جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 18


[ 1 ]

جواهر الكلام (في شرح شرائع الاسلام) تأليف شيخ الفقهاء وامام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنه 1266 الجزء الثامن عشر قوبل بنسخه الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچانى نهض بمشروعه الشيخ على الآخوندى نام كتاب: جواهر الكلام تأليف: الشيخ محمد محمد حسن النجفي ناشر: دار الكتب الاسلامية تيراژ: 1500 جلد نوبت چاپ: دوم تاريخ انتشار: 1365 چاپ از: چاپخانه خورشيد


آدرس ناشر: تهران، بازار سلطاني، دار الكتاب الاسلاميه

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (المقدمة الثالثة) (في أقسام الحج) (وهي ثلاثة: تمتع وقران وإفراد) بلا خلاف أجده فيه بين علماء الاسلام بل إجماعهم بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المتواترة فيه أو القطعية، بل قيل إنه من الضروريات، لكن عن عمر (2) متواترا أنه قال: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا محرمهما ومعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج) وظاهره عدم مشروعية المتعة في الحج أصلا بمعنى بقاء الحج عنده كما كان قبل نزول التمتع ما بين إفراد وقران، وقد أخبره بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله في المروي (3) متواترا عنه في حجة الوداع (أنه جاءه جبرئيل عند فراغه من سعيه


(1) الوسائل - الباب - 1 و 2 - من ابواب اقسام الحج. (2) الغدير للاميني ج 6 ص 209 الى 213. (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 و 13 و 24 و 32

[ 3 ]

فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلا سائق هدي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا جبرئيل وأومأ بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هديا بأن يحل ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل الذي أمرتكم، ولكن سقت الهدي ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، قال: فقال له رجل من القوم - وهو عمر -: لنخرجن حجاجا ورؤوسنا تقطر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنك لم تؤمن بعدها أبدا، فقال له سراقة بن مالك بن خثعم الكناني: يارسول الله علمنا ديننا كأنما خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو لما يستقبل وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: بل هو للابد إلى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه بعضها إلى بعض وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) ولكن أولياؤه حملوا ذلك منه على إرادة الانتقال من حج الافراد إلى التمتع، وعلى كل حال هي مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وآله على وجه يقتضي الكفر، وكم له وكم له، وكفى بالله حاكما. (أما) حج (التمتع فصورته) المتفق عليها في الجملة على الاجمال (أن يحرم من الميقات بالعمرة المتمتع بها) إلى الحج ويتوصل بها إليه من قولهم حبل ماتع أي طويل، ومتع النهار طال وارتفع، أو المنتفع بها بالتحلل بينها وبين الحج، أو بالاحرام للحج من مكة، وإلا لاحتيج إلى الاحرام له من غير مكة، أو بفعلها في أشهر الحج لما يقال من أنه لم يكن تفعل في الجاهلية فيها، أو غير ذلك مما لا يجب التعرض له في النية قطعا، بل يكفي فيها قصد عمرة هذا النوع من الحج (ثم يدخل مكة فيطوف) لها (سبعا بالبيت، ويصلي ركعتيه بالمقام ثم يسعى) لها (بين الصفا والمروة سبعا ويقصر) وستعرف أن أركان العمرة من هذه: الاحرام والطواف والسعي، وأما التلبية ففيها خلاف، كمعروفية الخلاف في النية أنها شرط أو ركن (ثم ينشئ إحراما للحج من مكة) إلا مع النسيان

[ 4 ]

وتعذر الرجوع (يوم التروية) الثامن من ذي الحجة الذي أمر الله فيه ابراهيم عليه السلام أن يروي من الماء (على الافضل، وإلا بقدر ما يعلم أن يدرك الوقوف) بعرفات (ثم يأتي عرفات) يوم عرفة (فيقف بها) من الزوال (إلى الغروب) مع الاختيار (ثم يفيض) ويمضي منها (إلى المشعر ف‍) يبيت فيه و (يقف به) مع الاختيار (بعد طلوع الفجر، ثم يفيض إلى منى فيحلق بها يوم النحر ويذبح هديه) أو ينحر إلا إذا فقده، ويأكل منه (ويرمي جمرة العقبة) مراعيا للترتيب بينها، فيرمي أولا ثم يذبح أو ينحر، ثم يحلق أو يقصر أو يمر الموسى على رأسه إن لم يكن عليه شعر (ثم) يمضي لكن في المتن هنا (إن شاء أتى مكة ليومه أو لغده) لعذر أو مطلقا على الخلاف الاتي (فيطوف طواف الحج ويصلي ركعتيه ويسعى سعيه ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتين) ويأتي تأخير الذبح أو الحلق عن الطواف والسعي ضرورة أو نسيانا، وتقديم الطواف والسعي على الوقوفين ضرورة (ثم عاد إلى منى لرمي ما تخلف عليه من الجمار) فيبيت بها ليالي التشريق، وهي ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ويرمي مع الاختيار في أيامها الجمار الثلاث، ولمن اتقى النساء والصيد في إحرامه كما ستعرف إن شاء الله أن ينفر في الثاني عشر، فيسقط عنه رمي الثالث والمبيت ليلته كما أشار إليه المصنف بقوله: (وإن شاء أقام بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر ومثله يوم الثاني عشر ثم ينفر بعد الزوال، وإن أقام إلى النفر الثاني) وهو الثالث عشر ولو قبل الزوال لكن بعد الرمي (جاز أيضا وعاد إلى مكة للطوافين والسعي) وفي المدارك حكمه بجواز الاقامة بمنى أيام التشريق قبل الطوافين والسعي مناف لما سيذكره في محله من عدم جواز تأخير ذلك عن غده يوم النحر، وكأنه رجوع عن الفتوى، وربما جمع بين الكلامين بحمله على الجواز هنا على معنى الاجزاء، وهو لا ينافي

[ 5 ]

حصول الاثم بالتأخير، وهو مقطوع بفساده، والاصح ما اختاره المصنف هنا من جواز تأخير ذلك إلى انقضاء أيام التشريق، للاخبار الكثيرة (1) الدالة عليه وسيجئ الكلام في ذلك مفصلا، وقد تبع في ذلك جده، قال: (جواز الاقامة بمنى أيام التشريق قبل الطوافين والسعي للمتمتع وغيره، هو أصح القولين، وبه أخبار صحيحة، وما ورد (2) منها مما ظاهره النهي عن التأخير محمول على الكراهة جمعا بينها، وعلى هذا القول يجوز تأخيرهما طول ذي الحجة، وربما قيل بجواز تأخير المتمتع عن يوم النحر إلى الغد خاصة، وجمع الشيخ بين الاخبار بحمل أخبار التأخير على غير المتمتع، وأخبار النهي عليه، وما قدمناه أجود، واعلم أنه سيأتي في كلام المصنف اختيار المنع عن الغد من غير إشارة إلى خلاف وهنا اختار الجواز كذلك، وكأنه رجوع) إلى آخره، قلت: ستعرف التحقيق في ذلك إن شاء الله، كما تعرف أن أركان الحج من هذه: الاحرام والوقوفان وطواف الحج وسعيه بمعنى البطلان بترك أحدهما عمدا بل الوقوفين ولو سهوا، إذ قد عرفت أن المراد هنا الذكر على الاجمال. (و) كيف كان ف‍ (هذا القسم فرض) البعيد عن مكة ممن لم يكن قد حج مع الاختيار باجماع علمائنا، والمتواتر (3) من نصوصنا الذي منه يظهر وجه الدلالة في الآية (4) أيضا، بل لعله من ضروريات مذهبنا، نعم في تحديد ذلك


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب زيارة البيت من كتاب الحج (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب زيارة البيت - الحديث 7 و 8 من كتاب الحج (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب اقسام الحج (4) سورة البقرة - الآية 192

[ 6 ]

خلاف بيننا، فعن المبسوط والاقتصاد والتبيان ومجمع البيان وفقه القرآن وروض الجنان والجمل والعقود والغنية والكافي والوسيلة والسرائر والجامع والاصباح والاشارة وغيرها هو (من كان بين منزله وبين مكة اثنى عشر ميلا فما زاد من كل جانب، وقيل) والقائل القمي في تفسيره والصدوقان والمصنف في النافع والمعتبر والفاضل في المختلف والتذكرة والتحرير والمنتهى والشهيدان والكركي وغيرهم: (ثمانية وأربعون ميلا) بل في المدارك نسبته إلى اكثر الاصحاب، وفي غيرها إلى المشهور وإن كنا لم نتحققه، كما أنه لا يخفى عليك ضعف ما عن المصنف من نسبة القول الاول إلى الندرة، ولعل الاول لنص الآية (1) على أنه فرض من لم يكن حاضري المسجد الحرام، ومقابل الحاضر هو المسافر، وحد السفر أربعة فراسخ كما حررناه في محله مؤيدا باطلاق ما دل (2) على وجوب التمتع خرج منه الحاضر وما ألحق به مما هو دون ذلك قطعا، فيبقى الباقي، ولعل الثاني لصحيح زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام (قلت له: قول الله عز وجل في كتابه ذلك لمن - إلى آخره - فقال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلا ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة) وعن القاموس (عسفان كعثمان موضع على راحلتين من مكة، وذات عرق بالبادية ميقات أهل العراق) وعن التذكرة (ذات عرق على مرحلتين من مكة) وعن المصباح المنير (المرحلة المسافة التي يقطها المسافر في نحو يوم، والجمع مراحل) وعن كتاب


(1) سورة البقرة - الآية 192 (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب اقسام الحج (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3

[ 7 ]

شمس العلوم (يقال بينهما مرحلة أي مسيرة يوم) مؤيدا أيضا بالصحيح (1) عن عبد الله الحلبي وسليمان بن خالد وأبي نصر عن أبي عبد الله عليه السلام (ليس لاهل مكة ولا لاهل مر ولا لاهل شرف متعة، وذلك لقول الله عزوجل: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري - إلى آخره -) ونحوه خبر سعيد الاعرج (2) بناء على ما في المعتبر من أنه معلوم كون هذه المواضع اكثر من اثنى عشر ميلا، بل عن القاموس (إن بطن مر موضع من مكة على مرحلة، وشرف ككتف موضع قريب للتنعيم) لكن عن الواقدي (بين مكة ومر خمسة أميال) وعن النهاية في حديث تزويج ميمونة بشرف (3) هو بكسر الراء موضع من مكة على عشرة أميال، وقيل أقل واكثر، وخبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قلت لاهل مكة متعة قال: لا. ولا لاهل بستان ولا لاهل ذات عرق ولا لاهل عسفان ونحوها) وفي الوافي (البستان بستان ابن عامر قرب مكة مجتمع النخلتين اليمانية والشامية) وخبر زرارة (5) عن أبي جعفر عليه السلام (سألته عن قول الله عزوجل: ذلك لمن - إلى آخره - قال: ذلك أهل مكة، ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة قلت: فما حد ذلك ؟ قال: ثمانية وأربعون ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان وذات عرق) وخبر علي بن جعفر (6) (قلت لاخي موسى (عليه السلام): لاهل


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1 وفيه عن عبيد الله الحلبي وسليمان بن خالد وابي بصير كلهم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " ليس لاهل مكة ولا لاهل مر ولا لاهل سرف متعة.. الخ " كما في التهذيب ج 5 ص 32 الرقم 96. (2) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج الحديث 6 - 12 - 7 - 2 (3) البحار ج 21 ص 46 الطبع الحديث

[ 8 ]

مكة أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج فقال: لا يصلح أن يتمتعوا لقول الله عزوجل: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) هذا، ولكن في حسن (1) حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: (ذلك) إلى آخره قال: (من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها، وثمانية عشر ميلا من خلفها، وثمانية عشر ميلا عن يمينها، وثمانية عشر ميلا عن يسارها، فلا متعة له مثل مر وأشباهه). وفي المدارك (يمكن الجمع بينه وبين صحيح زرارة السابق بالحمل علي التخيير بين التمتع وغيره لمن بعد بثمانية عشر ميلا، والتعيين على من بعد بثمانية وأربعين ميلا، لكنه كما ترى لا شاهد له، وفي صحيح حماد بن عثمان (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حاضري المسجد الحرام قال: (ما دون المواقيت إلى مكة) وفي صحيح الحلبي (3) عنه عليه السلام أيضا قال في حاضري المسجد الحرام: (ما دون المواقيت إلى مكة من حاضري المسجد الحرام، وليس لهم متعة) ولا يخفى عليك ما في هذه النصوص من التشويش بل والاشكال حتى ان المحدث البحراني مع إطنابه فيها قد اعترف بذلك، لان الثمانية والاربعين عبارة عن مسيرة يومين كما صرحوا به في مسافة القصر، وحينئذ يلزم الاشكال في خبري زرارة وابي بصير، بل وكلام الاصحاب الذين صرحوا بأن عسفان وذات عرق من توابع مكة وداخلة في مسافة الثمانية والاربعين، وقد سمعت التصريح عن القاموس والعلامة في التذكرة بكونهما على مرحلتين عن مكة، كما انك قد سمعت كون المراد بالمرحلة مسيرة يوم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج الحديث 10 - 5 - 4 الجواهر - 1

[ 9 ]

وحينئذ يكون الموضعان خارجين عن المسافة المزبورة - إلى ان قال - ولا مناص عن الاشكال إلا بالطعن فيما سمعته من القاموس والتذكرة بكون المكانين ليس على مرحلتين، أو بالطعن فيما سمعته من المصباح وشمس العلوم من عدم كون المرحلة مسيرة يوم، والكل مشكل) انتهى. وحاول ابن إدريس رفع الخلاف بين الاصحاب بتقسيط الثمانية والاربعين على الجوانب، فقال: (وحده من كان بينه وبين المسجد الحرام ثمانية واربعون ميلا من اربع جوانب البيت من كل جانب اثنى عشر ميلا) ولعله استشعره مما في محكي المبسوط، وهو كل من كان بينه وبين المسجد الحرام إثنى عشر ميلا من جوانب البيت، والاقتصاد من كان بينه وبين المسجد من كل جانب إثنى عشر ميلا، وما عن الحلبي (واما القران والافراد ففرض اهل مكة وحاضريها ومن كان داره إثنى عشر ميلا من اي جهاتها كان) واصرح من ذلك ما عن التبيان (ففرض التمتع عندنا هو اللازم لكل من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وهو من كان على اثنى عشر ميلا من كل جانب إلى مكة ثمانية واربعين ميلا) بل عن ابن الربيب موافقته على هذا التنزيل، وجعل من الصريح فيه قول الصدوق: (وحد حاضري المسجد اهل مكة وحواليها على ثمانية واربعين ميلا) ونحوه كلامه في الهداية والامالي، وان كان فيه ما فيه، ولكن ذلك كله يؤيد ما قلناه من الرجوع إلى اطلاق ما دل على وجوب التمتع مع الاقتصار على الفرد المتيقن من الملحق بالحضور، وهو من الاثنى عشر ميلا فما دون، بل لعل ذلك هو المتعارف في التجوز بالحضور والموافق لحواليها، بخلاف الثمانية واربعين ميلا المنافية للحضور حقيقة وتجوزا، فلا يصلح تحديدا على وجه يكون تحقيقا في تقريب على حسب غيره مما جاء التحديد فيه كذلك مثل المسافة والوجه والركوع ونحوها، واحتمال المراد شرعا وان لم يكن من افراد مجاز الحضور كما ترى،

[ 10 ]

بل قوله (عليه السلام): (دون عسفان وذات عرق) الذين قد عرفت انهما على مرحلتين يؤيد الاثنى عشر ميلا، لعدم القائل بغيرها مما هو دون الثمانية واربعين ميلا بل يؤيده أيضا خبر الثمانية عشر (1) فانه أقرب إليها من الثمانية وأربعين بل لعله من الاثنى عشر ميلا التقريبية، كما أنه قد يؤيد ما ذكره ابن إدريس معلومية عدم كون الثمانية وأربعين ميلا من مجاز الحضور فضلا عن حقيقته، فلا ريب في أن الاقوى التحديد بالاثنى عشر مع احتمال إرادة التقريبية منها التي يندرج فيها الثمانية عشر فضلا عن كون مبدأ التحديد مكة أو المسجد وان من كان على رأسها فهو من الداخل أو الخارج، ضرورة أن ذلك كله إنما يجئ على التحقيقي لا التقريبي الذي يندرج فيه ذلك كله، فتأمل جيدا فان منه يمكن الجمع بين النصوص كلها. وكيف كان (فان عدل هؤلاء إلى القران أو الافراد في حجة الاسلام اختيارا لم يجز) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه (و) لما عرفت من أنهم مأمورون بغيرهما حاله، كما لا خلاف في أنه (يجوز) لهم ذلك (مع الاضطرار) كضيق وقت أو حيض، بل الاجماع أيضا بقسميه عليه مضافا إلى النصوص (2) المستفيضة أو المتواترة في ذلك، وستسمع جملة منها إن شاء الله، وكذا لا خلاف أيضا في أفضلية التمتع على قسيميه لمن كان الحج مندوبا بالنسبة إليه لعدم استطاعته، أو لحصول حج الاسلام منه، والنصوص (3) مستفيضة فيه أو متواترة، بل هو من قطعيات مذهب الشيعة، بل في بعضها (4) عن الصادق


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 10 (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج (3) و (4) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب اقسام الحج - الحديث - 14

[ 11 ]

عليه السلام (لو حججت ألفي عام ما قدمتها إلا متمتعا) ولا فرق في ذلك بين أن يحج عن نفسه أو عن غيره، ولا بين من اعتمر في رجب أو شهر رمضان وغيره، بل ولا بين المقيم في مكة منذ عشر سنين وغيره. (و) لكن (شروطه) أي حج المتمتع سواء كان مندوبا أو واجبا (أربعة) الاول (النية) التي قد عرفت اعتبارها في كل عبادة، إلا أنه قيل المراد بها هنا نية الاحرام كما في الدروس، وفيه أن ذكرها فيه حينئذ مغن عنه هنا، على أنه لا فرق بينه وبين باقي أفعال الحج والعمرة في اعتبار النية فيها، فلا معنى لتخصيص الاحرام من بينها بذلك وإن قيل إن الوجه في ذلك كونه معظم الافعال وكثير الاحكام، لكنه كما ترى، ولعله لذا كان الاولى إرادة نية حج التمتع بجملته، بل في المدارك عن الشارح أن ظاهر الاصحاب وصريح سلار ذلك وإن كان المحكي عن الآخر أنه قال: نية الخروج إلى مكة، بل في كشف اللثام عنه أنه قدمها على الدعاء للخروج من المنزل وركوب الراحلة والمسير، إلا أن الظاهر منه إرادة نية النوع المخصوص من الحج ولكن أشكله هو وغيره باقتضائه الجمع بين هذه النية والنية لكل فعل من أفعال الحج على حدة ولا دليل عليه، بل الاخبار خالية عن ذلك، قلت: يمكن أن يكون مستنده صحيح زرارة (1) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل فقال: المتعة، فقلت: وما المتعة ؟ فقال: يهل بالحج في أشهر الحج فإذا طاف بالبيت وصلى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصر وأحل، فإذا كان يوم التروية أهل بالحج) إلى آخره، ولا داعي إلى حمله على إرادة العمرة من الحج، مضافا إلى الامر به جملة والامر بكل منها على وجه يظهر منه إرادة


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3

[ 12 ]

اعتبار النية المستقلة، وأنه لا تكفي فيه النية الاولى، ولا تنافي بين وجوب نية الاجمال ونية التفصيل، ولعل هذا أولى مما في كشف اللثام من أن المراد النية لكل من العمرة والحج وكل من أفعالهما المتفرقة من الاحرام والطواف والسعي ونحوها كما يأتي تفصيلها في مواضعها لا نية الاحرام وحده كما في الدروس، وفي الدروس والمراد بالنية نية الاحرام، ويظهر من سلار أنها نية الخروج إلى مكة، وفي المبسوط الافضل أن يقارن بها الاحرام، فان فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل ولعله أراد نية التمتع في إحرامه لا مطلق نية الاحرام، ويكون هذا التحديد بناء على جواز الاحرام المطلق كما هو مذهب الشيخ، أو على جواز العدول إلى التمتع من إحرام الحج أو العمرة المفردة، وهذا يشعر أن النية المعدودة هي نية النوع المخصوص، قلت: فيكون موافقا لما قلناه. (و) الثاني (وقوعه في أشهر الحج) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في خبر عمر بن يزيد (1): (ليس يكون متعة إلا في أشهر الحج) وغيره، فلا يصح وقوع بعض عمرته في غيرها فضلا عنه (وهي) على الاصح (شوال وذو القعدة وذو الحجة) كما عن الشيخين في الاركان والنهاية وابني الجنيد وإدريس والقاضي في شرح الجمل، لظاهر الاشهر في الآية (2) وصحيح معاوية بن عمار (3) عن الصادق عليه السلام وحسن زرارة (4) عن الباقر عليه السلام، وإجزاء الهدي وبدله طول ذي الحجة، بل الطواف والسعي كما ستعرف (وقيل) كما عن الحسن والتبيان والجواهر وروض الجنان هي


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1 (2) سورة البقرة - الآية 193 (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1 - 5

[ 13 ]

شوال وذو القعدة (وعشرة) أيام (من ذي الحجة) بل عن ظاهر الثاني والرابع اتفاقنا عليه، لان أفعال الحج بأصل الشرع تنتهي بانتهاء العاشر وإن رخص في تأخير بعضها وخروج ما بعده من الرمي والمبيت عنها، ولذا لا يفسد بالاخلال بها، وللخبر عن أبي جعفر عليه السلام (1) كما عن التبيان والروض (وقيل) كما عن الاقتصاد والجمل والعقود والمهذب الشهران الاولان (وتسعة) أيام (من ذي الحجة) لان اختياري الوقوف بعرفات في التاسع، بل عن الغنية وتسع من ذي الحجة أي تسع ليال، فيخرج التاسع إلا أن يكون توسع، ومن الكافي وثمان منه أي ثمان ليال، فيخرج الثامن إلا أن يكون توسع، وقد يكون ختمها بالثامن، لانه آخر ما شرع في أصل الشرع للاحرام بالحج وإن جاز التأخير رخصة (وقيل) كما عن المبسوط والخلاف والوسيلة والجامع الشهران و (إلي طلوع الفجر من يوم النحر) لانه لا يجوز الاحرام بالحج بعده، لفوات اضطراري عرفة، ولكن يدرك اختياري المشعر إلى طلوع شمسه، ولذا حكي عن ابن إدريس اختياره في موضع، بل قيل هو ظاهر جمل العلم والعمل والمصباح ومختصره ومجمع البيان ومتشابه القرآن، لان فيها انها شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة بتأنيث العشر المقتضي لكون التمييز أياما لا لياليا ويحتمل التوسع وكيف كان فالظاهر لفظية الاختلاف في ذلك كما اعترف به غير واحد، للاتفاق على أن الاحرام بالحج لا يتأتى بعد عاشر ذي الحجة وكذا عمرة التمتع، وعلى إجزاء الهدي وبدله طول ذي الحجة وأفعال أيام منى ولياليها، نعم في الدروس أن الخلاف فيها لعله مبني على الخلاف الآتي في وقت فوات المتعة: وفيه انه لا يتم في بعضها، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 6

[ 14 ]

(و) على كل حال ف‍ (ضابط وقت الانشاء) لحج التمتع وابتدائه في هذه المدة (ما يعلم انه يدرك المناسك) فيه كغيره من الواجبات الموقتة. (و) الثالث (ان يأتي بالحج والعمرة في سنة واحدة) بلا خلاف فيه بين العلماء كما اعترف به في المدارك وغيرها، وهو الحجة إن تم إجماعا مضافا إلى انسياقه من قوله صلى الله عليه وآله (1): (دخلت العمرة في الحج هكذا وشبك بين اصابعه) وصحيح حماد أو حسنه (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (من دخل مكة متمتعا في اشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج، فلا يزال على إحرامه، فان رجع إلى مكة رجع محرما ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه، وإن شاء وجهه ذلك إلى منى، قال: فان جهل وخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام ثم رجع في إبان الحج في اشهر الحج يريد الحج فيدخلها محرما أو بغير إحرام ؟ فقال عليه السلام: إن رجع في شهره دخل مكة بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرما، قال: فأي الاحرامين والمتعتين متعته الاولى أو الاخيرة ؟ قال: الاخيرة هي عمرته، وهي المحتبس بها التي وصلت بحجته) وخبر معاوية بن عمار (3) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: من اين يفترق المتمتع والمعتمر ؟ فقال: إن المتمتع يرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين عليه السلام في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 32 و 3 (2) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب اقسام الحج - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب العمرة - الحديث 3

[ 15 ]

والناس يروحون إلى منى) وصحيح صفوان (1) عن ابي جعفر عليه السلام (إذا دخل المعتمر مكة غير متمتع فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم عليه السلام فليلحق بأهله إن شاء، وقال: انما نزلت العمرة والمتعة لكن المتعة دخلت في الحج ولم تدخل العمرة في الحج) ومرسل ابان (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (المتمتع محتبس لا يخرج من مكه حتى يخرج إلى الحج إلا ان يأبق غلامه أو تضل راحلته فيخرج محرما، ولا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة) وصحيح زرارة (3) عن ابي جعفر عليه السلام (قلت له: كيف اتمتع ؟ قال: تأتي الموقف فتلبي إلى ان قال: وليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج) وصحيحه الآخر (4) عنه عليه السلام ايضا (قلت له: كيف اتمتع ؟ قال: تأتي الموقف فتلبي بالحج، فإذا اتى مكة طاف وسعى واحل من كل شئ وهو محتبس، وليس له ان يخرج من مكة حتى يحج) وحسن معاوية (5) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنهم يقولون في حجة التمتع حجة مكية وعمرته عراقية، قال: كذبوا، أو ليس هو مرتبط بحجته لا يخرج منها حتى يقضي حجه ؟) إذ الظاهر كون المراد بيان خطئهم في ذلك الذي مآله إلى كون حج التمتع حج افراد، وعمرة كذلك بزعمهم لحصول التحلل بينهما، فان الحج إذا كان مرتبطا بالعمرة على وجه لا يجوز له الاقتصار على العمرة لا تكون العمرة مفردة ولا الحج، فما في كشف اللثام - بعد ان ذكر الاستدلال بذلك وزاد ما رواه في المعتبر عن سعيد بن المسيب (6)


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب العمرة - الحديث 5 عن صفوان عن نجية عن ابي جعفر عليه السلام كما في الاستبصار ج 2 ص 325 الرقم 1152 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج الحديث 9 - 1 - 5 - 2 مع اختلاف في لفظ الاخير (6) سنن البيهقي ج 4 ص 356

[ 16 ]

(كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يعتمرون في اشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا) قال: ودلالة الجميع ظاهرة الضعف، ولكن ظاهر التذكرة الاتفاق عليه - لا يخلو من نظر، خصوصا بالنسبة إلى بعضها الذي هو كالصريح في ان عمرة التمتع مع حجه في تلك السنة كالعمل الواحد، بل ظاهرها انه لا يجوز له الاقتصار على العمرة وجعلها مفردة بعد ان دخل متمتعا بها، فانه بذلك يكون مرتبطا ومحتبسا بحج تلك السنة معها إلا مع الضرورة كما اعترف به في المدارك حاكيا له عن صريح الشيخ وجمع من الاصحاب، ولولا ظهور هذه النصوص في ذلك لاشكل: إثبات الشرطية المزبورة، إذ الموجود في التذكرة (الثالث ان يقع الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء اقام بمكة إلى ان حج أو رجع وعاد، لان الدم انما يجب إذا زاحم العمرة حجة في وقتها وترك الاحرام بحجه من الميقات مع حصوله بها في وقت الامكان، ولم يوجد وهذه الشرائط الثلاثة عندنا شرائط في التمتع) وليس صريحا في الاجماع بل ولا ظاهرا، على ان في الدروس والاعتبار بالاهلال في اشهر الحج لا بالافعال أو الاحلال، ثم قال: ولو اتى بالحج في السنة القابلة فليس بمتمتع، نعم لو بقي على إحرامه بالعمرة من غير إتمام الافعال إلى القابل احتمل الاجزاء، ولو قلنا إنه صار معتمرا بمفردة بعد خروج اشهر الحج ولما يحل لم يجز، وإن كان فيه ايضا ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، ضرورة ان ما ذكره من كون الاعتبار بالاهلال خلاف ظاهر النص والفتوى الدال على اشتراط وقوع العمرة في اشهر الحج، فانها اسم لمجموع الافعال، فيجب وقوعها فيها، ولا يكتفي بالاهلال، كضرورة منافاة ذلك لما سمعت من خبره الناص على الاتيان بهما في سنة واحدة، إذ من المعلوم عدم وقوع العمرة بتمامها في سنة الحج في الفرض، لان من افعالها الاحرام الجواهر - 2

[ 17 ]

والفرض وقوعه في السنة الماضية، على ان مقتضى قوله صلى الله عليه وآله: (دخلت العمرة في الحج) كون حكمها حكم الحج فكما لا يجوز البقاء على إحرام الحج إلى القابل فكذا العمرة، والله العالم. (و) الرابع (ان يحرم بالحج له من بطن مكة) مع الاختيار والتذكر بلا خلاف اجده فيه نصا (1) وفتوى، بل في كشف اللثام الاجماع عليه، لكن قال اسحاق (2): (سألت ابا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجئ فيقضي متعته ثم يبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة أو الى ذات عرق أو إلى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج قلت: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه قال: كان ابي مجاورا هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج، ودخل وهو محرم بالحج) ولا صراحة فيه فيما ينافي ذلك. (و) لكن (افضل مواضعه) منها (المسجد) اتفاقا كما في المدارك لكونه اشرف الاماكن، ولاستحباب الاحرام عقيب الصلاة التي هي في المسجد افضل، ولقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (3) (إذا كان يوم التروية ان شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين إحرامك من الشجرة، وأحرم بالحج) وفي خبر أبي بصير (4) (إذا أردت أن تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت أن تحرم إلى أن قال: ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست


(1) و (4) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب المواقيت - الحديث 0 - 4 (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 8 (3) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 18 ]

ركعات) إلى آخره. وعلى كل حال لا يتعين الاحرام منه اتفاقا كما عن التذكرة وإن أوهمته بعض العبارات، لكن سأل عمرو بن حريث (1) الصادق عليه السلام (من أين أهل بالحج ؟ فقال: إن شئت من رحلك وإن شئت من المسجد وإن شئت من الطريق) (وأفضله المقام) لقول الصادق عليه السلام في خبر عمر بن يزيد (2): (إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة، ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم أهل بالحج، فان كنت ماشيا فلب عند المقام، وإن كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك) وعن الصدوق التخيير بينه وبين الحجر، لحسن معاوية (3) السابق، لكن فيه أن اشتراكهما في الفضل بالنسبة إلى سائر الاماكن لا ينافي الافضلية المزبورة المستفادة من الامر به خاصة في خبر عمر بن يزيد، ومن تعدد الرواية به ومن موافقته الامر به في الآية (4) باتخاذه مصلى، نعم عن الكافي والغنية والجامع والنافع وشرحه والتحرير والمنتهى والتذكرة والدروس التخيير بينه وبين تحت الميزاب في الافضلية، وفي كشف اللثام وكأن المعنى واحد، واقتصر في محكي الارشاد والتلخيص والتبصرة على فضل ما تحت الميزاب ولم يذكر المقام، ولم نعثر له على شاهد يقتضي فضله على المقام، والامر في ذلك سهل بعد عدم تعين شئ منهما قطعا لما عرفت، مضافا إلى الاصل، وخصوص خبر يونس بن يعقوب (5) سأل الصادق عليه السلام (من أي المساجد أحرم يوم التروية ؟ فقال: من أي مسجد شئت) وفي كشف اللثام وكأنه إجماع وإن أوهم خلافه بعض العبارات، والله العالم.


(1) و (5) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب المواقيت - الحديث 2 - 3 (2) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (4) سورة البقرة - الآية 119

[ 19 ]

(ولو أحرم بالعمرة المتمتع بها في غير أشهر الحج لم يجز له التمتع بها) لما عرفته من اشتراط وقوع حج التمتع في أشهر الحج، ولذا قال في المدارك هذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب، بل النصوص وافية في الدلالة عليه، كصحيح عمر بن يزيد (1) السابق وغيره (2) (وكذا لو فعل بعضها في أشهر الحج) خلافا لبعض العامة وإن كان الاكثر خلافا لابي حنيفة منهم (و) حينئذ (لم يلزمه الهدي) الذي هو من توابع التمتع، لكن هل تقع العمرة صحيحة وإن لم يجز التمتع بها كما تشعر به العبارة، بل عن التذكرة والمنتهى التصريح به، بل عنهما التصريح بما هو أبلغ من ذلك من أن من أحرم بالحج في غير أشهره لم ينعقد إحرامه له وانعقد للعمرة مستدلا عليه بخبر الاحول (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج قال: يجعلها عمرة) أو لا تقع كما اختاره في المدارك فانه بعد أن ذكر ما حكيناه قال: (والاصح عدم الصحة مطلقا، أما عن المنوي فلعدم حصول شرطه، وأما عن غيره فلعدم نيته، ونية المقيد لا تستلزم نية المطلق كما قررناه مرارا) وتبعه في كشف اللثام، وعن التحرير التردد في ذلك، وفيه أنه لا ريب في البطلان بمقتضى القواعد العامة، ولكن لا بأس بالقول به للخبر المزبور مؤيدا بخبر سعيد الاعرج (4) قال أبو عبد الله عليه السلام: (من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة، وإن تمتع في غير أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم،


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب اقسام الحج (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 7 (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 20 ]

انما هي حجة مفردة، انما الاضحى على أهل الامصار) ودعوى عدم الدلالة صريحا - لاحتمال أن يكون المراد منها من أراد فرض الحج في غير أشهره لا يقع حجه صحيحا، بل ينبغي أن يجعل النسك الذي يريد فعله عمرة - يدفعها أن ذلك لا ينافي الظهور المعلوم كفايته كما هو واضح، هذا. وظاهر الاصحاب عدم اشتراط أمر آخر غير الشرائط الاربعة أو الثلاثة في حج التمتع، لكن عن بعض الشافعية اشتراط أمر آخر، وهو كون الحج والعمرة عن شخص واحد، فلو أوقع المتمتع الحج عن شخص والعمرة عن آخر تبرعا مثلا لم يصح، ويمكن أن يكون عدم ذكر أصحابنا لذلك اتكالا على معلومية كون التمتع عملا واحدا عندهم، ولا وجه لتبعيض العمل الواحد، فهو في الحقيقة مستفاد من كون حج التمتع قسما مستقلا، ويمكن أن لا يكون ذلك شرطا عندهم لعدم الدليل على الوحدة المزبورة التي تكون العمرة معها كالركعة الاولى من صلاة الصبح، وإلا لم تصح عمرته مثلا مع اتفاق العارض عن فعل الحج إلى أن مات، بل المراد اتصاله بها وإيجاب إردافه بها مع التمكن، وحينئذ فلا مانع من التبرع بعمرته عن شخص وبحجه عن آخر لاطلاق الادلة، بل لعل خبر محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام دال عليه، قال (سألته عن رجل يحج عن أبيه أيتمتع ؟ قال: نعم المتعة له والحج عن أبيه) وأما الوقوع من شخص واحد فلم أجد في كلام أحد التعرض له بمعنى أنه لو فرض التزامه بحج التمتع بنذر وشبهه فاعتمر عمرته ومات مثلا فهل يجزي نيابة أحد عنه مثلا بالحج من مكة ؟ وإن كان الذي يقوى عدم الاجزاء إن لم يكن دليل خاص، وربما يأتي في الابحاث الاتية نوع تحقيق له، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 11

[ 21 ]

(و) كيف كان فقد عرفت وتعرف أن (الاحرام) لعمرة كان أو لحج (من الميقات) الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله (مع الاختيار) وعرفت أيضا أن مكة ميقات لحج التمتع (و) حينئذ ف‍ (لو أحرم بحج التمتع من غير مكة لم يجزه ولو دخل مكة باحرامه على الاشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها اعتبار موافقة الامر في صحة العبادة وإجزائها (ووجب استئنافه منها) ليوافق الامر به، ودخول مكة بالاحرام من غيرها ولو من ميقات العمرة مع عدم تجديده منها لا يجدي في امتثال الامر به منها، خصوصا بعد فساد الاحرام الاول الحاصل من غير الميقات عمدا، واستدامة النية على ذلك الاحرام عند مروره ليست نية لانشائه، بلا خلاف أجده في شئ من ذلك بيننا، بل عن التذكرة والمنتهى نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه عندنا، نعم عن أحمد أنه يحرم للحج من الميقات، وعن الشافعي جواز ذلك له، وربما أشعرت عبارة المتن بوجود خلاف فيه بيننا، لكن عن شارح ترددات الكتاب إنكار ذلك، بل نقل عن شيخه أن المصنف قد يشير في كتابه بنحو ذلك إلى خلاف الجمهور، أو إلى ما يختاره من غير أن يكون خلافه مذهبا لاحد من الاصحاب فيظن أن فيه خلافا (و) بالجملة إشكال بل ولا خلاف محقق في فساد الاحرام لحج التمتع من غير مكة مع الاختيار، فلا يجديه حينئذ المرور فيها ما لم يجدد الاحرام منها له، كما هو واضح. نعم (لو تعذر ذلك) ولو لضيق الوقت (قيل) والقائل الشيخ في المحكي من خلافه (يجزيه) ذلك الاحرام الذي أوقعه في غيرها لعذر من نسيان أو غيره، وتبعه في كشف اللثام حاكيا له عن التذكرة أيضا للاصل ومساواة ما فعله لما يستأنفه في الكون من غير مكة، وفي العذر، لان النسيان عذر (والوجه أن يستأنفه حيث أمكن ولو بعرفة إن لم يتعمد ذلك) عالما بالحال،

[ 22 ]

لان ما أوقعه أولا لم يوافق أمرا به، فهو فاسد، ومن هنا كان مقتضى الاصل الفساد لا الصحة: وأما دعوى المساواة فلا ريب في أنها قياس والاصل يقتضي العكس، إذ المصحح للاحرام المستأنف انما هو الاجماع على الصحة معه، وليس النسيان مصححا له حتى يتعدى به إلى غيره، وانما هو مع العذر عذر في عدم وجوب العود، وهو لا يوجب الاجتزاء بالاحرام معه حيثما وقع، بل انما يجب الرجوع إلى الدليل: وليس هنا سوى الاتفاق، ولم ينعقد إلا على الاحرام المستأنف، وأما السابق فلا دليل عليه، نعم قد يقال بصحة إحرام مصادق العذر واقعا، كما لو نسي الاحرام منها وأحرم من غيرها في حال عدم تمكنه من الرجوع إليها لو كان متذكرا، لمصادفته الامر به واقعا حينئذ، فتأمل. هذا كله في المعذور، أما العامد فان أمكنه استئنافه منها استأنفه، وإلا بطل حجه ولم يفده الاستئناف من غيرها، بل قد يتوهم من نحو إطلاق المتن عدم الفرق بين جاهل الحكم وغيره، اللهم إلا أن يدعى إرادة العالم من العامد، ولعله كذلك، لتظافر الاخبار بعذره إذا أخر الاحرام عن سائر المواقيت، قال زرارة (1) (عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت وهي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال، فسألوا بعض الناس فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم منه وكانت إذا فعلت لم تدرك الحج، فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) فقال: تحرم من مكانها قد علم الله نيتها) وقال ابن عمار (2): (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري أعليك


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب المواقيت - الحديث 6 - 4 من كتاب الحج

[ 23 ]

إحرام أم لا وأنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم، فقال: إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه، وإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها الحج فتحرم) وقال سورة بن كليب (1) (قلت لابي جعفر (عليه السلام): خرجت معنا امرأة من أهلنا فجهلت الاحرام فلم تحرم حتى دخلنا مكة ونسينا أن نأمرها بذلك فقال: فمروها فلتحرم من مكانها من مكة أو من المسجد) وقال عبد الله (2): (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مر على الوقت الذي أحرم الناس منه فنسي أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج فقال: يخرج من الحرم فيحرم ويجزيه ذلك) وقال الكناني (3): (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جهل أن يحرم حتى دخل الحرم كيف يصنع ؟ قال: يخرج من الحرم ثم يهل بالحج) بل أطلق في خبر الحلبي (4) على وجه يشمل العالم العامد وإن لم نجد به قائلا هنا، بل صرح غير واحد بفوات نسكه حينئذ كما هو مقتضى القواعد، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم فقال: يرجع إلى ميقات أهل بلاده الذين يحرمون منه فيحرم، وإن خشي أن يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج) بل في مرسل جميل (5) عن أحدهما (عليهما السلام) (في رجل نسي ان يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى قال: يجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وإن لم يهل) بل في صحيح علي بن جعفر (6) عن اخيه عليهما السلام - الذي استدل به في المدارك على الحكم المزبور


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب المواقيت الحديث 5 - 2 - 3 - 7 (5) و (6) الوسائل - الباب - 20 من ابواب المواقيت - الحديث 1 - 2

[ 24 ]

وإن كان فيه ما فيه - خصوص المتمتع، قال: (سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه) إلا ان الاستدلال به موقوف على القول بمضمونه حتى يستفاد منه حكم المقام بالاولوية، وتسمع إن شاء الله تحقيق القول في ذلك، واحتمال الفرق بين ميقات إحرام حج المتمتع وغيره بعيد، بل قوله (عليه السلام) في بعضها: (قد علم الله نيتها) مما هو كالتعليل الشامل للمقام. (و) على كل حال ف‍ (هل يسقط الدم والحال هذه) اي احرم بالحج من غير مكة للعذر بل في ميقات العمرة أو مر عليه وهو محرم بالحج ؟ (فيه تردد) ينشأ من انه جبران لما فات من إحرام الحج من الميقات كما عن الشافعي، فيتجه حينئذ سقوطه في الاول المفروض فيه حصوله من الميقات، بل والثاني في وجه وهو مروره وهو متلبس به عليه، بل قيل هو ظاهر المبسوط، وحينئذ فيسقط عن الاول بطريق الاولى، ومن انه نسك مستقل لا مدخلية له في ذلك - كما هو ظاهر الاصحاب، بل والادلة بل عن صريح المبسوط وصريح الخلاف انه نسك بل عن صريح الثاني منهما عدم سقوطه عنهما - فالتردد فيه حينئذ واضح الضعف. (ولا يجوز للمتمتع الخروج من مكة حتى يأتي بالحج) وفاقا للمشهور على ما في المدارك (لانه صار مرتبطا به) كما سمعت المعتبرة المستفيضة به (إلا على وجه لا يفتقر إلى تجديد عمرة) بأن يخرج محرما بالحج باقيا على إحرامه حتى يحصل الحج منه، أو يعود للحج قبل مضي شهر كما في القواعد جمعا بين النصوص السابقة وبين مرسل موسى بن القاسم (1) عن بعض اصحابنا (انه سأل


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 الجواهر - 3

[ 25 ]

أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال فقال: إنى اريد ان افرد عمرة هذا الشهر فقال: انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: ان المدينة منزلي ومكة منزلي ولي فيهما أهل وبينهما أموال فقال: انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: فان لي ضياعا حول مكة وأريد الخروج إليها فقال: تخرج حلالا وترجع حلالا إلى الحج، بناء على كون السؤال منه عن إفراد العمرة بعد ان قصد التمتع بها، وإطلاقه الحل خارجا وراجعا مقيد بما إذا رجع قبل شهر، لخبر إسحاق بن عمار (1) سأل أبا الحسن (عليه السلام) (عن المتمتع يجئ فيقضي متعته ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة والى ذات عرق والى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج) ومرسل الصدوق (2) عن الصادق (عليه السلام) (إذا أراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا ان يعلم أنه لا يفوته الحج، وان علم وخرج وعاد في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلا، وان دخلها في غير ذلك الشهر دخل محرما) وحسن حماد (3) السابق. لكن فيه أن المرسل الاخير يقتضي الجواز ولو بعد شهر لكن يعود بعمرة جديدة، على أن هذه النصوص غير جامعة لشرائط الحجية، ولا شهرة محققة جابرة لها، بل لم نعرف ذلك إلا للمصنف والفاضل، بل في كشف اللثام أنه أطلق المنع في الوسيلة والمهذب والاصباح وموضع من النهاية والمبسوط، واستثنى ابن حمزة الاضطرار وان قال الشهيد: لعلهم أرادوا بالخروج المحوج إلى عمرة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج الحديث 108 - 6

[ 26 ]

أخرى كما قاله في المبسوط أو الخروج لابنية العود، لكن فيه انه لا داعي إلى ذلك بل يمكن انه يكون لحرمة الخروج مطلقا عندهم. وعلى كل حال فالمتجه الاقتصار في الخروج على الضرورة، وان لا يخرج معها إلا محرما، لاطلاق النصوص المزبورة، ولاحتمال عدم التمكن بعد ذلك من العود إلى مكة للاحرام بالحج، أو لصدق الاتصال حينئذ بالحج، ولغير ذلك، لكن في كشف اللثام إلا ان يتضرر كثيرا بالبقاء على الاحرام لطول الزمان، فيخرج محلا حينئذ للاصل وانتفاء الحرج، ومرسل موسى بن القاسم المتقدم على وجه، بل قال: ومرسل الصدوق يحتمله والجهل وفيه ان الاصل مقطوع باطلاق الادلة: وعدم الحرج الذي يصلح مقيدا له، كالاحتمال في المرسلين اللذين لا جابر لهما، ودعوى ان الحرمة انما هي لفوات الارتباط بين الحج وعمرته فلا معنى لها مع فرض عدم الاقتقار إلى عمرة بالرجوع قبل شهر يدفعها انها كالاجتهاد في مقابلة النصوص السابقة بناء على العمل بها، نعم عن السرائر والنافع والمنتهى والتذكرة وموضع من التحرير وظاهر التهذيب وموضع من النهاية والمبسوط كراهة الخروج لا حرمته. للاصل والجمع بين النصوص بشهادة قوله (عليه السلام): (ما أحب) في خبر حفص (1) منها، وهو لا يخلو من وجه. (و) كيف كان ف‍ (لو جدد عمرة) بخروجه محلا لرجوعه بعد شهر (تمتع بالاخيرة) وتصير الاولى مفردة، لحسن حماد السابق، ولارتباط عمرة التمتع بحجه، وظهور الآية (2) في الاتصال، بل في كشف اللثام ولعله اتفاقي


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 7 وهو خبر الحلبي (2) سورة البقرة - الآية 192

[ 27 ]

والظاهر عدم طواف للنساء عليه وان احتمله بعضهم، لانه أحل منها بالتقصير وربما أتى النساء قبل الخروج، ومن البعيد جدا حرمتهن عليه بعده من غير موجب، ولو رجع قبل شهر دخل مكة محلا، لكن عن التهذيب والتذكرة ان الافضل ان يدخل محرما بالحج، لخبر اسحاق بن عمار المتقدم سابقا في الاحرام من مكة الذي قلنا لا صراحة فيه بذلك أي جواز الاحرام لحج التمتع من غير مكة، لجواز حج الصادق عليه السلام مفردا أو قارنا، بل في كشف اللثام وكلام الشيخ يحتمله بعيدا، وإعراض الكاظم (عليه السلام) عن الجواب وجواز صورة الاحرام تقية، وامر الكاظم (عليه السلام) أيضا بها تقية ويمكن القول باستحبابه أو وجوبه تعبدا وان وجب تجديده بمكة، ويجوز كون الحج بمعنى عمرة التمتع بل العمرة مطلقا، ويأتي انشاء الله تمام الكلام فيه كما أنه يأتي الكلام في اعتبار الفصل بالشهر بين العمرتين، وان ظاهر نصوص المقام اعتبار كون الرجوع في غير شهر عمرته في العمرة الجديدة، لافصل شهر كما هو ظاهر الاصحاب وصريح بعضهم حتى أنهم اختلفوا في مبدأ حساب الشهر وانه من إخلاله بالعمرة أو غير ذلك، بل ان لم يكن اجماعا أمكن القول ان ذلك البحث إنما هو في الفصل بين العمرتين المفردتين لا في مثل الفرض الذي هو عمرة التمتع التي يجب كمالها بالحج بعدها، وقد دخلت فيه دخول الشئ بعضه في بعض كما هو مقتضى تشبيك أصابعه (صلى الله عليه وآله)، فهو حينئذ قبل قضائه في أثناء العمل، فلا وجه لاستئنافه عمرة في أثنائه، والنصوص المزبورة مع عدم جامعية كثير منها شرائط الحجية يمكن حملها على التقية، ولعل ما في النصوص من الخروج محرما تعليم للجمع بين قضاء ضرورته وايصال حجه بعمرته، نعم لو قلنا بفساد عمرة تمتعه بخروجه ورجوعه بعد شهر أمكن حينئذ القول باستئناف عمرة جديدة، لوجوب الحج عليه بافساده

[ 28 ]

إلا أنه ليس قولا لاحد من الاصحاب والحاصل ان المسألة غير محررة في كلام الاصحاب، والتحقيق ما ذكرنا، وربما يأتي لذلك إنشاء الله تتمة. ولعله لذا تردد الشهيد في حواشي الدروس في بعض أحكام المسألة قال: (وهنا فوائد الاولى هل يحرم بهذه العمرة من خارج الحرم أو من ميقات عمرة التمتع ؟ نظر. الثانية هل هذه عمرة التمتع حقيقة أو لضرورة الدخول إلى مكة لمكان الاحرام ؟ احتمالان، والفائدة في وجوب طواف النساء فيها، فعلى الثاني يجب، وعلى الاول لا يجب، وفي النية، فعلى الثاني ينوي عمرة الافراد، وعلى الاول ينوي عمرة التمتع. الثالثة لو عرض في هذه (1) مانع من الاكمال فهل يعدل إلى حج الافراد أو لا ؟ وتصريح الاصحاب بالتمتع بها يمكن حمله على اتصالها بالحج وإن كانت مفردة، لان امتثال الامر حصل بالاولى، وهو يقتضي الاجزاء) قلت: وكان آخر كلامه صريح في ان عمرة التمتع الاولى لا الثانية وان جوزنا العدول منها إلى الحج ايضا باعتبار اتصالها به، ولعله على هذا يحمل الخبر المزبور لا أن الاولى بطلت متعة بالخروج، والمتمتع بها الثانية كما هو ظاهر عبارة المصنف وغيره، وبالجملة المسألة غير محررة حتى بالنسبة إلى اعتبار الشهر، فانه ان كان لانه اقل ما يفصل به بين العمرتين فستعرف تحقيق الحال في ذلك، وانه تشرع العمرتان بأقل من ذلك، على ان المسألة خلافية، ولم يشر احد منهم إلى بناء ذلك على ذلك الخلاف، وان كان هو لخصوص هذه الادلة وان لم نقل به في غيرها فقد عرفت ان كثيرا


(1) في المخطوطة المبيضة " ولو عرض في هذا " ولكن في المسودة " ولو عرض في هذه " وهو الصواب لان " هذه " اشارة إلى العمرة لا الاحرام فان الكفي احكام العمرة.

[ 29 ]

منها غير جامع لشرائط الحجية، فلا ريب في ان الاولى والاحوط الاقتصار في الخروج من مكة على الضرورة، وانه لا يخرج إلا محرما بالحج، هذا. وليس في كلامهم تعرض لما لو رجع حلالا بعد شهر ولو آثما، فهل له الاحرام بالحج بانيا على عمرته الاولى اوانها بطلت للتمتع بالخروج شهرا ؟ ولكن الذي يقوى في النظر الاول، لعدم الدليل على فسادها، بل هذا مؤيد لما ذكرناه فتأمل وكيف كان فالاولى والاحوط ما سمعت من الاقتصار، والله العالم. (ولو دخل بعمرة إلى مكة وخشي ضيق الوقت جاز له نقل النية إلى الافراد وكان عليه عمرة مفردة) بلا خلاف أجده فيه، بل لعل الاجماع بقسميه عليه، وانما الخلاف في حد الضيق، ففي القواعد وعن الحلبيين وابني ادريس وسعيد يحصل التمتع بادراك مناسك العمرة وتجديد احرام الحج وان كان بعد زوال الشمس يوم عرفة إذا علم إدراك الوقوف بها، وحينئذ فحد الضيق خوف فوات اختياري الركن من وقوف عرفة، ولعله يرجع إليه ما عن المبسوط والنهاية والوسيلة والمهذب من الفوات بزوال الشمس من يوم عرفة قبل اتمام العمرة بناء على تعذر الوصول غالبا إلى عرفة بعد هذا الوقت لمضي الناس عنه، لا أن المراد حتى إذا تمكن وأدرك مسمى الوقوف بعد الزوال، وعن علي بن بابويه والمفيد (ان حد فوات السعة زوال الشمس من يوم التروية) وعن المقنع والمقنعة (أنه غروب الشمس منه قبل الطواف والسعي) وفي الدروس عن الحلبي انه قال: (وقت طواف العمرة إلى غروب الشمس يوم التروية للمختار والمضطر إلى ان يبقى ما يدرك عرفة آخر وقتها) وعن ظاهر ابن ادريس ومحتمل أبي الصلاح في حجة الاسلام ونحوها مما تعين فيها المتعة لم يجز العدول ما لم يخف فوات اضطراري عرفة. والاصل في هذا الاختلاف اختلاف النصوص، إلا أن الكثير منها ينطبق

[ 30 ]

على الاول، ففي مرسل ابن بكير (1) عن بعض اصحابنا انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (عن المتعة متى تكون ؟ قال: يتمتع ما ظن انه يدرك الناس بمنى) قلت: أي ذاهبين إلى عرفة، وخبر يعقوب بن شعيب الميثمي (2) (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوات الموقفين) وعن بعض النسخ (ان يحرم من ليلة عرفة) مكان (ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له) يعني يحرم متى ما تيسر له، وفي مرفوع سهل (3) عن ابي عبد الله عليه السلام (في متمتع دخل يوم عرفة قال: متعته تامة إلى ان يقطع التلبية) قلت: إلى أن يقطع الناس تلبيتهم وهو زوال الشمس من يوم عرفة، فانه وقت قطع التلبية أراد عليه السلام انه إذا دخل مكة قبل زوال الشمس أمكن إدراك المتعة تامة، وفي المرسل (4) عن ابي بصير (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة، فقال: ان كانت تعلم انها تطهر وتطوف بالبيت وتحل من إحرامها وتلحق بالناس فلتفعل) وفي خبر العقرقوفي (5) قال: (خرجت أنا وحديد فانتهينا إلى البستان يوم التروية، فتقدمت على حمار فقدمت مكة فطفت وسعيت وأحللت من تمتعي ثم احرمت بالحج وقدم حديد من الليل، فكتبت إلى


(1) و (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب 20 من ابواب اقسام الحج الحديث 6 - 5 - 7 - 4 (4) الوسائل - الباب 20 من ابواب اقسام الحج الحديث 3 وهو مسند إلى أبي بصير على ما في الوسائل وكذلك في التهذيب ج 5 ص 475 ورواه الشيخ (قدس سره) في الاستبصار ج 2 ص 311 والتهذيب ج 5 ص 391 والكليني (قده) في الكافي ج 4 ص 447 مرسلا عن ابي بصير.

[ 31 ]

ابي الحسن عليه السلام استفتيه في أمره فكتب الي مره يطوف ويسعى ويحل من متعته ويحرم بالحج ويلحق الناس بمنى ولا يبيتن بمكة) وفي خبر الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام (المتمتع يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ما أدرك الناس بمنى) وفي خبر مرازم بن حكم (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة أو المرأة الحائض متى تكون لهما المتعة ؟ فقال ما ادركوا الناس بمنى) وصحيح الحلبي (3) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل أهل بالحج والعمرة جميعا قدم مكة والناس بعرفات فخشي ان هو طاف وسعى بين الصفا والمروة ان يفوته الموقف فقال: يدع العمرة فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة ولا هدي عليه) وصحيح جميل (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر) وفي خبر محمد بن سرو أو جزك (5) (كتبت إلى ابي الحسن الثالث


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب اقسام الحج الحديث 8 - 14 - 15 والثاني عن مرازم بن حكيم كما في التهذيب ج 5 ص 171 والاستبصار ج 2 ص 247 وهو الصحيح (3) الوسائل - الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 6 (5) الوسائل - الباب 20 من ابواب اقسام الحج الحديث 16 عن محمد ابن مسرور، ولكن في التهذيب ج 5 ص 171 والاستبصار ج 2 ص 247 محمد ابن سرو، وفي جامع الرواة: محمد بن سرد في نسخة واخرى سرو، وذكر انه الراوي لهذا الحديث، ولكن لم يرد فيه توثيق، وأما محمد بن جزك فهو من اصحاب الهادي (عليه السلام) ثقة على ما عن الخلاصة ورجال الشيخ (قده) وقد روى هذا الحديث الشيخ حسن (قده) صاحب المعالم في المنتقى ج 2 =

[ 32 ]

(عليه السلام) ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى غداة عرفة وخرج الناس من منى إلى عرفات أعمرته قائمة أو قد ذهبت منه، إلى أي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية ولا ليلة التروية ؟ فكيف يصنع ؟ فوقع (عليه السلام) ساعة يدخل مكة إن شاء يطوف ويصلي ركعتين ويسعى ويقصر ويحرم بحجته ويمضي إلى الموقف ويفيض مع الامام) وخبر زرارة (1) (سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة اميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، يهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس ويقضي جميع المناسك ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شئ عليه) وهو كالصريح في خوف فوات اختياري عرفة، إلى غير ذلك من النصوص المتفقة في الدلالة على مشروعية المتعة في ليلة عرفة ويومها، بل إذا كان المراد مما قيد فيها بالزوال نحو ما ذكرناه في كلام المبسوط اتفقت جميعا على مختار المصنف الذي كاد يكون صريحا فيه الخبر الاخير، بل يؤيدها ايضا ما تسمعه في مسألة الحائض إذ الظاهر عدم الفرق بينها وبين غيرها من ذوي الاعذار، نعم لا يبعد القول بأن مشروعيتها بعد الزوال من يوم عرفة للمضطر خاصة، لمزاحمتها حينئذ بعض وقوف عرفة وان لم يكن الركن منه. ولا ينافيها خبر العيص بن القاسم (2) (سألت أبا عبد الله (عليه


= ص 521 عن محمد بن مسرور كالوسائل وذكر انه هو ابن جزك والغلط وقع في اسم ابيه من الناسخين. (1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب اقسام الحج الحديث 10 الجواهر - 4

[ 33 ]

السلام) عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر تفوته المتعة قال: لا له ما بينه وبين غروب الشمس، وقال: قد صنع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)) ولا خبر اسحاق بن عبد الله (1) (سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المتمتع يدخل مكة يوم التروية فقال: للمتمتع ما بينه وبين الليل) ولا خبر عمر بن يزيد (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (إذا قدمت مكة يوم التروية وأنت متمتع فلك ما بينك وبين الليل أن تطوف بالبيت وتسعى وتجعلها متعة) ولا المرسل (3) في التهذيب والاستبصار روى لنا الثقة من أهل البيت عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) أنه قال: (أهل بالمتعة بالحج يريد يوم التروية إلى زوال الشمس وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء ما بين ذلك كله واسع) ضرورة عدم دلالة الجميع على عدم مشروعية غير ذلك إلا بالمفهوم الذي لا يصلح معارضا للنصوص الصريحة التي سمعتها. نعم ينافيها خبر زكريا بن عمران (4) (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن التمتع إذا دخل يوم عرفة قال: لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة) وخبر اسحاق ابن عبد الله (5) عن أبي الحسن (عليه السلام) (المتمتع إذا قدم ليلة عرفة فليست له متعة يجعلها حجة مفردة، انما المتعة إلى يوم التروية) وخبر موسى بن عبد الله (6) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع يقدم مكة ليلة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب اقسام الحج الحديث 11 - 12 - 13 (4) الاستبصار ج 2 ص 249 الرقم 874 ورواه في الوسائل في الباب 21 من ابواب اقسام الحج - الحديث 8 عن التهذيب ج 5 ص 173 عن زكريا بن آدم (5) و (6) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 9 - 10

[ 34 ]

عرفة قال: لا متعة له، يجعلها حجة مفردة ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويخرج إلى منى ولا هدي عليه، إنما الهدي على المتمتع) وخبر علي ابن يقطين (1) (سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل والمرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج ثم يدخلان مكة يوم عرفة كيف يصنعان ؟ قال يجعلانها حجة مفردة، وحد المتعة إلى يوم التروية) وخبر عمر بن يزيد (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (إذا قدمت مكة يوم التروية وقد غربت الشمس فليس لك متعة امض كما أنت بحجك). إلا أنها أخبار شاذة نادرة القائل تشبه بعض أخبار المواقيت، بل فيها ما هو كالموضوع نحو قوله: (عليه السلام) (قد صنع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)) مع انه لم يتمتع ابدا، اللهم إلا ان يراد صنعه لغيره بأن أمر صلى الله عليه وآله به أو أنه كان ذلك لحكمة عدم إرادة معروفية الشيعة في ذلك الوقت بالتخلف عن يوم التروية الذي يخرج الناس فيه إلى منى، بل يلوح من بعضها آثار ما ذكرنا، خصوصا خبر ابن بزيع (3) منها قال: (سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل ان تحل متى تذهب متعتها ؟ قال: كان جعفر (عليه السلام) يقول: زوال الشمس من يوم التروية، وكان موسى عليه السلام يقول: صلاة الصبح من يوم التروية، فقلت: جعلت فداك عامة مواليك يدخلون يوم التروية ويطوفون ويسعون ثم يحرمون بالحج، فقال: زوال الشمس، فذكرت له رواية عجلان أبي صالح فقال: لا، إذا زالت الشمس ذهبت المتعة، فقلت: فهي على إحرامها أم تجدد إحرامها للحج ؟ فقال:


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج الحديث 11 - 12 - 14

[ 35 ]

لا هي على إحرامها، فقلت: فعليها هدي قال: لا إلا أن تحب أن تتطوع، ثم قال: أما نحن فإذا رأينا هلال ذي الحجة قبل أن نحرم فاتتنا المتعة) ضرورة أن نقله عن جعفر عليه السلام كذا وعن موسى عليه السلام كذا - مع أنه مناف لما سمعته من نصوص التوسعة في يوم التروية إلى غروب الشمس، بل في بعضها بعد العشاء - هذا كله دليل علي ما ذكرنا، أو على اختلاف أوقات التمكن إلى الوصول إلى عرفات باختلاف الناس، أو على أن المراد بيان تفاوت مراتب أفراد المتعة في الفضل بمعنى أن أفضل أنواع التمتع أن تكون عمرته قبل ذي الحجة، ثم يتلوه ما تكون عمرة قبل يوم التروية، ثم ما يكون قبل ليلة عرفة، ثم ما يمكن معها إدراك الموقفين، ثم من كانت فريضته التمتع يكتفي بادراك الاخير منها، ومن يتطوع بالحج ولم يتيسر له العمرة إلا بعد التروية أو عرفة فالمستفاد من بعض الاخبار أن العدول إلى الافراد أولى له ولو لبعض الامور التي لا ينافيها أفضلية التمتع بالذات على الافراد، وربما ظهر من بعض متأخري المتأخرين الجمع بين النصوص بالتخيير بين التمتع والافراد إذا فات زوال يوم التروية أو تمامه، وهو جيد إن أراد ما ذكرناه، لا في صورة وجوب حج التمتع المعلوم من مذهب الشيعة وجوبه على النائي إذا تمكن منه من غير استثناء حال من الاحوال، ولذا صرح الشيخ - بعد الجمع بين النصوص المزبورة بارادة نفي الكمال في المتعة. وبالخيار بينها وبين الافراد على الوجه المزبور - بأن ذلك إذا كان الحج مندوبا لا فيما إذا كان هو الفريضة، بل قد سمعت من ابن إدريس الاكتفاء في الوجوب بادراك اضطراري عرفة وإن كان الاقوى خلافه. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاقوى ما قلناه، وعليه استقر المذهب بل ما تسمعه في المسألة الآتية مؤيد لذلك، وهي التي أشار إليها المصنف بقوله: (وكذا الحائض والنفساء إذا منعهما عذرهما عن التحلل وإنشاء الاحرام بالحج

[ 36 ]

لضيق الوقت عن التربص) لقضاء أفعال العمرة على المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، بل في المنتهى الاجماع عليه، قال: (إذا دخلت المرأة مكة متمتعة طافت وسعت وقصرت ثم أحرمت بالحج كما يفعل الرجل سواء، فان حاضت قبل الطواف لم يكن لها أن تطوف بالبيت إجماعا، لان الطواف صلاة، ولانها ممنوعة من الدخول إلى المسجد، وتنتظر إلى وقت الوقوف بالموقفين، فان طهرت وتمكنت من الطواف والسعي والتقصير وإنشاء الاحرام بالحج وإدراك عرفة صح لها التمتع، وإن لم تدرك ذلك وضاق عليها الوقت أو استمر بها الحيض إلى وقت الوقوف بطلت متعتها وصارت حجتها مفردة، ذهب إليه علماؤنا أجمع) قيل ونحوه عن التذكرة، وليس فيهما إشارة إلى الخلاف السابق في فوات وقت العمرة فهو حينئذ شاهد على المختار هناك، إذ الظاهر عدم الفرق بين الاعذار، واحتمال خروج الحائض من بينها للادلة الخاصة يدفعه أن من نصوص توقيت المتعة بيوم التروية ما هو في الحائض. وعلى كل حال فلا ريب في أن الاصح ما عليه المشهور، لصحيح جميل (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر وتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة) قال ابن أبي عمير (كما صنعت عائشة) وخبر إسحاق (2) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن المرأة تجئ متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج إلى عرفات قال: تصير حجة مفردة، قلت: عليها شئ قال: دم تهريقه وهي أضحيتها) وصحيح ابن بزيع (3) المتقدم سابقا، وخبر الاعرج (4)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج الحديث 2 - 13 - 14 (4) الوسائل - الباب - 86 - من ابواب الطواف - الحديث 1

[ 37 ]

الآتي في المسألة الآتية. خلافا للمحكي عن الاسكافي وعلي بن بابويه وأبي الصلاح من بقائها على متعتها، فتفعل حينئذ غير الطواف من أفعالها وتقصر ثم تحرم بالحج من مكانها ثم تقضي ما فاتها من الطواف بعد أن تطهر وحكاه في كشف اللثام عن الحلبيين وجماعة، كما أنه حكى فيه عن أبي علي التخيير بينهما، وعلى كل حال فالاول لخبر العلاء بن صبيح والبجلي وابن رئاب و عبد الله بن صالح كلهم (1) يروونه عن أبي عبد الله عليه السلام (المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية، فان طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت وسعت بين الصفا والمروة ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك وزارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شئ يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت أسبوعا آخر حل لها فراش زوجها) وخبر عجلان أبي صالح (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: متمتعة قدمت مكة فرأت الدم كيف تصنع ؟ قال: تسعى بين الصفا والمروة وتجلس في بيتها، فان طهرت طافت بالبيت وإن لم تطهر فإذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء وأهلت بالحج وخرجت إلى منى فقضت المناسك كلها، فإذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شئ ما عدا فراش زوجها، قال: وكنت أنا و عبد الله بن صالح سمعنا هذا الحديث في المسجد فدخل عبد الله على أبي الحسن عليه السلام فخرج إلي فقال: قد سألت أبا الحسن عليه السلام عن رواية عجلان فحدثني بنحو ما سمعنا من عجلان) ونحوه خبر درست (3) إلى قوله


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 84 - من ابواب الطواف - الحديث 1 - 6 - 2 والثالث عن درست الواسطي عن عجلان ابي صالح

[ 38 ]

عليه السلام (فراش زوجها) إلا أنه قال: (وأهلت بالحج من بيتها) وزاد بعد قوله عليه السلام: (وقضت المناسك كلها) (فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين وسعت بين الصفا والمروة) وخبره الآخر (1) أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إذا اعتمرت المرأة ثم اعتلت قبل أن تطوف قدمت السعي وشهدت المناسك، فإذا طهرت وانصرفت من الحج قضت طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء ثم أحلت من كل شئ) وكان التخيير المزبور وجه جمع بين النصوص، إلا أنه مع كونه لا شاهد له فرع التكافؤ المفقود في المقام من وجوه. ومن هنا جمع بعض المتأخرين بينها بطريق آخر، وهو الفرق بين من أحرمت وهي طاهر فانها تقضي طوافها بعد ذلك، وبين من أحرمت وهي حائض فانها تبطل متعتها وتعدل إلى حج الافراد، والشاهد على ذلك خبر أبي بصير (2) قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في المرأة المتمتعة إذا أحرمت وهي طاهر ثم حاضت قبل أن تقضي متعتها: سمعت ولم تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها وقد قضت عمرتها، وإن هي أحرمت وهي حائض لم تسع ولم تطف حتى تطهر) وهو - مع أنه قول لم نعرف لاحد من أصحابنا، بل لا يوافق الاعتبار، ضرورة عدم الفرق بين الحالين بعد عدم اعتبار (عدم ظ) الحيض في السعي والتقصير - لا يتم في بعض (3) النصوص السابقة الذي هو كالصريح في بطلان متعتها في الاول. ومن هنا جمع الشيخ بينها بحمل نصوص قضاء الطواف على من طافت أربعا كما تسمعه في المسألة الآتية ونصوص العدول إلى الافراد على من لم تطف شيئا منه، وجعل الخبر المزبور شاهدا على ذلك باعتبار أنها لو أحرمت وهي حائض قد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب الطواف - الحديث 3 - 5 (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 13

[ 39 ]

علم عدم وقوع شئ من الطواف منها، بخلاف من أتاها الحيض بعد الاحرام الذي هو موضوع نصوص القضاء، ولا بأس به بعد أن عرفت استحقاقها للطرح باعتبار عدم مقاومتها للاخبار السابقة من وجوه وأما ما يحكى عن بعض الناس من استنابتها من يطوف عنها فلم نعرف القائل به ولا دليله، بل مقتضى القواعد فضلا عن الادلة خلافه، وكذا ما في بعض النصوص (1) من تأخيرها السعي لو فرض عروض الحيض لها بعد إتمام الطواف لم نعرف قائلا به. (ولو تجدد العذر وقد طافت أربعا صحت متعتها وأتت بالسعي وبقية المناسك) التي قد عرفت عدم اشتراط شئ منها بالطهارة (وقضت بعد طهرها ما بقي من طوافها) قبل طواف الحج، لتقدم سببه كما في كلام بعض، أو بعده كما في كلام آخر، أو مخيرة كما هو مقتضى إطلاق الادلة علي المشهور بين الاصحاب شهرة عظيمة، لعموم ما دل (2) على إحراز الطواف باحراز الاربعة منه، وخصوص النصوص كخبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام: (إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بين الصفا والمروة فجازت النصف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، وان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله) وخبر أحمد بن عمر الحلال (4) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثم اعتلت قال: إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بين الصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها ان تستأنف الطواف من اوله) والمراد بمجاوزة النصف


(1) الوسائل - الباب - 89 - من ابواب الطواف - الحديث 4 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 85 - من ابواب الطواف - الحديث 4 - 1 - 2

[ 40 ]

بلوغ الاربع فما زاد بقرينة غيره من النص والفتوى، وذكر الصفا والمروة معه لا ينافي حجيتهما فيه كما هو واضح، وخبر إسحاق بياع اللؤلؤ (1) عمن سمع ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: (المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت اربعة اشواط ثم رأت الدم فمتعتها تامة) وزاد في التهذيب والاستبصار (وتقضي ما فاتها من الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وتخرج إلى منى قبل ان تطوف الطواف الاخير) قلت: لعل المراد بالطواف الاخير الطواف المقضي، وصحيح سعيد الاعرج (2) (سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت اربعة اشواط وهي معتمرة ثم طمثت قال: تتم طوافها فليس عليها غيره، ومتعتها تامة، فلها ان تطوف بين الصفا والمروة، وذلك لانها زادت على النصف وقد قضت متعتها وتستأنف بعد الحج) وزاد في الفقيه (3) بعد ان رواه مرسلا (وإن هي لم تطف إلا ثلاثة اشواط فلتستأنف الحج، فان اقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم فلتعتمر) بل في خبر محمد (4) الاكتفاء بثلاثة اشواط أو اقل، قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة اشواط أو اقل من ذلك ثم رأت دما قال: تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت منه واعتدت بما مضى) بل في الفقيه بهذا الحديث افتي دون الحديث السابق عليه لان إسناده متصل ومضمونه رخصة ورحمة، بخلاف الاول، وفيه - مع ندرة القول بذلك، بل استقرت الكلمة بعده على خلافه - ان الخبر المزبور هو قد رواه مرسلا، وإلا ففي التهذيب وغيره مسند، على ان الدليل غير منحصر فيه،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 86 - من ابواب الطواف - الحديث 2 - 1 (3) و (4) الوسائل - الباب - 85 - من ابواب الطواف - الحديث 4 - 3 الجواهر - 5

[ 41 ]

فلا ريب في عدم مقاومة الخبر المزبور لغيره مما سمعت من وجوه، فمن هنا كان المتجه حمله على طواف النافلة الذي ستعرف فيما سيأتي جواز البناء فيه على الاقل من الاربع. وما ابعد ما بينه وبين المحكي عن ابن إدريس من بطلان متعتها بعروض الحيض في اثناء الطواف ولو بعد الاربع، وكأنه مال إليه في المدارك، لامتناع إتمام العمرة المقتضي لعدم وقوع التحلل، ولا طلاق صحيح محمد بن إسماعيل (1) وغيره، إلا انه كما ترى اجتهاد في مقابلة النصوص الخاصة المعتضدة بالنصوص العامة التي لا يعارضها الاطلاق المزبور المنزل على عروض الحيض قبل حصول الطواف، ولقد اطنب في المنتهى في نقل القولين المزبورين ودليلهما، ثم جعل الانصاف التوسط بين القولين، نعم لا تنقيح في كلامهم ان الحكم المزبور مختص بحال الضيق أو الاعم منه ومن السعة، فلها حينئذ في الاخير السعي والتقصير والاحلال ثم قضاء ما عليها من الطواف بعد الاحرام بالحج، أو انها تنتظر الطهر مع السعة باقية على إحرامها حتى تقضي طوافها وصلاته ثم تسعى وتقصر ؟ قد يلوح من بعض العبارات خصوصا عبارة القواعد الاول تنزيلا للاربعة منزلة الطواف كله، ولكن لا ريب في ان الاولى والاحوط الثاني الذي فيه المحافظة على ترتيب العمرة، بل لعل الاولى ذلك حتى لو عرض لها الحيض بعد قضاء الطواف اجمع قبل صلاة ركعتيه، فان متعتها صحيحة، لاولويتها من الصورة الاولى، لصحيح الكناني (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثم حاضت قبل ان تصلي الركعتين قال: إذا طهرت فلتصل ركعتين عند


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 14 (2) الوسائل - الباب - 88 من ابواب الطواف - الحديث 2

[ 42 ]

مقام إبراهيم (عليه السلام) وقد قضت طوافها) ومضمر زرارة (1) (سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل ان تصلي الركعتين فقال: ليس عليها إذا طهرت إلا الركعتان وقد قضت الطواف) وما في المدارك واتباعها من ان في الدلالة نظرا وفي الحكم إشكالا واضح الضعف، نعم لا دلالة فيهما على جواز فعل بقية افعال العمرة ثم الاحلال فيها ثم قضاء الركعتين بعد ذلك مع السعة، فالاحوط حينئذ والاولى انتظارها الطهر مع السعة، وربما يأتي فيما بعد لذلك تتمة إن شاء الله. (و) على كل حال فلا خلاف ولا اشكال في انه (إذا صح) حج (التمتع) الاسلامي (سقطت العمرة المفردة) التي هي عمرة الاسلام، بل الاجماع بقسميه عليه، قال الصادق (عليه السلام) في الصحيح (2) (إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة) وقال عليه السلام ايضا في خبر ابي بصير (3): (العمرة مفروضة مثل الحج، فإذا ادى المتعة فقد أدى العمرة المفروضة) وقال البزنطي (4) (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العمرة أواجبة هي ؟ قال: نعم قلت: فمن تمتع يجزي عنه قال نعم) وقال: يعقوب ابن شعيب (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): قول الله عزوجل (6): وأتموا الحج والعمرة لله) يكفي الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج مكان العمرة المفردة قال: كذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه).


(1) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب الطواف الحديث 1 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب العمرة الحديث 7 - 6 - 3 - 4 (6) سورة البقرة - الآية 192

[ 43 ]

هذا كله في حج التمتع (و) أما (صورة) حج (الافراد) للمختار فهو (ان يحرم من الميقات) الذي ستعرفه في اشهر الحج ان كان اقرب إلى مكة من منزله (أو من حيث يسوغ له الاحرام بالحج) وهو منزله إن كان اقرب إلى مكة أو غيره ولو لعذر من نسيان وغيره على وجه لا يتمكن من الرجوع إلى الميقات بعد (ثم يمضي إلى عرفات فيقف بها ثم إلى المشعر فيقف به ثم إلى منى فيقضي مناسكه بها ثم) يأتي مكة فيه أو بعده إلى آخر ذي الحجة ف‍ (يطوف بالبيت ويصلي ركعتيه ويسعى بين الصفا والمروة ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك نصا وفتوى، نعم ستعرف جواز تقديم الطواف والسعي على الموقفين على كراهة، كما انك ستعرف تمام البحث في هذه الامور جميعها (وعليه عمرة مفردة بعد الحج والاحلال منه) إن كانت قد وجبت عليه، وإلا فان شاء فعلها (ثم يأتي بها من ادنى الحل) الذي هو الاقرب والالصق بالحرم، أو أحد المواقيت، وبينهما إشكال اقواه الجواز واحوطه العدم. وربما اشعرت العبارة ونظائرها بلزوم العمرة المفردة لكل حاج مفرد، وليس كذلك قطعا في الحج المندوب والمنذور إذا لم يتعلق النذر بالعمرة كما يدل عليه الاخبار (1) الواردة بكيفية حج الافراد، بل صرح غير واحد من الاصحاب بأن من استطاع الحج مفردا دون العمرة وجب عليه الحج دونها ثم يراعي الاستطاعة لها، ومن استطاعها دونه وجبت هي عليه خاصة، وكذا صرح غير واحد من الاصحاب بأن من نذر الحج لا تجب عليه العمرة إلا ان يكون حج التمتع، فتجب حينئذ لدخولها فيه، وبالجملة فالمسألة لا إشكال فيها من هذه الجهة، إنما الكلام فيمن وجبا عليه وكان ممن فرضه الافراد أو القران وحينئذ


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج

[ 44 ]

يتعين عليه فعلها بعد الحج كما هو ظاهر بعض العبارات، بل في الرياض ان ظاهر الاصحاب الاتفاق عليه، وفي المنتهى وغيره الاجماع عليه، بل في مصابيح العلامة الطباطبائى التصريح بالاجماع عليه، وفي كشف اللثام في بحث العمرة الاجماع عليه فعلا وقولا، لكن ستعرف البحث في ذلك كله عن قريب ان شاء الله (و) كيف كان فلا إشكال بل ولا خلاف في أنه (يجوز وقوعها) أي العمرة الواجبة (في غير اشهر الحج) لاطلاق الادلة كتابا وسنة السالم عن المعارض، وصحيح عبد الرحمان (1) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المعتمر بعد الحج قال: إذا امكن الموسى من رأسه فحسن) لا يدل على التوقيت لكن بمعنى صحتها، وإلا فستعرف البحث في وجوب الفور بها، وعليه يتجه وجوب المبادرة فيها على من وجبت عليه بعد الفراغ من الحج، نعم جوز الشهيد في الدروس تأخيرها إلى استقبال المحرم بناء على عدم منافاة ذلك للفورية واستشكله في المدارك، وهو في محله. (ولو احرم بها من دون ذلك ثم خرج إلى ادنى الحل لم يجزه الاحرام الاول) الذي قد وقع باطلا لوقوعه في الحرم (وافتقر الي استئنافه) جديدا، وستعرف تفصيل هذه المباحث في محالها. (وهذا القسم والقران فرض اهل مكة ومن بينه وبينها دون اثنى عشر ميلا من كل جانب) أو ثمانية واربعين ميلا على القولين السابقين (فان عدل هؤلاء إلى التمتع اضطرارا) كخوف الحيض المتأخر عن النفر مع عدم إمكان تأخير العمرة إلى ان تطهر أو خوف عدو يصده أو فوات الرفقة (جاز) العدول حينئذ إليه ولو بعد الشروع حتى في القران بلا خلاف اجده فيه على


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب العمرة - الحديث 2

[ 45 ]

ما اعترف به غير واحد، بل عن بعضهم دعوى الاتفاق عليه، فان تم ذلك كان هو الحجة، وإلا كان مشكلا، وخصوصا في القران الذى استفاضت النصوص (1) بعدم مشروعية العدول فيه، والاستدلال عليه باطلاق ما دل على جواز العدول بحج الافراد إلى التمتع - كصحيح معاوية بن عمار (2) سأل الصادق (عليه السلام) (عن رجل لبى بالحج مفردا ثم دخل مكة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة قال: فليحل وليجعلها متعة إلا ان يكون ساق الهدي فلا يستطيع ان يحل حتى يبلغ الهدي محله) وغيره - كما ترى، إذ هو - مع انه لايتم في القران - مساق لاصل بيان مشروعية العدول به إلى المتعة دون القران لا فيمن كان فرضه احدهما، بل ستعرف عدم مشروعية المتعة له اختيارا، بل مقتضى إطلاق الادلة الآتية عدم المشروعية مطلقا، وكذا الاستدلال له بأولوية الجواز فيهما معها من الجواز في التمتع الذي هو الافضل بالنسبة اليهما معا إذ هو - مع انه قياس لا نقول به بل ومع الفارق، خصوصا بعد ظهور الادلة في عدم مشروعيته لهم مطلقا - مدفوع بأن الامر غير منحصر في ذلك، ضرورة إمكان العدول في ذلك إلى العمرة المفردة، والاحرام بالحج من منزله أو الميقات إن تمكن منه، وليس فيه إلا تقديم العمرة على الحج، ولا بأس به مع الضرورة بل لا دليل على وجوب تأخيرها عنه مع الاختيار، بل سئل الصادق (عليه السلام) في خبر ابراهيم بن عمر اليماني (3) (عن رجل خرج في اشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده قال: لا بأس، وإن حج من عامه ذلك وأفرد الحج


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب العمرة - الحديث 2

[ 46 ]

فليس عليه دم) وظاهره الاتيان بعمرة مفردة ثم حج مفرد، وفي مرسل الفقيه (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (امرتم بالحج والعمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم) بل منه يستفاد ايضا الاستدلال باطلاق الادلة، وفي خبر سماعة (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) (من حج معتمرا في شوال ومن نيته ان يعتمر ويرجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وان هو اقام الى الحج فهو متمتع، وان رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة، وان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع، وانما هو مجاور افرد العمرة فان هو احب ان يتمتع في اشهر الحج بالعمرة إلى الحج، فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج فان هو احب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها) وخبر عمر بن يزيد (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) ايضا (من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج إلى اهله متى شاء إلا ان يدركه خروج الناس يوم التروية) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على جواز تقديم العمرة على حج الافراد. وعدم وجوب تأخيرها عنه، وحينئذ فلا ينحصر الامر فيهما بالعدول إلى التمتع، ولا يضطرون إليه، ولعله لذلك كله كان المحكي عن ظاهر التبيان والاقتصاد والغنية والسرائر العدم في حال الضرورة، بل لعله ظاهر كل من قال إنهما فرضهما من دون استثنائها، ومن ذلك يعلم ما في الاتفاق ونفي الخلاف المحكيين سابقا، كما أنه يعلم مما سمعته ما في الرياض من ان ظاهر الاصحاب الاتفاق على تأخير العمرة في حج الافراد والقران


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العمرة - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب اقسام الحج الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب العمرة - الحديث 9

[ 47 ]

عنهما، وقد مضى عن المنتهى وغيره الاجماع على ذلك، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي التصريح بالاجماع على ذلك، إلا أنه لم نتحققه، ولعله أخذه من ظاهر العبارات التي تعرض فيها لصورة الافراد والقران، إلا انها وإن أوهمت ذلك لكنها في بيان الفرق بينهما وبين التمتع باعتبار تقديم العمرة في الاخير بخلافهما، لا ان المراد اعتبار تأخير العمرة عن الحج على كل من وجبا عليه ولو إفرادا أو قرانا فتأمل جيدا، فانه إن تم الاجماع المزبور فذاك، وإلا كان للنظر فيه مجال، والله العالم. (و) كيف كان فمما ذكرنا يعلم الحال فيما ذكره المصنف من انه (هل يجوز) لغير النائي ان يؤدي فرضه متمتعا ابتداء أو بعد الشروع (اختيارا قيل) والقائل الشيخ في أحد قوليه ويحيى بن سعيد فيما حكي عنه: (نعم) يجوز ذلك (وقيل: لا) يجوز (وهو الاكثر) قائلا، بل هو المشهور، بل لم نعرف الاول لغير من عرفت، بل عن الغنية الاجماع عليه، لظاهر ذلك) في الآية (1) المصرح في النصوص (2) بارادة الاشارة إلى التمتع منه، وللنصوص (3) الكثيرة المتضمنة أنه ليس لاهل مكة ولا لاهل مر ولا لاهل شرف متعة التي قد مر جملة منها في التحديد السالمة عن المعارض، عدا ما يقال من الاستدلال للشيخ بأن المتمتع قد جاء بحج الافراد، ولا ينافيه زيادة العمرة قبله الذي هو - مع انه لا يتم في غير اهل مكة ممن إحرامه من دويرة أهله أو من الميقات - كما ترى، وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج و عبد الرحمان بن أعين (4) سألا الكاظم عليه السلام


(1) سورة البقرة - الآية 192 (2) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج (3) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 48 ]

(عن رجل من اهل مكة خرج إلى بعض الامصار ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله ان يتمتع، فقال: ما أزعم ان ذلك ليس له، والاهلال بالحج احب الي، ورأيت من سأل ابا جعفر (عليه السلام) وذلك اول ليلة من شهر رمضان فقال له: جعلت فداك اني قد نويت ان اصوم بالمدينة قال: تصوم انشاء الله، قال وارجو ان يكون خروجي في عشر من شوال فقال: تخرج انشاء الله، فقال له: إني نويت ان احج عنك أو عن ابيك فكيف أصنع فقال له: تمتع فقال له ان الله تعالى ربما من علي بزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وزيارتك والسلام عليك وربما حججت عنك وربما حججت عن ابيك وربما حججت عن اخواني أو عن نفسي فكيف اصنع ؟ فقال له: تمتع، فرد عليه القول ثلاث مرات يقول له. اني مقيم بمكة واهلي بها فيقول: تمتع) الحديث، وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل من اهل مكة يخرج إلى بعض الامصار ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله ان يتمتع ؟ قال ما از عم ان ذلك ليس له لو فعل، وكان الاهلال احب الي) وهما كما ترى في غير ما نحن فيه ولذا كان خيرة غير واحد ممن صرح بالمنع في الفرض الجواز فيه كما تسمع الكلام فيه إنشاء الله، على انهما غير صريحين في حجة الاسلام بل ولا ظاهرين بل لعل اولهما ظاهر في غيرها. نعم قيل: لو لم يكونا في حج الاسلام لم يكن معنى لقوله: (وكان الاهلال بالحج احب إلى) لمعلومية افضلية التمتع في الحج المندوب لاهل مكة وغيرهم، ومن هنا قال في المدارك وغيرها، إن محل الخلاف في حج الاسلام، وأما المندوب


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2

[ 49 ]

فلا إشكال في رجحان التمتع فيه لهم ولغيرهم، ولعله لاطلاق ما دل على افضليته لكن إن لم يكن إجماعا امكن المناقشة بظهور النصوص في عدم اصل المشروعية لهم، بل ظاهر جملة منها أو صريحها وهي الواردة في مجاوري مكة تناول المندوب ايضا وحينئذ فلا يتم الاستظهار السابق من الخبرين، ومما ذكرنا يعلم الحال فيما في الدروس قال: واختلف في جواز التمتع للمكي اختيارا في حج الاسلام باختلاف الروايات، فجوزه الشيخ وجوز فسخ الافراد إليه محتجا بالاجماع، وتبعه في المعتبر، إذ لم نقف على الروايات المقتضية للجواز إلا ما عرفت، كما انا لم نتحقق ما حكاه من الاجماع، بل لعل المتحقق خلافه. (و) على كل حال ف‍ (لو قبل بالجواز لم يلزمهم هدي) لعدم فوات ميقات الاحرام لهم، لكن قد عرفت انه نسك لا جبران، لاطلاق الادلة كتابا وسنة، ولعله لذا قطع المصنف به في باب الهدي من غير خلاف، وستسمع تمام الكلام فيه إن شاء الله. (وشروطه) اي حج الافراد (ثلاثة): الاول (النية) التي قد عرفت البحث فيها سابقا في حج التمتع (و) الثاني (ان يقع) بتمامه (في اشهر الحج) بلا خلاف فيه بيننا، بل في المعتبر عليه اتفاق العلماء، لقوله تعالى (1): (الحج اشهر معلومات) لكن عن ابي حنيفة واحمد والثوري جواز الاحرام به قبلها، (و) الثالث (ان يعقد إحرامه من ميقاته) الذي يمر عليه إن كان اقرب من منزله (أو من دويرة اهله ان كان منزله دون الميقات) بلا خلاف فيه ايضا بيننا، خلافا لمجاهد فانه قال: يهل من مكة، انما الكلام في اعتبار الاقربية إلى مكة كما في اكثر الاخبار (2) أو إلى عرفة، وستعرف الكلام فيه في محله


(1) سورة البقرة - الآية 193 (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المواقيت

[ 50 ]

ان شاء الله، وعن المبسوط زيادة رابع. وهو الحج من سنته، قال في الدروس: ((وفيه ايماء إلى انه لو فاته الحج انقلب الي العمرة، فلا يحتاج إلى قلبه عمرة في صورة الفوات) قلت: يمكن ان يقول بالبطلان حينئذ، وعلى كل حال فأهل مكة يحرمون له من مكة قال في التذكرة: (اهل مكة يحرمون للحج من مكة، وللعمرة من ادنى الحل سواء كان مقيما بمكة أو غير مقيم، لان كل من اتى على ميقات كان ميقاتا له، ولا نعلم في ذلك خلافا) والله العالم. (وافعال القارن وشروطه كالمفرد غير انه يتميز عنه بسياق الهدي عند احرامه) وفاقا للمشهور، لنحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر منصور (1): (الحاج عندنا على ثلاثة اوجه: حاج متمتع وحاج مفرد للحج وسائق للهدي) والسائق هو القارن، وفي خبره الآخر (2) عن الصادق (عليه السلام) (لا يكون القارن قارنا إلا بسياق الهدي، وعليه طوافان بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة كما يفعل المفرد، وليس بأفضل من المفرد إلا بسياق الهدي) وفي خبر معاوية (3) (لا يكون قران إلا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحج وهو طواف النساء - إلى ان قال -: واما المفرد للحج فعليه طواف بالبيت، وركعتان عند مقام ابراهيم (عليه السلام)، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف الزيارة، وهو طواف النساء، وليس عليه هدي ولا اضحية) وفي صحيح الحلبي (4) عن


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 مع اختلاف في اللفظ (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الحج - الحديث 9 - 1 (4) ذكر صدره في الباب 2 من ابواب اقسام الحج =

[ 51 ]

الصادق (عليه السلام) (انما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه الا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحج، وقال: ايما رجل قرن بين الحج والعمرة فلا يصلح إلا ان يسوق الهدي قد اشعره أو قلده، والاشعار ان يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها، وإن لم يسق الهدي فليجعلها متعة) وصحيح الفضيل بن يسار (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (القارن الذي يسوق الهدي عليه طواف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة: وينبغي له ان يشترط مع ربه إن لم تكن حجة فعمرة) إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في اتحاد افعال القارن والمفرد وعدم الفرق بينهما إلا بسياق الهدي. خلافا للمحكي عن ابن أبي عقيل من أن القارن معتمر أولا ولا يحل من العمرة حتى يفرغ من الحج، ونزل عليه أخبار (2) حج النبي صلى الله عليه وآله المشتملة على طوافه وصلاة الركعتين وسعيه بين الصفا والمروة حين قدومه مكة وكذا أصحابه ولكن لم يحل هو لانه سائق وأمر غيره ممن لم يسق بالاحلال، وجعلها عمرة، وقال (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم، ولكني سقت الهدي وليس لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله وشبك أصابعه بعضها


= الحديث 5، وقطعة منه في الباب 12 منها - الحديث 16 والبقية في الباب 5 منها الحديث 2 وتمامه في التهذيب ج 5 ص 42 الرقم 124 (1) الوسائل - الباب - 2 من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 وفيه " عليه طوافان " كما في التهذيب ج 5 ص 43 الرقم 125 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 و 13 و 24 و 32

[ 52 ]

إلى بعض، وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) ويؤيده خلو النصوص أجمع عن اعتمار النبي صلى الله عليه وآله بعد الحج، بل روى الصدوق في محكي العلل مسندا إلى فضيل بن عياض (1) أنه سأل الصادق عليه السلام (عن الاختلاف في الحج فبعضهم يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله مهلا بالحج، وقال بعضهم: مهلا بالعمرة، وقال بعضهم: خرج قارنا، وقال بعضهم: ينتظر أمر الله عزوجل، فقال أبو عبد الله عليه السلام: علم الله عزوجل أنها حجة لا يحج بعدها، فجمع الله له ذلك كله في سفرة واحدة ليكون جميع ذلك سنة لامته، فلما طاف بالبيت وبالصفا والمروة أمره جبرئيل أن يجعلها عمرة إلا من كان معه هدي فهو محبوس على هديه لا يحل، لقوله عزوجل (2): (حتى يبلغ الهدي محله) فجمعت له العمرة والحج، وكان خرج على خروج العرب الاول لان العرب كانت لا تعرف إلا الحج، وهو في ذلك ينتظر أمر الله، وهو صلى الله عليه وآله يقول: الناس على أمر جاهليتهم إلا ما غيره الاسلام، وكانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، وهذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وآله انما كان في الوقت الذي أمرهم بفسخ الحج، فقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك بين أصابعه يعني في أشهر الحج، وقال فضيل: قلت: أفيعتد بشئ من الجاهلية ؟ قال: إن أهل الجاهلية ضيعوا كل شئ من دين إبراهيم عليه السلام إلا الختان والتزويج والحج، فانهم تمسكوا بها ولم يضيعوها) بل في المرسل (3) الانكار من عثمان على أمير المؤمنين (عليه السلام) بقرنه بين الحج والعمرة، وقوله: (لبيك بحجة وعمرة معا).


