الغدير وان لم يحرم صومه. (و) كيف كان فلا ريب في ان (الاول أظهر) واصح لقوة ما دل على تحريم الصوم في هذه الايام بحيث لا يصلح ذلك لمعارضتها، كما هو واضح. هذا كله في الواجب (و) أما (الندب من الصوم) على وجه يشمل المكروه، أو على ارادة ما عداه كالمحرم ف‍ (قد لا يختص وقتا كصيام أيام السنة فانه جنة) وسترة (من النار) لتسبيبه العفو عما يوجبها، وتقدم في أول الصوم ما يعلم منه ذلك (وقد يختص وقتا) معينا وهو كثير (و) لكن (المؤكد منه أربعة عشر قسما) بل أزيد من ذلك، الاول (صوم ثلاثة أيام من كل شهر اول خميس منه آخر خميس وأول أربعاء في العشر الثاني) فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد صام (2) حتى قيل ما يفطر، ثم أفطر حتى قيل ما يصوم، ثم صام صوم داود يوما ويوما لا، ثم قبض على صيام هذه الثلاثة التي تذهب المواظبة على صومها وجر الصدر ووسوسته، وتعدل صوم الدهر باعتبار عدل كل يوم منها عشرة أيام، لان من جاء بالحسنة فله عشر امثالها، وقد كان من قبلنا من الامم إذا نزل


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث - 2 (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 1

[ 90 ]

على احدهم العذاب نزل في هذه الايام، والذي يظهر من مجموع ما وصل الينا من النصوص أن الافضل ما ذكره المصنف وغيره من الكيفية المزبورة في صومها وان كان لها كيفيات أخر كصوم الخميسين بينهما أربعاء في العشرات الثلاثة لاطلاق الامر بذلك في بعض النصوص (1) الذي لا يعارضه المقيد في غيره (2) بعد حمله على شدة الاستحباب كما حرر في محله بالنسبة الى المندوبات من غير ملاحظة الاول والاخير، أو ذلك في شهر وأربعاء وخميس واربعاء في شهر آخر لخبر ابي بصير (3) " سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر، فقال: في كل عشرة أيام يوم الخميس وأربعاء وخميس، والشهر الذي يليه اربعاء وخميس وأربعاء " الحديث، أو الاربعاء والخميس والجمعة، أو الخميس بين اربعاءين، لخبر اسماعيل بن داود (4) قال: " سألت الرضا (عليه السلام) عن الصيام فقال ثلاثة أيام في الشهر الاربعاء والخميس والجمعة فقلت: ان أصحابنا يصومون أربعاء بين خمسين، فقال لا بأس بذلك، ولا بأس بخميس بين أربعاءين " الحديث، أو الاثنين والاربعاء والخميس، أو في كل عشرة يوما، لخبر ابي بصير (5) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم السنة فقال: صيام الثلاثة ايام من كل شهر الخميس والاربعاء والخميس، وان شاء الاثنين والاربعاء والخميس وان شاء في كل عشرة يوما، كان ذلك ثلاثين حسنة، وان أحب أن يزيد على ذلك فليزد " بل الظاهر الاكتفاء في أصل الاستحباب بصيام ثلاثة أيام


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 و 8 و 14 (3) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 - 1 (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 23

[ 91 ]

من الشهر متوالية أو متفرقة من أوله أو آخره، قال عمار بن موسى (1) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه الثلاثة أيام من الشهر هل يصلح له أن يؤخرها أو يصومها في آخر الشهر قال: لا بأس، قلت: يصومها متوالية أو يفرق بينها قال: ما أحب ان شاء متوالية وان شاء فرق بينها " وسأل على بن جعفر (2) أخاه (عليه السلام) " عن صيام الثلاة أيام في كل شهر تكون على الرجل يصومها متوالية أو يفرق بينها قال: أي ذلك أحب " وحمل ذلك على خصوص القضاء لا داعى إليه. وقد يظهر لك من ذلك كيفيات منعددة لصوم الثلاثة وان كان آكدها ما في المتن، ولا ينافيه مرسل الفقيه (3) " انه سئل العالم خميسان يتفقان في آخر العشر فقال: صم الاول فلعلك لا تلحق الثاني " وان حكي عن ابن ابي عقيل الفتوى به لا مكان حمله على كون الثاني يوم الثلاثين من الشهر، وحينئذ فيستحب صوم الاول، لاحتمال النقص في الشهر، مع ان المحكي عن ابن ادريس ان الخميس الاخير هو المؤكد صومه، فان جاء الشهر ناقصا فلا شئ عليه، ولعله لكثرة مادل (4) على أفضلية الخميس الاخير في العشر الاخير، والاول في العشر الاول وعلى كل حال فقد اقتصر في الدروس على ذكر بعض الكيفيات، قال: ويتأكد اول خميس في العشر الاول واول اربعاء في العشر الثاني وآخر خميس في العشر الاخر، وروي خميس بين أربعاءين ثم أربعاء بين خميسين كقول ابن الجنيد، وروي مطلق الخميس والاربعاء في الاعشار الثلاثة، والامر سهل حيث كان الامر مستحبا وكيف كان فيكره له فيها المجادلة والجهل والاسراع الى الحلف والايمان بالله، كما انه يستحب له احتمال من يجهل عليه، كل ذلك لقول الصادق (عليه السلام) في خبر الفضيل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 4 - 8 (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 4 - 0

[ 92 ]

ابن يسار (1): " إذا صام أحدكم الثلاثة ايام من الشهر فلا يجادلن أحدا، ولا يجهل ولا يسرع الى الحلف والايمان، بالله، وان جهل عليه احد فليحتمل ". (و) المشهور بل لا اجد فيه خلافا ان (من اخرها يستحب له القضاء) لقول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن سنان (2) " ولا يقضي شيئا من صوم التطوع إلا الثلاثة الايام التي كان يصومها من كل شهر، ولا يجعلها بمنزلة الواجب، إلا أني أحب لك ان تدوم على العمل الصالح " وغيره، الا انه ظاهر في مشروعية قضائها بمطلق الفوات كما أفتى به في الدروس وغيرها، لكن في المدارك " ولو كان الفوات لمرض أو سفر لم يستحب قضاؤها، لما رواه الكليني في الصحيح عن سعد ابن سعد الاشعري (3) عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) " سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر هل فيه قضاء على المسافر ؟ قال: لا " وإذا سقط القضاء على المسافر سقط عن المريض بطريق أولى، لانه اعذر منه " قلت: يمكن حمله على عدم التأكد أو الوجوب، لخبر عذافر (4) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) اصوم هذه الثلاثة الايام في الشهر فربما سافرت وربما اصابتني علة فيجب علي قضاؤها، فقال لي انما يجب قضاء الفرض واما غير الفرض فأنت فيه بالخيار في السفر والمرض، قال وقال: المرض قد وضعه الله عزوجل عنك والسفران شئت فاقضه، وان لم تقضه فلا جناح عليك " وضعف سنده غير قادح هنا، ولعل نفيه في المرض محمول على ارادة التأكيد أيضا، لخبر داود بن فرقد (5) عن ابيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث " فيمن ترك صوم ثلاثة أيام في كل شهر فقال: ان كان من مرض فإذا برأ فليقضه


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب آداب الصائم - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 - 3 - 5 (5) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 1

[ 93 ]

وان كان من كبر أو عطش فبدل كل يوم مد " هذا، وفي الروضة انه ان قضاها في مثلها من الايام أحرز فضيلتهما أي الاداء والقضاء، ولم اره لغيره، قيل: ولعله لما عرفت من ان العلة في استحباب صومها عرض الاعمال وهو صائم، أو استدفاع العذاب، لكنه كما ترى لا يصلح قاطعا لاصالة عدم تداخل الاسباب فهو حينئذ مشكل، كالمحكي عن شرح الارشاد لفخر الاسلام الصائم لرمضان أو النذر العين إذا كان فيه احد الايام الثلاثة التي يستحب ان يصومها من كل شهر وايام البيض يحصل له ثواب الواجب والمندوب معا، وكيف نية الواجب عن المندوب ودخل المندوب ضمنا، وكذا لو صام قضاء شهر رمضان أو النذر المعين أو الكفارات أو أي صوم كان من الواجبات في الايام المندوبات، فانه يحصل له ثواب الصوم الواجب والمندوب معا، ويكفي فيه نية الواجب والمندوب، اللهم إلا ان يقال ان المستفاد من الادلة رجحان وجود طبيعة الصوم فيها واجبا أو غيره ومثله ليس من التداخل في شئ، لكن الكلام في استفادته، ولعله لما ورد من التعليل في صومها المنطبق على ذلك، فلا حظ وتأمل، والله أعلم. (و) كيف كان فلا خلاف ايضا نصا وفتوى في انه (يجوز تأخيرها اختيارا من الصيف الى الشتاء) قال الحسن بن ابي حمزة (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): صوم ثلاثة ايام في الشهر أؤخره في الصيف الى الشتاء فاني اجده اهون علي ؟ قال: نعم فاحفظها " ونحوه غيره، بل قد يستفاد من خبر الحسن ابن راشد (2) جواز تعجيلها، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) أو لابي الحسن (عليه السلام) الرجل يتعمد الشهر في الايام القصار يصومه لسنة قال: لا بأس " الا اني لم اجد من ذكره، بل في المدارك الاستدلال به على التأخير


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 2

[ 94 ]

المزبور الذي هو في الحقيقة من القضاء. (و) على كل حال ف‍ (ان عجز) عن صومها لكبرأ ونحوه أو شق عليه ذلك واشتد (استحب له ان يتصدق عن كل يوم بدرهم أو مد من طعام) كما استفاضت به النصوص (1) بل قد يستفاد منها استحباب هذا الفداء لترك صومها على كل حال، ولذا خير بينه وبين القضاء في الدروس، وهو جيد وإن كان ما في سؤال كثير منها المشقة والشدة ونحوهما، إلا ان خصوص المورد لا يخصص الوارد، بل خبر يزيد بن خليفة (2) ظاهر في غير ذلك أيضا، قال: " شكوت الى ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت: اني اصدع إذا صمت هذه الثلاثة الايام وشق علي قال: فاصنع كما اصنع، فاني إذا سافرت تصدقت عن كل يوم بمد من قوت اهلي الذي اقوتهم به " كما انه يستفاد من خبر عمر بن يزيد (3) كراهة ترك الصوم مع القدرة والعدول الى الفداء، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) ان الصوم اشد علي فقال لي: الدرهم تصدق به أفضل من صيام يوم، ثم قال: وما أحب ان تدعه " ولا ينافي ذلك ما استفاض في النصوص (4) ان الصدقة بدرهم افضل من صيام يوم بعد امكان ارادة مطلق اليوم منه لا أحد الثلاثة ومن ذلك كله يظهر لك شدة الندب في صيام هذه الثلاثة، وانها دون الوجوب بيسير، والله أعلم. (و) الثاني (صوم ايام) الليالي (البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر) عند العلماء كافة كما عن المنتهى والتذكرة للمروي في محكي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 0 - 2 - 3 (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 و 6

[ 95 ]

العلل بسنده الى ابن مسعود (1) " سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: ان آدم لما عصى ربه ناداه مناد من لدن العرش يا آدم اخرج من جواري، فانه لا يجاورني أحد عصاني، فبكى وبكت الملائكة، فبعث الله عزوجل جبرئيل فأهبطه الى الارض مسودا، فلما رأته الملائكة ضجت وبكت وانتحبت وقالت: يا رب خلقا خلقته ونفخت فيه من روحك واسجدت له ملائكتك، بذنب واحد حولت بياضه سوادا، فنادى مناد من السماء ان صم لربك اليوم، فصام فوافق يوم صومه يوم ثلاثة عشر من الشهر، فذهب ثلث السواد، ثم نودي يوم الرابع عشر ان صم لربك اليوم فصام فذهب ثلثا السواد، ثم نودي في يوم خمسة عشر بالصيام فصام فاصبح وقد ذهب السواد كله، فسميت ايام البيض للذي رد الله عزوجل فيه على آدم من بياضه، ثم نادى مناد من السماء يا آدم هذه الثلاثة أيام جعلتها لك ولولدك من صامها في كل شهر فكأنما صام الدهر " الا انه قال الصدوق: هذا الخبر صحيح ولكن الله تبارك وتعالى فوض الى نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) امر دينه فقال عزوجل (2) " ما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا " فسن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكان أيام البيض خميسا في اول الشهر واربعاء في وسط الشهر وخميسا في آخر الشهر، وذلك صوم السنة، من صامها كان كمن صام الدهر، لقول الله عزوجل (3) " من جاء بالحسنة فله عشر امثالها " قال في المدارك ومقتضاه ان صوم هذه الايام منسوخ بصوم الخميس والاربعاء، وربما كان في بعض الروايات (4) المتضمنة صومها اشعار


(1) ذكره في الوسائل مقطعا في الباب - 12 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 وتمامه مذكور في علل الشرايع ج 2 ص 67 المطبوعة عام 1378 (2) سورة الحشر - الاية 7 (3) سورة الانعام - الاية 161 (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 16

[ 96 ]

بذلك، قلت: لكن فيه - مع عدم المنافاة بين استحبابها واستحباب تلك الثلاثة - ان الاجماع بقسميه على خلافه، نعم في الدروس انه يشعر خبر الزهري (1) بعدم تأكدها، ولعله لانه عدها من المخير ان شاء صام وان شاء أفطر، وفيه انه لم يذكر فيه الصوم المندوب قسما والمخير فيه قسما آخر حتى يكون فيه اشعار بذلك وانما اقتصر فيه على المخير وعد منه هذه الايام، فليس المراد منه الا عدم الوجوب والحرمة، هذا. وقد اعترف الفاضل وغيره بعدم العثور على نص من طرقنا يدل على استحبابها عدا خبر الزهري والخبر المزبور. قلت: لكن في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان (2) عن جعفر (عليه السلام) " ان عليا (عليه السلام) كان ينعت صيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: صام رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدهر كله ما شاء الله ثم ترك ذلك وصام صيام داود يوما لله ويوما له ما شاء الله ثم ترك ذلك فصام الاثنين والخميس ما شاء الله ثم ترك ذلك وصام البيض ثلاثة ايام من كل شهر فلم يزل ذلك صيامه حتى قبضه الله إليه " وفى المحكي عن الدروع الواقية لابن طاووس (3) عن كتاب تحف العقول تأليف عبد الرحمان بن محمد الحلواني عن على ابن ابي طالب (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اتاني جبرئيل فقال قل لعلي: صم من كل شهر ثلاثة ايام يكتب لك بأول يوم تصوم عشرة آلاف سنة والثاني ثلاثون الف سنة والثالث مأة الف سنة، قلت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله): لي ذلك خاصة أم للناس عامة ؟ فقال: يعطيك الله ذلك ولمن عمل مثل ذلك، فقلت: ما هي يا رسو الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: الايام البيض من كل شهر، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر " وقال ايضا وجدت في تاريخ نيسابور في ترجمة الحسن بن


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 (2) (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 - 3 والثانى عن الدروع الواقية نقلا من كتاب تحفة المؤمن

[ 97 ]

جعفر (1) باسناده الى الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) قال: " سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن صوم أيام البيض فقال: صيام مقبول غير مردود " ودعوى ان لمراد بايام البيض الثلاثة الايام أي الخميسان بينهما اربعاء للمحكي عن ابن ابي عقيل " فاما السنة من الصيام فصوم شعبان وصيام البيض وهي ثلاثة في كل شهر متفرقة اربعاء بين خميسين: الخميس الاول من العشر الاول والاربعاء الاخر من العشر الاوسط وخميس من العشر الاخير " كما ترى لا تنطبق على ما جاء في وجه التسمية في اللغة والخبر وغيرها، والظاهر الاجتزاء بما كان منها أول اربعاء عنها وعن ثاني الثلاثة، وليس من التداخل في شئ، بل من اجتماع عنوان الامرين، والله أعلم. (و) الثالث (صوم يوم الغدير) وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الذي نصب فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) اماما للناس وعلما لهم (2) وقد قال الصادق (عليه السلام) في خبر الحسن بن راشد (3): " ان صومه يعدل ستين شهرا " وزاد في آخر (4) " من اشهر الحرم " بل قال في خبر العبدي (5): " انه يعدل مأة حجة ومأة عمرة مبرورات متقبلات " وقال أيضا في خبر المفضل ابن عمران (6): " صومه كفارة ستين سنة " وفي خبره الاخر (7): " من صامه كان افضل من عمل ستين سنة " الى غير ذلك مما ورد في فضله وفي ذكر من صامه من الانبياء والاوصياء الذين نصبوا فيه، وفي ذكر ما وقع فيه في الازمنة السابقة مما فيه قوة الدين وكسر شوكة الكافرين والمنافقين، ومن أعجب ما اتفق فيه نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) علما للعباد وقد خذلوه الى أن


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 4 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 0 - 2 - - 10 - 4 - - 8 - 7

[ 98 ]

قتل عثمان فيه وبايع الناس امير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك اليوم وتمام، النعرض لشرح هذا اليوم ليس هذا محله، فليطلب من مظانه. (و) الرابع (صوم) يوم (مولد النبي (صلى الله عليه وآله)) وهو سابع عشر من شهر ربيع الاول على المشهور لخبر اسحق بن عبد الله (1) عن ابي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) في حديث " ان الايام التي يصام فيها اربع: يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله) يوم سابع عشر من شهر ربى الاول " وفي المصباح (2) روي عنهم (عليهم السلام) " انهم قالوا من صام يوم السابع عشر من شهر ربيع الاول كتب الله له صيام سنة " وفي خبر العريضي (3) " ركب ابي وعمومتي الى ابي الحسن (عليه السلام) وقد اختلفوا في الايام التي تصام في السنة وهو مقيم بقرية قبل مسيره الى سر من رأى فقال لهم: جئتم تسألون عن الايام التي تصام في السنة فقالوا: ما جئناك الا لهذا فقال: اليوم السابع عشر من ربيع الاول وهو اليوم الذي ولد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) واليوم السابع والعشرون من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) واليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة، وهو اليوم الذي دحيت فيه الارض من تحت الكعبة، واليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير " وعن المفيد في مسار الشيعة اليوم السابع عشر من ربيع الاول كان مولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يزل الصالحون من آل محمد (صلى الله عليه وآله) على قديم الاوقات يعظمونه ويعرفون حقه


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 عن اسحاق بن عبد الله ايضا إلا انه سهو فان الموجود في التهذيب ج 4 ص 305 الرقم 922 عن ابى اسحاق بن عبد الله كما هو كذلك في الوسائل في الباب - 14 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 3 والباب 3 والباب - 15 - منها الحديث 6 (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 - 3

[ 99 ]

ويرعون حرمته ويتطوعون بصيامه، قال: وروي (1) عن أئمة الهدى (عليه السلام): انهم قالوا: " من صام يوم السابع عشر من شهر ربيع الاول وهو مولد سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب الله له صيام سنة " وقال في المقنعة: " ورد الخبر (2) عن الصادقين (عليهم السلام) بفضل صيام اربعة ايام في السنة: يوم السابع عشر من ربيع الاول، وهو اليوم الذي ولد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ان قال: ويوم السابع والعشرين من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه، فمن صامه كتب الله له صيام ستين سنة، ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة دحيت الارض، ويوم الغدير نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) اماما " وفى المحكى عن روضة الواعظين روى (3) " ان يوم السابع عشر من ربيع الاول يوم مولد النبي (صلى الله عليه وآله) فمن صامه كتب الله له صيام ستين سنة " فما عن الكليني - من انه يوم الثاني عشر منه كما عن المشهور (الجمهور ظ) بل عن حاشية القواعد للشهيد الثاني ولعله اثبت - غير واضح. (و) الخامس (يوم مبعثه) وهو اليوم السابع والعشرين من رجب للخبر السابق (4) وخبر الحسن بن راشد (5) عن الصادق (عليه السلام) " لا تدع صيام سبعة وعشرين من رجب، فانه هو اليوم الذي انزلت فيه النبوة على محمد (صلى الله عليه وآله) وثوابه مثل ستين شهرا لكم " بل قال (عليه السلام) في خبر عبد الله بن طلحة (6): " من صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب الله له صيام سبعين سنة " وقال أيضا في خبر كثير النوا (7) " في اليوم السابع والعشرين منه أي رجب نزلت النبوة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 - 6 - 7 مع الاختلاف في لفظ الثاني (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 3 (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 3 - 4

[ 100 ]

على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من صام هذا اليوم كان ثوابه ثواب من صام ستين شهرا " كقول ابى الحسن الاول (عليه السلام) في مرسل سهل بن زياد (1) الى غير ذلك من النصوص التي لا ينافيها ما في خبر الحسن بن بكار الصيقل (2) عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) بعث الله محمد (صلى الله عليه وآله) لثلاث ليال مضين من رجب وصوم ذلك اليوم كصوم سبعين عاما " بعد ما حكي عن سعد انه قال كان مشايخنا يقولون إن ذلك غلط من الكاتب، وانه لثلاث يقين من رجب. (و) السادس (يوم دحو الارض) من تحت الكعبة، وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة الذي في ليلته ولد ابراهيم (عليه السلام) وولد عيسى (عليه السلام) وفي خبر الوشا (3) " وفيها دحيت الارض من تحت الكعبة، من صام ذلك اليوم كان كمن صام ستين شهرا " وارسل الصدوق (4) عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) انه قال: " في خمس وعشرين من ذي القعدة انزل الله الكعبة البيت الحرام، فمن صام ذلك اليوم كان كفارة سبعين سنة، وهو اول يوم انزل الله فيه الرحمة من السماء على آدم (عليه السلام) وفي مرسل سهل بن زياد (5) عن ابي الحسن الاول (عليه السلام) في حديث قال: " وفي خمس وعشرين من ذي القعدة وضع البيت، وهو اول رحمة وضعت على وجه الارض، فجعله الله عزوجل مثابة للناس وأمنا، من صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرا " وقال محمد بن عبد الله


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 وفي النسخة الاصيلة ".. من رجب وورد صوم ذلك اليوم لصوم سبعين عاما " (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 2 - 4

[ 101 ]

الصيقل (1): " خرج علينا أبو الحسن الرضا (عليه السلام) في يوم خمس وعشرين من ذي القعدة فقال: صوموا فاني اصبحت صائما، قلنا: جعلنا فداك أي يوم هو ؟ قال: يوم نشرت فيه الرحمة ودحيت فيه الارض ونصبت فيه الكعبة وهبط فيه آدم " وعن عبد الله بن عباس (2) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خلال حديث: " انزل الله الرحمة ليال يقين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم كان كصوم ستين سنة " وعن ابن طاووس بسنده الى عبد الرحمان السامي (3) عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) قال: " اول رحمة نزلت من السماء الى الارض في خمس وعشرين من ذي القعدة، فمن صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة فله عبادة سنة صام نهارها وقام ليلها " وعنه انه قال في رواية (4) " خمس وعشرين ليلة من ذي القعدة انزلت الرحمة من السماء، وانزل تعظيم الكعبة على آدم، فمن صام ذلك اليوم استغفر له كل شئ بين السماء والارض " وفي خبر اسحاق بن عبد الله (5) عن ابي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) في حديث قال: " الايام التي يصام فيهن أربعة - الى ان قال - ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة فيه دحيت الارض " الى غير ذلك من النصوص، وحينئذ فلا اشكال في تأكد صومه


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 8 عن عبد الله بن مسعود وفيه " كان كصوم سبعين سنة " (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 7 - 9 - وفي الاول " عبادة مائة سنة " (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 6 هكذا في الوسائل الا ان الصحيح أبو اسحاق بن عبد الله كما تقدم الاشارة إليه في ص 98

[ 102 ]

نعم في المحكي عن حاشية القواعد لثاني الشهيدين دحو الارض بسطها والمراد هنا بسطها من تحت الكعبة، وهو يقتضى خلق الكعبة قبل بسط الارض والموجود في الرواية (1) انه في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وفي بعض الروايات (2) دحو الكعبة لا الارض، وكلها ضعيفة جدا والحكم بها مشكل لما علم من ان الله تعالى خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام، وان المراد من اليوم دوران الشمس في فلكها دورة واحدة، وهو يقتضي خلق السموات قبل ذلك، فلا يتم عد الاشهر في تلك المدة، مع ان ابن بابويه روى (3) ان الكعبة انزلت يوم التاسع والعشرين من ذلك الشهر، واثبات مثل هذه الاحكام المتناقضة بالاخبار الضعيفة بعيد وان اشتهرت، فرب مشهور لا اصل له، وقد يدفع بأن دحوها غير خلقها، لقوله تعالى (4): " بعد ذلك دحاها " واما دحو الكعبة فبمعنى دحو الارض من تحتها، أو على ظاهره ولا منافاة، فان الارض قبل الدحو انما كانت موضع الكعبة، فدحوها هو دحو الارض بعينه، وأما رواية (5) نزول الكعبة في يوم التاسع والعشرين فالمراد بها الياقوتة أو الدرة التي كانت هناك قبل الطوفان كما ورد في الاخبار (6) ويفهم منها انها الكعبة والقطعة من الارض موضعها، فالمراد بها في اخبار النزول هي الجوهرة، وفي اخبار الدحو موضعها، والله اعلم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 - 6 (3) و (5) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 (4) سورة النازعات - الاية 30 (6) البحار المجلد 22 ص 14 و 15 من طبعة الكمپاني

[ 103 ]

(و) السابع (صوم يوم عرفة) وهو اليوم التاسع من ذى الحجة (لمن لم يضعفه) الصوم عما عزم عليه (من الدعاء) كما وكيفا (ويحقق الهلال) على وجه لا يقع في صوم العيد، لخبر سليمان الجعفري (1) " سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول كان ابي يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف، ويأمر بظل مرتفع فيضرب له فيغتسل مما يبلغ منه الحر " وارسل الصدوق (2) عن الصادق انه قال: " صوم يوم التروية كفارة سنة، وصوم يوم عرفة كفارة سنتين " بل قال: روي (3) " ان في تسع من في الحجة نزلت توبة داود، فمن صام ذلك اليوم كان كافرة تسعين سنة " وفي صحيح ابن مسلم (4) عن احدهما (عليه السلام) " انه سئل عن صوم عرفة فقال: أنا أصومه " وفي خبر عبد الرحمان (5) عن ابي الحسن (عليه السلام) " صوم يوم عرفة يعدل السنة " الى غير ذلك من النصوص التي لا ينافيها وقوع ترك صومه من بعضهم (عليهم السلام) المحتمل كونه للضعف عن الدعاء، ومخافة الوقوع في صوم العيد، ومخافة النأسي به، فيكون واجبا، كما نص عليه الحسين (عليه السلام) في خبر سالم (6) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " اوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى علي (عليه السلام) وحده، واوصى علي (عليه السلام) الى الحسن والحسين (عليهما السلام) جميعا، فكان الحسن امامه، فدخل رجل يوم عرفة على الحسن (عليه السلام) وهو يتغدى والحسين (عليه السلام) صائم، ثم جاء بعد ما قبض الحسن (عليه السلام) فدخل على الحسين (عليه السلام) يوم عرفة وهو يتغدى وعلي بن الحسين (عليه السلام) صائم فقال له الرجل: إنى دخلت على الحسن (عليه السلام) وهو يتغدى وانت صائم ثم دخلت عليك وانت مفطر، فقال: ان الحسن (عليه السلام) كان اماما فافطر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الصوم المندوب 3 - 11 - 10 - 1 - 5 - 13

[ 104 ]

لئلا يتخذ صومه سنة وليتأسى به الناس، فلما قبض كنت انا الامام فاردت أن لا يتخذ صومي سنة فيتأسى الناس بي " ولعله على ذلك ينزل خبر محمد بن مسلم (1) " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يصم يوم عرفة منذ نزل صيام شهر رمضان " وعلى ان المراد لم يصمه بعنوان الوجوب، أو لانه يضعفه عن الدعاء، فان الذي يظهر من النصوص ان الدعاء فيه افضل من صومه قال محمد بن مسلم (2) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صوم يوم عرفة فقال: من قوي عليه فحسن ان لم يمنعك من الدعاء فانه يوم دعاء ومسألة فصمه وان خشيت ان تضعف عن ذلك فلا تصمه " وقال سدير (3) " سألته ايضا عن صوم يوم عرفة فقلت: جعلت فداك انهم يزعمون انه يعدل صوم السنة قال: كان أبي لا يصومه، قلت: ولم ذاك جعلت فداك ؟ قال: انه يوم دعاء مسألة، واتخوف ان يضعفني عن الدعاء واكره ان اصومه، واتخوف ان يكون يوم عرفة يوم اضحى وليس بيوم صوم " ومنه يعلم الوجه في اعتبار تحقق الهلال في استحباب صومه: كما انه يمكن ان يكون الترك من بعض أئمتنا (عليهم السلام) لصومه لغلبة كونه عيدا في تلك الازمنة كما عن الصادق (عليه السلام) (4) " انه لما قتل الحسين (عليه السلام) امر الله ملكا ينادي أيتها الامة الظالمة القاتلة عترة نبيها لا وفقكم الله لصوم ولا فطر " وفي حديث آخر (5) " لا وفقكم الله لفطر ولا اضحى " بل مقتضاه كالخبر السابق كراهية صومه في الحالين المزبورين المنزل عليهما


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 - 4 - 6 (4) و (5) الفقيه ج 2 ص 54 - الرقم 236 - 237 الجواهر - 13

[ 105 ]

خبر زارة (1) عن الصادقين (عليهما السلام) " لا تصم في يوم عاشورا ولا عرفة بمكة ولا في المدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الامصار " والله أعلم. (و) الثامن بلا خلاف اجده فيه، بل في ظاهر الغنية الاجماع عليه (صوم) يوم (عاشوراء) وهو اليوم العاشر من المحرم الذي قتل فيه أبو عبد لله (عليه السلام) لا التاسع كما عن ابن عباس في أحد النقلين عنه، لخبر ابي همام (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) (صام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم عاشورا " وخبر عبد الله بن ميمون القداح (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " صيام يوم عاشوراء كفارة سنة " وخبر مسعدة بن صدقة (4) عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) " ان عليا (عليه السلام) قال: صوموا العاشوراء التاسع والعاشر فانه يكفر ذنوب سنة " وخبر كثير النوا (5) عن الباقر (عليه السلام) " لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجودي فامر نوح من معه من الجن والانس ان يصوموا ذلك اليوم " الحديث. لكن قيده المصنف وجماعة بأن يكون (على وجه الحزن) لمصاب سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام) وما جرى عليه في ذلك اليوم مما ينبغي لوليه ان يمنع نفسه عن الطعام والشراب طول عمره فضلا عن ذلك اليوم، لا أن يكون على جهة التبرك والشكر كما يصنعه بنو أمية واتباعهم، وبذلك جمع الشيخان وغيرهما بين ما سمعت وبين النصوص المتضمنة للنهي عن صومه، كصحيح زرارة ومحمد بن مسلم (6) " سألا الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم فقال (عليه السلام)


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 6 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 3 - 2 - 5 (6) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 2 وهو خبر أبان عن عبد الملك.

[ 106 ]

تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) وأصحابه بكربلا، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأنا خوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها واستضعفوا الحسين (عليه السلام) واصحابه كرم الله وجوههم، وايقنوا ان لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر ولا يمده اهل العراق، بابى المستضعف الغريب، ثم قال: واما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (عليه السلام) صريعا بين اصحابه، واصحابه صرعى حوله، افصوم يكون في ذلك اليوم ؟ كلاورب البيت الحرام ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على اهل السماء واهل الارض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد واهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الارض خلا بقعة الشام، فمن صام أو تبرك به حشره الله تعالى مع آل زياد ممسوخ القلب ومسخوطا عليه، ومن اذخر فيه الى منزله ذخيرة أعقبه الله نفاقا في قلبه الى يوم يلقاه، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك " وخبر جعفر بن عيسى (1) " سألت الرضا (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء وما يقول الناس فيه، فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني، ذلك يوم صامه الا دعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السلام) وهو يوم يتشأم به آل محمد (صلى الله عليه وآله) ويتشأم به أهل الاسلام، واليوم الذي يتشأم به لا يصام ولا يتبرك به، ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله فيه نبيه (صلى الله عليه وآله)، وما اصيب آل محمد (صلى الله عليه وآله) إلا يوم الاثنين، فتشأمنا منه وتبرك به عدونا، ويوم عاشوراء قتل فيه الحسين (عليه السلام) وتبرك به ابن مرجانة وتشأم به آل محمد (صلى الله عليه وآله) فمن صامهما أو تبرك بهما لقى الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب، وكان محشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما " وخبر يزيد الترسي (2) قال: " سمعت عبيد بن زرارة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 3 - 4 والثانى عن زيد النرسي

[ 107 ]

يسأل الصادق (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد، قال: قلت وما كان حظهم من ذلك قال: النار أعاذنا الله من النار ومن عمل يقرب من النار " وخبر نجية بن الحرث العطار (1) " سألت الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة قال: نجية فسألت الصادق (عليه السلام) من بعد ابيه فأجابني بمثل جواب أبيه، ثم قال: أما انه صوم يوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين (عليه السلام) " ومنه يعلم ان صومه كان واجبا خلافا لابي حنيفة، وخبر زرارة (2) عن الباقر (عليه السلام) ايضا " لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة " وقد تقدم، وخبر الحسين بن ابي منذر (3) عن ابيه عن الصادق (عليه السلام) " سألته عن صوم عرفة فقال: عيد من أعياد المسلمين ويوم دعاء ومسألة، قلت: فصوم عاشوراء قال: ذلك يوم قتل فيه الحسين (عليه السلام) فان كنت شامتا فصم، ثم قال: ان آل أمية نذروا نذرا ان قتل الحسين (عليه السلام) ان يتخذوا ذلك عيدا لهم، فيصومون شكرا ويفرحون، فصارت في آل سفيان سنة الى اليوم، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح ذلك اليوم، ثم قال ان الصوم لا يكون للمصيبة، ولا يكون إلا شكرا للسلامة، وان الحسين (عليه السلام) أصيب يوم عاشوراء، فان كنت فيمن أصيب به فلا تصم وان كنت ممن سره سلامة بني أمية فصم شكرا الله ". بل جزم بعض متأخرى المتأخرين بالحرمة ترجيحا لهذه النصوص وحملا لتلك على التقية، وأن صوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما كان قبل نزول شهر رمضان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 - 6 (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 7 وهو عن الحسين بن أبي غندر عن أبيه

[ 108 ]

لا على الوجه المزبور الذي قد ينافيه قول الصادق (عليه السلام) (1) " ان الصوم لا يكون للمصيبة " الى آخره. لكن فيه - مع انه مناف لظاهر اتفاق الاصحاب ومعلومية حصر الحرمة في غيره - ان أقصى ما يستفاد من هذه النصوص الكراهة خصوصا بعد جمعه مع الاثنين ومع يوم عرفة، كمعلومية أن المذموم والمنهي عنه اتخاذه كما يتخذه المخالفون والتبرك به واظهار الفرح والسرور فيه، لا أن المنهي عنه مطلق صومه وانه كالعيد وأيام التشريق وإلا لم يكن ليخفى مثل ذلك على زرارة ومحمد بن مسلم حتى يسألا عنه، ضرورة حينئذ كونه كصوم العيدين، نعم قد يقال بنفي التأكد عنه لمشاركته في الصورة لا عداء الله وان اختلفت النية، بل لعل ذلك انما يكون إذا لم يتمكن من افطاره ولو للتقية، فينوي فيه الوجه المزبور لا مطلقا، خصوصا مع ملاحظة خبر عبد الله بن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: " دخلت عليه يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر كاللؤلؤ المتساقط، فقلت يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مم بكاؤك لا ابكى الله عينيك، فقال لى: أو في غفلة أنت ؟ أما علمت أن الحسين (عليه السلام) أصيب في مثل هذا اليوم ؟ فقلت يا سيدي فما قولك في صومه ؟ قال لي صمه من غير تبييت وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله صوم يوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فانه في ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل الرسول الله (صلى الله عليه وآله) وانكشف الملحمة عنهم " وخصوصا بعد ما روي (3) عن


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 7 (2) المستدرك - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 9 (3) علل الشرائع - ج 1 - الباب 162 - الحديث 3 - ص 217 الطبع الحديث

[ 109 ]

ميثم التمار في حديث طويل مما يدل على كذب ما ذكروا وقوعه فيه من خروج يونس من بطن الحوت، واستواء سفينة نوح على الجودي، وقبول توبة داود وتوبة آدم، ويوم فلق الله البحر لبني اسرائيل، وبه يظهر ضعف خبر كثير النوا (1) الذى روى ذلك، مضافا الى ما قيل فيه (2) من أنه بتري عامي قد تبرأ الصادق (عليه السلام) منه في الدنيا والاخرة، وعلى كل حال فلا ريب في جواز صومه سيما على الوجه الذى ذكره الاصحاب، وما في المسالك من أن مرادهم بصومه على جهة الحزن الامساك الى العصر كما في الخبر المزبور واضح الضعف، بل يمكن القطع بفساده بأدنى ملاحظة، والله أعلم. (و) التاسع صوم (يوم المباهلة) بأمير المؤمنين (عليه السلام) وزوجته وولديه (عليهما السلام) وهو اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، قيل وهو الذي تصدق فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه في ركوعه (3) فنزل قوله تعالى (4): " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " واظهر الله فيه نبيه (صلى الله عليه وآله) على خصمه (5) كما أنه ظهر فيه قرب سيدنا علي (صلوات الله عليه) من ربه وأنه نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6) فهو حينئذ أشرف الايام الذي ينبغي فيه الصيام


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 (2) راجع رجال الكشي في ترجمة كثير النوا (3) البحار - ج 35 ص 190 الطبع الحديث (4) سورة المائدة - الاية 60 (5) ارشاد المفيد ص 78 والبحار المجلد 6 - الباب 62 ص 639 والمجلد 9 الباب 7 من طبعة الكمپاني وص 257 من ج 35 الطبع الحديث (6) البحار - ج 35 ص 257 الطبع الحديث

[ 110 ]

شكرا لهذه النعم الجسام والمنن العظام. (و) العاشر والحادي عشر (صوم كل خميس) لانه اليوم الذي تعرض فيه الاعمال (وكل جمعة) لخبر الزهري (1) عن علي بن الحسين (عليهما السلام) " وأما الصوم الذي يكون صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الخميس والجمعة والاثنين " وقول الرضا (عليه السلام) في المحكي عن العيون (2) بسنده إليه " من صام يوم الجمعة صبرا واحتسابا أعطي ثواب صيام عشرة أيام غرر زهر لا تشاكل أيام الدنيا " وخبر هشام (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في رجل يريد أن يفعل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة، فان العمل يوم الجمعة يضاعف " وقال عبد الله بن سنان (4): " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) صائما يوم الجمعة فقلت له: جعلت فداك ان الناس يزعمون انه يوم عيد، فقال: كلا انه يوم خفض ودعة " وللمحكي من فعله من خبر محمد بن مروان (5) عن الصادق (عليه السلام) " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم، ثم صام يوما وأفطر يوما، ثم صام الاثنين والخميس، وكان (عليه السلام) يقول: ذلك صوم الدهر " الحديث، وفي خبر أنس بن مالك (6) المروي في المقنعة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة تسعمائة سنة " لكن عن ابن الجنيد ان صوم الاثنين والخميس منسوخ، وصوم السبت منهي عنه عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وفيه كما في المختلف وكذا الدروس انه لم يثبت عندنا


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 2 - 4 - 5 (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 مع الاختلاف (6) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 4

[ 111 ]

شئ من ذلك، ولم يذكر المشهورون من علمائنا ذلك، نعم روى جعفر بن عيسى (1) عن الرضا (عليه السلام) ما سمعته سابقا في صوم عاشوراء، فان صح كان صوم الاثنين مكروها لا منسوخا، وإلا فلا، وكذا ما حكي عنه أيضا من انه لا يستحب إفراد يوم الجمعة بصيام، فان تلا به ما قبله أو استفتح جاز، نحو ما رواه الجمهور عن أبي هريرة الكذاب (2) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا قبله أو بعده " وروايتهم (3) " انه سأل رجل جابر بن عبد الله وهو يطوف فقال له: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن صيام يوم الجمعة قال: نعم ورب الكعبة " وفي شرح الاصبهاني انه ان صح يمكن حمله على كراهيته لمن يضعفه عن الفرائض ونوافل الجمعة والادعية واداء صلاتها على وجهها والسعي، وهو كما ترى انما يحتمل في الاخير دون الاول الموافق للمروي (4) عن العيون بسنده الى آدم بن فيضة عن الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لا تفرد الجمعة بصوم " كما أن ما في الوسائل - من احتمال الاول النسخ، والتأويل بارادة نفي الوجوب، وكون الاستثناء منقطعا، أو الكراهة، أو نفي تأكد الاستحباب قال: وهما متقاربان - لا يخفى عليك ما فيه، فليس حينئذ إلا الطرح أو نحوه للقصور، خصوصا بعد اعتضاد الاول بفتوى الاصحاب، أو يحمل على الزيادة في التأكد كما أومأ إليه الشيخ في المصباح، قال: روي الترغيب في صومه إلا


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 3 (2) و (3) صحيح مسلم ج 3 ص 154 " باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردا " الحديث 3 - 1 من كتاب الصيام (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 3 عن دارم بن قبيصة

[ 112 ]

ان الافضل ان لا ينفرد بصومه الا بصوم يوم مثله قبله، والامر سهل. (و) الثاني عشر (اول ذي الحجة) لمرسل سهل (1) عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) " في أول يوم من ذي الحجة ولد ابراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرا " ولا ينافيه ما في خبر الوشا (2) عن الرضا (عليه السلام) المتقدم " ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة ولد فيها ابراهيم (عليه السلام) لاحتمال كونه ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومرسل (3) ابن بابويه وغيره عن موسى بن جعفر (عليه السلام) " من صام اول يوم من ذي الحجة كتب الله له صوم ثمانين شهرا، فان صام التسع كتب الله له صوم الدهر " بل قال في المحكي عنه في كتاب ثواب الاعمال انه روي (4) " من صامه كان كفارة تسعين سنة " كما انه روي (5) فيه مسندا الى عائشة " ان شابا كان صاحب سماع وكان إذا أهل هلال ذي الحجة أصبح صائما، فارتفع الحديث الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فارسل إليه فدعاه فقال: ما يحملك على صيام هذه الايام ؟ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيام المشاعر وأيام الحج عسى الله أن يشركني في دعائهم، قال: فان لك بكل يوم تصومه عدل عتق مأة رقبة ومأة بدنة ومأة فرس يحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم التروية فلك عدل ألفي رقبة وألفي بدنة وألفي فرس يحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم عرفة فلك عدل ألفي رقبة وألفي بدنة وألفي فرس يحمل عليها في سبيل الله، وكفارة ستين سنة قبلها وستين سنة بعدها ".


(1) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 - 3 - 6 (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 1 (4) لم نجد ذلك في كتاب ثواب الاعمال وانما رواه في الوسائل عن الفقيه في الباب - 18 - من ابواب الصوم المندوب الحديث 5 الجواهر - 14

[ 113 ]

(و) الثالث عشر والرابع عشر (صوم رجب) كله أو بعضه ولو يوما منه أولا أو آخر أو وسطا (و) كذا (شعبان) بالضرورة من المذهب أو الدين، بل لا يمكن إحصاه ما ورد في فضل صومهما من سنة سيد المرسلين وعترته الهادين، كما لا يمكن إحصاه، ما وعد الله على ذلك إلا لرب العالمين، بل من شدة ما ورد في شعبان منهما ابتدع أبو الخطاب وأصحابه وجوبه، وجعلوا على إفطاره كفارة، ولعله لذا ترك كثير من الائمة (عليه السلام) صيامه مظهرين للناس بذلك عدم وجوبه في مقابلة بدعة أبي الخطاب لعنه الله، بل يستفاد مما ورد فيهما أحكام أخر متعلقة بهما كالاستغفار والصدقة (1) ونحوهما، كما يستفاد من النصوص ثبوت التأكد في غير ذلك ايضا كالنيروز (2) وأول يوم من المحرم وثالثه وسابعه (3) والتاسع والعشرين من ذي القعدة (4) وستة أيام بعد العيد (5) لكن في الدروس وفيها بحث ذكرناه في القواعد، وروي صحيحا (6) كراهة صيام ثلاثة بعد الفطر بطريقين، وصوم داود (عليه السلام) يوم ويوم لا ويوم (7) التروية (8) وثلاثة أيام للحاجة


(1) الوسائل - الباب - 27 و 30 - من ابواب الصوم للندوب (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الصوم المندوب (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 1 و 2 و 9 و 10 وفي الحديث الاخير " فادا أصحبت من تاسعه فأصبح صائما " (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الصوم المندوب (5) الوسائل - الباب - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 1 (6) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه (7) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب الصوم المندوب (7) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب الصوم المندوب (8) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 4 و 6

[ 114 ]

بالمدينة (1) ويوم النصف من جمادى الاولى (2) وغير ذلك لكن قد سمعت ما في الدروس في الستة الايام بعد الفطر، والاولى صومها بعد مضي الثلاثة لقول الصادق (عليه السلام) في خبر زياد بن أبي الجلال (3): " لا صيام بعد الاضحى ثلاثة أيام ولا بعد الفطر ثلاثة أيام، انها أيام أكل وشرب " وسأله (عليه السلام) ايضا عبد الرحمان بن الحجاج (4) عن اليومين بعد الفطر فقال له: " اكره لك ان تصومهما " كما ان حريز (5) روى عنهم (عليهم السلام) " إذا أفطرت من رمضان فلا تصومن بعد الفطر تطوعا إلا بعد ثلاثة يمضين " وان اقتصر المصنف منه على هذه الاربعة عشر، والله أعلم. هذا كله في الصوم المندوب (و) أما الصوم التأديب فقد عرفت فيما تقدم أنه (يستحب الامساك تأديبا وإن لم يكن صوما) شرعا، وهو المراد بصوم التأديب كما في خبر الزهري (6) (في سبعة مواطن: المسافر إذا قدم أهله أو بلدا يعزم فيه الاقامة عشرا فما زاد بعد الزوال أو قبله وقد أفطر، وكذا المريض إذا برئ) بعده أو قبله وقد تناول (وتمسك الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، وكذا المغمى عليه) من غير فرق فيها بين ما قبل الزوال وبعده كما تقدم الكلام فيها مفصلا (ولا يجب) عندنا (صوم النافلة بالدخول فيه) إلا في الاعتكاف على


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب المزار من كتاب الحج (2) مصباح المتهجد ص 554 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1 - 2 - 3 والاول عن زياد بن أبي الحلال والثاني عن ابي الحسن (عليه السلام) على ما في الكافي (6) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1

[ 115 ]

قول يأتي للاصل، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل (1) في الذي يقضي شهر رمضان: " إنه بالخيار إلى زوال الشمس، وإن كان تطوعا فانه إلى الليل بالخيار " وقوله (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان (2): " صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك وبين الليل متى شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك ان تفطر " إلى غير ذلك من النصوص التي لا أجد خلافا في الفتوى بمضمونها، بل الاجماع بقسميه عليه، فالنهي عن إبطال العمل في الاية (3) يجب تنزيله على غير ذلك بناء على شموله له (و) حينئذ ف‍ (له الافطار) في (أي وقت شاء و) لكن (يكره بعد الزوال) لخبر مسعدة بن صدقة (4) عن ابي عبد الله عن ابيه (عليه السلام) المحمول على ذلك أو نحوه لقصوره عن معارضة ما دل على الجواز من وجوه لا تخفى، قال: " إن عليا (عليه السلام) قال: الصائم تطوعا بالخيار ما بينه وبين نصف النهار، فإذا انتصف النهار فقد وجب الصوم " والمناقشة بأنه انما يدل على تأكد الندب بعد التجوز بلفظ الوجوب لا الكراهة يدفعها ان المفهوم الاول يقضي بكون المراد من الوجوب مجازا الراجح الفعل المكروه الترك، على انه قد يحتج لها بخبر معمر بن خلاد (5) عن ابي الحسن (عليه السلام) " قلت له: النوافل ليس لي ان افطر فيها بعد الظهر قال: نعم " والمناقشة باحتمال كون المراد من " نعم " أن لك أن تفطر نحوها في قوله: أليس الليل يجمع ام عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني نعم وأرى الهلال كما تراه * ويعلوه النهار كما علاني


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب وجوب الصوم الحديث 4 - 9 - 11 - 5 (3) سورة محمد (صلى الله عليه وآله) الاية 35

[ 116 ]

يدفعها انه لا ينافي الظهور الذي يكفي في غيرها من الاحكام فضلا عن الكراهة المبنية على التسامح، نعم ينبغي تقييدها بالافطار اقتراحا لا الاعم الشامل من دعي إلى طعام، فانه لا كراهة فيه، بل ربما كره له المضي على الصوم كما ستعرف. (و) أما القسم الثالث من الصوم ف‍ (المكروه) على حسب كراهة غيره من العبادت، وقد ذكر المصنف منه (أربعة): الاول ما عرفته سابقا من (صوم عرفة لمن) خشي أن (يضعفه عن الدعاء) الذي هو أفضل من الصوم (و) كذا يكره (مع الشك في الهلال) ولو لوجود غيم ونحوه مما يفيد التخوف أن يكون يوم أضحى، لصحيح محمد بن مسلم (1) وخبر سدير (2) المتقدمين سابقا. (و) الثاني ما تقدم سابقا من (صوم النافلة في السفر) عند المصنف وجماعة (عدا ثلاثة أيام بالمدينة للحاجة) وقد عرفت تحقيق الحال في ذلك، فلاحظ وتأمل. (و) الثالث (صوم الضيف نافلة من دون إذن مضيفه) كما في القواعد والدروس والمحكي عن سلار، ويقرب منه ما في الغنية من انه يستحب أن لا يصوم إلا باذنه، ونحوه ما في الوسيلة والمنتهى والتذكرة لخبر الزهري (3) عن علي بن الحسين (عليهما السلام) " والضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، قال


(1) و (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 4 - 6 وفي الاول النهي عن الصوم مع خوف الضعيف فقط، وأما الخوف عن كونه يوم أضحى فهو في خبر سدير كما تقدم في ص 104 (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1

[ 117 ]

رسول الله (صلى الله عليه وآله): من نزل على قوم فلا يصوم تطوعا إلا باذنهم " المحمول على ذلك، لعدم صلاحيته سندا لتقييد أصالة الجواز وعدم الاشتراط المستفادة من إطلاق الامر بالصوم الذي هو جنة من النار كالنهي (1) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلى (عليه السلام) التي اكثرها من ذلك، أو المستحب " يا علي لا تصوم المرأة تطوعا إلا باذن زوجها، ولا يصوم العبد تطوعا إلا باذن مولاه، ولا يصوم الضيف تطوعا إلا باذن صاحبه " خصوصا بعد إشعار " لا ينبغي " مع التعليل في خبر الفضيل بن يسار (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) بها، قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من اهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغى للضيف أن يصوم إلا باذنهم لئلا يعملوا الشئ فيفسد عليهم، ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلا باذن الضيف لئلا يحتشمهم، فيشتهي الطعام فيتركه لهم " بل لعلها تفوح ايضا من قول الصادق (عليه السلام) في خبر هشام بن الحكم (3) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، ومن طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا باذنه، ومن صلاح العبد وطاعته أن لا يصوم تطوعا إلا باذن مولاه وأمره، ومن بر الولد أن لا يصوم تطوعا إلا باذن أبويه وأمرهما، وإلا كان الضيف جاهلا وكانت المرأة عاصية وكان العبد فاسقا وكان الولد عاقا " وزاد في المروي (4) عن العلل في الاخير " ولا يحج تطوعا، ولا يصلي تطوعا " ضرورة كون المقصود منها المبالغة في تحقق الاوصاف المزبورة، لا ان المراد بيان المصداق، فاطلاق الشيخين وجماعة النهي عن الصوم


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه الحديث 4 - 2 - 3 (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1

[ 118 ]

بدون الاذن منزل على ذلك أو محجوج به كالذي في المعتبر والسرائر والنافع والارشاد والتلخيص والتبصرة من انه لا يصح، بل وزاد في الثاني يكون مأزورا لا مأجورا بل في الاول الاجماع عليه، وهو مع معارضته باجماع الغنية الذي يشهد له النتبع ويعضده ما عرفت واضح الضعف بعد مصيره نفسه إلى خلافه هنا، اللهم إلا ان ينزل على النهي فيكون كقوله في المتن: (والاظهر انه لا ينعقد مع النهي) وهو القول الثالث المفصل بين عدم الاذن فيكره، وبين النهي فلا ينعقد، وفيه ان الادلة المزبورة قد اعتبرت عدم الاذن الشامل للنهي وعدمه، فلا دليل حينئذ على النفصيل المزبور، اللهم إلا ان يقال بدلالة خبر هشام عليه باعتبار عدم تحقق العقوق والعصيان في الزوجة والعبد إلا بالنهي، وكذا الجهل فان المراد به الجهل بحق المضيف وما يجب رعايته من جانبه، فان صام بدون إذنه ولا علمه لم يحصل له انكسار قلب إلا إذا قدم ما يتناوله، فيمتنع منه، وهو غير لازم، فلا جهل بالصوم من غير علمه، وانما يكون إذا نهي فلم ينته، وهو كما ترى، فان الجهل لا يتعين ان يكون بالمعنى المذكور، ولو سلم فاقتضاؤه الفساد ممنوع، وأغرب من ذلك الاستدلال عليه بفحوى كراهة استدامة الصوم إذا دعي إلى طعام، فانها تقتضي مرجوحية الابتداء عند نهي المضيف، ولا تقع العبادة مرجوحة فانه لا يليق وقوعه من محصل، كما لا يليق بالخريت الماهر المتدبر العارف بأساليب كلامهم (عليهم السلام) وما يلحنون به من خطاباتهم ويرمزون به فهم غير الكراهة من هذه النصوص القاصرة عن إفادة غيرها سندا ودلالة، كما هو واضح. وعلى كل حال فقد قيل: إن الحكم باشتراط الاذن في الصوم صحة أو فضلا ثابت وإن جاء نهارا فلا يتمه إلا بالاذن، لاطلاق النص والفتوى ما لم تزل الشمس، فان زالت لم يشترط، لاطلاق النص والفتوى بكراهة الافطار بعده، وفيه أن بين الاطلاقين تعارض العموم من وجه، ودعوى ظهور الاطلاقات هنا في

[ 119 ]

ابتداء الصوم دون استدامته يمكن معارضتها أولا بظهور ذلك الاطلاق في الاشتراط من حيث الصوم نفسه لا من حيث الضيافة، وثانيا بأنها منافية لتعميم الاشتراط لما قبل الزوال، ولولا أن الكراهة مما يتسامح بها امكن القول بعدمها في الفرض للاصل، أما على الحرمة مطلقا أو مع النهي فالمتجه ذلك، فتأمل جيدا، والله أعلم. (وكذا يكره صوم الولد) وإن نزل في احتمال (من غير إذن والده) وإن علا كذلك كما في القواعد وكذا المنتهى والتذكرة لعين ما سمعته في الضيف خلافا للنافع والارشاد والتلخيص والتبصرة والدروس وشرح الارشاد لفخر الاسلام على ما حكي عن بعضها، فلم يصح لخبر هشام (1) المتقدم الدال على اعتبار إذن الوالدين معا، قيل: ويمكن حمل الوالد في كلام الاصحاب على الجنس الشامل للذكر والانثى والواحد والمتعدد، وهو كما ترى، فلا عامل به حينئذ على ظاهره، وهو مضعف آخر للعمل به، مضافا إلى ضعف سنده وغيره مما عرفت سابقا، ومن ذلك يظهر لك ضعف القول بعدم الصحة، بل لعله كذلك حتى مع النهي، لعدم ما يدل على وجوب طاعته في ذلك ما لم تستلزم إيذاء بذلك من حيث الشفقة التي لا فرق بين الوالد والوالدة معها، وهو خارج عن محل البحث، والله أعلم. (و) الرابع (الصوم ندبا لمن دعي إلى طعام) كما ذكره الفاضل والشهيد، لكن في المدارك وغيرها انه لم نقف على ما يدل عليها من النصوص، وانما تدل على أفضلية القطع التي حكى الاتفاق عليها في المعتبر، قال علي بن حديد (2):


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب الصائم - الحديث 7 عن علي ابن حديد عن عبد الله بن جندب

[ 120 ]

" قلت لابي الحسن الماضي (عليه السلام): أدخل على القوم وهم يأكلون وقد صليت العصر وأنا صائم فيقولون: أفطر فقال: افطر فانه أفضل " وقال الصادق (عليه السلام) في خبر داود (1): " لافطارك في منزل اخيك المسلم افضل من الصيام سبعين ضعفا أو تسعين ضعفا " والترديد من الراوي، أو تقسيم من الامام (عليه السلام) بحسب تفاوت الاخوة والاغراض والدواعي، وقال أبو جعفر (عليه السلام) (2): " من نوى الصوم ثم دخل على اخيه فسأله ان يفطر عنده فليفطر وليدخل عليه السرور، فانه يحسب له بذلك اليوم عشرة ايام، وهو قول الله عزوجل (3): من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " وقال (عليه السلام) ايضا في صحيح جميل (4): " من دخل على أخيه وهو صائم فأفطر عنده ولم يعلمه بصومه فيمن عليه كتب الله له صوم سنة " ولعله لذا قيد ابن إدريس الافضلية بعدم الاعلام، وفيه ان ذلك مستحب في مستحب، ويمكن ان يكون مراده إلى غير ذلك من النصوص التي لا تدل إلا على افضلية القطع من الصوم، والا كتفاء بذلك لاثبات الكراهة وإن كانت في العبادة غير واضح. نعم قد يستدل عليها مضافا إلى فتوى المصنف وغيره بها بما دل على النهي عن معارضة المؤمن وترك إجابته، بل قال الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة بن مهران (5): " إذا دخلت إلى منزل اخيك فليس لك معه امر " وقال (عليه السلام) ايضا في خبر الحسين بن حماد (6): " إذا قال اخوك: كل وانت صائم فكل ولا تلجئه إلى ان يقسم عليك " وكفى بذلك لمثها.


(1) و (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب الصائم - الحديث 6 - 1 - 4 - 14 - 11 وفي الثالث " قال أبو عبد الله (عليه السلام)... الخ " (3) سورة الانعام - الاية 161 الجواهر - 5

[ 121 ]

وكيف كان فقد قيل أيضا: إن مقتضى إطلاق النص والفتوى انه لافرق بين من هيأله طعاما وغيره، وبين من يشق عليه المخالفة وغيره، قلت: لكن قد يؤمي ما في بعضها مما هو كالتعليل لذلك بادخال السرور ونحوه إلى خلاف ذلك بل في خبر الحسين بن حماد (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أدخل على رجل وأنا صائم فيقول لي: أفطر فقال: إن كان ذلك أحب إليه فافطر ". وعلى كل حال فقد نص الفاضلان وغيرهما على اشتراط كونه مؤمنا، ولعله لكونه المتبادر من الاخ، ولانه الذي رعايته أفضل من الصوم. ثم إن الحكمة في الامطار ليست من حيث الاكل بل من حيث إجابة دعاء المؤمن وعدم رد قوله. وانما يتحقق الثواب على الافطار مع قصد الطاعة به لذلك ونحوه من إدخال السرور وغيره لا بمجرده: لانه عبادة يتوقف ثوابها على النية، فتأمل جيدا. وظاهر المصنف وغيره عدم الفرق في ذلك بين الصوم المندوب وغيره من الواجب الموسع كالقضاء، لاطلاق النص والتعليل بادخال السرور، وخبر عبد الله الخثعمي (2) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينوي الصوم فيلقاه اخوه الذي هو على أمره أيفطر ؟ قال: إن كان تطوعا أجزأه وحسب له، وإن كان قضاء فريضة قضاه " والله أعلم. (و) أما الصوم (المحظور) ف‍ (تسعة): الاول والثاني (صوم) يومي (العيدين) باجماع علماء الاسلام والنصوص المستفيضة (3) نعم قد استثني الشيخ من ذلك خصوص القاتل في أشهر


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب الصائم - الحديث 9 - 2 والثاني عن صالح بن عبد الله الخثعمي (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه

[ 122 ]

الحرم فانه يصوم شهرين منها وإن دخل فيهما العيد وأيام التشريق، وقد عرفت ضعفه فيما تقدم. (و) الثالث والرابع والخامس (أيام التشريق لمن كان بمنى) وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الغنية والمعتبر والتذكرة والمنتهى الاجماع عليه، وفي خبر الزهري (1) " وأما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر ويوم الاضحى وثلاثة ايام من ايام التشريق " وفى خبر زياد بن أبي الجلال (2) عن الصادق (عليه السلام) " لا تصم بعد الاضحى ثلاثة ايام، ولا بعد الفطر ثلاثة ايام إنها ايام أكل وشرب " وفى صحيح ابي ايوب عنه (3) (عليه السلام) ايضا " في رجل كان عليه صوم شهرين متتابعين في ظهار فصام ذا القعدة ودخل عليه ذو الحجة كيف يصنع ؟ قال: يصوم ذا الحجة كله إلا ايام التشريق في منى، ثم يقضيها في أول يوم من المحرم حتى يتم ثلاثة أيام " إلى غير ذلك من النصوص التي هي وإن كانت مطلقة كبعض الفتاوى لكن يجب تنزيلها على من كان بمنى، لصحيح معاوية بن عمار (4) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصيام ايام التشريق فقال: أما بالامصار فلا بأس، وأما بمنى فلا " وللاجماع في الروضة على عدم الحرمة لمن لم يكن بمنى، وربما لحظ المطلق أن جمعها كاف عن تقييد كونها بمنى لان أقل الجمع ثلاثة، وايام التشريق لا تكون ثلاثة إلا بمنى،


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب - المحرم والمكروه - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1 عن زياد بن ابي الحلال (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب بقية الصوم الواجب - الحديث 8 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1

[ 123 ]

أما في غيرها فيومان لا غير، إذ لا يجزى التضحية بعد اليومين ولا يستحب أو يجب التكبير إلا فيهما، وحينئذ يرتفع الخلاف في البين، ولا يكون قول المصنف هنا: (على الاشهر) إشارة إلى هذا الخلاف وإن كان قد يشهد له ما في المعتبر، بل هو إشارة إلى ما سمعته سابقا من خلاف الشيخ في خصوص القاتل في أشهر الحرم كما يشهد لذلك عبارته في النافع، فلاحظ وتأمل، وقد عرفت ضعفه فيما تقدم كما انك قد عرفت وتعرف إن شاء الله ضعف ما عن ابن الجنيد من جواز صيامها بدل كفارة الهدي، وما عن غيره من جواز صوم الثالث منها في ذلك، إذ الجميع كما ترى مناف لاطلاق النص والفتوى، هذا. وفي المسالك انه يمكن أن يعود قيد " على الاشهر " إلى ما دلى عليه إطلاق تحريم صوم هذه الايام لمن كان بمنى، فيكون إرشارة إلى خلاف من خص التحريم بالناسك أي بحج أو عمرة، قلت: لكن فيه إنا لم نجده لا حد قبل المصنف، نعم هو للفاضل في القواعد والارشاد وإن استشكل فيه في التحرير والتذكرة، وقد رده غير واحد باطلاق النص والفتوى، اللهم إلا ان يدعى انسياق ذلك منهما فيبقى إطلاق ما دل على الندب بحاله، لكنه لا يخلو من بحث، ويمكن على تكلف إرجاع القيد إلى جميع ذلك، والامر في ذلك كله سهل، هذا، وفى كشف الاستاذ أن صومها محرم لمن كان بمنى أو مكة على الاقوى، منذورة أولا، قضاء أولا مبعضة كأن يخرج منها أو يدخلها قبل الزوال أولا، وأما في غيرهما فلا بأس، ولا يخلو من بحث في البعض، والله أعلم. (و) السادس (صوم يوم الثلاثين من شعبان بنية الفرض) أي رمضان لورود النهي عنه، ولانه تشريع، وقد تقدم تفصيل الكلام فيه. (و) السابع (صوم) أيام مطلقة مثلا أو مخصوصة بعنوان الوفاء عن (نذر المعصية) بفعل محرم أو ترك واجب شكرا أو زجرا عن فعل الواجب أو

[ 124 ]

ترك المحرم لا زجرا عن العكس، فانه يصح حينئذ، والمايز النية، ولا خلاف أجده في حرمة الصوم، بل نسبه بعضهم إلى قطع الاصحاب، وقال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (1): " وصوم نذر المعصية حرام " كقول النبي (صلى الله عليه وآله) في وصيته (2) لعلي (عليه السلام) فيما رواه الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في خبر حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن ابيه جميعا عنه (عليه السلام)، كما انه لا ينبغي الاشكال في حرمة النذر إذا أو قعه بعنوان التقرب به، ضرورة كونه حينئذ تشريعا، وليس هو كنية المعصية التي يعفو الله عنها إذا لم تقع المعصية كما عساه يظهر من بعض متأخري المتأخرين، وربما كان في قول ابي جعفر (عليه السلام) في خبر ابي حمزة الثمالي (3) إشارة إليه، قال: " من صام شعبان كان طهرا له من كل زلة ووصمة قال: قلت: وما الوصمة ؟ قال: اليمين في المعصية، والنذر في المعصية " كصحيح محمد بن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) " انه سئل عن امرأة جعلت مالها هديا، وكل مملوك لها حرا إن كلمت أختها أبدا، قال تكلمها وليس هذا بشئ انما هذا وشبهه من خطرات الشياطين " بل ربما ظهر من الاصبهاني وغيره أن مبنى الحرمة في الصوم التي يتبعها الفساد التشريع ايضا، واليه يرجع ما في المدارك من انه لا ريب في عدم انعقاد هذا النذر وتحريم الصوم على هذا الوجه، لان الصوم يفتقر إلى القربة، وهذا مما لا يمكن التقرب به، قلت: لا يخفى عليك أن المتجه بناء على ذلك تعميم الحكم لكل صوم نذر لم ينعقد إذا جاء على هذا الوجه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 7 (4) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الايمان - الحديث 2

[ 125 ]

من غير فرق بين المعصية وغيرها، وهو مشكل باعتبار كون النهي لامر خارج عن حقيقة الصوم المأمور به لنفسه قبل النذر، وانما أفاده النذر إلزاما، فيمكن أن يقال بالصحة بعد فرض نية التقرب بالصوم وإن لاحظ مع ذلك حيثية النذر، نعم خرج من ذلك للنص والفتوى صوم نذر المعصية، ويبقى غيره على الاصل، بل قد يقال بالاقتصار على خصوص الصوم دون الصلاة ونحوها من العبادات، فتأمل جيدا. (وصوم الصمت) في شرعنا عند علمائنا أجمع كما في محكي التذكرة والمنتهي وغيرهما، وقال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (1): " وصوم الصمت حرام " كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما رواه أبو جعفر (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (2): " لا صمت يوما إلى الليل " كقوله (صلى الله عليه وآله) ايضا (3) في الوصية لعلي (عليه السلام) بالاسناد السابق: " ولا صمت يوما إلى الليل - إلى ان قال -: وصوم الصمت حرام " وقال (صلى الله عليه وآله) ايضا في خبر زيد بن علي عن أبيه عن علي (عليهم السلام) المروي عن معاني الاخبار (4): " ليس في أمتي رهبانية ولا سياحة ولا ذم يعني سكوت " إلى غير ذلك، وانما يحرم بأن ينوي الصوم ساكتا ولو في بعض اليوم، لا الصوم ساكتا ولو في تمام اليوم بدون جعله وصفا للصوم بالنية، فانه من المباحات، بل لو صمت ناويا بعد الصوم فانما المحرم التشريع بذلك إن لم يتعلق به غرض صحيح دون الصوم الذي صمت فيه، وأما صوم الصمت بمعنى نية الصوم عن الكلام خاصة فهو غير مراد هنا، ضرورة كون المراد بيان انواع الصوم


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه الحديث 2 - 3 - 4 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 2

[ 126 ]

بالمعنى المعروف دون هذا المعنى وإن كان هو حراما ايضا إذا لم يتعلق به غرض صحيح يوجبه أو يندبه. وكيف كان ففي المدارك ظاهر الاصحاب ان الصوم على هذا الوجه يقع فاسدا لمكان النهي، ويحتمل الصحة لصدق الامتثال بالامساك عن المفطرات مع النية، وتوجه النهي إلى الصمت المنوي ونيته، وهو خارج عن حقيقة العبادة، وفيه أنه إن كان مبنى الفساد النص ومعقد الاجماع فلا إشكال في ظهورهما في توجه النهي إلى نفس الصوم على هذا الوجه، وإن كان مبناه التشريع فالتحقيق الفساد ايضا مع الادخال في العمل على وجه التشخيص للمأمور به من حيث تعلق الامر ضرورة عدم حصول الامتثال حينئذ لعدم أمر كذلك، والفرض عدم ملاحظة غيره مما هو ثابت، وأما التشريع في أثناء العمل أو في ابتدائه لكن لا على الوجه المزبور بل على ضم الصمت إلى المفطرات فالاصح عدم إبطاله، لعدم الدليل، لانه أمر خارج عن العبادة، لكن قد ينافي ذلك حينئذ عدم اختصاص صوم الصمت بالحكم المزبور، فلا ينبغي الاقتصار عليه، اللهم إلا أن يكون تبعا للنص، ولان الثابت في شرع بني إسرائيل الصوم عن الكلام كالصوم عن الطعام، بل ربما فسر به قوله تعالى (1): " فاما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم إنسيا " فلذلك ناسب ذكره بالخصوص. (و) كذلك البحث في (صوم الوصال) الذي قد حكي الاجماع على حرمته ايضا في محكي التذكرة والمنتهى وغيرهما، وقال علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (2): " وصوم الوصال حرام " والصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة (3):


(1) سورة مريم (ع) - الاية 26 و 27 (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه الحديث 6 - 1 وفي الثاني " لا وصال في صيام "

[ 127 ]

" لا صيام في وصال " وفي صحيح منصور بن حازم (1): " لا وصال في صيام " كقول النبي (صلى الله عليه وآله) في الوصية لعلي (عليه السلام) (2): " لا وصال في صيام " و " كان يواصل ويقول: إني لست كأحدكم، اني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني " (3) وقال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (4) المروي عن المستطرفات: " ولا قران بين صومين " إلى غير ذلك من النصوص التي جعل في الوسائل منها ما تقدم في بعض أخبار مسألة تقديم الصلاة على الافطار أنه قد حضرك فرضان فابدأ بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة، وإن كان فيه ما فيه، فما عساه يظهر من ابن الجنيد من جواز الوصال لا ريب في فساده، قال: لا يستحب الوصال الدائم في الصيام، لنهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك، ولا بأس بما كان منه يوما وليلة ويفطر في السحر، ويكره أن يصل الليلة التى من اول الشهر باليوم الذي هو آخر الشهر، مع احتمال إرادته عدم الجواز من نفي الاستحباب بقرينة الاستدلال عليه بالنهي المفيد للحرمة، وان العبادة لا تكون إلا راجحة، ويكون قوله: " لا بأس " إلى آخره خلافا في المراد بالوصال كما ستعرف، ومرجعه حينئذ إلى كلام ابن إدريس، ويحتمل ايضا إرادته صوم الدهر عدا يومي العيدين من الوصال الدائم، والكراهة من نفي الاستحباب للنصوص الدالة عليها، وما في المختلف من احتمال المنع فيه واضح الضعف، وحينئذ فلا يكون في كلامه تعرض للوصال بالمعنى الذي تسمعه من ابن إدريس، وأما قوله: " ويكره " إلى آخره فقد يناسبه في الجملة قول ابي جعفر (عليه السلام) في خبر عمر بن خالد (5): " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصوم شعبان وشهر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 2 - 3 - 4 - 12 (5) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 5

[ 128 ]

رمضان يصلهما، وينهى الناس أن يصلوهما " خصوصا إذا أريد منه العموم لا خصوص ذلك، وكيف كان فخلافه غير محقق أو غير معتد به في تحصيل الاجماع على ذلك كما اعترف به في المختلف. (و) انما الكلام في موضوعه، ففي المتن والنافع والارشاد والمختلف وغيرها (هو أن ينوي صوم يوم وليلة إلى السحر) بل في المدارك نسبته إلى الشيخ في النهاية واكثر الاصحاب، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): " الوصال في الصيام أن يجعل عشاءه سحوره " وقوله في الصحيح ايضا عن حفص ابن البختري (2): " المواصل في الصيام يصوم يوما وليلة ويفطر في السحر " وفيما أرسل (3) عن الصدوق ايضا " الوصال الذى نهي عنه أن يجعل الرجل عشاءه سحوره " مضافا إلى قوله تعالى (4): " ثم أنموا الصيام إلى الليل ". (وقيل) والقائل ابن إدريس حاكيا له عن اقتصاد الشيخ ولم نتحققه، والفاضل في محكي التلخيص (هو أن يصوم يومين مع ليلة بينهما) لخبر محمد بن سليمان عن ابيه (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) سأله " عن صوم شعبان ورمضان لا يفصل بينهما، قال: إذا أفطر من الليل فهو فصل، قال: وانما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا وصال في صيام، يعني لا يصوم الرجل يومين متواليين غير إفطار، وقد يستحب للعبد أن لا يدع السحور " وربما أشعر به خبر المستطرفات (6) ايضا،


(1) و (2) و (3) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 7 - 9 - 5 - 12 (4) سورة البقرة - الاية 183 (5) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 3 الجواهر - 16

[ 129 ]

بل لعله المفهوم من الوصال، ضرورة كون المنساق منه وصال اليومين بالصوم، وقوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " لا دلالة فيه إلا على عدم وجوب الصيام بعد الليل دون الحرمة، وظاهر المحكي عن اقتصاد الشيخ في المختلف ان صوم الوصال جعل عشائه سحوره أو طي يومين، ويقرب منه ما في الروضة من انه أن ينوي صوم يومين فصاعدا بحيث لا يفصل بينهما بفطر، أو صوم يوم إلى وقت متراخ عن الغروب، ومنه ان يجعل عشاءه سحوره بالنية، ولعله كذلك بناء على أن مبنى الحرمة فيه التشريع، ضرورة اشتراك الجميع فيه على هذا التقدير، نعم تظهر ثمرة الخلاف بناء على كونه محرما لنفسه وإن خلا عن التشريع، ولعل الاقوى حينئذ ما في الاقتصاد من كونه الاعم من الامرين جمعا بين النصوص، وعلى الاول يتجه عدم الحرمة إذا أخر الافطار بغير النية، أو تركه رأسا ليلا، لعدم التشريع حينئذ، بل يظهر من الفاضل وغيره أنه لا وصال مع عدم النية، بل في المدارك نسبته إلى قطع الاصحاب، قيل: لان تناول المفطر أمر مباح لا دليل على وجوبه، ولا ظهور للنصوص ولا كلام الاصحاب في الاطلاق، فان الظاهر منهما ملاحظة النية التي هي معتبرة في مفهوم في الصيام شرعا، فبمجرد ترك الافطار لا يصدق صيام يومين مثلا، وكذا لو نوى ترك الافطار أو تأخيره في الليل أو في أثناء النهار من غير أن يجعل ذلك في نية الصوم لم يؤثر فيه فسادا ولا حرمة، قلت: لكن في المدارك أن الاحتياط يقتضي اجتناب ذلك، إذ المستفاد من الرواية تحقق الوصال بتأخير الافطار إلى السحر مطلقا، وربما يؤيده قوله (عليه السلام) فيما تقدم في مسألة تأخير الافطار عن الصلاة انه قد حضر فرضان فابدأ بأفضلهما وأفضلهما الصلاة، وما في المحكي من نكاح المبسوط ان من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله) إباحة الوصال، قال: وهو أن يطوي الليل بلا أكل وشرب مع صيام النهار لا أن يكون صائما، لان الصوم في الليل لا ينعقد، بل إذا دخل الليل صار الصائم مفطرا

[ 130 ]

بلا خلاف، ونحوه عن نكاح التذكرة ايضا، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) الثامن (أن تصوم المرأة ندبا بدون إذن زوجها أو مع نهيه لها) لقول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): " ليس للمرأة أن تصوم تطوعا إلا باذن زوجها " وقوله (عليه السلام) في خبره الاخر أيضا (2): " جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فسألت ما حق الزوج على المرأة ؟ فقال: أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدق من بيته إلا باذنه، ولا تصوم تطوعا إلا باذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب " وقال الصادق (عليه السلام) في خبر عمرو بن حبيب العرزمي (3): " جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة ؟ فقال: هو اكثر من ذلك، فقالت: اخبرني بشئ من ذلك، فقال: ليس لها أن تصوم إلا باذنه " وفي خبر الزهري (4) عن علي بن الحسين (عليهما السلام) " وأما صوم الاذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا باذن زوجها، والعبد لا يصوم تطوعا إلا باذن مولاه ومرسل قاسم بن عروة (5) " لا يصلح للمرأة ان تصوم تطوعا إلا باذن زوجها " كل ذلك مضافا إلى ما تقدم سابقا من النصوص (6) في الولد والضيف المشتملة على ذلك وعلى العبد ايضا، وإلى ما في المعتبر من الاجماع عليه ايضا كالاجماع عليه بالنسبة إلى العبد. ولذا قال المصنف: (وكذا المملوك) الذي حكى في المدارك الاجماع على


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه الحديث 1 - 3 - 4 والثالث عن عمرو بن جبير العزرمي (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 2 (6) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه

[ 131 ]

عدم انعقاد صومه بدون الاذن فضلا عن النهي، وإلى ما ذكره غير واحد من الاصحاب من ملك المولى والزوج من منافعهما ما ينافي الصوم، ولا سيما في المرأة والامة، لكن عن علم الهدى وجماعة منهم سلار وابن حمزة التصريح بالكراهة، ويقرب من ذلك ما عن ابن زهرة من استحباب أن لا يصوما بدون الاذن حاكيا عليه الاجماع، بل لعله هو الذي يعطيه ما عن النهاية في المرأة، قال: " وأما صوم الاذن فلا تصوم المرأة تطوعا الا باذن زوجها، فان صامت من غير إذن جاز له أن يفطرها ويواقعها " اللهم إلا ان يكون المراد منها ما في السرائر " وأما صوم الاذن فلا تصوم المرأة تطوعا إلا باذن زوجها، فان صامت من غير إذنه فلا ينعقد صومها ولا يكون شرعيا، وله مواقعتها فيه وإلزامها الافطار، ويجب عليها مطاوعته " فترجع حينئذ إلى ما في محكي المبسوط، وأما التفصيل بين عدم الاذن والنهي فيكره في الاول ويحرم في الثاني فلم أجد به قائلا هنا سوى ما يظهر من الشهيد في اللمعة، كما اني لا أعرف له دليلا سوى ما عرفته سابقا في حكم الضيف والولد، وسوى ما عساه يقال من حمل جميع ما في هذه النصوص على الكراهة بقرينة " لا يصلح " في المرسل المزبور، وضمهما مع الولد والضيف اللذين قد عرفت الحال فيهما، وغير ذلك مما عرفته فيما تقدم، مضافا إلى ضعف سند جملة منها، وإلى خبر علي بن جعفر (1) المروي في المحكي من كتابه عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن المرأة تصوم تطوعا بغير إذن زوجها قال: لا بأس " ودعوى الملكية للمنفعة على وجه تمنع من الصوم بدون الاذن واضحة المنع، خصوصا بعد تجويز الاستمتاع للزوج وان الصوم لا يمنعه، وخصوصا بعد تجويز ما لا ينافي منافع السيد من العبادات الشرعية كالذكر والتفكر ونحوهما، بل قد يمنع وجوب طاعة


(1) الوسائل - الباب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 5

[ 132 ]

السيد في نحو ذلك لو صرح بالنهي، لاطلاق أدلة شرعيتها، الشامل للعبد والحر، فانه وإن كان بيته وبين ما دل على وجوب طاعة السيد تعارض العموم من وجه إلا انه قد يمنع تحكيمه، على أن ذلك إن سلم في العبد فلا يسلم في الزوجة المعلوم عدم وجوب طاعتها للزوج في ذلك ونحوه مما لا ينافي الاستمتاع، ومقتضى ذلك صحة الصوم مع النهي فضلا عن عدم الاذن، اللهم إلا ان ينعقد إجماع عليه، فاني لا أجد خلافا فيه، إذ من ذكرنا عنهم الخلاف انما هو منهم في عدم الاذن واحتمال إرادتهم منه ما يشمل النهي بعيد، فيبقى حينئذ هو مظنة الاجماع، أما مع عدمه فلا يخلو القول بالحصة من قوة، لما عرفت، خصوصا مع غيبة الزوج ونشوزه ومرضه ونحو ذلك مما لا معارضة فيه لحقه، وسيما في الطفل ونحوه بل قد يشك في تناول تلك النصوص له، ضرورة ظهورها في كون الزوج ممن له أهلية، ودعوى الانتقال إلى وليه كما ترى، ومن الغريب ما في المدارك هنا لظهوره في أن الحكم بعدم الصحة في الزوجة والعبد من المسائل المفروغ عنها والمسألة الواضحة، خصوصا في العبد حيث انه لم ينقل فيها خلافا ولا ترددا، وقد ظهر لك حقيقة الحال، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه في ذلك بل في سائر الافعال المندوبة التي تنافي الاستمتاع في الجملة أو الخدمة، فتأمل جيدا، والله اعلم. (و) التاسع (صوم الواجب سفرا عدا ما استثني) من المنذور سفرا وحضرا وثلاثة الهدي والثمانية عشر بدل البدنة كما عرفت الحال فيه مفصلا، وأما صوم الدم (1) فانه وإن روى الزهري (2) في خبره عن علي بن الحسين (عليهما السلام) حرمته فيه، كالوارد في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (3) لكن قيل:


(1) هكذا في النسخة الاصلية والصحيح " وأما صوم الدهر " (2) و (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 2 - 3

[ 133 ]

إن المراد به مع صوم الايام المحرمة، أما بدونها فلا، إجماعا على الظاهر إلا من بعض متأخري المتأخرين، ويمكن إرادة الكراهة من الحرمة فيهما كما أفتى بها الشهيد في الدروس، وقال الصادق (عليه السلام) لما سأله زرارة (1) عنه: " لم يزل مكروها " وفي خبر آخر له (2) ايضا " لم نزل نكرهه " وقال سماعة (3): " سألته عنه فكرهه، وقال: لا بأس بأن يصوم يوما ويفطر يوما " واحتمال العكس يدفعه ما عرفت من اتفاق الاصحاب على الظاهر، بل ربما أشعر التشبيه به في نصوص (4) بعض الايام المستحبة بأنه افضل الافراد، وفي كتاب الملهوف لابن طاووس (5) " ان زين العابدين (عليه السلام) بكى على ابيه اربعين سنة صائما نهاره قائما ليله " والله اعلم. (النظر الثالث في اللواحق، وفيه مسائل): (الاولى المرض الذي يجب مع الافطار ما يخاف منه الزيادة بالصوم، ويبني في ذلك على ما يعلمه في نفسه أو يظنه لا مارة كقول عارف) بل قد عرفت فيما تقدم الاكتفاء بالخوف الذى يتحقق بالاحتمال المعتد به وإن لم يصل إلى حد الظن كما سمعت تفصيل الكلام في ذلك (و) فيما (لو صام مع تحقق الضرر متكلفا قضى) وفي غيره مما يتعلق بهذه المسألة، بل والمسألة (الثانية) التي هي ان (المسافر إذا اجتمعت فيه شرائط القصر وجب عليه ذلك) في الصوم والصلاة (و) حينئذ ف‍ (لو صام عالما بوجوبه) أي القصر لم يجزه ذلك و (وجب) عليه (قضاؤه) المأمور به في الكتاب والسنة والفتاوى (نعم إن كان جاهلا)


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المحرم والمكروه - الحديث 1 - 4 - 5 - 6 (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 5 و 8 و 15 وغيرها

[ 134 ]

بالوجوب أجزأه ذلك و (لم يقضه) نحو ما سمعته في الصلاة، ولا يلحق به الناسي كما قدمنا الكلام فيه آنفا، بل وتقدم في كتاب الصلاة ما له نفع في المسألة هنا، فلاحظ وتأمل، والله اعلم. المسألة (الثالثة) لا خلاف أجده في أن (الشرائط المعتبرة في قصر الصلاة معتبرة في قصر الصوم) للاشتراك في الادلة، بل (ويزيد) الصوم (على ذلك) عند الشيخ وابني حمزة والبراج والفاضلين في المعتبر والكتاب والنافع والتلخيص باعتبار (تبييت النية للسفر، فان لم يبيتها أتم صومه، بل في خلاف الاول منهم الاجماع عليه، كما انه في السرائر نفي الخلاف عن الافطار مع التبييت أي وقت خرج بعد طلوع الفجر، نعم قال في النهاية: " ومتى بيت نيته للسفر من الليل ولم يتفق له الخروج إلا بعد الزوال كان عليه أن يسمك بقية النهار، وعليه القضاء " ونحوه عن الاقتصاد والجمل، وقال في المبسوط: " ومن سافر عن بلده في شهر رمضان وكان خروجه قبل الزوال فان كان يبيت نية السفر أفطر وعليه القضاء، وإن كان بعد الزوال لم يفطر، ومتى لم يبيت النية للسفر وانما تجددت له أتم ذلك اليوم ولا قضاء عليه " فان أراد من عدم الافطار الامساك تعبدا كان نحو ما سمعته من النهاية، وإلا كما عساه يؤمي إليه التعبير بالافطار - كان قولا آخر، وأظهر منه في ذلك ما في الخلاف من إطلاق حرمة الافطار على من تلبس بالصوم أول النهار ثم سافر آخره محتجا عليه بالاجماع وبالاستصحاب وبقوله تعالى: " أتموا الصيام إلى الليل " ضرورة ظهوره في الاجتزاء بهذا الصوم وإن كان قد بيت النية، كظهور ما في كتابي الاخبار من التخيير للمسافر بعد الزوال بين الصوم والافطار، وأفضلية الاول في ذلك ايضا، مع احتمال الجميع إرادة الامساك، فيتفق ما في كتبه جميعها، وعلى كل حال فقد اشترط في جميعها على ما حكي عن بعضها التبييت في جواز الافطار وقيل والقائل المفيد

[ 135 ]

والاسكافي وأبو الصلاح والفاضل في اكثر كتبه والشهيد ان وغيرهم: (لا يعتبر) ذلك (بل يكفي) في جواز إفطاره (خروجه قبل الزوال) وإن لم يكن مبيتا للسفر إلا أن أبا الصلاح منهم أوجب الامساك تعبدا مع القضاء لو خرج بعد الزوال (وقيل) والقائل علي بن بابويه واختاره في السرائر: (لا يعتبر) ذلك (ايضا، بل يجب القصر ولو خرج قبل الغروب) ولم يكن مبيتا للسفر، فتكون الاقوال حينئذ ستة أو سبعة. (والاول) منها (أشبه) عند المصنف ومن عرفت، لمضمر أبي بصير المرسل (1) " إذا خرجت بعد طلوع الفجر ولم تنو السفر من الليل فأتم الصوم واعتد به من شهر رمضان " وخبر علي بن يقطين (2) عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) " في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله ؟ قال: إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله، وإن لم يحدث نفسه من الليل ثم بداله في السفر من يومه أتم صومه " وخبر رفاعة (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح قال: يتم صومه ذلك " وخبر سليمان بن جعفر الجعفري (4) " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينوي السفر في شهر رمضان فيخرج من أهله بعد ما يصبح قال: إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم إلا ان يدلج دلجة " وخبر ابى بصير (5) " سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل فان خرجت قبل الفجر أو بعده فانت مفطر وعليك قضاء ذلك اليوم " وصحيح صفوان (6) عن الرضا (عليه السلام) في حديث، قال: " ولو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 12 - 10 - 5 - 6 - 13 - 11

[ 136 ]

وجائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا والافطار، فان هو أصبح ولم ينو السفر فبدا له من بعد أن أصبح في السفر قصر ولم يفطر يومه ذلك) وللامر بالاتمام في الاية (1) الشامل للخارج قبل الزوال خرج منه المبيت بالاجماع، فيبقى ما عداه، ولاستصحاب صحة صومه المعتضد بظاهر قوله تعالى (2): " ولا تبطلوا أعمالكم " ضرورة انه إذا كان السفر بدون تبييت فهو حاصل بعد انعقاد الصوم، بخلاف ما إذا كان مبيتا، فانه لم ينو الصوم فلم ينعقد، بل في المعتبر ولو قيل يلزم على ذلك لو لم يخرج ان يقضيه التزمنا ذلك، فانه صامه من غير نية إلا ان يجدد ذلك قبل الزوال. إلا ان الجميع كما ترى، إذ النصوص فيه - مع ضعف السند في اكثرها وضعف الدلالة في بعضها، ومخالفتها لما سمعته من الشيخ من القضاء، وعدم الاعتداد به من شهر رمضان، مع عدم دلالتها على تمام الدعوى، وموافقتها كما في الحدائق للمحكي عن الشافعي وأبي حنيفة والاوزاعي وأبي ثور والنخعي ومكحول والزهري - معارضة بما هو أصح منها سندا وأقوى دلالة، كصحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) " انه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم، فقال: إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه " وصحيح محمد بن مسلم (4) عنه (عليه السلام) ايضا " إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم (1) سورة البقرة - الاية 183 (2) سورة محمد (صلى الله عليه وآله) - الاية 35 (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 - 1 الجواهر - 17

[ 137 ]

ويعتد به من شهر رمضان " وحسن زرارة أو صحيحه (1) عنه (عليه السلام) ايضا " في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر، قال: إن خرج قبل الزوال فليفطر وإن خرج بعد الزوال فليصم " وموثقه (2) عنه (عليه السلام) ايضا " إذ اخرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام، فإذا خرج قبل الزوال أفطر " والجمع بينها باعتبار التبييت والخروج قبل الزوال في الافطار يقتضي الاعتداد بالصوم ووجوبه مع فقدهما أو أحدهما، وهو خلاف ما سمعته من صريح النهاية ومحتمل غيرها، بل لم أتحقق قائلا به ممن اعتبر التبييت أو أنه نادر كما عرفت، على انه فرع التكافؤ المفقود هنا من وجوه وقد أشرنا إلى بعضها، فلا بأس حينئذ بطرح ما لا يقبل التقييد منها بهذه إن كان، وتقييد الباقي بها، كل ذلك مضافا إلى ما في عدم الدلالة في بعضها كخبر الادلاج (3) بل قيل: إنه لم يقل به أحد، ضرورة ظهوره في عدم الاكتفاء بالتبييت، بل لا يبعد ان يكون مبنى هذا الخبر على حرمة السفر في شهر رمضان من بعد الفجر إذا لم تدع حاجة إليه، لاستلزامه إبطال الصوم الواجب، فلذلك كل عليه إتمام الصوم، بخلاف ما إذا أدلج، فانه لم يقطع صومه وإن لم يضطر إلى السفر، بل قيل: إنه يجوز ان يكون تبييت النية في النصوص المزبورة كناية عن السفر المضطر إليه بناء على الغالب، كما انه قيل: يحتمل في خبر علي بن يقطين (4) منها عدم السفر اصلا، إلى غير ذلك مما قيل أو يقال فيها على حسب غيرها من النصوص التي ثبت رجحان غيرها عليها، واستصحاب الصوم والامر بالاتمام والنهي عن الابطال بناء على شمولها لمثل المقام يجب الخروج عنها بنصوص الزوال.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من أبواب من يصح منه الصوم - الحديث 3 - 4 - 6 - 10 والاول والثاني عن عبيد بن زرارة

[ 138 ]

ودعوى عدم النية مع التبييت مع عدم جريانها في المتردد يدفعها منع المنافاة بين نية الصوم ونية السفر، ضرورة الاكتفاء في تحقق الاولى باصالة عدم وقوعه منه وإن بيت نيته، إذ ذلك اعم من وقوعه، وليس السفر من المفطرات كي يجب العزم على عدمه، في اصل نية الصوم، وانما هو مناف له بمعنى انه يرتفع وجوب الصوم عند تحققه، فلا يقدح حينئذ العزم عليه في نية الصوم في حال عدم وقوعه الذي هو الموافق للاصل العقلي، وكذا المتردد في وقوعه، واستوضح ذلك في منافيات الصوم القهرية كالحيض ونحوه مع فرض التردد في حصولها أو الظن فانه لا إشكال في تحقق النية لذويها اعتمادا على ذلك الاصل الشرعي الذي لا يتفاوت جريانه بين الاختياري والاضطراري، ومن هنا يمكن دعوى الاجماع على خلاف ما التزمه المصنف، إذ كلام الشيخ الذي هو الاصل في المذهب المزبور صريح في اعتبار الخروج مع التبييت في الافطار ووجوب القضاء، وانه لا يكفي الثاني عن الاول، فمن حكى عنه ذلك كان مخطئا بالحكاية، وإن كان أول عبارته في النهاية قد يعطي ذلك، إلا ان آخرها صريح فيما قلناه. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاقوى ما اختاره المفيد وجماعة لصحة دليله وصراحته، وأما ما ذهب إليه علي بن بابويه فلم نجد له دليلا بعد إطلاق الاية المنزل على التفصيل المزبور، كاطلاق ما دل على التلازم بين القصر والافطار سوى مضمر عبد الاعلى مولى آل سام (1) " في الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال: يفطر وإن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل " الضعيف سندا بل ودلالة بما قيل من احتمال كون " حرج " فيه بالحاء المهملة، فيكون الظرف فيه متعلقا بقوله: " يفطر " والمعنى حينئذ ان على المسافر في شهر رمضان أن يتناول مفطرا ولو قبل


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 14

[ 139 ]

مغيب الشمس وإن كان يعسر عليه ذلك، إجراء للسنة: ومخالفة للمنافقين الذين يصومون في السفر، وعلى كل حال فمثله لا يصلح معارضا لتلك النصوص، كما ان صحيح رفاعة بن موسى - (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد السفر في شهر رمضان قال: إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام وإن شاء أفطر " - كذلك، لعدم قائل بمضمونه، نعم احتمل العلامة في المختلف العمل به فيما بعد الزوال، قال: وانما قيدنا بذلك للجمع بين الاخبار، وفى المدارك هذا الحمل بعيد نعم لو قيل بالتخيير مطلقا كما هو ظاهر الرواية لم يكن بعيدا، وبذلك يحصل الجمع بين الاخبار، قلت: بل هو أبعد من ذلك، بل لعل التأمل في النصوص فضلا عن الفتاوى يورث القطع بعدم ذلك، ومنه يعلم ضعف ما سمعته من الشيخ من التخيير للمبيت لو خرج بعد الزوال، لعدم دليل معتد به له، كعدم دليل له فيما ذكره هو وغيره من وجوب الامساك عليه تعبدا، ضرورة بطلان إرادة ذلك من لفظ الصوم في تلك النصوص، خصوصا مع التصريح في بعضها بالاعتداد به من شهر رمضان، وقد بان لك بحمد الله ضعف الجميع، وأن الاقوى التفصيل بين ما قبل الزوال وبعده من غير مدخلية للتبييت وعدمه، وإن كان الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة لا ينبغي تركه، وهو هنا يحصل بالتبييت مع الخروج قبل الزوال دون غيره، لدوران الامر بين وجوب الصوم وحرمته فيما عداه، فتأمل جيدا، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (كل سفر يجب قصر الصلاة فيه يجب قصر الصوم) فيه (وبالعكس) اللغوي، أي كل سفر يجب قصر الصوم فيه يجب قصر الصلاة فيه، لا الاصطلاحي الذي هو العكس المستوي بقرينة قوله: (إلا لصيد التجارة


الوسائل - الباب - 5 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 7

[ 140 ]

على قول) ضرورة كون الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وهو يقضي بكون المستثنى منه موجبة كلية، فلا يكون من المصطلح، على أن ذلك هو مقتضى أدلة المقام من النصوص وغيرها، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن وهب (1): " هما واحد إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت " كخبر سماعة (2) عنه (عليه السلام) " ليس يفترق التقصير والافطار، فمن قصر فليفطر " أي ومن أفطر فليقصر مضافا إلى كون المناط فيهما معا السفر، قال في صحيح عمار بن مروان (3): " من سافر قصر وأفطر إلا ان يكون رجلا سفره في الصيد أو في معصية الله أو رسولا لمن يعصي الله أو في طلب شحناء أو سعاية ضرر على قوم من المسلمين " وقال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر تغلب (4): " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خيار أمتي الذين إذا سافروا أفطرو أو قصروا " الخبر، وقال المرتضى (رحمه الله) في الانتصار: " لا خلاف بين الامة في ان كل سفر أسقط فرض الصيام ورخص في الافطار فهو بعينه موجب لقصر الصلاة " ونحوه في الغنية. فما عن الشيخ في النهاية والمبسوط وابن حمزة - من الفرق بينهما فيما إذا كانت المسافة أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع ليومه بتحتم الصوم والتخيير في الصلاة بين القصر والاتمام، إلا ابن حمزة اشترط في التخيير المزبور إرادة الرجوع من الغد - واضح الضعف، خصوصا بعد إطلاق الاية (5) القضاء في الصوم بمطلق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 6 عن أبان بن تغلب (5) سورة البقرة - الاية 181

[ 141 ]

السفر، كقول الصادق (عليه السلام) (1): " إذ اخرج الرجل في شهر رمضان مسافرا أفطر " وقوله (عليه السلام) في صحيح ليث (2): " إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر " وكذا ما فرقناه بينهما في كثير السفر إذا أقام في بلده خمسة أيام بالتقصير في صلاة النهار دون الصوم وصلاة الليل، ووافقهما عليه ابن البراج ايضا على ما قيل، ولا ريب في ضعفه، وأضعف من ذلك القول الذي أشار إليه المصنف وإن حكى ابن إدريس الاجماع عليه، إلا أنا لم نتحققه، بل المتحقق خلافه، وهو قول الشيخ في النهاية والمبسوط بالفرق بينهما في صيد التجارة بالاتمام في الصلاة والقصر في الصوم، إذ لا دليل عليه، فضلا عن مخالفته للادلة، وخبر زرارة (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة ؟ قال: لا إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدين، وان التصيد مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه " صريح فيما لا يقوله الخصم من كون التصيد مسير باطل فلا ينبغي أن يفطر فيه ايضا، ضرورة عدم كون الصيد للتجارة من ذلك، وإلا لم يكن للافطار فيه وجه، وهو واضح، كخبر عبيد ولده (4) " سألته ايضا عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصر أو يتم ؟ قال: يتم لانه ليس بمصير حق " نعم في مرسل عمران بن محمد بن عمران القمي (5) عنه (عليه السلام) " قلت: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين يتم أو يقصر ؟ فقال: إن خرج لقوته وقوت عياله


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح من الصوم - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب من يصح الصوم - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 7 وهو خبر ابن بكير كما تقدم في كتاب الصلاة ج 1 ط ص 258 (4) و (5) الوسائل - الباب صلاة المسافر - الحديث 4 - 5

[ 142 ]

فليفطر ويقصر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة " وفي خبر حماد بن عثمان (1) عنه (عليه السلام) في قوله الله عزوجل (2): " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال: " الباغي باغي الصيد، والعادي السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا في الصلاة " وفيه أن المراد بالفضول في الاول صيد اللهو لا صيد التجارة الداخل في صيد القوت للعيال، على أن ظاهره القصر فيهما معا لا خصوص الصوم وانه الذي لا تحل له الميتة صائد المعصية لا التجارة التي لو كانت منهما لم يكن وجه للفرق بين الصوم والصلاة، ويمكن قراءة الاخير بكسر الصاد بمعنى الملوك الصيد المتكبرين، والباغي منهم الخارج على الامام كما فسر به، والعادي باللص في مرسل البزنطي (3) وغيره، لكن في خبر حماد بن عثمان (4) عنه (عليه السلام) " الباغي طالب الصيد والسارق ليس لهما أن يقصرا من الصلاة " وليس لهما إذا اضطرا إلى الميتة أن يأكلاها، ولا يحل لهما ما يحل للناس " وفي المحكي عن معاني الاخبار وروي (5) " ان العادي اللص، والباغي الذي يبغي الصيد لا يجوز لهما التقصير في السفر ولا أكل الميتة في الاضطرار " إلا انهما كما ترى ظاهر ان في صيد اللهو، ولذلك لم يكن محلا للرخصة الشرعية التي منها الافطار في السفر،


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 2 وفيه " قال: الباغي الصيد والعادي السارق... الخ " (2) سورة البقرة - الاية 168 (3) و (5) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب الاطعمة المحرمة - الحديث 5 - 4 من كتاب الاطعمة والاشربة (4) المستدرك - الباب - 6 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 1

[ 143 ]

لا صيد التجارة الذي هو محل البحث، كما هو واضح، فبان لك من ذلك كله ضعف القول المزبور وغيره مما فرق بين الصلاة والصوم، مضافا إلى ما تقدم في كتاب الصلاة مما له نفع في هذه المسائل، ولقد أطنب الفاضل في المختلف في الاستدلال على فساد القول المزبور، لكنه لما لا ينطبق على اصول الامامية وقواعدها، ولا ينافي ثبوت الحكم للدليل لو كان، فلاحظ وتأمل. نعم ربما فرق بينهما في الاماكن الاربعة التي يخير فيها في الصلاة بين القصر والاتمام، بل الاتمام أفضل، بخلاف الصوم، فان الظاهر عدم جوازه فيها، وفي المسالك انه يمكن تكلف الغناء عن استثنائها من الكلية في المتن ونحوه بالتزام كون القصر فيها واجبا تخييريا بينه وبين التمام، لان الواجب وهو الصلاة لا تتأدي إلا بأحدهما، فيكون واحد منهما موصوفا بالوجوب كالجهر والاخفات في بمسلة القراءة الواجبة الاخفاتية، وحينئذ ينطبق على الكلية المزبورة في المتن وغيره، قلت: ويمكن أن يقال إن المراد منها كون السفر الموجب للافطار موجبا للقصر وورود أحد الاماكن ليس من السفر في شئ، وأما الفرق بينهما في المسألة السابقة وهي فيما لو سافر بعد الزوال فقد يقال بعدم اندارجه في الكلية، لانه باعتبار كونه بعد الزوال كالذي قد فرغ منه، فلا يؤثر السفر فيه، كما يؤمي إليه حكم القادم من السفر، فانه قبل الزوال يصوم إذا لم يكن قد تناول شيئا، بخلافه بعد الزوال، بل وناسي النية ونحوه مما يشعر يكون الزوال منتهى الخطاب بالصوم، فلا يندرج حينئذ في الكلية، أو يلتزم تخصيصها بذلك للادلة السابقة والله أعلم. والامر سهل بعد وضوح الحكم كوضوح الحكم في المسألة (الرابعة) التي هي أن (الذين يلزمهم إتمام الصلاة سفرا يلزمهم الصوم، وهم الذين سفرهم اكثر من حضرهم ما لم يحصل لاحدهم إقامة عشرة أيام في بلده أو غيره) بلا خلاف

[ 144 ]

أجده في شئ من ذلك، ولا إشكال كما عرفته في كتاب الصلاة (و) لكن في المتن هنا (قيل: يلزمهم الاتمام مطلقا عدا المكاري) ولم نظفر بقائله كما اعترف به في المدارك، وعن بعض شراح النافع ولعل المصنف سمعه من معاصر له في غير كتاب مصنف. و (الخامسة) أيضا، وهي (لا يفطر المسافر حتى يتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذانه) بعد الاحاطة بما قدمناه في كتاب الصلاة فيها وفي غيرها من الفروع المتعلقة في المقام (فلو أفطر قبل ذلك كان عليه مع القضاء الكفارة) بلا خلاف ولا إشكال، وانما الكلام في ظهور سقوطها لو استمر على السفر حتى خفي عليه ذلك، وقد قدمنا تحقيق الحال فيها وفي نظائرها، والله اعلم. المسألة (السادسة الهم و) الشيخ والمرأة (الكبيرة وذو العطاش) بضم العين، وهو داء لا يروى صاحبه ذكر أو أنثى (يفطرون في رمضان) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه من غير فرق بين عجزهم عنه (و) بين كونه شاقا عليهم مشقة لاتتحمل، نعم (يتصدقون عن كل يوم بمد من طعام) وفاقا للصدوقين وبني أبي عقيل والجنيد والبراج وسعيد والشيخ والفاضل وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، لصحيح ابن مسلم (1) " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، ولا قضاء عليهما، فان لم يقدرا فلا شئ عليهما " ونحوه صحيحه الاخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1 - 2 لكن الثاني عن أبى عبد الله عليه السلام الجواهر - 18

[ 145 ]

إلا انه قال: " ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمدين من طعام " وجمع بينهما الشيخ في محكي التهذيب والنهاية والمبسوط بالفداء بمدين، فان لم يقدرا فبمد ولا شاهد له، وأولى منه ما في الاستبصار من الجمع بالندب، لاصالة البراءة من الزائد، ولانه مقتضى التخيير بين الاقل والاكثر الذي هو مقتضى الامر بهما في الخبرين، مضافا إلى قصور الخبر المزبور عن تقييده غيره مما تضمن المد من الصحيح الاول والصحيح الاخر (1) ايضا في قول الله عزوجل (2): " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ومسكين " قال: " الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش " بناء على أن طعام المسكين مد، وخبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي (3) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان فقال: تصدق في كل يوم بمد من حنطة " وصحيح عبد الله بن سنان (4) أو حسنة " سألنه عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان قال: يتصدق كل يوم بما يجزي من طعام مسكين " ومرسل ابن بكير (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال: " الذين يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد " وخبر ابي بصير (6) المروي عن تفسير العياشي سألته عن قول الله عزوجل: " وعلى الذين " إلى آخره، قال: " هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع والمريض " وخبر رفاعة المروي (7) عنه ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الاية ايضا، قال: " المرأة تخاف على ولدها والشيخ الكبير " وصحيح الحلبي (8) عن ابي عبد الله


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 (2) سورة البقرة - الاية 180

[ 146 ]

(عليه السلام) سألته " عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان فقال: يتصدق بما يجري عنه من طعام مسكين لكل يوم مد " وخبر الكرخي (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): شيخ لا يستطيع القيام إلى الخلاء لضعفه ولا يمكنه الركوع والسجود فقال: ليؤم برأسه - إلى ان قال -: قلت: فالصيام قال: إذا كان في ذلك الحد فقد وضع الله عنه، فان كانت له مقدرة فصدقة مد من طعام بدل كل يوم أحب إلي، وإن لم يكن له يسار فلا شئ عليه " وخبر ابي بصير (2) المروي عن نوادر ابن عيسى، قال أبو عبد الله (عليه السلام): " أيما رجل كبرلا يستطيع الصيام أو مرض من رمضان إلى رمضان ثم صح فانما عليه كل يوم أفطر فيه فدية طعام، وهو مد لكل مسكين " وخبره الاخر (3) عنه (عليه السلام) ايضا " قلت له: الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم فقال: يصوم عنه بعض ولده، قلت: فان لم يكن له ولد، قال: فأدنى قرابته، قلت: فان لم يكن له قرابة، قال: يتصدق بمد في كل يوم، فان لم يكن عنده شئ فليس عليه " وخبر داود بن فرقد عن ابيه (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " فيمن ترك الصيام قال: إن كان من مرض فإذا برى فليقضه، وإن كان من كبر أو عطش فبدل كل يوم مد " وهي - مع اشتمالها جميعا على المد - دالة على أصل الحكم، وما في الاخير منها: من صيام الولد أو غيره من ذوي القرابة عن الشيخ - لم أجد عاملا بما يظهر منه من وجوب ذلك في زمن حايته، نعم حمله الشيخ كالشهيد في الدروس على الندب، ولا بأس به وإن كان مستغربا.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من أبواب من يصح منه الصوم الحديث 10 - 12 - 11 (4) الوسائل - الباب - 10 - من الصوم المندوب - الحديث 1 وفيه " فيمن ترك صوم ثلاثة أيام في كل شهر... الخ "

[ 147 ]

(ثم) على كل حال (إن امكن القضاء) بعد ذلك (وجب) كما نص عليه الفاضل وغيره لعموم " من فاتته " ولان بعض أفراد ذي العطاش أو جميعها من المرض الواجب قضاء ما فات به في الاية والرواية، لكن قد يشكل ذلك فيما لو صام عنه ولده أو ذو قرابته بناء على مشروعيته، فتأمل وإلا سقط ولا ينافي ذلك نفيه في صحيح ابن مسلم السابق (1) بعد انصرافه حتى في ذي العطاش الذي هو كانقلاب المزاج لحرارة في الكبد أو غيره إلى الغالب من عدم التمكن من القضاء اللهم إلا ان يقال إن نفيه ظاهر في حال التمكن منه لا عدمه، وفيه أنه يمكن ان يكون المراد منه بيان أن حالهما عدم القضاء كالاداء أو بيان عدم القضاء عنهما لو ماتا أو نحو ذلك، فتأمل، بل الظاهر وجوب الفدية أيضا مع ذلك كما نص عليه في الدروس، لاطلاق ما دل عليهما، وليس ذلك جمعا بين العوضين، إذ يمكن بل لعله الظاهر كون الفدية كفارة عن صورة تعمد إفطار اليوم لاقضائه، فلا ينافيه حينئذ غلبة عدم التمكن من القضاء حتى ينزل إطلاقها عليه، مع أنه لا دليل عليه ولا داعي إليه، فتأمل، اللهم إلا أن يقال إن لفظ الاجزاء في صحيح الحلبي (2) وحسن ابن سنان (3) ظاهر في إرادة الاجزاء عن الصوم وكونه بدلا عنه، وفيه ان مقتضاه الاكتفاء بالصدقة وسقوط القضاء لا العكس الذي هو محل البحث، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فقد بان لك الدليل على أصل الحكم وفروعه (و) لكن ومع ذلك (قيل) والقائل المفيد وعلم الهدى وسلار وابنا زهرة وإدريس والفاضل في المختلف: (إن عجز الشيخ والشيخة سقط التكفير كما يسقط الصوم،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث - 1 - 9 - 5

[ 148 ]

وإن أطاقاه بمشقة كفرا) بل حكى الثاني والرابع منهم الاجماع عليه للاصل، ومناسبة الفدية لكون المفدى مقدورا عليه في الجملة، وصحيح ابن مسلم (1) المتقدم في تفسير الاية الظاهر في كون الشيخ الكبير وذوي العطاش يطيقان الصوم ومن المعلوم أن منهما من لا يطيقه، فلا بد من حمله على تخصيص الفدية بمن أطاقه منهما دون من لا يطيقه، وظهور جملة مما دل عليها في المطيق كالمتضمن لفظ " يضعف " و " لا حرج " ونحوهما، إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة انقطاع الاصل ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه، ومنع المناسبة المزبورة أو عدم صلاحيتها دليلا، ومعارضة صحيح ابن مسلم بغيره من الاخبار الواردة في تفسير الاية التي ادعى بعضهم أنها منسوخة، فتخرج حينئذ عما نحن فيه، وعدم انحصار الدليل في الخبر الظاهر في ذلك بعد تسليم ظهوره، وأما الاجماع المحكي فهو موهون بما عرفت، ومن الغريب الاستدلال بقوله (عليه السلام): " فان لم يقدرا " في صحيح ابن مسلم (2) وقوله (عليه السلام): " فان كانت له قدرة " في خبر الكرخي (3) بتخيل كون المراد القدرة على الصوم، وهكما ترى، إذ لا ريب في ظهورهما أو ضراحتهما خصوصا خبر الكرخي في إرادة القدرة على الصدقة، كما هو واضح. ومن هنا قال المصنف: (والاول أظهر) لكن ظاهره أن القول المزبور انما هو في الشيخين دون ذي العطاش، وليس كذلك، فان سلار على ما حكي عنه قد نفي الفدية عنه مع اليأس من برئه، وعن ابن حمزة التوقف فيها وإن كانا محجوجين بما عرفت، بل قطع المحقق الشيخ علي بعدم القضاء والفدية على المأيوس من برئة فاتفق أنه برئ، واختاره المقداد في التنقيح، كما أن الفاضل في محكي التلخيص نفى الفدية عنه واقتصر على القضاء في المأيوس الذي برئ، وقطع في


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 3 - 1 - 10

[ 149 ]

جملة من كتبه تبعا للمفيد وعلم الهدى وابن إدريس بعدم الفدية عليه إذ كان مرجو الزوال، خلافا لما عن الشيخ وسلار وابني حمزة والبراج، لانه مريض، فيجري عليه حكم غيره من المرضى، ومال إليه بعض متأخري المتأخرين، قال: لان صحيحي ابن مسلم (1) باشتمالهما على نفي القضاء ظاهر ان في المأيوس من برئه، وخبري ابن بكير (2) وأبي بصير (3) ضعيفان مع الارسال والاضمار، وخبر داود (4) مع ضعفه ربما يظهر منه ايضا عدم التمكن من القضاء، فيبقى حينئذ على حكم المرضى الذي هو القضاء خاصة مع البرء دون الفداء، ومنه يعلم ما في كلام المحقق الشيخ علي، فان العطاش مرض، قد دل النص والاجماع على أن المريض إذا برئ وجب عليه القضاء من غير مدخلية لليأس وعدمه، وخبرا محمد بن مسلم لا يصلحان لاستثنائه من الامراض، كما أن خبر داود لا يدل على خروجه عن إطلاق المرض، وفى الروضة الاقوى أن حكمه كالشيخين يسقطان عنه مع العجز رأسا، وانما تجب الفدية مع المشقة، وفيه أن إطلاق النصوص المزبورة يدفع ذلك كله، ضرورة اقتضائه وجوب الفدية عليه على كل حال، وأما القضاء فانه وإن نفي في صحيحي ابن مسلم إلا أنه محمول على ما إذا لم يتمكن رأسا، فلا ينافي ما دل على وجوبه من عموم " من فاتته " و " فمن كان منكم مريضا " ونحوه (5) بناء على أن العطاش منه، ولا بأس باختصاص هذا المرض من بين الامراض بوجوب الفداء، ولو قيل بعدم اندراجه في إطلاق المرض كما عساه يشعر به خبر


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب يصح منه الصوم - الحديث 1 و 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 6 - 7 (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الصوم المندوب - الحديث 1 (5) سورة البقرة - الاية 180

[ 150 ]

داود لم يكن إشكال في الحكم أصلا، إذ وجوب الفداء لهذه النصوص، ووجوب الفضاء لعموم " من فاتته " الذي لا يحكم عليه ما في الصحيحين المتقدمين بعد أن عرفت الحال فيه، فتأمل جيدا. ثم لا يخفى عليك أن الحكم في المقام ونظائره من العزائم لا الرخص، ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج ونحوه مما يقضي برفع التكليف، مضافا إلى لفظ الوضع ونحوه في خبر الكرخي، فما عساه يظهر من قوله: " لا جناح " ونحوه من ارتفاع التعيين خاصة لابد من إرجاعه إلى ما ذكرنا، سيما مع عدم ظهور خلاف فيه من أحد من أصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدث البحراني، فجعل المرتفع التعيين خاصة، تمسكا بظاهر قوله تعالى (1): " وعلى الذين يطيقونه " إلى قوله: " وان تصوموا خير لكم " بعد كون المراد منه الشيخ وذا العطاش، لكنه كما ترى، إذ الاية - مع فرض كونها غير منسوخة بقوله (2): " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " وقد عرفت ما ورد فيها من النصوص، مضافا إلى ما رواه علي بن ابراهيم (3) في المحكي من تفسيره بسنده إلى الصادق (عليه السلام) من تفسيرها بمن مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء رمضان فعليه أن يقضي ويتصدق لكل يوم بمد من طعام - يمكن حملها على استقلال قوله: " وان تصوموا " عن الاول، لبيان كون الصوم خيرا من السفر المقتضي للافطار، أو أن المراد كونه خيرا في نفسه، فلا ينافي وجوبه، أو غير ذلك مما لا ينافي ما ذكرنا، والله أعلم. هذا والتحقيق أن المراد بالشيخ والشيخة من توقف بقاء صحة مزاجهما


(1) و (2) سورة البقرة - الاية 180 - 181 (3) تفسير علي بن ابراهيم ص 56

[ 151 ]

على تعدد الاكل والشرب في أزمنة متقاربة للاستبانة لا لمزيد الهضم، ولا ريب في منافاته للصوم، بل هما حينئذ كذي العطاش بعد عمد تمكنهما من الاكل دفعة ولو لضعف في الهاضمة، ولا من عدم الاكل مطلقا، وليس المراد من الشيخ الذي ذكره في القاموس من استبانت فيه السن، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين المعلوم بلوغ اكثر الناس هذا السن مع وجوب الصوم عليهم، بل المراد منه ما ذكرنا كما يعرف ذلك من كلام الاطباء، وبه يعرف وجه حكمة الشرع في إفطارهما، بل وإلحاق ذي العطاش بهما، والله العالم. المسألة (السابعة) لا خلاف في أن (الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن يجو لهما الافطار في رمضان) مع التضرر بالصوم، لعموم أدلة نفي الحرج والضرار وإرادة الله تعالى اليسر وسهولة الملة ونحو ذلك، وخصوص صحيح ابن مسلم (1) " سمعت الباقر (عليه السلام) يقول: الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، لانهما لا يطيقان الصوم، وعليهما أن يتصدق كل واحد منهما في كل يوم يفطران بمد من طعام وعليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد " وغيره مع الاجماع بقسميه (و) لكن من الصحيح المزبور - مع عموم " من فاتته " وغيره مما غيره مما قيل من أولويته من المرض وإن كان فيه ما فيه - يستفاد أنهما (تقضيان) وجوبا، مضافا إلى مكاتبة ابن مهزيار (2) المروية عن المستطرفات، قال: " كتبت إليه أسأله يعني علي بن محمد (عليه السلام) ان امرأة ترضع ولدها وغير ولدها في شهر رمضان فيشتد عليها الصيام وهي ترضع حتى غشي عليها ولا تقدر على الصيام ترضع وتفطر وتقضي صيامها إذا امكنها أو تدع الرضاع وتصوم، فان كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع ؟ فكتب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 - 3

[ 152 ]

إن كان يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها وأتمت صيامها، وإن كان ذلك لا يمكنها أفطرت وأرضعت ولدها وقضت صيامها متى ما أمكنها " المنجبرة بعمل المعظم، بل في الروضة القطع به. فما عن علي بن بابويه وسلار - من عدم وجوب القضاء، بل لعله الظاهر من عدم تعرض الصدوق وعلم الهدى له ايضا - لا وجه له، بل يجب (مع) القضاء (الصدقة عن كل يوم بمد من طعام) إذا كان الخوف على الولد بلا خلاف اجده فيه، للصحيح المتقدم، اما إذا كان الخوف على النفس خاصة فعن ظاهر الاكثر كما في شرح الاصبهاني، والمشهور كما في المسالك وغيرها عدم وجوب الفدية حينئذ، بل في الدروس ما يقضي بكونه ظاهر الاصحاب، قال: لو خافت المرأة على نفسها دون ولدها ففي وجوب الفدية وجهان، والرواية مطلقة، ولكن الاصحاب قيدوا بالولد، وإن كان قد يناقش فيه بأن المحكي عنه التصريح بذلك فخر الاسلام في شرحي الارشاد والقواعد وبعض من تأخر عنه، مع ان المحكي عن الصدوقين وابن حمزة والفاضلين في المعتبر والتذكرة والمنتهى والتحرير القطع بتساوي الخوفين في وجوب الفدية، كما ان المصنف هنا وفي النافع وعن الشيخ في الخلاف والفاضل في الارشاد والتلخيص والتبصرة ذكروا الاطلاق الشامل لهما، ولعله لا يخلو من قوة، لاطلاق الصحيح المزبور، بل قد يشعر قوله فيه: " لا يطيقان " بكون الخوف على النفس، ودعوى انسياق الخوف على الولد من قلة اللبن ممنوعة، لامكان كون ذلك داعيا لشدة ضعفها، مع انها لا تتم في الحامل ومكاتبة ابن مهزيار لا دلالة فيها على نفي الفداء مع كون الخوف على النفس خاصة على وجه يصلح لتقييد الاطلاق المزبور، وإن ظنه بعض متأخري المتأخرين، وعدم الفداء في الذي يخشى على نفسه المرض أو زيادته المندرج فيه ما نحن فيه

[ 153 ]

للاصل، لا لان ذلك يقتضي عدم الفداء، ضرورة انه انما يقتضي الافطار خاصة فلا بأس حينئذ بالفرق بين أفراده في وجوب الفدية مع القضاء وعدمه، وليس فيه تخلف المعلول عن العلة، كما هو واضح، إذ لا مانع من عدم وجوب الفداء في ذلك - بخلاف ما نحن فيه - عقلا ولا شرعا، ودعوى ان عدمه في الاقوى يقتضي عدم وجوبه في الادنى الذي هو محل البحث واضحة المنع، ضرورة عدم مجال للعقل في إدراك ذلك هنا بحيث يصلح لرفع اليد عن ظاهر الدليل الشرعي، كدعوى أن الظهور يرفعه إعراض المشهور عنه، لما عرفت من عدم تحقق الشهرة بل لعل المتحقق خلافها، على أنها بنفسها هنا لا تصلح لذلك، فلا ريب حينئذ في أن الاقوى والاحوط وجوب الفداء مطلقا. نعم قد يقال باختصاصه فيما إذا كان الخوف على النفس أو الولد للجوع أو العطش أو نحوهما، لا لغير ذلك كمرض الولد وإشرافه على المرض المحوج إلى شرب دواء ونحوه، فانه وإن وجب الافطار والقضاء حينئذ، لكن لا فدية للاصل مع عدم شمول الخبر له، لكنه مع ذلك لا يخلو من نظر في الجملة. ولا فرق في المرتضع بين كونه ولدا من النسب والرضاع، ولا في المرضعة بين المستأجرة والمتبرعة، لكن في الروضة لو قام غيرها مقامها متبرعا أو أخذ مثلها أو أنقص امتنع الافطار، وقد تبع في ذلك الدروس قال: لا فرق بين المستأجرة والمتبرعة إلا أن يقوم غيرها مقامها، ثم قال: لو قام غير الام مقامها روعي صلاح الطفل، فان تم بالاجنبية فالاقرب عدم جواز الافطار، هذا مع التبرع أو تساوي الاجرتين، ولو طلبت الاجنبية زيادة لم يجب تسلميه إليها وجاز الافطار، وهل يجب هذا الافطار عليها ؟ الظاهر نعم مع ظن الضرر بتركه، وأنه لا يدفعه إلا إرضاعها، ومبنى ذلك كله وجوب المقدمة التي لا تقتضي ضررا أو قبحا والمكاتبة المزبورة، بل جزم في الحدائق بوجوب الاستيجار وإن زادت

[ 154 ]

الاجرة على المثل مع الامكان لاطلاق المكاتبة، ولقائل أن يقول بعدم وجوب الاستيجار مطلقا، بل عدم وجوب إجابة المتبرع، تمسكا باطلاق الصحيح (1) المزبور الذي تقصر المكاتبة المزبورة عن تقييده سندا وغيره، خصوصا مع اعتضاده باطلاق الفتوى، ولا استبعاد في الرخصة شرعا لخصوص المرضعة كائنة ما كانت في ذلك، بل ربما يؤيده تصريح هؤلاء بعدم الفرق بين الام والمتبرعة، مع أن مقتضى ذلك عدم جواز التبرع لها مع اقتضائه الافطار حتى الام إذا كان للولد أب. وعلى كل حال فالفدية من مالهما وإن كان لهما زوج وكان الولد له، لانها بدل إفطارهما وإن كان بسبب الولد، ولان ذلك هو مقتضى قوله (عليه السلام): " عليهما " في النص كما هو واضح، هذا، وقد ذكرنا سابقا أن هذا الافطار الذى منشأه الضرر ونحوه عزيمة لا رخصة كما صرح به في الروضة تبعا لما سمعت التصريح به في الدروس. المسألة (الثامنة من نام في رمضان واستمر نومه فان كان نوى الصوم فلا قضاء عليه، وإن لم ينو فعليه القضاء، والمجنون والمغمى عليه لا يجب على أحدهما القضاء سواء عرض ذلك أياما أو بعض يوم، وسواء سبقت منهما نية أو لم تسبق وسواء عولج بما يفطر أو لم يعالج على الاشبه) كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا. المسألة (التاسعة) قد قطع الاصحاب كما في المدارك بأن (من يسوغ له الافطار) كالمريض والمسافر وغيرهما (في شهر رمضان يكره له التملي من الطعام والشراب) بل في المسالك نفي الخلاف عنه في غير ذي العطاش احتراما لشهر رمضان، واقتصارا في الرخصة على مقدار الضرورة، قال ابن سنان (2):


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 5

[ 155 ]

" سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان ومعه جارية أفله أن يصيب منها بالنهار ؟ فقال: سبحان الله أما يعرف هذا حرمة شهر رمضان، ان له في الليل سبحا طويلا، قلت: أليس له أن يأكل ويشرب ويقصر ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى قد رخص للمسافر في الافطار والتقصير رحمة وتخفيفا لموضع التعب والنصب ووعثاء السفر، ولم يرخص له في مجامعته النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، وأوجب عليه قضاء الصوم ولم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره، ثم قال: والسنة لا تقاس، واني إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت ولا أشرب كل الرى " خلافا للمحكي عن ابي الصلاح من عدم الجواز ولغيره في خصوص ذي العطاش، لخبر عجلان (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في الرجل يصيبه العطش حتى يخاف على نفسه قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه، ولا يشرب حتى يروى " المحمول على الكراهة عند الاكثر لاطلاق الرخصة في الافطار، وليس هو بحكم الصائم كي يقتصر على مقدار الضرورة التي هي بحكم الايجار الذي من الواضح الفرق بينه وبين المقام المتحقق فيه الاختيار، فلا فرق حينئذ في الحكم المزبور بين أفراد من يسوغ له الافطار. (و) كذا لا فرق بين (الجماع) وبين الاكل والشرب في الجواز، قال عمر بن يزيد (2) في الصحيح: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء ؟ قال: نعم " وقال عبد الملك (3) في الصحيح أيضا: " سألت أبا الحسن يعني موسى (عليه السلام) عن الرجل يجامع اهله في


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 وهو خبر عمار (2) و (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 1 - 3

[ 156 ]

السفر وهو في شهر رمضان قال: لا بأس به " ونحوه خبر سهل بن زياد (1) عن أبيه، وخبر أبي العباس (2) وخبر داود بن الحصين (3) وخبر علي بن الحكم (4) وصحيح محمد بن مسلم (5) وغيرها من النصوص التي لا ينبغي التأمل في حمل ما ظاهره المعارضة لها - كالخبر السابق (6) وصحيح محمد بن مسلم (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا سافر الرجل في شهر رمضان فلا يقرب النساء بالنهار في شهر رمضان فان ذلك محرم عليه " - على الكراهة باعتبار منافاته لحرمة شهر رمضان كما أو مأ إليه خبر ابن سنان (8) ايضا، قال: " سألته عن رجل أتى جاريته في شهر رمضان بالنهار في السفر فقال: ما عرف هذا حق شهر رمضان ان له في الليل سبحا طويلا ". (و) حينئذ فما (قيل) والقائل الشيخ إنه (يحرم) للمسافر أن يجامع نهارا إلا عند الحاجة، وعن ابي الصلاح انه لا يجوز لمن يسوغ له الافطار الجماع مختارا ما لم يخف فسادا في الدين واضح الضعف (و) لاسيما مع أن (الاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، كوضوح الضعف فيما حكي عن ابي الصلاح ايضا من انه إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا لظاهر قوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " وقوله تعالى: " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ولخبر ابي بصير (9) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الخروج في شهر رمضان قال: لا إلا فيما اخبرك به خروج إلى مكة أو غزوة في سبيل الله أو مال تخاف هلاكه أو أخ


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 - 4 - 7 - 9 - 10 - 5 - 8 - 6 والاول عن محمد بن سهل عن أبيه (9) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 3

[ 157 ]

تريد وداعه " ولاطلاق ما دل على وجوبه، إلا أن الجميع كما ترى قاصر عن معارضة الاصل، وظاهر قوله تعالى (1): " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " وقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عمار بن مروان (2): " من سافر قصر وأفطر " وصحيح محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سئل عن الرجل يعرض له له السفر في شهر رمضان وهو مقيم وقد مضى منه أيام فقال: لا بأس بأن يسافر ويفطر ولا يصوم " ونحوه خبر أبان بن عثمان (4) عن الصادق (عليه السلام)، وفي الصحيح عن الوشا عن حماد بن عثمان (5) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل من أصحابي جاءني خبره من الاعراض (الاعوص خ ل) وذلك في شهر رمضان أتلقاه وأفطر ؟ قال: نعم، قلت: أتلقاه وأفطر أو أقيم وأصوم ؟ قال: تلقاه وافطر " والمرسل (6) عن الصادق (عليه السلام) ايضا " سئل عن الرجل يخرج ليشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة فقال: إن كان في شهر رمضان فليفطر، قال: أيهما أفضل يصوم أو يشيعه قال: يشيعه، إن الله عزوجل وضع الصوم عنه إذا شيعه " وفحوى ما دل (7) على استحباب زيارة الحسين (عليه السلام) في شهر رمضان المتوقف امتثاله للنائي على السفر، وغير ذلك مما يظهر منه أن السفر كالموانع الاضطرارية، وان الصوم لا يجب إلا على الحاضر، وانه لا يجب عليه ان يحضر حتى يكون مكلفا، بل هو باق على إباحة السفر له، بل لعل ذلك كذلك في كل صوم قد تعين كقضاء شهر رمضان عند مجئ الاشهر الاخر، وصوم الكفارة لو تعين، وصوم النذر،


(1) سورة البقرة - الاية 181 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 3 (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 2 (5) و (6) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب صلاة المسافر - الحديث 2 - 3 (7) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب المزار من كتاب الحج

[ 158 ]

ولا تجب له الاقامة، فيكون الحاصل من مجموع الادلة وجوب الصوم على من كان حاضرا وعدمه على المسافر إلا ما خرج بالدليل. نعم يستفاد من صحيح الحلبي (1) وخبر أبي بصير (2) أفضلية الاقامة في شهر رمضان، قال في الاول: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل في شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر فسكت، فسألته غير مرة فقال: يقيم أفضل إلا أن يكون له حاجة لابد من الخروج فيها، أو يتخوف على ماله " وقال في الثاني ايضا: " جعلت فداك يدخل علي شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نية في زيارة قبر أبي عبد الله (عليه السلام) فأزوره وأفطر ذاهبا وجائيا أو أقيم حتى أفطر وأزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين فقال: أقم حتى تفطر، قلت له: جعلت فداك فهو أفضل قال: نعم، أما تقرأ في كتاب الله فمن شهد منكم الشهر فليصمه " بل في المختلف أن المشهور كراهة السفر إلى أن يمضي ثلاثة وعشرون يوما منه فتزول الكراهة ولعله لمرسل ابن أسباط (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط، قال الله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، وليس له أن يخرج في إتلاف مال غيره، فإذا مضت ليلة ثلاثة وعشرين فليخرج حيث شاء " وقد بان لك الحال من ذلك كله، وأن المراد من الاية وجوب صوم الشهر جميعه على من شهده أي كان حاضرا، وأن المراد الكراهة من النهي في خبر أبي بصير القاصر سندا ودلالة، وإطلاق ما دل على وجوبه يقيد بما إذا لم يكن مسافرا كما عرفت، والله أعلم.


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب من يصح منه الصوم الحديث 1 - 7 - 6

[ 159 ]

كتاب الاعتكاف (و) يقع (الكلام في ماهيته وأقسامه وأحكامه) أما الاول ف‍ (الاعتكاف) لغة هو الاحتباس، ومنه اللبث الطويل الذي هو أحد أفراد لزوم الشئ وحبس النفس عليه برا كان أو غيره، قال الله تعالى (1): " ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " أي لازمون لها وحابسون أنفسكم عليها، نحو قوله (2) " يعكفون على أصنام لهم " وشرعا على وجه النقل أو المجاز الشرعي (هو اللبث المتطاول للعبادة) وفي المنتهى " لبث مخصوص للعبادة " وفى الدروس " لبث في مسجد جامع مشروط بالصوم ابتداء " إلى غير ذلك من تعريفاتهم التي لا فائدة مهمة في استقصائها والمناقشة في طردها وعكسها وذكر الشروط ونحوها فيها بعد معلومية كون المراد منها الكشف في الجملة الحاصل بذلك ونحوه، كغيره من الموضوعات الشرعية والمتشرعية التي تعرضوا لها، مع احتمال ملاحظة من ذكر الشروط كونه اسما للصحيح لا الاعم منه والفاسد، كما أن المراد من قوله: " للعبادة " كون اللبث على وجه التعبد به


(1) سورة الانبياء - الاية 53 (2) سورة الاعراف - الاية 134

[ 160 ]

نفسه، فلا يتوهم شموله اللبث لعبادة خارجية كقراءة قرآن ونحوها، بل لا يتوهم أن المعتبر في الاعتكاف قصد كون اللبث لعبادة خارجة عنه بحيث لا يجزي الاقتصار على قصد التعبد به خاصة، ضرورة ظهور النصوص والفتاوى في مشروعيته لنفسه من غير اعتبار ضم قصد عبادة أخرى معه، ففي خبر السكوني (1) باسناده إلى الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) " اعتكاف عشر في شهر رمضان يعدل حجتين وعمرتين " لكن ظاهر ما يأتي من التذكرة اعتبار ذلك، بل جزم به شيخنا الاكبر في رسالته وكشفه، وعلى كل حال فالاجماع من المسلمين بقسميه على مشروعيته على وجه الندب وربما كان في قوله تعالى (2): " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين " دلالة عليه، كقوله (3): " ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد " وأما النصوص (4) الدالة على مشروعيته ولو بتضمنها فعل النبي (صلى الله عليه وآله) فهي متواترة، نعم في المنتهى ان أفضل أوقاته العشر الاواخر من شهر رمضان مستدلا برواية السكوني المتقدمة وهو كما ترى، ولعل قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي العباس (5): " اعتكف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شهر رمضان في العشر الاولى، ثم اعتكف في الثاني في العشر الوسطى، ثم اعتكلف في الثالثة في العشر الاواخر، ثم لم يزل (صلى الله عليه وآله) يعتكف في العشر الاواخر " أظهر دلالة، كقوله (عليه السلام) في خبر الحلبي (6) في حديث: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد


(1) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - - من كتاب الاعتكاف الحديث 3 - 0 - 4 - 1 (2) و (3) سورة البقرة - الاية 119 - 183 الجواهر - 20

[ 161 ]

وضربت له قبة من شعر وشمر المئزر وطوى فراشه " بل قوله (عليه السلام) في خبر داود ابن سرحان (1): " لا اعتكاف إلا في الشعر الاواخر من شهر رمضان " على ما رواه في التهذيب، وفي الكافي " إلا في العشرين " أظهر منهما، والامر في ذلك سهل. (و) كيف كان ف‍ (لا يصح إلا من مكلف مسلم) لما قدمناه سابقا من اشتراط الايمان في صحة العبادة فضلا عن الاسلام، لاعتبار نية القربة فيها المعلوم عدم قابلية غير المؤمن - الذي لا يقربه من ربه شئ بعد فقد الايمان - لها على أنك قد عرفت كون الاعتكاف اللبث المنافي لوجوب خروج الكافر من المسجد بل الظاهر اعتبار ذلك ابتداء واستدامة لما عرفت، فلو ارتد في الاثناء بطل اعتكافه وإن رجع كالصوم، بل أولى هنا للنهي حينئذ عن اللبث في المسجد، خلافا للمحكي عن المبسوط فلا يبطل وفاقا للشافعي، وأما التكليف فلا ريب في اعتباره من حيث العقل، لمعلومية عدم وقوعها من فاقده حتى السكران ولو بالاثناء أما من حيث البلوغ ففيه البحث السابق في عبادة الصبي بالنسبة إلى الشرعية والتمرينية، فمن الغريب جزم المصنف هنا بعدم الصحة مع حكمه بها سابقا في الصوم اللهم إلا أن يريد بالتكليف ما لا يشمله اتكالا على ما ذكره سابقا، أو يريد نفي الصحة الشرعية هنا وإثبات الصحة التمرينية هناك كما اختاره في المسالك وأو مأ إليه في التذكرة، قال: " ويصح اعتكاف الصبي المميز كما يصح صومه، وهل هو مشروع أو تأديب إشكال " أو غير ذلك. (و) كيف كان ف‍ (شرائطه ستة:) (الاول النية) المعلوم اعتبارها في جميع العبادات التي منها الاعتكاف


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 5

[ 162 ]

بلا خلاف، لاصالتها في كل مأمور به، والبحث في حقيقتها واعتبار الوجه وغير ذلك من مباحثها قد تقدم سابقا (و) قد ذكرنا هناك أنه انما (يجب) في نحوه (نية القربة) خاصة، وحينئذ فلا إشكال هنا من سائر الوجوه كما اعترف به ثاني الشهيدين في المحكي من فوائده على القواعد، قال: " ولو لم يعتبر الوجه كما هو الوجه استرحنا من الاشكالات، وكان معنى وجوب الثالث على القول به ترتب الثواب على فعله والعقاب على تركه بخلاف غيره " وهو كما ترى في غاية الجودة، إلا أن ظاهره اختصاص ذلك في القول بعدم اعتبار الوجه، أما عليه فلا، وهو ظاهر عبارة المتن، ولذا قال المصنف بناء على ما اختاره من اعتبار نية الوجه: (ثم إن كان منذورا) مثلا (نواه واجبا، وإن كان مندوبا نوى الندب، فان مضي له يومان وجب الثالث على الاظهر وجدد نية الوجوب) ضرورة ظهوره في وجوب التجديد، لكن في المدارك بناء على اعتبار الوجه إن كان منذورا نوى الوجوب، وإن كان مندوبا وقلنا إن المندوب لا يجب بالدخول فيه ولو مضى اليومان نوى الندب، وإن قلنا إنه يجب بالشروع أو بمضي اليومين نواه على هذا الوجه، بمعنى أن يكون الجزء الاول منه أو اليومان الاولان على وجه الندب والباقي على وجه الوجوب، ولا يتوجه عليه ما ذكره الشارح من تقدم النية على محلها، لان محلها أول الفعل، غاية الامر ان يقع على وجهين مختلفين، فيجب نيتهما كذلك، ولو اقتصر على نية اليومين الاولين ندبا ثم جدد نية الثالث على وجه الوجوب كما هو ظاهر عبارة المصنف كان جيدا، ولا يرد عليه ما ذكره بعضهم من أن الثلاثة أقل ما يتحقق به هذه العبادة، وهي متصلة شرعا، ومن شأن العبادة المتصلة أن لا يفرق النية على أجزائها بل يقع بنية واحدة، لانا نقول إنه لا دليل على امتناع التفريق، بل قد اعترف الاصحاب بجوازه في الوضوء ونحوه فليكن هنا كذلك، وأما ما قيل - من أن الاعتكاف لما كان الاصل فيه الندب،

[ 163 ]

والوجوب لا يتعلق به إلا لامر عارض جاز أن ينوي فيه أجمع ما هو مقتضى الاصل، وهو الندب - فضعيف جدا، إذ لا معنى لا يقاع الفعل الواجب على وجه الندب، كما هو واضح، قلت: بل هو قوي جدا، ضرورة كون اعتكاف الثلاثة عبادة واحدة، ولا توصف قبل الوقوع إلا بالندب، فهو حينئذ وجهها، والوجوب الحاصل بعد مضي اليومين أو بالشروع انما هو من أحكام تلك العبادة المندوبة لا من وجوه أمرها، ضرورة كونه بأمر آخر غير الامر بأصل الاعتكاف لا يعتبر في صحته أصل النية فضلا عن نية الوجه، ومن هنا لو أتم المكلف الفعل بالاستدامة على مقتضى الاول غير عالم بالامر الثاني صح فعله قطعا، ومن ذلك وجوب إتمام النافلة بعد الشروع فيها بناء على حرمة القطع، ولو سلم فالمتجه التجديد كما ذكره المصنف، إذ لا معنى لقصد امتثاله قبل تحقق الخطاب به ضرورة عدم الوجوب إلا بعد مضي اليومين، كما أن المتجه على التجديد وقوع النية عند الغروب من اليوم الثاني على وجه لا تنافي المقارنة عرفا من غير اعتبار التقدم اليسير والتأخر، لكن في الروضة ظاهر الاصحاب أن النية للفعل المستغرق للزمان المعين كالوقوف بعرفة يكون بعد تحققه لا قبله، وربما نوقش بخلو جزء من الزمان حينئذ من النية، فالاولى تقدمها بما لا ينافي المقارنة عرفا مع فرض تعذر المقارنة حقيقة، وفيه أنه مناف لاعتبار المقارنة المستفادة من الادلة، ودعوى صدق تحققها عرفا في نحو ما نحن فيه بذلك لا تختص بالتقدم، ومن هنا كان التحقيق ما قدمناه، ولعل ذلك كله بناء على أن النية الاخطار، أما على الداعي فالامر سهل بل يمكن استمراره على وجه تحصل به المقارنة حقيقة، لكن في رسالة شيخنا انه يكفي التبييت هنا على الاقوى، وهو مشكل، كما أن ما فيها من أنه يجوز نيته عن الميت والاموات دون الاحياء لا يخلو من إشكال أيضا، بل الاقوى جوازه، ولا يقدح ما فيه من النيابة في الصوم التبعي كالصلاة للطواف ونحوها

[ 164 ]

نعم ما فيها - من أنه لا يجوز العدول بالنية عن اعتكاف إلى غيره مع اختلافهما في الوجوب والندب واتحا دهما، ولا عن نيابة ميت إلى غيره إلا إذا نوى واجبا فبان عدم وجوبه، فان الاقوى جواز العدول إلى الندب، ولا يخلو من إشكال - جيد جدا، والله أعلم، ولا يخفى عليك جريان هذا البحث في نية أصل الاعتكاف ايضا، بل في كل عبادة مستغرقة للزمان. الشرط (الثاني الصوم، فلا يصح) بدونه بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، لقول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (1) وغيره: " لا اعتكاف إلا بصوم " وهو المراد من الوجوب في قول علي بن الحسين (عليهما السلام) في خبر الزهري (2): " وصوم الاعتكاف واجب " بل النصوص (3) بذلك في غاية الاستفاضة إن لم تكن متواترة، فلا حاجة إلى الاستدلال عليه مضافا إلى ذلك بما في التذكرة من أن الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلم يمكن بمجرده قربة كالوقوف بعرفة، فاحتاج إلى اشتراط الصوم، لانه بمجرده لا يكون عبادة، إذ هو كما ترى، نعم الظاهر أن شرطية الصوم له كشرطية الطهارة للصلاة لا يعتبر فيه الوقوع له، بل يكفي في صحة الاعتكاف وقوعه معه وإن لم يكن له سواء كان الصوم واجبا أو ندبا رمضان كان أو غيره بلا خلاف أجده فيه، بل عن المعتبر أن عليه فتوى علمائنا، ويدل عليه مضافا إلى ذلك في الجملة وقوعه من النبي (صلى الله عليه وآله) في شهر رمضان (4) لكن في التذكرة بعد أن ذكر نحو ذلك قال: ولو نذر اعتكاف ثلاثة أيام مثلا وجب عليه الصوم بالنذر، لان ما لا يتم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من كتاب الاعتكاف الحديث 3 - 2 - 0 - (4) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الاعتكاف

[ 165 ]

الواجب ألا به يكون واجبا، وأشكل إطلاقه في المدارك بأن النذر المطلق يصح إيقاعه في صوم شهر رمضان أو واجب غيره، فلا يكون نذر الاعتكاف مقتضيا لوجوب الصوم، كما أن من نذر الصلاة فاتفق كونه متطهرا في الوقت الذي تعلق به النذر لم يفتقر إلى طهارة مستأنفة، نعم لو كان الوقت معينا ولم يكن صومه واجبا اتجه وجوب صومه للتذر أيضا، فلو نذر المعتكف صياما وصام تلك الايام عن النذر أجزأ، وفيه أن المراد بقرينة كلامه سابقا ولا حقا الوجوب ولو تخييرا أو عند توقف الواجب عليه، ولذا قال بعد ذلك: " لو نذر اعتكافا وأطلق فاعتكف في أيام أراد صومها استحبابا جاز " وهو كالصريح فيما قلناه، لكن جزم في المسالك بالمنع من جعل صوم الاعتكاف المنذور مندوبا، للتنافي بين وجوب المضي على الاعتكاف الواجب وجواز قطع الصوم المندوب، وفي المدارك هو جيد إن ثبت وجوب المضي في مطلق الاعتكاف الواجب وإن كان مطلقا، لكنه غير واضح كما ستقف عليه، أما بدون ذلك فيتجه جواز إيقاع المنذور المطلق في الصوم المستحب، أما المعين فلا ريب في امتناع وقوعه كذلك، لما ذكره من التنافي بين وجوب المضي فيه وجواز قطع الصوم، وفيه انه لا منافاة بين الاستحباب الذاتي والوجوب الغيري، فيتجه حينئذ وقوع المعين فيه فضلا عن المطلق بعد اختلاف الجهة كالفريضة في المسجد ونحوها، وهو واضح. وعلى كل حال فقد ظهر لك أن الاعتكاف لا يصح (إلا في زمان يصح فيه الصوم ممن يصح منه) الصوم (فان اعتكف في العيدين) مثلا (لم يصح، وكذا لو اعتكف الحائض والنفساء) بل والمسافر بناء على عدم مشروعية الصوم منه، لكن في المختلف عن ابن بابويه والشيخ وابن إدريس استحباب الاعتكاف في السفر محتجين عليه بأنه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر، فجاز

[ 166 ]

صومها في السفر، وفيه أنه يكفي في اشتراط الحضر فيه اشتراطه في شرطه، وهو الصوم، فلا وجه للاستدلال باطلاق مشروعيته على جواز الصوم له سفرا، ضرورة أنه لا يتوقف أحد في اعتبار استفادة ذلك من نحو قوله (عليه السلام): " لا اعتكاف إلا بصوم " وقوله (عليه السلام) (1): " ليس من البر الصيام في السفر " الذي هو بمعنى قوله: " لا صيام إلا في الحضر " واحتمال العكس بأن يقال لا اعتكاف إلا بصيام، والاعتكاف للاطلاق مشروع سفرا وحضرا فالصوم له كذلك كما ترى، ولا أقل من أن يكون ذلك من التعارض من وجه، ولا ريب في كون الترجيح لما ذكرنا لوجوده، والله أعلم. الشرط (الثالث) العدد (لا يصح الاعتكاف إلا ثلاثة أيام) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، وقال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2) وموثق عمر بن يزيد (3): " لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام " كقوله (عليه السلام) في خبر داود بن سرحان (4): " الاعتكاف ثلاثة أيام يعني السنة " وأبو جعفر (عليه السلام) في خبر أبي عبيدة (5): " من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر، وإن شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام " إلى غير ذلك، وحينئذ (فمن نذر) مثلا (اعتكافا مطلقا وجب عليه أن يأتي بثلاثة) لانها أقل ما يتحقق به المطلق المزبور، وله أن يأتي بالازيد، وليس من الاقل المتحقق في ضمن الاكثر الذي لا يتصور امتثاله بالزائد عليه بعد حصوله بالاقل، ضرورة عدم الامتثال في الفرض


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب من يصح منه الصوم - الحديث 11 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الاعتكاف الحديث 2 - 5 - 4 - 3

[ 167 ]

بالاقل الذي صار بعد فرض قصد المكلف الزائد جزءا كاليوم من الثلاثة، ولا ينافيه وجوب القضاء له خاصة لو أفسده، بل قد يحتمل عدم اعتبار القصد أخيرا له بعد القصد الاول، لعدم الدليل على مشروعيته كذلك (وكذا إذا وجب عليه قضاء يوم من اعتكاف اعتكف ثلاثة) بضم يومين ندبا له (ليصح) له قضاء (ذلك اليوم) وإن كان هو مخيرا في جعله أولا أو أخيرا أو وسطا على إشكال في الاخير الوسط دون الاول، لكن ستعرف دفعه. والمراد باليوم لغة وعرفا من طلوع الفجر إلى غروب الحمرة المشرقية، فلا تدخل الليلة الاولى في الثلاثة فضلا عن الاخيرة كما بيناه غير مرة، وربما يشهد له في الجملة قوله تعالى (1): " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما " فالنية حينئذ عنده لا عندها، وإن كان الاحوط الجمع بينهما، خلافا للمحكي عن الفاضل وإن كنا لم نتحققه، ولثاني الشهيدين فأدخلا الليلة الاولى فيها، وجعلاها محل النية قياسا على الليلتين في الاثناء، وفيه أن دخولهما لا لكونهما من مسمى اليوم، بل لظهور النص والفتوى في استمرار حكم الاعتكاف، وانه لا انقطاع فيه، ولذلك دخلا، فهو قياس مع الفارق، ومن ذلك يعلم أن الاعتكاف بدونهن يبطل، فلو نذره كذلك كان باطلا، خلافا لما ستعرفه من الشيخ، وأضعف منه القول بدخول الليلة الرابعة التي يشهد اللغة والعرف بخلافها، بل خبر عمر بن يزيد (2) المتقدم في كتاب الصوم صريح في نسبة هذا القول للمغيرية وأنهم كذبوا فيه، نعم له إدخالها في الاعتكاف، لانه لاحد لاكثره، أما بعضها


(1) سورة الحاقة - الاية 7 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 7 إلا إنه لم يتقدم ذكره

[ 168 ]

أو بعض اليوم ففي شيخنا الميل فيه إلى العدم، وعليه إبداء الفرق، وهل يجزي التلفيق في صدق الثلاثة ؟ وجهان بل قولان، أقواهما نعم كما في غير المقام وفاقا للفاضل في المختلف للصدق عرفا، وخلافا للمحكي عن المبسوط وغيره، ولو نذر اعتكاف شهر معين أو غير معين دخل فيه الليلة الاولى، لانها من مسماه، ويجزيه ما بين الهلالين تم أو نقص ويقوى الاجتزاء بالعدد أيضا إن شاء، لصدق الامتثال بكل منهما عرفا، كما انه يجزيه التتابع والتفريق ثلاثة في الشهر المطلق والايام للصدق كما في الصوم، إلا أنه لا يخلو من نظر لما تقدم في نذر الصوم، بل صرح شيخنا في بغيته بوجوب التتابع في نذر الشهر، إلا أن ظاهرهم في المقام عدمه، بل في المختلف أن له التفريق يوما فيوما على ان يضم لكل يوم من النذر يومين ندبا، قال: لا يقال: لا يصح الصوم تطوعا ممن عليه صوم واجب لانا نقول: نمنع أولا ذلك على ما اختاره المرتضى، سلمنا لكن نذر الاعتكاف لا يستلزم نذر الصوم، فجاز ان يعتكف في نهار رمضان فينوي اول نهار من اعتكاف المنذور وباقية ندبا أو بالعكس، اما لو كان نذره اعتكاف شهر معين وجب مراعاة التوالي، لتوقف الصدق عليه، فلو أفطر يوما منه بعد مضي ثلاثة مثلا أثم وأتم ما بقي وقضى ما فات كما ستعرفه عند تعرض المصنف له. (و) كذا تعرف الحكم في (من ابتدأ اعتكافا مندوبا) وأن مختار المصنف وجماعة بل هو المشهور أنه (كان بالخيار في المضي فيه وفي الرجوع، فان اعتكف يومين وجب الثالث، وكذا لو اعتكف ثلاثة ثم اعتكف يومين بعدها وجب السادس و) قد عرفت الحال فيما (لو دخل في الاعتكاف قبل العيد بيوم أو يومين) أي أنه (لم يصح) لما تقدم من أنه لا اعتكاف إلا بصوم، وهو محرم في العيد أما لو دخل في اعتكاف خامسه العيد مثلا أو نذره ففي صحة ما عدا العيد وبطلانه الجواهر - 21

[ 169 ]

وجهان، هذا (و) قد عرفت الحال فيما (لو نذر اعتكاف ثلاثة) أيام (من دون لياليها) وأنه غير جائز لكن (قيل) والقائل الشيخ في المحكي عن خلافه: (يصح) ذلك، قال: " إذا قال: لله علي ان أعتكف ثلاثة أيام لزمه ذلك، فان قال: متتابعا لزمه بينها ليلتان، وإن لم يشترط المتابعة جاز أن يعتكف نهار ثلاثة أيام بلا لياليهن " وقال في هذا الكتاب أيضا قبل ذلك: " لا يكون الاعتكاف بأقل من ثلاثة أيام وليلتين " وقال في المحكي عن مبسوطه: " إن نذر أياما بعينها لم يدخل فيها لياليها إلا أن يقول العشر الاواخر وما يجزي مجراه، فيلزمه حينئذ الليالي، لان الاسم يقع عليه " ثم قال في موضع آخر منه: " وإذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر من أول يوم إلى بعد الغروب من ذلك اليوم، وكذلك اليوم الثاني والثالث، هذا إذا أطلقه، وإن شرط التتابع لزمه الثلاثة الايام بينها ليلتان ". (وقيل) والقائل المشهور بل لا أجد فيه خلافا إلا ممن عرفت: (لا) يصح (لانه بخروجه عن قيد الاعتكاف) في الليل (يبطل اعتكاف ذلك اليوم) لكونه حينئذ اعتكافا أقل من ثلاثة أيام، قيل: وإلى ذلك يرجع ما في المختلف من الاستدلال على المطلوب بأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام، ومفهوم ذلك دخول الليالي، لكن قد يناقش بأنه لا يتم في الزائد على الثلاثة، فالاولى حمل كلامه على إرادة فهم الاتصال على وجه يدخل فيه الليالي المتوسطة من أمثال هذا التركيب في إقامة العشر وثلاثة الحيض وغيرهما، كما أن الاولى الاستدلال عليه أيضا بما يأتي من النصوص (1) الدالة على وجوب الكفارة علي من جامع ليلا وهو معتكف، ضرورة عدم الداعي إلى حملها على اشتراط التتابع، كل ذلك


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف

[ 170 ]

مضافا إلى إمكان دعوى الاجماع على المطلوب، والله أعلم. (و) كيف كان ف‍ (لا يجب التوالي فيما نذره من الزيادة على الثلاثة بل) له ذلك والتفريق، لصدق الامتثال بكل منهما: وإن كان في التفريق (لابد أن يعتكف ثلاثة ثلاثة فما زاد) لما عرفت من أن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة، بل قد سمعت ما في المختلف من التفريق يوما يوما، وإن كان هو خروج عن محل البحث، ضرورة إرادة التفريق في المنذور نفسه من غير ضم غيره معه، ومثله يأتي في نذر الثلاثة كما صرح به شيخنا في بغية الطالب، لعدم تصور الفرق بينها وبين العشرة في ذلك، هذا. ولا يخفى عليك أنه لا يجب عليه التوالي (إلا) إذا نذر مثلا على وجه يظهر منه كما (إذا اشترط التتابع لفظا) بأن قال عشرة أيام متتابعة (أو معنى) كما لو نذر شهر رجب أو العشرة الاخيرة منه أو من شهر رمضان مثلا ونحو ذلك مما يتوقف صدق الاسم عليه، فانه حينئذ يجب مراعاته، فلو أخل به لعذر احتمل البناء لما تقدم في الصوم، واحتمل العدم اقتصارا على المتيقن، وإن كان عمدا استأنف على الاقوى، مع احتمال البناء كما تعرف الحال فيه إن شاء الله عند تعرض المصنف له، والله أعلم. الشرط (الرابع المكان، فلا يصح) الاعتكاف (إلا في مسجد) إجماعا بقسميه ونصوصا (1) مستفيضة أو متواتراة، انما الكلام في تعيينه، فعن ابن أبي عقيل أنه كل مسجد، قال: " الاعتكاف عند آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكون إلا في المساجد، وأفضله المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ومسجد الكوفة، وسائر الامصار مساجد الجماعات " وعن جماعة أنه لا يكون


(1) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاعتكاف

[ 171 ]

إلا في (جامع) وهو ظاهر المصنف بل والمفيد وإن عبر بالمسجد الاعظم إلا أن الظاهر إرادة الجامع منه في مقابلة مسجد السوق والقبيلة ونحوهما من المساجد التي لم يجتمع فيها المعظم من اهل البلد، ولا أعدت لذلك، ولو فرض تعدد الجامع في البلد الواحد جاز في كل واحد منها، وليس له التشريك بينها في الاعتكاف الواحد مع عدم الاتصال، أما معه بالباب مثلا ففي بغية الاستاذ لا تبعد الصحة، وفيه أن ذلك غير مجد بعد فرض ظهور الادلة في اعتبار الوحدة المفروض عدم تحققها بذلك في المفروض، وقال في محكي المنتهى: " لو فصل الجامع الذي يجوز الاعتكاف فيه بحاجز جاز أن يعتكف بكل منهما، لانه بعضه، وليس له أن يخرج عن أحدهما إلا لضرورة أو حاجة من حر أو برد أو غير ذلك، أما لو كان أحد الموضعين ملاصقا للاخر بحيث لا يحتاج إلى المشي في غيرهما جاز أن يخرج من أحدهما إلى الاخر " قلت: المدار على صدق الوحدة عرفا كما لا يخفى، ولو تعذر المكث في محل النية فالاقوى البطلان مع احتمال الاكتفاء بجامع آخر. (وقيل) والقائل الاكثر كما في الدروس: (لا يصح إلا في المساجد الاربعة: مسجد مكة ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ومسجد الجامع بالكوفة ومسجد البصرة) بل في محكي المنتهى أنه المشهور، بل عن المرتضى والشيخ وابن زهرة والطبرسي الاجماع عليه (وقائل) وهو علي بن بابويه (جعل موضعه) أي الاخير (مسجد المداين) الذي روي (1) ان الحسن (عليه السلام) صلى فيه، وفيه أن المتجه حينئذ ضمه مع الاربعة كما عن المقنع لا إبداله (و) ذلك لان (ضابطه) عندهم (كل مسجد جمع فيه نبي أو وصي) نبي (جماعة) ومن المعلوم أن الاربعة قد تحقق فيها ذلك، والخامس على فرض صحة الرواية المزبورة يلحق بها


(1) مرآة العقول ج 3 ص 246

[ 172 ]

(و) كذا مسجد براثا، بل (منهم) كالشيخ في المبسوط والمرتضى في الانتصار على ما قيل (من قال) باعتبار كون الجماعة في (جمعة) ولم يتحقق ذلك في غير الاربعة، بل لعل المتحقق خلافه، وربما قيل: إن هذا فائدة الخلاف في اعتبار الجماعة والجمعة. وعلى كل حال فالاقوى الثاني، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1): " لا اعتكاف إلا بصوم في مسجد الجامع " وقوله (عليه السلام) في خبر ابن سنان (2): " لا يصلح العكوف في غيرها يعني مكة إلا ان يكون مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو في مسجد من مساجد الجماعة " وقوله عن أبيه (عليهما السلام) في خبر علي ابن غراب (3): " المعتكف يعتكف في المسجد الجامع " ومثله خبر علي بن عمران (4) وفي خبر أبي الصباح (5) عنه (عليه السلام) ايضا " انه سئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر الاواخر قال: إن عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) أو في مسجد جماعة " وفي حسن الحلبي أو صحيحه (6) انه سئل ايضا " عن الاعتكاف فقال: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) أو مسجد الكوفة أو مسجد جماعة، وتصوم ما دمت معتكفا " وقال (عليه السلام) ايضا في خبر داود بن سرحان (7): " لا أرى الاعتكاف إلا في مسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) أو في مسجد جامع) وقال (عليه السلام) ايضا في خبر يحيى بن العلاء الرازي (8): " لا يكون اعتكاف إلا في مسجد جماعة " بل لعله يرجع إلى ذلك المرسل (9) عن المقنع أنه


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 - 3 - 4 - 4 - 5 - 7 - 10 6 - 2

[ 173 ]

روي " لا اعتكاف إلا في مسجد يصلى فيه الجمعة بامام وخطبة " والمرسل (1) عن ابن الجنيد انه " روى ابن سعيد يعني الحسين عن ابي عبد الله (عليه السلام) جواز الاعتكاف في كل مسجد صلى فيه إمام عدل صلاة الجمعة جماعة، وفي المسجد الذي تصلى فيه الجمعة بامام وخطبة " ضرورة كونه هو الجامع غالبا، كمعلومية كونه المراد من مسجد الجماعة، إذا لم يقل أحد باعتبارها في الاعتكاف، وهي جميعا كما ترى متفقة على خلاف المحكي عن ابن ابي عقيل، وأما موثق عمر بن يزيد (2) الذي هو دليل المشهور " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها ؟ فقال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه إمام عدل صلاة جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة ومسجد مكة " فيمكن إرادة الاعم من المعصوم من الامام العدل فيه، بل لعله على التوصيف ظاهر في غيره، وكان وجه اعتبار صلاة العدل فيه جماعة ان السائل سأل عن مساجد بغداد، وهي ليست مساجد اهل الحق، إلا انه يجري عليها الحكم إذا اتخذها اهل الحق لصلاتهم وجوامع لهم، فيكون المراد انه لا عبرة بمسجد الجماعة لهم إذا لم يصل فيها إمام عدل جماعة على وجه يكون جامعا لهم ولغيرهم، للشك في الاكتفاء بغير ذلك وإن سمي جامعا باعتبار اتخاذ غير اهل الحق كذلك، وعلى كل حال فهو مع اتحاده وكونه من قسم الموثق واحتماله ما عرفت قاصر عن معارضته لما تقدم، سيما بعد اعتضاده بظاهر الاية (3) بناء على دلالتها على مشروعيته بكل مسجد، ودعوى المرتضى والشيخ وغيرهما الاجماع لم نتحققها، بل لعل المتحقق خلافه، فلاريب في ان الاقوى ما قلناه.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 14 - 8 (3) سورة البقرة - الاية 183

[ 174 ]