(1) علل الشرائع ج 2 ص 100 الطبع الحديث مع اختلاف يسير في اللفظ (2) سورة البقرة - الآية 192 (3) سنن البيهقي ج 4 ص 352

[ 53 ]

وقد سمعت ما في صحيح الحلبي (1) السابق الذي منه كان المحكي عن أبي علي أنه قال: (القارن يجمع بين النسكين بنية واحدة، فان ساق الهدي طاف وسعى قبل الخروج إلى عرفات ولا يتحلل، وإن لم يسق جدد الاحرام بعد الطواف، ولا تحل له النساء وإن قصر) وهو كابن أبي عقيل في جعل القارن معتمرا أيضا، بل ظاهر الدروس أن غيره أيضا، كذلك وبسياق الهدي يتميز عنه القارن في المشهور، وقال الحسن: القارن من ساق وجمع بين الحج والعمرة فلا يتحلل منها حتى يحل من الحج، فهو عنده بمثابة المتمتع إلا في سوق الهدي وتأخير التحلل وتعدد السعي، فان القارن عنده يكفيه سعيه الاول عن سعيه في طواف الزيارة، وظاهره وظاهر الصدوقين الجمع بين النسكين بنية واحدة، وصرح ابن الجنيد بأنه يجمع بينهما، فان ساق وجب عليه الطواف والسعي قبل الخروج إلى عرفات، ولا يتحلل، وإن لم يسق جدد الاحرام بعد الطواف، ولا تحل له النساء وإن قصر، وقال الجعفي: (القارن كالمتمتع غير أنه لا يحل حتى يأتي بالحج للسياق) وفي الخلاف انما يتحلل من أتم أفعال العمرة إذا لم يكن ساق، فلو كان قد ساق لم يصح له التمتع ويكون قارنا عندنا، وظاهره أن المتمتع السائق قارن، وحكاه الفاضلان عنه ساكتين عليه. قلت: لكن لا يخفى عليك ضعفه وإن تعدد القائل به، إذ في خبر ابن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) الوارد في حجة الوداع (انه صلى الله عليه وآله لبى بالحج مفردا وساق الهدي) وفي صحيح الحلبي (3) عنه (عليه السلام) أيضا الوارد فيها (أهل بالحج وساق مائة بدنة، وأحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون


(1) المتقدم في ص 50 (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 - 13

[ 54 ]

عمرة، ولا يدرون ما المتعة) وهما كالصريحين خصوصا أولهما في أنه لبى بالحج مفردا له عن العمرة، ولا ينافي ذلك ظهور نصوص حجه صلى الله عليه وآله في عدم اعتماره في تلك الحجة، فانه صلى الله عليه وآله كان يعتمر عمرا متفرقة، وحينئذ فما فعله من الطواف والسعي حين قدومه ليس هو إلا للحج إلا أنه أمر غيره بالاحلال وجعل ما فعلوه للحج عمرة، وبقي هو على إحرامه، لانه لم يكن يسوغ له الاحلال حتى يبلغ الهدي محله. وأما خبر العلل (1) فهو - بعد الغض عن بعض ما في متنه مما يدل على كونه من غير الامام - يمكن حمله على إرادة جمع الله الحج والعمرة ولو لامته لا له نفسه، ضرورة صراحة النصوص الواردة في حجه أنه صلى الله عليه وآله لم يطف في البيت طوافين غير طواف النساء كما هو مقتضى الجمع بين الحج والعمرة، بل لعل التأمل في مجموع الخبر المزبور يقتضي ظهوره فيما ذكرناه أو صراحته، وأما المرسل المزبور فالمراد منه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أهل بحج التمتع الذي هو في الحقيقة حجة وعمرة، وأنكر عليه عثمان باعتبار مخالفته لرأي عمر، وليس المراد أنه (عليه السلام) أحرم لهما كما يصنعه العامة، وأما صحيح الحلبي فقد أطنبوا فيه فحمله الشيخ على إرادة اشتراط إن لم يكن حجة فعمرة من القران مستشهدا عليه بصحيح الفضيل السابق وغيره على غير ذلك، ولكن أحسن ما يقال فيه أن (بين) الاولى فيه متعلقة بنسك، فيكون المعنى أن الذي يقرن بحجه نسكه بين الصفا والمروة وغيرهما نسك المفرد لا يفضل عليه إلا بسياق الهدي، فيكون حينئذ كالاخبار السابقة عليه، وقوله (عليه السلام) فيه بعد: (أيما رجل) إلى آخره يراد به أنه لا يصلح القران بجمع الحج والعمرة، إذ ليس القران إلا أن


(1) العلل ج 2 ص 100 الطبع الحديث

[ 55 ]

يسوق الهدي لا كما يصنعه العامة من القران الذي هو الجمع بينهما باحرام واحد كما حكاه العلامة في التذكرة عن العامة وعن ابن أبي عقيل منا، بل لعل ذلك من معلومات مذهب الامامية، ومن هنا قيل ان مراد ابن أبي عقيل كغيره ممن سمعت بجمعهما العزم على فعلهما وإن كان الاحرام بالعمرة، وإن كان هو أيضا كما ترى مناف لما سمعته من النصوص الدالة على اختصاص جواز ذلك بالتمتع دون القسمين الاخيرين والله العالم. وعلى كل حال فيتخير القارن في عقد إحرامه بالتلبية والاشعار والتقليد وفاقا للمحكي عن الاكثر، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1): (يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: التلبية والاشعار والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) وفي خبر جميل (2) (ولا يشعر أبدا حتى يتهيأ للاحرام، لانه إذا أشعر وقلد وجلل وجب عليه الاحرام، وهي بمنزلة التلبية) ونحوه صحيح حريز (3) عنه (عليه السلام) أيضا، وفي صحيح عمر بن يزيد (4) عنه (عليه السلام) أيضا (من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) خلافا للمحكي عن السيد وابن إدريس فلم يعقد الاحرام إلا بالتلبية للاحتياط للاجماع عليها دون غيرها والتأسي، فانه صلى الله عليه وآله لبى بالاتفاق مع قوله صلى الله عليه وآله (5): (خذوا عني مناسككم) ولكنه يعطي الوجوب لا توقف


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 20 وليس فيه " وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير " وانما هو مذكور في صحيح عمر بن يزيد كما ذكره في الجواهر (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 7 - 19 - 21 (5) تيسير الوصول ج 1 ص 312

[ 56 ]

العقد عليها، وللمحكي عن الشيخ في الجمل والمبسوط وابني حمزة والبراج فاشترطوا العقد بهما بالعجز عن التلبية جمعا بين النصوص إلا أنه بلا شاهد. (و) كيف كان ف‍ (إذا لبى استحب له إشعار ما يسوقه من البدن) لقول الصادق (عليه السلام) في خبر الفضيل بن يسار (1): (إذا انتهى إلى الوقت فليحرم ثم يشعرها ويقلدها) الحديث. وقال له عليه السلام يونس بن يعقوب (2): (إني قد اشتريت بدنة فكيف أصنع بها ؟ فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فأفض عليك من الماء والبس ثوبيك ثم انخها مستقبل القبلة ثم ادخل المسجد فصل ثم افرض بعد صلاتك ثم اخرج إليها فأشعرها من الجانب الايمن من سنامها) الحديث، ونحوه غيره، وفي خبر جابر (3) (انما استحسنوا إشعار البدن لان أول قطرة تقطر من دمها يغفر الله عزوجل له) هذا، وفي القواعد (لو جمع بين التلبية أو أحدهما كان الثاني مستحبا) لكن في كشف اللثام في شرح ذلك بعد أن نسبه إلى الشرائع مع أن الفرق بين عبارتيهما واضح، قال: (والاقوى الوجوب، لاطلاق الاوامر والتأسي، وهو ظاهر من قبلهما، أما السيد وبنو حمزة وإدريس والبراج والشيخ في المبسوط والجمل فحالهم ظاهر مما عرفت) وفي المدارك (وأما استحباب الاشعار أو التقليد بعد التلبية فلم نقف له على نص بالخصوص، ولعل إطلاق الامر بهما كاف في ذلك) قلت: خصوصا بعد خبر ابن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في رجل ساق هديا ولم يقلده


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج الحديث 13 - 2 - 15 - 10 لكن روى الاول عن الفضل بن يسار وهو سهو فان الموجود في الفقيه ج 2 ص 209 الرقم 954 ايضا الفضيل

[ 57 ]

ولم يشعره قال: قد أجزأ عنه ما اكثر ما لا يشعر ولا يقلد ولا يجلل) انما الكلام في المستفاد من عبارة القواعد من استحباب التلبية بعد عقد الاحرام بالاشعار والتقليد، ولعل وجهه الاحتياط، وإطلاق الامر بها في عقده ونحو ذلك مما يكفي في مثله، وأما احتمال الوجوب تعبدا وان انعقد الاحرام بغيرها كما هو مقتضى ما سمعته من كشف اللثام بل قد يوهم ظاهره وجوب الاشعار والتقليد بعدها أيضا فهو في غاية البعد، خصوصا الاخير، فتأمل جيدا. وكيفية الاشعار وما يستحب فيه على ما يستفاد (من) مجموع النصوص (أن) يقوم الرجل من الجانب الايسر و (يشق) ويطعن (سنامه) بحديدة (من الجانب الايمن) باركا معقولا مستقبلا بها القبلة (ويلطخ صفحته بدمه) ليعرف أنه هدي، هذا إن لم تكن البدن كثيرة (وإن كان معه بدن) كثيرة (دخل) فيما (بين) اثنين من‍ (ها وأشعرها يمينا) أولا (وشمالا) ثانيا، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل (1): (إذا كانت البدن كثيرة قام فيما بين ثنتين ثم أشعر اليمنى ثم اشعر اليسرى) الحديث، وقال ايضا في صحيح حريز (2) (إذا كانت بدن كثيرة فأردت ان تشعرها دخل الرجل بين كل بدنتين فيشعر هذه من الشق الايمن وهذه من الشق الايسر) إلى آخره (و) يستحب له ايضا (التقليد) وهو (ان يعلق في رقبة المسوق نعلا) خلقا (قد صلى فيها) قال الصادق (عليه السلام) (3): (ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها) والظاهر البناء للمعلوم من فعل الصلاة فيها. (و) كيف كان ف‍ (الاشعار والتقليد للبدن ويختص البقر والغنم بالتقليد)


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج الحديث 7 - 19 - 4

[ 58 ]

لضعفها عن الاشعار، وفي صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) (كان الناس يقلدون البقر والغنم، وانما تركه الناس حديثا، ويقلدون بخيط أو بسير) وعن ابن زهرة يعلق عليه نعلا أو مزادة، وعن المنتهى والتذكرة نعلا صلى فيها أو خيطا أو سيرا أو ما أشبههما، ولعله للخبر المزبور، ولكن في الدلالة نظر، والامر سهل بعد كون التقليد من أصله مندوبا كالاشعار للاتفاق كما في كشف اللثام على عدم وجوب شئ منهما، والله العالم. (ولو دخل القارن أو المفرد مكة وأراد الطواف) المندوب قبل الوقوف بعرفات (جاز) لهما بلا خلاف أجده فيه، بل في كشف اللثام الظاهر الاتفاق على جوازه كما في الايضاح، بل فيه أيضا، ولعله مثله الواجب بنذر وشبهه، قلت: وكان الوجه في ذلك إطلاق ما دل (2) على رجحانه وقوله صلى الله عليه وآله (3): (الطواف بالبيت صلاة) وغيره، وهو المراد مما في المدارك من الاستدلال عليه بالاصل السالم عن المعارض، وفي الحدائق الاستدلال عليه أيضا بحسن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) سأله (عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة ؟ قال: نعم ما شاء، ويجدد التلبية بعد الركعتين، والقارن بتلك المنزلة، يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية) ولا بأس به وإن كان خاصا ببعض صور المدعى. بل لا يبعد ذلك أيضا في المتمتع إذا أحرم بالحج، وإن قيل إن الاشهر


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 9 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الطواف (3) سنن البيهقي ج 5 ص 87 وكنز العمال ج 3 ص 10 - الرقم 206 (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2

[ 59 ]

المنع، لحسن الحلبي (1) (سألته عن الرجل يأتي المسجد الحرام فيطوف بالبيت قال: نعم ما لم يحرم) لكن الاولي حمله على الكراهة، لقوة إطلاق ما دل على جوازه، بل في موثق إسحاق بن عمار (2) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يحرم بالحج من مكة ثم يرى البيت خاليا فيطوف قبل أن يخرج عليه شئ فقال: لا) بناء على ظهوره في إرادة نفي أن يكون عليه شئ، لا النهي عن الطواف، خصوصا بعد خبر عبد الحميد بن سعد (3) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحج ثم طاف بالبيت بعد إحرامه وهو لا يرى أن ذلك لا ينبغي، أينقض طوافه بالبيت إحرامه ؟ فقال: لا، ولكن يمضي على إحرامه) هذا. وأما جواز تقديم الطواف الواجب للقارن والمفرد فعن المعتبر أن عليه فتوى أصحابنا، بل عن الغنية الاجماع عليه، لاطلاق الادلة، وخصوص نصوص حجة الوداع (4) وخبر زرارة (5) سأل أبا جعفر عليه السلام (عن المفرد للحج يقدم


(1) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب الطواف - الحديث 4 مع الاختلاف (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الطواف - الحديث 2 والباب 13 من ابواب اقسام الحج - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب الطواف - الحديث 6 عن عبد الحميد ابن سعيد كما في التهذيب ج 5 ص 169 - الرقم 564 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 و 13 و 24 و 32 (5) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 وفيه " فقال: سواء " كما في التهذيب ج 5 ص 45 و 131 والكافي ج 4 ص 459

[ 60 ]

طوافه أو يؤخره فقال: هو والله سواء عجله أو أخره) وصحيح حماد بن عثمان (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مفرد الحج أيعجل طوافه أو يؤخره ؟ قال: هو والله سواء عجله أو أخره) وإن احتملا إرادة التعجيل بعد مناسك منى قبل انقضاء أيام التشريق وبعده إلا أن خبر أبي بصير (2) عن الصادق عليه السلام لا يحتمل ذلك، قال: (إن كنت أحرمت بالمتعة فقدمت يوم التروية فلا متعة لك، فاجعلها حجة مفردة تطوف بالبيت وتسعى بين الصفا والمروة ثم تخرج إلى منى ولا هدي عليك) وكذا خبر إسحاق بن عمار (3) سأل الكاظم عليه السلام (عن المفرد للحج إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة أيعجل طواف النساء ؟ قال: لا، انما طواف النساء بعد أن يأتي من منى) وخبر موسى بن عبد الله (4) سأل الصادق عليه السلام عن مثل ذلك إلا أنه ذكر أنه قدم ليلة عرفة، بل قد يتوقف فيما يأتي للمصنف والفاضل من الكراهة وإن استدل لها بخبر زرارة (5) (سألت أبا جعفر عليه السلام عن مفرد الحج يقدم طوافه أو يؤخره فقال: يقدمه، فقال رجل إلى جنبه لكن شيخي لم يفعل ذلك كان إذا قدم أقام بفخ حتى إذا راح الناس إلى منى راح معهم، فقلت له: من شيخك ؟ فقال: علي بن الحسين عليه السلام، فسألت عن الرجل فإذا هو أخو علي ابن الحسين عليه السلام لامه) لكنه كما ترى دلالته على عدمها أظهر، خصوصا مع التأييد بحجة الوداع التي عليها بناء المناسك، وفيها قال النبي صلى الله عليه وآله (6): (خذوا


(1) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب اقسام الحج الحديث 1 - 4 - 3 (2) لم نعثر على هذا الخبر حتى الآن نعم روى ذلك عبد الله بن موسى عن الصادق عليه السلام كما أشار إليه صاحب الجواهر (قده) (أيضا (4) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 10 (6) تيسير الوصول ج 1 ص 312

[ 61 ]

عني مناسككم) ولعله لذا كان المحكي عن الخلاف والنهاية أن لهما التأخير إلى أي وقت شاء، والتعجيل أفضل، وهو باطلاقه يتناول التقديم على الموقفين. وعلى كل حال فمن ذلك كله يظهر لك ضعف المحكي عن ابن إدريس من عدم جواز التقديم للاصل الذي هو غير أصيل كما قرر في محله، وللاحتياط للاجماع على الصحة مع التأخير الذي هو غير واجب مع إطلاق الادلة، فضلا عما عرفت من خصوصها، قيل: وللاجماع على وجوب التأخير، ورد بأن الشيخ ادعى الاجماع على الجواز، وهو أدرى منه بذلك، لكن في كشف اللثام أنه لم يحك الاجماع على ذلك وانما حكى الاجماع المزبور، ولا الشيخ حكى الاجماع على الجواز وقد يستدل لابن إدريس بصحيح ابن أذينة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (في هؤلاء الذين يفردون الحج إذا قدموا مكة وطافوا بالبيت أحلوا وإذا لبوا أحرموا، فلا يزال يحل ويعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج ولا عمرة) وصحيح زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) (قلت له: ما أفضل ما حج الناس ؟ فقال: عمرة في رجب وحجة مفردة في عامها، فقلت: فالذي يلي هذا قال: المتعة قلت: وكيف يتمتع ؟ فقال: يأتي الوقت فيلبي بالحج فإذا أتى مكة طاف وسعى وأحل من كل شئ وهو محتبس وليس له أن يخرج من مكة حتى يحج، قلت: فما الذي يلي هذا ؟ قال: القران، والقران أن يسوق الهدي، قلت: فما الذي يلي هذا ؟ قال: عمرة مفردة ويذهب حيث شاء، فان أقام بمكة إلى الحج فعمرته تامة وحجته ناقصة مكية، قلت: فما الذي يلي هذا ؟ قال: ما يفعل الناس اليوم يفردون


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 18 (2) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب 4 من ابواب اقسام الحج الحديث 23 وقطعة منه في الباب 5 منها - الحديث 1

[ 62 ]

الحج، فإذا قدموا مكة وطافوا بالبيت أحلوا، وإذا لبوا أحرموا، فلا يزال يحل ويعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج ولا عمرة) بناء على إرادة بيان بطلان حجهم فيهما بتقديم طوافه المقتضي للتحلل المزبور وإن كان فيه منع كما ستعرف إن شاء الله. نعم لا يجوز تقديمه في حج التمتع لغير عذر بلا خلاف محقق أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن المعتبر والمنتهى والتذكرة إجماع العلماء كافة عليه لخبر أبي بصير (1) (قلت: رجل كان متمتعا فأهل بالحج قال: لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات، فان هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علة فلا يعتد بذلك الطواف) المنجبر بما سمعت، وبمفهوم خبر صفوان بن يحيى الازرق (2) سأل أبا الحسن (عليه السلام) (عن امرأة تمتعت بالعمرة إلى الحج ففرغت من طواف العمرة وخافت الطمث قبل يوم النحر يصلح لها أن تعجل طوافها طواف الحج قبل أن تأتي منى، قال: إذا خافت أن تضطر إلى ذلك فعلت) وخبر إسحاق بن عمار (3) سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع إذا كان شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض تعجل طواف الحج قبل أن تأتي منى فقال: نعم، من كان هكذا فليعجل) بل وحسن الحلبي ومعاوية بن عمار (4) (لا بأس بتعجيل الطواف للشيخ الكبير والمرأة تخاف الحيض، قبل ان تخرج إلى منى) بل وخبر إسماعيل


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب الطواف - الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 7 - 4 لكن روى الثاني غن حفص بن البختري ومعاوية بن عمار وحماد عن الحلبي جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام

[ 63 ]

ابن عبد الخالق (1) (لا بأس أن يعجل الشيخ الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحج قبل أن يخرج إلى منى) وغير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى حصول القطع منها باعتبار العذر في جواز التقديم. فمن الغريب وسوسة المحقق الشيخ حسن في المحكي من منتقاه والسيد في مداركه في الحكم المزبور لاطلاق نصوص صحيحة في جوازه محمولة على التفصيل المزبور، وما أبعد ما بينهما وبين الحلي فلم يجوزه حتى للضرورة إطراحا للاخبار المزبورة، ولا يخفى ضعفهما معا، وكذا ما يحكى عنه من عدم جواز تقديم طواف النساء ولو للضرورة، إذ هو مع أنه مخالف للمشهور أيضا مناف لقول الكاظم عليه السلام في صحيح ابن يقطين (2): (لا بأس بتعجيل طواف الحج وطواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى، وكذلك لا بأس لمن خاف أمرا لا يتهيأ له الانصراف إلى مكة أن يطوف ويودع البيت ثم يمر كما هو من منى إذا كان خائفا) نعم في خبر علي بن أبي حمزة (3) (سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل يدخل مكة ومعه نساء وقد أمرهن فتمتعن قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة فخشي على بعضهن الحيض فقال: إذا فرغن من متعتهن وأحللن فلينظر إلى التي يخاف عليها الحيض فيأمرها فتغتسل وتهل بالحج من مكانها ثم تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فان حدث بها شئ قضت بقية المناسك وهي طامث، قال: فقلت: أليس قد بقي طواف النساء ؟ قال: بلى قلت: فهي مرتهنة حتى تفرغ منه قال: نعم، قلت: فلم لا يتركها حتى تقضي مناسكها ؟ قال: يبقى عليها نسك واحد أهون عليها من أن تبقى عليها المناسك كلها مخافة الحدثان،


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 6 (2) و (3) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب الطواف - الحديث 1 - 5

[ 64 ]

قلت: أبي الجمال أن يقيم عليها والرفقة قال: ليس لهم ذلك تستعدي عليهم حتى يقيموا عليها حتى تطهر وتقضي مناسكها) وهو مع شدة ضعفه ومخالفة ذيله قواعد المذهب قيل: ليس لابن إدريس إلاستدلال به لتجويزه تقديم طواف الحج، ويمكن حمله على إرادة أفضلية التأخير مع العذر أيضا كما حمل عليه قول الشيخ في محكي الخلاف: (روى أصحابنا رخصة في جواز تقديم الطواف والسعي قبل الخروج إلى منى وعرفات، والافضل أن لا يطوف طواف الحج إلا يوم النحر إن كان متمتعا) وإن كان ظاهره الجواز مطلقا اختيارا، كما أن ظاهر المحكي من موضع من التذكرة احتمال الجواز وانه قال به الشافعي، قال: (وردت رخصة في جواز تقديم الطواف والسعي على الخروج إلى منى وعرفات، وبه قال الشافعي لما رواه العامة (1) عن النبي صلى الله عليه وآله (من قدم شيئا قبل شئ فلا حرج) ومن طريق الخاصة خبر صفوان بن يحيى الازرق الذي سمعته) إلى آخره، ثم قال: إذا ثبت هذا فالاولى تقييد الجواز بالعذر، وأما عموم قوله (عليه السلام) لاسحاق ابن عمار: (انما طواف النساء بعد أن تأتي منى) فمخصوص بما عرفت، فلا ريب في أن الاقوى الجواز مع العذر، وربما يأتي لذلك كله تتمة إن شاء الله. وكيف كان فقد ظهر لك ان للقارن والمفرد الطواف مندوبا وواجبا (لكن يجددان التلبية عند كل طواف لئلا يحلا على قول) محكي عن الشيخ في المبسوط والخلاف والنهاية والشهيدين في حاشية الارشاد والمسالك والروضة، بل قال الشهيد (إن الفتوى به مشهورة، ودليله ظاهر، والمعارض منتف). (وقيل) والقائل الشيخ في محكي التهذيب: (انما يحل المفرد دون السائق)


(1) كنز العمال ج 3 ص 59 الرقم 1075

[ 65 ]

واختاره في الرياض حاكيا عن الذخيرة انه استظهره، وقيل كما عن المرتضى والمفيد عكس ذلك وان كنا لم نتحققه. (والحق) عند الحلي والمصنف والفاضل وولده (انه لا يحل احدهما إلا بالنية لكن الاولى تجديد التلبية عقيب صلاة الطواف) بل في التنقيح نسبته إلى المنأخرين، فتكون الاقوال حينئذ أربعة، لكن يظهر من محكي التذكرة الاجماع على خلاف الشيخ، حيث قال بعد ان حكى قوله المزبور: وأنكر ابن إدريس وكافة العلماء ذلك، كما أن ظاهره الاجماع ممن عدا الشيخ على موافقة ابن إدريس، وكيف كان فالذي عثرنا عليه من النصوص في المقام - مضافا إلى ما تقدم سابقا مما لا يخفى عليك دلالته كحسن معاوية بن عمار (1) وغيره، بل ونصوص حجة الوداع (2) - صحيح ابن الحجاج (3) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): إني أريد جوار مكة كيف أصنع ؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة فأحرم منها بالحج، فقلت له: كيف أصنع إذا دخلت مكة أقيم بها إلى يوم التروية ولا أطوف بالبيت ؟ قال: تقيم عشرة لا تأتي البيت، إن عشرا لكثير، ان البيت ليس بمهجور ولكن إذا دخلت فطف بالبيت واسع بين الصفا والمروة، فقلت: أليس كل من طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل ؟ قال: إنك تعقد بالتلبية، ثم قال: كلما طفت طوافا


(1) و (3) الوسائل - الباب 16 من ابواب اقسام الحج الحديث 2 - 1 مع الاختلاف في الثاني الا ان ما في الجواهر مطابق للكافي ج 4 ص 300 والتهذيب ج 5 ص 46. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 و 13 و 24 و 32.

[ 66 ]

وصليت ركعتين فاعقد على طوافك بالتلبية) وخبر ابي بصير (1) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): رجل يفرد فيطوف للحج بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم يبدو له ان يجعلها عمرة قال: إن كان لبى بعد ما سعى قبل ان يقصر فلا متعة له) وصحيح معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن رجل أفرد الحج فلما دخل مكة طاف بالبيت ثم أتى اصحابه وهم يقصرون فقصر معهم ثم ذكر بعد ما قصر انه مفرد قال ليس عليه شئ إذا صلى فليجدد التلبية) وخبر ابراهيم بن ميمون (3) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن اصحابنا مجاورون بمكة وهم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون، قال: قل لهم: إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا إلى التنعيم فليحرموا وليطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يطوفوا فيعقدوا التلبية عند كل طواف) الحديث وموثق زرارة (4) (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت وبالصفا والمروة احل، احب أو كره) ومرسل يونس بن يعقوب (5) عن ابي الحسن (عليه السلام) (ما طاف بين هذين الحجرين الصفا والمروة احد إلا حل إلا سائق الهدي) وصحيح زرارة (6) (جاء رجل إلى ابي جعفر عليه السلام وهو خلف المقام فقال: اني قرنت بين حج وعمرة، فقال له: هل طفت بالبيت قال نعم، فقال هل سقت الهدي ؟ قال: لا، قال: فأخذ أبو جعفر عليه السلام بشعره


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 9 (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب التقصير - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 9 من ابواب اقسام الحج - الحديث 4 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج الحديث 5 - 6 - 7

[ 67 ]

وقال: أحللت والله) وحسن معاوية بن عمار (1) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل لبى بالحج مفردا فقدم مكة وطاف بالبيت وصلى ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام وسعى بين الصفا والمروة فقال: فليحل وليجعلها متعة الا ان يكون ساق الهدي) وموثق زرارة (2) (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت والصفا والمروة احل، أحب أو كره إلا من اعتمر في عامه ذلك أو ساق الهدي وأشعره وقلده) وخبر الفضل (3) المروي في محكي العلل عن الرضا (عليه السلام) (انهم أمروا بالتمتع إلى الحج لانه تخفيف - إلى ان قال - وان لا يكون الطواف محظورا لان المحرم إذا طاف بالبيت احل، فلولا التمتع لم يكن للحاج ان يطوف، لانه ان طاف احل وافسد احرامه، وخرج منه قبل أداء الحج) وخبر صفوان (4) (قلت لابي الحسن علي بن موسى (عليه السلام) ان ابن السراج: روى عنك انه سألك عن الرجل يهل بالحج ثم يدخل مكة وطاف بالبيت سبعا وسعى بين الصفا والمروة فيفسخ ذلك ويجعلها متعة، فقلت له: لا، فقال: قد سألني عن ذلك وقلت له: لا، وله ان يحل ويجعلها متعة، وآخر عهدي بأبي انه دخل على الفضل بن الربيع وعليه ثوبان وساج فقال له الفضل: يا ابا الحسن لنا بك أسوة، انت مفرد للحج وانا مفرد للحج، فقال له ابي: لا ما انا مفرد انا متمتع، فقال له الفضل بن الربيع: فلي الآن ان أتمتع فقد طفت بالبيت ؟ فقال له ابي: نعم فذهب بها محمد بن جعفر إلى سفيان بن عيينة واصحابه فقال لهم: ان موسى بن جعفر عليه السلام قال للفضل بن الربيع كذا وكذا يشنع بها على أبي).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج الحديث 4 - 5 (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 26 (4) الوسائل - الباب - 22 من ابواب الاحرام - الحديث 6

[ 68 ]

ولا يخفى عليك دلالة كل من هذه النصوص بالنسبة إلى الاقوال السابقة حتى قول المصنف، ضرورة ظهور الخبر الاخير في ان ذلك له إن شاء، بل لعل قوله (عليه السلام) في حسن معاوية السابق (فليحل وليجعلها متعة) كذلك أيضا، بل قد يرشد إليه أيضا مرسل يونس (1) وصحيح زرارة (2) وموثقه (3) وغيرها من النصوص التي هي كالصريحة في ان القارن لا يحل حتى يبلغ الهدي محله وإن طاف ولم يلب، ولا معارض لها إلا الاطلاق المقيد بها وخصوص حسن ابن عمار السابق الذي جعل فيه القارن بمنزلة المفرد، ويمكن إرادة العازم على الحج والعمرة من القارن فيه كما سمعت التصريح به في صحيح زرارة، مع انه متحد لا يعارض المتعدد المعتضد بالاصل وبغيره. ومن هنا ظهر لك وجه القول الثاني الذي اختاره في الرياض، قلت: إلا أن المتجه حمل الحسن المزبور على الندب، ومنه يظهر رجحان قول المصنف، ضرورة حصول الظن بارادة الندب فيهما، لظهور الخبر المزبور في اتحاد حكمها وعدم الفرق بينهما، ولذا جمعها بأمر واحد، فقال: (يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية) كل ذلك مع شدة استبعاد الاحلال قهرا واستبعاد الانقلاب عمرة كذلك، خصوصا في الطواف المندوب الذي قد عرفت جوازه من القارن والمفرد، وخصوصا فيمن كان فرضه ذلك، لان انقلاب طواف حجه أو زيارته إلى عمرة تمتع قهرا عليه بمجرد ترك التلبية مما لا تصلح لاثباته الادلة المزبورة، خصوصا بعد معلومية توقف الاحلال على التقصير نصا وفتوى، واحتمال تخصيص ذلك بما هنا ليس بأولى من العكس على معنى أن له الاحلال به إن شاء


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب 5 من ابواب اقسام الحج الحديث 6 - 7 - 5

[ 69 ]

في مقام يجوز له العدول إلى العمرة، وهو عين مختار المصنف، إذ الظاهر كما اعترف به في المدارك أن مراده ومن قال بمقالته بالنية أنه لا يحل الحاج المقدم طوافه وسعيه إلا بنية العدول بذلك إلى العمرة حيث يسوغ له ذلك، كما إذا كان الحج إفرادا غير متعين عليه، ومن ذلك يعلم النظر فيما ذكره المحقق الثاني معترضا به على المصنف بعد أن جعل مراده بالنية نية التحلل بالطواف، قال: (ان اعتبار النية لا يكاد يتحقق، لان الطواف منهي عنه إذا قصد به التحلل، فيكون فاسدا فلا يعتد به في كونه محللا، لعدم صدق الطواف الشرعي حينئذ والرواية الواردة بالفرق بين القارن والمفرد ضعيفة، فالاصح عدم الفرق - الي أن قال: - فعلى هذا هل يحتاج إلى طواف للعمرة أم لا ؟ فيه وجهان، كل منهما مشكل، اما الاول فلانه إذا إحتيج إليه لم يكن لهذا الطواف تأثير في الاحلال، وهو باطل، وأما الثاني فلان إجزاءه عن طواف العمرة بغير نية ايضا معلوم البطلان) إذ هو كما ترى، ضرورة أنك قد عرفت ارادة القائل بالنية أن له العدول حيث يجوز له لا مطلقا، فلا يرد شئ مما ذكره، كما لا إشكال فيما فرعه مما هو مبني على اصل فاسد، إذ مرجع كلام المصنف ان الحكم في هذه المسألة هو حكم المسألة الآتية، وهي جواز العدول للمفرد إلى التمتع حيث يجوز له، وأنه لا انقلاب قهري، وربما يؤيده انه لا وجه لعقد احرامه بالتلبية من دون قصد لذلك بعد فرضنا تحقق الاحلال بالطواف كما هو ظاهر النصوص المزبورة، وبه جزم في الحدائق، بل في المدارك انه توهمه بعض المتأخرين، ومن هنا جعل بعضهم المراد من النصوص توقف بقاء الاحرام السابق على التلبية لا أن التحليل حصل بالطواف والتلبية عاقدة له، لكنه كما ترى مناف لظاهرها وليس بأولى حينئذ من القول بكون المراد بذلك الكناية عن جواز العدول له وعدمه، فان اختار الاول ترك التلبية وقصر وجعل تلك الافعال عمرة، وان

[ 70 ]

شاء بقي ملبيا بحجه ولا يعدل عنه. وربما يؤيد قول المصنف ايضا ما ذكروه في توجيه القول بوجوب تجديد التلبية للقارن دون المفرد بأن انقلاب حج المفرد إلى العمرة جائز دون حج القارن، فالمفرد لا بأس عليه إن لم يجددها، فان غاية امره انقلاب حجته عمرة، وهو جائز بخلاف القارن، فانه ان لم يجددها لزم انقلاب حجته عمرة وهو لا يجوز، إذ هو كما ترى لا يتم إلا على إرادة ما ذكرناه، وإلا فمع فرض كون الانقلاب قهريا لا فرق بين المفرد والقارن، على انه قد يكون الافراد متعينا عليه، بل قد يكون التمتع غير مشروع له، كما انه لا وجه للوجوب الذي هو مقتضى إطلاق المحكي عن الشيخ على المفرد إذا لم يتعين عليه الافراد، إذ اقصاه الانقلاب، ولا بأس به إلى غير ذلك مما يظهر بالتأمل على وجه يمكن القطع بفساد دعوى اقتضاء عدم التلبية بعد الطواف الاحلال قهرا وذكرها العقد كذلك، من غير فرق بين المندوب منه - الذي هو طواف زيارة ويحتاج إلى سعي في جعله عمرة - والواجب، وبين حج الافراد والقران، بل والتمتع إذا فرض تقديم طواف حجه للضرورة. كما أنه يظهر لك مما ذكرنا النظر في كثير من كلماتهم في المقام المشوشة غاية التشويش حتى بالنسبة إلى الانقلاب عمرة بعد التحلل بترك التلبية كما عن المبسوط والنهاية التصريح به، بل نسب إلى جماعة، بل ربما ظهر من بعضهم عدم خلاف فيه، كما يظهر من آخر عدم الخلاف في كون الاحرام لا يحل منه إلا بحج أو عمرة، لكن في المدارك ليس في الروايات دلالة على صيرورة الحج مع التحلل عمرة كما ذكره الشيخ واتباعه، نعم ورد في روايات العامة التصريح بذلك، فانهم رووا عن النبي صلى الله عليه وآله (1) (إذا أهل الرجل بالحج ثم قدم مكة وطاف بالبيت وبين


(1) سنن البيهقي - ج 4 ص 356 مع الاختلاف في اللفظ

[ 71 ]

الصفا والمروة فقد أحل وهي عمرة) وفي الرياض بعد ان حكى عن المدارك ذلك قال: (وهو كذلك، نعم في الموثق (1) السابق (ان كان لبى بعد ما سعى قبل ان يقصر فلا متعة له) ومفهومه انه ان لم يكن لبى له متعة، وهو نص في ان له المتعة مع النية، اما بدونها بحيث يحصل الانقلاب إلى العمرة قهرا كما هو ظاهر الجماعة فغير مفهوم من الرواية) قلت. لكن ربما لا تكون المتعة مشروعة له، وعلى كل حال فهو اعتراف منه بما يؤيد المختار، كما انه يؤيده ايضا ما سمعته من سيد المدارك من روايات العامة فان منه يقوى الظن حينئذ بصدور جملة من الروايات المزبورة على وفقها للتقية، وربما يرشد إليه ايضا اختلافها في ذكر التلبية العاقدة للاحرام بعد الطواف أو صلاته أو بعد السعي على وجه يشعر بكون ذلك للندب أو للتقية، بل الاخذ باطلاق النصوص المزبورة يقتضي إثبات احكام غريبة يقطع الفقيه بخروجها عن مذاق الفقه وبعد التزام الاصحاب بها فتأمل جيدا. ومما ذكرنا يظهر لك ان الاصح رجوع حكم هذه المسألة إلى المسألة الاخرى (و) هي انه (يجوز) بل يرجح (للمفرد) الذي تجوز له المتعة (إذا دخل مكة ان يعدل إلى التمتع) اختيارا فضلا عن الاضطرار بلا خلاف اجده، بل الاجماع محكي صريحا وظاهرا عليه في جملة من الكتب كالخلاف والمعتبر والمنتهى والمدارك وغيرها، كما ان النصوص متظافرة أو متواترة فيه وخصوصا أخبار حجة الوداع التي امر النبي صلى الله عليه وآله فيها من لم يسق هديا من اصحابه بذلك حتى قال: (انه لو استقبلت من امري ما استدبرت لم أسق هديا) وإشكالها بأن الظاهر منها ان هذا العدول على سبيل الوجوب - حيث انه


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب اقسام الحج الحديث 1

[ 72 ]

نزل جبرئيل عليه السلام بوجوب التمتع على اهل الآفاق، ومبدأ النزول كان حين فراغه من السعي، ونزلت الآية في ذلك المقام بذلك، فأمرهم بجعل ما طافوا وسعوا عمرة، حيث ان جملة من كان معه من اهل الآفاق، وان يحلوا ويتمتعوا بها إلى الحج، فهو ليس مما نحن فيه من جواز العدول وعدمه في شئ - يدفعه ان امره صلى الله عليه وآله جميع اصحابه بذلك مع القطع بأن منهم من ادى حجة الاسلام اوضح شئ في الدلالة على المطلوب، ولا ينافيه شموله ايضا لمن وجب عليه الحج نعم الظاهر اختصاص الحكم المزبور بمن جازت المتعة في حقه، أما من تعين عليه غيرها بأصل الشرع أو بعارضه فلا يجوز له العدول. للاصل بعد قصور ادلة العدول عن تناول مثل ذلك، وتناول امره صلى الله عليه وآله بالعدول لمن وجب عليه الحج في ذلك العام لا يقتضي جوازه لمن لم تشرع المتعة في حقه كحاضري مكة، بل اقصاه العدول إلى التمتع الذي هو فرضهم عند نزول الآية وكان ممكنا لهم لمشروعية العدول، وهو غير جواز العدول في الاثناء لمن لم يشرع التمتع له في الابتداء، كما هو واضح، وحينئذ فلا حاجة إلى ما اطنب به في الرياض من الجواب عن ذلك بدعوى كون التعارض بين هذه النصوص وبين ما دل على كون الافراد فرض حاضري مكة من وجه، ولا ترجيح، فالاخذ بالمتيقن واجب، وهو عدم جواز العدول، وحينئذ فما عن المسالك من أن التخصيص بذلك بعيد عن ظاهر النص في غير محله، هذا وفي المدارك (لا يخفى ان العدول انما يتحقق إذا لم يكن ذلك في نية المفرد ابتداء، وإلا لم يقع الحج صحيحا من اصله، لعدم تعلق النية بحج الافراد، فلا يتحقق العدول عنه، كما هو واضح) وفيه منع توقف تحقق العدول على ذلك أولآ، ومنع انحصار عنوان

[ 73 ]

الحكم في العدول ثانيا، على ان في الموثق والصحيح (1) المروي عن الكشي عن عبيد بن زرارة (وعليك بالحج ان تهل بالافراد وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة وطفت وسعيت فسخت واهللت به وقلبت الحج عمرة واحللت إلى يوم التروية، ثم استأنفت الاهلال بالحج مفردا إلى منى - إلى ان قال - فكذلك حج رسول الله صلى الله عليه وآله، وهكذا امر اصحابه ان يفعلوا ان يفسخوا ما اهلوا به ويقلبوا الحج عمرة). وعلى كل حال فقد عرفت انه لا إشكال ولا خلاف في اصل جواز العدول نصا وفتوى، لكن عن ابي علي اشتراط العدول بالجهل بوجوب العمرة، وهو واضح الضعف، نعم قد يقال باشتراطه بعدم وقوع التلبية بعد طوافه كما عنه ايضا بل وعن غيره، للموثق (2) المتقدم في المسألة السابقة المؤيد بما يظهر من غيره من انها عاقدة للاحرام، إلا انك قد عرفت حمل تلك النصوص على ضرب من التقية أو غيرها، وان الاعتبار بالنية والقصد كما سمعته من ابن إدريس، وإلا فلا مدخل للتلبية وجودا وعدما إلا ان يراد بها الكناية عن اختيار عدم العدول أما مع فرض عدم قصده ذلك بذكرها فلا يبعد جواز العدول له بعدها، لاطلاق الادلة السابقة السالمة عن معارضة الموثق المزبور بعد تنزيله على ما عرفت، فلا تقدح حينئذ لو وقعت بعد الطواف المنوي به العدول بطريق اولى. لسبق النية التي يدور العمل عليها، إذ لو سلم العمل بالموثق المزبور فأقصاه عدم جواز العدول لمن لبى، لا إبطال التلبية للعدول، مع انك قد عرفت تنزيله على ما سمعت،


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 11 عن عبد الله بن زرارة (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 74 ]

فيبقى إطلاق الادلة حينئذ سالما عن المعارض، حتى امر النبي صلى الله عليه وآله اصحابه بالعدول بعد تمام السعي مقتصرا في الاستثناء على سوق الهدي. وفي الرياض انه عزاه بعض الاصحاب إلى الاكثر. قال: خلافا لظاهر التحرير والمنتهى وتردد الشهيد، وبذلك يظهر لك ما في كتب غير واحد من الاصحاب، فلاحظ وتأمل. هذا كله في العدول إلى عمرة التمتع، وهل له العدول إلى عمرة مفردة اختيارا ؟ احتمال لا يخلو من قوة وإن كان الاحوط عدمه كما في كشف اللثام، وفي بعض النصوص جواز العدول بالعمرة المفردة في اشهر الحج إلى التمتع، كما ان منه يظهر لك الوجه فيما في الدروس، قال: وكما يجوز فسخ الحج إلى العمرة يجوز نقل العمرة المفردة إلى المتعة إذا احل بها في اشهر الحج إلا لمن لبى بعد طوافه وسعيه، فان لبى فلا، وفي التلبية بعد النقل تردد، وابن إدريس لم يعتبر التلبية بل النية، وكذا حكم تلبية فاسخ الحج إلى العمرة، وابن الجنيد جوز العدولين، وشرط في العدول من الحج إلى المتعة ان يكون جاهلا بوجوب العمرة وان لا يكون قد ساق، ولا لبي بعد طوافه وسعيه، ولا يخفى عليك الحال بعد الاحاطة بما ذكرنا والله العالم. (ولا يجوز ذلك) أي العدول المزبور اختيارا (للقارن) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، والنصوص (1) يمكن دعوى تواترها فيه، بل مقتضى إطلاقها كالفتاوى عدم الفرق بين من تعيين عليه القران قبل الاحرام به أم لا، لتعينه عليه بالسياق، نعم إذا عطب هديه قبل مكة ولم يجب عليه الابدال فهل يصير كالمفرد في جواز العدول ؟ قد احتمل بعضهم ذلك، لتعليل المنع عنه في الاخبار (2) بأنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ولا يخلو من نظر، وقد سمعت


(1) الوسائل - الباب - 2 و 5 - من ابواب اقسام الحج (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج

[ 75 ]

القول بانتقاله قهرا إلى العمرة مع ترك التلبية بعد الطواف وإن أثم بذلك، لكن قد عرفت ضعفه ولو لادلة المقام الظاهرة في ذلك أيضا. وبذلك وما تقدم سابقا وغيره، مما يأتي يظهر لك أن حج التمتع يمتاز عن قسيميه بأمور: منها أن العمرة والحج في التمتع بجميع أفراده مرتبطان لا ينفك أحدهما عن الآخر إجماعا ونصا، بخلافهما فانه يجوز الاتيان بأحد النسكين دون الآخر في التطوع وفي الواجب مع اختصاص السبب الموجب بأحدهما، كما لو استطاع أحدهما دون الآخر، أو نذر أو استؤجر كذلك. ومنها تقدم العمرة على الحج في التمتع وتأخرها عنه في الآخرين بالاجماع فيهما، والنصوص المستفيضة في القران، فما عن ظاهر الصدوق - من جواز التقديم فيهما أيضا للخبر (1) (أمرتم بالحج والعمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم) ثم قال: يعني في العمرة المفردة الضعيف سندا بل القاصر دلالة، بل قيل الظاهر أن المراد منه التخيير بين أنواع الحج للمتطوع - واضح الضعف. ومنها اشتراط وقوع عمرته في أشهر الحج بخلافهما وإن وجب الاتيان بها فورا بعد الفراغ من الحج، لكن الفورية غير التوقيت. ومنها اعتبار كون النسكين في عام واحد في التمتع كما عرفت الكلام فيه مفصلا، بخلافهما فانه لا يشترط ذلك إلا من قبل المكلف، لاطلاق الادلة، وثبوت الفورية فيما يجب منهما بالاصل لا يقتضي التوقيت، ولا فساد الحج بتأخير العمرة عنه، ووقوع الاحلال منه على الوجه الصحيح، قال الشهيدان في اللمعتين: (يشترط في التمتع جمع الحج والعمرة لعام واحد، فلو أخر الحج عن سنتها صارت


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب العمرة - الحديث 6

[ 76 ]

مفردة فيتبعها بطواف النساء، أما قسيماه فلا يشترط إيقاعهما في سنة واحدة في المشهور، خلافا للشيخ حيث اعتبرها في القران كالتمتع) وفي المدارك (لم نقف في هذه المسألة على رواية معتبرة تقتضي التوقيت، لكن مقتضى وجوب الفورية التأثيم بالتأخير، وهو لا ينافي وقوعهما في جميع أيام السنة كما قطع به الاصحاب، نعم روى الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله (1) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المعتمر بعد الحج قال إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن) وهي لا تدل على التوقيت، إلا أن العمل بمضمونها أولى) وفي الدروس (وقت العمرة المفردة الواجبة بأصل الشرع عند الفراغ من الحج وانقضاء أيام التشريق لرواية معاوية بن عمار (2) السالفة أو في استقبال المحرم، وليس هذا القدر منافيا للفورية، وقيل يؤخرها عن الحج حتى يمكن الموسى من الرأس ووقت الواجبة بالسبب عند حصوله، ووقت المندوبة جميع السنة) وهذا الكلام وإن أوهم بظاهره التوقيت لكن قوله (وليس هذا القدر) إلى آخره، وتصريحه بما ينافي ذلك في موضع آخر يقتضي الحمل على التوقيت اللازم من الفورية، وليس ذلك توقيتا حقيقيا، ومن الغريب إشكال ثاني الشهيدين له بوجوب إيقاع الحج والعمرة في عام واحد، قال: (إلا أن يريد بالعام اثنى عشر شهرا) واعترضه سبطه بامكان المناقشة في اعتبار هذا الشرط، لعدم وضوح دليله، وقد سمعت التصريح في كلاميهما بعدم اشتراط ذلك عند الاصحاب جميعهم أو بعضهم، وأغرب من ذلك ما عن صاحب المفاتيح من دعوى عدم الخلاف في الشرط المذكور، وربما أجيب عن ثاني الشهيدين بأن نفى اشتراط الجمع لا ينافي إيجابه له، وعن سبطه بأن مراده المناقشة في الشرط المفهوم من كلام جده، ولكن يبعد الاول قوله:


(1) و (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب العمرة - الحديث 2 - 1

[ 77 ]

(في عام واحد) والثاني فحوى الكلام، وبالجملة فجملة من العبارات لا تخلو من تشويش واضطراب، ولعل منشأه التباس الفورية بالتوقيت كما يلوح من بعضها. هذا كله في العمرة الواجبة بالاصل، وهي عمرة الاسلام، فأما غيرها فالحكم فيها ظاهر، ضرورة جواز ترك المندوبة، وتبعية المنذورة لقصد الناذر، وعدم وجوب أحد النسكين بالشروع في الآخر إلا في التمتع حيث يجب فيه الحج بالشروع في العمرة، لكونهما فيه بمنزلة العبادة الواحدة، قال في الدروس: وفي كلامهم وفي الروايات دلالة على وجوب حج التمتع بالشروع في العمرة وإن كانت ندبا، والظاهر أنه لا خلاف في ذلك عندهم، ولا في اختصاص الحكم المذكور بالتمتع. ومنها أنه لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة إلا محرما إلا إذا رجع قبل شهر كما في النصوص (1) وقيل بالكراهة، ويجوز لغيره الخروج منها متى شاء من غير تحريم ولا كراهة كما صنع أبو عبد الله عليه السلام (2) حيث خرج من مكة إلى العراق يوم التروية والناس يخرجون إلى منى. منها أن محل الاحرام للحج للمتمتع بطن مكة، وللمفرد والقارن أحد المواقيت أو منزلهما إن كان دون الميقات، نعم لو كان من أهل مكة أحرم منها كالمتمتع، لانها أقرب إلى عرفات من الميقات، وهي مقصد الحاج، كمكة للمعتمر ولانها ميقات، ومن أتى على ميقات لزمه الاحرام منه، بل عن التذكرة لا نعلم في ذلك خلافا. ومنها أن محل الاحرام بالعمرة للمتمتع من الميقات أو ما في حكمه مطلقا،


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب العمرة - الحديث 3

[ 78 ]

بخلاف المفرد فانه انما يجب عليه ذلك لو مر عليها، أما لو كان في الحرم احرم من ادنى الحل وإن لم يكن من اهله، ولم يجب عليه الخروج إلى الميقات إجماعا على ما قبل. ومنها ان المتمتع يقطع التلبية في العمرة إذا شاهد بيوت مكة، بخلاف المفرد فانه انما يقطعها إذا شاهد الكعبة إن كان قد خرج من مكة للاحرام، وإلا فإذا دخل الحرم، وقيل بالتخيير في الاخير، وتعريف الكلام فيه إن شاء الله. ومنها أن طواف النساء لا يتكرر في التمتع بل انما يجب في الحج خاصة دون العمرة كما ستعرف تحقيقه إن شاء الله، ويتكرر في القران والافراد في كل من النسكين على المشهور، وقيل هما كالمتمتع، وحينئذ لا فرق، وكذا لو قيل بثبوته في عمرة التمتع مثلهما، نعم لو قيل بثبوته في المتمتع بها دون المفردة انعكس الفرق، ولكنه غريب ومنها أن المفرد والقارن يجوز لهما تقديم طواف الحج وسعيه على الوقوفين اختيارا على المشهور، ولا يجوز ذلك للمتمتع بلا خلاف يعرف، نعم قيل بالمنع فيهما، وهو شاذ: ومنها أنه يجوز للمفرد والقارن تأخير الطوافين والسعي بينهما عن يومي النحر والنفر فيأتي بهما طول ذي الحجة من غير كراهة، بخلاف المتمتع الذي ورد النهي (1) فيه وإن كان في كونه تحريما أو تنزيها قولان. ومنها أنه يجوز للمفرد والقارن إذا دخلا مكة أن يطوفا ندبا، وفي جوازه للمتمتع بعد الاحرام بالحج قولان، بل قيل ان أشهرهما التحريم. ومنها أن عقد الاحرام بالتمتع لا ينعقد إلا بالتلبية، وغيره ينعقد بها وبالاشعار والتقليد مخيرا بينهما على المشهور، فان عقد بأحدهما أو بها وساقا الهدي


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب زيارة البيت

[ 79 ]

كان قارنا، وإلا فمفردا. ومنها وجوب الهدي على المتمتع دون غيره وإن كان قارنا، لان هدي القران لا يجب بالاصل وإن تعين للذبح بالاشعار أو التقليد، ثم إنه يعتبر فيه السياق ولا يجوز فيه الابدال، ولا يجب فيه الاكل ولا القسمة، ويجزي عن صاحبه لو ضل اتفاقا على ما قيل، وهدي التمتع ليس كذلك. ومنها أن التمتع يعدل إليه ولا يعدل عنه اختيارا عكس الافراد فانه يعدل عنه ولا يعدل إليه، وأما القران فلا يعدل عنه ولا إليه، هذا، ومما سمعت ظهر لك الفرق بين القران والافراد في عقد الاحرام والهدي والعدول وبين نوعي العمرة في محل الاحرام وقطع التلبية وفي طواف النساء. (و) كيف كان ف‍ (المكي إذا بعد عن أهله وحج حجة الاسلام على ميقات أحرم منه وجوبا) بلا خلاف ولا إشكال، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وقت المواقيت لاهلها ولمن أتى عليها من غير أهلها، وفيها رخصة لمن كانت به علة، فلا يجاوز الميقات إلا من علة، بل عن الشيخ والفاضلين جواز التمتع له حينئذ، بل في المدارك نسبته إلى الاكثر، بل في غيرها إلى المشهور، لصحيح عبد الرحمان ابن الحجاج (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الامصار ثم يرجع إلى مكة فيمر ببعض المواقيت أله أن يتمتع ؟ قال: ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل، وكان الاهلال أحب إلي) وصحيحه الآخر مع عبد الرحمان ابن أعين (2) قالا: (سألنا أبا الحسن عليه السلام عن رجل من أهل مكة خرج إلى بعض الامصار ثم رجع في بعض المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، أله أن يتمتع ؟ فقال ما أزعم أن ذلك ليس له، والاهلال بالحج أحب إلي، ورأيت


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 - 1

[ 80 ]

من سأل أبا جعفر عليه السلام وذلك أول ليلة من شهر رمضان فقال له: جعلت فداك اني نويت أن أصوم بالمدينة، قال: تصوم إن شاء الله، فقال: وأرجو أن يكون خروجي في عشر من شوال قال: تخرج إن شاء الله، فقال له: إني قد نويت أن أحج عنك أو عن ابيك فكيف اصنع ؟ فقال له: تمتع، فقال له: إن الله ربما من علي بزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وزيارتك والسلام عليك وربما حججت عنك وربما حججت عن ابيك وربما حججت عن بعض اخواني أو عن نفسي فكيف اصنع ؟ فقال له: تمتع، فرد عليه القول ثلاث مرات يقول له: إني مقيم بمكة واهلي بها فيقول: تمتع، وسأله بعد ذلك رجل من اصحابنا فقال: إني اريد ان افرد عمرة هذا الشهر يعني شوال فقال له: انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: إن اهلي ومنزلي بالمدينة ولي بمكة اهل ومنزل ولي بينهما اهل ومنازل فقال له: انت مرتهن بالحج، فقال له الرجل: إن لي ضياعا حول مكة واريد ان اخرج حلالا فإذا كان ابان الحج حججت) إلا انهما كما ترى لا صراحة فيهما بحج الاسلام، خصوصا مع بعد عدمه من المكي إلى حال الخروج المزبور، بل لعل ظاهر الثاني منهما الذي هو خبر آخر اورد على اثر الخبر الاول الندب، بل عن المحقق الشيخ حسن في المنتقى الجزم بصراحته في ذلك، قال: ومنه يظهر كون المراد بالخبر الاول ذلك ايضا، لبعد عدم حج الاسلام من المكي، اللهم إلا ان يقال انهما لو لم يكونا فيه لم يكن الاهلال بالحج احب إليه، لفضل التمتع في التطوع مطلقا، لكن قد عرفت المناقشة في ذلك منا، بل في كشف اللثام احتمال كون ذلك للتقية قال: بل يجوز ان يهل بالحج تقية وينوي العمرة كما قال أبو الحسن عليه السلام للبزنطي في الصحيح (1): (ينوي العمرة ويحرم بالحج) ولعله لذا كان


(1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الاحرام - الحديث 2

[ 81 ]

المحكي عن ابن ابي عقيل عدم الجواز، لاطلاق ما دل علي انه لا متعة لاهل مكة من الكتاب (1) والسنة (2) وعن المختلف احتمال الجمع بين القولين بحمل الاول على من خرج من مكة يريد استيطان غيرها، والثاني على غيره، لكنه كما ترى لا دليل عليه، بل ظاهر الدليل خلافه. وفي المدارك بعد ان حكى قول الحسن ودليله قال: وهو جيد لولا ورود الرواية الصحيحة بالجواز، قلت: لكن قد عرفت عدم دلالتها على حج الاسلام ودعوى انقلاب فرض المكي بخروجه كانقلاب فرض المجاور بمكة سنتين يدفعها حرمة القياس عندنا، مع ان القائل بذلك يقول به على التخيير المنافي لظاهر الادلة السابقة المقتضي للتعيين في الفرض، وهو التمتع للنائي والقران والافراد لغيره، وهو مؤيد آخر لابن ابي عقيل، بل في الرياض الميل إليه بناء على عدم صراحة الرواية في الفريضة، قال: القرينة المشعرة بارادتها مع ضعفها معارضة بمثلها، بل أظهر منها حينئذ، فيكون التعارض بينها وبين الادلة المانعة تعارض العموم والخصوص من وجه يمكن تخصيص كل منهما بالآخر والترجيح للمانعة بموافقة الكتاب والكثرة، وعلى تقدير التساوي يجب الرجوع إلى الاصل، ومقتضاه وجوب تحصيل البراءة اليقينية التي لا تتحقق إلا بغير التمتع، للاتفاق على جوازه فتوى ورواية دونه، فتركه هنا اولى، وقد صرحت به الرواية ايضا كما مضى وإن كان قد يناقش بأن الترجيح للعكس بالشهرة، وانسياق غير الفرض من ادلة المنع وبأن التخيير على تقدير التساوي هو الموافق للاصل، ولاطلاق ادلة وجوب الحج، ومن ذلك يعلم قوة قول المشهور، لانه بعد تسليم قصور


(1) سورة البقرة - الآية 192 (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب اقسام الحج

[ 82 ]

الخبرين عن الدلالة على كونه حج الاسلام، وقصور تناول ما دل على حكم المكي المشكوك في تناوله ولو للشهرة المزبورة أو الظاهر في غير الفرض وقصور ادلة النائي عن تناوله ايضا، فلا مفزع حينئذ لمعرفة حكم هذا الموضوع إلا الاطلاق الذي قد عرفت اقتضاءه التخيير، ومن هذا يعلم ما في المدارك وغيرها. (ولو أقام من فرضه التمتع) وقد وجب عليه (بمكة) أو حواليها مما هو دون الحد المزبور (سنة أو سنين) أو أزيد من ذلك ولو بقصد الدوام (لم ينتقل فرضه) الذي قد خوطب به بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل لعله اجماعي، بل قيل انه كذلك للاصل وغيره فما في المدارك من التأمل فيه في غير محله، وكذا لا خلاف ايضا نصا وفتوى في عدم انتقاله عن فرض البائى بمجرد المجاورة وإن لم يكن قد وجب عليه سابقا، بل لعله إجماعي أيضا (وكان عليه) حينئذ (الخروج إلى الميقات إذا أراد حجة الاسلام، ولو لم يتمكن من ذلك خرج إلى خارج الحرم، فان تعذر أحرم من موضعه) إنما الكلام في تعيين ميقاته الذي يحرم منه، فعن الشيخ وابى الصلاح ويحيى بن سعيد والمصنف في النافع والفاضل في جملة من كتبه أنه ميقات أهل أرضه، لاندراجه فيما دل على حكمهم، إذ لم يخرج بالمجاورة المجردة عن نية الوطن عنهم عرفا، ولخبر سماعة (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) (سألت عن المجاور أله ان يتمتع بالعمرة إلى الحج ؟ قال: نعم يخرج إلى مهل ارضه فليلب إن شاء) مؤيدا بما دل على وجوب رجوع الناسي والجاهل إليه بناء على ان ذلك لمكان وجوب الاهلال منه لا للعذر المخصوص، وبما دل على توقيت المواقيت المخصوصة لكل قوم أو من مر عليها من غيرهم، ضرورة عدم خروجه بالمجاورة عنهم.


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 83 ]

وظاهر إطلاق المصنف وغيره كالنهاية والمقنع والمبسوط والارشاد والقواعد على ما حكي عن بعضها وصريح الدروس والمسالك والروضة الخروج إلى أي ميقات للمرسل (1) عن أبي جعفر عليه السلام (من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي، فان أراد ان يحج عن نفسه أو أراد ان يعتمر بعد ما انصرف من عرفة فليس له ان يحرم من مكة لكن يخرج إلى الوقت، وكلما حول رجع إلى الوقت) وموثق سماعة (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (من حج معتمرا في شوال وفي نيته ان يعتمر ورجع إلى بلاده فلا بأس بذلك، وإن هو أقام إلى الحج فهو حج تمتع، لان أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، فمن اعتمر فيهن وأقام إلى الحج فهي متعة، وإن رجع إلى بلاده ولم يقم إلى الحج فهي عمرة، ومن اعتمر في شهر رمضان أو قبله واقام إلى الحج فليس بمتمتع، وإنما هو مجاور افرد العمرة، فان هو احب ان يتمتع في اشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج، فان هو احب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها) الخبر، وخبر اسحاق بن عبد الله (3) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المقيم بمكة يجرد الحج أو يتمتع مرة اخرى قال: يتمتع احب الي، وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين) مؤيدا بأنه لا خلاف نصا وفتوى في الاحرام من الميقات لمن مر عليه وان لم يكن من اهله، ضرورة صدق ذلك على المجاور إذا اتى ميقاتا غير ميقاته وعن الحلبي الخروج إلى ادنى الحل، واحتمله في المدارك بل عن شيخه انه


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 9 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 20

[ 84 ]

استظهره لصحيح الحلبي (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) لاهل مكة ان يتمتعوا قال: لا ليس لاهل مكة ان يتمتعوا، قال: قلت فالقاطنون ؟ قال: إذا اقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع اهل مكة، فان اقاموا شهرا كان لهم ان يتمتعوا، قلت: من اين ؟ قال: يخرجون من الحرم، قلت: من اين يهلون بالحج ؟ قال: من مكة نحوا مما يقول الناس) وخبر حماد (2) سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن اهل مكة أيتمتعون ؟ قال: ليس لهم متعة، قلت: فالقاطنون بها قال: إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع كما يصنع اهل مكة، قلت: فان مكث شهرا قال: يتمتع، قلت: من اين ؟ قال: يخرج من الحرم، قلت من اين يهل بالحج ؟ قال: من مكة نحوا مما يقول الناس) وصحيح عمر بن يزيد (3) عنه عليه السلام ايضا (من اراد ان يخرج من مكة ليعتمر احرم من الجعرانة أو الحديبية وما اشبههما). وقد يناقش في الجميع بضعف الخبر الاول سندا بمعلى، ودلالة بقوله: (ان شاء) مع احتمال كون المراد الاحتراز عن مكة، وبنحوه يجاب عن الصحاح مع ان التعدي عنها قياس، وعدم تعقل الفرق غير تعقل عدم الفرق، وهو المعتبر فيه دون الآخر، وشمول اخبار المواقيت لنحو ما نحن فيه محل مناقشة لعدم تبادره منها بلا شبهة، وبأن المرسل كالخبر في الضعف سندا بل ودلالة لاجمال الوقت فيه المحتمل لارادة مهل اهل الارض باحتمال اللام للعهد، ومن ذلك يعلم المناقشة في الموثق والخبر اللذين اقصاهما الاطلاق المنزل على التقييد، وعدم الخلاف في إجزاء الاحرام من غيره بعد المرور به غير المفروض من حكم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج الحديث - 3 - 7 (3) الوسائل - الباب - 22 من ابواب المواقيت - الحديث 1

[ 85 ]

المرور، وبأن الصحيح والخبر نادران، مع ان خارج الحرم فيهما مطلق يحتمل التقييد بمهل الارض أو مطلق الوقت، أو صورة تعذر المصير اليهما، للاتفاق على الجواز حينئذ كما ستعرف، فيتعين، حملا للمطلق على المقيد ولو قصر السند، للانجبار هنا بالعمل، لاتفاق من عدا الحلي على اعتبار الوقت وان اختلفوا في اطلاقه وتقييده، وأما الصحيح الاخير فمحمول على العمرة المفردة كما وردت به المستفيضة (1) مع انه معارض بصريح الموثق المزبور. ومن هنا قال بعض أفاضل متأخري المتأخرين: (إن الواجب حينئذ الرجوع في المسألة إلى ما تقتضيه الاصول الشرعية، لضعف ادلة الاقوال جميعها، وهو هنا البراءة من تعين ميقات عليه إن اتفق على الصحة مع المخالفة لما يوجب عليه ووجوب الاخذ بالمبرئ للذمة منها يقينا ان كان ما يوجب عليه شرطا، فالذي ينبغي تحصيله تشخيص محل النزاع من تعيين الوقت أهو امر تكليفي خاصة أو شرطي ؟ والظاهر الثاني، لما مر من عدم الخلاف في صحة الاحرام من كل وقت يتفق المرور عليه وتصريح بعض من صار إلى اعتبار ادنى الحل بجوازه وصحة إحرامه من غيره من المواقيت البعيدة، وعليه فيعود النزاع إلى وجوب الخروج إلى مهل اهل الارض أم لا بل يجوز إلى اي وقت كان ولو ادنى الحل والحق الثاني إلا بالنسبة إلى ادنى الحل، فلا يجوز الخروج إليه اختيارا لدلالة الروايات المعتبرة ولو بالشهرة على وجوب الخروج على غيره، فيتعين، واما وجوب الخروج إلى مهل الارض فالاصل عدمه بعدما عرفت من ضعف دليله وإن كان احوط، للاتفاق على جوازه). وفيه بعد الاغضاء عما ذكره دليلا للثاني الذي استظهره انه لا ريب في


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب العمرة

[ 86 ]

رجحان القول الاول من الاقوال، إذ ضعف دليله منجبر بالشهرة المحكية في الحدائق ان لم تكن محصلة، ولا معارض له إلا الاطلاق المنزل عليه، وقوله فيه: (إن شاء) ظاهر في ارادة التخيير له بين التمتع وغيره، لعدم كونه حج الاسلام، ولا ينافي الاستدلال به عليه ضرورة اقتضاء شرطيته بالنسبة إلى المندوب اشتراطه في الواجب بطريق اولى، أو كون ذلك كيفية مخصوصة لاصل المشروعية التي لا تفاوت فيها بين الواجب والمندوب، (1) ونصوص الناسي والجاهل بل والعامد ظاهرة في ان السبب في ذلك مراعاة تكليفه الاصلي على وجه يقتضي عدم الفرق بين الفرض وغيره، ومع الاغضاء عن ذلك كله فلا شبهة في اندراجه في ادلة حكم اهل ارضه، إذ لم يخرج بالمجاورة عنهم عرفا قطعا مع عدم نية الاستيطان ومقتضاه الاحرام من مهلهم، أو يكون مارا علي غيره قاصدا إلى مكة، لا إذا كان قصده الخروج منها إلى الاحرام منه، فانه حينئذ لا يندرج في تلك الادلة الآمرة بالاحرام لاهل قطر إذا مر على ميقات غيره قاصدا إلى مكة وانه لا يتجاوزه غير محرم. ومن ذلك حينئذ يظهر وجه الشرطية في الاحرام من مهل ارضه على وجه لا يجزيه الاحرام من غيره مع فرض كونه في حال لا يصدق عليه انه مر عليه قاصدا الدخول إلى مكة، كما ان منه يظهر النظر فيما في الحدائق والرياض من الحكم بجواز ذلك له مطلقا، بل لعل منه يظهر ان إطلاق المصنف وغيره منزل على القول المزبور لحكمهم بالبقاء على فرضه الاول الذي هو ما عرفت، لا ان المراد به الاحرام من أي ميقات وإن لم يكن على الوجه المزبور، فيختص القول الثاني حينئذ بالمصرح به توهما له من هذه الاطلاقات، واما القول الثالث فلم نتحققه لاحد وإن


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب المواقيت

[ 87 ]

حكي عن الحلي، وانما استظهره الاردبيلى واحتمله تلميذه تبعا له. لكنه واضح الضعف، خصوصا بعد وضوح ضعف دليله كما عرفت، فلا ريب حينئذ في ان الاقوى الاول، هذا. وفي المدارك هنا عن الشارح انه اعتبر في وجوب الحج الاستطاعة من البلد إلا مع انتقال الفرض فتنتقل الاستطاعة ثم قال: ولو قيل إن الاستطاعة تنتقل مع نية الدوام من ابتداء الاقامة امكن لفقد النص المنافي هنا، وناقشه بأنه لا دليل على اعتبار نية الدوام، إذ المستفاد من الآية الشريفة وجوب الحج على كل متمكن منه، والاخبار غير منافية لذلك. بل مؤكدة له، إذ غاية ما يستفاد منها اعتبار الزاد والراحلة مع الحاجة اليهما لا مطلقا، بل قد ورد في عدة اخبار (1) ان حجة الاسلام واجبة على من اطاق المشي من المسلمين وروى معاوية بن عمار (2) في الصحيح قال: (قلت لابي عبد الله (عليه السلام). الرجل يمر مجتازا يريد اليمن أو غيرها من البلدان وطريقه بمكة فيدرك الناس وثم يخرجون إلى الحج فيخرج معهم إلى المشاهد، أيجزيه ذلك عن حجة الاسلام ؟ قال: (نعم) وفيه ما قدمناه من اعتبار امر شرعي في الاستطاعة، وهو ملك الزاد والراحلة من بلد، وعرفي كما اوضحنا ذلك في محله، والا لزم الاجتزاء بحج المتسكع إذا كان له استطاعة على اداء قدر المناسك مع الرجوع إلى بلاده، أو مطلقا بناء على عدم اعتباره في الاستطاعة، وهو معلوم البطلان، والله العالم. وكيف كان (فان دخل في الثالثة مقيما ثم حج انتقل فرضه إلى القران أو الافراد) كما صرح به جماعة، بل نسبه غير واحد إلى المشهور، بل


(1) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب وجوب الحج (2) الوسائل - الباب - 22 من ابواب وجوب الحج - الحديث 2

[ 88 ]

ربما عزي إلى علمائنا عدا الشيخ، لصحيح زرارة (1) عن ابي جعفر عليه السلام (من اقام بمكة سنتين فهو من اهل مكة ولا متعة له، فقلت: لابي جعفر (عليه السلام): أرأيت ان كان له اهل بالعراق واهل بمكة ؟ قال: فلينظر أيهما الغالب عليه فهو من اهله) وصحيح عمر بن يزيد (2) عن الصادق (عليه السلام) (المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج إلى سنتين، فإذا جاور سنتين كان قاطنا وليس له ان يتمتع) وفي بعض النسخ (جاوز) بالزاء المعجمة، خلافا للمحكي عن الاسكافي والنهاية والمبسوط والحلي فاشترطوا ثلاث سنين، وقد اعترف غير واحد بعدم الوقوف لهم على مستند عدا الاصل الذي لم يعين القدر المزبور، على انه مقطوع بما عرفت، إلا ان المحكي في الدروس عن النهاية والمبسوط انتقال الفرض بالدخول في الثالثة، قال: (ولو اقام النائي بمكة سنتين انتقل فرضه إليها في الثالثة كما في المبسوط والنهاية، ويظهر من اكثر الروايات انه في الثانية) قلت: الموجود في النهاية (ومن جاور بمكة سنة أو سنتين جاز له ان يتمتع فيخرج إلى الميقات ويحرم بالحج متمتعا، فان جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتع، وكان حكمه حكم اهل مكة وحاضريها) ولم تحضرني عبارة المبسوط ولعلها مثلها، ولا ريب في ظهورها فيما ذكره الشهيد على ان يكون المراد بالمجاورة بها ثلاث سنين الدخول في الثالثة بقرينة قوله أولا: سنة أو سنتين، وإلا لقال: أو ثلاث. بل من ذلك يظهر ان المصنف قصد بتعبيره كما ذكر تفسير عبارة الشيخ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج الحديث - 1 - 2

[ 89 ]

وأن مراده بالمجاورة ثلاثا الدخول في الثالثة، فلا يرد عليه ما اعترضه به في المدارك من أن حكمه بانتقال الفرض بالدخول في الثالثة مناف لما حكم به أولا من أن إقامة السنتين لا توجب انتقال الفرض، فان إقامة سنتين انما يتحقق بالدخول في الثالثة، وأظهر منه في ذلك عبارة القواعد، وحينئذ يتجه الاستدلال له بالصحيحين المزبورين، كما انه يتجه الاستدلال للقول المقابل له وهو الانتقال بالدخول في الثانية الذي يظهر من الشهيد والفاضل الاصبهاني الميل إليه بخبر عبد الله ابن سنان (1) (المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة - قال الراوي: يعني يفرد الحج مع أهل مكة - وما كان دون السنة فله أن يتمتع) ومرسل حريز (2) (من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي) بل وبخبري الحلبي (3) وحماد (4) السابقين المشتملين على مجاورة السنة أو السنتين بناء على انه لا معنى لذلك إلا على إرادة الدخول في الثانية. ومن هنا بان لك صحة استظهار الشهيد له من اكثر الروايات، بل يمكن تنزيل الصحيحين المزبورين عليه ولو بقرينة هذه النصوص التي تصلح مرجحة لاحدى النسختين في أحدهما على الاخرى أيضا التي قيل إنها لا تقبل التنزيل المزبور، بل في كشف اللثام احتمالهما أيضا لسنتي الحج بمضي زمان يسع حجتين، وهو سنة كما أن شهر الحيض ثلاثة عشر يوما، وعلى كل حال فتجتمع نصوص السنة والسنتين والسنة أو السنتين حينئذ على معنى واحد. نعم تبقى نصوص الستة أشهر أو اكثر، كصحيح حفص بن البختري (5)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج الحديث 8 - 9 - 3 - 7 (5) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3

[ 90 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثم يرجع إلى مكة بأي شئ يدخل ؟ فقال: إن كان مقامه بمكة اكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، وإن كان أقل من سته أشهر فله أن يتمتع) ومرسل الحسين بن عثمان (2) وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام (من أقام بمكة ستة أشهر فليس له أن يتمتع) وفي بعض النسخ (خمسة أشهر) وخبر ابن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) (من أقام بمكة ستة أشهر فهو بمنزلة أهل مكة) ويمكن حملها على التقية بناء على اكتفاء العامة في صيرورته من حاضري المسجد الحرام بالاستيطان ستة أشهر، أو الدخول في الشهر السادس، أو على اعتبار مضي ذلك في إجراء حكم الوطن لمن قصد التوطن وفي كشف اللثام أو على إرادة بيان حكم ذي الوطنين بالنسبة إلى قيام الستة أشهر أو أقل أو اكثر، أو غير ذلك، وبذلك بان لك قوة القول المزبور وإن قل القائل به صريحا، بل لم نعثر عليه، كما أنه بان لك النظر فيما في المدارك والرياض وغيرهما. وكيف كان فلا إشكال ولا خلاف في صيرورة المجاور بعد المدة المزبورة وإن لم تكن بقصد التوطن كالمكي في نوع الحج، نعم عن بعض الحواشي تقييد ذلك بما إذا أراد المقام بها أبدا، لكن عن المسالك أنه مخالف للنص والاجماع أما بالنسبة إلى غير ذلك من أحكام الحج فقد احتمله بعضهم، فلا يشترط في وجوب الحج عليه الاستطاعة المشروطة له ولو إلى الرجوع من بلده بل يكفي فيه استطاعة أهل مكة، لاطلاق الآية وكثير من الاخبار، بل ربما احتمل جريان


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 4 وفيه " من أقام بمكة سنة " كما في التهذيب ج 5 ص 476 الرقم 1680

[ 91 ]

غير أحكام الحج من أحكام أهل مكة حتى الوقوف والنذور ونحوهما، لما سمعته مما في النصوص (1) (هو من أهل مكة) و (هو مكي) و (بمنزلة أهل مكة) إلا ان الجميع كما ترى مع عدم قصد التوطن، ضرورة انسياق إرادة نوع الحج خاصة من الجميع، فيبقى عموم ادلة استطاعة النائي بحاله، وكذا استصحابها بل وأصل البراءة، ودعوى ان تلك الاستطاعة شرط للتمتع ولا تمتع هنا يدفعها انها شرط وجوب الحج على النائى مطلقا، وتعيين المتعة امر آخر، مع انه قد يجب عليه الافراد أو القران، نعم الظاهر انه كذلك مع قصد التوطن، لصدق كونه حينئذ من اهلها وإن وجب عليه التمتع قبل السنة أو السنتين للادلة الشرعية، ومن ذلك يظهر ضعف القول بتقييد إطلاق الحكم المزبور في النص والفتوى بما إذا اراد المفارقة اما مع إرادة المقام ابدا فينتقل فرضه بأول سنة، لصدق كونه حينئذ من اهلها، لكن في الرياض ان كلا من القولين ضعيف، لان بين إطلاقيهما عموما وخصوصا من وجه، لنواردهما في المجاور سنتين مثلا بنية الدوام، وافتراق الاول عن الثاني في المجاور سنتين بغير النية، والعكس في المجاور دون السنتين مع النية المزبورة، فترجيح احدهما على الآخر وجعله المقيد له غير ظاهر الوجه، ولكن مقتضى الاصل وهو استصحاب عدم انتقال الفرض يرجح الاول، قلت: مضافا إلى تصريح البعض به، وبأنه المراد من إطلاق الفتوى، بل قد يقال بظهوره من صحيح زرارة (2) ولو بقرينة سؤاله بعد ذلك عن ذي المنزلين، بل ومن غيره، فتكون مقيدة لتلك النصوص التي قد يدعى ظهورها في غير متجددي


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1 و 9 والباب 8 منها - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 92 ]

الاستيطان، ولو انعكس الفرض بأن اقام المكي في غيرها لم ينتقل فرضه ولو سنين للاصل وغيره بعد حرمة القياس، إلا ان يكون بنية الاستيطان فينتقل من اول سنة، لصدق النائي عليه حينئذ، كما هو واضح. (ولو كان له منزلان) ووطنان منزل (بمكة) أو حواليها مما هو دون الحد (و) منزل في (غيرها من البلاد) التي هي خارج الحد من غير فرق بين افرادها (لزمه فرض اغلبهما عليه) بلا خلاف اجده فيه، لصحيح زرارة (1) السابق الذي يمكن استفادة ترجيح احدهما على الآخر بالغلبة منه، أو ان المراد الغلبة التي يكون معها وطنه عرفا الغالب عليه، ومن الاخير ينقدح احتمال عدم اختصاص الحكم بالحج، بل يجري في القصر والتمام وإن كان لم اجد من احتمله هنا. وعلى كل حال فان كان الاغلب مكة قبل استطاعة الحج كان عليه الافراد أو القران وإن لم يقم بها سنة أو اقل، وإن كان غيرها فعليه التمتع إلا ان يجاور بمكة المدة المتقدمة متصلة بالاستطاعة. فانه يكون حينئذ حكمه حكم اهل مكة وإن كان الغالب عليه الآخر كما صرح به في المدارك وكشف اللثام وغيرهما، بل في بعضها ان ذلك اولى بالحكم المزبور من ذي المنزل الواحد، لكن في الحدائق (ولقائل ان يقول: إن هاهنا عمومين قد تعارضا احدهما مادل على ان ذا المنزلين متى غلب عليه الاقامة في احدهما وجب عليه الاخذ بفرضه اعم من ان يكون اقام بمكة سنتين أو لم يقم، فلو فرضنا انه في كل مرة يقيم في المنزل الآفاقي خمس سنين وفي المنزل المكي سنتين أو ثلاثا فانه يجب عليه فرض الآفاقي بمقتضى الخبر المذكور وإن كان قد اقام بمكة سنتين، وثانيهما ما دل على ان المقيم بمكة سنتين ينتقل فرضه إلى اهل مكة اعم من ان يكون له منزل ثان أم لا، زادت إقامته فيه أم لا،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 93 ]

وتخصيص احد العمومين بالآخر يحتاج إلى دليل، وما ادعاه هذا القائل من الاولوية في حيز المنع) وفيه ان المستفاد من الادلة السابقة كون مجاورة المدة المزبورة جهة مستقلة لانتقال الفرض، وليست هي من افراد احد العمومين، فعدم إجراء حكم المنزل عليه من حيث غلبة نزوله في الآخر لا يقتضي انتفاء جريان حكم اهل مكة من حيث المجاورة المزبورة، اللهم إلا ان يدعى اختصاص حكمها بذي المنزل الواحد، لكنه كما ترى مناف لاطلاق النص والفتوى، خصوصا بعد فرض جعل الغالب هو المنزل شرعا أو وعرفا، فهو في الحقيقة ذو منزل واحد. ثم إن الظاهر إرادة الوطن من المنزل في الفتاوى ومن الاهل في النص، فما في المدارك من أنه يستفاد من الصحيح المزبور أن الاعتبار بالاهل لا المنزل وتبعه عليه في الحدائق كما ترى، هذا، وفي كشف اللثام - بعد أن ذكر في تفسير ذي المنزلين أنهما اللذان يراد استيطانهما معا اختيارا أو اضطرارا اليهما أو إلى احدهما لخوف مثلا - قال (وكذا إذا لم يرد استيطان شئ من المنزلين ولا اضطرارا، بل كان ابدا مترددا أو محبوسا فيهما) ولو كان محبوسا في أحدهما من دون إرادة استيطانه مستوطنا للآخر ولو اضطرارا فالظاهر انه من اهل الآخر، وصحيح زرارة (1) انما يتناول بظاهره الاستيطان الاضطراري بل الاختياري) إلى آخره، وفيه ما لا يخفى، إذ لا ريب في ان المتردد والمحبوس فيهما بعد فرض كون وطنه غيرهما حكمه حكم اهل وطنه، ولا يجري عليه حكم اغلبهما بل وكذا لو نزل على من لم يكن له وطن بل كان ابدا مترددا بينهما أو محبوسا فيهما فان إجراء حكم الاغلب قياسا على ذي المنزلين المراد منهما الوطنان واضح المنع، بل المتجه فيه التخيير أو التمتع بناء على انه الاصل.


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 94 ]

(و) كيف كان ف‍ (ان تساويا) واستطاع من كل منهما (كان له الحج بأي الانواع شاء) بلا خلاف اجده فيه ايضا سواء كان في احدهما أو في غيرهما، لعدم المرجح حينئذ، ولاندارجه في إطلاق ما دل على وجوب الحج بعد خروجه عن المقيدين، ولو لظهورهما في غير ذي المنزلين، بل لو سلم اندراجه فيهما كان المتجه التخيير ايضا بعد العلم بانتفاء وجوب الجمع عليه في سنتين، كالعلم بعدم سقوط الحج عنه، لكن مع ذلك كله والاولى له اختيار التمتع لاستفاضة النصوص بل تواترها في الامر به على وجه يقتضي رجحانه على غيره، أو انه الاصل في أنواع الحج، ولعله لذا حكي عن ثاني الشهيدين احتمال تعيينه على من اشتبه حاله فلم يعلم هل هناك اغلب أو لا، مع مساواته للاول فيما قدمناه مما يقتضي التخيير ولو لاصالة عدم غلبة أحدهما على الآخر بناء على عدم انتفاء التساوي بالاصل كما في نظائره، ولذا افتى به هو وغيره، ولكن مع ذلك فالاولى له التمتع أيضا لما عرفت، بل على القول بجوازه لاهل مكة هو الاحوط. هذا كله مع الاستطاعة من كل منهما ولو كان في غيرهما، أما لو استطاع في أحدهما لزمه فرضه كما في كشف اللثام، لعموم الآية والاخبار، وعن بعض الحواشي حصر التخيير فيما لو استطاع في غيرهما، وفيه ما لا يخفى، ومن ذلك بان لك الحال فيما يحكى عن ثاني الشهيدين من الاشكال في حكم استطاعته، من أصالة براءة الذمة من الوجوب حيث لا يتحقق الزائد، ومن أن جواز النوع الخاص يقتضي الحكم باستطاعته، ويتوجه على تقدير التخيير أن يكون إيجاب الحج باختيار المكلف لو فرض استطاعته من مكة خاصة، إذ هو كما ترى، بل وكذا ما في المدارك من أن هذا الاشكال منتف بناء على ما قررناه من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد، وتحققها بمجرد التمكن من موضع الاقامة على الوجه المعتبر، إذ الذي قرره سابقا اعتبار استطاعة الرجوع أيضا.

[ 95 ]

ثم لا فرق في المنزلين بين أن يسكن فيهما أو في أحدهما مغصوبا أم لا حتى لو كان جميع الصقع الذي يريد استيطانه مغصوبا، لصدق الاستيطان عرفا وإن احتمل في كشف اللثام عدم اعتبار كونه فيه، لكنه كما ترى، ولا بين أن يكون بينهما مسافة القصر أو أقل، نعم يقوى عدم العبرة بأيام عدم التكليف، لعدم صدق الاستيطان عليها عرفا وإن استظهر احتسابها في كشف اللثام، قال: (وإرادة الاستيطان حينئذ تتعلق بالولي قبل التمييز، وبه أو بنفسه بعده) لكنه كما ترى، ولا يقاس ذلك على تبعية استيطان الزوجة والمملوك، وكذا لا يخفى عليك حال ما فيه ايضا من الوجهين في طرح أيام السفر بينهما من البين، أو احتساب أيام التوجه إلى كل من الاقامة فيه، ثم قال: ويجوز أن يكون لاحدهما، قال أحدهما (عليهما السلام) (1): (من أقام بمكة ستة اشهر فهو بمنزلة اهل مكة) إذ هو كما ترى، بل وكذا قوله أيضا: (وإن كان المجاور الذي ينتقل فرضه بالمجاورة يعم من يريد الاستيطان بمكة ابدا كما قيل أو يخص به لم يناف ماهنا، لانه لما كان أولا يريد الاستيطان بغير مكة ابدا جاز أن لا ينتقل فرضه ما لم يقم بمكة سنتين وإن لم يكن اقام بغيرها إلا اياما قلائل، ولما كان أخيرا يريد الاستيطان بمكة ابدا جاز ان ينتقل فرضه إذا اقام بها سنتين وإن كان اقام بغيرها سنين، ولما كان هذا من اول الامر يريد الاستيطان تارة بمكة وتارة بغيرها أو مترددا اعتبر الاغلب مع استثناء المجاورة الناقلة كما نقلناه إلا على اختصاصها بمن يريد استيطان مكة ابدا، فلا استثناء، فان قلت على المختار من اختصاص هذه المسألة بمن ذكر وما تقدمها بمن لم يرد استيطان مكة ما حكم من


(1) الوسائل - 8 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 4 وفيه " من اقام بمكة سنة " كما تقدمت الاشارة إلى ذلك ايضا.