ويلحق بالمساجد حيطانها التي من جانبها وآبارها التي فيها وسطوحها ومنائرها ومنابرها ومحاريبها وسراديبها، كبيت الطشت في الكوفة ونحو ذلك مما هو مبني على الدخول ما لم يعلم الخروج، بخلاف سنائدها ونحوها مما هو مبني على الخروج ما لم يعلم دخولها، والاضافات إلى الجوامع حكمها حكمها مع اتخاذها اتخاذها، وقبر مسلم بن عقيل (عليه السلام) وهاني نحوهما ليس من المسجد على الظاهر، وما في الدروس من تحقق الخروج عن المسجد بالصعود على السطح لعدم دخوله في مسماه واضح الضعف، نعم لو فرض قصد المعتكف الاعتكاف في الاسفل دونه جاء فيه البحث السابق الذي قد ذكرنا فيه عدم الدليل على وجوب اعتبار ذلك ولو قصده، ولعله لذا قطع في محكي المنتهى بعدم الفرق بين السطوح وغيرها من غير نقل خلاف فيه، بل حكاه عن الفقهاء الاربعة، واستحسنه في المدارك، وهو كذلك، ولو اعتكف فبان عدم المسجدية أو الجامعية بطل اعتكافه، ولا يصلحه لحوقهما. ولو تعذر إتمام اللبث في المكان الذي اعتكاف فيه لخروجه عن قابلية اللبث فيه بأحد الاسباب احتمل الاكتفاء باللبث في غيره، بل ربما قيل به، وهو مشكل ولو زال المانع احتمل البناء، والاقوى الاستئناف مع فرض الوجوب. وتعلم الجامعية بالبينة والشياع وحكم الحاكم ونحو ذلك، بل يمكن الاكتفاء بخبر العدل. (و) كيف كان ف‍ (يستوي في ذلك الرجل والمرأة) بلا خلاف اجده بيننا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه كما ادعاه في الحدائق، لاصالة الاشتراك، وظاهر بعض النصوص (1) في وجه، من غير فرق بين المكان الذى أعدته للصلاة


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 و 2

[ 175 ]

في بيتها وغيره عندنا، نعم خالف بعض العامة في ذلك فجوز لها الاعتكاف في مسجد بيتها، ولعله لذلك نبه المصنف على التسوية المزبورة. والحضرات المشرفة وإن كانت أفضل من الجوامع لا تلحق بها هنا، وكذا رواقها وإن كان متخذا للعبادة لا لا حكام البناء، وجميع بقاع جامع الاعتكاف على حد سواء للمعتكف، بل لا يبعد عدم اعتبار خصوص بعضها وإن خصصه المعتكف، نعم قد يقال باعتباره لو خصصه الولي كحاكم الشرع على إشكال فيه ينشأ من عموم ولايته على هذا النحو، والله أعلم. الشرط (الخامس إذن من له ولاية) على المنع من الاعتكاف (كالمولى لعبده) مدبرا كان أو أم ولد أو غيرهما (والزوج لزوجته) بلا خلاف أجده فيه معللين له بملكية السيد والزوج منافعهما، فلا يجوز صرفهما لها بغير الاذن، بل في الدروس إضافة الولد والاجير والضيف لهم، ولم نعثر هنا على دليل بالخصوص نعم قد تقدم في الصوم المندوب ماله مدخلية في المقام مع فرض الاعتكاف فيه، وإن كان هو أخص من المقام، ضرورة أعمية الاعتكاف من ذلك حتى في الصوم المندوب الذي يفرض حصول الاذن فيه، فليس للمسألة مدرك على الظاهر سوى الملكية المزبورة على الوجه المزبور التي يمكن تسليمها في العبد وفي الاجير دون الزوجة ودون الولد، ولذا لم يعتبر اذنه بعض مشايخنا، لكن اعتبر عدم منعه، وكذا الوالدة، وفيه ايضا بحث، وأما الضيف فليس مبنى المنع فيه إلا حيثية الصوم قطعا، فينبغي أن يدور الاعتكاف مدارها، وبالجملة قد تقدم في الصوم ماله نفع في المقام، ومنه يعلم الحال في الاعتكاف الواجب المعين والمطلق، واعتبار الاذن فيه وعدمها. (و) على كل حال ف‍ (إذا أذن من له ولاية كان له المنع قبل الشروع) للاصل السالم عن المعارض (وبعده ما لم يمض يومان) بناء على وجوبه حينئذ

[ 176 ]

(أو يكون واجبا بنذر وشبهه) وقلنا بوجوب إتمامه بالشروع، لعدم طاعة المخلوق في معصية الخالق، ولو قلنا بوجوب الاعتكاف بالشروع مطلقا لم يكن له الرجوع معه، ولعله لهذا أطلق الشيخ في المحكي عن مبسوطه وخلافه عدم جواز الرجوع مع الاذن، وإلا كان واضح الفساد. (فرعان) بل فروع: (الاول المملوك) المبعض (إذا هاياه مولاه جاز له الاعتكاف في أيامه) التي تسع أقل الاعتكاف (وإن لم يأذن له مولاه) لعدم السلطان له فيها، نعم قيده بعضهم بما إذا لم يضعفه في نوبة السيد، وزاد آخر ولم يكن الاعتكاف في صوم مندوب إن منعنا المبعض من الصوم بغير إذن المولى وهو جيد في الاخير، أما الاول فيمكن المناقشة فيه باطلاق ما دل على أن له الانتفاع في أيامه، ولذا لم يعتبر في نوبة السيد التقييد بما إذا لم يضعفه في نوبته، فتأمل جيدا. (الثاني إذا أعتق) العبد (في أثناء الاعتكاف) الذي لم يؤذن فيه (لم يلزمه المضي فيه إلا أن يكون شرع باذن المولى) وحصل سبب الوجوب، خلافا للمحكي عن الشيخ فأوجب الاتمام عليه فيه وإن لم يكن أصله مأذونا فيه، وهو غريب. الثالث المكاتب الذي لم يتحرر منه شئ حكمه حكم القن في عدم جواز الاعتكاف بغير الاذن، للاصل وغيره، نعم لو كان اعتكافه اكتسابا اتجه عدم اعتبار الاذن حينئذ، لانه مقتضى الكتابة، فما عن الشافعي من عدم اعتبارها مطلقا واضح الضعف، كاطلاق المحكي عن الشيخ من اعتبارها، والمتجه ما ذكرناه. الشرط (السادس استدامة اللبث) بنفسه قائما أو جالسا أو مضطجعا أو راكبا مستقرا أو مضطربا (في المسجد) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع الجواهر - 22

[ 177 ]

بقسميه عليه، بل في المدارك وغيرها نسبته إلى العلماء كافة، لانه معنى الاعتكاف ولقول الصادق (عليه السلام) في خبر داود بن سرحان (1) في حديث: " ولا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد الجامع إلا لحاجة لابد منها، ثم لا يجلس حتى يرجع، والمرأة مثل ذلك " وزاد في صحيح الحلبي (2) " ولا يخرج في شئ إلا لجنازة أو يعود مريضا، ولا يجلس حتى يرجع " وقال له (عليه السلام) أيضا داود بن سرحان (3) في خبره الاخر: " كنت بالمدينة في شهر رمضان فقلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني أريد أن أعتكف فماذا أقول ؟ وماذا أفرض على نفسي ؟ فقال: لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لابد منها، ولا تقعد تحت ضلال حتى تعود إلى مجلسك " وقال أيضا في خبر ابن سنان (4): " لا يخرج المعتكف من المسجد إلا في حاجة " وفي صحيحه (5) أيضا " ليس للمعتكف أن يخرج من المسجد إلا إلى الجمعة أو جنازة أو غائط " بل خبر ميمون بن مهران (6) ظاهر في معلومية منافاة الاعتكاف للخروج في ذلك الزمان، قال: " كنت جالسا عند الحسن بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له: يابن رسول الله إن فلانا له علي مال ويريد أن يحبسني فقال: والله ما عندي مال فأقضي عنك، فقال: فكلمه، فلبس (عليه السلام) نعله فقلت له: يابن رسول الله أنسيت اعتكافك ؟ فقال له: لم أنس ولكني سمعت أبي يحدث عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله عزوجل تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله " إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة بما سمعت. وحينئذ (فلو خرج لغير الاسباب المبيحة بطل اعتكافه) ضرورة ظهور


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الا عتكاف - الحديث 1 - 2 - 3 - 5 - 6 - 4

[ 178 ]

جميع ما عرفت في الشرطية التي ينعدم بانعدامها المشروط، بل جزم المصنف هنا ومحكي المعتبر بأنه لا فرق في ذلك بين أن يكون (طوعا خرج أو كرها) مستدلا عليه في الاخير بأن الاعتكاف لبث في المسجد، فيكون الخروج منافيا له لكن قد يناقش بظهور الادلة في كون المنافي له شرعا الاول، خصوصا بملاحظة ما دل على الرخصة في الخروج فيه للحاجة ونحوها مما هو أسهل من الاكراه بمراتب ولذا قال الفاضل في تذكرته: " انما يبطل بالخروج اختيارا، وأما إذا خرج كرها فلا إلا مع طول الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا " ونفي عنه البأس في المدارك للاصل وحديث رفع لقلم، وعدم توجه النهي إلى هذا الفعل، وفي المختلف قال الشيخ في المبسوط: " لو أخرجه السلطان ظلما لم يفسد اعتكافه، وانما يقضي ما يفوته، وإن أخرجه لاقامة حد أو استيفاء دين يقدر على قضائه بطل، لانه أحوج إليه، فكان مختارا في خروجه " وقال في موضع آخر: " كل من خرج من الاعتكاف لعذر أو غير عذر وجب عليه قضاؤه، ومتى خرج قبل أن يمضي ثلاثة استأنف، وهذا هو الاقرب إن طال الزمان، أما مع عدمه فلا، لنا أن الاعتكاف هو اللبث، ولا يتحقق ماهيته مع الخروج، احتج بأنه عذر فلا ينافي الاعتكاف كاليسير، والجواب أن اليسير لا عبرة إذا كان لعذر بخلاف المتطاول " قلت: لا صراحة في كلام الشيخ في المتطاول الماحي للصورة التي لا تفاوت فيه بين العذر وغيره، فيرجع إلى ما ذكرنا، كالمحكي عن المنتهى، وكذا ينساق من الادلة أن المنافي الخروج بجملته لا بعضو من أعضائه، وبه قطع المصنف والفاضل في محكي المعتبر والمنتهى من غير نقل خلاف مستدلا عليه في الاخير بما رواه الجمهور (1) عن عائشة " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اعتكف يدني إلي رأسه


(1) سنن أبى داود ج 1 ص 574 " باب المتكف يدخل بيه لحاجته " الحديث 1

[ 179 ]

فأرجله " وهو مع عدم كونه من طرقنا لا ظهور فيه بخروج رأسه من المسجد، والتحقيق أن المدار على صدق اللبث فيه، فما عن المسالك من منافاة خروج الجزء له كالكل كما ترى، نعم ليس له أن ينوي الاعتكاف ببعض بدنه، ومن الاضطرار الكون في الخارج لغبار ونحوه، والجهل بالحكم ليس عذرا بخلاف الموضوع. وكيف كان (فان لم تمض ثلاثة أيام) التي هي أقل الاعتكاف قبل خروجه الاختياري ((بطل الاعتكاف) من أصله (وإن مضت فهي صحيحة إلى حين خروجه، ولو) كان قد (نذر اعتكاف أيام معينة) كالعشر الاواخر من شهر رمضان ونحوها (ثم خرج قبل إكمالها بطل الجميع إن شرط التتابع ويستأنفها) بأن يقضيها متتابعة في وجه، لعدم الاتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعا ولو بسبب النذر الذي لم يخرج عن عهدته بذلك كما عن المبسوط والدروس، لكن في المختلف " ولقائل أن يقول: لا يجب الاستيناف وإن وجب عليه التمام متتابعا وكفارة خلف النذر، لان الايام التي اعتكفها متتابعة وقعت على الوجه المأمور به، فيخرج بها عن العهدة، ولا يجب عليه استينافها، لان غيرها لم يتناوله النذر، بخلاف ما إذا أطلق النذر وشرط التتابع فانه هنا يجب الاستئناف، لانه أخل بصيغة النذر، فوجب عليه استئنافه من رأس، بخلاف صورة النزاع، والفرق بينهما بتعين الزمان هناك وإطلاقه هنا لكل صوم متتابع، فأي زمان كان الاطلاق يصح أن يجعله المنذور، وأما مع التعيين فلا يمكنه البدلية " ووافقه ثاني الشهيدين في المحكي عن مسالكه، وفيه ان التتابع في البعض غير كاف في الامتثال بعد أن فرض اعتباره في الجميع في صيغة واحدة، وعدم إمكان استئنافها نفسها باعتبار تعينها لا ينافي وجوب القضاء، كما إذا لم يأت بها أجمع، وكما إذا نذر صوم يوم بعينه، فالمتجه حينئذ ما ذكره المصنف، نعم ظاهره اعتبار اشتراط التتابع لفظا، وعدم الاكتفاء عن ذلك بتعين الايام الذي يلزمه التتابع كما هو صريح

[ 180 ]

الدروس، وهو كذلك، ضرورة كون التتابع فيه كالتتابع في صوم شهر رمضان لا يفسد ما سبق، ولا ينافي ما يأتي، وانما يجب قضاؤه نفسه، هذا. (و) قد ظهر لك من النصوص السابقة مضافا إلى الاجماع بقسميه أنه (يجوز) له (الخروج) في الجملة (للامور الضرورية) شرعا أو عقلا أو عادة (كقضاء الحاجة) من بول أو غائط، نعم عن الاصحاب انهم أوجبوا تحري أقرب الطرق إلى موضع قضاء الحاجة، ونحوه يجري في غيره، وفي محكي المنتهى " لو كان إلى جانب المسجد سقاية خرج إليها إلا أن يجد بها غضاضة بأن يكون من اهل الاحتشام، فيجد المشقة بدخولها لاجل الناس، فيعدل عنها حينئذ إلى منزله وإن كان أبعد " بل قال: " ولو بذل له صديق منزله وهو قريب من المسجد لفضاء حاجة لم يلزمه الاجابة، لما فيه من المشقة بالاحتشام، بل يمضي إلى منزله " وربما ظهر من جماعة الميل إليه، واستشكله في الحدائق بأنه تقييد لاطلاق النص بغير دليل، وما ذكره من التعليل لا يصلح لتأسيس الاحكام الشرعية مشيرا بذلك إلى الغضاضة ونحوها كما صرح به بعد ذلك، وفيه أن مرجع هذا التعليل ونحوه إلى ما علم من نفي الحرج في الدين وسهولة الملة وسماحتها ونحو ذلك، ولا فرق بين البعيد والقريب ما لم يخرج عن مسمى الاعتكاف. (و) منها ايضا (الاغتسال) من الجنابة والاستحاضة ونحوهما مما هو فيها واجب، نعم في الحدائق " لا يجوز الخروج للغسل المندوب " واستحسنه في المدارك بعد أن حكاه عن التذكرة، وقد يناقش بعموم ما دل على الحث عليه في الجمعة (1) ونحوها، وإن كان بينهما تعارض العموم من وجه، لكن قد يؤيد ذلك بما دل على الخروج للحاجة المتعلقة به وبغيره، ضرورة إطلاق الادلة


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاغسال المسنونة من كتاب الطهارة

[ 181 ]

جواز الخروج لها، ولا داعي إلى تخصيصها بالغير، بل ظاهر المحكي عن ثاني المحققين عدم الفرق بينهما، ولذا احتمل في عبارة المتن إرادة مطلقها، قال: فيدخل فيه حاجة نفسه وحاجة غيره من المؤمنين، لاستثناء ذلك، بل كما انه لا حاجة إلى إرادة خصوص الغائط والبول منها، وإن جنح إليه في المدارك حتى أنه توقف في جواز الخروج لقضاء حاجة الغير مستدلا عليه بخبر ميمون بن مهران (1) ثم قال: لكنه قاصر من حيث السند، فلا يصلح لتخصيص الاخبار المتضمنة لاطلاق المنع من الخروج، وفيه ما لا يخفى، بل يمكن دعوى الاجماع على خلافه. ولو أمكن الغسل في المسجد على وجه لا يتعدى إليه النجاسة ففي المدارك قد أطلق جماعة المنع من ذلك، لما فيه من الامتهان المنافي للاحترام، ويحتمل الجواز كما في الوضوء والغسل المندوب، وفيه انه مستلزم لللبث المحرم، وبه يفرق بينه وبين الوضوء والغسل المندوب، على أنه قد ورد النهي عن الوضوء في المسجد من البول والغائط. (و) منها (شهادة الجنائر) للحمل والصلاة عليها ودفنها، وفي محكي المنتهى قال علماؤنا: يجوز أن يخرج لتشييع الجنازة وعيادة المريض، وقد سمعت ما في صحيح الحلبي (2) وصحيح ابن سنان (3) من غير فرق بين تعين ذلك عليه وعدمه، لاطلاق النص، لكن في التذكرة اعتبار الاول، وفيه ما لا يخفى. (و) منها (عود المريض) بلا خلاف أجده، بل في التذكرة أنه قول علمائنا أجمع، وهو الحجة، مضافا إلى صحيح الحلبي (4) وإمكان اندراجه في الحاجة، وإلى ما دل (5) على استحبابه في نفسه.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الاعتكاف الحديث 4 - 2 - 6 - 2 (5) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الاحتضار من كتاب الطهارة

[ 182 ]

(و) منها (تشييع المؤمن) كما ذكره الفاضل وغيره إلا اني لم أعثر على نص فيه بالخصوص. وكذا قوله: (وإقامة الشهادة) إلا انهما مندرجان في الحاجة التي قد عرفت إطلاقها، وتقييدها بعدم البد منها يمكن إرادة التى لا يمكن الجمع بينها وبين الاعتكاف، وتفوت بعدم الخروج إليها، أو إرادة ما يشمل ذلك ونحوه، على أن إقامة الشهادة مع تعينها حاجة لابد منها، بل وتحملها مع التعين كذلك ايضا، مضافا إلى كون التعارض بين ما دل على عدم خروج المعتكف وبين ما دل على وجوب إقامتها تعارض العموم من وجه، والترجيح للثاني من وجوه، بل لعله كذلك مع عدم التعين، خلافا للفاضل في بعض كتبه، خصوصا مع ملاحظة ما ورد في الجنازة وعود المريض من الرخصة، ولعل هذا هو الوجه في كثير مما ذكره الاصحاب في المقام وعدم النص بالخصوص عليه، وكأنهم فهموا المثال مما ذكر فيها، فلذا لم يقتصروا عليه، واكثرهم توسعة شيخنا في بغيته، قال: " ويجوز الخروج للضرورية الشرعية والعقلية والعادية وللاكل والشرب والغسل والاقامة للشهادة والتحمل ولمقدماتها مع التوقف عليها، ورد الضال وإعانة المظلوم وإنقاذ المحترم وعيادة المريض وتشييع المؤمن الحي وجنازة الميت وصلاتها وحضور دفنها وسننه واستقبال المؤمن وغسل النجاسات والقذارات والاستحمام لشديد الحاجة ولصلاة الجمعة والعيدين بناء على جواز صومه للقاتل في أشهر الحرم، بل لمطلق الصلاة في مكة، وخوف ضيق وقتها، وقضاء حاجة المؤمن وإعانة بعض خصوصا المعتكفين على مطالبه، والخروج معه دفعا لخوف أو ردا لماله الضائع، والشارد والمسروق، أو قياما بحقه، وانتظاره لدفع خوفه، وفعل ما فيه غضاضة في المسجد، وإخراج الريح خارج المسجد - إلى ان قال -: وما تعلق بمصالح نفسه من الاتيان بماء أو حطب أو علفا لدابته أو نحو ذلك لا بأس به، ولا يلزم

[ 183 ]

الاستيجار والاستعانة وإن كان واجدا ومطاعا، ويشكل في واجد المملوك والاجير، ومن الحاجة امتثال أمر المالك والوالدين والخادم لمخدومه والمتعلم لمعلمه والمنعم لصاحب نعمته، ومعرفة الوقت والتأذين وجهاد العدو ومصاحبة المحرم الامرأة الجميلة أو الخادم المشخص أو الجليلة والقوي للشيخ الضعيف والمريض للاعتماد عليه، ومن الحوائج طلب الاحتياط في غسل أو إزالة نجاسة ونحوها ما لم يدخل في الوسواس، فان دخل فسد الاعتكاف، ومنها ما لو احتاج إلى مسألة والمجتهد خارج المسجد، أو احتاج الى قرآن وكتاب دعاء أو شئ مما تتوقف عليه العبادة، ولو أضربه الشعر ولم يسعه الحلق في المسجد خرج له، ومثله طلي النورة والحجامة والفصادة ونحوها من الاعذار، ومظنة تمام الاعتكاف فتبين خلافه بعد خروجه أو نية فراغه " بل في المختلف عن المبسوط يجوز للمعتكف صعود المنارة والاذان فيها سواء كان داخل المسجد أو خارجه، لانه من القربات، وإذا خرج إلى دار الوالي وقال: حي على الصلاة أيها الامير بطل اعتكافه، وفيه ايضا عن الخلاف يجوز للمعتكف ان يخرج فيؤذن في منارة خارج الجامع وان كان بينه وبين الجامع فضاء ولا يكون في الرحبة، لما روي من الحث على الاذان ولم يفصلوا، واستشكله بأنه مستحب يمكنه فعله في المسجد فيكون الخروج له لا لضرورة، فلا يجوز، على أنه معارض بالحث على الامر بالصلاة، فكما يبطل الخروج له فكذا هو، ونحوه عن التذكرة والمنتهى، نعم زاد فيهما " اما لو فرض أن يكون هو المؤذن وقد اعتاد الناس صلاته ويبلغ من الاستماع ما لا يبلغ لو أذن في المسجد لم أستبعد قول الشيخ " الى غير ذلك من كلماتهم المتفقة على الزيادة على المنصوص في الجملة، وكان مبناه فهم المثالية مما في النصوص، لكن ينبغي الاقتصار حينئذ على ما علم فيه المماثلة أو ظن ظنا معتبرا شرعا، أو مبناه في جملة منه تعميم لفظ الحاجة له، لانها أعم مما تتعلق بالنفس أو

[ 184 ]

الغير إلا انه مع عدم شموله لجميع ما ذكر لعدم صدق الحاجة أو الشك قد عرفت تقييدها في النصوص بعدم البد منها الذي يجب حمل المطلق عليه، ولا أقل من الشك في جملة من الامور أنها، من الحوائج التي لابد منها أو ان مبناه ما أشرنا إليه من كون التعارض في اكثرها أو جميعها من وجه، والترجيح لها فتوى جماعة من الاصحاب بل جميعهم في الجملة، وبأنه كالواجبات في هذا التعارض، فكما يخرج لما يطرأ من الواجبات مع أن التعارض بينها من وجه ايضا فكذا هذه المندوبات، وباشتمال النصوص على بعضها المحتمل أو المظنون أو المعلوم فيه المثالية، وبأن ظاهر استدلال الحسن بن علي (عليهما السلام) ترجيح كل ما كان من هذا القبيل على الاعتكاف، أو غير ذلك. إلا أنه لا يخفى عليك بعد ذلك كله رجحان الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة في كل ما هو غير منصوص ولم يعلم إلحاقه به، كما انه لا يخفى عليك تقييد ذلك كله بما إذا لم يستلزم محو صورة الاعتكاف، وإلا بطل على كل حال، ولذا وجب خروج المرأة من المسجد لو حاضت في أثناء الاعتكاف، والمريض الذي لا يسعه اللبث، وكذا غيرهما من ذوي الاعذار التي ينمحي صورة الاعتكاف معها، ويجب عليهم حينئذ استئناف الاعتكاف مع وجوبه، وإلا فلا وعليه ينزل إطلاق بعض الاصحاب وجوب العود إلى الاعتكاف، كاطلاق قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن الحجاج (1): " إذا مرض المعتكف أو طمنت المرأة المعتكفة فانه يأتي بيته ثم يعيد إذا برئ ويصوم " وقوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير (2): " في المعتكفة إذا طمثت قال: ترجع الى بيتها، فإذا طهرت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 - 3 الجواهر - 23

[ 185 ]

رجعت فقضت ما عليها " جمعا بين ذلك وبين ما دل على عدم وجوب الاعتكاف بمجرد الشروع، وانه انما يجب بالنذر أو مضي يومين كما ستعرف تفصيل الكلام فيه. وعلى كل حال فظاهر الخبرين استئناف الاعتكاف، لكن في المنتهى تردد فيه من ذلك ومن حيث حصول العارض المقتضي للضرورة، فكان كالخروج للحاجة، بل قال: الاقرب عدم الاستئناف، وفيه ما لا يخفي بعد فرض محو الصورة حتى في المقيس عليه، فلا ريب حينئذ في وجوب الاستئناف، ثم إن كان الاعتكاف واجبا ولم يمض ثلاثة وجب القضاء من أصله، وإلا فالمتروك خاصة، نعم لو كان المتروك ثالث المندوب مثلا وجب قضاؤه باضافة يومين إليه، لما عرفت من أن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة. (و) كيف كان ف‍ (إذا خرج) المعتكف (لشئ من ذلك لم يجز له الجلوس) تحت ضلال بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، كما أن صحيح الحلبي (1) وخبري داود بن سرحان (2) دالة عليه، بل لا تقييد في الاول وأحد الاخيرين، بكونه تحت الظلال، ولذا أطلق النهي عنه بعضهم، لكن في الحدائق أنهما مقيدان بالخبر الاخير لداود، ومن هنا خص الشيخان والفاضلان والمرتضى وسلار وأبو الصلاح وابن إدريس وغيرهم تحريمه بذلك، لكن قد يناقش بأن التقييد مبني على حجية مفهوم المكان، ويمكن منعها وأنها كمفهوم اللقب، وقال جماعة منهم الشيخ والمصنف والفاضل وغيرهم: (ولا المشي تحت الظلال) بل عن المرتضى " ليس للمعتكف إذا خرج عن المسجد أن يستظل


(1) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 7 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 و 3

[ 186 ]

بسقف حتى يعود إليه " ثم استدل عليه بالاجماع وطريقة الاحتياط، ولعله الحجة مضافا إلى مادل (1) عليه في المحرم بناء على أصالة مساواته له في ذلك حتى يعلم الخلاف، وإلى احتمال إلغاء خصوصية الجلوس، وكون المانع منه تحت الظلال، فلا فرق بينه وبين المشي والوقوف، وفي الوسائل أنه قد تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس والمرور تحت الظل للمعتكف، وإلى قاعدة الشك في الشرط بناء عليها، وإلى غير ذلك، هذا كله مع الاختيار، أما مع الاضطرار فلا بأس كما صرح به غير واحد، ولعله لاطلاق ما دل على الجواز المقتصر في تقييده بما هو المنساق من حال الاختيار. (و) كذا (لا) يجوز للمعتكف (الصلاة خارج المسجد) الذي اعتكف فيه مع عدم الضرورة، لاطلاق الادلة السابقة (إلا بمكة، فانه يصلي) المعتكف بمسجدها (أين شاء) من بيوتها بلا خلاف أجده فيه، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): " المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء، سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها " وفي صحيح منصور بن حازم (3) " المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء، والمعتكف بغيرها لا يصلي إلا في المسجد الذي سماه " وقال ابن سنان (4) أيضا: " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المعتكف بمكة يصلي في أي بيوتها شاء، سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها - إلى أن قال -: ولا يصلي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة، فانه يعتكف بمكة حيث شاء، لانها كلها حرم الله " قال الشيخ: انما يريد بقوله (عليه السلام):


(1) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - من كتاب الحج (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب الاعتكاف، الحديث 1 - 2 - 3

[ 187 ]

" يصلي " صلاة الاعتكاف، كما يقضي به سياق الكلام والنصوص السابقة. (ولو خرج) أي المعتكف (من المسجد ساهيا لم يبطل اعتكافه) بلا خلاف للاصل وحديث رفع القلم، وانصراف ما دل على الشرطية إلى غيره ولو لاشتماله على النهي المتوجه إلى غيره، نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يطل حتى انمحت الصورة كما اعترف به غير واحد، ضرورة رجوعه حينئذ إلى انتفاء الحقيقة الذي لا فرق فيه بين العمد والسهو والاضطرار وغيره، هذا. وقد زاد بعض مشايخنا شرطا آخر للاعتكاف، وهو إباحة اللبث، فلو وجب عليه الخروج لجنابة أو لعارض يخافه على نفسه أو عرضه أو غيره مما يوجب الخروج فمكث فسد اعتكافه، ثم قال بعد ذلك: " كل من حرم عليه اللبث لخوف على نفسه أو عرضه أو أمر يلزمه حفظه فلبث بطل اعتكافه، وهو كذلك، وكأن الاصحاب تركوا التعرف له لوضوحه، ولانه المنشأ لما ذكروه من الشرط الخامس الذي هو إذن من له ولاية كالزوج والسيد، ضرورة كون ذلك لحرمة اللبث عليهم من دون الاذن، فيعم حينئذ كل من حرم عليه اللبث، على أن من الواضحات عدم اجتماع الامر والنهي في شئ واحد، نعم ينبغي أن يخص ذلك بما إذا كان محرما في نفسه لا من حيث الضدية لاداء دين ونحوه، فان الاقوى حينئذ الصحة لما حققناه في محله من أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده الخاص - ثم قال -: ولو غصب مكانا من المسجد أو جلس على فراش مغصوب فالاقوى البطلان، وأما اللباس والمحمول فلا يبعث على الفساد على الاقوى، ولو وضع في المسجد تراب أو فراش مغصوب ولا يمكن نقله فلا مانع من الكون عليه، ولو جلس في المغصوب أو عليه مجبورا أو جاهلا بالغصب فليس عليه شئ - وكأنه أراد بغصب المكان دفع من سبق إليه قهرا أو نحو ذلك كما يؤمي إليه قوله متصلا بذلك -: من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى يفارقه أو يطيل المكث غير مشغول حتى يخل بعبادة

[ 188 ]

المتعبدين، ولو فارقه وله فراش أو شئ يعتد به بقي اختصاصه إن كان خروجه لغرض صحيح لا يقتضي البطء المفرط، ووضع الخيط والعود والخرقة كلا وضع وأما ما يسجد عليه والمسبحة فما يلحظ في الوضع، وحد الانتظار إلى أن يحصل خلل في نظم الصلاة ونحوها كلزوم الفرج في الجماعة بعد قول: " قد قامت الصلاة " والسابق للحجرة أولى بها في السكني، ولكن ليس له منع الشريك ما لم يحصل ضرر بخلاف المدرسة، وتجري الوكالة في الاختصاص حيث يجلس الوكيل في مكان الموكل ومالها اعمال خاصة من بقاع المسجد يقدم مريد الاعمال على غيره " انتهى لكن اكثره لا يخلو من نظر حتى الفرق بين اللباس والمحمول وغيرهما في الاول فضلا عما في الاخير من تقدم مريد الاعمال، وعن دعوى جريان حكم الغصب على كل من نافى أولوية السبق، وعن الفرق بين المسبحة وغيرها، فتأمل جيدا، والله أعلم. (فروع) يمكن استفادة حكمها مما تقدم: (الاول إذا نذر اعتكاف شهر معين ولم يشترط التتابع فاعتكف بعضه وأخل بالباقي صح ما فعل) إذا كان ثلاثة فصاعدا (وقضى ما أهمل، ولو تلفظ فيه بالتتابع استأنف) كما عرفته في شرح قول المصنف: " ولو نذر اعتكاف أيام معينة " إلى آخره، وفي المدارك بناء على ما سلف له هناك - بل الاصح عدم بطلان ما فعل إذا كان ثلاثة فصاعدا مع التلفظ بالتتابع وبدونه، إذ المفروض تعيين الزمان، وقد عرفت أن التلفظ بالتتابع لا يفيد مع تعيين الزمان إلا مجرد التأكيد لافادة تعيين التتابع المعنوي وقد بينا ذلك فيما سبق " قلت: قد عرفت ما فيه أيضا سابقا من وضوح الفرق. (الثاني إذا نذر اعتكاف شهر معين ولم يعلم به حتى خرج كالمحبوس والناسي قضاه) بلا خلاف، بل في المدارك أنه مقطوع به في كلام الاصحاب، لكن ربما استشكل بعدم ما يدل على قضائه، ويدفع - مضافا إلى احتمال تتأول

[ 189 ]

" من فاتته " له، وإلى أنه مشتمل على الصوم الذي قد ثبت القضاء للواجب منه - بأنه قد ثبت القضاء في الحائض والمريض وغيرهما مما قد اشتملت عليه النصوص والفتاوى مع عدم القول بالفصل، نعم عن الشهيد أنه لو غمت عليه الشهور توخى وإلا تخير كما في الصوم، وأشكله بعضهم بأنه لا دليل عليه هنا، والقياس محرم، وقد يدفع بأن مبناه في الصوم على القاعدة التي لا تفاوت فيها بين المقامين، وهي أصالة بقاء التكليف، وقبح تكليف ما لا يطاق، فليس حينئذ إلا التوخي، ومع عدمه فالتخيير، لانهما أقرب طرق الامتثال، على أنه شهر معين قد وجب صومه ولو للاعتكاف، ولا خصوصية لشهر رمضان، فتأمل جيدا، والله أعلم (الثالث إذا نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بيوم قضاه لكن يفتقر إلى أن يضم إليه آخرين ليصح الاتيان به) والمراد بالقضاء الاتيان به ليتناول المنذور المطلق والمعين، ضرورة عدم اختصاص الحكم بالقضاء، بل هو لكل من وجب عليه اعتكاف يوم كما أشار إليه المصنف فيما سبق وفيما يأتي، والظاهر التخيير بين التقديم والتأخير والتوسيط، لكن عن جماعة من المتأخرين أن الزائد على الواجب إن تأخر عن الواجب لم يقع واجبا، وإن تقدم جاز أن ينوي به الوجوب من باب مقدمة الواجب، والندب لعدم تعين الزمان له، وفي المدارك وربما يشكل بما إذا كان الواجب يوما واحدا، فان اعتكاف اليومين بنية الندب يوجب الثالث فلا يكون مجزيا عما في ذمته، وبأن الاعتكاف يتضمن الصوم، وهو لا يقع مندوبا ممن في ذمته واجب، ويدفع بأن غاية ما يستفاد من الادلة الشرعية أن من اعتكف يومين يتعين عليه اعتكاف الثالث، وهو لا ينافي وجوبه من جهة أخرى، وعن الثاني بأن الممتنع انما هو وقوع النافلة ممن في ذمته قضاء رمضان لا مطلق الواجب كما بيناه فيما سبق، قلت: ولو أراد زوال الاشكال الاول من أصله نوى بالاول الندب وجعل ما في ذمته وسطا على انهما هما واجبان من باب المقدمة،

[ 190 ]

فلا إشكال حينئذ من هذه الجهة، وكيف كان فلو كان المنذور خمسة ففي المدارك وجب أن يضم إليه سادسا سواء أفرد اليومين أو ضمهما إلى الثلاثة، لما بيناه فيما سبق من أن الاظهر وجوب كل ثالث قلت: ستعرف تحقيق الحال فيه. (الرابع إذا نذر اعتكاف يوم لا أزيد لم ينعقد) قطعا، لما عرفت من أن أقل الاعتكاف ثلاثة، فلا يكون مشروعا (ولو) نذره لا بهذا القيد أو (نذر اعتكاف ثانى قدوم زيد) مثلا (صح ويضيف إليه آخرين) كما هو واضح. هذا كله في حقيقته وشرائطه، (وأما) الكلام في (أقسامه فانه ينقسم إلى واجب وندب) ضرورة كونه عبادة، وهي منحصرة فيهما (فالواجب ما وجب بنذر وشبهه) من العهد واليمين والاجارة وأمر السيد ونحوها (والمندوب ما تبرع به) عن نفسه أو عن غيره (فالاول يجب بالشروع) بلا خلاف اجده إذا كان معينا، بل هو واجب قبله، اما غيره فهو وإن كان مشهورا فيه كما قيل إلا انه يصعب إقامة الدليل عليه كغيره من الاعتكاف الواجب توسعا، ومن هنا قال في المدارك: إنه لو قيل بمساواته للمندوب في عدم وجوب المضي فيه قبل اليومين لم يكن بعيدا، وهو كذلك، والنهي عن إبطال العمل بعد تسليم إرادة الابطال منه بغير الارتداد ونحوه خاص في الصلاة كما يشهد له الاستقراء وغيره، فالوجوب حينئذ بالشروع لا يخلو من نظر، اللهم إلا أن يكون مستنده ما تسمعه من دليل الوجوب بالشروع في المندوب الذي هو أضعف من الواجب مستنده ما تسمعه من دليل الوجوب بالشروع في المندوب الذي هو أضعف من الواجب بمراتب، فتأمل. (والثاني) مع عدم الشرط (لا يجب المضي فيه حتى يمضي يومان) كاملان إجماعا من القائلين بهذا القول (فيجب الثالث) وفاقا للاسكافي وابن البراج والشيخ في النهاية وجمع من المتأخرين ومتأخريهم،

[ 191 ]

للاصل وصحيح محمد بن مسلم (1) " إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ اعتكافه، فان أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام " وصحيح أبي عبيدة (2) عن الباقر (عليه السلام) " من اعتكف في ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء ازداد أياما أخر، وإن شاء خرج من المسجد، فان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يستكمل ثلاثة أيام " بل قد يظهر من الاخير وجوب كل ثالث بعد اليومين، فيجب السادس لمن اعتكف خمسة، والتاسع لمن اعتكف ثمانية، وهكذا، والمناقشة في سندهما بعلى بن الحسن بن فضال يدفعها أنهما في طريق الكافي في أعلى مراتب الصحة، على أنه هو قد ذكر في الخلاصة " وأنا أعتمد على رواية علي بن الحسن بن فضال وإن كان مذهبه فاسدا " فحكى عن النجاشي والكشي والشيخ وغيرهم توثيقه وقربه من الامامية، فلا وجه حينئذ لحملهما على شدة الاستحباب بعد جمعهما لشرائط الحجية وعدم المعارض لهما سوى الاصل الذي يقطعه أقل من ذلك. (و) حينئذ فما (قيل) من أنه (لا يجب) الثالث أيضا كما هو خيرة المرتضى وابن إدريس والفاضلين في المعتبر والمنتهى والمختلف والتذكرة والقواعد واضح الضعف، بل القول بالوجوب بمجرد الشروع كما عن المبسوط وأبي الصلاح أقرب منه، لامكان الاستدلال له - مضافا إلى النهي عن إبطال العمل، وإلى أنه كتعين الكلي بالفرد - بالنصوص (3) الدالة على وجوب الكفارة على المعتكف إذا (1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 - 3 (3) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف

[ 192 ]

أبطل اعتكافه بالجماع، وبخبري محمد بن مسلم (1) وأبي بصير (2) المتقدمين سابقا الدالين على وجوب إعادة المريض والحائض الاعتكاف بعد البرء والطهارة، وإن أجيب عن الاولى بأنها مطلقة لا عموم فيها، وتصدق بالجزء والكل، فيكفي في العمل بها تحققها في بعض الصور، فلا يكون حجة في الوجوب، على أنه لو سلمنا عمومها لم يلزم من ذلك الوجوب، لاختصاصها بجماع المعتكف كما ستقف عليه، ولا امتناع في وجوب الكفارة بذلك في الاعتكاف المستحب، وبنحو ذلك عن الثانية، وإن كان قد يناقش أولا بأن الاطلاق حجة كالعموم، وبأن الكفارة على ما عهد من الشرع إنما تجب في مقام الوجوب المستلزم مخالفته للعقوبة، فتكون الكفارة لدفع تلك العقوبة، وهذا لا يعقل في المستحب الذي لا يترتب فيه على تركه عقوبة، وانما غاية ذلك عدم الثواب عليه، وكيف يمكن القول بوجوب الكفارة في الاعتكاف المستحب. (و) لكن مع ذلك كله فلا ريب في أن (الاول أظهر) لصراحة الصحيحين (3) السابقين الحاكمين على غيرهما، وإن كان الاخير أحوط، بل لا يخلو من قوة، والله أعلم. هذا كله مع عدم الشرط في الاعتكاف والنذر (و) أما (لو شرط في حال نذره الرجوع إذا شاء) وقلنا بصحة هذا الشرط فيه (كان له ذلك) في


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 وهو صحيح عبد الرحمان بن الحاج كما تقدم في ص 184 (2) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 و 3 الجواهر - 24

[ 193 ]

(أي وقت شاء) عملا بقولهم (عليهم السلام) (1): " المؤمنون عند شروطهم " (ولا قضاء) للاصل السالم عن المعارض من غير فرق بين المعين وغيره، وبين منذور التتابع وغيره (ولو لم يشترط) بل كان مطلقا (وجب استئناف ما نذره إذا قطعه) وكان مشروط التتابع أو لم يمض منه ثلاثة أيام على التفصيل الذي عرفته سابقا، إنما الكلام في صحة الشرط المزبور، ولعله موقوف على صحته في الاعتكاف، وربما يدل عليها فيه - مضافا إلى عموم " المؤمنون عند شروطهم " إلى آخره ونحوه - قول ابى جعفر (عليه السلام) (2): " إذا اعتكف يوما ولم يكن اشترط فله ان يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام " ضرورة ظهوره في أن له الفسخ مع الشرط بعد اليومين أيضا، وقال ابو ولاد في الصحيح (3): " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم وهي معتكفة باذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها فقال: إن كانت خرجت من المسجد قبل ان تمضي ثلاثة ايام ولم يكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر " وهو ظاهر ايضا في عدم الكفارة عليها مع الشرط، لكن يظهر من الحدائق تبعا للمدارك التوقف في صحة هذا الشرط في عقد النذر، لان نصوص المقام انما دلت عليه في الاعتكاف دون النذر، وفيه ان جوازه في الاعتكاف يقضي بجوازه في النذر، ضرورة كون مورد النذر حينئذ هذا القسم من الاعتكاف، فيشمله ادلة النذر، فالبحث إن كان حينئذ فهو في جوازه في الاعتكاف


(1) المستدرك - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 7 من كتاب التجارة (2) الوسائل - الباب - 4 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 6

[ 194 ]

وربما خص جوازه فيما لو كان الشرط عروض العارض لا مطلقا، بل حكي ذلك عن جماعة من الاصحاب منهم الفاضل في التذكرة، حيث قال: انما يصح اشتراط الرجوع مع العارض، فلو شرط الجماع في اعتكافه أو الفرجة أو التنزه أو البيع والشراء للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز، وعن ثاني الشهيدين القطع به، نعم ينبغي أن يراد بالعارض ما هو أعم من العذر، كما يدل عليه صحيحة أبي ولاد، إذ حضور الزوج ليس من الاعذار المسوغة للخروج من الاعتكاف، وانما هو من جملة العوارض، فيختص الشرط حينئذ بعروض العارض لا مطلقا، ويؤيده قول الصادق (عليه السلام) في الموثق (1): " إذا اعتكف العبد فليصم وقال: لا يكون اعتكاف أقل من ثلاثة أيام، واشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط عند إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة نزلت بك من أمر الله " وقوله (عليه السلام) في قوي أبي بصير (2): " لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام، ومن اعتكف صام، وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما اشتراط المحرم ". بل ربما قيل باختصاص الجواز في اشتراط العذر الذي يسوغ معه الفسخ بلا شرط، للموثق الاول، وان فائدة الشرط مجرد التعبد، وإن كان قد يدفعه ظهور النص والفتوى بخلافه، بل ظاهر الاكثر أو صريحه جواز الاشتراط مطلقا من غير تخصيص بالعارض كما اعترف به في الحدائق، وليس في صحيح أبي ولاد


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 2 من كتاب الاعتكاف - الحديث 9 وقطعة منه في الباب 4 منه - الحديث 5 وذيله في الباب 9 منه - الحديث 2 (2) ذكره صدره في الوسائل في الباب 4 من كتاب الاعتكاف - الحديث 2 ووسطه في الباب 2 منه - الحديث 7 وذيله في الباب 9 منه - الحديث 1

[ 195 ]

منافاة لذلك، بل لا يخلو من تأييد، كما انه ليس في الموثق والقوي ذلك ايضا، ضرورة عدم ظهورهما في حصر الجواز بذلك، فلا ينافى المطلق الدال على الجواز حينئذ مما عرفت. نعم قد يخص الندب بالشرط على حسب شرط المحرم، لانه المأمور به في الخبرين المزبورين، فالاقوى حينئذ جواز الشرط مطلقا، كما ان الاقوى أن له الرجوع على حسب ما اشترط إن خاصا فخاصا، وإن مطلقا فمطلقا، ولا ينافي ذلك ما نفاه الفاضل من عدم جواز اشتراط الجماع ونحوه، ضرورة كونه من اشتراط منافيات الاعتكاف الذي يبطل به أصل الاعتكاف نحو الشرط الفاسد من (في ظ) العقد على الاصح كما صرح به في الدروس مع قوله بجواز الشرط مطلقا وليس هو كاشتراط فسخه، كما هو واضح بأدنى تأمل. ولكن ينبغي أن يعلم أن تفصيل الحال على ما ذكرنا أن الشرط إن كان في النذر وقد اعتكف مشترطا كان له على مقتضى ما شرط من غير فرق بين المعين وغيره والمتتابع وغيره، ولا قضاء عليه ولا إعادة كما سمعته من المصنف، وإن كان الشرط في الاعتكاف دون النذر فلا أثر له مع فرض كونه معينا، وانما حكمه كما إذا لم يشترط، وإن كان غير معين اتجه حينئذ إجراء الشرط فيه على حسب جريانه في المندوب، ويأتي بغير ذلك الفرد مع إبطاله، ومرجع فائدة الشرط حينئذ إلى نفس الاعتكاف دون النذر، فلا يلتزم بمضي اليومين كالشرط في الاعتكاف المندوب، ولا ينافي ذلك قولهم هناك: إنه يجب الاعتكاف بمضي اليومين بعد أن عرفت تنزيله على غير المشروط فيه الرجوع. وبذلك ظهر انه لا يجدي الاشتراط في الاعتكاف مع فرض الاطلاق في النذر كما صرح به شيخنا في رسالته وغيره، ولو كان واجبا بنذر وشبهه فان أخذ الشرط حين إجراء الصيغة فلا قضاء، وإلا لزم، وفي محكي المنتهى

[ 196 ]

" الاشتراط انما يصح في عقد النذر، أما إذا أطلقه من الاشتراط على ربه فلا يصح له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف " ونحوه عن المعتبر، وفي الدروس " ولو شرط الرجوع متى شاء اتبع ولم يتقيد بالعارض، ولو جعل الشرط في نذره أو عهده أو يمينه فكذلك، ولو خلى النذر من الشرط فلا عبرة بالشرط عند الشروع في الاعتكاف " إلى غير ذلك من عباراتهم المطابقة لما ذكرنا وللقواعد المعلومة. فما في الحدائق - من أن محل هذا الاشتراط وقت الدخول في الاعتكاف، ونيته أعم من أن يكون متبرعا به أو منذورا لان ذلك مدلول نصوص المقام، وليس في نصوص الباب تعرض للاعتكاف على وجه النذر فضلا عما يدل على إيقاع هذا الشرط فيه، إلى ان قال: ولم أرمن تنبه لذلك إلا السيد السند في المدارك حيث قال: لم أقف على رواية تدل على ما ذكروه من مشروعية اشتراط ذلك في عقد النذر، وانما يستفاد من نصوص المقام أن محل ذلك نية الاعتكاف، ولو قيل بجواز اشتراطه في نية الاعتكاف المنذور إذا كان مطلقا لم يكن بعيدا، خصوصا على ما أشرنا إليه سابقا من مساواته المنذوب في عدم وجوب المضي فيه إلا بمضي يومين، ولو قلنا إن اشتراط الخروج انما يسوغ عند العارض وفسرناه بالضروري جاز اشتراطه في المنذور المعين أيضا - كما ترى واضح الفساد، ضرورة أنه لا أثر لهذا الشرط في الاعتكاف المنذور مطلقا، ونصوص المقام مساقة لبيان أصل حكم الاشتراط في الاعتكاف من غير مدخلية للنذر الذي هو يلزم ما شرع على حسب ما شرع، فلا حاجة إلى دليل خاص يدل على المشروعية في النذر، بل يكفي فيها ثبوته في الاعتكاف كما هو واضح. نعم قد يقال بوجوب الاشتراط في الاعتكاف أيضا مع الاشتراط في عقد النذر الذي مرجعه الالتزام بالاعتكاف المشتمل على الشرط، فلا يجري عليه حينئذ حكم الاعتكاف المشروط بدون ذكر الشرط فيه، مع احتماله، اكتفاء بالاتيان به

[ 197 ]

وفاء عن النذر المفروض ذكر الاشتراط فيه، وإن كان الاول أحوط وأولى. وكيف كان فقد عرفت الحكم في صور الاشتراط في النذر الاربعة، كما أنك قد عرفت الحكم في الاربعة الفاقدة للشرط، لان مجموع الصور ثمانية، إذ النذر إما أن يقع على معين أولا، وعلى التقديرين إما أن يشترط فيه التتابع أولا، وعلى الاربعة إما أن يشترط الرجوع متى شاء أولا، فالصور ثمانية قد علم حكمها مما قدمناه آنفا وسابقا، لكن عن المسالك في حكم صور الشرط أن له الرجوع مع العارض، ثم إن كان الزمان معينا لم يحب قضاء ما فات في زمن العارض سواء اشترط التتابع أم لا، وإن كان مطلقا ولم يشترط التتابع ففي وجوب قضاء ما فات أو الجميع إن نقص ما فعله عن ثلاثة قولان، أجودهما القضاء، وفاقا للمصنف في المعتبر، ولو شرط التتابع فالوجهان، وكذلك اختاره في الروضة، وفي الدروس " وإذا خرج للشرط في الاعتكاف المندوب فلا قضاء، وإن كان في الواجب المعين فكذلك، وإن كان غير معين ففي القضاء نظر " وقطع في المعتبر بوجوبه، وقال ابن إدريس: " إذا اشترط التتابع ولم يعين الزمان وشرط على ربه فخرج فله البناء والاتمام دون الاستئناف، ان لم يشترط استأنف " ولعله أراد به أنه شرط على ربه في التتابع لا في أصل الاعتكاف، وفي محكي المنتهى " الخامس لم يعين زمانا لكن شرط المتابعة واشترط على ربه فعند العارض يخرج ثم يأتي ما بقي عليه عند زواله إن كان قد اعتكف ثلاثة، وإن كان أقل استأنف - إلى أن قال -: السابع لم يعين واشترط على ربه ولم يشترط التتابع، فانه يخرج مع العارض ثم يستأنف إن كان قد اعتكف أقل من ثلاثة أيام، وإلا بني إن كان الواجب أزيد بالباقي إن كان ثلاثة فما زاد، وإلا فثلاثة " ومثله عن التذكرة إلى غير ذلك من عباراتهم المنافية لما ذكرناه من عدم وجوب القضاء والاستئناف في صورة الاشتراط.

[ 198 ]

اللهم إلا أن يكون وجه ذلك أن المفروض في هذه العبارات الخروج عند العارض الذي هو أعم من العذر الشرعي المسوغ للخروج عن المسجد لا عن أصل الاعتكاف وإن خرج عنه في بعض الاحوال المقتضية له بطول المكث ونحوه مما يبطل به أصل الاعتكاف، بخلاف العارض المشترط الخروج عنده هنا، قال: " فان المراد به اشتراط الخروج عن الاعتكاف معه، فلا ينافي بقاء وجوب الاعتكاف معه الذي هو مقتضى النذر في غير وقت العارض، فيعتكف حينئذ ما بقي إن كان قد اعتكف ثلاثة فصاعدا، أو يأتي بالجميع إن نقص اعتكافه عن ثلاثة كالمطلق الذي لم يشترط فيه " إلا أن الظاهر إتيان البحث السابق في مشروط التتابع، وقد قلنا هناك بقوة وجوب مراعاته، فيأتي حينئذ بعدد متتابع فيه، كما أن المتجه حينئذ في المعين وجوب اعتكاف ما بقي منه بعد زوال العارض، نعم يسقط قضاؤه مع فرض استيفائه (استيعابه ظ) مع احتمال وجوب أيضا، لان الشرط انما سوغ الخروج عند العارض، فهو حينئذ كالعذر الطاري المسوغ لقطع الاعتكاف الذى لا ينافي وجوب القضاء، اللهم إلا أن يقال إن مقتضى اشتراطه في عقد النذر وجوب الاعتكاف المتزلزل عليه، فمتى اختار الفسخ لم يكن خطاب عليه، والفرض استيعاب العارض الوقت، فتأمل جيدافان المسألة من المشكلات التي هي غير محررة في كلام الاصحاب. وكيف كان فقد عرفت أن المختار أن للمعتكف الاشتراط المزبور من غير فرق بين تعليقه على العارض وغيره، وإن لم يعلقه (إلا ظ) على المشيئة، وهو حينئذ كاشتراط الخيار في العقد، ولذا عامله هذه المعاملة شيخنا في رسالته، فقال: يستحب أن يشترط الفسخ متى أراده أو إذا حصل صاد أو مانع، ولو اشترط أمرا مخصوصا وإن لم يكن مانعا أو مانعا لذلك أو في يوم مخصوص أو وقت مخصوص من ليل أو نهار عمل عليه، ويندفع عنه حينئذ قضاء الوجوب

[ 199 ]

ووجوب الاتمام ولو كان واجبا بنذر ونحوه، فان اخذ الشرط حين إجراء الصيغة فلا قضاء، وإلا لزم، ويعتبر المقارنة في الشرط لعقد النية، فلا أثر للمتقدم والمتأخر المنفصل، وفي اعتباره قبل الدخول في الثالث وجه، والاقوى خلافه، ولو شرط ثم اسقط حكم شرطه فكمن لم يشترط، ولا فرق في العارض بين الالهي وغيره إلى غير ذلك من الاحكام التي تعرف جريانها هنا بأدنى ملاحظة لاحكام اشتراط الخيار في العقد، كما انه يعلم ايضا بأدنى نظر انه لا يجوز التعليق في الاعتكاف، فمتى علقه بطل إلا إذا كان شرطا مؤكدا، وكقوله: إن كان راجحا أو كان المحل مسجدا ونحو ذلك على حسب ما قيل أو احتمل في العقد ايضا، فتأمل جيدا. نعم الظاهر انه لا يصح له اشتراط الفسخ في اعتكافه لا عتكاف عبده أو ولده أو اعتكاف آخر له كما صرح به شيخنا أيضا في رسالته، وإن كان ربما يحتمل بناء على جواز مثله الخيار المشترك معه في أن مدركه عموم " المؤمنون عند شروطهم " الذي هو المنشأ في كثير من الاحكام السابقة وغيرها، فتأمل جيدا. وعلى كل حال فلا فرق في جواز الرجوع مع الشرط بين اليوم الثالث وغيره لما عرفته من إطلاق النص والفتوى، خلافا للمحكي عن الشيخ فلم يجوز الرجوع مع الشرط في اليوم الثالث، لانه واجب من قبل الله، فلا يفيد الشرط جواز الرجوع فيه، ولا ريب في ضعفه، للاطلاق السابق الذي لا ينافيه كون الوجوب من قبل الله بعد أن كان الرجوع به من الله ايضا، كما هو واضح. (وأما أحكامه فقسمان: الاول انما يحرم على المعتكف ستة: النساء لمسا) بشهوة (وتقبيلا) كذلك (وجماعا) في الفرجين إجماعا بقسميه في الاخير

[ 200 ]

وكتابا (1) وسنة (2) مستفيضة أو متواترة على المشهور في الاولين، بل لا أجد فيه خلافا سوى ما عساه تشعر به عبارة التهذيب فانه - بعد أن روى (3) عن الصادق (عليه السلام) في الحسن " كان رسول الله (صلي الله عليه وآله) وسلم إذا كان العشر الاواخر اعتكف في المسجد وضربت له قبة من شعر وشمر المئزر وطوى فراشه فقال بعضهم: واعتزل النساء فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أما اعتزال النساء فلا " - قال: فانه أراد بذلك مخالطتهن ومجالستهن ومحادثتهن دون الجماع، والذي يحرم على المعتكف من ذلك الجماع دون غيره، مع احتمال إرادته الحصر الاضافي، فلا يشمل اللمس والتقبيل بشهوة، ولعله لذا نسبه في المدارك إلى قطع الاصحاب الذى بملاحظته يقوى إرادة ما يعم ذلك من المباشرة في الاية، كما أنه يقوى حينئذ إرادة الابطال أيضا من النهي فيها لا التحريم خاصة، وإن اختاره الفاضل في المختلف وغيره، لانه هو معنى النهي، ولا تنافي بين التحريم والصحة هنا، لكن فيه أنه وإن لم يكن منافاة عقلا ضرورة كون النهي عن أمر خارح في العبادة لكن الفهم العرفي كاف في ذلك، كالنهي عن التكفير في الصلاة ونحوها على أن تأديتهما مع الجماع الذي لا إشكال في البطلان به بعبارة واحدة أمارة أخرى على أن الجميع من سنخ واحد، كما أن حكمهم بالبطلان به - وليس في الاية ولا في السنة تصريح به، بل أقصاهما النهي والكفارة، وهما أعم من البطلان - لا وجه له إلا الفهم العرفي المشترك بين الجميع الحاصل بملاحظة أن الشارع في أمثال ذلك معظم نظره بيان الصحة والفساد، بل قد لا يكون مقصوده إلا ذلك وإن


(1) سورة البقرة - الاية 183 (2) و (3) الوسائل - الباب - 5 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 0 - 2 الجواهر - 25

[ 201 ]

أداه بلفظ النهي ونحوه، كما هو واضح بأدنى تأمل، ومن هنا كان مختار الاسكافي والشيخ في الخلاف البطلان بهما، بل هو مختاره ايضا، بل في محكي المنتهى مع زيادة الجماع في غير الفرجين أنزل أو لم ينزل، بل عن الاسكافي زيادة اتباع النظر للنظر بشهوة من محرم، وربما كان ظاهر تحريم الاستمتاع بالنساء في الدروس، ضرورة كونه أعم من المباشرة، لكنه لا يخلو من بحث، لكون المنهي عنه في الاية المباشرة، اللهم إلا أن يراد منها ما يعم ذلك، وله وجه ينبغي عدم ترك الاحتياط له. والظاهر أن حكم المرأة في ذلك حكم الرجل، فيبطل اعتكافها بمسها وتقبيلها بشهوة وجماعها، لاصالة الاشتراك ولبعض النصوص (1) في الجماع، وللاتفاق ظاهرا على ذلك، بل الظاهر عدم الفرق في الجماع بين المرأة والذكر بل وغيرهما كالدابة، بل يمكن تعميم اللمس والتقبيل بشهوة لذلك أيضا، وبالجملة كل جماع وكل لمس وتقبيل ونحوهما بشهوة ولذة من الرجل والمرأة وغيرهما محرم ومبطل، لكنه يصعب إقامة الدليل عليه، إذ ليس هو إلا التنبيه بما دل على النهي عن ذلك في النساء إليه، وهو مشكل جدا خصوصا بالنسبة إلى بعض الافراد وإن كان هو الموافق للاحتياط، نعم قد صرح في المنتهى بأن الجماع فضلا عن غيره انما يبطل مع العمد دون السهو، وإن كان للنظر فيه مجال إن لم ينعقد إجماع عليه، أما اللمس ونحوه بغير شهوة فلا بأس به، للاصل السالم عن المعارض، بل في المنتهى لا نعرف فيه خلافا، وفيه أيضا انه ثبت (2) ان النبي (صلي الله عليه وآله) كان يلامس


(1) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 6 (2) لم نجد ما يدل على لمس النبي (صلي الله عليه وآله) بعض نسائه في الاعتكاف وانما ورد مباشرته (صلى الله عليه وآله) لبعضهن وهو صائم كما رواه البخاري في صحيحه - كتاب =

[ 202 ]

بعض نسائه في الاعتكاف. (و) كذا يحرم عليه (شم الطيب على الاظهر) الاشهر بل المشهور، لصحيح أبى عبيدة (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) " المعتكف لا يشم الطيب ولا يتلذذ بالريحان ولا يماري ولا يشتري ولا يبيع " بل مقتضاه حرمة التلذذ بالريحان ايضا كم نسب في المدارك حرمة شمه إلى الاكثر ايضا، فما عن مبسوط الشيخ من عدم حرمة شم الطيب واضح الضعف، بل هو اختار خلافه في المحكي من جمله ونهايته وخلافه، بل وعن الاخير دعوى الاجماع عليه، ولعله كذلك خصوصا بين المتأخرين، لكن ينبغي أن يعلم أن المنساق إلى الذهن من شم الطيب التلذذ به ففاقد حاسة الشم خارج، بل قد يؤمي إلى ذلك في الجملة قوله (عليه السلام) في الصحيح: " ولا يتلذذ ". (و) اما (استدعاء المنى) فقد ذكر المصنف حرمته في الاعتكاف تبعا للشيخ، لكن لم نقف على نص فيه بالخصوص كما اعترف به في المدارك وغيرها، نعم علله فيها بأولويته من اللمس والتقبيل في منافاة الاعتكاف إلا انه كما ترى. (و) يحرم عليه ايضا (البيع والشراء) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة، مضافا إلى صحيح أبي عبيدة السابق، بل في المنتهى كلما يقتضي الاشتغال في الامور الدنيوية من أصناف المعاش فينبغي القول بالمنع منه عملا بمفهوم النهي عن البيع والشراء، ثم حكى عن المرتضى المنع عن التجارة والبيع والشراء، وقال: التجارة أعم، بل قال: الوجه تحريم الصنائع المشغلة عن


= الصوم باب المباشرة والقبلة للصائم - ومسلم في صحيحه أيضا - كتاب الصوم باب القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته - (1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1

[ 203 ]

العبادة كالخياطة وشبهها، إلا ما لا بد منه، بل عن ابن إدريس التعدي إلى كل مباح لا يحتاج إليه، وإن كان لا يخفى عليك ما فيه بل وما في سابقه حتى إلحاق الصلح والاجارة ونحوهما بذلك، وإن كان وجه القياس فيها واضحا، إلا أنه محرم عندنا على كل حال، فالاقتصار عليهما حينئذ هو الوجه، بل الظاهر استثناء ما تمس الحاجة إليه مما يضطر إليه من مأكوله ومشروبه ونحوهما، وإن كان مما ينبغي تقييد ذلك بما إذا تعذر التوكيل والنقل بغير البيع، لعدم الضرورة حينئذ، وإلى ذلك أو مأ الشهيد في الجملة حيث قيده بما إذا تعذر المعاطاة، لكنه مبني على أنها ليست بيعا، وهو خلاف التحقيق، والامر سهل، وعلى كل حال ففي بطلان البيع وصحته لو وقع وجهان بل قولان كالبيع وقت النداء، أقواهما الصحة لعدم انصراف الذهن إلى إرادة الفساد من النهي عنه في أمثال ذلك، والله اعلم. (و) كذا يحرم (المماراة) بلا خلاف أجده، للصحيح المزبور وفي المسالك المراد بهاهنا المجادلة على أمر دنيوي أو ديني لمجرد إثبات الغلبة والفضيلة، كما يتفق لكثير من المتسمين بالعلم، وهذا النوع محرم في غير الاعتكاف وقد ورد التأكيد في تحريمه في النصوص (2) وإدخاله في محرمات الاعتكاف إما بسبب عموم مفهومه، أو لزيادة تحريمه في هذه العبادة كما ورد (3) تحريم الكذب على الله ورسوله في الصيام، وعلى القول بفساد الاعتكاف بكل ما حرم فيه تتضح فائدته، ولو كان الغرض من الجدال في المسألة العلمية مجرد إظهار الحق ورد الخصم عن الخطأ كان من أفضل الطاعات، فالمايز بين ما يحرم منه وما يجب ويحرم


(1) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 1 (2) البحار - ج 1 الباب 17 من كتاب العلم (3) الوسائل - الباب - 2 - من ما يمسك عنه الصائم

[ 204 ]

ويستحب النية، فليتحرز المكلف من تحويل الشئ من الوجوب إلى جعله من أكبر القبائح، وهو جيد، والكلام في إبطاله على حسب ما عرفت، وعن الشيخ هنا أنه والسباب لا يفسد الاعتكاف، لانه لا يفسد الصوم، وهو كما ترى، وعن المنتهى والدروس زيادة تحريم الكلام الفحش في الاعتكاف (و) لم نقف له على دليل، بل (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من جمله وابنا حمزة والبراج: (يحرم عليه ما يحرم على المحرم) وفي محكي المبسوط روي (1) " انه يجتنب ما يجتنب " (ولم يثبت) فالاصول حينئذ بحالها، بل في التذكرة بعد أن حكى ذلك عن بعض علمائنا قال: وليس المراد بذلك العموم، (ف) انه (لا يحرم عليه لبس المخيط ولا إزالة الشعر ولا أكل الصيد ولا عقد النكاح) فلا خلاف حينئذ، ولعله إلى ذلك أومأ المصنف بقوله: " ولم يثبت " أي لم يثبت القول بذلك لاحد، وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه إن كان، بل لعل المعهود من سيرة النبي (صلي الله عليه وآله) وأصحابه وغيرهم خلافه. (و) كذا المعهود منها أنه (يجوز له النظر في معاشه والخوض في المباح) المحتاج إليه وغيره، وما سمعته من ابن إدريس قد عرفت فساده، وانه لا دليل عليه، كدعوى أن الاعتكاف اللبث للعبادة، فلا يجوز فيه غيرها، إذ قد عرفت أن المراد من هذه العبارة كون الاعتكاف اللبث الذي هو عبادة لاخراج اللبث الذي لم يكن كذلك، على أنه سلم إرادة العبادة الخارجة عنه فأقصى ما يمكن أن يسلم العبادة في الجملة، لا انه لا يقع في زمن الاعتكاف إلا العبادة، كما هو واضح. (و) كيف كان ف (كلما ذكرناه من المحرمات عليه نهارا يحرم عليه


المبسوط - كتاب الاعتكاف " فصل فيما يمنع الاعتكاف منه وما لا يمنع "

[ 205 ]

ليلا) لكونه معتكفا فيهما، فتشمله الادلة في الحالين (عدا الافطار) لان الصوم محله النهار (ومن مات قبل انقضاء اعتكافه الواجب) عليه بالشروع على القول به أو بمضي اليومين أو بنذر أو عهد أو نحو ذلك (قيل: يجب على الولي القيام به، وقيل: يستأجر من يقوم به، الاول أشبه) عند المصنف والفاضل، والاصل في ذلك ما في المبسوط على ما حكاه عنه في المختلف، قال: من مات قبل انقضاء مدة اعتكافه في أصحابنا من يقول يقضي عنه وليه، أو يخرج من ماله من ينوب عنه قدر كفايته، لعموم ما روي (1) " ان من مات وعليه صوم واجب وجب على وليه أن يقضي عنه، أو يتصدق عنه " قال في المختلف: وهذا يشعر بعدم وجوب قضائه عليه، عملا بالاصل الدال على البراءة، وبأن إيجاب الصوم لا يستلزم إيجاب الاعتكاف، وحجة الاخرين أنه قد ورد ورودا مشهورا وجوب القضاء عن الميت، ولا يمكن الاتيان بمثل هذا الصوم إلا على هيئته، وهو هيئة الاعتكاف، فكان الاعتكاف واجبا، وهذا كما ترى لا دلالة فيه، على أن القول المزبور مختار الشيخ، وفي المدارك في شرح عبارة المتن " هذان القولان حكاهما الشيخ في المبسوط واستدل لهما بما روي " إلى آخره، قال في المعتبر وما ذكره (رحمه الله) انما يدل على وجوب قضاء الصوم، أما الاعتكاف فلا، وهو جيد، وفي المسالك " أطلق الشيخ وجوب قضاء الولي ذلك، لعموم ما روي " إلى آخره، ويجب تقييده بما إذا كان قد استقر في ذمته قبل ذلك أو تمكن من قضائه فلم يفعل كما هو المعتبر في الصوم، وإلا لم يتجه الوجوب على الولي، إذ ليس للاعتكاف نص على الخصوص إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا تنطبق على ما وصل الينا من عبارة الشيخ التي


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب أحكام شهر رمضان

[ 206 ]

سمعتها حتى عبارة الدروس فانه قال: ولو مات قبل القضاء بعد التمكن وجب على الولي قضاؤه عند الشيخ، والرواية لا دلالة فيها إلا على قضاء الصوم، وجوز الفاضل الاستنابة فيه للولي. وكيف كان فلا إشكال في عدم وجوب قضاء ما فاته من الاعتكاف المتلبس به على الولي، إذ لا يزيد على الصوم، انما الكلام فيما سمعته من عنوان الدروس والحق عدم وجوبه أيضا، للاصل السالم عن المعارض بعد ما عرفت سابقا من أن وجوب الاعتكاف لا يقضي بوجوب الصوم، بل أقصاه أنه لا يصح بدونه وفرق واضح بين المقامين، ضرورة الاكتفاء بوقوعه في شهر رمضان ونحوه من الصوم الواجب بغير الاعتكاف، نعم قد يتم فيما لو نذر الصوم معتكفا ففاته بعد أن تمكن من قضائه، فانه قد يتجه الوجوب حينئذ على الولي ويتبعه الاعتكاف من باب المقدمة، فيجري فيه حينئذ ما سمعته سابقا في كتاب الصوم من جواز الاستنابة، ووجوبه على الاولياء المتعددين، وكون المنكسر كفرض الكفاية، وغير ذلك من الاحكام السابقة، ومن ذلك ظهر أن الاشبه عدم الوجوب لا ما اختاره المصنف وغيره. ثم إن الظاهر عدم الفورية في قضاء الاعتكاف حيث يقضى، لعدم اقتضاء الامر إياها، فما عن المبسوط والمعتبر من وجوبه على الفور واضح الضعف، وفي الدروس بعد أن حكى ذلك عنهما " والظاهر أنه من فروع الفورية في الامر المطلق لا من خصوصيات الاعتكاف " قلت: قد حققنا عدم اقتضاء الامر المطلق الفور في محله، هذا، وقد تقدم سابقا ما يعلم منه الوجه فيما ذكره في الدروس هنا من أنه لو بقي من الاعتكاف أي الواجب أقل من ثلاثة أو نذر الاقل أكمله ثلاثة ووجب الجميع، ولو عين ثلاثة فجاء الثالث العيد بطل من أصله، ويجئ على القول بقضاء صومه وجوب ثلاثة غيرها، ولو فرق الاعتكاف المنذور في أثناء

[ 207 ]

اعتكاف آخر بحيث لا يحصل الخروج عن مسمى الاعتكاف قيل صح، أما توزيع الساعات فلا، بل وما في المنتهى من أنه إن أغمي على المعتكف أياما ثم أفاق لم يلزمه قضاؤه، لانه لا دليل عليه، والوجه وجوب القضاء إن كان واجبا غير معين بزمان، إذا عرفت هذا فإذا فسد الاعتكاف وجب قضاؤه إن كان واجبا، وإن كان ندبا استحب قضاؤه، وعلى قول الشيخ يجب قضاؤه مطلقا، لانه يجب بالدخول فيه، قال (رحمه الله): " ومتى كان خروجه من الاعتكاف بعد الفجر كان دخول في قضائه قبل الفجر، ويصوم يومه، ولا يعيد الاعتكاف ليله، وإن كان خروجه ليلا كان قضاؤه من مثل ذلك الوقت إلى آخر مدة الاعتكاف المضروبة وإن كان خروج وقته من مدة الاعتكاف بما فسخه به ثم عاد إليه وقد بقيت مدة من التي عقدها تمم باقي المدة وزاد في آخرها مقدار ما فاته من الوقت " إذ لا يخفى عليك الحال في جميع ذلك بعد الاحاطة بما قدمناه سابقا في النذر المعين والمطلق وغيرهما، والله أعلم. (القسم الثاني فيما يفسده، وفيه مسائل: الاولى) لا إشكال ولا خلاف في أن (كل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف) لما تقدم من اشتراطه به، والمشروط عدم عند عدم شرطه من غير فرق بين ما هو مفسد للاعتكاف في نفسه (كالجماع و) بين غيره ك‍ (الاكل والشرب والاستمناء) ونحوها من المفطرات، ويفسده عندنا أيضا غير ذلك من باقي ما نهي عنه فيه، لما عرفته مفصلا، وربما ظهر من المتن اختصاص مفسده في ذلك وفي الجماع، ولكن التحقيق خلافه. وعلى كل حال (فمتى) أفسده بأن (أفطر في اليوم الاول أو الثاني لم تجب به كفارة إلا أن يكون واجبا) معينا، أما المطلق ففيه البحث السابق في أنه لا يجب إلا بمضي اليومين أو بالشروع، فعلى الاول يكون كالمندوب،

[ 208 ]

وعلى الثاني كالمعين (وإن أفطر في الثالث وجبت الكفارة) على كل حال لوجوبه إلا أن يكون مشروطا على وجه يرتفع وجوبه، فيكون كاليومين الاولين (ومنهم) وهو الشيخ ومن تبعه بل في المدارك نسبته إلى اكثر المتأخرين (من خص الكفارة بالجماع حسب) الذي لا أجد خلافا في ثبوتها به، والنصوص (1) به مستفيضة، وفيها الصحيح وغيره (واقتصر في غيره من المفطرات على القضاء، وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده، ضرورة عدم الدليل على وجوبها بغيره عدا القياس عليه، وهو محرم عندنا، نعم قد يلحق به استدعاء المني بناء على فساد الاعتكاف به، كما أنه قد يقال إن مقتضى ترك الاستفصال في النصوص وجوب الكفارة به مطلقا من غير فرق بين المندوب منه والواجب معينا ومطلقا في اليومين الاولين وفي غيرهما، ولا ينافي ذلك الندبية والتوسعة في المطلق، كما لا ينافيان حرمة وقوعه فيهما وإن جوز ناله الخروج، وأنه يخرج به وبغيره، لكن ليس له فعله، وهو باق على الاعتكاف مستمر عليه فمتى فعل كذلك أثم وكفر، أللهم إلا أن يقال إن تعليق الكفارة على عدم الاشتراط في صحيح أبي ولاد (2) المتقدم يؤمي إلى عدم وجوبها مع عدم تعين الاعتكاف حتى في اليوم الثالث إذا فرض الاشتراط فيه على وجه يرفع وجوبه، مضافا إلى أصل البراءة ونحوه، وهو قوي جدا: فيكون المدار حينئذ في وجوبها بالجماع وعدمه بتزلزل الاعتكاف وعدمه، فتجب في الثاني دون الاول. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك الحال في جملة من عبارات الاصحاب، منها عبارة الدروس " ويفسد الاعتكاف نهارا مفسد الصوم ومطلق الاستمتاع


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف - الحديث 0 - 6 الجواهر - 26

[ 209 ]

بالنساء - إلى أن قال -: ثم إن أفسده وكان معينا ولو بمضي يومين كفر إن كان بجماع أو إنزال وغيره من مفسدات الصوم " ونقل عن الشيخ أن ما عدا الجماع يوجب القضاء خاصة، والظاهر أنه يراد به مع عدم التعيين، فلو أفسده بالخروج أو باستمتاع لا يفسد الصوم أو سبب يوجب قضاء الصوم خاصة فكفارة خلف النذر أو العهد، ومنها ما في المنتهى، قال: " كل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف وقد مضي، وهل يجب فيه الكفارة ؟ قال السيد المرتضى والمفيد: الكفارة بكل مفطر في رمضان، ولا أعرف المستند، والوجه عندي التفصيل، فان كان الاعتكاف في شهر رمضان وجبت الكفارة بالاكل والشرب وغيرهما مما عددناه في شهر رمضان، وإن كان في غيره فان كان منذورا معينا وجبت الكفارة ايضا، لانه بحكم رمضان، أما لو كان الاعتكاف مندوبا أو واجبا غير متعين بزمان لم تجب الكفارة بغير الجماع مثل الاكل والشرب وغيرهما، وهذا غير لائق من السيد، لانه لا يرى وجوب الاعتكاف بالدخول فيه مطلقا، أما على قول الشيخ في المبسوط من وجوب المندوب في الاعتكاف بالشروع فيه فانه يجب به الكفارة، وكذا اليوم الثالث على قول الشيخين، أما على قولنا وقول السيد المرتضى فلا تجب الكفارة، لان له الرجوع متى شاء، فان تمسكوا بعموم الاحاديث الدالة على وجوب الكفارة قلنا إنما وردت في الجماع، فحمل غيره عليه قياس محض، وإن كان الصوم يفسد به، ويفسد الاعتكاف بفساد الصوم، لكن الكفارة لا تتبع هنا بجواز الرجوع " ونحوه عن التذكرة، ولا يخفى عليك حقيقة الحال بعد الاحاطة بجميع ما ذكرناه. (و) منه يعلم ايضا انه (يجب كفارة واحدة) للاعتكاف (إن جامع ليلا، وكذا إن جامع نهارا في غير رمضان) إذا لم يكن في إفطاره كفارة كقضاء رمضان (ولو كان فيه) أو في قضائه (لزمه كفارتان) لاصالة تعدد

[ 210 ]

المسببات بتعدد الاسباب، وكذا لو كان الصوم منذورا مثلا، وإطلاق ما دل على وجوب الكفارتين من خبر عبد الاعلى (1) ومرسل الصدوق (2) في المعتكف إذا جامع نهارا منزل على رمضان ونحوه مما يقتضي إفطاره كفارة أيضا، كاطلاق بعض الاصحاب، بل لعله الظاهر من خبر عبد الاعلى، قال فيه: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف في شهر رمضان قال: عليه الكفارة، قال: قلت: فان وطأها نهارا قال: عليه كفارتان " خصوصا بعد ملاحظة الاجماع على الظاهر على عدم اقتضاء الاعتكاف إلا كفارة واحدة من غير فرق بين الليل والنهار، كما هو واضح، وحينئذ فمدار تعدد الكفارة واتحاده تعدد السبب واتحاده، فربما اجتمع خمس كفارات وربما اتحدت، وهو على الضوابط غير محتاج إلى الدليل. ثم إن الاقوى وفاقا للشمهور بل نسبه الفاضل إلى الاصحاب تارة وإلى فتوى علمائنا أخرى مشعرا بدعوى الاجماع عليه كون كفارة الاعتكاف مخيرة مثل كفارة شهر رمضان كما نص عليه في موثق سماعة (3) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا " ولا ينافي ذلك ما في صحيح زرارة (4) وغيره من أن على المعتكف إذا جامع ما على المظاهر بعد وجوب حمله على إرادة التشبيه بوجوب أصل الكفارة أو على أفضلية مراعاة الترتيب، بل هو مقتضى الجمع بين هذين الخبرين وما شابههما. المسألة (الثانية) قد عرفت فيما تقدم أن (الارتداد) في أثناء


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من كتاب الاعتكاف الحديث 4 - 3 - 5 - 1

[ 211 ]

الاعتكاف (موجب للخروج من المسجد و) حينئذ (يبطل) به (الاعتكاف) الذي قد عرفت اشتراطه باللبث في المسجد، مضافا إلى إبطاله استدامة النية هنا (وقيل: لا يبطل، وإن عاد) إلى الاسلام (بنى) على اعتكافه (والاول أشبه) بل لا ريب في فساد الثاني كما قدمنا الكلام فيه مفصلا. المسألة (الثالثة قيل) والقائل الاسكافي والمرتضى والشيخ وبنو حمزة والبراج وإدريس وغيرهم: (إذا اكره امرأته على الجماع وهما معتكفان نهارا في شهر رمضان لزمه أربع كفارات) اثنتان عنه واثنتان عن زوجته، بل في الدروس أنه المشهور لا نعلم فيه مخالفا سوى المعتبر، بل في المختلف نفي ظهور الخلاف، وفي المسالك أن العمل على ما ذكره الاصحاب متعين، ونحوه عن المحقق الثاني (وقيل) ولم نعرف القائل قبله: (يلزمه كفارتان، وهو الاشبه) عند المصنف للاصل السالم عن المعارض، وفيه أن المتجه على مختاره سابقا ثلاث، لانه صرح بالتحمل بالنسبة إلى الصوم، وانما ناقش هنا في المعتبر في إلحاق الاعتكاف به، لعدم الدليل عليه بعد حرمة القياس، اللهم إلا أن يكون قد عدل هنا عن اختياره هناك، فحكم بعدم التحمل مطلقا، وحينئذ لم يكن عليه إلا كفارتان، لكن لا يخفى عليك ما فيه بالنسبة إلى الصوم، لما تقدم من الخبر (1) المعمول به بين الاصحاب، بل قد يقوى ذلك في الاعتكاف بحمل ما فيه من الصوم على المثال للاعتكاف، أو ان الكفارتين هنا للصوم ايضا وإن كان التعدد بسبب الاعتكاف، إلا أن المتجه على ذلك عدم التحمل لو جامعها ليلا، فالاول أولى، وحينئذ فهو لا الثاني أشبه، ضرورة صلاحية مثل هذا الاتفاق من الاصحاب للشهادة على إرادة ما يعم نحو المقام من الخبر المزبور، فتأمل جيدا، والله أعلم.


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب ما يمسك عنه الصائم - الحديث 1

[ 212 ]

المسألة (الرابعة) قال في التذكرة: (إذا طلقت المعتكفة رجعية خرجت إلى منزلها) عند علمائنا أجمع، وهو بعد شهادة التتبع له العمدة في هذا الحكم لا الاية (1) التي يمكن المناقشة في استفادة الحكم منها هنا إذا كان الاعتكاف واجبا معينا عليها ولم تكن قد اشترطت، ولذا قال في المسالك بعد ذكر الحكم المزبور: " إن ذلك يتم مع كون الاعتكاف مندوبا أو واجبا غير معين أو مع اشتراط الحل عند العارض، ولو كان معينا من غير شرط فالاقوى اعتدادها في المسجد، فان دين الله أحق أن يقضى " وفي الدروس " ولو طلقت اعتدت في منزلها مع عدم تعيين الزمان، وإلا ففي المسجد " وهو جيد لولا الاجماع المحكي المعتضد بكلمات المعظم (ثم) إذا خرجت من العدة (قضت واجبا إن كان واجبا) معينا بنذر ونحوه (أو مضى يومان) فتعين الثالث، وإن كان واجبا مطلقا أتت به أداء، ويمكن أن يراد من القضاء ما يشمله (وإلا) اعتكفت (ندبا) إن شاءت، وقد يظهر من المصنف مشروعية قضاء الاعتكاف المندوب وفيه بحث أو منع، ولعله يريد أيضا من قضائه نحو ما ذكرنا، والامر سهل بعد وضوح المقصود. المسألة (الخامسة) قد عرفت الحال فيما (إذا باع أو اشترى) وأن التحقيق أنه (يبطل اعتكافه) بذلك عملا بما يفهم من النهي عنه في مثله عرفا (وقيل) والقائل جماعة: (يأثم ولا يبطل) لكون النهي عن خارج من العبادة (وهو) ضعيف كما عرفت، والاول (الاشبه) كما أنك قد عرفت الحال في المسألة (السادسة) أيضا، وهي (إذا اعتكف ثلاثة متفرقة) على معنى اعتكاف النهار دون الليل (قيل) والقائل الشيخ: (يصح، لان التتابع لا يجب


(1) سورة الطلاق - الاية 1

[ 213 ]

إلا بالاشتراط، وقيل) والقائل غيره: (لا) يصح (وهو الاصح) وكذا عرفت الحال في التفريق بمعنى التلفيق من الايام المنكسرة الذي أفتى العلامة في المختلف بصحته، وقد ينساق من العبارة أن المراد بالتفريق اعتكاف الايام المتفرقة في ضمن الشهر مثلا على أن يكون يوم في أوله، وآخر في وسطه، وثالث في آخره ولو بضم الليل معه، وحاصله عدم اعتبار الاتصال في الايام وإن كان هو عبادة واحدة، كالتفريق في أجزاء الغسل، لكن ذلك ليس خلافا محررا في كلام الاصحاب، ولا عرفنا القائل بصحته، ضرورة انصراف الاتصال من الثلاثة التي هي أقل الاعتكاف، وعلى كل تقدير فلا يخفى عليك التحقيق في الجميع، والله هو العالم والمعين، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا على تواتر آلائه ووفور نعمائه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

[ 214 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين الغر الميامين هداة الخلق وأعلام الحق. كتاب الحج الذي هو من أعظم شعار الاسلام، وأفضل ما يتقرب به الانام إلى الملك العلام، لما فيه من إذلال النفس وإتعاب البدن، وهجران الاهل والتغرب عن الوطن، ورفض العادات وترك اللذات والشهوات، والمنافرات والمكروهات، وإنفاق المال وشد الرحال، وتحمل مشاق الحل والارتحال ومقاساة الاهوال، والابتلاء بمعاشرة السفلة والانذال، فهو حينئذ رياضة نفسانية وطاعة مالية، وعبادة بدنية، قولية وفعلية، وجودية وعدمية، وهذا الجمع من خواص الحج من العبادات التي ليس فيها أجمع من الصلاة، وهي لم تجتمع فيها ما اجتمع في الحج من فنون الطاعات، ومن هنا ورد " أن الحج المبرور لا يعدله شئ ولا جزاء له إلا الجنة " (1) و " أنه أفضل من عتق سبعين رقبة " (2) بل قال


(1) وهو مضمون ما رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 وما رواه في المستدرك في الباب 24 منها - الحديث 22 و 24 (2) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 3

[ 215 ]

أبو الحسن (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1): " من قدم حاجا حتى إذا دخل مكة دخل متواضعا، فإذا دخل المسجد قصر خطأه من مخافة الله عزوجل فطاف بالبيت طوافا وصلى ركعتين كتب الله له سبعين الف حسنة، وحط عنه سبعين الف سيئة ورفع له سبعين الف درجة، وشفعه في سبعين الف حاجة، وحسب له عتق سبعين الف رقبة، قيمة كل رقبة عشرة آلاف درهم) وفى خبر معاوية ابن عمار (2) عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) " ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقيه أعرابي فقال: يا رسول الله إني خرجت أريد الحج ففاتني وأنا رجل مميل فمرني أن أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: انظر إلى أبي قبيس، فلو أن أبا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت ما يبلغ الحاج، ثم قال: إن الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئا ولم يضعه إلا كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفا ولم يضعه إلا كتب الله له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا والمروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقفت بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار، خرج من ذنوبه، قال: فعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذا وكذا موقفا إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه، ثم قال: أنى لك أن تبلغ ما يبلغ الحاج، قال أبو عبد الله (عليه السلام): ولا تكتب عليه الذنوب أربعة اشهر وتكتب له الحسنات إلا أن يأتي بكبيرة " و " الدرهم فيه أفضل من الفي الف درهم فيما سواه


(1) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1

[ 216 ]

من سبيل الله تعالى " (1) وانه أفضل من الصيام والجهاد والرباط (2) بل من كل شئ إلا الصلاة، وفي الحديث (3) " اما انه ليس شئ أفضل من الحج إلا الصلاة، وفي الحج هنا صلاة، وليس في الصلاة قبلكم حج " بل فيه (4) " انه أفضل من الصلاة والصيام لان المصلي يشتغل عن أهله ساعة، وان الصائم يشتغل عن أهله بياض يوم، وان الحاج ليشخص بدنه ويضحي نفسه وينفق ماله ويطيل الغيبة عن أهله لا في مال يرجوه ولا في تجارة " وقد تطابق العقل والنقل (5) على أن أفضل الاعمال أحمزها، وان الاجرة على قدر المشقة. بل يستحب إدمان الحج والاكثار منه وإحجاج العيال ولو بالاستدانة أو تقليل النفقة كما دلت عليه المعتبرة المستفيضة (6) وليس ذلك إلا لعظم هذه العبادة، ويكفي لفاعلها انه يكون كيوم ولدته امه في عدم الذنب. نعم ينبغي المحافظة على صحة هذه العبادة المعظمة أولا بتصحيح النية، لان الحج موضوع على الاعلان، ومعدود في هذه الاعصار من اسباب الرفعة


(1) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 و 13 (2) وهو مضمون ما رواه في الوسائل في الباب 41 من ابواب وجوب الحج الحديث 7 والباب 38 منها الحديث 5 والباب 44 والباب 41 الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 - 5 (5) نهاية ابن الاثير في مادة " حمز " وفي الكافي - ج 4 ص 199 في خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام) قال: " وكلما كانت البلوى والاختبار اعظم كانت المثوبة والجزاء اجزل " (6) الوسائل - الباب - 45 و 46 و 5 و 53 - من ابواب وجوب الحج الجواهر - 27

[ 217 ]

والافتخار والابهة والاعتبار، بل هو مما يتوصل به إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان والامصار، والاطلاع على احوال الاماكن والديار، فيخشى عليه من تطرق هذه الدواعي الفاسدة المبطلة للعمل في بعض الاحوال، ولا خلاص من ذلك إلا بالاخلاص، ولا إخلاص إلا بالخلوص من شوائب العجب والرياء، والتجرد عن حب المدح والثناء، وتطهير العبادات الدينية عن التلويث بالمقاصد الدنيوية، ولا يكون ذلك إلا باخراج حب الدنيا من القلب، وقصر حبه على حب الله تعالى، ويكون ذلك هو الداعي إلى العمل، وهو ملاك الامر ومدار الفضل، والطريق العامي إليه واضح مكشوف، ولكن عند العلم تسكب العبرات وتكثر العثرات، ولاستدامة الفكر في احوال الدنيا ومآلها ومزاولة علم الاخلاق الذي هو طب النفس وعلاجها نفع بين في ذلك وتأثير ظاهر، والله الموفق. كما انه ينبغي التفقه في الحج، فانه كثير الاجزاء جم المطالب وافر المقاصد وهو مع ذلك غير مأنوس وغير متكرر، واكثر الناس يأتونه على ضجر وملالة سفر، وضيق وقت واشتغال قلب، مع ان الناس لا يحسنون العبادات المتكررة اليومية مثل الطهارة والصلاة مع الفهم لها ومداومتهم عليها وكثرة العارفين بها، حتى ان الرجل منهم يمضي عليه الخمسون سنة واكثر ولا يحسن الوضوء فضلا عن الصلاة، فكيف بالحج الذي هو عبادة غريبة غير مألوفة، لا عهد للمكلف بها مع كثرة مسائلها وتشعب احكامها وأطولها ذيلا، وخصوصا مع انضمام الطهارة والصلاة إليها، لشرطية الاولى وجزئية الثانية، فان الخطب بذلك يعظم، قال زرارة (1): " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلني الله فداك اسألك في الحج منذ اربعين عاما فتفتيني ؟ فقال: يا زرارة بيت يحج قبل آدم بألفي عام تريد ان تفنى


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 12

[ 218 ]

مسائلة في أربعين عاما " إلا أنه يلوح من الخبر المزبور عدم اعتبار استقصاء. مسائلة، بل هو غير مقدور، ولكن لابد من معرفة فروض المناسك. وعلى كل حال فللحج أسرار وفوائد لا يمكن إحصاؤها وإن خفيت على الملحدين كابن أبي العوجاء وأشباهه، لان من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذ به، وصار الشيطان وليه وربه، يورده مناهل الهلكة ثم لا يصدره إذ من الواضح أن الله تعالى سن الحج ووضعه على عباده إظهارا لجلاله وكبريائه وعلو شأنه وعظم سلطانه، وإعلانا لرق الناس وعبوديتهم وذلهم واستكانتهم، وقد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم، والملاك لمماليكهم، يستذلونهم بالوقوف على باب بعد باب، واللبث في حجاب بعد حجاب، لا يؤذن لهم بالدخول حتى تقبل هداياهم، ولا تقبل منهم الهدايا حتى يطول حجابهم، وان الله تعالى قد شرف البيت الحرام وأضافه إلى نفسه، واصطفاه لقدسه، وجعله قياما للعباد ومقصدا يؤم من جميع البلاد، وجعل ما حوله حرما، وجعل الحرم أمنا، وجعل فيه ميدانا ومجالا، وجعل له في الحل شبها ومثالا فوضعه على مثال حضرة الملوك والسلاطين، ثم أذن في الناس بالحج ليأتوه رجالا وركبانا من كل فج، وأمرهم بالاحرام وتغيير الهيئة واللباس شعثا غبرا متواضعين مستكينين رافعين أصواتهم بالتلبية وإجابة الدعوة، حتى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول، وأوقفهم في حجبه يدعونه ويتضرعون إليه حتى إذا طال تضرعهم واستكانتهم ورجموا شياطينهم بجمارهم وخلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب قربانهم وقضاء تفثهم ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم وبينه، وليزوروا البيت على طهارة منهم، ثم يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال الرق وكنه العبودية، فجعلهم تارة يطوفون ببيته ويتعلقون بأستاره، ويلوذون بأركانه، وأخرى يسعون بين يديه مشيا وعدوا ليتبين لهم عز الربوبية وذل العبودية،

[ 219 ]

وليعرفوا أنفسهم ويضعوا الكبر من رؤوسهم، ويجعل نير الخضوع في أعناقهم ويستشعروا شعار المذلة، وينزعوا ملابس الفخر والعزة، وهذا من أعظم فوائد الحج، مضافا إلى ما فيه من التذكر بالاحرام والوقوف في المشاعر العظام الاحوال المحشر وأهوال يوم القيامة، إذ الحج هو الحشر الاصغر، إذ الحج هو الحشر الاصغر، وإحرام الناس وتلبيتهم وحشرهم إلى المواقف وقوفهم بها ولهين متضرعين راجين إلى الفلاح أو الخيبة والشقاء أشبه شئ بخروج الناس من أجداثهم وتوشحهم بأكفانهم واستغاثتهم من ذنوبهم وحشرهم إلى صعيد واحد إما إلى نعيم أو عذاب أليم، بل حركات الحاج في طوافهم وسعيهم ورجوعهم وعودهم يشبه أطوار الخائف الوجل المضطرب المدهوش الطالب ملجأ ومفزعا نحو أهل المحشر في أحوالهم وأطوارهم، وإلى ما فيه من اختبار العباد وطاعتهم وانقيادهم إلى أوامره ونواهيه، كما شرحه أمير المؤمنين (عليه السلام) في المروي (1) عنه في نهج البلاغة. (و) كيف كان ف‍ (هو يعتمد على ثلاثة أركان:) الركن (الاول في المقدمات) (وهي أربع): (المقدمة الاولى) (الحج) بفتح الحاء المهملة وقد تكسر (وإن كان في اللغة) هو (القصد) أو كثرته إلى من يراد تعظيمه، والكف والقدوم والغلبة بالحجة وكثرة الاختلاف والتردد (فقد صارفي الشرع) على وجه الحقيقة بناء على ثبوتها فيه أو المجاز فيه


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 11 و 21

[ 220 ]

والحقيقة عند المتشرعة (اسما لمجموع المناسك المؤداة في المشاعر المخصوصة) أو لقصد البيت الحرام لاداء مناسك مخصوصة عنده، أو مع زيادة متعلقة بزمان مخصوص، وفي الدروس يلزم على الاول النقل، وعلى الثاني التخصيص، وهو خير من النقل، وفي المسالك الايراد على طرده بالعمرة وبكل عبادة مقيدة بمكان مخصوص، وعلى عكسه بأن الاتي بالبعض التارك البعض الذي لا مدخل له في البطلان يصدق عليه اسم الحاج، فلا يكون الحج اسما للمجموع، كما أن المصنف أورد على الثاني بأنه يخرج عنه الوقوف بعرفة والمشعر، لانهما ليسا عند البيت الحرام مع كونهما ركنين من الحج إجماعا، إلى غير ذلك مما لا فائدة معتد بها لطول البحث فيها بعد ما ذكرناه غير مرة من أن الغرض من أمثال هذه التعاريف الكشف في الجملة، فهي اشبه شئ بالتعاريف اللغوية، وحينئذ فالامر فيها سهل. (و) على كل حال ف‍ (هو فرض على كل من اجتمعت فيه الشرائط الاتية من الرجال والنساء والخناثي) كتابا (1) وسنة (2) وإجماعا من المسلمين بل ضرورة من الدين يدخل من أنكره في سبيل الكافرين، بل لعل تأكد وجوبه كذلك فضلا عن أصل الوجوب، كما هو واضح (و) لذا سمى الله تعالى تركه كفرا في كتابه العزيز (3) نعم (لا يجب بأصل الشرع إلا مرة واحدة) إجماعا بقسميه من المسلمين فضلا عن المؤمنين، مضافا إلى الاصل، واقتضاء إطلاق الامر في الكتاب والسنة ذلك كما حقق في محله، وإلى غير ذلك من النصوص (4) الكثيرة جدا الدالة صريحا وظاهرا على اختلاف دلالتها، وستسمع


(1) و (3) سورة آل عمران - الاية 91 - 92 (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب وجوب الحج (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب وجوب الحج

[ 221 ]

بعضها، فما عن الصدوق في العلل - من أن الذي اعتمده وأفتي به أن الحج على أهل الجدة في كل عام فريضة - واضح الضعف، وفي محكي المنتهى " قد حكي عن بعض الناس الوجوب في كل سنة مرة، وهي حكاية لم تثبت، ومخالفة للاجماع والسنة " إلى آخره، أو محمول على ما حمل عليه بعض النصوص الموهمة لذلك - كخبر علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) " ان الله تعالى فرض الحج على أهل الجدة في كل عام، وذلك قول الله عزوجل (2): " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فان الله غني عن العالمين " قال: قلت: " من لم يحج منا فقد كفر قال: لا، ولكن من قال: ليس هذا هكذا فقد كفر " وخبر حذيفة بن منصور (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " الحج فرض على أهل الجدة في كل عام " ومرسل التميمي (4) عنه (عليه السلام) أيضا " ان في كتاب الله عزوجل فيما أنزل الله ولله على الناس حج البيت في كل عام من استطاع إليه سبيلا " - من إرادة الوجوب على البدل، بمعنى أن من وجب عليه الحج فلم يفعل في السنة الاولى وجب عليه في الثانية، وهكذا في كل عام، أو الندب أو تأكده أو غير ذلك، لان ظاهرها مخالف لاجماع المسلمين كما اعترف به في المعتبر وغيره، لما عرفت من عدم الوجوب إلا مرة، فليس هو بعدها إلا مستحبا.


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (2) سورة آل عمران - الاية 91 و 92 (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 و 5 مع الاختلاف في اللفظ (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 7 وهو مرفوع عبد الله بن الحسين الميثمى

[ 222 ]

ومن الغريب ما في الوسائل من حمل هذه النصوص (1) على الوجوب كفاية وإن جعله الوجه بعض الافاضل مؤيدا له بما دل من النصوص التي فيها الصحيح وغيره على جبر الامام الناس على الحج إذا تركوه، وإلا استحقوا العقاب ولم ينظروا، إذ هو مخالف لاجماع المسلمين على الظاهر أيضا، فلا بد من طرحها أو تنزيلها على ما عرفت ونحوه، ونصوص الجبر خارجة عما نحن فيه، ضرورة عدم اختصاصها بأهل الجدة كما يؤمي إليه اشتمال الصحيح (2) منها على أنه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت المال، بل اشتمل أيضا على الجبر على المقام عند البيت وعلى زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) والمقام عنده، ولعلنا نقول به كما أو مأ إليه في الدروس، قال فيها: " ويستحب للحاج وغيرهم زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة استحبابا مؤكدا، ويجبر الامام الناس على ذلك لو تركوه، لما فيه من الجفاء المحرم كما يجبرون على الاذان، ومنع ابن إدريس ضعيف، لقوله (صلى الله عليه وآله) (3): " من أتى مكة حاجا ولم يزرني إلى المدينة فقد جفوته يوم القيامة، ومن أتاني زائرا وجبت له شفاعتي، ومن وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة " وفي المختلف " قال الشيخ: إذا ترك الناس الحج وجب على الامام أن يجبرهم على ذلك، وكذلك إذا تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) كان عليه إجبارهم عليها ايضا، وقال ابن إدريس لا يجب الاجبار، لانها غير واجبة، واحتج الشيخ بأنه يستلزم الجفاء، وهو محرم " وعلى كل حال فالوجوب بهذا المعنى خارج عما نحن فيه من الوجوب كفاية على خصوص أهل الجدة المستلزم لكون من يفعله من حج في السنة السابقة


(1) الوسائل - الباب - 4 و 5 - من ابواب وجوب الحج (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب المزار - الحديث 3 من كتاب الحج

[ 223 ]

منهم مؤديا لواجب ولو كان مع من لم يحج منهم، وقد صرحت النصوص بأن ما عدا المرة تطوع، كقول الصادق (عليه السلام) للاقرع بن حابس (1) إذ سأله: " في كل سنة مرة واحدة، ومن زاد فهو تطوع " بل هو مقتضى قوله (عليه السلام) أيضا في خبر هشام بن سالم (2) المروي عن المحاسن والخصال: " وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون اكثر من ذلك " وقول الرضا (عليه السلام) في علل الفضل (3): " انما أمروا بحجة واحدة لا اكثر من ذلك لان الله وضع الفرائض على أدنى القوة " ونحوه في علل ابن سنان (4). (و) كيف كان فهذه الحجة الواجبة بأصل الشرع (هي) الحجة التي هي أحد أركان الاسلام، إذ في كثير من الاخبار (5) " انه بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية " وبهذا الاعتبار أطلق عليها (حجة الاسلام) في النص والفتوى. (وتجب) بعد فرض إحراز الشرائط (على الفور) اتفاقا محكيا عن الناصريات والخلاف وشرح الجمل للقاضي، وفي التذكرة والمنتهى إن لم يكن محصلا، وربما يؤمي إليه ما نص فيه من الاخبار (6) على نهي المستطيع عن الحج نيابة، وسأل الشحام (7) الصادق (عليه السلام) " التاجر يسوف الحج قال: ليس


(1) المستدرك - الباب - 3 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 4 وهو وقول النبي (صلى الله وعليه وآله) له، لان الاقرع بن حابس انما كان في زمانه (صلى الله وعليه وآله) (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب وجوب الحج الحديث 1 - 2 - 3 (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب مقدمة العبادات (6) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب النيابة في الحج (7) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 6

[ 224 ]

له عذر " وقال (عليه السلام) أيضا في صحيح الحلبي (1): " إذا قدر الرجل على ما يحج به ثم دفع ذلك وليس له شغل يعذره به فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام " بل قد تدل عليه النصوص (2) الكثيرة التي فيها الصحيح وغيره الدالة على أن من وجب عليه ثم سوفه العام والعام الاخر ثم مات فقد ترك شريعة من شرائع الاسلام، وانه المراد بقوله تعالى (3): " ومن كان في هذه أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا " ومن قوله تعالى (4): " ونحشره يوم القيامة أعمى " باعتبار أن الوعيد مطلقا دليل التضييق كما اعترف به في المنتهى (و) المدارك. بل الظاهر أن (التأخير مع الشرائط) عن عام الاستطاعة معصية (كبيرة موبقة) ومهلكة كما صرح به غير واحد وإن حج بعد ذلك، لكونه كذلك في نظر اهل الشرع، ولما رواه الصدوق عن الفضل بن شاذان (5) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) انه كتب إلى المأمون تفصيل الكبائر، ومن جملتها الاستخفاف بالحج الصادق بالتأخير عن عام الاستطاعة، مضافا إلى ما قيل من أنه قد يصادف الترك أصلا الذى لا إشكال في أنه كبيرة، بل في الكتاب والنسة إطلاق اسم الكفر عليه المعلوم انه من الكبائر في النصوص والفتاوى ولو الكفر بمعنى الخروج عن الطاعة الشامل لما نحن فيه، كما يشهد له الصحيح (6) " سألت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 - 0 (3) سورة الاسراء - الاية 74 (4) سورة طه - الاية 124 (5) و (6) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب جهاد النفس - الحديث 33 - 4 مع الاختلاف في الثاني الجواهر - 28

[ 225 ]

أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكبائر فقال: هي في كتاب علي (عليه السلام) سبع: الكفر بالله عزوجل وعقوق الوالدين وأكل الربا بعد التنبه وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف والتعرب بعد الهجرة، قلت: فهذه اكبر المناهي قال: نعم، قلت: فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة ؟ قال: ترك الصلاة، قلت: ما عددت ترك الصلاة في الكبائر فقال: أي شئ أول ما قلت لك، قال: قلت: الكفر، قال: فان تارك الصلاة كافر يعني من غير علم " فانه ظاهر في إرادة ما يشمل المقام من الكفر المعدود في الكبائر، بل لو قلنا إن الحج أعظم من الصلاة أو أن المراد من الصلاة ما يشمل صلاة الطواف كانت الدلالة ظاهرة، إلا أنه لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة أن ذلك في الترك لا في التأخير عن عام الاستطاعة وإن حج بعده في العام الاخر الذي هو مفروض البحث دون الترك أصلا، بل دون تكرار التأخير إصرارا بلا تخلل توبة، فانه لا صغيرة مع الاصرار فالعمدة حينئذ ما ذكرناه أولا، أما الترك أصلا فكونه من الكبائر مفروغ منه بل يمكن دعوى كونه ضروريا. ثم المراد بالفورية وجوب المبادرة إليه في أول عام الاستطاعة، وإلا ففيما يليه وهكذا، ولو توقف على مقدمات من سفر وغيره تعين الاتيان بها على وجه يدركه كذلك. ولو تعددت الرفقة في العام الواحد قيل وجب المسير في أولها، فان أخر عنها وأدركه مع التالية، وإلا كان كمؤخره عمدا في استقرار الحج، وبه قطع في الروضة، وجوز في الدروس التأخر عن الاولى إن وثق بالمسير مع غيرها، واستحسنه في المدارك، قال: بل يحتمل قويا جواز التأخير بمجرد احتمال سفر التالية، لانتفاء الدليل على فورية المسير بهذا المعنى، وأطلق العلامة في التذكرة جواز التأخير عن الرفقة الاولى، لكن المسألة في كلامه مفروضة في حج النائب،

[ 226 ]

وينبغي القطع بالجواز إذا كان سفر الاولى قبل أشهر الحج وقبل تضييق الوقت الذي يمكن إداراكه فيه، لانه الاصل، ولا مقتضي للخروج عنه، قلت: لعل المقتضي تحقق الخطاب بالمقدمات، والاصل عدم مقدمة أخرى تقوم مقام هذه الميسرة، وخصوصا إذا كان المظنون عدم حصولها، فهو في الحقيقة كاتلاف الطهورين بعد الوقت مع عدم العلم بحصول غيرهما، فاكتفاؤه بمجرد الاحتمال كما ترى. نعم قد يقال إن له التأخير مع الوثوق الذي ذكره في الدروس، مع أن الظاهر استقرار الحج بالتمكن من الرفقة الاولى، كمن وجبت عليه الصلاة ومضى وقت يمكن أن يفعلها ولم يفعلها ومات مثلا، فانه لا إشكال في تحقق وجوب القضاء عليه بذلك، على أنه في الفرض مندرج في جميع النصوص الدالة (1) على أن من استطاع الحج ولم يحج ومات فان شاء أن يموت يهوديا أو نصرانيا ونحوها، فمن الغريب اكتفاء السيد المزبور بما سمعت، ودعواه القطع بالجواز فيما عرفت، وإطلاق التذكرة يمكن تنزيله على ما لا يشهد له من غلبة التأخير مع الوثوق، على أن كلامه مفروض في حج النائب على ما صرح به، وحكم الاجير يتبع رضى المستأجر، ومعلوم منه عادة المضايقة في التأخير مع عدم الوثوق، ولو سلم جواز التأخير في حق النائب فلا يلزم منه الجواز لغيره، إذ الفورية فيه تتبع العقد، وفي غيره تثبت بمقتضى الدليل، ومع اختلافهما في المدرك لا يجب توافقهما في الحكم. ثم إن ما ادعاه من القطع انما يستقيم لو كان وجوب قطع المسافة لتعلق الخطاب المنجر، وهو باطل، وإلا لزم جواز التخلف عن الوفد الخارج قبل أشهر


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب وجوب الحج

[ 227 ]

الحج مع الانحصار، وعدم استقرار الحج في الذمة بالتمكن من الخروج قبلها، وسقوطه عن البعيد إذا كان بحيث لا يمكنه قطع المسافة في تلك المدة، واللوازم كلها باطلة، فكذا الملزوم، فتجب إناطة التكليف بالخطاب المعلق، ولا يختلف الحال بدخول أشهر الحج وعدمه كما هو ظاهر، ضرورة كونه حينئذ كباقي أفراد الواجب الموسع الذي يتضيق بخوف الفوات، ومنه محل الفرض باعتبار عدم الوثوق برفقة أخرى، فيجب التقديم، وهو المطلوب، على أن اشتغال الذمة يقينا يوجب الاتيان بما يعلم معه حصول الامتثال، ولا يتحقق ذلك في محل الفرض إلا بالخروج مع الوفد الاول، ضرورة انتفاء العلم فيه مع التأخير، فكذا ما يقوم مقامه من الظن، ومجرد الاحتمال لا عبرة به، إذ لا أقل من الظن فيما الاصل فيه اليقين، وحينئذ فلا ريب في عصيانه بالتأخير مع التمكن من الرفقة الاولى من دون وثوق بغيرها، إذ هو لا يخلو إما أن يتأتى له الخروج بعدها أم لا، أما الثاني فظاهر، لانه تأخير للحج من عام إلى آخر مع التمكن، وأما الاول فان قلنا ببدلية العزم في الواجب الموسع فكذلك، لاستحالة العزم على الفعل مع عدم الوثوق بالتمكن من مقدماته، وإلا فالعصيان ثابت له من حيث التعرض للمعصية والجرأة عليها بالتأخير عن الرفقة الاولى مع عدم الوثوق بالثانية وإن تبين له الخلاف بعد ذلك، والتمكن اللاحق لا يرفع حكم الاجتزاء السابق، ولا فرق في المجتري بين المصادف للتمكن وغيره مما يتعلق بالاختيار، والقول بعصيان أحدهما دون الاخر تحكم ظاهر، ولذا يتوجه عليه الذم على التقديرين، وما يقال من أن العزم على المعصية ليس بمعصية فعلى تقدير تسليمه انما هو في العزم الذي يبقى معه الاختيار لا في مطلق العزم. ثم إن الوفد الخارجين إلى مكة إما أن يكونوا متوافقين في الخروج زمانا أو مختلفين متقاربين، أو متباعدين في أشهر الحج، أو قبلها، أو خروج أحدهم

[ 228 ]

فيها والاخر قبلها، وعلى كل حال فاما أن يكون أحد الوفدين مثلا موثوقا به خروجا وسلامة وإدراكا دون الاخر، أو يكون كلاهما موثوقا به مع التساوي أو الاوثقية في الكل أو البعض مع تساوي الباقي أو اختلافه، كما لو كان السابق أوثق خروجا واللاحق أوثق سلامة وإدراكا، والاختلاف من غيره جهة الوثوق لا تأثير له في الحكم، وأما باعتباره فان كان في أصل الوثوق تعين المسير مع المعتمد منهم وإن لم يكن سابقا، وإلا فالاولى الخروج مع الاوثق، ومع التساوي أو اختلاف الجهات المتساوية فالمكلف بالخيار، والمراد بالادراك إدراك التمتع الذي هو فرض البعيد بأركانه الاختيارية، فلو ضاق وقت التأخير عن ذلك وجب الخروج مع السابق، فلو أخر عصى وصح حجه وإن علم فوات التمتع أو اختياري أحد الموقفين بالتأخير، لصدق الاضطرار المسوغ للعدول بذلك وإن كان منشأه سوء الاختيار كما في نظائره. (و) كيف كان ف‍ (قد يجب الحج بالنذر وما في معناه) من العهد واليمين (وبالافساد) على ما ستعرفه (وبالاستيجار للنيابة) ونحو ذلك (و) حينئذ ف‍ (يتكرر) الوجوب (بتكرر السبب) وتعدده من جنس واحد أو أجناس مختلفة (وما خرج عن ذلك) ونحوه فهو (مستحب) إن لم يعرض ما يقتضي تحريمه أو كراهته (و) مع عدم ذلك فلا خلاف نصا وفتوى في أنه (يستحب لفاقد الشرائط، كمن عدم الزاد والراحلة إذا تسكع سواء شق عليه السعي أو سهل، وكالمملوك إذا أذن له مولاه) وواجدها المتبرع به بعد أداء الواجب، والله العالم.

[ 229 ]

(المقدمة الثانية) في القول (في الشرائط) (والنظر في حجة الاسلام، وما يجب بالنذر وما في معناه وفي أحكام النيابة، القول) الاول (في حجة الاسلام، وشرائط وجوبها خمسة): (الاول كمال العقل والبلوغ، فلا يجب) الحج (على الصبي) المميز وغيره (ولا على المجنون) المطبق والادواري الذي تقصر نوبته عن أداء تمام الواجب أو ما في حكمه إجماعا بقسميه، ونصوصا (1) وحينئذ (فلو حج الصبي) ولو قلنا بشرعية عبادته (أو حج عنه) الولي (أو عن المجنون) على الوجه الذي تعرفه إن شاء الله (لم يجزعن حجة الاسلام) إجماعا بقسمية، وقال الصادق (عليه السلام) في خبر مسمع (2): " لو أن غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه فريضة الاسلام " وسأل إسحاق بن عمار (3) أبا الحسن (عليه السلام) " عن ابن عشر سنين يحج قال: عليه حجة الاسلام إذا احتلم، وكذا الجارية عليها الحج إذا طمثت " إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة بما عرفت وبالاصل وغيره، (نعم لو دخل الصبي المميز أو المجنون في الحج ندبا ثم كمل كل واحد منهما و وأدرك المشعر أجزأ عن حجة الاسلام) على المشهور بين الاصحاب، بل في


(1) الوسائل - الباب - 3 و 4 - من ابواب مقدمة العبادات والباب 12 و 13 من أبواب وجوب الحج (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1

[ 230 ]

التذكرة ومحكي الخلاف الاجماع عليه في الصبي، قال في الاول: " وإن بلغ الصبي أو أعتق العبد قبل الوقوف بالمشعر فوقف به أو بعرفة بالغا أو معتقا وفعل باقي الاركان أجزأ عن حجة الاسلام، وكذا لو بلغ أو أعتق وهو واقف عند علمائنا أجمع " وهو الحجة، مضافا إلى تظافر الاخبار (1) بأن من أدرك المشعر أدرك الحج كما تسمعها إن شاء الله فيما يأتي في حكم الوقوفين بعرفة والمشعر، وخصوص المورد فيها لا يخصص الوارد، بل المستفاد منها ومما ورد (2) في العبد هنا ونحو ذلك عموم الحكم لكل من أدركهما من غير فرق بين الادراك بالكمال وغيره، ومن هنا استدل الاصحاب بنصوص العبد على ما نحن فيه مع معلومية حرمة القياس عندهم، فليس مبنى ذلك إلا ما عرفته من عموم الحكم المستفاد من النصوص المزبورة، مضافا أيضا إلى ما يأتي من أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه، فالوقت صالح لانشاء الاحرام، فكذا لانقلابه أو قلبه، مع أنهما قد أحرما من مكة وأتيا بما على الحاج من الافعال، فلا يكونان أسوأ حالا ممن أحرم من عرفات مثلا ولم يدرك إلا المشعر، بل في كشف اللثام " إن كملا قبل فجر النحر وأمكنهما إدراك اضطراري عرفة مضيا إليها، وإن كان وقفا بالمشعر قبل الكمال ثم كملا والوقت باق وجب عليهما العودما بقى وقت اختياري المشعر " وفى الدروس " ولو بلغ قبل أحد الموقفين صح حجه، وكذا لو فقد التمييز وباشر به الولي فاتفق البلوغ والعقل، ولو بلغ بعد الوقوف والوقت باق جدد النية وأجزأ ". لكن في المتن كالمحكي عن المعتبر والمنتهى الاجزاء عن حجة الاسلام


(1) الوسائل - البا ب - 23 - من ابواب الوقوف بالمشعر (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب وجوب الحج

[ 231 ]

(على تردد) بل عن ظاهر النافع وصريح الجامع العدم، للاصل ومنع الاجماع ودلالة الاخبار، فانها انما دلت على إدراك الحج بادراك المشعر، ولكن انما يدرك الحج الذي نواه وأحرم، وصلاحية الوقت للاحرام لا يفيد إلا إذا لم يكن محرما، أما المحرم فليس له الا حرام ثانيا إلا بعد الاحلال أو العدول (1) إلى ما دل عليه الدليل، ولا دليل هنا، ولا الاستطاعة ملجأة إليه، ولا مفسدة للانصراف إلى ما في الذمة، فانا نمنع وجوب الحج عليه بهذه الاستطاعة، لاشتغال ذمته باتمام ما أحرم له، مع أن صلاحية الوقت إذا فاتت عرفة ممنوعة، والحمل على العبد إذا أعتق قياس، لكن فيه أن الاصل مقطوع بما عرفت، ولا وجه لمنع الاجماع الذي نقله الثقة العدل وشهد له التتبع، كمالا وجه لمنع دلالة الاخبار ان كان المراد منها ما ورد في العبد، فانها صريحة في الاجزاء عن حجة الاسلام، بل هو المنساق من إطلاق أن إدراك المشعر إدراك الحج لا الحج الذي نواه وأحرم به، فانه مدرك له قبل حصول هذه الصفة، وصلاحية الوقت انما ذكرت استيناسا لما نحن فيه لا أنها دليل، ضرورة وضوح الفرق بين نفس الموضوعين، ومنع الوجوب بهذه الاستطاعة لما عرفت مصادرة، كما أن الحمل على العبد ليس قياسا بعد ما عرفت من الاجماع وظهور نصوص العبد في عدم الخصوصية له. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاقوى الاجزاء عن حجة الاسلام انما الكلام في وجوب تجديد النية للاحرام بحجة الاسلام وللوجوب كذلك في الوقوف، سيما على تقدير اعتبار الوجه من آن الادراك، لانه لا عمل إلا بنية،


(1) هكذا في المخطوطة المبيضة ولكن في المسودة " ولا العدول إلا إلى ما دل عليه الدليل " وهو الصواب

[ 232 ]

والفرض عدم نية حجة الاسلام سابقا، وعدمه للاصل وانعقاد الاحرام وانصراف الفعل إلى ما في الذمة إذا نوى عينه وإن غفل عن خصوصية ولم يتعرض لها في النية ولا للوجوب في نية الوقوف، ولعله الاقوى تمسكا باطلاق النص في العبد والفتوى فيه وفي المقام، فهو إجزاء شرعي، وتظهر الثمرة فيمن بلغ قبل فوات المشعر ولم يعلم حتى فرغ منه أو من باقي المناسك، فما عن الخلاف من وجوب تجديد نية الاحرام والمعتبر والمنتهى والروضة من إطلاق تجديد نية الوجوب والدروس من تجد النية محل للنظر بل المنع، كما أن الاقوى عدم اعتبار الاستطاعة بعد الكمال من البلد أو الميقات في الاجزاء عن حجة الاسلام للاطلاق المزبور، بل هو كالصريح بالنسبة إلى العبد، ولا استبعاد في استثناء ذلك مما دل على اعتبارها فيها، بل في التذكرة " لو بلغ الصبي وأعتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الاتيان بالحج وجب عليهما ذلك، لان الحج واجب على الفور ولا يجوز لهما تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحر، خلافا للشافعي، ومتى لم يفعلا الحج مع امكانه فقد استقر الوجوب عليهما سواء كانا موسرين أو معسرين، لان ذلك واجب عليهما بامكانه في موضعه، فلم يسقط بفوات القدرة بعده " وفي كشف اللثام من المعلوم أن الاجزاء عن حجة الاسلام مشروط بالاستطاعة عند الكمال، لكن الاتمام لما جامع الاستطاعة التي للمكي غالبا وكانت كافية في الوجوب هنا وإن كانا نائيين كما مرت الاشارة إليه لم يشترطوها، ولذا قال في التذكرة إلى آخر ما سمعت، ثم قال: ومن اشترط استطاعة النائي لمجاور مكة اشترطها هنا في الاجزاء، فما في الدروس والروضة وغيرهما - من اعتبار سبق الاستطاعة وبقائها، لان الكمال الحاصل أحد الشرائط، فالاجزاء من جهته - محل للنظر، إذ لو سلم أن التعارض بين ما هنا وبين ما دل على اعتبار الاستطاعة الجواهر - 29

[ 233 ]

من وجه أمكن الترجيح لما هنا من وجوه، خصوصا بملاحظة نصوص العبد، ولذا قال في الروضة بعد أن حكم بما عرفت: ويشكل ذلك في العبد إن أحلنا ملكه، وربما قيل بعدم اشتراطها فيه للسابق، أما اللاحقة فتعتبر قطعا. وكيف كان فالمنساق من المتن وغيره اعتبار إدراك اختياري المشعر، فلا يجزيه اضطرارية وإن وجب عليهما ما أمكنهما من اضطراري عرفة، ولعله كذلك اقتصارا على المتيقن، نعم لا فرق في الحكم المزبور بين حج التمتع والافراد والقران للاطلاق، فلو كان قد اعتمر عمرة التمتع ثم أتى بحجة وكان فرضه عند الكمال التمتع بقي على التمتع، وكفاه لعمرته ما فعل منها قبل الكمال، كما نص عليه في محكي الخلاف والتذكرة، بل في الدروس نسبته إلى ظاهر الفتوى، فما في كشف اللثام - من أنه لم يساعده الدليل إن لم يكن عليه إجماع، فان إدراك أحد الموقفين الاختياريين يفيد صحة الحج، والعمرة فعل آخر مفصول منه وقعت بتمامها في الصغر أو الجنون كعمرة أوقعها في عام آخر، فلا جهة للاكتفاء بها، ولذا قيل بالعدم، فيكون كمن عدل إلى الافراد اضطرارا، فإذا أتم المناسك أتى بعمرة مفردة في عامه ذلك أو بعده - فيه أن إطلاق متن الاجماع المعتضد بظاهر الفتوى وإطلاق نصوص العبد كاف في إثبات ذلك، بل لعله المنساق من ظاهرهما، ولا حاجة إلى ما قيل من انه يأتي بعد التمام بعمرة أخرى للتمتع في ذلك العام إن كانت اشهر اللحج باقية، ويسقط الترتيب بين عمرة التمتع وحجه للضرورة، وإن لم يبق اشهر الحج أتى بالعمرة في القابل، وهل يجب عليه فيه حجة أخرى ؟ وجهان، من الاصل، ومن دخول العمرة في الحج، ووجوب الاتيان بهما في عام واحد على المتمتع، وأما إن كان فرضه الافراد أو التمتع وكان الذي أتى به الافراد فالامر واضح، ويأتي بعد الاتمام بعمرة مفردة، وعلى الاخير يكون عادلا عن فرضه إلى الافراد ضرورة، ومن ذلك تعرف الحال فيما في

[ 234 ]

الدروس من انه لو حج العبد الافقي أي غير المكي أو المميز كذلك قرانا أو إفرادا أو حج الولي بغير المميز أو المجنون كذلك وكملوا قبل الوقوف ففي العدول إلى التمتع مع سعة الوقت نظر، من الامر باتمام النسك، والاقرب العدول للحكم بالاجزاء مطلقا، ومع عدم القول بالعدول أو لم يمكن العدول ففى إجزاء الحج هنا نظر، من مغايرته فرضهم، ومن الضرورة المسوغة لانتقال الفرض، وهو قوي، قلت: قد عرفت التحقيق في ذلك، وأما إن كان فرضه الافراد والذي أتى به التمتع فهل يبقى عليه ويجزي عن الافراد أو يعدل بنيته إليه أو ينقلب حجه مفردا وإن لم ينوه وجوه، وجهها احد الاخيرين، وحينئذ فعليه عمرة مفردة، قيل: وعلى ما في الخلاف والتذكرة الظاهر الاول، وهو مشكل جدا، والاحتياط في جميع ذلك لا ينبغي تركه، ضرورة انسياق الاكتفاء بأحد الموقفين للمتلبس بما هو فرضه لو كان كاملا من الادلة، فالمتجه الاقتصار عليه وعدم ترك الاحتياط في غيره، هذا، وفي نصوص العبد معقد إجماع التذكرة وجملة من العبائر الاكتفاء في إدراك الحج بادراك أحد الموقفين لا خصوص المشعر كما في المتن وبعض العبارات، ولعله لان إدراك المشعر متأخر عن موقف عرفة، فالاجتزاء بأحدهما يقتضي أنه الاقصى في الادراك، ولو فرض تمكنه من موقف عرفة دون المشعر فلا يبعد عدم الاجزاء، ضرورة ظهور النص والفتوى في أن كل واحد منهما مجز مع الاتيان بما بعده لا هو نفسه، وربما يأتي لذلك تتمة إن شاء الله في العبد. (و) على كل حال فلا إشكال في أنه (يصح إحرام الصبي المميز وإن لم يجب عليه) بناء على شرعية عبادته، نعم لابد من إذن الولي بذلك لاستتباعه المال في بعض الاحوال، فليس هو عبادة محضة، مع احتمال العدم لعدم كونه تصرفا ماليا أولا وبالذات إن لم يكن إجماعا، كما هو ظاهر نفي الخلاف فيه بين

[ 235 ]

العلماء من محكي المنتهى والتذكرة، أما البالغ فالاقوى عدم اعتبار إذن الاب في المندوب منه فضلا عن الام ما لم يكن مستلزما للسفر المؤدي إلى إيذائهما باعتبار مفارقته أو سبق نهيهما عنه في وجه، خلافا للفاضل في القواعد فاعتبر إذن الاب بل عن ثاني الشهيدين في المسالك أنه قوى توقفه على إذن الابوين، لكن قال في الروضة: " إن عدم اعتبار إذنهما حسن إذا لم يكن الحج مستلزما للسفر المشتمل على الخطر، وإلا فالاشتراط أحسن ". (و) على كل حال ف‍ (يصح أن يحرم عن غير المميز وله ندبا وكذا المجنون) فيستحق الثواب حينئذ عليه، وتلزمه الكفارة والافعال والتروك على الوجه الذي ستعرفه بلا خلاف أجده في أصل مشروعية ذلك للولي، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه. مضافا إلى دلالة النصوص الكثيرة عليه، كقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (1): " انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموهم إلى الجحفة أو إلى بطن مر ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم، ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي فليصم عنه وليه " وسأله عبد الرحمان بن الحجاج (2) في الصحيح " إن معنا صبيان مولودا فقال (عليه السلام): مر أمه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فأتتها فسألتها فقالت: إذا كان يوم التروية فاحرموا عنه وجردوه وغسلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، وإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه ثم زوروا به البيت، ومري الجارية ان تطوف به بالبيت وبين الصفا والمروة " وقال أحدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة (3): " إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فانه يأمره أن يلبي ويفرض الحج


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من أبواب أقسام الحج الحديث 3 - 1 - 5

[ 236 ]

فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه ويطاف به ويصلى عنه، قال زرارة: ليس لهم ما يذبحون فقال (عليه السلام): يذبح عن الصغار ويصوم الكبار ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب، فان قتل صيدا فعلى أبيه " إلى غير ذلك مما هو واضح الدلالة عليه، خلافا لابي حنيفة فأنكره من أصله، ولا ريب في ضعفه. كما أن ظاهر النص والفتوى كون الاحرام بالصبي على معنى جعله محرما بفعله لا أنه ينوب عنه في الاحرام، ومن هنا صرح غير واحد بأنه لا فرق في الولي بين كونه محلا أو محرما، فما عن الشافعية في وجه من كون الاحرام عنه واضح الضعف. وعلى كل حال فكيفيته أن ينوي الولي الاحرام بالطفل بالعمرة أو الحج، فيقول: اللهم إني أحرمت بهذا إلى آخر النية، وفي الدروس أنه يكون حاضرا مواجها له ويلبسه ثوبي الاحرام ويجنبه ما يجنب المحرم، ويلبي عنه إن لم يحسنها وإلا أمره، بل في القواعد وغيرها " ان كل ما يتمكن الصبي من فعله من التلبية والطواف وغيرهما فعله، وإلا فعله الولي عنه " ولعل خبر زرارة فيه (1) إشارة إلى ذلك، وليكونا في الطواف متطهرين وإن كانت الطهارة من الطفل صورية، وفي الدروس " يحتمل الاجتزاء بطهارة الولي " وفي كشف اللثام وعلى من طاف به الطهارة كما قطع به في التذكرة والدروس وهل يجب إيقاع صورتها بالطفل أو المجنون ؟ وجهان كماو في الدروس وظاهر التذكرة من أنها ليست طهارة مع الاصل، ومن أنه طوافه، لانه طواف بالمحمول، وفي التذكرة " وعليه أن يتوضأ للطواف ويوضأه، فان كانا غير متوضأين لم يجز الطواف، وإن كان الصبي متطهرا والولي محدثا لم يجزه أيضا، لان الطواف بمعونة الولي يصح، والطواف لا يصح إلا


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 5

[ 237 ]

بطهارة، وان كان الولي متطهرا والصبي محدثا فللشافعية وجهان، أحدهما لا يجزي " قلت: ريب في أن الاحوط طهارتهما معا، لانه المتيقن من هذا الحكم المخالف للاصل، وان كان يقوى في النظر الاكتفاء بطهارة الولي كما يؤمي إليه ما في خبر زرارة (1) من الاجتزاء بالصلاة عنه، ولعله فرق بين أفعال الحج نفسها وشرائطها، فيجب مراعاة الصوري منه في الاول دون الثاني، فتأمل جيدا. ولو أركبه دابة فيه أو في السعي ففي التذكرة والدروس وجب كونه سائقا أو قائدا، إذ لا قصد لغير المميز، وهو حسن، وفي المدارك أنه ينبغي القطع بجواز الاستنابة في الطواف، لاطلاق الامر بالطواف به، ولقول حميدة في صحيح ابن الحجاج (2): " مري الجارية " إلى آخره، قلت: بل لا يبعد جواز الاستنابة في غيره أيضا كما عساه يلوح من النص والفتوى، وأما الصلاة فقد سمعت ما في خبر زرارة، لكن في الدرو س " وعلى ما قاله الاصحاب من أمر ابن ست بالصلاة يشترط نقصه عنها، ولو قيل: يأتي بصورة الصلاة كما يأتي بصورة الطواف أمكن " وكأنه اجتهاد في مقابلة النص. وكيف كان فان أحرم به بالحج ذهب إلى الموقفين، ونوى الوقوف به، ثم يحضره الجمار ويرمي عنه، وهكذا إلى آخر الافعال، وفي القواعد ومحكي المبسوط " انه يستحب له ترك الحصى في يد غير المميز ثم يرمي الولي أي بعد أخذها من يده " ولكن لم نظفر له بمستند، وفي محكي المنتهى " وإن وضعها في يد الصغير ويرمي بها فجعل يده كالالة كان حسنا " قلت: هو كذلك محافظة على الصورة منه، لان الرمي من أفعال الحج، وربما يأتي لذلك كله تتمة عند تعرض المصنف له ولغيره من الاحكام.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 5 - 1

[ 238 ]

(و) المراد ب‍ (ا لولي) هنا (من له ولاية المال كالاب والجد للاب والوصي) بلا خلاف أجده في الاولين، بل في التذكرة الاجماع عليه، وأما الوصي ففي المدارك أنه مقطوع به في كلام الاصحاب، ويشهد له إطلاق الولي في النصوص، بل منه يستفاد ولاية الحاكم التي بها صرح الشيخ في المحكي عنه، بل من مبسوطه " أن الاخ وابن الاخ والعم وابن العم إن كان وصيا أو له ولاية عليه وليها فهو بمنزلة الاب، وإن لم يكن أحدهم وليا ولا وصيا كانوا كسائر الاجانب " ونحوه عن السرائر، قال في التذكرة: وهذا القول يعطي أن لامين الحاكم الولاية كما في الحاكم، لان قوله: " أوله ولاية " إلى آخره، ولا مصرف له إلا ذلك وحكى عن الشافعي في توكيل كل من الوصي وأمين الحاكم وجهان، قلت: الاقوى ذلك، بل عن الشهيد الثاني التصريح بجواز التوكيل من الثلاثة، لانه فعل تدخله النيابة كما أو مأنا إليه، بل عن الشيخ أن غير الولي إن تبرع عن الصبي انعقد إحرامه، ولعله لاطلاق اكثر الاخبار، واحتمال الولي فما تضمنته المتولي لاحرامه واحتماله كأبيه الجريان على الغالب أو التمثيل. (و) لكن لا ريب في ضعفه، اقتصارا فيما خالف الاصل على المتيقن المعتضد بظاهر النص والفتوى، نعم (قيل) والقائل المبسوط أيضا والخلاف والمعتبر والمنتهى والتحرير والمختلف والدروس، بل في المدارك نسبته إلى الاكثر: (للام ولاية الاحرام بالطفل) لخبر عبد الله بن سنان أو صحيحه (1) عن الصادق (عليه السلام) " ان امرأة قامت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعها صبي لها فقالت: يا رسول الله أيحج بمثل هذا ؟ قال: نعم ولك أجره " ضرورة اقتضاء الامر لها (2)


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (2) هكذا في المخطوطة المبيضة ولكن في المسودة " الاجر لها " وهو الصواب المطابقته للخبر أي " ولك أجرة "

[ 239 ]

كونها محرمة به أو آمرة لغيرها وغير وليها أن يحرم به، وحينئذ فتلتزم لوازم الاحرام كالولي، ولعله الاقوى، خلافا لظاهر المتن والقواعد ومحكي السرائر وغيرها للاصل المقطوع بما عرفت، خصوصا بعد التسامح في المستحب. (و) كيف كان ف‍ (نفقته الزائدة) على نفقة الحضر مثل آلة سفره وأجرة مركبه وجميع ما يحتاج إليه في سفره مما كان مستغنيا عنه في حضره (تلزم الولي) في ماله (دون الطفل) بلا خلاف أجده، لانه هو السبب، والنفع عائد إليه، ضرورة عدم الثواب لغير المميز بذلك، وعدم الانتفاع به في حال الكبر، ولانه أولى من فداء الصيد الذي نص عليه في خبر زرارة فما (1) عن الشافعي في أحد الوجهين من الوجوب في مال الصبي كأجرة المعلم واضح الضعف، خصوصا بعد وضوح الفرق بأن التعلم في الصغر يغنيه عنه في الكبر، ولو فاته لم يدركه بخلاف الحج والعمرة، نعم قد يتوقف في الحكم المزبور فيما إذا توقف حفظ الصبي وكفالته وتربيته على السفر، وكانت مصلحته في ذلك، ولعل إطلاق الاصحاب منزل على غير ذلك، وأما الهدي الذي يترتب عليه بسبب الحج فكأنه لا خلاف بينهم في وجوبه على الولي الذي هو السبب في حجه، وقد صرح به في صحيح زرارة (2) بل صرح فيه أيضا بأنه إن قتل صيدا فعلى أبيه، وبه أفتي الاكثر في كل مالا فرق في لزومه للمكلف في حالتي العمد والخطأ، خلافا للفاضل في محكي التذكرة فعلى الصبي الفداء لوجوبه بجنايته، فكان كما لو أتلف مال غيره، وكأنه اجتهاد في مقابلة النص المعتبر، نعم قد يقال ذلك فيما يختلف حكمه في حال العمد والسهو في البالغ كالوطي واللبس إذا اعتمد الصبي، فعن الشيخ أنه قال: " الظاهر أنه تتعلق به الكفارة على وليه، وان قلنا إنه لا يتعلق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 5

[ 240 ]

به شئ - لما روي (1) عنهم (عليهم السلام) " ان عمد الصبي وخطأه واحد " والخطأ في هذه الاشياء لا يتعلق به كفارة من البالغين - كان قويا " واستجوده في المدارك لو ثبت اتحاد عمد الصبي وخطأه على وجه العموم، لكنه غير واضح لان ذلك انما ثبت في الديات خاصة، قلت: وهو كذلك، لبطلان سائر عباداته من صلاة وضوء ونحوهما بتعمد المنافي، ومن هنا قيل بالوجوب تمسكا بالاطلاق ونظرا إلى أن الولي يجب عليه منع الصبي عن هذه المحظورات، ولو كان عمده خطأ لما وجب عليه المنع، لان الخطأ لا يتعلق به حكم، فلا يجب المنع، فما في المدارك - من أن الاقرب عدم الوجوب اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع النص وهو الصيد - واضح الضعف، ضرورة عدم الفرق بين الصيد وغيره في حال العمد كما عرفت، فتشمله الخطابات التي هي من قبيل الاسباب، ومقتضاها وإن كان الوجوب على الصبي بعد البلوغ أو في ماله إلا أنه قد صرح في صحيح زرارة بكونه (2) على الاب باعتبار أنه هو السبب. ومما ذكرنا يظهر لك الحال فيما حكي عن الشيخ من أنه يتفرع على الوجهين مالو وطأ قبل أحد الموقفين متعمدا، فان قلنا إن عمده وخطأه سواء لم يتعلق به حكم فساد الحج، وإن قلنا إن عمده عمد أفسد حجه ولزمه القضاء، ثم قال: " والاقوى الاول، لان إيجاب القضاء يتوجه إلى المكلف، وهذا ليس بمكلف " وفي المدارك وهو جيد، ثم إن قلنا بالافساد فلا يجزيه القضاء حتى يبلغ فيما قطع به الاصحاب، ولا يجزي عن حج الاسلام إلا أن يكون بلغ في الفاسد قبل


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب العاقلة - الحديث 2 من كتاب الديات (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 5 الجواهر - 30

[ 241 ]

الوقوف بالمشعران اجتزأنا بذلك، إذ لا يخفي عليك أن المتجه بناء على ما عرفت فساد حجه بتعمده، وحينئذ يترتب عليه القضاء بعد البلوغ كالغسل بالجنابة الصادرة منه، وربما يأتي لذلك تتمة عند تعرض المصنف له، والله أعلم. الشرط (الثاني الحرية، فلا يجب الحج) ولا العمرة (على المملوك وإن أذن له مولاه) وتشبث بالحرية وبذل له الزاد والراحلة، للاصل والاجماع بقسميه منا ومن غيرنا، وقول أبي الحسن موسى (عليه السلام) في الموثق (1): " ليس على المملوك حج ولا عمرة حتى يعتق " وقوله (عليه السلام) في خبر آدم بن علي (2): " ليس على المملوك حج ولا جهاد، ولا يسافر إلا باذن مالكه " قيل: ولعدم الاستطاعة، لانه لا يملك شيئا ولا يقدر على شئ، وفيه أنه يمكن تحققها ببذل ونحوه، فالعمدة في الدليل ما سمعت. (و) منه يعلم أنه (لو تكلفه باذن مولاه صح حجة لكن لا يجزيه عن حجة الاسلام) مضافا إلى الاجماع بقسميه عليه منا ومن غيرنا أيضا، وقول الكاظم (عليه السلام) (3) في صحيح أخيه: " المملوك إذا حج ثم أعتق فان عليه إعادة الحج) وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (4): " إن المملوك إذا حج وهو مملوك ثم مات قبل أن يعتق أجزأه ذلك الحج، فان أعتق أعاد الحج " وقوله (عليه السلام) (5) في الصحيح الاخر: " المملوك إذا حج وهو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن يعتق، فان أعتق أعاد الحج " وقوله (عليه السلام) أيضا في خبر مسمع (6): " لو أن عبدا حج عشر حجج كانت عليه حجة الاسلام إذا استطاع إلى ذلك


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 4 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب وجوب الحج الحديث 3 - 4 - 1 - 5

[ 242 ]

سبيلا " وخبر إسحاق بن عمار (1): " سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن أم الولد تكون للرجل قد أحجها أيجزي ذلك عنها من حجة الاسلام ؟ قال: لا، قلت: لها أجر في حجتها قال: نعم " إلى غير ذلك من النصوص التي لا يعارضها خبر حكم ابن حكيم الصيرفي (2) سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " أيما عبد حج به مواليه فقد أدرك حجة الاسلام " الذي أجمعت الامة على خلافه فمن الواجب طرحه أو حمله على إدراك ثواب حجة الاسلام ما دام مملوكا كما أو مأ إليه لفظ الاجزاء في الصحيح المزبور (3)، ويشهد له خبر أبان بن الحكم (4): " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الاسلام حتى يكبر، والعبد إذا حج به فقد قضى حجة الاسلام حتى يعتق " أو على إدراك الموقفين معتقا أو غير ذلك. (ف‍) لا إشكال كمالا خلاف في الحكم المزبور، نعم (إن) حج باذن مولاه، و (أدرك الوقوف) بعرفة والمشعر أو (بالمشعر معتقا أجزأه) ذلك عن حجة الاسلام بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في محكي المنتهى لو حج باذن مولاه ثم أدركه العتق فان كان قبل الوقوف في الموقفين أجزأه الحج سواء كان قد فعل الاحرام أو لا، ولا نعلم خلافا في أنه لو أعتق قبل إنشاء الاحرام بعرفة فأحرم أنه يجزيه عن حجة الاسلام عندنا أيضا، ذهب إليه علماؤنا مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار (5) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): مملوك أعتق يوم عرفة فقال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج " وزاد فيما رواه في


(1) و (2) و (3) و (4) والوسائل - الباب - 16 - من ابواب وجوب الحج الحديث 6 - 7 - 4 - 2 (5) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2

[ 243 ]

المعتبر " وإن فاته الموقفان فقد فاته الحج، ويتم حجه ويستأنف حجة الاسلام " وصحيح شهاب (1) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل أعتق عشية عرفة عبداله قال: يجزي عن العبد حجة الاسلام، ويكتب لسيده أجران: ثواب الحج وثواب العتق " ونحوه في الاجزاء خبره الاخر (2) وغيرها من النصوص الظاهرة أو الصريحة في إدراك حجة الاسلام بذلك وإن لم يكن مستطيعا كما هو الغالب في محل الفرض، خصوصا بناء على استحالة ملكه. لكن في الدروس اشتراط تقدم الاستطاعة وبقائها، وتعجب منه في المدارك، لاستحالة ملك العبد عنده، ومن هنا قال هو: وينبغي القطع بعدم اعتبار الاستطاعة هنا مطلقا، لاطلاق النص خصوصا السابقة، وقد تقدم تحقيق الحال في ذلك وفي التجديد للنية وغيرهما من المباحث التي لا يخفى عليك جريانها في المقام الذي هو الاصل لذلك المقام. كما انه لا يخفى عليك الحال فيما ذكروه من الفروع هنا، كعدم جواز رجوع السيد بالاذن بعد التلبس، ضرورة وجوب الاتمام على العبد به، لاطلاق أدلته المعلوم تحكيمه على ما دل (3) على وجوب طاعة العبد ولو بملاحظة النظائر وحينئذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل لو رجع السيد قبل التلبس ولم يعلم العبد به حتى أحرم وجب الاستمرار في أقوى الوجهين: لانه دخل دخولا مشروعا، فكان رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف ولم يعلم الوكيل، فما عن الشيخ من أنه يصح إحرامه وللسيد أن يحله واضح الضعف، وإن استشكله في القواعد بل اختاره في المختلف لعموم حق المولى، وعدم لزوم الاذن، خصوصا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 4 (3) البحار - الجزء الرابع من المجلد الخامس عشر ص 41 الطبعة الكمپاني

[ 244 ]

وقد رجع قبل التلبس، ولكن فيه أن صحة الاحرام انما هي لبطلان رجوع المولى، فكأنه لم يرجع، فيشمله قوله تعالى (1): " وأتموا الحج " الاية وغيره والاحرام ليس من العبادات الجائرة، وانما يجوز الخروج منه في مواضع مخصوصة ولم يثبت أن هذا منها، ولعل احتمال عدم صحة الاحرام لعدم حصول الشرط في الواقع الذي هو كالوضوء للصلاة - فالاستصحاب انما هو الجواز الاقدام في الظاهر ومتى بان فساده انكشف البطلان - أقوى من ذلك، ولذا تردد في الصحة وعدمها المصنف في المحكي من معتبره وغيره، وإن كان فيه منع الشرطية على الوجه المزبور لعدم ما يدل عليها كذلك، بل أقصاه انها كاشتراط طهارة الثوب للصلاة، فتأمل جيدا، نعم لو رجع قبل التلبس وعلم العبد بذلك لم يكن له إحرام، وفي الاكتفاء بالعدل الواحد هنا وجه قوي. وللمولي بيع العبد في حال الاحرام قطعا، بل في المدارك إجماعا، للاصل السالم عن المعارض بعد كون الاحرام لا يمنع التسليم، وعدم جواز التحليل للثاني للوجوب على العبد باذن الاول لا يقضي بفساده البيع، بل أقصاه الخيار مع عدم قصر الزمان بحيث لا يفوته شئ من المنافع، لحديث نفي الضرر والضرار (2). ولو جنى العبد في إحرامه بما يلزم فيه الدم كاللباس والطيب لزمه دون السيد للاصل السالم عن المعارض المعتضد بظاهر قوله تعالى (3): " ولا تزر وازرة وزر أخرى " نعم عن الشيخ " أنه يسقط الدم إلى الصوم، لانه عاجز، ففرضه


(1) سورة البقرة - الاية 192 (2) الوسائل - الباب - 12 - من كتاب إحياء الموات - الحديث 3 و 4 و 5 (3) سورة الانعام - الاية 164 وسورة الاسراء - الاية 16 وسورة الفاطر - الاية 19 وسورة الزمر - الاية 9

[ 245 ]

الصوم ولسيده منعه منه، لانه فعل موجبه بدون إذن مولاه " قلت: فهو حينئذ عاجز عنهما، فالمتجه حينئذ بقاء الدم في ذمته يتبع به بعد العتق، فان عجز عنه صام، ولا يقال إن ذلك من الاحكام الشرعية المترتبة عليه من دون مراعاة إذن المولى كقضاء الصلاة ونحوها، لانا نقول ما دل على ملكية العبد للسيد وأنه ليس له التصرف بنفسه إلا باذنه أرجح مما دل على الكفارة من وجوه، فالجمع حينئذ بين الخطابين القول بمضمون كل منهما، وينتج تبعيته به بعد العتق، كضمان ما يتلفه من مال الغير. ومن ذلك كله يظهر لك ضعف ما عن المفيد من وجوب الفداء في الصيد على السيد وإن كان قد يشهد له قول الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (1): " كلما أصاب العبد وهو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا أذن له " لكن يعارضه مضافا إلى ما سمعت - خبر عبد الرحمان بن أبي نجران (2) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيدا وهو محرم على مولاه شئ من الفداء فقال: لا شئ على مولاه " وحمله كما عن الشيخ على من أحرم بغير إذنه يدفعه ظهور الخبر في كون العبد محرما، ولا يكون ذلك الا مع إذن السيد، وإلا لم يكن له إحرام، وربما جميع بينهما بأن الفداء على السيد إن كان قد أذن له السيد في الجناية ايضا، ويأمره بالصوم إن عجز هو عنه، وعلى العبد إن كان الاذن في الاحرام خاصة، فيتعين عليه الصوم لعجزه، وفيه - مع أن صوم العبد غرامة للسيد ايضا - انه جمع بلا شاهد ولا ينتقل إليه من نفس اللفظ، كالجمع بينهما بأن الاذن إن كان في الاحرام لزم السيد، وإن كان العبد مأذونا مطلقا إحراما وغيره لزمه دون


(1) و (2) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب كفارات الصيد - الحديث 1 - 3 من كتاب الحج

[ 246 ]

السيد، فليس حينئذ إلا ترجيح أحد الخبرين على الاخر، فقد يرجح الاول بصحته وكونه ناقلا عن الاصل، وبخبر جميل بن دراج (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع قال: فمره فليصم، وإن شئت فاذبح عنه " وفيه أن الصحة بعد إعراض جماعة من الاصحاب أو الاكثر لا تجدي، والخبر المقرر أولى من الناقل، لاعتضاده بحجة أخرى، وخبر جميل إن لم يشهد للعكس فلا شهادة له عليه، ضرورة أمره بالامر بالصوم، وتعليق الذبح على المشية، مع انه خارج عما نحن فيه، ضرورة كون الذبح هناك من توابع الاذن لا أنه وجب كفارة، ولذلك أوجبه على المولى بعضهم، وستسمع إن شاء الله في باب الذبح تمام البحث فيه، وأن المصنف قد اختار تخيير المولى بين الذبح عنه وبين أمره بالصوم للرواية المزبورة، لكن الانصاف مع ذلك مراعاة الاحتياط، وعلى كل حال فقد بان لك مما ذكرنا ضعف المحكي عن أبي الصلاح من التفصيل بين الاحرام بالاذن وعدمه، فتجب الكفارة في الاول على السيد، وفي الثاني على المملوك، لكنه يصوم لعدم تمكنه من الهدي والاطعام إذ قد عرفت فساد الاحرام مع عدم الاذن، فلا يترتب به على كل منهما شئ كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (لو أفسد) العبد (حجه) بالجماع قبل الوقوف بالمشعر وجب عليه المضي فيه وبدنة وقضاؤه، لانه كالحر في ذلك، ضرورة دخوله في الاحرام على الوجه الصحيح، فيترتب عليه أحكامه، وفي وجوب تمكين السيد إياه منه وعدمه وجهان بل قولان ينشآن من أن الاذن في الحج تقتضي الالتزام بجميع ما يترتب عليه شرعا، ومنه ذلك، بل ربما قيل بتناول ما دل على التزام


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الذبح - الحديث 1

[ 247 ]

السيد بكل ما أصابه العبد في حال إحرامه لذلك، ومن ان القضاء عقوبة دخلت عليه بسوء اختياره لا مدخلية للاذن السابقة فيه بوجه من الوجوه، بل ربما أدى ذلك إلى الاحتيال بتعطيل العبد نفسه عن منافع سيده بحيث يحصل عليه الضرر بذلك، ولعل ذلك هو الاقوى، خصوصا بعد ما سمعت في الكفارة ونحوها، وربما بني القولان على ان القضاء هو الفرض والفاسد عقوبة، فيتجه الاول حينئذ، لتناول الاذن له، وقد لزم بالشروع، فيلزمه التمكين منه، أو بالعكس فيتجه الثاني، لعدم تناول الاذن له، وفيه ان من المعلوم عدم تناول الاذن للحج ثانيا وإن كان هو الفرض، لانها انما تعلقت بالاول. هذا كله إذا لم يعتق، فإذا أفسده قبل الوقوف (ثم أعتق مضى في الفاسد) ايضا لما دل على وجوب إتمامه (وعليه بدنة) أو بدلها (وقضاه) كالحر لما عرفت (وأجزأه عن حجة الاسلام) سواء قلنا إن الاكمال عقوبة والثانية حجة الاسلام أم بالعكس، أما على الاول فظاهر، لوقوع حجة الاسلام في حال الحرية التامة، وأما على الثاني فلما سبق من أن العتق على هذا الوجه يقتضي إجزاء الحج عن حج الاسلام. (وإن) أفسده قبل الوقوف و (أعتق بعد فوات الموقفين وجب) الاكمال و (القضاء ولم يجزه عن حجة الاسلام) فتجب عليه حينئذ إذا أحرز شرائطها، بل لو فرض شغل ذمته بها وجب عليه ان يقدمها على القضاء كما في القواعد ومحكي الخلاف والمبسوط لفوريتها دونه، ولانه آكد، لوجوبها بنص القرآن، وحينئذ فلو قدم القضاء لم يجز عن احدهما، اما القضاء فلكونه قبل وقته وأما حجة الاسلام فلانه لم ينوها، خلافا للمحكي عن الشيخ فصرفه إلى حجة الاسلام، لكن عن مبسوطه احتمال البطلان قويا، واستجوده في المدارك بناء على مسألة الضد، وإلا اتجه صحة الفضاء وإن أثم بتأخير حجة الاسلام،

[ 248 ]

قلت: بل في كشف اللثام الاظهر عندي تقديم القضاء لسبق سببه، وعدم الاستطاعة لحجة الاسلام إلا بعده، قلت: هو كذلك مع فورية القضاء، بل ومع عدمه في وجه. ولا فرق في المملوك بين القن والمدبر وأم الولد والمكاتب بقسميه والمبعض في عدم وجوب حجة الاسلام عليهم التي قد عرفت اشتراطها بالحرية المفقودة في الجميع، نعم للمبعض لوتها يا مع مولاه الحج ندبا في نوبته من دون إذن من المولى إذا لم يكن تغرير بنفسه في السفر، ومن الغريب ما ظنه بعض الناس من وجوب حجة الاسلام عليه في هذا الحال، ضروة منافاته الاجماع المحكي من المسلمين الذي يشهد له التتبع على اشتراط الحرية المعلوم عدمها في المبعض، والله أعلم. الشرط (الثالث) ان يكون له ما يتمكن به من (الزاد والراحلة) لانهما من المراد بالاستطاعة التي هي شرط في الوجوب باجماع المسلمين، والنص (1) في الكتاب المبين، والمتواتر (2) من سنة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله)، بل لعل ذلك من ضروريات الدين كأصل وجوب الحج، وحينئذ فلو حج بلا استطاعة لم يجزه عن حجة الاسلام لو استطاع بعد ذلك قطعا، كالقطع بكون الراحلة من المراد بالاستطاعة، فيتوقف الوجوب على حصولها وإن تمكن بدونها بمشي ونحوه، للاجماع المحكي عن الناصريات والغنية والتذكرة والمنتهى، والنصوص المستفيضة


(1) سورة آل عمران - الاية 91 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب وجوب الحج الجواهر - 31

[ 249 ]

التي فيها الصحيح وغيره، فقد سأل جعفر الكناسي (1) في الصحيح ابا عبد الله (عليه السلام) " عن قول الله عزوجل: " والله " - إلى آخره - ما يعنى بذلك ؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع - أو قال -: ممن كان له مال، فقال له حفص: فإذا كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة ولم يحج فهو ممن يستطيع الحج قال: نعم " وصحيح هشام أو حسنه (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: " والله " - إلى آخره - ما يعنى بذلك ؟ قال: " من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة " وخبر السكوني (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سأله رجل من اهل القدر فقال: يابن رسول الله اخبرني عن قول الله عزوجل: " ولله " - إلى آخره - أليس قد جعل لهم الاستطاعة ؟ فقال: ويحك انما يعنى بالاستطاعة الزاد والراحلة ليس استطاعة البدن " وخبر الفضل بن شاذان (4) المروي عن العيون عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون " وحج البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلا، والسبيل الزاد والراحلة مع الصحة " وخبر الاعمش (5) المروي عن الخصال عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " وحج البيت واجب على من استطاع إليه سبيلا، وهو الزاد والراحلة " إلى غير ذلك وفي كون الزاد كالراحلة بالنسبة إلى ذلك وجهان ينشآن من ظاهر النصوص المزبورة، ومن اقتصار الفتاوى أو اكثرها على الراحلة خاصة، فيبقي الزاد كغيره


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 4 عن حفص الكناسي وهو الصحيح كما يشهد له جملة " فقال له حفص " ايضا (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من أبواب وجوب الحج الحديث 7 - 5 - 6 (5) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 4

[ 250 ]

على صدق الاستطاعة، ولعله لا يخلو من قوة، وعلى كل حال فقد وسوس سيد المدارك وتبعه صاحب الحدائق في الحكم بالنسبة إلى الراحلة فضلا عن الزاد من ظهور لفظ الاستطاعة في الاية في الاعم من ذلك الشامل للمستطيع بالمشي ونحوه من غير مشقة لا تتحمل كما اعترف به الاصحاب في حق القريب، ودل عليه صحيح معاوية بن عمار (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه دين أعليه ان يحج ؟ قال: نعم، إن حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين ولقد كان من حج مع النبي (صلى الله عليه وآله) مشاة، ولقد مر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد والعناء فقال: شدوا ازركم واستبطنوا ففعلوا ذلك فذهب عنهم " وقال ابو بصير (2) لابي عبد الله (عليه السلام): " قول الله عزوجل: " ولله " - إلى آخره - قال: يخرج ويمشي إن لم يكن عنده قلت: لا يقدر على المشي قال: يمشي ويركب، قلت: لا يقدر على ذلك اعني المشي قال: يخدم القوم ويخرج معهم " وصحيح محمد بن مسلم (3) " قلت لابي جعفر (عليه السلام): قول الله تعالى: " ولله " إلى آخره - قال: يكون له ما يحج به، قلت: فان عرض عليه الحج فاستحى قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستح ولو على حمار أجدع أبتر، فقال: إن كان يستطيع أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليفعل " ونحوه صحيح الحلبي (4) عنه (عليه السلام) أيضا.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 2 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 8 من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 وذيله في الباب 10 منها - الحديث 1 (4) ذكره صدره في الوسائل في الباب 8 من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 وذيله في الباب 10 منها - الحديث 5

[ 251 ]

وفيه أن من المعلوم ضرورة عدم الوجوب بمجرد الاستطاعة العقلية التي تحصل بالخدمة ونحوها كما تضمنه خبر أبي بصير، منها، ولا يلتزمه هذا المتوقف، كما أن من المعلوم قصورها عن مقاومة ما عرفت من وجوه، فلا معنى لحمل تلك النصوص من جهتها على إرادة بيان ما لو توقف الحج على الزاد والراحلة كما هو الغالب، أو على التقية أو غير ذلك، نعم لا بأس بالعكس لذلك، فتحمل هي على كون المراد من هذه النصوص بيان فضل الحج المندوب والترغيب فيه، وأنه لا بأس بتحمل هذه المشاق نحو ما ورد في زيارة الحسين (عليه السلام) وغيره من الائمة (عليهم السلام) وكون ذلك وقع تفسيرا للاية غير مناف بعدأن فسرت النصوص استطاعة الواجب بما عرفت، واستطاعة المندوب بذلك، فيكون المراد من الاية القدر المشترك، أو ان المراد بيان حكم من استقر الوجوب في ذمته سابقا أو غير ذلك، وإن أبيت فليس لها إلا الطرح في مقابلة ما عرفت من الاجماع والنصوص السابقة، بل يمكن دعوى تحصيله، كدعوى ضرورية عدم كفاية مطلق الاستطاعة في الوجوب، ومن هنا ظن بعض مشايخنا أن المراد بالاستطاعة المتوقف عليها وجوب الحج معنى شرعي مجمل، فكل ما شك في اعتباره فيها توقف الوجوب عليه، لان الشك في الشرط شك في المشروط، وإن كان قد يناقش فيه بأنا وإن علمنا عدم كفاية مطلق الاستطاعة في الوجوب إلا ان النصوص كشفت ما اعتبره الشارع فيها، فيبقى غيره على المراد بالاستطاعة، ضرورة كون ذلك من قبيل الشرط الشرعي لها، وحينئذ فما شك في اعتباره فيها زائدا على ما ثبت في الشرع ينفى بأصل العدم نحو غيرها من ألفاظ المعاملة، فليس حينئذ لها حقيقة شرعية، بل ولا مراد شرعي مجمل. كما لا يخفى على من لاحظ النصوص والفتاوى في المقام، وانما التحقيق ما ذكرناه. (و) منه يعلم الوجه فيما ذكره غير واحد من أن‍ (هما معتبران فيمن

[ 252 ]

يفتقر إليه) هما في (قطع المسافة) وإن قصرت عن مسافة القصر، خلافا للمحكي عن العامة فشرطوا ذلك، لا مثل القريب الذي يمكنه قطع المسافة بالمشي من دون مشقة يعتد بها، بل لا أجد فيه خلافا، بل في المدارك نسبته إلى الاصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه، وإن كان الذي وقفنا عليه الشيخ في محكي المبسوط والفاضل في القواعد والتذكرة والمنتهى، وعن التحرير والمصنف أنه لا يشترط الراحلة للمكي، ولعلهما يريدان ايضا ما يشمل ذلك، فيبتق الجميع حينئذ، لكن في كشف اللثام يقوى عندي اعتبارها ايضا للمكي للمضي إلى عرفات وأدنى الحل والعود، ولذا أطلق الاكثر ومنهم الشيخ في غير المبسوط والفاضل في الارشاد والتبصرة والتلخيص والمحقق في النافع، قلت: قد يقال إنه ينقدح الشك من ذلك كله في تناول دليل الشرط المزبور لمثل الفرض، فيبقي اعتبار صدق اسم الاستطاعة بالنسبة إليه خاليا عن المعارض، وانما يبقى تقييده بنفي الضرر والحرج ونحوهما، ويكون حينئذ المدار عليها كما فيما لم يدل دليل على اعتبار أمر شرعي من الاستطاعة بالنسبة إليه لما سمعته من التحقيق السابق. (و) كيف كان ف‍ (لاتباع ثياب مهنته) بالفتح والكسر أي ما يبتذله من الثياب، لان المهنة الخدمة وعدم بيعها في حج الاسلام لا أجد فيه خلافا، بل عن المعتبر والمنتهى والتذكرة الاجماع على استثناء ثياب بدنه التي يدخل فيها ثياب التجمل اللائقة بحاله زمانا ومكانا فضلا عن ثياب المهنة، كاطلاق الثياب في الدروس ومحكي التحرير، وهو الحجة مضافا إلى ما فيه من العسر والحرج، وأن الشارع استثناها في دين المخلوقين الذى هو أعظم من دين الخالق، وإلى فحوى ما تسمعه من خبر أبي الربيع الشامي (1) الذي فسر السبيل فيه بالسعة بالمال.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1

[ 253 ]

بل (و) من ذلك كله يعلم أنه (لا) يباع (خادمه ولا دار سكناه للحج) ايضا كما صرح به غير واحد، بل عن المعتبر والمنتهى والتذكرة الاجماع عليه، بل في الاخير دعواه على استثناء فرس ركوبه، وإن قال في كشف اللثام: لا أرى له وجها، فان فرسه إن صلح لركوبه إلى الحج فهو من الراحلة، وإلا فهوفي مسيره إلى الحج لا يتفقر إليه، وانما يفتقر إليه، وانما يفتقر إلى غيره، ولا دليل على أنه حينئذ لا يبيعه في نفقة الحج إذا لم يتم إلا بثمنه، لكن لعل وجهه ما عرفت، خصوصا بعد استثنائه في الدين، نعم في الدروس وعن الشيخ إلحاق حلي المرأة بحسب حالها في زمانها ومكانها بالثياب، وهو مشكل لعدم الدليل، كالاشكال في استثناء كتب العلم على الاطلاق، وإن كان هو متجها في التي لابد له منها فيما يجب عليه تحصيله أو العمل به، لان الضرورة الدينية أعظم من الدنيوية، ومنه يعلم ما في إطلاق ابن سعيد والتحرير، فعن الاول أنه قال: " لا يعد في الاستطاعة لحج الاسلام وعمرته دار السكنى والخادم، ويعتبر ما عدا ذلك من ضياع وعقار وكتب وغير ذلك " والثاني انه أطلق بيع ما عدا المسكن والخادم والثياب من ضياع أو عقارا وغيرهما من الذخائر، ومن هنا قيد ذلك في محكي المبسوط والمنتهى والتذكرة بماله منه بد، ولعله لنفي الحرج والضرر والعسر وسهولة الملة وإرادة الله اليسر وغير ذلك، واليه أو مأ في المدارك حيث انه - بعد أن ذكر عن المنتهى إجماع العلماء على استثناء المسكن والخادم وانه فيه ألحق بذلك فرس الركوب وكتب العلم وأثاث البيت من فراش وبساط وآنية ونحو ذلك - قال: ولا ريب في استثناء جميع ما تدعو الضرورة إليه من ذلك، لما في التكليف ببيعه مع الحاجة الشديدة إليه من الحرج المنفي، ونحوه غيره ممن تأخر عنه، فما في الدروس من التوقف في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل والسلاح وآلات الصنائع لا يخلو من نظر، ولو زادت اعيانها عن قدر الحاجة

[ 254 ]