[ 96 ]

يريد استيطانها ابدا بعد ان كان متوطنا لغيرها أو لم يكن مستوطنا لمكان ؟ قلت: كأنه بارادة استيطانها ابدا يجب عليه فرض اهل مكة في العام الاول، ويحتمل ان يكون معنى هذه المسألة من كان مستوطنا بغير مكة ابدا فبدا له استيطانها ابدا لحق بالاغلب وتخير مع التساوي وإن تحقق الغلبة أو التساوي قبل سنتين والاستطاعة بعدهما، ولكنه خلاف ظاهر صحيح زرارة) إذ هو كما ترى قليل المحصول، وما أدري ما الذي خالجه مع وضوح الفرق بين موضوعي المسألتين حتى احتمل في المقام الاحتمال الاخير المقطوع بعدمه نصا وفتوى، كما ان من المقطوع به إرادة الاعلم مما ذكره من موضوع مسألة المقام، ضرورة اندراج من كان مستوطنا لغير مكة ابدا أو لها كذلك ثم بدا له استيطانها أو استيطان غيرها معها فيه قطعا، كما هو واضح، والغلبة والتساوي انما هما في حال قصد استيطانهما، ولا عبرة بما مضى سابقا، والله العالم. (ويسقط الهدي) اي هدي التمتع (عن القارن والمفرد وجوبا) بلا خلاف اجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) منطوقا ومفهوما (نعم لا تسقط) عنهما (الاضحية استحبابا) كغيرهما كما ستعرف تفصيل ذلك كله إن شاء الله (ولا يجوز القران بين الحج والعمرة بنية واحدة) بلا خلاف اجده في غير القران، بل وفيه بناء على ما سمعته سابقا من إمكان تأويل كلام ابن ابي عقيل وغيره بما لا يرجع إلى ذلك، إلا ان المشهور هنا عده وابن الجنيد مخالفين في مقابلة المشهور القائلين بالمنع، وقد سمعت المراد من النصوص الموهمة للجواز، ومن هنا كان الكلام في المقام مبنيا على الكلام السابق


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الذبح - من كتاب الحج

[ 97 ]

في تفسير القران، ولذا أحال بعضهم الكلام فيه على الكلام السابق، بل هو ظاهر جميع من تعرض للمسألتين أو صريحه، لكن في الرياض - بعد أن حكى عن بعضهم اتحاد المسألتين - قال: (وهو كما ترى، فان مورد هذه المسألة حرمة القران أو جوازه كما عليه الاسكافي والعماني، وتلك أن الفارق بين المفرد والقارن ما هو من غير نظر إلى جواز القران بهذا المعنى وعدمه) قلت: هو كذلك إلا أن لازم تفسير القران بما سمعته منهما - مع معلومية جوازه نصا وفتوى وأنه هو أحد أقسام الحج - جواز القران بالمعنى المزبور، ضرورة أنه لا معنى لتفسير القران المعلوم جوازه بالقران بالنية بناء على عدم جوازه، وعلى كل حال فدليل الجواز حينئذ تلك النصوص (1) المستفاد منها تفسير القران بذلك، لاقتضائها جوازه بمعنى الجمع بينهما بنية واحدة مع عدم الاحلال منهما إلا بعد الفراغ من أفعال الحج من دون تجديد إحرام للحج، إلا أنك قد عرفت تفصيل الكلام في ذلك، ومقتضاه عدم الفرق بين الافراد والقران إلا بسوق الهدي وعدمه، وحينئذ فالقران بمعنى الجمع بين الحج والعمرة بنية واحدة خارج عن المراد بحج القران المعلوم شرعيته، فالنظر إلى جوازه وعدمه وإفساده وعدمه إلى ما تقتضيه القواعد الشرعية، ولا ريب في أنه - بعد معلومية كونهما نسكين مستقلين لا مدخلية لاحدهما في الآخر حتى في حج التمتع الذي قد ورد فيه دخول العمرة في الحج نحو دخول الاصابع بعضها في بعض عند التشبيك، لكن قد عرفت تفسير المراد منه بما لا يرجع إلى جزئية العمرة من الحج وصيرورتهما فعلا واحدا، كما هو واضح - لا يجوز الجمع بينهما نية على وجه التشريع والابداع كما في غيرهما


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 والباب 18 منها

[ 98 ]

من العبادات التي قد تقدم البحث في حرمة ذلك فيها، وفي اقتضائه بطلان العبادة المشرع في نيتها، وإن خالف فيهما معا بعض المتأخرين، بل جزم بعدم البطلان على تقدير الاثم بذلك، لكنه واضح الضعف، ضرورة معلومية حرمة التشريع كضرورة اقتضائه فقد العبادة النية المعلوم اعتبارها فيها. ولعله إلى ذلك يرجع استدلال بعضهم على الحكم في المقام بأنهما عبادتان متباينتان لا يجوز الاتيان باحداهما إلا مع الفراغ من الاخرى، ولا بد في النية من مقارنتها المنوي، فهو كنية صلاة الظهر والعصر دفعة واحدة، وإلا كان محلا للنظر، وعدم الاجتزاء بهذه النية للآخر ما لم يكن فيها التشريع المزبور انما يقتضي فساد الاخير لافسادهما معا، كما هو ظاهر كل من حكم بعدم جواز القران على ما اعترف به في محكي المختلف وغيره، وفي المسالك (وعلى المشهور لو قرن بينهما بنية واحدة بطلا، للنهي المفسد للعبادة، كما لو نوى صلاتين) والظاهر إرادته النهي التشريعي من النهي المذكور في كلامه كما يشعر به التشبيه بنية الصلاتين، مضافا إلى أنا لم نعثر هنا على نهي بالخصوص إلا ما سمعته من بعض النصوص التي استدل بها الخصم في تفسير القران، وقد مر الكلام فيها، وكأن الوجه في اقتضائه الفساد هنا اقتضاءه بطلان النية المقتضي لفساد العبادة كما أومأنا إليه. وبذلك كله ظهر لك أن مدار البطلان وعدمه على التشريع في النية على وجه يقتضي الفساد كغيرها من العبادات، ضرورة عدم خصوصية للمقام، وقد ذكرنا شطرا من ذلك في الوضوء والغسل والصلاة والصوم وغيرها من العبادات، هذا. ولكن في كشف اللثام - بعد أن ذكر تعليل البطلان بفساد النية لكونها غير مشروعة، وهو يستلزم فساد العمل، وخصوصا الاحرام الذي عمدته النية

[ 99 ]

قال: (والتحقيق أنه إن جمع في النية على أنه محرم بهما الآن وأن ما يفعله من الافعال فعال لهما، أو على أنه محرم بهما الآن ولكن الافعال متمايزة إلا أنه لا يحل إلا بعد إتمام مناسكهما جميعا، أو على أنه محرم بالعمرة أولا مثلا ثم بالحج بعد إتمام أفعالها من غير إحلال في البين فهو فاسد، مع احتمال صحة الاخير بناء على أن عدم تخلل التحلل غير مبطل، بل يقبل العمرة حجا، وإن جمع بمعنى أنه قصد من أول الامر الاتيان بالعمرة ثم الاهلال بالحج أو بالعكس فلا شبهة في صحة النية وأول النسكين إلا من جهة مقارنة النية للتلبية إن كانت كتكبيرة الاحرام في الصلاة، فان جدد للنسك الآخر نية صح أيضا، وإلا فلا، وفي الخلاف إذا قرن بين العمرة والحج في إحرامه لم ينعقد إحرامه إلا بالحج، فان أتى بأفعال الحج لم يلزمه دم، وإن أراد أن يأتي بأفعال العمرة ويحل ويجعلها متعة جاز ذلك، ويلزمه الدم، وبمعناه ما في المبسوط من أنه متى أحرم بهما يمضي في أيهما شاء، وما في الجامع من أنه من كان فرضه المتعة قضى العمرة ثم حج وعليه دم، وإن كان فرضه الحج فعله ولا دم عليه، وكأنهما أراد المعنى الاخير، وأن قصده إلى ثاني النسكين عزم لا نية، ولا ينافي صحة الاول ونيته، وإن أرادا أحد المعنيين الاولين - بناء على أن الاحرام بهما إحرام بأحدهما وزيادة فغاية الامر إلغاء الزائد لا إبطالهما جميعا - فيرد عليهما أنه حينئذ نوى عبادة مبتدعة، كما إذا نوى بركعة من صلاته إنها من صلاتي الظهر والعصر جميعا، وإن أرادا المعنى الباقي احتمل البطلان، لان الذي قصده من عدم التحلل في البين مخالف للشرع والصحة بناء على أنه أمر خارج عن النسك، والواجب انما هو نيته، ولا ينافيها نية خارج مخالف للشرع، بل غايتها اللغو، مع أن عدم التحلل في البين مشروع في الجملة، ولانه لا يبطل العمرة بل يقلبها حجة) وهو على طوله وجعله له تحقيقا مقابلا لما سمعت لا يخرج عما ذكرناه، على أن بعضه لا يخلو من

[ 100 ]

نظر، خصوصا الاخير، ضرورة عدم مدخلية للدخول والخروج في المعنى الابداعي والتشريعي المقتضي لفساد النية الذي هو محل البحث من غير مدخلية لوقوع ذلك منه بعد وعدمه، وفرض جوازه خروج عن محل البحث الذي هو نية التشريع والابداع، وما وقع من الشيخ ويحيى بن سعيد يمكن أن يكون مبنيا على بحث آخر، وهو وجوب تعيين العمرة والحج في الاحرام، أو يجزى إيقاعه لهما بمعنى عدم تعيين أحدهما، وفي بعض النصوص (1) دلالة على جوازه، وربما تسمع الكلام فيه إن شاء الله، وهو غير ما نحن فيه، ويؤيده ما عن الشيخ في الخلاف من الاجماع على عدم جواز القران الظاهر في إرادة الفساد فيهما، والله العالم. (و) كذا (لا) يجوز (إدخال أحدهما على الآخر) بأن ينوي الاحرام بالحج قبل التحلل من العمرة، أو بالعمرة قبل الفراغ من أفعال الحج، أتم الافعال بعد ذلك أم لا، لانه بدعة، وإن جاز نقل النية من أحدهما إلى الآخر اضطرارا أو اختيارا، وحكمنا بانقلاب العمرة حجة مفردة إن أحرم بالحج قبل التقصير، ولعل العمدة في ذلك ما قيل من أن الحكم المزبور كأنه إجماعي، بل عن الخلاف والسرائر دعواه صريحا، وإلا فلا دليل على بطلانهما معا أو أحدهما بذلك مع فرض إتمام الافعال، وعدم صدور غير النية منه، بل لعل إطلاق الادلة يقتضي الصحة، والقياس على إحرام العصر مثلا في أثناء الظهر ليس من مذهبنا، على أن البحث في فساد الظهر حينئذ معروف وان كبر للاحرام للعصر في أثنائها، لعدم كون ذلك زيادة ركن فيها، وتوقيفية العبادة لا ينافي الاستدلال على صحتها بالاصل والاطلاق بناء على الاعمية، وقوله تعالى (2): (وأتموا


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 (2) سورة البقرة - الآية 192

[ 101 ]

الحج والعمرة) لا يقتضي الفساد بالنية المزبورة، كما أن صحيح عبد الله بن سنان (1) عن الصادق عليه السلام أنه سأله (عن رجل متمتع نسي أن يقصر حتى أحرم بالحج قال: يستغفر الله تعالى) لا دلالة فيه على ذلك أيضا، خصوصا بعدما في المدارك في المسألة من أنه متى امتنع الادخال وقع الثاني فاسدا إلا إذا وقع الاحرام بالحج بعد السعي وقبل التقصير من العمرة فانه يصح في المشهور، وتصير الحجة مفردة ومن الغريب استدلاله بالصحيح الوارد في النسيان المعلوم إرادة الندب من الاستغفار فيه، مع ذكره الحكم المزبور في العمد فضلا عنه، ولكن مما ذكره يعلم كون المراد بعدم الجواز الذي هو معقد الاجماع المذكور الفساد في الداخل لا فيهما معا، فينبغي الاقتصار في الحكم المخالف للاطلاق المتقدم عليه، بل يمكن الاستدلال عليه حينئذ بظهور الادلة في عدم مشروعية الاحرام جديدا مثل الاحلال من الاحرام الاول إلا في الصورة المزبورة التي ستعرف البحث فيها إن شاء الله، ولعله لما ذكرنا حكي عن الجمهور أجمع جواز إدخال الحج على العمرة، واختلفوا في العكس، لكن قد عرفت الاجماع منا على عدم الجواز مطلقا، وكفى به دليلا للحكم على الوجه المزبور، والله العالم. (و) كذا (لا) يجوز (نية حجتين ولا عمرتين) فيه فصاعدا، لانه بدعة كالقران بين الحج والعمرة الذي قد عرفت انحصار دليل البطلان فيه بالتشريع المشترك بين الجميع (و) حينئذ ف‍ (لو فعل) ذلك على وجه يقتضي التشريع في النية بطلا معا كما عن الفاضل التصريح به، ولكن (قيل) هنا والقائل الشيخ فيما حكي من خلافه (تنعقد واحدة) منهما مدعيا الاجماع عليه، وبه قال الشافعي، وصححهما أبو حنيفة، وأوجب عليه قضاء إحداهما، لانه


(1) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 102 ]

أحرم بها ولم يتمها، إلا أن الجميع كما ترى (و) إن قال المصنف هنا: (فيه تردد) إلا أنه في غير محله مع فرض كون النية على جهة التشريع، وإلا فلا تردد أيضا في صحة الاولى التي قارنتها نيتها، وأما الثانية فان جمعت شرائطها التي منها مقارنة النية لاول أفعالها صحت أيضا، وإلا فلا، كما هو واضح، ومنه يظهر لك النظر فيما ذكره في المسالك من وجهي التردد، والله العالم. (المقدمة الرابعة في المواقيت) جمع ميقات، والمراد به هنا حقيقة أو توسعا مكان الاحرام (و) على كل حال ف‍ (الكلام) الآن (في أقسامها وأحكامها) وتعدادها، فنقول: (المواقيت) خمسة كما عن المنتهى والتحرير أو (ستة) كما في القواعد وغيرها بل قيل هو المشهور، أو سبعة كما هو مقتضى بعض العبارات ايضا، أو عشرة كما في الدروس، إذ لكل اعتبار، أما الاول فباعتبار تعيين الامكنة المخصوصة، كما قال الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (1): (الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها، وقت لاهل المدينة ذا الحليفة، وهو مسجد الشجرة، يصلى فيه ويفرض الحج، ووقت لاهل الشام الجحفة، ووقت لاهل نجد العقيق، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل ووقت لاهل اليمين يلملم، ولا ينبغي لاحد ان يرغب عن مواقيت رسول الله صلى الله عليه وآله) والثاني باعتبار ذكره في التوقيت وإن لم يكن مكانا مخصوصا، كما في صحيح معاوية بن عمار (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وآله، لا تجاوزها إلا وانت محرم،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 3 - 2

[ 103 ]

فانه وقت لاهل العراق - ولم يكن يومئذ عراق - بطن العقيق من قبل العراق، ووقت لاهل اليمن يلملم، ووقت لاهل الطائف قرن المنازل، ووقت لاهل المغرب الجحفة وهي مهيعة، ووقت لاهل المدينة ذا الحليفة، ومن كان منزله خلف هذه المواقيت مما يلي مكة فوقته منزله) والثالث باعتبار زيادة الاحرام من مكة، والرابع زيادة فخ لحج الصبيان، ومحاذاة الميقات لمن لم يمر به، وادنى الحل أو مساواة اقرب المواقيت إلى مكة لمن لم يحاذ ميقاتا، بل يمكن جعلها احد عشر بنوع من الاعتبار ايضا إذا جعل الاخير مغايرا لادنى الحل، والامر في ذلك سهل كسهولة الاختلاف في التعبير عن السادس بدويرة الاهل أو بمكة لحج التمتع، بل في بعض العبارات كالنافع والقواعد ذكرهما معا مع فرضها ستة، فيحتمل كون الزائد عليها منهما دويرة الاهل كما يفهم من بعض، لان المنزل الاقرب غير محدود، ويفهم من عبارة المصنف كونه الآخر حيث عد من الستة الدويرة بدله، إلى غير ذلك من الكلمات التي لا يترتب عليها ثمرة يعتد بها. نعم لم اجد من ذكر التنعيم والجعرانة والحديبية من المواقيت مع تصريح النصوص بالاحرام للعمرة منها، ولعلها هي اماكن مخصوصة على ادنى الحل، إلا انه يفهم من بعض اختلافها في القرب والبعد. وكيف كان فلا خلاف بيننا في الخمسة بل والستة بل عن جماعة الاجماع عليه بل قيل إنه كذلك عند العلماء كافة إلا من مجاهد في دويرة الاهل، فجعل بدلها مكة، واحمد في إحدى الروايتين في مكه لحج التمتع، يخرج من الميقات ويحرم منه، ونصوصنا (1) مستفيضة أو متواترة في خلافهما، كاستفاضتها في توقيت الستة من رسول الله صلى الله عليه وآله، وما عن بعض العامة من ان العقيق منها لم


(1) الوسائل - الباب - 17 - و 21 - من ابواب المواقيت

[ 104 ]

يكن بتوقيت رسول الله صلى الله عليه وآله لانه لم يكن يومئذ مسلم في العراق واضح الفساد وقد سمعت التصريح من الصادق عليه السلام بأنه صلى الله عليه وآله وقته ولم يكن يومئذ عراق، ولعله لعلمه صلى الله عليه وآله بصيرورتهم مسلمين، أو لمن يمر منهم عليه. وعلى كل حال ف‍ (لاهل العراق) ومن يمر عليه من غيرهم (العقيق) إجماعا ونصا، وهو في اللغة كل واد عقه السيل أي شقه فأنهره ووسعه، وسمي به أربعة أودية في بلاد العرب، أحدهما الميقات، وهو وادي يندفق سيله في غوري تهامة كما عن تهذيب اللغة (و) المشهور أن (أفضله المسلخ) وهو أوله، كما في خبري أبي بصير أحدهما (1) عن الصادق عليه السلام والآخر عن أحدهما (عليهما السلام)، وهو بالسين والحاء المهملتين واحد المسالح، وهي المواضع العالية، أو بالخاء المعجعة، وهو موضع النزع، لانه ينزع فيه الثياب للاحرام، فتكون التسمية حينئذ متأخرة عن وضعه ميقاتا، ودليل الافضلية الاخبار (3) والاجماع كما في كشف اللثام، لكن ستسمع من النصوص ما يقتضي كون أوله ما دون المسلخ بستة أميال، وفي النصوص (5) أن أوله الافضل، ولعل الاحتياط في التأخير هذا المقدار جمعا بين النصوص والاحتمالات وتحصيلا ليقين البراءة، ولذا قطع به الاصحاب (ويليه) في الفضل اوسطه (غمرة) بالغين المعجمة والراء المهملة والميم الساكنة، منهل من مناهل مكة، وهو فصل ما بين نجد وتهامة كما عن الازهري، وعن فخر الاسلام انها سميت بها


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المواقيت الحديث 7 - 5 - 2 (3) و (5) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب المواقيت

[ 105 ]

لزحمة الناس فيها، وعلى كل حال فلم اجد في النصوص ما يقتضي كونها تلي المسلخ في الفضل، بل ستسمع في النصوص ما يقتضي خروجها عن العقيق وإن كان المعروف بين الاصحاب أنها أوسطه، نعم في كشف اللثام يمكن حمل صحيح عمر ابن يزيد (1) وخبر أبي بصير (2) عن أحدهما (عليهما السلام) الآتيين على شدة كراهية تأخير الاحرام عن غمرة، والامر سهل. (وآخره ذات عرق) جبل صغير، أو قليل من الماء، أو قرية خربت ويجوز الاحرام من جميع مواضعه اختيارا كما هو ظاهر النص والفتوى، بل عن الناصرية والخلاف والغنية الاجماع عليه، قال الصادق (عليه السلام) في مرسل الصدوق (3): (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق العقيق، وأوله المسلخ ووسطه غمرة، وآخره ذات عرق، وأوله افضل) ونحوه عن كتاب فقه الرضا (عليه السلام) (4) وقال ايضا في خبر ابي بصير (5): (حد العقيق أوله المسلخ، وآخره ذات عرق) وكتب يونس بن عبد الرحمان (6) إلى أبي الحسن (عليه السلام) (إنا نحرم من طريق البصرة ولسنا نعرف حد عرض العقيق فكتب (عليه السلام) أحرم من وجرة) وعن الاصمعي وجرة بين مكة والبصرة، وهي اربعون ميلا ليس فيها منزل، وقال الكاظم (عليه السلام) لاسحاق بن عمار (7) (كان أبي مجاورا هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 6 (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المواقيت - الحديث 5 - 9 (4) المستدرك - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 2 (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المواقيت - الحديث 7 - 4 (7) الوسائل - الباب - 22 من ابواب اقسام الحج - الحديث 8

[ 106 ]

رجع وبلغ ذات عرق احرم بالحج) لكن عن ظاهر الصدوقين والشيخ في النهاية عدم جواز الاحرام من ذات عرق منه إلا لتقية أو مرض ولعله للجمع بين ما سمعته وبين صحيح عمر بن يزيد (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المشرق العقيق نحوا من بريد ما بين بريد البعث إلى غمرة) الحديث، وصحيح معاوية بن عمار (2) عنه عليه السلام ايضا (اول العقيق بريد البعث، وهو دون المسلخ بستة اميال مما يلي العراق وبينه وبين غمرة اربعة وعشرون ميلا بريدان) وفي حسنه الآخر (3) عنه عليه السلام ايضا (آخر العقيق بريد اوطاس وقال بريد البعث دون غمرة ببريدين) وفي مرسل ابن فضال (4) عنه (عليه السلام) ايضا (اوطاس ليس من العقيق) وخبر ابي بصير (5) (حد العقيق ما بين المسلخ إلى عقبة غمرة) بل قد يرشد إلى حمل الخبرين الاولين على التقية خبر الحميري (6) المروي عن الاحتجاج فيما كتبه إلى صاحب الزمان عجل الله فرجه يسأله (عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء ويكون متصلا بهم بحج ويأخذ عن الجادة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل ان يؤخر إحرامه إلى ذات عرق فيؤخر إحرامه لما يخاف من الشهرة أم لا يجوز ان يحرم إلا من المسلخ ؟ فكتب إليه في الجواب يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهره) وفي كشف اللثام لا ريب انه احوط. قلت: لعل الوجه في الجمع بين النصوص المزبورة بعد تعارف إحرام العامة


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 6 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المواقيت الحديث 2 - 1 - 6 - 5 - 10

[ 107 ]

من ذات عرق ما عن ابن ادريس من انه وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل العراق العقيق، فمن أي جهاته وبقاعه احرم فيعقد الاحرام منها، إلا ان له ثلاثة أوقات اولها المسلخ، وهو افضلها عند ارتفاع التقية، واوسطها غمرة، وهو يلي المسلخ في الفضل عند ارتفاع التقية، واوسطها غمرة، وهو يلي المسلخ في الفضل عند ارتفاع التقية، وآخرها ذات عرق، وهي أدونها في الفضل إلا عند التقية والشناعة والخوف، فذات عرق هي أفضلها في هذا الحال وحينئذ فما في مكاتبة الحميري تعليم للجمع بين مراعاة الفضل والتقية، على ان بعض النصوص المزبورة لا دلالة فيه على خروج ذات عرق من العقيق الذي قد عرفت إطلاق النصوص كونه ميقاتا لاهل العراق. ثم لا يخفى عليك وجوب حصول العلم أو ما يقوم مقامه شرعا في معرفة الوقت الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله لكن ذكر غير واحد من الاصحاب هنا الاكتفاء في معرفة هذه المواقيت بالشياع المفيد للظن الغالب، ولعله لصحيح معاوية بن عمار (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (يجزيك إذا لم تعرف العقيق ان تسأل الناس والاعراب عن ذلك) (ولاهل المدينة مسجد الشجرة) كما في النافع والقواعد ومحكي الجامع والمقنعة و الناصريات وجمل العلم والعمل والكافي والاشارة، وفيها انه ذو الحليفة بل عن الناصريات الاجماع على ذلك، وعن المعتبر والمهذب وكتب الشيخ والصدوق و القاضي وسلار وابني ادريس وزهرة والتذكرة والمنتهى والتحرير ان ميقاتهم ذوالحليفة، وانه مسجد الشجرة كما في حسن الحلبي (2) السابق، بل عن بن زهرة منهم الاجماع على ذلك، وفي صحيح ابن رئاب (3) المروي عن


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب المواقيت - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 3 - 7

[ 108 ]

قرب الاسناد عنه (عليه السلام): (وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهي الشجرة) وفي خبر قرب الاسناد عن علي بن جعفر (1) عن اخيه عليه السلام المروي عنه أيضا (وقت رسول الله صلى الله عليه وآله لاهل المدينة ذا الحليفة، وهي الشجرة) وفي صحيح ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) (من أقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بدا له ان يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة اميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء) وفي المروي (3) عن العلل انه سئل الصادق (عليه السلام) (لاي علة احرم رسول الله صلى الله عليه وآله من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه ؟ فقال: إنه لما أسري به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة نودي يا محمد فقال صلى الله عليه وآله: لبيك، قال: ألم اجدك يتيما فآويتك ولم أجدك ضالا فهديتك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك، فلذلك احرم من الشجرة دون المواضع كلها) بل عن شرح الارشاد للفخر (ويقال لمسجد الشجرة ذو الحليفة وكان قبل الاسلام اجتمع فيه اناس وتحالفوا) ونحوه عن التنقيح، ولعله يرجع إلى ما عرفت ما في اللمعة ومحكي الوسيلة من ان الميقات ذو الحليفة كما في جملة من النصوص بناء على ما عرفت انه مسجد الشجرة، نعم في الدروس انه ذو الحليفة، وأفضله مسجد الشجرة، والاحوط الاحرام منه، بل عن الكركي ان جواز الاحرام من الموضع المسمى بذي الحليفة وان كان خارجا من المسجد لا يكاد يدفع، ولعله


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 9 وفيه " ولاهل المدينة ومن يليها من الشجرة. الخ " (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب المواقيت - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 13 مع الاختلاف

[ 109 ]

لاطلاق اكثر النصوص. ولكن فيه ما عرفت من ان مقتضى الجمع بينها تعين المسجد. وحينئذ فلو كان المحرم جنبا أو حائضا فقد صرح جملة من الاصحاب بالاحرام به مجتازين فان تعذر الاجتياز احرما من خارجه، ولعله لان ذلك ليس من افراد الضرورة التي يسوغ معها تأخير الاحرام إلى الجحفة، لانها المشقة لمرض أو ضعف كما ستعرف، كما ان قول الصادق (عليه السلام) في خبر يونس (1): (ولا تدخل المسجد وتهل بالحج بغير صلاة) الوارد في كيفية إحرام الحائض يراد منه عدم اللبث به للاحرام. نعم قد يقال بمشروعية التيمم حينئذ للجنب والحائض بعد انقطاع دمها وتعذر الغسل مع فرض تعين الاحرام منه، لعموم ما دل على قيام الصعيد مقام الماء، ولعل مراد القائل بالاحرام من خارج مع فرض تعذر اصل الدخول فيه لغير حدث الجنابة مثلا، كما انه قد يقال بوجوب تأخير الاحرام مع فرض سعة الوقت إلى حين الطهارة، تحصيلا للاحرام من ميقاته، اللهم إلا ان يقال بعدم وجوب الاحرام من نفس المسجد، وانما الواجب منه أو مما يحاذيه لا دونه ولا متجاوزا عنه كما ستسمع احتماله إن شاء الله. وعلى كل حال فقد ظهر لك على المختار ان المدار البقعة الخاصة من ذي الحليفة، أو هو ذو الحليفة، وهي معلومة معروفة على وجه لا شك فيها إلى زماننا هذا، فان مسجد الشجرة معلوم عند المترددين، فالاطناب في البحث حينئذ عن ذي الحليفة - وانه موضع على ستة اميال عن المدينة، وهو ماء لبني جشم كما عن القاموس، وعن تحرير الندوى (النووي خ ل) على نحو ستة اميال عن


(1) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب الاحرام - الحديث 2

[ 110 ]

المدينة، وقيل سبعة وقيل اربعة، ومن مكة نحو عشر مراحل، ونحو منه عن تهذيبه، وعن المصباح المنير هو ماء من مياه بني جشم ثم سمي به الموضع، وميقات اهل المدينة نحو مرحلة منها، ويقال على ستة اميال ويقال على ثلاثة، ويقال على خمسة ونصف، وعن المبسوط والتذكرة انه مسجد الشجرة وانه على عشر مراحل من مكة، وعن المدينة ميل، ووجه بأنه ميل إلى منتهى العمارات في وادي العقيق التي الحقت بالمدينة، وفي صحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) (من اقام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بدا له ان يخرج في غير طريق اهل المدينة الذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة اميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء) وعن معاني الاخبار (2) قال أبو جعفر (عليه السلام) لعبد الله بن عطاء (إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان من اهل المدينة، ووقته من ذي الحليفة، وإنما كان بينهما ستة اميال) وعن السمهودي في خلاصة الوفاء (قد اختبرت فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع وسبعمائة ذراع وإثنان وثلاثون ذراعا ونصف ذراع) - لا فائدة فيه الآن لما عرفته من معلومية مسجد الشجرة الآن، والله العالم. وكيف كان فهذا ميقاتهم (مع الاختيار و) أما (عند الضرورة) التي هي المرض والضعف ف‍ (الجحفة) كما صرح به غير واحد، بل لا اجد في جوازه معها خلافا، وهي موضع علي سبع مراحل من المدينة، وثلاث عن مكة، وبينها وبين البحر ستة أميال، وقيل ميلان، ولعله لاختلاف البحر باختلاف


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب المواقيت - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب المواقيت - الحديث 5

[ 111 ]

الازمنة، وقيل انها كانت قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلا من مكة، وعن المصباح المنير منزل بين مكة والمدينة قريب من رابغ بين بدر وخليص. وعلى كل حال فهي كما في جملة من النصوص المهيعة وانما سميت الجحفة لاجحاف السيل بها وبأهلها. وكيف كان فجواز الاحرام منها في الحال المزبور مع أنه لا خلاف فيه كما عرفت يدل عليه النصوص، كخبر ابي بكر الحضرمي (1) عن الصادق (عليه السلام) (اني خرجت بأهلي ماشيا فلم أهل حتى اتيت الجحفة وقد كنت شاكيا، فجعل اهل المدينة يسألون مني فيقولون لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون وقد رخص رسول الله صلى الله عليه وآله لمن كان مريضا أو ضعيفا ان يحرم من الجحفة) وخبر ابي بصير (2) عنه (عليه السلام) أيضا (قلت له: خصال عابها عليك أهل مكة قال: وما هي ؟ قلت قالوا: احرم من الجحفة ورسول الله صلى الله عليه وآله احرم من الشجرة، فقال: الجحفة أحد الوقتين، وأخذت بأدناهما وكنت عليلا) وصحيح الحلبي (3) عنه عليه السلام ايضا (من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة ؟ فقال: من الجحفة ولا يجاوز الجحفة إلا محرما) بل قد يظهر من الخبرين المزبورين جوازه اختيارا كما عن ظاهر الجعفي وابن حمزة، بل هو مقتضى إطلاق نفي البأس عن الاحرام منها في صحيح آخر (4) وكونها ميقاتا لاهل المدينة في خبر آخر (5) ايضا. إلا ان الذي يقتضيه الجمع بين ذلك وبين ما يفهم منه الرخصة في خبر ابي بكر الحضرمي بل وقوله (عليه السلام) في خبر ابي بصير: (وكنت عليلا) المؤيدين


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب المواقيت الحديث 5 - 4 - 3 - 1 (5) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 5

[ 112 ]

بفتوى المعظم هو اختصاص ذلك بالحال المزبور الموافق لقاعدة الاحتياط، بل قد يقوى الظن بارادة بيان اصل مشروعية الاحرام منها وانها أحد المواقيت في الجملة في النصوص المزبورة، فلا معارضة حينئذ، نعم قد يقال بالتخيير في الحال المزبور بين تأخير الاحرام إليها وبين الاحرام من المسجد مع فعل ما يضطر إليه والفداء عنه كما نص عليه في المسالك. ثم لا يخفى عليك ان الاختصاص بالضرورة مع المرور على الميقات الاول وإلا فلو عدل عن طريقه ولو من المدينة في الابتداء جاز وأحرم منها اختيارا لانها احد الوقتين، وما في خبر ابراهيم بن عبد الحميد (1) سأل الكاظم عليه السلام (عن قوم قدموا المدينة فخاف اكثرهم البرد وكثرة الايام وأرادوا ان يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها فقال: لا - وهو مغضب - من دخل المدينة فليس له ان يحرم إلا من المدينة) محمول على ضرب من الكراهة. بل الظاهر جواز الاحرام منها أيضا لو أخر عنه بعد المرور عليه إلى ميقات آخر اختيارا وإن أثم بذلك، للنهي عن مجاوزة الميقات بلا إحرام من غير علة، وفاقا لصريح جماعة، لصدق الاحرام من الميقات الذي هو وقت لكل من يمر عليه، وإن كان آثما بعدم إحرامه اولا عند المرور على الاول، إلا أن ذلك لا يخرجه عن صدق اسم المرور على الثاني، مضافا إلى إطلاق نفي البأس عن الاحرام منه، وتقييد الحكم التكليفي لا يقتضي تقييد الحكم الوضعي المستفاد من ظاهر النصوص، ومن هنا قال بعض الناس انه ينبغي القطع بذلك، فما وقع من بعض المتأخرين من احتمال عدم المشروعية له بل ظاهر آخر الميل إلى العدم في غير محله.


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب المواقيت - الحديث 1

[ 113 ]

(ولاهل الشام) ومصر والمغرب (الجحفة) ايضا اختيارا ان لم يمروا بذي الحليفة بلا خلاف اجده فيه نصا وفتوى. (و) كذا (لاهل اليمن) جبل أو واد يقال له (يلملم) وألملم ويرمرم، وهو على مرحلتين من مكة. (ولاهل الطائف قرن المنازل) بفتح القاف وسكون الراء المهملة، خلافا للمحكي عن الجوهري ففتحها، وزعم ان اويس القرني منسوب إليه، وفي كشف اللثام اتفق العلماء على تغليطه فيهما، وانما اويس من بني قرن بطن من مراد بخلاف ما نحن فيه، فانه جبل مشرف على عرفات على مرحلتين من مكة ويقال له قرن الثعالب وقرن بلا إضافة، وعن بعض ان قرن الثعالب غيره، وانه جبل مشرف على اسفل منى، بينه وبين مسجدها الف وخمسمائة ذراع، والامر في ذلك سهل بعد معلومية المكان المخصوص لدى المترددين، وفي بعض رواياتنا (1) وروايات العامة (2) انه وقت ايضا لاهل نجد، إلا ان المعروف في نصوصنا (3) ان وقتهم العقيق، ويجوز ان يكون لنجد طريقان، فلا تنافي حينئذ، والامر سهل. (وميقات من منزله اقرب من الميقات منزله) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه بل عن المنتهى انه قول اهل العلم كافة إلا مجاهدا، ويدل عليه مضافا إلى ذلك النصوص المستفيضة، كصحيح معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (من كان منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله) وعن


(1) و (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 6 -. (2) سنن البيهقي ج 5 ص 26 إلى 29 (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المواقيت - الحديث 1

[ 114 ]

التهذيب أنه في حديث آخر (1) (إذا كان دون الميقات إلى مكة فليحرم من دويرة أهله) وبمعناه صحيح مسمع (2) عن عبد الله عليه السلام (إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله) بناء على أن لا ميقات دونها، وكذا صحيح عبد الله بن مسكان (3) حدثني أبو سعيد قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن كان منزله دون الجحفة إلى مكة قال: يحرم منه) إلى غير ذلك من النصوص المتفقة في الدلالة على اعتبار القرب من مكة كما صرح به غير واحد من الاصحاب. خلافا للمصنف عن موضع من المعتبر فاعتبر القرب إلى عرفات، ولم نقف له على دليل، وإن كان قد يؤيده الاعتبار فيما إذا كان الاحرام بالحج الذي لا يتوقف على الدخول إلى مكة، بخلاف ما إذا كان للعمرة التي لا مدخلية لها بعرفات، ولعله لذا قال في المسالك لولا النصوص أمكن اختصاص القرب في العمرة بمكة، وفي الحج بعرفة، إذ لا يجب المرور على مكة في إحرام الحج من المواقيت بل جزم أول الشهيدين في اللمعة باعتبار القرب إلى عرفات في حج الافراد لغير النائي، فقال: (يحج من منزله، لانه أقرب إليها من الميقات مطلقا، إذ أقرب المواقيت إلى مكة مرحلتان هي ثمانية وأربعون ميلا، وهي منتهى مسافة حاضري مكة) وأشكله في الروضة بامكان زيادة منزله بالنسبة إلى عرفات والمساواة، فيتعين الميقات فيهما، والجميع كما ترى، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النص المصرح فيه باعتبار القرب إلى مكة نعم يبقى الكلام في أهل مكة من حيث عدم اندراجهم في اللفظ المزبور المقتضي للمغايرة، لكن عن صريح ابني حمزة وسعيد وظاهر الاكثر الاحرام منها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المواقيت - الحديث 2 - 3 - 4

[ 115 ]

بالحج، لاطلاقهم الاحرام من المنزل لمن كان منزله دون الميقات أو وراءه، بل في الرياض بعد نسبته إلى الشهرة حاكيا لها عن جماعة من الاصحاب قال: بل زاد بعضهم فنفى الخلاف فيه بينهم مشعرا بدعوى الاجماع عليه، كما حكاه في الذخيرة عن التذكرة، قلت: ويؤيده النبوي (1) (فمن كان دونهن فمهله من أهله) بل والمرسل (2) (عن رجل منزله خلف الجحفة من أين يحرم ؟ قال: من منزله) لكن قد سمعت سابقا في الصحيحين (3) الواردين في المجاور أمره بالاحرام بالحج من الجعرانة، وهو باطلاقه شامل لمن انتقل فرضه إلى فرض أهل مكة أم لا، ويمكن أن يقيد بالاخير، أو يجعل ذلك من خصائص المجاور كما في الحدائق، أو يحمل على الافضل لبعد المسافة، وحينئذ فالمراد بالاحرام من المنزل رخصة لا عزيمة، ولذا كان المحكي عن الكافي والغنية والاصباح أن الافضل لمن منزله أقرب الاحرام من الميقات، وفي كشف اللثام وجهه ظاهر، لبعد المسافة وطول الزمان. (وكل من حج على ميقات لزمه الاحرام منه) وهو واضح خ ل). (ولو حج على طريق لا يفضي إلى أحد المواقيت قيل) والقائل جمع من الاصحاب كما في المدارك (يحرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة) لاصل البراءة من المسير إلى الميقات والاحرام من محاذاة الابعد، واختصاص نصوص المواقيت في غير أهلها بمن أتاها، ولصحيح ابن سنان (4)


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 29 (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب المواقيت - الحديث 6 (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 5 والباب 10 - منها - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب المواقيت - الحديث 3

[ 116 ]

عن أبي عبد الله عليه السلام (من أقام بالمدينة وهو يريد الحج شهرا أو نحوه ثم بدا له أن يخرج في غير طريق المدينة فإذا كان حذاء الشجرة مسيرة ستة أميال فليحرم منها) إلا أن الجميع كما ترى لا دلالة فيه على الاحرام من محاذاة الاقرب إلى مكة ولعله لذا فسر ثاني الشهيدين العبارة بغير ذلك، قال في شرحها: (موضع الخلاف ما لو لم يحاذ ميقاتا فانه يحرم عند محاذاته علما أو ظنا، لصحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام، ومعنى غلبة الظن بمحاذاة أقرب المواقيت حينئذ بلوغ محل بينه وبين مكة بقدر ما بين مكة وأقرب المواقيت إليها، وهو مرحلتان علما أو ظنا، ووجه هذا القول أن هذه المسافة لا يجوز لاحد قطعها إلا محرما من أي جهة دخل، وانما الاختلاف يقع فيما زاد عليها، فهي قدر متفق عليه، والوجه الآخر أنه يحرم من أدنى الحل عملا بأصل البراءة من الزائد، والاول أقوى) وفي المدارك (وهذا المعنى بعيد من اللفظ، فان الظاهر من اعتبار محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة أنه مع تعدد المواقيت التي يتحقق محاذاتها في الطريق يجب الاحرام من محاذاة أقربها إلى مكة دون الابعد، وما ذكره قدس سرة خلاف معنى المحاذاة، فتأمل). قلت: لكن إقامة الدليل عليه حينئذ في غاية الصعوبة، إذ لم نعثر إلا على صحيح ابن سنان، وهو يقتضي خلافه، بل لم نتحقق القائل الذي حكاه حينئذ في ذلك، إذ المحكي عن ابن إدريس أنه أطلق إذا حاذى أحد المواقيت أحرم من المحاذاة، وابن سعيد أن من قطع بين الميقاتين أحرم بحذاء الميقات، بل عن المبسوط التصريح باعتبار أقرب المواقيت إليه، وهو خيرة الفاضل في المحكي من منتهاه، بل قال: (والاولى أن يكون إحرامه بحذاء الابعد من المواقيت من مكة، فان كان بين ميقاتين متساويين في القرب إليه أحرم من حذو أيهما شاء) وفي المدارك بعد أن حكى عن الفاضل ما سمعت قال: (وما ذكره المصنف أجود

[ 117 ]

اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع الوفاق) قلت: لا ريب أن مقتضى الصحيح وجوب الاحرام من محاذاة أول المواقيت، بل لعل الظاهر منه بعد إلغاء خصوصية مسجد الشجرة خصوصا علي ما رواه في كشف اللثام أن المحاذاة المزبورة لكل ميقات من المواقيت، فيراد حينئذ بالميقات هو تحديد أول الاحرام من ذلك المكان أو ما يحاذيه لا خصوصيته. ومن هنا اتجه للاصحاب إطلاقهم عدم إيجابهم المرور به وإن كان متمكنا من ذلك، إذ لو كان هو شرطا في صحة الاحرام وجب المرور به تحصيلا للاحرام الصحيح، وبذلك ظهر لك أنه لا وجه للمناقشة في الحكم المزبور في المدارك وأتباعها، حتى قال: المسألة قوية الاشكال، والاحتياط للدين يقتضي المرور على الميقات والاحرام منه تبعا للمنقول، وتخلصا من الخلاف، بل قيل خصوصا وقال الكليني بعد أن روى الصحيح المزبور: وفي رواية (1) (يحرم من الشجرة ثم يأخذ أي طريق كان) قلت: لكنها رواية مرسلة فلا تعارض الصحيح الموافق لظاهر الاصحاب، إذ لم أجد من أفتى بظاهرها، ونسبة الحكم إلى القيل يمكن أن يكون لاعتبار أقرب المواقيت إلى مكة أو لغير ذلك، لا لاعتبار وجوب المرور بالميقات، ورواه في كشف اللثام (ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال، فيكون بحذاء الشجرة من البيداء) نعم قد يقال إن المتجه اعتبار العلم بالمحاذاة، لكن صرحوا بكفاية الظن، ولعله للحرج والاصل وانسياق إرادة الظن في أمثال ذلك بل لا يبعد الاجتزاء به لو تبين فساد ظنه لقاعدة الاجزاء، نعم لو تبين فساد ظنه بتقدم الاحرام على محل المحاذاة وكان لم يتجاوزه أعاد حينئذ، لكن أطلق في


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب المواقيت - الحديث 2

[ 118 ]

الدروس والمسالك الاعادة لو ظهر التقدم، وعدمها لو ظهر التأخر، وهو مشكل إن لم ينزل على ما ذكرناه، لاطلاق قاعدة الاجزاء. ولو لم يعرف حذو الميقات لا علما ولا ظنا فعن المنتهى والتحرير احتاط وأحرم من بعد بحيث يتيقن أنه لم يجاوز الميقات إلا محرما، وأشكل بأنه كما يمتنع تأخير الاحرام عن الميقات كذا يمتنع تقديمه عليه، وتجديد الاحرام في كل مكان يحتمل فيه المحاذاة مشكل، لانه تكليف شاق لا يمكن إيجابه بغير دليل ويدفع بأن ذلك لا ينافي كونه طريق احتياط عليه، بل قد لا ينافيه على الوجوب أيضا بناء على أن النية هي الداعي، إذ لا مشقة في استمرارها في أماكن الاحتمال فتأمل جيدا. وكيف كان فمن التأمل فيما ذكرناه يستفاد سقوط فرض ما ذكر من انه لو سلك طريقا لم يكن فيه محاذاة لميقات من المواقيت، وإن كان قد عرفت ان فيه الاحتمالين بل القولين: الاحرام من مقدار اقرب المواقيت أو من ادنى الحل، ضرورة انه بناء على اعتبار الجهة المزبورة لا يخلو طريق منها بالنسبة إلى محاذاة ميقات منها، لانها محيطة بالحرم. ولعله على ذلك ينزل ما عن ابن إدريس من ان ميقات اهل مصر ومن صعد البحر جدة، بناء على انها تحاذي احدها لا انها ميقات بخصوصها، وإن كان المصنف قد اشار إلى خلافه بقوله: (وكذا من حج في البحر) في اعتبار المحاذاة المزبورة (وكل من حج) أو اعتمر (على ميقات لزمه الاحرام منه) بلا خلاف اجده فيه نصا وفتوى (و) حينئذ ف‍ (الحج) قرانا أو إفرادا (والعمرة) تمتعا وإفرادا (يتساويان في ذلك) اي في الاحرام من هذه المواقيت لمن قدم مكة حاجا أو معتمرا، وقد عرفت ان مكة ميقات حج التمتع لساكنيها وغيرهم، بل هي ميقات لحج ساكنيها تمتعا كان أو غيره، بل قد عرفت ان ميقات الاحرام

[ 119 ]

لمن كان منزله اقرب من الميقات منزله سواء كان بعمرة تمتع أو إفراد أو حج لاطلاق الادلة، نعم قد ذكر غير واحد من الاصحاب اعتبار الخروج إلى ادنى الحل في العمرة المفردة للقارن والمفرد بعد الحج، بل في كشف اللثام لا نعلم في ذلك خلافا، بل حكي عن المنتهى نفي الخلاف في ذلك ايضا، ولكن يستحب ان يكون من الجعرانة أو من الحديبية أو من التنعيم منه، للنصوص (1) السابقة وعن التذكرة ينبغي الاحرام من الجعرانة، فان النبي صلى الله عليه وآله اعتمر منها، فمن فاتته فمن التنعيم، لانه صلى الله عليه وآله امر عائشة (3) بالاحرام منه، فمن فاته فمن الحديبية، والامر سهل وإن كان استفادة الترتيب المزبور من النصوص لا تخلو من إشكال. وعلى كل حال لا يجب من واحد منها بلا خلاف اجده ولا من احد المواقيت كما عساه يتوهم من محكي المراسم وإن كان الظاهر الجواز، بل لعله افضل لطول المسافة والزمان، وحينئذ فأدنى الحل رخصة لا عزيمة، نعم لا يجوز الاحرام بها من مكة أو الحرم، بل لولا الاجماع ظاهرا على اختصاص العمرة المزبورة بذلك لامكن القول باعتبار ذلك في كل عمرة، لاطلاق بعض النصوص (4) (وتجرد الصبيان من فخ) وهو بئر معروف على فرسخ من مكة، وما


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 والباب 21 منها - الحديث 2 والباب 22 من ابواب المواقيت (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب العمرة (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 وسنن النسائي ج 5 ص 178 وسنن البيهقي ج 5 ص 6 (4) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 9

[ 120 ]

عن القاموس من انه موضع بمكة دفن فيه ابن عمر يمكن إرجاعه إلى ذلك، نحو ما عن النهاية الاثيرية من انه موضع عند مكة، وعن السرائر انه موضع على رأس فرسخ من مكة قتل فيه الحسين بن علي بن امير المؤمنين عليه السلام يعني الحسين بن علي ابن الحسن بن الحسن بن الحسن بن امير المؤمنين عليه السلام. وعلى كل حال فدليله صحيح ابن الحر (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الصبيان من اين نجردهم ؟ فقال كان ابي يجردهم من فخ) ونحوه صحيح علي بن جعفر (2) عن اخيه موسى (عليه السلام)، انما الكلام في ان ذلك كناية عن جواز إحرامهم منه كما صرح به بعضهم، بل ربما نسبت إلى الاكثر، بل في الرياض يظهر من آخر عدم الخلاف فيه، أو ان إحرامهم من الميقات، ولكن رخص لهم في لبس المخيط إلى فخ، فيجردون منه كما عن السرائر والمقداد والكركي قولان، اقواهما الثاني، لعموم نصوص المواقيت والنهي عن تأخير الاحرام عنها، وعبادة الصبي شرعية أو تمرينية إذا جاء بها على نحو ما يجئ به المكلف، وليس في الخبرين إلا التجريد الذي لا ينافي ذلك على ان فخ انما هو على طريق المدينة، أما لو كان غيره فلا رخصة لهم في تجاوز الميقات بلا إحرام الذي صرح في النص (3) بأن الاحرام من غيره كالصلاة أربعا في السفر، واحتمال حمل ادنى الحل من سائر الطرق على فخ الذي هو ادناه في طريقها بل قيل انه يعطيه كلام التذكرة واضح الضعف، وتخصيص ادلة لزوم الكفارة على الولي بما دل على الرخصة في اللبس إلى فخ متحقق على القولين، إذ لا كلام ولا خلاف في جواز


(1) (و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب المواقيت - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب المواقيت - الحديث 3

[ 121 ]

الاحرام بهم من الميقات. وأما الصحيح (1) عن الصادق عليه السلام (قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مر ثم يصنع بهم ما يصنع بالمحرم ويطاف بهم ويسعى بهم) فقد استدل به بعضهم على المختار بناء على أن بطن مر غير خارج عن لميقات، لكن في الرياض أنه على خلافه أظهر، ولعله لخروج بطن مر عن الميقات، ثم قال: والمسألة قوية الاشكال، وحيث أن المستفاد من جماعة عدم إشكال في جواز الاحرام بهم من الميقات بل وأفضليته وأن التأخير إلى فخ انما هو على سبيل الجواز كان الاحرام بهم من الميقات أولى وأحوط، قلت مضافا إلى معلومية كون الحكمة في التأخير إلى فخ ضعف الاطفال عن البرد والحر ونحوهما، وستعرف أنه متى كان ذلك في المكلف أحرم من الميقات، وجاز له اللبس للضرورة، فالمتجه حينئذ هنا ذلك أيضا، وفي خبر يعقوب (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن معي صبية صغارا وأنا أخاف عليهم البرد فمن أين يحرمون ؟ فقال: إئت بهم العرج فليحرموا منها فانك إذا أتيت العرج وقعت في تهامة ثم قال: فان خفت عليهم فائت بهم الجحفة) وهو ظاهر في مراعاة الميقات ولو ميقات الاضطرار، ولعل التخيير بين الجحفة وبطن مر وغيرهما لاختلاف الازمنة واختلاف حال الصبيان، كما أنه قد يطلق الاحرام بهم من غير الميقات على إرادة التجريد مجازا، والله العالم. (وأما أحكامها ففيه مسائل: الاولى) لا خلاف بيننا بل الاجماع منا


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 مع الاختلاف، وليس فيه " ويسعى بهم " كما تقدم في ج 17 ص 235 (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 7

[ 122 ]

بقسميه عليه والنصوص (1) به مستفيضة في أن (من أحرم قبل هذه المواقيت لم ينعقد إحرامه) قال ميسرة (2): (دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا متغير اللون فقال لي: من أين أحرمت بالحج ؟ فقلت: من موضع كذا وكذا فقال: رب طالب خير يزل قدمه، ثم قال: أيسرك إن صليت الظهر في السفر أربعا ؟ قلت: لا، قال: فهو والله ذاك) فما عن العامة من جواز ذلك معلوم الفساد (إلا لناذر) الاحرام قبل الميقات، فان عليه الاحرام منه حينئذ كما صرح به كثير، بل المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا للمعتبرة ولو بالشهرة، كصحيح الحلبي (3) المروي عن الاستبصار (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل جعل لله عليه شكرا أن يحرم من الكوفة، قال: فليحرم من الكوفة وليف لله تعالى بما قال) وخبر علي بن أبي حمزة (4) (كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن رجل جعل الله عليه شكرا أن يحرم من الكوفة قال: يحرم من الكوفة) وخبر أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (سمعته يقول: لو أن عبدا أنعم الله تعالى عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم من خراسان كان عليه أن يتم) والمناقشة في السند لو سلمت في الجميع مدفوعة بالشهرة، وفي الدلالة باحتمال إرادة المسير للاحرام من الكوفة أو خراسان أو نحو ذلك كما ترى، على أنها لا تنافي الظهور الذي هو المدار في الاحكام،


(1) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب المواقيت (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب المواقيت - الحديث 5 عن ميسر إلا أن الموجود في الكافي ج 4 ث 322 ميسرة (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب المواقيت الحديث 1 - 2 - 3

[ 123 ]

خصوصا مع عدم المعارض سوى قاعدة اعتبار مشروعية متعلق النذر في نفسه التي يجب الخروج عنها بما عرفت، سيما مع وجود النظير الذي قد مر في الصوم، فالاستناد إليها كما عن الحلي والفاضل في المختلف بل عن المصنف الميل إليه في المعتبر بل في كشف اللثام أنه الاقوى كالاجتهاد في مقابلة النص. نعم الظاهر صحة النذر (بشرط أن يقع الحج) وعمرة التمتع له (في أشهره) أي الحج إن كان نذر الاحرام لهما، لما عرفته من الاجماع على عدم جواز وقوعهما في غيرها، مضافا إلى قوله تعالى (1): (الحج أشهر معلومات) والنصوص المزبورة انما جوزت الايقاع قبل الوقت المكاني، وذلك لا يقتضي وقوعهما في غير الوقت الزماني، وحينئذ فلو بعدت المسافة بحيث لو أحرم في أشهر الحج لم يمكنه إتمام النسك لم ينعقد النذر بالنسبة إلى المهل إن نذر الحج في ذلك العام. أما لو كان النذر للاحرام للعمرة المفردة مثلا صح وإن لم يكن في أشهر الحج، لاطلاق الادلة المزبورة، ولكن مع ذلك كله والاحتياط بالاحرام أيضا من الميقات لا ينبغي تركه، خصوصا في مثل الحج الواجب والعمرة الواجبة، كما هو واضح، هذا. وفي إلحاق العهد واليمين بالنذر وجه استظهره في المسالك، لشمول النصوص لهما، لكن لا يخفى عليك أن معقد الفتاوى النذر، بل قد يدعى أنه المنساق من النص، بل الظاهر عدم دخول اليمين فيه، كل ذا مع مخالفة المسألة للقواعد، وينبغي الاقتصار فيها على المتيقن، والله العالم. (أو) إلا (لمن أراد العمرة المفردة في رجب وخشي تقضيه) إن أخر


(1) سورة البقرة - الآية 193

[ 124 ]

الاحرام إلى الميقات، فانه يحرم حينئذ قبله لادراك إحرامها في رجب وإن وقع بقية أفعالها في شعبان بلا خلاف أجده فيه، بل عن المعتبر (عليه اتفاق علمائنا) والمنتهى (وعلى ذلك فتوى علمائنا) وفي المسالك (هو موضع نص ووفاق) مضافا إلى صحيحة معاوية بن عمار (1) (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ليس ينبغي أن يحرم دون الوقت الذي وقته رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أن يخاف فوت الشهر في العمرة) وصحيح إسحاق بن عمار (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يجئ معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال قبل أن يبلغ العقيق أيحرم قبل الوقت ويجعلها لرجب، أو يؤخر الاحرام إلى العقيق ويجعلها لشعبان ؟ قال: يحرم قبل الوقت لرجب، فان لرجب فضلا) ولكن الاحتياط المزبور لا ينبغي تركه أيضا، لما قبل من أنه لم يتعرض له كثير من الاصحاب، كما أنه ينبغي له تأخير الاحرام إلى آخر الشهر اقتصارا في تخصيص العمومات على موضع الضرورة وإن كان الاقوى الجواز فيه مطلقا مع خوف الفوات، لما سمعته من الادلة، لكن الظاهر اختصاص الحكم المزبور في عمرة رجب، والصحيح الاول وإن كان مطلقا إلا أنه لم أجد به عاملا في غير رجب، ولعله للعلة التي أشار الامام عليه السلام إليها في الصحيح الآخر، مضافا إلى ما روي (3) من أن العمرة الرجبية تلي الحج في الفضل، ويكفي في إدراكها إدراك إحرامها فيه كما دل عليه الصحيح. وعلى كل حال فمما ذكرنا يظهر لك الحال في المسألة (الثانية) وهي (إذا أحرم قبل الميقات لم ينعقد إحرامه) بلا خلاف أجده فيه، والنصوص (4)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب المواقيت - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب العمرة - الحديث 16 (4) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب المواقيت

[ 125 ]

وافية في الدلالة عليه (و) حينئذ ف‍ (لا يكفي مروره فيه ما لم يجدد الاحرام) فيه (من رأس) بانشاء نيته وعقده بالتلبية وغير ذلك مما تسمعه في كيفية ابتداء الاحرام، كما هو واضح. (و) كذا لا يجوز تأخير الاحرام اختيارا إجماعا بقسميه ونصوصا (1) نعم (لو أخره عن الميقات لمانع) من مرض ونحوه جاز على ما صرح به الشيخ في محكي النهاية، قال فيها: إن من عرض له مانع من الاحرام جاز له أن يؤخر عن الميقات، فإذا زال المانع أحرم من الموضع الذي انتهى إليه، ولعله للحرج وقول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل المحاملي (2): (إذا خاف الرجل على نفسه أخر إحرامه إلى الحرم) وما مر من قول الرضا (عليه السلام) في الصحيح لصفوان بن يحيى (3): (فلا يجاوز الميقات إلا من علة) لكن عن ابن إدريس أن المراد من ذلك تأخير الصورة الظاهرة للاحرام من التعري ولبس الثوبين دون غيرهما، فان المرض والتقية ونحوهما لا تمنع النية والتلبية، وإن منعت التلبية كان كالاخرس، وإن أغمي عليه لم يكن هو المتأخر، قال: وإن أراد وقصد شيخنا غير ذلك فهذا يكون قد ترك الاحرام متعمدا من موضعه، فيؤدي إلى إبطال حجه بغير خلاف، وارتضاه الفاضل في التحرير والمختلف والمنتهى على ما حكي عنه، ولعله لحديث (4) (الميسور لا يسقط بالمعسور) والخبر (5) المتقدم سابقا


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب المواقيت - الحديث 2 و 3 و 9 والباب 16 منها (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب المواقيت - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب المواقيت - الحديث 1 (4) المروي في غوالي اللئالي (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب المواقيت - الحديث 10

[ 126 ]

فيمن مر على المسلخ مع العامة ولم يمكنه إظهار الاحرام تقية المتضمن للاحرام من ميقاته ثم يلبس الثياب ويلبي في نفسه، وإذا بلغ ميقاتهم أظهره، ونفى عنه البأس في الرياض: قال: لقوة دليله مع قصور الخبرين بعد إرسال أحدهما عن التصريح بخلافه، وفي المدارك بعد أن حكى ذلك عن الشيخ والحلي قال: وفصل المصنف (رحمه الله) في المعتبر تفصيلا حسنا، فقال: ومن منعه مانع عند الميقات فان كان عقله ثابتا عقد الاحرام بقبله، ولو زال عقله باغماء وشبهه سقط عنه الحج، ولو أحرم عنه رجل جاز، ولو أخر وزال المانع عاد إلى الميقات إن تمكن وإلا أحرم من موضعه. قلت: لا يخفى عليك ظهور كلامه أولا في موافقة ابن إدريس إلا أنه قد ينافيه ما ذكره أخيرا موافقا لما هنا من أنه لو أخره لمانع (ثم زال المانع عاد إلى الميقات، فان تعذر جدد الاحرام حيث زال، ولو دخل مكة خرج إلى الميقات، فان تعذر خرج إلى خارج الحرم، ولو تعذر أحرم من مكة) بل ذكر ذلك غير واحد ايضا مرسلين له ارسال المسلمات، بل في المدارك اما وجوب العود إلى الميقات مع المكنة فلا ريب فيه، لتوقف الواجب عليه، واما الاكتفاء بتجديد الاحرام من محل زوال العذر مع تعذر العود إلى الميقات فلان تأخيره لم يكن محرما، فكان كالناسي، وسيأتي ان الناسي يحرم من موضع الذكر مع تعذر العود إلى الميقات، إلى غير ذلك من كلماتهم، إذ لا يخفى عليك عدم انطباق الحكم المزبور على ما سمعته من ابن ادريس من كون المتأخر الصورة الظاهرة، ضرورة وقوع الاحرام من الميقات، والامر يقتضي الاجزاء، اللهم إلا ان يقال انه مراعى بعدم زواله مع التمكن من الرجوع، وإلا لم يجزه، لكنه لا يخلو من نظر، ولو فرض انه تعمد التأخير حتى للنية والتلبية اشكل الاجتزاء باحرامه من زوال العذر بما ستعرفه من عدم الاجتزاء بذلك للعامد، وان كان الحكم

[ 127 ]

المزبور مبنيا على ما سمعته من الشيخ من تأخير الاحرام نفسه للعذر فقد عرفت ان ظاهر الشيخ بل ودليله اي الخبرين المزبورين الاجتزاء بالاحرام من كل زوال العذر وان تمكن من الرجوع إلى الميقات الذي لا دليل على توقف الواجب عليه في الحال المزبور وإن تمكن، والقياس على الجاهل والناسي ليس من مذهبنا ومن ذلك يظهر لك النظر في جملة من الكلمات، ولعل الاقوى ما سمعته من ابن إدريس وأنه لا عود عليه إلى الميقات بعد زوال العذر، وانما عليه أن يأتي بما تركه من التعري ونحوه. هذا كله إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر، وإلا لم يجب عليه الرجوع أيضا على كل حال بناء على ما تقدم من الاجتزاء بالاحرام منه مع الاختيار فضلا عن العذر، ثم لو وجب العود عليه فتعذر ففي المدارك في وجوب العود إلى ما امكن من الطريق وجهان، أظهرهما العدم للاصل وظاهر الروايات (1) المتضمنة لحكم الناسي، قلت: قد يشهد للآخر صحيح معاوية بن عمار (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأه كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فقالوا: لا ندري أعليك إحرام وأنت حائض فتركوها حتى دخلت الحرم فقال: إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه، وإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر مالا يفوتها الحج فتحرم). بقي الكلام فيمن كان عذره الاغماء ونحوه ممن لا نية له ولا تلبية، وقد سمعت ما عن المعتبر من جواز إحرام رجل عنه مستدلا له بمرسل جميل (3) عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب المواقيت - الحديث - 4 (3) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المواقيت - الحديث 4 والباب 55 من ابواب الاحرام - الحديث 2

[ 128 ]

أحدهما (عليهما السلام) (في مريض أغمي عليه فلم يفق حتى أتى الموقف قال: يحرم عنه رجل) ثم قال: (والذي يقتضيه الاصل أن إحرام الولي جائز لكن لا يجزي عن حجة الاسلام، لسقوط الفرض بزوال عقله، نعم إذا زال العارض قبل الوقوف أجزأه) وفي القواعد (ولو لم يتمكن من نية الاحرام لمرض أو غيره أحرم عنه وليه وجنبه ما يجتنبه المحرم) بل حكاه في كشف اللثام عن الاحمدي والنهاية والمبسوط والمهذب والجامع ثم قال: وهل يجديه هذا الاحرام شيئا ؟ ففي النهاية والجامع تم إحرامه، وفي المبسوط ينعقد، وظاهرها أنه يصير بذلك محرما، ونص المعتبر والمختلف والتحرير والتذكرة والمنتهى أنه إن لم يفق حتى فاته الموقفان انكشف أنه لم يكن وجب عليه، وإن أفاق قبل الوقوف أجزأ عن حجة الاسلام، لانه يقبل النيابة وتعذر عنه بنفسه، ثم قال: وفيه أن النيابة خلاف الاصل، وانما تثبت في موضع اليقين، وقد مر أن النيابة عن الحي انما تصح باذنه، على أن هذا ليس نيابة إلا في النية، والاحرام بالغير انما ثبت في الصبي، وهذا الخبر واحد مرسل، وغايته مشروعية هذا الاحرام، أما الاجزاء فكلا، على أنه انما تضمن الاحرام عنه، وهو يحتمل النيابة عنه، كما يحرم عن الميت وهو غير الاحرام به، وأنكر ابن إدريس هذا الاحرام، لان الاغماء أسقط عنه النسك، واستحسن تجنبه المحرمات، والاولى عندي أن يحرم به ويجتنب به المحرمات، فان أفاق في الحج قبل الوقوف وأمكنه الرجوع إلى الميقات رجع فأحرم منه، وإلا فمن أدنى الحل إن أمكنه، وإلا فمن موضعه، وإن كان ميقات حجه مكة رجع إليها إن أمكنه، وإلا فمن موضعه، كل ذلك إن كان وجب عليه وإلا فوجوبه بالمرور على الميقات وخصوصا مع الاغماء غير معلوم، وكذا بهذا الاحرام، وإن أحرم به في العمرة فان كانت مفردة انتظر به حتى يفيق، فإذا أفاق

[ 129 ]

وقد أدخل الحرم رجع إلى أدنى الحل أو الميقات إن أمكنه، فأحرم إن كانت وجبت عليه وأمكنه الرجوع، ومن موضعه إن لم يمكنه وضاق وقته بأن اضطر إلى الخروج، وإن كانت عمرة التمتع فأفاق حيث يمكنه إدراكها مع الحج فعلها باحرام نفسه، وإلا حج مفردا باحرام نفسه كما قلنا إن كان وجب عليه حج الاسلام أو غيره، ثم اعتمر إن وجبت عليه، وإن لم يكن وجب عليه شيئ منهما تخير بينه وبين إفراد العمرة كذلك، وفي كشف اللثام (وظاهر كلامهم أنه إن كان ممن عليه حج التمتع حج الاسلام فلم يفق من الميقات إلى الموقف أحرم به وجنب المحرمات وطيف به وسعي به، ثم بعد التقصير أحرم به للحج وأجزأه ذلك ولم يجب عليه بعد الافاقة عمرة، كما ليس عليه إحرام بنفسه، وقد مر الكلام فيمن بلغ أو أعتق قبل الوقوف، ويمكن تنزيل كلامهم على أنه ليس عليه شئ فيما فاته من الاحرام من الميقات وإن وجب عليه بعد الافاقة الاحرام بنفسه - ثم قال -: وعلى ما عرفت سابقا من أن الفرض إيقاع المناسك والاجتناب عن المحرمات وأن النية في الاحرام انما وجبت بدليل فيقتصر على ما دل عليه فيه من التجنب، ثم إيقاعه المناسك بنفسه إذا أفاق، فيتجه ظاهر كلامهم إلا ما يعطيه ظاهر كلام الفاضلين من إيقاع أفعال عمرة التمتع به وإجزائه عنه) قلت: قد تقدم في مسألة من بلغ أو أعتق قبل الوقوفين ما يستفاد منه تحقيق الحال في ذلك كله، فلاحظ وتأمل، ومنه يعلم عدم انحصار الدليل في المرسل المزبور، كما أن منه يعلم محال النظر في كلام الفاضل المذكور، والله العالم. هذا كله في التأخير لعذر من مرض ونحوه (وكذا) الكلام (لو ترك الاحرام ناسيا) فانه يجب عليه العود إلى الميقات مع المكنة، فان تعذر جدده حيث زال العذر إلا أن يكون قد تجاوز الحرم، فيجب عليه الخروج إلى خارجه مع الامكان، وإلا أحرم من مكانه بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى

[ 130 ]

ففي صحيح الحلبي (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي الاحرام حتى دخل الحرم قال: يخرج إلى ميقات اهل أرضه، فان خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه، فان استطاع أن يخرج فليخرج) وفي صحيح عبد الله بن سنان (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مر على الوقت الذي يحرم منه الناس فنسي أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة فخاف إن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج قال: يخرج من الحرم، ويحرم ويجزيه ذلك) وهو وان كان مطلقا كغيره إلا انه يجب تقييده بما دل عليه غيره من الرجوع إلى الميقات مع الامكان، وبذلك تتفق النصوص حينئذ على المعنى المزبور، بل صريح صحيح المذكور وغيره إلحاق الجاهل بالناسي في الحكم المزبور، ولا بأس به، بل لا أجد فيه خلافا، نعم عن بعض الاخبار (3) المنقولة عن قرب الاسناد الوارد في الجاهل (ان كان جاهلا فليبين مكانه وليقض، فان ذلك يجزيه إن شاء الله، وان رجع إلى الميقات الذي يحرم منه أهل بلده فانه افضل) وهو وان كان كالصريح بل صريح في جواز الاحرام من غير الميقات مع التمكن من الرجوع إليه إلا أن سنده غير واضح، وقاصر عن معارضة غيره من وجوه، خصوصا مع عدم القائل به، هذا. وعن الفاضل في التذكرة والمنتهى أن من نسي الاحرام يوم التروية بالحج حتى حصل بعرفات فليحرم من هناك، مستدلا عليه بصحيح علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى عليه السلام ((سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات ما حاله ؟ قال: يقول اللهم على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فقد تم إحرامه) ولا بأس به، بل لعل اقتصاره على عرفات موافقة للصحيح المزبور، وإلا فله


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب المواقيت الحديث 1 - 2 - 10 - 8 مع الاختلاف في الاول

[ 131 ]

تجديد الاحرام بالمشعر كما عن الشهيدين الجزم به لفحوى النصوص المزبورة وان كان خلاف ما تشعر به بعض العبارات، سيما عبارة المصنف السابقة في الكافر إذا اسلم، إلا ان الاقوى ما ذكرنا، بل في صحيح علي بن جعفر (1) عن اخيه موسى عليه السلام الاجتزاء مع تركه يوم التروية أصلا جهلا، قال: (سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى عرفات وجهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلاده ما حاله ؟ قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه) بل قد يؤيده ايضا مرسل جميل (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) (في رجل نسي ان يحرم أو جهل وقد شهد المناسك كلها وطاف وسعى قال: تجزيه نيته، إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه وان لم يهل)) بناء على ان المراد نية الحج بجميع اجزائه جملة لا نية الاحرام لتعذرها من الجاهل، وستسمع تمام الكلام في ذلك ان شاء الله، هذا. وربما ظهر من المحكي عن الشيخ في النهاية اعتبار العزم السابق على محل الاحرام، لانه قال: فان لم يذكر اصلا حتى فرغ من جميع مناسكه فقد تم حجه ولا شئ عليه إذا كان قد سبق في عزمه الاحرام، ولعله فرض المسألة في خصوص الناسي. وعلى كل حال فما ذكرنا ظهر لك ان الحكم المزبور إذا ترك الاحرام جاهلا أو ناسيا بل (أو لم يرد النسك) وإن مر على الميقات، لعدم وجوب الاحرام عليه لدخولها، كالحطاب ونحوه ممن يتكرر دخوله، أو دخلها لقتال ثم اراد النسك، أو لعدم ارادة دخولها بل اراد حاجة فيما سواها، فانه لا يجب عليه الاحرام حينئذ بلا خلاف اجده فيه، بل في المدارك اجماع العلماء عليه، وقد اتى النبي صلى الله عليه وآله بدرا مرتين، ومر على ذي الحليفة وهو محل، وبالجملة فالمراد


(1) و (2) الوسائل - الباب - 20 من ابواب المواقيت - الحديث 2 - 1

[ 132 ]

من كان غير مريد النسك ممن لا يجب عليه الاحرام بالمرور على الميقات ممن عرفت بخلاف من وجب عليه ذلك، فانه متعمد الترك، فلا يجزيه إلا الرجوع إلى الميقات كما ستعرف، اما الاول فلا خلاف أجده في مساواته للناسي في الحكم المزبور، لفحوى النصوص الواردة فيه وفي الجاهل، بل هو اعذر من الناسي وانسب بالتخفيف، مضافا إلى صحيح الحلبي (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم فقال: يرجع إلى ميقات اهل بلده الذي يحرمون منه، وان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم) المندرج فيه محل البحث، فما عن بعض العامة من القول بالاحرام من موضعه مطلقا واضح الضعف، ضرورة وجوب العود عليه مع التمكن منه، لاطلاق ما دل على اعتبارها في صحة الاحرام، والفرض تمكنه من اتيان المأمور به على وجهه كما هو ظاهر. هذا كله في الناسي والجاهل وغير مريد النسك (وكذا المقيم بمكة إذا كان فرضه التمتع) كما عرفت الكلام فيه مفصلا سابقا (اما لو اخره عامدا) مريدا للنسك (لم يصح احرامه) للحج (حتى يعود إلى الميقات و) حينئذ ف‍ (لو تعذر لم يصح احرامه) وفاقا للاكثر بل المشهور، بل ربما يفهم من غير واحد عدم خلاف فيه بيننا، مؤاخذة له بسوء فعله، ولا طلاق ما دل على اعتبار الوقت في صحة الاحرام المقتصر في تقييده على من عرفت، بخلاف الفرض، واطلاق صحيح الحلبي غير معلوم الشمول له كما اعترف به بعضهم، ودعوى تنزيل اطلاق دليل الشرطية على غير صورة التعذر ليس باولى من تنزيل اطلاق صحيح الحلبي على غير الفرض، بل هو اولى من وجوه، فحينئذ لا يصح احرامه

[ 133 ]

من غيره حتى لو كان الحج واجبا عليه مضيقا، لما عرفت، خلافا للمحكي عن جماعة من المتأخرين، بل قيل انه يحتمله اطلاق المبسوط والمصباح ومختصره. وعلى كل حال فلو جاء بالمناسك من دون إحرام أو معه دون الميقات كان حجه فاسدا ووجب عليه قضاؤه، بل في المسالك حيث يتعذر رجوعه مع التعمد يبطل نسكه ويجب عليه قضاؤه وإن لم يكن مستطيعا للنسك، بل كان وجوبه بسبب ارادة دخول الحرم، فان ذلك موجب للاحرام، فان لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور، نعم لو رجع بعد تجاوز الميقات ولم يدخل الحرم فلا قضاء عليه وان أثم بتأخير الاحرام، وادعى العلامة في التذكرة الاجماع عليه، لكن في المدارك هو غير جيد، لان القضاء فرض مستأنف، فيتوقف على الدليل، وهو منتف هنا، والاصح سقوط القضاء كما اختاره في المنتهى مستدلا عليه بالاصل، وان الاحرام مشروع لتحية البقعة، فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد وهو حسن، قلت: يمكن ان يريد الشهيد وجوب القضاء على تارك الاحرام من الميقات، ومع ذلك قد دخل الحرم حاجا ولو باحرام من دونه، والامر سهل. ثم ان ظاهر المتن والقواعد وغيرهما بطلان الاحرام منه ولو للعمرة المفردة وحينئذ فلا يباح له دخول مكة حتى يحرم من الميقات، بل عن بعض الاصحاب التصريح بذلك، لكن قد يقال ان المراد بطلانه للاحرام للحج لا العمرة المفردة التي ادنى الحل ميقات لها اختياري وان اثم بتركه الاحرام عند مروره بالميقات، بل قيل ان الاصحاب انما صرحوا بذلك لا بطلانه مطلقا، ويمكن صرف ظاهر المتن وغيره إليه، ولعله الاقوى، والله العالم. المسألة (الثالثة لو نسي الاحرام ولم يذكر حتى اكمل مناسكه قيل) والقائل ابن ادريس: (يقضي) اي يؤدي ما كان يريد الاحرام له من حج أو

[ 134 ]

عمرة (ان كان واجبا، وقيل) والقائل المشهور شهرة عظيمة، بل في الدروس نسبته إلى الاصحاب عدا الحلي: (يجزيه وهو المروي) في مرسل جميل (1) عن احدهما (عليهما السلام) السابق المنجبر سنده بما عرفت، بل وفي صحيح جميل (2) بناء على ارادة ما يعم النسيان من الجهل فيه، أو انه ملحق به في الحكم، وعلى عدم الفرق بين احرام الحج وغيره، مؤيدا ذلك كله بالعسر والحرج في وجوب القضاء بالنسيان الذي هو كالطبيعة الثانية للانسان، ويكون الاحرام كباقي الاركان التي لا يبطل الحج بفواتها سهوا اجماعا عدا نسيان الموقفين كما صرح به في المسالك، وبذلك يخرج عما يقتضي البطلان من اطلاق ما دل على اعتبار الاحرام أو عمومه على وجه يقتضي عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه مع عدمه، نعم قد سمعت التقييد في المرسل المزبور بما إذا كان قد نوى ذلك. وقد يقال إن المراد به نية الحج بجميع اجزائه، وقد سمعت ايضا عبارة النهاية. انما الكلام في المراد بالاحرام، فعن الشهيد أنه حكي عن ابن ادريس انه عبارة عن النية والتلبية ولا مدخل للتجرد ولبس الثوبين فيه، وعن ظاهر المبسوط والجمل انه امر واحد بسيط، وهو النية، ثم قال: (وكنت قد ذكرت في رسالة ان الاحرام هو توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى ان يأتي بالمناسك، والتلبية هي الرابطة لذلك التوطين، نسبتها إليه كنسبة التحريمة إلى الصلاة - إلى ان قال - فعلى هذا يتحقق نسيان الاحرام بنسيان النية وبنسيان التلبية) وعن الفاضل في المختلف انه ماهية مركبة من النية والتلبية ولبس الثوبين، وحينئذ فينتفي بأحد أجزائه، وعن المحقق الثاني ان المنسي ان كان نية الاحرام


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المواقيت الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب المواقيت - الحديث 2 وهو صحيح علي بن جعفر.

[ 135 ]

لم يجز، وان كان المنسي التلبيات أجزأ، وربما قيل انه المستفاد من المرسل المتقدم، وانه الموافق لقاعدة الاقتصار فيما خالف الاصل الآتي على المتيقن من النص والفتوى، وهو ما عدا النية وان كان قد يستفاد من المرسل وغيره من الاخبار الصحيحة المراد بالاحرام هو التلبية كما ستعرف ذلك في بحثها، بل ولقاعدة الاحتياط في الجمل، إذ قد عرفت الاختلاف في معناه، وحينئذ يتجه الفساد بترك كل ما يحتمل كونه إحراما خرج منه ما عدا النية فتوى ورواية، لاتفاقهما على الصحة في تركه، ويبقى تركها على مقتضى الفساد، إلا ان الجميع كما ترى، ضرورة ان مقتضى الرواية صحة الحج مع ترك الاحرام جهلا أو نسيانا، والظاهر من حال الجاهل بوجوب الاحرام والناسي له ان لم يأت بالنية ولا التلبية ولا التجرد ولا لبس الثوبين، وإذا ثبت صحة الحج مع الاخلال بذلك كله فمع البعض اولى بل الظاهر دخول النية في الاحرام على جميع الاقوال وانما الكلام في الزيادة، فلا اشكال حينئذ في دخول تركها في الصحيح، والتقييد بما في المرسل كما ترى، إذ هو لا جابر له هنا، لخلو فتوى الاكثر عن ذلك، وانما ذكره الشيخ في النهاية، مع ان ظاهره ارادة العزم السابق لا النية المقارنة للعمل، وقد بان لك من ذلك كله تحقيق الحال، وتسمع له ان شاء الله زيادة كما انه قد بان لك ضعف المحكي عن الحلي ودليله، خصوصا ما حكي عنه من استدلال بانه لا عمل إلا بنية فكيف يصح الاحرام بدونها، وهو كما ترى لا يكاد يظهر له وجه، ضرورة ان مفروض المقام عدم الاحرام رأسا لا صحته بلا نية، بل ان كان المراد التعريض بما سمعته من الشيخ ففيه انك قد عرفت أن المحكي عن الشيخ أنه نية بلا عمل لا عمل بلا نية، كما انه لو اراد عدم نية بقية المناسك ففيه كون المفروض حصولها أجمع بنية، ولكن بدون إحرام. ودعوى فساد نياتها من دونه واضحه المنع بعد ما عرفت والله العالم.

[ 136 ]

(الركن الثاني في افعال ألحج) و (الواجب) منها (اثنا عشر: الاحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، ونزول منى والرمي والذبح والحلق بها أو التقصير، والطواف، وركعتاه، والسعي وطواف النساء وركعتاه) على الاصح في الرمي والحلق أو التقصير كما تعرفه في محله ان شاء الله إلا ان منها ما هو ركن يبطل الحج بتركه عمدا لا سهوا إلا الوقوفين معا، فان تركهما معا ولو سهوا مبطل، ومنها ما هو واجب غير ركن، وقد ذكر المصنف ان الركن منها خمسة الاحرام بالحج، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر، وطواف الحج وسعيه، والشهيد في الدروس ثمانية باضافة النية والتلبية والترتيب مصرحا بارادة نية الاحرام من النية، وفيه انه ينبغي أن يكون نية كل ركن لعدم الفرق، على ان البطلان حينئذ جاء من قبل فوات الركن لا منها. وكذا الكلام في الترتيب والتلبية، بل في المسالك (وايضا فقد تقدم ان الاحرام ليس أمرا زائدا على النية مطلقا، أو على التوطين الملزوم لها. وفي ركنية التلبية خلاف ويقوى ركنيتها إن اوجبنا مقارنتها للنية وجعلنا الانعقاد موقوفا عليها كتكبيرة الاحرام، والتقريب ما تقدم في نية الاحرام، وصحيحة معاوية بن عمار (1) مشعرة بركنيتها حيث جعل تحقق الاحرام موقوفا عليها أو على الاشعار أو التقليد، وتعليق الحكم على الوصف يقتضي عدمه عند عدمه، والاخلال بالاحرام مبطل اجماعا) قلت: ستعرف الكلام في ذلك كله مفصلا إن شاء الله بل وفيما قيل هنا ايضا من الفرق بين الركن والفعل في الحج بانه إذا ترك الركن ناسيا وجب ان يعود له بنفسه، فان تعذر استناب، وفسر التعذر هنا


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 20

[ 137 ]

بمعنيين: احدهما المشقة الكثيرة وثانيهما بنقيض الاستطاعة المعهودة، والفعل إذا ترك نسيانا جاز أن يستنيب فيه وان تمكن من العود، وترك الركن عمدا يبطل، وترك الفعل عمدا لا يبطل إذا لم يترتب عليه غيره من الاركان، فيبطل الحج من حيث ترك الركن المترتب على غيره مع ترك ذلك الغير عمدا، وإن لم يترتب على الفعل المذكور ركن لا يبطل الحج بتركه عمدا كرمي الجمار وطواف النساء، ولكن في هذا يحرم عليه النساء حتى يأتي به بنفسه، ولو كان الترك نسيانا جاز أن يستنيب اختيارا، ويحرم عليه النساء حتى يأتي به النائب. (و) على كل حال فينبغي أن يعلم أولا أنه (يستحب أمام التوجه) إلى سفر الحج بل كل سفر الاستخارة من الله تعالى في عافية على الكيفية المذكورة في محلها، والوصية، لما في السفر من الخطر، ولقول الصادق عليه السلام في مرسل ابن أبي عمير (1): (من ركب راحلته فليوص) وينبغي له حينئذ قطع العلائق بينه وبين معامليه، قيل ويستحب له الغسل أيضا، وقد تقدم في الاغسال المندوبة ما يعلم منه ذلك. ويستحب له أيضا (الصدقة) فقد (كان علي بن الحسين عليه السلام إذا أراد الخروج إلى بعض أمواله اشترى السلامة من الله عزوجل بما يتيسر له، ويكون ذلك إذا وضع رجله في الركاب، وإذا سلمه الله تعالى فانصرف حمد الله عزوجل وشكره وتصدق بما تيسر له) (2) بل في الحدائق يستحب أن يقول عند التصدق: (اللهم اني اشتريت بهذه الصدقة سلامتي وسلامة ما معي اللهم احفظني واحفظ ما معي، وسلمني وسلم ما معي، وبلغني وبلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل).


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب آداب السفر - الحديث 5

[ 138 ]

بل هي تدفع نحوسة السفر في الايام المكروهة، قال الصادق عليه السلام (1): (تصدق واخرج أي يوم شئت) وقال له (عليه السلام) حماد بن عثمان (2): (أيكره السفر في شئ من الايام المكروهة مثل الاربعاء وغيره ؟ فقال عليه السلام: افتح سفرك بالصدقة واخرج إذا بدا لك واقرأ آية الكرسي واحتجم إذا بدا لك) وعن أحدهما (عليهما السلام) (3) (كان ابي إذا خرج يوم الاربعاء من آخر الشهر وفي يوم يكرهه الناس من محاق وغيره تصدق ثم خرج). بل هي تدفع نحوسة اليوم في الحضر ايضا، قال الصادق عليه السلام (4): (من تصدق بصدقة إذا أصبح رفع الله عنه نحس ذلك اليوم) وقال ابن ابي عمير (5): (كنت أنظر في النجوم وأعرفها وأعرف الطالع فيدخلني من ذلك شئ، فشكوت ذلك إلى ابي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال: إذا وقع في نفسك شئ فتصدق على اول مسكين، ثم امض فان الله تعالى يدفع عنك). بل قد ورد (6) في الصدقة انها تدفع البلاء وقد ابرم إبراما. بل هي كذلك بعد الموت فضلا عن حال الحياة. وربما استفيد مما سمعت استحبابها مرتين: إحداهما عند إنشاء السفر، والاخرى عند وضع رجله في الركاب مثلا، ويمكن ان يكون المراد صدقة واحدة، ولا ريب في ان تكثيرها اولى، وقد تعارف الآن الصدقة عند الخروج من باب الدار، واخرى عند وضع رجله في الركاب، بل مقتضى الخبر الاول استحبابها بعد المجئ سالما ايضا، ولا بأس به، والله العالم.


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 - 2 - 7 - 6 - 3 (6) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الصدقة من كتاب الزكاة

[ 139 ]

(و) يستحب ايضا (صلاة ركعتين) فعن ابي عبد الله (1) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله صلى الله عليه وآله (ما استخلف رجل على اهله بخلافة افضل من ركعتين يركعهما إذا اراد الخروج إلى سفر، ويقول: اللهم اني استودعك نفسي واهلي ومالي وذريتي ودنياي وآخرتي وامانتي وخاتمة عملي إلا اعطاه الله ما سأل) وافضل من ذلك ما عن امان الاخطار (2) لابن طاووس رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وآله (ما استخلف العبد في اهله من خليفة إذا هو شد ثياب سفره خيرا من اربع ركعات يصليهن في بيته، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد ويقول: اللهم اني اتقرب اليك بهن فاجعلهن خليفتي في اهلي ومالي) بل في صحيح الحلبي (3) (كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا اراد سفرا جمع عياله في بيت ثم قال: اللهم اني أستودعك الغداة نفسي ومالي وأهلي وولدي الشاهد منا والغائب، اللهم احفظنا واحفظ علينا، اللهم اجعلنا في جوارك، اللهم لا تسلبنا نعمتك، ولا تغير ما بنا من عافيتك وفضلك). (و) كذا يستحب (ان يقف على باب داره) ان كان، وإلا فعلي الجهة التي يريد ان يتوجه منها (ويقرأ فاتحة الكتاب أمامه وعن يمينه وعن شماله وآية الكرسي كذلك) قال أبو الحسن (عليه السلام) في خبر الحذاء (4) المروي في الفقيه وموضع من الكافي: (لو كان الرجل منكم إذا اراد سفرا قام على باب داره تلقاء وجهه الذي يتوجه له فقرأ الحمد أمامه وعن يمينه وعن شماله وآية


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 - 3 (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب آداب السفر - الحديث 2 عن بريد بن معاوية العجلي (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1

[ 140 ]

الكرسي أمامه وعن يمينه وعن شماله ثم قال: اللهم احفظني واحفظ ما معي، وسلمني وسلم ما معي وبلغني وبلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل حفظه الله وحفظ ما معه وبلغه وبلغ ما معه، وسلمه وسلم ما معه، اما رأيت الرجل يحفظ ولا يحفظ ما معه، ويسلم ولا يسلم ما معه، ويبلغ ولا يبلغ ما معه ؟) ورواه في الكافي في موضع آخر بزيادة قراءة المعوذتين والتوحيد ايضا أمامه وعن يمينه وعن شماله كل ذلك مضافا إلى ما ورد في آية الكرسي، ومنه (1) (ان لكل شئ ذروة وهي ذروة القرآن، ومن قرأها مرة صرف الله عنه الف مكروه من مكاره الدنيا والف مكروه من مكاره الآخرة، ايسر مكاره الدنيا الفقر، وايسر مكاره الآخرة عذاب القبر، واني لاستعين بها على صعود الدرجة). والى ما ورد ايضا في (انا انزلناه) ومنه (2) (لو ان رجلا حج ماشيا فقرأ انا انزلنا ما وجد ألم المشي، وانه ما قرأ احد انا انزلناه حين يركب دابته إلا نزل منها سالما مغفورا له، ولقارئها اثقل على الدواب من الحديد) و (لو كان شئ يسبق القدر لقلت قارئ انا انزلناه حين يسافر ويخرج من منزله (3)) وغير ذلك مما يتعذر أو يتعسر احصاؤه، والله العالم. (و) كذا يستحب (ان يدعو بكلمات الفرج) قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (4): (إذا خرجت من بيتك تريد الحج والعمرة ان شاء الله فادع دعاء الفرج، وهو لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب السفر - الحديث 2 - 3 (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب السفر - الحديث 4 وفيه " من منزله سيرجع " (4) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب آداب السفر - الحديث 5

[ 141 ]

سبحان الله رب السماوات السبع ورب الارضين السبع، وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين). (وبالادعية المأثورة) عنهم (عليهم السلام) التي منها ما في الصحيح المزبور قال فيه بعد ما سمعت: (ثم قل: اللهم كن لي جارا من كل جبار عنيد ومن كل شيطان رجيم، ثم قال: بسم الله دخلت، وبسم الله خرجت، وفي سبيل الله، اللهم اني أقدم بين يدي نسياني وعجلتي بسم الله ما شاء في سفري هذا ذكرته أو نسيته، اللهم أنت المستعان على الامور كلها، وأنت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل، اللهم هون علينا سفرنا، واطو لنا الارض وسيرنا فيها بطاعتك وطاعة رسولك، اللهم أصلح لنا ظهرنا، وبارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، اللهم اني اعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الاهل والمال والولد، اللهم أنت عضدي وناصري، بك أحل وبك أسير اللهم إني أسألك في سفري هذا السرور والعمل لما يرضيك عني، اللهم اقطع بعده ومشقته، وأحجني فيه، واخلفني في اهلي بخير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إني عبدك، وهذا حملاؤك، والوجه وجهك، والسفر اليك، وقد اطلعت على ما لم يطلع عليه أحد غيرك، فاجعل سفري هذا كفارة لما قبله من الذنوب، وكن عونا لي عليه، واكفني دعته ومشقته، ولقني من القول والعمل رضاك، فانما أنا عبدك وبك ولك، فإذا جعلت رجلك في الركاب فقل: بسم الله الرحمان الرحيم بسم الله والله اكبر، فإذا استويت على راحلتك أو استوى بك محملك فقل: الحمد الله الذي هدانا للاسلام، ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وآله، سبحان الله، سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد الله رب العالمين، اللهم أنت الحامل على الظهر، والمستعان على الامر، اللهم بلغنا ما نبلغ به إلى مغفرتك ورضوانك، اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا

[ 142 ]

خيرك، ولا حافظ غيرك) وقال عليه السلام أيضا في خبر أبي حمزة (1): (إن الانسان إذا خرج وقال حين يخرج: الله اكبر الله اكبر ثلاثا، بالله أخرج وبالله أدخل وعلى الله أتوكل ثلاث مرات، اللهم افتح لي في وجهي هذا بخير، واختم لي بخير، وقني شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم لم يزل في ضمان الله عزوجل حتى يرده إلى المكان الذي كان فيه) وفي المرسل (2) (كان الصادق (عليه السلام) إذا اراد سفرا قال اللهم خل سبيلنا، وأحسن سيرنا، وأعظم عافيتنا). بل يستحب له الدعاء بالمأثور عند الخروج من المنزل وإن لم يكن في سفر، قال علي بن الحسين عليه السلام في خبر ابي حمزه (3): (إن العبد إذا خرج من منزله عرض له الشيطان، فإذا قال: بسم الله تعالى قال له الملكان: كفيت، فإذا قال: آمنت بالله قالا له: هديت، فإذا قال: توكلت على الله تعالى قالا له: وقيت، فتتنحى الشياطين فيقول بعضهم لبعض: كيف لنا بمن هدي ووقي وكفي، ثم قال: يا ابا حمزة إن تركت الناس لم يتركوك، وإن رفضتهم لم يرفضوك، قلت: فما أصنع ؟ قال: اعطهم من عرضك ليوم فقرك وفاقتك) وقال الصادق عليه السلام في خبر معاوية (4): (إذا خرجت من منزلك فقل: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني اسألك خير ما خرجت له، واعوذ بك من شر ما خرجت له، اللهم اوسع علي من فضلك، وأتمم علي نعمتك، واستعملني في طاعتك، واجعل رغبتي فيما عندك، وتوفني على ملتك وملة رسولك صلى الله عليه وآله) وقال الرضا عليه السلام لابن اسباط (5): (إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب آداب السفر الحديث 2 - 8 - 3 - 4 - 6

[ 143 ]

فقل: بسم الله آمنت بالله توكلت على الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فتلقاه الشياطين فتضرب الملائكة وجوهها وتقول: ما سبيلكم عليه وقد سمى الله تعالى وآمن به وتوكل على الله تعالى وقال: ما شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله) وقال أبو جعفر عليه السلام في خبر ابي بصير (1) المروي في الفقيه: من قال حين يخرج من باب داره: اعوذ بالله مما عاذت منه ملائكة الله من شر هذا اليوم ومن شر الشياطين ومن شر من نصب لاولياء الله ومن شر الجن والانس ومن شر السباع والهوام ومن ركوب المحارم كلها اجير نفسي بالله من كل شر غفر الله له وتاب عليه، وكفاه اللمم، وحجزه عن السوء وعصمه من الشر) ونحوه في الكافي عنه (عليه السلام) ايضا إلا انه قال: (من شر هذا اليوم الجديد الذي إذا غابت شمسه لم يعد من شر نفسي ومن شر غيري ومن شر الشياطين) إلى غير ذلك مما ورد من نحو ذلك. (و) كيف كان فقد ظهر مما سمعته في صحيح معاوية وجه استحباب (ان يقول إذا جعل رجله في الركاب: بسم الله الرحمان الرحيم بسم الله وبالله والله اكبر، فإذا استوى على راحلته دعا بالدعاء المأثور) وقال أبو الحسن (عليه السلام) في خبر ابراهيم بن عبد الحميد (2): (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ركب الرجل الدابة فسمى ردفه ملك يحفظه حتى ينزل، وإن ركب ولم يسم ردفه شيطان فيقول له: تغن، فان قال له لا احسن قال: تمن، فلا يزال يتمنى حتى ينزل وقال: من قال إذا ركب الدابة: بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله - الآية (3) - سبحان الذي


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب آداب السفر - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب آداب السفر - الحديث 2 (3) سورة الاعراف - الآية 41

[ 144 ]

سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (1) حفظت له نفسه ودابته حتى ينزل) وفي خبر علي بن ربيعة (2) المروي عن مجالس محمد بن الشيخ الطوسي (ركب علي بن ابي طالب (عليه السلام) فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد الله الذي اكرمنا، وحملنا في البر والبحر، ورزقنا من الطيبات، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ثم سبح الله ثلاثا وحمده ثلاثا، ثم قال: رب اغفر لي فانه لا يغفر الذنوب إلا انت، ثم قال: كذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله) لكن في خبر الاصبغ ابن نباتة (3) قال: (امسكت لامير المؤمنين (عليه السلام) الركاب وهو يريد ان يركب فرفع رأسه فتبسم (عليه السلام)، فقلت له: يا امير المؤمنين رأيتك رفعت رأسك وتبسمت فقال: نعم يا اصبغ امسكت لرسول الله صلى الله عليه وآله كما امسكت لي، فرفع رأسه وتبسم فسألته كما سألتني، وسأخبرك كما اخبرني، امسكت لرسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء فرفع رأسه وتبسم فقلت: يا رسول الله رفعت رأسك وتبسمت فقال: يا علي ليس من احد يركب الدابة مما انعم الله به عليه ثم يقرأ آية السخرة (4) ثم يقول: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم واتوب إليه، اللهم اغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا انت إلا قال السيد الكريم: يا ملائكتي عبدي يعلم انه لا يغفر الذنوب غيري، اشهدوا اني قد غفرت له ذنوبه). وفي مرسل الصدوق (5) (كان الصادق (عليه السلام) إذا


(1) و (4) سورة الزخرف - الآية 12 (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 20 - من أبواب آداب السفر الحديث 6 - 3 - 5 والاول عن مجالس الحسن بن محمد الطوسي وهو الصحيح

[ 145 ]

وضع رجله في الركاب يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ويسبح الله سبعا ويحمده سبعا ويهلله سبعا) وفي خبر عبد الله بن عطاء (1) (قدم لابي جعفر (عليه السلام) حمارا وأمسك له بالركاب فركب فقال: الحمدالله الذي هدانا بالاسلام وعلمنا القرآن ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وآله، الحمد لله الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب العالمين) وقال أبو الحسن (عليه السلام) في خبر اسباط (2): (فان خرجت برا فقل: الذى قال الله سبحانه: سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وانا إلى ربنا لمنقلبون، فانه ليس من عبد يقوله عند ركوبه فيقع من بعير أو دابة فيضره شئ باذن الله، وإذا خرجت من منزلك فقل: بسم الله آمنت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله) إلى غير ذلك من النصوص التي لا ريب في رجحان قول جميع ما فيها، بل لعله اولى من الاقتصار على بعضه. ومن المأثور ايضا إذا خرجت في السفر التأسي بما يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله في سفره من التسبيح في الهبوط، والتكبير والتهليل في الصعود (3) بل قال صلى الله عليه وآله (4): (والذي نفس أبي القاسم بيده ما هلل مهلل ولا كبر مكبر على شرف من الاشراف إلا هلل الله ما خلفه وكبر ما بين يديه بتهليله وتكبيره حتى يبلغ مقطع التراب).


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب آداب السفر - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب آداب السفر - الحديث 8 (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 وليس فيه (التهليل ". (4) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب آداب السفر - الحديث 3

[ 146 ]

ويستحب له ايضا (1) ان يقول عند ذروة كل جسر بسم الله ليرحل الشيطان الذي عليها. وأن يقول (2) إذا دخل مدخلا يخافه: رب ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، وإذا عاين ما يخافه قرأ آية الكرسي. وأن يقول لدفع ضرر الاسد (3): اعوذ برب دانيال والجب من شر هذا الاسد ثلاث مرات. وأن يسبح تسبيح فاطمة (عليها السلام) وان يقرأ آية الكرسي بعد العشاء الآخرة عند وضع جنبه على الفراش (4). ومن المأثور أيضا ما في خبر ابي سعيد المكاري (5) عن الصادق (عليه السلام) (اللهم اني خرجت في وجهي هذا بلا ثقة مني بغيرك، ولا رجاء آوي إليه إلا اليك، ولا قوة اتكل عليها ولا حيلة ألجأ إليها إلا طلب فضلك وابتغاء رزقك، وتعرضا لرحمتك، وسكونا إلى حسن عادتك، وأنت اعلم بما سبق لي في علمك في سفري هذا مما أحب واكره، فان ما اوقعت علي يا رب من قدرك فمحمود فيه بلاؤك، ومتضح عندي فيه قضاؤك، وأنت تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك ام الكتاب اللهم فاصرف عني مقادير كل بلاء، ومقتضى كل لاواء، وابسط علي كنفا من رحمتك ولطفا من عفوك، وسعة من رزقك، وتماما من نعمتك، وجماعا من معافاتك، واوقع علي فيه جميع قضائك علي موافقة جميع هواي في


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 - 2 - 3 (5) الوسائل - الباب - 22 - من أبواب آداب السفر - الحديث 3

[ 147 ]

حقيقة أحسن أملي ودفع ما أحذر فيه وما لا أحذر على نفسي وديني ومالي مما انت اعلم به مني، واجعل ذلك لآخرتي ودنياي مع ما اسألك يا رب أن تحفظني فيما خلفت ورائي من اهلي وولدي ومالي وتعبيتي وحزانتي وقرابتي واخواني باحسن ما خلفت به غائبا من المؤمنين، وفي تحصين كل عورة، وحفظ كل مضيعة، وتمام كل نعمة، وكفاية كل مكروه، وشر كل سيئة، وصرف كل محذور، وكمال كل ما يجمع لي الرضاء والسرور في جميع اموري، وافعل ذلك بي بحق محمد وآل محمد صلى الله على محمد وآل محمد، والسلام عليك وعليهم ورحمة الله وبركاته) وقال عليه السلام ايضا في خبر عيسى بن عبد الله القمي (1) قل: (أللهم اني اسألك لنفسي اليقين والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم أنت ثقتي، وانت رجائي، وانت عضدي، وانت ناصري، بك أحل وبك اسير) إلى غير ذلك من النصوص الدالة زيادة على ما سمعته من آداب السفر الذي لا ينبغي ان يقع من عاقل إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمة لمعاش أو لذة في غير محرم. نعم لا يصلح للمسلم ان يسيح في الارض، أو يترهب في بيت لا يخرج منه وقال رسول الله صلى الله عليه وآله (2): (ليس في امتي رهبانية ولا سياحة ولا رم يعني سكوت) (يا علي سر سنتين بر والديك، سر سنة صل رحمك، سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيع جنازة، وسر ثلاثة اميال أجب دعوة، سر اربعة أميال زر اخا في الله تعالى، سر خمسة اميال اجب الملهوف، سر ستة اميال انصر المظلوم وعليك بالاستغفار) (3) و (سافروا تصحوا وجاهدوا تغنموا وحجوا تستغنوا)


(1) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 1 من ابوب آداب السفر الحديث 4 - 3 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1

[ 148 ]

ولا بأس في السفر للرزق فان الله إذا سببه للعبد في أرض جعل له فيها حاجة (1) و (ما من مؤمن يموت في ارض غربة يغيب عنها بواكيه إلا بكته بقاع الارض التي كان يعبد الله عزوجل عليها، وبكته اثوابه، وبكته ابواب السماء التي كان يصعد فيها عمله، وبكاه الملكان الموكلان به) (2) و (موت الغربة شهادة) (3) و (الغريب إذا حضره الموت التفت يمنة ويسرة ولم ير أحدا رفع رأسه فيقول الله عزوجل: إلى من تلتفت ؟ إلى من هو خير لك مني ؟ وعزتي وجلالي لئن اطلقتك من عقدتك لاصيرنك إلى طاعتي، ولئن قبضتك لاصيرنك إلى كرامتي) (4) وضمن امير المؤمنين عليه السلام لستة الجنة: رجل خرج بصدقة فمات، ورجل خرج يعود مريضا فمات، ورجل خرج مجاهدا في سبيل الله فمات، ورجل خرج حاجا فمات، ورجل خرج إلى الجمعة فمات، ورجل خرج في جنازة فمات (5). وينبغي اختيار يوم السبت من الاسبوع للسفر قال الله عزوجل (6): (فإذا قضيت الصلاة) إلى آخره (الصلاة يوم الجمعة، والانتشار يوم السبت) (7) و (من اراد سفرا فليسافر فيه، فلو ان حجرا زال عن جبل فيه لرده الله عزوجل إلى مكانه) (8) وقال الصادق عليه السلام (9): (أف للرجل المسلم لا يفرغ نفسه في الاسبوع يوم الجمعة لامر دينه فيسأل عنه) وقال (عليه السلام) (10) ايضا:


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب 2 من ابواب آداب السفر - الحديث 2 - 3 - 6 - 4 - 7 (6) سورة الجمعة - الآية 10 (7) و (8) و (10) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 - 3 - 4. (9) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 عن الخصال

[ 149 ]

(لا تخرج في يوم الجمعة في حاجة، فإذا كان يوم السبت وقد طلعت الشمس فاخرج في حاجتك) وفي النبوي (1) (اللهم بارك لامتي في بكورها يوم سبتها) وفي غير واحد من النصوص (2) (السبت لنا، والاحد لبني امية) لكن عن الصادق (عليه السلام) (3) (انه قال لرجل من مواليه: يا فلان مالك لم تخرج ؟ قال قلت: جعلت فداك اليوم يوم الاحد، قال: وما للاحد ؟ قال الرجل: للحديث الذي جاء من النبي صلى الله عليه وآله احذروا حد الاحد فان له حدا مثل حد السيف، قال: كذبوا كذبوا، ما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، كان الاحد اسما من اسماء الله عزوجل) ولعل المراد كذبهم في التفسير المذكور، أو محمول على التقية، أو على بيان الجواز، أو غير ذلك من انه ليس هو غير مبارك على الاطلاق، فانه قد ورد فيه (4) انه لشيعتنا، وانه يوم غرس وبناء وغيرك ذلك. ولا تسافر يوم الاثنين الذي هو يوم بني امية ويوم قتل الحسين (عليه السلام) ولا تطلب فيه الحوائج، وأي يوم أعظم شؤما منه، فقدنا فيه نبينا صلى الله عليه وآله وارتفع الوحي عنا وظلمنا فيه حقنا، وكذب من قال ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن قد ورد (5) فيه انه يوم سفر وانه يستسقى فيه كما ذكرنا ذلك


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب السفر - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 3 من ابواب آداب السفر - الحديث 2 و 5 والباب 52 من ابواب صلاة الجمعة - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب 3 - من ابواب آداب السفر - الحديث 7 (4) الوسائل - الباب 6 - من ابواب آداب السفر (5) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 و 4 والباب 2 من ابواب صلاة الاستسقاء من كتاب الصلاة.