وجب بيعها قطعا كما في الدروس وغيرها، بل الاقوى وجوب البيع لو غلت وأمكن بيعها وشراء ما يليق به من ذلك بأقل من ثمنها كما صرح به في التذكرة والدروس والمسالك وغيرها، لما عرفت من ان الوجه في استثنائها الحرج ونحوه مما لا يأتي في الفرض، لا النص المخصوص كي يتمسك باطلاقه، فما عن الكركي من عدم وجوب الاستبدال إذا كانت لائقة بحاله لا يخلو من نظر مع فرض كون الادون لائقا ايضا، وان احتمله في كشف اللثام ومحكي التذكرة، لانه كالكفارة، ولعدم زيادة العين عن الحاجة، وأصالة عدم وجوب الاعتياض والحرج، والجميع كما ترى، مع انه قد يفرق بين الكفارة والحج بأن العتق فيها له بدل بخلاف ما هنا، فتأمل جيدا. ومن لم يكن له هذه المستثنيات استثني له أثمانها كما في الدروس والمسالك وغيرهما، واستجوده في المدارك إذا دعت الضرورة إليه، وهو كذلك، أما مع الاستغناء عنها أو عن بعضها باستيجار ونحوه ووثق بحصوله عادة ولم يكن عليه في ذلك مشقة فمشكل، وإن كان الاقوى عدم وجوب بيعها لو كان يمكنه الاعتياض عنها بالاوقات العامة وشبهها، بل في الدروس القطع بذلك، ضرورة وضوح الفرق بين المقامين، لكن لو فعل احتمل تحقق الاستطاعة، والله العالم. (والمراد بالزاد قدر الكفاية من القوت والمشروب) له ولمن يتبعه من الناس والدواب (ذهابا وعودا) إلى وطنه إن أراده وإن لم يكن له به اهل ولا له فيه مسكن مملوك، خلافا للشافعية فلا عبرة بالاياب مطلقا في قول، وإن لم يملك به مسكنا في آخر، وإن لم يكن له به أهل في ثالث، للحرج بالتكليف بالاقامة في غير وطنه، واستحسنه في المدارك مع تحقق المشقة به، أما مع انتفائها كما إذا كان وحيدا لا تعلق له بوطن أو كان له وطن ولا يريد العود إليه فيحتمل قويا عدم اعتبار كفاية العود في حقه، لاطلاق الاوامر، والمراد بالتمكن

[ 255 ]

منه القدرة عليه بحمل من بلده أو بالشراء له في منازله، قال في المنتهى: " الزاد الذي يشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه من مأكول ومشروب وكسوة، فان كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله، وأما الماء وعلف البهائم فان كانت توجد في المنازل التى ينزلها على حسب العادة لم يجب حملها، وإلا وجب مع المكنة ومع فقدها (عدمها خ ل) يسقط الفرض " لكن في الدروس ويجب حمل الزاد والعلف ولو كان طول الطريق، ولم يوجب الشيخ حمل الماء زيادة عن مناهله المعتادة، ولعل الشهيد يريد وجوب الحمل مع الحاجة إليه، كما ان الشيخ يريد عدم الوجوب مع عدم التوقف عليه، لكن عن التذكرة التصريح بالفرق بين الزاد والماء، فأوجب حمل الاول إذا لم يجده في كل منزل بخلاف الثاني وعلف البهائم، فانهما إذا فقدا من الموضع المعتاد لهما لم يجب حملهما من بلده ولا من أقرب البلدان إلى مكة من طرف الشام، ويسقط إذا توقف على ذلك، وهو مشكل، والمتجه عدم الفرق في وجوب حمل الجميع مع الامكان، وسقوطه مع المشقة الشديدة، ويمكن أن يريد الفاضل ذلك كما يؤمي إليه ما في التذكرة من التعليل بما فيه من عظم المشقة وعدم جريان العادة، ولا يتمكن من حمل الماء لدوابه في جميع الطريق، ونحو ذلك عن موضع من المنتهى ايضا، ولعله لذا اقتصر في الدروس على نسبة الخلاف في ذلك للشيخ خاصة، وإن أبيت عن ذلك كله ففيه ما لا يخفى، وكيف كان فالامر في ذلك سهل. ضرورة وضوح الحال في حكمه وفي المراد منه، كوضوح الحال في وجوب حمل المحتاج إليه من الاواني والاوعية التي يتوقف عليها حمل المحتاج إليه من ذلك وغيرها من أسباب السفر، قال علي (عليه السلام) في المروي (1) عنه في الخصال بسنده إليه: " إذا أردتم الحج فتقدموا في


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 8

[ 256 ]

شراء ما يقويكم على السفر، فان الله تعالى (1) يقول: ولو أرادوا الخروج لا عدوا له عدة ". (و) أما المراد (بالراحلة) ف‍ (راحلة مثله) كما في القواعد، وظاهرهما اعتبار المثلية في القوة والضعف والشرف والضعة كما عن التذكرة التصريح به، لكن في كشف اللثام الجزم بها في الاولين دون الاخيرين، لعموم الاية والاخبار، وخصوص قول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (2): " من عرض عليه الحج ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبي فهو مستطيع " ونحوه غيره ولانهم (عليهم السلام) ركبوا الحمير والزوامل، واختاره في المدارك لذلك ايضا، بل هو ظاهر الدروس، قال: والمعتبر في الراحلة ما يناسبه ولو محملا إذا عجز عن القتب، ولا يكفى علو منصبه في اعتبار المحمل والكنيسة فان النبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) حجوا على الزوامل، إلا أن الانصاف عدم خلوه عن الاشكال مع النقص في حقه، إذ فيه من العسر والحرج ما لا يخفى، وحجهم (عليهم السلام) لعله كان في زمان لا نقص فيه في ركوب مثل ذلك، والامر في المحمل والكنيسة كذلك، فعلى الاول يعتبر القدرة عليه ان افتقر إليه لحر أو برد أو ضعف، ولا عبرة به مع الغنى عنه ولو كان امرأة، خلافا لبعض الشافعية فاشترطه لها مطلقا، ولعله للستر، وفيه أنه يحصل بالملحفة ونحوها، والمعتبر القدرة على المحمل بشقيه إن لم يوجد شريك وأمكن الركوب بدونه بوضع شئ يعادله في الشق الاخر، أو شق محمل مع وجود شريك للشق الاخر، أو إمكان حمله على


(1) سورة التوبة - الاية 46 (2) الوسائل - الباب - الباب - 10 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 7 الجواهر - 32

[ 257 ]

ظهر المطية وحده، كل ذلك للاستطاعة، فما عن التذكرة - من أنه إن لم يجد شريكا وتمكن من المحمل بتمامه احتمل الوجوب للاستطاعة، والعدم لان بذل المال خسران لا مقابل له، وظاهره التوقف - في غير محله، نعم لو تعذر الشريك وتعذر الركوب بدونه سقط الفرض، لعدم الاستطاعة، وإن لم يكفه المحمل اعتبر في حقه الكنيسة كذلك، فان تعذرت سقط الفرض، هذا كله مع مراعاة الحاجة للضعف أو الحر أو البرد أو نحوها، أما الشرف والضعة ففي اعتبارهما البحث السابق، والله أعلم. (و) كيف كان فلو لم يجد عين الزاد والراحلة وغيرهما مما يتوقف عليه السفر (يجب) عليه (شراؤهما ولو كثر الثمن مع وجوده) لان الحج وإن كان مشروطا بالاستطاعة إلا أنه بعد حصولها يصير وجوبه مطلقا، فتجب حينئذ مقدماته. (وقيل) والقائل الشيخ: (إن زاد عن ثمن المثل لم يجب) للاصل والضرر والسقوط مع الخوف، وضعف الفرق بأن العوض هنا على الناس وهناك على الله (والاول) أشهر و (أصح) بل هو المشهور شهرة عظيمة سيما بين المتأخرين، نعم عن التذكرة إن كانت الزيادة تجحف بما له لم يجب الشراء على إشكال كشراء الماء للوضوء، بل عن الشهيد الثاني والمحقق الثاني تقييده أيضا بعدم الاجحاف، ولعل المراد أن وجوب مقدمة الواجب مقيد بما إذا لم يستلزم ضررا لا يتحمل، وقبحا يعسر التكليف به، لانه أحد الادلة الذي قد يعارضه غيره ويرجح عليه كما هنا، فان ذلك كما لا يخفى على من لا حظ كلمات الاصحاب في غير المقام ليرجح على الخطابات الاصلية فضلا عن التبعية، ولذا تسقط الصلاة من قيام إلى القعود مثلا، والوضوء إلى التيمم، ولا فرق في الضرر الذى لا يتحمل مثله بين المالي منه والبدني، فتأمل جيدا فانه نافع في غير المقام، ولعل ذلك هو

[ 258 ]

المنشأ في سقوط وجوب المقدمة في الشبهة الغير المحصورة، فالمتجه حينئذ دوران الحكم على ذلك، وهو غير ما ذكره الشيخ، فتأمل جيدا. (ولو كان له دين) حال (وهو قادر على اقتضائه) بنفسه أو وكيله ولو بواسطة حاكم الشرع بل وحاكم الجور مع عدم الضرر في وجه بل ومعه في آخر (وجب عليه) لانه مستطيع بذلك، وإن كان قد يقوى في النظر عدمها مع التوقف على حاكم الجور، للنهي عن الركون إليه والاستعانة به وإن حملناه على الكراهة مع التوقف عليه، ترجيحا لما دل على الجواز بالمعنى الشامل للوجوب من دليل المقدمة وغيره، ومثله لا يتحقق به الاستطاعة بعد فرض أن الجواز المزبور كان بعد ملاحظة المعارضة بين ما دل على المنع وما دل على خلافه من المقدمة وغيرها، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع ومقتضاه حينئذ أن من ترك الاستعانة بالظالم على تحصيل ماله المتوقف استطاعة الحج عليه لم يثبت في ذمته حجة الاسلام. وكيف كان (فان منع منه) لغصب أو إعسار أو تأجيل (وليس له سواه سقط الفرض) لعدم الاستطاعة، ولا يجب عليه الاستدانة تحصيلا لها، لكن في المدارك ويحتمل قويا الوجوب إذا كان بحيث يمكنه الاقتضاء بعد الحج، كما إذا كان عنده مال لا يمكنه الحج به، وفيه منع صدق اسم الاستطاعة بذلك، ولو كان مؤجلا وبذله المديون قبل الاجل ففي كشف اللثام وجب الاخذ لانه بثبوته في الذمة وبذله المديون له بمنزلة المأخوذ، وصدق الاستطاعة ووجدان الزاد والراحلة عرفا بذلك، وفيه أنه يمكن منع ذلك كله، نعم لو أخذ صار به مستطيعا قطعا (ولو كان له مال وعليه دين) حال (بقدره) خمس أو زكاة أو كفارة أو نذر أو لادمي (لم يجب) الحج لعدم الاستطاعة باعتبار سبق وجوب الوفاء بما عنده على وجوب الحج (إلا أن يفضل عن دينه ما يقوم

[ 259 ]

بالحج) فيجب حينئذ لصدقها، بل في المنتهى والقواعد والدروس سواء كان الدين حالا أو مؤجلا معللا له في الاول بأنه غير مستطيع مع الحلول، والضرر متوجه عليه مع التأجيل فيسقط الفرض، قلت: ولتعلق الوجوب به قبل وجوب الحج وإن وجب أو جاز التأخير إلى أجله، لكنه لا يخلو من نظر أو منع ولذا حكي عن الشافعية في المؤجل وجه بالوجوب، بل مال إليه في المدارك، بل وفى الحال مع عدم المطالبة، قال: ولمانع أن يمنع توجه الضرر في بعض الموارد كما إذا كان الدين مؤجلا أو حالا لكنه غير مطالب به وكان للمديون وجه للوفاء بعد الحج، متى انتفى الضرر وحصل التمكن من الحج تحققت الاستطاعة المقتضية للوجوب، وقد روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل عليه دين أعليه أن يحج ؟ قال: نعم إن حجة الاسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين " بل لم يعتبر في كشف اللثام وجود وجه للمديون للوفاء، فانه بعد أن حكى ذلك عن الشافعية قال: " ولا يخلو من قوة سواء كان ما عليه من حقوق الله كالمنذور وشبهه أو من حقوق الناس، لانه قبل الاجل غير مستحق عليه، وعند حلوله إن كان عنده ما يفي به أداه، وإلا سقط عنه مطلقا أو إلى ميسرة، وكما يحتمل التضييع بالصرف في الحج يحتمل فوت الامرين جميعا باهماله، خصوصا والاخبار (2) وردت بأن الحج أقضى للديون، ويؤيده ما مر من صحيح معاوية إن لم يحمل على من استقر عليه الحج سابقا " وهو جيد في المؤجل دون الحال وإن لم يطالب به صاحبه الذي قد خوطب المديون بوفائه قبل الخطاب بالحج، فتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب وجوب الحج

[ 260 ]

(و) كيف كان ف‍ (لا يجب الاقتراض للحج) قطعا، بل لو فعل لم يكن حج إسلام (إلا أن يكون له ما بقدر ما يحتاج إليه) في الحج (زيادة عما استثنيناه) من الامور السابقة، فانه يجب حينئذ الاقتراض عينا إذا كان لا يمكنه صرف ماله في الزاد والراحلة، ويكون حج إسلام ثم يؤديه من ماله، وإلا وجب تخييرا لصدق الاستطاعة، وقول الصادق (عليه السلام) (1) لجفير: " مالك لا تحج ؟ استفرض وحج " بل قد يستفاد من وجوب الاستدانة عينا إذا تعذر بيع ماله انه لو كان له دين مؤجل يكفي للحج وأمكن اقتراض ما يحج به كان مستطيعا، لصدق التمكن من الحج كما جزم به في المدارك، ومن هنا يظهر أن ما ذكره في المنتهى - من أن من كان له مال فباعه قبل وقت الحج مؤجلا إلى بعد فواته سقط عنه الحج، لانه غير مستطيع - غير جيد على إطلاقه، قال: وهذه حيلة يتصور ثبوتها في إسقاط فرض الحج عن الموسر، وكذا لو كان له مال فوهبه قبل الوقت أو أنفقه فلما جاء وقت الحج كان فقيرا لا يجب عليه، وجرى مجرى من أتلف ماله قبل حلول الاجل، وينبغي أن يريد بالوقت وقت خروج الوفد الذي يجب الخروج معه، وقد تقدم الكلام فيه، كما أو مأ إلى ذلك في الدروس بقوله: ولا ينفع الفرار بهبة المال أو إتلافه أو بيعه مؤجلا إذا كان عند سير الوفد. (ولو كان معه قدر ما يحج به فنازعته نفسه إلى النكاح لم يجز صرفه في النكاح وإن شق) عليه (تركه) كما في القواعد ومحكي المبسوط والخلاف والتحرير (وكان عليه الحج) لصدق الاستطاعة المقتضية لوجوب الحج الذي


(1) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 عن حفية (حقبة) ولكن في التهذيب ج 5 ص 441 والاستبصار ج 2 ص 329 عقبة

[ 261 ]

لا يعارضه النكاح المستحب، بل في الثلاثة الاخيرة " وإن خاف العنت " خلافا لبعض العامة في الاخير، بل في محكي التحرير " أما لو حصلت المشقة العظيمة فالوجه عندي تقدم النكاح " ونحوه في الدروس ومحكي المنتهى، بل في المدارك عنه تقديمه في المشقة العظيمة التي لا تتحمل مثلها في العادة، وفي الخوف من حدوث مرض أو الوقوع في الزنا، وهو جيد، كما هو خيرة السيد المزبور وجده والكركي وغيرهم على ما قيل، لما تقدم من نفي الضرر والضرار والحرج ونحو ذلك، ولا يخفى أن تحريم صرف المال في النكاح انما يتحقق مع توجه الخطاب بالحج وتوقفه على المال، فلو صرف فيه قبل سير الوفد الذي يجب الخروج معه أو أمكنه الحج بدونه انتفى التحريم قطعا. (و) كيف كان ف‍ (لو بذل له زاد وراحلة ونفقة له) بأن استصحب في الحج (و) أعطي نفقة (لعياله) إن كانوا، أو قيل له حج وعلي نفقتك ذهابا وإيابا ونفقة عيالك، أو لك هذا تحج به وهذا لنفقة عيالك، أو أبذل لك استطاعتك للحج، أو نفقتك للحج وللاياب ولعيالك، أو لك هذا لتحج بما يكفيك منه وتنفق بالباقي على عيالك، ونحو ذلك (وجب عليه) الحج من حيث الاستطاعة إجماعا محكيا في الخلاف والغنية وظاهر التذكرة والمنتهى وغيرهما إن لم يكن محصلا، وهو الحجة بعد النصوص المستفيضة أو المتواترة، ففي صحيح محمد بن مسلم (1) " قلت لابي جعفر (عليه السلام) - في حديث -: فان عرض عليه الحج فاستحيى قال: هو ممن يستطيع الحج ولم يستحي ولو على حمار أجدع أبتر، قال: فان كان يستطيع أن يمشي بعضا يركب بعضا فليفعل " وصحيح معاوية بن عمار (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل لم يكن له مال فحج به رجل من إخوانه


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 2

[ 262 ]

أيجزي ذلك عن حجة الاسلام أم هي ناقصة ؟ قال: بل هي حجة تامة " وقال (عليه السلام) أيضا (1) في خبره الاخر: " فان كان دعاه قوم أن يحجوه فاستحيى فلم يفعل فانه لا يسعه إلا أن يخرج ولو على أجدع أبتر " وفي صحيح الحلبي (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث " قلت له: فان عرض عليه ما يحج به فاستحيى من ذلك أهو ممن يستطيع إليه سبيلا ؟ قال: نعم، ما شأنه يستحيي ولو يحج على حمار أجدع أبتر، فان كان يستطيع أن يمشي بعضا ويركب بعضا فليحج " وخبر أبي بصير (3) سمعته أيضا يقول: " من عرض عليه الحج ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبي فهو مستطيع للحج " وخبره الاخر (4) قلت له (عليه السلام) أيضا: " رجل كان له مال فذهب ثم عرض عليه الحج فاستحيى فقال: من عرض عليه الحج فاستحيى ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب فهو ممن يستطيع الحج " إلى غير ذلك من النصوص المروية في الكتب الاربع وغيرها. ولا ينافي ذلك ما في بعضها من الامر بمشي بعض وركوب بعض، خصوصا بعد ما في كشف اللثام من احتمال كون الامر بذلك بعد ما استحيى فلم يحج أي لما استطاع بالبذل فلم يقبل ولم يحج استقر عليه، فعليه أن يحج ولو مشيا، فضلا عن مشي بعض وركوب بعض، واحتمال كون المعنى إن بذل له حمار أجدع أبتر فيستحيي أن يركبه فليمش وليركبه إذا اضطر إلى ركوبه، وكذا لا ينافيه ما فيها من الحمار الاجدع الابتر، سيما بعد ابتنائه على عدم اعتبار مناسبة الراحلة شرفا وضعة كما هو خيرة من عرفت، أو أن ذلك في خصوص البذل، أو تطرح بالنسبة إلى ذلك.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من أبواب وجوب الحج الحديث 3 - 5 - 7 - 8

[ 263 ]

وكيف كان فظاهرها كمعاقد اكثر الاجماعات تحقق الوجوب بمجرد البذل من غير فرق بين كونه على وجه التمليك أم لا، ولا بين كونه واجبا بنذر وشبهه أم لا، ولا بين كون الباذل موثوقا به أم لا، ولا بين بذل عين الزاد والراحلة وبين أثمانهما، لكن عن ابن إدريس اعتبار التمليك في الوجوب ومرجعه إلى عدم الوجوب بالبذل بناء على عدم وجوب القبول المقتضي للتمليك، لانه اكتساب فلا يجب، ومن هنا في المختلف بعد أن حكى ذلك عنه قال: " إن فتاوى أصحابنا خالية عنه، وكذا الروايات، بل لو وهب المال لم يجب القبول " قلت: اللهم إلا أن يلتزم وجوب القبول في خصوص المقام، وكذا الكلام فيما ذكره في التذكرة فانه بعد أن حكى كلامه قال: " التحقيق هنا أن البحث هنا في أمرين: الاول هل يجب على الباذل بالبذل الشئ المبذول أم لا، فان قلنا بالوجوب أمكن وجوب الحج على المبذول له، لكن في إيجاب المبذول بالبذل إشكال، أقربه عدم الوجوب، وإن قلنا بعدم وجوبه ففي إيجاب الحج إشكال، أقربه العدم، لما فيه من تعليق الواجب بغير الواجب " بل هو أوضح في رجوعه إلى عدم الوجوب بالبذل، بل هو غير قابل لما ذكرناه من الاحتمال، وحينئذ يكون مخالفا للنص والفتوى ومعاقد الاجماعات، بل وكذا ما في الدروس، قال: " ويكفي البذل في الوجوب مع التمليك أو الوثوق به، وهل يستقر الوجوب بمجرد البذل من غير قبول ؟ إشكال، من ظاهر النقل، وعدم وجوب تحصيل الشرط، ولو حج كذلك أو في نفقة غيره أجزأ بخلاف ما لو تسكع، فانه لا يجزي عندنا، وفيه دلالة على أن الاجزاء فرع الوجوب، فيقوى الوجوب بمجرد البذل لتحقق الاجزاء، إلا أن يقال الوجوب هنا لقبول البذل، ولو وهبه زاد أو راحلة لم يجب عليه القبول، وفي الفرق نظر، وابن إدريس قال: لا يجب الحج بالبذل حتى يملكه المبذول، وجنح إليه الفاضل " بل في حاشيتة في الهامش على قوله:

[ 264 ]

" وهل " إلى آخره كتب في آخرها انها منه " فيه تنبيه على قاعدتين: إحداهما إجزاء حج من حج بمجرد البذل، ثانيتهما عدم إجزاء حج من حج متسكعا، ولا فرق بينهما معقولا سوى أن المتسكع حج لا مع الوجوب، والمبذول له حج مع الوجوب، فيلزم من ذلك أن الاجزاء لا ينفك عن سبق الوجوب، ولما كان الاجزاء حاصلا مع البذل دل على سبق الوجوب الاجزاء، وذلك يستلزم الوجوب بمجرد البذل، فانتفى الاشكال في الاستقرار بمجرد البذل من غير قبول قولا، إلا أن يقال إشارة إلى جواب هذا الكلام وتقريره صحة المقدمات إلا قولكم: " وذلك يستلزم الوجوب بمجرد البذل " وسند منع صحتها أن ضروريات الاجزاء الوجوب على الاطلاق لا الوجوب بمجرد البذل، ونحن نقول: الاجزاء مستند إلى قبول البذل إما قوليا كقبلت، أو فعليا كاستمراره مع البذل على ذلك الممكن، وهذا لا تردد فيه، ولا يلزمه منه وجوب القبول الذي فيه النزاع، فالاشكال باق بحاله، وهذا كلام بين لا يدفعه إلا ظاهر الرواية، وابن إدريس اختار هذا أعني عدم وجوب القبول، وقد أشار إليه الفاضل في التذكرة، ولا بأس به " انتهى. وهو كالصريح في عدم وجوب القبول نحو ما سمعت من الفاضل الذي قد خالف بذلك النص والفتوى، بل ما ذكره هو أولا في التذكرة من معقد نسبته إلى علمائنا فضلا عن معقد إجماع غيره، بل ومعقد إجماعه في غيرها كالمنتهى، قال فيها: " ولو لم يكن له زاد وراحلة أو كان ولا مؤونة له لسفره أو لعياله فبذل له باذن الزاد والراحلة ومؤونته ومؤونة عياله مدة غيبته وجب الحج عليه عند علمائنا، سواء كان الباذل قريبا أو بعيدا لانه مستطيع " وفي المنتهى " ولو بذل له زاد وراحلة ونفقة له ولعياله وجب عليه الحج مع استكمال الشروط الباقية الجواهر - 33

[ 265 ]

وكذا لو حج به بعض إخوانه، ذهب إليه علماؤنا خلافا للجمهور " وهو كما ترى لا يتم بناء على ما عرفت من عدم وجوب القبول الذي هو واضح الفساد، وكونه منة لا تتحملها النفوس، ولم يكلف الشارع معها بشئ من التكاليف يدفعه أن المالك الحقيقي يلحظ ذلك في خصوص الحج الذي يراد به وجه الله تعالى، بل ذلك في الحقيقة كأنه اجتهاد في مقابلة النص، فلا ريب في وضوح فساده، كوضوح فساد ما سمعته من ابن إدريس، بل هو مخالف لظاهر النص والفتوى، خصوصا في آخر الفصل الاتي، ودعوى أنه لا معنى لتعليق الواجب بغير الواجب يدفعها مع أنها اجتهاد في مقابلة النص أن غاية ذلك عدم استقرار الوجوب، ولا بأس به، ضرورة كونه حينئذ كالمستطيع بنفسه الواجب عليه السير مع احتمال زوال الاستطاعة، والاكتفاء بالاستصحاب مشترك بينهما، على أن الدعوى المزبورة انما تقتضي وجوب البذل على الباذل للمبذول له بنذر وشبهه لااعتبار خصوص التملك، ومن هنا حكي عن الفاضل ذلك، بل جزم به الكركي، قال فيما حكي عنه في شرح عبارة المتن: هذا انما يستقيم إذا كان البذل على وجه لازم، كما لو نذر له مال ليحج به، أو نذر له ما يكفيه لمؤونة الحج، أما أو نذر له لا على هذا الوجه فانه لا يجب القبول، ولو نذر لمن يحج وأطلق ثم بذل لمعين ففى وجوب الحج نظر، لانه لا يصير مالكا إلا بالقبض، ولا يجب عليه الاكتساب للحج بالقبض، وكذا لو أوصى بمال لمن يحج فبذل لمعين، وفي كشف اللثام بعد أن اختار ما قدمناه قال: وقد يقال بوجوب القبول إذا وجب البذل، وقد يقال بوجوبه إذا وجب عينا لا تخييرا، حتى لو نذر أو أوصى به لمن يحج مطلقا فبذل له لم يجب القبول. لكن لا يخفى عليك ما في الجميع من مخالفته للنص والفتوى ومعاقد الاجماعات، وأن تعليق الواجب على الجائز لا يقتضي إلا عدم الاستقرار، نعم

[ 266 ]

قد يقال باعتبار الطمأنينة بالوفاء أو بعدم الظن بالكذب حذرا من الضرر والخطر عليه، وللشك في شمول أدلة الوجوب له إن لم تكن ظاهرة في خلافه، بل لعل ذلك كذلك وإن وجب على الباذل، بل هو في الحقيقة خارج عما نحن فيه، ضرورة أن محل البحث الوجوب من حيث البذل من دون نظر إلى الموانع الخارجية التي قد تنتفي الاستطاعة معها، كما هو واضح، ولا ريب في أن المتجه ما قلنا عملا باطلاق النص والفتوى ومعاقد الاجماعات، مضافا إلى تحقق الاستطاعة بذلك. كما أن المتجه لذلك كله أيضا ما صرح به غير واحد من الاصحاب من عدم الفرق في الوجوب بين بذل عين الزاد والراحلة وبين بذل عين أثمانهما، خلافا لثاني الشهيدين فلم يوجبه في الثاني، ولعله لان القبول لها شرط لحصول الاستطاعة التى هي شرط للوجوب، فلا يجب تحصيله، وفيه أنه لا فرق في تحقق الاستطاعة عرفا ببذل كل منهما، فيجب القبول حينئذ وغيره من المقدمات، ضرورة صيرورة الوجوب حينئذ مطلقا، فيجب حينئذ جميع مقدماته من شراء الالات ونحوها ضرورة عدم كون ذلك من شرائط صدق الاستطاعة، بل هي مما يتوقف عليها فعل الحج من المستطيع، فصدق الاستطاعة حينئذ حاصل بدونها، وكفي فيه القدرة على شرائها مثلا، كما هو واضح بأدنى تأمل، كل ذلك مضافا إلى ما في النصوص السابقة مما هو كالصريح في التعميم المزبور، بل ربما ادعي معروفية بذل الاثمان في البذل دون عين الزاد والراحلة. وكذا لا فرق في الوجوب بين بذل الجميع للفاقد وبين بذل البعض لمن كان عنده ما يكمله، ضرورة أولويته من الاول في الحكم. ولا يمنع الدين الوجوب بالبذل وإن منعه في غيره، بل إن لم يقم إجماع على اعتبار بذل مؤونة العيال في الوجوب أمكن منعه في المعسر عنها حضرا،

[ 267 ]

للاطلاق المزبور، وليس المبذول من أملاكه المطلقة له كي يجب عليه إعطاء ما يلزمه منه، ومن هنا قلنا لا يمنعه الدين، ومن ذلك من وهب له مال اشترط الحج به عليه كما صرح به في الدروس. ثم لا يخفى ظهور النص والفتوى أو صرحتهما خصوصا صحيح معاوية ابن عمار (1) المتقدم منه في أن حج المبذول له حج إسلام، فلا يجب عليه حينئذ غيره وإن أيسر بعد ذلك، لما عرفته سابقا من وجوبه في العمر مرة واحدة، خلافا للشيخ فأوجبه في الاستبصار الذي لم يعده للفتوى، لخبر الفضل بن عبد الملك (2) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يكن له مال فحج به أناس من أصحابه أقضى حجة الاسلام قال: نعم، فان أيسر بعد ذلك فعليه أن يحج، قلت: هل تكون حجته تلك تامة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله ؟ قال: نعم قضي عنه حجة الاسلام وتكون تامة ليست بناقصة، وإن أيسر فليحج وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج وإن كان قد حج " القاصر سندا ودلالة عن معارضة غيره من وجوه، فلا بأس بحمله على الندب كما عن المشهور، بل


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 0 6 وينتهي خبر الفضل بن عبد الملك بقوله (عليه السلام): " وإن أيسر فليحج " على ما في الاستبصار ج 2 ص 143 - الرقم 467 والتهذيب ج 5 ص 7 - الرقم 18 وله ذيل طويل على ما في الكافي ج 4 ص 274 إلا أنه ليس فيه " وكذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج وإن كان قد حج " وانما هو مذكور في ذيل خبر أبي بصير المروي في التهذيب ج 5 ص 9 - الرقم 22 والكافي ج 4 ص 273 والفقيه ج 2 ص 260 - الرقم 1265 وذكره في الاستبصار مستقلاج 2 ص 145 - الرقم 474

[ 268 ]

لعله الظاهر عند التأمل، خصوصا بعد ملاحظة حكم الناصب فيه المعلوم كونه كذلك وقد يحتمل كما في كشف اللثام أن يحج عن غيره وعدم بذل الاستطاعة فان الحج به انما يستلزم استصحابه أو إرساله في الحج، وهو أعم، ولا يأبى عنه تسميته حج الاسلام، ولا بأس به وإن كان بعيدا. هذا كله في البذل المستفاد من " عرض عليه الحج " (1) ونحوه في النصوص الظاهر في إباحة أكل الزاد وركوب الراحلة أو الاباحة المطلقة الشاملة للاذن في التملك ان أراده ونحو ذلك مما لم يعتبر في جواز التصرف فيه الملك كالهبة وبيع المحاباة ونحوهما، ضرورة عدم صدق الاستطاعة بذلك قبل القبول الذي به يتم العقد المسبب للتمليك، فلا إباحة قبله ولا ملك، ومن هنا قال المصنف والفاضل وغيرهما: (ولو وهب له مال لم يجب عليه قبوله) من غير فرق بين الهبة مطلقا ولخصوص الحج، وبين هبة نفس الزاد والراحلة وأثمانهما، فما في الدروس - من النظر في الفرق بين الهبة والبذل، بل في المدارك وغيرها الجزم بعدم الفرق - واضح الضعف، كوضوح الفرق بينهما بما عرفت، لا لان البذل يفيد التمليك بلا قبول بخلاف الهبة، إذ هو كما ترى واضح المنع، كوضوح فساد الايراد عليه بأن الهبة قربة إلى الله تعالى لا يعتبر في تملكها القبول، وانما التحقيق ما سمعت ولا ينافيه ما قدمناه في صور البذل التي لم يدخل فيها ما نحن فيه مما أريد منه التملك بعقد الهبة فصدر منه الايجاب بقصد الانشاء الذي لا يؤثر أثرا حتى يتعقبه القبول، وبدونه يكون فاسدا لا يجوز التصرف فيه، فتأمل جيدا. انما الكلام في وجوب الحج على من أبيح له المال على وجه الاطلاق الشامل للحج وغيره على وجه لو أراد الحج استطاعة بالاباحة المزبورة، فقد يقال به


(1) أي: هذا كله في البذل المستفاد من قولهم (عليه السلام): " عرض عليه الحج "

[ 269 ]

لصدق الاستطاعة الذي قد استدل به على الوجوب في المبذول له لخصوص الحج ولو بالاباحة المزبورة، وقد يقال بعدمه اقتصارا فيما خالف ما دل على عدم الوجوب في غير الحج من التكاليف كالوضوء والغسل ولباس الصلاة ومكانها على المتيقن من النصوص المزبورة، بل هو الظاهر منها أو صريحها، ولعله الاقوى، بل قد يقوى أيضا عدم الوجوب على من استطاعه براحلة موقوفة ونحوها وزاد مبذول لا لخصوص الحج، بل إن لم ينعقد إجماع على وجوبه للمبذول لهم الحج على جهة الاطلاق من دون خصوصية كأن يقال بذلت الزاد والراحلة لكل من يريد الحج مثلا أمكن القول بعدمه، للاصل وغيره، وبالجملة المدار في المسألة أن وجوب الحج على المبذول له لصدق الاستطاعة المتحقق في ذلك وأمثال، أو أنه لمكان الادلة المخصوصة، لعدم الاكتفاء بهذه الاستطاعة المشتملة على المنة التي سقط لها ونحوها اكثر التكاليف، ولعل الاخير لا يخلو من قوة، فتأمل جيدا فانه نافع في المقام. (ولو استوجر للمعونة على السفر وشرط له الزاد والراحلة أو بعضه وكان بيده الباقي مع نفقة أهله وجب عليه وأجزأه عن الفرق إذا حج عن نفسه) كما في القواعد وغيرها، وهو المراد مما في التذكرة " ولو طلب من فاقد الاستطاعة إيجار نفسه للمساعدة في السفر بما تحصل به الاستطاعة لم يجب القبول، لان تحصيل شرط الوجوب ليس بواجب، نعم لو آخر نفسه بما تحصل به الاستطاعة أو ببعضه إذا كان مالكا للباقي وجب عليه الحج، وكذا لو قبل مال الهبة، لانه الان مالك للاستطاعة، كما أن المراد مما في المتن وغيره الاستيجار بما يقتضي الاستطاعة أو شرطه أو نحو ذلك مما لا إشكال في عدم وجوب القبول عليه فيه، لانه تحصيل لشرط الوجوب فلا يجب، كما لا إشكال في الوجوب عليه بعد القبول لتحقق الاستطاعة حينئذ.

[ 270 ]

نعم قد يشكل ذلك بأن الوصول إلى مكة والمشاعر قد صار واجبا على الاجير بالاجارة، فكيف يكون مجزيا عن حجة الاسلام، وما الفرق بينه وبين ناذر الحج في سنة معينة إذا استطاع في تلك السنة لحجة الاسلام، حيث حكموا بعدم تداخل الحجتين، ويدفع بأن الحج الذي هو عبارة عن مجموع لافعال المخصوصة لم تتعلق به الاجارة، وانما تعلقت بالسفر خاصة، وهو غير داخل في أفعال الحج، وانما الغرض منه مجرد انتقال البدن إلى تلك الامكنة ليقع الفعل حتى لو تحققت الاستطاعة فانتقل ساهيا أو مكرها أو على وجه محرم ثم أتى بتلك الافعال صح الحج، ولا يعتبر وقوعه لاجل قطعا، سواء قلنا بوجوب المقدمة أولا، وهذا بخلاف نذر الحج في السنة المعينة، فان الحج نفسه يصير واجبا بالنذر، فلا يكون مجزيا عن حجة الاسلام، لاختلاف السببين كما سيجئ بيانه إن شاء الله، وقد سأل معاوية بن عمار (1) الصادق (عليه السلام) " عن الرجل يمر مجتازا يريد اليمين أو غيرها من البلدان وطريقه بمكة فيدرك الناس وهم يخرجون إلى الحج فيخرج معهم إلى المشاهد أيجزيه ذلك عن حجة الاسلام ؟ فقال: نعم " وسأله (عليه السلام) أيضا (2) " عن حجة الجمال تامة هي أو ناقصة ؟ فقال: تامة " وفي خبر الفضل بن عبد الملك (3) انه (عليه السلام) سئل " عن الرجل يكون له الابل يكريها فيصيب عليها فيحج وهو كري يعني عنه حجه أو يكون يحمل التجارة إلى مكة فيحج فيصيب المال في تجارته أو يضع تكون حجته تامة أو ناقصة، أو لا تكون حتى يذهب إلى الحج ولا ينوي غيره أو يكون ينويهما جميعا أيقضي ذلك حجته ؟ قال: نعم حجته تامة " فظهر لك من ذلك كله أنه لا تنافي بين وقوع حجة الاسلام


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب وجوب الحج الحديث 2 - 1 - 5

[ 271 ]

ووجوب قطع المسافة عليه بالاجارة مثلا في الفرض، وانه غير مانع من صدق اسم الاستطاعة، ضرورة عدم منافاة وجوب القطع المزبور لها بعد ما عرفت من إمكان الجمع بينهما، كما هو واضح. هذا كله فيمن استطاع بالاجارة على قطع الطريق (و) أما (لو كان عاجزا عن الحج فحج) متسكعا أو حج (عن غيره لم يجزه عن فرضه) قطعا وإن كان قد استطاع بهذه النيابة (وكان عليه الحج إن وجد الاستطاعة) بعد ذلك ولو باستمرار بقائها إلى السنة القابلة لو فرض حصولها بعوض النيابة بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، مضافا إلى وضوح وجهه، وإلى قول ابي الحسن (عليه السلام) في خبر آدم بن علي (1) المنجبر بما عرفت: " من حج عن إنسان ولم يكن له مال يحج به اجزأت عنه حتى يرزقه الله تعالى ما يحج به، ويجب عليه الحج " وقول الصادق (عليه السلام) في خبر ابي بصير (2): " لو ان رجلا موسرا أحجه رجل كانت له حجة فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج " بناء على أن المراد من الاحجاج فيه النيابة عن رجل لا البذل، وإلى تناول مادل على الوجوب له، وإلى غير ذلك مما لا يصلح لمعارضته ما في صحيح جميل (3) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل ليس له مال حج عن رجل أو أحجه غيره ثم أصاب مالا هل عليه الحج ؟ قال: يجزي عنهما جميعا " خصوصا بعد احتمال عود الضمير فيه إلى المنوب عنهما فيمن حج عنه تبرعا ومن أحجه غيره بقرينة تثنية الضمير في الجواب، ويكون حينئذ غرض السائل السؤال عن إجزاء حج الضرورة نيابة واحتمال عود الضمير إلى النائب والمنوب على معنى الاجزاء عن النائب فيما عليه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - - 21 - من أبواب وجوب الحج الحديث 1 - 5 - 6

[ 272 ]

من النيابة، كقوله (عليه السلام) أيضا في صحيح معاوية بن عمار (1): " حج الصرورة يجزي عنه وعمن حج عنه " وأما حسنه (2) سأله (عليه السلام) " عن رجل حج عن غيره يجزيه عن حجة الاسلام قال: نعم " يحتمل الاجزاء عن المنوب عنه، وكون المراد الحج المندوب في حالة الاعسار دون حال اليسار، وغير ذلك، وكذا خبر عمرو ابن الياس (3) قال: " حج بي أبي وأنا ضرورة فقلت لابي: إني اجعل حجتي عن امي فقال: كيف يكون هذا وانت صرورة وأمك صرورة، قال: فدخل ابي على ابي عبد الله (عليه السلام) وأنا معه فقال: اصلحك الله اني حججت بابني هذا وهو صرورة وماتت امه وهى صرورة فزعم انه يجعل حجته عن امه فقال: احسن هي عن امه افضل، هي له حجة " على انه معارض بصحيح ابن مهزيار (4) قال: " كتبت إلى ابي جعفر (عليه السلام) ان ابني معي وقد امرته ان يحج عن امي يجزي عنها حجة الاسلام ؟ فكتب لا وكان ابنه صرورة كانت امه صرورة " ولا وجه للجمع بينهما إلا ما قلناه من كون المراد بحج الاسلام في الاول المندوب، وفي الثاني الواجب، وإن ابيت فلا بد من الطرح في مقابلة ما عرفت، كما اعترف به في المدارك مع اختلال طريقته وما هو إلا لان المسألة من القطعيات التي لا يقبل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 - 4 (3) ذكر ذيله في الوسائل في الباب 21 من ابواب الحج - الحديث 3 وتمامه في التهذيب ج 5 ص 8 الرقم 21 (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 4 عن علي بن مهزيار عن بكر بن صالح وهو الصحيح كما في الاستبصار ج 2 ص 321 والتهذيب ج 5 ص 412 الجواهر - 34

[ 273 ]

فيها أمثال ذلك، فمن الغريب وسوسة بعض متأخري المتأخرين كصاحب الذخيرة في الحكم بعد ذلك لهذه النصوص التي لا دلالة معتدا بها في شئ منها إلا صحيح جميل الذي قد عرفت الحال فيه، بل قيل: إنه باعتبار عدم انطباق الجواب فيه إلا عن أول الامرين في السؤال - مع أن إصابة المال قد ذكرت بعد الثاني - مضطرب ومظنة لعدم الضبط في حكاية الجواب، فيشكل حينئذ لذلك فضلا عن غيره والالتفات إليه في مثل هذا الحكم المخالف للاصول والفتاوى وغيرها، كما هو واضح الشرط (الرابع أن يكون له ما يمون به عياله حتى يرجع فاضلا عما يحتاج إليه، فلو قصر ماله عن ذلك لم يجب عليه) الحج بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من بعضم الاجماع عليه، للاصل وعدم تحقق الاستطاعة بدونه، خصوصا بعد أن اعتبر الشارع فيها ما هو أسهل منه، ضرورة وجوب الانفاق عليه، فهو حينئذ سابق على وجوب الحج، فلا استطاعة عدمه، ولخبر أبي الربيع الشامي (1) الذي رواه المشايخ الثلاثة " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " ولله على الناس " - إلى آخره - فقال: ما يقول الناس ؟ قال: فقيل: الزاد والراحلة، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان لمن كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذا، فقيل له: فما السبيل ؟ فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضا يقوت به عياله أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم " بل رواه المفيد في المقنعة أيضا إلا انه زاد بعد قوله: ويستغنون به عن الناس " يجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا " ثم ذكر تمام


(1) الوسائل - الباب - 9 - من

[ 274 ]

الحديث، وقال فيه: " يقوت به نفسه وعياله " وخبر الاعمش (1) المروي عن الخصال بسنده إليه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين، قال: " وحج البيت واجب على من استطاع إليه سبيلا، وهو الزاد والراحلة مع صحة البدن، وأن يكون للانسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه بعد حجه " بل عن الطبرسي في مجمع البيان (2) أنه قال في قوله: " ولله " إلى آخره المروي عن أئمتنا (عليهم السلام): " إنه الزاد والراحلة ونفقة من يلزمه نفقته، والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع صحة في النفس وتخلية الدرب من الموانع وإمكان المسير " المؤبد ذلك كله بخبر عبد الرحيم القصير (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: " سأله حفص الاعور وأنا أسمع عن قول الله عزوجل: " ولله " - إلى آخره - فقال: ذلك القوة في المال واليسار، قال: فان كانوا موسرين فهم ممن يستطيع قال: نعم " إلى غير ذلك. لكن في المنتهى والمدارك " أن المراد من وجبت نفقته عليه من العيال وبالمؤونة ما يتناول الكسوة وغيرها حيث يحتاجون إليها، أما من يستحب فلا، لان الحج فرض، فلا يسقط بالنفل " قلت: قد يشكل ذلك بظهور النص فيمن يعول به عرفا، وليس هو من معارضة المستحب للواجب، بل من توقف حصول الخطاب بالواجب عليه، وفرق واضح بين المقامين، بل الظاهر استثناء ما يحتاج إليه من مؤونة أضيافه ومصانعاته وغيرها من مؤنه له، ضرورة كون المراد بالاستطاعة على ما يظهر من هذه النصوص وما تقدم في المسكن والخادم ونحوهما وجدان ما يزيد على ما يحتاجه من أمثال ذلك اللازمة له أولا وبالذات أو ثانيا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب وجوب الحج الحديث 4 - 5 - 3

[ 275 ]

وبالعرض، كالحفظ لعرضه ودفع النقص عنه أو ظلم الجائر أو نحو ذلك، وهو الذي رمز إليه الامام (عليه السلام) بقوله: " اليسار في المال " بل قد يندرج التكليف بالحج مع عدم ملاحظة ذلك في الحرج والضرر والعسر المنفية عقلا وآية ورواية، فهي حينئذ الدليل له كنظائره مما تقدم سابقا في استثناء المسكن والخادم ونحوهما فلاحظ وتأمل جيدا. وكيف كان فالحج من الواجبات التي يعتبر فيها المباشرة التي هي الاصل في كل العبادات المطلوب فيها الخضوع وإظهار العبودية (و) حينئذ فالمستطيع (لو حج عنه) غيره م‍ (من يطيق الحج لم يسقط عنه فرضه، سواء كان) النائب (واجدا للزاد والراحلة أو فاقدهما وكذا لو تكلف الحج مع عدم الاستطاعة) بلا خلاف أجده بيننا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه وعلى عدم الاجزاء لو حج بنفسه غير مستطيع أو أحج نائبا عنه ثم استطاع كما تقدم، لعدم إجزاء المندوب عن الواجب، ولانه مع قصد الاجتزاء به عنه كالصلاة قبل الوقت والزكاة قبل الوجوب، إذ الاصل عدم إجزاء المندوب والمتبرع به قبل الوجوب عن الواجب، كأصالة عدم إجزاء فعل الغير عما اعتبر فيه المباشرة المتمكن منها، فما عن العامة من الاجتزاء بتقديم الحج قبل الاستطاعة واضح الفساد، ولا يخفى عليك ما في عبارة المتن من عدم حسن التأدية، ولعلها هي بالبناء للمجهول من دون اتصال الضمير بحرف الجر، بل المجرور فيها به " من " واشتبه النساخ فيها والامر سهل بعد وضوح المطلوب. (و) على كل حال ف‍ (لا يجب على الولد بذل ماله لوالده في الحج) ولا يجوز للوالد فضلا عن أن يجب عليه أخذ ما يستطيع به من مال ولده الصغير ولا يجب عليه الاتهاب من الكبير على الاشهر بل المشهور، للاصل وقول

[ 276 ]

أبي جعفر (عليه السلام) في خبر الثمالي (1) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرجل: أنت ومالك لابيك، ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): وما أحب له أن يأخذ من مال ابنه إلا ما يحتاج إليه مما لا بد منه، ان الله عزوجل لا يحب الفساد " وخبر الحسين بن أبي العلاء أو حسنه (2) على ما رواه في معاني الاخبار سأل الصادق (عليه السلام) " ما يحل للرجل من مال ولده قال: قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال: فقلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال: أنت ومالك لابيك، فقال: انما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال، يا رسول الله هذا أبى قد ظلمني ميراثي من أمي فأخبره الاب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه فقال: أنت ومالك لابيك، ولم يكن عند الرجل شئ، أفكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبس الاب للابن " وخبر علي بن جعفر (3) سأل أخاه (عليه السلام) " الرجل يأكل من مال ولده قال: لا إلا أن يضطر إليه، فليأكل منه بالمعروف " وخبر ابن سنان (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ماذا يحل للوالد من مال ولده ؟ فقال: أما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن يأخذ من ماله شيئا، فان كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها إلا أن يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه، قال: ويعلن ذلك، قال: وسأله عن الوالد يرزأ - أي يصيب - من مال ولده قال: نعم، ولا يرزأ الولد من مال والده شيئا إلا باذنه، فان كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحب ان يعتقها فليقومها على نفسه قيمة ثم يصنع بها ما شاء، إن شاء وطأ وإن شاء باع " إلى غير غير ذلك من النصوص الدالة على عدم الجواز إلا مع الحاجة. خلافا للمحكي عن النهاية والخلاف والتهذيب والمهذب، إلا ان في الاولين،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 78 - من أبواب ما يكتسب به الحديث 2 - 9 - 6 - 3 من كتاب التجارة

[ 277 ]

النص على الوجوب، وفي الاخير على الجواز، وأجمل في التهذيب انه يأخذ من مال الولد، وفي محكي المبسوط روى أصحابنا انه إذا كان له ولد وله مال وجب عليه أن يأخذ من ماله ما يحج به، ويجب عليه إعطاؤه، وكأنه أشار بذلك الى صحيح سعيد بن يسار (1) سأل الصادق (عليه السلام) " الرجل يحج من مال ابنه وهو صغير قال: نعم يحج منه حجة الاسلام، قال: وينفق منه قال: نعم، ثم قال: إن مال الولد لوالده، إن رجلا اختصم هو ووالده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقضى أن المال والولد للوالد " وفي محكي الخلاف " روى الاصحاب إذا كان له ولد و مال وجب عليه أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به، ويجب عليه إعطاؤه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، دليلنا الاخبار المروية في هذا المعنى من جهة الخاصة وقد ذكرناها في الكتاب الكبير، وليس فيها ما يخالفها، فدل على إجماعهم على ذلك " قلت: لم نعرف من وافقه على ذلك غير المفيد، كما انك عرفت ما يخالف الرواية المزبورة القاصرة بالاعراض وغيره عن إثبات مثل هذا الحكم، وإن امكن تأييدها بما دل على جواز أكل الاب من مال ولده، وبما في صحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) في كتاب علي (عليه السلام) " ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه، والوالد له أن يأخذ من مال ابنه ما شاء، وله ان يقع على جارية ابنه إن لم يكن الابن وقع عليها، وذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لرجل: أنت ومالك لابيك " وخبر الحسين بن علوان (3) عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليهم


(1) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 1 من كتاب التجارة (3) الوسائل - الباب - 67 - من كتاب العتق - الحديث 1

[ 278 ]

السلام) قال: " أتى النبي (صلى الله عليه وآله) رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضربي، فقا رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت ومالك من هبة الله تعالى لابيك أنت سهم من كنانته، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، ويجعل من يشاء عقيما، جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك وبدنك، وليس لك أن تتناول من ماله ولا من بدنه شيئا إلا باذنه " وخبر محمد ابن سنان (1) عن الرضا (عليه السلام) المروي عن العيون والعلل انه كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله " وعلة تحليل مال الولد لوالده بغير إذنه وليس ذلك للولد لان الولد موهوب للوالد في قول الله عزوجل (2): يهب لمن " إلى آخره مع انه المأخوذ بمؤونتة صغيرا أو كبيرا، والمدعو له لقوله عزوجل (3): " ادعوهم لابائهم) ولقول النبي (صلى الله عليه وآله): " أنت ومالك لابيك " وليس للوالدة مثل ذلك، ولا تأخذ شيئا من ماله إلا باذنه أو إذن الاب، لان الوالد مأخوذ بنفقة الولد، ولا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها " وخبر علي بن جعفر (4) سأل أخاه (عليه السلام) " عن الرجل يكون لولده الجارية أيطأها ؟ قال: إن أحب، وإن كان لولده مال وأحب أن يأخذ منه فليأخذ، وإن كانت الام حية فلا أحب أن تأخذ منه شيئا إلا قرضا ". إلا ان العمدة هي، إذ هذه النصوص وإن دلت على جواز تناول الاب لكن يمكن أن يكون ذلك مع الحاجة إليه، كما دل عليه ما تقدم، بل هو المتجه


(1) و (4) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 10 - 11 من كتاب التجارة (2) سورة الشورى - الاية 48 (3) سورة الاحزاب - الاية 5

[ 279 ]

جمعا بين الادلة، على أنه لو سلم الجواز مطلقا فوجوب الحج بذلك محل نظر أو منع يعرف مما قدمنا في الوجوب على من ابيح له المال على جهة الاطلاق، ومن هنا لم يذكروا في المقام إلا خبر سعيد المزبور، بل في كشف اللثام كان الشيخ في الخلاف اراد بالاخبار المروية في التهذيب خبر سعيد وحده، لانه رواه فيه بطرق ثلاثة في الحج بطريقين: أحد هما طريق موسى بن القسم، والاخر طريق أحمد ابن محمد بن عيسى، وفى المكاسب بطريق ثالث هو طريق الحسين بن سعيد، قلت: وبهذا الاعتبار حينئذ أطلق عليه الاخبار، أو انه يريد ما ذكرناه من النصوص، لكنك قد عرفت ما في الاستناد إليها، بل الصحيح المزبور محتمل للاقتراض كما عن الاستبصار واجبا أو مستحبا كما عن التحرير والتذكرة إذا كان مستطيعا بغيره، ولمساواة نفقته في الحج لها في غيره مع وجوب نفقته على الولد كما في كشف اللثام، وإن كان قد يناقش في وجوب الحج عليه بذلك، وحينئذ فقصور الصحيح المزبور عن إثبات ذلك واضح، فوسوسة الفاضل الخراساني كما قيل في الحكم المزبور لذلك في غير محلها، خصوصا بعد ما في الحدائق من احتمال النصوص السابقة الحمل على التقية، كما يشعر به مزيد التأكيد في خبر الحسين بن علوان الذي جميع رجاله من العامة، على أن العمدة فيها النبوي الذي قد ذكر حاله في خبر ابن ابي العلاء (1) بل وصحيح الثمالي (2) الذي قد ذكر فيه أولا ثم قال: ما يقتضي خلافه مؤميا بذلك إلى عدم صحته، فلا حظ وتأمل، والله العالم الشرط (الخامس إمكان المسير) بلا خلاف أجده فيه، بل في محكي المعتبر والمنتهى اتفاقنا عليه، وهو الحجة، مضافا إلى عدم تحقق الاستطاعة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب ما يكتسب به - الحديث 9 - 2 من كتاب التجارة

[ 280 ]

بدونه، وإلى نفي الحرج والعسر والضرر والضرار، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ذريح (1): " من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا " وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (2) في قوله: " ولله " - إلى آخره - " هذه لمن كان عنده مال وصحة " كقوله (عليه السلام) في صحيح هشام بن الحكم (3): " إن كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد وراحلة " وغير ذلك مما يدل على اعتبار ذلك (و) لو بالنسبة إلى بعض أفراده، إذ (هو يشتمل على) اعتبار (الصحة وتخلية السرب) بفتح السين المهملة وقد تكسر وإسكان الراء الطريق (والاستمساك على الراحلة وسعة الوقت لقطع المسافة) وغير ذلك مما يتوقف الامكان عليه كله (فلو كان مريضا بحيث يتضرر بالركوب) الذي يتوقف عليه الحج ولو بالمشقة التي لا تتحمل، أو صحيحا يتضرر به كذلك لكبر أو زيادة ضعف أو نحو ذلك (لم يجب) الحج لما عرفت بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى كأنه إجماعي، بل عن المعتبر اتفاق العلماء عليه، نعم لو كان المرض يسيرا لا يشق معه الركوب ولا يضره لم يسقط الحج قطعا، لاطلاق الادلة السالم عن معارضة ما دل باطلاق على اعتبار الصحة في الاستطاعة بعد انصرافه إلى الاول، خصوصا بملاحظة الوصف في صحيح ذريح، ومن هنا قال المصنف كغيره: (ولا يسقط) الحج (باعتبار المرض مع إمكان الركوب) بل لا اجد


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 7 الجواهر - 35

[ 281 ]

فيه خلافا بينهم، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، وكذا لو تمكن من المشي وجب عليه وإن تضرر بالركوب ما لم يشق عليه مشقة لا تتحمل دون المشقة اليسيرة التي لا ينفك عنها السفر غالبا، والدواء في حق غير المتضرر مع الحاجة إليه كالزاد، والطبيب المحتاج إلى استصحابه كالخادم، وليس الاعمى من المريض عرفا، فيجب عليه الحج عندنا، لعموم الادلة حتى نصوص الصحة التي لا ريب في تناولها له وللا عرج والاصم والاخرس ونحوهم، خلافا لابي حنيفة فلم يوجبه على الاعمى، نعم لو افتقر إلى قائد وتعذر لفقده أو فقد مؤونته سقط، وكذلك السفيه سفها موجبا للحجر عليه ليس مريضا، فيجب عليه الحج وإن وجب على الولي إرسال حافظ معه عن التبذير إلا أن يأمنه عليه إلى الاياب أو لا يجد حافظا متبرعا، ويعلم أن أجرته ومؤونته تزيد على ما يبذره، والنفقة الزائدة للسفر إلى الاياب في مال المبذر، وأجرة الحافظ جزء من الاستطاعة إن لم يجد متبرعا، كما هو واضح. (ولو منعه عدو) عن المسير (أو كان معضوبا) لضعف أو زمانة (لا يستمسك على الراحلة أو عدم المراق مع اضطراره إليه سقط الفرض بلا خلاف ولا إشكال فيه في الجملة، ولو عجز عن الاستمساك على القتب مثلا وأمكنه الاستمساك في المحمل وتمكن منه وجب، كما هو واضح، ويأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى (و) انما الكلام الان في أنه (هل تجب الاستنابة مع) عروض (المانع من مرض أو) ضعف وهرم و (عدو) قبل الاستقرار (قيل) والقائل الاسكافي والشيخ وأبو الصلاح وابن البراج والحسن في ظاهره والفاضل في التحرير: (نعم) ومال إليه في المنتهى، بل لعله ظاهر قول المصنف هنا: (وهو المروي) مشيرا بذلك إلى قول الصادق (عليه السلام) في صحيح

[ 282 ]

الحلبي أو حسنه (1): " وإن كان مؤسرا حال بينه وبين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى فيه فان عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له " وإلى مضمر ابن حمزة (2) الذي هو نحو ذلك، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (3): " لو أن رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه " وصحيح ابن سنان (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " إن امير المؤمنين (عليه السلام) أمر شيخا كبيرا لم يحج قط ولم يطق الحج لكبره أن يجهز رجلا يحج عنه " وهو الحجة بعد الاجماع المحكي في الخلاف عليه، مضافا إلى معلومية قبوله للنيابة، فتجوز حينئذ، وإذا جازت وجبت هنا للدخول في الاستطاعة الموجبة للحج، إذ ليس في الاية إلا أن على المستطيع الحج، وهو أعم من الحج بنفسه وغيره. إلا أن الاخير كما ترى، والاجماع المحكي موهون بمصير ابني إدريس وسعيد والمفيد في ظاهره والفاضل في القواعد والمختلف وغيرهم إلى خلافه، وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل: لا) يجب، والنصوص المزبورة، محمولة على من استقر في ذمته الحج ثم عرض المانع الذي لم يرج زواله، فان الاستنابة حينئذ واجبة قولا واحدا كما في الروضة وعن المسالك، أو على الندب بقرينة خبر عبد الله ابن ميمون القداح (5) عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) " ان عليا (عليه السلام) قال لرجل كبير لم يحج قط: إن شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك " وخبر أبي سلمة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب وجوب الحج - الحديث 2 - 7 - 5 - 6 - 8 والثاني مضمر ابن أبي حمزة كما يأتي الاشارة إليه في ص 287 والاخير عن ابي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) وهو سهو فان الموجود في الكافي ج 4 ص 272 كالجواهر

[ 283 ]

عن أبي حفص (1) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) " ان رجلا أتي عليا (عليه السلام) ولم يحج قط فقال: إني كنت كثير المال قد فرطت في الحج حتى كبر سني قال: فتستطيع الحج قال: لا، فقال علي (عليه السلام): إن شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك " ولا ينافي ذلك ما فيه من لفظ التفريط المقتضي بظاهره الاستقرار، لوجوب حمله على إرادة التفريط من حيث القدرة المالية على معنى الاستطاعة بها منذ سنين مع ترك الحج بنفسي وبغيري، ضرورة عدم انطباق الجواب الظاهر في التخيير إلا على ذلك، ودعوى إرادة الوجوب من هذا التخيير مع انها تقتضي إخراج الخبر المزبور حينئذ عما نحن فيه كما ترى، فما في الحدائق من تعارف التعبير عن الوجوب بذلك حتى استدل بهذا الخبر وسابقه على الوجوب لا يصغى إليه وفي محكي المقنعة عن الفضل بن عباس (2) قال: " أتت امرأة من خثعم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: إن أبي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يلبث على دابة فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): فحجي عن أبيك " ضرورة منافاة أمر الغير كالتخيير الوجوب، على أن المروي في كشف اللثام أن متن الاخير بعد قوله: " دابة " " فهل ترى أن أحج عنه ؟ فقال: نعم، فقالت: هل ينفعني ذلك ؟ قال: نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته عنه نفعه " وهو مع ذلك غير ظاهر في حياة الوالد، على أن الصحيحين (3) الاولين قد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من أبواب وجوب الحج - الحديث 3 - 4 والاول عن سلمة أبي حفص عن ابي عبد الله (عليه السلام) ان رجلا... الخ. وما في الجواهر والوسائل كلاهما سهو فان في التهذيب عن سلمة أبي حفص عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام) ان رجلا... الخ (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 و 5

[ 284 ]

اشتملا على منع المرض الذي هو أعم من مرجو الروال وعدمه، بل لعل الظاهر منه الاول، وقد صرح غير واحد بأن الوجوب على تقدير القول به انما هو فيما لم برج زواله، أما ما يرجى زواله فلا تجب الاستنابة فيه، بل عن المنتهى الاجماع عليه، وربما يشهد له التتبع، بل في المدارك " لو حصل له اليأس بعد الاستنابة وجب عليه الاعادة، لان ما فعله أولا لم يكن واجبا فلا يجزي عن الواجب، ولو اتفق موته قبل حصول اليأس لم يجب القضاء عنه، لعدم حصول شرطه الذي هو استقرار الحج أو اليأس من البراء " وهذا جميعه صريح في عدم الوجوب قبله. نعم قد يظهر من الدروس الوجوب مطلقا، فانه قال: " الاقرب ان وجوب الاستنابة فوري إن يئس من البرء، وإلا استحب الفور " واختاره في الحدائق تمسكا بظاهر الاخبار المزبورة التي كما لم يفرق فيها بين المأيوس منه وغيره في الوجوب وعدمه لم يفرق فيها بينهما في الفورية وعدمها، على ان سيد المدارك قد جزم بظهورها في المأيوس، وقال: إنه لو وجبت الاستنابة مع المرض مطلقا لم يتحقق اعتبار التمكن من المسير في حق أحد من المكلفين، إلا أن يقال باعتبار ذلك في الوجوب البدني خاصة، وإن كان هو كما ترى، ومن ذلك يظهر لك قوة القول بالندب، بل الصحيح (1) الاول الذي هو العمدة لهم ظاهر فيه، لمعلومية عدم وجوب استنابة الصرورة الذي لا مال له، بل الذي يقوى كون المراد الاحجاج في مثل هذا الشخص بدل تركه الحج لا أنه نائب عنه، مضافا إلى ما عن غير واحد منهم كالشيخين والحلبي والقاضي وابن سعيد والفاضل في التحرير وأبي علي في ظاهره على ما قيل - بل عن ظاهر التذكرة أنه لا خلاف فيه بين علمائنا - من التصريح بالوجوب عليه بعد ذلك مع بقاء الاستطاعة لو برئ من غير


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2

[ 285 ]

فرق بين أن يكون الحج عنه مع رجاء الزوال وعدمه، وما ذاك إلا للامر الاول الذي لم يقم مقامه الامر الثاني، لعدم وجوبه، وإلا لاقتضى الاجزاء كما هو مقرر في الاصول، إلا أن يكون هناك دليل على خلافه، فيرجع البحث حينئذ إلى أن الحج يجب بالبدن والمال، فان تعذر الاول وجب في المال خاصة، فان تمكن منه بعد ذلك ببدنه وجب، لعدم إسقاط الواجب في المال الواجب في البدن لكن لم نعرف ما يدل على ذلك، بل هي دعوى مجردة عن الدليل، بل الدليل يقضي بخلافها، وجميع ذلك شاهد عند التأمل على الندب الذي قد اعترفوا به في غير المأيوس، وأنكر الدليل عليه في الحدائق، وقال: " ليس إلا هذه النصوص الظاهرة في الوجوب مطلقا " قلت: يمكن أن يكون دليله ما دل (1) على استحباب النيابة في الحج للصحيح والمريض وغيرهما، ولا إشكال من هذه الجهة بناء على ما قلناه من الاستحباب مطلقا، فيكون متأكدا في خصوص موضوع المسألة. لكن ومع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغي تركه، وعليه لو لم يجد الممنوع مالا لم يجب عليه الاستنابة قطعا، ولو بذل له لم يجب عليه قبوله، للاصل السالم عن المعارض بعد حرمة القياس على الصحيح، وكذا لو وجد المال ولم يجد من يستأجره، فانه يسقط فرضه إلى العام المقبل، ولو وجد من يستأجره بأكثر من أجرة المثل وجب مع المكنة على الاقوى، ولا يلحق بحج الاسلام في وجوب النيابة حج النذر والافساد، للاصل السالم عن المعارض، خلافا للدروس فجعلهما كحج الاسلام في ذلك، بل أقوى، وهو مشكل، وعليه فلو اجتمع على الممنوع حجتان جاز له استنابة اثنين في عام واحد، لعدم الترتيب بينهما كما في قضاء الصوم


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب النيابة في الحج

[ 286 ]

ولو زال عذر الممنوع قبل التلبس بالاحرام انفسخت النيابة فيما قطع به الاصحاب على ما في المدارك، ولو كان بعد الاحرام احتمل الاتمام والتحلل، وعلى الاول فان استمر الشفاء حج ثانيا، وإن عاد المرض قبل التمكن فيحتمل الاجزاء، بل في المدارك أنه الاقرب، هذا. (و) قد ظهر لك مما قدمناه أنه (إن أحج نائبا) عنه (واستمر المانع فلا قضاء) عنه بعد موته قطعا (وإن زال) المانع (وتمكن وجب عليه ببدنه) عندهم كما عرفت، لاطلاق مادل على وجوبه (و) حينئذ ف‍ (لو مات بعد الاستقرار ولم يؤد قضي عنه) كغيره ممن هو كذلك، لكن قد عرفت الاشكال في الوجوب عليه بناء على وجوب النيابة، ومن هنا حكى في المدارك عن بعض الاصحاب احتمال عدم الوجوب كما لو لم يبرأ، للاصل، ولانه أدى حج الاسلام بأمر الشارع، فلم يلزمه حج ثاني كما لو حج بنفسه، بل في المدارك ان هذا الاحتمال غير بعيد، إلا ان الاول أقرب، وتبعه عليه في الحدائق وقد عرفت ان التحقيق استحباب النيابة، فيتجه حينئذ الوجوب عليه بعد زوال المانع وبقاء الاستطاعة، والله العالم. (ولو كان لا يستمسك خلقة قيل سقط الفرض عن نفسه و) عن (ماله وقيل: يلزمه الاستنابة) واختاره في المدارك والحدائق (والاول أشبه) بأصول المذهب وقواعده، أما على المختار من الندب في العارضي فضلا عنه فواضح، وأما على الوجوب فيه فالمتجه الاقتصار على المنساق من النصوص المزبورة المخالفة للاصل، بل صحيح ابن مسلم (1) منها كالصريح في ذلك، وخبر ابن عباس (2) ظاهر في عدم الاستقرار، بل وعدم الوجوب، بل غير


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 5 - 4

[ 287 ]

ظاهر في حياة الوالد كما عرفت، ودعوى ظهور صحيح الحلبي (1) وخبر ابن أبي حمزة (2) في العموم وكذا صحيح ابن سنان (3) ممنوعة، كدعوى ان القول بعدم الوجوب فيه إحداث قول ثالث، على ان التحقيق عدم البأس في إحداثه إذا لم ينعقد إجماع على خلافه كما حرر في محله، فلا ريب في أن الاشبه الاقوى ما ذكره المصنف وإن كان الاحوط الثاني. (ولو احتاج في سفره إلى حركة عنيفة للالتحاق) بالحج لضيق الوقت مثلا (أو الفرار من العدو فضعف) عنها لمرض أو خلقة أو شقت عليه مشقة لا تتحمل (سقط) عنه (الوجوب في عامه، وتوقع المكنة في المستقبل) فان حصلت وهو مستطيع حج (ولو مات قبل التمكن والحال هذه لم يقض عنه) والظاهر وجوب الاستنابة عند القائل بها مع انحصار الطريق بحركة عنيفة لا يستطيعها خلقة أو لعارض أيس من برئه، لشمول الادلة السابقة له. وعلى كل حال تكلف هذا وشبهه الحج لم يجز عن حجة الاسلام على الظاهر من إطلاق الاصحاب ذلك، وكذا المريض والممنوع بالعدو، لعدم تحقق الاستطاعة التي هي شرط الوجوب، فكان كما لو تكلفه الفقير، وبه صرح الفاضل في المحكي من تذكرته وغيره، لكن في الدروس - بعد أن ذكر الشرائط وإطلاق الاصحاب عدم الاجزاء لو حج فاقدها - قال: " وعندي لو تكلف المريض المعضوب والممنوع بالعدو وبضيق الوقت أجزأ، لان ذلك من باب تحصيل الشرط، فانه لا يجب، ولو حصله وجب وأجزأ، نعم لو أدى ذلك إلى إضرار بالنفس يحرم إنزاله وقارن بعض المناسك احتمل عدم الاجزاء " وفي


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب وجوب الحج الحديث 2 - 7 - 6

[ 288 ]

كشف اللثام كما في الدروس، وكأنه يشير بذلك إلى أن هذه الشروط تنقسم إلى ما ليس فيه اختيار للعبد كالبلوغ والعقل والحرية، وهذه لا يمكن تحصيلها ولا يتصور إجزاء الحج بدونها، وإلى ما ليس كذلك كالشرائط الباقية، وهي خمسة، وقد تقدم أن الزاد والراحلة منها لا يجب تحصيله، ولو حصله وجب الحج وأجزأ، ولا يكفي التسكع عنه، لعدم حصول شرط الوجوب، وفي حكم الزاد والراحلة مؤونة عياله، وأما الثلاثة الباقية وهي الصحة من المرض وتخلية السرب من العدو والتمكن من المسير ويعبر عن الثلاثة بامكان المسير فاطلاق الاصحاب عدم الاجزاء لمن حج غير مستكمل للشرائط يدخل فيه الشرط المزبور، لكن فيه نظر أو منع إذا كان لا يؤدي إلى ارتكاب منهي عنه مضاد للمأمور به، فانه حينئذ يكون في معنى الزاد والراحلة يتوقف الوجوب عليهما، ولا يجب تحصيلهما، ولو حصلهما وجب الحج، واليه أشار بقوله: " لانه من باب تحصيل الشرط " أي ليس عدم هذه الثلاثة مانعا من صحة الحج إذا تكلفها، فيحمل كلام الاصحاب على أحد أمرين، إما على انه لا يجب تحصيل هذه الشرائط، وإما على ما يؤدي تحصيلها إلى ارتكاب منهي عنه مضاد للمأمور به، واليه أشار بقوله: " وقارن بعض المناسك " كما لو كان في أثناء الاحرام تحمل المرض أو دافع العدو مع غلبة العطب فان ذلك يرجع إلى قاعدة اجتماع الامر والنهي، أما مع عدم هذين الامرين فالاجزاء متحقق مع تكلف تلك المشاق التي لا يجب تكلفها، بل ظاهر قوله: " احتمل عدم الاجزاء " احتمال الاجزاء ايضا، ولعله لان النهي هنا عن وصف خارج عن المنسك، فلم يتحد متعلق الامر والنهي، بل ربما قيل: إن في ذلك قوة، ولذلك جعل عدم الاجزاء احتمالا وإن اختاره في كشف اللثام، وجعل الاجزاء احتمالا ضعيفا، وفي المدارك بعد أن حكي عن الدروس ما سمعت قال: الجواهر - 36

[ 289 ]

" وفي الفرق نظر، والمتجه أنه إن حصلت الاستطاعة الشرعية قبل التلبس بالاحرام ثبت الوجوب والاجزاء، لما بيناه من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد وإن حصل التلبس قبل تحقق الاستطاعة انتفى الامران معا، سواء كان عدم تحقق الاستطاعة بعدم القدرة على تحصيل الزاد والراحلة، أو بالمرض المقتضي لسقوط الحج، أو لخوف الطريق، أو غير ذلك، لان ما فعله لم يكن واجبا، فلا يجزي عن الواجب، كما لا يجزي فعل الواجب الموقت قبل دخول وقته " وفي الحدائق " أن مرجع ذلك إلى ما اختاره الشهيد، لانه متى كان الاعتبار بالاستطاعة من الميقات فلو تحمل المشقة وارتكب الخطر الذي لم يكلف به بل نهي عنه حتى وصل إلى الميقات وجب عليه الحج وأجزأ، وهو خلاف كلام الاصحاب كما صرح به في التذكرة، وهو ظاهر غيره، لما صرحوا به في الزاد والراحلة، وما ذكره من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد فانما هو في صورة ما لو اتفق له الوصول إلى الميقات بأي نحو كان، فانه لا يشترط في حقه ملك الزاد والراحلة في بلده كما ذكره الاصحاب، لا بمعنى أن من كان بعيدا لا يمكنه المسير إلا بهذه الشرائط المذكورة فان استطاعته انما تحصل باعتبار الميقات، فانه باطل قطعا، بل الاستطاعة في هذه الصورة مشروطة من البلد، فان استطاع بحصول هذه الشروط الخمسة المعدودة وجب عليه الحج والمسير، وإلا فلا، نعم يحصل الشك هنا في أن المتكلف للحج بالمشقة الموضوعة عنه في عدم إمكان المسير هل هو من قبيل المتسكع الذي لم يملك زادا ولا راحلة فلا يجزي عنه كما هو المفهوم من كلام الاصحاب، أو من قبيل تكلف تحصيل الزاد والراحلة وإن لم يجب عليه تحصيلهما، فحجه يكون صحيحا مجزيا عن حجة الاسلام كما هو ظاهر شيخنا الشيهد ؟ إشكال " قلت: الاشكال في محله، ولا يقال إنه بذلك ينكشف كونه مستطيعا وإن لم يكن عالما بذلك، لانا نقول أولا لا يتم فيمن وقع فيما خاف منه من جرح أو

[ 290 ]

نهب مال أو نيل عرض أو نحو ذلك، وثانيا أنه ينكشف بذلك سلامته لا استطاعته، وفرق واضح بين المقامين، ضرورة توقف صدق الاولى على إحراز السلامة بالطريق المعتد به شرعا، ولا يكفي فيها عرفا حصول السلامة في الواقع نعم قد يقال بحصول وصف الاستطاعة له لو تكلف المشاق المزبورة ثم ارتفع المانع على وجه كان يتمكن معه من المسير بعد ارتفاعه، ولعله إلى ذلك لمح سيد المدراك فيما ذكره من التفصيل لا ما سمعته من المحدث البحراني الذي لا يرجع إلى حاصل عند التأمل، والله العالم. (و) كيف كان فلاريب في أنه (يسقط فرض الحج لعدم ما يضطر إليه من الالات كالقرب وأوعية الزاد) وغيرها مما يحتاج إليه، ضرورة عدم صدق الاستطاعة بدونه، كما انه لا ريب في وجوب شراء ذلك كله أو استيجاره بالعوض المقدور وإن زاد عن إجرة المثل على حسب ما عرفته سابقا، ولو تعددت الطرق تخير مع التساوي في الامن وإدراك النسك واتساع النفقة، وإلا تعين المختص بذلك، وفي كشف اللثام إلا أن يختص الخوف بالمال، وخصوصا غير المجحف، وستعرف وجهه مما يأتي. (و) على كل حال ف‍ (لو كان له طريقان فمنع من أحدهما سلك الاخر سواء كان أبعد أو أقرب) مع فرض سعة النفقة والوقت للابعد، أما لو قصرت أو قصر الوقت عنه سقط الحج إذا انحصر الطريق فيه، كما هو واضح، خلافا للشافعية فلم يوجبوا سلوك الابعد مطلقا، وهو واضح الفساد، كوضوح فساد ما عن احمد من استقرار الوجوب على واجد الزاد والراحلة وإن لم يأمن بمعنى وجوب الحج عنه لو مات، ووجوبه عليه متسكعا لو افتقر ثم أمن، لا أنه يجب عليه الحج بنفسه وهو غير آمن، إذ لا يخفى عليك ما فيه من المخالفة للكتاب والسنة والاجماع، ضرورة توافقها جميعا على اعتبار تخلية السرب في الاستطاعة

[ 291 ]

المعلوم اشتراط وجوب الحج بها، فيسقط الحج حينئذ مع الخوف على النفس قتلا أو جرحا من عدو أو سبع أو غيرهما، أو على البضع، أو على المال جميعه أو ما يتضرر به، للحرج وصدق عدم الاستطاعة وعدم تخلية السرب، وظاهر الحدائق نفي الخلاف فيه، بل ظاهر التذكرة الاجماع عليه، قال في الاول: " لا خلاف نصا وفتوى في أن أمن الطريق من الخوف على النفس والبضع والمال شرط في وجوب الحج " وقال في الثاني: " لو كان في الطريق عدو يخاف منه على ماله سقط فرض الحج عند علمائنا، وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين: لان بذل المال تحصيل لشرط الوجوب، وهو غير واجب، فلا يجب ما يتوقف عليه، وفي الرواية الاخرى أنه لا يسقط فرض الحج عنه، ويجب أن يستنيب ". قلت: قد عرفت ما في وجوب الاستنابة في المريض ونحوه، فضلا عن ذلك ونظائره ممن لم يخل له السرب، بل ربما ظهر من معقد ظاهر إجماع التذكرة ونفي الخلاف في الحدائق عدم الفرق في المال بين القليل والكثير والمضر وغيره وإن كان هو مشكلا مع القلة وعدم الضرر، بل في كشف اللثام " لا أعرف للسقوط وجها وإن خاف على كل ما يملكه إذا لم نشترط الرجوع إلى كفاية ولم نبال بزيادة أثمان الزاد والالات وأجرة الراحلة والخادم ونحوهما ولو أضعافا مضاعفة - بل قال -: وعلى اشتراط الرجوع إلى كفاية وعدم الزيادة على ثمن المثل وأجرة المثل أيضا نقول: إذا تحققت الاستطاعة المالية وأمن في المسير على النفس والعرض أمكن أن لا يسقط خوفه على جميع ما يملكه فضلا عن بعضه، لدخوله بالاستطاعة في العمومات، وخوف التلف غير التلف، ولم أر من نص على اشتراط الامن على المال قبل المصنف، وغاية ما يلزمه أن يؤخذ ماله فيرجع " وفيه منع صدق اسم الاستطاعة في الفرض عرفا أو شرعا، بل لعله في بعض أحوال الفرض يكون مخاطرا على النفس بالعارض لذهاب راحلته أو زاده أو نحو ذلك

[ 292 ]

مما يخشى مع فقده التلف، نعم لو كان المال قليلا غير مضر وغير مجحف اتجه الوجوب حينئذ وكان ذلك كزيادة أثمان الالات على الاقوى. (و) من ذلك يظهر لك الحال فيما (لو كان في الطريق عدو) لا يأخذ المال قهرا إلا أنه (لا يندفع إلا بمال) ضرورة أولوية عدم السقوط به من الاول، لان الدفع فيه بصورة الاختيار بخلافه، لكن ينبغي تقييد المال بما عرفت، فما (قيل) كما عن الشيخ وجماعة من أنه (يسقط) الحج حينئذ (وإن قل) المال واضح الضعف، كاستدلاله بصدق عدم تخلية السرب، وبأنه من تحصيل شرط الوجوب فلا يكون واجبا، وبأنه إعانة على الظلم فلا يكون جائزا، وبأنه كأخذ المال قهرا، إذ لا يخفى عليك ما في الاخير بعد ما عرفت الحكم في المشبه به، بل وما في سابقه، ضرورة عدم كونه إعانة عرفا، بل هو من باب تحمل الظلم لاداء الواجب ومصانعة الظالم لتحصيل الحق، فهو من مقدمات الواجب المطلق كزيادة الاثمان ونحوها، ومع فرض القدرة عليها على وجه لا ضرر فيه ولا قبح يجب، ويكون مخلى السرب كما هو واضح. ومن هنا قال المصنف: (ولو قيل: يجب التحمل مع المكنة كان حسنا) نحو قوله في المعتبر: والاقرب إن كان المطلوب مجحفا لم يجب، وإن كان يسيرا وجب بذله وكان كأثمان الالات، بل عن التحرير والمنتهى أنه استحسن نحوه ومما يؤيد ذلك كله استمرار الطريقة في هذه الازمان على وجه لم يكن فيه شك بين الاعوام والعلماء على وجوب الحج، وفلما ينفك الطريق فيها على نجد ونحوه عن ذلك ونحوه، بل لا ينفك عن بذل المال المجحف المضر، بل عن الاخذ قهرا إن لم يدفع بالاختيار، اللهم إلا أن يكون وجهه التمكن من السير على طريق لم يكن فيه ذلك، وحينئذ ينبغي اعتبار الاستطاعة على غير الطريق المزبور في كونه حج إسلام، مع أن ظاهر السيرة التي ذكرناها احتساب الحج فيه حج إسلام مع

[ 293 ]

الاستطاعة فيه خاصة، كما هو واضح بأدنى ملاحظة، والتحقيق ما ذكرناه من وجوب الدفع للمقدمة ما لم يعارضها ما يقتضي سقوطها من أدلة الحرج ونحوه، كما أو مأنااليه سابقا في أثمان الالات، ومن ذلك يعرف الحال فيما في كشف اللثام من أن المناسب لعدم اشتراط الرجوع إلى كفاية عدم الفرق بين المجحف وغيره إلا الاجحاف الرافع للاستطاعة، إذ لا يخفى عليك وجه الفرق بينهما كما أو مأنا إليه سابقا ولا حقا، هذا كله إذا كان قبل الاحرام، وإلا كان من الصد الذي ستعرف البحث فيه إن شاء الله. (ولو بذل له) أي العدو (باذل) فارتفع منعه (وجب عليه الحج) بلا خلاف ولا إشكال (لزوال المانع، نعم لو قال) الباذل (له اقبل وادفع أنت) للعدو (لم يجب) القبول للاصل والمنة، ولانه تكسب وتحصيل لشرط الوجوب، وحمله على بذل الزاد والراحلة قياس، فما عساه يظهر من الدروس - من التوقف فيه، بل في المدراك لم يستبعد الوجوب لان الشرط التمكن من الحج، وهو حاصل بمجرد البذل، ولشمول قوله (عليه السلام) (1): " ان عرض عليه ما يحج به فاستحى فهو مستطيع " - ليس في محله كما لا يخفى، فالمتجه حينئذ سقوط الحج إذا لم يكن عنده ما يريده العدو، أو قلنا بعدم وجوب الدفع له وإن استطاعه، ولو وجد مجيرا من العدو بأجرة وتمكن منها على وجه لا ضرر فيه ولا قبح وجب، لما عرفته سابقا في المال المبذول للعدو، ضرورة كونه أولى لانها أجرة بازاء عمل، فهي كأجرة الخادم والجمال والراحلة، فما في القواعد - من أن الاقرب هنا عدم الوجوب مع قوله هناك: " في السقوط نظر " ونحوه عن التذكرة - في غير محله.


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب وجوب الحج

[ 294 ]

(و) على كل حال ف‍ (طريق البحر كطريق البر) في جميع ما ذكرناه وحينئذ (فان غلب ظن السلامة) على وجه لم يكن خوف معتد به عند العقلاء وجب الحج (وإلا سقط) إذا انحصر الطريق فيه، (ولو أمكن الوصول بالبر والبحر فان تساويا في غلبة السلامة) المعتد بها عند العقلاء (كان مخيرا) في سلوك أيهما شاء (وان اختص أحدهما) واستطاعه (تعين، ولو تساويا في رجحان العطب سقط الفرض) كما هو واضح، لكن في المدارك " مقتضى العبارة أن طريق البحر انما يجب سلوكه مع غلبة ظن السلامة، فلا يجب مع اشتباه الحال، ولم يعتبر الشارح ذلك بل اكتفى بعدم ترجيح العطب، وهو حسن " قلت: بل عن الشارح أنه بعد أن اختار ذلك قال: " هذا هو الذي يقتضيه ظاهر النص وفتوى الاصحاب " وهو جيد إلا أن الفاضل في القواعد قال: " ولو افتقر أي في السير إلى القتال فالاقرب السقوط مع ظن السلامة " وفي محكي الايضاح " أن المراد بالظن هنا العلم العادي الذي لا يعد العقلاء نقيضه من المخوفات، كامكان سقوط جدار سليم قعد تحته، لانه مع الظن بالمعنى المصطلح عليه يسقط إجماعا، وبالسلامة هنا السلامة من القتل والجرح والمرض والشين، لانه مع ظن أحدها بالمعنى المصطلح عليه في لسان أهل الشرع والاصول يسقط باجماع المسلمين " وقد يناقش في معقد إجماعه الاول المقتضي بظاهره السقوط مع عدم الظن بالمعنى المزبور بأنه لا وجه له إذا لم يصل الاحتمال إلى حد الخوف المعتد به عند العقلاء، ضرورة تناول الاطلاقات والعمومات له، كما انه قد يناقش فيما في القواعد من السقوط مع الافتقار إلى القتال مع فرض ظن السلامة بالمعنى المزبور ضرورة صدق الاستطاعة معه، ومنع عدم صدق تخلية السرب مع تضمن السير أمرا بمعروف ونهيا عن منكر وإقامة لركن من أركان الاسلام، ولذا حكي عنه القطع بعدم السقوط في المنتهى والتحرير من غير فرق في ذلك بين كون العدو

[ 295 ]

كافرا أو مسلما، ودعوى عدم وجوب قتال الاول إلا للدفع أو الدعاء إلى الاسلام والثاني إلا للدفع أو النهي عن المنكر، ولم يفعله، وليس الفرض منه، يدفعها بعد كون الوجوب هنا بالعارض أن ذلك من الدفاع ايضا ومن النهي عن المنكر. وعلى كل حال فقد عرفت ان التحقيق كون المدار على الخوف المعتد به عند العقلاء، هذا، وفى المدارك انما يسقط الحج مع الخوف إذا حصل في ابتداء السير أو في أثنائه، والرجوع ليس بمخوف، أما لو تساويا مع المقام في الخوف احتمل ترجيح الذهاب لحصول المرجح فيه بالحج، والسقوط كما لو حصل ابتداء لفقد الشرط، ولعل الاول أقرب، ونحوه في الدروس من غير ترجيح، قلت: قد يرجح الثاني بصدق عدم تخلية السرب والخوف وعدم الاستطاعة، واشتراك الرجوع والمقام معه في ذلك غير مناف، كما انه لا ينافيه ارتفاع الاثم عنه في ذهابه لتساوي الاحوال بالنسبة إليه، فانه ليس المدار على سقوط الحج عنه بالخوف الذي يكون معه السير معصية، بل يكفي فيه صدق عدم تخلية السرب والخوف وعدم الاستطاعة، فجواز المسير حينئذ هنا لا يقتضي الوجوب، فلا يكون حينئذ حج إسلام يجب عليه إنفاذه، فتأمل جيدا. (ومن) حج و (مات بعد الاحرام ودخول الحرم برئت ذمته) بلا خلاف أجده فيه كما في المدارك والحدائق وغيرهما، بل عن المنتهى الاجماع عليه، لصحيح بريد العجلي (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج حاجا ومعه جمل وله نفقة وزاد فمات في الطريق، قال: إن كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الاسلام، وإن كان مات وهو صرروة قبل أن يحرم جعل جمله وزاده ونفقته في حجة الاسلام، وإن فضل من ذلك شئ فهو للورثة


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2

[ 296 ]

إن لم يكن عليه دين، قلت: أرأيت إن كانت الحجة تطوعا ثم مات في الطريق قبل ان يحرم لمن يكون جمله ونفقته وما معه قال: يكون جميع ما معه وما ترك للورثة إلا ان يكون عليه دين فيقضي، أو يكون قد اوصى بوصية فينفذ ذلك لمن اوصى له، ويجعل ذلك من ثلثه " وصحيح ضريس (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) " في رجل خرج حاجا حجة الاسلام فمات في الطريق فقال: إن مات في الحرم فقد أجزأت عن حجة الاسلام، وإن كان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الاسلام ". (وقيل) والقائل الشيخ وابن إدريس في المحكي عنهما (يجتزى بالاحرام) ولا دليل له سوى ما قيل من انه يشعر به مفهوم قوله (عليه السلام) في صحيح بريد: " وإن كان مات قبل أن يحرم " إلى آخره، وهو - مع معارضته بمفهوم الجزء الاول من الخبر وهو قوله: " إن كان صرورة ثم مات في الحرم " إلى آخره - معارض بما في صحيح ضريس " وان كان مات قبل الحرم " بل وبصحيح زرارة (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) " قلت: فان مات وهو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة قال: يحج عنه إن كانت حجة الاسلام ويعتمر، انما هو شئ عليه " وبالمرسل (3) عن المقنعة عن الصادق (عليه السلام) " إن خرج حاجا فان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، وإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج وليقض عنه وليه " فالمتجه الجمع بكفاية أحدهما في السقوط أو مشروعية القضاء، وبه يتم المطلوب. (و) من هنا كان (الاول اظهر) اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب وجوب الحج الحديث 1 - 3 - 4 الجواهر - 37

[ 297 ]

اليقين، نعم مقتضاهما اعتبار الموت في الحرم، لكن في المدارك والحدائق " إطلاق كلام المصنف وغيره يقتضي عدم الفرق في ذلك بين أن يموت في الحل أو الحرم محرما ومحلا، كما لو مات بين الاحرامين " بل في الثاني " وبه قطع المتأخرون، ولا بأس به " قلت: قد صرح بذلك في الدروس أيضا، لكن لا يخفى عليك ما فيه من الاشكال بعد مخالفة الحكم للاصول التي يجب الاقتصار في الخروج عنها على المتيقن، وهو الموت في الحرم، اللهم إلا أن يكون إجماعا كما هو مقتضى نسبته في الحدائق إلى الاصحاب، لكنه كما ترى، ومن الغريب نسبته إلى إطلاق الاخبار فيها ايضا، نعم الظاهر عدم الفرق بين حج الافراد والقران والتمتع، وانه يجزي ذلك عن النسكين، بل ظاهر المدارك والحدائق كون العمرة المفردة كذلك، بل ذلك من معقد نسبته إلى إطلاق المصنف وغيره في الاول، والاصحاب والاخبار في الثاني، ولعله لصدق اسم الحج، ولفحوى الاجتزاء به في عمرة التمتع. ثم إن مقتضى الامر بالقضاء فيهما كون موردهما من استقر في ذمته الوجوب، فيستفاد منه حينئذ الاجزاء في غيره ممن هو في عام الاستطاعة بالاولى ومن هنا قال في المتن: (وإن كان قبل ذلك) أي قبل الاحرام أو دخول الحرم (قضيت عنه إن كانت مستقرة، وسقطت إن لم تكن كذلك) اللهم إلا ان يقال وجوب القضاء عليه ايضا، كما عن ظاهر المقنعة والنهاية والمبسوط، فيتجه حينئذ شمولهما لهما، لكن فيه منع واضح، ضرورة انكشاف عدم الاستطاعة بذلك، وربما قيل بحمل الامر فيهما على الندب، ولا بأس به، إلا أنه يبقى الاجزاء عمن استقر عليه بلا دليل، اللهم إلا أن يرشد إليه ما تسمعه إن شاء الله في حكم النائب من الاجتزاء بذلك فيه، ولعل الاولى تعميم الصحيحين (1) لهما،


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 و 2

[ 298 ]

واستعمال الامر بالقضاء فيهما في القدر المشترك بين الندب والوجوب، ومن ذلك يعلم حينئذ اتحاد من استقر عليه الوجوب مع غيره في الاجتزاء بذلك عن النسكين أي الحج والعمرة، لظهور النصوص فيه، لكن في كشف اللثام في النفس منه شئ، خصوصا في الافراد والقران، لاحتمال الصحيحين غير المستقر عليه، وغيرهما الاجتزاء عن النسك الذي أحرم به، والتحقيق ما عرفت، بل عن الشهيد القطع به فيه بل وفي النائب أيضا، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال نصا وفتوى في أنه (يستقر الحج في الذمة إذا استكملت الشرائط فأهمل) حتى فات، فيحج في زمن حياته وإن ذهبت الشرائط التي لا ينتفي معها أصل القدرة، ويقضى عنه بعد وفاته، قال محمد بن مسلم (1): " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها تقضى عنه قال: نعم " وسماعة بن مهران (2) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص بها وهو موسر قال: يحج عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك " إلى غير ذلك. انما الكلام فيما به يتحقق الاستقرار، فالمشهور نقلا وتحصيلا تحققه بمضي زمان يمكن فيه الاتيان بجميع أفعال الحج مختارا مستجمعا للشرائط على حسب ما مر في استقرار وجوب الصلاة من غير فرق بين الاركان وغيرها، ضرورة اشتراط صحة التكليف بسعة الوقت لتمام ما كلف به، وإلا كان تكليفا بما لا يطاق، ولابد من ملاحظة حال الاختيار في ذلك، فلا يجزي مضي وقت يسع فعل المضطر في استقرار الوجوب على المختار، فما عن العلامة من احتمال الاجتزاء فيه بمضي زمان يتمكن فيه من الاحرام ودخول الحرم في غير محله،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من أبواب وجوب الحج - الحديث 5 - 4

[ 299 ]

بل وكذا ما عن الشهيد من احتمال الاجتزاء بمضي زمان تتأدى به الاركان خاصة وهو مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان والسعي وان حكي عن المهذب اختياره، ضرورة اختصاص ما دل على الاجتزاء بذلك ونحوه بمن تلبس بالفعل وصارت حاله هكذا، لا أن ذلك يكفي في تقدير تحقق الخطاب ابتداء، وقد تقدم في مباحث الطهارة والصلاة تمام التحقيق في نظير المسألة من الفرق بين ابتداء الخطاب وغيره، والفرق بين أول الوقت وآخره، واستقرار الخطاب لمن أدرك ركعة من آخره في ابتداء التكليف وعدمه، فلاحظ وتأمل. ومنه يعلم ما في المدارك، فانه بعد ان ذكر خلو ما وقف عليه من الاخبار عن لفظ الاستقرار فضلا عما يتحفق به قال: " وانما اعتبر الاصحاب ذلك بناء على ان وجوب القضاء تابع لوجوب الاداء، وانما يتحقق وجوبه بمضي زمان يمكن فيه الحج مستجمعا للشرائط، ويشكل بما بيناه مرارا من ان وجوب القضاء ليس تابعا لوجوب الاداء، وبأن المستفاد من كثير من الاخبار ترتيب القضاء على عدم الاتيان بالاداء مع توجه الخطاب به ظاهرا كما في صحيحي بريد وضريس المتقدمين " إذ لا يخفى عليك ما فيه من عدم بناء ذلك على ذلك، بل للقاعدة العقلية والنقلية، وهي عدم صحة التكليف بفعل يقصر الوقت عن أدائه، وأما تبعية القضاء للاداء فالتحقيق فيها ان القضاء محتاج الى امر جديد، ولا يكفي في وجوبه خطاب الاداء كما هو محرر في محله، إلا ان الاصل في موضوع القضاء تدارك ما فات على المكلف بعد ان تحقق سبب وجوبه عليه، كما اومي إليه في موثق أبي بصير (1) المتقدم في كتاب الصوم، قال: " سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان فماتت في شوال فأوصتني ان اقضي قال: هل برئت


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب أحكام شهر رمضان - الحديث 12

[ 300 ]

من مرضها ؟ قلت: لا، ماتت فيه، قال: لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها، قلت: فاني أشتهي ان اقضي عنها وقد اوصتني بذلك فقال: كيف تقضي شيئا لم يجعله الله عليها " الحديث. وخروج قضاء الحائض الصوم ونحوها عن ذلك بدليل خاص لا ينافي القاعدة المقتضية سقوط القضاء هنا عمن مات قبل الاحرام أو قبل دخول الحرم في عام الاستطاعة، ضرورة انكشاف عدم الوجوب عليه، فلا قضاء، واحتمال القول به هنا للخبرين السابقين ممكن لولا اعراض المعظم عنهما بالنسبة الى ذلك وحملهما على الندب، بل لم يحك العمل بمضمونهما إلا عن ظاهر نادر ممن عرفت، بل قيل: إنهما فيمن استقر الحج في ذمته كما دل عليه الحكم بالاجزاء عن حجة الاسلام ان مات في الحرم، وبقضاء الولي عنه ان مات دون الحرم، ومن هنا قطع الاصحاب على ما اعترف به في المدارك بأن من حصل له الشرائط وتخلف عن الرفقة ثم مات قبل حج الناس لا يجب القضاء عنه، لتبين عدم استقرار الحج في ذمته بظهور عدم الاستطاعة، لكن في الحدائق " هذا موضع شك، حيث ان ترك الحج لم يقع بعذر شرعي، فيمكن ان يكون بتعمد التأخير مع وجوب ذلك عليه يستقر الحج في ذمته وان لم يمض الزمان الذي يقع فيه المناسك، كما لو أفطر عمدا في شهر رمضان ثم سافر لاسقاط الكفارة ورفع الاثم، فانه لا يوجب رفع الاثم ولا سقوط الفكارة " قلت: لا يخفى عليك ما فيه من كون الامر ظاهريا، لمعلومية انتفاء الامر في الواقع بانتفاء شرطه، والاثم انما هو للاقدام على المخالفة، واما القضاء والكفارة المترتبان على مخالفة الامر في الواقع فلاريب في ان المتجه سقوطهما من هذه الجهة، نعم لو جاء دليل بالخصوص عليهما أو على احدهما اتجه الحكم بوجوبهما كما هو واضح، ولمراعاة القاعدة المزبورة جزم الفاضل في المحكي من تذكرته بأن من تلف ماله قبل عود الحاج وقبل مضي إمكان عودهم

[ 301 ]

لم يستقر الحج في ذمته، لان نفقة الرجوع لابد منها في الشرائط، ولكن اشكله في المدارك باحتمال بقاء المال لو سافر، وبأن فوات الاستطاعة بعد الفراغ من افعال الحج لم يؤثر في سقوطه قطعا، وإلا لوجب اعادة الحج مع تلف المال في الرجوع أو حصول المرض الذي يشق معه السفر، وهو معلوم البطلان، قلت: قد يمنع معلومية بطلانه بناء على اعتبار الاستطاعة ذهابا وايابا في الوجوب (والكافر يجب عليه الحج) عندنا بل الاجماع بقسميه عليه، لشمول خطاب ادلة الفروع له خلافا لابي حنيفة (و) لكن (لا يصح منه) ذلك ما دام كافرا كسائر العبادات وان اعتقد وجوبه وفعله كما يفعله المسلم، لكون الاسلام شرطا في الصحة، وكذا لا يصح القضاء عنه لو مات، لعدم كونه اهلا للابراء من ذلك والاكرام، وعموم الادلة له ممنوع، فيبقى اصل عدم مشروعية القضاء عنه سالما، نعم لو اسلم وجب عليه الاتيان به إذا استمرت الاستطاعة، وإلا لم يجب ايضا وان فرض مضي اعوام عليه مستطيعا في الكفر، لان الاسلام يجب ما قبله، لكن في المدارك يجب عليه ذلك في اظهر الوجهين، ثم قال: واعتبر العلامة في التذكرة في وجوب الحج استمرار الاستطاعة إلى زمان الاسلام، وهو غير واضح، قلت: بل الوجوب غير واضح، ضرورة كونه كالقضاء الذي يثبت عليه بفوات الفريضة، فانه بالاسلام ايضا يسقط عنه، فكذلك وجوب الحج، ومرجعه إلى الخطاب به حال كفره على وجه يتحقق به العقاب لو مات عليه، اما لو اسلم سقط عنه، لما عرفته من جب الاسلام ما قبله فانه قد كان في حال اعظم من ذلك، فإذا غفره الله له غفر له ما دونه، ومن ذلك يعلم انه لو فقد الاستطاعة قبل الاسلام أو بعده قبل وقته ومات قبل عودها لم يقض عنه، ولو احرم لم يعتد باحرامه حال كفره، كما لا يعتد بغيره من عباداته.

[ 302 ]

(فلو أحرم ثم أسلم) في الاثناء (أعاد الاحرام) من الميقات، لفساد الاول، (ولو لم يتمكن من العود الى الميقات احرم من موضعه) ولعله الى ذلك يرجع ما عن الخلاف من ان عليه الرجوع الى الميقات والاحرام منه، فان لم يفعل واحرم من موضعه وحج تم حجه، لا ان المراد عدم الوجوب، أو تحقق الاثم خاصة بعدم العود إليه مع الامكان (ولو احرم بالحج) كافرا (وادرك) الاختياري من (الوقوف بالمشعر) مسلما (لم يجزه إلا ان يستأنف احراما آخر) ولو فيه كما في القواعد والمسالك مع فرض عدم التمكن وفي كشف اللثام ان قول المحقق: (وان ضاق الوقت احرم ولو بعرفات) كأنه اقتصارا على حال من يدرك جميع الافعال، وفي المسالك كان حق العبارة ولو بالمشعر، لانه ابعد ما يمكن فرض الاحرام منه، فيحسن دخول " لو " عليه بخلاف عرفة، وان كان الاحرام منها جائزا، بل اولى به، وفي المدارك هو جيد ان ثبت جواز استيناف الاحرام من المشعر، لكنه غير واضح كما سيجئ تحقيقه، قلت: ستعرف وضوحه ان شاء الله. ثم إن كان الحج إفرادا أو قرانا أتم حجه ثم اعتمر بعده، وإن كان فرضه التمتع وقد قدم عمرته ففى الاجتزاء بها أو العدول إلى الافراد وجهان، وفي المدارك وجزم الشارح بالثاني منهما هنا، وقال: إن هذا من مواضع الضرورة المسوغة للعدول من التمتع إلى قسيميه، قلت: لكن ظاهر النصوص الاول، فالمتجه الجزم بالاول منهما كما عرفته في نظير المقام، بل عرفت غير ذلك أيضا مما يأتي هنا، فلا حظ وتأمل. (ولو حج المسلم ثم ارتد) بعده ثم تاب (لم يعد على الاصح) للاصل بعد تحقق الامتثال، وعدم وجوب حج الاسلام في العمر إلا مرة، وقد حصلت، خلافا للمحكي عن الشيخ بناء منه على أن الارتداد يكشف عن عدم

[ 303 ]

الاسلام في السابق، لان الله لا يضل قوما بعد إذ هداهم، وفيه أنه مخالف للوجدان، ولظواهر الكتاب والسنة، وآية الاحباط (1) انما تدل على عدم قبول عمل الكافر حال كفره لا ما عمله سابقا حال إسلامه، ومع التسليم فهو مشروط بالموافاة على الكفر كما هو مقتضى الجمع بينها وبين الاية (2) الاخرى الدالة على ذلك، هذا كله مضافا إلى قول ابي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (3): " من كان مؤمنا فحج ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب يحسب له كل عمل صالح عمله ولا يبطل منه شئ " ونحوه غيره. (ولو لم يكن مستطيعا) حال إسلامه (فصار كذلك في حال ردته) ولو عن فطرة بأن استصحبه غيره وحمله إلى مكة والمواقف (وجب عليه الحج) لاجتماع شرائطه (وصح منه) حج إسلام (إذا تاب) ولو كان عن فطرة بناء على قبولها منه، سواء استمرت استطاعته إلى ما بعد التوبة أو لا، إجراء له مجرى المسلم في ذلك لتشرفه بالاسلام أولا، ومعرفة أحكامه التي منها الحج، وخبر الجب (4) انما هو في غيره، بل في القواعد " أنه لو مات أي المرتد بعد الاستطاعة أخرج من صلب تركته ما يحج به عنه وإن لم يتب على إشكال " لكن فيه ما عرفت من عدم براءة ذمته من ذلك، وعدم تأهله للاكرام، ودعوى شمول أدلة القضاء له وكون الحج كالدين يمكن منعها ايضا، فلعل الاقوى عدم


(1) سورة المائدة - الاية 7 (2) سورة البقرة - الاية 214 (3) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 1 (4) المستدرك - الباب - 15 - من ابواب احكام شهر رمضان - الحديث 2 والخصائص الكبرى ج 1 ص 249

[ 304 ]

القضاء عنه، بل يقوى ذلك أيضا فيما لو كان مستطيعا قبل الارتداد ثم أهمل ثم ارتد ومات عليه، فتأمل. (ولو أحرم مسلما ثم ارتد ثم تاب لم يبطل إحرامه على الاصح) لما عرفته في الحج من الاصل وغيره بعد عدم دخول الزمان في مفهومه كالصوم كي يتجه بطلانه بمضي جزء منه ولو يسيرا، وعدم ثبوت اشتراط الاتصال فيه كالصلاة كي يتجه بطلانه حينئذ بحصول المنافى للارتباط، بل هو أشبه شئ بالوضوء والغسل ونحوهما مما لا تبطل الردة ما وقع من أجزائهما إذا حصلت في أثنائهما، فإذا عاد إسلامه بني حينئذ ما لم يحصل مبطل خارجي كالجفاف ونحوه كما تقدم تحقيق ذلك في محله، خلافا للمحكي عن الشيخ هنا أيضا، وقد عرفت ما فيه، بل ألزم هو نفسه هنا بأن المتجه على ذلك عدم لزوم قضاء ما فاته من الصلاة والصوم مثلا حال الارتداد لو تاب، لكونه حينئذ من الكافر الاصلي، فلا قضاء عليه، لجب الاسلام ما قبله. هذا كله في الكافر والمرتد (و) أما (المخالف إذا استبصر) فالمشهور أنه (لا يعيد) ما فعله من (الحج) على وفق مذهبه، للمعتبرة (1) المستفيضة التي قد ذكرنا شطرا منها في قضاء الصلاة، وشطرا آخر في الزكاة التي يجب حمل ما ظاهره الوجوب منها على الندب، لضعفها عن المعارضة من وجوه، وحينئذ فما عن ابني الجنيد والبراج من وجوب الاعادة عليه واضح الضعف، نعم في المتن والقواعد والدروس ومحكي المعتبر والمنتهى والتحرير (إلا أن يخل بركن منه)


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمة العبادات والباب 3 من ابواب المستحقين للزكاة والباب 23 من ابواب وجوب الحج الجواهر - 38

[ 305 ]

بل في المدارك نسبته إلى الشيخ واكثر الاصحاب، وهو متجه إذا كان المراد عندهم، ضرورة عدم الاتيان بالحج الذي هو شرط في سقوط الاعادة، فان المنساق من النصوص المسقطة لذلك إذا كان قد جاء بالحج على وفق ما عندهم، وأما إذا كان المراد عندنا كما صرح به في الكتب السابقة فمشكل جدا كما اعترف به غير واحد من متأخري المتأخرين، خصوصا بعد عدم كون الحكم في الصلاة كذلك، والفرق بينهما في غاية الاشكال، مضافا إلى مخالفة ما هنا لاطلاق النصوص الذي به قد خرجنا عن قاعدة الاعادة وإن كان الفعل فاسدا كما تقدم ذلك في قضاء الصلاة. لكن قد يقال هنا إن المراد بتقييد الركن عندنا الصحة لو أخل بما هو ركن عندهم لا عندنا كالحلق، لا أن المراد وجوب الاعادة بالاخلال بركن عندنا وإن لم يكن ركنا عندهم، إذ الظاهر ركنية كل ما كان ركنا عندنا عندهم كما اعترف به في الذكرى، فلا يمكن حينئذ فرض ذلك، وحينئذ يكون المراد تكثير ما يحكم بصحته من فعلهم لا تقليله كي يتجه عليه الاشكال بأن إطلاق النصوص يقتضي الصحة وإن أخل بالركن عندنا، كما أنه يكون حينئذ لا فرق بينه وبين الصلاة، فان الظاهر سقوط القضاء إذا جاء بها تاركا فيها لما يفسد تركه عندهم ولا يفسد عندنا إذا فرض وقوعها منه على وجه لا ينافي التقرب وان فقدت النية المفسد تركها عند الجميع، فيرتفع الاشكال حينئذ من أصله. ولعل الذي دعاهم إلى هذا التقييد هنا دون الصلاة هو ما عرفته من أن كل ركن عندنا ركن عندهم ولا عكس، بخلاف الصلاة فان وجوه المخالفة بيننا في التروك والافعال متكثرة، وقد أرادوا بذلك بيان سقوط الاعادة هنا عنه إذا كان قد جاء بالفعل وقد ترك ما هو ركن عندهم لا عندنا والفرض انه استبصر، لا أن المراد ثبوت الاعادة عليه بتركه ما هو ركن عندنا وليس ركنا عندهم كي

[ 306 ]

يتجه عليه الاشكال بأن إطلاق النصوص يقتضي الصحة في هذا الفرد، فتأمل جيدا فانه دقيق نافع. بل قد ينقدح منه قوة القول بصحة عبادة المستبصر التي قد جاء بها قبل استبصاره على وفق ما عند الشيعة إذا فرض كونها على وجه لا ينافي التقرب، بل يدعى القطع، ضرورة أولويته من سقوط القضاء والاعادة عنه بالفعل المخالف لهم الذي هو فاسد في الواقع، والتردد الذي وقع من بعضهم انما هو في عبادة المخالف الباقي على خلافه إذا جاء بها على وفق ما عند أهل الحق وفرض كونها على وجه لا ينافي النية منه من كونه مكلفا بالفروع وقد جاء بتكليفه فيتحقق امتثاله ومن كون الايمان شرطا فيعتبر في الصحة وقوع ذلك الفعل به لاله أم زمانه (1) فلا تجزبه الاصابة الاتفاقية، وإلا لاستحق الثواب الاخروي على فعله بمقتضى الوعد المعلوم حرمانه منه بالضرورة من المذهب، فتأمل جيدا. ثم إن هذا السقوط عنه لانكشاف صحة فعله بالايمان المتأخر أو أنه تفضل من الله تعالى، قد أطنب في الحدائق تبعا للمدارك في ترجيح الثاني مستدلين عليه بما دل (2) على بطلان عبادة المخالف، وانها هي الهباء المنثور، والرماد الذي اشتدت به الريح والسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، وغير ذلك مما ورد فيهم، وفيه ان القائل بالاول لا يلتزم صحة عباداتهم مع بقائهم على خلافهم إلى الموت، بل المراد صحة خصوص من تعقبه الايمان منهم، فيكون الشرط في الصحة حينئذ حصوله مقارنا أو متأخرا، ولما كان علم الله تعالى بما يكون كعلمه بما كان


(1) هكذا في النسخة الاصلية ولعل الصواب " وقوع ذلك الفعل بدلالة إمام زمانه " (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب مقدمة العبادات - الحديث 1 والمستدرك - الباب - 27 منها - الحديث 61 و 64 وتفسير البرهان - سورة النور الاية 39

[ 307 ]

وقد علم تعقبه للايمان فهو صحيح من أول وقوعه وإن كنا نحن لم نعلم به لجهلنا بحصول الشرط، ويؤيد ذلك ما في نصوص المقام (1) من أنه إذا استبصر يؤجر على عمله الذي عمله حال خلافه، فان الاجر عليه يقضي صحته، ولا استبعاد في الحكم بصحته في هذا الحال وإن كان هو على خلاف ما عليه أهل الحق، كالفعل الموافق للتقية، وهو قوي جدا، بل هو المحكي عن الفاضل في المختلف وخيرة الفاضل الطباطبائي. كما أنه يقوى بملاحظة النصوص واشتمالها على الناصب والحرورية ونحوهم من الفرق المحكوم بكفرها لغلوها أو لكونها من الخوارج عدم الفرق في الحكم المزبور بين جميع فرق المسلمين وإن كان بعضهم كافرا بل وإن كان مرتدا عن فطرة، فما عن العلامة من قصر الحكم على من لم يكن كافرا منهم في غير محله، لا لشمول المخالف لهم نصا وفتوى، فانه قد يقال بكون المنساق منه من حيثية الخلاف لا إذا انضمت إليه حيثية الكفر، بل لما سمعته من النصوص السابقة. نعم ينبغي قصر الحكم على خصوص هذه الفرق، فلا يلحق بهم المحق الجاهل إذا وقع حجه مثلا على وفق أهل الخلاف ثم بان له بعد ذلك الواقع، وإن تردد فيه في الدروس ظنا منه أن ذلك أولى من صحة عبادة المخالف المخالفة للواقع مع مخالفة اعتقاد الفاعل، لكنه كما ترى قياس لا نقول به، ضرورة عدم وصول العقل إلى هذه الاولوية، وليس في النصوص إشارة إلى علة يمكن جريانها في الفرض كما هو واضح، فيتجه حينئذ بقاؤها على مقتضى القواعد، ودعوى اقتضائها الصحة لقاعدة الاجزاء قد فرغنا من بيان فسادها في الاصول.


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمة العبادات والباب 3 من ابواب المستحقين للزكاة والباب 23 - من ابواب وجوب الحج

[ 308 ]

(و) كيف كان ف‍ (هل الرجوع إلى كفاية) للمعيشة (من صناعة أو مال أو حرفة) أو ضيعة أو نحو ذلك (شرط في وجوب الحج ؟ قيل) والقائل الشيخان والحلبيان وابنا حمزة وسعيد وجماعة: (نعم) يشترط، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه (ل‍) لاصل والحرج و (رواية أبي الربيع) الشامي (1) " سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: " ولله على الناس حج " - الاية - فقال: ما يقول الناس ؟ قال: فقيل: الزاد والراحلة، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ويستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إياه لقد هلكوا، فقيل له: فما السبيل ؟ قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض ويبقي بعضا يقوت به عياله، أليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم " وعن بعض النسخ " ينطلق إليه " كما عن المقنعة روايته " هلك الناس إذا كان من له زاد وراحلة لا يملك غيرهما أو مقدار ذلك مما يقوت به عياله ويستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذا، فقيل له: فما السبيل عندك ؟ فقال: السعة في المال، وهو أن يكون معه ما يحج ببعضه ويبقى بعض يقوت به نفسه وعياله " وخبر الاعمش (2) عن الصادق (عليه السلام) ايضا في تفسير السبيل " هو الزاد والراحلة مع صحة البدن، وأن يكون للانسان ما يخلفه على عياله وما يرجع إليه من حجه " وغيرهما من بعض (3) الاخبار المرسلة. (وقيل) والقائل المرتضى وابن إدريس وابنا أبي عقيل والجنيد


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب وجوب الحج الحديث 1 - 4 - 5

[ 309 ]

والمتأخرون: (لا) يشترط، بل نسبه غير واحد إلى الاكثر، بل الشهرة (عملا بعموم الاية) والنصوص لصدق اسمها بدونه لغة وعرفا (وهو الاولى) وبذلك ينقطع الاصل، كما أن من الواضح عدم الحرج خصوصا بعد ملاحظة ما ضمنه الله من الرزق، ومنع الاجماع سيما مع ملاحظة ذهاب من عرفت إلى خلافه، وعدم دلالة الخبر بعد الطعن في سنده، بل لعله على عكس ذلك أدل حتى على زيادة المقنعة، ودعوى ظهور إرادة ذلك من قوت نفسه باعتبار معلومية إرادة ما بعد رجوعه - كقوله (عليه السلام): " يرجع فيسأل الناس بكفه " أو دعوى إرادة ما يستمر تحصيل القوت منه لا مقدار ذهابه وإيابه، بل لعله المراد من كل رواية اشتملت على اعتبار ذلك، أو دعوى ظهور قوله (عليه السلام): " أليس قد فرض الله " إلى آخره، في اعتبار بقاء شئ زائد على ما يكفيه للحج ذهابا وإيابا، وليس هو إلا ما عند الخصم للاجماع على عدم غيره - كما ترى، إذ لا دلالة في الاول والاخير على اعتبار ما ذكروه من مقدار الكفاية الظاهر بعد عدم التقييد بسنة أو بما دونها في إرادة الدوام والاستمرار عادة بأن تكون له صنعة أو عقار يكفيه نماؤه أو نحو ذلك مما يتخذه الانسان معاشا، ومن المعلوم عدم استفادة ذلك من الخبر المزبور، وتتميمه بالاجماع كما هو مقتضى الدعوى الثالثة ليس بأولى من طرحه، لاشتماله على ما لا يقول به الجميع، ضرورة أن تحميله إرادة مقدار الكفاية بالمعنى المزبور مما فيه مما يكاد يقطع بعدمه، فلا يصلح حينئذ لتقرير الاستدلال به، فتأمل. وما عن بعض المراسيل (1) من التنصيص على ذلك لا جابر له، كما أنه لا ظهور في خبر المقام في إرادة الاستمرار مما فيه من اعتبار التقوت وإن كان


الوسائل - الباب - 9 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 5

[ 310 ]

هو محتملا، لكن لا يخفى عليك أن مجرد الاحتمال لا يكفي في الاستدلال، خصوصا في مثل المقام المخالف لاطلاق الكتاب والسنة، على أنه من المستبعد جدا عدم وجوب الحج على من يملك جملة وافرة من اعيان الدراهم التي لا يزيد نماؤها على مقدار كفايته، وإن كان لو أراد صرفها عينها تقوم به وبحجه سنين وكذا من عنده عقار كذلك، كما أنه من المستبعد عدم ذكر ذلك في المستثنيات السابقة التي لا ينكر ظهور كلامهم في ذلك المقام في الاقتصار على مستثنيات الدين على إشكال في بعضها، بل من المستبعد ايضا اشتراط الغنى في وجوب الحج الذي هو مقتضى هذا الشرط، بل فيه زيادة على الغنى، مع أن مقتضى النصوص أعم من ذلك، فرب فقير لا يملك قوت سنته يجب عليه الحج، لاستطاعته، ورب غنى يملكها لا يجب عليه، لعدم استطاعته له إلا بانفاق ما يجب عليه مما عرفت استثناءه، ولعل هذا هو المراد بخبر أبي الربيع على معنى عدم كفاية نفس الغنى في الوجوب، بل لابد من اعتبار ما يزيد على ذلك، ضرورة تحققه بملك قوت السنة فعلا أو قوة، ومثل ذلك قد لا يكفي في وجوب الحج، كما هو واضح. (و) كيف كان فلا خلاف كما لا إشكال نصا وفتوى في أنه (لو اجتمعت الشرائط فحج متسكعا أو حج ماشيا أو حج في نفقة غيره أجزأه عن الفرض) بل الاجماع بقسميه عليه، ضرورة صدق الامتثال، وعدم وجوب صرف المال إلا للتوقف عليه، وبذلك يفرق بينه وبين من حج متسكعا قبل حصول الشرائط، لعدم الامر حينئذ، فلا امتثال، بل هو كالصلاة قبل وقتها. (و) على كل حال ف‍ (من وجب عليه الحج) أو ندب (فالمشي) للحج خضوعا وخشوعا وطلبا للاحمز من حيث كونه مشيا (أفضل له من الركوب) من حيث كونه ركوبا، وفاقا للمشهور بين الاصحاب، لقول الصادق (عليه السلام) في

[ 311 ]

خبر ابن سنان (1) وغيره: " ما عبد الله بشئ أشد من المشي ولا أفضل " والمراد إلى بيته، لقوله (عليه السلام) في مرسل أبي الربيع (2) المروي عن كتاب ثواب الاعمال: " ما عبد الله بشئ مثل الصمت والمشي الى بيته " ومرسل الفقيه (3) " روي انه ما تقرب العبد إلى الله عزوجل بشئ أحب إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين " وقد سئل أبو عبد الله (4) (عليه السلام) " عن فضل المشي فقال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم ربه ثلاث مرات حتى نعلا ونعلا وثوبا وثوبا ودينارا ودينارا، وحج عشرين حجة ماشيا " وقال أيضا في خبر أسامة (5): " خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى مكة ماشيا فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الالم، فقال: كلا " الحديث. وفي خبر أبي المنكدر (6) عن أبى جعفر (عليه السلام) " قال ابن عباس: ما ندمت على شئ صنعته ندمي على أن لم أحج ماشيا، لاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من حج بيت الله ماشيا كتب الله له ستة آلاف حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم ؟ قال: حسنة بألف الف حسنة، وقال: فضل المشاة في الحج كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم، وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) يمشي إلى الحج ودابته تقاد وراءه ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب وجوب الحج الحديث 1 - 6 - 5 - 3 والثانى مرسل الربيع بن محمد المسلى (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 8 وهو عن أبى اسامة كما في اصول الكافي ج 1 ص 463 (6) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 9 مع الاختلاف فيه

[ 312 ]

أما المشي لا لذلك بل ليكون أقل لنفقته فلا ريب في ان الركوب افضل منه مع يساره، لقول ابى عبد الله (عليه السلام) في خبر ابي بصير (1): وقد سئل عن المشي افضل أو الركوب: " إن كان الرجل موسرا فيمشي ليكون أقل لنفقته فالركوب افضل " ولعله دفعا للشح وصرفا للمال في طريق الحج وعدم الثواب في المشي في الفرض أصلا، كما انه قد يقترن الركوب بما يترجح به على المشي كالقوة على العبادة والعجلة إليها، أو دفع النقص عنه بتخيل الشح والقلة من الاعداء والحساد ونحو ذلك، كما أو مأ إليه خبر هشام بن سالم (2) قال: " دخلنا على ابي عبد الله (عليه السلام) أنا وعنبسة بن مصعب وبضعة عشر رجلا من أصحابنا فقلت: جعلني الله فداك أيما افضل المشي أو الركوب ؟ فقال: ما عبد الله بشئ افضل من المشي، فقلنا: أيما افضل يركب إلى مكة فيعجل فيقيم بها إلى ان يقدم الماشي أو يمشي ؟ فقال: الركوب افضل " وخبر عبد الله بن بكير (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا نريد الخروج إلى مكة مشاة فقال: لا تمشوا واركبوا، فقلت: اصلحك الله بلغنا ان الحسن بن علي (عليهما السلام) حج عشرين حجة ماشيا، فقال: إن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان يمشي وتساق معه محامله ورجاله " وخبر سيف التمار (4) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إنا كنا نحج مشاة


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 10 - 6 - 5 مع الاختلاف في لفظ الاخير، ورواه في التهذيب ج 5 ص 478 الرقم 1690 بعين ما ذكر في الجواهر (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 32 من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 وذيله في الباب 33 منها - الحديث 3 الجواهر - 39

[ 313 ]

فبلغنا عنك شئ فما ترى ؟ فقال: إن الناس يحجون مشاة ويركبون، قلت: فليس عن هذا اسألك فقال: فعن أي شئ سألت ؟ قلت: ايهما احب اليك ان نصنع ؟ قال: تركبون احب إلي، فان ذلك اقوى لكم في الدعاء والعبادة ". والى هذا الاخير أو مأ المصنف بقوله: (إذا لم يضعفه) أي المشي (ومع الضعف الركوب أفضل) نحو ما سمعته في صوم عرفة، ولا يتوهم من ذلك أفضلية الركوب من حيث كونه ركوبا، وذلك حكمة له، بل المراد ضم مرجح له، بل لعل ما ورد في جملة من النصوص (1) من أفضليته على المشي معللة له بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ركب محمول على ذلك، بمعنى أن من ركب ملاحظا للتأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله) قد يترجع ركوبه على مشيه، وبذلك يتضح لك عدم التعارض بين النصوص، وأنه لا حاجة إلى ما أطنبوا به من تعدد صور الجمع، حتى ذهب إلى كل بعض، ضرورة معلومية رجحان المشي من حيث كونه مشيا، بل لعله ضروري، وأن المراد بما دل على رجحان الركوب عليه من النصوص انما هو من حيث اقتران بعض المرجحات به، فهو من باب دوران المستحبات وترجيح بعضها على بعض، لا أن الركوب من حيث كونه ركوبا أفضل من المشي من حيث كونه، مشيا، فان ذلك مقطوع بفساده، بل لا ينبغي للفقيه احتماله، ومثله الكلام في الشمي إلى المشاهد، خصوصا (مشهد ظ) سيدي ومولاي أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) والله العالم. (مسائل أربع: الاولى إذا استقر الحج في ذمته ثم) لم يفعله - والمراد به ما يعم النسكين وأحدهما، فقد تستقر العمرة وحدها، وقد يستقر الحج وحده وقد يستقران - فعله متى تمكن منه على الفور ولو متسكعا بلا خلاف أجده فيه


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 و 2 و 4 و 8

[ 314 ]

ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص دالة عليه، بل لعله المراد من خبر أبي بصير (1) الذي سأل الصادق (عليه السلام) فيه عن قول الله عزوجل: " ولله " - إلى آخره - فقال: يخرج ويمشي إن لم يكن عنده مال، قال: لا يقدر على المشي قال: يمشي ويركب، قال: لا يقدر على ذلك يعني المشي قال: يخدم القوم ويخرج معهم " فان لم يفعل حتى (مات) ولو لعدم تمكنه (قضي عنه) أي فعل عنه (من أصل تركته) كسائر الديون لا من الثلث بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه أيضا، خلافا لابي حنيفة ومالك والشعبي والنخعي قال الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (2): " يقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله " وسئل (عليه السلام) أيضا في خبر سماعة (3) " عن الرجل يموت ولم يحج حجة الاسلام ولم يوص أيضا وهو موسر قال: يحج عنه من صلب ماله لا يجوز غير ذلك " (فان كان عليه دين) ولو خمس أو زكاة مثلا ووفت التركة بالجميع فلا إشكال (و) إن (ضاقت) أي (التركة قسمت على الدين، وأجرة المثل بالحصص) كما تقسم في الديون، لاشتراك الجميع في الثبوت وفي التعلق بالمال، لاتفاق النص والفتوى على كونه دينا أو بمنزلته، فما عن الشافعي - من تقديم الحج في قول: بل عن الجواهر احتماله، وفي آخر تقديم الدين - في غير محله وإن مال إلى الاول في الحدائق للحسن عن معاوية بن عمار (4) " قلت له: رجل يموت وعليه خمسمائة درهم من الزكاة وعليه حجة الاسلام وترك ثلاثمائة درهم


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الحج - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 - 4 (4) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب المستحقين للزكاة - الحديث 2 من كتاب الزكاة

[ 315 ]

وأوصى بحجة الاسلام وأن يقضى عنه دين الزكاة قال: يحج عنه من أقرب ما يكون ويرد الباقي في الزكاة " قال: ومثلها ما رواه الشيخ في التهذيب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا " في رجل مات وترك ثلاثمائة درهم وعليه من الزكاة سبعمائة درهم فأوصى أن يحج عنه قال: يحج عنه من أقرب المواضع ويجعل ما بقي في الزكاة " وفيه - بعد إعراض الاصحاب عنهما وقصور سند الثاني منهما واختصاصهما بالزكاة - أنه يمكن كون ما ذكره فيهما مقتضى التوزيع ايضا، فلا إشكال حينئذ. ولو كان قد استقر عليه كل من النسكين ووسع النصيب خصوص أحدهما صرف فيه، وإن وسع كل منهما تخير للتساوي في الاستقرار، ويحتمل تقديم الحج لكونه أهم في نظر الشارع، وتقديمه ممن عليه الافراد والقران خاصة، وتقديم العمرة ممن عليه التمتع خاصة، والتخيير ممن عليه أحد الانواع مخيرا، وقد يحتمل سقوطهما عمن عليه التمتع لدخول العمرة في حجه، وإن لم يف النصيب بشئ من النسكين صرف في الدين لا فيما بقي به من الافعال من طواف ووقوف لعدم التعبد بشئ منها وحدها عدا الطواف، واحتمال إثبات مشروعية ذلك بقاعدة الميسور و " ما لا يدرك " قد بينا فساده في محله، على أن الظاهر قصر الاستدلال بها على ما يعضدها فيه كلام الاصحاب، لقصور سندها وعدم ثبوت كونها قاعدة، وكلام الاصحاب على الظاهر بخلافها هنا، بل لعل ظاهره كون الطواف ايضا كذلك، لاطلاقهم رجوع النصيب ميراثا بمجرد قصوره عن الحج أو العمرة، فلاحظ وتأمل. وكيف كان فقد ظهر لك ان تعلق الحج بالتركة على نحو تعلق الدين بها


(1) الوسائل - الباب - 42 - من كتاب الوصايا - الحديث 1

[ 316 ]

الذي تعرف البحث فيه إن شاء الله في محله على تقديري الاستيعاب وعدمه، كما ان يأتي ايضا إن شاء الله كيفية تعلق حق الوارث بالتركة، وانه مخالف لقواعد الشركة فيما لو أقر الوارث بوارث آخر، فان النص والفتوى كما تسمعه إن شاء الله في كتاب الاقرار وغيره متطابقان على دفع الفاضل مما في يده إن كان لمن أقر له، لا انه يشاركه فيما في يده وإن كان مساويا له في الارث، كما إذا أقر بأخ له وأنكره الاخر وكان الارث لهما فانه يدفع له ثلث ما في يده، وهو تكملة حصة المقر له الباقية عند المنكر، اما إذا لم يكن له في يده شئ كما لو أقر الاخ لام بأخ لاب فلا شئ له، وكذا لو أقر لاخر آخر من الام فان لهما الثلث، وليس في يد المقر إلا السدس، وهو نصيبه مع فرض الموافقة، فليس في يده ازيد من نصيبه كي يدفعه إلى من أقر له، ولا ريب في مخالفة ذلك لقواعد الشركة التي مقتضاها التساوي في الحاصل والتالف لهما وعليهما، كما لو أقر أحد الشريكين في دار مثلا لاخر بالشركة معهما على السوية وأنكر الاخر وقاسم المقر بالنصف كان النصف بينهما بالسوية، تنزيلا للاقرار على الاشاعة، بخلافه في الاقرار بالوارث، وقد تجشمنا وجها للفرق بينهما في غير المقام، إلا ان الانصاف كون الفارق النص والفتوى. ونحو ذلك في مخالفة القواعد إقرار الوارث بالدين وإنكار شركائه، فانه لا يمضي إلا على مقدار حصته وإن استوعبها، كما لو ترك الميت ابنين وبنتا والفا مثلا وأقر أحد الولدين بألف دينا فانه يدفع جميع ما في يده من الالف وهو أربعمائة للمقر له، لانه لا إرث له باعترافه، اما إذا أقر بخمسمائة فانه يدفع مما في يده مائتين، لانه الذي تعلق بنصيبه من الدين الذي هو موزع على ما في يده ويد اخيه واخته بلا خلاف محقق معتد به اجده في شئ من ذلك عندنا نصا وفتوى، نعم يحكى عن الشافعي وجوب دفع جميع ما في يده في الدين، لانه

[ 317 ]

لا إرث إلا بعده، ولا ريب في بطلانه، ومثل ذلك يأتي في الحج الذي قد عرفت كونه من الدين ايضا. لكن ذلك كله في إقرار الوارث بوارث أو دين، أما إذا أقر الديان لاخر بدين وارثا كان أو غيره وفرض استيعابه للتركة على تقدير موافقة الشريك وكذا لو أقر بحج أيضا فالذي تقتضيه قاعدة تنزيل الاقرار على الاشاعة قسمة الحاصل في يد المقر من دينه على حسب دينهما معا، وربما يشهد له ما رواه الصدوق في الفقيه عن محمد بن أبي عمير متصلا بالحكم بن عتيبة (1) قال: " كنا على باب أبي جعفر (عليه السلام) ونحن جماعة ننتظر أن يخرج إذ جاءت امرأة فقالت: أيكم أبو جعفر ؟ فقال لها القوم: ما تريدين منه ؟ فقالت: أسأله عن مسألة، فقالوا لها: هذا فقيه أهل العراق فاسأليه، فقالت: إن زوجي مات وترك الف درهم وكان لي عليه من صداقي خمسمائة درهم، فأخذت صداقي وأخذت ميراثي ثم جاء رجل فادعى عليه الف درهم فشهدت له، قال الحكم: فبينما أنا أحسب إذ خرج أبو جعفر (عليه السلام) فقال: ما هذا الذي أراك تحرك به أصابعك يا حكم ؟ فقلت: إن هذه المرأة ذكرت أن زوجها مات وترك الف درهم وأن لها عليه من صداقها خمسمائة درهم وأخذت ميراثها ثم جاء رجل فادعى عليه الف درهم فشهدت له، قال الحكم: فو الله ما أتممت الكلام حتى قال: أقرت بثلثي ما في يدها ولا ميراث لها قال الحكم: فما رأيت والله أفهم من ابي جعفر (عليه السلام) قط " قال ابن ابي عمير: وتفسير ذلك انه لا ميراث لها حتى تقضي الدين، وانما ترك الف درهم وعليه من الدين الف وخمسمائة درهم لها وللرجل، فلها ثلث الالف، لان لها خمسمائة درهم


(1) الوسائل - الباب - 26 - من كتاب الوصايا - الحديث 8 مع الاختلاف في الالفاظ ورواة في الفقيه ج 4 ص 166 الرقم 579 بعين ما ذكر في الجواهر

[ 318 ]

وللرجل الف درهم، فله ثلثاها، وهو صريح فيما ذكرناه مما هو موافق للقاعدة المزبورة التي مقتضاها أن تركة الميت نحو مال المفلس في كونها أسوة الغرماء، وكذا رواه الشيخ في بعض نسخ التهذيب، بل مقتضى ذلك عدم الفرق بين كون الدين مستوعبا أم لا، وإن كان له الرجوع فيما قبضته حينئذ إرثا على مقدار ما يخصه من الدين، بخلاف ما قبضته من الدين، فانه يقسم بين المقر والمقر له على حسب دينهما، لكن رواه في الكافي في كتاب الوصايا وكتاب المواريث " أقرت بثلث ما في يدها " حاكيا في الاول منهما ما سمعته من تفسير ابن ابي عمير وفي الثاني منهما ايضا عن الفضل بن شاذان (1) ما نصه " وتفسير ذلك ان الذي على الزوج صار الفا وخمسمائة درهم، للرجل الف، ولها خمسمائة، وهو ثلث الدين وانما جاز إقرارها في حصتها، فلها مما ترك الميت الثلث، وللرجل الثلثان، فصار لها مما في يدها الثلث، ويرد الثلثان على الرجل، والدين استغرق المال كله، فلم يبق شئ يكون لها من ذلك الميراث، ولا يجوز إقرارها في حق غيرها " وهما كما ترى لا يتمان خصوصا الثاني منهما إلا على كون الرواية ثلثي ما في يدها لا ثلث، ومن هنا قال في الدروس - بعد أن روى الخبر المزبور كما سمعته من الصدوق قدس سره ثم حكى عن الكليني ما سمعته من الفضل: - قلت: " هذا مبني على أن الاقرار يبنى علي الاشاعة وان إقراره لا ينفذ في حق الغير، والثاني لا نزاع فيه، واما الاول فظاهر الاصحاب أن الاقرار انما يمضى على قدر ما زاد عن حق المقر بزعمه، كما لو أقر بمن هو مساو له، فانه يعطيه ما فضل عن نصيبه ولا يقاسمه فحينئذ يكون قد أقرت بثلث ما في يدها، أعني خمسمائة، لان لها بزعمها وزعمه ثلث الالف الذي هو ثلثا خمسمائة، فيستقر ملكها عليه، ويفضل معها ثلث خمسمائة


الكافي ج 7 ص 168 الطبع الحديث

[ 319 ]

وإذا كان أخذت شيئا بالارث فهو بأسره مردود على المقر له، لانه بزعمها ملك له، والذي في التهذيب نقلا عن الفضل " لقد أقرت بثلث ما في يدها " رأيته بخط مصنفه، وكذا في الاستبصار، وهذا موافق لما قلناه، وذكره الشيخ قدس سره بسند آخر عن غير الفضل وعن غير الحكم متصلا بالفضل بن يسار (1) عنه (عليه السلام) " أقرت بذهاب ثلث مالها، ولا ميراث لها، تأخذ المرأة ثلثي خمسمائة، وترد عليه ما بقي " قلت: هو كذلك فيما حضرني من نسخ التهذيب المعتبرة وإن كان كتب في الهامش نسخة الثلث التي ينفيها خبر الفضل بن يسار المصرح بما سمعت مع زيادة، لان إقرارها على نفسها بمنزلة البينة، لكن قد يقال ان هذا الخبر غير نقي السند بمحمد بن مروان، والاول مع كون الراوي الحكم الذي هو من العامة في التهذيب عن السعدي عنه، وفي الفقيه زكريا ابن يحيى السعدي، وفي الكافي زكريا بن يحيى الشعيري، مضافا إلى ما سمعته من اختلاف متنه في الثلث والثلثين، وما ذكره الفضل وابن ابي عمير في تفسيره ولا جابر إلا ما سمعته من النسبة إلى ظاهر الاصحاب التي لم نتحققها، إذ لم اعثر على من تعرض لمفروض المسألة ولا الخبر المزبور عداه قدس سره، نعم هو كذلك في الاقرار بوارث أو دين كما سمعت تفصيل الكلام فيه، ودعوى اتحاد الفرض مع ذلك واضحة المنع، فالمتجه حينئذ مراعاة قاعدة تنزيل الاقرار على الاشاعة نحو ما سمعته في إقرار أحد الشريكين، ضرورة اتحاد كيفية تعلق دين كل منهما بالتركة، كما ان الزعم من كل منهما متحد في استحقاق الثلث والثلثين من الالف في مفروض الخبر، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط، والله تعالى العالم.


(1) الوسائل - الباب - 26 - من كتاب الوصايا - الحديث 9 عن الفضيل ابن يسار كما في التهذيب ج 9 ص 169 الرقم 691

[ 320 ]

المسألة (الثانية يقضى الحج من اقرب الاماكن) عند الاكثر، بل المشهور بل عن الغنية الاجماع عليه، والمراد به كما في المدارك " أقرب المواقيت إلى مكة إن امكن الاستيجار منه، وإلا فمن غيره مراعيا الاقرب فالاقرب، فان تعذر الاسيتجار من احد المواقيت وجب الاستيجار من اقرب ما يمكن الحج منه إلى الميقات " وفي القواعد " من أقرب الاماكن إلى الميقات " ومزجها في كشف اللثام قال: " وانما يجب أي الحج عنه من أقرب الاماكن إلى مكة من بلده إلى الميقات فان امكن من الميقات لم يجب إلا منه، وإلا فمن الاقرب إليه فالاقرب، ولا يجب من بلد موته أو بلد استقراره عليه " قلت: الظاهر اتحاد المراد، وهو الحج عنه من أقرب الاماكن إلى مبدأ نسك الحج، فلو فرض عدم التمكن من ذلك إلا من بلده وجب، ولا يشكل ذلك بمنافاته لحق الوارث بعد إيجاب الشارع الحج من جميع ماله، وقد فرض توقفه على ذلك فيجب، بل الظاهر تقديمه على ما لو تمكن من الحج عنه من أدنى الحل أو من مكة مثلا أو نحو ذلك من مواقيت الاضطرار بمعنى دوران الامر بين الحج عنه من بلده وبين مواقيت الاضطرار، فانه يقدم الاول، كما هو واضح، بل الظاهر مراعاة مزاحمته للدين على هذا الوجه ايضا، إذ الاضطرار بالنسبة إلى الميت قصور ماله، والفرض سعته، وتكون حينئذ الاجرة خارجة من الاصل على جميع الاقوال، وإلى هذا أو مأ في المدارك بقوله: " فلو اوصى بالحج من البلد فان قلنا بوجوبه كذلك من دون وصية كانت أجرة المثل لذلك خارجة من الاصل، وإن قلنا الواجب الحج من الميقات كان ما زاد على أجرة ذلك محسوبا من الثلث إن أمكن الاستيجار من الميقات، وإلا وجب الخراج من حيث يمكن، وكانت أجرة الجميع من الاصل كما هو واضح " فان المراد بقوله: " وإلا " إلى آخره ما أشرنا إليه، فمن الغريب إنكاره عليه في الجواهر - 40

[ 321 ]

الحدائق وإطنابه في ذلك، وقوله: إني لا أفهم لهذه العبارة معنى صحيحا، فلاحظ وتأمل، نعم لو فرض عدم سعة ماله إلا للحج عنه من أدنى الحل أو من مكة وجب، لاطلاق الادلة وخصوص خبر علي بن يزيد صاحب السابري (1) قال: " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وأوصى بتركته أن أحج بها فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا، تصدق بها، فقال (عليه السلام): ما صنعت بها ؟ فقال: تصدقت بها، فقال: ضمنت إلا أن لا يكون يبلغ ما يحج به من مكة، فان كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان " والله العالم، وعلى كل حال فهذا أحد الاقوال في المسألة. (وقيل) والقائل الشيخ وابن إدريس ويحيى بن سعيد وغيرهم (يستأجر من بلد الميت، وقيل: إن اتسع المال فمن بلده وإلا فمن حيث أمكن) واختاره في الدروس، قال: " يقضى من أصل تركته من منزله، ولو ضاق المال فمن حيث أمكن ولو من الميقات على الاقوى " بل في المدارك إرجاع القول الاول إليه، قال: الموجود في كلام الاصحاب حتي في كلام المصنف في المعتبر أن في المسألة قولين، وقد جعل الصمنف هنا الاقوال ثلاثة، ولا يتحقق الفرق بين القولين الاخيرين إلا على تقدير القول بسقوط الحج مع عدم سعة المال للحج من البلد على القول الثاني، ولا نعرف بذلك قائلا، مع انه مخالف للروايات كلها، وتبعه على ذلك في الحدائق، لكن قد يناقش بامكان عدم التزام سقوط الحج بل ينتقل إلى الحج من الميقات، ولا يجب الاستيجار من حيث أمكن كما هو مقتضى جملة من الروايات، وبذلك يتحقق الفرق بين القولين، أو يقال بوجوب التكميل من الولي مع القصور أو الحج عنه بنفسه كما يقتضيه إطلاق الوجوب، وكذا


(1) الوسائل - الباب - 37 - من كتاب الوصايا - الحديث 2

[ 322 ]

وجوب اختيار المتبرع بالحج عنه للنيابة حينئذ وإن وجب الحج من الميقات مع التعذر مطلقا. (و) كيف كان ف‍ (الاول أشبه) للاصل ومحكي الاجماع وعدم اشتراط الحج بالمسير إلا عقلا، فهو على تقدير وجوبه واجب آخر لا دليل على وجوب قضائه، ولذا لو سار المستطيع في بلده إلى أحد المواقيت لا بنية الحج ثم أراده فأحرم صح وإن أساء بتأخير النية، وكذا لو أفاق المجنون عند الميقات بل لو قلنا بتبعية القضاء للاداء لم يجب هنا، ضرروة أن القول بذلك انما هو لتوهم تحليل الخطاب المتعلق بالاداء إلى إيجاب مطلق الفعل وإيجابه أداء، ومن المعلوم أن دليل وجوب المقدمة لا يصلح لذلك، إذ هو انما يعقل في شأن الملكف بالاداء، على أن التبعية المزبورة على تقدير تسليمها انما تقتضي الوجوب من بلد الاستطاعة دون بلد المنزل والموت، ولا ريب في بطلانه، اللهم إلا أن يقال إن ذلك كذلك إن لم ينتقل إلى ما هو أقرب منه إلى الميقات، وإلا وجب القضاء منه، إلا أن الجميع كما ترى شك في شك، والتحقيق ما عرفت، مضافا إلى إطلاق ما دل من المعتبرة المستفيضة (1) على وجوب القضاء من دون تقييد بناء على عدم انصرافه إلى خصوص البلد، بل قد يؤيد أيضا بصحيح حريز (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس، إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه " إذ لو كان الطريق معتبرا لم ينف البأس عن ذلك، فان قوله: " من الكوفة " إن جعل متعلقا بقوله: " يحج عنه " كان من مسألة من استؤجر على طريق فحج على


(1) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب وجوب الحج (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 323 ]

غيره، وستسمع الخلاف فيها، ومبنى الصحة على عدم اعتبار الطريق في الحج، وإن جعل صفة لرجل كان وجه الاستدلال فيه أنه لو كان الطريق معتبرا لوجب ملاحظة بلد من عليه الحج وإن أطلق في الاجارة، لانصراف ذلك إليه. بل أيد أيضا بصحيح علي بن رئاب (1) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل أوصى أن يحج عنه حجة الاسلام فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما قال: يحج عنه من بعض المواقيت التى وقتها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قرب " باعتبار عدم استفصاله عن إمكان الحج بذلك من البلد أو غيره مما هو أبعد من الميقات، وإن كان قد يناقش بامكان كون ذلك لظهور السؤال في قصور الخمسين عن الازيد من الميقات ولو باعتبار العرف والعادة، بل لابد من ارتكاب ذلك فيها، ضرورة كون السؤال في الوصية التي يعترف هذا المؤيد بتنزيلها على البلد، وإلا فمن حيث يمكن كما تسمعه في خبر محمد بن أبي عبد الله (2)، وبخبر زكريا بن آدم (3) " سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات وأوصى بحجة أيجزيه أن يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه فقال: ماكان دون الميقات فلا بأس " وفيه أنه أيضا في الوصية، فيجب حمله على عدم سعة المال الموصى به للحج، كخبر عمر بن يزيد (4) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل أوصى بحجة فقال: تجزي من دون الميقات " بقرينة خبره الاخر (5) قال: " قلت له أيضا: رجل أوصى بحجة فلم تكفه قال:


(1) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 - 4 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3 عن محمد بن عبد الله كما في الكافي ج 4 ص 308 وهو الصحيح كما يأتي نقله كذلك في ص 327 (4) و (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 6 - 7 مع الاختلاف في لفظهما

[ 324 ]

فيقدمها فيحج من دون الميقات " وخبر أبي سعيد (1) عمن سأل أبا عبد الله (عليه السلام) " عن رجل أوصى بعشرين درهما في حجة قال: يحج بها رجل من حيث تبلغه " بل لعله على ذلك يحمل خبر محمد بن ابي عبد الله (2) " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل يموت فيوصي بالحج من أين يحج عنه: قال: على قدر ماله، إن وسعه ماله فمن منزله، وإن لم يسعه من منزله فمن الكوفة، وإن لم يسعه ماله من الكوفة فمن المدينة " وصحيح الحلبي (3) عنه (عليه السلام) ايضا " وإن اوصى أن يحج عنه حجة الاسلام ولم يبلغ ماله ذلك فليحج عنه من بعض المواقيت ". لكن في المدارك بعد أن أوردهما دليلا للقائل باعتبار البلد اجاب عنهما بأنهما انما تضمنا الحج من البلد مع الوصية، ولعل القرائن الحالية كانت دالة على إرادة الحج من البلد كما هو الظاهر من الوصية عند الاطلاق في زماننا، فلا يلزم مثله مع انتفاء الوصية، وفيه إمكان منع فرق العرف بين قول الموصي: حجوا عني وبين قول الشارع: حجوا عنه في الانصراف إلى البلد وعدمه، فالمتجه الجواب عنهما بأن أخبار الوصية متدافعة على الظاهر، فمنها كخبر زكريا وغيره ما يقتضى الاجتزاء فيها بالحج من الميقات، ومنها كهذين الخبرين ما يقتضي الحج


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3 عن محمد بن عبد الله كما في الكافي ج 4 ص 308 وهو الصحيح كما يأتي نقله كذلك في ص 327 (3) ذكره الشيخ في التهذيب في ذيل صحيح الحلبي المروي في ج 5 ص 405 الرقم 1410 والظاهر أنه ليس من الصحيحة بل هو كلام الشيخ قدس سره فراجع

[ 325 ]

من البلد، وإلا فمن حيث يسع المال، وحمل الاخبار السابقة على عدم سعة المال ليس بأولى من حمل هذه الاخبار على الوصية بمال معين للحج، ولا أقل من تساوي الاحتمال، فيبطل الاستدلال بكل من القسمين على شئ من الطرفين، ويرجع إلى القاعدة التي قد عرفت اقتضاءها الحج من الميقات، على انه لو سلم ترجيح الحمل الاول كان مقتضاه ذلك في خصوص الوصية، ولعله تعبد شرعي لا لفهم من العبارة المساوية لعبارة الشارع التي مقتضاها الصدق بالحج من الميقات في الوصية وغيرها، على ان مفهوم صحيح الحلبي لا يدل إلا على عدم وجوب الحج من الميقات مع السعة في المال، بل يمكن حمل الامر في المنطوق على الندب باعتبار وروده في مظنة الحظر، وبذلك ظهر لك أن الاستدلال بهذه النصوص على ما يقوله الخصم في غير محله، كالاستدلال عليه بالمروي (1) عن متسطرفات السرائر من كتاب المسائل بسنده عن عدة من أصحابنا، قالوا: " قلنا لابي الحسن (عليه السلام) يعني علي بن محمد (عليهما السلام): إن رجلا مات في الطريق وأوصى بحجته وما بقى فهو لك، فاختلف اصحابنا فقال بعضهم: يحج عنه من الوقت، فهو أوفر للشئ ان يبقى، وقال بعضهم: يحج عنه من حيث مات، فقال (عليه السلام): يحج عنه من حيث مات " إذ هو - مع انه يأتي فيه ما عرفت ايضا - يمكن فهم ذلك من وصيته بقرينة الحال، إذ الظاهر إرادة موته في طريق الحج، بل لعل الخبر أوصى بحجته أي باتمام حجته. وأغرب من ذلك كله الاستدلال عليه بالاخبار (2) السابقة في النيابة عمن لا يستطيع الحج بنفسه باعتبار اشتمالها علي الامر بتجهيز رجل يحج عنه الظاهر


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النيابة في الحج في الحج - الحديث 9 (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب وجوب الحج

[ 326 ]

في إرادة الحج من البلد، إذ هو المناسب للتجهيز، وانه لا فرق بين النواب، وفيه بعد حرمة القياس ما عرفت من حمل تلك الاوامر على الندب، مع انها غير مساقة لبيان مثل ذلك. وأغرب منه الاستدلال بأنه لما ثبت الوجوب عليه باستطاعته له بزاد وراحلة وغيرهما مما يتوقف عليه وجب القضا عنه ميتا على الوجه الذي ثبت في ذمته، إذ هو كما ترى، ضرورة كون الوجوب عليه حيا كذلك للمقدمة لا أنه وجه للمأمور به، وهو الحج، ولذا لو وقع على وجه محرم أجزأه، ودعوى تعلق نفقة الطريق من البلد بعد موته بماله كالدين واضحة المنع، بل هي مصادره، كوضوح فساد الاستدلال على اعتبار الطريق بمجموع هذه النصوص على وجه يبطل ما ذكرناه من القاعدة، فانه كما ترى. ومن ذلك كله يظهر لك ما أطنب فيه في الحدائق وتعجب مما جاء به من التحقيق، حتى قال بعد الفراغ منه: وعليك بالتأمل الدقيق في هذا التحقيق الرشيق فانه حقيق بأن يكتب بالتبر على الحداق لا بالحبر على الاوراق، إلا أن الالف بالمشهور سيما إذا زخرفت بالاجماعات شنشنة أخزمية، وطريقة لا تخلو من العصبية، فانك إذا أحطت خبرا بما ذكرناه تعرف أن ذلك كله عجب بلا عجب، وهزء بلا سبب، نسأل الله تعالى العفو عنا وعنه، كما أنك تعرف فساد ما عن ابن إدريس من دعوى تواتر الاخبار بذلك، ولذا جزم المصنف في المعتبر بأنه غلط، قال: فانا لم نقف بذلك على خبر شاذ فضلا عن المتواتر، كل ذلك مضافا إلى إمكان الطعن في أسانيد النصوص المزبورة عدا صحيح الحلبي منها الذي عرفت الحال في دلالته، بل لو أغضينا عن ذلك كله باعتبار احتمال التأويل في أخبار الطرفين أمكن ترجيح أخبار المشهور بالاجماع المنقول والاصل وغير ذلك. وكيف كان فالمراد بالبلد على تقدير اعتباره بلد الاستيطان، لانه المنساق

[ 327 ]

من النص والفتوى، خصوصا من الاضافة فيهما، سيما خبر محمد بن عبد الله (1) لكن في المدارك الظاهر أن المراد بالبلد الذي يجب عليه الحج منه على القول به محل الموت حيث كان كما صرح به ابن إدريس، ودل عليه دليله، وهو وإن كان يؤيده أنه البلد التي هي منتهى انقطاع الخطاب بالحج عنه، ضرورة كونه مكلفا به من ذلك المكان، فيناب عنه منه، إلا أن ما حكاه عن ابن إدريس لم نتحققه، بل المحكي من عبارته يقتضي بلد الوطن كذا دليله، بل لم نتحققه لغيره من أصحابنا، نعم ربما حكي عن بعض العامة، بل قد يناقش فيما ذكرناه توجيها بأنه لا تلازم بين خطابه في ذلك المكان الذي كان من اتفاقيات الخطاب لا أنه ملاحظ في أصل الخطاب وبين قضائه منه، وانما الملاحظ في أصل خطابه بلد استيطانه، ولذا كان عليه مدار الاستطاعة، فالاقوى حينئذ اعتباره لا بلد الموت بل ولا بلد اليسار التي حصل وجوب الحج عليه فيها وان احتمل ايضا بل عن بعض العامة القول به. ولو كان له موطنان كان الواجب من أقربهما كما عن التذكرة التصريح به، للصدق الذي يجمع به بين حق الوارث والميت مثلا، والظاهر كون المراد أن بلد الاستيطان أقل المجزي، وإلا فلو استؤجر عنه مما هو أبعد منه أجزأ قطعا نعم في اعتبار المرور عليه إشكال، ولعل صحيح حريز (2) يشهد للعدم، كما انه قد يشهد للاجزاء لو قضي عنه من الميقات بناء على القول بالوجوب من البلد وإن أثم الوارث حينئذ، واحتمال عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه يدفعه منع كونه وجها له بحيث يقتضي عدم الاجزاء عنه، وهل يملك حينئذ الوارث الزائد ؟


(1) الوسائل - الباب - 2 - من أبواب النيابة في الحج - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 328 ]

وجهان، أقواهما العدم عند بعض الافاضل، لانه حق تعلق بالعين بمنزلة الدين، فلا يملكه الوارث، وفيه أن ذلك بمنزلة ما لو تبرع عنه متبرع بالحج أو بوفاء الدين، ومن هنا اختاره في محكي الدروس، ثم على تقدير العدم لا تبرأ ذمة الوارث بالقضاء عنه ثانيا، لسقوط حجة الاسلام عنه، ولو لم يكن له مال أو كان ولم يخرج منه فتبرع عنه وليه أو غيره فحج عنه أجزأ بلا خلاف ولا إشكال نصا وفتوى، بل ربما أشعر المحكي عن ابن الجنيد بوجوب ذلك على الولي، لاطلاق الامر المحمول على الندب قطعا، ضرورة كونه لا يزيد على الدين كما صرح به في بعض النصوص، فيجزي حينئذ فيه ما يجزي فيه من براءة الذمة لو وقع من الولي أو غيره، وعدم وجوبه على الولي إذا لم يكن للميت مال، والله العالم. المسألة (الثالثة من وجب عليه حجة الاسلام) وكان متمكنا منها (لا يحج عن غيره) تبرعا أو ب‍ (اجارة) بل (ولا) يحج (تطوعا) بلا خلاف أجده في الاول منهما، لا لان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده على وجه يقتضي الفساد، فان التحقيق خلافه، ولا لكونه موقتا على وجه لا يصح فيه غير كشهر رمضان، فان التحقيق عدم اقتضاء الفورية أصل التوقيت فضلا عن التوقيت على هذا الوجه، وما عن المبسوط هنا من انه لو حج ندبا انقلبت حجة إسلام مقطوع بفساده، بل هو لخبر سعد بن ابي خلف (1) " سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل الصرورة يحج عن الميت قال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه، فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزي عنه حتى يحج من ماله، وهي تجزي عن الميت إن كان للصرورة مال أو لم يكن له مال "


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 الجواهر - 41

[ 329 ]

وصحيح سعيد (1) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) " عن الصرورة أيحج عن الميت ؟ فقال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به، وإن كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله، وهو يجزي عن الميت له مال أو لم يكن له مال " لكن في المدارك " قد قطع الاصحاب بفساد النطوع والحج عن الغير مع الاستطاعة وعدم الاتيان بالواجب، وهو انما يتم إذا ورد فيه نهي على الخصوص أو قلنا باقتضاء الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص، وربما ظهر من صحيح سعد بن أبي خلف خلاف ذلك، والمسألة محل تردد " ولعله حمل قوله (عليه السلام): " وهو يجزي " إلى آخره على إرادة بيان الاجتزاء بنيابة الصرورة مطلقا سواء كان له مال أو لم يكن وإن كان يأثم على الاول الذي قد بينه (عليه السلام) بقوله: " إذا لم يجد " إلى آخره، وفيه أنه خلاف ظاهر قوله (عليه السلام): " لا يجزي عنه " وخلاف قاعدة اقتضاء النهي الفساد، بل هو عند التأمل تفكيك في الخبر، بل يقطع بعدم إرادته، ومن هنا احتمل بعض المتأخرين كون المراد بقوله (عليه السلام): " وهو " إلى آخره إرادة بيان الاجتزاء بنيابته بعد الحج عن نفسه بماله، ولا ينافيه إطلاق الصرورة باعتبار ما كان عليه سابقا، وهو وإن تم به الاستدلال على المطلوب على هذا التقدير إلا أنه خلاف الظاهر، ولعل الاولى حمله على إرادة بيان الاحوال الثلاثة للنائب التي ستسمع تعرض الاصحاب لها، وهي عدم جواز النيابة مع خطابه بحجة الاسلام وتمكنه منها، والجواز مع عدم خطابه أصلا أو مع خطابه وعدم تمكنه منها لتلف ماله مثلا، فالاول هو الذي أشار إليه بقوله (عليه السلام): " فان وجد " إلى آخره، والثاني والثالث أشار اليهما قوله (عليه السلام): " وهو يجزي " إلى آخره، والمراد جواز نيابته وإن كان له مال في السابق ووجب عليه حج الاسلام إلا أنه لم يجده


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3

[ 330 ]

حال النيابة، أو حمله على إرادة الجزء الاول من الحديث بالضمير دفعا لتوهم الراوي أن نيابته غير جائزة، وعود الضميرين المجرورين في آخر الحديث إلى الميت، يعني سواء كان على الميت حج واجب أو لم يكن، وحج عنه ندبا أو غير ذلك مما لا ينافي دلالته على المطلوب، وهو النهي عن النية مع اشتغال الذمة بحجة الاسلام والتمكن منها، ولعل ذلك هو المنشأ لاتفاق الاصحاب ظاهرا على ذلك، بل يمكن استفادة عدم جواز التطوع منه أيضا باعتبار إطلاق النهي عن النيابة التي منها تطوع الحج أيضا، كما لو كان متبرعا، على أن المنع منها يستلزم ذلك، كما أن جواز التطوع يستلزم جوازها، لان كلما جاز للمكلف فعله جازت النيابة فيه إلا ما خرج بالدليل، فما عن خلاف الشيخ من أنه يأثم ويصح حجه في غير محله، بل قد يستفاد منه ولو بمعونة كلام الاصحاب بناء على إرادة المثال مما فيه عدم الفرق بين حج الاسلام وغيره من أفراد الحج الواجبة فورا باجارة أو عهد أو يمين أو غيرها، ولذا قال المصنف: (وكذا من وجب عليه) أي الحج (بنذر) مقتض للفورية (أو إفساد) ونحوهما مما كان وجوبه على الوجه المزبور، فلا يكون مدركه مسألة الضد التي هي محل خلاف، مع أن المسألة هنا وفاقية على الظاهر، فتأمل جيدا. المسألة (الرابعة) قد عرفت سابقا أنه لا فرق في وجوب الحج بين الذكر والانثى والخنثى بعد حصول سببه، ف‍ (لا يشترط) حينئذ في وجوب الحج (وجود المحرم في النساء) مع عدم الحاجة إليه (بل يكفي غلبة ظنها بالسلامة) على نفسها وبعضها للرفقة مع ثقات وكونها مأمونة أو غير ذلك بلا خلاف أجده فيه بيننا، لصدق الاستطاعة بعد جواز خروجها مع عدم الخوف نصا وفتوى بدونه، قال صفوان الجمال (1) لابي عبد الله (عليه السلام): " قد عرفتني بعملي تأتيني


(1) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1

[ 331 ]

المرأة أعرفها باسلام وحبها إياكم وولايتها لكم ليس لها محرم قال: إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها فان المؤمن محرم المؤمنة، ثم تلا هذه: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض (1) " وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح سليمان بن خالد (2): " في المرأة تريد الحج ليس معها محرم هل يصلح لها الحج ؟ قال ؟ نعم إذا كانت مأمونة " وسأله معاوية بن عمار (3) ايضا " عن المرأة تحج بغير ولي فقال: لا بأس تخرج مع قوم ثقات " وفي خبره الاخر (4) " لا بأس وإن كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ فأبوا أن يحجوا بها وليس لهم سعة فلا ينبغي لها ان تقعد، ولا ينبغي لهم أن يمنعوها " إلى غير ذلك من الاخبار. نعم لو فرض توقف حجها عليه للخوف بدونه اعتبر حينئذ وإن لم يجب عليه الاجابة، ولو اقترح أجرة أو نحوها وجب عليها مع استطاعتها لذلك وإن كان أزيد من أجرة المثل، وإلا لم يجب الحج عليها، ضرورة كونه حينئذ كغيره من المقدمات التي فرض توقف الحج عليها وهل يجب عليها تحصيل أصل المحرم حال توقف الحج عليه فيجب عليها التزويج مثلا ؟ اشكال، ولو ادعى الزوج الخوف عليها وانكرت ذلك ففي الدروس عمل بشاهد الحال أو بالبينة، فان انتفيا قدم قولها، والاقرب أنه لا يمين عليها، وقال أيضا: ولو زعم الزوج انها غير مأمونة على نفسها وصدقته فالظاهر الاحتياج إلى المحرم، لان في رواية أبي بصير (5) و عبد الرحمان (6) " تحج بغير محرم إذا كانت مأمونة " وإن اكذبته فأقام بينه بذلك أو شهدت به القرائن فكذلك، وإلا فالقول قولها، وهل يملك الزوج محقا منعها باطنا ؟ نظر، وتبعه على ذلك كله في المدارك والحدائق، لكن قد يشكل عدم اليمين عليها


(1) سورة التوبة - الاية 72 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 58 - من أبواب وجوب الحج - الحديث 2 - 3 - 4 - 5 - 6

[ 332 ]