[ 150 ]

في صلاة الاستسقاء، فلاحظ. ومن تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء فانه اليوم الذي ألان الله تعالى فيه الحديد لداود (عليه السلام) (1) وهو يوم سهل، وقد أمر فيه بالخروج في غير واحد من النصوص (2) وعن ابي الحسن العسكري (عليه السلام) (3) (من احب ان يقيه الله شر يوم الاثنين يقرأ في اول ركعة من الغداة هل أتى على الانسان، ثم قرأ أبو الحسن (عليه السلام) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا). كما انه قال الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الله بن سنان (4): (يكره السفر والسعي في الحوائج يوم الجمعة من أجل الصلاة، فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به) وقال (عليه السلام) ايضا: في خبر ابراهيم بن يحيى المدائني (5) (لا بأس بالخروج في السفر ليلة الجمعة). وأما يوم الاربعاء فيوم نحس مستمر، وهو يوم بني العباس وفتحهم، من احتجم فيه خيف عليه ان تحضر محاجمه ومن تنور فيه خيف عليه البرص (6) وخصوصا آخر اربعاء من الشهر، وفي خبر العلل والعيون والخصال مسندا إلى الرضا (عليه السلام) (7) عن امير المؤمنين (عليه السلام) في حديث (ان رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين اخبرنا عن يوم الاربعاء وتطيرنا منه وأي اربعاء هو ؟ فقال: آخر اربعاء في الشهر، وهو المحاق، وفيه قتل قابيل هابيل أخاه، ويوم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب آداب السفر الحديث 2 - 0 - 4. (4) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب آداب السفر - الحديث 4 - 3 (6) و (7) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب آداب السفر - الحديث 4 - 1

[ 151 ]

الاربعاء ألقي ابراهيم (عليه السلام) في النار، ويوم الاربعاء وضعوه في المنجنيق ويوم الاربعاء اغرق فرعون، ويوم الاربعاء جعل الله قرية لوط عاليها سافلها، ويوم الاربعاء ارسل الريح على قوم عاد، ويوم الاربعاء اصبحت كالصريم، ويوم الاربعاء سلط الله على نمرود البقة، ويوم الاربعاء طلب فرعون موسى ليقتله، ويوم الاربعاء خر عليهم السقف من فوقهم، ويوم الاربعاء امر فرعون بذبح الغلمان، ويوم الاربعاء خرب بيت المقدس، ويوم الاربعاء احرق مسجد سليمان بن داود (عليه السلام) باصطخر من كورة فارس، ويوم الاربعاء قتل فيه يحيى بن زكريا، ويوم الاربعاء أخذ قوم فرعون أول العذاب، ويوم الاربعاء خسف الله بقارون، ويوم الاربعاء ابتلى الله ايوب بذهاب ماله وولده ويوم الاربعاء دخل يوسف السجن، ويوم الاربعاء قال الله تعالى (1): (انا دمرناهم وقومهم اجمعين) ويوم الابعاء أخذتهم الصيحة، ويوم الاربعاء عقروا الناقة، ويوم الاربعاء أمطر عليهم حجارة من سجيل، ويوم الاربعاء شج النبي صلى الله عليه وآله وكسرت رباعيته، ويوم الاربعاء اخذت العمالقة التابوت)). والظاهر ارادة ما عدا الاول في مطلق الاربعاء لا خصوص الاحيرة مع احتماله، نعم عن الصدوق (2) (انه كتب بعض البغداديين إلى ابي الحسن الثاني (عليه السلام) يسأله عن الخروج يوم الاربعاء لا يدور فكتب (عليه السلام) من خرج يوم الاربعاء لا يدور خلافا على اهل الطيرة وقي من كل آفة، وعوفي من كل عاهة، وقضى الله له حاجته) وعن الصادق (عليه السلام) (3) عن رسول الله صلى الله عليه وآله (لا طيرة) و (كفارة الطيرة التوكل) (4) بل في


(1) سورة النمل الآية 52 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب السفر - الحديث 4 - 2 - 3

[ 152 ]

النبوي (1) ايضا (إذا تطيرت فامض) ولعل ذلك ونحوه محمول على من بلغ حقيقة التوكل المشار إليه بقوله (2): (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) أو على غير ما ورد النهي عنهم فيه بالخصوص كالتطير من بعض ما هي متعارف عند الناس الذي ذكره أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في صحيح سليمان بن جعفر الجعفري (3) (الشؤم للمسافر في طريقه سبعة الغراب الناعق عن يمينه، والكلب الناشر لذنبه، والذئب العاوي الذي يعوي في وجه الرجل وهو مقع على ذنبه ثم يعوي ثم يرتفع ثم ينخفض ثلاثا، والظبي السانح من يمين إلى شمال، والبوم الصارخة، والمرأة الشمطاء تلقى فرجها، والاتان العضباء يعني الجدعاء، فمن اوجد في نفسه منهن شيئا فليقل: اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي فاعصمني من ذلك، قال فيعصم من ذلك) بناء على ان المراد منه كون الشؤم عند الناس ذلك لا الشرع، بل قيل ان الادعية في ذلك كثيرة، منها (الهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك) إلى آخره، ومنها (حسبنا الله ونعم الوكيل) وغير ذلك، لكن هذا لا يتم فيما سمعته من الخبر الوارد في خصوص الاربعاء لا يدور الذي سبب التطير فيه مما ورد من الشرع لا تطير العامة فتأمل جيدا واما يوم الخميس فهو يوم يحبه الله تعالى وملائكته ورسوله، و (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يسافر فيه ويقول: فيه ترفع الاعمال وتعقد فيه الالوية) (4) وقال صلى الله عليه وآله ايضا (5): (اللهم بارك لامتي في بكورها يوم الخميس) وفي آخر (6) (يوم سبتها


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب آداب السفر - الحديث 5 (2) سورة الطلاق الآية 3 (3) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب آداب السفر - الحديث 8 - 6 - 5

[ 153 ]

وخميسها) وفي ثالث (1) (بورك لامتي في بكورها يوم سبتها خميسها) بل ورد (2) فيه انه ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام) وان كان المشهور انه يوم الثلاثاء، ولعله لا تنافي، نعم قد سمعنا من بعض مشائخنا انه سمع من غيره كراهة السفر فيه إذا كان عند معصوم، وان الملائكة ترميه بالحجارة، هذا كله من حيث الاسبوع. اما من حيث الشهر فعن الصادق عليه السلام (3) (اتق الخروج إلى السفر يوم الثالث من الشهر والرابع منه، والحادي والعشرين منه والخامس والعشرين منه) وكان امير المؤمنين عليه السلام (4) يكره ان يسافر الرجل أو يتزوج والقمر في المحاق، ولعل ماعد الرابع لانها من السبعة المشهورة بالنحوسة للسفر وغيره المروي فيها عن امير المؤمنين (عليه السلام) المسماة بالكوامل، وهي الثالث، والخامس، والثالث عشر، والسادس عشر، والحادي والعشرون، والرابع والعشرون، والخامس والعشرون، بل في خبر يونس بن حنان (5) المروي مسندا في المحكى عن الدروع الواقية للسيد رضي الدين بن طاووس، والمرسل (6) عن مكارم الاخلاق للحسن بن الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، والزوائد (7) لولد السيد علي بن طاووس عن الصادق (عليه السلام) أيضا المشتمل على تفصيل ايام الشهر ما يؤكد ذلك (8).


(1) و (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب آداب السفر - الحديث 7 - 11 (3) و (4) مكارم الاخلاق ص 276 - 277 المطبوعة بطهران عام 1376 (5) و (6) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب آداب السفر - الحديث 2 - 1 والاول عن يونس بن ظبيان (7) المستدرك - الباب - 21 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (8) روى ذلك بالطرق الثلاثة في البحار ج 59 ص 56 الطبع الحديث

[ 154 ]

ففي الاول (ان اليوم الاول يوم مبارك خلق الله فيه آدم، وهو محمود لطلب الحوائج وطلب العلم والتزويج والسفر والبيع والشراء والدخول على السلطان واتخاذ الماشية) وفي الثاني (سعد يصلح لطلب الحوائج والشراء والبيع والزراعة والسفر) وفي الثالث (يوم مبارك محمود سعيد لطلب الحوائج والبيع والشراء) وفي الاول عنه عليه السلام ايضا (ان اليوم الثاني يصلح للتزويج والسفر وطلب الحوائج وفيه خلقت حواء من آدم وزوجه الله تعالى بها، ويصلح لبناء المنازل وكتب العهد والاختيارات) وفي الثاني عنه (عليه السلام) (يصلح للسفر وطلب الحوائج) وفي الثالث عنه عليه السلام ايضا (يوم محمود يصلح للتزويج والتحويل والشراء والبيع وطلب الحوائج). واليوم الثالث في الاول (يوم نحس مستمر فاتق فيه البيع والشراء وطلب الحوائج والمعاملة، وفيه سلب آدم عليه السلام وحواء لباسهما، وأخرجا من الجنة، واجعل شغلك صلاح أمر منزلك، وإن أمكن أن لا تخرج من دارك فافعل) وفي الثاني (روي لا يصلح لشئ جملة) وفي الثالث (يوم نحس فيه قتل هابيل لا تسافر فيه، ولا تعمل عملا، ولا تلق أحدا). الرابع في الاول (يوم صالح للزرع والصيد والبناء، ويكره فيه السفر، فمن سافر فيه خيف عليه القتل والسلب أو بلاء يصيبه، وفيه ولد هابيل، ويستحب فيه اتخاذ البناء والماشية، ومن هرب فيه عسر تطلبه ولجأ إلى من يحصنه) وفي الثاني (يوم صالح للتزويج، ويكره فيه السفر) وفي الثالث (يوم متوسط صالح لقضاء الحوائج، ولا تسافر فيه فانه مكروه). الخامس في الاول (يوم نحس مستمر، فلا تعمل فيه عملا، ولا تخرج من منزلك وتعاهد من في منزلك، وانظر إصلاح الماشية، وفيه ولد قابيل الشقي، وفيه قتل أخاه) وفي الثاني (ردي نحس) وفي الثالث (يوم نحس،

[ 155 ]

وهو يوم نكد عسير لا خير فيه، فاستعذ بالله من شره). السادس في الاول (يوم صالح للتزويج، ومن سافر فيه في بر أو بحر يرجع إلى أهله بما يحسبه، وهو جيد لشراء الماشية) وفي الثاني (يصلح للتزويج وطلب الحوائج) وفي الثالث (يوم صالح يصلح للحوائج والسفر والبيع والشراء). السابع في الاول (يوم صالح لجميع الامور، فاعمل فيه ما شئت، وعالج ما تريد من عمل الكتابة، ومن بدأ فيه بالعمارة والغرس والنخل حمد أمره في ذلك) وفي الثاني (مبارك مختار يصلح لكل ما يراد ويسعى فيه) وفي الثالث (يوم سعيد مبارك فيه ركب نوح السفينة، فاركب البحر وسافر في البر واعمل ما شئت، فانه يوم عظيم البركة، محمود لطلب الحوائج والسعي فيها). والثامن في الاول (يوم صالح لكل حاجة من بيع أو شراء، ويكره فيه ركوب البحر والنظر (والسفر خ ل) في البر، ويكره فيه ركوب السفن في الماء، ويكره فيه أيضا السفر والخروج إلى الحرب وكتب العهود، ومن هرب فيه لم يقدر عليه إلا بتعب) وفي الثاني (يصلح لكل حاجة سوى السفر، فانه يكره فيه) وفي الثالث (يوم صالح للشراء والبيع، ولا تعرض فيه للسفر، فانه يكره فيه سفر البر والبحر). التاسع في الاول (يوم خفيف صالح لكل أمر تريده، فابداء فيه بالعمل، ومن سافر فيه رزق مالا ورأى خيرا، فابدأ فيه بالعمل، واقترض فيه، وازرع واغرس، ومن حارب فيه غلب، ومن هرب فيه لجأ إلى سلطان يمنع منه) وفي الثاني (يصلح لكل ما يريده الانسان، ومن سافر فيه رزق مالا ويرى في سفره كل خير) وفي الثالث (يوم صالح محمود مبارك يصلح للحوائج وجميع الاعمال) وفي رواية أخرى (ومن سافر فيه رزق ولقي خيرا). العاشر في الاول (ولد فيه نوح، يصلح للبيع والشراء والسفر، ويستحب

[ 156 ]

للمريض فيه أن يوصي ويكتب العهود، ومن هرب منه ظفر به وحبس) وفي الثاني (يوم صالح لكل حاجة سوى الدخول على السلطان، وهو جيد للشراء والبيع) وفي الثالث (صالح لابتداء العمل، يوم محمود، رفع الله تعالى فيه إدريس مكانا عليا) وفي رواية أخرى (يصلح للبيع والشراء). والحادي عشر في الاول (صالح لابتداء العمل في البيع والشراء والسفر، ولد فيه شيت، وتجنب فيه الدخول على السلطان) وفي الثاني (يصلح للشراء والبيع ولجميع الحوائج وللسفر ما خلا الدخول على السلطان) وفي الثالث (يوم صالح للشراء والبيع والمعاملة والقرض). الثاني عشر في الاول (صالح للتزويج وفتح الجوائز وركوب البحر، ويتجنب فيه الوساطة بين الناس) وفي الثاني (يوم صالح مبارك فاطلبوا فيه حوائجكم واسعوا فيها، فانها تقضى) وفي الثالث (يوم مبارك فيه قضى موسى الاجل، وهو يوم التزويج والبيع والشراء). الثالث عشر في الاول (يوم نحسن فاتق فيه المنازعة والخصومة ولقاء السلطان وغيره وكل أمر، ولا يدهن فيه الرأس، ولا يحلق فيه الشعر، ومن ظل أو هرب فيه سلم) وفي رواية أخرى (يوم نحس لا تطلب فيه حاجة) وفي الثاني (يوم نحس فاتق فيه جميع الاعمال) وفي الثالث (يوم نحس، وهو يوم مذموم في كل حاجة، فاستعذ بالله من شره). الرابع عشر في الاول (يوم صالح لكل شئ، وهو جيد لطلب العلم والبيع والشراء والسفر وركوب البحر والاستقراض والقرض، ومن هرب فيه يؤخذ) وفي الثاني (جيد للحوائج ولكل عمل) وفي الثالث (يوم صالح لما تريده من قضاء الحوائج وطلب العلم، ويصلح للبيع والشراء وركوب البحر). الخامس عشر في الاول على ما في الحدائق نقلا عن البحار (يوم صالح

[ 157 ]

لكل الامور إلا من أراد أن يستقرض أو يقرض) لكن فيما عندنا من الوسائل نقلا عن الدروع (يوم محذور في كل الامور إلا من أراد أن يستقرض ويقرض أو يشاهد ما يشتري، ومن هرب فيه ظفر به) وفي الثاني (صالح لكل حاجة تريدها، فاطلبوا فيه حوائجكم، فانها تقضى) وفي الثالث (يوم صالح لكل عمل وحاجة، فاعمل فيه ما بدالك، فانه يوم سعيد) وعن روضة الواعظين (أنه يوم صالح لكل عمل وحاجة ولقاء الاشراف والعظماء والرؤساء، فاطلب فيه حوائجك، والق سلطانك، واعمل ما بدالك، فانه يوم سعد). السادس عشر في الاول (يوم نحس لا يصلح لشئ سوى الابنية، ومن سافر فيه هلك) وفي الوسائل عنه (يوم نحس، من سافر فيه هلك، ويكره فيه لقاء السلطان، ويصلح للتجارة والبيع والخروج إلى البحر، ويصلح للابنية ووضع الاساس) وفي الثاني (ردي مذموم لكل شئ) وفي الثالث (يوم نحس ردي مذموم لا خير فيه، فلا تسافر فيه، ولا تطلب حاجة، وتوق ما استطعت وتعوذ بالله من شره). السابع عشر في الاول (يوم متوسط، واحذر فيه المنازعة، وهو يوم ثقيل، فلا تلتمس فيه حاجة) وفي رواية أخرى (يوم صالح) وفي الوسائل عنه (متوسط الحال يحذر فيه المنازعة، ومن أقرض فيه شيئا لم يرده إليه، وإن رده فبجهد، ومن استقرض فيه لم يرده) وفي الثاني (صاف مختار، فاطلبوا فيه ما شئتم، وتزوجوا وبيعوا واشتروا وازرعوا) وفي الثالث (يوم صالح مختار محمود لكل عمل وحاجة، فاطلب فيه الحوائج واشتر وبع) وفي رواية أخرى (متوسط تحذر فيه المنازعة والقرض). الثامن عشر في الاول (أنه يوم سعيد صالح لكل شئ من بيع أو شراء أو زرع أو سفر) وفي الوسائل عنه (ومن خاصم فيه عدوه خصمه وظفر به، ومن

[ 158 ]

اقترض قرضا رده إلى من اقترضه منه) وفي الثاني (مختار صالح للسفر وطلب الحوائج) وفي الثالث (يوم مختار للسفر والتزويج ولطلب الحوائج). التاسع عشر في الاول (أنه يوم سعيد، وهو صالح للسفر والمعاش والحوائج) وفي الوسائل عنه (يوم سعيد ولد فيه إسحاق بن ابراهيم (عليهما السلام) وهو صالح للسفر والمعاش والحوائج وتعلم العلم وشراء الرقيق والماشية، ومن ضل أو هرب فيه قدر عليه) وفي الثاني (مختار صالح لكل عمل) وفي الثالث (يوم مختار مبارك صالح لكل عمل تريد) وفي رواية أخرى (يصلح للسفر والمعاش ولطلب العلم). العشرون في الاول (أنه يوم متوسط صالح للسفر وقضاء الحوائج) وفي الوسائل عنه (متوسط الحال، صالح للسفر والحوائج والبناء ووضع الاساس وحصاد الزرع وغرس الشجر والكرم واتخاذ الماشية، ومن هرب فيه كان بعيد الدرك) وفي الثاني (جيد مختار للحوائج والسفر) وفي الثالث (يوم جيد صالح مسعود مبارك لما يؤتى) وفي رواية أخرى (يوم متوسط يصلح للسفر والحوائج). الحادي والعشرون في الاول (أنه يوم نحس ردي، فلا تطلب فيه حاجة ومن سافر فيه خيف عليه) وفي الوسائل عنه (يوم نحس لا تطلب فيه حاجة، ويتقى فيه السلطان، ومن سافر فيه لم يرجع، وخيف عليه، وهو يوم ردي لسائر الامور) وفي الثاني (يوم نحس مستمر) وفي الثالث (يوم نحس مذموم فاحذره ولا تطلب فيه حاجة، ولا تعمل فيه عملا، واقعد في منزلك، واستعذ بالله من شره). الثاني والعشرون في الاول (أنه يوم صالح لقضاء الحوائج والبيع والشراء والمريض فيه يبرأ سريعا، والمسافر فيه يرجع معافى) وزاد في الوسائل (ان الصدقة فيه مقبولة، ومن دخل فيه على سلطان يصيب حاجته) وفي الثاني (مختار

[ 159 ]

صالح للشراء والبيع والسفر والصدقة) وفي الثالث (يوم سعيد مبارك مختار لما تريد من الاعمال، فاعمل ما شئت فانه مبارك). الثالث والعشرون في الاول (أنه يوم صالح لطلب الحوائج والتجارة والتزويج، ومن يسافر فيه غنم وأصاب خيرا) وزاد في الوسائل (أنه ولد فيه يوسف عليه السلام، ويوم خفيف يدخل فيه على السلطان) وفي الثاني (مختار جيد خاصة للتزويج والتجارات كلها) وفي الثالث (يوم سعيد مبارك لكل ما تريد، للسفر والتحويل من مكان إلى مكان وهو جيد للحوائج). الرابع والعشرون في الاول (أنه يوم نحس ولد فيه فرعون فلا يطلب فيه أمر من الامور) وفي الثاني (يوم مشوم) وفي الثالث (يوم نحس مستمر، مكروه لكل حال وعمل، فاحذره، ولا تعمل فيه عملا، ولا تلق فيه أحدا، واقعد في منزلك، واستعذ بالله من شره) الخامس والعشرون في الاول (أنه يوم نحس ردي، فاحفظ نفسك فيه، ولا تطلب فيه حاجة، فانه يوم شديد البلاء) وفي الثاني (ردي مذموم تحذر فيه من كل شر) وفي الثالث (يوم نحس مكروه ثقيل نكد، فلا تطلب فيه حاجة ولا تسافر فيه، واقعد في منزلك، واستعذ بالله من شره). السادس والعشرون في الاول (أنه يوم صالح للسفر ولكل أمر يراد إلا التزويج) وفي الوسائل عنه (ضرب فيه موسى البحر بعصاه فانفلق، وصالح للسفر ولكل أمر يراد إلا التزويج، فان من تزوج فيه فرق بينهما، ولا تدخل إذا وردت من سفرك فيه إلى أهلك) وفي الثاني (صالح لكل حاجة سوى التزويج والسفر وعليكم بالصدقة فيه) وفي الثالث (يوم صالح، متوسط للشراء والبيع والسفر وقضاء الحوائج). السابع والعشرون في الاول (أنه يوم صالح لكل أمر) وفي الثاني (جيد

[ 160 ]

مختار للحوائج وفي كل ما يراد) وفي الثالث (يوم صاف مبارك من النحوس، صالح للحوائج إلى السلطان وإلى الاخوان وللسفر إلى البلدان، فاتق فيه من شئت، وسافر فيه إلى حيث ما أردت). الثامن والعشرون في الاول (أنه يوم صالح لكل أمر) وفي الثاني (ممزوج) وفي الثالث (يوم مبارك سعيد). التاسع والعشرون في الاول (أنه يوم صالح لكل أمر، ومن سافر فيه أصاب مالا جزيلا) وفي الوسائل عنه (صالح خفيف لسائر الامور والحوائج والاعمال، ومن سافر فيه يصيب مالا كثيرا، ولا يكتب فيه وصية فانه يكره ذلك) وفي الثاني (مختار جيد لكل حاجة) وفي الثالث (يوم مبارك سعيد قريب الامر، يصلح للحوائج والتصرف فيها) وفي رواية أخرى (المسافر فيه يصيب مالا كثيرا). الثلاثون في الاول (يوم جيد للبيع والشراء والتزويج) وفي رواية أخرى (يوم سعيد مبارك يصلح لكل حاجة تلتمس) وفي الوسائل عنه (جيد للبيع والشراء والتزويج، ولا تسافر فيه، ولا تتعرض لغيره إلا المعاملة، ومن هرب فيه أخذ، ومن اقترض فيه شيئا رده سريعا) وفي الثاني (مختار جيد لكل شئ ولكل حاجة) وفي الثالث (يوم مبارك ميمون مسعود مفلح منجح مفرح، فاعمل فيه ما شئت، والق فيه من أردت، وخذ واعط وسافر وانتقل وبع واشتر فانه صالح لكل ما تريد، موافق لكل ما تعمل). ولا ريب في أن المنساق من ذلك ونحوه الاشهر العربية، ولذا جعل العنوان في محكي البحار باب سعادة أيام الشهور العربية ونحوستها، ثم نقل الاخبار المزبورة فما عن الكاشاني في رسالته تقويم المحسنين من أنها من الشهور الفارسية بل ربما

[ 161 ]

حكي عن العلامة الطباطبائى وإن كنا لم نتحققه خلاف الظاهر بلا داع. كما أنه لا ريب في عدم المنافاة بين ما سمعته من أيام الاسبوع وأيام الشهر بعد انسياق تعدد الجهة من ذلك ونحوه على معنى أنه جيد من حيث الاسبوع ردي من حيث الشهر كما هو واضح. ومن هنا ينبغي أيضا اجتناب أيام السنة المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام (1) (ان في السنة أربعة وعشرين يوما نحسات، في كل شهر منها يومان: ففي المحرم الحادي عشر والرابع عشر، وفي صفر الاول منه والعشرون، وفي ربيع الاول العاشر والعشرون، وفي ربيع الثاني الاول والحادي عشر، وفي جمادى الاولى العاشر والحادي عشر، وفي جمادى الثانية الاول والحادي عشر، وفي رجب الحادي عشر والثالث عشر، وفي شعبان الرابع، والعشرون، وفي شهر رمضان الثالث، والعشرون، وفي شوال السادس والثامن، وفي ذي القعدة السادس والعاشر، وفي ذي الحجة الثامن، والعشرون) بل عن الصادق عليه السلام (2) (ان في السنة اثنى عشر يوما من اجتنها نجا، ومن وقع فيها هوى، فاحفظوها، في كل شهر منها يوم: ففي المحرم الثاني والعشرون، وفي صفر العاشر، وفي ربيع الاول الرابع، وفي ربيع الثاني الثامن والعشرون، وفي جمادى الاولى الثاني والعشرون، وفي جمادى الثانية الثاني عشر، وفي رجب الثاني عشر، وفي شعبان السادس والعشرون وفي شهر رمضان الرابع والعشرون، وفى شوال الثاني، وفي ذي القعدة الثامن والعشرون، وفي ذي الحجة الثامن).


(1) تقويم المحسنين للفيض الكاشاني قدس سره ص 32 و 33 (2) تقويم المحسنين للفيض الكاشاني قدس سره ص 34 وفيه " وفي جمادى الاولى الثامن والعشرين "

[ 162 ]

وحينئذ فالذي ينبغي لمن أراد أن يخرج اليوم الذي يريده لسفر أو غيره ملاحظة حاله في الاسبوع وفي مطلق الشهر وفي خصوص كل شهر ملاحظا للروايتين المزبورتين، بل ينبغي أيضا ملاحظة الاشهر الفارسية تخلصا مما سمعته من الكاشاني. بل ينبغي مع ذلك ملاحظة عدم كون القمر في المحاق كما أشير إليه في بعض النصوص (1). بل والعقرب (2) الذي إن سافر أو تزوج والقمر فيه لم ير الحسنى. وينبغي للمسافر وغيره استصحاب شئ من تربة الحسين عليه السلام التي هي أمان من كل خوف وشفاء من كل داء (3) وخصوصا (4) إذا أخذ السبحة من تربته ودعا بدعاء الميت على الفراش ثلاث مرات ثم قبلها ووضعها على عينه، وقال: (اللهم اني أسألك بحق هذه التربة وبحق صاحبها وبحق جده وأبيه وأمه وأخيه وبحق ولده الطاهرين اجعلها شفاء من كل داء، وأمانا من كل خوف، وحفظا من كل سوء) ثم وضعها في جيبه، فانه من فعل ذلك في الغداة فانه لا يزال في أمان الله حتى العشاء، وإن فعل ذلك في العشاء فلا يزال في أمان الله حتى الغداة وإن خاف من سلطان أو غيره وخرج من منزله واستعمل ذلك كان حرزا له. واستصحاب خاتم من عقيق أصفر (5) علي أحد جانبيه (ما شاء الله لا قوة


(1) مكارم الاخلاق ص 277 المطبوعة بطهران عام 1376 (2) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 70 - من ابواب المزار - من كتاب الحج (4) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب آداب السفر (5) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1

[ 163 ]

إلا بالله أستغفر الله) وعلى الجانب الآخر (محمد وعلي) فانه أمان من النطع، وأتم للسلامة، وأصوب للدين. وخاتم فيروزج (1) نقشه في أحد جانبيه (الله الملك) وعلى الجانب الآخر (الملك لله الواحد القهار) فانه أمان من السباع، وظفر في الحروب. واستصحاب عصا من لوز مر، ففي الفقيه (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من خرج في سفر ومعه عصا من لوز مر وتلا هذه الآية (3) (ولما توجه تلقاء مدين) إلى قوله تعالى (والله على ما نقول وكيل) آمنه الله من كل سبع ضار، ومن كل لص عاد، ومن كل ذات حمة حتى يرجع إلى أهله ومنزله وكان معه سبعة وسبعون من المعقبات يستغفرون له حتى يرجع ويضعها) قال (4): (وقال عليه السلام: من أراد أن تطوى له الارض فليتخذ النقد من العصا والنقد عصا لوز مر) ورواه في ثواب الاعمال مسندا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وكذا الذي قبله قال (5): وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنه ينفي الفقر ولا يجاوره شيطان قال (6): وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (مرض آدم عليه السلام مرضا شديدا فأصابته وحشة فشكا ذلك إلى جبرئيل عليه السلام فقال له: اقطع واحدة منه وضمها إلى صدرك ففعل ذلك فأذهب عنه الوحشة) الحديث، والاولى أن يكتب (7) في رق (سلهملس (سلمهلمس خ ل) و 5 برلهو يا 5 الله يا وبر صاف 5 معسارر بره) ويحفر رأس العصا


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب آداب السفر الحديث 1 - 2 - 3 - 4 (3) سورة القصص - الآية 21 - 29 (7) البحار - المجلد 22 ص 4 الطبعة الكمپاني مع الاختلاف

[ 164 ]

ويضعه فيه، وفي الدروس ويستحب استصحاب العصا وخصوصا اللوز المر، ونحوه عن المنتهى، وظاهرهما حصول الاستحباب بمطلق العصا وإن تأكد باللوز المر، ولكن لم أجد ما يدل عليه في خصوص المسافر، نعم في الفقيه (1) باسناده (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حمل العصا ينفي الفقر ولا يجاوره شيطان، وقال: تعصوا فانها من سنن إخواني النبيين، وكانت بنو إسرائيل الصغار والكبار يمشون على العصا حتى لا يختالوا في مشيهم) ولعلهما أخذاه من ذلك، كما أن ما فيها أيضا من تخصيص بعض ما سمعته في خصوص سفر الحج كذلك أيضا، قال: (درس يستحب لمن أراد الحج أن يقطع العلائق بينه وبين معامليه، ويوصي بما يهمه، وأن يجمع أهله، ويصلي ركعتين، ويسأل الله الخيرة في عافية، ويدعو بالمأثور، فإذا خرج وقف على باب داره تلقاء وجهه وقرأ الفاتحة ثم يقرؤها عن يمينه ويساره وكذا آية الكرسي، ويدعو بالمنقول، ويتصدق بشئ وليقل بحول الله وقوته أخرج، ثم يدعو عند وضع رجله في الركاب، وعند الاستواء على الراحلة، ويكثر من ذكر الله تعالى في سفره، ويستحب الخروج يوم السبت أو الثلاثاء، واستصحاب العصا، وخصوصا اللوز المر) إلى آخره، ولا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرناه ما يدل على ما ذكره وغيره. ويستحب له أيضا التحنك، فان الكاظم عليه السلام (2) قال: (أنا ضامن ثلاثا لمن خرج يريد سفرا معتما تحت حنكه أن لا يصيبه السرق ولا الغرق ولا الحرق) بل قال الصادق (عليه السلام) (3): (من خرج في سفر ولم يدر العمامة تحت حنكه


* (1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 و 2 (2) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 5 من كتاب الصلاة.

[ 165 ]

فأصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه) و (من خرج من منزله معتما تحت حنكه يريد سفرا لم يصبه في سفره سرق ولا حرق ولا مكروه (1)) بل عن الرضا عليه السلام (2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لو أن رجلا خرج من منزله يوم السبت معتما بعمامة بيضاء قد حنكها تحت حنكه ثم أتى إلى جبل ليزيله من مكانه لازاله). وفي المرسل (3) عنه صلى الله عليه وآله أيضا (من شرف الرجل أن يطيب زاده إذا خرج في سفر) وعن الصادق (عليه السلام) (4) أيضا (إذا سافرتم فاتخذوا سفرة وتنوقوا فيها) و (ما من نفقة أحب إلى الله من نفقة قصد، ويبغض الله الاسراف إلا في حج أو عمرة (5) وفي الفقية (6) (كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا سافر إلى مكة للحج تزود من أطيب الزاد من اللوز والسكر والسويق المحمص والمحلى). وينبغي أن يكون حلقة السفرة من حديد لا صفر ونحوه حتى لا يقرب شيئا مما فيها شئ من الهوام. نعم ينبغي استثناء زيارة الحسين (عليه السلام) من ذلك، لما عن الصادق (عليه السلام) (7) (بلغني أن قوما إذا زاروا الحسين (عليه السلام) حملوا معهم


(1) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 3 من كتاب الصلاة (2) الوسائل - الباب - 59 من ابواب آداب السفر - الحديث 3 (3) و (6) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 - 2 (4) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب آداب السفر - الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (7) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1

[ 166 ]

السفرة فيها الجداء والاخبضة وأشباهه، ولو زاروا قبور آبائهم ما حملوا معهم هذا) وفي آخر (1) قال لبعض أصحابه: (أتأتون قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام ؟ فقال له: نعم، قال: تتخذون لذلك سفرة قال: نعم، قال: أما لو أتيتم قبور آبائكم وأمهاتكم لم تفعلوا ذلك، فقلت فأي شئ نأكل ؟ قال: الخبز واللبن، وفي الحدائق لا يبعد اختصاص ذلك بأهل البلدان القريبة كبغداد والحلة والمشهد ونحوها، دون اصفهان وخراسان ونحوهما. وعن النبي صلى الله عليه وآله (2) (الرفيق ثم الطريق) أي السفر، بل قال (3): ألا أنبئكم بشر الناس ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من سافر وحده ومنع رفده وضرب عبده) وقال صلى الله عليه وآله (4): (يا علي لا تخرج في سفر وحدك، فان الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، يا علي ان الرجل إذا سافر وحده فهو غاو، والاثنان غاويان، والثلاثة نفر) بل عنه صلى الله عليه وآله (5) أيضا (أنه لمن الآكل زاده وحده، والنائم في البيت وحده، والراكب في الفلاة وحده) وفي المرسل (6) عنه صلى الله عليه وآله أيضا (لا تسافروا حتى تصيبوا لمة) أي رفقة، قال اسماعيل بن جابر (7): (كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بمكة إذا جاء رجل من أهل المدينة فقال: من صحبك ؟ فقال: ما صحبت أحدا، فقال أبا عبد الله (عليه السلام): أما لو كنت تقدمت اليك لاحسنت أدبك، ثم قال: واحد شيطان، وإثنان شيطانان، وثلاثة صحب، وأربعة رفقاء) ولو اتفق الاضطرار


(1) المستدرك - الباب - 60 - من ابواب المزار - الحديث 2 (2) و (3) و (4) و (5) و (7) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 - 4 - 5 - 7 - 8 (6) نهاية ابن الاثير: مادة " لمه "

[ 167 ]

إلى السفر وحده فليقل: (ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله اللهم آنس وحشتي وأعني على وحدتي وأد غيبتي) (1). وينبغي أن تصحب من تتزين به ولا تصحب من يتزين بك فانه ما اصطحب اثنان إلا كان إعظمهما أجرا وأحبهما إلى الله أرفقهما بصاحبه (2) بل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) (لا تصحبن في سفر من لا يرى لك من الفضل عليه كما ترى له عليك). وليصحب الانسان نظيره حتى لا يذل ولا يذل غيره إلا مع طيب نفس المبذول له بذلك (4) و (من السنة إذا خرج القوم في سفر أن يخرجوا نفقتهم فان ذلك أطيب لانفسهم وأحسن لاخلاقهم) (5). ويستحب أيضا تشييع المسافر وتوديعه كما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) بأبي ذر (6) وأن يقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (7) إذا ودع المؤمنين: (زودكم الله التقوى، ووجهكم إلى كل خير، وقضى لكم كل حاجة، وسلم لكم دينكم ودنياكم، وردكم سالمين إلي سالمين) وفي آخر (8) عن أبي جعفر (عليه السلام) (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ودع مسافرا أخذ بيده ثم قال: أحسن الله لك الصحابة، وأكمل لك المعونة، وسهل لك الحزونة، وقرب لك البعيد، وكفاك


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 و 2 (3) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب آداب السفر - الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب آداب السفر (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب آداب اسفر - الحديث 1 (6) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (7) و (8) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 و 2

[ 168 ]

المهم، وحفظ لك دينك وأمانتك وخواتيم عملك، ووجهك لكل خير، عليك بتقوى الله استودع الله نفسك، سر على بركة الله عزوجل) وقد تقدم في الاذان ما يعلم منه حكم الاذان خلفه. وينبغي أن يخلف في أهله وماله، وخصوصا إذا كان في سفر الحج، فقد قال علي بن الحسين (عليهما السلام) (1): (من خلف حاجا في أهله وماله كان له كأجره حتى كأنه يستلم الحجر). وينبغي للمسافر المحافظة على ما حكاه الصادق (عليه السلام) في خبر حماد ابن عيسى (2) من وصية لقمان لابنه (يا بني إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، واكثر التبسم في وجوههم، وكن كريما على زادك، وإذا دعوك فأجبهم، وإذا استعانوا بك فأعنهم، واستعمل طول الصمت وكثرة الصلاة وسخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم، واجهد رأيك إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتصلي وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورتك، فان من لم يمحض النصح لمن استشاره سلبه الله رأيه، ونزع منه الامانة، وإذإ رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، وإذا تصدقوا وأعطوا قرضا فاعط معهم، واسمع لمن هو اكبر منك سنا، وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئا فقل: نعم، ولا تقل لا


(1) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب آداب السفر - الحديث 1 وذكر ذيله في الباب 43 منها - الحديث 1

[ 169 ]

فان لا عي ولؤم، وإذا تحيرتم في الطريق فانزلوا، وإذا شككتم في القصد فقفوا وتآمروا، وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه، فان الشخص الواحد مريب لعله يكون عين اللصوص، أو يكون هو الشيطان الذي حيركم، واحذروا الشخصين ايضا إلا ان تروا مالا أرى، فان العاقل إذا ابصر بعينه شيئا عرف الحق منه، والشاهد يرى مالا يرى الغائب، يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ، صلها واسترح منها، فانها دين، وصل في جماعة ولو على رأس زج، ولا تنامن على دابتك فان ذلك سريع في دبرها، وليس ذلك من فعل الحكماء إلا ان تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل، وإذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك، وابدأ بعلفها، فانها نفسك، وإذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الارض بأحسنها لونا، وألينها تربة، واكثرها عشبا، فإذا نزلت فصل ركعتين قبل ان تجلس، وإذا اردت قضاء حاجتك فأبعد المذهب في الارض، وإذا ارتحلت فصل ركعتين، ثم ودع الارض التي حللت بها وسلم عليها وعلى اهلها، فان لكل بقعة أهلا من الملائكة، وان استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبدأ فتصدق منه فافعل، وعليك بقراءة كتاب الله ما دمت راكبا، وعليك بالتسبيح ما دمت عاملا عملا وعليك بالدعاء مادمت خاليا، وإياك والسير من اول الليل، وسر في آخره وإياك ورفع الصوت في سيرك يا بني سافر بسيفك وخفك وعمامتك وحبالك وسقائك وخيوطك ومخرزك، وتزود معك من الادوية ما تنتفع به انت ومن معك، وكن لاصحابك موافقا إلا في معصية الله عزوجل) وقال الصادق عليه السلام ايضا في خبر صفوان (1): (كان ابي عليه السلام يقول: ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال، خلق يخالق به من صحبه، وحلم


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب أحكام العشرة - الحديث 5

[ 170 ]

يملك به غضبه، وورع يحجزه عن محارم الله) وهو معنى ما رواه محمد بن مسلم (1) عنه عليه السلام (قل ما يعبأ بمن يسلك هذا الطريق إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الصحبة لمن صحبه) وقال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): (وطن نفسك علي حسن الصحابة لمن صحبت وفي حسن خلقك، وكف لسانك، واكظم غيضك، وأقل لغوك، وتفرش عفوك، وتسخي نفسك) إلى غير ذلك مما يستفاد من رواياتهم من مكارم الاخلاق وغيرها في السفر والحضر وخصوص سفر الحج التي يتعذر أو يتعسر استقصاؤها خصوصا مع ملاحظة ما فيها من تعليل البركة بولادة أحد الانبياء أو وقوع نعمة عظيمة فيه، والشؤم بوقوع أمر سئ فيه من موت نبي أو وصي أو نوع من غضب الله تعالى أو نحو ذلك، وقد تكفل ابن طاووس والمجلسي والكاشاني والحر في الوسائل بجمعها أو اكثرها. وكيف كان ف‍ (القول) الاول (في الاحرام) منها (و) يقع (النظر في مقدماته وكيفيته وأحكامه و) خاتمته، أما (المقدمات) ف‍ (كلها مستحبة، وهي) أمور، منها (توفير شعر رأسه من أول ذي القعدة إذا اراد التمتع، ويتأكد عند هلال ذي الحجة علي الاشبه) وفاقا للمشهور شهرة عظيمة وخصوصا بين المتأخرين، بل لعل كافتهم عليه، إذ ابن إدريس وان حكي عنه الخلاف لظهور اول كلامه فيه لكن كما قيل صرح بعد ذلك بالندب، بل لم اجد فيه خلافا من غيرهم ايضا إلا من الشيخين في المقنعة والنهاية والاستبصار، مع ان الاول منهما انما قال: (إذا اراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة فان حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه) والثاني في الاول (إذا اراد الانسان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب أحكام العشرة - الحديث 4 - 2

[ 171 ]

ان يحج متمتعا فعليه ان يوفر شعر رأسه ولحيته من اول ذي القعدة، ولا يمس شيئا منها) ونحوه في الثاني، ولا صراحة بذلك في الوجوب، خصوصا بعد معلومية التسامح من مثلهم باطلاق لفظه وإرادة الندب، فضلا عن التعبير المزبور وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، فان النصوص وان كان ظاهر الامر ونحوه فيها ذلك - قال الصادق عليه السلام في صحيح ابن مسكان (1): (لا تأخذ من شعرك وانت تريد الحج من ذي القعدة ولا في الشهر الذي تريد الخروج فيه للعمرة) وفي صحيح معاوية بن عمار (2) (الحج اشهر معلومات: شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن اراد الحج وفر شعره إذا نظر إلى هلال ذي القعدة ومن اراد العمرة وفر شهرا) وفي صحيح عبد الله بن سنان (3) (اعف شعرك للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة، وللعمرة شهرا) وفي خبر سعيد الاعرج (4) (لا يأخذ الرجل إذا رأى هلال ذي القعدة وأراد الخروج من رأسه ولا من لحيته) وفي موثق ابن مسلم (5) (خذ من شعرك إذا ازمعت الحج شوال كله إلى غرة ذي القعدة) وابو جعفر عليه السلام في خبر ابي حمزة (6) (لا تأخذ من رأسك وانت تريد الحج في ذي القعدة، ولا في الشهر الذي تريد الخروج فيه للعمرة) وسأل الصادق عليه السلام ايضا الحسين بن ابي العلاء في الحسن (7) (عن الرجل يريد الحج أيأخذ من شعر رأسه في شوال كله ما لم ير الهلال ؟ قال: لا بأس ما لم ير الهلال) ويزيد الكناسي (8) (عن الرجل يريد الحج أيأخذ من شعره في اشهر الحج ؟ قال:


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 4 - 5 - 6 - 2 - 7 (7) و (8) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 4 والثاني عن ابي الصباح الكناني

[ 172 ]

لا ولا من لحيته، ولكن يأخذ من شاربه وأظفاره، وليطل ان شاء) الا ان روائح الندب منه ظاهرة، خصوصا بعد ملاحظة الشهرة المزبورة، وصحيح علي بن جعفر (1) عن اخيه عليه السلام (سألته عن الرجل إذا هم بالحج يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه ما لم يحرم قال: لا بأس) وموثق سماعة (2) عنه عليه السلام ايضا (سألته عن الحجامة وحلق القفا في اشهر الحج قال: لا بأس والسواك والنورة) واحتمال ارادة خصوص شوال من اشهر الحج كما ترى، وخبر محمد بن خالد الخزاز (3) (سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول: أما أنا فآخذ من شعري حين اريد الخروج إلى مكة للاحرام) بل وخبر اسماعيل بن جابر (4) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): كم اوفر شعري ؟ قال: إذا اردت هذا السفر اعفه شهرا) بناء على ارادة الاعم من العمرة من السفر فيه، إذ هو حينئذ اقل من التوفير من اول ذي القعدة، بل لعل الاعفاء فيه وفي غيره من النصوص السابقة مشعر بالندب ايضا، وفي خبر جميل بن دراج (5) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة قال: إذا كان جاهلا فليس عليه شئ، وان تعمد ذلك في اول الشهور للحج بثلاثين يوما فليس عليه شئ، وان تعمد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه) ونحوه مرسله (6) الآخر إلا انه ذكر الناسي مع الجاهل في المعذورية، وبمضونها ما حكي من عبارة الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) (7) وظاهره


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 - 3 - 5 (4) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الاحرام الحديث 2 (5) و (6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب التقصير - الحديث 5 - 1 (7) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 173 ]

معروفية الثلاثين في التوفير لا غرة ذي القعدة. ومنه تقوى دلالة الخبر السابق عليه، فيجب الجمع بينهما بتفاوت مراتب الندب، كما فهمه المشهور الذي قد يؤيده ايضا خبر علي بن جعفر (1) عن اخيه المروي عن قرب الاسناد (من اراد الحج فلا يأخذ من شعره إذا مضت عشرة من شوال) المعلوم عدم ارادة الحرمة منه، بل لم اعثر على مفت فيه بالكراهة عد الحر في الوسائل. وعلى كل حال فوسوسة بعض متأخري المتأخرين في الحكم المزبور عملا بالامر والنهي المزبورين في النصوص السابقة مقتصرا على ذكر موثق سماعة في المعارضة طاعنا فيه في السند بل والدلالة باعتبار إمكان ارادة ذي القعدة من اشهر الحج فيه في غير محلها، لما عرفت من الشهرة العظيمة وصحيح علي بن جعفر وغير ذلك ثم انه يمكن ارادة ما يشمل اللحية من الرأس في المتن ونحوه كما عن الشيخ وبني إدريس وسعيد والبراج والفاضل في جملة من كتبه التصريح به، لخصوص خبر سعيد الاعرج بل واطلاق شعرك وشعر رأسه في النصوص المزبورة بناء على ما في كشف اللثام من ان الرأس قد يشمل الوجه، فشعره يشمل شعره، وان كان الظاهر انسياق غيرها منه، وأما ما سمعته من المفيد فلم اجد ما يدل عليه سوى خبر جميل (2) السابق المطعون في سنده بعلي بن حديد، وحمله بعضهم على الندب، وآخر على وقوع ذلك بعد الاحرام، لتقييد السؤال بكونه بمكة مع تقييد الجواب به، لعود الضمير فيه إلى المسؤول عنه، ومن هنا قيل انه ساقط، لكونه ضعيف السند، متهافت المتن، فلا يصلح لاثبات حكم شرعي،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحرام - الحديث 8 (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب التقصير - الحديث 5

[ 174 ]

لكن في كشف اللثام قد استدل به على تأكد الندب عند هلال ذي الحجة الذي ذكره المصنف وتبعه الفاضل، ثم قال: ويحتمل اختصاصه بمتمتع دخل مكة، وهو حينئذ محرم، وألزمه المفيد الدم بالحلق بعد هلال ذي القعدة، وهو الذي اوجب نسبة وجوب التوفير إليه، لكن ابن سعيد وافقه فيه مع انه قال: ينبغي لمن اراد الحج توفير شعر رأسه ولحيته، قلت: ومن هنا لا صراحة في كلامه بالمخالفة وإن قلنا بوجوب الدم، مع امكان ارادته الندب منه ايضا، نعم لا يخفى عليك عدم دلالته على التأكد المزبور، بل في الرياض في كل من الاستدلال به على ذلك والاحتمال المذكور نظر، وإن كان في النظر في الاخير نظر، ضرورة احتمال الخبر المزبور لذلك على أن يكون المراد بيان حكم التمتع الذي دخل مكة في شوال وفي غيره، فلا بأس بالحلق فيه بعد الاحلال من عمرة التمتع لبقاء زمان توفير الشعر فيه للحج، بخلاف ما إذا كان في ذي القعدة مثلا، وحينئذ يراد من الثلاثين فيه الثانية الكناية عن شوال التي بمضيها تحل الثلاثون التي يوفر فيها الشعر للحج، فقوله (عليه السلام): (التي يوفر فيها الشعر للحج) كالوصف للايام المستفادة من قوله (عليهما السلام): (بعد) وهي أيام ذي القعدة، ولعل هذا أولى مما في الحدائق من تقدير بعد دخول الثلاثين لا مضيها ردا علي صاحب المدارك، ضرورة كون المنساق من قوله (بعد) معنى المضي لا الدخول، لكن ما ذكرناه احسن وعلى التقديرين تصلح دلالة الخبر المزبور، إلا ان الانصاف مع ذلك كله عدم وضوح دلالة الخبر على وجه يصلح لاثبات الوجوب كما سمعته من المفيد، نعم لا بأس بالقول باستحباب إهراق الدم بذلك. ثم لا يخفى عليك إطلاق النصوص المزبورة، إلا أن المصنف تبعا للشيخ وابن حمزة قيده بالتمتع، وتبعه الفاضل في كثير من كتبه، ولا ريب أن الاول أولى، وأولى منه ذكر استحباب توفيره للعمرة المفردة شهرا، كما صرح به في

[ 175 ]

الدروس، لما سمعته من النص (1) بل والتحرير وإن قال من أول الشهر الذي يريد العمرة فيه، لما سمعته من النص (2) ايضا، وجعل في الوسائل المستحب أحدهما، ويمكن كون المراد بأحدهما عين الآخر، وعلى كل حال لم يذكر أحد منهم الخلاف فيها، لاقتصار عبارة الشيخين على الحج لكن فيه أن النصوص متحدة الدلالة فيهما معا، وبذلك يظهر لك ايضا قوة الندب، فالتحقيق حينئذ الندب فيهما معا كما عرفت، والله العالم. (و) منها (أن ينظف جسده) من الاوساخ (ويقص أظفاره ويأخذ من شاربه ويزيل الشعر من جسده وابطيه مطليا) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، بل النصوص فيما عدا الاول مستفيضة، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (3): (إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت وانت تريد الاحرام إن شاء الله فانتف ابطيك، وقلم أظفارك، وأطل عانتك، وخذ من شاربك، ولا يضرك بأي ذلك بدأت، ثم استك واغتسل والبس ثوبيك، وليكن فراغك من ذلك إن شاء الله عند زوال الشمس، فان لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك) وفي صحيحه الآخر (4): (إذا انتهيت إلى بعض المواقيت التي وقت رسول الله صلى الله عليه وآله فانتف ابطيك، واحلق عانتك، وقلم أظفارك، وقص شاربك، ولا يضرك بأي ذلك بدأت) وفي حسن حريز (5) (السنة في الاحرام تقليم الاظفار، وأخذ الشارب، وحلق العانة) وسأله في صحيحه الآخر (6) (عن التهيؤ للاحرام فقال: تقليم الاظفار، واخذ


(1) و (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الاحرام (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 - 5 - 1

[ 176 ]

الشارب، وحلق العانة)) وأما الاول فقد يؤمي إليه - مضافا إلى استحباب الطهور للمؤمن مطلقا، ولذا علل التنوير به في النصوص (1) والى طول منعه منه - اختصاص الاحرام بالغسل له المرشد إليه، بل قد يؤمي النص على الامور المزبورة إلى كونه كالجمعة المستحب فيها ذلك، بل ينبغي غير ذلك من قطع الرائحة الكربهة عن ابطيه مثلا وغيره مما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، فما في اللمعة والدروس من إبدال الواو بالباء لعدم دليل عليه بالخصوص في غير محله، لما عرفت من رجحان التنظيف بنفسه لا أنه بخصوص قص الاظفار ونحوه، نعم الظاهر إلحاق حلق العانة وغيرها بطليها، لما سمعته من النص وان صرح في الدروس بكونه افضل. (ولو كان قد أطلى) مثلا (أجزأه ما لم يمض خمسة عشر يوما) لعموم (2) تحديد ما بين الطليتين بها، وخصوص خبر علي بن أبي حمزة (3) قال: (سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: إذا أطليت للاحرام الاول فكيف أصنع بالطلية الاخيرة ؟ وكم بينهما ؟ قال: إذا كان بينهما جمعتان خمسة عشر يوما فاطل) ولكن في خبرة الآخر (4) (لا بأس أن يطلي قبل الاحرام بخمسة عشر يوما) وهو دال على الاجتزاء به ولو مضت خمسة عشر يوما ويمكن حمله على إرادة بين أصل الجواز، أو يراد منها التقريبية لا التحقيقية، أو غير ذلك، وسأله (عليه السلام) معاوية بن عمار (5) أيضا (عن الرجل يطلي


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب آداب الحمام من كتاب الطهارة (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الحمام من كتاب الطهارة (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 - 5 - 6

[ 177 ]

قبل أن يأتي الوقت بست ليال قال: لا بأس، وسأله عن الرجل يطلي قبل أن يأتي مكة بسبع أو ثمان ليال قال: لا بأس) إلا أن الجميع حتى المفهوم من الاول منها المحمول على إرادة عدم التأكد كما ترى لا ينافي استحباب إعادة الاطلاء وإن مضى له أقل من ذلك كما عن الشيخ والفاضل التصريح به، لاطلاق الادلة السابقة، وخصوص خبر ابن أبي يعفور (1) قال: (كما بالمدينة فلاحاني زرارة في نتف الابط وحلقه، قلت حلقه افضل، وقال زرارة نتفه أفضل، فاستأذنا على أبي عبد الله عليه السلام فاذن لنا وهو بالحمام يطلي قد طلي إبطيه فقلت لزرارة يكفيك فقال: لا لعله فعل هذا لما لا يجوز لي أن أفعله، فقال: فيم أنتما، فقلت: ان زرارة لاحاني في نتف الابط وحلقه، فقلت: حلقه أفضل وقال زرارة: نتفه افضل، فقال: أصبت السنة وأخطأها زرارة، حلقه أفضل من نتفه، وطليه أفضل من حلقه، ثم قال لنا اطليا، فقلنا فعلنا منذ ثلاث، فقال: أعيدا فان الاطلاء طهور) بل قال عليه السلام في خبر آخر لابي بصير (2): (تنور فقال: انما تنورت أول من أمس واليوم الثالث، فقال: أما علمت أنها طهور فتنور) بل لعله ليس في عبارة المصنف ما ينافي ذلك، لعدم المنافاة بين الاجزاء والفضل، بل قد يناقش في دلالة النصوص السابقة على إجزائه عن إعادته


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 85 من ابواب آداب الحمام الحديث 4 وذيله في الباب 32 منها الحديث 5 إلا أنه قال عند ذكره الذيل عن عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث أنه قال له ولابي بصير. اطليا. الخ وهو سهو فان الموجود في الكافي ج 4 ص 327 والتهذيب ج 5 ص 62 كالجواهر (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب آداب الحمام - الحديث 4 من كتاب الطهارة

[ 178 ]

للاحرام مع مضي الاقل بيسير، وخصوصا ما عد الاول منها، بل والاول المراد منه أن ذلك نهاية الفصل بينهما، فلا ينافي استحباب الاعادة قبل ذلك، خصوصا للاحرام الذي إذا وقع مثلا قبل مضيها بيوم مثلا قد يستمر إلى غيره أياما نريد على مدة الفصل، ومنه ينقدح أن للاحرام خصوصية أخرى، وخبر أبي بصير الدال علي الاجزاء له وإن مضي خمسة عشر يوما قد عرفت أنه محمول على إرادة بيان الجواز لا الاجزاء في الفضل، والله العالم. (و) منها (الغسل للاحرام) للامر به في النصوص (1) المستفيضة أو المتواترة المحمول عليه إجماعا محكيا عن التذكرة والتحرير إن لم يكن محصلا، بل عن المنتهى لا نعرف فيه خلافا، وكأنه لم يعتد بما حكاه في المختلف عن الحسن من الوجوب، وقد تقدم الكلام فيه في الاغسال المسنونة. (وقيل) والقائل الشيخ وابن البراج في محكي المبسوط والمهذب، بل في المسالك حكايته عن الشيخ وجماعة، بل قال بعد ذلك انه اختاره جماعة من الاعيان: (إن لم يجد ماء تيمم له) لاطلاق ما دل (2) على تنزيل التراب منزلة الماء، وانه يكفيك عشر سنين، من غير فرق بين الطهارة وغيرها، كما أنه لا فرق بين عدم الوجدان وبين غيره من الاعذار، وهو معنى ما عن التذكرة من تعليله بانه غسل مشروع فناب عنه التيمم كالواجب لكن في كشف اللثام هنا (وضعفه ظاهر) وفي المدارك (هو ضعيف جدا) قلت: وربما أشعر بضعفه أيضا نسبة المصنف له إلى القيل، وقد تقدم تحقيق الحال في ذلك في كتاب الطهارة. (ولو اغتسل وأكل أو لبس ما لا يجوز للمحرم أكله ولا لبسه أعاد الغسل


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحرام (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب التيمم من كتاب الطهارة

[ 179 ]

استحبابا) لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) (إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه، أو أكلت طعاما لا ينبغي لك أكله فأعد الغسل) وفي صحيح عمر ابن يزيد (2) (إذا اغتسلت للاحرام فلا تقنع ولا تطيب ولا تأكل طعاما فيه طيب فتعيد الغسل) وابي جعفر عليه السلام في خبر محمد بن مسلم (3) (إذا اغتسل الرجل وهو يريد أن يحرم فلبس قميصا قبل أن يلبي فعليه الغسل) بل خبر علي بن أبي حمزة (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اغتسل للاحرام ثم لبس قميصا قبل أن يحرم قال: قد انتقض غسله) وإن كان الظاهر إرادة استحباب الاعادة من النقض لا البطلان من رأس، وإن كان ربما يقال به مؤيدا بدعوى إشعار الاعادة في النص به، لكنه خلاف ظاهر الفتوى، بل مقتضى صحيح عمر استحباب اعادته للتطيب أيضا كما في الدروس، نعم لا دلالة في شئ منها على استحباب إعادته بفعل ما عدا ذلك من تروك الاحرام، اللهم إلا أن يجعل ما فيها مثالا لغيره، لكن في مرسل جميل (5) عن الصادق عليه السلام (في رجل اغتسل للاحرام ثم قلم أظفاره قال: يمسحها بالماء ولا يعيد الغسل) وسأله ابن ابي يعفور (6) (ما تقول في دهنه بعد الغسل فقال: قبل وبعد ومعه ليس به بأس) وإن أمكن ارادة بيان عدم التأكد (ويجوز له) أي المحرم (تقديمه) أي الغسل (على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الذخيرة والرياض


(1) و (2) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 - 1 (5) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 وهو مرسل جميل عن ابي جعفر عليه السلام كما في الكافي ج 4 ص 328 والتهذيب ج 5 ص 66 (6) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 6

[ 180 ]

وغيرهما، بل في المدارك الاجماع عليه لكن في النافع (وقيل يجوز تقديم الغسل على الميقات لمن خاف عوز الماء، ويعيد لو وجده) مشعرا بتمريضه، وفيه أن النصوص دالة عليه، ففي صحيح هشام بن سالم (1) (ارسلنا الي أبى عبد الله (عليه السلام) ونحن جماعة بالمدينة انا نريد ان نودعك، فأرسل الينا أن اغتسلوا بالمدينة فانى أخاف ان يعز عليكم الماء بذي الحليفة، فاغتسلوا بالمدينة والبسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ثم تعالوا فرادى أو مثاني - إلى أن قال - فلما أردنا أن نخرج قال: لا عليكم أن تغتسلوا إذا وجدتم ماء إذا بلغتم ذا الحليفة) وقال أبو بصير (2) (سألته عن الرجل يغتسل بالمدينة لاحرامه أيجزيه ذلك عن غسل ذي الحليفة ؟ قال: نعم) ونحوه صحيح الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام وفي صحيح معاوية بن وهب (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ونحن بالمدينة عن التهيؤ للاحرام فقال: أطل بالمدينة وتجهز بكل ما تريد واغتسل، وإن شئت اشتملت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة) إلى غير ذلك من النصوص التي ظاهرها عدا الاول منها جواز التقديم مع عدم خوف إعواز الماء كما مال إليه سيد المدارك والفاضل الاصبهاني وصاحب الذخيرة، مضافا إلى إطلاق أدلة الغسل، لكن في التنقيح بعد أن اعترف باقتضاء الاطلاق ذلك قال: (والشيخ قيده بالخوف وهو جيد، إذ العمل بالاطلاق لم يقل به قائل) وفيه أن عدم القائل لا ينافي وجوب العمل بالخبر الجامع لشرائط الحجية، إلا أن يكون ذلك عن إجماع على العدم، وفي دعواه هنا منع، والتنظير بغسل الجمعة الذي يقدم يوم


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 و 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 - 5 (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 181 ]

الخميس للخوف لا يقتضي ذلك، فمن الغريب ما في الرياض من جعل ما في التنقيح اجماعا منقولا وقيد به النصوص بل تردد في تناول إطلاق النصوص لصورة عدم الخوف، إذلا يخفى عليك ما فيه، نعم قد يقال إن التعليل في الصحيح الاول مؤيدا بذلك يقتضي التقييد المزبور، إلا أن الانصاف قصوره عن ذلك على وجه يقتضي عدم المشروعية لزيادة التنظيف، فالجزم بذلك كما في الرياض لا يخلو من منع. بل ربما احتمل في عبارة المصنف في النافع ان يكون التمريض الذي اشعر به لفظ القيل راجعا إلى التقييد بالخوف الذي مقتضى النصوص عدمه، لا لمطلق التقديم المصرح به في النص والفتوى، أو يكون راجعا إلى الحكم الاخير (و) هو (لو وجده) في الميقات (استحب له الاعادة) لعدم دليل واضح عليه عدا قوله (عليه السلام) في ذيل الصحيح السابق (ولا عليكم) إلى آخره الذي لا دلالة فيه على الندب الذي هو أخص من نفي البأس، ولكن فيه معلومية اعتبار الرجحان في العبادة متى شرعت، كما هو واضح، بل لا فرق في استحباب الاعادة معه بين لبس ثوبي الاحرام حين الغسل وعدمه. ثم لا يخفى عليك أن الصحيح الاول (1) ظاهر في استحباب لبس ثوبي الاحرام عند الغسل وإن تأخر الاحرام لوقته، فيجوز حينئذ له عدم اللبس كما في صحيح ابن وهب (2) وحكي التصريح به عن النهاية والمبسوط، هذا، وعن التحرير والمنتهى والتذكرة تقييد جواز التقديم بان لا يمضي عليه يوم وليلة، ونفى عنه البأس في كشف اللثام، ولعله لما تسمعه عن قريب ان شاء الله.


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 182 ]

(و) كيف كان فلا خلاف أجده في أنه (يجزي الغسل في اول النهار ليومه) إذا اراد الاحرام فيه (وفي أول الليل لليلته ما لم ينم) بل قيل إنه مقطوع به في كلام الاصحاب لخبر أبي بصير (1) (أتاه رجل وأنا عنده، فقال: اغتسل بعض اصحابنا فعرضت له حاجة حتى أمسى فقال: يعيد الغسل، يغتسل نهارا ليومه ذلك، وليلا لليلته) وصحيح عمر بن يزيد (2) عن أبى عبد الله عليه السلام (من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل ومن اغتسل ليلا كفاه غسله إلى طلوع الفجر) وخبر سماعة بن مهران (3) عنه عليه السلام ايضا (من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد استحم قبل ذلك ثم احرم من يومه أجزأه غسله، ومن اغتسل في أول الليل ثم أحرم في آخر الليل اجزأه غسله) بناء على أن المراد عند طلوع الفجر من قوله قبله فيه، وفي وافي الكاشانى كان المراد بالاستحمام تنظيف البدن، بل في صحيح جميل (4) عنه عليه السلام أيضا أنه قال: (غسل يومك يجزيك لليلتك وغسل ليلتك يجزيك ليومك) ونحوه خبر حسين الخراساني (5) عن أحدهما (عليهما السلام) المروي عن مستطرفات السرائر وأفتى به جماعة من متأخري المتأخرين تبعا للمحكي عن المقنع، ونفى عنه البأس في الرياض، قال: (ولكن الافضل الاعادة لصريح بعض الاخبار السابقة المؤيد بلفظ الاجزاء في هذه الرواية) قلت: قد يشعر لفظ الاجزاء في عبارة المشهور بان ذلك أقل المجزي، ولولاه لامكن الجمع بين النصوص بما ذكره على معنى تفاوت مراتب الاجزاء مؤيدا باستبعاد عدم إجزائه مثلا لليل أو للنهار مع فرض وقوعه


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب الاحرام الحديث 3 - 4 - 5 - 1 - 6 والثاني عن عثمان بن يزيد كما في التهذيب ج 5 ص 64 إلا ان الموجود في الطبع الحديث من الوسائل ع‍ عثمان (عمر) بن يزيد.

[ 183 ]

في آخر جزء منهما، أللهم إلا أن يراد تقدير زمان الليل أو النهار من كل منهما، وربما يؤمي إلى ما ذكرناه في الجملة ما سمعته في خبر سماعة الذي لا يخفى بعد حمل ما قبل الفجر فيه على ما بعده، كبعد حمل اللام في الخبرين على معنى (إلى) ليوافق النصوص السابقة المعتضدة بشهرة الاصحاب، ولعل الفاضل فيما مضى من تقييد التقديم بما سمعت نظر إلى الخبرين المزبورين، ولكن عليه كان الاولى التقييد بما سمعته من المشهور، بل الظاهر ان هذه المسألة غير تلك المسألة التي يراد فيها التقديم لخائف الاعواز وإن تأخر أياما، فتأمل جيدا، كما ان الانصاف عدم خلو القول بمضمون الخبرين المزبورين وإن كان هو دون ذلك في الفضل من وجه. بقي الكلام في تقييد ذلك بعدم النوم، ويدل عليه صحيح النضر بن سويد (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) (سألته عن الرجل يغتسل للاحرام ثم ينام قبل أن يحرم قال: عليه اعادة الغسل) وخبر علي بن ابي حمزة (2) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل اغتسل للاحرام ثم ينام قبل أن يحرم قال: عليه اعادة الغسل)) مؤيدا ذلك بما دل عليه فيمن اغتسل لدخول مكة أو الطواف كالصحيح (3) (عن الرجل يغتسل لدخول مكة ينام فيتوضأ قبل أن يدخل ايجزيه ذلك أم يعيد ؟ قال: لا يجزيه ذلك، لانه انما دخل بوضوء) ولكن مقتضى الجمع بينهما وبين صحيح العيص بن القاسم - (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للاحرام بالمدينة ويلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم


(1) و (2) و (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب الاحرام الحديث 1 - 2 - 3 (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1

[ 184 ]

قال: ليس عليه غسل) - استحباب الاعادة لا انتقاض الغسل، واحتمال كون المراد من صحيح العيص عدم مشروعية الاعادة كما عن ابن ادريس مقتض لطرح ما سمعته من النص المؤيد بانها مبالغة في التنظيف، فالاولى حمله على ارادة عدم النقض على معنى أن ليس عليه ذلك كمن لم يغتسل، ولعله أولى من حمله على عدم التأكد كما في المدارك ومما حمله الشيخ عليه من نفي الوجوب المنافي لمقتضى سوقه من أن سقوطه للاعتداد بالغسل المتقدم لا لكونه غير واجب، هذا. وفي القواعد (ولو أحدث بغير النوم فاشكال ينشأ من التنبيه بالادنى علي الاعلي، ومن عدم النص) بل وفي الدروس (الاقرب ان الحدث كذلك) ونفى عنه في المسالك البأس، ولعله لكونه مساويا له أو أقوى باعتبار تلويثه للبدن، بل في كشف اللثام الظاهر ان النوم إنما صار حدثا لان معه مظنة الاحداث فحقائقها حينئذ أولى، بل في المختلف تعليل الاعادة للنوم بانه يبطل الطهارة الحقيقية فالوهمية أولى، بل في المسالك (الاتفاق على نقض الحدث غيره مطلقا والخلاف فيه علي بعض الوجوه) إلا أن ذلك كله كما ترى لا يصلح دليلا وإن قلنا بالتسامح على أن دعوى الاتفاق المزبور لا تخلو من نظر أو منع. نعم في الموثق (1) (عن غسل الزيارة يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد قال: يجزيه إن لم يحدث، فان أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله) ولا صراحة فيه بانتقاضه بذلك وإن ادعاها في الرياض، كدعواه دلالة صحيح مكة (2) على مشاركة النوم غيره من الاحداث في نقض الغسل، مع انه على


(1) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب زيارة ابيت - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب مقدمات الطواف - الحديث 1

[ 185 ]

ما سمعته لا إشعار فيه بذلك، فالتحقيق عدم النقض هنا بالنوم فضلا عن غيره بل الظاهر قصر استحباب الاعادة في الاحرام عليه دون غيره، لحرمة القياس، بل لعل إطلاق الاجتزاء بالغسل في اول اليوم والليلة مع غلبة تخلل الحدث مما يقتضي عدمه، بل لعله بملاحظة الغلبة المزبورة في الليل يتقوى عدم الانتقاض بالنوم أيضا كما ذكرناه، ولعله لذا كان خيرة الفخر والكركي وسيد المدارك والاصبهاني قصر الحكم على النوم، وقد تقدم في الاغسال المندوبة بعض الكلام في ذلك، والظاهر مساواة غسل الزيارة وغيره من أغسال الافعال لغسل الاحرام في الاجتزاء به من أول اليوم والليل لبقيتهما، بل قد سمعت الموثق الدال على الاجتزاء به لليل أيضا، واما انتقاضه بالنوم وغيره من مطلق الحدث أو استحباب إعادته فقد سمعت دعوى الاتفاق هنا، لكن لم نتحققه، وقد تقدم في كتاب الطهارة تحقيق الحال. (ولو أحرم بغير غسل أو صلاة) يأتي استحباب الايقاع عقيبها ناسيا (ثم ذكر) أو عامدا عالما أو جاهلا (تدارك ما تركه وأعاد الاحرام) استحبابا على المشهور بين الاصحاب، بل لا أجد فيه خلافا بناء على استحبابهما بل ولا وجها، ضرورة عدم تعقل وجوب الاعادة مع كون المتروك مندوبا، وقول الشيخ في النهاية (من أحرم من غير صلاة وغير غسل كان عليه إعادة الاحرام بصلاة وغسل) لا صراحة فيه بالوجوب، خصوصا بعد قوله في المبسوط (كان إحرامه منعقدا غير أنه يستحب له إعادة الاحرام بصلاة وغسل) نعم ما يحكي عن أبي علي (ثم اغتسل وليس ثوبي الاحرام وصلى لاحرامه لا يجزيه غير ذلك إلا الحائض، فانها تحرم بغير صلاة - قال ولا ينعقد الاحرام إلا في الميقات بعد الغسل والتجرد والصلاة) ظاهر في وجوب الغسل والصلاة وحينئذ يتجه وجوب الاعادة.

[ 186 ]

وعلى كل حال فالاصل في ذلك صحيح الحسن بن سعيد (1) (كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن عليه السلام رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما ما عليه في ذلك ؟ وكيف ينبغي له أن يصنع ؟ فكتب (عليه السلام) يعيده) بعد حمل الامر فيه على الندب لما عرفت. مؤيدا بما قيل من إشعار قوله في السؤال (وكيف ينبغي له أن يصنع) الذي يقتضي مطابقة الجواب له به وإن نوقش فيه، ولكن العمدة ما ذكرناه، بل الظاهر المفروغية منه بين الاصحاب، نعم قال ابن إدريس على ما في المختلف بعد أن حكى ذلك عن الشيخ إن أراد أنه نوى الاحرام وأحرم ولبى من دون صلاة وغسل فقد انعقد إحرامه، فأي أعادة تكون عليه، وكيف يتقدر ذلك، وإن أراد انه احرم بالكيفية الظاهرة من دون النية والتلبية فيصح ذلك ويكون لقوله وجه، ورده في المختلف بانه انما قصد الشيخ انه إذا عقد احرامه بالتلبية والنية ولبس الثوبين التي هي أركان الاحرام وأجزاؤه من غير غسل ولا صلاة استحب له اعادة التلبية ولبس الثوبين والنية، عملا برواية الحسن بن سعيد الصحيحة، ولا استبعاد في استحباب اعادة الفرض لاجل النفل كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل المصلي فيها متعمدا بعير أذان ولا إقامة، فانه يستحب له إعادتها، وقد استظهر منه في المسالك الحكم ببطلان الاول، وتبعه في المدارك ثم أورد عليه في الاول بما حاصله وضوح الفرق بين المقامين، فان الصلاة تقبل الابطال بفعل منافياتها ولو نية الابطال، بخلاف الاحرام الذي لا يقبله إلا بالاتمام أو ما يقوم مقامه إذا صد أو احصر. قلت لعل ابن ادريس فهم من عبارة الشيخ في النهاية وجوب الاعادة المقتضية لبطلان الاول بترك مالا يقتضيه من المستحب، فانكر عليه ذلك ورده


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 187 ]

الفاضل بأنه لا مانع من الاعادة بترك المستحب للدليل كما في الصلاة بترك الاذان والاقامة، وليس مقصوده من التشبيه البطلان أيضا كما عساه يتوهم، بل المراد أن اعادة الصحيح تكون بترك المستحب وإن لم يكن الاول باطلا، وكان الاولى تشبيهه باعادة الصلاة جماعة بعد أن صليت فرادى، ويقع له خيرهما من غير بطلان في الاولى، ولعله لذا قال في الدروس: ولو نسي الغسل أو النافلة اعاد الاحرام بعدهما مستحبا خلافا لابن إدريس، إذ نفى الاعادة مع صحة الاحرام، والمعتبر هو الاول، ثم كتب في الحاشية التي كتب تحتها انها منه المعتبر في الاجزاء الاول، وفي الكمال الثاني، ومن ذلك أخذ الاصبهاني ما في كشفه حيث انه بعد أن ذكر استحباب الاعادة ودليلها قال: (وانكره ابن ادريس إلا أن يراد صورة الاحرام من التجرد وليس الثوبين من غير نية، فانه إذا نواه انعقد ولم يمكنه الاحلال إلا بالاتمام أو ما يقوم مقامه إذا صد أو احصر، وليس كالصلاة التي تبطل بمنافياتها وبالنية، فلا يتجه ما في المختلف من أنه كالصلاة التي يستحب إعادتها إذا نسي الاذان والاقامة، والجواب أن الاعادة لا تفتقر إلى الابطال، لم لا يجوز أن يستحب تجديد النية وتأكيدها للخبر، وقد ينزل عليه ما في المختلف) انتهى. وعلى كل حال فان كان مراد ابن ادريس الرد على الشيخ في الوجوب المقتضي لبطلان الاول أو تعبدا كان في محله، وإلا كان محلا للنظر إلا أن يكون مبناه عدم العمل بخبر الواحد وان كان صحيحا، وقد عرفت ضعفه في محله، هذا، وفي الرياض بعد أن حكى ما سمعته من كشف اللثام قال: (وهو حسن ان تم منع افتقار الاعادة إلى الابطال، وفيه نظر لتبادره منها عرفا، وقد صرح في الاصول بانها عبار ة عن الاتيان بالشئ ثانيا بعد الاتيان به أولا، لوقوعه علي نوع خلل، قالوا كتجرده عن شرط معتبر، أو اقترانه بأمر مبطل،

[ 188 ]

فتدبر ولعله لذا لم يجب عن الحلي احد من المتأخرين إلا بابتناء مذهبه هنا على مذهبه في أخبار الآحاد من عدم حجيتها، وهو ضعيف، وعلى هذا فالمعتبر من الاحرامين ثانيهما كما هو ظاهر المختلف والمنتهى وغيرهما، خلافا للشهيدين فأولهما، قال ثانيهما: (إذ لا وجه لابطال الاحرام بعد انعقاده، فلا وجه لاستئناف النية، بل ينبغي أن يكون المعاد هو التلبية واللبس خاصة) انتهى وفيه ما عرفت من ظهور النص في الابطال من جهة لفظ الاعادة المهفوم منه ذلك عرفا وعادة، هذا مضافا إلى ما ذكره بعض المحدثين في الجواب عنه بأن النية الاولى انما كانت معتبرة بمقارنة اللبس والتلبية مثل نية الصلاة المقارنة للتكبير، فإذا بطل تكبيرة الاحرام بطلت النية الاولى، فكذا هنا). قلت لا يخفى عليك ما فيه، بل هو من غرائب الكلام، ضرورة أن ما ذكره من الاعادة اصطلاح لاهل الاصول لا يحمل عليه ما في النصوص، على ان قولهم: (كاخلال بشرط) إلى آخره قاض بخلافه هنا، ضرورة عدمه، على أنه بعد حمل الامر بالاعادة على الندب لا يتم ما ذكره من الظهور المزبور، الفرض أنه قد اعترف أولا بالاستحباب، على أن مقتضاه حصوله بالاعادة نفسها ولم يسمع من أحد كونه من مبطلات الاحرام، وما حكاه عن بعض المحدثين لا نعرف له حاصلا، إذ لم يقل أحد ببطلان اللبس والتلبية المستلزمين لبطلان النية قياسا على تكبيرة الاحرام، وانما ذكر ثاني الشهيدين بعد الحكم بصحة الاحرام الاول أن الاعادة التي لا تقتضي بطلانه تتحقق بابتداء التلبية واللبس من غير حاجة إلى تجديد نية، فأقصى ما فيه إمكان تحقق الاعادة التامة بدونها لا أنه يقول ببطلان التلبية واللبس دونها، وبالجملة هذا الكلام كله لا يسطر. بقي الكلام في قول الفاضل في القواعد بعد أن حكم بالاعادة أي ندبا: (وأيهما المعتبر إشكال، وتجب الكفارة بالمتخلل بينهما) فان ظاهره المفروغية من

[ 189 ]

الكفارة التي مقتضاها صحة الاول، فلا يناسبه الاشكال في المعتبر منهما، وفي كشف اللثام لعل استشكاله هنا لاحتمال الاحلال هنا بخصوصه للنص، والوجوب الكفارة بالمتخل فلاعتبار الاول ما لم يحل، وفي الرياض بعد ان ذكر الخلاف ورجح البطلان بما سمعت قال: (وتظهر ثمرة الخلاف في وجوب الكفارة للمتخلل بين الاحرامين، واحتساب الشهر بين العمرتين، والعدول إلى عمرة التمتع لو وقع الثاني في أشهر الحج، لكن ظاهر القواعد خروج الاول من البين، ووجوب الكفارة على القولين، فان تم اجماعا وإلا فهو منفي على المختار قطعا، وكذا مع التردد بينه وبين مقابله عملا بالاصل السالم عن المعارض، إلا أن يمنع باستصحاب بقاء الاحرام الاول الموجب للكفارة بالجناية فيه، والاعادة لا تقطعه بناء على الفرض، وفيه نظر). قلت لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه المقتضي لعدم الاشكال في وجوب الكفارة للمتخلل، لبقاء صحة الاحرام الاول وان استحب الاعادة التي لا تبطله، بل هو حكم تعبدي شرعي لتدارك الفضيلة نحو اعادة الصلاة جماعة ويحسب له في الواقع أفضلهما نحو ما ورد في الصلاة جماعة، وان بقيت الاحكام الظاهرية على الاول المحكوم بصحته ظاهرا، ولعل اشكال الفاضل في المعتبر منهما بالنسبة إلى الكمال بمعنى انه الاول وان لحقه ما يقتضي كماله، أو انه الثاني وان بقيت الاحكام للاول، فتأمل جيدا. ثم ان ظاهر قول المصنف (ثم ذكر) فرض المسألة في الناسي كما صرح به بعضهم، لكن فيه أن الصحيح (1) المزبور في الجاهل والعالم من دون تعرض للناسي، اللهم إلا ان يفهم لحوقه بالفحوى، كما ان المفروض فيه ترك الغسل أو


(1) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 190 ]

الصلاة فيكفي فيه ترك أحدهما، فما سمعته من النهاية من اعتبار تركهما معا في غير محله، كالمحكي عن بعضهم من الاقتصار على الاول منهما، فتأمل جيدا، والله العالم (و) منها - كما ذكره المصنف وغيره (ان يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها وان لم يتفق صلى للاحرام ست ركعات) وأوسطه اربع ركعات (واقله ركعتان يقرأ في الاول الحمد وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد وفيه رواية اخرى) (1) بالعكس، والمراد بقرينة قوله بعد ذلك: (ويوقع) إلى آخره انه مع حضور الفريضة يصلي نافلة الاحرام ثم الفريضة ثم يحرم عقيبها، ومع عدم الفريضة يحرم عقيب النافلة لا انه مع الفريضة تسقط نافلة الاحرام كما ادعى في المسالك انه ظاهر العبارة، قال: (وليس كذلك، وانما السنة أن يصلي ستة الاحرام أولا) إلى آخر ما ذكرناه: ثم قال: (وقد اتفق اكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا) وقد سبقه إلى ذلك الكركي في حاشيته على الكتاب لكن قد يقال لا قصور في نحو عبارة المتن بعد ملاحظة القرينة التي ذكرناها كالمحكي من عبارة المبسوط. قال (وأفضل الاوقات التي يحرم فيها عند الزوال ويكون ذلك بعد فريضة الظهر، فان اتفق ان يكون في غير هذا الوقت جاز، والافضل أن يكون عقيب فريضة، فان لم يكن فريضة صلى ست ركعات من النوافل وأحرم في دبرها، فان لم يتمكن من ذلك أجزأه ركعتان - إلى ان قال - ويجوز ان تصلى صلاة الاحرام أي وقت كان من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة قد تضيق، فان تضيق الوقت بدأ بالفرض ثم الاحرام، وان كان اول الوقت بدأ بصلاة الاحرام ثم بصلاة الفرض) ونحوه عبارة النهاية، ولا ريب ان التدبر فيهما يقتضي ما قلناه.


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب القراءة في الصلاة - الحديث 2 من كتاب الصلاة

[ 191 ]

ومن هنا قال ابن ادريس في المحكي من سرائره: (افضل الاوقات التي يحرم فيها الانسان بعد الزوال، ويكون ذلك بعد فريضة الظهر، فعلى هذا تكون ركعتا الاحرام المندوبة (المندوبتان ظ) قبل فريضة الظهر بحيث يكون الاحرام عقيب صلاة الظهر) ثم ساق الكلام على نحو ما ذكره الشيخ، وهو صريح فيما ذكرناه، وقال في المقنعة: (وان كان وقت فريضة وكان متسعا قدم نوافل الاحرام، وهي ست ركعات، ويجزي منها ركعتان، ثم صلى الفريضة واحرم في دبرها فهو افضل، وان لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات) وقال في التحرير (يستحب له أن يحرم بعد الزوال عقيب صلوة الظهر، يبدأ بصلاة الاحرام، وهي ست ركعات، فان لم يتمكن فركعتان، ثم يصلي الظهر ثم يحرم عقيب صلاة الظهر، وان لم يتفق وقت الزوال استحب ان يكون عقيب فريضة، فان لم تتفق صلى ست ركعات ثم أحرم عقيبها، فان لم يتمكن من ذلك صلى ركعتين يقرأ في الاولى الحمد وقل يا ايها الكافرون، وفي الثانية الحمد والتوحيد مستحبا) ومثله قال في التذكرة الا انه عكس القراءة في الركعتين، ثم قال: (فإذا فرغ منهما احرم عقيبهما - إلى أن قال - فإذا ثبت هذا فان صلاة الاحرام تفعل في كل وقت وان كان احد الاوقات المكروهة، واصح الوجهين عند الشافعية الكراهة في الاوقات المكروهة وهل تكفي الفريضة عن ركعتي الاحرام ؟ يحتمل ذلك، وهو قول الشافعي، ولكن المشهور تقديم نافلة الاحرام على الفريضة ما لم يتضيق وقت الفريضة، وذلك يدل على عدم الاكتفاء بالفريضة في الاستحباب) وكذلك صرح في القواعد بتقديم نافلة الاحرام على الفريضة، ونحوه عن المنتهى، وقال في الدروس: (ويستحب صلاة سنة الاحرام، وهي ست ركعات أو اربع أو ركعتان، نعم الفريضة، والافضل احرامه عقيب الظهر، ثم الفريضة مطلقا، ولو لم يكن وقت فريضة، فالظاهر ان الاحرام عقيب فريضة مقضية افضل، فان لم يكن فعقيب

[ 192 ]

النافلة، ويقرأ في الركعتين الجحد في الاولى والتوحيد في الثانية) وقال ابن الجنيد: (لا ينعقد الاحرام بدون الغسل والتجرد والصلاة) إلى غير ذلك من عباراتهم التي لا قصور فيها. نعم استشعر الفاضل مما حكاه عن الاسكافي تقديم الفريضة على نافلة الاحرام ثم الاحرام بعدها، كما انه حكي عنه وجوب صلاة الاحرام والغسل واللبس، وعلى كل حال هو امر آخر غير ما نحن فيه، لكن مع ذلك كله قال في المدارك ان مقتضى العبارة عدم الاحتياج الي نافلة الاحرام مع صلاة الفريضة وانها انما تكون إذا لم يتفق وقوع الاحرام عقيب الظهر أو نافلة أو فريضة، وعلى ذلك دلت الاخبار الصحيحة ثم ذكر صحيحتي معاوية بن عمار الآتيتين إلى ان قال: ومن هنا يظهر ان ما ذكره الشارح من أن المراد ان السنة ان يصلي سنة الاحرام إلى آخره غير جيد، ومن العجب قوله: وقد اتفق اكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا، إذ لا وجه لحمل عبارات الاصحاب على المعنى الذي ذكره فان الاخبار ناطقة بخلافه كما بيناه، وقد ظهر لك مما ذكرناه تصريح كلمات الاصحاب بذلك وحكاية الشهرة من الفاضل وكشف اللثام وغيرهما عليه، بل لم اعرف احدا من الاصحاب افتى بذلك، وانما ذكره الفاضل احتمالا بعد ان حكاه عن الشافعي. انما الكلام فيما يدل عليه من النصوص واظهره ما عن الفقة المنسوب (1) إلى مولانا الرضا عليه السلام (فان كان وقت صلاة فريضة فصل هذه الركعات قبل الفريضة ثم صل الفريضة وروي ان افضل ما يحرم الانسان في دبر صلاة الفريضة ثم احرم في دبرها ليكون أفضل) وربما يدل عليه ايضا قول الصادق عليه السلام في


(1) المستدرك - الباب - 13 - من ابواب الاحرام - الحديث 2

[ 193 ]

صحيح معاوية بن عمار (1): (خمس صلوات لا تترك على حال إذا طفت بالبيت، وإذا أردت أن تحرم) وفي خبر أبي بصير (2) أيضا (خمس صلوات يصليها في كل وقت، منها صلاة الاحرام) بل لعل إطلاق إطلاق قوله عليه السلام أيضا في خبره الآخر (3) (يصلي للاحرام ست ركعات يحرم في دبرها) دال على ذلك أيضا، فانه شامل لمن صلاهن في وقت الفريضة وأحرم بعدهن قبل الفريضة، كقوله (عليه السلام) أيضا في صحيح عمر بن يزيد (4) (واعلم أنه واسع لك أن تحرم في دبر فريضة أو نافلة أو ليل أو نهار) بل قد يستفاد من التدبر في صحيح الحلبي (5) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله ليلا أم نهارا ؟ فقال: بل نهارا، فقلت: أي ساعة ؟ قال: صلاة الظهر فسألته متى ترى أن نحرم ؟ قال: سواء عليكم، انما أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الظهر لان الماء كان قليلا، كان في رؤوس الجبال فيهجر الرجل إلى مثل ذلك من الغد ولا يكادون يقدرون على الماء وانما أحدثت هذه المياء حديثا) منضما إلى المرسل (6) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) (انهما قالا إذا صلى الرجل الركعتين وقال الذي يريد أن يقول من حج أو عمرة في مقامه ذلك فانه انما فرض على نفسه الحج وعقد عقدة الحج، وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث صلى في مسجد الشجرة صلى وعقد الحج ولم يقولا صلى وعقد الاحرام) بناء على إرادة صلاة الركعتين من صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله لا صلاة الظهر،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب احرام - الحديث 1 - 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 - 3 (5) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام - الحديث 4

[ 194 ]

خصوصا بعد المرسل (1) في التذكرة أنه روى العامة (ان النبي صلى الله عليه وآله صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم) فتأمل جيدا. وكان المراد من قوله عليه السلام: (سواء عليكم) بيان الجواز، وإلا فلا ريب في كون الفضل عند الزوال، لقول الصادق عليه السلام (2): (لا يضرك بليل أحرمت أو نهار. إلا أن أفضل ذلك عند زوال الشمس) ولعله لانه قد فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وإن كان لقلة الماء. وعلى كل حال فليس في قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (3): (صلى المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة) دلالة على سقوط نافلة الاحرام، وكذا قوله في صحيحه الآخر (4) (لا يكون الاحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فان كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وإن كانت نافلة صليت ركعتين وأحرمت في دبرهما) إلى آخره، بل لعل الاصحاب أخذوا التأليف المزبور الذي هو صلاة نافلة الاحرام ثم الفريضة ثم الاحرام من الامر به عقيب المكتوبة في الصحيح المزبور مع إطلاق الامر بنافلة الاحرام، مضافا إلى ما يشعر به قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (5) أيضا (إذا أردت الاحرام في غير وقت صلاة فريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرهما) بناء على كون المراد من مفهومه ولو بقرينة الشهرة وغيرها مما عرفت انه وإن كان في وقت فريضة صليت الركعتين ثم الفريضة وأحرمت عقيبها، لا أن المراد سقوطها


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 37 (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (3) و (5) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 5 (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 195 ]

بالفريضة إذا كان وقت فريضة والاجتزاء بفعل الفريضة. بل لعل التأمل في خبر إدريس بن عبد الله (1) يقضي بذلك أيضا، قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر كيف يصنع ؟ قال: يقيم إلى المغرب، قلت فان أبي جماله أن يقيم عليه قال: ليس له ان يخالف السنة، قلت: أله ان يتطوع بعد العصر ؟ قال: لا بأس به، ولكن أكره للشهرة، وتأخير ذلك أحب إلى قلت: كم أصلي إذا تطوعت ؟ قال: اربع ركعات) بناء على كون المراد ان تأخير التطوع للاحرام بعد ذلك أحب الي، لا أن المراد تأخير الاحرام عقيب المغرب حتى يسقط التطوع للاحرام احب الي، والظاهر اتحاد المراد من الخبر المزبور مع خبر ابن فضال (2) عن ابي الحسن المروي في الفقيه (في الرجل يأتي ذا الحليفة أو بعض الاوقات بعد صلاة العصر أو في غير وقت صلاة قال: ينتظر حتى تكون الساعة التي يصلي فيها) وانما قال ذلك مخافة الشهرة، إذ الظاهر أن قوله (وإنما) إلى آخره من كلام الصدوق أو الراوي. وكيف كان فقد ظهر لك من ذلك كله أنه لا كراهة في نافلة الاحرام في جميع الاوقات للنصوص السابقة، ولانها ليست من النوافل المبتدأة، بل هي من ذوات الاسباب، كما أنه ظهر لك عدم حرمتها في وقت فريضة، لاطلاق النصوص المعتضدة بالفتوى، بل مقتضى ما دل على كون الاحرام في وقت الفريضة ذلك، ضرورة فهم تبعية النافلة له في ذلك، إلا ان ذلك كله على طريق الندب، خلافا لما سمعته من الاسكافي المقتضي لوجوب نافلة الاحرام إذا لم تتفق في وقت فريضة، بل وللمحكي عن الجمل والعقود والمهذب والاشارة والغنية والوسيلة من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 - 4

[ 196 ]

تقديم الفريضة على النافلة، بل في كشف اللثام انه يشعر به كلام الحسن، قال وهو أظهر، لان الفرائض تقدم على النوافل إلا الرواتب قبلها، إذ لا نافلة في وقت فريضة، ولم أظفر بما يدل على استحباب نافلة الاحرام مع إيقاعه بعد فريضة إلا الذي سمعته الآن عن الرضا عليه السلام، ولذا قال في التذكرة وهل تكفي الفريضة عن ركعتي الاحرام ؟ يحتمل ذلك، وهو قول الشافعي، لكن لا يخفى عليك مجال النظر في كلامه بعد الاحاطة بما ذكرناه خصوصا بعد ان كان المختار جواز التطوع في وقت الفريضة كما ذكرناه في محله. وأما كيفية القراءة فلم اقف فيها إلا على خبر معاذ بن مسلم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يدع أن يقرأ قل هو الله احد وقل يا ايها الكافرون في سبعة مواطن: في الركعتين قبل الفجر وركعتي الزوال، وركعتين بعد المغرب، وركعتين في اول صلاة الليل، وركعتي الاحرام، والفجر إذا اصبحت بها، وركعتي الطواف) لكن في التهذيب بعد ان اورد ذلك قال: وفي رواية اخرى (2) (انه يقرأ في هذا كله بقل هو الله أحد، وفي الركعة الثانية بقل يا ايها الكافرون إلا في الركعتين قبل الفجر، فانه يبدأ بقل يا ايها الكافرون، ثم يقرأ في الركعة الثانية بقل هو الله احد)) والامر في ذلك سهل بعد كون الحكم ندبيا. بل ظهر لك ايضا الوجه في قول المصنف: (ويوقع نافلة الاحرام تبعا له ولو كان وقت فريضة مقدما للنافلة ما لم تتضيق الحاضرة) بل قوله (تبعا) مشعر بان دليل ذلك ما اشرنا سابقا من فهم تبعية النافلة للاحرام في المشروعية


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب القراءة في الصلاة الحديث 1 - 2

[ 197 ]

التي مقتضى النصوص كونها كذلك في ليل أو في نهار في وقت فريضة أو غيرها من الاوقات المكروهة وغيرها، ومن الغريب ما عن شارح الترددات من جعل الضمير في قوله (له) عائدا إلى الغسل اي يوقع النافلة تبعا للغسل لا يتراخى عنه، إذ هو - مع أنه كما ترى - لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه قائم كما سمعته من النصوص السابقة. بقي الكلام فيما ذكره غير واحد من استحباب الاحرام عقيب الفريضة ولو مقضية، إذ قد عرفت ان المستفاد من النصوص السابقة استحبابه عقيب الظهر، وإلا فمطلق المكتوبة المنساق منها الحاضرة، نعم في بعض النصوص (1) السابقة الفريضة لكن لا دلالة فيه على الندب، فتأمل. وقد ظهر لك مما ذكرناه من النصوص أن مقتضى العمل بها صلاة الست، ودونه الاربع، ودونه الركعتان، وضعف خبر الست بعد الانجبار، بعمل الاصحاب كما في كشف اللثام، وكون الحكم ندبيا غير قادح، كما انه لا يقدح في ذلك عدم ذكر الست في محكي الهداية والمقنع وجمل السيد. هذا كله في مقدمات الاحرام (وأما كيفيته فتشتمل على واجب ومندوب) لكن ينبغي أن يعلم أولا أنه ذكر بعض الافاضل مقدمة قبل ذلك، قال: ما حاصله الاحرام هنا كالاحرام في الصلاة، ومن المعلوم أن معنى الاحرام فيها الدخول فيها على وجه يحرم معه الكلام والضحك ونحوهما مما هو مبطل للصلاة، أو الدخول فيها على وجه يكون مصليا وإن لزمه الاول، كما أن الاول يستلزم الثاني وعلى كل حال يتحقق ذلك بتكبيرة الاحرام، بل سميت بذلك لذلك وان لم تكن هي السبب في الاحرام بل التكبيرة المقارنة للنية السبب فيه، إلا أنه لما كانت الجزء الاخير من العلة نسب إليها الاحرام، وحينئذ فالاحرام بالعمرة والحج هو


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الاحرام - الحديث 3

[ 198 ]

الدخول فيهما وصيرورة الشخص معتمرا أو حاجا، أو دخوله في حالة يحرم عليه معها ما يحرم على أحدهما ما لم يتحلل، وذلك إما هو ايقاع التلبية المقارنة لنية العمرة أو الحج ولو حكمية، أو غيره من النية الفعلية لاحدهما الواقعة في الموضع المعين، أو هي مع لبس الثوبين: أي اللبس المقارن لها، وأما مجموع التلبية والنية واللبس فهو راجع إلى الاول، لان المعلول ينسب إلى الجزء الاخير من العلة، والاول هو الذي صرح به الشيخ في التهذيبين، بل هو ظاهر كلام الاكثر المصرحين بعدم انعقاد الاحرام إلا بالتلبية، بل عليه الاجماع عن الانتصار والخلاف والجواهر والتذكرة والمنتهى وغيرها، مضافا إلى المعتبرة (1) المستفيضة المصرحة بجواز فعل كل ما يحرم على المحرم قبل التلبية وإن نوى، بل هو ايضا ظاهر المعتبرة (2) المستفيضة المصرحة بان الاحرام بعد فرض الحج في المسجد والصلاة ونحوها من المقدمات، منها صحيح معاوية بن وهب (3) (عن التهيؤ للاحرام فقال في مسجد الشجرة فقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ترى اناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم، تقول: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج). ولكن ينافي ذلك نصوص أخر (4) مستفيضة مصرحة بمغايرة الاحرام


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 والباب 34 منها الحديث 3 والباب 1 من أبواب المواقيت الحديث 4. (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 34 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 وذيله في الباب 40 منها الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاحرام

[ 199 ]

للتلبية وأنه قبلها، بل وما صرحوا به من وجوب الاحرام من الميقات وعدم جواز تأخيره عنه مع تصريح تلك النصوص بجواز تأخير التلبية عنه، بل وقولهم ولو عقد الاحرام ولم يلب لم يلزمه كفارة لما فعل، بل وكذا عدهم التلبية من واجبات الاحرام بل وكذا حكمهم بوجوب النية للاحرام المعلوم عدم وجوبها للتلبية كعدم وجوبها لتكبيرة الصلاة، ومن هنا كان الثاني هو ظاهر الاكثر المستفاد من جميع ما مر من منافيات كون التلبية وحدها الاحرام، وان كان ينافيه ما سمعته سابقا مما دل عليها، وربما رجح الاول بالجمع بينه وبين منافياته بأن ما يجوز تأخيره من التلبية هو الاجهار بها ورفع الصوت بها، كما أنه يمكن ترجيح الثاني بالجمع بينه وبين منافياته بأن المراد عدم انعقاد الاحرام إلا بالتلبية، بل لذلك أطلق الاحرام عليها، بمعنى أنه لا كفارة على المحرم قبلها لو تناول محرمات الاحرام من النساء وغيرها إلى آخر ما أطنب به إلا أنه كما ترى لا حاصل معتد به له، بل لا وجه لاحتمال كون الاحرام نفس ايقاع التلبية ضرورة كون الاحرام عبارة عن النسك المخصوص، وأغرب من ذلك نسبته إلى الشيخ وظاهر الاكثر، بل لا يخفى عليك وضوح الفرق بين إحرام الصلاة وبين المقام الذي معظمه تروك، وليس له أول يتلبس به نحو التكبير الذي هو أول افعال الصلاة، كما انه لا يخفى عليك عدم فائدة معتد بها لما ذكره بعد اتفاق الجميع على وجوب النية واللبس في الميقات وعدم التجاوز عنه بدونها وانه لا تحرم المحرمات إلا بالتلبية التي ستعرف الكلام في جواز تأخيرها عن الميقات وعدمه. وكيف كان (فالواجبات ثلاثة: الاول النية) بلا خلاف محقق فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض، مضافا إلى عموم الادلة وخصوصها كما ستمر عليك، نعم عن الشافعي وجهان، وفي محكي المبسوط (الافضل أن تكون مقارنة للاحرام، فان فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل) وفي المختلف (فيه

[ 200 ]

نظر فان الاولى إبطال ما لم يقع بنية لفوات الشرط) وعن الشهيد حمل ذلك على نية خصوص التمتع بعد نية الاحرام المطلق بناء على ما يأتي، أو الاحرام بعمرة مفردة أو حج مفرد بناء على جواز العدول عنهما إلى التمتع، قال: وعقل بعضهم من قوله ذلك تأخير النية عن التلبية، وفي كشف اللثام قلت: وقد يكون نظر إلى ما امضيناه من ان التروك لا تفتقر إلى النية، ولما اجمع على اشتراط الاحرام بها كالصوم قلنا بها في الجملة ولو قبل التحلل بلحظة إذ لا دليل على ازيد من ذلك ولو لم يكن في الصوم نحو قوله صلى الله عليه وآله (1) (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) قلنا فيه بمثل ذلك، وانما كان الافضل المقارنة لان النية شرط في ترتب الثواب على الترك، وفيه ان الدليل من إجماع أو غيره على اعتبارها فيه على نحو اعتبارها في غيره من العبادات المعلوم اعتبار المقارنة فيها، فلابد من حمل العبارة المزبورة على الخلاف. أو على إرادة جواز تأخيرها عن إنشاء الاحرام على الوجه الذي تسمعه، والمراد بقوله (فان فاتت) بيان حكم اتفاق فواتها لا العمد إلى تركها. (و) كيف كان فقد ذكر غير واحد أنها (هي أن يقصد بقلبه إلى امور أربعة ما يحرم به من حج أو عمرة متقربا) إلى الله تعالى شأنه (ونوعه من تمتع أو قران أو افراد وصفته من وجوب إو ندب، وما يحرم له من حجه الاسلام أو غيرها) ولكن قد عرفت في كتاب الطهارة والصلاة حقيقة النية، وأنها الداعي، وأنه لا يجب فيها أزيد من قصد القربة بمعنى امتثال الامر، والتعيين مع التعدد في المأمور به، ومنه يعلم ما في المسالك من أنه لا ريب في


(1) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب وجوب الصوم - الحديث 1 - من كتاب الصوم

[ 201 ]

اعتبار إحضار الفعل الموصوف بالصفات الاربعة بالبال ليتحقق القصد إليه، بل ويعلم أيضا أنه لا شئ من الاربعة بداخل في النية، وانما هي مشخصات المنوي، إذ النية عبارة عن القصد، وهو شئ واحد لا يقع التعدد إلا في معروضه، فيحتاج إلى التعيين حينئذ، لتوقف الامتثال عليه كما حققناه في محله. وربما كان في نصوص المقام دلالة عليه كصحيح معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة ونافلة، فان كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وإن كانت نافلة صليت ركعتين وأحرمت في دبرها، فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله تعالى واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله، وقل اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك، وآمن بوعدك، واتبع أمرك، فاني عبدك وفي قبضتك، لا أوقى إلا ما وقيت، ولا آخذ إلا ما أعطيت، وقد ذكرت الحج فاسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنة نبيك، وتقويني على ما ضعفت، وتسلم مني مناسكي في يسر منك وعافية، واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وسميت وكتبت، اللهم اني خرجت من شقة بعيدة، وانفقت مالي ابتغاء مرضاتك، اللهم فتمم لي حجتي وعمرتي، اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك، فان عرض لي شئ يحبسني فحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت علي، اللهم إن لم تكن حجة فعمرة، أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والطيب والثياب، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، قال: ويجزيك أن تقول هذا مرة واحدة حين تحرم، ثم قم فامش هنيئة، فإذا استوت بك الارض ماشيا كنت أو راكبا فلب) وصحيح حماد بن عثمان (2) عنه عليه السلام أيضا


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 202 ]

(قلت له: إني أريد أن أتمتع بالعمرة الي الحج كيف أقول ؟ قال تقول: اللهم إني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله، وإن شئت أضمرت الذي تريد) وصحيح عبد الله بن سنان (1) عنه (عليه السلام): أيضا (إذا أردت الاحرام والتمتع فقل: اللهم اني أريد ما أمرت من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسر لي ذلك، وتقبله مني، واعني عليه، وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي أحرم لك شعري وبشري من النساء والطيب والثياب، وإن شئت فلب حين تنهض، وإن شئت فأخره حتى تركب بعيرك وتستقبل القبلة فافعل)) وخبر اسحاق بن عمار (2) (قلت لابي ابراهيم عليه السلام: إن أصحابنا يختلفون في وجهين من الحج، فيقول بعض أحرم بالحج مفردا فإذا طفت بالبيت وسعيت بين الصفا والمروة فاحل واجعلها عمرة، وبعضهم يقول: أحرم وانو المتعة بالعمرة إلى الحج، أي هذين أحب اليك ؟ قال انو المتعة) وصحيح البزنطي (3) عن أبي الحسن عليه السلام: (سألته عن رجل تمتع كيف يصنع ؟ قال: ينوي العمرة ويحرم بالحج) إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة ذكر التعيين الذي يؤكده مع ذلك ما سمعته من مسألة العدول، ضرورة انه لو لم يعتبر التعيين لم يحتج إلى العدول المعتبر فيه ما عرفت، لان الفرض مشروعية النية على الاطلاق بل كان هو الاحوط لئلا يفتقر إلى العدول إذا اضطر إليه، ولا يحتاج إلى اشتراط إن لم تكن حجة فعمرة. لكن عن المنتهى والتذكرة مع اعتبار نية الامور الاربعة (ولو نوى الاحرام مطلقا ولم ينو حجا ولا عمرة انعقد احرامه، وكان له صرفه إلى أيهما شاء)


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 2

[ 203 ]

ولا يخفى عليك التدافع بين الكلامين كما اعترف به غير واحد، نعم عن المبسوط والمهذب والوسيلة الصحة والتخيير بين الحج والعمرة في أشهر الحج، والانصراف إلى عمرة مفردة في غيرها، بل مال جماعة من متأخري المتأخرين إلى عدم اعتبار التعيين، بل في كشف اللثام هو الاقوى، لان النسكين في الحقيقة غايتان للاحرام غير داخلين في حقيقته، ولا تختلف حقيقة الاحرام نوعا ولا صنفا باختلاف غاياته كالوضوء والغسل، فالاصل عدم وجوب التعيين بعد حمل أخباره على الغالب أو الفضل، وكذا أخبار (1) العدول والاشتراط، ولان الاحرام بالحج يخالف غيره من احرام سائر العبادات، لانه لا يخرج منه بالفساد، وإذا عقد عن غيره أو تطوعا وقع عن فرضه، فجاز أن ينعقد مطلقا، ولما يأتي (2) من أن أمير المؤمنين عليه السلام أهل اهلاله كاهلال النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن يعرف إهلاله، ولما روته العامة (3) من انه صلى الله عليه وآله خرج من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة). إلا ان الجميع كما ترى، ضرورة إمكان منع كون النسكين غايتين للاحرام بل هو جزء من كل منهما كما هو ظاهر النصوص والفتاوى أو صريحهما، وإن كان المتجه بناء على ذلك الاكتفاء بنية كل منهما عن نيته كما في غيره من اجزاء العبادات إلا أنه يمكن القول باعتبارها لظاهر النص والفتوى، ولا ينافي ذلك جزئيته كالطواف وركعتيه والسعي والوقوفين وغيرها، وربما قيل إن المراد من نية


(1) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج والباب 23 من ابواب الاحرام. (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 3 (3) سنن البيهقي ج 5 ص 6

[ 204 ]

تعيينه نية النسك، بل يمكن حمل النص والفتوى عليه إن لم يكن ظاهرهما، وإن كان هو واضح الفساد، ضرورة صراحة الفتاوى باعتبار نية مخصوصة للاحرام كغيره من أجزاء النسك. وعلى كل حال فلا داعي حينئذ إلى حمل اخبار التعيين والعدول والاشتراط على ما عرفت، بل لعل الداعي إلى خلافه متحقق، ومن الواضح حينئذ اعتباره لتوقف صدق الامتثال عليه، ومخالفة الاحرام لغيره من إحرام العبادات لا تقتضي صحة وقوعه مطلقا، ودعوى انه إذا عقده عن غيره أو تطوعا وقع عن فرضه لم يحضرني دليل لها الآن وان أرسلها هذا المستدل ارسال المسلمات، نعم قد ذكرنا سابقا أن من تعين عليه الحج لا يجوز له الحج عن غيره تبرعا لا أنه إن اوقعه عن غيره مثلا يقع عن فرضه قهرا، فانه لا دليل عليه، وان حكي عن الشيخ ولكن الذي يقتضيه الدليل بطلانه عن كل منهما، فلاحظ وتأمل. وخبر علي بن جعفر (1) المروي عن قرب الاسناد مع انه غير جامع لشرائط الحجية غير صريح ولا ظاهر في ذلك، بل ربما كان ظاهره الغلط اللفظي لا القصدي، ولذا استدل به عليه، وما عن امير المؤمنين عليه السلام - بعد تسليم كونه كذلك، ولذا منع في المختلف عدم معرفة أمير المؤمنين عليه السلام - بعد تسليم كونه كذلك، ولذا منع في المختلف عدم معرفة أمير المؤمنين عليه السلام ما أهل به النبي صلى الله عليه وآله، ولعله لما في صحيح معاوية بن عمار (2) من (ان عليا عليه السلام قد جاء باربعة وثلاثين بدنة أو ستا وثلاثين) فيكون المراد حينئذ بقوله عليه السلام: (إهلالا كاهلال رسول الله صلى الله عليه وآله) الحج قارنا - يمكن حمله على اختصاصه بالحكم المزبور، كما عساه يشعر به افتخاره به على غيره، على أنه غير ما نحن فيه من كون الاحرام


(1) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 3

[ 205 ]

مطلقا، ضرورة كونه معينا، إلا انه لا يعلم خصوصه، وما روته العامة غير ثابت، بل الثابت خلافه، ودعوى أن الاصل عدم اعتبار التعيين وكذا إطلاق الادلة واضحة المنع، بل الاصل يقتضي خلافه بعد ما عرفت من توقف الامتثال عليه، لكون الاحرام جزء النسك المفروض تعلق (تعدد خ ل) الخطاب به، وليس في الادلة إطلاق يقتضي ذلك، بل قد عرفت ظهور الادلة في خلافه، فالتحقيق حينئذ اعتبار التعيين كغيره من العبادات كما صرح به الفاضل في القواعد وغيره بل لا يبعد اعتبار التعيين في حال تعين النسك على المكلف كما هو ظاهر النصوص والفتاوى، وان استقرب الانصراف إليه في محكي التذكرة والمنتهى لكن فيه أنه لا تصرفه إلا النية مع فرض عدم الصارف شرعا كما في صوم يوم شعبان فبان انه من شهر رمضان، وكونه متعينا عليه لا يقتضي الانصراف مع فرض عدم ملاحظته من هذه الحيثية، وإلا كان ضربا من التعيين، اما مع عدمه فالمتجه البطلان، لعدم صدق الامتثال بعدم موافقة الامر على ما هو عليه، ضرورة الاكتفاء في التعدد بالخطأ والغلط وتعمد الغير ونحو ذلك، ويمكن حمل كلام القائل بالاكتفاء على صورة وقوعه ملاحظا كونه المكلف به، فانه حينئذ تعيين وان لم يشخصه في ذلك الحال لجهل أو غيره. والله العالم. (ولو نوى نوعا ونطق بغيره) عمدا أو سهوا (عمل على نيته) بلا خلاف بل ولا اشكال، ضرورة كون المدار في الاعمال على النيات، بل في بعض النصوص (1) السابقة التصريح بذلك مضافا إلى خبر علي بن جعفر (2) المروي عن قرب الاسناد (سأل اخاه عن رجل احرم قبل التروية فاراد الاحرام بالحج يوم التروية فأخطأ فذكر العمرة فقال (عليه السلام): ليس عليه شئ فليعتد بالاحرام


(1) و (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 8

[ 206 ]

بالحج) ولو لم ينطق بشئ صحت وصح الاحرام ولم يكن عليه شئ كما نص عليه نحو صحيح حماد بن عثمان (1) عن الصادق (عليه السلام) المتقدم سابقا، بل ستعرف ان الاضمار افضل (ولو اخل بالنية) أي لم يأت بها اصلا (عمدا أو سهوا لم يصح إحرامه) بلا خلاف فيه كما في المدارك لكونها جزءا منه أو شرطا فيه، ففواتها على كل حال مخل به وسأل الحلبي (2) في الحسن الصادق (عليه السلام): (عن رجل لبى بحجة وعمرة وليس يريد الحج، قال: ليس بشئ، ولا ينبغي له ان يفعل) ولا يشكل ذلك بعدم اعتبار النية في الاحرام بناء على انه جزء من النسك الذي يكفي نيته عن نية خصوص الاحرام ضرورة بناء الحكم هنا على اعتبار النية فيه وإن قلنا بجزئيته كما عرفت الكلام فيه، أو على ان المراد فوات نية النسك نفسه الذي يبطل معه الاحرام، وان كان هو خلاف ظاهر الاصحاب أو صريحهم من اعتبار نية للاحرام بخصوصه كباقي اجزاء الحج، ولا يكفي نية العمرة أو الحج عن نيته له، فالاولى حينئذ الجمع بين نية النسك وبين التفصيل للاجزاء ولا تكفي الاولى عن الثانية، نعم يمكن الاكتفاء بالعكس مع فرض الاتيان بالاجزاء على انها اجزاء النسك المخصوص، والاولى الجمع. ثم لا يخفى أن الحكم ببطلان الاحرام بفوات نيته عمدا أو جهلا أو سهوا لا يقتضي بطلان الحج بفواته كما عرفت الكلام فيه مفصلا في مسألة نسيان الاحرام اصلا، أو تركه جهلا فضلا عن نيته خاصة، نعم ظاهر العبارة وغيرها عدم كون الاحرام هو النية، ضرورة مغايرة النية للمنوي، وقد تقدم الكلام فيه ايضا سابقا.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 4

[ 207 ]

(ولو احرم بالحج والعمرة) لم يقع لهما، لانهما لا يقعان بنية واحدة وفي احرام واحد، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع على عدم جواز القران بينهما باحرام واحد، ولكن هل هي فاسدة لفساد المنوي وإن كان في اشهر الحج كما قربه الفاضل، أو انه متى فعل ذلك (وكان في اشهر الحج كان مخيرا بين الحج والعمرة إذا لم يتعين عليه احدهما) وإلا كان للمتعين (وان كان في غير اشهر الحج تعين للعمرة) المفردة كما عن الخلاف والمبسوط، بل في كشف اللثام (هو قوي على ما ذكرناه، فانهما إذا لم يدخلا في حقيقته الاحرام فكأنه نوى ان يحرم ليوقع بعد ذلك النسكين، وليس فيه شئ وان عزم على ايقاعهما في هذا الاحرام وان لم يكن في أشهر الحج) وفيه مالا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، بل لا ينبغي التأمل في البطلان مع فرض ملاحظة المعية التي لا امر بها. (و) من هنا قال المصنف: (لو قيل بالبطلان في الاول ولزوم تجديد النية كان اشبه) باصول المذهب وقواعده، إلا ان ظاهره الصحة في الثاني، ولعله لان الحج لما لم يمكن في غيرها لم يكن التعرض له إلا لغوا محضا بل خطأ، وفيه ان اللغوية أو الخطائية لا تنافي حصول البطلان باعتبار عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، اللهم إلا ان يفرض ملاحظة امتثال امر كل منهما من غير ملاحظة الاجتماع، فيتجه الصحة في الثاني باعتبار عدم منافاة الضم لصحة المضموم إليه، بخلاف الاول الفاقد للتعيين باعتبار صلاحية الوقت لكل منهما، هذا، وفي المسالك نسبة القول بالصحة في الاول إلى ابن أبي عقيل وجماعة تبعا للكركي، وفيه أن ابن أبي عقيل وإن قال بصحة الاحرام بالحج والعمرة في نية واحدة بشرط سياق الهدي لكن لا يقول بالتخيير، بل يقول بوجوب العمرة اولا ثم الحج، وانه لا يحل من العمرة بعد الاتيان بافعالها وانما يحل بعد الاتيان بافعال الحج. وعلى كل حال فليس في خبر يعقوب بن شعيب (1) دلالة علي جواز


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 3

[ 208 ]

الاحرام بهما، قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) فقلت كيف ترى لى ان اهل ؟ فقال: ان شئت سميت، وان شئت لم تسم شيئا، فقلت: كيف تصنع انت ؟ قال: اجمعهما فأقول لبيك بحجة وعمرة معا، ثم قال: اما اني قلت لاصحابك غير هذا) لان الظاهر ارادة حج التمتع الذي دخلت العمرة فيه إلى يوم القيامة، وظاهر آخره انه قال لاصحابه ما يوافق التقية، واوضح منه صحيح الحلبي (1) عنه عليه السلام ايضا قال: (ان عثمان خرج حاجا فلما خرج إلى الايواء امر مناديا ينادي في الناس اجعلوها حجة ولا تتمتعوا، فنادى المنادي فمر المنادي بالمقداد بن الاسود فقال: اما لتجدن عند القلائص رجلا ينكر ما تقول فلما انتهى المنادي إلى علي (عليه السلام) وكان عند ركائبه يلقمها خبطا ودقيقا، فلما سمع النداء تركها ومضى إلى عثمان، وقال: ما هذا الذي امرت به ؟ فقال: رأي رأيته، فقال: والله لقد امرت بخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله ثم ادبر موليا رافعا صوته لبيك بحجة وعمرة معا لبيك، وكان مروان بن الحكم يقول بعد ذلك: فكأني انظر إلى بياض الدقيق مع خضرة الخبط على ذراعية) وقد سمعت قول الرضا عليه السلام في صحيح ابن ابي نصر (2) في المتمتع انه ينوي العمرة ويحرم بالحج، وفي خبر اسماعيل الجعفي (3) قال: (خرجت انا وميسر واناس من اصحابنا فقال لنا زرارة: لبوا بالحج، فدخلنا على ابي جعفر عليه السلام فقلنا له: اصلحك الله انا نريد الحج ونحن قوم صرورة أو كلنا صرورة فكيف نصنع ؟ فقال: لبوا بالعمرة، فلما خرجنا قدم عبد الملك بن اعين فقلنا له ألا تعجب من زرارة قال لنا: لبوا بالحج وان ابا جعفر (عليه السلام) قال لنا: لبوا بالعمرة


(1) و (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الاحرام - الحديث 7 - 3 (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 209 ]

فدخل عبد الملك بن أعين فقال له: إن أناسا من مواليك أمرهم زرارة أن يلبوا بالحج عنك وأنهم دخلوا عليك وأمرتهم أن يلبوا بالعمرة فقال أبو جعفر عليه السلام: يريد كل إنسان منهم أن يسمع على حدة، أعدهم علي، فدخلنا فقال: لبوا بالحج، فان رسول الله صلى الله عليه وآله لبى بالحج) وفي خبر أبان بن تغلب (1) (قلت لابي عبد الله عليه السلام بأي شئ أهل ؟ قال: لا تسم حجا ولا عمرة وأضمر في نفسك المتعة. فان أدركت كنت متمتعا، وإلا كنت حاجا) وفي خبر حمران ابن أعين (2) قال: (دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: بم أهللت ؟ فقلت: بالعمرة، فقال: أفلا أهللت بالحج ونويت المتعة فصارت عمرتك كوفية وحجتك مكية، ولو كنت نويت المتعة وأهللت بالحج كانت حجتك وعمرتك كوفيتين) وكأنه عليه السلام فهم منه العمرة المفردة، وحينئذ فالمراد أن ما صنعه يكون عمرة كوفية باعتبار الاهلال، وحجة مكية باعتبار الاحرام بها من مكة، بخلاف ما لو نوى المتعة، فانهما معا يكونان كوفيتين، لان حج التمتع الذي هو كوفي مركب منهما. وعلى كل حال فالى بعض ذلك أشار الشهيد في الدروس قال: وروى زرارة (3) (ان المتمتع يهل بالحج، فإذا طاف وسعى وقصر أهل بالحج) وفي صحيح الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) وروى (5) إسحاق بن عمار نيته المتعة، وروى الحلبي (6) (ان عليا عليه السلام قال:


(1) و (2) و (6) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 - 5 - 7 (3) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 (4) الباب - 3 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 9

[ 210 ]

لبيك بحجة وعمرة معا) وليس يبعد إجزاء الجميع، إذ الحج المنوي هو الذي دخلت فيه العمرة، فهو دال عليها بالتضمن، ونيتهما معا باعتبار دخول الحج فيها والشيخ بالغ في الاقتصار على نية المتعة والاهلال بها، وتأويل الاخبار المعارضة لها، قلت: لا ريب في أن المتجه جواز الجميع عملا بجميع النصوص المراد منها جميعا الاشارة إلى نية حج التمتع، ولكن بعبارات متعددة، منها الاهلال بالحج مضمرا التمتع ومنها الاهلال بعمرة التمتع، ومنها الاهلال بحجة وعمرة معا، ولعل الاضمار أفضل، قال منصور بن حازم (1): (أمرنا أبو عبد الله عليه السلام أن نلبي ولا نسمي شيئا، وقال: أصحاب الاضمار أحب إلي) وسأل اسحاق بن عمار (2) أبا الحسن موسى عليه السلام فقال: (أصحاب الاضمار أحب إلي، فلب ولا تسم شيئا). بقي الكلام في شئ، وهو مالو نوى نسيانا غير المتعين عليه فهل يصح للمتعين أو يقع باطلا لهما ويحتاج إلى تجديد النية ؟ الاقوى الثاني بناء على ما عرفت من عدم الليل على الصرف شرعا قهرا كما ذكرنا الكلام فيه، والله العالم. (ولو قال) ناويا أحرم (كاحرام فلان وكان عالما) حين النية (بماذا أحرم صح) بلا خلاف ولا إشكال، لوجود المقتضي من النية والتعيين وعدم المانع (وإن كان جاهلا قيل) والقائل الشيخ والفاضل في محكي المنتهى والتذكرة يصح، إما بناء على أن الابهام لا يبطله فضلا عن مثل الفرض، أو لصيحيح الحلبي وحسنه (3) عن الصادق عليه السلام في حجة الوداع (انه صلى الله عليه وآله قال: يا علي بأي شئ أهللت ؟ فقال: أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وآله) وصحيح معاوية بن عمار (4)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 - 6 (3) و (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 13 - 3

[ 211 ]

عنه عليه السلام (انه قال: قلت: إهلالا كاهلال النبي صلى الله عليه وآله) لكن قد عرفت الكلام في الابهام، بل قد عرفت أنهما غير صريحين بل ولا ظاهرين في جهله بما أحرم به النبي صلى الله عليه وآله، ولا في أنه نوى كذلك، لاحتمالهما أن يكون نوى حج القران كما نواه النبي صلى الله عليه وآله، بل لعل (قلت) في الاخير بمعنى لفظت أو نويت، بل ربما قيل: الظاهر أن (إهلالا) مفعوله، بل قد سمعت ما في بعض النصوص (1) من أنه عليه السلام قد كان سائقا أربعا أو ستا وثلاثين بدنة، نعم عن أعلام الورى (2) للطبرسي (رحمه الله) (أنه قال: يا رسول الله لم تكتب إلي باهلالك، فقلت: إهلالا كاهلال نبيك) ونحوه عن روض الجنان للرازي بل في خبري الحلبي (3) (ان النبي صلى الله عليه وآله كان ساق مائة بدنة، فأشركه في الهدي وجعل له سبعا وثلاثين بدنة) وهو ظاهر في عدم سوقه المانع من نية القران، بل في الفقيه (4) (وكان النبي صلى الله عليه وآله ساق معه مائة بدنة، فجعل لعلي عليه السلام منها أربعا وثلاثين، ولنفسه ستا وستين، ونحرها كلها بيده - إلى أن قال - وكان علي عليه السلام يفتخر علي الصحابة ويقول: من فيكم مثلي وأنا شريك رسول الله صلى الله عليه وآله في هديه، من فيكم مثلي وأنا الذي ذبح رسول الله صلى الله عليه وآله هديي بيده) إلا ان اختلاف النصوص فيما سمعت - واحتمال اختصاصه عليه السلام كما يؤمي إليه افتخاره به، خصوصا مع احتماله عليه السلام نزول حكم جديد وكان متعذرا عليه حصول


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 - 31 - 13 (4) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 24 - ي إ، إلا أنه لم يذكر ذيله وذكره في الفقيه ج 2 ص 153 الرقم 665

[ 212 ]

اليقين بما هو مكلف به، بخلاف من يعلم شغل ذمته بنوع - كاف في عدم الخروج فيها عملا بقتضي اليقين، خصوصا بعد ملاحظة عدم صدق القران في الفرض إذا فرض كون زيد مثلا قارنا، اللهم إلا أن يقرن حينئذ ولو في مكة، وعد مثله حج قران كما ترى، ومن هنا كان الاقوى البطلان وفاقا لجماعة، ولكن على الصحة فان بان له الحال قبل الطواف كما اتفق لعلي عليه السلام عمل على مقتضاه وقرن حينئذ، وفيه ما عرفت. وإن استمر الاشتباه لموت أو غيبة قال الشيخ: (يتمتع احتياطا) للحج والعمرة، لانه إن كان متمتعا فقد وافق، وإن كان غيره فالعدول منه جائز، وفيه ان العدول انما يسوغ في حج الافراد خاصة إذا لم يكن متعينا عليه، على أن العدول على خلاف القواعد، والثابت منه حال معلومية المعدول عنه لا مشكوكيته، ولعله لذا حكي عن بعض البطلان في الفرض، لتعذر معرفة ما أحرم به، فيكون من المجمل الذي لا يجوز الخطاب به مع عدم طريق لامتثاله وربما احتمل التخيير كما في حالة الاطلاق ونسيان ما أحرم به، والجميع كما ترى شك في شك. ولكن على كل حال قول المصنف: (وإن كان جاهلا قيل: يتمتع احتياطا) ليس بجيد، لما عرفت من أن القول بالتمتع مع استمرار الاشتباه لا مطلقا. ولو بان أن فلانا لم يحرم انعقد مطلقا وكان مخيرا بين الحج والعمرة كما عن الشيخ والفاضل التصريح به. ولو لم يعلم هل أحرم أم لا كان بحكم من لم يحرم. ولو طاف قبل التعين لم يعتد بطوافه، لانه لم يطف في حج أو عمرة، ولا يخفى عليك ما في الجميع بعد فرض أن دليل الصحة في المفروض ما وقع من علي عليه السلام، ضرورة كون المتجه حينئذ الاقتصار عليه فيما خالف قاعدة وجوب التعيين

[ 213 ]

ولا ريب في عدم تناوله لامثال ذلك، كما هو واضح. (ولو نسي بماذا أحرم كان مخيرا بين الحج والعمرة إذا لم يلزمه أحدهما) وإلا صرف إليه كما صرح به الفاضل والشهيدان وغيرهم، لانه كان له الاحرام بأيهما شاء إذا لم يتعين عليه أحدهما، فله صرف إحرامه إلى أيهما شاء، لعدم الرجحان، وعدم جواز الاحلال بدون النسك إلا إذا صد أو أحصر، ولا جمع بين النسكين في إحرام، أما إذا تعين عليه أحدهما صرف إليه، لان الظاهر من حال المكلف الاتيان بما هو فرضه، خصوصا مع العزم المتقدم على الاتيان بذلك الواجب، وفيه ان التخيير في الابتداء لا يقتضي ثبوته بعد التعيين، ضرورة تغير الموضوع المانع من جريان الاستصحاب، وكذا عدم الرجحان، وعدم جواز الاحلال بدون النسك، ودعوى اقتضاء العقل التخيير لاجمال المكلف به وعدم طريق إلى امتثاله يدفعها أن المتجه حينئذ ارتفاع الخطاب به فيبطل، لا التخيير ولو فرض توقف التحليل على اختيار أحدهما ليحصل به الطواف المقتضي للتحليل وإلا كان محرما أبدا فهو ليس من التخير على نحو الابتداء، ضرورة عدم تحقق خطاب به، بل هو طريق لتحليله وافق أو خالف، كما انه لا دليل على اعتبار الظهور المزبور مع تعين أحدهما عليه، وأصالة الصحة لا تقتضي التشخيص في وجه كما عساه يرشد إلى ذلك في الجملة ما ذكروه من البطلان في مسألة الشك في أنه هل نوى ظهرا أو عصرا إذا لم يكن قد حفظ ما قام إليه، وإلا عمل عليه للنص (1) على ان الصحة أعم من الانصراف إلى ما تعين عليه، إذ الظاهر حصولها مع الجهل أو النسيان أو الغفلة أو غير ذلك، نعم هو متجه بناء على الصرف شرعا نحو الصوم في شهر رمضان، ولكن لا دليل عليه هنا كما اسلفناه وان ادعاه بعضهم، بل * (هاش) * (1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة

[ 214 ]

أرسله إرسال المسلمات، نعم قد يقال بتشخيص اصل الصحة إذا كان الفعل لا يصح إلا للمعين وان وقع غفلة لغيره، بل وإن صح مع الغفلة ايضا في وجه قوي باعتبار أن الاصل عدم الغفلة، ومسألة الشك في الظهر والعصر مع فرض مخالفتها لذلك فهي للنصوص (1) فتأمل جيدا، هذا. وعن الشيخ في الخلاف (يجعله عمرة، لانه إن كان متمتعا فقد وافق، وان كان غيره فالعدول منه إلى غيره جائز - قال -: وإذا احرم بالعمرة لا يمكنه ان يجعلها حجة مع القدرة على أفعال العمرة، فلهذا قلنا يجعلها عمرة على كل حال) وعن المنتهى والتحرير انه حسن، وهو المحكي عن احمد، وعن الشافعي في القديم (يتحرى لانه اشتباه في شرط العبادة كالاناءين المشتبهين) ولا يخفى عليك ما في الاصل وفرعه، نعم ما ذكره الشيخ قوي بناء على ان له ذلك على كل حال وان حكم العدول يشمله، وإلا كان المتجه البطلان بمعنى سقوط الخطاب به بعد عدم الطريق إلى امتثاله ولو بالاحتياط بفعل كل محتمل، فانه وان كان ليس هذا جمعا بين النسكين بل هو مقدمة ليقين البراءة إلا ان فعل أحدهما يقتضي التحليل لاشتماله على الطواف، ولعل مرادهم بالتخيير هذا المعنى، لا أن خطابه ينقلب إلى التخيير كما في الابتداء. ومن ذلك يعلم لك الحال فيما ذكروه من الفروع في المقام، منها لو تجدد الشك بعد الطواف ففي التذكرة والتحرير جعلها عمرة متمتعا بها، وفي الدروس هو حسن ان لم يتعين عليه غيره، وإلا صرف إليه، ومنها لو شك هل احرم بهما أو بأحدهما معينا انصرف إلى ما عليه ان كان معينا، وإلا تخير بينهما ولزمه أحدهما وان كان الاصل البراءة وكان الاحرام بهما فاسدا، فان الاصل الصحة،


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب النية من كتاب الصلاة

[ 215 ]

وكذا لو شك هل احرم بهما أو بأحدهما مبهما أو معينا، اما إذا علم انه إما احرم بهما أو بأحدهما مبهما فهو باطل بناء على اشتراط التعيين، وعن المبسوط (ان شك هل احرم بهما أو بأحدهما فعل ايهما شاء) وهو اعم على مختاره من احدهما معينا ومبهما فتأمل جيدا فان المقام غير منقح في كلامهم، ولعل التحقيق ما عرفت من البطلان، أو التخيير على الوجه الذي ذكرناه، والانصراف إلى المعين ان كان خصوصا مع عدم صحة غيره ولو غفلة لما عرفت، والله العالم. (الثاني) من واجباته (التلبيات الاربع) بلا خلاف في اصل وجوبها في الجملة، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) التي سيمر عليك بعضها، بل عن المنتهى والتذكرة الاجماع على عدم وجوب الزائد، بل عن الاول منهما انه إجماع اهل العلم، لكن عن الاقتصاد (تلبي فرضا واجبا، فتقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك، لبيك بحجة وعمرة، أو بحجة مفردة، تمامها عليك، لبيك، وان اضاف إلى ذلك ألفاظا مروية من التلبيات كان افضل) وظاهره وجوب الخمس، بل عن المهذب البارع (أن فيها قولا آخر، وهو الست) وإن كنا لم نتحققه، كما أنه لم نتحقق القول بالخمس إلا لمن عرفت، مع انه محجوج بما سمعت من الاجماع بقسميه وما تسمعه من النصوص، نعم في بعض النصوص (2) الزيادة على ذلك إلا انها محمولة بقرينة ما عرفت على ضرب من الندب كما صرح به في بعضها (3) نعم لهم خلاف في صورتها، وستعرف البحث فيه ان شاء الله. وكيف كان (ف‍) لا خلاف في أنه (لا ينعقد الاحرام لمتمتع) بعمرة


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام الحديث 0 - 0 - 2

[ 216 ]

أو حجة (ولا لمفرد) معتمر ولا حاج (إلا بها) بل الاجماع محصلا ومحكيا في الانتصار والغنية والخلاف والجواهر والتذكرة والمنتهى وغيرها على ما حكي عن بعضها عليه بمعنى عدم الاثم والكفارة في ارتكاب المحرمات عليه قبلها، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (1): (لا بأس أن يصلي الرجل في مسجد الشجرة ويقول الذي يريد أن يقوله، ولا يلبي ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره فليس عليه فيه شئ) وفي صحيح ابن الحجاج (2) (في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الاحرام ولم يلب قال: ليس عليه شئ) وفي صحيحه مع حفص ابن البختري (3) (ان الصادق عليه السلام صلى ركعتين في مسجد الشجرة وعقد الاحرام فأتي بخبيص فيه زعفران فأكل منه) وقال أحدهما (عليهما السلام) في مرسل جميل (4) (في رجل صلى في مسجد الشجرة وعقد الاحرام وأهل بالحج ثم مس الطيب وأصاب طيرا أو وقع على أهله قال عليه السلام: ليس بشئ حتى يلبي) وفي مرسله الآخر (5) عن أحدهما (عليهما السلام) أيضا: (في رجل صلى الظهر في مسجد الشجرة وعقد الاحرام ثم مس طيبا أو صاد صيدا أو واقع أهله قال عليه السلام: ليس عليه شئ ما لم يلب) وفي خبر ابن سنان (6) المروي عن مستطرفات السرائر سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاهلال بالحج وعقدته قال: هو التلبية، إذا لبى وهو متوجه فقد وجب عليه ما يجب على المحرم) وفي صحيح حريز (7) عن ابي عبد الله عليه ايضا (في الرجل إذا تهيأ للاحرام فله ان يأتي النساء ما لم يعقد التلبية أو يلب) وفي خبر زياد بن مروان (8) (قلت لابي الحسن عليه السلام: ما تقول


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 2 - 3 - 6 - 9 - 15 - 8 - 10

[ 217 ]

في رجل تهيأ للاحرام وفرغ من كل شئ الصلاة وجميع الشروط إلا أنه لم يلب ؟ أله أن ينقض ذلك ويواقع النساء ؟ قال: نعم) وفي خبر الحسين بن سويد (1) عن بعض أصحابه، قال: (كتبت إلى ابي ابراهيم عليه السلام رجل دخل مسجد الشجرة فصلى وأحرم وخرج من المسجد فبدا له قبل ان يلبي أن ينقض ذلك بمواقعة النساء أله ذلك ؟ فكتب عليه السلام نعم ولا بأس به) وفي صحيح حفص بن البختري (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (فيمن عقد الاحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على أهله قبل أن يلبي قال: ليس عليه شئ) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك. بل في التهذيب (المعنى في هذه الاحاديث أن من اغتسل للاحرام وصلى وقال ما أراد من القول بعد الصلاة لم يكن في الحقيقة محرما، وانما يكون عاقدا للحج والعمرة، وانما يدخل في أن يكون محرما إذا لبي والذي يدل على هذا المعنى ما رواه موسى بن القاسم (3) عن صفوان عن معاوية بن عمار وغير معاوية ممن روى صفوان عنه هذه الاحاديث يعني الاحاديث المتقدمة، وقال: هي عندنا مستفيضة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا إذا صلى الرجل ركعتين وقال الذي يريد أن يقول من حج أو عمرة في مقامه ذلك فانه انما فرض


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام - الحديث 12 - 13 والاول عن النضر بن سويد. (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 و 5 وفي الوسائل جعل هذا الخبر روايتين حيث انه اضاف حرف الواو بعد قوله مستفيضة فقال: " وعن ابي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام) " إلا ان الموجود في الاستبصار ج 2 ص 189 - الرقم 634 - وكذلك في التهذيب ج 5 ص 83 كما ذكر في الجواهر.

[ 218 ]

على نفسه الحج وعقد عقد الحج، وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث صلى في مسجد الشجرة صلى وعقد الحج، ولم يقل صلى وعقد الاحرام، فلذلك صار عندنا أن لا يكون عليه فيما أكل مما يحرم على المحرم، ولانه قد جاء في الرجل يأكل الصيد قبل أن يلبي وقد صلى وقد قال الذي يريد أن يقول ولكن لم يلب، وقالوا: قال ابان بن تغلب عن ابي عبد الله عليه السلام: يأكل الصيد وغيره، فانما فرض على نفسه الذي قال فليس له عندنا ان يرجع حتى يتم إحرامه فانما فرضه عندنا عزيمة حين فعل ما فعل لا يكون له ان يرجع إلى اهله حتى يمضي، وهو مباح له قبل ذلك، وله ان يرجع متى شاء، وإذا فرض على نفسه الحج ثم أتم بالتلبية فقد حرم عليه الصيد وغيره، ووجب عليه في فعله ما يجب على المحرم، لانه قد يوجب الاحرام أشياء ثلاثة: الاشعار والتلبية والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم، وإذا فعل الوجه الآخر قبل أن يلبي فلبى فقد فرض) ولا يخفى عليك ما فيه، ضرورة صراحة النصوص في عقد الاحرام لا الحج المراد منه ولو بالقرينة إنشاء نيته وغيره مما ذكر فيه إلا انه لم يلب، كما أنها ظاهرة أو صريحة في ان له نقض الاحرام ورفع اليد منه وإن كان قد نواه ما لم يلب، لعدم انعقاد الاحرام على وجه يجب إكماله فيما ذكره، وما حكاه عن ابان فالظاهر انه اجتهاد منه لا انه من قول الصادق عليه السلام، ولا ريب في مخالفته لظاهر النصوص بل وللفتاوى، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، كما أن من المعلوم شذوذ خبر احمد بن محمد (1) قال: (سمعت ابي يقول في رجل يلبس ثيابه ويتهيأ للاحرام ثم يواقع اهله قبل ان يهل بالاحرام قال: عليه دم) وعن الاستبصار حمله على الاستحباب ولا بأس به.


(1) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب ااحرام - الحديث 14

[ 219 ]

وكيف كان فلا إشكال في ظهور النصوص المزبورة في عدم اعتبار مقارنة النية للتلبية الذي هو مقتضي الاصل ايضا - كما هو مفروع منه في محله - وظاهر المعظم بل الجميع إلا من ستعرف، مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار (1) المتقدم سابقا في البحث عن النية (اللهم إنى إريد ان اتمتع بالعمره إلى الحج على كتابك وسنة نبيك - إلى ان قال -: ويجزيك ان تقول هذا مرة واحدة حين تحرم، ثم قم فامش هنيئة فإذا استوت بك الارض ماشيا كنت أو راكبا فلب) وصحيح عبد الله بن سنان (2) (سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء) وصحيح حفص بن البختري ومعاوية بن عمار و عبد الرحمان بن الحجاج (3) جميعا عن ابى عبد الله عليه السلام (إذا صليت في مسجد الشجرة فقل وانت قاعد في دبر الصلاة ما يقول المحرم، ثم قم فامش حتى تبلغ الميل وتستوي بك البيداء، فإذا استوت بك فلب، وإن اهللت من المسجد الحرام للحج فان شئت لبيت خلف المقام، وافضل من ذلك أن تمضي حتى تأني الرقطاء وتلبي قبل ان تصير إلى الابطح) وصحيح منصور بن حازم عن ابي عبد الله عليه السلام (إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش) وصحيح هشام بن الحكم (5) عنه عليه السلام ايضا (إن أحرمت من


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (2) و (4) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 - 4 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 35 من ابواب الاحرام - الحديث 3 وذيله في الباب 46 منها - الحديث 1 عن حفص بن البختري ومعاوية بن عمار و عبد الرحمان بن الحجاج والحلبي جميعا (5) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 220 ]

غمرة أو بريد البعث صليت وقلت ما يقول المحرم في دبر صلاتك، وإن شئت لبيت من موضعك، والفضل أن تمشي قليلا حتى تلبي) وحسن معاوية بن عمار (1) عنه (عليه السلام) ايضا، قال: (صل المكتوبة ثم احرم بالحج أو بالمتعة، واخرج بغير تلبية حتى تصعد اول البيداء إلى اول ميل عن يسارك، فإذا استوت بك الارض راكبا كنت أو ماشيا فلب) وقال زرارة (2) لابي جعفر (عليه السلام): (متى ألبي بالحج ؟ قال: إذا خرجت إلى منى، ثم قال: إذا جعلت شعب الدب عن يمينك والعقبة عن يسارك فلب للحج) وصحيح معاوية (3) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للاحرام فقال في مسجد الشجرة، فقد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ترى اناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل، فتحرمون كما انتم في محاملكم، تقول: لبيك اللهم لبيك) الحديث إلى غير ذلك من النصوص الدالة على تأخير التلبية عن نية الاحرام. ولعله لذا قال في الدروس: (يظهر من الرواية والفتوى جواز تأخير التلبية عنها) وفي المدارك صرح كثير منهم بعدمه حتى قال الشيخ في التهذيب: (وقد رويت رخصة في جواز تقديم التلبية في الموضع الذي يصلى فيه، فان عمل الانسان بها لم يكن عليه فيه بأس) وفي الروضة (كثير منهم لم يعتبر المقارنة بينهما مطلقا والنصوص خالية عن اعتبارها بل بعضها صريح في عدمها) إلى غير ذلك من كلماتهم المتضمنة للاعتراف بظهور النص والفتوى في عدم اعتبارها، واحتمال إرادة تأخير النية ايضا من النصوص ويكون الالفاظ ألفاظ العزم على الاحرام دون نيته في غاية البعد، بل كاد يكون بعضها صريحا في خلافه، نعم قد يقال


(1) و (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 - 3 (2) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الاحرام - الحديث 5

[ 221 ]

في خصوص اخبار البيداء بارادة تأخير الجهر بها لا اصل التلفظ بها ولو بقرينة ما دل من النصوص (1) على عدم تجاوز الميقات إلا محرما كما جزم به الفاضل في المنتهى في الجمع بينهما، إذ الفرض أن بين البيداء وذي الحليفة الذي هو الميقات ميلا، بل في صحيح عمر بن يزيد (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (إن كنت ماشيا فاجهر باهلالك وتلبيتك من المسجد، وإن كنت راكبا فإذا علت راحلتك البيداء) بل الشيخ قد جعله شاهد جمع بين النصوص على التفصيل بين الماشي والراكب، فيستحب للاول التلبية من المسجد، والثاني من البيداء، وإن كان فيه ان ذلك بالنسبة إلى الاظهار لا اصل التلبية، لما فيه من المحذور السابق. ومن الغريب ان بعض المحدثين مال إلى وجوب تأخير التلبية إلى البيداء في هذا الميقات عملا بالاوامر المزبورة، ولم أعرفه قولا لاحد، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه، مضافا إلى بعض النصوص (3) المصرحة بالتلبية من المسجد، وظاهر الكليني المفروغية من ذلك، وأغرب منه جمعه بينها وبين ما دل على عدم تجاوز الميقات إلا محرما بأن المراد من الاخير عدم التهيؤ له والنية وقول ما يقوله المحرم ونحو ذلك مما لا بعد في إطلاق اسم المحرم عليه، إذ هو كما ترى يقتضي جواز تأخير التلبية عن المواقيت أجمع مع التهيؤ فيها، ويمكن تحصيل الاجماع على خلافه إن لم تكن الضرورة، ولو انه قصر الاحتمال المزبور على خصوص هذا


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب المواقيت والباب 1 منها الحديث 2 و 9 (2) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 والباب 35 منها - الحديث 2 والباب 40 منها - الحديث 3

[ 222 ]

الميقات لمكان النصوص المزبورة لكان له وجه في الجملة، وإن كان هو ايضا مخالفا لظاهر الاصحاب بل صريحهم، فليس إلا ما ذكرناه من الوجه المزبور، وهو وإن كان ينافي الاستدلال بها حينئذ على عدم اعتبار المقارنة إلا ان الدليل غير منحصر بها كما عرفت. وعلى كل حال فما في اللمعة والتنقيح ومحكي السرائر وغيرها - من اعتبار المقارنة نحوها في تكبيرة الاحرام للصلاة، بل حكي عن ابني حمزة وسعيد وإن كنا لم نتحققه لقول الاول منهما: (إذا نوى ولم يلب أو لبى ولم ينو لم يصح الاحرام) والثاني (انه يصير محرما بالنية والتلبية أو ما قام مقامها) وليس في شئ منهما اعتبار المقارنة - واضح الضعف وإن استدل له بقاعدة الشغل المعلوم فسادها في محلها، مضافا إلى ما سمعته من الادلة في خصوص المقام، وبنصوص عدم تجاوز الميقات إلا محرما التي من الواضح عدم دلالتها، ضرورة عدم اقتضاء ذلك المقارنة المزبورة، فان التراخي بينهما في الميقات واضح التصور، ومن الغريب أن بعض الافاضل بعد ان ذكر القولين جعل ادلة الطرفين نصوص البيداء ونصوص عدم تجاوز الميقات إلا محرما، ثم ذكر الجمع بينها بوجهين: أحدهما ما ذكرناه من الاجهار، ورده بأنه لا يتم في خبر الخبيص ونحوه منها، والثاني ما سمعته من الشيخ في التهذيب ثم مال إليه، وهو من غرائب الكلام، لما عرفته من عدم دلالة نصوص عدم تأخير الاحرام عن الميقات على المقارنة المزبورة، كعدم مدخلية خبر الخبيص في ذلك، إذ ليس فيه إلا جواز فعل المنافي قبل التلبية ولو في الميقات، وأغرب من ذلك ميله إلى الجمع بما سمعته من الشيخ الذي يمكن دعوى الضرورة على خلافه كما اوضحناه سابقا، فالمسألة حينئذ بحمد الله خالية من الاشكال وان اكثر فيها بعض الناس الكلام، على ان ذلك واضح الثمرة بناء على ان النية هي الاخطار، اما بناء على الداعي كما هو التحقيق فلا ثمرة غالبا، ضرورة

[ 223 ]

عدم انفكاكه عن التلبية المقصود بها عقد الاحرام، هذا. وفي الروضة (قد اوجب المصنف (رحمه الله) وغيره النية للتلبية ايضا، وجعلوها متقدمة على التقرب بنية الاحرام بحيث يجمع النيتين جملة ليتحقق المقارنة بينهما كتكبيرة الاحرام لنية الصلاة، وانما وجبت النية للتلبية دون التحريمة، لان افعال الصلاة متصلة حسا وشرعا، فتكفي نية واحدة للجملة كغير التحريمة من الاجزاء، بخلاف التلبية فانها من جملة افعال الحج، وهي منفصله شرعا وحسا فلابد لكل واحد من نية، وعلى هذا فكان إفراد التلبية عن الاحرام وجعلها من جملة الافعال اولي كما صنع في غيره، وبعض الاصحاب جعل نية التلبية عين نية الاحرام وإن حصل بها فصل) ولا يخفى عليك خلو هذا الكلام عن التحصيل بل هو خلاف ظاهر النص والفتوى، ضرورة اقتصارهما في بيان كيفية الاحرام على ذكر نيته وأن يقول: لبيك ولبس الثوبين، وإن كان هو سهلا على الداعي ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بفعل جميع ذلك. وكيف كان فقد ظهر لك مما ذكرنا انه لا ينعقد إحرام المتمتع والمفرد إلا بالتلبية (أو بالاشارة للاخرس مع عقد قلبه بها) كما هو المشهور، لقول ابى عبد الله (عليه السلام) في خبر السكوني (1) المنجبر بالعمل (إن عليا (عليه السلام) قال: تلبية الاخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته باصبعه) ولعل عدم ذكر عقد القلب فيه كما عن الاكثر للاكتفاء عنه بالاشارة بالاصبع التي لا يتحقق مسماها بدونه، بل الظاهر كون المراد منه بيان انها منه على حسب ما يبرز غيرها من مقاصده كما اوضحناه في كتاب الصلاة، ولذا تركها أبو علي فاقتصر على عقد القلب، قال فيما حكي عنه: (يجزيه تحريك


(1) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 224 ]

لسانه مع عقده إياها بقلبه - ثم قال -: ويلبى عن الصبي والاخرس والمغمى عليه) واستدل له بخبر زرارة (1) (ان رجلا قدم حاجا لا يحسن ان يلبي فاستفتي له أبو عبد الله (عليه السلام) فأمر ان يلبي عنه) مؤيدا بقبول افعال الحج والعمرة النيابة، وفهم منه في كشف اللثام وجوب الامرين، قال: (ولا ينافيه قوله اولا (يجزيه) إذ لعل المراد إجزاؤه عما يلزمه مباشرته من تحريك اللسان ونحوه، فلا مخالفة حينئذ بين الخبر (2) المعمول به بين الاصحاب وبين خبر زرارة) ولا يخفى عليك ما فيه، ضرورة إمكان دعوى القطع بكون المراد من النص والفتوى اجتزاء الاخرس بالاشارة كما في غير المقام من غير حاجة إلى استنابة، لان إشارته قائمة مقام النطق من غيره كما هو واضح، نعم قد يقال بمشروعية النيابة عنه إذا فرض خرسه على وجه يتعذر عليه الاشارة، لعدم فهم معناها بالصمم ونحوه، إذ هو حينئذ كالصبي ونحوه ممن لا تحصل منه الاشارة. ولو تعذر على الاعجمي التلبية قال الشهيد ففي ترجمتها نظر، وروي (3) أن غيره يلبي عنه، وفي كشف اللثام (لا يبعد عندي وجوب الامرين، فالترجمة لكونها كاشارة الاخرس وأوضح، والنيابة لمثل ما عرفت) وفيه ما تقدم سابقا فلا يبعد القول بوجوب ما استطاع منها، وإلا اجتزى بالترجمة التي هي اولى من إشارة الاخرس، ويحتمل الاستنابة عملا بخبر زرارة، ولعله إلى ذلك أو إلى سقوطها عنه يرجع ما عن التذكرة والمنتهى من أنها لا تجوز بغير العربية مع القدرة، خلافا لابي حنيفة فأجازها بغيرها كتكبيرة الصلاة، بل وإطلاق التحرير


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 - 1 (3) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب الحلق والتقصير - الحديث 3

[ 225 ]

عدم الجواز بغير العربية المعلوم تقييده بالقدرة، وعن ابن سعيد من لم يتأت له التلبية لبى عنه غيره، وهو يشمل الاخرس والاعجمي، وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، والله العالم. هذا كله في المتمتع والمفرد (و) أما (القارن) فهو (بالخيار إن شاء عقد إحرامه بها، وإن شاء قلد أو أشعر على الاظهر) الاشهر، بل المشهور، للمعتبرة المستفيضة، منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (1): (يوجب الاحرام ثلاثة أشياء: التلبية والاشعار والتقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم) وقوله عليه السلام أيضا في صحيح عمر بن يزيد (2): (من أشعر بدنته فقد أحرم وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير) وقوله عليه السلام ايضا في صحيح معاوية الآخر (3): (تقلدها نعلا خلقا قد صليت فيها، والاشعار والتقليد بمنزلة التلبية) وقوله عليه السلام أيضا في حسن معاوية أو صحيحه (4) في قول الله عزوجل (5): (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج): (الفرض التلبية والاشعار والتقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج، ولا يفرض الحج إلا في هذه الشهور) وقوله عليه السلام ايضا في خبر جميل (6): (وإذا كانت البدن كثيرة قام بين اثنين منها ثم أشعر اليمنى ثم اليسرى، ولا يشعر أبدا حتى يتهيأ للاحرام لانه إذا أشعر وقلد وجلل وجب عليه الاحرام، وهو بمنزلة التلبية) ونحوه صحيح حريز (7) إلى غير ذلك من النصوص، فما عن السيد وابن إدريس - من


(1) و (2) و (3) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 20 - 21 - 11 - 7 - 19 (4) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 (5) سورة البقرة - الآية 193

[ 226 ]

عدم الجواز إلا بالتلبية، لانها الفرد المتيقن بعد الاعراض عن النصوص المزبورة بناء على أصلهما المفروغ من فساده في محله، خصوصا مثل المقام الذي يمكن فيه دعوى القطع بمضمون النصوص المزبورة - واضح الفساد، بل المرتضى منهما غير محقق الخلاف، وكذا ما عن الشيخ وابني حمزة والبراج من اشتراط الانعقاد بغيرها بالعجز عنها جمعا بين النصوص التي لا تعارض بينها، كما هو واضح. وكيف كان ففي القواعد وغيرها (وبأيهما) أي التلبية أو الاشعار والتقليد (بدأ كان الآخر مستحبا) ولكن قد اعترف غير واحد بعدم العثور على نص له، وفيما حضرني من نسخة المدارك (ولعل إطلاق الامر بكفاية كل من الثلاثة كاف في ذلك) وفيه انه لا يقتضي استحباب الآخر، ولعل الاولى الاستدلال بعد التسامح بما دل علي ان التلبية شعار المحرم (1) وانها هي التي أجاب الناس بها نداء إبراهيم عليه السلام في أصلاب الرجال وأرحام النساء (2) وما دل (3) على أن الاشعار يغفر الله لفاعله بأول قطرة منه، مضافا إلى ما تسمعه من النصوص التي يمكن استفادة الندب في جملة من الصور منها، هذا، وفي كشف اللثام بعد أن ذكر الندب عن الفاضلين قال: والاقوى الوجوب، لاطلاق الاوامر والتأسي، وهو ظاهر من قبلهما، أما السيد وبنو حمزة وإدريس والبراج والشيخ في المبسوط والجمل فحالهم ظاهرة مما عرفت، وفي المبسوط ايضا (ولا يجوز لهما يعني القارن والمفرد قطع التلبية إلا بعد الزوال من يوم عرفة) ونحوه في النهاية أيضا، وفيها ايضا (فرائض الحج الاحرام من الميقات والتلبيات الاربع والطواف


(1) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 15

[ 227 ]

بالبيت، إن كان متمتعا ثلاثة اطواف: طواف للعمرة وطواف للزيارة وطواف للنساء، وإن كان قارنا أو مفردا طوافان) وفي المقنعة والمراسم (فأما القران فهو أن يهل الحاج من الميقات) إلى آخره، والاهلال هو رفع الصوت بالتلبية إلا أن يريدا به الاحرام، ثم انهما في باب صفة الاحرام ذكرا الدعاء الذي بعده النية وعقباها بالتلبيات، ثم قالا: وإن كان يريد الاقران قال: (اللهم إني أريد الحج قارنا فسلم لي هديي وأعني على مناسكي، أحرم لك جسدي) إلى آخره، وظاهره دخول التلبيات ووجوبها، ثم ذكر سلار مراسم الحج وانها فعل وترك وعدد الافعال، ثم قال: (وهذه الافعال على ضربين واجب وندب، فالواجب النية والمسير والاحرام ولبس ثيابه والطواف والسعي والتلبية وسياق الهدي للمقرن والمتمتع) وهو صريح في وجوب التلبية على الثلاثة، وفيه ان ذلك كله لا يدل على أزيد من وجوب التلبية في نفسه الذي يمكن استفادته ايضا من إطلاق الامر بها، والمراد هنا عقد الاحرام بمعنى انه لا يجب عقده بالاخير بعد عقده بأحدهما فتأمل جيدا. وفي موثق يونس (1) الامر بالتلبية بعد الاشعار، قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: قد اشتريت بدنة فكيف أصنع بها ؟ فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة فأفض عليك من الماء والبس ثوبيك، ثم أنخها مستقبل القبلة، ثم ادخل المسجد فصل ثم افرض بعد صلاتك ثم اخرج إليها فأشعرها من الجانب الايمن من سنامها، ثم قل: بسم الله اللهم منك ولك، اللهم فتقبل مني، ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبه) وفي صحيح معاوية بن عمار (2) الامر بالتقليد بعد الاشعار، قال: (يشعرها من جانبها الايمن ثم يقلدها بنعل قد صلي فيها) وفي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 - 17

[ 228 ]

خبر السكوني (1) عن جعفر عليه السلام (سألته ما حال البدنة ؟ فقال: تقلد وتشعر، أما النعل نتعرف أنها بدنة ويعرفها صاحبها بنعله، وأما الاشعار فانه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها، فلا يستطيع الشيطان ان يمسها) وقال الفضل بن يسار (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أحرم من الوقت ومضى ثم اشترى بعد ذلك بيوم أو يومين بدنة فأشعرها وقلدها، فقال: إن كان ابتاعها قبل أن يدخل الحرم فلا بأس، قلت: فانه اشتراها قبل ان ينتهي إلى الوقت الذي يحرم منه فأشعرها وقلدها أيجب عليه حين فعل ذلك ما يجب على المحرم ؟ قال: لا ولكن إذا انتهى إلى الوقت فليحرم ثم يشعرها ويقلدها). ثم إن (لبيك) نصب على المصدر، وأصله لبا لك أي إقامة أو إخلاصا من لب بالمكان إذا أقام به، أو من لب الشئ وهو خالصه، وثني تأكيدا أي إقامة بعد إقامة، أو إخلاصا بعد إخلاص، هذا بحسب الاصل وقد صار موضوعا للاجابة، وهي هاهنا للنداء الذي أمر الله تعالى به ابراهيم عليه السلام بأن يؤذن في الناس بالحج فقيل: وأجابه من الناس من هو في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فجعله الله تعالى شعارا لهم، ويجوز كسر (ان) على الاستئناف، وفتحها بنزع الخافض، وهو لام التعليل، وفي الاول تعميم فكان أولى، وأما الاشعار والتقليد فقد تقدم الكلام في كيفيتهما في محلهما، فلاحظ وتأمل. (و) كيف كان فقد اختلف كلام الاصحاب في (صورتها) اي التلبيات الاربع الواجبة، ففي النافع وبعض نسخ المقنعة (أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) ولعله ظاهر التحرير ومحكي المنتهى، بل هو خيرة الكركي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 22 - 13 مع الاختلاف في الاول

[ 229 ]

وسيد المدارك والاصبهاني وغيرهم (وقيل) كما عن رسالة علي بن بابويه وبعض نسخ المقنعة والقديمين والامالي والفقيه والمقنع والهداية وظاهر المختلف: (يضيف إلى ذلك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) لما تسمعه من صحيح معاوية ابن عمار (1) وصحيح عاصم بن حميد (2) المروي عن قرب الاسناد للحميري (ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما انتهى إلى البيداء حيث الميل قربت له ناقته فركبها، فلما انبعثت به لبي بالاربع، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ثم قال: هاهنا يخسف بالاخابث) الحديث. (وقيل) كما في القواعد والارشاد والتبصرة ومحكي الجامع (بل يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك وكذا عن جمل السيد وشرحه والمبسوط والسرائر والكافي والغنية والوسيلة والمهذب لكن بتقديم (والملك) على (لك) وعن النهاية والاصباح ذكره بعده وقبله جميعا. (و) لا ريب في أن (الاول أظهر) لقول الصادق عليه السلام في حصن معاوية بن عمار وصحيحه (3): والتلبية ان تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك ذا المعارج لبيك - إلى قوله -: واعلم انه لا بد لك من التلبيات الاربع التي كن اول الكلام وهي الفريضة، وهي التوحيد، وبها لبى المرسلون) فانه انما اوجب التلبيات


(1) و (3) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 مع الاختلاف

[ 230 ]

الاربع، وهي تتم بلفظ لبيك الرابع، وفي صحيح عمر بن يزيد (1) (إذا احرمت من مسجد الشجرة فان كنت ماشيا لبيت من مكانك من المسجد، تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج، لبيك لبيك بحجة تمامها عليك، وأجهر بها كلما ركبت، وكلما نزلت، وكلما هبطت واديا أو علوت أكمة أو لقيت راكبا وبالاسحار) بضميمة الاجماع السابق علي عدم وجوب ما زاد على الاربعة، ولعل مبنى القول الثاني جعل الاشارة بالتلبيات الاربع في حسن معاوية وصحيحه إلى ما قبل الخامسة، وما سمعته من صحيح عاصم بن حميد (2) مضافا إلى ما عن الفقه المنسوب (3) إلى الرضا (عليه السلام) (ثم تلبي سرا بالتلبيات الاربع وهي المفترضات، تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك، هذه الاربعة مفروضات) وإلى قول الصادق (عليه السلام) في خبر الاعمش (4) المروي عن الخصال (وفرائض الحج الاحرام والتلبيات الاربع، وهي لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) إلا ان ذلك كله لا يعارض صريح صحيح عمر بن يزيد (5) المتقدم المعتضد بالاصل، ولكن الاحتياط الاضافة إما كذلك كما في هذه النصوص وصحيح ابن سنان (6) عن الصادق (عليه السلام)


(1) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام الحديث 3 - 3 - 4 (2) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 (3) ذكر صدره في المستدرك في الباب - 23 من ابواب الاحرام - الحديث 2 وقطعة منه في الباب - 27 - منها - الحديث 5 وتمامه في فقه الرضا عليه السلام ص 27 (4) الخصال - ج 2 ص 153 الطبع القديم

[ 231 ]

أو بتأخير (لبيك) الثالثة، كما قال (عليه السلام) في خبر يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن بشار عن ابويهما (1) عن الحسن العسكري (عليه السلام) (فنادى ربنا عزوجل يا أمة محمد صلى الله عليه وآله فأجابوه كلهم وهم في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم لبيك اللهم، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك، قال: فجعل الله تعالى تلك الاجابة شعار الحج) ومرسل الصدوق (2) عن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: (جاء جبرئيل (عليه السلام) إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال له: إن التلبية شعار المحرم، فارفع صوتك بالتلبية لبيك اللهم لبيك) إلى آخر ما ذكر في ذلك الخبر. وأما القول الثالث على كثرة القائل به - بل في الدروس انه أتم الصور وان كان الاول مجزيا والاضافة إليه أحسن - فلم أظفر له بخبر كما اعترف به غير واحد لا من الصحيح ولا من غيره في الكتب الاربعة ولا في غيرها، لا بتقديم (لك) على (الملك) ولا تأخيره ولا ذكره مرتين قبله وبعده، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، وفي الدروس انه يستحب فيها الطهارة والتتالي بغير تخلل كلام إلا ان يرد السلام والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله عند فراغها، والدعاء بعدها، ولا بأس به وإن لم يحضرني الآن من النص ما يفيد ذلك كله. (و) على كل حال فقد ظهر لك مما ذكرنا سابقا من النصوص ومعاقد الاجماعات أنه (لو عقد نية الاحرام ولبس ثوبيه ثم لم يلب وفعل ما لا يحل


(1) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 وفيه علي ابن محمد بن سيار إلا ان الموجود في الفقيه ج 2 ص 211 الرقم 967 وعلل الشرائع ج 2 ص 102 علي بن محمد بن يسار مع الاختلاف في لفظه ايضا (2) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الاحرام - الحديث 3

[ 232 ]

للمحرم فعله لم يلزمه بذلك كفارة إذا كان متمتعا أو مفردا) لعدم انعقاد احرامه (وكذا لو كان قارنا ولم يشعر ولم يقلد) بل ربما ظهر منها انه لا يجب عليه استئناف النية بعد ذلك كما هو مقتضى الاصل بل وإطلاق النص والفتوى، فيكفي الاتيان بالتلبية من دون تجديد، وحينئذ يكون المنوي عند عقد الاحرام اجتناب ما يجب على المحرم اجتنابه من حين التلبية نحو نية الصوم عن المفطرات من الفجر، فلا يقدح فعل شئ منها بعدها قبله، لكن عن المرتضى وجوب الاستئناف، ولعله لانتقاض الاحرام بفعل المنافي، وربما دل عليه مرسل سويد (1) من النصوص السابقة، وفيه ان فعل المنافي لا يقتضي النقض كما لو فعله بعد التلبية والخبر مع إرساله يمكن حمل النقض في سؤاله على ضرب من المجاز، نعم لو أراد إبطال النية الاولي برفع اليد من أصل الاحرام بناء على ما ذكرناه من أن له ذلك قبل التلبية احتيج إلى تجديدها لانتقاضها. ثم لا يخفى عليك ظهور عبارة المتن في عدم اعتبار مقارنة النية للتلبية كما عرفت تحقيقه فيما تقدم، بل ولا لشد الازار كما حكاه في الدروس عن بعض الاصحاب، وانكنا لم نتحققه، للاصل واطلاق الادلة السابقة، ويمكن حمله على ارادة عدم جواز عقد الاحرام إلا وهو لابس للثوبين، وان كان لا يفسد الاحرام بذلك على الاصح كما ستسمع تحقيقه ان شاء الله، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة، والله العالم. (الثالث لبس ثوبي الاحرام، وهما واجبان) بلا خلاف أجده فيه كما


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب الاحرام - الحديث 12 وهو مرسل ابن سويد كما تقدم في ص 217

[ 233 ]

اعترف به في المنتهى والمدارك، بل في التحرير الاجماع على ذلك، بل قصر الشيخ وبنو حمزة والبراج وزهرة وسعيد الاحرام في ثوب على الضرورة، بل عن القاضي منهم التصريح بعدم جواز الاحرام في ثوب إلا لضرورة، كل ذلك مضافا إلى الامر بلبس الثوبين في المعتبرة المستفيضة، كصحيحي ابني عمار (1) ووهب (2) وصحيح هشام بن الحكم (3) وغيرها وإن كان هو في سياق غيره مما علم ندبه، خصوصا بعد ملاحظة ما سمعته من الاجماع والى التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وائمة الهدى (عليهم السلام) فان ثوبي رسول الله صلى الله عليه وآله اللذين أحرم فيهما كانا يمانيين عبري وأظفار، وفيهما كفن على ما رواه ابن عمار (4) عن الصادق عليه السلام، وفي مرسل الحسن بن علي عن بعضهم (عليهم السلام) (أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله في ثوبي كرسف) فما في كشف اللثام - من ان لبس الثوبين ان كان على وجوبه إجماع كان هو الدليل، وإلا فالاخبار التي ظفرت بها لا تصلح مستندا له، مع أن الاصل العدم، وكلام التحرير والمنتهى يحتمل الاتفاق على حرمة ما يخالفهما، والتمسك بالتأسي ايضا ضعيف، فان اللبس من العادات إلى ان يثبت كونه من العبادات وفيه الكلام - لا يخفى عليك ما فيه نعم في الدروس بعد أن اوجب لبس الثوبين فيه قال: (ولو كان الثوب طويلا فاتزر ببعضه وارتدى بالباقي أو توشح أجزأ) وفيه مضافا إلى منافاته لما ذكره اولا عدم صدق لبس الثوبين عليه، اللهم إلا ان يراد بهما الكناية عن تغطية المنكبين وما بين السرة إلى الركبة، وهو لا يخلو من


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 (4) و (5) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 - 3

[ 234 ]

وجه وإن كان الاولى والاحوط التعدد، والامر في ذلك سهل. انما الكلام في اعتبار ذلك في صحة الاحرام وعدمه، قال في الدروس: وهل اللبس من شرائط الصحة حتى لو أحرم عاريا أو لابسا مخيطا لم ينعقد ؟ نظر وظاهر الاصحاب انعقاده حيث قالوا: لو أحرم وعليه قميص نزعه ولا يشقه، ولو لبسه بعد الاحرام وجب شقه وإخراجه من تحت كما هو مروي (1) وظاهر ابن الجنيد اشتراط التجرد، وفي كشف اللثام قلت: كلامهم هذا قد يدل على عدم الانعقاد، فان الشق والاخراج من تحت للتحرز عن ستر الرأس، فلعلهم لم يوجبوه أولا لعدم الانعقاد، نعم الاصل عدم اشتراط الانعقاد به، وقد يفهم من خبري عبد الصمد بن بشير (2) وخالد بن محمد الاصم (3) الفارقين بين جاهل الحكم وعالمه إذا لبسه قبل التلبية، وقال أبو علي: (وليس ينعقد الاحرام إلا من الميقات بعد الغسل والتجرد والصلاة) وفي المدارك (ولو أخل باللبس ابتداء فقد ذكر جمع من الاصحاب انه لا يبطل إحرامه وان أثم، وهو حسن) ونحوه عن الكركي وثاني الشهيدين، ولعله الاقوى وفاقا لمن عرفت، بل لا اجد فيه خلافا صريحا إلا ما سمعته من الاسكافي، ولا ريب في ضعفه، فان الامر باللبس بعد إطلاق ما دل على حصول الاحرام بالنية والتلبية لا يدل على أزيد من الاثم، كالنهي في صحيح معاوية (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (لا تلبس وأنت تريد الاحرام ثوبا تزره ولا تدرعه، ولا تلبس سراويل إلا ان لا يكون لك ازار، ولا الخفين إلا ان لا يكون لك نعلان) مضافا إلى صحيح معاوية بن عمار وغير


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 0 - 3 - 4 (4) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 235 ]

واحد (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (في رجل أحرم وعليه قميصه فقال: ينزعه ولا يشقه، وان كان لبسه بعدما أحرم شقه وأخرجه مما يلي رجليه) وفي صحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا (إذا لبست قميصا وانت محرم فشقه وأخرجه من تحت قدميك) ونحوه حسنه الآخر (3) وفي حسنه الآخر (4) عنه (عليه السلام) ايضا (إذا لبست ثوبا في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلب وأعد غسلك. وان لبست قميصا فشقه وأخرجه من تحت قدميك). وعلى كل حال فلا اشكال في ظهور الاول منها وغيره في صحة الاحرام، ضرورة انه لو كان مثل ذلك مانعا لانعقاده كما سمعت احتماله من الاصبهاني بل مال إليه بعض المحدثين لوجب تجديد النية والتلبية، والنص والفتوى كادا يكونان صريحين في خلافه، والحسن الآخر محمول على ضرب من الندب، وإلا لما أمره بالشق للقميص والاخراج من تحت القدمين. بل ينبغي الجزم به في صورة الجهل، لخبر خالد بن محمد الاصم (5) قال: (دخل رجل المسجد الحرام وهو محرم فدخل في الطواف وعليه قميص وكساء فأقبل الناس عليه يشقون قميصه وكان صلبا، فرآه أبو عبد الله (عليه السلام) وهم يعالجون قميصه يشقونه فقال له: كيف صنعت ؟ فقال: أحرمت هكذا في قميصي وكسائي فقال: انزعه من رأسك، ليس ينزع هذا من رجليه، انما جهل فأتاه غير ذلك، فسأله فقال: ما تقول في رجل احرم في قميصه ؟ قال: ينزعه من رأسه)


(1) و (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 1 - 5 - 4 (3) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 وهو حسن بسند الكليني (ره)

[ 236 ]

وخبر عبد الصمد بن بشير (1) عنه (عليه السلام) ايضا، قال: ((جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام وهو يلبي وعليه قميصه فوثب إليه الناس من اصحاب ابي حنيفة فقالوا: شق قميصك وأخرجه من رجليك، فانه عليك بدنة، وعليك الحج من قابل، وحجك فاسد، فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبر واستقبل الكعبة فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال: اسكن يا عبد الله، فلما كلمه وكان الرجل اعجميا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما تقول ؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي فاجتمعت لي نفقة فجئت احج لم أسأل احدا عن شئ، فأفتوني هؤلاء ان اشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي، وان حجي فاسد، وان علي بدنة، فقال له: متى لبست قميصك ؟ أبعد ما لبيت أم قبل ؟ قال: قبل ان ألبي، قال: فأخرجه من رأسك، فانه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحج من قابل، اي رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه، طف بالبيت سبعا، وصل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) واسع بين الصفا والمروة، وقصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهل بالحج واصنع كما يصنع الناس) وربما فهم منهما خصوصا الاخير عدم الانعقاد مع عدم الجهل، إلا انه لا دلالة فيهما، بل اطلاق الصحيح الاول يقتضي خلافه. واما كيفية لبسهما فظاهر الاصحاب الاتفاق على الاتزار بأحدهما كيف شاء، بل صرح في الدروس بجواز عقده بخلاف الرداء، لكن في خبر ابي سعيد


(1) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 إلا انه سقط في الوسائل صدره وقد ذكر الشيخ (قده) تمامه في التهذيب ج 5 ص 72 - الرقم - 239

[ 237 ]

الاعرج (1) عن الصادق (عليه السلام) نهى عن عقده في عنقه، وكذا خبر علي ابن جعفر (2) المروي عن كتاب مسائله، وعن قرب الاسناد للحميري (3) عن اخيه (عليه السلام) قال: (المحرم لا يصلح له ان يعقد ازاره على رقبته، ولكن يثنيه ولا يعقده) وعن الاحتجاج (4) للطبرسي (ان محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام) يسأله هل يجوز ان يشد عليه مكان العقد تكة ؟ فأجاب (عليه السلام) لا يجوز شد المئزر بشئ سواه من تكة أو غيرها، وكتب ايضا يسأله هل يجوز ان يشد المئزر على عنقه بالطول أو يرفع من طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما ويخرج الطرفين الآخرين بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته وشد طرفه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك، فان المئزر الاول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله انكشف ما هناك وهذا أستر، فأجاب (عليه السلام) جائز ان يتزر الانسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثا بمقراض ولا ابرة يخرجه عن حدالمئزر، وغرزه غرزا ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطى السرة والركبة كليهما، فان السنة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة والركبة، والاحب الينا والاكمل لكل احد شده على السبيل المعروفة المألوفة للناس جميعا ان شاء الله تعالى). واما الثاني فعن جماعة انه يتردى به اي يلقيه على عاتقيه جميعا ويسترهما به


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 5 - 5 والاول عن سعيد الاعرج كما في الفقيه ج 2 ص 221 الرقم 10233 وهو الصحيح كما يأتي نقله عنه في ص 238 (4) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 و 3 مع الاختلاف

[ 238 ]

وعن بعض يتوشح به، وعن آخرين أو يتوشح به، اي يدخل طرفه تحت ابطه الايمن، ويلقيه على عاتفه الايسر كالتوشح بالسيف على ما عن الازهري وغيره بل صرح غير واحد منهم بأنه نحو ما يفعله المحرم، إلا ان الظاهر عدم وجوب شئ من الهيئتين، للاصل، فيجوز حينئذ التوشح بالعكس وغيره من الهيئات ولعل من اقتصر على الارتداء أو التخيير بينه وبين التوشح يريد التمثيل، وان كان التردي اولى الهيئات، للتعبير في النصوص عنه بالرداء المنساق منه التردي به على حسب المتعارف، ففي صحيح ابن سنان (1) (والتجرد في ازار ورداء أو عمامة بعضها علي عاتقه لمن لم يكن له رداء) وفي خبر محمد بن مسلم (2) (يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء) بل ربما مال إلى تعينه بعض المحدثين، لكنه في غير محله، نعم صرح في الدروس بعدم جواز عقده الرداء كالمحكي عن الفاضل وغيره بخلاف الازار، ولعله لموثق سعيد الاعرج (3) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يعقد رداءه في عنقه قال: لا). واما الازار فلا بأس به للاصل، وقول ابي جعفر (عليه السلام) في خبر القداح (4): (ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بعقد الثوب إذا قصر


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 14 - مع الاختلاف في اللفظ (2) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 7 (3) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 وفيه " ازاره " بدل " رداءه " وهو الصحيح كما ذكره في ص 237 (4) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 عن الصادق عليه السلام كما في الكافي ج 4 ص 347

[ 239 ]

ثم يصلي فيه وان كان محرما) لكن قد سمعت ما في مكاتبة الحميري، فالاولى تركه ما امكن ايضا. وعلى كل حال فقد ذكر غير واحد انه يعتبر في الازار ستر ما بين الركبة والسرة، وفي الرداء كونه مما يستر المنكبين، بل في الرياض نفي الاشكال عن ذلك بابدال الستر في الثاني بالوضع، وفيه انه لا دليل على ذلك، بل مقتضى الاصل وإطلاق النص والفتوى خلافه، وقوله (عليه السلام) في خبر الاحتجاج: (فان السنة) إلى آخره، ظاهر في الندب، ولعله لذا قال في المدارك: ويمكن الرجوع فيه الي العرف، ولعله الاقوى، هذا. وقد ظهر لك مما سمعته من النص والفتوى ان محل اللبس قبل عقد الاحرام بل هو من جملة الاشياء التي يتهيأ بها للاحرام على وجه يكون حاصلا حال عقده الاحرام، ومن هنا قال الفاضل في محكي المنتهى: (إذا اراد الاحرام وجب عليه نزع ثيابه ولبس ثوبي الاحرام بأن يتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر) ونحوه غيره نعم لا يجب استدامة اللبس ما دام محرما كما قطع به في المدارك للاصل بعد صدق الامتثال بالطبيعة. (و) كيف كان ففي المبسوط والنهاية والمصباح ومختصره والاقتصاد والمراسم والكافي والغنية والنافع والقواعد وغيرها على ما حكي عن بعضها انه (لا يجوز الاحرام فيما لا يجوز لبس جنسه في الصلاة) كالثوب المنسوج كلا أو بعضا من شعر مالا يؤكل لحمه فضلا عن جلده الذي هو ليس بثوب عرفا، فلا يصح في المأكول منه فضلا عن غيره على إشكال، لقول الصادق (عليه السلام) في حسن حريز وصحيحه (1): (كل ثوب يصلى فيه فلا بأس بالاحرام فيه)


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 240 ]

بناء على إرادة المنع من البأس في مفهومه ولو بقرينة ما سمعته من الفتاوى، بل عن الكفاية انه المعروف بين الاصحاب، بل في المفاتيح يشترط فيهما كونهما مما تجوز به الصلاة بلا خلاف، بل ربما استظهر ذلك من المنتهى وغيره ممن عادته نقل الخلاف، بل وبقرينة مادل على رجحانية دوام لبسهما والتكفن بهما والطواف بهما ونحو ذلك مما يدل على قابليتهما للصلاة التي لا ينفك المكلف عنها فضلا عن الطواف وصلاته. بل يستفاد منه حينئذ اعتبار عدم نجاسته بغير المعفو عنه كما صرح به في الدروس والمسالك وغيرها مؤيدا بما في حسن معاوية بن عمار وصحيحه (1) ايضأ سأله (عن المحرم يصيب ثوبه الجنابة قال: لا يلبسه حتى يغسله، واحرامه تام) بل في كشف اللثام ولنحو هذين الخبرين نص ابن حمزة على عدم جواز الاحرام في الثوب النجس، وفي المبسوط (ولا ينبغي إلا في ثياب طاهرة نظيفة) وفي النهاية (ولا يحرم إلا في ثياب طاهرة نظيفة) ونحوه السرائر وغيرها مما تأخر عنها، ولكن فيه انهما يدلان على عدم جواز لبس النجس حال الاحرام مطلقا، إلا انه قال في المدارك: ويمكن حمله على ابتداء اللبس، إذ من المستبعد وجوب الازالة عن الثوب دون البدن، إلا ان يقال بوجوب إزالتها عن البدن ايضا للاحرام، ولم اقف على مصرح به، وان كان الاحتياط يقتضي ذلك، وفيه انه غير قابل لارادة حال الابتداء خاصة منه، نعم هو دال عليها ولو بدعوى ظهوره في اعتبار طهارتهما حال الاحرام ابتداء واستدامة، فيقتصر على الاول لاعتضاده بالفتاوى دون غيره الباقي على حكم الاصل، مؤيدا ذلك بحسن معاوية بن عمار


(1) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 241 ]

أو صحيحه (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها قال: لا بأس بذلك ان كانت طاهرة) بناء على ارادة الجمع من المقارنة فيه، فيتم التأييد به على الوجه المزبور، نعم لا يبطل الاحرام بذلك وان اثم كغيره مما يعتبر فيهما، لما عرفته من عدم شرطية اصل اللبس فيه فضلا عن صفات الملبوس. وعلى كل حال فقد يندرج في المفهوم المزبور بناء على ما ذكرنا عدمه في الحرير للرجال الذي صرح به غير واحد، بل لا اجد خلافا فيه، مضافا إلى خبر ابي بصير (2) قال: (لا بأس ان يحرم فيها، انما يكره الخالص منه) ونحوه خبر ابي الحسن النهدي (3) لمعلومية ارادة الحرمة من الكراهة فيهما ولو لان لبسهما محرم، ومن هنا يتجه الاستدلال زيادة على ذلك بأن وجوب اللبس بناء على ما عرفته لا يجتمع مع النهي عنه. ومنه يعلم عدم الجواز في المغصوب وفي جلد الميتة وفي المذهب للرجال، بل لو قلنا بشرطية لبسهما في الاحرام اشترط اباحته ايضا ولو لان دليل الشرطية لا يشمل المحرم، فلا يجوز حينئذ في الحرير للرجال، ولا في جلد الميتة والمغصوب والمذهب، وبذلك كله يظهر لك فساد ما في كشف اللثام من المناقشة في اعتبار جميع ما يشترط في ثوب الصلاة، إذ لا دليل له إلا الخبران في الطهارة وظاهرهما مبادرة المحرم إلى التطهير كلما ينجس وجوبا أو استحبابا، ومفهوم خبر حريز، وهو بعد التسليم لا ينص على الحرمة، ولو سلمت لم يفهم العموم خصوصا


(1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 3

[ 242 ]

المتنجس الذي عرض له المانع من الصلاة، إذ لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرنا، نعم لو لم نقل بوجوب اللبس لا شرطا ولا شرعا فحرمة المغصوب والحرير والمذهب والميتة عامة للمحرم وغيره لا تفتقر إلى دليل خاص، وما عداها على الحل، لكن قد عرفت الدليل على الوجوب شرعا، وعدم تعرض الشيخ في الجمل وابني ادريس وسعيد لاعتبار ما قلناه فيهما لا يقتضي الجواز، كاقتصار السيد في الجمل على الابريسم، وابن حمزه على النجس، والمفيد على الديباج والحرير والخز والمغشوش بوبر الارانب والثعالب، بل قد يقال للمفهوم السابق المعتضد بما عرفت باعتبار عدم كون الازار حاكيا للعورة كما جزم به في الدروس، بل جعل اعتبار ذلك في الرداء أحوط، وان قال في المدارك: إطلاق عبارات الاصحاب يقتضي جواز الاحرام فيهما مطلقا، إذ قد يمنع في نحو عبارة المصنف وما شابهها الذي هو معقد نفي الخلاف وغيره، بل استحباب التكفن بهما تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله مشعر بذلك. (وهل يجوز الاحرام في الحرير للنساء ؟ قيل) والقائل المفيد في كتاب أحكام النساء وابن ادريس في محكي السرائر والفاضل في القواعد وغيرهم، بل نسب إلى اكثر المتأخرين: (نعم، لجواز لبسهن له في الصلاة) فيندرج في خبري (1) حريز السابقين، مضافا إلى الاصل، وصحيح يعقوب بن شعيب (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام، المرأة تلبس القميص تزره عليها وتلبس الحرير والخز والديباج فقال: نعم لا بأس به، وتلبس الخلخالين والمسك) وعن النهاية المسكة بالتحريك السوار من الذبل، وهي قرون الاوعال، وقيل: جلود دابة بحرية، وعلى كل


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 243 ]

حال فلا ريب في ظهورها في حال الاحرام، فلا وجه للمناقشة فيها من هذه الجهة وخبر النضر بن سويد (1) عن أبي الحسن عليه السلام (سألته عن المرأة المحرمة أي شئ تلبس من الثياب ؟ قال: تلبس الثياب كلها إلا المصبوغة بالزعفران والورس، ولا تلبس القفازين، ولا حليا تتزين به لزوجها، ولا تكتحل إلا من علة، ولا تمس طيبا، ولا تلبس حليا ولا فرندا، ولا بأس بالعلم في الثوب) والقفاز كرمان شئ يعمل لليدين ويحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، أو ضرب من الحلي لليدين والرجلين، والفرند بكسر الفاء والراء ثوب معروف. (وقيل) والقائل الشيخ والصدوق: (لا) يجوز، بل هو ظاهر ما سمعته سابقا من عبارتي المفيد والسيد، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح العيص: (2) (المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين) وخبر أبي عينية (3) سأله عليه السلام ايضا (ما يحل للمرأة ان تلبس وهي محرمة ؟ فقال الثياب كلها ما خلا القفازين والبرقع والحرير، قال: أتلبس الخز ؟ قال: نعم، قلت: فان سداه ابريسم وهو حرير فقال: ما لم يكن حريرا خالصا فلا بأس) وخبر اسماعيل بن الفضل (4) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة هل يصلح لها ان تلبس ثوبا حريرا وهي محرمة ؟ قال: لا، ولها ان تلبسه في غير إحرامها) وموثق ابن بكير (5) عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام ايضا (النساء تلبس


(1) الوسائل - الباب - 49 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام - الحديث 9 - 3 - 10 - والاخير عن اسماعيل بن الفضيل وهو سهو فان الموجود في الكافي ج 4 ص 346 ايضا اسماعيل بن الفضل (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 3

[ 244 ]

الحرير والديباج إلا في الاحرام) وخبر سماعة (1) سأله (عن المحرمة تلبس الحرير فقال: لا يصلح أن تلبس حريرا محضا لا خليط فيه، فأما الخز والعلم في الثوب فلا بأس أن تلبسه وهي محرمة، وإن مر بها رجل استترت منه بثوبها، ولا تستتر بيدها من الشمس، وتلبس الخز، أما انهم يقولون: إن في الخز حريرا وانما يكره الحرير المبهم) وفي موثقه الآخر (2) عنه عليه السلام ايضا (لا ينبغي للمرأة أن تلبس الحرير المحض وهي محرمة، فأما في الحر والبرد فلا بأس) وخبر جميل (3) المروي عن نوادر البزنطي سأله (عن التمتع كم يجزيه ؟ قال: شاة، وعن المرأة تلبس الحرير قال: لا) وخبر جابر (4) المروي عن الخصال عن أبي جعفر عليه السلام (ويجوز للمرأة لبس الحرير والديباج في غير صلاة وإحرام) وخبر أبي بصير (5) (سألته عن القز تلبسه المرأة في الاحرام قال: لا بأس، انما يكره الحرير المبهم) وخبر أبي الحسن الاحمسي (6) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن العمامة السابري فيها علم حرير تحرم فيها المرأة قال: نعم، انما كره ذلك إذا كان سداه ولحمته جميعا حريرا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: قد سألني أبو سعيد الاعرج عن الخميصة سداها ابريسم وكان وجدا البرد فأمرته أن يلبسها). (و) لا ريب في أن الاجتناب (هو الاحوط) وإن كان التدبر في النصوص ولو بملاحظة (لا ينبغي) و (لا يصلح) ولفظ الكراهة ونحو ذلك يقتضي الحمل على الكراهة جمعا بين النصوص، بل هي فيه أشد منها في


(1) و (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام الحديث 7 - 8 - 5 - 11 وفي الاخير: " قد سألني أبو سعيد عن الخميصة " كما أن الموجود في الكافي ج 4 ص 345 كذلك ايضا (2) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 4 - 6

[ 245 ]

الصلاة، وهو أولى من الجمع بينها بحمل نصوص الجواز على الممتزج، ونصوص المنع على الخالص من وجوه. وهل يلحق الخنثى في ذلك بالرجل أو بالمرأة ؟ نظر كما في المسالك من تعارض الاصل والاحتياط، بل الاشكال في أصل جواز لبسه لها، وإن كان قد يقوى الاول، لان الاحتياط ما لم يكن واجبا للمقدمة لا يعارض الاصل، فتأمل. ثم إن الظاهر عدم وجوب لبس ثوبين لخصوص الاحرام للامرأة تحت ثيابها وإن احتمله بعض الافاضل، بل جعله أحوط، ولكن الاقوى ما عرفت، خصوصا بعد عدم شمول النصوص السابقة للاناث إلا بقاعدة الاشتراك التي يخرج عنها هنا بظاهر النص والفتوى، والله العالم. (و) لا خلاف، كما لا إشكال في أنه (يجوز أن يلبس المحرم اكثر من ثوبين) للاصل، وحسن معاوية بن عمار (1) المتقدم المشتمل على السؤال عن قرن المحرم ثياب غير الاحرام معها، وحسن الحلبي أو صحيحه (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يتردى بالثوبين قال: نعم والثلاثة إن شاء، يتقي بها الحر والبرد) ونحوه خبره (3) عنه عليه السلام أيضا، وما عن الشيخ وجماعة منهم الفاضل في المنتهى والتحرير والتذكرة من الاقتصار على مضمونه ليس خلافا محققا، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، للاصل الذي لا ينافيه الخبر المزبور، مضافا إلى الحسن الاول، ولعله لذا عبر المصنف وغيره بما سمعت. (و) كذا يجوز له (أن يبدل ثياب إحرامه) للاصل، ولقول


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب الاحرام الحديث 2 - 1 - 1

[ 246 ]

الصادق عليه السلام في حسن الحلبي أو صحيحه (1): (لا بأس بأن يحول المحرم ثيابه قلت: إذا أصابها شئ قال: نعم، وان احتلم بها فليغسلها) وفي خبره الآخر (2) عنه عليه السلام أيضا (سألته عن المحرم يحول ثيابه فقال: نعم، وسألته يغسلها إن أصابها شئ قال: نعم، وإذا احتلم فيها فليغسلها) وقوله عليه السلام ايضا في حسن معاوية (3): (لا بأس بأن يغير المحرم ثيابه، ولكن إذا دخل مكة لبس ثوبي إحرامه اللذين أحرم فيهما، وكره أن يبعهما) وبحمل الامر فيه على الندب كما عن ظاهر المتأخرين قال المصنف وغيره: (فإذا أراد الطواف فالافضل أن يطوف فيهما) وإن قيل قد يوهم الوجوب عبارة الشيخ وجماعة، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان الاول أقوى. (وإذا لم يكن مع الانسان ثوبا الاحرام وكان معه قباء جاز لبسه مقلوبا بأن يجعل ذيله على كتفيه) بلا خلاف أجده في أصل الحكم، بل عن ظاهر التذكرة والمنتهى انه موضع وفاق، بل ادعاه صريحا غير واحد من متأخري المتأخرين، لقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (4): (إذا اضطر المحرم إلى القباء ولم يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا ولا يدخل يديه في يدي القباء) وصحيح عمر بن يزيد (5) (يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين، وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباه بعد أن ينكسه) وحسن معاوية بن عمار وصحيحه (6) (لا تلبس ثوبا له أزرار وأنت محرم إلا أن تنكسه، ولا ثوبا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 4 مع الاختلاف في الاول (3) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (4) و (5) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 2 (6) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 247 ]

تدرعه ولا سراويل إلا أن لا يكون لك إزار، ولا خفين إلا أن لا يكون لك نعلان) وخبر علي بن أبي حمزة (1) (ان اضطر المحرم إلى أن يلبس قباء من برد ولا يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا، ولا يدخل يديه في يدي القباء) وخبر مثنى الحناط (2) (من اضطر إلى ثوب وهو محرم وليس معه إلا قباء فلينكسه، وليجعل أعلاه أسفله ويلبسه) وفي رواية اخرى (3) (يقلب ظهره بطنه إذا لم يجد غيره) و (في رجل هلكت نعلاه ولم يقدر على نعلين قال: له أن يلبس الخفين إذا اضطر إلى ذلك، وليشقه من ظهر القدم، وإن لبس الطيلسان فلا يزره عليه، وان اضطر إلى قباء من برد ولم يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا، ولا يدخل يديه في يدي القباء (4)) وخبر محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر عليه السلام (في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل قال: نعم، ولكن يشق ظهر القدم، ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء، ويقلب ظهره لبطنه). والظاهر من الاخير وصحيح عمر بن يزيد الاكتفاء في جواز لبسه بفقد الرداء خاصة كما هو مفاد غير واحد من النصوص، وصريح الدروس وغيرها، خلافا لما عساه يظهر من المصنف من اعتبار فقدهما، بل في كشف اللثام أنه نص كثير منهم ومن الاخبار، قال: وزادت الاضطرار إلا ما سمعته من خبري عمر


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 6 - 3 - 4 (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 51 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 ووسطه في الباب 36 منها الحديث 4 وذيله في الباب 44 منها الحديث 5 (5) ذكر صدره في الوسائل في الباب 51 من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 وذيله في الباب 44 منها الحديث 7

[ 248 ]