بعموم قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " البينة عل المدعي واليمين على من انكر " ودفعه بعدم الحق له عليها في هذا الحال فلا يمين له عليها يقتضي الاشكال في أصل سماع دعواه في ذلك باعتبار كونها هي المكلفة، وقد رفع الشارع سلطنته عنها مع حصول شرائط استطاعتها عندها، وكذا الاشكال في النظر الاخير بالنسبة إلى عدم جواز منعها باطنا، إذ مقتضى أحد وجهيه عدم جواز ذلك له وإن كان محقا في دعواه واقعا، وما ذاك إلا لعدم السلطنة له وإن كانت غير مأمونة، ولو فرض الخلل في عرضه من ذلك سار معها حفظا لعرضه لا أنه يمنعها عن أداء تكليفها، على أن العرض مشترك بينه وبين غيره من أرحامها، وظاهرهم اختصاص الدعوى بين الزوج وزوجته في ذلك، ولعله لان حق البضع مختص به دون غيره، إلا ان ذلك يقتضي جواز المنع له باطنا، ويقتضي توجه اليمين له عليها، ودعوى كون المراد من ذلك كله إثبات عدم استطاعتها - فليس لها الخروج بدون إذنه، لما ستعرفه من اختصاص سقوط السلطنة بالحج الواجب - يدفعها عدم اختصاص ذلك في المقام، مع أن ظاهرهم ذلك دونه بالنسبة إلى المال ونحوه من شرائط الاستطاعة وإن كان المتجه أن له ذلك باعتبار تعلق حق الاستمتاع وغيره فيها، لكن ينبغي حينئذ جريان حكم باقي الدعاوي عليها من اليمين مع الانكار والمنع باطنا مع عدم الاثبات ونحو ذلك، كما ان المتجه عدم سماع دعواه لو أراد بها ما يقتضي عدم ائتمانها في نفسها على بعضها مثلا، فان ذلك انما يقتضي سيره معها لا انه يتسلط على منعها من الحج، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (لا يصح حجها تطوعا إلا باذن زوجها) إجماعا محكيا عن التذكرة، بل في المدارك نسبته إلى علمائنا أجمع، بل فيها عن المنتهى


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كيفية الحكم من كتاب القصاء

[ 333 ]

لا نعلم فيه خلافا بين اهل العلم، وهو الحجة، مضافا إلى موثق إسحاق بن عمار (1) عن ابي ابراهيم (عليه السلام) قال: " سألته عن الامرأة المؤسرة قد حجت حجة الاسلام تقول لزوجها أحجني مرة اخرى، أله ان يمنعها ؟ قال: نعم، يقول لها: حقي عليك أعظم من حقك علي في ذا " ومنه يعلم الوجه في التوقف على الاذن، ضرورة تعلق حقه فيها بالاستمتاع ونحوه، فليس لها فعل ما ينافي حقه من دون إذنه على حسب غيره من الحقوق، واليه يرجع ما عن بعضهم من الاستدلال على المطلوب بأن حق الزوج واجب، فلا يجوز لها تفويته بما ليس بواجب، فما في المدارك - من المناقشة فيه بأنه انما يقتضي المنع من الحج إذا استلزم تفويت حق الزوج، والمدعى اعم - في غير محلها، ضرورة اقتضاء علقة الزوجية سلطنته على ذلك، كما يؤمي إليه قوله تعالى (2): " الرجال قوامون على النساء " والخبر المزبور، بل يؤمي إليه أيضا حق الاسكان الذي تعيينه إلى الزوج على أن الاحرام والطواف وصلاته والسعي ونحوها منافية للاستمتاع الذي هو حقه، بل السفر نفسه منقص له وإن صاحبها، بل الظاهر ثبوت حقه في ذلك على وجه له المنع وإن كان ممنوعا من فعل الاستمتاع بمرض أو سفر أو إحرام أو نحو ذلك، ومن هنا اطلق المنع في النص والفتاوى ومعقد الاجماع، هذا، وفي كشف اللثام بعد أن حكى عن التذكرة الاجماع على توقف حجها على الاذن قال: " ولكن توقف سفرها على إذن الزوج يحتمل أن يكون لعلقة الزوجية الموجبة للسلطنة، وان يكون لحق الاسكان الذي تعيينه إلى الزوج، وأن يكون الحق الاستمتاع، فعلى الاولين له منعها من مصاحبته في السفر، واحتمل على الثالث


(1) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 (2) سورة النساء - الاية 38

[ 334 ]

أيضا، لتطرق النقص إليه في السفر، وعليه دون الثاني له منع المتمتع بها، وعلى الاول احتمال، قيل: لو سافر للحج ففى من المتمتع بها ضعف لبقاء التمكين وتحقق بذل العوض، قيل: فهل له منعها عن الاحرام ندبا نظر، فان كان غير محرم فالظاهر له منعها تحصيلا لغرضه، وإن كان محرما فالظاهر لا يتحقق المنع من طرفه وينسحب في المريض المدنف على ضعف، لامكان إفاقته، مع تخيل مثل ذلك في المحرم، لامكان صده أو حصره فيتحلل، ولكن ينبغي أن يحرما معا أو تحرم بعده، وأما الاحلال فيجوز تقدمها قطعا، والظاهر جواز المقارنة، وهل لها تأخيره بتأخير المحلل أو المعد للتحلل ؟ وجهان من فوات حق الزوج، ومن ارتفاع حقه باحرامها الصحيح " قلت: قد عرفت التحقيق في ذلك وأن له التسلط على المنع، بل ليس لها الفعل إلا بالاذن مطلقا، لمنافاة نفس الفعل لحقه، وللاية والخبر وغيرهما مما سمعت، فلا حاجة حينئذ إلى ما ذكره من النفريع والترديد. (نعم لها ذلك في الواجب) المضيق (كيف كان) لعدم الطاعة للمخلوق في معصية الخالق، والمعتبرة التي منها صحيح زرارة (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) " سألته عن امرأة لها زوج وهي ضرورة لا يأذن لها في الحج قال: تحج وإن لم يأذن لها " بل فيما رواه الصدوق عن عبد الرحمان (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " تحج وإن رغم أنفه " وفي صحيح معاوية بن وهب (3) " لا طاعة له عليها في حجة الاسلام ولا كرامة، تحج إن شاءت " وفي صحيح محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) " سألته عن امرأة لم تحج ولها زوج وأبى ان يأذن لها في الحج فغاب زوجها هل لها ان تحج ؟ فقال: لا طاعة له عليها في حجة الاسلام " بل


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 59 - من أبواب وجوب الحج الحديث 4 - 5 - 3 - 1

[ 335 ]

ظاهر إطلاق المصنف وغيره وصريح المدارك عدم الفرق في الواجب بين المضيق والموسع، وإن كان قد يشكل في الاخير بعد ظهور النصوص المزبورة في غيره بعدم الدليل على ترجيح الواجب الموسع على حقه المضيق، بل لعل مقتضى الادلة خلافه، ومن هنا حكى في المدارك عن بعضهم ان له المنع فيه إلى محل التضييق، ولكن استضعفه، لاصالة عدم سلطنته عليها في ذلك، وفيه انه يكفي فيه إطلاق أدلة وجوب الطاعة وتضييق حق الاستمتاع بها. (وكذا) الكلام (لو كانت في عدة رجعية) في الحج المندوب والواجب مضيقه وموسعه، لانه بحكم الزوجة، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (1): " المطلقة ان كانت صرورة حجت في عدتها، وان كانت حجت فلا تحج حتى تنقضي عدتها " وعليه يحمل إطلاق صحيحة معاوية بن عمار (2) عنه (عليه السلام) ايضا " لا تحج المطلقة في عدتها " وخبره (3) ايضا " المطلقة تحج في عدتها ان طابت نفس زوجها " (نعم في البائنة لها المبادرة) في الحج المندوب في عدتها (من دون إذنه) لانقطاع عصمة الزوجية، فهي حينئذ كالمعتدة من الوفاة التي استفاضت النصوص في جواز حجها في العدة، ففي موثق داود بن الحصين (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن المتوفى عنها زوجها قال: تحج وان كانت في عدتها) وموثق زرارة (5) عنه (عليه السلام) ايضا سأله " عن التي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 60 - من ابواب الحج - الحديث 2 - 3 (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب العدد - الحديث 2 من كتاب الطلاق (4) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 وليس فيه قوله: " في عدتها " وهو موجود في الفقيه ج 2 ص 269 الرقم 1312

[ 336 ]

يتوفى عنها زوجها أتحج في عدتها ؟ قال: نعم " وخبر أبي هلال (1) عنه (عليه السلام) أيضا فيها " تخرج إلى الحج والعمرة ولا تخرج التي تطلق، ان الله تعالى يقول: ولا يخرجن (2) " فما عن احمد بن حنبل من عدم الجواز للمتوفى عنها زوجها واضح الضعف، كاحتمال عدم جوازه للمطلقة بائنا، لاطلاق النصوص السابقة المحمولة عند الاصحاب على الرجعية، كما عساه يشعر به الخبر الاخير (3) والله العالم. (القول في الشرائط ما يجب بالنذر واليمين والعهد) في الجملة، إذ تفصيل ذلك في محله (وشرائطها اثنان) إذ لا يشترط في الواجب بها ما يشترط في حج الاسلام، بل يكفي فيه التمكن منه كما هو واضح. (الاول كمال العقل) في الناذر (فلا ينعقد نذر الصبي ولا المجنون) بلا خلاف فيه كما في المدارك، لارتفاع القلم عنهما، سقوط حكم عبارتهما، ولا المغمى عليه ولا الساهي والغافل ولا النائم بل ولا السكران وإن أخذ بما يجنبه أو يتركه من الواجب بسبب اختياره شرب المسكر، ولا مدخلية هنا لشرعية عبادة الصبي وتمرينيتها، كما لا فرق بين بلوغه عشرا وعدمه. الشرط (الثاني الحرية، فلا يصح نذر العبد إلا باذن مولاه) لانه مملوك العين والمنافع، ولذا لا يقدر على شئ، وفي صحيح منصور بن حازم (4) عن الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا يمين لولد مع والده، ولا لمملوك مع


(1) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 4 (2) سورة الطلاق - الاية 1 (4) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الايمان - الحديث 2 الجواهر - 42

[ 337 ]

مولاه، ولا للمرأة مع زوجها " وفي صحيحه الاخر (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا رضاع بعد فطام، ولا وصال في صيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا تعرب بعد هجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين لولد مع والده، ولا لمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطعية رحم " وخبر عبد الله بن ميمون القداح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " لا يمين للولد مع والده، ولا للمرأة مع زوجها، ولا للمملوك مع سيده " إلا أن مورد هذه النصوص جميعها اليمين لكن الاصحاب جزموا باتحاد حكم الجميع، وهو الظاهر، خصوصا بعد خبر الحسين بن علوان (3) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا أن يأذن سيده " بل وخصوصا بعد معلومية اتحاد الثلاثة في المعصية وقطعية الرحم مع اقتصاره في الاول على النذر، وفي الثاني على اليمين، بل يمكن دعوى القطع بكون المنشأ في ذلك الزوجية والوالدية والسيدية لا كونه يمينا، وحينئذ فالمناقشة في المقام وما ألحق به من الزوجية والولد بأن الوارد اليمين فالحاق النذر والعهد به قياس ممنوع عندنا وإن اشترك الجميع في بعض الاحكام ضعيفة لما عرفت، مؤيدا باطلاق اليمين على النذر في الخبر المروي (4) عن الكاظم (عليه السلام) لما سئل " عن جارية حلف عليها سيدها أن لا يبيعها فقال: لله علي أن لا أبيعها فقال (عليه السلام): ف الله


(1) الوسائل - الباب - 11 - من كتاب الايمان - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 10 - من كتاب الايمان - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 15 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 2 (4) التهذيب ج 8 ص 310 الرقم 1149

[ 338 ]

بنذرك " وفي موثق سماعة (1) " انما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها أن يفي بها ما جعل لله عليه في الشكر إن هو عافاه من مرضه أو عافاه الله تعالى من أمر يخافه أورد عليه ماله أو رده من سفره أو رزقه الله رزقا فقال: لله علي كذا وكذا شكرا فهذا الواجب على صاحبه الذي ينبغي له أن يفي به " بل في الحدائق الاستدلال على ذلك بقول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): " ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا باذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها " وإن كان هو كما ترى خصوصا بعد عدم القائل بمضمونة. (و) على كل حال ف‍ (لو أذن له) مولاه (في النذر فنذر وجب) لعموم أدلته (وجاز له المبادرة) مع السعة (ولو نهاه) لكن فيه الاشكال السابق كما اعترف به هنا في كشف اللثام، نعم لا إشكال في ذلك مع الضيق، بل في محكي المنتهى والتحرير يجب عليه الحمولة مع الحاجة، لانه السبب في شغل ذمته وإن كان لا يخلو من نظر أو منع، بل لعله كذلك ايضا في وجوب تمكينه من تحصيل ما يتوقف عليه الحج الواجب باستيجار على عمل ونحوه، وإن جعله في المدارك وجها قويا، هذا. (و) قد ظهر لك مما ذكرنا أنه (كذلك الحكم في ذات البعل) بلا خلاف أجده فيه لا لما قيل من توقف حجها تطوعا على الاذن من الزوج، فانه غير الاذن في النذر، بل لما سمعت من النص في اليمين الملحق به النذر والعهد بغير القياس الممنوع فيتوقف حينئذ صحة الثلاثة على الاذن منه، ومعها ليس له المنع في


(1) الوسائل - الباب - 17 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 15 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 1

[ 339 ]

الضيق، وفي السعة على الاشكال السابق، ولو كانت أمة مزوجة توقف صحة نذرها على إذن المولى والزوج، ثم إن الاذن المعتبرة يكفي في الصحة لحوقها في وجه قوي. ويلحق بالزوجة والمملوك الولد على ما ذكره جماعة، لاشتراكه معهما في الادلة السابقة، لكن في القواعد بعد اعتبار الاذن في الزوجة والعبد قال: للاب حل يمين الولد، وظاهره عدم اعتبار الاذن في الصحة، وانما له حلها، بل في الحدائق نسبته إلى المشهور، بل ظاهره أو صريحه كون الشهرة على ذلك في الزوجة والعبد أيضا، وفي كشف اللثام يأتي للمصنف استقرابه عدم اشتراط انعقاد نذر أحد من الثلاثة باذن أوليائهم، وانما لهم الحل متى شاءوا، وإذا لم يأذنوا فان زالت الولاية عنهم قبل الحل استقر المنذور في ذممهم، وفيه أن الفرق بينهما وبين الولد واضح، لمملوكية منافعهما دونه، نعم قد عرفت اتحاد كيفية دلالة الدليل في الجميع، ولعله ظاهر في اعتبار الاذن، بل قد عرفت التصريح به في خبر الحسين بن علوان (1) الذي به يستكشف المراد مما في غيره، مضافا إلى ظهور إرادة نفي الصحة في غيره مما تضمنه باللفظ المزبور، ولعله لذا كان المحكي عن ثاني الشهيدين اعتبار الاذن في الثلاثة، ووافقه عليه بعض من تأخر عنه، وأما المناقشة باختصاص الدليل باليمين ولذا اقتصر عليه بعضهم في كتاب الايمان وساوى هنا بينه وبين العهد ونظر في النذر فقد عرفت الجواب عنها، وأن الظاهر اتحاد حكم الجميع ويأتي إن شاء الله تمام الكلام في ذلك في كتاب النذور والايمان، كما يأتي تمام الكلام فيما ذكره بعضهم هنا من أنه لو نذر الكافر أو عاهد لم ينعقد، لتعذر نية القربة منه وإن استحب له الوفاء، ولو حلف انعقد على رأي.


(1) الوسائل - الباب - 15 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 2

[ 340 ]

(مسائل ثلاث: الاولى إذا نذر الحج مطلقا) غير مقيد بوقت (فمنعه مانع أخره حتى يزول المانع) ولا يبطل النذر بذلك ما لم يكن مانعا عنه في جميع الاوقات التي تدخل تحت الاطلاق إلى الموت، فان المعروف بين الاصحاب - حتى نسبه في المدارك إلى قطعهم، وحكى عن جده نفي الخلاف فيه - ان النذر المطلق يجوز تأخيره إلى ظن الوفاة، لكن في كشف اللثام عن التذكرة أن عدم الفورية أقوى، فاحتمل الفورية إما لانصراف المطلق إليها كما قيل في الاوامر المطلقة، أو لانا إن لم نقل بها لم يتحقق الوجوب لجواز الترك ما دام حيا، أو لضعف ظن الحياة هنا، لانه إذا لم يأت به في عام لم يمكنه الاتيان به إلا في عام آخر، أو لاطلاق بعض (1) الاخبار الناهية عن تسويف الحج، قلت: ولذلك جعل بعضهم الغاية في الاوامر المطلقة الوصول إلى حد التهاون عرفا، وقد يقال باستحقاقه العقاب بالترك تمام عمره مع التمكن منه في بعضه وإن جاز له التأخير إلى وقت آخر بظن التمكن منه، فان جواز ذلك له بمعنى عدم العقاب عليه لو اتفق حصول التمكن له في الوقت الثاني لا ينافي استحقاق عقابه لو لم يصادف بالترك في أول أزمنة التمكن وتمام تحرير ذلك في غير المقام. (و) لعله لذا (لو تمكن من أدائه ثم مات قضي عنه من أصل تركته) كما هو مقطوع به في كلام اكثر الاصحاب على ما في المدارك، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطعهم وإن قال للنظر فيه مجال، للاصل وافتقار وجوبه إلى أمر جديد تبعا لما في المدارك حيث أنه بعد ان حكى عنهم الاستدلال له بأنه واجب مالي ثابت في الذمة فيجب قضاؤه من أصل المال كحج الاسلام قال: وهو استدلال ضعيف، للاصل بعد احتياج القضاء إلى أمر جديد كما في حجة الاسلام، ولمنع


(1) الوسائل - الباب - 6 - من أبواب وجوب الحج

[ 341 ]

كونه واجبا ماليا، فانه عبارة عن أداء المناسك، وليس بذل المال داخلا في ماهيته ولا من ضرورياته، وتوقفه في بعض الصور، كتوقف الصلاة عليه على بعض الوجوه، كما إذا احتاج إلى شراء الماء أو استيجار المكان والساتر مع القطع بعدم وجوب قضائها من التركة. وذهب جمع من الاصحاب إلى وجوب قضاء الحج المنذور من الثلث، ومستنده غير واضح، وبالجملة النذر انما تعلق بفعل الحج مباشرة، وإيجاب قضائه من الاصل أو الثلث يتوقف على الدليل، وتبعه على ذلك أيضا في كشف اللثام، فانه - بعد أن حكى قضاءه من الاصل عن الفاضلين وظاهر الشيخين، لانه دين كحجة الاسلام - قال: وعليه منع ظاهر، ثم حكى عن ابي علي والشيخ في النهاية والتهذيب والمبسوط وابني سعيد في المعتبر والجماع الاخراج من الثلث للاصل وكونه كالمتبرع به وصحيح ضريس (1) سأل أبا جعفر (عليه السلام) " عن رجل عليه حجة الاسلام ونذر نذرا في شكر ليحجن رجلا إلى مكة فمات الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام، ومن قبل أن يفي بنذره مات قال: إن ترك مالا يحج عنه حجة الاسلام من جميع المال، وأخرج من ثلثه ما يحج به رجلا لنذره وقد وفى بالنذر، وإن لم يترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الاسلام حج عنه بما ترك، ويحج عنه وليه حجة النذر، انما هو مثل دين عليه " وصحيح ابن ابي يعفور (2) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام فعافى الله الا بن ومات الاب فقال: الحجة على الاب يؤديها عنه بعض ولده، قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه فقال: هي واجبة على الاب من ثلثه، أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه " فان إحجاج


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 3

[ 342 ]

الغير ليس إلا بذل المال لحجه، فهو دين مالي محض بلا شبهة، فإذا لم يجب إلا من الثلث فحج نفسه أولى، قلت: قد يقال بعد الاتفاق ظاهرا على القضاء عنه أن الخطاب بالحج من الخطابات الدينية على معنى ثبوته في الذمة على نحو ثبوت الدين فيها لا أنه مثل خطاب السيد لعبده يراد منه شغل الذمة بايجاده في الخارج وإن لم يثبت في الذمة ثبوت دين، ومن هنا وجب في حج الاسلام إخراج قيمة العمل من أصل التركة، وبهذا المعنى كان واجبا ماليا لا من حيث احيتاجه إلى المقدمات المالية التي لم تخرج من أصل التركة ما لم يوص بها على الاصح، بل لعل خطاب النذر الذي هو نحو الخطاب بالاجارة أولى من الخطاب الاصلي بذلك، على أن متعلق النذر الحج على حسب مشروعيته، وقد عرفت أنها على الوجه المزبور، بل قوله (عليه السلام): " انما هو مثل دين عليه " رمز إلى ما ذكرنا، بل إيجاب المال في نذر الاحجاج في الصحيحين السابقين من ذلك أيضا، وكذا الصحيح (1) عن مسمع بن عبد الملك " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كانت لي جارية حبلى فنذرت لله تعالى إن هي ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه فقال: إن رجلا نذر لله في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحج عنه فمات الاب وأدرك الغلام بعد فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسأله عن ذلك فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحج عنه مما ترك أبوه ". وبذلك اتجه ما سمعته من الاصحاب من وجوب أصل القضاء وكونه من أصل المال، لانه واجب ديني بالمعنى الذي عرفت، ومن هنا حمل في محكي المختلف الصحيحين السابقين على النذر في مرض الموت، لمخالفتهما للضوابط، ضرورة عدم الوجه لخروجه من الثلث بعد كونه واجبا ماليا، بل ومع فرض كونه واجبا


(1) الوسائل - الباب - 16 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 1

[ 343 ]

بدنيا انما يجب من الثلث مع الوصية به لا بمجرد النذر، ودعوى سقوط وجوب النذر بالموت مما اتفق النص (1) والفتوى على بطلانها، وعن منتقى الجمان حملهما على الندب المؤكد الذي قد يطلق عليه لفظ الوجوب، ولعله لعدم ظهورهما في الموت بعد التمكن من النذر الذي هو مفروض المسألة، بل لعل الاول منهما ظاهر في خلافه، فلا بأس بحملهما حينئذ على ضرب من الندب بعد ما عرفت من التحقيق الذي لا محيص عنه، ومنه يعلم ما في الحدائق من الاطناب المشتمل على كمال الاضطراب، ولا ينافي ذلك اعتبار تعذر المباشرة في جواز الاستنابة بعد دلالة الدليل عليه، كما لا ينافيه عموم ما دل (2) على منع التصرف فيما عدا الثلث من مال الميت بعد ما عرفت من كونه من قسم الدين وشبهه، ولا إطلاق ما دل على الاخراج من الثلث فيما عدا حجة الاسلام، كصحيح معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن رجل مات وأوصى ان يحج عنه قال: إن كان صرورة حج عنه من وسط المال، وإن كان غير صرورة فمن الثلث " وحسنه (4) عنه (عليه السلام) أيضا " في رجل توفى وأوصى ان يحج عنه قال: إن كان صرورة فمن جميع المال، إنه بمنزلة الدين الواجب، وإن كان قد حج فمن ثلثه " بعد انصراف غير المفروض منه، كاختصاص حجة الاسلام بالقضاء من صلب المال في قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5): " يقضى عن الرجل حجة الاسلام من جميع ماله ". ثم إنه لم مات وكان عليه حجة الاسلام والنذر فان اتسع المال لاخراجهما


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب وجوب الحج (2) الوسائل - الباب - 10 - 11 - من كتاب الوصايا (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 25 - من أبواب وجوب الحج الحديث 6 - 4 - 3

[ 344 ]

فلا إشكال فيه، ولو لم يتسع إلا لاحدهما فبناء على القول بخروج المنذورة من الثلث يتجه تقديم حجة الاسلام وإن تأخر سببها فانها كالدين، فلا تعارضها المنذورة المفروض كونها كالوصية، نعم على المختار يتجه التقسيط بناء على تساويهما في الخروج من الاصل، لانهما معا حقان ماليان، ولا ترجيح لاحدهما على الاخر خلافا لبعض فأوجب تقديم حجة الاسلام، لان وجوبها ثابت بأصل الشرع، ولانه كان تجب المبادرة فيها فيجب الابتداء باخراجها قضاء، وهما كما ترى، نحو الاستدلال من بعضهم على ذلك بصحيح ضريس (1) الذي فيه إخراج المنذور من الثلث، وهو غير المفروض، لكن ذلك كله إذا فرض فيام القسط بكل منهما، وإلا فالظاهر التخيير مع احتمال تقديم ما تقدم سببه، هذا، ولا يخفى عليك كون الامر بقضاء الولي عنه في صحيح ضريس للندب، كما يدل عليه الصحيح الاخر (2) فما عن ابن الجنيد من الوجوب واضح الضعف. (و) كيف كن ف‍ (لا يقضى عنه) إذا مات (قبل التمكن) منه بلا خلاف أجده فيه، للاصل السالم عن معارضة خطاب النذر الذي انكشف عدم تعلقه بعدم التمكن منه، نعم في كشف اللثام بعد شرح ما في القواعد من نحو المتن قال: ويشكل الفرق بينه وبين الصوم المنذور إذا عجز عنه مع حكمه بقضائه في الايمان، وإن فرق بوجود النص على قضائه إذا عيدا لزمه القول بقضائه حينئذ، مع أنه يقوى عدمه، وهو ليس إشكالا لاصل الحكم. هذا كله مع الاطلاق في النذر (فان عين الوقت ف‍) ان (أخل به مع القدرة (قضى عنه خ ل) وجب) عليه الكفارة و (القضاء) بلا خلاف


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 3 الجواهر - 43

[ 345 ]

أجده فيه، بل هو مقطوع به في كلام الاصحاب كما اعترف به في المدارك لما سمعت فان مات ولم يقضه قضي عنه من الاصل على الاصح لما عرفت (وإن منعه) عنه (عارض كمرض أو عدو حتى مات لم يجب قضاؤه عنه) إجماعا في المدارك، كما انه لم يجب عليه القضاء بعد الوقت للاصل السالم عن المعارض، لكن عن الفاضل في الايمان أنه قطع بسقوط القضاء إذا صد، واستشكله إذا تعذر بمرض، وهو ما ترى، وفي المدارك بعد حكاية الاجماع المزبور قال: " ولا يخفى أن طرو المانع من فعل المنذور في وقته لا يقتضي بطلانه، لوقوعه صحيحا ابتداء وإن سقط الواجب بالعجز عنه، وهذا بخلاف نذر غير المقدور ابتداء كالطيران ونحوه، فان النذر يقع فاسدا من أصله، كما هو واضح " قلت: لافرق بينهما إلا بالعلم بفساد الثاني ابتداء بخلاف الاول، فانه بعد ذلك يعلم، نعم لا مانع من مجئ الدليل بقضائه في بعض الافراد لوقوع صورة صيغة النذر، والله العالم. (ولو نذر الحج أو أفسد حجه وهو معضوب) حال النذر والافساد (قيل) والقائل الشيخ وأتباعه فيما حكي عنهم: (يجب أن يستنيب، وهو حسن) في الثاني بناء على أن الثانية حجة الاسلام التي قد عرفت سابقا استنابة المعضوب فيها، لان الحج واجب بدني ومالي، فإذا تعذر الاول تعين الثاني، وأما في النذر فقد يشكل بسقوط الواجب بالعجز عنه، واختصاص الروايات (1) المتضمنة لوجوب الاستنابة بحج الاسلام، وبأن النذر إذا وقع حال العضب فان كان مقيدا بوقت معين واستمر المانع إلى ذلك الوقت بطل النذر، وإن كان مطلقا توقع المكنة، ومع اليأس يبطل، ولا تجب الاستنابة في الصورتين، نعم لو لا حظ في نذره الاستنابة وجب قولا واحدا، ولو حصل العضب بعد النذر


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب وجوب الحج

[ 346 ]

والتمكن من الفعل ففي المدارك قد قطع الشارح وغيره بوجوب الاستنابة، ونحن نطالبهم بدليله، وللاشكال المزبور فسر الاصبهاني في كشفه عبارة القواعد التي هي كعبارة المتن بما سمعته من الشارح، قال: والسبب في ذلك ان عبارة المبسوط ليست نصا ولا ظاهرة في الوجوب على من نذر معضوبا، لانها كذا " المعضوب إذا وجبت عليه حجة بالنذر أو بافساد وجب عليه أن يحج عن نفسه رجل، فإذا فعل فقد أجزأه " وعلى هذا فلا إشكال أصلا، وما في المدارك من المطالبة بدليله يدفعها ما سمعته سابقا من كون الحج واجبا ماليا بالمعنى المذكور إلا ان الانصاف ظهور عبارة المبسوط في النذر معضوبا، ولعل وجهه فحوى ثبوتها في حجة الاسلام كذلك بتقريب أن مشروعيته على الوجه المزبور، فنذره ملزم به على جسما هو مشروع، بل قد يقال بانصراف النذر شرعا إلى الاستنابة وإن لم يقصدها، لاصالة الصحة، وإطلاق ما دل على وجوب الوفاء بالنذر، فلا يحكم ببطلانه حينئذ إلا إذا قصد المباشرة فعلا، والفرض اليأس منها، ولو تكلف المعضوب للسير لحجة الاسلام فشرع فهل ينويها وتجزيه إن أتمها، ويستقر إذا أفسد ؟ احتمال قوي، لانها انما سقطت عنه نظرا له ورخصة، فإذا تكلفها كانت أولى بالاجزاء من فعل النائب، ويحتمل العدم، لان فرضه الاستنابة، فحجه كحج غير المستطيع، والله العالم. المسألة (الثانية إذا نذر الحج فان نوى حجة الاسلام) وكانت واجبة عليه وقلنا بانعقاده لان أسباب الشرع معرفات، وتظهر الثمرة في الكفارة وغيرها (تداخلا) أي لم يجب به غيرها قطعا، بل في كشف اللثام اتفاقا، وإن لم يكن حين النذر مستطيعا توقعها، فان كان موقتا وقد أتى وقته ولم يستطع حتى انقضى انحل (وإن نوى غيرها لم يتداخلا) قطعا واتفاقا في كشف اللثام ايضا نعم لو كان مستطيعا لها ونذر غيرها في عامه لغى إلا أن يقصد الفعل إن زالت

[ 347 ]

الاستطاعة فزالت، بل في المدارك احتمال الصحة لو خلي عن القصد حملا للنذر على الوجه الصحيح، أما لو أطلق في نذره أو قيده في سنة غير سنة الاستطاعة صح وقدم حجة الاسلام، ولو كان نذره حال عدم الاستطاعة وجب الاتيان بالنذر مع القدرة وإن لم تحصل الاستطاعة الشرعية كما في غيره من الواجبات، إذ هي شرط في وجوب حج الاسلام للدليل دون غيره، لكن في الدروس والظاهر أن استطاعة النذر شرعية لا عقلية، فلو نذر الحج ثم استطاع صرف ذلك إلى النذر، فان أهمل واستمرت الاستطاعة إلى العام القابل وجبت حجة الاسلام أيضا، وظاهر الاصحاب تقديم حجة الاسلام مطلقا، وصرف الاستطاعة بعد النذر إليها إلا أن يعين سنة للنذر، فيصرف الاستطاعة فيها إلى حج النذر وأشكله في المدارك بأن الاستطاعة بهذا المعنى انما ثبت اعتبارها في حج الاسلام وغيره من الواجبات يراعى فيه التمكن من الفعل خاصة، وبأن النذر المطلق موسع وحجة الاسلام مضيقة، والمضيق مقدم على الموسع، وحينئذ فلو اتفق حصول الاستطاعة قبل الاتيان بالحج المنذور قدمت حجة الاسلام إن كان النذر مطلقا أو مقيدا بما يزيد عن تلك السنة أو بمغايرها، لان وجوبها على الفور بخلاف المنذورة على هذا الوجه، وإلا قدم النذر لعدم تحقق الاستطاعة في تلك السنة، لان المانع الشرعي كالمانع العقلي، وحينئذ فيراعى في وجوب حج الاسلام بقاء الاستطاعة إلى السنة الثانية، وقد يقال إن مراد الشهيد بقرينة تفريعه عدم وجوب حجة الاسلام بحصول الاستطاعة في عام النذر المطلق، إلا أن تبقى إلى السنة الثانية، لصيرورة الحج بالنذر وإن كان مطلقا كالدين، فيعتبر في وجوب حجة الاسلام حينئذ وفاؤه، وليس المراد منه عدم وجوب الحج بالنذر إلا بملك الزاد والراحلة نحو حج الاسلام، ضرورة أنه لا دليل عليه، ومن المستبعد جزم الشهيد به.

[ 348 ]

(و) على كل حال ف‍ (ان أطلق) في النذر أي لم يعين حجة الاسلام ولا غيرها (قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية والاقتصاد والتهذيب: تداخلا وأجزأت حجة واحدة عنهما، لصحيح رفاعة (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام هل يجزيه ذلك عن حجة الاسلام ؟ قال: نعم " ونحوه صحيح ابن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام)، ولعله لذلك كان المحكي عن النهاية أنه (إن حج ونوى النذر أجزأ عن حجة الاسلام، وان نوى حجة الاسلام لم يجز عن النذر مضافا إلى ما قيل من أن العام لما كان عام حج الاسلام انصرفت النية إليه وان نوى النذر، بخلاف حج النذر، فلا دليل على انصراف نية غيره إليه إلا أن يتعين في عامه، ولكن فيه ان الصحيحين انما يدلان على نذر المشي، وهو لا يستلزم نذر حج فيمشي إليه للطواف والصلاة وغيرهما، فكأنهما سألا أن هذا المشي إذا تعقبه حج الاسلام هل يجزي أم لابد له من المشي ثانيا وظاهر أنه يجزى، أو سألا أنه إذا نذر حجة الاسلام فينوي بحجه المنذور دون حجة الاسلام. (و) من هنا (قيل) والقائل المشهور: (لا تجزي إحداهما عن الاخرى) بل عن الناصريات الاجماع عليه (وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها قاعدة تعدد المسبب بتعدد سببه المبني عليها كثير من مسائل الفقه في الكفارات وغيرها وإن قلنا ان أسباب الشرع معرفات، ومن الغريب ما وقع من بعض متأخري المتأخرين حتى سيد المدارك من هدم هذه القاعدة، ودعوى صدق الامتثال بواحد في جميع مواردها، لكن يهون الخطب اختلال طريقتهم في كثير من المسائل، والله العالم والهادي.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 3 - 1

[ 349 ]

المسألة (الثالثة إذا نذر الحج ماشيا وجب) في الجملة بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الاجماع بقسميه عليه، لعموم دليل وفاء النذر (1) وخصوص صحيح رفاعة وغيره، لكن في أيمان قواعد (2) الفاضل (لو نذر الحج ماشيا وقلنا المشي أفضل انعقد الوصف، وإلا فلا " وفي محكي إيضاح ولده " انعقد اصل النذر إجماعا، وهل يلزم القيد مع القدرة ؟ فيه قولان مبنيان على ان المشي افضل من الركوب أو العكس " وفيه ان المنذور الحج على هذا الوجه، ولا ريب في رجحانه وإن كان غيره أرجح منه، وذلك كاف في انعقاده، إذ لا يعتبر في المنذور كونه أفضل من جميع ما عداه، فلا وجه حينئذ لدعوى عدم الانعقاد على هذا التقدير أيضا، كما أن ما في كشف اللثام من حمله على حال أفضلية الركوب من المشي لبعض الامور السابقة كذلك أيضا، ضرورة عدم اقتضاء ذلك ذلك كما هو واضح، خصوصا بعدما عرفته من ان اقتران الركوب ببعض الامور لا يصير سببا لعدم رجحان المشي أصلا، بل أقصاه ترجيحه على المشي على نحو ترجيح قضاء حاجة المؤمن على النافلة أو بالعكس، فهو من ترجيح المندوبات بعضها على بعض، فلا إشكال في المسألة حينئذ، وصحيح الحذاء (3) سأل أبا جعفر (عليه السلام) " عن رجل نذر أن يمشي إلى مكة حافيا فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج حاجا فنظر إلى امرأة تمشي بين الابل فقال: من هذه ؟ فقالوا: أخت عقبه بن عامر نذرت ان تمشي إلى مكة حافية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عقبة انطلق إلى اختك فمرها فلتركب، فان الله غني عن مشيها وحفاها " حكاية حال كما عن المعتبر والمنتهى، ولعله (صلى الله عليه وآله) علم منها العجز، كما لعله يؤمي إليه


(1) سورة الحج - الاية 30 (2) و (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 4

[ 350 ]

مشيها بين الابل، ويفهم منه حينئذ جواب السائل بأنه قد لا يجب وفاء هذا النذر أو أن المراد عدم الانعقاد من حيث الحفاء الذي من الغالب عسره على وجه يسقط التكليف به، خصوصا في بعض الازمنة، هذا. والظاهر من اللفظ مع قطع النظر عن القرائن أن مبدأ وجوب المشي في نحو الفرض من حين الشروع في أفعال الحج، ضرورة كونه حالا من فاعل " أحج " فيكون وصفا له، وانما يصدق حقيقة بتلبسه به، كما أن منتهاه آخر الافعال، وهو رمي الجمار، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل (1): " إذا حججت ماشيا ورميت الجمرة فقد انقطع المشي " وهو الذي حكاه عنه (عليه السلام) الرضا (عليه السلام) في صحيح اسماعيل بن همام (2) " في الذي عليه المشي في الحج إذا رمى الجمرة زار البيت راكبا وليس عليه شئ " فما في المتن في النذور والدروس من أن آخره طواف النساء بل قيل إنه المشهور في غير محله، كالقول بأن المبدأ من بلد النذر كما في الكتاب والقواعد في كتاب النذور ومحكي المبسوط والتحرير والارشاد، أو بلد الناذر لان الحج هو القصد، وقد أريد هنا القصد إلى بيت الله، وابتداء قصده بالسفر إليه، ولانه السابق إلى الفهم عرفا من نحو قولهم: حج ماشيا، بل بلد النذر هو بلد الالتزام فهو كبلد الاستطاعة، بل قيل: إن بلد الناذر هو المتبادر، إلا أن الجميع كما ترى، وقيل: من أقرب البلدين إلى الميقات، لاصل البراءة، بل في كشف اللثام يمكن القول بأنه من أي بلد يقصد فيه السفر إلى الحج، لتطابق العرف واللغة فيه بأنه حج ماشيا، وذلك كله يقتضي عدم تنقيح العرف في الاطلاق، فالمتجه بقاؤه على حقيقة إلا مع القرائن المقتضية لغيره من بلد النذر أو الناذر أو أقرب البلدين أو غير ذلك، وعلى ذلك يحمل المفهوم من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 2 - 3

[ 351 ]

سياق النصوص ما تضمن منها القيام في المعبر من كون المشي في الطريق ضرورة كون المفروض فيها نذر المشي إلى بيت الله لا الحج ماشيا، وبينهما فرق وتبادر بعض الافراد إلى الذهن غير مجد إذا لم يكن على وجه ينتفي الظن بعدم إرادة الغير. وكيف كان ففي المتن والقواعد وغيرهما أن‍) - ه (يقوم في مواضع العبور) المضطر إليها كالسفينة ونحوها، بل في الحدائق انه المشهور، لخبر السكوني (1) عن جعفر عن ابيه عن آبائه (عليهم السلام) " ان عليا (عليه السلام) سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فمر في المعبر قال: فليقم في المعبر قائما حتى يجوز " ولان المشي يتضمن القيام والحركة، ولا يسقط الميسور منهما بالمعسور، لكن في محكي المعتبر والمنتهى والتحرير والتذكرة وأيمان الكتاب والقواعد الاستحباب، لضعف الخبر عن إثبات الوجوب دونه، وانصراف نذر المشي إلى ما يمكن فيه ذلك دون ما لا يمكن، فيبقى على مقتضى أصل البراءة، ومنع دخول القيام في المشي، لانه السير راجلا، بل الحركة أولى منه بالوجوب، وعدمه فيها وانتفاء الفائدة مشترك بينهما، وكونه تعظيما للمشاعر وطريقها خروج عما نحن فيه، ولو اضطر إلى ركوب البحر من بلده إلى مكة سقط القيام قطعا للحرج، والخروج عن لفظ النص والفتوى، لكن في كشف اللثام أنه يمكن القول به إن أمكن الارساء عند الاعياء، ونحوه ركوبه أو ركوب نهر أياما، ولو تعارض العبور في سفينة وجسر تعين الثاني إذا لم يحصل مانع يسقط معه التكليف. وعلى كل حال (فان ركب) ناذر المشي المتمكن منه جميع (طريقه قضى) مع فرض تعين السنة بالنذر، بل يكفر عن النذر، وإلا أعاد، لعدم


(1) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1

[ 352 ]

صدق امتثاله، بل في المدارك أنه يستفاد من ذلك فساد الحج، لعدم وقوعه عن المنذور للمخالفة ولا غيره لعدم النية، لكن في كشف اللثام أنه احتمل في المعتبر والمنتهى والتحرير والمختلف سقوط قضاء المعين، لان المشي ليس من أجزاء الحج ولا صفاته ولا شروطه، وقد أتى به، وانما عليه لاخلاله بالمشي الكفارة، بل لعله الظاهر من أيمان القواعد والتحرير والارشاد، بل في الكشف هو قوي إلا ان يجعل المشي في عقد النذر شرطا، كما فصل في المختلف بل قال أيضا: " إنه يجزي ما ذكر في المطلق، لانه لما نوى بحجه المنذور وقع عنه، وانما اخل بالمشي قبله وبين افعاله، فلم يبق محل للمشي المنذور ليقضي إلا ان يطوف أو يسعى راكبا، فيمكن بطلانهما، فيبطل الحج حينئذ إن تناول النذر المشي فيهما " ويقرب من ذلك ما في المدارك، فانه بعد ان حكى ما سمعته عن المعتبر قال: وهو انما يتوجه إذا كان المنذور الحج والمشي غير مقيد أحدهما بالاخر والمفهوم من نذر الحج ماشيا خلاف ذلك، والتحقيق صحة الفعل مطلقا سواء كان المنذور الحج ماشيا أو المشي فيه، وسواء كان معينا أو مطلقا، ضرورة عدم صلاحية النذر لاثبات الشرطية التي هي حكم وضعي، كعدم صلاحيته للتنويع، وقصد الوفاء بالفعل عنه لا ينافي قصد القربة به، وليس النذر إلا كالاجارة، نعم تجب الكفارة في بعض الافراد، كما أنه يبقى المكلف به بالنذر في الذمة بعض آخر وقد أوضحنا جميع أطراف المسألة في نذر الموالاة في الوضوء من كتاب الطهارة فلاحظ وتأمل. هذا كله إن ركب جميع طريقه (و) أما (إن ركب بعضا) ف‍ (قبل) والقائل الشيخان وجماعة: (يقضي ويمشي موضع ركوبه) لان الواجب عليه قطع المسافة ماشيا، وقد حصل بالتلفيق، فيخرج عن العهدة، إذ هو انما نذر الجواهر - 44

[ 353 ]

حجا يكون بعد المشي في جميع طريقه، وقد حصل، ولانه أخل بالمنذور فيما ركب فيه فيقضيه (وقيل) والقائل ابن إدريس: (بل يقضي ماشيا لاخلاله بالصفة المشترطة، وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده في الجملة، لعدم الصدق بدون ذلك، ضرورة كونه نذر المشي إلى الحج في جميع طريقه، ولم يحصل في شئ من الحجين، لكن في المدارك " هو جيد إن وقع الركوب بعد التلبس بالحج، إذ لا يصدق علي من ركب في جزء من الطريق بعد التلبس بالحج انه حج ماشيا، بخلاف ما إذا وقع الركوب قبل التلبس بالحج مع تعلق النذر بالمشي من البلد لان الواجب قطع تلك المسافة في حال المشي وإن فعل في أوقات متعددة وهو يحصل بالتلفيق، إلا أن يكون المقصود قطعها كذلك في عام الحج " وفيه مالا يخفى، كما انه لا يخفى عليك جريان ما تقدم من الكلام في صحة الحج وفساده هنا، فان الجميع من واد واحد، وعلى كل حال فما في خبر ابراهيم بن عبد الحميد ابن عباد بن عبد الله البصري (1) سأل الكاظم (عليه السلام) " عن رجل جعل لله نذرا على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام فمشى نصف الطريق أو اقل أو اكثر قال: ينظر ما كان ينفق من ذلك الموضع فليتصدق به " لابد من حمله على استحباب ذلك للعاجز. (و) كيف كان ف‍ (لو عجز) أي الناذر للمشي سقط عنه إجماعا بقسميه ونصوصا (2) ولعدم التكليف بما لا يطاق، نعم (قيل) والقائل الشيخ وجماعة على ما حكي: (يركب ويسوق بدنة) لصحيح الحلبي (3) " قلت لابي عبد الله


(1) الوسائل - الباب - 21 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 2 وفيه عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: سأله عباد بن عبد الله البصري (2) و (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 0 - 3

[ 354 ]

(عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله وعجز أن يمشي قال: فليركب وليسق بدنة، فان ذلك يجزي إذا عرف أنه من الجهد " وصيحح ذريح المحاربي (1) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حلف ليحجن ماشيا فعجز عن ذلك فلم يطقه قال: فليركب وليسق الهدي " ولما في محكي الخلاف من الاستدلال عليه بالاحتياط وإجماع الطائفة وأخبارهم، لكن في كشف اللثام " أن كلامه يحتمل الوجوب على من ركب قادرا على المشي ثم عجز عن القضاء " (وقيل) والقائل المفيد وابن الجنيد ويحيى بن سعيد والشيخ في نذور الخلاف، بل في كشف اللثام " أنه يحتمله كلام الشيخين والقاضي ونذر النهاية والمقنعة والمهذب ": (يركب ولا) يجب عليه أن (يسوق) لانتفاء القدرة على المنذور، فلا يستوجب جبرا، ولذا تركه في صحيح رفاعة بن موسى (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله قال: فليمش، قلت: فانه تعب فقال: إذا تعب ركب " وصحيح ابن مسلم (3) سأل أحدهما (عليهما السلام) " عن رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله تعالى فلم يستطع قال: يحج راكبا " وكذا غيرهما، بل في خبر عنبسة (4) التصريح بعدم وجوبه، قال: " نذرت في ابن لي إن عافاه الله تعالى أن أحج ماشيا فمشيت حتى بلغت العقبة فاشتكيت فركبت ثم وجدت راحة فمشيت فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة ولو شئت أن أذبح لفعلت وعلي دين فقال: إني أحب إن كنت موسرا أن تذبح بقرة، فقلت: شئ واجب أفعله فقال: لا، من جعل


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 34 - من أبواب وجوب الحج الحديث 2 - 1 - 9 (4) الوسائل - الباب - 8 - من كتاب النذر والعهد - الحديث 5

[ 355 ]

لله عليه شيئا فبلغ جهده فليس عليه شئ " ورواه ابن إدريس في المحكي من مستطرفات سرائره نحو ذلك (وقيل) والقائل ابن إدريس في أحد النقلين عنه: (إن كان) النذر (مطلقا توقع المكنة من الصفة) فان لم تحصل سقط (وإن كان) النذر (معينا بوقت سقط فرضه) من أصله (لعجره) كما في غيره من النذور، لكن المحكي من عبارة ابن إدريس خلاف ذلك، قال: " ومن نذر أن يحج ماشيا ثم عجز عنه فليركب ولا كفارة عليه، ولا يلزمه شئ على الصحيح من المذهب، وهو مذهب شيخنا المفيد في المقنعة " إلى آخره، وقيل كما عن الفاضل في المختلف " إن كان النذر معينا ركب ولا شئ عليه، وإن كان مطلقا توقع المكنة " فتكون الاقوال حينئذ أربعة، بل ما سمعته من المدارك يكون خامسا. (و) كيف كان فقد عرفت ان (المروي) في الصحيحين (الاول) (و) لكن الذي يقوى أن (السياق) فيهما (ندب) لما عرفته من خبر عنبسة وغيره، وما في المدارك - من عدم التنافي بين ما دل على الوجوب وبين صحيح رفاعة وابن مسلم، لان عدم الذكر أعم من ذلك، وأما خبر عنبسة فهو ضعيف السند، لان روايه واقفي - في غير محله، إذ عدم الذكر في مقام البيان لا ينكر ظهوره في عدم الوجوب، وخبر عنبسة من قسم الموثق الذي هو حجة عندنا، وكذا ما فيها ايضا من أن " المعتمد ما ذهب إليه ابن إدريس إن كان العجز قبل التلبس بالاحرام، وإن كان بعده اتجه القول بوجوب إكماله وسياق البدنة وسقوط الفرض بذلك عملا بظاهر النصوص المتقدمة، والتفاتا إلى إطلاق الامر بوجوب إكمال الحج والعمرة مع التلبس بهما، واستلزام إعادتهما هنا المشقة الشديدة " ضرورة عدم هذا التفصيل في النصوص، بل يمكن القطع بعدمه فيها، والامر باتمام الحج والعمرة أعم من الاجتزاء به عن النذر، ولذا لم يجزيا عن حج

[ 356 ]

الاسلام لو فسدا وإن وجب إتمامهما أيضا كما هو واضح، فلا ريب في أن الاقوى الثاني، عملا بالنصوص المستفيضة من غير فرق بين النذر المطلق والمعين، وبين من عرف من نفسه العجز عن المشي قبل الشروع وبين من عرض له ذلك في الاثناء وبين العجز المأيوس من ارتفاعه وغيره حتى لو علم التمكن في عام آخر في وجه، وخروج جملة من ذلك عن القواعد غير قادح بعد صلاحية المعتبرة لذلك سندا ودلالة وعملا، فيكون حاصلها أن ذلك كيفية حاصلة للحج المنذور، بل قد يلحق به غيره من زيارة أحد المشاهد ونحوها، نعم قد يقال بوجوب مقدار ما يستطيعه من المشي كما يؤمي إليه صحيح رفاعة (1) وغيره، بل في خبر سماعة وحفص (2) المروي عن نوادر ابن عيسى " سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حاجا قال: فليمش، فإذا تعب فليركب " ومرسل حريز (3) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) " إذا حلف الرجل أن لا يركب أو نذر أن لا يركب فإذا بلغ مجهوده ركب " الحديث. (القول) الثالث (في النيابة) في الحج (و) لا خلاف بين المسلمين في أصل مشروعيتها، بل لعله من ضروريات الدين، نعم لها (شرائط) منها ما يتعلق ب‍ (النائب) وعن بعض النسخ " النيابة " ولعلها ألصق بتمام التفريع في العبارة، والامر سهل، وعلى كل حال فهي (ثلاثة: الاسلام وكما العقل وأن لا يكون عليه حج واجب، فلا تصح


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب وجوب الحج الحديث 1 - 10 - 12

[ 357 ]

نيابة الكافر) إجماعا بقسميه، لعدم صحة عمله، و (لعجز) بعض أفراده (عن نية القربة) واختصاص أجره في الاخرة بالخزي والعقاب دون الاجر والثواب اللازمين لصحة العمل، بل الظاهر مساواة المخالف بل غير الامامي للكافر في ذلك، فلا تصح نيابته أيضا، لعدم صحة عمله، وعدم وجوب إعادته عليه لو استبصر تفضل كالكافر لو أسلم، نحو التفضل علينا باجراء جملة من أحكام المسلمين عليه في الدنيا لا لان عمله صحيح، ولو سلم فغاية ذلك الصحة بشرط موافاة الايمان، والبحث في عدم صحة نيابته من حيث كونه مخالفا، على أنه قد تمنع الصحة في نحو ذلك حتى لو استبصر، لظهور النصوص (1) التي خرجنا بها عن القواعد في غيره. (و) كذا (لا) تجوز (نيابة المسلم عن الكافر) لما عرفت من عدم انتفاعه بذلك، واختصاص جزائه في الاخرة بالخزي والعقاب، والنهي عن الاستغفار (2) له والموادة (3) لمن حاد الله تعالى، واحتمال انتفاعه بالتخفيف عنه ونحوه يدفعه لزوم الثواب الذي هو دخول الجنة ونحوه لصحة العمل ولو من حيث الوعد بذلك لا التخفيف ونحوه، مع إمكان منع قابليته له أيضا في عالم الاخرة، كما يؤمي إليه نصوص (4) تعجيل جزاء بعض أعماله في الدنيا التي هي


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب مقدمة العبادات والباب 3 من ابواب المستحقين للزكاة والباب 23 من ابواب وجوب الحج (2) سورة التوبة - الاية 81 و 85 (3) سورة المجادلة - الاية 22 (4) البحار - ج 67 ص 233 و 242 - الباب 12 - الحديث 48 و 77 الطبع الحديث

[ 358 ]

جنته كالانظار لابليس ونحوه، وما في بعض النصوص (1) - من انتفاع الميت بما يفعل عنه من الخير حتى أنه يكون مسخوطا فيغفر له، أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه - في غيره من المؤمنين، نعم في بعضها (2) أنه إن كان ناصبا نفعه ذلك بالتخفيف عنه إلا أنه مع اشتماله على الناصب معارض بغيره مما دل كتابا (3) وسنة (4) على عدم نفعه أي المخالف، وأنه ماله في الاخرة من نصيب، وأنه يجعل الله أعماله هباء منثورا، وأنهم أشد من الكفار نارا، وكذا احتمال كون الحج عنه مع فرض استطاعته له وتقصيره فيه من الواجبات المالية - لانه كالدين، فيتعلق بماله بعد موته، ويؤدى عنه وإن لم ينتفع به كالزكاة والخمس، فينوي القربة مباشر الفعل من حيث مباشرته نحو ما سمعته في الزكاة - مدفوع بمنع كون الحج كذلك وإن ورد فيه انه كالدين، وقلنا بخروجه من أصل المال، لكنه في سياق غير ذلك. (بل لا) تجوز نيابته (عن المسلم المخالف) الذي هو كافر في الاخرة فيجري فيه نحو ما سمعته من غير فرق فيه بين الناصب منه وغيره، بل والمستضعف منهم وغيره والاب وغيره، خلافا للمحكي عن الجامع والمعتبر والمنتهى والمختلف


(1) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الاحتضار من كتاب الطهارة والباب 12 من أبواب قضاء الصلوات من كتاب الصلاة (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب قضاء الصلوات - الحديث 8 من كتاب الصلاة (3) سورة الشورى - الاية 19 (4) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب مقدمة العبادات والمستدرك الباب 27 منها - الحديث 61 و 64

[ 359 ]

والدروس فجوزوها عن غير الناصب مطلقا لكفره وإسلام غيره وصحة عباداته، ولذا لا يعيدها لو استبصر وللشيخ فلم يجوزها مطلقا (إلا أن يكون أب النائب) كالفاضلين هنا والقواعد، لصحيح وهب بن عبد ربه أو حسنه (1) سأل الصادق (عليه السلام) " أيحج الرجل عن الناصب ؟ فقال: لا، قال: فان كان أبي قال: إن كان أباك فنعم " وربما ألحق به الجد للاب وإن علا دونه للام، وللشهيد في المحكي من حواشي القواعد فجوزها للمستضعف، لكونه كالمعذور، وفي الاول ما عرفت، والثاني مع معارضته بالاجماع المحكي عن ابني إدريس والبراج قاصر عن مقاومة ما دل على المنع، وأنه في الاخرة أعظم من الكفار الذين لا يجوز لهم الاستغفار ولو كانوا آباء، كما يؤمي إليه اعتذاره (2) تعالى عن استغفار ابراهيم لابيه بأنه كان عن موعدة وعدها إياه، وأنه لما تبين له أنه عدو له تبرأ منه، بل نهى النبي (صلى الله عليه وآله) (3) عن الاستغفار للمنافقين الذين لا ريب في اندراج المخالفين فيهم حتى قال الله تعالى (4): " إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " بل ما ورد (5) في كيفية الصلاة على المنافق كاف في إثبات حاله في ذلك العالم، مضافا إلى قطع علقة الابوة والبنوة بين المسلم وغيره، كما يؤمي إليه قوله تعالى (6): " إنه ليس من اهلك، إنه عمل غير صالح " هذا. وفي كشف اللثام أنه يمكن أن يكون الفرق بين الاب وغيره تعلق الحج


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 (2) و (3) و (4) سورة التوبة - الاية 115 - 85 - 81 (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب صلاة الجنازة - الحديث 1 و 9 والباب 5 منها - الحديث 1 و 5 و 18 و 25 من كتاب الطهارة (6) سورة هود (عليه السلام) - الاية 48

[ 360 ]

بالمال، فيجب على الولي الاخراج عنه أو الحج عنه بنفسه، ولفظ الخبر لا يأبى الشمول لهما، وبالجملة فليس لا ثابة المنوب عنه، ويمكن أن يكون سببا لخفة عقابه وانما خص الاب به مراعاة لحقه، وعن اسحاق بن عمار (1) أنه سأل الكاظم (عليه السلام) " عن الرجل يحج فيجعل حجته أو عمرته أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلده أخرى فينقص ذلك من أجره، قال: لا، هي له ولصاحبه، وله أجر سوى ذلك بما وصل، قال: وهو ميت هل يدخل ذلك عليه ؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له، أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه، قال: فيعلم هو في مكانه إن عمل ذلك لحقه قال: نعم، قال: وإن كان ناصبا ينفعه ذلك قال: نعم يخفف عنه " وفيه أن الحج وإن كان له شبه بالماليات في الاخراج من الاصل ونحوه كالزكاة والخمس لكن من المعلوم ان دينيته لله وحده لا شريك له، فلا يمكن قضاؤه عنه إلا مع صلاحية أدائه عنه، بخلاف حق الزكاة والخمس فان الدينية فيه لله وللناس، فإذا أدى من ماله حصل ردا لمظلمة إلى أهلها، وبقي العقادب عليه بالنسبة إلى حق الله، فلا ريب في عدم خروج الحج الواجب من أصل المال في الكافر والمخالف، لعدم انتفاعه به، واحتمال وجوبه لان يحج به الناس عقوبة وإن لم يكن عنه لا دليل عليه، بل لعل ظاهر الادلة خلافه، حتى ما دل على خروج الحج من المال، ضرورة ظهورها فيمن يحج عنه بعد موته، كما هو واضح، وتخفيف العقاب بفعل الخير عن الميت لم يثبت في غير المؤمن، والخبر المزبور قاصر عن معارضة ما دل من الكتاب والسنة على خلاف ذلك، فيبقى حينئذ جميع ما شك فيه على الاصل الذي هو مقتضى قوله تعالى (2):


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 5 (2) سورة النجم - الاية 40 الجواهر - 45

[ 361 ]

" وان ليس للانسان إلا ما سعى " فالتحقيق حينئذ اعتبار الايمان في النائب والمنوب عنه، والله العالم. (و) مما يتفرع أيضا على اعتبار كمال العقل أنه (لا) تصح (نيابة المجنون) مطبقا أو إدوارا حال دوره (لانغمار عقله بالمرض المانع عن القصد) المعتبر، فلا يكون فعله صحيحا (وكذا الصبي غير المميز) وإن حج به الولي (وهل تصح نيابة المميز ؟ قيل: لا) تصح (لا تصافه بما يوجب رفع القلم) فلا وثوق بفعله، إذ ذلك لا ينافي مشروعية أصل النيابة، بل لان عبادته تمرينية فلا تقع لنفسه فضلا عن غيره، أو للشك في تناول دليل النيابة له وإن قلنا بشرعية عبادته (وقيل: نعم) تصح (لانه قادر على الاستقلال بالحج ندبا) بناء على شرعية عباداته، ولا شك في شمول دليل النيابة له، وحيث كان المختار عندنا صحة عمله لكن على وجه التمرين لا على كيفية أمر المكلف بالنافلة مثلا - لاختصاص ما عدا ذلك بالمكلفين، لان الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعالهم من غير فرق بين خطاب الوجوب والحرمة والندب والكراهة، بل لا يبعد إلحاق خطاب الاباحة بها، وان عدم مؤاخذة الصبي لارتفاع القلم عنه كالمجنون، لا لانه مخاطب بالخطاب الاباحي، نعم لما أمر الولي بأمره بالعبادة وكان الظاهر من هذا الامر إرادة التمرين كان هو ايضا مأمورا بما امر به الولي من التمرين بناء على ان الامر بالامر امر لكن على جهة ذلك الامر، فيكون عمله على جهة التمرين مشروعا - كان المتجه عدم صحة نيابته عن الغير، ضرورة اختصاص جهة التمرين به وان استحق هو عليه الثواب من هذه الجهة، بل يجوز إهداؤه إلى الغير باذن الولي أو مطلقا كما هو الاقوى، لاختصاص دليل الحجر في غير ذلك، لكن لا يقع منه بعنوان النيابة عن الغير المخاطب بالفعل لنفسه وجوبا أو ندبا، واوضح من ذلك لو قيل بأن التمرين فيه نحو تمرين الحيوانات على بعض الاعمال، فانه

[ 362 ]

لا مشروعية لفعله من حيث نفسه اصلا، وانما يستحب للولي تمرينه وامره بذلك بل ربما قيل بعدمها مطلقا بناء على الشرعية التي هي على نحو شرعية الندب للمكلف باعتبار الشك في تناول إطلاقات النيابة لمثله، فيبقى حينئذ على مقتضى أصل عدم الجواز الموافق لقوله تعالى: " ليس للانسان إلا ما سعى " وإن كان هو كما ترى لوضوح منع الشك، فتأمل جيدا. (ولابد) في الافعال المفتقرة إلى النية (من نية النيابة وتعيين المنوب عنه) بلا خلاف أجده فيه، لاشتراك الفعل بين وجوه لا يتشخص لاحدها إلا بالنية، كما أن لا يتشخص لاحدهم مع تعددهم إلا بتعيينه، أما مع اتحاده فيكفي قصد النيابة عنه، والمراد (ب‍) تعيينه (القصد) بما يشخصه في نفس الامر من اسم أو غيره ولو بقصد من له في ذمته مع فرض اتحاده. ثم لا يخفى عليك أن نية الاحرام والطواف عن فلان مثلا هي نية النيابة عنه، وكذا الاحرام بحج فلان مثلا، وعلى كل حال فالواجب قصد ذلك، وما في صحيح ابن مسلم (1) " ما يجب على الذي يحج عن الرجل قال: يسميه في المواطن والمواقف " محمول عليه أو على إرادة الاستحباب من الوجوب فيه، لعدم وجوب ذلك اتفاقا، ولصحيح البزنطي (2) " ان رجلا سأل الكاظم (عليه السلام) عن الرجل يحج عن الرجل يسميه باسمه فقال: إن الله لا تخفى عليه خافية " وخبر المثنى ابن عبد السلام (3) عن الصادق (عليه السلام) " في الرجل يحج عن الانسان يذكره في جميع المواطن كلها فقال: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، الله يعلم أنه قد حج عنه، ولكن يذكره عند الاضحية إذا ذبحها " نعم الظاهر رجحان ذلك كما


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب النيابة في الحج الحديث 1 - 5 - 4

[ 363 ]

سيصرح به المصنف وغيره خصوصا في الاضحية، لحسن ابن معاوية (1) قيل للصادق (عليه السلام): " أرأيت الذي يقضي عن أبيه أو أمه أو أخيه أو غيرهم أيتكلم بشئ ؟ قال: نعم يقول عند إحرامه: اللهم ما أصابني من نصب أو شعث أو شدة فآجر فلانا فيه وآجرني في قضائي عنه " وسأله الحلبي ايضا (2) عن مثل ذلك فقال: " نعم يقول بعد ما يحرم: اللهم ما أصابني في سفري هذا من تعب أو بلاء أو شعث فآجر فلانا فيه وآجرني في قضائي عنه " وقد سمعت صحيح ابن مسلم (3) السابق، والمناقشة في عبارة المتن باغناء قصد تعيين المنوب عن النيابة باردة، إذ يكفي عدم إغناء النيابة عنه. (وتصح نيابة المملوك باذن مولاه) بلا خلاف بل ولا إشكال، لعموم الادلة وإطلاقها، وما عن بعض الجمهور من المنع لعدم إسقاطه فرض الحج عن نفسه فضلا عن غيره واضح الفساد. (ولا تصح نيابة من وجب عليه الحج واستقر) بتقصيره بعدم فعله عام الاستطاعة الذي قد عرفت وجوب فعل الحج عليه مع تمكنه ولو مشيا، ومن هنا لا تصح نيابته لما عرفته سابقا مفصلا (إلا مع العجز عن الحج ولو مشيا) فانه يسقط عنه حينئذ، وتصح نيابته، حتى لو اتفق حصول التمكن له في الاثناء لم تنفسخ الاجارة، كما لا تنفسخ بتجدد الاستطاعة لحج الاسلام، بل لا يجب إلا مع بقائها إلى العام القابل، كما هو واضح. (وكذا لا يصح حجه تطوعا) لما عرفته (و) حينئذ ف‍ (لو تطوع) يقع باطلا، ولكن (قيل) والقائل الشيخ في محكي مبسوطه: (يقع عن حجة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 16 - من أبواب النيابة في الحج الحديث 3 - 2 - 1 والاول حسن معاوية بن عمار

[ 364 ]

الاسلام) قهرا (وهو تحكم) واضح بعد عدم دليل عليه صالح للخروج به عن مقتضى القواعد (ولو حج عن غيره لو يجز عن أحدهما) لما عرفت. (ولمن حج) واجبا فضلا عن غيره (أن يعتمر عن غيره إذا لم تجب عليه العمرة، وكذا لمن اعتمر) واجبا (أن يحج عن غيره إذا لم يجب عليه الحج) للعمومات السالمة عن المعارض، وتلبسه بأحد النسكين لا يمنع نيابته في النسك الاخر المفروض عدم خطابه به، إذ قد عرفت أنه لا تجوز نيابة من كان مكلفا به فورا متمكنا منه، للاتفاق عليه ظاهرا، وللنص الذي سمعت الكلام فيه، كما هو واضح، والله العالم. (و) كيف كان فقد ظهر لك من ذلك كله انه لا إشكال في انه (يصح نيابة من لم يستكمل الشرائط) أي شرائط وجوب الحج (وإن كان صرورة) لاطلاق الادلة، وخصوص جملة من النصوص (1) من غير فرق في ذلك بين الرجل والمرأة على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة (فيجوز أن تحج المرأة عن الرجل وعن المرأة) وبالعكس لاطلاق دليل النيابة وخصوص الامرأة، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح رفاعة (2): " المرأة تحج عن أخيها وأختها، وقال: تحج عن أبيها " وسأله معاوية بن عمار (3) أيضا " عن الرجل يحج عن المرأة والمرأة تحج عن الرجل فقال: لا بأس " إلى غير ذلك، خلافا لما عن النهاية والتهذيب والمبسوط والمهذب من عدم جواز حج المرأة الصرورة عن غيرها، والاستبصار من عدم جوازه عن الرجال، ولعل الاول لخبر سلمان بن جعفر (4)


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب النيابة في الحج (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 5 - 2 (4) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3 عن سليمان بن جعفر كما في الاستبصار ج 2 ص 323 الرقم 1144

[ 365 ]

" سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة قال: لا ينبغي " بناء على إرادة الحرمة منه كما في الحدائق، والثاني لخبر شحام (1) عن الصادق (عليه السلام) " سمعته يقول: يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة " وخبر مصادف (2) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أتحج المرأة عن الرجل ؟ قال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة وكانت قد حجت، رب امرأة خير من رجل " وموثق عبيد بن زرارة (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه هل تجزي عن امرأة ؟ قال: لا، كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان، قال: انما ينبغي أن تحج المرأة عن المرأة، والرجل عن الرجل، وقال: لا بأس أن يحج الرجل عن المرأة " وفيه منع إرادة الحرمة من " لا ينبغي " خصوصا في المقام الذي قد عرفت قوة دليله من النصوص المنجبرة بالعمل على وجه يقصر غيرها عن معارضتها سندا ودلالة، فالمتجه حينئذ حمله على الكراهة لمكان كونها صرورة. بل لعل نيابة الرجل الصرورة لا تخلو منها وإن كانت الامرأة أشد، لمكاتبة بكر بن صالح (4) إلى ابي جعفر (عليه السلام) " ان ابني معي وقد امرته أن يحج عن امي أيجزي عنها حجة الاسلام ؟ فقال: لا، وكان ابنه صرورة وكانت امه صرورة " ومكاتبة ابراهيم بن عقبة (5) إليه (عليه السلام) يسأله " عن رجل صرورة لم يحج قط حج عن صرورة لم يحج قط يجزي كل واحد منهما تلك الحجة عن حجة الاسلام أو لا ؟ بين لي ذلك يا سيدي إن شاء الله، فكتب لا يجزي ذلك " بل


(1) و (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 - 2 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 7 (4) و (5) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 4 - 3

[ 366 ]

خبر بشير النبال (1) اوضح من ذلك دلالة على إرادة رجحان نيابة الرجل عليها قال: " سألته ان والدتي توفت ولتحج فقال: يحج عنها رجل أو امرأة، قال: أيهما احب اليك ؟ قال: رجل احب إلي " بل قد يستفاد من التأمل في جميع النصوص صريحها وظاهرها وإشعارها كموثق عبيد بن زرارة وغيره أن للراجحية والمرجوحية جهتين: التساوي في الذكورة والانوثة والصرورة وغير الصرورة، والنهاية في المرجوحية نيابة المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة، لاجتماع الجهتين فيها، وكذا نيابة الرجل الصرورة عن المرأة الصرورة إلا انها اقل باعتبار خفة صرورة الرجل بالنسبة إلى صرورة المرأة، وأما نيابة الرجل الصرورة عن الرجل ففيه جهة الصرورية فقط كالامرأة الصرورة عن الامرأة الصرورة، وكذا غير الصرورة مع المخالفة ليس فيه إلا جهة المخالفة، والجماع للجهتين كالرجل غير الصرورة عن الرجل والامرأة غير الصرورة عن الامرأة فيه الفضل، وخال عن جهة المرجوحية، نعم هذا كله من حيث نفس الذكورة والانوثة، وإلا فقد تحصل بعض المرجحات في خصوص بعض افراد أحدهما على بعض افراد الاخر كما اشار إليه بقوله (عليه السلام): " رب امرأة خير من رجل " بل ربما ظهر من قوله و (عليه السلام) في خبر بشير: " رجل احب إلي " ان الرجل غالبا خير من المرأة تأدية وأقوى على الاتيان بالكامل منها لا انه خير منها في النيابة عن الامرأة حتى مع فرض تساويهما في الاداء أو كون المرأة خيرا منه، وإلا لنافى ما سمعته في موثق عبيد، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (من استؤجر) مثلا (ومات في الطريق فان احرم ودخل الحرم فقد أجزأت عمن حج عنه) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 8

[ 367 ]

بقسميه عليه، لما سمعته سابقا من الخبرين (1) الذين وإن (2) كان موردهما الحج عن نفسه إلا ان الظاهر ولو بمعونة فهم الاصحاب كون ذلك كيفية خاصة في الحج نفسه سواء كان عن نفسه أو عن الغير، وسواء كان واجبا بالنذر أو غيره، فالمناقشة في ذلك من بعض متأخري المتأخرين في غير محلها لما عرفت، خصوصا بعد ان كان فعل النائب فعل المنوب عنه، والفرض إجزاؤه في الثاني فيجزي في الاول، مضافا إلى موثق اسحاق بن عمار (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج قال: إن مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه فانه يجزي عن الاول " المحمول ولو بقرينة ما عرفت على إرادة ما بعد الاحرام ودخول الحرم، وعدم العمل بما دل عليه مما هو ازيد من ذلك للمعارض الذي هو اقوى منه لا يقدح في العمل به فيما نحن فيه. ومنه يعلم وجه الاستدلال بغيره من النصوص (4) مما هو نحوه في الدلالة حتى مرسل المفيد (5) في المقنعة " من خرج حاجا فمات في الطريق فانه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، فان مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج وليقض عنه وليه " فلا إشكال في المسألة من هذه الجهة.