ابن يزيد ومحمد بن مسلم، فليس فيهما اضطرار ولا فقد غير الرداء، ووافقهما الشهيد وهو غير بعيد على القول بوجوب لبس الثوبين مع الامكان، مع احتمال أن لا يكون الواجب إلا الثوبين المعهودين، وهما غير المخيطين، إذ لو سلم الاتفاق فعليهما، والاحوط عندي التجنب لغير ضرورة، ومنها أن لا يكون له ثوب أو إلا رداء لا يمكنه الاتزار به، فيتزر إما بقباء أو سراويل أو نحوهما، فهذه المسألة وما يأتي من فقد الازار مسألة واحدة، ولعله غير مخالف لما قلناه، نعم قد يظهر من بعض النصوص الا كتفاء به عن الثوبين إذا لم يكن غيره، وعلى كل حال فالاقوى ما عرفت، بل في المسالك الاكتفاء في جواز لبسه بفقد أحدهما، ومقتضاه جواز لبسه مع فقد الازار خاصة، ولا يخلو من تأمل، اللهم إلا ان يريد الاتزار بالرداء حينئذ، ولبس القباء عوضا عنه، أو ما سمعته من كشف اللثام من الاتزار بالقباء، ولكن فيه انه خلاف المستفاد من النصوص المزبورة إلا مع دعوى استفادة ذلك من نصوص السراويل (1) بناء على أنها مثال لمطلق المخيط مع فقد الازار، وهو لا يخلو من وجه. وكيف كان فالتحقيق جواز لبس القباء مع فقد الرداء، بل الظاهر وجوبه حينئذ كما صرح به في المسالك وغيرها عملا بظاهر الامر هنا، مضافا إلى الامر بلبس الثوبين اللذين هذا بدل أحدهما، ويمكن حمل الجواز في المتن على ما يشمل الوجوب، كما أن المراد بالاضطرار حينئذ ما يشمل عدم وجود ثوب غيره أو الحاجة ونحوه، فاحتاج إلى لبسه ولو مع الاضافة إلى رداء الاحرام. ثم إن المحكي عن ابن إدريس التصريح بأن المراد من النكس جعل الذيل


(1) الوسائل - الباب - 35 و 50 - من ابواب تروك الاحرام

[ 249 ]

على الكتفين، وتبعه الشهيد والفاضل في القواعد، ويحتمله تعبير جماعة باللبس مقلوبا، ويشهد له مضافا إلى بعده عن صدق اسم اللبس بعض (1) الاخبار السابقة وعن آخر تفسيره بجعل الباطن ظاهرا، ويشهد له بعض آخر (2) من النصوص، ولعله لذا اكتفى الفاضل بكل من الامرين جمعا بينها بالتخيير كما عن ابن سعيد، ولعل الاولى منه الجمع بين الامرين لعدم المنافاة، بل يمكن حمل عبارة المتن عليه، ولم أجد من صرح بوجوبه، بل في المسالك الاجماع على الاجتزاء بالاول، ومقتضاه عدم قائل بتعيين الهيئة الاخرى، بل قد يناقش فيما ذكروه من الجمع بأن ظاهر بعض (3) ما دل عليه ولو بقرينة قوله عليه السلام: (ولا يدخل يده في يده) إرادة عدم النكس الذي لا يحتاج معه إلى النهي عن ذلك، فيكون الهيئتان حينئذ متنافيتين، ولهذا جمع بينهما بالتخيير، اللهم إلا ان يراد من النهي المزبور بيان حكم نفسه لا حكم المقلوب على الهيئة المزبورة، وعلى كل حال فلا إشكال في إجزاء الجمع بل والنكس خاصة بناء على ما سمعته من الاجماع المزبور. ثم إن الظاهر عدم الفدية مع اللبس على الوجه المزبور كما صرح به غير واحد منهم الفاضل في محكي التذكرة والمنتهى والتحرير، بل عن الشيخ نفي الخلاف فيه إذا توشح به، ولعل الامر بالقلب والنكس والنهي عن إدخال اليدين لذلك، نعم هي عليه لو لبسه لا على الوجه المزبور، بل لو أدخل يديه في يديه كان عليه ذلك وإن كان مقلوبا، هذا، وفي المسالك المشهور اختصاص الحكم بالقباء، وفي رواية عمر بن يزيد (4) عن الصادق عليه السلام (إن لم يكن معه رداء طرح قميصه على عنقه أو قباءه بعد أن ينكسه) واختاره في الدروس قلت: وهو الاقوى حملا


(1) و (2) و (3) و (4) الوزسائل - الباب - 44 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 7 - 1 - 2

[ 250 ]

لما في النص من القباء على المثال، ومنه يظهر قوة ما سمعته من كشف اللثام. ثم إن صريح النص والفتوى ستر الكتفين به نحو الرداء، لكن في محكي الخلاف يتوشح به ولا يدخل كتفيه، للاحتياط، خلافا لابي حنيفة، ولا اعرف مستنده، بل ظاهر الادلة خلافه، والله العالم. (وأما أحكامه فمسائل: الاولى لا يجوز لمن أحرم) بنسك (أن ينشئ إحراما آخر) بمثله أو بغيره (حتى يكمل أفعال ما أحرم له) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المشتملة على كيفية حج التمتع المصرحة بأن إهلال الحج بعد التقصير المحلل لاحرام العمرة، والى الامر باتمام العمرة والحج الظاهر في عدم جواز ما يقع قبل الاتمام، بل وصحته، وحينئذ فلو أحرم قبل السعي عامدا أو قبل إكماله للعمرة كان مشرعا، وإحرامه الثاني باطلا، ويجب عليه إكمال العمرة، بل وكذا لو كان ناسيا وإن لم يكن آثما. (ف) أما (لو أحرم متمتعا ودخل مكة وأحرم بالحج قبل التقصير ناسيا لم يكن عليه شئ) من دم أو قضاء التقصير أو غير ذلك، وكان عمرته صحيحة وإحرامه للحج صحيحا بلا خلاف محقق أجده في صحتهما كما اعترف به غير واحد بل ربما ظهر من بعضهم الاجماع عليه، بل هو صريح الفاضل في محكي المختلف على تمامية العمرة، مع انه حكى فيه وفي محكي التحرير والمنتهى قولا لبعض الاصحاب ببطلان الاحرام الثاني، والبقاء على الاحرام الاول، قال في الاول: لو أخل بالتقصير ساهيا وأدخل إحرام الحج على العمرة سهوا لم يكن عليه إعادة الاحرام وتمت عمرته إجماعا وصح احرامه، ثم نقل الخلاف في وجوب الدم خاصة. وعلى كل حال فهو الحجة مضافا إلى المعتبرة المستفيضة المعتضدة بما سمعت


(1) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب اقسام الحج

[ 251 ]

كصحيح ابن سنان (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (في رجل متمتع نسي ان يقصر حتى أحرم بالحج قال: يستغفر الله ولا شئ عليه وتمت عمرته) وصحيح ابن الحجاج (2) (سألت أبا ابراهيم (عليه السلام) عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل مكة فطاف وسعى ولبس ثيابه وأحل ونسي أن يقصر حتى خرج إلى عرفات، قال: لا بأس به يبني على العمرة وطوافها، وطواف الحج على أثره) وصحيح معاوية بن عمار (3) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أهل بالعمرة ونسي أن يقصر حتى دخل بالحج قال: يستغفر الله تعالى ولا شئ عليه وتمت عمرته) إلى غير ذلك من النصوص التي لا معارض لها سوى خبر أبي بصير (4) الآتي القاصر عن المعارضة من وجوه، فيحمل على صورة العمد أو يطرح. (و) لكن (قيل) والقائل الشيخ وبنو زهرة والبراج وحمزة والفاضل في الارشاد على ما حكي عن بعضهم: (عليه دم) لموثق اسحاق بن عمار (قلت لابي ابراهيم (عليه السلام): الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج قال: عليه دم يهريقه) الذي يخص به ما في الصحاح السابقة بناء على حجيته (و) لكن (حمله على الاستحباب أظهر) كما عن الصدوق والحلي والديلمي وكثر المتأخرين، بل هو المشهور بينهم، فيرجح حينئذ على مجاز التخصيص،


(1) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 وليس فيه " ولا شئ عليه وتمت عمرته " كما ليس ذلك في الكافي ج 4 ص 440 الطبع الحديث وكذلك الفقيه ج 2 ص 237 - الرقم 1129 والاستبصار ج 2 ص 175 الرقم 577 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاحرام الحديث 2 - 3 - 5 - 6

[ 252 ]

خصوصا بعد شدة ظهور تلك الصحاح في عدم وجوب شئ عليه، إلا أنه مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، كما لا ينبغي تركه في كون الدم شاة كما عن الغنية والمهذب والاشارة وان كان الخبر مطلقا، بل عن ابن حمزة ادراجه فيما فيه دم مطلقا، اللهم إلا أن يدعى انصرافه فيه وفي الفتاوى إلى الشاة. هذا كله مع النسيان (وان فعل ذلك عامدا قيل) والقائل الشيخ وابنا حمزة وسعيد والفاضل في جملة من كتبه، بل في الدروس والمسالك نسبته إلى الشهرة: (بطلت عمرته وصارت حجته مبتولة) لموثق أبي بصير (1) بل في المنتهى والمختلف والمسالك والروضة صحيحه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (المتمتع إذا طاف وسعى ثم لبى قبل أن يقصر فليس له أن يقصر، وليس له متعة) وخبر محمد بن سنان عن العلاء بن الفضيل (2) (سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل ان يقصر قال: بطلت متعته، وهي حجة مبتولة). (وقيل) والقائل ابن ادريس والفاضل في التلخيص والشهيد في الدروس: (يبقى على احرامه الاول وكان الثاني باطلا) للنهي عنه المقتضي لفساده، ضرورة عدم جواز ادخال الحج على العمرة قبل اتمام مناسكها والتقصير منها على الاصح، لظهور النصوص (3) المتضمنة بيان كيفية العمرة في ان التقصير منها بل هو من معقد اجماع المنتهى فعل من افعال العمرة، بل هو ايضا ظاهر غيره، فما في المسالك من خروجه عنها وكونه محللا واضح الضعف، فان حصول التحليل به لا ينافي كونه من أفعالها مثل التسليم في الصلاة على الاصح، وحينئذ فالاحرام قبله كالاحرام قبل السعي من أفعالها منهي عنه أو غير مأمور به، على أنه لو كان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 - 4 (3) الوسائل - الباب - 1 - وغيره من ابواب التقصير

[ 253 ]

الاحرام صحيحا باعتبار كون التقصير خارجا عن العمرة لاتجه حينئذ صحة العمرة لا بطلانها وصيرورة الحج مبتولا كما هو مقتضى النص والفتوى فلا محيص حينئذ عن القول ببطلان الاحرام، مضافا إلى وقوع خلاف ما نواه ان نوى حج التمتع وعدم صلاحية الزمان ان ادخل غيره، والخبران قاصران عن اثبات حكم مخالف للاصل مع عدم الصراحة، لاحتمال الحمل على متمتع عدل عن الافراد ثم لبى بعد ما سعى كما في الدروس، بل قال: لانه روي التصريح بذلك في رواية اخرى، ولعله أراد الموثق (1) (رجل يفرد بالحج فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم يبدو له أن يجعلها عمرة فقال: ان كان لبى بعدما سعى قبل أن يقصر فلا متعة له) الذي مر في مسألة جواز الطواف للمفرد والقارن قبل المضي إلى عرفات. ولكن ذلك جميعه كما ترى، ولذا كان ظاهر المصنف الميل إلى غيره بقوله: (والاول هو المروي) ضرورة كون الخبر من الموثق والصحيح الصالح للخروج به عن الاصل بناء على أن التقصير من أجزاء العمرة، وإلا فبناء على خروجه عنها وانه محلل كما في المسالك يمنع مخالفته حينئذ للاصل، لعدم كونه حينئذ إدخالا للحج على العمرة، اللهم إلا ان يقال إن ظاهر الادلة وقوع الحج بعد التقصير وإن قلنا بخروجه عن العمرة، وعلى كل حال فالخبر المزبور صالح للخروج به عن ذلك كله، خصوصا بعد الاعتضاد بالشهرة والخبر الآخر، وبعد احتمال الحمل المزبور أو فساده، ضرورة كون مفروض المسألة في المتمتع الذي هو حقيقة في المتلبس بالمبدأ، أو الاعم منه والماضي، والعادل عن الافراد إلى التمتع متمتع مجازا، فالمتجه العمل به، ولكن في الاجتزاء به عن فرضه الذي هو التمتع


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 254 ]

إشكال باعتبار أنه عدول اختياري ولم يأت بالمأمور به على وجهه، ولذا كان خيرة ثاني الشهيدين وسبطه العدم وان احتملا الاجزاء أيضا، لخلو الخبر الوارد في مقام الحاجة عن الامر بالاعادة، ولا ريب في أن الاول أحوط إن لم يكن أقوى. والجاهل كالعامد للاطلاق المقيد بخصوص الناسي لما عرفت، نعم الظاهر قصر الحكم المزبور على خصوص مضمون الخبر، أما غيره فيبقى على مقتضى الاصل الذي سمعته من الحلي. بقي شئ وهو أن الخبرين المزبورين لم يتعرضا لاستئناف إحرام جديد لحج الافراد، إذا الاجتزاء بالاحرام المزبور بعد ان لم يكن مأمورا به بل منهيا عنه باعتبار إدخاله على العمرة لا وجه له، كالاجتزاء باحرام العمرة الذي كان منويا به غيره، مع قوله عليه السلام فيهما: (بطلت متعته) المراد به بطلان عمرة تمتعه التي من أفعالها الاحرام، إلا اني لم أجد تصريحا بتجديد الاحرام لحج الافراد من ميقاته في مفروض المسألة، نعم في الذخيرة بعد ذكر الخبرين قال: ومقتضاهما بطلان المتعة، وليس فيهما خصوصا المعتبرة منهما تصريح بعدم الحاجة إلى تجديد الاحرام كما هو مذهب الجماعة، وكيف كان فلعل عدم تجديد الاحرام لظهور الخبرين - ولو من جهة قوله عليه السلام: (مبتولة) والخلو عن ذكره في مقام البيان وغير ذلك - في انقلاب فعله إلى حج الافراد وإن كان ذلك باختياره بل وإثم فيه إلا أنه كالانقلاب القهري الذي يجتزى فيه بالاحرام الاول، ودليل ذلك الخبران ففيهما حينئذ مخالفة للاصول من هذه الجهة ايضا، والله العالم. المسألة (الثانية) قد تقدم الكلام مفصلا في أنه (لو نوى الافراد ثم دخل مكة جاز أن يطوف) واجبا للحج (ويسعى ويقصر ويجعلها عمرة) ف‍ (يتمتع بها ما لم يلب، فان لبى انعقد إحرامه) وليس له العدول حينئذ

[ 255 ]

(وقيل) كما عن ابن إدريس (لا اعتبار بالتلبية، وانما هو بالقصد) فلاحظ وتأمل. بل وتقدم أيضا الكلام في المسألة (الثالثة) وهي (إذا أحرم الولي بالصبي جرده من فخ) علي معنى أنه يحرم به من الميقات، ولكن لا يجرده عن المخيط إلا من فخ، أو أنه لا يحرم به إلا من فخ كما تقدم تحقيق ذلك، ولعل ظاهر المصنف هنا الاول، ولكن مقتضى قوله: (وفعل به ما يجب على المحرم جنبه ما يتجنبه) عدم الاقتصار على نزع المخيط، بل غيره من تروك المحرم، ولم أجد به تصريحا لاحد، بل مقتضى صحيح معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام - (انظروا إلى من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة، أو إلى بطن مر ويصنع به ما يصنع بالمحرم ويطاف به ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه) وصحيح ويطاف به ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه) وصحيحح زرارة (2) عن أحدهما (عليهما السلام)) إذا حج الرجل بابنه وهو صغير فانه يأمره أن يلبي ويفرض الحج، فان لم يحسن أن يلبي لبوا عنه ويطاف به ويصلى عنه، قلت: ليس لهم ما يذبحون عنه قال: يذبح عن الصغار ويصوم الكبار، ويتقى ما يتقي المحرم من الثياب والطيب، فان قتل صيدا فعلى أبيه) - خلافه، فالمتجه الاقتصار على خصوص نزع المخيط مع الاحرام بهم من الميقات دون غيره من تروك المحرم، نعم لو قلنا إن ابتداء الاحرام بهم من فخ لم يكن إشكال حينئذ في جريان حكم الاحرام حينئذ منه، كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (لو فعل الصبي ما تجب به الكفارة) أو الفداء على المكلف (لزم ذلك الولي في ماله) كما في القواعد ومحكي الكافي والنهاية، بل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 3 - 5

[ 256 ]

قيل والتهذيب وإن كان لا صراحة بل ولا ظهور في عبارته، لعدم خطاب الصبي بالاجتناب، خصوصا غير المميز منه، وانما الواجب على الولي أن يجنبه، فهو غرم أدخله هو عليه بالاحرام به كالنفقة الزائدة، ولصحيح زرارة (1) السابق، لكن فيه قتل الصيد خاصه، مع أن ظاهر المصنف والفاضل في الارشاد وغيرهما عدم الفرق بين ما يوجب الكفارة عمدا وسهوا كالصيد وما في معناه وما يوجب الكفارة عمدا لا سهوا، إلا أن المحكي عن الشيخ واكثر الاصحاب كما في المدارك والذخيرة اختصاص الحكم بالاول، قال في المدارك: اقتصارا فيما خالف الاصل على موضع النص، وهو الصيد، أي وما في معناه مما يوجبها عمدا وسهوا، إذ لا قائل بالوجوب فيه خاصة، بل لعل الاجماع المركب على خلافه، فيختص الوجوب بما يوجبها عمدا وسهوا دون ما لا يوجبها إلا عمدا، للقاعدة المزبورة التي لا يعارضها كون الولي المخاطب، فان ذلك لا يوجب الكفارة عليه بعد الاصل، وعدم تناول دليلها له كما اختاره في المدارك، ولكن قد ناقشناه سابقا بأن الولي هو السبب شرعا في ترتب ذلك، وكون عمد الصبي خطأ انما هو في الديات، وخطاب الكفارات والفداء أشبه شئ بخطاب الاسباب، وبظهور كون الصيد على الاب والذبح عليه والصوم عليه وغير ذلك مما عساه يظهر منه ترتب هذه الاحكام للاحرام عليه دون الصبي، خصوصا غير المميز. وبذلك كله يظهر لك شدة ضعف ما عن ابن إدريس من عدم الوجوب مطلقا، لان عمد الصبي خطأ، فلا يجب عليه ما يعتبر العمد في وجوبه، كما أن قاعدة الاقتصار تقتضي عدم وجوبها أيضا فيما يجب على العامد والناسي، لان


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 5

[ 257 ]

الوجوب على الناسي على خلاف الاصل، وانما وجب هنا بالنص والاجماع، والخطاب الشرعي انما يتوجه على المكلفين، خصوصا دعوى أن عمده خطأ حتى في المقام، ضرورة كون المسلم منه ما في الديات. وبذلك ظهر لك أن الاقوال ثلاثة، قيل والرابع والخامس التفصيل بايجاب الفداء في مال المولى عليه، لانه مال وجب بجنايته، كما لو أتلف مال غيره، وهو خيرة التذكرة، ومحتمل المبسوط، والكفارة على الولي، ولا يجب على أحد والتردد فيهما محكي عن صريح المبسوط وظاهر التذكرة، ولا يخفى عليك ما فيهما بعد الاحاطة بما ذكرناه خصوصا في الصيد، فالتحقيق حينئذ ما هو ظاهر المصنف من ترتب الكفارة والفداء على الولي مطلقا. هذا كله فيهما، وأما بالنسبة إلى غيرهما كما لو عقد له على امرأة كان باطلا بل عن المختلف إن جامعها حرمت عليه، ولو جامع في الفرج عمدا قبل الوقوف بعرفات ففي القواعد وجب عليه دون الولي، بل لعله لا خلاف في عدم وجوبه على الولي للاصل وغيره، وأما الوجوب عليه فلعله لعموم دليله، لكن المحكي عن المبسوط والخلاف والسرائر والجواهر العدم، أفسد به الحج لتعمده الجماع كما عن الجواهر نافيا للخلاف فيه، أو لا لكون عمده خطأ، ولان الخطاب انما يتوجه إلى المكلف، ودعوى أن ذلك من باب الاسباب فيخاطب به بعد بلوغه لا حال صباه وكذا المجنون متوقفة على الدليل، وعليه ففي وجوب مؤونة القضاء على الولي نظر، أقربه الوجوب عند الشهيد قدس سره، ولعله لانه السبب في وجوبه عليه، وفيه أنه حين القضاء كامل وجب عليه كحجة الاسلام، والمباشر أقوى من السبب، ولذا وجب عليه في صورة البذل دون من بذل. وكيف كان فإذا قضى لم يجزه القضاء عن حجة الاسلام، فتجب حينئذ عليه إلا إذا كان قد كمل في الفاسد قبل المشعر، بناء على أنه كالمندوب الذي قد

[ 258 ]

عرفت البحث فيه، ولو وجب القضاء وحج الاسلام أخر القضاء وإن تقدم، بل قيل: لو نواه بطل وانصرف إلى حجة الاسلام، بل لو جوزنا القضاء له في الصغر فشرع فيه وبلغ قبل الوقوف انصرف إلى حجة الاسلام، فتأمل، وقد تقدم جملة من الكلام في هذه المسائل وغيرها، فلاحظ وتأمل. (وكلما يعجز عنه الصبي يتولاه الولي من تلبية وطواف وسعي وغير ذلك) لما سمعته من النص، مضافا إلى صحيح ابن الحجاج (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام وكنا تلك السنة مجاورين وأردنا الاحرام يوم التروية فقلت: إن معنا مولودا صبيا فقال مروا أمه فلتأت حميدة فلتسألها كيف تفعل بصبيانها، قال: فأتتها فسألتها فقالت لها: إذا كان يوم التروية فجردوه وغسلوه كما يجرد المحرم، ثم أحرموا عنه ثم قفوا به في المواقف، وإذا كان يوم النحر فارموا عنه واحلقوا رأسه، ثم زوروا به البيت، ثم مروا الخادم أن يطوف به بالبيت وبين الصفا والمروة، وإذا لم يكن الهدي فليصم عنه وليه إذا كان متمتعا) وغيره من النصوص. (ويجب على الولي الهدي من ماله أيضا) لانه كالنفقة الزائدة، أو الصوم عنه إذا لم يجده كما سمعته في صحيح معاوية (2) وفي خبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) عن الصادق عليه السلام (يصوم عن الصبي وليه إذا لم يجد هديا وكان


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1 عن الكافي مع الاختلاف اليسير في الالفاظ إلا أنه لم يذكر صدر الحديث في الوسائل وقد ذكره في التهذيب ج 5 ص 410 الرقم 1425 ومن قوله: " وإذا لم يكن الهدي " إلى آخره ليس من تتمة الحديث وانما هو من كلام الشيخ (قده) (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الذبح - الحديث 1 - 2 من كتاب الحج

[ 259 ]

متمتعا) كقول الباقر عليه السلام في خبر عبد الرحمان بن أعين (1): (الصبي يصوم عنه وليه إذا لم يجد هديا) وفي خبره الآخر (2) (تمتعنا فأحرمنا ومعنا صبيان فأحرموا ولبوا كما لبينا، ولم نقدر على الغم قال: فليصم عن كل صبي وليه) وفي موثق اسحاق (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غلمان لنا دخلوا معنا بعمرة وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام قال: قل لهم: يغتسلون ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم) بناء على إرادة الصبيان من الغلمان، وقد سمعت ما في صحيح زرارة (4) السابق المراد من الكبار فيه على ما صرح به غير واحد المميزون، ومنه يستفاد الاجتزاء بصوم المميز منهم. ولعله إليه أشار المصنف بقوله: (وروي إذا كان الصبي مميزا جاز أمره بالصيام عن الهدي، ولو لم يقدر على الصيام صام عنه وليه مع العجز عن الهدي) بضميمة ما في غيره من النصوص من صيام الولي عنه، وإلا فهو ليس كما ذكره، بل لم نعثر على خبر بالمضمون المزبور، نعم استدل له بعضهم على ذلك ايضا بموثق سماعة (5) سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن رجل أمر غلمانه أن يتمتعوا قال: عليه أن يضحي عنهم، قلت: فانه أعطاهم دراهم فبعضهم ضحى وبعضهم أمسك الدراهم وصام قال: قد أجزأ عنهم، وهو بالخيار إن شاء تركها، قال: ولو أنه أمرهم فصاموا أجزأ عنهم) وفيه أن الظاهر إرادة المماليك من الغلمان فيه، على أنه ليس تمام المضمون المزبور، بل قد يناقش في إرادة المميزين من الكبار في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب الذبح - الحديث 5 - 4 من كتاب الحج (3) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 2 - 5 (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب الذبح - الحديث 8 من كتاب الحج

[ 260 ]

الخبر المزبور، فيتعين على الولي الذبح أو الصوم إذا لم يجد، ولو سلم فالمتجه التخيير جمعا بعد تحققنا ما أرسله المصنف فيما وصل الينا من النصوص من ترتب صوم الولي على عجز الصبي عن الصوم، بل مقتضى إطلاق الامر في صحيحي معاوية (1) وابن الحجاج (2) وغيرهما خلافة، ولعله لذا في كشف اللثام بعد أن ذكر وجوب الهدي على الولي من ماله قال: فان فقده صام أو أمر الصبي بالصوم، وقد نطقت الاخبار بجميع ذلك وإن كنا لم نتحقق غير ما عرفت، فالاولى والاحوط ذبح الولي، فان لم يجد صام من غير فرق بين المميز وغيره. وأما ما عساه يظهر من صحيح معاوية من اعتبار عدم وجدان الصبي الهدي في صوم الولي فلم نجد به قائلا، بل ظاهر الاصحاب علي خلافه، فيجب حمله علي إرادة معنى (عنهم) من قوله: (منهم) فيه، والله العالم. المسألة (الرابعة إذا اشترط في إحرامه أن يحله حيث حبسه ثم أحصر تحلل) بلا إشكال ولا خلاف نصا وفتوى (و) لكن الكلام في أنه (هل يسقط الهدي ؟ قيل) والقائل المرتضى والحلي والحلبي ويحيى بن سعيد والفاضل في حصر التحرير والتذكرة والمنتهى وصد القواعد على ما حكي عن بعضهم: (نعم) يحل بمجرد الاحصار من غير أن يحتاج إلى الهدي، وهو حينئذ فائدة الشرط، بل في انتصار الاول منهم الاجماع عليه، بل قال فيه: لا فائدة لهذا الشرط إلا ذلك، وإطلاق الآية (3) محمول على من لم يشترط، وهو الحجة بعد


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 3 (2) التهذيب ج 5 ص 410 الرقم 1425 وقد تقدمت الاشارة إلى أن الذيل الدال على وجوب الصوم من كلام الشيخ (قده) وليس من تتمة الحديث (3) سورة البقرة - الآية 192

[ 261 ]

صحيح ذريح المحاربي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج وأحصر بعدما أحرم كيف يصنع ؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر الله تعالى ؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك، قال: فليرجع إلى أهله حلالا لا إحرام عليه، إن الله تعالى أحق من وفى ما اشترط عليه، فقلت: فعليه الحج من قابل قال: لا) وصحيح البزنطي (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن محرم انكسرت ساقه ما حاله أي شئ يكون حاله وأي شئ عليه ؟ قال: هو حلال من كل شئ، فقلت: من النساء والثياب والطيب فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم وقال: أو ما بلغك قول أبي عبد الله عليه السلام: وحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي) ولو بقاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة لو كان واجبا، بل من الاخير يستفاد الاستدلال بكل ما دل على مشروعية الشرط المزبور بناء على إفادته ذلك. (وقيل) والقائل الاسكافي والشيخ في محكي الخلاف والمبسوط والمصنف في النافع والفاضل في المختلف وغيرهم: (لا) يسقط (وهو الاشبه) بأصول المذهب وقواعده التي منها الاصل وعموم الآية وغيرها والاحتياط وقول الصادق عليه السلام في خبر عامر بن عبد الله بن جذاعة المروي عن الجامع من كتاب المشيخة لابن محبوب (في رجل خرج معتمرا فاعتل في بعض الطريق وهو محرم قال: ينحر بدنة ويحلق رأسه ويرجع إلى رحله ولا يقرب النساء، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما، فان برأ من مرضه اعتمر ان كان لم يشترط على ربه في إحرامه


(1) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 1

[ 262 ]

وان كان قد اشترط فليس عليه ان يعتمر إلا أن يشاء فيعتمر، ويجب أن يعود للحج الواجب المستقر وللاداء ان استمرت الاستطاعة في قابل، والعمرة الواجبة كذلك في الشهر الداخل، وان كانا متطوعين فهما بالخيار) مؤيدا بما تسمعه من صحيح معاوية (1) في حصر الحسين عليه السلام. (و) حينئذ ف‍ (فائدة الاشتراط جواز التحلل) كما عن المبسوط والخلاف والمهذب في المحصور والوسيلة في المصدود أي (عند الاحصار) كما عن التحرير والتذكرة والمنتهى بمعنى أنه من غير تربص كما في النافع وكشفه والمحكي من شرح ترددات الكتاب، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): (ان الحسين بن علي عليه السلام خرج معتمرا فمرض في الطريق فبلغ عليا عليه السلام وهو بالمدينة فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا وهو مريض، فقال: يا بني ما تشتكي ؟ قال: رأسي، فدعا (عليه السلام) ببدنة فنحرها وحلق رأسه ورده إلى المدينة) بناء على أنه كان قد اشترط باعتبار كونه مستحبا، فلا يتركه الحسين (عليه السلام) فيدل حينئذ بالتأسي، وبأنه متى شرع النحر تحليلا نافى السقوط، إذ احتمال سقوط الوجوب خاصة لم نعرفه قولا لاحد، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه ونحوه صحيح رفاعة (3) عنه (عليه السلام) لكن فيه أنه (عليه السلام) كان ساق بدنة فنحرها وحلق رأسه، وحينئذ يكون خارجا عما نحن فيه، إذ الظاهر عدم خلاف معتد به في عدم سقوط الهدي عنه، بل عن الايضاح أن عليه اجماع الامة، فيحمل النحر فيه على البعث للنحر في محله، ثم الحلق بعده، وان كان بعيدا، بل يمكن دعوى القطع بفساده، وليس هو أولى من حمل سوق البدنة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 3 (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 2

[ 263 ]

فيه على سوقها لا على كونها حج قران، فيكونان حينئذ معا دالين على المطلوب نعم لا إشكال في أن حكم القارن البعث وان اشترط، لصحيحي محمد بن مسلم (1) ورفاعة (2) عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (القارن يحصر وقد قال واشترط فحلني حيث حبستني يبعث بهديه، قلت: هل يتمتع من قابل ؟ قال: لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج عنه) وما عن الفقيه من عدم البعث فيه ايضا واضح الضعف، أو أنه من تحريف النساخ. وعلى كل حال فيكون فائدة الشرط تعجيل التحليل في المحصور، وبدونه لا يجوز ما لم يبلغ الهدي محله كما هو مقتضى الآية المحمول اطلاقها على غير صورة الشرط، واجماع المرتضى لم نتحققه، بل لعل المتحقق خلافه، والصحيحان لا صراحة فيهما بعدم الهدي بل ولا ظهور بحيث يعارض خبر عامر وصحيح معاوية (3) وقاعدة تأخير البيان مع منع تحقق موضوعها في المقام يمكن أن يكون ترك بيانه للاتكال على الآية وغيرها، نعم هما دالان على التعجيل الذي هو المختار وان كان مع الهدي، لما سمعته من دليله، بل قد يقال ان الشرط لا يدل على أزيد من ذلك، فان المراد عدم لزوم البقاء على الاحرام بعد الحصر، وأنه يتحلل من احرامه بمحلله الشرعي، لا أنه يثبت به تحليل خاص لا يحتاج معه إلى هدي ولا غيره، بل ربما ظهر من بعض العبارات عدم الاحتياج معه إلى النية، ويمكن القطع بعدمه، فظهر لك من ذلك كله أن الاقوى كون فائدة الشرط التعجيل المزبور لا سقوط الهدي ولا غيره من الفوائد التي تسمعها.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 3

[ 264 ]

(و) أما ما في المتن من أنه (قيل: يجوز التحلل من غير شرط) فلم يظهر لي لمن أشار بالقول المزبور، فان أصل التحليل للمحصور لا إشكال فيه ولا خلاف للآية والرواية، وان أراد به جواز التعجيل من غير شرط فلم أعرفه لاحد من أصحابنا، ويمكن أن يريد به الاشارة إلى أن الشرط وجوده كعدمه ولا يترتب عليه إلا الثواب كما هو المشهور بين العامة، واختاره ثاني الشهيدين، وربما كان ظاهر المبسوط والخلاف والمهذب، وان كان ستعرف ضعفه ان شاء الله (و) على كل حال فلا ريب في أن (الاول) وهو القول بأن فائدته التعجيل (أظهر) مما سمعته من المرتضى، بل من القول بأنه لا فائدة فيه أصلا سوى ترتب الثواب، ومما في الايضاح، فانه - بعد أن ذكر قول والده في القواعد: وفائدة الشرط جواز التحلل على رأي - قال: (ان معنى كلام المصنف ليس المنع من التحلل إذا لم يشترط، بل معناه أن التحلل ممنوع منه، ومع العذر وعدم الاشتراط يكون جواز التحلل رخصة، ومع الاشتراط يصير التحلل مباح الاصل، وسبب إباحته بالاصالة الاشتراط والعذر - قال -: والفائدة تظهر فيما لو نذر أن يتصدق كلما فعل رخصة بكذا، وفي التعليق) وهو كما ترى مرجعه في الحقيقة إلى عدم الفائدة للشرط في خصوص المشترط فيه من الحج والعمرة، فيكون حينئذ تعبدا محضا كما عن اكثر العامة، مضافا إلى عدم الفائدة ايضا في ذكر خصوص الحصر، اللهم إلا أن يراد منه ما يعم الصد، والى ظهور عبارة الفاضل والمصنف في كون الفائدة نفس التحلل لا كونه أصليا في مقابل الرخصة وان أمكن على ضرب من التجوز، لكن لا يخفى عليك بعده. وكيف كان فقد استدل له بعموم الآية (1) وما يحكى من فعل النبي صلى الله عليه وآله


(1) سورة البقرة - الآية 192

[ 265 ]

في المصدود (1) وبخبر حمزة بن حمران (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذي يقول حلني حيث حبستني قال: هو حل حيث حبسه قال: أو لم يقل) وحسن زرارة (3) عنه عليه السلام ايضا (هو حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط) وفيه أن الآية - مع انها مساقة لبيان حكم اصل الحصر لا خصوص المشترط - مقيدة بما عرفت، وفعل النبي صلى الله عليه وآله بعد ان كان مصدودا لا محصورا خارج عما نحن فيه وخبرا حمزة وزرارة - مع عدم صحة سند الاول منهما، وموافقتهما للعامة، واحتمال كونهما في المصدود - لا دلالة فيهما إلا على ثبوت أصل التحلل مع الشرط وعدمه، وان اختص الاول بأمر زائد على ذلك كما سمعت التصريح به في النص مضافا إلى استبعاد الامر بالشرط المزبور مع عدم فائدة به، ومن الغريب انه على ضعفه أو فساده وافقه عليه الشهيد في الدروس والمحقق الثاني في حاشية الكتاب في تفسير عبارة المصنف وما شابهما، قال في الاول: (وحكمهما اي الممتنع وغيره في استحباب الاشتراط ايضا واحد، وفائدته جواز اصل التحلل عند العارض كقول ابن حمزة والشرائع، أو جواز التعجيل للحصر كقول النافع، أو سقوط الهدي عن الحصر والمصدود غير السائق كقول المرتضى، أو سقوط قضاء الحج لمتمتع فاته الموقفان كقول الشيخ في التهذيب لرواية ضريس بن عبد الملك الصحيحة (4)) وقال في الثاني: (قول المصنف: وفائدة الاشتراط إلى آخره،


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 - 1 (4) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الوقوف بالمشعر - الحديث 2 عن ضريس بن اعين كما في التهذيب ج 5 ص 296 - الرقم 1001 وهو الصحيح كما يشهد لذلك نقل الحديث عنه فيما يأتي في ص 266

[ 266 ]

جواب عن سؤال مقدر يرد على عدم سقوط الهدي عن المشترط، صورته أنه حينئذ لا فرق بين المشترط وغيره في وجوب الهدي إذا أحصر، فلا فائدة للشرط حينئذ، وجوابه ان فائدته كون التحليل مستحقا بالاصالة بعد ان كان رخصة، ومن فوائده انه عبادة فيترتب عليه الثواب) والجميع كما ترى، فان العبارة كادت تكون صريحة، خصوصا بملاحظة كلامه في النافع في ان الفائدة تعجيل التحليل بخلاف غير المشترط الذي يجب عليه الانتظار حتى يبلغ الهدي محله، بل لعل ذلك هو مراد كل من عبر بأنه يتحلل مع الشرط كما عن المبسوط والخلاف والمهذب وغيرها، ضرورة ثبوت أصل التحليل للمحصور من غير شرط، فليس المراد إلا تعجيله. ثم لا يخفى عليك أن ما ذكره الشهيد في الدروس أخيرا هو الرابع من الاقوال في الفائدة، وقد ذكره الشيخ في موضع من التهذيب مستدلا عليه بصحيح ضريس بن اعين (1) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر فقال: يقيم على إحرامه ويقطع التلبية حين يدخل مكة، فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق رأسه وينصرف إلى اهله إن شاء، قال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فان لم يكن اشترط فان عليه الحج من قابل) وهو مع احتمال كون القائل ضريسا لا الامام عليه السلام يشكل بأن الحج الفائت إن كان واجبا لم يسقط فرضه في القابل بمجرد الاشتراط بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في محكي المنتهى، قال: الاشتراط لا يفيد سقوط الحج في القابل لوفاته، ولا نعلم فيه خلافا بل ولا إشكالا كما سيذكره المصنف، وإن لم يكن واجبا لم يجب بترك الاشتراط، فالوجه إرادة


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الوقوف بالمشعر - الحديث 2

[ 267 ]

شدة الندب فيه لمن ترك الاشتراط، كل ذلك مضافا إلى ما فيه من المشقة بناء على ما قيل من كون المراد منه البقاء على إحرامه إلى قابل ليحج به، وإن كان فيه منع واضح. والخامس ما في المسالك فانه بعد ان ذكر الفوائد المزبورة عدا ما سمعته من الفخر قال: (وكل واحدة من هذه الفوائد مما لا تأتي على جميع الافراد التي يستجب فيها الاشتراط، أما سقوط الهدي فمخصوص بغير السائق، إذ لو كان قد ساق هديا لم يسقط، وأما تعجيل التحليل فمخصوص بالحصر دون المصدود، وأما كلام التهذيب فمخصوص بالمتمتع، وظاهر أن ثبوت التحليل بالاصل والعارض لا مدخل له في شئ من الاحكام، واستحباب الاشتراط ثابت لجميع أفراد الحاج ومن الجائز كونه تعبدا أو دعاء مأمورا به يترتب على فعله الثواب) ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه من النصوص المصرحة بفائدة الشرط والفتاوى وغيرهما، على أنه موافق لكثير من العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم، كطاووس وسعيد بن جبير والزهري ومالك، بل ابن عمر منهم كان ينكر ذلك، ويقول: حسبكم سنة نبيكم، ولانه عبادة واجبة بأصل الشرع لا يفيد الاشتراط فيها كالصوم والصلاة، وهو كما ترى مجرد قياس وافتراء على النبي صلى الله عليه وآله، فالتحقيق ما عرفت. وربما احتمل أو قيل كون الفائدة التحلل من كل شئ حتى النساء كما سمعته في صحيح البزنطي (1) بل ربما احتمل إرادة الفاضل ومن عبر كعبارته ذلك ايضا ولكن يدفعه صحيح معاوية بن عمار (2) المتقدم في حديث حصر الحسين عليه السلام


(1) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحصار والصد - الحديث 3

[ 268 ]

سأل الصادق عليه السلام (أرأيت حين برئ من وجعه أحل له النساء ؟ فقال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، قال: فما بال النبي صلى الله عليه وآله حين رجع إلى المدينة حل له النساء ولم يطف ؟ فقال ليس هذا مثل هذا، النبي صلى الله عليه وآله كان مصدودا والحسين (عليه السلام) كان محصورا) ويمكن قطع النظر فيه عن الشرط وكون السؤال عن المحصور إذا أحل هل يحل له النساء كالمصدود، كما يمكن بعيدا تقييد خبر البزنطي بما إذا طيف عنه، وتسمع تحقيق الحال فيه في محله إن شاء الله، هذا. وفي الايضاح حكاية قول سادس أو سابع، وهو أن فائدته سقوط الهدي عن المصدود وجواز تحلل المحصور، أما الاول فلانه يجوز له التحلل شرط أو لم يشترط لخبري زرارة (1) وحمزة بن حمران (2) ولا يراد فيهما المحصور للآية، فلو لم يسقط الهدي لم يكن له فائدة، وأما الثاني فلما روي (3) (ان النبي صلى الله عليه وآله دخل على صباغة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج فقالت: والله ما أجد في إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي وقولي: اللهم تحلني حيث حبستني) وفي رواية (4) (قولي: لبيك اللهم لبيك، وتحلني من الارض حيث حبستني، فان لك على ربك ما استثنيت، ولكن انما يتحلل بهدي يبعثه ويتوقع بلوغه المحل للآية، وإن لم يشترط لم يحل حتى يدرك الحج أو العمرة) وفيه - مضافا إلى عدم معرفة القائل بذلك، بل يمكن تحصيل الاجماع على خلافه - ان الآية مطلقة لم تقيد بالاشتراط بل لعلها ظاهرة في صورة عدم الشرط، وسقوط التربص


(1) و (2) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 2 (3) سنن البيهقي ج 5 ص 221 (4) كنز العمال ج 3 ص 19 الرقم 425

[ 269 ]

فائدة ولا بأس بانتفاء الفائدة في الصد، هذا. وفي المدارك بعد نقل الاقوال قال: (والذي يقتضيه النظر أن فائدته سقوط التربص عن المحصر كما يستفاد من قوله (عليه السلام): (وحلني حيث حبستني) وسقوط الهدي عن المصدود لما ذكرناه من الادلة، مضافا إلى ضعف دليل وجوبه بدون الشرط كما سنبينه في محله إن شاء الله، بل لا يبعد سقوط الهدي مع الحصر ايضا كما ذهب إليه المرتضى وابن إدريس (رحمهما الله) ولا ينافي ذلك قوله (عليه السلام) في حسنه زرارة (1): (هو حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط) لان أقصى ما يستفاد من الرواية ثبوت التحلل مع الحبس في الحالين، ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك تساويهما من كل وجه، فيجوز افتراقهما بسقوط الدم مع الشرط، ولزومه بدونه) وتبعه على ذلك بعض من تأخر عنه، ولا يخفى عليك بعد الاحاطة بما ذكرنا مواضع النظر فيه، وما ندري الادلة التي ذكرها على سقوط الهدي في المصدود. والتحقيق عدم سقوط الهدي مطلقا سيما القارن لما عرفت، وسقوط التربص في المحصور مع الشرط، والمصدود مطلقا، أما في الاول فلما سمعته من النصوص وأما في المصدود فللاتفاق في المسالك على جواز التعجيل له من غير شرط، ولا يضر عدم الفائدة للشرط فيه بعد الاتفاق المزبور، كما لا يضر ايضا في القارن وإن لم يعجل، وبذلك كله يظهر لك ما في المحكي عن ابن ادريس الذي قد كفانا مؤونته الفاضل في المختلف حيث قال: (وأما ابن إدريس فلم يزد في الاستدلال على ما قاله السيد إلا تعجبه من الشيخ واستطراف كلامه في الخلاف، وتوهم لجهله بالاحكام مناقضة الشيخ نفسه في مسألتين متتاليتين، فقال: إن الشيخ قال: مسألة يجوز


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 270 ]

للمحرم ان يشترط ويكون ذلك صحيحا، ويجوز أن يتحلل إذا عرض له عارض إلى أن قال: وقال بعض الشافعية: لا تأثير لهذا الشرط، ووجوده كالعدم، إلى آخره، ثم قال: مسألة إذا شرط على ربه في حال الاحرام ثم حصل الشرط وأراد التحلل فلابد من نية التحلل والهدي، وللشافعي قولان، دليلنا عموم الآية والاحتياط، قال ابن إدريس: الشيخ يناظر ويخاصم في المسألة الاولى، من قال: إن الشرط لا تأثير له ووجوده كعدمه، وأنه لا يفيد شيئا، ثم يستدل على صحته وتأثيره، وفي الثانية يذهب إلى ان وجوده كعدمه، ولا بد من الهدي وان اشترط، ويستدل بعموم الآية، وهذا عجب طريف فيه ما فيه، أقول: اي عجب فيما ذكره الشيخ، واي استطراف فيه، ولعله توهم ان الشيخ حيث اوجب الهدي جعل وجود الشرط كعدمه، ولم يتفطن ان التحلل انما يجوز مع الاشتراط، وانه لولاه لم يجز التحلل، وهل هذا إلا جهل منه وقلة تأمل لفتاوى الفقهاء، وعدم مزيد لتحصيل مقاصدهم) قلت: هو كذلك مع فرض ان مراد الشيخ بالتحليل التعجيل لا أصله. ثم إن الشرط انما يصح وتترتب عليه الفائدة التي ذكرناها إذا كان على وفق ما يثبت شرعا، مثل ان يقول: حيث حبستني أو إن عرض لي شئ أو نحو ذلك مما جاء في النصوص، نعم الظاهر صحته ايضا مع ذكر التفصيل، كما لو قال: إن مرضت أو منعني عدو أو قلت نفقتي أو ضاق الوقت أو نحو ذلك كما صرح به الفاضل وغيره، ولا ينافى ذلك ذكر المحصور في كلامهم، لامكان إرادة الاعم من المريض، قال في الصحاح: كل من امتنع عن شئ فلم يقدر عليه فقد حصر عنه ولهذا قيل حصر في القراءة وحصر عن اهله ثم حكى عن ابي عمير الشيباني ان حصرني الشئ واحصرني اي حبسني، أو ان المراد من الشرط المشروع الاعم

[ 271 ]

من الحصر بمعنى المرض، وقد سمعت ما في صحيح ضريس بن أعين (1) المشتمل على ضيق الوقت، فلاحظ، أو ان المراد من مشروعية الشرط مطلق المانع الشامل للمرض وغيره، نعم يختص المصدود بعدم الفرق فيه بين الشرط وغيره، ويمكن إرادة الاصحاب من الحصر المثال. وعلى كل حال فلا يصح اشتراط حلني حيث شئت بعد عدم مشروعيته، فلا تترتب عليه الفائدة المزبورة، ولعل من ذلك اشتراط التحلل بحدوث العذر اي من غير نية للتحلل ولا هدي، وذلك لان الاحلال بغير إتمام لما أحرم له وسقوط الدم خلاف الاصل ولو بالشرط، فيقتصر فيه على محل النص والاجماع، والمتيقن منهما الاحلال بالنية والهدي على حسب ما عرفت، والله العالم. المسألة (الخامسة إذا تحلل المحصور) أو المصدود (لا يسقط عنه الحج في القابل إن كان واجبا) مستقرا في ذمته، أو بقيت استطاعته، وكذا العمرة بلا خلاف معتد به كما سمعته من المنتهى ولا إشكال، للاصل والعمومات وخبر المشيخة الذي قد سمعته سابقا (نعم يسقط إن كان ندبا) شرط أو لم يشترط، إذ هو ليس من الفاسد الذي يوجب الحج من قابل، فيبقى حينئذ على حكم الندب الذي مقتضى الاصل عدم وجوبه، بل لعل التعبير بالسقوط باعتبار ما يقال إنه يجب المضي بالنسك إذا احرم به، مضافا إلى ما سمعته من الخبر المروي عن كتاب المشيخة، وعموم صحيح ذريح المحاربي (2) نعم يبقى البحث في حرمة النساء على المحصور إلى ان يطاف عنه مطلقا أو إلا مع الشرط، ويأتي البحث فيه إن شاء الله.


(1) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الوقوف بالمشعر - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب الاحرام - الحديث 3

[ 272 ]

هذا كله في كيفيته الواجبة وأحكامه (و) أما (المندوبات) ف‍ (رفع الصوت بالتلبية للرجال) كما هو المشهور، بل في كشف اللثام الاجماع في الظاهر ولعله كذلك، إذ ما في التهذيب من انه واجب مع القدرة والامكان محمول على شدة الندب، خصوصا بعد قوله في محكي الخلاف لم أجد من ذكره فرضا، لكن عن المصباح ومختصره وفي أصحابنا من قال: الاجهار فرض إلا انا لم نتحققه وإن مال إليه بعض متأخري المتأخرين، للامر به في النصوص (1) المحمول على الندب بقرينة الشهرة وغيرها، وخصوصا في صحيح عمر بن يزيد (2) (واجهر بها كلما ركبت وكلما نزلت وكلما هبطت واديا أو علوت اكمة أو لقيت راكبا وبالاسحار) وإلا وجب تكريرها في كل ذلك، وهو مقطوع بعدمه، وفي مرفوع حريز (3) عن الصادقين (عليهما السلام) (لما أحرم رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: مر أصحابك بالعج والثج، والعج رفع الصوت بالتلبية، والثج نحر البدن) قال: وقال جابر بن عبد الله: (ما بلغنا الروحا حتى بحت اصواتنا) إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على الامر به المحمول عليه على ما عرفت، نعم في خبر أبي عبد الله (عليه السلام) (4) (وليس على النساء جهر بالتلبية) وفي مرسل فضالة (5) عنه (عليه السلام) ايضا (أن الله تعالى وضع عن النساء اربعا: الجهر بالتلبية، والسعي بين الصفا والمروة، ودخول الكعبة، واستلام الحجر) ومن هنا خصه المصنف بالرجال، مضافا إلى مناسبته للستر.


(1) و (3) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب الاحرام - الحديث 0 - 1 (2) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 (4) و (5) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 - 1

[ 273 ]

(و) يستحب (تكرارها) خصوصا (عند نومه واستيقاظه وعند علو الآكام ونزول الاهضام) وبعد كل صلاة وبالاسحار وملاقاة راكب، لانها شعار المحرم، وإجابة لندائه تعالى، وذكر وتذكير للآخرة، وفي مرسل ابن فضال (1) (من لبى في إحرامه سبعين مرة إيمانا واحتسابا أشهد الله تعالى له الف الف ملك ببراءة من النار، وبراءة من النفاق) وفي مرسل الصدوق (2) (ما من محرم يضحى ملبيا حتى تزول الشمس إلا غابت ذنوبه معها) وللتأسي، قال جابر بن عبد الله: ما سمعته سابقا، وقد سمعت صحيح عمر بن يزيد (3) وفي صحيح ابن سنان (4) عنه (عليه السلام) ايضا (كان صلى الله عليه وآله يلبي كلما لقي راكبا أو علا اكمة أو هبط واديا وفي آخر الليل وفي أدبار الصلوات) وفي صحيح معاوية بن عمار (5) (تقول هذا في دبر كل صلاة مكتوبة أو نافلة، وحين ينهض بعيرك، وإذا علوت شرفا أو هبطت واديا، أو لقيت راكبا أو استيقظت من منامك وبالاسحار، واكثر ما استطعت) إلى غير ذلك من النصوص، بل عن المنتهى والتذكرة استحباب ذلك باجماع العلماء إلا مالكا، فلا يستحبه عند اصطدام الرفاق، نعم لم نجد فيما وصل الينا من النصوص خصوص النوم كما اعترف به في المدارك، بل في كشف اللثام لم أر لمن قبل الفاضلين التعرض للنوم، ويمكن ان يكون وجهه ما يظهر من النصوص من استحباب تكريرها عند كل حادث كالنوم والاستيقاظ وملاقاة غيره، ولعله لذا عبر به الفاضل في القواعد، وجعل الاحوال المزبورة مثالا، وإن قال في كشف اللثام لم أره لمن قبله، بل لعل من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 41 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 2 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام الحديث 3 - 4 - 2

[ 274 ]

ذلك ايضا ما عن المقنعة والمقنع والمراسم والفقيه من استحبابها ايضا عند صعود الدابة والنزول منها، أو لصحيح عمر بن يزيد السابق، خصوصا بعد التسامح في أدلة السنن، وخصوصا مثل هذه السنة التي هي ذكر في نفسها، والله العالم. وكيف كان (فان كان حاجا) مفردا أو قارنا (استمر) علي تكراها (أي يوم عرفة عند الزوال) لصحيح ابن مسلم (1) عن ابي جعفر عليه السلام (الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس) وصحيح عمر بن يزيد (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية) ونحوه صحيح معاوية بن عمار (3) عنه عليه السلام ايضا، وظاهرها الوجوب كما عن نص الخلاف والوسيلة، وحكي عن علي بن بابوية والشيخ، واستحسنه بعض لظاهر الامر، ولا ريب في أنه أحوط. (وإن كان معتمرا بمتعة فإذا شاهد بيوت مكة) كما صرح به غير واحد بل قيل إنه مقطوع به في كلام الاصحاب، لقول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (4): (التمتع إذا نظر إلى بيوت مكة قطع التلبية) وفي حسن معاوية (5) (إذا دخلت مكة وانت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية، وحد بيوت مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن، فاقطع التلبية، وعليك بالتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله عزوجل ما استطعت) وقولهما (ع) في خبر سدير (6): (إذا رأيت أبيات مكة فاقطع التلبية) إلى غير ذلك


(1) و (3) الوسائل - الباب - 44 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 5 (2) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب إحرام الحج - الحديث 4 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب الاحرام الحديث 2 - 1 - 5

[ 275 ]

من النصوص التي ظاهرها الوجوب، بل عن الخلاف الاجماع عليه، ولا بأس به، لكن خبر زرارة (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته متى يمسك المتمتع عن التلبية ؟ فقال: إذا دخل البيوت بيوت مكة لا بيوت الابطح) وهو مع ضعفه يمكن حمله على إرادة الاشراف، كما انه يمكن حمل ضعيف زيد الشحام (2) عنه عليه السلام ايضا (سألته عن تلبية المتعة متى تقطع ؟ قال: حين يدخل الحرم) على إرادة الجواز كما عن الفقيه والاستبصار على معنى عدم تأكد استحباب فعلها قبل (بعد ظ) دخوله، وقال أبان بن تغلب (3) في الحسن: (كنت مع ابي جعفر عليه السلام في ناحية من المسجد وقوم يلبون حول الكعبة فقال: أترى هؤلاء الذين يلبون والله لاصواتهم أبغض إلى الله من اصوات الحمير) ولعله لانهم كانوا من العامة الذين لا حج لهم. انما الكلام فيما سمعته في ذيل حسن معاوية بن عمار من أن حد بيوت مكة قبل اليوم عقبة المدنيين، وفي خبر الفضيل بن يسار (4) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت: دخلت بعمرة فأين أقطع التلبية ؟ قال: حيال العقبة عقبة المدنيين، قلت: فأين عقبة المدنيين ؟ قال: بحيال القصارين) وفي خبر ابي خالد مولى علي بن يقطين (5) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عمن أحرم من حوالي مكة من الجعرانة والشجرة من اين يقطع التلبية قال: يقطع التلبية عند عروش مكة، وعروش مكة ذو طوى) ويحتمل غير عمرة التمتع، بل لعله ظاهر في ذلك، وفي صحيح البزنطي (6) عن الرضا (عليه السلام) (انه سئل عن التمتع متى يقطع


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب الاحرام الحديث 7 - 9 - 3 - 8 - 4 (4) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب الاحرام - الحديث 11

[ 276 ]

التلبية ؟ قال: إذا نظر إلى عراش مكة عقبة ذى طوى، قلت: بيوت مكة قال: نعم) ولعله لذا قال في الدروس: (وحدها عقبة المدنيين وعقبة ذي طوى) ونحوه في اللمعة وشرحها، ولكن قيد الاول بما إذا دخلها من اعلاها، والثاني بما إذا دخلها من اسفلها، وعن السيد والشيخ الجمع بينهما بأن الاول لمن أتى على طريق المدينة، والثاني لمن اتى على طريق العراق، وتبعهما الحلي والديلمي، وعن الصدوقين والمفيد تخصيص الثاني بمن اتى على طريق المدينة، وعن ابن ابي عقيل (وحد بيوت مكة عقبة المدنيين والابطح) وفي المختلف بعد ان حكى عن الجميع ما عرفت قال: (ولم تقف لاحدهم على دليل) وعن الغنية والمهذب (حد بيوت مكة من عقبة المدنيين إلى عقبة ذي طوى) وعن المصباح المنير (وذو طوى واد بقرب مكة علي نحو فرسخ في طريق التنعيم، ويعرف الآن بالزاهر) ونحو منه عن تهذيب الاسماء، إلا انه قال: (موضع بأسفل مكة) ولم يحدد ما بينهما بفرسخ أو غيره. قلت: لا يخفى عليك كون الاحوط قطعها في جميع ما هو مظنة ذلك أو محاذ له مع فرض عدم معلوميته في هذه الازمنة بالخصوص باعتبار كون التكرار مستحبا، والقطع واجبا، وإن كان المتجه عدم وجوب القطع إلى حصول اليقين على ان عقبة المدنيين معروفة في هذا الزمان على ما جزم به بعض المترددين على طريق المدينة، بل ذكر أن القطع به من شعار الشيعة يعرفه المخالف منهم، فلا بأس بالعمل حينئذ بما تضمنه من النصوص المعتبرة، وأما وادي طوى فالظاهر انه على غير الطريق المعروف في المدينة، ولذا ذكر الشهيدان والسيد ما سمعت ويمكن ان يكون ما وقع من المفيد والصدوقين بطريق آخر من المدينة غير المتعارف وعلى كل حال فالامر في ذلك هين، هذا. وقد سمعت من النص ما يدل

[ 277 ]

على الاكثار من التكبير والتحميد والتهليل والثناء بعد قطع التلبية كما نص عليه بعضهم. هذا كله في عمرة التمتع (فان كان بعمرة مفردة قيل) والقائل الصدوق وتبعه المصنف في النافع: (كان مخيرا في قطع التلبية عند دخول الحرم أو مشاهدة الكعبة) جمعا بين ما سمعته - من خبر الفضيل (1) بناء على أنه في العمرة المفردة وخبر يونس بن يعقوب (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية ؟ قال: إذا رأيت بيوت مكة ذي طوى فاقطع التلبية) ومرسل المفيد (3) (انه سئل عن الملبي بالعمرة المفردة بعد فراقه من الحج متى يقطع التلبية ؟ قال: إذا رأى البيت) والمرسل (4) في الكافي (روي انه يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة) وخبر ابن ابي نصر (5) المروي عن قرب الاسناد (سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من اين يقطع التلبية ؟ قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول: يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة) - وبين صحيح عمر بن يزيد (6) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (من دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الابل أخفافها في الحرم) وخبر معاوية بن عمار (7) عنه (عليه السلام) أيضا (وان كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم) ومرسل زرارة (8) عن ابي جعفر (عليه السلام) (تقطع تلبية المعتمر إذا دخل الحرم) وحسن مرازم (9) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الابل أخفافها في الحرم).


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8) و (9) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب الاحرام - الحديث 11 - 3 - 13 - 7 - 12 - 2 - 5 - 6 لكن روى الثامن عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام)

[ 278 ]

(وقيل) والقائل المشهور على ما في كشف اللثام: (إن كان ممن خرج ممكة للاحرام فإذا شاهد الكعبة، وإن كان ممن أحرم من خارج فإذا دخل الحرم) تنزيلا للنصوص المزبورة على ذلك، لقول الصادق (عليه السلام) في خبر معاوية بن عمار (1): (من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد) وفي صحيح عمر بن يزيد (2) (من خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة) ومن هنا أنكر الشيخ على الصدوق القول بالتخيير الذي من شرطه التنافي، والفرض عدمه، فان ما تضمن قطعها عند عقبة المدنيين محمول على من جاء من طريق المدينة، وما تضمن قطعها عند ذي طوى محمول على من جاء من طريق العراق، وما تضمن قطعها عند النظر إلى الكعبة محمول على من خرج من مكة، وفيه مع انه خلاف المشهور ايضا يمكن ان يكون مراد الصدوق ما ذكره المصنف بقوله: (والكل جائز) عملا بجميع النصوص وإن اختلفت أفرادها، ولا بأس به بناء على عدم وجوب القطع، أما عليه فلا ريب في ان الاولى مراعاة الاحتياط. (و) يستحب له ايضا أن (يرفع صوته بالتلبية إذا حج على طريق المدينة إذا علت راحلته البيداء، وإن كان راجلا فحيث يحرم) لما عرفته من ان ذلك أولى الوجوه المذكورة في الجمع بينها كما سمعت الكلام فيه مفصلا، فلاحظ وتأمل. (ويستحب التلفظ بما يعزم عليه) من حج مفرد أو تمتع أو عمرة مفردة أو متمتع بها، فيقول: لبيك بعمرة أو بحج أو بعمرة إلى الحج أو بحج متعة أو عمرة متعة أو بحج وعمرة كما صرح به غير واحد، للامر به في النصوص السابقة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 45 - من ابواب الاحرام - الحديث 4 - 8

[ 279 ]

منها قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1) (تقول: لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج) وفي صحيح عمر بن يزيد (2) (تقول: لبيك بحجة تمامها عليك) ومنها ما سمعته من قول امير المؤمنين (عليه السلام) (3): (لبيك بحجة وعمرة) وسأله (عليه السلام) يعقوب بن شعيب (4) في الصحيح (كيف ترى أن أهل ؟ فقال: إن شئت سميت، وإن شئت لم تسم شيئا فقال: كيف تصنع ؟ قال: أجمعهما فأقول: لبيك بحجة وعمرة معا) إلى غير ذلك من النصوص التي يستفاد من الاخير ونحوه منها عدم وجوب ذلك، مضافا إلى الاصل وإن كان قد يوهمه المحكي عن عبارة المصباح ومختصره بل والاقتصاد إلا انه في غير محله، كما ان ما عن الحلبيين والفاضل من النهي عن الاهلال بهما لعدم تعلق الاحرام بهما معا يشبه أن يكون من الاجتهاد في مقابلة النص، خصوصا بعد معلومية كون المراد التمتع بالعمرة إلى الحج، وإن اختلفت العبارات في تأديته كما اشرنا إلى ذلك سابقا، بل وأشرنا سابقا إلى اولوية الاضمار والاسرار بذلك عند التقية، بل قد يجب كما أومأت إليه النصوص (5) وصرح به الاصحاب، بل هو مقتضى عمومات التقية ايضا، لكن من المعلوم ان ذلك من حيث الجهر بها كذلك لا اصل قول ذلك على وجه لا يسمعه المخالف، والامر في ذلك سهل، هذا. وربما يستفاد من العبارة ونحوها استحباب التلفظ بها في غير التلبية كما


(1) و (2) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 - 3 (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب الاحرام - الحديث 7 (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 (5) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 5 و 6 والباب 21 منها - الحديث 4

[ 280 ]

يؤمي إليه ما في بعض النصوص (1) ايضا من الامر بقول: (اللهم اني اريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فاقبلها) والله العالم. (و) يستحب ايضا (اشترط أن يحله حيث حبسه) سواء أحرم بعمرة مفردة أو تمتع أو غيرهما (و) في خصوص الحج يقول: (إن لم تكن حجة فعمرة) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك نصا وفتوى، نعم انكره جماعة من العامة، بل لعل كثرة ذكره في النصوص المعتبرة للاشارة إلى خلافهم، منها قول الصادق (عليه السلام) في خبر الفضيل بن يسار (2): (المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربه ان يحله حيث حبسه، ومفرد الحج يشترط على ربه إن لم تكن حجة فعمرة) وفي صحيح ابن سنان (3) (إذا اردت الاحرام بالتمتع فقل: اللهم اني اريد ما امرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج فيسر ذلك وتقبله وأعني عليه، وحلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت علي) وفي صحيح ابن عمار (4) (تقول: اللهم اني أسألك - إلى قوله -: فان عرض لي شئ يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي اللهم ان لم تكن حجة فعمرة) إلى غير ذلك من النصوص التي تقدم جملة منها، وظاهرها كون الشرط في خلال النية على وجه يكون انعقاد الاحرام على ذلك، ويمكن الاكتفاء بذكره في التلبيات، وفي حاشية الكركي المفهوم من الاخبار ان موقع الاشتراط قبيل النية، لانه مذكور


(1) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 وليس فيه " فاقبلها " (2) الوسائل - الباب - 23 - من أبواب الاحرام - الحديث 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 - 1

[ 281 ]

في الدعاء الذي يستحب عند ارادة الاحرام، وفي بعض الاخبار (1) ما يدل على ذكره في التلبية، وليس من طرقنا، ويمكن ذكره في خلال النية، كما في الشرط في الاعتكاف المندوب، والظاهر إجزاء الجميع، فان التلبية هي التي يعقد بها الاحرام وهو جيد إلا ما ذكره أولا من كون المفهوم، إلى آخره، ضرورة كون ذلك من النية لا أنه دعاء خارج عنها، وإلا فلو فرض خروجه والفصل بينه وبين النية أشكل الاكتفاء به للاصل وغيره، فان المتيقن من النص والفتوى كون الشرط في الاحرام، بمعنى انه في خلال نيته أو خلال عاقده لا قبله، اللهم إلا ان يراد بالنية على حسب ما ذكره، وربما كان المراد من قوله قبيل النية ما يصدق معه الاتصال عرفا، وكونه شرطا في الاحرام، ولو نوى الاشتراط ولم يتلفظ به فالظاهر عدم الاعتداد به، لعدم صدقه عليه، وكونه خلاف المأثور، مضافا إلى أصالة عدم ترتب ما سمعته من الفائدة إلا على الشرط المذكور لفظا، ضرورة كون الاصل عدم التحليل من الاحرام إلا باتمام فعل ما أحرم به، واحتمال كونه تابعا للاحرام وهو ينعقد بالنية فتكفي هي حينئذ في اشتراطه كما ترى، خصوصا بعد ما سمعت انعقاده بالتلبية دونها. (و) يستحب ايضا (أن يحرم في الثياب القطن) بلا خلاف اجده فيه، بل نسبه بعض الافاضل إلى قطع الاصحاب، وكفى بذلك حجة لمثله، مضافا إلى التأسي به صلى الله عليه وآله، لما عرفت من انه أحرم صلى الله عليه وآله في ثوبي كرسف (2) وقد سمعت قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (3): (كان ثوبا رسول الله صلى الله عليه وآله اللذان أحرم فيهما يمانين، عبري وأظفار، وبهما كفن) بل قيل وإلى


(1) كنز العمال ج 3 ص 19 الرقم 425 (2) و (3) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 - 2

[ 282 ]

قول أمير المؤمنين عليه السلام (1): (البس القطن فانه لباس رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو لباسنا) وفي خبر ابي بصير وابن مسلم (2) المروي عن خصال الصدوق (البسوا ثياب القطن فانها لباس رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو لباسنا، ولم يكن يلبس الشعر والصوف إلا من علة). (وأفضلها البيض) التي تظافرت الاخبار (3) بالامر بلبسها، وكونها خير الثياب وأحسنها وأطيبها وأطهرها، ولكن فيه ايضا الاشكال السابق لولا ما في خبر الدعائم (4) عن ابي جعفر (عليه السلام) (يتجرد المحرم في ثوبين نقيين ابيضين، فان لم يجد فلا بأس بالصبغ ما لم يكن بزعفران أو ورس أو طيب، وكذلك الحرمة لا تلبس مثل هذا من الصبغ). (و) يستحب له ايضا (إذا أحرم بالحج من مكة رفع صوته بالتلبية إذا أشرف على الابطح) كما صرح به غير واحد من المتقدمين والمتأخرين، لقول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية بن عمار (5): (إذا كان يوم التروية إن شاء الله فاغتسل ثم اللبس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب احكام الملابس - الحديث 1 من كتاب الصلاة (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب احكام الملابس - الحديث 4 من كتاب الصلاة والخصال ج 2 ص 157 الطبع القديم (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب احكام الملابس من كتاب الصلاة (4) ذكر صدره في المستدرك في الباب 29 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 وذيله في الباب 31 منها الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 52 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 283 ]

والوقار، ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة. ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، فأحرم بالحج ثم امض وعليك السكينة والوقار، فإذا انهيت إلى الرقطاء دون الردم فلب، فإذا انهيت إلى الردم وأشرفت على الابطح فارفع صوتك بالتلبية) الذي يمكن ان يرجع إليه قوله (عليه السلام) ايضا في صحيح الحلبي و عبد الرحمان بن الحجاج ومعاوية بن عمار وحفص بن البختري جميعا (1): (إن أهللت من المسجد الحرام للحج فان شئت فلب خلف المقام، وأفضل ذلك أن تمضي حتى تأتي الرقطاء، وتلبي قبل أن تصير إلى الابطح) وعبر في محكي الهداية بمضمون الصحيح الاول، وأورد عليه في الرياض بأنه مناف لما ذكره من اعتبار مقارنة التلبية للنية، إذ الخبر صريح في خلافها، إلا ان يكون لم يعتبرها هنا وان اعتبرها ثمة، كما هو ظاهر المحكي عن السرائر والمنتهى والتذكرة حيث أنهم عبروا عن المستحب هنا في إحرام الحج بما حكي عن المبسوط والنهاية والجامع والوسيلة من انه إن كان ماشيا لبى من موضعه الذي صلى فيه، وإن كان راكبا لبي إذا نهض به بعيره، فإذا انتهى إلى الردم وأشرف على الابطح رفع صوته بالتلبية، وحينئذ فينبغي القطع بعدم اعتبارها هنا، خلافا لشيخنا في المسالك حيث قال: (والكلام في التلبية التي يعقد بها الاحرام كما مر فيلبي سرا بعد النية ويؤخر الجهر إلى الابطح) قلت: لا ينبغي التأمل في اتحاد مسألة المقارنة في المقام وغيره، ضرورة اتحاد كيفية عقد الاحرام في الجميع، وقد عرفت بناء على أنها الداعي ان لا دلالة في شئ من هذه النصوص بل ولا الفتاوى على عدم اعتبارها لحصوله عند إرادة عقد الاحرام بها، كما انك قد عرفت هناك عدم


(1) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 284 ]

تأخير تلبية العقد عن الميقات الذي لا يجوز تجاوزه غير محرم، ولكن ذلك لا يقتضي المقارنة على نحو مقارنة نية الصلاة لتكبيرها، ولا صراحة في الخبر المزبور بتأخير تلبية العقد، إذ يمكن استحباب تلبية اخرى سرا عند الرقطاء. والجهر بها عند الاشراف على الابطح، بل مقتضى قوله: (فاحرم بالحج) إلى آخره الامر بعقد الاحرام ولو بتلبيته سرا، بل ينبغي الجزم بذلك بناء على ان الرقطاء خارجة عن مكة، فانه قيل قد فتشنا تواريخ مكة فلم نجد الرقطاء اسم موضع منها نعم بناء على ان الرقطاء اسم موضع بمكة جاز تأخير التلبية للعقد إليها، لانها من الميقات حينئذ، والفرض عدم اعتبار المقارنة نحو تكبيرة الاحرام، بل المراد عدم الخروج عن الميقات قبل وقوعها. وبذلك ومما تقدم سابقا ظهر لك ان الامر هنا نحو ما سمعته هناك، وعن شرح القاضي للجمل إذا أحرم بالحج يوم التروية فلا يلبي بعد عقد إحرامه حتى ينتهي إلى الردم، وهو ظاهر في انها تلبية اخرى بعد عقد الاحرام، ولعل ذلك هو مراد الكتب السابقة ايضا، بل في كشف اللثام إضافة التحرير إليها وروض الجنان، قال: إلا انه زاد قوله: ويسر بالتلبيات الاربع المفروضة قائما أو قاعدا على باب المسجد أو خارجه مستقبل الحجر الاسود، وهذه الزيادة صريحة أو ظاهرة فيما قلناه. وكيف كان فعن التهذيب والاستبصار الماشي يلبي من الموضع الذي يصلي فيه، والراكب يلبي عند الرقطاء أو عند شعب الدب، ولا يجهران بالتلبية إلا عند الاشراف على الابطح جامعا به بين خبري زرارة (1) (سألت ابا جعفر (عليه السلام) متى تلبي بالحج ؟ قال: إذا خرجت إلى منى - ثم قال -: إذا جعلت


(1) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الاحرام - الحديث 5

[ 285 ]

شعب الدب عن يمينك والعقبة عن يسارك) وابي بصير (1) عن الصادق (عليه السلام) (ثم تلبي من المسجد الحرام كما لبيت حين أحرمت) مستشهدا لهذا الجمع بخبر عمر بن يزيد (2) عنه (عليه السلام) (فان كنت ماشيا فلب عند المقام وان كنت راكبا فإذا نهض بك بغيرك) قيل ونحوهما المصباح ومختصره لكن ليس فيهما شعب الدب، وفيه ما لا يخفى في الشاهد والمشهود عليه كما انه لا يخفى عليك ظهور خبر ابي بصير فيما قلناه، بناء على كون المراد حين الاحرام فيه، وعن الكافي (ثم يلبي مستسرا، فإذا نهض به بعيره أعلن بالتلبية، وإن كان ماشيا فليجهر بها من عند الحجر الاسود) وفي المقنعة بعد الدعاء ولفظ النية (ثم ليلب حتى ينهض به بعيره ويستوي به قائما، وان كان ماشيا فليلب من عند الحجر الاسود، ويقول: لبيك لبيك بحجة تمامها عليك، ويقول وهو متوجه إلى منى: اللهم إياك أرجو، وإياك أدعو، فبلغني أملي واصلح لي عملي، فإذا انتهى إلى الرقطاء دون الردم وأشرف على الابطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى) وهو صريح في أنها غير التلبيات الاربع، كما أن ما قبله وجه آخر للجمع بين النصوص، إلا ان ذلك كله ظاهر في غير تلبية العقد كما لا يخفى على المتأمل، ولا ريب في ان الاحوط مقارنة التلبية في المسجد، بل إن لم يقارن بها فلا يؤخرها إلى الرقطاء، لاحتمال خروجها عن الميقات، هذا، والردم موضع بمكة يرى من الكعبة كما عن تهذيب الاسماء، ومضاف إلى بني جمح، وهو لبني فزارة كما عن القاموس، وقيل انه مكان قد يدعو به الجائى من الابطح قبل الوصول إلى الكعبة تشريفا لها، وكانت فيه عمارة فردمت وصارت تلا، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (يلحق بذلك تروك) أي متروكات (الاحرام


(1) و (2) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 - 2

[ 286 ]

وهي إما محرمات أو مكروهات، فالمحرمات) عند المصنف هنا (عشرون شيئا) وفي الدروس ثلاثة وعشرون، وفي الارشاد ثمانية عشر، وفي النافع والتبصرة اربعة عشر، ولكل وجه تعرفه إن شاء الله (مصيد البر) كما في بعض النسخ، منها نسخة ثاني الشهيدين، وفي اخرى (صيد) بمعنى المصيد لقوله: (اصطيادا وأكلا ولو صاده محل، وإشارة ودلالة) لصائده المحل والمحرم وإن ضمناه معا في الثاني على ما في المسالك، بخلاف العكس فانه يضمنه المحرم وإن دله عليه المحل لكنه يأثم، بناء على انه من الاعانة على الاثم، وعلى كل حال لا يجوز الدلالة بل مطلق الاعانة ولو باعارة السلاح أو مناولته، بل في المنتهى نسبة تحريمها إلى العلماء (وإغلاقا عليه) حتى يموت أو يصيده غيره (وذبحا) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن المنتهى انه قول كل من يحفظ عنه العلم وان كان المحكي عن الثوري واسحاق الخلاف في الثاني، وعن الشافعي وابي حنيفة الخلاف في أكل ما صاده المحل وذبحه من دون امر ولا دلالة ولا إعانة، إلا ان خلاف مثل هؤلاء غير قادح، وحينئذ فهو الحجة بعد قوله تعالى (1): (لا تقتلوا الصيد وانتم حرم) وقوله (2): (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) الدال على حرمة اصطياده وأكله، بل يمكن إرادة مطلق المدخلية في صيده ولو بمعونة ما سمعته من الاجماع، وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (3): (لا تستحلن شيئا من الصيد وانت حرام، ولا وانت حلال في الحرم، ولا تدل عليه محلا ولا محرما فيصطاده، ولا تشر إليه فيستحل من أجلك، فان فيه الفداء عن تعمده) ضرورة كونه تعليلا شاملا لمطلق المدخلية


(1) و (2) سورة المائدة - الآية 96 - 97 (3) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 287 ]

في اصطياده، وفي صحيح منصور بن حازم (1) (المحرم لا يدل على الصيد، فان دل عليه فقتل فعليه الفداء) وقال ايضا في خبر عمر بن يزيد (2): واجتنب في احرامك صيد البر كله، ولا تأكل ما صاده غيرك، ولا تشر إليه فيصيده غيرك) وفي صحيح معاوية بن عمار (3) (لا تأكل من الصيد وانت حرام وان كان اصابه محل، وليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك الفداء فيه بجهل كان أو عمد) وحسنه أو صحيحه الآخر (4) (ما وطأته أو وطأه بعيرك وانت محرم فعليك فداؤه، وقال: اعلم انه ليس عليك فداء شئ أتيته وانت جاهل به وانت محرم في حجك، ولا في عمرتك إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهالة كان أو تعمد) وسأله (عليه السلام) الحلبي (5) (عن لحوم الوحش تهدى للرجل وهو محرم لم يعلم بصيده ولم يأمر به أيأكله ؟ قال: لا) وسأل البزنطي (6) الرضا (عليه السلام) في الصحيح (عن المحرم يصيب الصيد بجهالة قال: عليه كفارة، قلت: فان أصابه خطأ قال: وأي شئ الخطأ عندك ؟ قلت: يرمي هذه النخلة فيصيب نخلة اخرى قال: نعم هذا الخطأ وعليه الكفارة، قلت: فان اخذ طيرا متعمدا فذبحه وهو محرم قال: عليه الكفارة، قلت: ألست قلت إن الخطأ والجهالة والعمد ليسوا سواء، فبأي شئ ينفصل المتعمد عن الخاطئ ؟ قال: إنه أثم ولعب بدينه) إلى غير ذلك من النصوص التي يمكن دعوى القطع بمضمونها ان لم تكن متواترة اصطلاحا.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 - 5 (3) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب كفارات الصيد الحديث 1 - 4 - 2 (5) الوسائل - الباب - 2 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 288 ]

نعم الظاهر اختصاص الحكم بما هو المنساق من النص والفتوى من كون الاشارة والدلالة مسببة للصيد، فلا تحرم دلالة من يرى الصيد بحيث لا يفيده ذلك شيئا ولا دلالة من لا يريد الصيد كما صرح به غير واحد، للاصل وغيره، بل قد يمنع كون مثله من الدلالة التي هي على ما قيل أعم من الاشارة باعتبار تحققها بالكتابة وغيرها، بخلاف الاشارة المختصة بأجزاء البدن، وإن كان لا يخلو من نظر، ولو ضحك أو تطلع إليه ففطن غيره فصاده فان تعمد ذلك للدلالة عليه أثم، وإلا فلا، للاصل في الاخير، بخلاف الاول الذي هو تسبيب فان المراد منه هنا مطلق المدخلية في اصطياده أو إتلافه ولو على جهة الشرطية كما أومي إليه بقوله (عليه السلام): (ولا تشر إليه فيستحل من أجلك). (و) كيف كان ف‍ (لو ذبحه) أي المحرم (كان ميتة حراما على المحل والمحرم) كما صرح به الشيخ والحلي والقاضي ويحيى بن سعيد والفاضلان وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل هو المشهور شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف فيه بعض من عادته نقله وإن ضعف، بل في المنتهى وعن التذكرة الاجماع عليه، بل هو المراد ايضا مما في النهاية والمبسوط والتهذيب والوسيلة والجواهر على ما حكي عن بعضها انه كالميتة، بل في الاخير الاجماع عليه ايضا، كل ذلك مضافا إلى خبر وهب بن وهب (1) عن جعفر عن ابيه عن علي (عليهم السلام) (إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحرام والحلال، وهو كالميتة، وإذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة، حلال ذبحه أو حرام) وخبر اسحاق (2) عن جعفر (عليه السلام) ايضا (ان عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 - 5

[ 289 ]

ميتة لا يأكله محل ولا محرم، وإذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل ولا محرم) المنجبرين بما عرفت المؤيدين بأخبار الامر بدفنه، كمرسل ابن أبي عمير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه أيطعمه أو يطرحه ؟ قال: إذا يكون عليه فداء آخر، قلت: فما يصنع به ؟ قال: يدفنه) وحسنة معاوية بن عمار (2) عنه عليه السلام أيضا (إذا أصاب المحرم الصيد في الحرم وهو محرم فانه ينبغي له أن يدفنه ولا يأكله أحد، وإذا أصابه في الحل فان الحلال يأكله وعليه هو الفداء) وبأن التذكية انما تتحقق بذكر الله على ذبحه، ولا معنى لذكره على ما حرمه، فيكون لغوا، وبأخبار (3) تعارض الميتة والصيد للمحرم المضطر، سيما ما رجح (4) منها الميتة على الصيد، وإن كان قد يناقش بايماء الاول إلى جواز إطعامه وان أوجب فداء آخر، وباشتمال الآخر على لفظ ينبغي المشعر بالندب وعلى التفصيل المنافي للمطلوب، وبأنه لا منافاة بين الذكر (5) والحرمة كتذكية المغصوب، وبأن الاظهر ترجيح الصيد على الميتة، وليس إلا لعدم كونه ميتة، وإلا لكان العكس، ضرورة عدم الحرمة الصيدية فيه، بل في بعض النصوص (6) المرجحة له التعليل بأنه ماله، لانه يعطيه فداءه


(1) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 3 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب كفارات الصيد (4) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب كفارات الصيد - الحديث 8 و 11 و 12 (5) في المخطوطة المبيضة " الذكاة " ولكن في المسودة " الذكر " وهو الصواب لانه جواب عما تقدم من قوله: " لا معنى لذكره على ما حرمه " (6) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب كفارات الصيد - الحديث 5 و 6 و 7

[ 290 ]

بخلاف الميتة، وهو كالصريح في كونه مذكى، وإلا لم يكن مالا، وستسمع إن شاء الله زيادة تحقيق لذلك عند تعرض المصنف له، بل يأتي له تتمة إن شاء الله في كتاب الاطعمة. وعلى كل حال فلا دلالة فيها على المطلوب، فالعمدة ما عرفته أولا، لكن عن الفقيه والمقنع والمختصر الاحمدي (أنه إن ذبحه في الحل جاز للمحل أن يأكله) بل في الاول (أنه لا بأس أن يأكل المحل ما صاده المحرم، وعلى المحرم فداؤه) نحو المحكي عن المفيد والمرتضى ايضا، لكن يمكن إرادة عدم حرمة عين صيد المحرم على المحل على معنى أن له تذكيته وأكله، لا أن المراد الاكل مما ذكاه المحرم بصيده. وعلى كل حال فقد مال إليه بعض متأخري المتأخرين للطعن في سند الخبرين الاولين، فلا يصلحان معارضين لما دل على الحل من العموم، وصحيح معاوية ابن عمار (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب صيدا وهو محرم أيأكل منه الحلال ؟ فقال: لا بأس، انما الفداء على المحرم) وصحيح حريز (2) ((سألت أبا عبد الله عليه السلام عن محرم أصاب صيدا أيأكل منه المحل ؟ قال: ليس على المحل شئ، انما الفداء على المحرم) وصحيح منصور بن حازم (3) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل أصاب صيدا وهو محرم آكل وأنا حلال قال: أما أنا كنت فاعلا قلت: فرجل أصاب مالا حراما فقال: ليس هذا مثل هذا يرحمك الله) وحسن الحلبي أو صحيحه (4) عنه عليه السلام أيضا (المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 - 4 - 3 (4) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 6

[ 291 ]

ويتصدق بالصيد على مسكين) وحسن معاوية بن عمار (1) المتقدم سابقا المراد بالاصابة فيه القتل بقرينة الامر بالدفن في صدره، فيتعدى إلى الذيل بشهادة السياق، وهو لا يخلو من قوة، خصوصا بملاحظة ما في بعض النصوص المرجحة له على الميتة عند الاضطرار التي أشرنا إليها، وحينئذ فيكون المراد من كونه ميتة بالنسبة للمحرم لا المحل، إلا أن الشهرة العظيمة والاجماعات المحكية الجابرة للخبرين المزبورين ترجح القول الآخر عليه وإن صحت أخباره، خصوصا بعد عدم الصراحة في دلالة البعض، لاحتمال إرادة غير القتل من الاصابة، فيكون المحل هو المذكي له وإن كان الذي رماه المحرم، وكون الباء في (بالصيد) للسببية و (الصيد) المصدرية أي يتصدق لفعله الصيد على مسكين أو مساكين، خصوصا بعد ضعف القرينة المزبورة باختلاف النسخة في قوله: (يدفنه) عى ما قيل، فان بدلها في أخرى (يفديه) أو المراد جزاء الصيد أو غير ذلك، بل عن الشيخ احتمال التفصيل بين الذبح والتذكية بالرمي، فالاول ميتة، بخلاف الثاني الذي يمكن حمل النصوص عليه، بل قيل إنه ظاهر اختيار المفيد في المقنعة، لكن يمكن دعوى الاجماع على كون المراد مطلق تذكية المحرم من الذبح نصا وفتوى، هذا. وقد قيل: إن الظاهر جريان جميع أحكام الميتة عليه، فلا تجوز الصلاة في جلده ولا غيرها من الاستعمالات وخصوصا المايعات، والفاضل في التحرير وإن استشكل فيه للاشكال في أنه ميتة أو كالميتة أو لاحتمال أن يكون لحمه كلحم الميتة لا جلده لكنه استقرب بعد ذلك عدم الجواز، وإن كان لا يخفى عليك أن في النفس منه شيئا، خصوصا مع ملاحظة ما سمعته من نصوص الترجيح له على الميتة والتعليل المزبور فيها والعمومات، وعدم معروفية اشتراط كونه محلا في التذكية


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 292 ]

بل ظاهر تلك الادلة خلافه، فلا بعد في إرادة معنى كالميتة من قوله فيها، فينصرف إلى حرمة الاكل لا غيره، فتأمل جيدا. هذا كله في ذبح المحرم، أما ذبح المحل للصيد في الحرم فقد صرح غير واحد بحرمته أيضا، وكونه كالميتة، بل في الحدائق اتفاق الاصحاب عليه، وهو الحجة بعد خبري وهب (1) واسحاق (2) المتقدمين المجبورين بذلك المؤيدين بصحيح منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في حمام ذبح في الحل قال: ما يأكله محرم، وإذا أدخل مكة أكله المحل بمكة، وإذا أدخل الحرم حيا ثم ذبح في الحرم فلا تأكله لانه ذبح بعد أن دخل مأمنه) وخبر شهاب بن عبد ربه (4) (قلت له أيضا: إني أتسحر بفراخ اوتي بها من غير مكة، فتذبح في الحرم، فأتسحر بها، فقال: بئس السحور سحورك، أما علمت أن ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه وإمساكه) وصحيح الحلبي (5) عنه عليه السلام ايضا (انه سئل عن الصيد يصاد في الحل ثم يجاء به إلى الحرم وهي حي، فقال: إذا أدخله الحرم حرم عليه أكله وإمساكه، فلا تشترين في الحرم إلا مذبوحا قد ذبح في الحل ثم أدخل الحرم، فلا بأس به للحلال) وصحيح معاوية (6) انه سأل أبا عبد الله عليه السلام (عن طير أهلي أقبل فدخل الحرم، فقال: لا يمس، ان الله عزوجل (1) يقول: ومن دخله كان آمنا) وغير ذلك من النصوص.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 - 5 (3) و (5) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 - 1 مع الاختلاف في لفظ الثاني (4) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب كفارات الصيد - الحديث 4 (6) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب كفارات الصيد - الحديث 1 (7) سورة آل عمران - الآية 91

[ 293 ]

نعم لو ذبحه المحل في الحل جاز أكله في الحرم للمحل حتى لو كان صيده بدلالة المحرم عليه وإعانته بدفع سلاح ونحوه بلا خلاف ولا اشكال، للاصل والمعتبرة (1) المستفيضة التي تقدم بعضها، بل لا يبعد جواز أكله مع الجهل بحاله إذا كان في يد مسلم لقاعدة الحل، لكن في صحيح منصور بن حازم (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: أهدي لنا طير مذبوح فأكله أهلنا، فقال: لا يرى أهل مكة به بأسا، قلت: فأي شئ تقول أنت ؟ قال: عليهم ثمنه) ويمكن حمله على معلومية ذبحه في الحرم، وسيأتي إن شاء الله التعرض في كلام المصنف لذلك وغيره من أحكام الحرم وأحكام الصيد والمراد به، وغير ذلك، والله العالم. (وكذا يحرم فرخه وبيضه) أكلا وإتلافا مباشرة ودلالة وإعانة بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المنتهى انه قول كل من يحفظ عنه العلم، مضافا إلى المعتبرة (3) المستفيضة حد الاستفاضة التي تسمعها إن شاء الله في الكفارات، نعم لا يحرم البيض الذي اخذه المحرم أو كسره على المحل في الحل للاصل وعدم اشتراط حله بنحو تذكيته أو بشئ فقد هنا، خلافا للمحكي عن المبسوط، والله العالم. (والجراد في معنى الصيد البري) عندنا، بل في المنتهى وعن التذكرة أنه قول علمائنا واكثر العامة، وفي المسالك لا خلاف فيه عندنا، خلافا لابي سعيد الخدري والشافعي وأحمد في رواية، قال الباقر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (4): (مر علي عليه السلام على قوم يأكلون جرادا وهم محرمون فقال: سبحان


(1) و (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 0 - 5 (3) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب كفارات الصيد (4) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 294 ]

الله وأنتم محرمون، فقالوا: انما هو من صيد البحر، فقال: ارمسوه بالماء اذن) أي لو كان بحريا لعاش فيه، وقال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (الجراد من البحر، وكل شئ أصله من البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله، فان قتله فعليه الفداء كما قال الله تعالى) وفي صحيحه الآخر (2) ليس للمحرم ان يأكل جرادا ولا يقتله، قال: قلت: ما تقول في رجل قتل جرادة وهو محرم ؟ قال: تمرة خير من جرادة، وهو من البحر، وكل شئ يكون اصله من البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم ان يقتله، فان قتله متعمدا فعليه الفداء كما قال الله تعالى) وقال له ايضا في الصحيح (3): (الجراد يكون في الطريق والقوم محرمون كيف يصنعون ؟ قال: ينكبونه ما استطاعوا، قال: فان قتلوا منه شيئا ما عليهم ؟ قال: لا بأس عليهم) أي مع عدم الاستطاعة كما في خبر حريز (4) عنه (عليه السلام) ايضا (على المحرم ان يتنكب الجراد إذا كان على طريقه، فان لم يجد بدا فقتل فلا بأس) وفي خبر ابي بصير (5) (سألته عن الجراد يدخل متاع القوم فيدوسونه من غير تعمد لقتله، أو يمرون به في الطريق فيطؤونه قال: إن وجدت معدلا فاعدل عنه، وإن قتل غير متعمد فلا بأس) بناء على ارادة المحرمين منه، وفي حسن معاوية (6) عنه (عليه السلام) ايضا (اعلم انه ما وطأت من الدبا أو وطأه بعيرك فعليك فداؤه) إلى غير ذلك من


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 37 - من ابواب كفارات الصيد - الحديث 1 (3) و (4) و (6) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب كفارات الصيد الحديث 2 - 1 - 8 (5) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3

[ 295 ]

النصوص التي تسمعها إن شاء الله في الكفارات. لكن في محكي التهذيب ان منه بريا وبحريا (و) مقتضاه حل البحري منه. لانه (لا يحرم) على المحرم (صيد البحر) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن المنتهى دعوى إجماع المسلمين عليه، وانه لا خلاف فيه بينهم، مضافا إلى قوله تعالى (1): (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) وقول الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (2) ومعاوية (3) في التهذيب، والمرسل (4) في الكافي والفقيه (لا بأس بصيد المحرم السمك، ويأكل طريه ومالحه ويتزود، قال الله تعالى: (أحل لكم.. الخ) قال: مالحه الذي تأكلون، وفصل ما بينهما كل طير يكون في الآجام يبيض ويفرخ في البر فهو من صيد البر، وما كان من الطير يكون في البحر ويفرخ في البحر فهو من صيد البحر) (و) منه يستفاد أن صيد البحر (هو ما يبيض ويفرخ في الماء) وان كان هو في البر، بل في المنتهى انه لا يعلم خلافا إلا من عطاء، وحينئذ فالميزان لما يعيش من الطيور في البر والبحر البيض والفرخ وان ارتزق في أحدهما ومرسل ابن سماعة عن غير واحد عن أبان عن الطيار (5) (لا يأكل المحرم طير الماء) محمول على المرتزق فيه ولكن يبيض ويفرخ في البر، وربما حمل على المشتبه وفيه اشكال، خصوصا بعد قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (6): (كل شئ يكون أصله في البحر ويكون في البر والبحر فلا ينبغي للمحرم ان يقتله فان قتله فعليه الفداء كما قال الله عزوجل) وقد يدفع بأن المحرم صيد البر لا مطلق


(1) سورة المائدة - الآية 97 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 - 1 - 3 - 4 - 2

[ 296 ]

الصيد، فيبقى غيره على الاباحة، اللهم إلا ان يقال ان غير الآية المزبورة والرواية مطلقة في حرمة الصيد المقتصر في الخروج منه على صيد البحر، لا ان المحرم خصوص صيد البر الذي هو وان وجد في الآية لكنه موافق للمطلق، فلا يصلح مقيدا، فتأمل جيدا. وبذلك يتجه حرمة كل صيد إلا صيد البحر، بل ومنه المتولد بين الصيد وغيره إذا انتفى عنه الاسمان، اما إذا لحقه أحدهما تبعه في الحكم دون ما إذا انتفى عنه الاسمان وكان ممتنعا، فانه صيد محرم بناء على عدم اختصاص التحريم للمحرم بالستة الانواع المشهورة، وإلا اعتبر في ذلك الالحاق بأحدها، ولو اختلف جنس الحيوان كالسلحفاة فان منها برية ومنها بحرية فلكل حكم نفسه، ومع الاشتباه فالمتجه الحرمة بناء على ما حررناه في الاصول من ان فائدة العموم دخول الفرد المشتبه. ثم ان الظاهر إلحاق حكم التوالد بحكم البيض والفرخ، بل لعله اولى، بل يمكن ارادة ما يشمله من قوله: (ويفرخ) وحينئذ فالمدار في كونه من صيد البر والبحر في مثل الطير ونحوه ذلك، كما ان مقتضى قوله (عليه السلام): (ارمسوه في الماء) ان كل ما لا يعيش في الماء (من البر البتة، وحينئذ يفهم منه) (2) كون ذلك من البري ايضا، وكذا مقتضى الحقيقة في قوله: (يبيض ويفرخ في الماء) كون ذلك في نفس الماء لا في حواليه ولا في الآجام ونحوهما،


(1) الوسائل - الباب - 7 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) ما بين القوسين ليس في النسخة المسودة ولا حاجة إليه ايضا وان كان موجودا في المبيضة

[ 297 ]

وربما يؤيد ذلك تصريح البعض بكون البط من صيد البر، بل في المنتهى انه قول عامة اهل العلم مع أنه غالبا يبيض ويفرخ حول الماء لا في الماء نفسه، وحينئذ فغالب الطيور المائية يكون من صيد البر، لانا لا نعرف ما يبيض ويفرخ في نفس الماء، كما أنه بناء على هذا الميزان لا ينبغي الالتفات إلى الحكم بكونه من صيد البحر عرفا تقديما للاعتبار الشرعي عليه، ولكن لم نجد ذلك منقحا في كلامهم، إذ من المحتمل كون ذلك ميزانا لغير المحكوم بكونه من صيد البحر عرفا، بل من المحتمل الاكتفاء في كونه صيد بحر بالبيض والفرخ في حوالي الماء أو في الآجام التي فيه أو نحو ذلك، إلا أن الاحتياط يقتضي اجتنابه. والمراد بالبحر ما يعم النهر قطعا بل عن التبيان أن العرب تسمي النهر بحرا، ومنه قوله تعالى (1): (ظهر الفساد في البر والبحر) والله العالم. (والنساء وطءا) قبلا ودبرا بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى قوله تعالى (2): (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) والرفث هو الجماع بالنص الصحيح عن الصادق والكاظم (عليهما السلام) قال الاول عليه السلام في صحيح ابن عمار (3): (إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله وقلة الكلام إلا بخير، فان إتمام الحج والعمرة أن يحفظ لسانه إلا من خير، كما قال الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) والرفث هو الجماع، والفسوق الكذب والسباب، والجدال قول الرجل لا والله وبلى والله) وقال الثاني عليه السلام بعد أن سأله أخوه علي في الصحيح (1) أيضا (عن الرفث


(1) سورة الروم - الآية 40 - (2) سورة البقرة - الآية 193 (3) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 32 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 وذيله في الباب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 4

[ 298 ]

والفسوق والجدال ما هو ؟ وما على من فعله ؟ الرفث جماع النساء، والفسوق الكذب والمفاخرة، والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله، فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، وإن لم يجد فشاة، وكفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله وهو محرم) ولعله سقط من الخبر شئ كما احتمله في الوافي، وعن قرب الاسناد للحميري (1) (وكفارة الجدال والفسوق شئ يتصدق به) فيمكن كون الساقط هنا (شئ) وعن المنتفى أنه تصحيف يستغفر ربه، وهو كما ترى، والى ما يستفاد من نصوص الدعاء (2) المشتملة على إحرام الفرج. (و) كذا تحرم عليه النساء (لمسا) بشهوة، لقول الصادق عليه السلام (3) في حسن أبي سيار الذي ستسمعه: (وإن مس امرأته بيده وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة)) بل (وعقدا لنفسه أو لغيره) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض إن لم يكن متواترا كالنصوص، منها قول الصادق عليه السلام في صحاح ابن سنان (4): (ليس للمحرم أن يتزوج ولا يزوج، فان تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل) وزاد في أحدها (5) (وإن رجلا من الانصار تزوج وهو محرم فأبطل رسول الله صلى الله عليه وآله نكاحه) كما أن في آخر (6) (ليس ينبغي) المراد به التحريم قطعا، وفي خبر أبي بصير (7)


(1) الوسائل - الباب - 3 - من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 16 (2) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام (3) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2 - 6 (7) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 وفيه " المحرم يطلق ولا يتزوج " كما يأتي نقله كذلك في الجواهر ايضا

[ 299 ]

(للمحرم أن يطلق ولا يزوج، فان نكاحه باطل) وفي مضمر ابن عمار (1) (لا يتزوج ولا يزوج، فان نكاحه باطل) وفي خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام (2) (قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل ملك بضع امرأة وهو محرم قبل أن يحل أن يخلي سبيلها ولم يجعل نكاحه شيئا، فإذا أحل خطبها إن شاء، وإن شاء أهلها زوجوه، وإن شاؤوا لم يزوجوه). إلا أنه ظاهر في عدم حرمتها أبدا عليه بالعقد، وهو محمول على الجاهل جمعا بينه وبين قول الصادق عليه السلام في خبري الخزاعي (3) وابراهيم بن الحسين (4) (إن المحرم إذا تزوج وهو محرم فرق بينهما ولا يتعاودان أبدا) بشهادة خبر زرارة وداود بن سرحان (5) عنه عليه السلام أيضا في حديث (والمحرم إذا تزوج وهو يعلم أنه حرام لم يحل له أبدا) المعتضد بالنسبة إلى علمائنا في محكي التذكرة والمنتهى، بل هو مفروغ منه في كتاب النكاح كما تعرفه إن شاء الله، فوسوسة بعض الناس في غير محلها، كما أن ما عن أبي حنيفة والثوري والحكم من جواز نكاحه لنفسه فضلا عن غيره من جملة احداثهم في الدين. بل الظاهر عدم الفرق في الحرمة في الاول بين المباشرة والتوكيل كما عن الشيخ وغيره التصريح به، بل لو كان قد وكل حال الحل لم يجز للوكيل العقد له حال الاحرام، أما لو وكل حال الاحرام محلا على العقد له حال الاحلال صح بناء


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 9 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 2 - 1 والثالث عن ابراهيم بن الحسن (5) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب ما يحرم بالمصاهرة - الحديث 1 من كتاب النكاح

[ 300 ]

على عدم اعتبار إمكان وقوع الموكل فيه من الموكل حال الوكالة، لان التوكيل ليس نكاحا، وستسمع تحقيقه في التفريع الذي ذكره المصنف، وكذا بين الفضولي والوكالة والولاية في الثاني، بل قد عرفت صراحة النصوص في بطلان العقد كما هو معقد محكي صريح الاجماع في الخلاف والغنية والتذكرة، وظاهره في غيرها. نعم في القواعد الاقرب جواز توكيل الجد المحرم محلا أي في تزويج المولى عليه بل مقتضاه الصحة وان اوقعه الوكيل والولي محرم، ولعله لانه والمولى عليه محلان، والتوكيل ليس من التزويج المحرم بالنص والاجماع، وفيه مالا يخفى عليك فيما لو اوقعه الوكيل حال الاحرام، إذ الوكيل نائب الموكل، ولا نيابة فيما ليس له فعله من التزويج المنهي عنه في النصوص الذي يشمل التوكيل، ولذا قطعوا بحرمة توكيل المحرم على التزويج لنفسه وبطلان العقد، ولعله من هنا كان خيرة محكي الخلاف عدم الجواز مدعيا عليه الاجماع، على أنه لا وجه لتخصيص الجد بالذكر. والظاهر إلحاق المنقطع بالدائم هنا، مع احتمال العدم، وإجازة الفضولي حال الاحرام كالمباشرة لو وقعت منه حال الاحرام ايضا بل لا تؤثر لو وقعت منه بعد الحل أي للعقد الواقع فضولا حال الاحرام بناء على الكشف، كما لا تؤثر إجازة الغير للعقد الصادر من المحرم فضولا، بل لا تؤثر إجازته في حال الاحرام للعقد الفضولي الواقع حال الحل في وجه من وجهي الكشف، بل يحتمل مطلقا بناء على أنه نوع تعلق في النكاح ممنوع منه كما تسمع الاشارة إليه في مرسل أبي شجرة (1) ويحتمل الجواز لانه ليس تزويجا حال الاحرام بناء على الكشف والاحوط الاول وان كان الثاني لا يخلو من قوة. نعم الظاهر عدم إلحاق التحليل بالنكاح في الحكم المزبور على إشكال، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 8

[ 301 ]

(و) كذا تحرم عليه (شهادة على العقد) أي عقد النكاح للمحلين والمحرمين والمفترقين بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك نسبته إلى قطع الاصحاب، بل عن محتمل الغنية الاجماع عليه، بل عن الخلاف دعواه صريحا، لقول الصادق عليه السلام في مرسل ابن فضال (1) المنجبر بما عرفت (المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب ولا يشهد النكاح، وان نكح فنكاحه باطل) وفي مرسل أبي شجرة (2) (في المحرم يشهد نكاح المحلين قال: لا يشهد، ثم قال: يجوز للمحرم أن يشير بصيد على محل) المراد منه على الظاهر الانكار والتنبيه على أنه إذا لم يجز ذلك فكذلك لا تجوز الشهادة، كما انه يستفاد منه الشهادة على غير المحلين بالاولوية، وعلى كل حال فوسوسة بعض متأخري المتأخرين فيه لضعف الخبرين في غير محلها بعدما عرفت، وخلو المقنع والمقنعة وجمل العلم والعمل والكافي والاقتصاد والمصباح ومختصره والمراسم عن ذلك لا يقتضي الخلاف فيه، نعم في المدارك (ينبغي قصر الحكم على حضور العقد لاجل الشهادة، فلواتفق حضوره لا لها لم يكن محرما) وفيه أن الشهادة الحضور، فيحرم عليه وإن لم يحضر لها كما عن الجامع التصريح به. (و) كذا تحرم عليه (إقامة) أي إقامتها على العقد كما عن المبسوط والسرائر، بل في الرياض نسب إلى المشهور، بل في الحدائق ظاهرهم الاتفاق عليه لاحتمال دخولها في الشهادة المنهي عنها في الخبرين والفتاوى، وفيه منع واضح، لان شهادته غير الشهادة عليه، ولفحوى الانكار المتقدم في أحد الخبرين، ولكن في القواعد الاشكال في ذلك، ولعله مما عرفت، ومن عموم أدلة النهي عن الكتمان


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 8

[ 302 ]

وتوقف ثبوت النكاح شرعا عليها، ووقوع مفاسد عظيمة إن لم تثبت بخلاف إيقاعه، إذ لا يتوقف عليها عندنا، ولذا يصح العقد وإن حضره، قيل ولانها إخبار لا إنشاء، والخبر إذا صدق ولم يستلزم ضررا لم يحسن تحريمه، ولانها أولى بالاباحة من الرجعة التي هي إيجاد للنكاح في الخارج، على أنه لا جابر للخبرين المزبورين في ارادة ذلك من الشهادة فيهما، والنسبة إلى الشهرة لم نتحققها، على أنك قد عرفت ظهور الخبرين في حضور العقد لا الفرض، ومرسل الانكار مع أنه لا جابر له أيضا لم يعلم إرادة ما يشمل الفرض منه، ولعله أولى وان كان الاول أحوط، بل ربما يؤمي النهي عن شهادته إلى عدم إقامتها. ثم على التحريم قيل تحريم الاقامة حاله (ولو تحملها محلا) أو كان بين محلين، لانتفاء المخصص وان تأكد المنع إذا تحملها محرما، أو كان على محرمين، بل قيل: لا تسمع، لخروجه به عن العدالة، فلا يثبت بشهادته، وفيه أنه ممنوع لجواز الجهل والغفلة والتوبة، وسماع العقد اتفاقا، بل يمكن القول بقبولها لو أداها محرما لغفلة ونحوها، وفي محكي التذكرة (ولو قيل إن التحريم مخصوص بالعقد الذي اوقعه المحرم كان وجها) بل قال: (إن ذلك معنى كلام الاصحاب) على ما حكاه عنه ولده، وفي المدارك لا بأس به قصرا لما خالف الاصل على موضع الوفاق إن تم، وإلا اتجه عدم التحريم مطلقا، وفيه انه يمكن المنع بناء على أنه نوع تعلق في النكاح. ولو خاف المحرم من ترك إقامتها وقوع الزنا ففي المدارك وجب عليه تنبيه الحاكم على أن عنده شهادة، ليوقف الحكم علي إحلاله، ولو لم يندفع إلا بالشهادة وجب إقامتها قطعا، وفيه أنه لا دليل على وجوب التنبيه المزبور، ولا على وجوب إقامتها بعد فرض إطلاق دليل المنع. (و) كيف كان ف‍ (لا بأس به بعد الاحلال) كما صرح به الفاضل

[ 303 ]

وغيره على معنى ثبوت النكاح باقامتها بعده وان علم تحملها محرما، لاطلاق الادلة وما عرفت من عدم خروجه بذلك عن العدالة، خلافا للمحكي عن المبسوط من عدم ثبوتها إذا كان التحمل في حال الاحرام، إما لفسقه، وفيه ما عرفت، أو لان هذه الشهادة شهادة مرغوب عنها شرعا فلا تعتبر وان وقعت جهلا أو سهوا أو اتفاقا، وهو مجرد دعوى لا دليل عليها، بل ظاهر الادلة خلافها، والله العالم. (و) كذا يحرمن عليه (تقبيلا) بشهوة أو لا بها كما هو صريح بعض وظاهر آخر، لقول الصادق عليه السلام في حسن أبي سيار (1): (يا أبا سيار ان حال المحرم ضيقة، ان قبل امرأته على شهوة وهو محرم فعليه دم شاة، وان قبل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور ويستغفر الله، وان مس امرأته وهو محرم على شهوة فعليه دم شاة، ومن نظر إلى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور، وان مس امرأته أو لازمها من غير شهوة فليس عليه شئ) بناء على اقتضاء ذلك الحرمة، وخبر علي بن ابي حمزة (2) (سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قبل امرأته وهو محرم قال: عليه بدنة وان لم ينزل، وليس له ان يأكل منها) وحسن الحلبي أو صحيحه (3) عن الصادق عليه السلام (سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته قال: نعم يصلح عليها خمارها ويصلح عليها ثوبها ومحملها، قلت: أفيمسها وهي محرمة ؟ قال: نعم، قلت: المحرم يضع يده بشهوة قال: يهريق دم شاة، قلت: فان قبل قال: هذه أشد ينحر بدنة) وخبر


(1) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 4 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 وذيله في الباب 18 منها الحديث 1

[ 304 ]

العلاء بن الفضيل (1) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل وامرأة تمتعا جميعا فقصرت امرأته ولم يقصر فقبلها قال: يهريق دما، وان كان لم يقصرا جميعا فعلى كل واحد منهما أن يهريق دما). وبذلك كله يظهر لك المناقشة فيما في الذخيرة من أن الظاهر تقييد حرمة التقبيل بالشهوة وان تبعه في الرياض حاكيا له عن جماعة، للاصل المقطوع بما سمعت، وخبر الحسين بن حماد (2) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يقبل أمه قال: لا بأس به، هذه قبلة رحمة، انما يكره قبلة الشهوة) المحمول على إرادة انما يكره ما يحتمل الشهوة، بخلاف الام وغيرها من المحارم المستفاد جواز تقبيلها من التعليل المزبور، والاصل، واختصاص النصوص السابقة بقبلة امرأته وان كان الظاهر إرادة الاعم منها ومن الاجنبية كما هو مقتضى الفتاوى، هذا. ولكن قد يقال ان المنساق من اطلاق تقبيل الامرأة كونه على وجه الاستمتاع والالتذاذ المقابل لتقبيل الرحمة، وقوله (عليه السلام) في الخبر الاول: (من غيره شهوة) محمول على ارادة عدم الامناء بقرينة المقابلة، لا كونه تقبيل رحمة ونحوه مما لم يكن استمتاعا والتذاذا بالامرأة الذي يمكن دعوى ظهور النصوص في كون المدار عليه في منع المحرم، كما تسمعه في المس والملازمة والحمل ونحوها، وبذلك يقوى إرجاع القيد في نحو عبارة المتن إليه أيضا، ولكن الاحوط الاطلاق. نعم الظاهر تقييد جواز قبلة المحارم بما إذا كان لا عن شهوة، لكونه أشد حرمة، ولفحوى التعليل المزبور.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 6 - 5

[ 305 ]

(و) كذا يحرمن عليه (نظرا بشهوة) كما صرح به غير واحد، وإن قيل خلا كتب الشيخ والاكثر عن تحريمه مطلقا، لما سمعته من كون المستفاد حرمة الالتذاذ بالنساء من النصوص، بل ربما استدل عليه بحسن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (سألته عن محرم نظر إلى امرأته فأمنى وأمذى وهو محرم قال: لا شئ عليه لكن ليغتسل ويستغفر ربه، وان حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى فلا شئ عليه، وان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو أمذي فعليه دم، وقال في المحرم: ينظر إلى امرأته وينزلها بشهوة حتى ينزل قال: عليه بدنة) وخبر ابي سيار (2) السابق، وفيه انه انما يدل على حرمة النظر بشهوة حتى ينزل أو يمذي لا مطلقا، اللهم إلا ان يقال إن من المعلوم عدم مدخلية الامذاء في الكفارة، فليس إلا النظر بشهوة، فينتظم حينئذ في الدلالة على المطلوب التي منها فحوى ما دل من النصوص علي حرمة المس والحمل إذا كان بشهوة لا بدونها كصحيح ابن مسلم (3) وخبره (4) سأل ابا عبد الله عليه السلام (عن الرجل يحمل امرأته أو يمسها فأمنى أو أمذى فقال: إن حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو لم يمن أو أمذى أو لم يمذ فعليه دم شاة يهريقه، وان حملها أو مسها بغير شهوة فليس عليه شئ أمنى أو لم يمن امذى أو لم يمذ) وغيره من النصوص حتى نصوص الدعاء عند التهيؤ للاحرام (5) المشتملة على تحريم الاستمتاع عليه بالنساء بل لعله لا خلاف فيه في الاول كما اعترف به في كشف اللثام، والمصنف


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 6 - 6 - مع الاختلاف في الجميع (2) الوسائل - الباب - 12 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (5) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام

[ 306 ]

وان تركه هنا لكن ذكر في الكفارات ان كفارته شاة، بل ربما كان مقتضى إطلاق بعض العبارات حرمته مطلقا، كاقتضاء بعض آخر حرمة النظر كذلك ايضا وان كان هو واضح الضعف للاصل وما سمعته من النص، كضعف القول بجواز النظر إلى امرأته بشهوة المحكي عن الصدوق، بل مال إليه في كشف اللثام للاصل المقطوع بما عرفت، والموثق (1) عن ابي عبد الله عليه السلام (في محرم نظر إلى امرأته بشهوة فأمنى قال: ليس عليه شئ) القاصر عن معارضة غيره من وجوه الذي حمله الشيخ على حال السهو دون العمد، بل نفي الشئ عليه لا يدل على نفي الحرمة كحسن علي بن يقطين (2) سأل الكاظم عليه السلام (عن رجل قال لامرأته أو جاريته بعدما حلق ولم يطف ولم يسع بين الصفا والمروة: اطرحي ثوبك ونظر إلى فرجها قال: لا شئ عليه إذا لم يكن غير النظر) الخالي عن التقييد بالشهوة مع ذلك الذي قد عرفت جوازه، بل الظاهر جوازه ايضا في الامة للسوم والحرة المخطوبة بل الاجنبية في النظرة الاولى، بناء على جوازها، بخلاف ما إذا كان بشهوة فانه يحرم في الجميع، وفي المسالك لا فرق في تحريم النظر بشهوة بين الزوجة والاجنبية بالنسبة إلى النظرة الاولى ان جوزناها والنظر إلى المخطوبة، وإلا فالحكم مخصوص بالزوجة، قيل وكان وجه الاختصاص عموم تحريم النظر إلى الاجنبية على هذا التقدير، وعدم اختصاصه بحالة الشهوة، وتبعه في كشف اللثام، وفيه أن ذلك لا ينافي اختصاص التحريم الاحرامي بالشهوة، كما هو مقتضى الفتاوى، قال أبو بصير (3) في الموثق: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل محرم نظر إلى ساق


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 7 - 4 (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 2 مع الاختلاف

[ 307 ]

امرأة فأمنى قال: ان كان موسرا فعليه بدنة، وان كان بين ذلك فبقرة، وان كان فقيرا فشاة، اما اني لم أجعل ذلك عليه من أجل الماء لكن من أجل انه نظر إلى ما لا يحل له)) وفي حسن معاوية بن عمار (1) (في محرم نظر إلى غير أهله فأمنى قال: عليه دم، لانه نظر إلى غير ما يحل له، وان لم يكن أنزل فليتق الله ولا يعد، وليس عليه شئ) والله العالم. (وكذا) في الحرمة على المحرم (الاستمناء) الذي هو استدعاء المني بلا خلاف أجده فيه، لصحيح ابن الحجاج (2) عن الصادق عليه السلام (سألته عن الرجل يعبث بامرأته حتى يمني وهو محرم من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان فقال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع) وخبر اسحاق بن عمار (3) عن ابي الحسن عليه السلام (قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى قال: أرى عليه مثل ما على من اتى اهله وهو محرم بدنة والحج من قابل) وغيرهما من النصوص التي تقدم بعضها، ويأتي آخر في الكفارات إن شاء الله. بل الظاهر عدم الفرق بين اسبابه من الملاعبة والتخيل والخضخضة وغير ذلك كما صرح به غير واحد حتى السيد في الجمل، قال: على المحرم اجتناب الرفث، وهو الجماع، وكل ما يؤدي إلى نزول المني من قبلة وملامسة ونظر بشهوة، بناء على ارادته ما يقصد به الامناء كما في شرحها للقاضي، قال: فأما الواجب فهو أن لا يجامع ولا يستمني علي أي وجه كان من ملامسة أو نظر بشهوة أو غير ذلك بل عن بعضهم ادراج اللواط ووطئ الدواب، وان كان فيه منع واضح، ولذا قال


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب كفارات الاستمتاع - الحديث 1

[ 308 ]

في كشف اللثام: انهما يدخلان في الرفث وان لم ينزل، وان كان فيه انه جماع النساء في الصحيح (1) عن الكاظم عليه السلام الذي يرجع إليه مطلق الجماع في الصحيح الآخر (2) مع أنه المنساق منه، فلا يبعد القول ببقائه على الحرمة السابقة على الاحرام، اللهم إلا ان يقال انه يستفاد من التأمل في النصوص شدة التحريم في حال الاحرام في كل ما حرم الجائز منه للاحرام، فان الاستمناء في العبث بالزوجة كان جائزا ولكنه حرم عليه في الاحرام، ففي الاجنبية أشد، وهكذا بقية الاستمتاعات كما أومي إليه في النصوص السابقة. وعلى كل حال فالظاهر أنه لا اشكال في الحرمة من جهة الاحرام في الفرض مع ارادة الاستمناء بذلك، لكن بشرط خروج المني منه به، كما في غيره من أفراد الاستمناء المدلول عليه بالصحيح السابق وغيره، وإلا فالمقدمات من دون انزال لا يترتب عليها كفارة الاستمناء للاصل وغيره، وان اقتضاه ظاهر التعبير، كما أن الظاهر عدم شئ عليه فيما لو سبقه المني من غير استمناء منه كما سمعته في النصوص السابقة، مضافا إلى الاصل والى خبر ابي بصير (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل سمع كلام امرأة من خلف حائط وهو محرم فتشاها حتى أنزل قال: ليس عليه شئ) ومرسل ابن أبي نصر (4) عنه عليه السلام ايضا (في محرم استمع على رجل مجامع أهله فأمنى قال: ليس عليه شئ) وخبر سماعة (5) (في المحرم تنعت له المرأة الجميلة الخلقة فيمني قال: ليس عليه شئ) والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 - 1 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 3 - 2 - 1

[ 309 ]

(تفريعان): الاول قد عرفت بطلان عقد النكاح الواقع في حال الاحرام فيسقط ما اقتضاه من المهر قبل الدخول مع اتفاقها على ذلك، سواء كانا عالمين، أو جاهلين، أو مختلفين، اما مع الدخول فلما مهر المثل مع جهلها بما استحل من فرجها، اما مع علمها فلا مهر لها، لانها بغية حينئذ، هذا كله مع اتفاقهما على وقوع العقد حال الاحرام، وأما (إذا اختلفا) أي (الزوجان في العقد فادعى أحدهما وقوعه في الاحرام، وانكر الآخر فالقول قول من يدعي الاحلال ترجيحا لجانب الصحة) المحمول فعل المسلم عليها في صورة النزاع وغيره من أحوال الشك في العقد المفروض اتفاقهما على وقوعه كما في غير المقام من صور مدعي الصحة والفساد التي من الواضح كون مدعيها موافقا لاصلها، على ان مدعي الفساد يدعي وصفا زايدا يقتضي الفساد، وهو وقوع العقد حال الاحرام فالقول قول المنكر بيمينه لانه منكر للمفسد كما صرح بذلك الكركي في حاشيته وثاني الشهيدين في المسالك، لكن في المدارك المناقشة في الاول بأنه انما يتم إذا كان المدعي لوقوع الفعل في حال الاحرام عالما بفساد ذلك، أما مع اعترافهما بالجهل فلا وجه للحمل على الصحة، وفي الثاني بان كلا منهما مدع وصفا ينكره الآخر، فتقديم احدهما يحتاج إلى دليل وفيه أن أصل الصحة في العقد ونحوه لا يعتبر فيه العلم، لاطلاق دليله، نعم أصل عدم وقوع المعصية من المسلم يعتبر فيه العلم، وهو غير أصل الصحة التي هي بمعنى ترتب الاثر كما هو واضح، وأن مدعي الفساد المعترف بحصول جميع أركان العقد المحمول إقراره على الصحة يدعي وقوع العقد حال الاحرام، والآخر ينكره وإن كان يلزمه كونه واقعا حال الاحلال، ولا ريب في أن الاصل عدم مقارنة العقد للحال الزبور، وذلك كاف في اثبات صحته من غير حاجة إلى إثبات كونه في حال الاحلال، بل يكفي احتماله، فلا يكون مدعيا كالاول، كل ذلك مضافا إلى ملاحظة كلام الاصحاب

[ 310 ]

وحكمهم بتقديم مدعي الصحة على مدعي الفساد فيما هو اعظم من ذلك، كدعوى عدم البلوغ: وكون المبيع خنزيرا أو شاة مثلا، وغير ذلك مما يرجع بالاخرة إلى اوصاف أركان العقد فضلا عن المقام، فما ادري ما الذي اختلجه في خصوص ما نحن فيه، ثم انه قال في صورة الجهل: يحتمل تقديم قول من يدعي تأخير العقد مطلقا، لاعتضاد دعواه باصالة عدم التقدم، ويحتمل تقديم قول من يدعي الفساد لاصالة عدم تحقق الزوجية إلى أن تثبت شرعا، والمسألة محل تردد، وفيه أنه خلاف مفروض المسألة الذي هو مجرد دعوى الفساد بوقوعه في الاحرام ودعوى الصحة بعدم كونه كذلك من غير تعرض للتقديم والتأخير، وأنه لا وجه لاحتمال تقديم مدعي الفساد فيما فرضه مع فرض كون مدعي الصحة يدعي تأخيره عن حال الاحرام الذي هو مقتضى الاصل، اللهم إلا أن يكون ذلك من الاصول المثبتة، ضرورة عدم اقتضائه التأخر عنه، لكن مقتضى ذلك مجهولية التقديم والتأخر بعد الاتفاق على عدم الاقتران، والمتجه فيه جريان أصل الصحة لا الفساد، فتأمل جيدا، فان كلام الاصحاب في المقام وغيره مطلق بالنسبة إلى الحكم بالصحة من غير التفات إلى مسألة التاريخ. هذا وفي كشف اللثام - بعد أن حكم بتقديم قول مدعي الصحة في مفروض المسألة وان كان المدعي يدعي إحرام نفسه - قال: وكذا ان وجه الدعوى إلى تاريخ الاحرام مع الاتفاق على تاريخ العقد، فادعى أحدهما تقديم الاحرام عليه لذلك والاصل التأخر وان ادعى احرام نفسه إلا ان يتفقا على زمان ومكان يمكن فيهما الاحرام فيمكن ان يقال القول قوله، لانه أبصر بافعال نفسه واحواله، أما ان اتفقا على تاريخ الاحرام ووجه الدعوى إلى تاريخ العقد فادعى تأخره أمكن ان يكون القول قوله للاصل، بل لتعارض اصلي الصحة والتأخر الموجب للفساد وتساقطهما، فيبقى أصل عدم الزوجية بلا معارض، وفيه ان البصيرة بافعال نفسه لا يقتضي

[ 311 ]

إثبات حق على الآخر، خصوصا مع امكان الاطلاع على احواله باقرار وغيره مما يعلم منه انه كاذب في دعوى الاحرم، والتعارض انما هو في افراد وقوعه لا بين اصالة التأخر وأصل الصحة كي يتجه ما ذكر، بخلاف ما قلناه، فان المتجه فيه الصحة لبقاء أصلها بلا معارض، فتأمل جيدا. وكيف كان فقد ظهر لك ان القول قول مدعي الصحة في مفروض المسألة ونظائره، و (لكن ان كان المنكر المرأة) ففي محكي المبسوط (كان لها نصف المهر) ان لم يدخل بها (لا عترافه بما يمنع من الوطئ) فيكون كالطلاق قبل الدخول، أو لان العقد إنما يملك نصف المهر، ومملك النصف الآخر هو الوطئ أو الموت، إلا ان الجميع كما ترى، ضرورة كون الاول قياسا، كضرورة اقتضاء العقد ملكها تمام المهر، وإنما ينصف بالطلاق لدليله (و) من هنا يظهر لك انه (لو قيل لها المهر كله) وان لم يكن دخل بها بل جزم به كل من تأخر عنه (كان حسنا) بل ربما احتمل كون مراد الشيخ النصف بعد الطلاق، وأطلق بناء على الغالب من اختيار الزوج ذلك تخلصا من غرامة الجميع، ولا يقدح دعواه الفساد المقتضية لكون الطلاق لغوا، إذ هو وان كان كذلك لكنه في حقها باعتبار دعواها الصحة مؤثر لسقوط مطالبتها بالجميع إن لم تكن قد قبضته، وموجب لرد النصف إن كان قد قبضته، ولكن في كشف اللثام بعد ان حكم بان لها المهر كاملا دخل بها ام لا - قال: (إلا ان يطلقها قبل الدخول باستدعائها، فانه يلزم به حينئذ، وان كان بزعمه في الظاهر لغوا ويكون طلاقا صحيحا شرعيا، فإذا بعدم الدخول يتنصف المهر، واما إذا لم تستدع الطلاق وصبرت فلها المهر كاملا وان طلقها قبل الدخول، فانه بزعمه لغو، والعقد الصحيح مملك لها المهر كاملا) وفيه ان استدعاءها وعدمه لا مدخلية له في ذلك إذ الطلاق إن كان صحيحا ممن يدعي الفساد في حق مدعي الصحة يترتب عليه

[ 312 ]

حكمه، وإلا فلا، كما هو واضح، هذا. وفي الدروس (وظاهر الشيخ انفساخ العقد حينئذ، ووجوب نصف المهر ان كان قبل المسيس، وجميعه بعده) وفيه ان الاختلاف في الصحة والفساد لا يقتضي الانفساخ في حق مدعي الصحة لا في المقام ولا في غيره، وعلى تقديره هنا فلا دليل على إلحاقه بالطلاق. هذا كله إذا كانت هي المنكرة، ولو كان هو المنكر للفساد فليس لها المطالبة بشئ من المهر قبل الدخول مع عدم القبض، كما أنه ليس له المطالبة برد شئ منه مع قبضه، أخذا لهما باقرارهما، وأما بعد الدخول وإكرامها أو جهلها بالفساد أو الاحرام فلها المطالبة باقل الامرين من المسمى ومهر المثل، لانه المستحق لها عليه ظاهرا قطعا بعد دعواها الفساد التي تقدمت عليها دعوى الصحة دون غيره، ولعل اطلاق خبر سماعة (1) (لها المهر ان كان دخل بها) منزل على ذلك. وعلى كل حال فظاهر الاصحاب في المقام مؤاخذة كل منهما ظاهرا باقراره في لوازم الزوجية وعدمها، وأما في الواقع فعلى كل منهما حكمه في نفس الامر يفعله مع التمكن منه، فعليها ان تخلص نفسها منه مع دعواها الفساد ببذل على الفراق ونحوه، وعليه أن يخلص نفسه من لوازم الزوجية المستحقة عليه ظاهرا مع دعواه الفساد بطلان ونحوه، وليس لاحد منهما المخالفة في حق الآخر في الظاهر بعد الحكم بصحة العقد، ولعل هذا هو مراد ثاني الشهيدين في المسالك وان كان في عبارته بعض القصور، فانه قال: (حيث تكون المرأة المنكرة للفساد يلزم الزوج حكم البطلان فيما يختص به، فيحكم بتحريمها عليه،


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 5

[ 313 ]

لعموم إقرار العقلاء، ولان الزوج يملك الفرقة، فإذا اعترف بما يتضمنها قبل ولا يقبل قوله في حقها فلها المطالبة بحق الاستمتاع والنفقة، فما يمكن فعله منه كأداء النفقة يكلف به، وما لا يمكن كالوطئ فانه بزعمه محرم يتعارض فيه الحقان فلا يكلف به، بل ينبغي التخلص من ذلك بايقاع صيغة الطلاق ولو معلقة على شرط، مثل إن كانت زوجتي فهي طالق - إلى ان قال -: وما يختص بها من الاحكام المترتبة على دعواها يلزمها قبل الطلاق، فلا يحل لها التزويج بغيره، ولا الافعال المتوقفة على إذنه بدونه، ويجوز له التزويج بأختها وخامسة ونحو ذلك من لوازم الفساد، هذا بحسب الظاهر، وأما فيما بينهما وبين الله تعالى فيلزمهما حكم ما هو الواقع في نفس الامر، ولو انعكست الدعوى وحلف الزوج استقر له النكاح ظاهرا وعليه النفقة والمبيت عندها، ويحرم عليه التزويج بالخامسة والاخت، وليس لها المطالبة بحقوق الزوجية من النفقة والمبيت عندها، ويجب عليها القيام بحقوق الزوجية ظاهرا، ويجب عليها فيما بينها وبين الله تعالى أن تعمل ما تعلم أنه الحق بحسب الامكان ولو بالهرب، أو استدعاء الفرقة - إلى ان قال -: وانما جمعنا بين هذه الاحكام المتنافية مع ان اجتماعها في الواقع ممتنع جمعا بين الحقين المبنيين على المضايقة المحضة، وعملا في كل سبب بمقتضاه حيث يمكن) ونحوه في حاشية الكركي، وفيه أنه إذا كان لا يكلف هو بوطئها لانه حرام بزعمه في الصورة الاولى ينبغي أن لا تكلف هي بتمكينه من نفسها في الصورة الثانية، لانه حرام بزعمها، وايضا له التزويج بأختها وبالخامسة إن كان صادقا فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن لا يمكن منه في الظاهر بعد الحكم شرعا بصحة العقد المانع من ذلك، وفي المدارك بعد ان حكى عن قطع الاصحاب ما سمعت (ان إثبات هذه الاحكام مشكل جدا للتضاد، خصوصا جواز تزويجه بأختها مع دعواه الفساد، إذ اللازم منه جواز تزويجها بغيره إذا ادعت ذلك، وهو معلوم البطلان، والذي يقتضيه النظر انه حكم بصحة

[ 314 ]

العقد شرعا متى ترتبت عليه لوازمه، فيجوز لها المطالبة بحقوق الزوجية ظاهرا وإن ادعت الفساد، ولا يجوز له التزويج بأختها وإن ادعى ذلك، لحكم الشارع بصحة العقد ظاهرا، وأما في نفس الامر فيكلف كل منهما بحسب ما يعلمه من حاله لكن لو وقع منهما أو من أحدهما حكم مخالف لما ثبت في الظاهر وجب الحكم ببطلانه كذلك) وهو جيد إلا قوله (فيجوز لها المطالبة) إلى آخره ضرورة كونه منافيا لاقرارها الذي هو ماض عليها بالنسبة إلى حقها، وغير ماض في حق الغير فليس لها الامتناع مع طلب الاستمتاع بها، وليس لها مطالبته بذلك، وعلى هذا يكون المدار فيها وفيه كما عرفت، والله العالم والموفق والمؤيد والمسدد. (الثاني إذا وكل) محرم (في حال إحرامه) محلا أو محل محلا على عقد نكاح ثم أحرم الموكل (فأوقع) الوكيل (فان كان قبل إحلال الموكل بطل) بلا خلاف بل ولا إشكال بعد ما سمعت من النص والفتوى على انه لا يتزوج ولا ينكح الصادق على الفرض، وخصوصا ما في صحيح محمد بن قيس (1) عن ابي جعفر عن امير المؤمنين المتقدم المشتمل على ملك المحرم بضع امرأة وان احتمل فيه انه قضية (قضاء خ ل) في واقعة كان الملك له فيها بنفسه لا بالتوكيل، إلا انه كما ترى وقال الصادق عليه السلام في خبر سماعة (2): (لا ينبغي للرجل الحلال ان يزوج محرما وهو يعلم أنه لا يحل له، قال: فان فعل فدخل بها المحرم فقال: إن كانا عالمين فان على كل واحد منهما بدنة، وعلى المرأة إن كانت محرمة بدنة، وإن لم تكن محرمة فلا شئ عليها إلا أن تكون قد علمت أن الذي تزوجها محرم، فان كانت علمت ثم تزوجته فعليها بدنة) بل لا يخفى على المتأمل في النصوص ظهورها في منافاة الاحرام لحصول النكاح حاله مباشرة أو توكيلا أو ولاية، فليس لولي الطفل والمجنون العقد لها


(1) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 14 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 10

[ 315 ]

مباشرة وتوكيلا وإن كانا محلين حال إحرامهما، والله العالم. (وإن كان) قد أوقع العقد (بعده) أي الاحلال (صح) بلا خلاف ايضا ولا إشكال، لاطلاق أدلة الوكالة (1) وعمومها السالمين عن المعارض حتى لو كانت الوكالة في حال الاحرام، إذ لا دليل على بطلانها، قيل إلا أن يكون في حال إحرام الوكيل، ولعله لعدم قابليته لايقاعه حال التوكيل، ولكن لا يخلو من نظر أو منع، خصوصا بعد ان اعترف بصحة التوكيل محرما على النكاح، وحينئذ فالصور الاربع صحيحة مع عدم تقييد الايقاع حال الاحرام، وتخلل عدم الصحة في زمان الاحرام لا ينافي صحة الوكالة على الفعل بعده، فلا أقل من بقاء الاذن الكافي في صحة النكاح لو سلم بطلان عقد الوكالة، ضرورة كونه كالبطلان بالشرط الفاسد، وليس هو كالجنون ونحوه الرافع لاصل الاذن باعتبار انتقال الولاية لغير الموكل كما اوضحناه في محله، وبه جزم هنا في المنتهى في صورة ما لو وكل المحرم الحلال على التزويج، وإن كان لنا نظر في بطلان الوكالة المزبورة ضرورة كونه من المانع على نحو المانع في الموكل فيه كالحيض في طلاق الزوجة ونحوه، والله العالم. (و) كيف كان فلا إشكال ولا خلاف في أنه (يجوز) للمحرم حال إحرامه (مراجعة المطلقة الرجعية) المحرمة فضلا عن غيرها (وشراء الاماء في حال الاحرام) بلا خلاف كما عن التذكرة والمنتهى الاعتراف به، بل ولا إشكال بعد عدم تناول النهي المزبور لمثله، فيبقى على الاصل والعموم الذي منه قوله تعالى (2): (وبعولتهن أحق بردهن) من غير فرق بين المطلقة تبرعا والتي


(1) الوسائل - الباب - 1 - من كتاب الوكالة والباب 10 من ابواب عقد النكاح من كتاب النكاح (2) سورة البقرة - الآية 228

[ 316 ]

رجعت ببذلها، مضافا إلى خبر ابي بصير (1) عن الصادق عليه السلام (المحرم يطلق ولا يتزوج) وخبر حماد بن عثمان (2) عنه عليه السلام ايضا (سألته عن المحرم يطلق قال: نعم) وصحيح سعد بن سعد (3) عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (سألته عن المحرم يشتري الجواري ويبيع قال: نعم) وغيره، بل الظاهر الصحة حتى لو كان القصد التسري وإن حرم عليه المباشرة لهن حال الاحرام، بل الظاهر صحة الشراء وإن قصد المباشرة حاله حين الاحرام وإن أتم بالقصد المزبور، لكنه لا يقتضي فساد العقد وإن احتمله في التذكرة، لحرمة الغرض الذي وقع العقد له، كمن اشترى العنب لاتخاذه خمرا، لكن فيه أنه إن تم ففيما إذا شرط ذلك في متن العقد لا في الفرض الذي لم يكن الشراء فيه منهيا عنه بخصوصه، ولا علة في المحرم أعني المباشرة، فلا يكون تحريمها مستلزما لتحريمه، كما هو واضح. ويجوز له مفارقة النساء بالطلاق والفسخ أو غيرهما بلا خلاف ولا إشكال للاصل والنصوص (4) ومحكي الاجماع. وتكره للمحرم الخطبة كما في القواعد ومحكي المبسوط والوسيلة للنهي عنه في النبوي (5) (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يشهد ولا يخطب) والمرسل (6) السابق المحمول عليها بعد القصور عن إثبات الحرمة مؤيدا بأنها تدعو إلى المحرم كالصرف الداعي إلى الربا، فما عن ظاهر أبي علي من الحرمة واضح الضعف،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 17 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 16 و 17 - من ابواب تروك الاحرام (5) سنن البيهقي ج 5 ص 65 وليس فيه " ولا يشهد " (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 7

[ 317 ]

بل الظاهر عدم الفرق في الكراهة بين كونها لنفسه أو لغيره من المحلين لاطلاق الخبرين، هذا. والظاهر ثبوت الاحكام المزبورة للمرأة المحرمة كالرجل، ضرورة عدم كونه من خواص الرجل، بل لا يبعد إرادة الجنس من المحرم في نحو قوله صلى الله عليه وآله: (لا ينكح ولا ينكح) قال في المنتهى: ((لا يجوز للمحرم أن يزوج ولا يتزوج ولا يكون وليا في النكاح ولا وكيلا فيه، سواء كان رجلا أو امرأة، ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قال علي (عليه السلام) (1)) وفي القواعد وكشفها (ولو كانت المرأة محرمة والرجل محلا فالحكم كما تقدم من حرمة نكاحها وتلذذها بزوجها تقبيلا أو لمسا أو نظرا أو تمكينا له من وطئها وكراهة خطبتها وجواز رجعتها وشرائها ومفارقتها) بل في الاخير الاتفاق على ذلك، مضافا إلى عموم الادلة الصالح لتناول مثل ذلك، أما غيره فالعمدة فيه الاجماع المزبور، وما يستفاد من الادلة من حرمة الاستمتاع للمحرم رجلا وامرأة، وحرمة مباشرة عقد النكاح له ولغيره، وإلا فقاعدة الاشتراك لا تأتي في مثل ما ورد من النهي عن تقبيل الرجل امرأته، ولا دليله شامل للمرأة، فليس حينئذ إلا ما عرفت، فيثبت عدم جواز تقبيلها لزوجها مثلا وهي محرمة وعلى هذا القياس، والله العالم. (والطيب) إجماعا في الجملة بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل النصوص متواترة فيه، بل في المتن والقواعد وغيرهما هو (على العموم) وفاقا للمقنعة وجمل العلم والعمل والمراسم والسرائر والمبسوط والكافي وغيرها على ما حكي عن بعضها، كما حكي عن الحسن بل والمقنع والاقتصاد وإن كان المحكي عن اولهما انه نص على النهي عن مس شئ من الطيب، لكن عقبه بقوله: (وانما يحرم عليك


(1) كنز العمال ج 3 - ص 56 - الرقم 1032 و 1023

[ 318 ]

من الطيب اربعة اشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران) فهو إما تفسير للطيب أو تصريح بأن النهي يعم الكراهة، وعن ثانيهما انه قال: (وينبغي ان يحتنب في إحرامه الطيب كله وأكل طعام يكون فيه طيب) بل في الذخيرة نسبته إلى اكثر المتأخرين، بل في المنتهى إلى الاكثر، بل في الرياض نسبته إلى الشهرة العظيمة، لقول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1) (من أكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسيا فلا شئ عليه، ويستغفر الله ويتوب إليه) والصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (2): (لا تمس شيئا من الطيب ولا من الدهن في إحرامك، واتق الطيب في طعامك، وأمسك على أنفك من الرائحة الطيبة، ولا تمسك عليه من الريح المنتنة، فانه لا ينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة، فمن ابتلى بشئ من ذلك فعليه غسله، وليتصدق بقدر ما صنع، وانما يحرم عليك من الطيب اربعة اشياء: المسك والعنبر والورس والزعفران غير انه يكره للمحرم الادهان الطيبة الريح) وصحيح حريز (3) (لا يمس المحرم شيئا من الطيب ولا من الريحان، ولا يتلذذ به، فمن ابتلى بشئ من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه من الطعام) وفي الكافي بقدر سعته، وحسن الحلبي (4) (المحرم يمسك على أنفه من الريح الطيبة ولا يمسك على أنفه من


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 8 إلا ان صدره لم يطابق هذا الحديث وانما يتفق مع الحديث الخامس من هذا الباب (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 11 (4) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 319 ]

الريح الخبيثة) ونحوه في صحيح هشام (1) مع زيادة (لا بأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا والمروة من ريح العطارين، ولا يمسك على أنفه) وقال له (عليه السلام) ايضا الحسن بن زياد (2): (الاشنان فيه الطيب أغسل به يدي وأنا محرم قال: إذا اردتم الاحرام فانظروا مزاودكم واعزلوا الذي لا تحتاجون إليه، وقال: تصدق بشئ كفارة للاشنان الذي غسلت به يدك) وفي خبر سدير (3) (قلت لابي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الملح فيه زعفران ؟ قال: لا ينبغي للمحرم ان يأكل شيئا فيه زعفران، ولا يطعم شيئا من الطيب) وفي صحيح ابن مسلم (4) عن احدهما (عليهما السلام) في قول الله عزوجل (5): (ثم ليقظوا تفثهم) حفوف الرجل من الطيب) وفي خبر الحسين بن زياد (6) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): وضأني الغلام ولم اعلم بدستشان فيه طيب، فغسلت يدي وأنا محرم قال: تصدق بشئ من ذلك) وقال الصدوق (7): (كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا تجهز إلى مكة قال لاهله: إياكم ان تجعلوا في زادنا شيئا من


(1) ذكر ذيله في الوسائل - في الباب - 20 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 وذكر تمامه في الكافي ج 4 ص 354 (2) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (3) و (4) و (7) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 13 - 18 (5) سورة الحج - الآية 3 (6) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 4 وفي الوسائل الحسن بن زياد إلا ان الموجود في الفقيه ج 2 ص 223 الرقم 1047 الحسين بن زياد

[ 320 ]

الطيب ولا الزعفران نأكله أو نطعمه) وفي خبر النضر بن سويد (1) عن الكاظم (عليه السلام) (ان المرأة المحرمة لا تمس طيبا) وسأل الصادق (عليه السلام) حماد بن عثمان (2) (انه جعل ثوبا إحرامي مع اثواب جمرت فأخذا من ريحها فقال: فانشرها في الريح حتى تذهب ريحها) وما نص (3) على ان الميت المحرم لا يمس شيئا من الطيب، وخصوصا ما روي (4) (ان محرما وقصت به ناقته فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا تقربوه طيبا فانه يحشر يوم القيامة ملبيا) الحديث، والنبوي (5) (الحاج أشعث أغبر) المنافي للتطيب، وتعليل عدم البأس بالفواكه الطيبة انها ليست بطيب (6) إلى غير ذلك من النصوص الدالة منطوقا ومفهوما التي لا يقدح ما في سند بعضها بعد الاعتضاد والانجبار بما عرفت، كما لا يقدح التعبير بلفظ (لا ينبغي) في بعضها، خصوصا إذا قلنا بانها للقدر المشترك بين الحرمة والكراهة، ضرورة توجه الجمع حينئذ بينها وبين غيرها بارادة الحرمة المستفادة من النهي في غيره، بل يمكن القول بظهورها في إرادة الحرمة هنا للاجماع على حرمة الطيب في الجملة المانع عن إرادة الكراهة منه، وخصوصا بعد التعبير به في الزعفران الذي لا خلاف في حرمته، ودعوى كونها المرادة إلا ما خرج كما ترى، نحو دعوى إرادة القدر المشترك ولو بقرينة ما تسمعه من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 7 - 4 (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب غسل الميت من كتاب الطهارة (4) صحيح مسلم ج 1 ص 457 (5) سنن البيهقي ج 5 ص 58 (6) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 321 ]

المعارض، ضرورة توقف ذلك على رجحانه على احتمال منها، وتأويل المعارض بما ستعرف إن شاء الله بل هو أرجح من وجوه كما تسمع إن شاء الله واشتمال صحيح حريز على الريحان بعد تسليم كراهته لا ينافي الحرمة في الطيب، خصوصا بعد استقلاله بنهي آخر بناء على أن قوله (ولا نهي) لا زائدة، إذ أقصاه كونه كالعام المخصوص حينئذ، فتأمل جيدا. نعم قد استثنى المصنف وغيره من ذلك فقال: (ما خلا خلوق الكعبة) وهو ضرب من الطيب مائع فيه صفرة كما عن المغرب والمعرب، وعن النهاية (انه طيب معروف مركب من الزعفران وغيره من انواع الطيب، وتغلب عليه الحمرة والصفرة) وعن ابن جزلة المتطبب في منهاجه (ان صفته زعفران ثلاثة دراهم، قصب الذريرة خمسة دراهم، اشنه درهمان قرنفل وقرفد من كل واحد درهم، يدق ناعما وينخل ويعجن بماء ورد ودهن ورد حتى يصير كالرهشي في قوامه، والرهشي هو السمسم المطحون قبل ان يعصر ويستخرج دهنه) وعلى كل حال فقد استثناه غير واحد، بل في المنتهى ومحكي الخلاف الاجماع عليه، لنحو صحيح حماد بن عثمان (1) سأل الصادق (عليه السلام) (عن خلوق الكعبة وخلوق القبر يكون في ثوب الاحرام قال: لا بأس به، هما طهوران) وسأله ايضا ابن سنان (2) في الصحيح (عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم قال لا بأس، ولا يغسله فانه طهور) ولعله لهما زاد ابن سعيد خلوق القبر، ولا بأس به، بل في التهذيب والنهاية والسرائر والتحرير والمنتهى والتذكرة زيادة زعفرانها ايضا، لاشتمال الخلوق عليه ولصحيح يعقوب بن شعيب (3) سأله عليه السلام (عن المحرم يصيب ثوبه الزعفران من


(1) و (2) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 1 (3) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 وفيه =

[ 322 ]

الكعبة، وخلوق القبر يكون في ثوب الاحرام فقال: لا بأس بهما، هما طهوران) وخبر سماعة (1) سأله عليه السلام ايضا (عن الرجل يصيب ثوبه زعفران الكعبة وهو محرم فقال: لا بأس وهو طهور فلا تتقه ان يصيبك) بل في التذكرة والمنتهى جواز الجلوس عند الكعبة وهي تجمر حملا على الخلوق، ولكن في الدروس عن الشيخ لو دخل الكعبة وهي تجمر أو تطيب لم يكن له الشم، وإن كنا لم نتحققه، بل في كشف اللثام الذي ظفرت به حكايته له في الخلاف عن الشافعي، ثم قال فيه ايضا: وأجاد صاحب المسالك حيث حرم غير الخلوق إذا طيبت به الكعبة بالتجمير أو غيره اقتصارا على المنصوص، قال: لكن لا يحرم عليه الجلوس فيها وعندها حينئذ، وانما يحرم الشم، ولا كذلك الجلوس في سوق العطارين وعند المتطيب، فانه يحرم، وفيه ان زعفرانها منصوص، بل يشم منه ومن غيره - خصوصا نفي البأس عن الريح الطيبة بين الصفا والمروة الذي سمعته - ان مطلق ما يطيب به الكعبة بالتجمير وغيره لا بأس به، ولعله لعسر تجنبه أو منافاة القبض على الانف لاحترامها بل لعل الاذن في ذلك فيها مع عدم الامر بالاجتناب والامساك على الانف والتحفظ عن إصابة الثياب ظاهر في عدم البأس، بل لعل قوله (عليه السلام): هو طهور مع إشعاره بالتعليل يشم منه انه من التطهير الذي أمر الله تعالى به ابراهيم واسماعيل (عليهما السلام) للطائفين وغيرهم، وليس استثناء الجلوس عندها وفيها بخلاف الجلوس في سوق العطارين والمتطيب بأولى مما ذكرناه، وما ذكره من


= " عن المحرم يصيب ثوبه الزعفران من الكعبة قال: لا يضره ولا يغسله " وما ذكر له في الجواهر من الذيل انما هو من صحيح حماد بن عثمان الذي يرويه في الوسائل بعد صحيحة يعقوب بن شعيب (1) الوسائل - الباب - 21 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4

[ 323 ]

حصر التحريم في الشم يقتضي عدم الفرق بينها وبين السوق والمتطيب كما هو واضح بل يمكن ان يكون ذلك من الضرورة التي لا خلاف في الجواز معها، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، لنفي العسر والحرج في الدين، وصحيح اسماعيل بن جابر (1) (وكانت عرضت له ريح في وجهه من علة أصابته وهو محرم قال: فقلت لابي عبد الله (عليه السلام): إن الطبيب الذي يعالجني وصف لي سعوطا فيه مسك فقال: اسعط به) وفي خبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا (سألته عن السعوط للمحرم وفيه طيب فقال: لا بأس) المحمول على حال الضرورة جمعا. وكيف كان فقد بان لك وجوب اجتناب المحرم الطيب شما وتطيبا وأكلا (ولو في الطعام) لعموم الادلة وإطلاقها، مضافا إلى خصوص بعض النصوص السابقة، بل في التذكرة نسبته إلى إجماع علماء الامصار، لكن ينبغي اعتبار عدم استهلاكه فيه على وجه يعد انه آكل له ومستعمل إياه ولو ببقاء رائحته التي هي المقصد الاعظم منه، كما ان المقصد الاعظم من الزعفران لونه ايضا، اما إذا استهلك على وجه لم يبق شئ من صفاته لم يحرم، للاصل بعد عدم صدق اكله واستعماله، وربما يؤيده في الجملة صحيح عمران الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) (انه سئل عن المحرم يكون به الجرح فيداوي بدواء فيه الزعفران فقال: إن كان الزعفران الغالب على الدواء فلا، وإن كانت الادوية الغالبة فلا بأس) فما عن الخلاف والتحرير والمنتهى وموضع من التذكرة من حرمة اكل ما فيه طيب وإن زالت اوصافه لعموم النهي عن اكل ما فيه طيب أو زعفران أو مسه واضح الضعف بعد ما عرفت من منع تناول العموم له، ولم نجد في النصوص المعتبرة


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 69 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3

[ 324 ]

ما يدل على حرمة ما فيه طيب على وجه يتناول المستهلك، ومن الغريب دعوى الاجماع في المنتهى على ذلك مع أنه مظنة العكس، ولا فرق عندنا بين ما مسته النار وغيره، خلافا لمالك واصحاب الرأي فأباحوا ما مسته النار بقيت اوصافه أم لا. (و) التحقيق ما عرفت من حرمة اكله إذا لم يكن مستهلكا، نعم (لو اضطر إلى أكل ما فيه طيب أو لمس الطيب) خاصة (قبض على أنفه) تقديرا للضرورة بقدرها، وعملا بالنصوص (1) كما أنه لو اضطر إلى شمه خاصة اقتصر عليه دون أكله، والاستعاط السابق من جملة الضرورة التي لا ينبغي التأمل في الجواز معها وان كان قد يشعر به نسبة ذلك في التحرير إلى الصدوق، لكنه في غير محله، كما لا تأمل في الحرمة بدونها، وإن قال في المنتهى والتذكرة ان الوجه المنع مشعرا باحتمال الجواز، إلا أنه ايضا في غير محله. (و) على كل حال فقد (قيل) والقائل الشيخ في النهاية وابن حمزة في الوسيلة: (انما يحرم) على المحرم (المسك والعنبر والزعفران والعود والكافور والورس) بل عن الخلاف الاجماع على أنه لا كفارة في غيرها، وعن الجمل والعقود والمهذب والاصباح والاشارة حصره في خمسة باسقاط الورس، بل في الغنيمة نفي الخلاف عن حرمتها (وقد يقتصر بعض) كما سمعته من الصدوق في المقنع (على اربعة: المسك والعنبر والزعفران والورس) بل هو المحكي عن التهذيب وابن سعيد لصحيح معاوية (2) السابق، وخبر عبد الغفار (3) عنه عليه السلام


(1) الوسائل - الباب - 24 و 26 - من ابواب تروك الاحرام (2) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 8 (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 16 وليس =

[ 325 ]

أيضا (الطيب المسك والعنبر والزعفران والورس، وخلوق الكعبة لا بأس به) ومنه يعلم كون المراد منه ذلك بالنسبة للمحرم، لا أن المراد حصر الطيب في نفسه، بل في صحيح معاوية (1) الآخر عنه عليه السلام أيضا (الرجل يدهن بأي دهن شاء إذا لم يكن فيه مسك ولا عنبر ولا زعفران ولا ورس قبل أن يغتسل للاحرام، غير أنه يكره للمحرم الادهان الطيبة الريح) وبذلك يظهر لك أنه لا وجه لاسقاط الورس ممن سمعت وان قال الصادق عليه السلام في خبر ابن أبي يعفور (2): (الطيب المسك والعنبر والزعفران والعود) فان المتجه في الجمع بينها الحكم بحرمة الخمسة التي نفي الخلاف فيها في محكي الغنية، بل ينبغي إضافة الكافور إليها، لفحوى ما دل (3) على منع الميت المحرم منه، فالحي أولى، بل لعل الحصر المزبور في النصوص المذكورة فيما عداه باعتبار قلة استعمال الاحياء له، كما أنه يجوز كون ترك العود في نصوص الاربعة لاختصاصه غالبا بالتجمير، وكونها مما يستعمل لنفسه، وبما ذكرنا ظهر لك حجة القول بالستة والخمسة والاربعة، وعلى كل حال فيخص أو يقيد ما دل (4) على حرمة مطلق الطيب أو يحمل على الكراهة كما عساه يشعر بها ما عرفت من قول (ينبغي) ونحوه.


= فيه " وخلوق الكعبة لا بأس به " وانما هو من كلام الشيخ (قده) كما يظهر بمراجعة التهذيب ج 5 ص 299 (1) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 إلا أنه لم يذكر فيه قوله عليه السلام: " غير أنه يكره للمحرم الادهان الطيبة الريح " وانما ذكر ذلك في ذيل حديثه الآخر المروي في الباب 18 من ابواب تروك الاحرام الحديث 14 (2) و (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 15 - 0 (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب غسل الميت من كتاب الطهارة

[ 326 ]

(و) لكن مع ذلك (الاول أظهر) من ذلك كله: خصوصا القول بالاربعة الذي هو في غاية الندرة، حتى أن الشيخ الذي قال به في التهذيب قد رجع عنه في المبسوط إلى العموم، وفي الخلاف إلى الستة، ومنه يعلم المناقشة في الحصر في الصحيح بالاربعة المشتمل على ما لا يقول به أحد من الكفارة بأنه لابد من صرفه عن ظاهره بالنسبة إلى الكافور والعود لما عرفت، فيكون مجازا بالنسبة إلى ذلك، وهو ليس بأولى من إبقاء العموم على حاله وحمله على ما هو أغلظ تحريما أو المختص بالكفارة، بل لعله أولى وان كان التخصيص بالترجيح احرى من المجاز حيث ما تعارضا، فان ذلك حيث لا يلزم إلا أحدهما، واما إذا لزم المجاز على كل تقدير فلا ريب في أن اختيار فرد منه يجامع العموم أولى من الذي يلزم معه التخصيص كما لا يخفى، والعمدة كثرة النصوص المزبورة مع عمل المشهور بمضمونها، واشتمال بعضها على التعليل بأنه لا ينبغي للمحرم التلذذ بذلك المناسب لمعنى الاحرام، ولما ورد (1) في دعائه من إحرام الانف وغيره، فيكون الظن بها أقوى، وإجماع الخلاف على نفي الكفارة فيما عدا الستة لا ينافي الحرمة بعد تسليمه، كما أن إجماع ابن زهرة لا ينافي حرمة غيرها، كل ذلك مضافا إلى معلومية عدم الحصر المزبور مع فرض إرادة ما يشمل الدهن من الطيب، ضرورة المفروغية من حرمته، قال في المنتهى (أجمع علماؤنا على أنه يحرم الادهان في حال الاحرام بالادهان الطيبة كدهن الورد والبان والزيبق، وهو قول عامة أهل العلم، ويجب به الفدية إجماعا) ومقتضى ذلك كون النزاع هنا في الطيب غير الادهان الذي سيتعرض له المصنف، اللهم إلا أن يكون المراد هناك خصوص الادهان دون الشم والاكل، فانه من مفروض البحث هنا، ويأتي ان شاء الله تمام الكلام فيه، وإن


(1) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 327 ]

كان قد عرفه في التذكرة بأنه ما تطيب رائحته ويتخذ للشم كالمسك والعنبر والكافور والزعفران وماء الورد والادهان الطيبة كدهن البنفسج والورس، والمعتبر أن يكون معظم الغرض منه التطيب أو يظهر فيه هذا الغرض، وقال الشهيد: (يعني به كل جسم ذي ريح طيبة بالنسبة إلى معظم الامزجة أو إلى مزاج المستعمل له غير الرياحين) وفي المسالك (هو الجسم ذو الريح الطيبة المتخذة للشم غالبا غير الرياحين، كالمسك والعنبر والزعفران وماء الورد والكافور) هذا. وقد قيل: ذكر الفاضل أن أقسام النبات الطيب ثلاثة: الاول ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه كالشيح والقيصوم والخزامى والفواكه كلها من الاترج والتفاح والسفرجل وأشباهها، وهذا كله ليس بمحرم، ولا يتعلق به كفارة إجماعا، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (1): (لا بأس أن تشم الاذخر والقيصوم والخزامى والشيح وأشباهه وأنت محرم) وسأله عليه السلام عمار الساباطي (2) (عن المحرم يتخلل قال: نعم لا بأس به، قلت له: أيأكل الاترج ؟ قال: نعم، قلت: فان له ريحة طيبة قال: إن الاترج طعام وليس هو من الطيب) ومنه وغيره يعلم أن الامر بالامساك عنه في مرسل ابن أبي عمير (3) عن بعض أصحابه عنه عليه السلام أيضا لضرب من الندب، قال: (سألته عن التفاح والاترج والنبق وما طاب ريحه قال: يمسك عن شمه ويأكله) الثاني ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب كالريحان الفارسي والمرزنجوش والنرجس، وقد اختلف الاصحاب في


(1) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) ذكر صدره في الوسائل - فب الباب 92 من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 وذيله في الباب 26 منها الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 328 ]

حكمه، فقال الشيخ: إنه غير محرم، ولا تتعلق به كفارة، واستقرب العلامة في التحرير تحريمه، والظاهر كونه من الرياحين التي ستعرف الكلام فيها، الثالث ما يقصد شمه ويتخذ منه الطيب كالياسمين والورد والنيلوفر، وقد وقع الاختلاف في حكمه ايضا، واستقرب الفاضل أيضا حرمته، لان الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذا في أصله، وفي محكي المبسوط الطيب على ضربين أحدهما تجب فيه الكفارة وهي الاجناس الستة التي ذكرناها: المسك والعنبر والكافور والزعفران والعود والورس، والضرب الآخر على ثلاثة أضرب، أولها ينبت للطيب ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والجنزي (والخبزي خ ل) والكازي والنيلوفر، فهذا يكره، ولا يتعلق باستعماله كفارة إلا ان يتخذ منه الادهان الطيبة، فيدهن بها، فيتعلق بها كفارة، وثانيها لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الفواكه كالتفاح والسفرجل والنارنج والاترج والدارصيني والمصطكي والزنجبيل والشيح والقيصوم والاذخر وحبق الماء والسعد ونحو ذلك، وكل ذلك لا تتعلق به كفارة ولا هو محرم بلا خلاف، وكذلك حكم أنوارها وأورادها، وكذلك ما يعتصر منها من الماء، والاولى تجنب ذلك للمحرم، الثالث ما ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب مثل الريحان الفارسي، ولا تتعلق به كفارة، ويكره استعماله، وفيه خلاف، وهو نحو ما سمعته عن التذكرة إلا ما عرفت من الحرمة في مثل الورد. وعلى كل حال فلا يخفى عليك عدم عد شئ منها من الطيب عرفا، كما أن الرياحين أيضا كذلك وإن كان قد يظهر من استثناء محكي المصباح ومختصره الفواكه من الطيب وكذا الارشاد والتلخيص مع زيادة الرياحين دخولها في الطيب، إلا أنه في غير محله، ويمكن إرادة المنقطع من الاستثناء. وحينئذ يتخلص من ذلك كله أن ما كان من الطيب من الادهان لا إشكال

[ 329 ]

في حرمته على المحرم كما عرفت وتعرف، كما أن الاقوى حرمة مطلق الطيب من غيرها كالمسك والعنبر والعود والزعفران وقصب الذريرة وغيرها مما هو طيب عرفا ويتطيب به عادة ولو للطعام، كالزعفران الذي يمكن كونه في القديم يتطيب به، خصوصا الاربعة، وخصوصا العود منها، وخصوصا الكافور، وأما غيره مما هو طيب الرائحة وليس من الطيب عرفا فقد عرفت إباحة ما كان منه طعاما كالتفاح والسفرجل والاترج ونحوها، وكذا ما كان نبتا بريا طيب الرائحة كالشيح والقيصوم ونحوهما، خصوصا بعد اندراجها في الرياحين وقلنا بالجواز فيها، وأما غير ذلك مما هو طيب الرائحة وليس طعاما ولا ريحانا ولا مثل الشيح والقيصوم فالظاهر جوازه ايضا للاصل وغيره، كصحيح العلاء (1) سأل الصادق عليه السلام (انه حلق وذبح أيطلي رأسه بالحناء وهو متمتع ؟ قال نعم من غير أن يمس شيئا من الطيب) وسأله عليه السلام ابن سنان (2) في الصحيح (عن الحناء فقال: إن المحرم ليمسه ويداوي به بعيره وما هو بطيب، وما به بأس) وفي مرسل الصدوق (3) (انه يجوز أن يضع الحناء على رأسه، انما يكره المسك وضربه، إن الحناء ليس بطيب) بل خبر عمار (4) المتقدم كالصريح في أن المحرم الطيب لا مطلق ذي الرائحة الطيبة التي قد يعسر اجتنابها أوقات الربيع في الحرم وغيره، وخصوصا الرياحين


(1) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب الحلق والتقصير - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب الحلق والتقصير - الحديث 5 إلا أن الموجود في الفقيه ج 2 ص 302 الرقم 1503 " السك " بالضم بدل " المسك " وهو نوع من الطيب (4) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 330 ]

منها، بل لعل السيرة القطعية على خلافه، وكذا الفواكه، وإن قال في الدروس: (إنه اختلف فيها) إلا انه لم نتحققه، ويمكن أن يريد ما سمعته من الاختلاف في الرواية، وحينئذ فيحمل الامر بامساك الانف عن الرائحة الطيبة على القدر المشترك إذا كان المراد ما يشمل الطيب وغيره. وكيف كان فما في كشف اللثام من الوجوه التسعة في الاجسام الطيبة الريح لا نعرف بها قائلا بل ولا مأخذا لبعضها، فانه - بعد أن استظهر من المصنف والفاضل والشهيد خروج الرياحين من الطيب، ومن الشيخ في المصباح دخول الفاكهة فيه لاستثنائها منه وكذا في الارشاد والتلخيص مع زيادة استثناء الرياحين - قال: (الاول حرمتها مطلقا، والثاني حرمتها إلا الفواكه، والثالث حرمتها إلا الرياحين، والرابع حرمته إلا الفواكه والرياحين، والخامس حرمتها إلا الفواكه والرياحين، وما لا ينبت للطيب، ولا يتخذ منها الطيب، وهي نبات الصحراء والاذخر والابازير خلا الزعفران، والسادس حرمتها إلا الفواكه والابازير غير الزعفران، وما لا يقصد به الطيب ولا يتخذ منه، والسابع إباحتها إلا ستة، والثامن إباحتها إلا أربعة، والتاسع إباحتها إلا خمسة، وفي الاربعة وجهان) ولعله لذلك كتب فيما حضرني من نسخة كتبها بيده في الحاشية عوضا عن ذلك على الظاهر (وبالجملة فلا كلام في حرمة الاربعة، والورس منها أظهر من العود، وفيما زاد أقوال، منها حرمة خمسة، ومنها حرمة ستة، ومنها حرمة الطيب مطلقا، وفي شموله الفواكه وجهان، وكذا في شموله الرياحين، وفي شموله الابازير كالقرنقل والدارصيني وكذا في شموله أو شمول الرياحين لما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب كالحناء والعصفر ونبات البر كالاذخر والشيح) ثم ذكر النصوص الدالة على جواز الحناء للمحرم التي ذكرناها وهو وإن كان في جملة منه نظر واضح أيضا إلا انه أولى من كلامه السابق، وعلى كل حال فالتحقيق ما عرفت.

[ 331 ]

ثم إنه لا إشكال في جواز اجتياز المحرم في موضع يباع فيه الطيب مثلا، أو يجلس عند متطيب إذا لم يكتسب جسده ولا ثوبه من ريحه وكان قابضا على أنفه كما صرح به غير واحد، للاصل بعد عدم صدق عنوان النهي من المس والاكل والاستعمال، وفي صحيح ابن بزيع (1) (رأيت أبا الحسن عليه السلام كشف بين يديه طيب لينظر إليه وهو محرم فأمسك بيده على أنفه من رائحته) وحينئذ فلا بأس ببيعه وشرائه وغيرهما مما لا يندرج في عنوان النهي، نعم يجب الامتناع عن شمه بقبض الانف ونحوه لحرمة ذلك عليه، وللخبر المزبور المعتضد بالامر في النصوص السابقة بذلك عن الرائحة الطيبة، خلافا للمحكي عن ظاهر المبسوط والاستبصار والسرائر والجامع فلا يجب، للاصل بعد منع اندراج إصابة الرائحة في الطريق في موضوع النهي، بخلاف الشم والمباشرة والاكل المؤديين له ولما سمعته من خبر هشام بن الحكم (2) (لا بأس بالريح الطيبة) إلى آخره، وهو كما ترى، ضرورة انقطاع الاصل بما عرفت، واختصاص الخبر المزبور في المكان المخصوص للضرورة أو غيرها، بل لعل تعمد الاجتياز في الطريق المزبور مثلا كالمباشرة والتناول وغيرهما المؤدي إلى الشم. هذا كله في الرائحة الطيبة، أما الرائحة الكريهة فالمشهور حرمة إمساك الانف عن شمها، بل عن ابن زهرة نفي الخلاف فيه للنهي عنه فيما سمعته من النصوص المعتبرة التي منها صحيح ابن سنان (3) عن الصادق عليه السلام (المحرم إذا مر على جيفة فلا يمسك على أنفه) فلا وجه للمناقشة باحتمال ارادة نفي الوجوب


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 20 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 24 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3

[ 332 ]

في مقابل ريحة الطيب بعدما سمعته من نفي الخلاف والشهرة. ويجب أن يزيل ما أصابه منه فورا كما صرح به الفاضل، لحرمة الاستدامة كلابتداء، وفي الدروس (أمر الحلال بغسله أو غسله بآلة) ولكن في محكي التهذيب والتحرير والمنتهى التصريح بجواز إزالته بنفسه، ولعله لقول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل ابن ابي عمير (1): (في محرم أصابه طيب لا بأس أن يمسحه بيده أو يغسله) ولانه مزيل للطيب تارك له لا متطيب، كالغاصب إذا خرج من الدار المغصوبة بنية تركها، ولظاهر قوله صلى الله عليه وآله (2) لمن رأى عليه طيبا: (اغسل عنك الطيب) كخبر اسحاق بن عمار (3) (عن المحرم لمس الطيب وهو نائم لا يعلم قال: يغسله وليس عليه شئ، وعن المحرم يدهنه الحلال بالدهن الطيب والمحرم لا يعلم ما عليه قال: يغسله ايضا، وليحذر). لكن لا ريب في أن الاحوط ما سمعته من الدروس، بل يمكن القول بتعينه بعد معلومية حرمة مسه بالاجماع بقسميه والنصوص (4) ولو بالباطن كباطن الجرح والاكتحال والاحتقان والاستعاط على وجه لا يخرج عنه بمثل النصوص المزبورة، ويمكن حملها على حال الضرورة، بل لعل قوله عليه السلام في الاخير: (يغسله وليحذر) إشارة منه إلى مسه. ولو كان معه ماء لا يكفيه لغسل الثوب والطهارة ولم يكن قطع رائحة الطيب بشئ غير الماء ففي المدارك صرفه لغسله، وتيمم للطهارة، قال: ((لان للطهارة المائية بدلا، ولا بدل للغسل الواجب) بل في الدروس (وصرف الماء


(1) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 4 (2) صحيح مسلم ج 4 ص 4 (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام

[ 333 ]

في غسله أولى من الطهارة وإزالة النجاسة، فيتيمم) وهو صريح في عدم الفرق بين الحدث والخبث الذي لا بدل له أيضا، واحتمل في المدارك وجوب الطهارة به، لان وجوبها قطعي، ووجوب الازالة والحال هذه مشكوك فيه، لاحتمال استثنائه للضرورة كما في الكعبة والمسعى، والاحتياط يقتضي تقديم الغسل على التيمم، لتحقق فقد الماء حالته، قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله، والمتجه التخيير، هذا. وقد عرفت سابقا وجوب اجتنابه في مطلق استعماله للتطيب ولو بحمل ما فيه طيب من غير أن يمس ثوبه ولا بدنه ولكن تظهر رائحته عليه بحمله، وكذا التبخر أو لبس ثوب مطيب بصبغ فيه أو غمس أو ذر أو غير ذلك مما يكون به مطيبا، بل عن التذكرة اجماع علماء الامصار على حرمة ثوب فيه طيب، لخبر حماد بن عثمان (1) السابق، ومفهوم خبر الحسين بن أبي العلاء (2) (عن ثوب المحرم يصيبه الزعفران ثم يغسل قال: لا بأس به إذا ذهب ريحه) وخبر اسماعيل ابن الفضل (3) (عن المحرم يلبس الثوب قد أصابه الطيب فقال: إذا ذهب ريح الطيب فلا بأس فليلبسه) وغير ذلك. وكذا يحرم الجلوس عليه أو في حانوت عطار مثلا فتشبث به الرائحة لذلك كما أومي إليه في خبر حماد بن عثمان السابق المشتمل على اكتساب ثوبي الاحرام من الثياب المجمرة الذي أمر فيه بنشرها حتى يذهب ريحها، بل في محكي التذكرة والمنتهى والتحرير (لو داس بنعله طيبا فعلق أثم وكفر) وما عن الخلاف من أنه يكره للمحرم أن يجعل الطيب في خرقة ويشمها، فان فعل فعليه الفداء


(1) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 (2) و (3) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 5

[ 334 ]

يراد به الحرمة بقرينة الفداء، كما أن ما عنه والتذكرة، من كراهة القعود عند العطار الذي يباشر العطر، فان جاز عليه أمسك على أنفه، وعن المبسوط زيادة ويكره الجلوس عند الرجل المتطيب إذا قصد ذلك غير أنه لا يتعلق به فدية، ونحوه عن الوسيلة في الحكم بكراهة الجلوس إلى متطيب أو مباشر للطيب - محمول على غير المكتسب لذلك وغير الشام، ولذا قال في محكي التذكرة ولا يجوز الجلوس عند رجل متطيب ولا في سوق العطارين، لانه يشم الطيب حينئذ، نعم لو فرش فوق ثوب مطيب ثوبا يمنع رائحته ثم جلس أو نام عليه لم يأثم، للاصل بعد عدم اندارجه في موضع النهي، بل يمكن القول بالاكتفاء بثيابه مع عدم العلوق به خلافا للاصبهاني فقال: لا يكفي حيلولة ثياب بدنه. وفي محكي التذكرة استعمال الطيب عبارة عن شمه أو إلصاق الطيب بالبدن أو الثوب أو تشبث الرائحة بأحدهما قصدا للعرف قال (فلو تحقق الريح دون العين بجلوسه في حانوت عطار أو في بيت يجمره ساكنوه وجبت الفدية ان قصد تعلق الرائحة به، وإلا فلا، والشافعي أطلق القول بعدم وجوب الفدية، ولو احتوى على مجمرة لزمت الفدية عندنا وعنده أيضا، وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية، ولو مس جرم العود فلم تتعلق به رائحته فلا فدية، وللشافعي قولان، ولو حمل مسكا في فأرة مضمومة الرأس فلا فدية إذا لم يشمها، وبه قال الشافعي، ولو كانت غير مضمومة فللشافعية وجهان وقال بعضهم: إن حمل الفأرة تطيب) ولا يخفى عليك منافاة بعضه لبعض ما ذكرناه كما أن ما عن الخلاف من أنه ان كان الطيب يابسا مسحوقا فان علق ببدنه منه شئ فعليه الفدية، فان لم يعلق بحال فلا فدية، وان كان يابسا غير مسحوق كالعود والعنبر والكافور فان علق ببدنه رائحته فعليه الفدية، ونحوه عن المبسوط إلا أنه ليس فيه ذكر المسحوق، وعن غيره زيادة وان لم يعلق فلا شئ عليه، ونحوهما الورس كذلك في الجملة أيضا، والتحقيق ما عرفت، ضرورة كون المدار

[ 335 ]

في المنع على ما يندرج في عنوان النهي من اللمس والتطيب والاكل والشم، وفاقد حاسة الشم ترتفع عنه حرمة الشم دون غيرها، والله العالم. (ولبس المخيط للرجال) بلا خلاف أجده فيه كما عن الغنية والمنتهى والتحرير والتنقيح والمفاتيح وغيرها على ما حكي عن بعضها، بل عن التذكرة وموضع آخر من المنتهى إجماع العلماء كافة عليه، بل عن الاخير منهما عن ابن عبد البر أنه لا يجوز لبس شئ من المخيط عند جميع أهل العلم، وفي الاول عن ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المحرم يمنع من لبس القميص والعمامة والسراويل والخف والبرنس، لما روى العامة (1) (ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحدا لا يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) وفي الدروس يجب تركه على الرجال وإن قلت الخياطة في ظاهر كلام الاصحاب، وربما استدل له بما تسمعه من نزع أزرار الطيلسان الذي هو كما ستعرف لا خياطة فيه إلا بالازرار، فليس حينئذ إلا لان الخياطة وإن قلت مانعة، ولكن ستسمع ما فيه، نعم ما سمعته من معاقد الاجماعات كاف في جعل العنوان لبس المخيط وإن لم أجده في شئ مما وصل الينا من النصوص الموجودة في الكتب الاربعة وغيرها كما اعترف به غير واحد حتى الشهيد في الدروس حيث قال لم أقف إلى الآن على رواية بتحريم عين المخيط، انما نهي عن القميص والقباء والسراويل، وهو كذلك، فان النصوص المتقدمة سابقا في ثوبي الاحرام وفي جواز لبس القباء مقلوبا ولبس السراويل مع الضرورة وفي المقام انما تدل على النهي عن ثوب تزره أو تدرعه، وعن لبس السراويل


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 49

[ 336 ]

والخفين والقميص، بل في صحيح زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) (سألته عما يكره للمحرم أن يلبسه فقال: يلبس كل ثوب إلا ثوبا يتدرعه) وفي صحيح معاوية وحسنه (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (لا تلبس وأنت تريد الاحرام ثوبا تزره، ولا تدرعه ولا تلبس سراويل إلا أن لا يكون لك إزار، ولا خفين إلا أن لا يكون لك نعلان) وفي صحيح الحلبي (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (في المحرم يلبس الطيلسان المزرور فقال: نعم في كتاب علي عليه السلام لا تلبس طيلسانا حتى تنزع أزراره، وقال: انما كره ذلك مخافة أن يزره الجاهل، فأما الفقيه فلا بأس بأن يلبسه) وفي صحيح يعقوب بن شعيب (4) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يلبس الطيلسان المزرور قال: نعم، وفي كتاب علي (عليه السلام) لا تلبس طيلسانا حتى تنزع أزراره، فحدثني أبي انه انما كره ذلك مخافة أن يزره الجاهل) وهي كما ترى ظاهرة في كون المانع الادراع والزر لا كونه مخيطا، وربما يرشد إليه ما تقدم سابقا من طرح القميص على العاتق ان لم يكن له رداء، ولبس القباء منكوسا من غير إدخال اليدين في الكمين، ولعله لذلك لم يذكر في المقنعة اجتناب المحرم المخيط، وانما ذكر أنه لا يلبس قميصا. بل قد ينقدح الشك من صحيحي الطيلسان فيما سمعته من الدروس من دعوى ظهور كلام الاصحاب في حرمة المخيط وإن قلت الخياطة، ضرورة ظهورهما في الجواز وإن كان فيه أزرار مخيطة، بل قد يدعى انصراف المخيط إلى غير ذلك


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 36 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 - 3 - 2 (2) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 و 2

[ 337 ]

خصوصا بناء على استفادة حرمته ولو بمعونة الاجماع المزبور مما ورد من الثوب الذي يدرع والقميص والسراويل والخف ونحو ذلك، بناء على أنها مثال لكل مخيط نحوها دون الخياطة القليلة في الازار والرداء، بل قد يدعى انسياق الموضوع على الخياطة مما شابه الاشياء المزبورة، بل لعل إطلاق الازار والرداء يشمل المخيطين وغيرهما، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط في اجتناب مطلق المخيط. نعم قد يشك في اندراج ما يستعمل لكف نزول الريح في الانثيين من المخيط المسمى في الفارسية بالبادفتح من حيث عدم كونه من اللباس المعتاد المخيط الذي هو نحو الاشياء المزبورة، بل لعل إلحاقه بالهميان المشدود على الوسط والمنطقة وعصابة القروح أولى من إلحاقه بالخفين، فالاقوى جوازه اختيارا، والاحوط تركه. وكيف كان فلا يعتبر في حرمة المخيط كونه محيطا بالبدن، لاطلاق الادلة المزبورة، خلافا للمحكي في الدروس عن ظاهر ابن الجنيد من اشتراطه حيث قيد المخيط بالضام للبدن، قال في الدروس: فعلى الاول يحرم التوشح بالمخيط والتدثر وفيه أنه يمكن عدمها عليه أيضا باعتبار عدم صدق اللبس على الثاني، فانه العنوان في معقد الاجماع لاحرمة المخيط مطلقا، ولذا صرح هو بجواز افتراشه، وظهور قوله عليه السلام: (يدرعه) في كون المحرم الادراع به لا التوشح ونحوه، ولعله لذا نفى الكفارة فيه الفاضل في القواعد على إشكال، فتأمل جيدا فانه يقال إن مثله لبس، هذا. وفي المدارك الحق الاصحاب بالمخيط ما أشبهه كالدرع المنسوج وجبة اللبد والملصق بعضه ببعض، وقال في التذكرة وقد ألحق أهل العلم بما نص النبي صلى الله عليه وآله ما في معناه، فالجبة والدراعة وشبههما ملحق بالقميص، والتبان والران وشبههما

[ 338 ]

ملحق بالسراويل والقلنسوة وشبهها مساو للبرنس، والساعدان والقفازان وشبههما مساو للخفين، قال: (إذا عرفت هذا فيحرم لبس الثياب المخيطة وغيرها إذا شابهما كالدرع المنسوج، والمعقود كجبة اللبد، والملصق بعضه ببعض حملا على المخيط لمشابهته له في المعنى من الترفه والتنعم) وفي المدارك وغيرها أن الاجود الاستدلال عليه بالنصوص المزبورة المتناولة باطلاقها لهذا النوع، إذ ليس فيها المخيط حتى يكون إلحاق غيره به خروجا عن المنصوص، وهو جيد في خصوص المتخذ منها على وجه يصدق عليه الثوب والقباء والسراويل بناء على عدم انصراف المخيط منها، أما إذا لم تكن كذلك وأراد الاحرام بها فينبغي الجواز، ضرورة عدم صدق الدرع والقميص والسراويل حينئذ عليها، فان أراد الملحق المنع في خصوص الاشياء المزبورة اتجه ذلك، وإلا فلا مناص عن دعوى كون هذا التلبد وإلصاق البعض بالبعض ملحقا بالخياطة، وحينئذ إنتم إجماعا فذاك، وإلا كان للمنع فيه مجال، نعم قد يقال بحرمة لبس غير المنسوج منها في الاحرام بناء على انصراف الامر بلبس ثوبي الاحرام إلى المنسوج دون غيره، فيمنع حينئذ لذلك لكن فيه أن المتجه حينئذ جواز لبسه معهما، لعدم المانع وإن لم يكتف بهما في ثوبي الاحرام، ولعله لا يخلو من قوة ضرورة عدم صدق المخيط على شئ منها وعدم معلومية الاجماع على إلحاق مطلق التلبيد والالصاق وإن لم تكن على هيئة المخيط، وانما المسلم منه ما كان على هيئة المخيط ولكن بالنسج والتلبيد والالصاق ونحو ذلك على وجه يكون قميصا وقباء وسراويل وجبة وشبهها، لا أن مطلق التلبيد والالصاق ملحق بالخياطة وإن لم يكن على هيئة شئ مما عرفت، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، فان عباراتهم لا تخلو من تشويش بالنسبة إلى ذلك. ثم إنك قد عرفت سابقا تصريح الفاضل والشهيد بحرمة عقد الرداء ودليله بل عن الاول منهما هنا حرمة زره وتخليله، ويدل على الاول منهما النهي عن زر

[ 339 ]

الثوب الذي يدخل فيه الرداء بالاولوية، كما أنه يدل على الثاني منهما أنه خياطة أو ملحق بها، بل في المسالك أنه يلحق بالخياطة ما أشبهها من العقد والزر والخلال للرداء، وإن كان فيه ما لا يخفى، وأما الازار فقد صرح الفاضل وغيره أيضا بجواز عقده لما سمعته سابقا من بعض النصوص (1) المعتضد بالاصل، وبالاحتياج إليه لستر العورة، فيباح كاللباس للمرأة، لكن قد سمعت النهي عنه أيضا في مكاتبة الحميري (2) وكذا صرح الفاضل والصدوق وابن حمزة ويحيى بن سعيد والشهيد وغيرهم بجواز لبس المنطقة وشد الهميان للاصل وإن كانا مخيطين، لصحيح يعقوب بن شعيب (3) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يصر الدراهم في ثوبه قال: نعم، ويلبس المنطقة والهميان) وخبر يعقوب بن سالم (4) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: تكون معي الدراهم فيها تماثيل وأنا محرم وأجعلها في همياني وأشده في وسطي فقال: لا بأس، أو ليس هي نفقتك وعليها اعتمادك بعد الله عزوجل ؟) وخبر يونس بن يعقوب (5) (سألت أبا عبد الله عليه السلام المحرم يشد الهميان في وسطه فقال: نعم، وما خبره بعد نفقته) وصحيح أبي بصير (6) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يشد على بطنه العمامة قال: لا، ثم قال: كان أبي عليه السلام يشد على بطنه المنطقة التي فيها نفقته، يستوثق منها فانها من تمام حجه) وخبره الآخر (7) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم يشد على بطنه المنطقة التي فيها نفقته قال: يستوثق منها فانها تمام حجه) بل في المنتهى والتذكرة أن جواز لبس الهميان قول جمهور العلماء، وكرهه ابن عمر ونافع، وأنه تشتد الحاجة إليه،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 53 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 3 (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 3 - 4 - 2 - 6

[ 340 ]

فلو لم يجز لزم الحرج، نعم في أولهما ايضا (انه لو أمكن إدخال سيور الهميان بعضها في بعض وعدم عقدها فعل، لانتفاء الحاجة إلى العقد، ولو لم يثبت بذلك كان له عقده) وفيه أن النص مطلق، بل قد يمنع اندراجه في لبس المخيط، هذا، وظاهر صحيح أبي بصير (1) حرمة شد العمامة، لكن في صحيح عمران الحلبي (2) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (المحرم يشد على بطنه العمامة، وإن شاء يعصبها على موضع الازار، ولا يرفعها إلى صدره) إلا ان الاحوط مع ذلك اجتنابه. هذا كله في الرجال (و) اما (في النساء) ففيه (خلاف و) لكن (الاظهر) والاشهر (الجواز اضطرارا واختيارا) بل هو المشهور شهرة عظيمة بل لا يبعد دعوى الاجماع معها، لندرة المخالف الذي هو الشيخ في النهاية التي هي متون أخبار، ومعروفية نسبه، على أنه قد رجع عنه في ظاهر محكي المبسوط في القميص، بل عن موضع آخر منه مطلق المخيط، بل عبارته فيها غير صريحة، قال: ويحرم على المرأة في حال الاحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرجل ويحل لها جميع ما يحل له ثم قال بعد ذلك: وقد وردت رواية (3) بجواز لبس القميص للنساء، والافضل ما قدمناه، وأما السراويل فلا بأس بلبسه لهن على كل حال، بل لعل قوله: (والافضل ما قدمناه) صريح في الجواز، لكن عن بعض النسخ (والاصل ما قدمناه) كل ذلك مضافا إلى الاجماع صريحا في التذكرة والمنتهى والسرائر والمختلف والتنقيح على ما حكي عن بعضها فضلا عن ظاهره


(1) الوسائل - الباب - 47 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 72 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 341 ]

المستفاد من غير واحد، قال في الاول: (يجوز للمرأة لبس المخيط إجماعا، لانها عورة، وليست كالرجال) وكذا المنتهى، بل قال: (لا نعلم فيه خلافا إلا قولا شاذا للشيخ لا اعتداد به) وهو كالصريح في انعقاد الاجماع بعد الشيخ وعن موضع آخر منه ايضا وقال بعض منا شاذ لا تلبس المخيط، وهو خطأ محض ولعله لذا استدل في المختلف بالاجماع على جوازه مع نقل خلافه، وفي محكي السرائر الاظهر عند أصحابنا أن لبس الثياب المخيطة غير محرم على النساء، بل عمل الطائفة وفتواهم وإجماعهم على ذلك، وكذلك عمل المسلمين، إلى غير ذلك من العبارات الظاهرة والصريحة في معلومية الحكم، كل ذلك مضافا إلى خصوص المعتبرة (1) المستفيضة المتقدمة في مسألة جواز لبس الحرير لهن، وبذلك تخص قاعدة الاشتراك والمحرم في بعض النصوص بناء على إرادة الجنس منه الشامل لهن. نعم في جملة منها (2) فيها الصحيح وغيره النهي لهن عن القفازين الذي حقيقته الحرمة المحكي عليها الاجماع في صريح الخلاف والغنية وظاهر المنتهى والتذكرة، فاحتمال بعض متأخري المتأخرين إرادة الكراهة من النهي المزبور لانهما اما من جنس الثياب بناء على تفسيرهما بأنهما شئ يعمل لليدين يحشى بقطن ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد تلبسه المرأة في يديها، وعن الازهري قال شمر: القفازان شئ تلبسه نساء الاعراب في أيديهن يغطي اصابعهن وأيديهن مع الكف، يعني كما يلبسه حملة الجوارح من البازي ونحوه كما قاله النعووي وغيره، وعنه ايضا عن خالد بن جنبة القفازان تقفزهما المرأة إلى كعوب المرفقين فهو سترة لها، وإذا لبست برقعها وقفازيها وخفها فقد تكننت، والقفاز يتخذ من القطن فيحشى له بطانة وظهارة من الجلود واللبود، إلى غير ذلك مما


(1) و (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام

[ 342 ]

يدل على انه من الثياب التي دلت الادلة على جوازها لهن، أو من جنس الحلي لليدين والرجلين كما عن بني دريد وفارس وعباد، فيتحد حكمهما معه وهو جواز اللبس لغير الزينة - واضح الضعف، ضرورة تقديم الخاص على العام، بل هو ارجح من الجمع بالكراهة من وجوه كما هو محرر في محله، وخصوصا في المقام، ولفظ الكراهة بدل النهي في بعض الاخبار (1) لا يصلح قرينة عليها بالمعنى المصطلح لكونه في الاخبار للاعم منها ومن الحرمة، ولو سلم فيكفي الاجماعات المزبورة قرينة علي إرادة الحرمة منه، وبقاء النهي على حقيقته، ثم ان في خبر ابي عنبسة (2) عن الصادق (عليه السلام) النهي لهن عن البرقع مع القفازين وفي خبر يحيي بن ابي العلاء (3) عن ابي عبد الله عليه السلام عن ابيه عليه السلام (انه كره للمحرمة البرقع والقفازين) بل أفتي به في التذكرة مستدلا عليه بالخبر الثاني بناء منه على ارادة الحرمة من الكراهة فيه ولو بقرينة كونها كذلك في القفازين، ولكن لم يحضرني الآن موافق له على تحريم ذلك، بل لعل ظاهر اقتصار غيره على القفازين خلافه ولعله للاصل بعد عدم اجتماع شرائط الحجية في الخبرين المزبورين، سيما بعد ظهور الاقتصاد على القفازين من غير واحد في خلافه، والله العالم. (وأما الغلالة) بكسر الغين ثوب رقيق يلبس تحت الثياب (للحائض فجايز) لها أي لبسها (إجماعا) كما اعترف به في التذكرة والمنتهى، ولعله لان الشيخ في النهاية وإن منع المخيط لهن كالرجال لكن قال فيها: ويجوز للحائض أن تلبس تحت ثيابها غلالة تتقي ثيابها من النجاسات، كل ذلك مضافا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام - الحديث 6 - 3 - 6 والثاني عن ابي عيينة كما في الكافي ج 4 ص 345

[ 343 ]

إلى الاصل، وقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (1): (تلبس المرأة الحائض تحت ثيابها غلالة). وكذا لا خلاف ايضا في جواز لبس السراويل لهن كما اعترف به في المنتهى فان الشيخ في النهاية صرح بجوازها لهن كما سمعته سابقا في كلامه، وفي الصحيح عن محمد بن علي الحلبي (2) انه سأل ابا عبد الله عليه السلام (عن المرأة إذا أحرمت تلبس السراويل فقال: نعم، انما تريد بذلك الستر). وأما الخنثى المشكل فقد صرح الفاضل وغيره بالجواز لها للاصل بعد عدم العلم بكونها رجلا وفيه انه يمكن إرادة الجنس من المحرم في النصوص، فيشمل الخنثى حينئذ، وتختص المرأة بالخروج، ولكن يمكن منعه، كمنع اقتضاء قاعدة الشغل بعد القول بالاعم. (و) كذا لا خلاف ايضا في انه (يجوز لبس السراويل للرجل إذا لم يجد إزارا) كما اعترف به في المنتهى والمدارك والذخيرة، بل في التذكرة إجماع العلماء عليه، لصحيح معاوية بن عمار وحسنه (3) المتقدمين آنفا، وقول أبي جعفر عليه السلام في خبر حمران (4): (المحرم يلبس السراويل إذا لم يكن معه إزار) وفي محكي الخلاف نفي الفدية عليه، بل في التذكرة نسبته إلى علمائنا، بل في المنتهى اتفق عليه العلماء إلا مالكا وأبا حنيفة، وهو الحجة، لا خلو أخبار المقام عنه، ولا الاصل الذي يمكن قطعه بما دل على وجوبها مع الضرورة، كصحيح ابن مسلم (5)


(1) الوسائل - الباب - 52 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) و (4) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 3 (3) الوسائل - الباب - 35 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 و 2 (5) الوسائل - الباب - 9 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1

[ 344 ]

عن ابي جعفر (عليه السلام) (عن المحرم يحتاج إلى ضروب من الثياب يلبسها فقال (عليه السلام): لكل صنف منها فداء) وخبر العيس (1) (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يلبس القميص متعمدا قال: عليه دم، ومن اضطر إلى لبس ثوب يحرم عليه مع الاختيار جاز له لبسه، وعليه دم شاة) بل ذيله بناء على أنه من الصادق (عليه السلام) أوضح من غيره في شمول الفرض، بل وصحيح زرارة (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) (من نتف ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا ينبغي له أكله وهو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شئ، ومن فعله متعمدا فعليه دم شاة) اللهم إلا أن يقال إنه عند الضرورة ينبغي له لبسه، لكن يضعفه قوله (عليه السلام): (ففعل ذلك ناسيا) ولعل خلو أخبار المقام للاتكال على وجوده في غيرها، فما في المدارك - من أنه لا ريب في بطلان القول بوجوب الفدية لانه إثبات شئ لا دليل عليه - لا يخفى عليك ما فيه، اللهم إلا أن يمنع تناول النص للمفروض باعتبار ظهوره في المحرم دون المقام الذي هو من أول الامر فاقد الازار وفيه أنه أعم من ذلك، نعم ظاهر النصوص بل صريحها كالفتاوى ومعقد نفي الخلاف والاجماع عدم وجوب فتقه، فما عن الغنية والاصباح من أنه عند قوم من أصحابنا لا يلبس حتى يفتق ويجعل كالمئزر وأنه أحوط واضح الضعف، مع


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب - 8 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2 عن سليمان بن العيص والظاهر أن الذيل ليس من الخبر كما أنه ليس في التهذيب ج 5 ص 384 الرقم 1339 (2) الوسائل - الباب - 8 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1

[ 345 ]

انا لم نعرف القوم المزبورين، بل لا حاجة معه حينئذ إلى قيد الاضطرار، ولا إلى احتمال الفدية، ضرورة خروجه عن كونه مخيطا، اللهم إلا أن يراد فتقه في الجملة والله العالم. (وكذا) يجوز له (لبس طيلسان له أزرار) كما صرح به الصدوق والشيخ والفاضل والشهيد وغيرهم، بل ظاهر الجميع جوازه اختيارا، بل كاد يكون صريح التذكرة والمنتهى والدروس، وخصوصا الاخير، ولكن في الارشاد ولا يزر الطيلسان لو اضطر إليه، وقد يشعر باشتراط الضرورة، وفيه أنه مناف لاطلاق ما سمعته من النصوص المعتضدة بظاهر الفتاوى، بل ظاهرها وظاهر خبري معاوية ابن عمار المتقدمين عدم وجوب نزع أزراره و (لكن لا يزره على نفسه) كما هو ظاهرها ايضا أو صريحها، بل في المسالك ومنه يستفاد بالايماء عدم جواز عقد ثوب الاحرام الذي يكون على المنكبين، ولو زره أو عقد الثوب فالظاهر انه كلبس المخيط، فتجب الفدية ولكن فيه نظر أو منع، وعلى كل حال فهو خارج عن حكم المخيط بناء على انه منه ولو لقلة الخياطة فيه، أو عن الثوب الممنوع على المحرم في النصوص، أو عن حكم الملحق به، وإن كان هو لا خياطة فيه، لانه على ما في المسالك (ثوب منسوج محيط بالبدن) وعن مغرب المطرزي ومعربه وتهذيب الاسماء أنه معرب (تالشان) وعن المطرزي (هو من لباس العجم مدور أسود) قال: (وعن أبي يوسف في قلب الرداء في الاستسقاء أن يجعل أسفله أعلاه، فان كان طيلسانا لا أسفل له أو خميصة اي كساء يثقل قلبها حول يمينه على شماله) قال: (وفي جمع التفاريق الطيالسة لحمتها قطن وسداها صوف) وعن مجمع البحرين (هو ثوب محيط بالبدن، ينسج لللبس، خال عن التفصيل والخياطة، وهو من لباس العجم، والهاء في الجمع للعجمة، لانه فارسي معرب تالشان) والله العالم.

[ 346 ]

(والاكتحال بالسواد على قول) للمفيد والشيخ وسلار وبني حمزة وإدريس وسعيد وغيرهم، للمعتبرة المستفيضة التي منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (لا يكتحل الرجل والمرأة المحرمان بالكحل الاسود إلا من علة) وفي صحيح حريز وحسنه (2) (لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، ان السواد زينة) وسأله الحلبي (3) في الحسن كالصحيح (عن الكحل للمحرم قال: أما بالسواد فلا، ولكن بالصبر والحضض) بل ظاهر التعليل المزبور حرمته وإن لم يقصد الزينة باعتبار كونه زينة في نفسه وإن لم يقصد مؤيدا ذلك بالنبوي (4) (الحاج أشعث أغبر) لكن في الاقتصاد والجمل والعقود والخلاف والغنية والنافع على ما حكي عن بعضها انه مكروه، بل عن الشيخ دعوى إجماع الفرقة عليه للاصل بعد حمل النهي المزبور عليها، لقول الصادق عليه السلام في خبر هارون بن حمزة (5): ((لا يكحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران، وليكحل بكحل فارسي) بناء على إرادة الاثمد منه، وفيه منع، مع انه لا مقاومة له لمعارضة النصوص المزبورة من وجوه، فالتأويل فيه أولى، وأما صحيح (6) فضالة وصفوان عنه عليه السلام ايضا (لا بأس أن يكتحل وهو محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، فأما للزبنة فلا) فأقصاه العموم اللازم تخصيصه بما سمعت، كما ان اقصاه الحرمة للزينة، فلا ينافي الحرمة وإن لم يقصدها، مع احتمال إرادة ما يسبب لها وإن لم يقصدها، فيوافق السابق، وكذا ما في خبر أبي بصير (7) عنه عليه السلام أيضا


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 4 - 7 - 6 - 1 - 13 والخامس عن فضالة وصفوان عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام كما أشار إلى مضمونه في ص 347 بعنوان صحيح معاوية (4) سنن البيهقي ج 5 ص 58

[ 347 ]

(تكتحل المرأة المحرمة بالكحل إلا كحل أسود لزنية) كما عن الفقيه والمقنع بلام واحدة، وإن قيل هو أظهر في التخصيص حينئذ، بل قيل يمكن ارادة الحرمة من الخلاف فيقل المخالف حينئذ، وعلى كل حال ففي المسالك لا فدية فيه على القولين، ولعله للاصل كما انه صرح في محكي المنتهى بجواز الاكتحال بما عدا الاسود من انواع الكحل إلا ما فيه طيب بلا خلاف. قلت: قد يقال بكراهته، لحسن الكاهلي (1) عن الصادق عليه السلام قال: (سأله رجل وأنا حاضر فقال: اكتحل إذا احرمت قال: لا، ولم تكتحل ؟ قال: إني ضرير البصر فإذا اكتحلت نفعني، وإذا تركته ضرني، قال: اكتحل قال: فاني أجعل مع الكحل غيره قال: ما هو ؟ ققال: آخذ خرقتين فأربعهما فأجعل على كل عين خرقة، وأعصبهما بعصابة إلى قفاي، فإذا فعلت ذلك نفعني، وإذا تركته ضرني، قال: فاصنعه) ومنه يستفاد الجواز للضرورة وإن كان بالاسود، قال الصادق عليه السلام (2): (لا بأس للمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه مسك ولا كافور إذا اشتكى عينه) والله العالم. (أو بما فيه طيب) كما هو المشهور، بل في التذكرة والمنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد عموم المنع عن استعمال الطيب، وخصوص المعتبرة المستفيضة التي منها صحيح معاوية (3) المتقدم، وصحيح عبد الله بن سنان (4) عن الصادق عليه السلام (يكتحل المحرم إن هو رمد بكحل ليس فيه زعفران) ومرسل أبان (5) عنه (عليه السلام) ايضا المنجبر بما عرفت (إذا اشتكى المحرم عينه فليكتحل بكحل ليس فيه مسك ولا طيب) فما عن الاسكافي والشيخ في الجمل والقاضي في المهذب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 10 - 13 - 1 - 5 - 9

[ 348 ]

وشرح جمل العلم والعمل من الكراهة واضح الضعف وان احتج له بالاصل بعد زعم خروجه عن استعمال الطيب عرفا لاختصاصه بالظواهر، إلا انه كما ترى ضرورة انك قد عرفت الاجماع بقسميه على حرمة مسه ولو بالباطن، على انه لو سلم فالنص الخاص هنا كاف، فلا إشكال حينئذ في الحكم المزبور، بل قيل قد تعطي النهاية والمبسوط الحرمة وان اضطر إليه، ولعله لما سمعته من النصوص الناهية عنه مع الحاجة منطوقا ومفهوما، وإن كان هو واضح الضعف ايضا، لعموم مادل على الاباحة معها على وجه لا يخرج عنه بمثل ذلك، والنصوص المزبورة محمولة على الاندفاع بغير ذلك، ثم ان فديته فدية الطيب على الظاهر كما صرح به في المسالك، وهل يعتبر في الحرمة وجود الرائحة في الطيب كما هو مقتضى الحسن المزبور، بل أفتى به في الذخيرة، بل ربما يؤيده امكان منع صدق اسم الطيب مع ذهاب الرائحة، أو لا يعتبر لصدق المسك والزعفران على فاقدها ؟ وجهان لا يخلو أولهما من قوة، وقد تقدم نحوه فيما مزجه بالطعام، والله العالم. (و) على كل حال ف‍ (يستوي في ذلك الرجل والمرأة) بلا خلاف ولا إشكال، بل في النصوص السابقة (1) ما يدل عليه. (وكذا) لا يجوز لهما في حال الاحرام (النظر في المرآة على الاشهر) كما عن الصدوق والشيخ وأبي الصلاح وابني إدريس وسعيد، بل نسبه غير واحد إلى الاكثر، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح حماد (2): (لا تنظر في المرآة وانت محرم فانه من الزينة) وفي صحيح حريز (3) (لا تنظر في المرآة وانت محرم لانه من الزينة) وفي حسن معاوية (4) ((لا ينظر المحرم في المرآة


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب تروك الاحرام (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 3 - 4

[ 349 ]

لزينة، فان نظر فليلب) ومنه يستفاد استحباب التلبية بعد الاجماع على عدم الوجوب، وعلى كل حال فلا إشكال في الحرمة، ولكن عن الجمل والعقود والوسيلة والمهذب والغنية انه مكروه كالمصنف في النافع، بل قيل والخلاف، ولكن يحتمل إرادة الحرمة منها للاستدلال عليها بالاجماع وطريقة الاحتياط، فيكون حجة اخرى للحرمة، مضافا إلى النصوص المزبورة وغيرها التي لا داعي إلى حمل النهي فيها على الكراهة، نعم في الذخيرة ينبغي تقييد الحكم بما إذا كان النظر للزينة جمعا بين الاخبار المطلقة والمقيدة، وفيه أنه لا منافاة كما سمعته في الكحل، ولا بأس بما يحكي الوجه مثلا من ماء وغيره من الاجسام الصقيلة، بل لا بأس بالنظر في المرآة في غير المعتاد فعله للزينة، والله العالم. (ولبس الخفين و) كل (ما يستر ظهر القدم) اختيارا كما في الاقتصاد والجمل والعقود والوسيلة والمهذب والنافع والقواعد والارشاد وغيرها على ما حكي عن بعضها، بل في الذخيرة نسبته إلى قطع المتأخرين، بل في المدارك إلى الاصحاب بل في الغنية نفي الخلاف، قال فيها: وان يلبس ما يستر ظاهر القدم من خف أو غيره بلا خلاف، بل ظاهره نفيه بين المسلمين فضلا عن ارادة الاجماع منه، للمعتبرة المستفيضة التي منها صحيح معاوية (1) السابق عن الصادق (عليه السلام) المشتمل على قوله (عليه السلام): (ولا خفين إلا أن لا يكون لك نعلان) وصحيح الحلبي (2) (أي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفين إذا اضطر إلى ذلك، والجوربين يلبسهما إذا اضطر إلى لبسهما) والخبر (3) (عن المحرم يلبس الجوربين قال: نعم، والخفين إذا اضطر اليهما) إلا انها جميعها


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2 - 4

[ 350 ]

مختصة بالخف والجورب، ولذا اقتصر عليهما في محكي المقنع والتهذيب، بل في كشف اللثام وفي النهاية على الخف، وفي المبسوط والخلاف والجامع عليه وعلى الشمشك، ولم يتعرض لشئ من ذلك في المصباح ومختصره، ولا في الكافي ولا في جمل العلم والعمل ولا في المقعنة ولا في المراسم ولا في الغنية، لكن قد سمعت ما في الغنية مع سابقيه الذي أقله الشهرة العظيمة في التعدية عنهما إلى غيرهما مما يكون لبسه ساترا لظهر القدم، خصوصا مع قوة احتمال خروجهما في النص والفتوى مخرج الغالب في استعمالهما، وخلو الكتب المزبورة عنه لا ظهور فيه في الخلاف، نعم الظاهر اختصاص الحرمة بما كان لباسا ساترا لظهر القدم بتمامه، فلا يحرم الساتر لبعضه، وإلا لم يجز النعل، ودعوى ان حرمة الجميع تقتضي حرمة البعض ممنوعة بعد أن كان العنوان في الحرمة المجموع الذي لا يصدق على البعض، وحينئذ فما في الروضة من أن الظاهر أن بعض الظهر كالجميع إلا ما يتوقف عليه لبس النعلين واضح الفساد، خصوصا بعدما في كشف اللثام ولا يحرم عندنا إلا ستر ظهر القدم بتمامه باللبس مشعرا بالاجماع عليه، وهو كذلك بملاحظة فتاوى الاصحاب، وحينئذ فلا يحرم ستر بعضه كما ذكرنا، ولا ستره جميعه بغير اللبس كالجلوس وإلقاء طرف الازار وكونه تحت الغطاء في النوم، للاصل بعد الخروج عن النص والفتوى، بل ان لم يكن اجماعا امكن الاختصاص بما شابه الخف والجورب من لباس القدم ذي الساق دون غيره، لانه المناسب لكونهما مثالا لغيرهما، بل يمكن اعتبار ستر الظاهر والباطن فيه، لان الغالب فيهما ذلك، إلا أني لم أجد من اعتبر شيئا من ذلك، بل لعل ظاهر الاصحاب خلافه، كما أن ظاهرهم حرمة ذلك على المحرم بخصوصه خارجا عن مسألة المخيط، ولذا يذكرونه مستقلا عنه، ولولاه لامكن القول بأنه منه على معنى كون المحرم الخف لما فيه من الخياطة،

[ 351 ]

ويلحق به ما شابهه وان لم تكن فيه خياطة كالجورب ونحوه، بل في المنتهى الاستدلال عليه بذلك. وحينئذ يتجه اختصاصه بالرجال لما عرفت من جوازه لهن كما جزم به الشهيد هنا حاكيا له عن الحسن، خلافا لما عن ظاهر النهاية والمبسوط من عموم المنع، وأظهر منهما الوسيلة لعموم الاخبار والفتاوى وقاعدة الاشتراك، ولكن فيه ما لا يخفى بناء على ما ذكرناه من كونه من مسألة المخيط التي قد عرفت البحث فيها مع الشيخ ايضا، بل لعل المنع منه هنا بناء على منعه المخيط على النساء، مؤيدا ذلك بالاصل، وفحوى تعليل اباحة السراويل بالستر قيل: بل يشمله قوله في صحيح العيص (1): (تلبس ما شاءت من الثياب) بناء على أنه الخف منه، مضافا إلى ما دل من النصوص (2) على ان احرامها في وجهها وان كان فيه أن ذلك غير مناف نحو قوله (عليه السلام) (3) (احرام الرجل في رأسه) وعلى كل حال فلا اشكال ولا خلاف كما اعترف به في المنتهى في انه إذا اضطر إليه جاز له لبسه، بل الاجماع محصل ومحكي في كشف اللثام ومحكي السرائر والمختلف عليه، وهو الحجة بعد النصوص (4) المصرحة بذلك في الخف والجورب الملحق بهما غيرهما كالشمشك ونحوه، بل قيل هو أولى، لكن عن المبسوط والوسيلة عدم جواز الشمشك مع الضرورة ايضا، وان كان هو كما ترى، ضرورة قوة عموم أدلة الضرورة وخصوصها في المقام، وان قال في كشف اللثام: وكأنهما يريدان بدون الشق، إذ ذلك لا يجدي في اختصاص الشمشك بذلك، كما هو


(1) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام - الحديث 9 (2) و (3) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 0 - 1 (4) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب تروك الاحرام

[ 352 ]

واضح، هذا. وفي المسالك ولا فدية في لبس الخفين عند الضرورة عند علمائنا نص عليه في التذكرة، ولعله لاطلاق الادلة، وعدمها في نظائره، ولكن عن بعضهم وجوبها، ولعله لكون الخف من المخيط الذي تسمع وجوبها في لبسه ولو للضرورة إلا فيما عرفت من السراويل والقباء، ولا ريب في انه احوط وان كان الاول اقوى. (و) كيف كان ف‍ (ان اضطر جاز) بلا خلاف ولا اشكال (و) لكن (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط وابنا حمزة وسعيد في الوسيلة والجامع والفاضل في محكي المختلف والشهيدان في الدروس والمسالك والكركي في حاشية الكتاب: يجب عليه أن (يشقهما) حينئذ، ولعله لقول الباقر (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم (1) (في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل قال: نعم ولكن يشق ظهر القدم) والمرسل (2) عن بعض الكتب (لا بأس للمحرم إذا لم يجد نعلا واحتاج أن يلبس خفا دون الكعبين) والصادق عليه السلام في خبر ابي بصير (3) (في رجل هلكت نعلاه فلم يقدر على نعلين قال له ان يلبس الخفين إذا اضطر إلى ذلك ويشقه من ظهر القدم) والنبوي العامي (4) (فان لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) وللاحتياط، وحرمة لبس ما يستر ظهر القدم بلا ضرورة، ولا ضرورة إذا امكن الشق. (وهو) - مع قول المصنف: انه قول (متروك) مشعرا بالاجماع


(1) و (3) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 5 - 3 (2) المستدرك - الباب - 41 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 (4) سنن البيهقي ج 5 ص 51

[ 353 ]

على خلافه، بل عن ابن إدريس الاجماع صريحا على ذلك - لا جابر لخبريه الموافقين لاكثر العامة، ومنهم أبو حنيفة على وجه يصلحان مقيدين لاطلاق النصوص المزبورة الواردة في مقام البيان المعتضدة باطلاق فتوى المقنع والنهاية والتهذيب والمهذب على ما حكي عنها وصريح غيرها كالمحكي عن السرائر، وبما رواه الجمهور عن علي (عليه السلام) من عدم الشق، بل رووا انه قال: (قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما) بل ربما كان ذلك منه إشارة إلى انه إتلاف مال وإضاعة له يدخل به تحت الاسراف والتبذير، ضرورة عدم فائدة في ذلك بعد حرمة اللبس اختيارا معه ايضا، وبما رووا عن عائشة (2) ايضا من أن النبي صلى الله عليه وآله رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، بل عن صفية (2) (كان ابن عمر يفتي بقطعهما، فلما أخبرته بحديث عائشة رجع) بل عن بعضهم الظاهر أن القطع منسوخ، وذلك لان حديث ابن عمر الذي روى فيه القطع كان بالمدينة، والحديث الآخر قد كان في عرفات، إلى غير ذلك من المؤيدات لما ذكرناه، فلا بأس بحمل النصوص المزبورة على ضرب من الندب. ثم إن ظاهر المنتهى والتذكرة كون الشق هو القطع حتى يكونا أسفل من الكعبين الذي رواه العامة وأفتى به الشيخ في محكي الخلاف والاسكافي، بل عن الفاضل في التحرير وموضع من المنتهى والتذكرة القطع بوجوب هذه القطع، وعن موضع آخر من المنتهى أنه أولى خروجا من الخلاف وأخذا بالتقية، وقال


(1) سنن أبي داود ج 1 ص 425 المطبوعة عام 1371 - إلا أن فيه " رخص للنساء في الخفين " (2) سنن الدارقطني ج 2 ص 272 - الرقم 170

[ 354 ]

ابن حمزة: شق ظاهر القدمين وإن قطع الساقين كان أفضل، وهو صريح في المغايرة وقد سمعت المرسل عن الباقر عليه السلام في بعض الكتب، فالمتجه التخيير بينهما، وإن كان الاحوط الجمع بين القطع المزبور وشق ظهر القدم، ولا إسراف ولا تبذير ولا إضاعة، مع كون ذلك للاحتياط الذي هو من أغراض العقلاء. وعلى كل حال فالظاهر أن القطع أو الشق واجب أو مندوب في حال الضرورة، لا أنه طريق لجواز اللبس باعتبار عدم كونه حينئذ ساترا لتمام الظهر، فان اسم الخف والجورب باق معهما، والمراد كونه لباسا ساترا قوة أو من شانه وان لم يكن ساترا فعلا، فهما حينئذ نحو قلب القباء ولبسه منكوسا في حال الضرورة، لا أنه شئ يقتضي الجواز اختيارا. ومن هنا نص في محكي الخلاف والتذكرة والمنتهى والتحرير على أنه مع وجود النعلين لا يجوز لبس الخفين، ولا مقطوعين إلى ظهر القدم، لكونه حينئذ كالجورب والشمشك، وفي كشف اللثام وكذا إذا وجب الشق فوجد نعلين لم يجز لبس خفين مشقوقين، إذ لم يجز في الشرع لبسهما إلا اضطرارا مع إيجاب الشق نعم إن لم يجب الشق كان النعل أولى كما في الدروس لا متعينة، والموجود في الدروس بعد أن أوجب الشق قال: ولو وجد نعلين فهما أولى من الخف المشقوق والظاهر إرادة الاولوية الواجبة، لتصريح النصوص (1) باشتراط جواز لبس الخفين - أي ولو مشقوقين - بعدم النعل، بل مقتضى إطلاقها عدم الفرق في النعل بين المخيطة وغيرها، ولا بأس باستثناء ذلك من المخيط. وعلى كل حال فما ذكرنا ظهر لك أنه لا وجه لدعوى وجوب الشق مقدمة للتخلص من حرمة ستر ظهر القدم، ضرورة كون المراد مما في الفتاوى حرمة لباس


(1) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب تروك الاحرام

[ 355 ]

الساتر شأنا، فلا يجوز لبسه ولو على وجه لا يكون به ساترا، على أنه لا يكفي شقه عن ظهر القدم في جواز لبسه اختيارا، فتأمل جيدا، والله العالم. (والفسوق) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص (1) مضافا إلى الكتاب (2) (و) انما الكلام في المراد به، ففي المتن وتفسير علي بن ابراهيم والمقنع والنهاية والمبسوط والاقتصاد والسرائر والجامع والنافع وظاهر المقنعة والكافي ما حكي عن بعضها (هو الكذب) ورواه الصدوق في معاني الاخبار عن زيد الشحام (3) قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرفث والفسوق والجدال قال: أما الرفث فالجماع، وأما الفسوق فهو الكذب، ألا تسمع لقوله تعالى (4): (يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) والجدال هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وسباب الرجل الرجل) والعياشي (5) في تفسيره عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (6) فالرفث الجماع، والفسوق الكذب، والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله) وعن الفقه المنسوب (7) إلى الرضا (عليه السلام) (والفسوق الكذب، فاستغفر الله منه، وتصدق بكف من طعام) وفي كشف اللثام أنه رواه العياشي (8) في تفسيره عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن عليه السلام وعن محمد


(1) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 0 - 8 - 9 (2) و (6) سورة البقرة - الآية 193 (4) سورة الحجرات - الآية 6 (7) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 2 (8) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 10

[ 356 ]

ابن مسلم (1) وفي التبيان ومجمع البيان وروض الجنان أنه رواية أصحابنا، وفي فقه القرآن للراوندي أنه رواية بعض أصحابنا، وبذلك يجبر السند محتاج إلى جبر، وفي جمل العلم والعمل والمختلف والدروس أنه الكذب والسباب، واليه يرجع ما عن الحسن من أنه الكذب والبذاء واللفظ القبيح، وان كان قد جعل في ذيل صحيح معاوية (2) من جملة التفث الكلام القبيح كما ستسمعه، إلا أنه يمكن ارادة غير السب منه الذي هو فسوق ايضا، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (3): (إذا أحرمت فعليك بتقوى الله تعالى وذكر الله تعالى وقلة الكلام إلا بخير، فان تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلا من خير، كما قال الله تعالى، فان الله تعالى يقول: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فالرفث الجماع، والفسوق الكذب والسباب، والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله) مؤيدا، بما في الخبر (4) من أن سباب المسلم فسوق، بل لعل إليه يرجع ما في صحيح علي بن جعفر (5) عن اخيه (عليه السلام) من انه الكذب والمفاخرة، بناء على ان المفاخرة لا تنفك عن السباب، لانها انما تتم بذكر فضائل لنفسه وسلبها عن خصمه، وسلب رذائل عن نفسه وإثباتها لخصمه، وهو معنى السباب. وعن الجمل والعقود أنه الكذب على الله، وعن الغنية والمهذب والاصباح


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 96 الرقم 260 (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 - 1 - 4 (4) الوسائل - الباب - 158 - من ابواب أحكام العشرة - الحديث 3 وفيه " سباب المؤمن فسوق "

[ 357 ]

والاشارة انه الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله أو أحد الائمة (عليهم السلام) بل في الاول منها انه عندنا كذلك، وهو مع كونه منافيا لما سمعته من النصوص لم نعثر لهم على دليل سوى إشعار الاجماع المزبور المتحقق خلافه، وكونه المبطل للصوم لا يقتضي كونه المراد من الفسوق، وكذا ما عن التبيان من أن الاولى حمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها، وعن الراوندي في فقه القرآن متابعته، إذ هو كالاجتهاد في مقابلة النصوص المعتبرة والفتاوى، بل عن الشيخ انه غلط من خصه بما يحرم على المحرم لاحرامه ويحل له لو لم يكن محرما بأنه تخصيص بلا دليل، وما أدري ما السبب الداعي إلى الاعراض عن النصوص التي يمكن الجمع بينها بأنه عبارة عن جميع ما ذكر فيها من الكذب والسباب والمفاخرة على الوجه المحرم، بناء على أنها غير السباب الذي هو وان جعل في رواية الصافي (1) من الجدال، إلا انه يمكن وقوعه على وجوه، منها ان يجتمع فيه الجدالية، فلا مانع من ان يكون فسقا وجدالا بل وكذا المفاخرة التي جعلت من التفث في صحيح معاوية المفسر فيه الفسوق بالكذب والسباب، فانه بعد ذلك بفاصلة قال: واتق المفاخرة إلى آخر ما تسمعه إن شاء الله، إذ هي ايضا تارة تكون فسوقا إذا كانت علي وجه السب، وأخرى لا تكون كذلك، واحتمال تفسير الفسوق بها خاصة - مع انه لا قائل به وإن قيل: إنه حكاه الشهيد في بعض حواشيه - لا شاهد له، فان الصحيح المزبور لم يشتمل على تفسير الفسوق بها. ومن الغريب ما في المدارك من ان الجمع بين الصحيحتين يقتضي المصير إلى أن الفسوق هو الكذب خاصة، لاقتضاء الاولى نفي المفاخرة، والثانية نفي السباب


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 8 وهو رواية معاني الاخبار كما تقدم

[ 358 ]

ضرورة عدم كون ذلك جمعا، إذ هو طرح لكل منهما، والجمع ما ذكرناه من تحكيم منطوق كل منهما على مفهوم الاخرى، فيكون الفسوق عبارة عن الكذب والسباب والمفاخرة، وفيها ايضا بعد ان حكى الاجماع على تحريم الفسوق في الحج وغيره وان الاصل فيه الآية قال: ويتحقق الحج بالتلبس باحرامه، بل بالتلبس باحرام عمرة التمتع لدخولها في الحج، وفيه ان المستفاد من الفتاوى ومعاقد الاجماعات بل وبعض النصوص (1) كونه من محرمات الاحرام ولو للعمرة المفردة ولا منافاة بين الحرمة فيه وكونه محرما في نفسه، كما هو واضح. ثم ان الظاهر كونه كغيره من المحرمات فيه التي لا تقتضي فساده، فما عن المفيد من كون الكذب مفسدا للاحرام واضح الضعف، وان كان قد يستأنس له بملاحظة الصحيح (2) عن قول الله عزوجل (3): (وأتموا الحج والعمرة) قال: (إتمامهما أن لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ونحوه آخر (4) إلا ان من المعلوم عدم إرادة الفساد من عدم الاتمام، كما هو واضح. وعلى كل حال فلا كفارة فيه، لما رواه الحلبي ومحمد بن مسلم في الصحيح (5) (انهما قالا لابي عبد الله (عليه السلام): أرأيت إن ابتلى بالفسوق ما عليه ؟ قال: لم يجعل الله تعالى له حدا، يستغفر الله تعالى) ولكن قد سمعت ما عن فقه الرضا (عليه السلام) (6) وعن الحسن أنه لا كفارة في الفسوق سوى الكلام الطيب في الطواف والسعي، وفي ذيل صحيح معاوية بن عمار (7) المشتمل على تفسير


(1) و (2) و (4) و (7) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 6 - 1 - 5 (3) سورة البقرة - الآية 192 (5) الفقيه ج 2 ص 212 الرقم 986 (6) المستدرك - الباب - 2 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1

[ 359 ]

الفسوق بالكذب والسباب (واتق المفاخرة، وعليك بورع يحجزك عن المعاصي فان الله عزوجل (1) يقول: (ثم ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) قال أبو عبد الله (عليه السلام): من التفث أن تتكلم في إحرامك بكلام قبيح، فإذا دخلت مكة فطفت بالبيت تكلمت بكلام طيب، فان ذلك كفارة لذلك) الحديث، وقد سمعت صحيح علي بن جعفر (2) عن اخيه (عليه السلام) الذي ذكرناه في حرمة وطئ النساء، وكيف كان فلا فائدة مهمة في البحث عن المراد بالفسوق بعد القطع بتحريمه على جميع التفاسير، وعدم وجوب كفارة فيه سوى الاستغفار، وعدم بطلان الاحرام به إلا في النذر وأخويه ونحو ذلك من الامور النادرة، والله العالم. (والجدال) كتابا (3) وسنة (4) وإجماعا بقسميه (وهو) على ما في اكثر كتب الاصحاب أو جميعها واكثر النصوص التي تقدم جملة منها (قول لا والله وبلى والله) ومنها صحيح معاوية بن عمار (5) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يقول: لا لعمري وهو محرم فقال: ليس بالجدال، انما الجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله، واما قوله: لاها فانما طلب الاسم، وقوله: ياهناه فلا بأس به، وأما قوله لا بل شانيك فانه من قول الجاهلية) وفي صحيحه الآخر (6) عنه (عليه السلام) ايضا (والجدال هو قول الرجل: لا والله وبلى


(1) سورة الحج - الآية 30 (2) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 - 0 - 3 (3) سورة البقرة - الآية 193 (6) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 3

[ 360 ]

والله، واعلم أن الرجل إذا حلف بثلاث أيمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل، فعليه دم يهريقه ويتصدق به، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل، وعليه دم يهريقه ويتصدق به) الحديث. وفي صحيحه الآخر (1) (ان الرجل إذا حلف بثلاث أيمان ولاء في مقام واحد وهو محرم فقد جادل، وعليه حد الجدال دم يهريقه ويتصدق به) وفي صحيح ابن مسلم (2) عن الباقر (عليه السلام) (سألته عن الجدال في الحج فقال: إن زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم، فقيل له الذي يجادل وهو صادق فقال: عليه شاة، والكاذب عليه بقره) وفي صحيحه الاخر (3) وصحيح الحلبي (4) عنه عليه السلام ايضا (من ابتلى بالجدال ما عليه ؟ قال: إذا جادل يوما مرتين فعلى المصيب دم يهريقه شاه، وعلى المخطئ بقرة) ونحوه غيره، وفي خبر ابان بن عثمان (5) عن ابي بصير على ما في التهذيب قال: (إذا حلف الرجل ثلاث أيمان وهو صادق وهو محرم فعليه دم يهريقه، وإذا حلف يمينا واحدة كاذبا فقد جادل، فعليه دم يهريقه) ورواه في الكافي عن ابي بصير (6) عن أحدهما (عليهما السلام) (إذا حلف ثلاث أيمان متتابعات) إلى آخره، وخبر ابي بصير الآخر (7) عن ابى عبد الله (عليه السلام) (إذا جادل الرجل وهو محرم فكذب متعمدا فعليه جزور) وفي خبره (8) الثالث (سألته عن المحرم يريد ان يعمل العمل فيقول


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 5 - 6 - 2 - 2 - 7 - 4 - 9 والرابع عن الصادق عليه السلام (8) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 7

[ 361 ]

صاحبه: والله لا تعمله، فيقول: والله لاعملنه، فيحالفه مرارا أيلزمه ما يلزم صاحب الجدال ؟ قال: انما اراد بهذا اكرام اخيه، انما ذلك ما كان فيه معصية) وفي خبر يونس بن يعقوب (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يقول: لا والله وبلى والله وهو صادق عليه شئ قال: لا) إلى غير ذلك من النصوص المتفقة كالفتاوى على اعتبار اليمين في الجدال الذي لا ريب في تحققه عرفا بدونه ضرورة كونه الخصومة لا خصوص المتأكدة باليمين. ولكن في كشف اللثام وكأنه لا خلاف عندنا في اختصاص الحرمة بها، وحكى السيدان الاجماع عليه، ويؤيده مع ذلك أصالة البراءة من غيره، بل في الغنية والجدال وهو عندنا قول: لا والله وبلى والله بدليل اجماع الطائفة وطريقة الاحتياط، وقول المخالف: ليس في لغة العرب ان الجدال هو اليمين ليس بشئ، لانه ليس بممتنع أن يقتضي العرف الشرعي ما ليس في الوضع اللغوي كما تقوله في لفظ الغائط، بل ظاهر الاخير منها بل وسابقه اعتبار الكذب، أو كونه في معصية مع ذلك، فلو جادل صادقا لم يكن عليه شئ، مؤيدا ذلك بأصل البراءة وبنفي الضرر والحرج في الدين، وبأنه ربما وجب عقلا وشرعا، إلا ان عموم النص والفتوى وخصوص نص (2) الكفارة على الصادق بخلافه، ولعله لذا قال الجعفي على ما في الدروس: الجدال فاحشة إذا كان كاذبا أو في معصية، فإذا قاله مرتين فعليه شاة بل في القواعد وفي دفع الدعوى الكاذبة اي بالصيغتين اشكال، بل في كشف اللثام هو - اي عدم الحرمة - الاقوى، ولا ينافيه وجوب الكفارة، وفي الدروس (لو اضطر إلى اليمين لاثبات حق أو نفي باطل فالاقرب جوازه، وفي


(1) و (2) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 8 - 0

[ 362 ]

الكفارة تردد، اشبهه الانتفاء) وقال ابن الجنيد: (يعفى عن اليمين في طاعة الله وصلة الرحم ما لم يدأب في ذلك) وارتضاه الفاضل، وتبعه الكركي وثاني الشهيدين وسبطه وغيرهم. والانصاف عدم خلو ذلك عن إشكال أو منع عدم الوصول إلى حد الضرورة التي يباح لها مثله وخصوصا نفي الكفارة المصرح بخلافه في النصوص المعتبرة التي منها يستفاد عدم جوازه من حيث الجدال في الاحرام، لان الاصل فيها عدم وجوبها فيما لا معصية فيه، نعم قد يشك في ثبوتها مع الضرورة المزبورة مع احتماله، لانها من باب الاسباب، ولا ريب في انه احوط، وكذا الاشكال فيما في الدروس ايضا، فانه بعد ان حكى عن بعض الاصحاب تخصيص الجدال بهاتين الصيغتين قال: والقول بتعديتها إلى ما يسمى يمينا اشبه، ضرورة كونه بعد حمل المطلق في النصوص على المقيد كالاجتهاد في مقابلة النص الحاصر للجدال فيهما، والمصرح بعدم كون قول: لعمر الله ونحوه جدالا، والمعتضد بأصل البراءة ونحوه وبالفتاوى ومعقد الاجماع المزبور، ويقرب منه ما عن الانتصار وجمل العلم والعمل من انه الحلف بالله الذي هو اعم من الصيغتين، بل ربما ايد بعموم لفظ الجدال لكل ما كان في خصومة، واحتمال الحصر في الاخبار الاضافية والتفسير باللفظين التخصيص بالرد المؤكد بالحلف بالله لا بغيره، وقول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (1) المتقدم ونحوه، إلا ان الجميع كما ترى، ضرورة ظهور النص والفتوى ومعقد الجماع في اختصاص الجدال بما سمعت، ومجرد الاحتمال لا ينافي حجية الظهور، والمراد من اطلاق النصوص المزبورة اليمين التي هي جدال، وانما اطلقت لان المقصود فيها بيان ما يوجب الكفارة منها والفصل بين الصادقة والكاذبة


(1) الوسائل - الباب - 32 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3

[ 363 ]

وبذلك يظهر لك ما في الرياض فانه بعد ان ذكر عن الاكثر تفسيره بالصيغتين قال: (وفي الغنية الاجماع عليه، ولكن يحتمل رجوعه إلى تفسير الجدال بالخصومة المؤكدة باليمين بمثل الصيغتين لا اليهما، وعن المرتضى الاجماع عليه ايضا وبمثل ذلك يمكن الجواب عن الصحاح المستفيضة وغيرها المفسرة للجدال بهما بارادة الرد بذلك على من جعل الجدال مطلق الخصومة لا الخصومة المؤكدة باليمين ولو مطلقها، وربما يستفاد ذلك من الصحيح (1) (عن المحرم يريد العمل فيقول له صاحبه: والله لا تعمله) إلى آخره، فان تعليل نفي الجدال بذلك دون فقد الصيغتين اوضح شاهد على انه لولا ارادة الاكرام لثبت الجدال بمطلق والله كما هو فرض السؤال، وعلى هذا فيقوى القول بأنه مطلق الحلف بالله تعالى وما يسمى يمينا كما عليه الماتن هنا والشهيد في الدروس) إلى آخره، إذ قد سمعت عبارة الغنية التي يبعد فيها الاحتمال المزبور ان لم يكن ممتنعا، وعلى تقديره فهو احتمال لا يصلح للاستدلال على ما ذكره، والتعليل في الصحيح المزبور لا ينافي وجود علة اخرى، على انه قد فقد لفظ لا أو بلى، ويمكن عدم اعتبارها، فلا يثبت به مطلق ما يسمى يمينا، على انك قد سمعت ما في الغنية من كونه وضعا شرعيا، فلا يبعد اعتبار خصوصه، نعم لا يعتبر لفظ لا وبلى نحو قوله عليه السلام (2): (انما الطلاق انت طالق) فان صيغة القسم هو قول والله، واما لا وبلى فهو المقسوم عليه، فلا يعتبر خصوص اللفظين في مؤاده ولو بشهادة الصحيح المزبور، بل يكفي الفارسية ونحوها فيه وان لم تكف في لفظ الجلالة، فتأمل جيدا.


(1) الوسائل - الباب - 32 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 7 (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب مقدمات الطلاق - الحديث 3 من كتاب الطلاق

[ 364 ]

بل قد يشكل ما عن ظاهر الدروس والمنتهى والتذكرة من العموم لما يكون خصومة وغيره بعدم صدق الجدال بدونها، بل لعل قوله: لا والله وبلى والله اشارة إلى ذلك، فان المراد النفي من واحد والاثبات من آخر، ومن هنا جزم في الدروس بأنه لا كفارة في اللغو من ذلك، لانه كالساهي. ثم ان الظاهر عدم اعتبار وقوع الامرين في تحقق الجدال، فيكفي احدهما وفاقا لجماعة منهم الفاضل الاصبهاني حاكيا له عن المنتهى والتذكرة، بل قال: وبه قطع في التحرير، ولعله للصدق عرفا بعد معلومية ارادة ما ذكرناه منهما، لا ان قولهما معا من الواحد أو من الاثنين معتبر في الجدال، فتلخص مما ذكرنا كون الجدال الحلف بالله بالصيغة المخصوصة لا مطلق اليمين ولا غيرها، ولا مطلق الحلف بالله وان لم يكن بالصيغة المزبورة، وبقي الكلام في الكفارة ويأتي البحث عنها ان شاء الله، والله العالم. (وقتل هوام الجسد) ودوابه كما في النافع والقواعد وان كانت على ثوبه (حتى القمل) الذى على الاكثر النص عليه، والصئبان ونحوها مباشرة أو تسبيبا بالزيبق ونحوه، وفاقا للمشهور، نقلا في المدارك والذخيرة وان كنا لم نتحققها في العنوان المزبور، كما لم نتحققه في شئ مما وصل الينا من النصوص، نعم في صحيح حماد بن عيسى (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها قال: (يطعم مكانها طعاما) ونحوه صحيح ابن مسلم (2) عنه (عليه السلام ايضا، وستسمع ما في صحيح حريز (3) وغيره في


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 2 (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1

[ 365 ]

جواز إزالة الشعر للقمل، وقال هو (عليه السلام) ايضا في حسن ابن ابي العلاء (1): (في المحرم لا ينزع القملة من جسده ولا من ثوبه متعمدا، ومن فعل شيئا من ذلك خطأ فليطعم مكانها طعاما قبضة بيده) اللهم إلا ان يقال ان القتل اولى من الالقاء والنزع، وفي كشف اللثام (وإذا وجبت الكفارة بالقتل خطأ ففي العمد أولى) وفيه ان الموجود في نسخة معتبرة (وان فعل) بالعين المهملة، والامر سهل أو يستند إلى خبر ابي الجارود (2) المنجبر بالشهرة المزبورة سأل رجل ابا جعفر (عليه السلام) (عن رجل قتل قملة وهو محرم قال: بئسما صنع، قال: فما فداؤها ؟ قال: لا فداء لها) متمما بعدم القول بالفصل بينها وبين غيرها، واوضح منه صحيح زرارة (3) (سألته عن المحرم هل يحك رأسه أو يغتسل بالماء قال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة، ولا بأس بأن يغتسل بالماء ويصب على رأسه ما لم يكن ملبدا، فان كان ملبدا فلا يفيض على رأسه الماء إلا من الاحتلام) الظاهر في ارادة القمل ونحوه من الدابة فيه. ومنه حيئنذ يتجه الاستدلال بصحيح معاوية (4) عنه عليه السلام ايضا المحكي عن المقنع الفتوى بمضمونه، قال: (إذا احرمت فاتق قتل الدواب كلها إلا الافعى والعقرب والفأرة) مؤيدا ذلك كله بمنافاته لعدم الترفه المراد من المحرم الذي هو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 15 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 3 - 8 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 73 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 وذيله في الباب 75 منها الحديث 3 (4) الوسائل - الباب - 81 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 وفيه " ثم اتق " إلا أن الموجود في الكافي ج 4 ص 363 الطبع الحديث كما في الجواهر

[ 366 ]

اشعث اغبر، بل لعل ما عن النهاية والسرائر من انه لا يجوز قتل شئ من الدواب يشملها ايضا، وكذا ما عن الكافي (ان مما يجتنبه المحرم قتل شئ من الحيوان عدا الحية والعقرب والفأرة والغراب ما لم يخف شيئا منه) بل عن المبسوط (لا يجوز له قتل شئ من القمل والبراغيث وما اشبههما) ولكن مع ذلك كله جوز ابن حمزة قتل القمل إذا كان على البدن مع تحريم إلقائه عنه، ولعله للاصل وصحيح معاوية (1) سأل الصادق (عليه السلام) (ما تقول في محرم قتل قملة ؟ قال: لا شئ عليه في القمل، ولا ينبغي ان يتعمد قتلها) بناء على إرادة الكراهة من قوله: (لا ينبغي) فيه، مضافا إلى عموم لا شئ فيه للعقاب ايضا، وصحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا (لا بأس بقتل القملة في الحرم وغيره) ومرسل ابن فضال (3) (لا بأس بقتل البرغوث والقملة والبقة في الحرم) بعد منع اولوية القتل من الالقاء المصرح به في النصوص المزبورة، وعلى تقديرها فهي معارضة بالنصوص المزبورة التي مقتضاها جواز الالقاء بطريق اولى، خصوصا بعد ما في خبر مرة مولى خالد (4) انه سأل الصادق (عليه السلام) (عن المحرم يلقي القملة فقال: القوها ابعدها الله غير محمودة ولا مفقودة) وظهور الصحيح الاخير في كون المستثنى منه من جنس المستثنى، فلا يشمل محل النزاع كل ذلك مضافا إلى موافقة نصوص الحرمة للعامة بخلاف نصوص الجواز. وفيه أن الاصل مقطوع بظاهر خبر ابي الجارود وصحيح زرارة المنجبر سند أولهما بما عرفت، بل لهما يتعين حمل (لا ينبغي) في الصحيح الاول على إرادة الحرمة، وإرادة عدم الكفارة، من لا شئ فيه بناء على استحبابها، كما ان لهما


(1) و (4) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 6 (2) و (3) الوسائل - الباب - 84 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 4

[ 367 ]

ايضا ينبغي تخصيص الآخر والمرسل بغير المحرم، خصوصا بعد معلومية شذوذ خلاف ابن حمزة الذي قد سمعت اشتراطه الجواز بما إذا كان على البدن، مع أن مقتضى النصوص المزبورة الجواز مطلقا فهي ايضا شاذة لا عامل بها على اطلاقها كما أن قوله: (شاذ) لا مستند له بخصوصه، والاولوية المزبورة واضحة الوجه ضرورة عدم النهي عن الالقاء إلا للتعريض لتلفها، أو لاقتضائه الترفه أو لنحو ذلك مما هو متحقق في القتل، ولا ينافيها الفرق في الكفارة إن قلنا به، كوضوح منع المعارضة المزبورة، خصوصا بعد ظهور اتفاق الاصحاب على حرمة الالقاء، بل عن ابن زهرة نفي الخلاف عنه، مضافا إلى النصوص السابقة المصرحة بذلك وبوجوب الفداء، والآتية على وجه لا يعارضها الخبر المزبور المحتمل لصورة الايذاء، بل قيل يمكن أن يكون ألفوها بالفاء من الالفة اي لا تلقوها وان كان بعيدا، ودعوى ظهور كون المستثنى منه بجنس المستثنى على وجه يقتضي تخصيص العام واضحة المنع ايضا خصوصا بعدما عرفت من اطلاق الدابة في الصحيح الآخر على ما يشمل القمل، والخلاف للعامة لا يجدي في مقابلة عمل الخاصة. وبذلك يظهر لك حرمة قتل القمل وإلقائه، واقتصار جماعة من القدماء على الثاني لا يقتضي إباحتهم الاول، بل يمكن اكتفاؤهم بذكره عنه، بل الظاهر إلحاق غيره به لمفهوم صحيح زرارة السابق وغيره في القتل، أما الالقاء فقد يشكل إن لم يفهم بالفحوى منه بما تسمعه من النص الصريح في جوازه عموما (1) في الدواب وخصوصا (2) في بعضها، اللهم إلا ان يقال إن حرمة إلقاء القمل لانها من الجسد كما تسمع التصريح به في صحيح معاوية (3) وغيره، وغالب هوام الجسد كذلك،


(1) و (3) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 79 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 368 ]

لكن قد يتوقف في الصؤاب الذي هو بيض القمل باعتبار أنه ليس دابة، اللهم إلا أن يقال إنه من التابع للقمل في كونه من الجسد. نعم يقوى عدم كون البرغوث منها، خلافا لبعضهم، وعن القاضي حرمة قتله والبق وما أشبهه ذلك إذا كان في الحرم، وجوزه في غيره، وعن ابن زهرة يحرم عليه أن يقتل شيئا من الجراد والزنابير مع الاختيار، فأما البق والبراغيث فلا بأس أن يقتل في غير الحرم، وعن ابن سعيد لا يقتل المحرم البق والبرغوث في الحرم، ولا بأس به في الحل، مع اطلاقه قبل ذلك حرمة قتل القمل والبرغوث عليه ولعل الاقوى حل قتله مع قصده إياه أو إيذائه له كما دل عليه خبر زرارة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) (سألته عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا اراده قال: نعم) وعن نسخة (إذا رآه) والصحيح (2) المروي عن آخر السرائر (عن المحرم يقتل البقة والبرغوث إذا آذاه قال: نعم) أما إذا لم يؤذه فالاحوط ان لم يكن اقوى عدم قتله، وخصوصا إذا كان في الحرم، للعموم في الصحيح السابق الذي لا يقاومه المرسل المزبور على وجه يخصص به. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه (يجوز نقله) اي هوام الجسد من القمل ونحوه (من مكان إلى آخر من جسده) مساو للاول أو أحرز منه، للاصل وقول الصادق عليه السلام في الصحيح (3): (المحرم يلقي عنه الدواب كلها إلا القملة فانها من جسده، فإذا اراد أن يحوله من مكان إلى مكان فلا يضره) بل مقتضى اطلاقه عدم اشتراط كون المنقول إليه كالمنقول عنه أو احرز كما صرح


(1) الوسائل - الباب - 79 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) و (3) الوسائل - الباب - 78 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 7 - 5

[ 369 ]

به بعضهم، وان كان هو احوط، نعم قد يقال باعتبار تحويله إلى مكان غير معرض فيه للسقوط، لانه في معنى الالقاء، والله العالم. (و) كذا (يجوز إلقاء القراد والحلم) بفتح الحاء واللام جمع حلمة كذلك، وهو القراد العظيم كما عن الجوهري، وفي كشف اللثام عن الاصمعي اول ما يكون القراد يكون قمقاما، ثم جمنانا، ثم قرادا، ثم حلما، ولكن ستسمع ما في الخبر من المنافاة لذلك. وعلى كل حال فيجوز إلقاؤهما عن نفسه بلا خلاف ولا إشكال، للاصل بعد ان لم يكونا من هوام الجسد للصحيح السابق وصحيح ابن سنان (1) سأل الصادق عليه السلام (أرأيت إن وجدت علي قرادا أو حلمة اطرحهما فقال: نعم وصغار لهما، أنهما رقيا في غير مرقاهما). بل وعن بعيره في القراد كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا للاصل والاخبار الكثيرة التي لا معارض لها، منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): (إن ألقى المحرم القراد عن بعيره فلا بأس، ولا يلقي الحلمة) وفي حسن حريز (3) (ان القراد ليس من البعير، والحلمة من البعير بمنزلة القملة من جسدك فلا تلقها، والق القراد) وخبر عمر بن يزيد (4) قال: (لا بأس أن تنزع القراد عن بعيرك ولا ترم الحملة) ومنها يستفاد عدم جواز إلقاء الحلمة كما عن الشيخ وجماعة، خلافا للمحكي عن الاكثر فيجوز، للاصل المقطوع بما عرفت، والصحيح الاول الظاهر في النفس، بل قيل ظاهر التعليل فيه يقتضي المنع


(1) الوسائل - الباب - 79 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 80 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2 - 4

[ 370 ]

عنه في البعير، بل في الرياض وربما يستفاد منه المنع عن إلقاء كل ما يرقى في الجسد من نحو البرغوث، ولعله المراد عن هوام الجسد في نحو المتن، فيتضح له المستند ولا يضر تخالف حكم المتن والنص في الاطراح والقتل، لاحتمال التعدي من أحدهما إلى الآخر بفحوى الخطاب كما صرح به جمع، وفيه أن المراد من التعليل عدم اعتياد الجسد لذلك غالبا، بخلاف القمل ونحوه، فلا وجه حيئنذ لاستفادة كون البرغوث ايضا من هوام الجسد باعتبار كونه يرقى، وإلا لكان البق منه ايضا، فلا ريب في خروج البرغوث عن ذلك كما عرفت الكلام فيه. نعم قد يظهر من تعليل الفرق بين القراد والحلمة عدم إلقاء ما يتكون من الجسد وإن كان لم يظهر لنا وجه الحكمة فيه، لكن أبا عبد الرحمن (1) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم يعالج دبر الجمل فقال: يلقي عنه الدواب ولا يدميه) ويمكن حمله على صورة المعالجة وخوف الضرر من البقاء، كما يمكن حمل كلام الاكثر على الحلم الذي هو من القراد، لاطلاق الادلة، لا المتكون من جسد البعير الذي قد صرحت به النصوص المزبورة، والله العالم. (ويحرم لبس الخاتم للزينة) كما قطع به الاكثر على ما في كشف اللثام بل في الذخيرة في شرح قوله في الارشاد: (ولبس الخاتم للزينة لا للسنة) قال: لا اعرف خلافا بين الاصحاب في الحكمين المذكورين وان كان فيه ما ستعرف، لخبر مسمع (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (سألته أيلبس المحرم الخاتم ؟ قال: لا يلبسه للزينة) المنجبر بما عرفت، والمعتضد بالتعليل في صحيحي حماد (3) وحريز (4)


(1) الوسائل - الباب - 80 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 (3) الوسائل - الباب - 34 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4

[ 371 ]

المتقدمين سابقا في الاكتحال بالسواد والنظر في المرآة، وبالمرسل (1) في الكافي (لا يلبسه للزينة) وبما ورد من كون الحاج اشعث اغبر وغير ذلك مما يدل على عدم الترفه للحاج المنافي للزينة. (نعم) لا خلاف أجده في أنه (يجوز لغير الزينة كالسنة) ونحوها للاصل والمفهوم السابق، واطلاق قول ابي الحسن عليه السلام في خبر نجيح (2): (لا بأس بلبس الخاتم للمحرم) المقتصر في تقييده على خصوص ما كان للزينة، بل في صحيح ابن بزيع (3) (رأيت العبد الصالح عليه السلام وهو محرم وعليه خاتم وهو يطوف طواف الفريضة) الذي ينبغي حمله على غير الزينة، وعلى كل حال فلا ريب في أن ذلك اولى من احتمال الجمع بين النصوص بالكراهة كما هو خيرة المصنف في النافع، بل هو المحكي عن الجامع ايضا من وجوه، منها الموافقة للشهرة بين الاصحاب، هذا، وفي الذخيرة الظاهر أن المرجع في التفرقة بين ما كان للسنة أو للزينة إلى القصد كما قاله جماعة من الاصحاب، إذ ليس هاهنا هيئة تختص باحداهما دون الاخرى، ونحوه في المسالك وحاشية الكركي، ولا بأس به، ولا ينافي ذلك تعليل الكحل المقتضي حرمة كل زينة وإن لم تكن مقصودة بعد تخصيصه بالمفروض لقوة دلالته وانجباره بفتوى الاصحاب، نعم يمكن دعوى الحرمة في المشترك مع قصد الزينة وإن قصد معها غيرها على وجه الضم، بل وعلى وجه الاستقلالية ايضا، اما إذا كانا معا العلة فقد يقال بالجواز، للاصل بعد عدم صدق اللبس للزينة، والله العالم. (ولبس المرأة الحلي) ولو المعتاد (للزينة) كما صرح به غير واحد،


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 46 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 1 - 3

[ 372 ]

بل لعله المشهور، بل في المدارك نفي الاشكال فيه. ولعله للمفهوم السابق المعتضد بما سمعت وبمفهوم صحيح ابن مسلم (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (المحرمة تلبس الحلي كله إلا حليا مشهورا للزينة) وحسن الكاهلي (2) عنه (عليه السلام) ايضا (تلبس المرأة المحرمة الحلي كله إلا القرط المشهور والقلادة المشهورة) بناء على أن الزينة لا تكون إلا بالمشهور اي الظاهر، وإلا اشكل الاستدلال بهما على تمام المقصود، بل الاولى منافية له، ضرورة اقتضائها التقييد للمقيد فيكون الممنوع خصوص المشهور للزينة لا غيره، إلا أنه يسهل الخطب عدم قائل بذلك، فوجب حمله على مالا ينافي مادل على تحريمه مطلقا للزينة، معتضدا - مضافا إلى ما عرفت - بخبر النضر بن سويد (3) عن ابي الحسن (عليه السلام) (سألته عن المرأة المحرمة اي شئ تلبس من الثياب ؟ قال: تلبس الثياب كلها إلا المصبوغة بالزعفران والورس، ولا تلبس القفازين، ولا حليا تتزين به لزوجها، ولا تكتحل إلا من علة، ولا تمس طيبا، ولا تلبس حليا ولا فرندا، ولا بأس بالعلم في الثوب) وبغير ذلك. (و) أما عدم لبسها (ما لم يعتد لبسه منه) ففي المتن (على الاولى) ولعله يرجع إلى ما في النافع ومحكي الاقتصاد والاستبصار والتهذيب والجمل والعقود والجامع من أنه مكروه، وفي القواعد وعن النهاية والمبسوط والسرائر الحرمة، بل في المسالك أنه المشهور، لمفهوم قول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (4): (إذا كان للمرأة حلي لم تحدثه للاحرام لم ينزع عنها) وقوله (عليه السلام) في حسن الحلبي (5): (المحرمة لا تلبس الحلي ولا المصبغات إلا صبغا لا يردع)


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 - 6 - 3 - 9 - 2

[ 373 ]

كاطلاق قول ابي الحسن (عليه السلام) في خبر النضر: (لا تلبس حليا) وما عساه يشعر به صحيح ابن الحجاج الآتي (1). ولعل الكراهة مع فرض عدم قصد الزينة للاصل وإطلاق ما دل على جواز لبسها الحلي، وخصوص خبر مصدق بن صدقة (2): (تلبس المحرمة الخاتم من ذهب) وصحيح يعقوب بن شعيب (3) (تلبس المسك والخلخالين) سيما بعد انسياق قصد الزينة في غير المعتاد من مفهوم الاول وما تسمعه من كراهة المصبغات في الثاني، ولعل التحقيق حرمته عليها إذا كان زينة عرفا وإن لم تقصده، لما سمعته من مفهوم تعليل الكحل والمرآة، ولا ينافيه قوله (عليه السلام) (4): (تتزين به لزوجها) بناء على ظهوره في القصد، إذ هو بعد تسليمه يكون احد الافراد، ولا مفهوم له معتد به يصلح للمعارضة، وحينئذ يكون المحرم عليها كلما قصدت به الزينة حال الاحرام ولو المعتاد، وكلما كان زينة في نفسه وان لم تقصده. (و) كيف كان ف‍ (لا بأس بما كان معتادا لها) ولم تقصد به الزينة بلا خلاف اجده فيه، بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، وفي صحيح ابن الحجاج (5) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المرأة يكون عليها الحلي والخلخال والمسكة والقرطان من الذهب والورق تحرم فيه وهو عليها وقد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها أتنزعه إذا احرمت أو تتركه على حاله ؟ قال: تحرم فيه وتلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها ومسيرها) و (لكن) يدل على أنه (يحرم عليها إظهاره لزوجها) كما هو صريح الفاضل وظاهر المحكي عن الشيخ والحلي، ولعله


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 49 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 5 - 7 - 3 - 1 والثاني عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى

[ 374 ]

لما سمعته في خبر النضر، إلا انه لا ينافي إطلاق الصحيح المزبور الشامل له ولغيره من الرجال ولو الخادم، ولا بأس به وان كان هو محرما قبل الاحرام، نعم هو دال على عدم البأس في احرامها بما كانت لابسة له وان كان من الزينة، إلا أن الممنوع بمقتضى صحيح حريز السابق إحداث الزينة في حال الاحرام لا الاحرام حالها، وكونه كذلك في غيره من الموانع لا يقتضي كونه كذلك هنا بعد النصوص المزبورة التي لا ينافيها تعليل الكحل ايضا الذي هو إحداث زينة ايضا بل ولا صحيح ابن مسلم وحسن الكاهلي الذين يمكن ارادة التزين بما تلبسه من الحلي لزوجها من الشهرة فيهما لا نفس لبس الحلي وان لم تحصل به زينة، لستره مثلا بشئ أو غيره، وعلى كل حال يكون الحاصل حرمة إحداث الزينة لها حال الاحرام وحرمة إظهار ما كانت متزينة به قبل الاحرام للرجال في مركبها ومسيرها، وربما يرجع إلى ذلك ما في اللمعة، قال: (والتختم للزينة ولبس المرأة ما لم تعتده من الحلي وإظهار المعتاد منه للزوج) فتأمل جيدا فان المسألة في غاية التشويش في كلامهم، والله العالم. (واستعمال دهن فيه طيب) فانه (محرم بعد الاحرام) بلا خلاف ولا إشكال بل في المنتهى اجمع علماؤنا على انه يحرم الادهان في حال الاحرام بالادهان الطيبة كدهن الورد والبان والزبيق، وهو قول عامة اهل العلم، وتجب له الفدية اجماعا ويمكن حمل كلام المصنف وغيره على ارادة الادهان مما ذكروه من الاستعمال، خصوصا بعد اقتصار النصوص هنا على الادهان، فيبقى الشم حينئذ خارجا من البحث هنا، وحينئذ فالبحث فيه على ما عرفت سابقا من عموم الطيب وخصومه ويحتمل خروج الادهان كما اشرنا إليه سابقا، ولعل الاول اولى. (و) على كل حال فلا إشكال كما لا خلاف في حرمة الادهان به بعده بل أو (قبله إذا كان ريحه يبقى إلى الاحرام) كما في القواعد ومحكي النهاية والسرائر

[ 375 ]

بل في المدارك نسبته إلى الاكثر، لحرمة الطيب للمحرم ابتداء واستدامة، ولقول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي وصحيحه (1): (لا تدهن حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك ولا عنبر من اجل أن رائحته تبقى في رأسك بعدما تحرم، وادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم، فإذا احرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل) وخبر علي بن ابي حمزة (2) (سألته عن الرجل يدهن بدهن فيه طيب وهو يريد أن يحرم فقال: لا تدهن حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك، ولا عنبر يبقى ريحه في رأسك بعدما تحرم، وادهن بما شئت حين تريد أن تحرم قبل الغسل وبعده، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل) خلافا للمحكي عن الجمل والعقود والوسيلة والمهذب من الكراهة، لجوازه ما دام محلا، غايته وجوب الازالة فورا بعد الاحرام، وهو كالاجتهاد في مقابلة النص. نعم لا بأس بغير المطيب قبل الاحرام، بل عن التذكرة الاجماع عليه، بل ولا به إذا لم تبق رائحته للاصل والنصوص، بل ظاهرها كالفتاوى عدم الفرق بين ما تبقى عينه وغيره، فما عن بعضهم من احتمال المنع في الاول قياسا على المطيب واضح الضعف، ثم لا يخفى عليك أن تحريم الادهان بالمطيب الذي يبقى أثره انما يتحقق مع وجوب الاحرام وتضيق وقته، وإلا لم يكن الادهان محرما وان حرم انشاء الاحرام قبل زوال أثره كما هو واضح. (وكذا) لا يجوز للمحرم الادهان ب‍ (ما ليس بمطيب) من الدهن (اختيارا بعد الاحرام) وفاقا للمشهور، بل عن ظاهر الخلاف الاجماع عليه، لما سمعته من النهي عنه في النصوص المزبورة، مضافا إلى ما تقدم سابقا من قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (3): (لا تمس شيئا من الطيب وانت


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 29 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 1 - 2

[ 376 ]

محرم ولا من الدهن) وغيره من كون الحاج اشعث اغبر ونحوه خلافا لصريح المفيد وظاهر المحكي عن الجمل والعقود والكافي والمراسم للاصل المقطوع بما سمعت وصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) (سألته عن محرم تشققت يداه فقال: يدهنهما بزيت أو بسمن أو إهالة) وصحيح هشام (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (إذا خرج بالمحرم الجراح أو الدمل فليبطه وليداوه بسمن أو زيت) الظاهرين في حال الاضطرار الذي اشار إليه المصنف بقوله: (ويجوز اضطرارا) بل لا اجد فيه خلافا بل الاجماع بقسميه عليه، ولما نص من الاخبار على جواز الادهان بعد الغسل قبل الاحرام، كصحيح الحسين بن ابي العلاء (3) سأل الصادق (عليه السلام) (عن الرجل المحرم يدهن بعد الغسل قال: نعم، قال: فادهنا عنده بسليخة بان، وذكر أن اباه كان يدهن بعد أن يغتسل للاحرام، وأنه يدهن بالدهن ما لم يكن فيه غالية أو دهنا فيه مسك أو عنبر) وصحيح هشام (4) سأله (عليه السلام) (عن الدهن بعد الغسل للاحرام فقال: قبل وبعد ومع ليس به بأس) بناء على كون الظاهر بقاؤه عليه إلى الاحرام وتساوي الابتداء والاستدامة، وهما ممنوعان، نعم قد تستفاد الكراهة من صحيح ابن مسلم (5) قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لا بأس بأن يدهن الرجل قبل أن يغتسل للاحرام وبعده، وكان يكره الدهن الخاثر الذي يبقى)). هذا كله في الادهان بغير المطيب، أما أكله فلا إشكال في جوازه اختيارا


(1) و (2) الوسائل - الباب - 31 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 1 (3) و (4) و (5) الوسائل - الباب - 30 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 - 6 - 3

[ 377 ]

للاصل، بل الاجماع بقسميه، ولا فدية بالادهان به وإن أثم للاصل، بخلاف المطيب فتجب وإن اضطر إليه على ما ذكره الفاضل وغيره، بل قد سمعت دعوى الاجماع منه على أصل وجوبها، لصحيح معاوية (1) (في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج قال: إن كان فعله بجهالة فعليه إطعام مسكين، وإن كان تعمدا فعليه دم شاة) ويأتي إن شاء الله تمام الكلام فيه. (وإزالة الشعر قليله وكثيره) حتى الشعرة ونصفها عن الرأس واللحية أو الابط أو غيرها بالحلق أو القص أو النتف أو النورة أو غيرها بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في التذكرة والمنتهى إجماع العلماء، مضافا إلى كون بعض أفراده ترفها، والى قوله تعالى (2): (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) والى مفهوم قوله تعالى (3) ايضا: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) والى قول ابي جعفر عليه السلام في صحيح زرارة (4): (من حلق أو نتف ابطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم) ونحوه صحيحه الآخر (5) عنه عليه السلام ايضا، والصادق عليه السلام في صحيح حريز (6) (إذا نتف الرجل ابطيه بعد الاحرام فعليه دم) وفي حسن الحلبي (7) (ان نتف المحرم من شعر لحيته وغيرها شيئا


(1) الوسائل - الباب - 4 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 5 (2) و (3) سورة البقرة - الآية 192 (4) و (5) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث - 6 (6) الوسائل - الباب - 11 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1 (7) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 9

[ 378 ]

فعليه أن يطعم مسكينا في يده) بناء على اقتضاء وجوب الفدية الاثم بالفعل، وفي صحيح معاوية (1) (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المحرم كيف يحك رأسه ؟ قال: بأظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر) وفي صحيح الحلبي (2) (سألته عليه السلام ايضا عن المحرم يحتجم قال: لا إلا أن لا يجد بدا فليحتجم ولا يحلق مكان المحاجم) وفي خبر عمر بن يزيد (3) عنه عليه السلام ايضا (لا بأس يحك الرأس واللحية ما لم يلق الشعر، ويحك الجسد ما لم يدمه). (و) غير ذلك من النصوص، نعم (مع الضرورة) من أذية قمل أو قروح أو صداع أو حر أو غير ذلك (لا إثم) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الاصل وعموم ادلتها والى نفي العسر والحرج والضرر والضرار والآية (4) وصحيح حريز (5) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وآله على كعب بن عجرة الانصاري والقمل يتناثر من رأسه فقال: أتؤذيك هوامك ؟ فقال: نعم، فنزلت الآية، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بحلق رأسه وجعل عليه الصيام ثلاثة ايام، والصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين مدان، والنسك شاة - وقال أبو عبد الله عليه السلام -: وكل شئ في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، وكل شئ في القرآن فان لم يجد كذا فعليه كذا فالاول الخيار) اي هو المختار، وما بعده عوض عنه مع عدم إمكانه، وفي الفقيه (6)


(1) و (3) الوسائل - الباب - 73 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 2 (2) الوسائل - الباب - 62 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (4) سورة البقرة - الآية 192 (5) و (6) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 1 - 4

[ 379 ]

(مر النبي صلى الله عليه وآله على كعب بن عجرة الانصاري وهو محرم وقد أكل القمل رأسه وحاجبيه وعينيه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كنت أرى أن الامر يبلغ ما ارى فأمره فنسك عنه نسكا، وحلق رأسه يقول الله تعالى: (فمن كان منكم) الآية فالصيام ثلاثة ايام، والصدقة على ستة مساكين، لكل مسكين صاع من تمر، والنسك شاة لا يطعم منها أحدا إلا المساكين) وخبر عمر بن يزيد (1) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: (قال الله تعالى في كتابه: (فمن كان منكم) الآية، فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى بما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة ايام، والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم، وانما عليه واحد من ذلك) إلى غير ذلك من النصوص. لكن في المنتهى لو كان له عذر من مرض أو وقع في رأسه قمل أو غير ذلك من أنواع الاذى جاز له الحلق اجماعا للآية وللاحاديث السابقة، ثم ينظر فان كان الضرر اللاحق به من نفس الشعر فلا فدية عليه، كما لو نبت في عينيه أو نزل شعر حاجبيه بحيث يمنعه الابصار، لان الشعر أضر به، فكان له إزالة ضرره كالصيد إذا صال عليه، وإن كان الاذى من غير الشعر لكن لا يتمكن من إزالة الاذى إلا بحلق الشعر كالقمل والقروح برأسه والصداع من الحر بكثرة الشعر وجبت الفدية، لانه قطع الشعر لازالة ضرره عنه، فصار كما لو أكل الصيد للمخمصة، لا يقال القمل من ضرر الشعر، والحر سببه كثرة الشعر، فكان الضرر منه ايضا لانا نقول: ليس القمل من الشعر، وانما لا يمكنه القيام إلا بالرأس ذي الشعر، فهو محله لا سبب، وكذلك الحر من الزمان، لان الشعر يوجد في البرد ولا يتأذى به، فقد ظهر أن الاذى في هذين النوعين ليسا من الشعر.


(1) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 2

[ 380 ]

وفي الدروس (لو نبت في عينه شعر أو طال حاجبه فغطى عينه فأزاله فلا فدية، ولو تأذى بكثرة الشعر في الحر فأزاله فدى، والفرق لحوق الضرر من الشعر في الاول، ومن الزمان في الثاني، وفي إزالته لدفع القمل الفدية، لانه محل المؤذي لا مؤذ) وفي كشف اللثام بعد أن ذكر جواز الازالة للضرورة قال: ولكن لا يسقط بشئ من ذلك الفدية للنصوص إلا في الشعر الثابت في العين والحاجب الذي طال فغطى العين، ففي المنتهى والتحرير والتذكرة والدروس أن لا فدية لازالتهما، لان الضرر بنفس الشعر، فهو كالصيد الصائل، هذا، ولكن في المدارك بعد أن حكى ما سمعته من المنتهى قال: وهو غير واضح، والمتجه لزوم الفدية إذا كانت الازالة بسبب المرض أو الاذى الحاصل في الرأس مطلقا، لاطلاق الآية (1) الشريفة دون ما عدا ذلك، لان الضرورة مسوغة لازالته، والفدية منتفية بالاصل، ونوقش بأن مورد الاخبار الموجبة لجواز الحلق مع الضرورة انما هو التضرر بالقمل أو الصداع كما في رواية المحصر (2) وعليه يحمل اطلاق الآية ويبقى ما عداه خارجا عن محل البحث، ويدفع بأن أخصية المورد لا توجب تقييد المطلق، لعدم التعارض بينهما بوجه، وفي الرياض نعم يمكن الجواب عن الاطلاق بعدم عموم فيه يشمل غير المورد، لعدم انصرافه بحكم الغلبة إليه، فتدبر، ولعله اشار بالتدبر إلى إمكان منع عدم الانصراف، ضرورة صدق الاذى على الجميع، بل لعل الظاهر عدم الفرق بين الرأس وغيره من الاعضاء، بل قد سمعت ما في خبر عمر بن يزيد (3) الشامل للرأس وغيره، انما الكلام فيما ذكره الفاضل والشهيد


(1) سورة البقرة - الآية 192 (2) الوسائل - الباب - 5 - من ابواب الاحصار والصد (3) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 2

[ 381 ]

من عدم الفدية بالضرر الناشئ من نفس الشعر، ولعل القول بوجوبها ايضا اقوى لصدق الاذى، وخصوصا إذا كان حاصلا بنفس نبات الشعر كما يتفق لبعض الامزجة، فتأمل جيدا. ولو قطع عضوا مثلا كان عليه شعر أو ظفر لم يتعلق بزوالهما شئ كما في التذكرة والمنتهى، لخروجه عن مفهوم إزالتهما عرفا فضلا عن القص والقلم والحلق والنتف، وما ثبت في القصاص من صدق قطع الاصبع بقطع الكف أو بعضه فلدليله فما في الدروس - من التردد فيه لقوله: لو قلع جلدة عليها شعر قيل لا يضمن في غير محله. ثم إن الظاهر عدم الخلاف بل ولا إشكال في عدم جواز إزالة المحرم شعر محرم غيره بل في المدارك الاجماع عليه، ولعله كذلك، مضافا إلى ما يفهم من الادلة من عدم جواز وقوع ذلك من اي مباشر كان، والظاهر أن مثله قتل الهوام أما شعر المحل فعن الشيخ في الخلاف جوازه، ولا ضمان للاصل، وعن التهذيب لا يجوز له ذلك، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (لا يأخذ الحرام من شعر الحلال) ولعله الاقوى، نعم قد يشك في الفدية التي مقتضى الاصل عدمها بعد ظهور الادلة في غير ذلك. ثم إن الظاهر كون المحرم الازالة المستفادة من الحلق والنتف ونحوهما، فلا بأس بالحك الذي لم يعلم ترتبها عليه، ولا قصدها به، ووجوب الفداء على الشعرة الساقطة بمس اللحية إن قلنا به كوجوبها على الناسي والغافل عند القائل به ولعل قوله عليه السلام: (لا بأس بالحك ما لم يدم أو يقطع الشعر) ظاهر فيما ذكرنا،


(1) الوسائل - الباب - 63 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 وفيه " لا يأخذ المحرم. الخ "

[ 382 ]

وحينئذ فلا بأس بالتشريح الذي لا طمأنينة بحصول القطع معه وان اتفق، إلا أن الاولى والاحوط اجتنابه، خصوصا مع كونه ترفها منافيا للاحرام وغالب السقوط، فالاولي تمييزه بيده كما ورد (1) في الرأس، ولو سقطت شعرة بمماسة اللحية مثلا وعلم كونها منسلة فلا شئ، ولو شك في كونها نابتة أو لا ففي الدروس الاقرب الفدية، وفيه نظر للاصل، هذا، ويأتي إن شاء الله تمام البحث في أطراف المسألة في الكفارات، والله العالم. (وتغطية) الرجل (الرأس) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن التذكرة والمنتهى إجماع العلماء عليه، بل النصوص فيه مستفيضة حد الاستفاضة إن لم تكن متواترة، منها قول ابي جعفر (عليه السلام) في خبر القداح (2): (إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه) والصادق عليه السلام في حسن عبد الله بن ميمون (3) (المحرمة لا تتنقب، لان إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه) وصحيح ابن الحجاج (4) (سألت ابا الحسن عليه السلام عن المحرم يجد البرد في أذنيه يغطيهما قال: لا) وصحيح ابن سنان (5) (سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول لابي وشكا إليه حر الشمس وهو محرم وهو يتأذى به وقال: أترى أن أستتر بطرف ثوبي قال: لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك) وصحيح زرارة (6) (قلت لابي جعفر (عليه السلام): الرجل المحرم يريد أن ينام يغطي


(1) الوسائل - الباب - 75 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (5) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 (6) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 383 ]

وجهه من الذباب قال: نعم ولا يخمر رأسه، والمرأة المحرمة لا بأس أن تغطي وجهها كله) وصحيح حريز (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن محرم غطى رأسه ناسيا قال: يلقي القناع عن رأسه ويلبي ولا شئ عليه) وغير ذلك من النصوص الظاهر بعضها في عدم الفرق بين الكل والبعض كما صرح به الفاضل والشهيد وغيرهما، نعم لا بأس بعصام القربة اختيارا كما صرح به غير واحد، بل لا اجد فيه خلافا، لصحيح ابن مسلم (2) سأل الصادق (عليه السلام) (عن المحرم يضع عصام القربة على رأسه إذا استسقى قال: نعم) وكذا عصابة الصداع لقول الصادق (عليه السلام) ايضا في صحيح معاوية (3): (لا بأس أن يعصب المحرم رأسه من الصداع) ونحوه حسن يعقوب بن شعيب (4) بل في كشف اللثام عمل بهما اي صحيحي العصابتين الاصحاب، ففي المقنع تجويز عصابة القربة، وفي التهذيب والنهاية والمبسوط والسرائر والجامع والتذكرة والتحرير والمنتهى تجويز التعصيب لحاجة، وأطلق ابن حمزه التعصيب، وان كان قد يناقش بعدم دليل على التعميم المزبور، بل ظاهر قوله (عليه السلام): (لا بأس ما لم يصب رأسك) خلافه، إلا أن يدعى ذلك في خصوص التعصيب، ولكن إن لم يصل إلى حد الضرورة فيه منع واضح. نعم ربما ظهر من التذكرة والمنتهى التردد في الاذنين، لكن في التحرير الوجه دخولهما، ولعله لصحيح ابن الحجاج السابق إن لم نقل إن الرأس اسم للعضو المخصوص كاليد، وإن اختص بعد أجزائه باسم آخر، وإلا كان خبر


(1) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 57 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) و (4) الوسائل - الباب - 70 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 - 2

[ 384 ]

الاذن (1) مؤكدا للدخول، ودعوى أن المراد به هنا منابت الشعر حقيقة أو حكما لا دليل عليها، بل ظاهر الادلة خلافها، وإن استوجهها ثاني الشهيدين وفرع عليها خروج الاذنين، بل في المدارك حكايتها عن جمع من الاصحاب، لكن قد عرفت تصريح النص بخلافها، فلا يقدح حينئذ شهادة قوله (عليه السلام): (إحرام المرأة في وجهها، والرجل في رأسه) أو العرف أو غير ذلك، فان جميع ذلك لا يعارض النص الصريح، نعم يجدي تحقيق ذلك بالنسبة إلى غيرهما مما هو خارج عن المنبت، ولم يقم دليل على جواز تغطيته، فان مقتضى الاول حينئذ وجوبه، بخلافه على الدعوى الثانية، إلا أني لم أجد من ذكر وجوب غير الاذنين زائدا على المنابت، بل لعل السيرة ايضا على خلافه. ثم لا فرق في حرمة التغطية بين جميع أفرادها كالثوب والطين والدواء والحناء وحمل المتاع أو طبق ونحوه كما صرح به غير واحد، بل لا اجد فيه خلافا بل عن التذكرة نسبته إلى علمائنا، نعم في المدارك هو غير واضح، لان المنهي عنه في الروايات المعتبرة تخمير الرأس ووضع القناع عليه والستر بالثوب ونحوه لا مطلق الستر، مع أن النهي لو تعلق به لوجب حمله على المتعارف منه، وهو الستر بالمعتاد وتبعه في الذخيرة، وفيه - مضافا إلى قوله (عليه السلام): (إحرام الرجل في رأسه) وغيره من الاطلاقات، واستثناء عصام القربة وغير ذلك - أن النهي عن الارتماس في الماء وإدخال الرأس فيه - بناء على أنه من التغطية أو بمعناها ولذا لا يختص ذلك بالماء - ظاهر في عدم اعتبار المتعارف من الساتر، وكذا ما تسمعه من منع المحرمة تغطية وجهها بالمروحة، بناء على أنها من غير المتعارف، وعلى


(1) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 385 ]

تساويهما في ذلك وان اختلف محل إحرامها بالوجه والرأس وغير ذلك، ولعله لذا ونحوه كان الحكم مفروغا منه عند الاصحاب، بل ظاهر بعضهم الاجماع عليه بيننا. نعم للعامة خلاف في الخضاب الرقيق، وآخر في الطين، وثالث في العسل واللبن الثخين، ورابع فيما يحمله على رأسه من متاع ونحوه، وعن المبسوط من خضب رأسه أو طينه لزمه الفداء كمن غطاه بثوب بلا خلاف، هذا، وفي التحرير والمنتهى جواز التلبيد بأن يطلي رأسه بعسل أو صمغ ليجتمع الشعر ويتلبد، فلا يتخلله الغبار، ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب، وقال: روى ابن عمر (1) قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يهل ملبدا)) وحكاه في التذكرة عن الحنابلة، قلت: قد يشعر صحيح زرارة (2) بمعروفية ذلك سابقا، سأل الصادق (عليه السلام) في الصحيح (عن المحرم هل يحك رأسه أو يغتسل بالماء ؟ قال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة، ولا بأس أن يغتسل بالماء ويصب على رأسه ما لم يكن ملبدا، فان كان ملبدا فلا يفيض على رأسه الماء إلا من احتلام)) بل عن المقنع والدروس الفتوى بمضمونه، وان كان هو غير صريح في جوازه مطلقا فضلا عنه اختيارا، ولعل منع اللبد عن الصب احترازا عن سقوط الشعر، وعلى كل حال فلا ريب في ان الاحوط ان لم يكن اقوى اجتنابه إذا كان بحيث يستر بعض الرأس. نعم لا بأس بالتوسد ولو العمامة كما صرح به الفاضل والشهيد وغيرهما، ولعله لصدق انه مكشوف الرأس، مع انه من لوازم النوم الذي هو من الضروريات


(1) صحيح مسلم ج 4 ص 8 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 73 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 وذيله في الباب 75 منها - الحديث 3

[ 386 ]

وان كان الحكم غير مقيد بها، وعن المبسوط وفي المنتهى والتذكرة جواز الستر باليد ولعله لان الستر بما هو متصل به لا يثبت له حكم الستر، ولذا لو وضع يديه على فرجه لم يجزه في الصلاة، ولانه مأمور بمسح رأسه في الوضوء، ولما سمعته من النص على جواز حك رأسه بيده، ولقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1): (لا بأس أن يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس، وقال: لا بأس أن يستر بعض جسده ببعض) لكن في الدروس وليس صريحا في الدلالة فالاولى المنع، وفيه أن الظهور كاف، هذا، وفي المسالك والمفهوم من الغطاء ما كان ملاصقا، فلو رفعه عن الرأس بآلة بحيث يستر عنه الشمس ولم يصبه فالظاهر جوازه، وفيه أنه يحرم حينئذ من حيث التظليل الذي ستعرف حكمه لا التغطية، ويمكن أن يريد الجواز من حيث التغطية، لعدم صدقها. (و) كيف كان فقد ظهر لك مما ذكرناه أنه (في معناه) اي التغطية (الارتماس) بالماء بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح حريز (2): (لا يرتمس المحرم في الماء) وفي صحيح ابن سنان (3) (لا تمس الريحان وانت محرم، لا تمس شيئا فيه زعفران ولا تأكل طعاما فيه زعفران، ولا ترتمس في ماء تدخل فيه رأسك) وغيرهما من النصوص، بل قد يستفاد من الصحيح الاخير أن المراد هنا بالارتماس ادخال الرأس في الماء، بل لا فرق بينه وبين غيره من المائعات بعد ان كان المانع التغطية


(1) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (2) الوسائل - الباب - 58 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 18 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 10 وذيله في الباب 58 مها الحديث 1

[ 387 ]

بل مقتضى ذلك انه لا يجوز رمس بعض رأسه حينئذ فضلا عن جميعه. نعم لا إشكال ولا خلاف في جواز غسل رأسه بافاضة الماء عليه، بل عن التذكرة الاجماع عليه، لانه ليس تغطية ولا في معناها، ولقول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (1): (إذا اغتسل المحرم من الجنابة صب على رأسه الماء، ويميز الشعر بأنامله بعضه من بعض)) وسأله عليه السلام ايضا يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح (عن المحرم يغتسل فقال: نعم يفيض الماء على رأسه ولا يدلكه) ولصحيح زرارة (3) السابق من غير فرق بين الواجب والمندوب، بل يجوز له الغسل بفتح الغين كذلك لما عرفت. هذا كله في تغطية الرأس، وأما الوجه فالمشهور جوازه، بل عن الخلاف والتذكرة والمنتهى الاجماع عليه، للاصل والنصوص السابقة، وتخمير وجه المحرم إذا مات دون رأسه، ولقطع التفصيل الشركة في قوله عليه السلام: (إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها) وخبر منصور بن حازم (4) (رأيت ابا عبد الله عليه السلام وقد توضأ وهو محرم ثم اخذ منديلا فمسح وجهه) وخبر عبد الملك القمي (5) سأله عليه السلام (عن الرجل المحرم يتوضأ ثم يجلل وجهه بالمنديل يخمره كله قال: لا بأس) وخبر ابي البختري (6) المروي عن قرب الاسناد عن امير المؤمنين عليه السلام (المحرم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 75 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 1 - 3 (4) الوسائل - الباب - 16 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (5) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 وفي الطبع الحديث من الوسائل " ثم يخلل " وهو سهو فان الموجود في الكافي ج 4 ص 349 كما في الجواهر (6) الوسائل - الباب - 55 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 8

[ 388 ]

يغطي وجهه عند النوم والغبار إلى طرار شعره) نعم في صحيح معاوية (1) عن الصادق عليه السلام (يكره للمحرم أن يجوز بثوبه فوق أنفه) وفي صحيح حفص وهشام (2) عنه عليه السلام ايضا (يكره للمحرم أن يجوز بثوبه انفه من اسفل، وقال (عليه السلام): أضح لمن أحرمت له) فما عن ابن ابي عقيل من عدم جوازه وان فيه كفارة إطعام مسكين واضح الضعف، وان كان ربما يشهد له مضمر الحلبي (3) الآتي بناء على أن الاصل فيما وجبت له الكفارة الحرمة، إلا انه غير ناهض بمعارضة ما عرفت من وجوه، بل يمكن القطع ببطلانه إن اراد البعض ايضا للسيرة القطعية، وعن تهذيب الشيخ الجواز مع الاختيار غير انه تلزم الكفارة بل قال: ومتى لم ينو الكفارة لم يجز له ذلك، ولعله لصحيح الحلبي المضمر (4) (المحرم إذا غطى وجهه فليطعم مسكينا في يده، قال: ولا بأس أن ينام على وجهه على راحلته) الذي هو مع أنه غير دال على تمام مدعاه حمله غير واحد على الندب، ولا بأس به بعد خلو تلك النصوص الواردة في مقام البيان عنه، وبعد الاصل وظاهر الفتاوى. وعلى كل حال فلا إشكال في اقتضاء النصوص والفتاوى حرمة تغطية المحرم


(1) و (2) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 2 (3) و (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 5 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1، إلا أن الموجود في الطبع الجديد " المحرم إذا غطى رأسه.. الخ " وذيله في الباب 60 من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1، وقد ذكر صدر الحديث صحيحا في الوسائل في الباب 55 من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 عن الصادق (عليه السلام) إلا أنه سهو ايضا، حيث أن الحديث مضمر كما في التهذيب ج 5 ص 308 - الرقم 1054

[ 389 ]

رأسه حتى عند النوم، بل صحيح زرارة السابق صريح فيه، فما في خبر زرارة (1) الذي لم يجمع شرائط الحجية عن أحدهما (عليهما السلام) (في المحرم له أن يغطي رأسه ووجهه إذا اراد أن ينام) مطرحا ومحمول على حال التضرر بالتكشف، أو على التغطية التي هي تظليل أو غير ذلك، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (لو غطى رأسه ناسيا ألقى الغطاء واجبا) بلا خلاف ولا إشكال، لما عرفت من حرمة الابتداء والاستدامة (وجدد التلبية استحبابا) لصحيح حريز (2) السابق، وصحيح الحلبي (3) سأل الصادق (عليه السلام) (عن المحرم يغطي رأسه نائما أو ناسيا فقال: يلبي إذا ذكر) إلا أنهما كما ترى مقتضاهما الوجوب الذي به ينقطع الاصل، لكن في المدارك وغيرها لا قائل به، وإن كان فيه أنه حكي عن ظاهر الشيخ وابني حمزة وسعيد، ولا ريب في أنه احوط وان كان الاول اقوى. (و) على كل حال فلا خلاف في أنه (يجوز ذلك) اي تغطية الرأس (للمرأة) بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد الاصل والنصوص التي منها صحيح زرارة (4) السابق الفارق بين الرجل والمرأة بتغطية الوجه كله المستلزم لستر بعض الرأس، ومنها قوله (عليه السلام) (5): (إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه) و (لكن عليها أن تسفر عن وجهها) فلا يجوز لها تغطيته بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المنتهى أنه قول


(1) الوسائل - الباب - 56 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) و (3) و (5) الوسائل - الباب 55 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 6 - 2 (4) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 390 ]

علماء الامصار، وهو الحجة بعدما سمعت من أن إحرامها في وجهها، وفي حسن الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) (مر أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقبة وهي محرمة، فقال: احرمي واسفري وارخي ثوبك من فوق رأسك، فانك إن تنقبت لم يتغير لونك، فقال له رجل: إلى اين ترخيه ؟ فقال: تغطي عينها، قال: قلت: يبلغ فمها قال: نعم) وفي خبر احمد بن محمد (2) عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: (مر أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة محرمة وقد استترت بمروحة فأماط المروحة بنفسه عن وجهها) وفي خبر ابي عيينة (3) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ما يحل للمرأة أن تلبس من الثياب وهي محرمة ؟ قال: الثياب كلها ما خلا القفازين والبرقع والحرير) كخبر ابن ابي العلاء (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) ايضا عن ابيه (عليه السلام) (انه كره للمحرمة البرقع والقفازين) بناء على ارادة الحرمة من الكراهة، مثل ما في صحيح العيص (5) عنه (عليه السلام) ايضا (انه كره النقاب، وقال: تسدل الثوب على وجهها، قلت: حد ذلك إلى اين ؟ قال: إلى طرف الانف قدر ما تبصر) إلى غير ذلك من النصوص المستفاد من اولها وغيره ما ذكره غير واحد من الاصحاب من عدم الفرق في التحريم بين أن تغطيه بثوب وغيره نحو ما سمعته في رأس الرجل، ضرورة اتحاد الوجه معه بالنسبة إلى ذلك، لكن في المدارك هو مشكل نحو ما سمعته منه هناك، وقد عرفت ما فيه. نعم يجوز لها وضع اليدين عليه كما يجوز لها نومها عليه، نحو ما سمعته في


(1) و (2) و (5) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 4 - 2 (3) و (4) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام الحديث 3 - 6

[ 391 ]

الرجل بالنسبة إلى رأسه، وقول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة (1): (ولا تستتر بيدها من الشمس) محمول على ضرب من الكراهة، وكذا لا فرق في حرمة التغطية بين الكل والبعض، لما سمعته في الرأس، ولصحيح المنع من النقاب، بل يجب عليها كشف بعض الرأس مقدمة لكشف الوجه، كما يجب على الرجل كشف بعض الوجه مقدمة للرأس. نعم لو تعارض ذلك في المرأة في الصلاة ففي المنتهى والتذكرة والدروس قدمت ستر الرأس لا لما في المدارك من التمسك بالعمومات المتضمنة لوجوب ستره السالمة عما يصلح للتخصيص، ضرورة امكان معارضته بمثله، بل لترجيحه بما قيل من ان الستر احوط من الكشف لكونها عورة، ولان المقصود إظهار شعار الاحرام بكشف الوجه بما تسمى به مكشوفة الوجه، وهو حاصل مع ستر جزء يسير منه، وان امكن المناقشة فيه ايضا بتعارض الاحتياط بالنسبة إلى الصلاة والاحرام، وكونها عورة في النظر لا مدخلية له في ذلك، وكما يصدق انها مكشوفة الوجه مع ستر الجزء اليسير منه يصدق انها مستورة الرأس مع كشف الجزء اليسير منه، فالمتجه حينئذ التخيير ان لم ترجح الصلاة بكونها اهم واسبق حقا ونحو ذلك، نعم قد يقال إذا جاز السدل وخصوصا إلى الفم أو الذقن أو النحر فلا تعارض إلا مع وجوب المجافاة، فانه يتعسر الجمع حينئذ في السجود، لكن يمكن فرض المسألة في حال تعذر السدل، فالاشكال حينئذ بحاله. (و) على كل حال ف‍ (لو اسدلت قناعها على رأسها إلى طرف انفها جاز) بلا خلاف اجده كما عن المنتهى الاعتراف به، بل في المدارك نسبته إلى اجماع الاصحاب وغيرهم نحو ما عن التذكرة من انه جائز عند علمائنا اجماع، وهو قول


(1) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 10

[ 392 ]

عامة اهل العلم، بل قد يجب بناء على وجوب ستر الوجه عليها من الاجانب وانحصر فيه، بل في كشف اللثام بعد ان اوجبه للستر قال: اما جواز السدل بل وجوبه فمع الاجماع لانها عورة يلزمها الستر من الرجال الاجانب، وللاخبار كقول الصادق (عليه السلام) لسماعة (1): (إن مر بها رجل استترت منه بثوبها) وان كان هو منافيا للخلاف المعروف في كتاب النكاح في جواز النظر إلى وجه الاجنبية، بل ربما كان المشهور الجواز وان كان الاصح خلافه. وكيف كان فلا اشكال في جواز السدل هنا لما عرفت ولما سمعته من صحيح زرارة (2) والعيص (3) مضافا إلى قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (4): (تسدل المرأة ثوبها على وجهها من اعلاها إلى النحر إذا كانت راكبة) وفي صحيح زرارة (5) (المحرمة تسدل ثوبها إلى نحرها) وفي صحيح حريز (6) (المحرمة تسدل الثوب على وجهها إلى الذقن) وفي المرسل (7) عن عائشة (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا جاؤونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفنا) أي غير ذلك من النصوص المستفاد من بعضها جوازه إلى النحر الذي هو الموافق للستر، بل مقتضى إطلاقها كالمتن ونحوه جوازه اختيارا بدون غرض الستر ونحوه، بل مقتضاهما جوازه مماسا للوجه، خصوصا مع ملاحظة غلبة ذلك مع عدم إشارة في


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 10 - 2 - 8 - 7 - 6 (2) الوسائل - الباب - 59 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (7) سنن البيهقي ج 5 ص 48

[ 393 ]

شئ منها إلى التحرز منه مع انها في مقام البيان، ولعله لذا كان خيرة الفاضل في المنتهى ذلك، وتبعه غير واحد ممن تأخر عنه، خلافا للمحكي عن المبسوط والجامع من عدم الجواز، فلا بد أن تمنعه بيدها أو بخشبة من أن يباشر وجهها، واختاره في القواعد بل في الدروس انه المشهور، بل عن الشيخ وجوب الدم مع تعمد المباشرة، وظاهره ذلك حتى إذا زال أو أزالته بسرعة، خلافا لبعض العامة فلا شئ، بل في الدروس وعن غيرها حكايته عن الشيخ ايضا، وان كنا لم نتحققه كما انه لم نتحقق الشهرة المزبورة. وعلى كل حال فلم نجد له دليلا على شئ من ذلك سوى دعوى الجمع بين صحاح السدل والنصوص المانعة من التغطية بحمل الاولى على غير المصيبة للبشرة بخلاف الثانية، بل لعل المرتفعة ليس من التغطية، وفيه مع أن الدليل خال عن ذكر التغطية وانما فيه الاحرام بالوجه والامر بالاسفار عن الوجه ان السدل بمعنييه تغطية عرفا، وانها غير سافرة الوجه معه إلا ما خرج عنها إلى حد التظليل ونحوه، على ان الجمع باخراج السدل بقسميه عن ذلك كما كاد يكون صريح النصوص المزبورة بل والفتوى اولى من وجوه، ولا يقتضي ذلك اختصاص الحرمة حينئذ بالنقاب كما في المدارك والذخيرة وغيرهما، بل في الاول لا يستفاد من الاخبار ازيد من ذلك، ضرورة تعدد افراد التغطية بغير السدل كالشد ونحوه، وخصوصا مع ملاحظة اللطوخ ونحوه، ومن هنا تردد المصنف فيما يأتي في كراهة النقاب، بل افتى به الفاضل في الارشاد مع الجزم بحرمة التغطية، بل في الدروس عد النقاب محرما مستقلا عن حرمة التغطية وإن كان قد علله بها، فالتحقيق استثناء السدل من ذلك بقسميه، وان كان الاحتياط لا ينبغي تركه، نعم قد سمعت ما في صحيح زرارة من جواز تغطية المحرمة وجهها كله في النوم، بخلاف الرجل فانه يغطي وجهه ولا يخمر رأسه، لم اقف على راد له كما اني لم اقف على

[ 394 ]

من استثناه من حكم التغطية، ويمكن إرادة التغطية بما يرجع إلى السدل أو ما يقرب منه، فتدبر هذا. وفي الدروس والخنثى تغطي ما شاءت من الرأس أو الوجه، ولا كفارة، ولو جمعت بينهما كفرت، وتبعه في المسالك، وفيه أن المتجه وجوب كشفهما مقدمة لخصوص اليقين بالامتثال وان كان لا كفارة إلا مع الجمع، والله العالم. (وتظليل) الرجل (المحرم عليه سائرا) بأن يجلس في محمل أو قبة أو كنيسة أو عمارية مظللة أو نحو ذلك على المشهور نقلا في الدروس وغيرها، وتحصيلا، بل عن الانتصار والخلاف والمنتهى والتذكرة الاجماع عليه، بل لعله كذلك إذ لم يحك الخلاف فيه إلا عن الاسكافي، مع أن عبارته ليست بتلك الصراحة، قال: (يستحب للمحرم أن لا يظلل على نفسه، لان السنة بذلك جرت، فان لحقه عنت أو خاف من ذلك فقد روي عن اهل البيت (عليهم السلام) جوازه، وروي ايضا انه يفتدي عن كل يوم بمد، وروي في ذلك أجمع دم، وروي لا حرام المتعة دم، ولا حرام الحج دم آخر) ويمكن ان يريد بالمستحب ما لا ينافي الواجب وإن كان يشهد له مضافا إلى الاصل صحيح الحلبي (1) (سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المحرم يركب في القبة قال: ما يعجبني ذلك إلا ان يكون مريضا) وصحيح علي بن جعفر (2) (سألت اخي عليه السلام اظل وانا محرم فقال: نعم وعليك الكفارة، قال: فرأيت عليا إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظلل) وصحيح جميل (3) عنه (عليه السلام) ايضا (لا بأس بالظلال للنساء، وقد رخص فيه للرجال) إلا ان الاصل مقطوع بما عرفت وتعرف، والاول غير صريح في


(1) و