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 و 2 (2) العبارة غير مستقيمة فلابد من إسقاط " الذين " أو إسقاط " وان " حتى تكون صحيحة (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 رواه مضمرا كما في الكافي ج 4 ص 306 والتهذيب ج 5 ص 417 الرقم 1450 (4) و (5) الوسائل - الباب - 26 - من أبواب وجوب الحج - الحديث 0 - 4

[ 368 ]

كما أنه لا إشكال في عدم استحقاق المستأجر رد ما قابل المتخلف من الاجرة بعد الاجماع المحكي من جماعة على ذلك ونفي الخلاف من آخر، بل نسبه بعضهم إلى دلالة النصوص ايضا، مع إمكان القول بأن عقد الاجارة انما يقتضي تأدية الحج من الاجير على حسب تكليفه من نسيان وسهو وإجزاء وغير ذلك، فيكون ما وقع منه في الفرض من أفراد العمل المستأجر عليه حقيقة، نحو المستأجر على صلاة مثلا فنسي فيها ما لا يبطلها، فانه لا إشكال في استحقاق الاجير تمام الاجرة ضرورة كون محل البحث حال الاطلاق المجرد عن التصريح بالتوزيع مع اتفاق النقصان وعن عدمه لو اتفق عدمه، والظاهر ما ذكرناه في هذا الحال وإن كان الحاضر في ذهن الاجير والمستأجر الاتيان بكمال الافعال، لكن لا على وجه تقسيط الاجرة، بل كان لانه اول الافراد في الاجزاء، فالمناقشة حينئذ من بعض متأخري المتأخرين في عدم استحقاق المستأجر رد ما قابل المتخلف بأنه وإن حصل المبرئ للذمة لكنه ليس تمام ما استؤجر عليه - فيستحق حينئذ رد المقابل للمتخلف وإن حصل المبرئ للذمة الذي ليس هو تمام المستأجر عليه - في غير محلها، خصوصا مع ملاحظة ما حكي من الاجماعات المعتضدة بعدم الخلاف وغيره. (نعم لو مات قبل ذلك لم يجز) ما وقع منه قبل الاحرام قطعا بل اجماعا بقسميه وإن ورد جملة من النصوص (1) بأنه يعطى المنوب حجة النائب إن كان قد حج سابقا، وإلا كتبه الله له حجة مع فرض عدم مال للنائب يستأجر به عما في ذمته، لكن المراد منها - بعد حملها على تقصير النائب في الاداء وإتلاف الاجرة في غير الحج أو نحو ذلك - بيان وصول عوض للمنوب بدل دراهمه،


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب النيابة في الحج الجواهر - 46

[ 369 ]

وان الله تعالى شأنه لا يضيع ماله إذا فرض وقوع ذلك ولم يعلم الولي بل استأجره واعتمد على أصالة عدم تقصير المسلم فيما يجب عليه، لا ان المراد منها الاجزاء حقيقة بحيث لو علم الولي بذلك وأمكنه الاستيجار عنه ثانيا وثالثا لم يجب عليه فانه من المقطوع ببطلانه، ضرورة عدم فراغ المنوب عنه بمجرد الاستيجار، بل لابد من الفعل معه كما هو واضح، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من العمل بهذه النصوص غير مستأهل للالتفات، كغيره من مخالفاته الناشئة عن اختلال الطريقة، نعوذ بالله منه. (و) من هنا قال المصنف: في الفرض (عليه أن يعيد من الاجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا وعائدا) مع فرض اشتراط المباشرة في الحج كي يتجه انفساخ الاجارة حينئذ بموته، فيحتاج إلى التقسيط المزبور وفاقا لجماعة من الاصحاب، بل ينبغي القطع به مع فرض دخول قطع المسافة كذلك في العمل المستأجر عليه، ضرورة اقتضاء قاعدة الاجارة ذلك على ما اوضحناه فيها، لكن ينبغي حينئذ تعيين المسافة، وإلا بطلت الاجارة للجهالة، ضرورة شدة اختلافها فمع فرض ذكرها في عقد الاجارة كى يتجه التقسيط الذي لا وجه له مع فرض عدم ذكرها في العمل المستأجر عليه لابد من تعينها، وإلا كان فيه من الغرر ما لا يخفى، ومن ذلك يعلم ما في إطلاقهم، وهل يجزي غير المعين عنه مع رضاء المستأجر على وجه يلحقه التقسيط أيضا ؟ وجهان. وعلى كل حال فلا إشكال بل ينبغي القطع بعدم التوزيع مع التصريح بارادة نفس العمل على وجه لا يستحق الاجير على مقدمات العمل شيئا إذا فرض صحة نحو ذلك، وانما الاشكال فيما لو أطلق الاجارة على الحج فهل يدخل فيها قطع المسافة ذهابا وإيابا على وجه يقتضي التوزيع والتقسيط أولا يدخل وانما يراد نفس العمل، فلا تستحق المقدمات حينئذ شيئا، نعم يختص التوزيع على فعل

[ 370 ]

بعض العمل كما لو أحرم مثلا ومات قبل دخول الحرم ؟ خيرة جماعة منهم الاول، وآخرين الثاني، والتحقيق أن المقدمات ملحوظة لكن في زيادة قيمة العمل نحو ملاحظة الاوصاف في البيع، لا على جهة التوزيع في الاجرة والثمن، فإذا فرض وقوع بعض العمل لو حظت قيمة ذلك البعض على وجه يحتاج إلى تلك المقدمة، فالتوزيع حينئذ بهذا المعنى في محله، وأما لو فرض وقوع المقدمات خاصة فقد يتجه استحقاق أجرة المثل فيها، لاصالة احترام عمل المسلم الذي لم يقصد التبرع به بل وقع مقدمة للوفاء بالعمل المستأجر عليه فلم يتسير له ذلك بمانع قهري، وعدم فائدة المستأجر به - مع إمكان منعه بأن فائدته الاستيجار ثانيا من محل موته لا من البلد الذي تختلف الاجرة باختلافه - غير قادح في استحقاق الاجرة عليه نحو بعض العمل المستأجر عليه الذى لا استقلال له في نفسه كبعض الصلاة ونحوه نعم قد يحتمل في الفرض أن المستحق أكثر الامرين من أجرة المثل وما يقتضيه التقسيط أو أقلهما، ولكن الاقوى أجرة المثل، لعدم صحة التقسيط من أصله بعد فرض عدم اندراجها في عقد الاجارة على وجه تقابل بالاجرة كما هو واضح، ومن ذلك يعلم ما في كلام كل من الطرفين، اللهم إلا ان يريدوا ما ذكرناه، والله العالم. هذا كله على المختار من عدم الاجزاء إذا مات قبل الاحرام أو بعده قبل دخول الحرم (ومن الفقهاء) كالشيخ (رحمه الله) (من اجتزأ بالاحرام) وإن لم يدخل الحرم، بل ادعى انه منصوص عليه بين الاصحاب لا يختلفون فيه بل ربما استدل له باطلاق خبر اسحاق (1) المتقدم المنزل على ذلك، وإلا فهو شامل لمن مات قبل الاحرام ولم يقل به أحد، فيجب حمله على ما ذكرنا لقاعدة


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 371 ]

الاقتصار (و) بذلك كله بان لك أن (الاول أظهر) كما عرفت الكلام فيه مفصلا، إذ المسألة من واد واحد على ما سمعت، وأما إذا مات قبل الاحرام فقد عرفت أنه لا خلاف في عدم إجزائه، بل الظاهر الاجماع عليه، مضافا إلى الاصل، خصوصا بعد أن كان كذلك في المنوب عنه الذي فعل النائب قائم مقامه وإلى عموم قول الصادق (عليه السلام) في مرسل المفيد (1) نعم في المرسل (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في رجل أعطى رجلا ما يحجه فحدث بالرجل حدث فقال: إن كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الاول، وإلا فلا " والاخر (3) عنه (عليه السلام) ايضا " في رجل أعطى رجلا مالا يحج به فمات قال: إن مات في منزله قبل أن يخرج فلا يجزي عنه، وإن مات في الطريق فقد أجزأ " إلا أنهما مع إرسالهما لم أجد قائلا بهما، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافهما، فيجب طرحهما أو حملهما على ما عرفت، واما احتمال اختصاص النائب بذلك فهو مقطوع بعدمه، والله العالم. (ويجب أن يأتي بما شرط عليه من تمتع أو قران أو إفراد) لقاعدة " المؤمنون " (4) وللامر بالوفاء بالعقد (5) فلا يجزي حينئذ غير المعين عنه وإن كان أفضل، وفي الحسن المضمر (6) " في رجل أعطى رجلا دراهم يحج بها حجة


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 4 (2) و (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3 - 4 (4) المستدرك - الباب - 5 - من ابواب الخيار - الحديث 7 من كتاب التجارة (5) سورة المائدة - الاية 1 (6) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 2 وفيه عن الحسن بن محبوب عن علي (عليه السلام) إلا ان الشيخ (قده) قال بعد ذكره الخبر في =

[ 372 ]

مفردة قال: ليس له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج، لا يخالف صاحب الدراهم " (و) لكن (روي) عن ابي بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) أنه (إذا أمر أن يحج مفردا أو قارنا فحج متمتعا جاز لعدوله إلى الافضل) قال: " في رجل أعطى رجلا دراهم يحج عنه حجة مفردة أيجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج ؟ قال: نعم، انما خالف إلى الفضل " وعن الشيخ وجماعة الفتوى بمضمونها، نعم مقتضى التعليل الواقع فيها اختصاص الحكم بما إذا كان المستأجر مخيرا بين الانواع كالمتطوع وذي المنزلين المتساويين في الاقامة بمكة وناء وناذر الحج مطلقا، لان التمتع لا يجزي مع تعين الافراد فضلا عن ان يكون افضل منه. (و) لكن قال المنصف: (هذا يصح إذا كان الحج مندوبا أو قصد المستأجر الاتيان بالافضل لامع تعلق الغرض بالقران أو الافراد) وفي محكي المعتبر والمنتهى الاقتصار على المندوب، وفى محكي المنتهى والتحرير ذلك ايضا مع العلم بقصد المستنيب الافضل، ولذا قال في المدارك لم يستجود ما ذكره المصنف، قال: لان مقتضاه ان كلا من نذر الحج أو قصد المستأجر الاتيان بالافضل مصحح للحكم المذكور، ولابد من اعتبارهما معا، ومع ذلك فتخصيص الحج بكونه مندوبا لا يظهر له وجه، فان ما ذكرناه من افراد الواجب مساو للندب في هذا المعنى وفي القواعد وشرحها للاصبهاني ولو عدل النائب إلى التمتع عن قسميه وعلم انه تعلق الغرض أي غرض المستنيب بالافضل بأن يكون مندوبا أو منذورا مطلقا أو كان المنوب ذا منزلين متساويين فيتخير أي علم ان الافضل مطلوب له ايضا،


= التهذيب ج 5 ص 416 الرقم 1447 انه حديث موقوف غير مسند إلى احد من الائمة (عليهم السلام) (1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 373 ]

وبالجملة التخيير أجزأ وفاقا للمعظم، إذ ما على المحسنين من سبيل، ولخبر ابي بصير (1) السابق، خلافا لظاهر الجامع والنافع والتلخيص وعلي بن رئاب قصرا على النوع المأذون، والجواب ان غيره في حكم المأذون، لفرض العلم بقصد التخيير وان ذكر ما ذكر انما هو للرخصة في الادنى، وإلا يعلم تعلق غرض بالافضل فلا يجزي وفاقا للمعتبر والتحرير، لانه غير ما استنيب فيه حقيقة وحكما، خلافا لظاهر أبي علي والشيخ والقاضي فأطلقوا جواز العدول إلى الافضل ويمكن إرادتهم التفصيل، ويؤيده ان غيره انما يكون افضل إذا جاز فعله للمنوب والنائب، إلى غير ذلك من كلماتهم المتفقة على جواز العدول مع فرض التخيير وقصد المنوب الافضل، لكن قد يناقش بما ظاهرهم الاتفاق عليه من كون التمتع والقران والافراد أنواعا للحج مختلفة، وانه يجب في الاجارة تعيين أحدها، لاختلافها في الكيفية والاحكام، وإلا لزم الغرر كما اعترف به في المدارك في صدر البحث، حينئذ فالتخيير للمنوب عيه لكونه مندوبا أو لغير ذلك مع العلم بارادة المستأجر الافضل لا يجدي بعد تعيين الفرد بالاجارة ودعوى أنه ذكر للرخصة في الادني لا يقتضي صحة الاجارة مع إرادة التخيير فيها، للغرر والابهام نعم لو قلنا بعد تعيين الفرد بالعقد باجزاء غيره عنه مع رضاء المستأجر نحو الوفاء بغير الجنس أمكن الاجزاء حينئذ لذلك، لا لانه مقتضى عقد الاجارة، بل نحوه يجري في العدول إلى غير الافضل عنه أيضا، وبذلك يظهر لك النظر في جميع تلك الكلمات التي مبناها العلم بارادة التخيير في العمل المستأجر عليه كما لا يخفى على من لا حظها، وحملها على ذلك يأباه ظاهر بعضها وصريح آخر، وعلى تقديره فمرحبا بالوفاق، نعم يمكن حمل خبر أبى بصير عليه حتى ما فيه من التعليل بناء على


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 374 ]

إرادة استفادة العلم برضا المستأجر بذلك باعتبار كنون المعدول إليه أفضل، بل يمكن فرضه لا على طريق الفحوى بل بالقرائن حال الاجارة على رضاه بوقوع الافضل عوضا عن المستأجر عليه، وكيف كان فمع عدم الاذن بذلك ولو فحوى بناء على الاجتزاء بها لو عدل لم يستحق عوضا، لكونه متبرعا حينئذ وإن وقع عن الميت باعتبار نية النائب، وما عن التحرير والمنتهى من الاشكال في ذلك في غير محله، وإن وجه بأنه أتى بالعمرة والحج وقد استنيب فيهما، وانما زادهما كمالا وفضلا، إلا أنه كما ترى، والله العالم. (ولو شرط الحج على طريق معين لم يجز العدول إن تعلق بذلك غرض) وفاقا للمشهور، لعموم " أوفوا " و " المؤمنون " (وقيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط: (يجوز) العدول (مطلقا) لصحيح حريز (1) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل أعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة فقال: لا بأس، إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه " ولعله لذا أطلق في محكي التهذيب الاجزاء إذا استؤجر للحج من بلد فحج من آخر، وفي محكي النهاية والمهذب والسرائر جواز العدول من طريق استؤجر ليحج منه، وعن الجامع نفي البأس عنه، إلا أن الجميع كما ترى، ولا ظهور في الصحيح المزبور في جواز المخالفة حتى مع الغرض، وانما دل على صحة الحج وان هذه المخالفة لا تفسده، وهو المراد بنفي البأس، وذلك غير محل البحث، بل في كشف اللثام ظاهره عدم تعلق الغرض بالطريق، وفي محكي التذكرة الاقرب أن الرواية انما تضمنت مساواة الطريقين إذا كان الاحرام من ميقات واحد، أما مع اختلاف الميقاتين فالاقرب المنع، لاختلافهما قربا وبعدا واختلاف الاغراض، وتفاوت الاجر بسبب تفاوتهما


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 375 ]

بل في المدارك وكشف اللثام احتمال أن الكوفة صفة لرجل لاصلة ليحج، بل لعل المتجه للعموم المذكور عدم جواز العدول إلا مع العلم بانتفاء الغرض، بل في المدارك الاولى وجوب الوفاء بالشرط مطلقا، وإن كان قد يناقش بأن المراد بعدم الغرض الكناية عن عدم إرادة الالزام بما ذكر من الشرط، وانما المراد هو أو غيره، فهو كالاجارة المطلقة التي لم يذكر فيها اشتراط طريق، ولا ريب في تخيير الاجير حينئذ. كما أنه إشكال بل ولا خلاف في صحة الحج من حيث أنه حج لو خالف وحج على غير الطريق المشترط وإن استلزم الاحرام من غير ميقاته، بل حتى لو كان ابتداء الطريق المشترط من ميقات مخصوص، انما الكلام في صحته من حيث الاجارة، وقد قطع المصنف وغيره على ما اعترف به في المدارك بصحته كذلك، لانه بعض العمل المستأجر عليه وقد امتثل بفعله، ولكن أشكله فيها بأن المستأجر عليه الحج المخصوص، وهو الواقع عقيب قطع المسافة المعينة ولم يحصل الاتيان به نعم لو تعلق الاستئجار بمجموع الامرين من غير ارتباط لاحدهما بالاخر اتجه ما ذكروه، وفي محكي التذكرة الاقرب فساد المسمى والرجوع إلى أجرة المثل، ولم نجده لغيره، بل ظاهر الجميع وصريح تقسيط الاجرة ورد ما قابل الطريق أو بعضه منها، وربما احتمل رد التفاوت بين الطريقين إن كان ما سلكه أسهل، وإلا لم يرد شيئا، لكنه واضح الضعف، وإن جزم به أيضا في محكي التذكرة إذا لم يتعلق غرض بالطريق، إلا أنك قد عرفت استحقاق الاجرة كاملة مع عدم تعلق الغرض على الوجه الذي ذكرناه. والتحقيق أنه إن أريد بالشرطية في كلامهم الجزئية على معنى أنه ذكر الطريق على وجه الجزئية لما وقع عليه عقد الاجارة اتجه التقسيط، ضرورة كونه كتبعض الصفقة المبيع حينئذ، بل لا يبعد تسلط المستأجر على الخيار، فله

[ 376 ]

الفسخ حينئذ ودفع أجرة المثل عما وقع منه، وإن كان المراد الجزئية من العمل المستأجر عليه على وجه التشخيص به فقد يتخيل في بادئ النظر عدم استحقاق شئ كما سمعته من سيد المدارك، لعدم الاتيان بالعمل المستأجر عليه، فهو متبرع به حينئذ، لكن الاصح خلافه، ضرورة صدق كونه بعض العمل المستأجر عليه وليس هو صنفا آخر، وليس الاستئجار على خياطة تمام الثوب فخاط بعضه مثلا بأولى منه بذلك، بناء على عدم الفرق بين التخلف لعذر وغيره في ذلك وان اختلفا في الاثم وعدمه، لاصالة احترام عمل المسلم، بل لو شرط عليه عدم استحقاق أجرة مع عدم الاتيان به على الوجه المخصوص أشكل صحة الاجارة، لان تشخيص العمل على وجه لا يصدق عليه أنه بعض العمل المستأجر عليه لا يتبع شرط المستأجر، وانما هي تابعة لمشخصاته الخارجية، والفرض صدق الاتيان ببعض العمل المستأجر عليه وإن خالف التشخيص الذي صدر من المستأجر، فيرجع الشرط المزبور حينئذ الى استئجار على عمل بلا أجرة، اللهم إلا أن يفرض الشرط على وجه يقتضي إسقاطه لما استحقه بعقد الاجارة من التقسيط، وهو غير ما نحن فيه، وإن أريد بشرطية الطريق في كلامهم معنى الشرطية التي هي في العقود التزام بأمر خارجي عما قوبل بالعوض في العقد فلا محيص عن القول باقتضاء التخلف الخيار في الفسخ ودفع أجرة المثل، وعدمه ودفع الاجرة تماما نحو الشرط في البيع وغيره من عقود المعاوضة، إذ ليس للشرط قسط من الثمن على وجه التوزيع، ودعوى أن نحو هذا الشرط في خصوص الاجارة كذلك لا دليل عليها، وانما أوجبنا أجرة المثل في الفرض مع الفسخ لوصول العمل إلى المستأجر مع عدم صدق التبرع به، فيبقي على مقتضى أصالة احترام عمل المسلم الذي كان مقابلا بمقتضى عقد الاجارة بشئ من الاجرة، فمع الفسخ يرجع إلى قيمته. الجواهر - 47

[ 377 ]

وبذلك كله ظهر لك المراد مما في جملة من عبارات الاصحاب والنظر في جملة أخرى وخصوصا ما أطنب به الاصبهاني في شرحه من كثرة التشقيقات والاحتمالات الظاهرة في صدورها منه قبل أن يعض على العلم بضرس قاطع، ومن ذلك ما ذكره في صورة إرادة الشرطية المقابلة للجزئية - وكون المراد بالطريق ما قبل الميقات لا منه - من أنه " إن نوى الشرطية بمعنى عدم استحقاق الاجرة على تقدير المخالفة لم يستحق الاجير حينئذ شيئا اتحد الميقات أولا، تعلق غرض بالطريق أم لا، وإلا فان تعلق غرض بالطريق فاما أن يتحقق الغرض أو أفضل منه مع المخالفة - كأن يكون الغرض التأدي إلى ميقات مخصوص فخالف الطريق وسار إلى ذلك الميقات أو أفضل منه أو مساوية - فيجزيه ما فعله ويستحق به الاجرة كاملة، وإما أن يفوت الغرض ففيه الا وجه التي عرفتها: فساد المسمى واستحقاق أجرة المثل - وعدم الفساد مع رد التفاوت أو لا معه، ووجه رابع هو عدم استحقاق شئ لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، وخامس وهو التفصيل بأنه إن كان الغرض شيئا متعلقا بما استؤجر له كالميقات والاحتياط للوجوب من باب المقدمة لم يستحق شيئا، أو استحق أجرة المثل، أو المسمى مع الرد، وإلا كالمرور على أخ أو ضيعة استحق المسمى كاملا، وإن لم يتعلق به غرض استحق المسمى كاملا أو مع الرد " إذ هو جميعه كما ترى، وقس على هذا ما تركناه من كلامه، فانه أيضا كذلك، ومن الغريب عدم فرقه بين الشروط في عقود المعاملة والشروط الشرعية لمشروط التي يجري فيها قاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه، والتحقيق ما عرفت، ولا ينافيه ما في كلام الاصحاب هنا من رد التفاوت بعد أن حملنا كلامهم على إرادة الجزئية من الشرطية لا معناها الذي ذكرناه، وهو متجه على قواعد الاجارة. (وإذا استؤجر ل‍) مباشرة (حجة) في سنة معينة (لم يجز أن يؤجر

[ 378 ]

نفسه) لمباشرة أخرى في تلك السنة قطعا، لعدم القدرة على التسليم، فتبطل الثانية حينئذ، ولو فرض اقترانهما بطلتا معا، بل قد يقال بكون الحكم كذلك مع عدم اعتبار المباشرة، فانه وإن تمكن من الاتيان بهما بالاستنابة لكن يعتبر في الاجارة تمكن الاجير من العمل بنفسه، فلا يجوز إجارة الاعمى على قراءة القرآن على إرادة الاستنابة، ففي الفرض لا يجوز الاجارة الثانية للحج في تلك السنة وإن كان المراد بها أو بالاولى أو بهما ما يعم الاستنابة، ولكن قد ذكرنا في كتاب الاجارة احتمال الصحة، ولو كانت الاجارة الاولى مطلقة فعن الشيخ إطلاق عدم جواز الاجارة (لاخرى حتى يأتي بالاولى، و) قال المصنف والفاضل في محكي المنتهى: (يمكن أن يقال بالجواز إن كان لسنة غير الاولى) بل عن المعتبر الجزم به، وهو كذلك، لاطلاق الادلة السالمة عن المعارض، بل في المدارك يحتمل قويا جواز الاستئجار للسنة الاولى إذا كانت الاجارة الاولى موسعة، إما مع تنصيص المؤجر على ذلك أو القول بعدم اقتضاء الاطلاق التعجيل قال: ونقل عن شيخنا الشهيد في بعض تحقيقاته أنه حكم باقتضاء الاطلاق في كل الاجارات التعجيل، فيجب المبادرة بالعمل بحسب الامكان، ومستنده غير واضح، وهو كذلك أيضا بناء على الاصح من عدم اقتضاء الامر الفور، والفرض عدم ظهور في الاجارة بكون قصد المستأجر ذلك، بل إن لم يكن إجماع فهو في الحج كذلك وإن صرح باقتضاء الاطلاق التعجيل فيه جماعة، اللهم إلا أن يفرض اقتضاء التعارف فيه ذلك، ثم على تقدير التعجيل المزبور فالظاهر صحة الاجارة الثانية المطلقة مع فرض علم المستأجر الثاني بالاجارة الاولى، ضرورة كون المراد به التعجيل بحسب الامكان، أما مع عدم علمه فالظاهر أن له الخيار مع احتمال البطلان وعن المنتهى القطع بالجواز مع إطلاق الاجارتين، وفي كشف اللثام وكأنه لدلالة سبق الاولى على تأخير الثانية.

[ 379 ]

وعلى كل حال فالتعجيل على القول به ليس توقيتا، وحينئذ فان أهمل لم تنفسخ الاجارة وإن أثم بالتأخير، ويستحق الاجرة التامة، لكن في الدروس " ولو أطلق اقتضى التعجيل، فلو خالف الاجير فلا أجرة له " وضعفه واضح، بل هو مناف لقوله فيها متصلا بذلك: " ولو أهمل لعذر فلكل منهما الفسخ في المطلقة في وجه قوي، ولو كان لا لعذر تخير المستأجر خاصة " وإن كان هو أيضا لا دليل عليه بحيث يعارض أصالة لزوم العقد، اللهم إلا أن يكون بنى ذلك على فهم اشتراط التعجيل، فيثبت الخيار حينئذ لفوات الشرط وإن كان مضمرا وإن كان هو كما ترى. نعم تنفسخ الاجارة بفوات الزمان الذي عين للحج فيها سواء كان بتفريط أولا، خلافا لاحد وجهي الشافعية بناء على كونه كتأخير الدين عن محله، وله وجه مع فرض كون التعيين المزبور بعنوان الشرطية، ولكن يثبت الخيار حينئذ، ولو قدمه عن السنة المعينة فعن التذكرة الاقرب الجواز، لانه زاد خيرا، وهو المحكي عن الشافعي، وفي المدارك في الصحة وجهان، أقربهما ذلك مع العلم بانتفاء الغرض في التعيين، وفيه أنه يرجع إلى عدم إرادة التعيين من الذكر في العقد، وحينئذ لا إشكال في الاجزاء، انما الكلام فيما اعتبر فيه التعيين، ولا ريب في عدم الاجتزاء به عن الاجارة إلا إذا كان بعنوان الشرطية لا التشخيص للعمل، والله العالم. (ولو) أحصر أو (صد) الاجير على الذهاب إلى الحج وفعله في سنة معينة (قبل الاحرام ودخول الحرم استعيد من الاجرة بنسبة المتخلف) بلا إشكال بل ولا خلاف إذا لم يضمن الحج من قابل، لانفساخ العقد، واحترام ما وقع من العمل (و) ما بقي، فيستحق كل منهما ما يخصه من المسمى كما في غير المقام مما استؤجر عليه من الاعمال، بل (لو ضمن) أي الاجير (الحج في

[ 380 ]

المستقبل لم يلزم) المستأجر (إجابته) للاصل (و) غيره، خلافا لما (قيل) من أنه (يلزم) إجابته، لوضوح ضعفه وإن نسب إلى ظاهر المقنعة والنهاية والمهذب، بل ربما قيل انه ظاهر المبسوط والسرائر وغيرها، ولذا حمله غير واحد على إرادة ما إذا رضي المستأجر بضمان الاجير بمعنى استئجاره ثانيا بالمتخلف من الاجرة ولو معاطاة، فانه حينئذ لا إشكال فيه، كما لا إشكال في استحقاق الحج عليه سنة أخرى لو فرض إطلاق الاجارة، ضرورة عدم انفساخها بتعذر أحد أفرادها، بل الظاهر عدم الخيار لاحدهما في ذلك، للاصل وغيره، خلافا لما عن الشهيد من أنه يملكانه في وجه قوي، إلا أنه كما ترى. أما لو صد بعد الاحرام ودخول الحرم أو بعد الاحرام فانه وإن كان الحكم فيه كالاول أيضا من انفساخ الاجارة والرجوع بما قابل المتخلف في المختار إلا أن فيه خلافا، فان المحكي عن الخلاف ان الاحصار بعد الاحرام كالموت بعده في خروج الاجير عن العهدة، وعدم وجوب رد شئ عليه، وإن كان لا يخفى ضعفه، لعدم الدليل، والاتفاق على عدم الاجزاء، إذا حج عن نفسه فكيف أجزأ عن غيره، واختصاص نص الاجزاء (1) بالموت، فحمله عليه قياس، لكنه (ره) نظمه مع الموت في سلك، واستدل عليه باجماع الفرقة مع أن الحكم فيما نحن فيه منصوص لهم لا يختلفون فيه، ومن هنا قال في كشف اللثام: " ظني أن ذكر الاحصار من سهو قلمه الشريف أو قلم غيره، وعلى كل حال فيمكن أن يكون تقييد المصنف بذلك إشارة إلى هذا الخلاف لا لاختياره الاجزاء كما ظن، ولعل هذا أولى مما عن المسالك من أنه يمكن أن يكون فائدة التقييد بقبلية الاحرام ودخول الحرم الاحتراز عما لو كان بعدهما، فانه لا يتحقق استعادة الاجرة مطلقا، بل


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج

[ 381 ]

يبقى على الاحكام إلى أن يأتي ببقية المناسك مع الامكان - إلى أن قال - إلا أن قيد دخول الحرم لا مدخل له في ذلك، بل مجرد الاحرام كاف فيه، لامكان مناقشته بما في المدارك من أنه إن أراد بقوله: " مع الامكان " إمكان الاتيان ببقية المناسك في ذلك العام فهو آت مع الصد قبل الاحرام، وإن أريد به ما هو أعم من ذلك لم يكن مستقيما، إذا المصدور يتحلل بالهدي، ولو صابر ففاته الحج تحلل بالعمرة كما سيجئ بيانه إن شاء الله، ولا أجرة له عليها، لانه فعلها متحللة " وإن كان قد تدفع بأن مراده ما أشار إليه الكركي في فوائده على الكتاب من أن المحرم في بعض الاحوال يبقى على إحرامه حتى يأتي بالمناسك، لعدم تمكنه من الهدي أو العمرة التي يتحلل بها، ومثله قد يقال بعدم استعادة الاجرة فيه وإن استمر على ذلك إلى السنة القابلة وكان أجيرا على الحج في السنة الماضية، وذلك لانه بتلبسه بالحج في هذه السنة كان كمن حج فيها، وإن انتقل تكليفه اضطرارا إلى السنة القابلة ببقية المناسك، إذ هو حينئذ كمن أدرك اضطراري الحج ومن فاته بعض الاجزاء التي تقضى بعد فوات الوقت، وكيف كان فمتى انفسخت الاجارة وكان الاستئجار واجبا استأجر من موضع الصد مع الامكان، إلا أن يكون بين الميقات ومكة فمن الميقات، لوجوب إنشاء الاحرام منه. (وإذا استؤجر فقصرت الاجرة) عن نفقة الحج (لم يلزم) المستأجر (الاتمام) للاصل السالم عن المعارض (وكذا لو فضل عن النفقة لم يرجح عليه بالفاضل) لذلك أيضا، ولان من كان عليه الخسران كان له الجبران، من غير فرق في ذلك بين أن يكون قد قبض الاجرة أو لا، فيطالب بها جميعها أو بعضها مع عدم القبض، ويجب على المستأجر الدفع إليه، وكان تعرض المصنف وغيره لذلك مع وضوحه وعدم الخلاف فيه بيننا نصا وفتوى لتعرض النصوص له

[ 382 ]

وللتنبيه على خلاف أبي حنيفة المبني على ما زعمه من بطلان الاجارة، فلا يجب حينئذ على المستأجر الدفع للاجير، نعم عن النهاية والمبسوط والمنتهى استحباب الاتمام في الاول، لكونه من المعاونة على البر والتقوى، والتذكرة والمنتهى والتحرير وغيرها استحباب الرد في الثاني تحقيقا للاخلاص في العبادة، بل عن المقنعة أنه قد جاءت رواية أنه " إن فضل مما أخذه فانه يرده إن كانت نفقته واسعة، وإن كان قتر على نفسه لم يرده " ثم قال: وعلى الاول العمل، وهو أفقه، ولعله أشار بذلك إلى خبر مسمع (1) قال للصادق (عليه السلام): " أعطيت الرجل دراهم يحج بها عني ففضل منها شئ فلم يرده على فقال: هو له، لعله ضيق على نفسه في النفقة لحاجته إلى النفقة " إلا أنه كما ترى ضعيف الدلالة على ذلك، خصوصا مع ملاحظة خبر محمد بن عبد الله القمي (2) قال: " سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعطي الحجة يحج بها فوسع على نفسه فيفضل منها أيردها عليه ؟ قال: لا، هو له " هذا، وفي كشف اللثام أنه " إن شرطا في العقد الاكمال أو الرد لزم " وفيه أنه يمكن منع صحة مثل هذا الشرط في عقد الاجارة للجهالة، كما هو واضح، والامر سهل. (و) على كل حال ف‍ (لا يجوز النياة في الطواف الواجب للحاضر) للاصل ومرسل ابن ابي نجران (3) عن الصادق (عليه السلام) " سئل: الرجل يطوف عن الرجل وهما مقيمان بمكة قال: لا، ولكن يطوف عن الرجل وهو غائب " ولان المريض المستمسك طهارته إذا لم يستقل بالمسير حمل وطيف به كما قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (4): " الكسير يحمل ويطاف به، والمبطون يرمي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب الطواف - الحديث 6

[ 383 ]

ويطاف عنه ويصلى عنه " وسأل صفوان (1) أبا الحسن (عليه السلام) " عن المريض يقدم مكة فلا يستطيع أن يطوف بالبيت ولا أن يأتي بين الصفا والمروة قال: يطاف به محمولا يخط الارض برجليه حتى يمس الارض قدميه في الطواف، ثم يوقف به في أصل الصفا والمروة إذا كان معتلا ". فظهر من ذلك أنه لا يستنيب (إلا مع العذر) المانع من الطواف به ايضا للاجهاز عليه مثلا، أو لكونه (كالاغماء والبطن وما شابههما) مما لا يمكن معه الطواف ولو بالحمل لعدم الطهارة فيجوز حينئذ، للمعتبر المستفيضة كصحيح حبيب الخثعمي (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: " أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يطاف عن المبطون والكسير " وصحيح حريز (3) عنه (عليه السلام) ايضا " المريض المغلوب والمغمى عليه يطاف عنه ويرمى عنه " بل الظاهر جواز الاستنابة عن المغمى عليه فيهما من غير إذن منه ولا استنابة كما في سائر الاحياء لعدم قابليته، إلا أن يراد أنه يستنيب قبل الاغماء لظهور إماراته، والاطلاق ينفيه، نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يرج البرء أو ضاق الوقت وإلا انتظر لخبر يونس (4) عن ابي الحسن (عليه السلام) " سأله أو كتب إليه عن سعيد بن يسار انه سقط من جمله فلا يستمسك بطنه أطوف عنه وأسعى فقال: لا، ولكن دعه فان برأقضى هو وإلا فاقض أنت عنه " هذا. ولكن في كشف اللثام " ان المغمى عليه لم أر من تعرض له بخصوصه ممن قبل المصنف وابني سعيد، نعم أطلقوا النيابة عمن لا يستمسك الطهارة - ثم


(1) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب الطواف - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب الطواف - الحديث 5 - 1 (4) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب الطواف - الحديث 4

[ 384 ]

قال -: وقال الصادق (عليه السلام) في صحيح حرير (1): " المريض المغلوب والمغمى عليه يرمى عنه ويطاف به " والفرق بينهما أن الطواف فريضة والرمي سنة " قلت: لعل ذلك اتكالا على ذكر المبطون الذي لا يستمسك طهارته، فان المغمى عليه أولى بعدم طهارة له ولو اضطرارية، وأما ما ذكره من الصحيح المزبور فالموجود فيما حضرني من نسخة التهذيب المعتبرة " ويطاف عنه " كما ذكره سابقا، نعم كتب عليها نسخة " ويطاف به " والظاهر ان المعتبرة الاولى فانه لا وجه للطواف به مع عدم طهارة له، بل لعل ذلك هو المدار في نحوه من غير فرق بين من لا يستمسك طهارته لبطن مثلا وغيره، وهو الذي اشار إليه المصنف بقوله: " وما شابههما " بل قد يقال باندراج الحائض في ذلك، ضرورة عدم تمكنها من الطهارة كالمبطون بل في كشف اللثام التصريح به، قال: ومن اصحاب الاعذار أو الغيبة الحائض إذا ضاق الوقت أو لم يمكنها المقام حتى تطهر، ولا يكون لها العدول إلى ما يتأخر طوافه، كما يحمل عليه صحيح ابي ايوب الخزاز (2) قال: " كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل فقال: أصلحك الله ان معنا امرأة حائضا ولم تطف طواف النساء ويأبى الجمال ان يقيم عليها قال: فأطرق وهو يقول: لا تستطيع ان تتخلف عن اصحابها ولا يقيم عليها جمالها ثم رفع رأسه إليه فقال: تمضي فقد تم حجها " وهي داخلة فيمن لا يستمسك الطهارة إذا ضاق الوقت، وإلا لم تستنب للطواف إلا إذا غابت، فلا يطاف عنها ما دامت حاضرة وإن علمت مسيرها قبل الطهر،


(1) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب الطواف - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 84 - من ابواب الطواف - الحديث 13 والفقيه ج 2 ص 245 الرقم 1176 الجواهر - 48

[ 385 ]

وفي الدروس وفي استنابة الحائض عندي تردد، قلت: لعله من ذلك ومن عدم قابليتها لوقوع الطواف الذي هو كالصلاة منها، فكذا نائبها، ومن بطلان متعتها وعدولها إلى حج الافراد لو قدمت إلى مكة حائضا وقد تضيق وقت الوقوف، إذ لو كانت النيابة في الطواف مشروعة في حقها لصحت متعتها، ومن هنا قال في المدارك: إن الحيض ليس من الاعذار المسوغة للاستنابة في الطواف، نعم حكى فيها عن جده جواز استنابة الحائض في طواف الحج وطواف النساء مع الضرورة الشديد اللازمة بانقطاعها عن أهلها في البلاد البعيدة، ثم قال: وهو غير بعيد، بل قوى الجواز في طواف النساء، بل قال: إن مقتضى صحيح أبي ايوب السابق جواز تركه والحال هذه، قلت: هو وإن كان كذلك إلا أنه بقرينة عدم القائل به يجب حمله على الاستنابة، ولعله لا بأس به إذا فعلت ذلك بعد غيبتها وطهارتها لا أنه يطاف عنها مع حضورها حال حيضها، بل جعل المدارك على ذلك في صحة الاستنابة عنها في الطواف متجه. وكيف كان فظاهر المتن جواز الاستنابة للغائب مطلقا، بل هو صريح الدروس والقواعد ومحكي الجامع وغيره، بل في كشف اللثام كأنه لا خلاف فيه حيا كان أو ميتا، والاخبار (1) به متظافرة، ويؤيده جواز الحج والعمرة عنه بل لعل ظاهر الاطلاق ذلك وإن تمكن من الحضور، وإن كان لا يخلو من إشكال في بعض الافراد، كما أن ما عن ابن سعيد من تحديد الغيبة بعشرة أميال لا يخلو منه أيضا وإن شهد له مرسل ابن أبي نجران (2) عن الصادق (عليه السلام) " سئل كم


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب النيابة في الحج والباب 51 من ابواب الطواف (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3

[ 386 ]

قدر الغيبة فقال: عشرة أميال " ضرورة ظهور الاستنابة فيه في المندوب بدون ذلك. (و) كيف كان فلا إشكال في أنه أي الحاضر (يجب أن يتولى ذلك بنفسه) مع جامعيته لشرائط التكليف بمعنى نيته له وإن طيف به على دابة ونحوها وحينئذ فلا ينافي ما في المتن (و) غيره من أنه (لو حمله حامل فطاف به امكن أن يحتسب لكل منهما طوافه عن نفسه) فينوي الحامل بحركته الذاتية الطواف لنفسه، والمحمول بحركته العرضية كذلك: قال الهيثم بن عروة التميمي (1) للصادق (عليه السلام): " إني حملت امرأتي ثم طفت بها وكانت مريضة في البيت في طواف الفريضة وبالصفا والمروة واحتسبت بذلك لنفسي فهل تجزيني ؟ فقال: نعم " فما عن الشافعي من عدم جواز ذلك لاستلزامه النية بفعل واحد طواف شخصين واضح الفساد، لمنع الملازمة أولا، ومنع بطلان اللازم ثانيا، لجواز حمل اثنين فصاعدا له، بل من ذلك يظهر أن المحمول إذا كان مغمى عليه أو صبيا جاز للحامل نية طوافه مع طواف نفسه كما نطق به صحيح حفص بن البختري (2) عن الصادق (عليه السلام) " في المرأة تطوف بالصبي وتسعى به هل يجزي ذلك عنها وعن الصبي ؟ فقال: نعم " وما عن الايضاح - من أنه انما يجوز على القول بجواز ضم نية التبرد إلى نية الوضوء - في غير محله، ضرورة صدق الطواف على كل منهما، بل الظاهر جواز احتساب الحامل والمحمول ذلك لهما وإن كان الحمل بأجرة، واستحقاق الحمل عليه في حال طوافه لا ينافي احتسابه له، إذ هو كما لو استؤجر لحمل متاع فطاف وهو يحمله، فان الطواف به لا معنى له إلا الحمل، لكن عن أبي علي منعه، لاقتضاء الاستئجار استحقاق هذه الحركة عليه لغيره، فلا يجوز


(1) و (2) الوسائل - الباب - 50 - من أبواب الطواف - الحديث 2 - 3

[ 387 ]

له صرفها إلى نفسه كالاستئجار للحج، بل عن الفاضل في المختلف استحسانه، إلا انه قال: " والتحقيق أنه إن استؤجر للحمل في الطواف أجزأ عنهما، وان استؤجر للطواف لم يجز عن الحامل " ولعله لانه على الثاني كالاستئجار للحج، ولكن الظاهر انحصاره في الطواف بالصبي والمغمى عليه، فان الطواف بغيرهما انما هو بمعنى الحمل، نعم ان استأجره غيرهما للحمل في غير طوافه لم يجز الاحتساب، بل قد يناقش في الاولين ايضا بأنه إذا جاز تبرعا الطواف بهما مع احتساب طوافه لنفسه كما أو مأ إليه صحيح حفص جاز الاجارة عليه، وليس هو كالاستئجار للحج بل اقصاه اشتراط الطوافين بمقدمة واحدة، وهو حركته المخصوصة التي تكون سببا لحصول الطواف من كل منهما، فتأمل جيدا فانه دقيق. (ولو تبرع إنسان بالحج عن غيره بعد موته برئت ذمته) إن كانت مشغولة، وأعطي ثواب الحج إن لم تكن بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص (1) مستفيضة أو متواترة فيه، من غير فرق في الميت بين أن يكون عنده ما يحج به عنه أم لا، وبين إيصائه به وعدمه، وبين قرب المتبرع للميت وعدمه، وبين وجود المأذون من الميت أو وليه وعدمه كل ذلك لاطلاق النصوص ومعاقد الاجماعات، وثبوت مشروعية النيابة عنه مع تعذر الاذن عنه، وان الحج مع شغل الذمة به كالدين الذي لا إشكال في جواز التبرع به مع النهي فضلا عن عدم الاذن، وأصل عدم اشتراط حصولها منه حال حياته، وعدم تعلق الغرض بما يقابلها من ماله، خلافا لمالك وأبي حنيفة فأسقطا فرضه إن مات بلا وصية، وأخرجاه من الثلث إن اوصى.


(1) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب وجوب الحج والباب 25 من ابواب النيابة في الحج

[ 388 ]

أما الحي فلا تجوز النيابة عنه باذنه فضلا عن التبرع في الواجب مع تمكنه منه عندنا للاصل وغيره، نعم تجوز عنه في المندوب مع التبرع فضلا عن الاذن عندنا خلافا للشافعي ولاحمد في رواية سواء كان قادرا أو عاجزا بل الاجماع بقسميه عليه، بل النصوص (1) به مستفيضة أو متواترة، بل لا فرق عندنا بين من كان عليه حج واجب مستقرا كان أولا وغيره، تمكن من أدائه ففرط أو لم يفرط، بل يحج الان بنفسه واجبا ويستنيب غيره في التطوع، خلافا لاحمد فلم يجز الاستنابة فيه ما اشتغلت ذمته بالواجب، إذ لا يجوز له فعله بنفسه، فالاستنابة أولى، وفيه ان عدم جواز فعله له لاخلاله بالواجب، ولذا لو أخلت الاستنابة به لقصور النفقة ونحوه لم يجز عندنا ايضا لا أن عدم جوازه لعدم مشروعيته في حقه كى تمنع النيابة فيه، بل لا بأس بتشريك الكثيرين بحجة واحدة كما دل عليه صحيحا هشام (2) ومحمد بن اسماعيل (3) وغيرهما، بل الظاهر عدم الفرق في ذلك بين الحي والميت، وما في خبر علي بن جعفر (4) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (عليه السلام) " عن رجل جعل ثلث حجته لميت وثلثيها لحي فقال: للميت، فأما للحي فلا " محمول على غير ذلك، أو معارض بما هو اقوى منه، وكذا لا بأس بتعدد النواب في المندوب في سنة واحدة، فقد أحصي عن علي بن يقطين في عام واحد ثلاثمائة ملبيا ومائتان وخمسون وخمسمائة وخمسون، هذا، ولكن عن المنتهى التصريح بعدم جواز الحج ندبا عن الحي إلا باذنه، ولعله حمل النصوص على إهداء الثواب لا على وجه النيابة، إلا أنه واضح الضعف كما لا يخفى على من لا حظها.


(1) و (4) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 0 - 9 (2) و (3) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 3 - 1

[ 389 ]

انما الكلام في جواز التبرع عن الحي في الواجب في حال جواز النيابة عنه لعضب ونحوه للاصل السالم عن معارضة ما دل على مشروعيتها عنه باذنه، ضرورة أعمية ذلك من جواز التبرع، فيبقى حينئذ اصل بقاء شغل ذمته وأصل وجوب الاستنابة عليه سالما عن المعارض بعد حرمة القياس على الميت، وعدم ثبوت كونه في هذا الحال كالدين الذي يقضى عن صاحبه مع نهيه، وقوله (صلى الله عليه وآله) (1): " دين الله أحق ان يقضى " انما هو الميت، فالاحوط حينئذ إن لم يكن الاقوى الاقتصار في النيابة عنه حينئذ على الاذن. (وكلما يلزم النائب من كفارة) في الجناية في الاحرام والهدي في التمتع والقران (ففي ماله) دون المنوب عنه بلا خلاف أجده بيننا كما اعترف به بعضهم بل عن الغنية الاجماع عليه في الكفارة، مضافا إلى ان ذلك عقوبة على فعل صدر منه، فهو كما لو قتل نفسا أو أتلف مالا لاحد، وإلى دخول الهدي في العمل المستأجر عليه، وهو واضح. (ولو أفسده) أي الحج الذي ناب فيه (حج من قابل) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه (و) انما الكلام في انه (هل يعاد بالاجرة عليه) أو لا ؟ قال في المتن: (يبنى) ذلك (على القولين) أي القول بأن الفرض الاول والاعادة عقوبة، أو الثاني وإتمام الاول عقوبة، ولم يقيد ذلك بكون الاجارة معينة، والتحقيق ان الفرض الثاني لا الاول الذي أطلق عليه اسم الفاسد في النص والفتوى، واحتمال أن هذا الاطلاق مجاز لا داعي إليه بل هو مناف لجميع ما ورد في بيان المبطلات في النصوص من أنه قد فاته الحج، ولا حج له ونحو ذلك مما يصعب ارتكاب المجاز فيه، بل مقتضاه أن الحج لا يبطله


(1) كنز العمال ج 3 ص 56 الرقم 1037 وص 57 الرقم 1045

[ 390 ]

شئ أصلا، وانما يوجب فعل هذه المبطلات الاثم، والاعادة عقوبة، وهو كما ترى، وخبرا المقام اللذان (1) ستسمعهما وإن كانا ظاهرين في أن الفرض الاول إلا انه يجب حملهما على إرادة إعطاء الله تعالى للمنوب حجة تامة تفضلا منه وإن قصر النائب في إفسادها وخوطب بالاعادة، فلا محيص حينئذ عن القول بأن الفرض الثاني، كما لا محيص حينئذ بناء على ذلك عن القول بانفساخ الاجارة إذا فرض كونها معينة، وعود الاجرة لصاحبها، وانه يجب على النائب الاعادة للحج من قابل بنية النيابة من غير عوض، لانه هو الحج الذي أفسده وخوطب باعادته، فيجزي حينئذ عن المنوب مع فرض وقوعه منه، وإلا استأجر الولي من يحج عنه بخلاف الاجارة المطلقة، فان الظاهر عدم انفساخها، كما ان الظاهر الاجتزاء بالحج من قابل عن الحج ثانيا ويستحق به الاجرة، أما الاول فلانه الاصل في كل إجارة معينة لم يأت بها المستأجر فيما عين له من الزمان، ودعوى ان ذلك من الاضطرار الشرعي كقضاء بعض الاشواط ونحوه مما لا يقدح في التعيين واضحة الفساد، فتعاد الاجرة حينئذ لانفساخ ما اوجبها من العقد، ولا ينافي ذلك وجوب الحج عليه من قابل عن المنوب بخطاب شرعي من غير عوض، وأما الثاني فلان الفرض كون الاجارة مطلقة، ففساد الفرد لا يقتضي انفساخها وإن قلنا بوجوب التعجيل فيها، لكنه لا على وجه يتعين به المستأجر عليه بحيث إذا فات تنفسخ الاجارة لفوات المحل، نعم عن الشهيد احتمال تسلط المستأجر على الفسخ لفوات التعجيل، مع أنه مناف لاصالة اللزوم وغيرها، ولذا صرح بعدمه الفاضل في القواعد، وحينئذ فالمتجه بقاء لزوم العقد هنا، ويعيد الحج من قابل، بل الظاهر أنه يكتفى به عن خطاب الاجارة وخطاب الافساد كالمستطيع إذا أفسد حجه


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 و 2

[ 391 ]

فانه يحج من قابل ويكتفى به عن خطاب الاستطاعة والافساد، وليس من التداخل المحتاج إلى الدليل المخصوص بل هو من التداخل المفهوم من دليل السببين ودعوى أن الحج بافساده له انقلب لنفسه، لانه غير المستأجر عليه مثلا، فهو كما إذا اشترى الوكيل في شراء شئ بصفة ما هو على خلاف الصفة فيكون القضاء عن نفسه، يدفعها منع انقلابه إليه نفسه، كمنع ذلك في المشبه به، وكذا دعوى أن سبب وجوب الاعادة الافساد لا الاستئجار، والاصل عدم التداخل فانه يدفعها أيضا ان الافساد انما أوجب ما أوجبته الاجارة، كتعقب بعض أسباب الحدث بعضا آخر، وحينئذ فما في القواعد ومحكي المبسوط والخلاف والسرائر من إيجاب حجة ثالثة في المطلقة في غير محله. وبذلك كله يظهر لك ما في أقوال السمألة ووجوهها، فان محصلها مع المختار ثمانية: أحدها انفساخ الاجارة مطلقا إن كان الثاني فرضه، وهو ظاهر المتن، الثاني انفساخها مع التعيين دون الاطلاق، ووجوب حجة ثالثة نيابة كما هو خيرة الفضال في القواعد والمحكي عن الشيخ وابن إدريس، الثالث عدم الانفساخ مطلقا ولا يجب حجة ثالثة وهو خيرة الشهيد، الرابع إن كان الثاني عقوبة لم ينفسخ مطلقا ولا عليه حجة ثالثة، وإن كان فرضه انفسخ في المعينة دون المطلقة، وعليه حجة ثالثة، وهو على ما قيل خيرة للتذكرة وأحد وجهي المعتبر والمنتهى والتحرير، الخامس كذلك وليس عليه حجة ثالثة مطلقا، وهو محتمل المعتبر والمنتهى، السادس انفساخها مطلقا مطلقة كانت أو معينة، كان الثاني عقوبة أولا، لانصراف الاطلاق إلى العام الاول وفساد الحج الاول وإن كان فرضه، السابع عدم انفساخها مطلقا كذلك، قيل: ويحتمله الجامع والمعتبر والمنتهى والتحرير لمضمر اسحاق بن عمار (1) قال: " قلت: فان ابتلى بشئ


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 392 ]

يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل أيجزي عن الاول ؟ قال: نعم، قلت: فان الاجير ضامن الحج قال: نعم " وفي خبره (1) الاخر سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل حج عن رجل فاجترح في حجه شيئا يلزم فيه الحج من قابل وكفارة قال: هي للاول تامة، وعلى هذا ما اجترح " الثامن المختار، وهو محتمل محكي المختلف، وهو الاصح لما سمعت، وليس في الخبرين منافاة له بعد ما عرفت. (وإذا أطلق الاجارة اقتضى التعجيل ما لم يشترط الاجل) كما عن المبسوط والسرائر والجامع والقواعد، بل عن الشهيد تعميم ذلك لكل إجارة مطلقة وإن قيل إن دليله غير واضح، إلا على القول باقتضاء إطلاق الامر المبادرة الذي قد على فساده في محله، بل في كشف اللثام منع جريان ذلك هنا وإن سلم هناك، ولعله لذا كان مقتضى محكي المعتبر العدم حيث جوز أن يؤجر الاجير نفسه لاخر إن استأجره الاول مطلقا، وعن المنتهى احتماله، بل عنه أنه قطع بالجواز إذا أطلقت الاجارتان، وكأنه لدلالة سبق الاولى على تأخير الثانية، وعلى كل حال فليس التعجيل بناء عليه توقيتا، ولذا صرح في القواعد بعد الفتوى به بأنه إن أهمل لم تنفسخ الاجارة، بل في كشف اللثام أنه ليس للمستأجر الفسخ أيضا إلا على ما احتمله الشهيد، وكان ذلك كله بناء على أن وجوب التعجيل تعبدي مستفاد من دليل مستقل، لا أنه مستفاد من إطلاق العقد على وجه يقتضي الانفساخ أو التسلط على الفسخ، إلا أن ذلك كما ترى، إذ لم نعثر على دليل صالح لذلك، ومن هنا يمكن تنزيل عبارة المصنف وغيره على إرادة بيان اقتضاء الاطلاق


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 2 الجواهر - 49

[ 393 ]

الحلول، بمعنى كون الاعمال كالاموال، فكما أن إطلاق العقد المقتضي لاثبات مال في الذمة ينزل على ذلك فكذلك عقد الاجارة المقتضي لاثبات عمل في الذمة، فالمراد حينئذ أنه يتسلط المستأجر على مطالبته في الحال، وليس للاجير التأخير تمسكا باطلاق العقد المنزل على الحلول على حسب عقد البيع وشبهه، وحينئذ فالعبارة هنا نحو عباراتهم هناك، لا أن المراد بيان خصوصية للحج، نعم يجب التعجيل مع طلب ذي الحق صريحا أو قيام شاهد حال على إرادته ذلك، فتأمل جيدا، وعلى كل حال فلا إشكال في عدم استحقاق التعجيل مع اشتراط الاجل، فانه يصح عندنا العامين والازيد خلافا للشافعي إلا في الواجب المضيق مع إمكان استئجار من يبادر إليه، فانه لا يجوز التأجيل حينئذ كما هو واضح. (ولا يصح أن ينوب) نائب واحد (عن اثنين في) حج واجب ل‍ (- عام واحد) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لعدم ثبوت مشروعية ذلك، بل الثابت خلافه، فلو وقع الحج كذلك بطل، لا متناعه لهما، لعدم قابليته للتوزيع، ولا لواحد بخصوصه، لعدم الترجيح، ولا له لعدم نيته له فليس حينئذ إلا البطلان، نعم الظاهر صحة التشريك في الحج المندوب بمعنى نيابة عنهما مثلا فضلا عن إهداء الثواب لهما، بل لو نذر جماعة الاشتراك في حج استنابوا فيه، كما أنه يجوز للشخصين فصاعدا استئجار رجل واحد للحج عنهما ندبا، ضرورة كونه كاستئجار الواحد له على الحج عن أبيه وأخيه مثلا، نعم لو كان قد استأجره شخص للحج عنه ندبا مثلا لم يجز له أن يؤجر نفسه لاخر على ذلك، لاستحقاق الاول له، وأما لو كان استئجاره لا دخاله في نية الحج لم يكن بأس في استئجاره ثانيا لادخاله معهم في النية، كما هو واضح. (و) على كل حال ف‍ (لو استأجراه) في الواجب (لعام صح الاسبق) وبطل المتأخر، لاشتغال الذمة بالاول، بل الظاهر كونه كذلك وإن أجاز الاول

[ 394 ]

إذ ليس هو من الاجير الخاص الذي إذا آجر نفسه وأجاز المستأجر له وقع العقد له، لانه من الفضولي، ضرورة كون المستحق عليه النيابة عن شخص بعينه وهي لا يتصور فيها الفضولية على الوجه المزبور بعد فرض كون الواقع ثانيا النيابة عن شخص آخر. (ولو اقترن العقدان وزمان الايقاع) للمستأجر عليه (بطلا) لخروج فعلهما عن القدرة، وعدم المرجح، نعم لو استأجراه للحج عامين مختلفين صحا معا إن لم تجب المبادرة إلى الاخير لندبه، أو تقييد وجوبه بالعام المتأخر، أو اتساعه أو فقد أجير غيره، وإلا فالاقرب بطلان المتأخر كما عن الدروس. (وإذا أحصر) النائب (تحلل بالهدي ولاقضاء عليه) مع تعيين الاجارة، لانفساخها حينئذ، والاصل البراءة، ولا حرج في الدين، بل في القواعد لاقضاء عليه وإن كانت الاجارة مطلقة على إشكال، بل في كشف اللثام انه قضية كلام الاكثر، لكنه كما ترى، إذ الحج واجب عليه مطلقا بعد فرض إطلاق الاجارة كحجة الاسلام وإن لم يجب على المستأجر، فلا يبرأ إلا بفعله كما عن التذكرة والمنتهى التصريح به، وهو متجه. (ومن وجب عليه حجان مختلفان كحجة الاسلام والنذر) أو غيرهما (ومنعه عارض جاز ان يستأجر أجيرين لهما في عام واحد) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن الخلاف الاجماع عليه، خلافا لبعض الشافعية، لانهما فعلان متباينان غير مترتبين، بل المندوبان والمختلفان كذلك ايضا، بل الظاهر صحة الحجين وإن تقدم إحرام حجة غير حجة الاسلام ولو المندوبة، لوقوعهما في عام واحد وانما يبطل المندوب أو المنذور أو ينصرف إلى الفرض إذا أخل بالواجب، خلافا للمحكي عن أحمد فصرف السابق إلى حجة الاسلام وإن نوى الندب أو النذر، بل ربما نسب ذلك إلى قضية كلام الشيخ إلا انه في غير محله، لنصه على العدم هنا

[ 395 ]

كما قيل: نعم عن الشهيد احتمال وجوب تقديم حجة الاسلام بناء على وجوب ذلك على الحاج عن نفسه، مع انه لا يخفى ما فيه ايضا، إنه على الانصراف فهل له المسمى كما عن الشهيد انه الاقرب لاتيانه بما استؤجر له والقلب من فعل الشارع، بل قال: وحينئذ تنفسخ إجارة الاخر، أو لا يستحق شيئا، لانه غير المستأجر عليه وإن أبرئ ذمة المستأجر عن حجة الاسلام، لكن ذلك بقلب من الشارع لا منه كي يستحق عوضه، خصوصا إذا تعمد التقدم على إحرام نائب حجة الاسلام، والامر سهل بعد البناء على عدم الانصراف كما عرفت، بل الظاهر ذلك حتى لو بطل حج نائب الاسلام أو لم يحج. (ويستحب ان يذكر النائب من ينوب عنه باسمه في المواطن وعند كل فعل من أفعال الحج والعمرة) خصوصا عند ذبح الاضحية، لصحيح ابن مسلم (1) سأل أبا جعفر (عليه السلام) في الصحيح " ما يجب على الذي يحج عن الرجل ؟ قال: يسميه في المواطن والمواقف " والمراد منه تأكد الندب، لعدم الوجوب اتفاقا محكيا في كشف اللثام إن لم يكن محصلا، ولصحيح البزنطي (2) " ان رجلا سأل الكاظم (عليه السلام) عن الرجل يحج عن الرجل يسميه باسمه فقال: ان الله تعالى لا تخفى عليه خافية " وخبر المثنى بن عبد السلام (3) عن الصادق (عليه السلام) " في الرجل يحج عن الانسان يذكره في جميع المواطن كلها فقال: ان شاء فعل وان شاء لم يفعل، الله يعلم انه قد حج عنه، ولكن يذكره عند الاضحية إذا ذبحها " بل لا يبعد عدم وجوب نية اصل النيابة في الحج والعمرة إلا عند الاحرام لهما، فلا يجب تجديدها عند الطواف والوقوف والسعي وغيرها من الافعال وان اوجبنا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 16 - من أبواب النيابة في الحج الحديث 1 - 5 - 4

[ 396 ]

نية القربة فيها، إلا انها مع ذلك إجزاء أو العمرة التي فرض نية النيابة في ابتدائهما، فتكفي حينئذ في كل مركب، بل لا يبعد الاجتزاء بها في حج التمتع عند إحرام العمرة خاصة، فلا تجدد عند إحرام الحج حينئذ فضلا عن أفعاله وأفعال العمرة التي أدخلها الله في حج التمتع وجعلها من أجزائه، هذا، ولكن الاحتياط في جميع ذلك لا ينبغي تركه. (و) كذا يستحب (أن يعيد ما يفضل معه من الاجرة بعد حجه) سيما إذا لم يكن ذلك الفاضل بتقصير على نفسه في النفقة كما عرفته فيما تقدم (وان يعيد المخالف حجه إذا استبصر) للنص (1) والفتوى (وان كانت) الاولى (مجزية) كما تقدم الكلام فيه (و) في انه (يكره ان تنوب المرأة إذا كانت صرورة) فلا حظ وتأمل. (مسائل ثمان: الاولى إذا اوصى ان يحج عنه ولم يعين الاجرة انصرف ذلك إلى أجرة المثل) فنازلا، لكونه كالتوكيل في ذلك (وتخرج من الاصل إذا كانت واجبة) اسلامية، لما عرفت سابقا كونها كالدين، وانما الخلاف في كونها من البلد أو الميقات، وقد عرفت الحال فيه، كما انك قد عرفت الحلال في الواجبة غير الاسلامية بالنسبة الى الخروج من الاصل أو الثلث والبلد والميقات، نعم لا اشكال بل (و) لا خلاف في خروجها (من الثلث إذا كانت ندبا) كغيرها من الوصايا، ولو فرض توقف وجودها على بذل الثلث كملا وكان زائدا على أجرة المثل ففي بذله لذلك إشكال، من إمكان تنفيذ الوصية، ومن مراعاة الاحتياط في جانب الوارث الذي دل الكتاب (2) والسنة (3) على انتقال


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب وجوب الحج (2) سورة النساء - الاية من 8 إلى 16 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب موجباء الارث من كتاب الارث

[ 397 ]

المال إليه بموت مورثه عدا ما أوصى به، وقد فرض انصرافه في المقام إلى أجرة المثل، فلا يضايق بالزائد، بل ينتظر إلى وقت الامكان، اللهم إلا ان يقال إن أجرة المثل مع فرض الانحصار هي مقدار الثلث، بل لعل ذلك كذلك وإن كان من جهة فورية امتثال أمر الوصية مع إمكانه، ومنه ينقدح وجوب بذل المال كله في حج الاسلام مثلا مع فرض توقف أدائه عليه ولو من جهة فورية التأدية. (و) كيف كان فلا خلاف في أنه (يستحقها) أي الاجرة (الاجير بالعقد) بمعنى ملكه لها لانه مقتضى العقد، فلو فرض كونها عينا ونمت كان النماء له، نعم إذا لم يكن ثم تعارف ولا قرينة لم يجب تسليمها إلا بعد العمل كما أوضحنا الكلام فيه في محله، بل لو فرض كون المستأجر وصيا أو وكيلا ودفع مع فرض عدم القرينة على الاذن له في ذلك كان ضامنا، لكونه تفريطا، هذا، ولكن في الدروس " إذا توقف حج الاجير على دفع الاجرة ولم يدفعها المستأجر فالاقرب أن له الفسخ " وهو كما ترى إذا كان مراده المفروض الذي لاريب في كونه المتجه انتظار وقت الامكان، نعم لو علم عدم التمكن مطلقا اتجه القول بجواز الفسخ لهما للضرر. وعلى كل حال انما يستحق الاجرة المسماة إذا جاء بالعمل المستأجر عليه (فان خالف ما شرط عليه) مما هو معين للعمل المراد لم يستحقها قطعا، لكن (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من مبسوطه: (كان له أجرة المثل) وهو كما ترى، ولذا قال المصنف: (والوجه أنه لا أجرة) له ضرورة كونه من المتبرع بل يمكن عدم خلاف الشيخ، لانه انما قال في المبسوط: فان تعدى الواجب رد إلى أجرة المثل، ويجوز أن يريد من استؤجر على الحج واشترط عليه طريق مخصوص ونحوه على وجه لا يقتضي تشخيص العمل فخالف رد إلى أجرة المثل في المشروط، وأما الشرط الذي خالف فيه، فلا أجرة له، نعم يبقى عليه ما قيل من

[ 398 ]

أن المتجه على هذا التقدير مراعاة التوزيع لا الرجوع إلى أجرة المثل وإن كان فيه ما عرفت سابقا، فتأمل جيدا. المسألة (الثانية من اوصى أن يحج عنه ولم يعين المرات فان لم يعلم منه إرادة التكرار اقتصر على المرة) التي تحصل بها الطبيعة الموصى بها كما في قواعد الفاضل وغيرها، نحو ما لو أمر السيد عبده على ما حقق في محله، لاصالة البراءة وغيرها، بل يمكن دعوى دلالة اللفظ على إرادة ذلك، فلا وصية حينئذ بالزائد كما لا أمر به، بل لو سلم دعوى صدق تحقق الوصية بالحج بتعدد الحج عنه في سنة واحدة، إلا أن فيه مزاحمة لحق الوارث المقتضي لوجوب الاقتصار على أقل ما يتحقق به الوصية إلا مع رضاه لو فرض انحصار الوصية في اللفظ المزبور كما في نظائره. (وإن علم إرادته التكرار) المستوعب لماله (حج عنه حتى يستوفى الثلث من تركته) بلا خلاف ولا إشكال مع عدم إجازة الوارث، لعدم تسلطه على غيره كما حرر في محله، وعلى ذلك يحمل خبر محمد بن الحسن الاشعري (1) " قلت لابي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إني سألت أصحابنا عما أريد أن أسألك فلم أجد عندهم جوابا وقد اضطررت إلى مسألتك وان سعد بن سعد اوصى إلي فأوصى في وصيته حجوا عني مبهما ولم يفسر فكيف أصنع ؟ قال: يأتيك جوابي في كتابك، فكتب إلى يحج عنه ما دام له مال يحمله " وخبر محمد بن الحسين (2) قال لابي جعفر (عليه السلام): " جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك فقال: هات، فقلت: سعد بن سعد اوصى حجوا عني مبهما ولم يسم شيئا ولا ندري كيف


(1) الاستبصار ج 4 ص 137 - الرقم 513 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 399 ]

ذلك ؟ فقال: يحج عنه ما دام له مال " وخبر محمد بن الحسين بن ابي خالد (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اوصى أن يحج عنه مبهما فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شئ " لكن عن الشيخ وجماعة العمل بما في هذه النصوص وإن لم يعلم إرادة التكرار واختاره في الحدائق تحصيلا ليقين البراءة، وفيه أنه لا يقين بالشغل بأزيد من المرة، وما أبعد ما بينه وبين الاصبهاني حيث اقتصر على الخبرين الاخيرين، ثم قال: ويمكن أن يكونا بمعنى أنه يحج عنه إن بقي من ثلثه شئ بعد وصيته مقدمة عليه، بمعنى أنه يخرج من الثلث، فلا يفهم التكرار أصلا، ولكنه كما ترى، واقتصر في المدارك في الاستدلال على التكرار المزبور على الخبر الاخير، ثم قال: ولا يخفى أن ذلك انما يتم إذا علم منه إرادة التكرار على هذا الوجه، وإلا اكتفي بالمرتين لتحقق التكرار بذلك كما يكفي المرة مع الاطلاق، وفيه أن من المعلوم عدم كون لفظ التكرار عنوانا للوصية كي يكون المدار على تحقق مفهومه، وانما الكلام فيما إذا كان عنوانها اللفظ المزبور في النصوص، وقد يقال إن محل فرضه بعد العلم بالوصية بثلثه كما عساه يؤمي إليه قوله في الخبر الاول: " أوصى إلي " ولكن اقتصر على ذكر المصرف المزبور فهل يحج عنه مرة ويصرف الباقي في غيره من وجوه البر أو يحمل على صرفه أجمع فيه، لان تكراره بر أيضا، ويحتمل ارادته، بل لعل ظاهر الوصية بالثلث مع الاقتصار على المصرف المخصوص يقتضي إرادة صرف الجميع فيه، بل قد يدعى ظهور الاقتصار في الوصية بالحج عنه في إرادة الوصية بالثلث، وأنه يصرف في ذلك وإن لم يوص بالثلث بغير اللفظ المزبور، نحو ما لو قال: اخرجوا رد المظالم أو تصدقوا عني ونحو ذلك، ولعل مراد الشيخ ومن تبعه ذلك لا الحمل على التكرار تعبدا وإن


(1) الوسائل - الباب - 4 - من أبواب النيابة في الحج - الحديث 2

[ 400 ]

كان ظاهر اللفظ خلافه، ضرورة استبعاد مثل ذلك في مثله، هذا كله إذا لم يكن في الحج الموصى به حج إسلام، وإلا احتسب من الاصل ثم تكرر الحج بقدر الثلث، كما هو واضح، والله أعلم. المسألة (الثالثة إذا أوصى أن يحج عنه كل سنة بقدر معين) من غلة بستان ونحوها (ف‍) اتفق أنه (قصر) ذلك القدر عن قيمة الحج (جمع نصيب سنتين واستؤجر به لسنة، وكذا لو قصر ذلك أضيف إليه من نصيب الثالثة) بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب، وفي كشف اللثام نسبته إلى عملهم، لخبر علي بن محمد الحضيني (1) " كتب إلى ابي محمد (عليه السلام) أن ابن عمي أوصى أن يحج عنه بخمسة عشر دينارا في كل سنة وليس يكفي، ما تأمرني في ذلك ؟ فكتب (عليه السلام) تجعل حجتين في حجة، فان الله تعالى عالم بذلك وخبر ابراهيم بن مهزيار (2) " كتب إليه (عليه السلام) أعلمك يا مولاي أن مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك في كل سنة حجة بعشرين دينارا وأنه قد انقطع طريق البصرة فتضاعفت المؤن على الناس فليس بكتفون بعشرين دينارا، وكذلك أوصى عدة من مواليك في حجهم فكتب (عليه السلام) تجعل ثلاث حجج في حجتين إن شاء الله " وضعفهما منجبر بما عرفت بل قيل: إنهما صحيحان في طريق الفقيه، وقد يقال إنهما مبنيان على معلومية إرادة الموصي صرف ذلك في الحج، أو ظهور الوصية فيه، وأن القدر المخصوص


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب النيابة في الحج - الحديث 1 - 2 لكن رواهما مضمرا إلا أن الصدوق (قده) رواهما في الفقيه ج 2 ص 272 من غير اضمار كالجواهر وكذلك في الكافي ج 4 ص 310 الجواهر - 50

[ 401 ]

انما كان لانه يفي به كما يؤمي إليه قوله في الخبر الثاني: " وانه قد انقطع " إلى آخره، فمع فرض قصوره يصرف غيره من الاقدار فيه عملا بالوصية التي لم يعتبر في إنفاذها كون الحج بقدر مخصوص، بناء على ما عرفت، أما إذا علم ذلك ففي الحج مما يمكن، أو العود ميراثا، أو الصرف في وجوه البر إن لم يرج إمكان إنفاذ الوصية فيما يأتي من السنين وإلا انتظر وجوه قد ذكرنا تحريرها في كتاب الوصية، وحينئذ فلا وجه لما في المدارك من إمكان المناقشة بأن انتقال القدر المعين بالوصية انما يتحقق مع إمكان صرفه فيها، ولهذا وقع الخلاف في أنه إذا قصر المال الموصى به عن الحج هل يصرف في وجوه البر أو يعود ميراثا فيمكن إجراء مثل ذلك هنا، لتعذر صرف القدر الموصى به في الوصية، والمسألة محل تردد وإن كان المصير إلى ما ذكره الاصحاب لا يخلو من قرب، ضرورة أن ذلك في غير المفروض ولو فضل من الجميع إن حصر السنين في عدد كعشرة ونحوها فضلة لا تفي بالحج ففي كشف اللثام عاد ميراثا أو صرف في غيره من الميراث، قلت: قد يقال بوجوب دفعها أجرة في بعض السنين وإن زادت عن أجرة المثل مع فرض الوصية فلا فضلة حينئذ، نعم لو أمكن فرضها جرى فيها الوجهان، بل يتعين الثاني منهما مع فرض الوصية به، وأنه ذكر ذلك مصرفا لها فاتفق تعذره، كما انها يتعين الاول إذا فرض إخراجها عن الوارث بالوصية المزبورة التي قد فرض تعذرها، فتأمل ولا حظ ما كتبناه في الوصية في مثل ذلك، هذا، وفي كشف اللثام أيضا الظاهر أنه إن لم يكف نصيبه حجة لها من البلد وكفى له من غيره استؤجر من حيث يمكن، ولا يصرف فيها ما لاخرى وإن نص في الوصية على الاستئجار من البلد، ولكن الخبر الاخير (1) قد يوهم الخلاف، ويمكن تنزيله على عدم


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 2

[ 402 ]

إمكانه من الميقات، قلت: لا داعي إلى هذا الاجتهاد في مقابلة النص المعمول به بين الاصحاب مع أنه تبديل للوصية أيضا، والمحافظة على كونه في كل سنة وإن خالف في أنها من البلد ليس بأولى من المحافظة على الاخير وإن خالف الوصية في الاول، بل هو أولى بعد ظهور النص والفتوى في ذلك، وعلى كل حال فما في المدارك - من أن القول باعتبار الحج من البلد أو الميقات كما مر - مخالف لظاهر الخبر المزبور في كون الوصية به من البلد. المسألة (الرابعة لو كان عند إنسان وديعة ومات صاحبها وعليه حجة الاسلام وعلم أن الورثة لا يؤدونها) عنه (جاز) وعن المهذب عليه (أن يقتطع) منها (قدر أجرة الحج) حسبة من البلد أو من الميقات إن لم يوص على الاصح، والمسمى إن أوصى وخرج الزائد من الثلث أو أجاز الوارث (فيستأجر به) من يؤديها عنه أو يحج هو (لانه خارج عن ملك الورثة) بناء على بقاء ما قابل الدين على ملك الميت، ولصحيح بريد العجلي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن رجل استودعني مالا فهلك وليس لولده علم بشئ ولم يحج حجة الاسلام قال: حج عنه، وما فضل فأعطهم " لكن لا دلالة فيه على عدم اعتبار استئذان الحاكم الذي هو الولي لمثل ذلك وإن تمكن منه، لاحتمال الامر منه لبريد الاذن به فيه، فلا إطلاق فيه حينئذ يدل على خلافه، فما عن الشهيد - من استبعاده بعد أن حكاه قولا، بل في الحدائق الجزم بمنافاته لاطلاق الصحيح - في غير محله ضرورة انه من خطاب المشافهة، والمتيقن من تعديته إلى غير المشافه ذلك، نعم لو لم يتمكن منه استقل هو بذلك حسبة إن كان من عدول المسلمين، لان المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وظاهر المصنف والفاضل في القواعد اعتبار العلم


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 403 ]

بعدم أداء الوارث، لكن عن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر اعتبار الظن الغالب، ويمكن شمول العلم له. وعلى كل حال فمع عدمه يستأذنهم، واستجوده في المدارك، قال: " لان مقدار أجرة الحج وإن كان خارجا عن ملك الورثة إلا أن الوارث مخير في جهات القضاء، وله الحج بنفسه والاستقلال بالتركة، والاستئجار بدون أجرة المثل، فيقتصر في منعه من التركة على موضع الوفاق " وفيه أن الصحيح (1) أعم من ذلك، وقد يكون الوارث طفلا أو لا يطمئن بتأديته لو دفعه له الوديعة أو أقر بها له، وربما أنكر وجوب الحج على مورثه، بل قد يشكل الدفع مع العلم بالاداء من دون استئذان الحاكم، لتعلق دين الحج به، كما في تركة المديون المتوقف دفعها للوارث على الاذن، والتخيير في جهات القضاء لا يسقط الحق المزبور، وإن كان قد يدفع بأن حق الدين وإن تعلق بالعين لكن المخاطب به الوارث، فمع فرض العلم بتأديته لم يجز منعه عنه، بل لعله كذلك مع عدم العلم بحاله فضلا عن حال العلم، ولعله لذا قيدوا الصحيح بما سمعت، بل عن التذكرة اعتبار الامن من الضرر على نفسه أو ماله مع ذلك، وهو حسن، بل عن التذكرة أنه إذا تمكن من إثبات وجوب الحج عليه ببينة مثلا لم يكن له الاستقلال، وله وجه، وبالجملة ليس للاصحاب كلام منقح في جميع أطراف المسألة، وقد ذكرنا في الوصايا طرفا منه. ثم إن مورد الرواية الوديعة، ولكن ألحق بها غيرها من الحقوق المالية حتى الغصب والدين، ولعله لان مبنى ما ورد في الوديعة الحسبة التي لا فرق فيها بين الجميع، إلا أن اعتبار إذن الحاكم هنا أقوى من الاول، خصوصا في الدين


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1

[ 404 ]

الذي لا يتعين إلا بقبض من هو له أو من يقوم مقامه، ومن هنا يتجه ما عن بعضهم ايضا من إلحاق غير حجة الاسلام بها، بل إلحاق غير الحج من الحقوق المالية كالخمس والزكاة والديون ونحوها به في الحكم المزبور، خلافا لبعضهم، بل قد يتجه ما صرح به بعضهم من الضمان بالدفع إلى الوارث المتمكن من منعه مع عدم الاداء منه. ولو تعدد الودعي وعلموا بالحق وعلم بعضهم ببعض توازعوا الاجرة، ويمكن وجوب القضاء عليهم كفاية، ولو قضوا جميعا قدم السابق وغرم الباقون على تردد للشهيد فيه مع الاجتهاد، لعدم التفريط، ولو اتفقوا سقط عن كل منهم ما يخصه خاصة، قال الشهيد: " ولو علموا بعد الاحرام أقرع بينهم وتحلل من لم تخرج القرعة له ". المسألة (الخامسة إذا عقد الاحرام عن المستأجر عنه) مثلا (ثم نقل النية إلى نفسه لم يصح) بلا خلاف ولا إشكال فلا يترتب له ثواب ولا غيره، (نعم) عن الخلاف والمبسوط والجواهر والمعتبر والجامع والمنتهى والتحرير انه (إذا اكمل الحج وقعت عن المستأجر عنه ويستحق الاجرة) ولعله لاستحقاق المنوب عنه أفعالها بالاحرام عنه، فلا يؤثر العدول بعد أن صار كالاجير الخاص الذي استحقت منفعته الخاصة، بل ربما ظهر من خبر أبي حمزة (1) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل أعطى رجلا مالا ليحج عنه فحج عن نفسه قال: هي عن صاحب المال " أن ذلك كذلك حتى لو أحرم لنفسه، وفي الدروس بعد أن حكى ذلك


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب النيابة في الحج - الحديث 1 عن ابن أبي حمزة والحسين عن ابي عبد الله (عليه السلام) كما في التهذيب ج 5 ص 461 الرقم 1605

[ 405 ]

عن الشيخ قال: " بناء على أن نية الاحرام كافية عن نية باقي الافعال وان الاحرام يستتبع باقي الافعال وأن النقل فاسد لمكان النهي " إلى أن حكى مضمون خبر أبي حمزة، ثم قال: " وهذا أبلغ من الاول ". (و) كيف كان ففي المتن (يظهر لي انها لا تجزي عن أحدهما) وحينئذ لا أجرة، ووافقه الفاضل في القواعد وبعض متأخري المتأخرين، لان الاعمال بالنيات، فلا تقع عن النائب بعد كون الاحرام لغيره، لعدم صحة النقل اتفاقا كما في المدارك، وأما عن المنوب عنه فلانتفاء النية في باقي الافعال، والرواية ضعيفة متروكة الظاهر محتملة لارادة الثواب له، وفيه ان عدم النية بعد الاستحقاق عليه شرعا وصيرورته كالاجير الخاص غير قادح بناء على ملك المستأجر له ما يقع منه من العمل، خصوصا إذا كان الواقع العمل المستأجر عليه، ونية القربة بعد فرض حصولها لا تنافي المعنى المعاملي، وحينئذ فالرواية المزبورة مع تنزيلها على المعنى المزبور ليست متروكة الظاهر، على أنها منجبرة في خصوص الفرض بفتوى من عرفت، والله العالم. المسألة (السادسة إذا أوصى أن يحج عنه وعين) الاجير و (المبلغ) وقلنا بظهور إرادة البلد من ذلك (فان كان بقدر ثلث التركة أو أقل صح) وتعينا (واجبا كان أو مندوبا) لعموم الوصية وإن كان لا يجب على الاجير القبول (وإن كان أزيد وكان) الحج (واجبا ولم تجز الورثة كانت أجرة المثل) من الميقات في قول، ومن البلد في قول آخر (من أصل المال والزائد من الثلث، وإن كان ندبا حج عنه من بلده) بناء على ظهوره من إطلاقه (ان احتمل الثلث، وإن قصر حج عنه من بعض الطريق، وإن قصر عن الحج حتى لا يرغب فيه أجير صرف في وجوه البر، وقيل يعود ميراثا) هذا، ولكن في المدارك قد جعل صور المسألة ثمانية فقال: الاولى أن يعين الاجير والاجرة معا

[ 406 ]

ويكون الحج واجبا، ويجب إيقاع ما عينه الموصي، ثم إن كانت الاجرة المعينة مقدار أجرة المثل أو أقل نفذت من الاصل، وإن زادت كانت أجرة المثل من الاصل والزيادة من الثلث إن لم تجز الورثة، ولو امتنع الموصى له من الحج بطلت الوصية واستؤجر غيره بأقل ما يوجد من يحج به عنه، وفيه بعد تنزيل إطلاقه الخروج من الاصل على الميقات أو على القول الاخر أنه لا وجه لبطلان الوصية إذا لم يظهر منها تقييد المبلغ المعين بخصوصية الاجير المخصوص، بل ينفذ وصيته بالمبلغ المعين لغيره المساوي له، ومن ذلك يعلم النظر فيما ذكره في الثانية، وهي الصورة بحالها والحج مندوب، قال: ويجب إخراج الوصية من الثلث إلا مع الاجازة، فينفذ من الاصل، ولو امتنع الموصى له من الحج فالظاهر بطلان الوصية، لانها انما تعلقت بذلك المعين، فلا يتناول غيره، نعم لو تعلق غرض الموصي بالحج مطلقا وجب إخراجه، لان الوصية على هذا التقدير تكون في قوة شيئين، فلا يبطل أحدهما بفوات الاخر، ضرورة ان ذلك مقتضى الوصية إلا أن يعلم إرادة التقييد، لا أن التعيين مقتضاها حتى يعلم الاطلاق مع فرض كون الوصية على وجه لا يظهر منها أحد الامرين، فتأمل، ولو عين الاجير خاصة والحج واجب استأجر بأجرة المثل من الاصل، بل لا يبعد وجوب إعطائه أجرة مثله ان امتنع وان خرج ما زاد منها على اجرة المثل من الثلث، بل احتمل وجوب إجابته إلى ما طلب مطلقا مع اتساع الثلث تنفيذا للوصية، إلا انه خلاف المنساق من إطلاقها، وفي القواعد " ولو عين النائب وأطلق القدر استؤجر بأقل ما يوجد ان يحج عنه به مثله إن لم يزد على الثلث " وعن المبسوط والتحرير والمنتهى ترك مثله، والتحقيق ما عرفت، ولو امتنع الموصى له استأجر غيره، ولو كان الحج مندوبا كانت الاجرة أجمع من الثلث، ولو امتنع الموصى له ففي المدارك سقطت الوصية إلا إذا علم تعلق غرض الموصي بالحج مطلقا، فتأمل، ولو عين الاجرة

[ 407 ]

خاصة والحج واجب وكانت مساوية لاجرة المثل ففي المدارك صرفها الوارث الى من شاء ممن يقوم بالحج، وكذا ان نقصت، وان كانت أزيد كان ما يساوي أجرة المثل من الاصل والزائد من الثلث، وهو حسن، لكن ولاية ذلك الى الحاكم ان لم يكن له وصي على ذلك لا الى الوارث، ولو كان الحج مندوبا فالاجرة كلها من الثلث إلا مع اجازة الوارث، ولو لم يعين أجرة ولا أجيرا وكان الحج واجبا حج عنه من أصل المال بأقل ما يوجد من يحج به عنه من الميقات على الاصح، ولو كان الحج مندوبا خرجت الاجرة من الثلث إلا مع اجازة الوارث، وقد تقدم سابقا ما يعلم منه التفصيل في كثير من هذه الاحكام، كما أنه قد ذكرنا في الوصية ما يعلم منه صرف مثل ذلك في وجوه البر أو عوده ميراثا وان ناقش الاول هنا في المدارك بعد أن نسبه الى المشهور، بل مال الى عوده ميراثا، ثم حكى عن المحقق الثاني التفصيل بين قصوره ابتداء فيعود ميراثا، وبين طرو القصور فيصرف في وجوه البر، وان الشارح استحسنه، ثم قال: ولعل القول بعوده ميراثا مطلقا أقرب، وفيه ما لا يخفى في الوصية التي صحت واتفق تعذر مصرفها كما أوضحنا تفصيل ذلك في كتاب الوصية، بل ذكرنا فيه أيضا ما يعلم منه الكلام في المسألة (السابعة) وهي (إذا اوصى في حج وغيره قدم الواجب) على غيره (فان كان الكل واجبا) كحج وزكاة وخمس وكفارة ونحو ذلك (وقصرت التركة قسمت على الجميع بالحصص) وعن بعض أصحابنا تقديم الحج لاولويته، ولا ريب في ضعفه بل ربما كان احتمال تقديم غيره من الحق المالي الصرف للناس أولى. المسألة (الثامنة من) كان (عليه حجة الاسلام ونذر أخرى ثم مات بعد) حصول (الاستقرار) لهما بحصول التمكن منهما فلم يفعل فعن أبي علي والشيخ ويحيى بن سعيد بل المصنف في المعتبر (أخرجت حجة الاسلام من

[ 408 ]

الاصل والمنذورة من الثلث) لانه كالمتبرع به، وصحيح ضريس بن أعين (1) " سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجة الاسلام ونذر في شكر ليحجن رجلا فمات الرجل الذي نذر قبل أن يحج حجة الاسلام وقبل أن يفي لله بنذره فقال: إن كان ترك مالا حج عنه حجة الاسلام من جميع ماله، ويخرج من ثلثه ما يحج به عنه للنذر، وإن لم يكن ترك مالا إلا بقدر حجة الاسلام حج عنه حجة الاسلام مما ترك وحج عنه وليه النذر، فانما هو مثل دين عليه " وصحيح ابن أبي يعفور (2) سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل نذر لله إن عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه إلى بيت الله الحرام، فعافى الله الابن ومات الاب، فقال: الحجة على الاب يؤديها عنه بعض ولده، قال: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه، فقال: هي واجبة على الاب من ثلثه أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه " فان إحجاج الغير ليس إلا بذل المال لحجه، فهو دين مالي محض بلا شبهة، فإذا لم يجب إلا من الثلث فحج نفسه أولى (و) بذلك يظهر لك ما في مناقشة سيد المدارك في الاستدلال بهما، كما أن منه ايضا يظهرانه (لو ضاق المال إلا عن حجة الاسلام اقتصر عليها، ويستحب ان يحج عنه للنذر) نعم لما كان ذلك مخالفا للاصول ولم يعلم العمل به من الاصحاب ولا استقرار ذلك عليه حمله في محكي المختلف على النذر في مرض الموت، فيسقط الاستدلال به حينئذ. (و) لعله لذا (منهم) أي الاصحاب كابن إدريس بل قيل انه مقتضى إطلاق المقنعة والخلاف (من ساوى بين المنذورة وحجة الاسلام في الاخراج من الاصل، والقسمة مع قصور التركة، وهو أشبه) بأصول المذهب وقواعده


(1) و (2) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 - 3 الجواهر - 51

[ 409 ]

ضرورة كون كل منهما دينا، واحتمال سقوط المنذورة لانه واجب بدني كما في المدارك مناف لما يظهر من الادلة من كونه واجبا ماليا، سواء تعلق به خطاب الاصل أو خطاب النذر كما أوضحنا ذلك سابقا، نعم قد يشكل القسمة بينهما في حال القصور مع فرض عدم حصول كل منهما بما يخصه بعدم الفائدة في التقسيم المزبور، وبامكان ترجيح حج الاسلام بوجوبها بأصل الشرع، والتفريط في تأخيرها لوجوب المبادرة بها، وما سمعته من صحيح ضريس، ولكن يستحب قضاء المنذورة عنه للخبرين (1) وعن ظاهر ابي علي الوجوب، ولعله لذا جزم في القواعد بخروج المنذورة من الاصل كحج الاسلام، وبقسمة التركة بينهما أي مع سعتها لهما، ثم قال: ولو اتسعت لاحدهما خاصة قدمت حجة الاسلام، بل حكاه شارحه عن النهاية والمبسوط والسرائر والجامع والاصباح، بل وعن المصنف في الكتاب، بل قال: " لا فرق بين تقدم النذر على استقرار حجة الاسلام وتأخره عنها، وكذا إن وجبتا من البلد واتسعت التركة لاحدهما منه وللاخرى ومن الميقات أخرجت حجة الاسلام من البلد والمنذورة من الميقات، إلا أن يدخل السير من البلد في النذر، فيقوى العكس، لاصالة وجوبه حينئذ فيها، وفي حجة الاسلام من باب المقدمة " قلت: لكن ظاهر المصنف عدم ترجيح إحداهما على الاخرى، فتوزع التركة عليهما ولو لبعض الافعال فيهما، كما أن ظاهره عدم العمل بالصحيح المزبور فيما تضمنه حيث انه - بعد ان أشار إليه بقوله: (وفي الرواية إذا نذر أن يحج رجلا ومات وعليه حجة الاسلام أخرجت حجة الاسلام من الاصل وما نذره من الثلث) - قال: (والوجه التسوية، لانهما دين) كما صرح به في ذيل الخبر المزبور، ومنه يظهر نوع اضطراب فيه، هذا، وقد تقدم سابقا ما له نفع في المقام، فلاحظ وتأمل.


(1) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب وجوب الحج - الحديث 1 و 3

[ 410 ]

إلى هنا تم الجزء السابع عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه وقد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه ومقابلته للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف نور الله ضريحه وقد خرج بعون الله ولطفه خاليا عن الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر ويتلوه الجزء الثامن عشر في أقسام الحج إن شاء الله تعالى عباس القوچاني صرح به في ذيل الخبر المزبور، ومنه يظهر نوع اضطراب فيه، هذا، وقد تقدم سابقا ما له نفع في المقام، فلاحظ وتأمل.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية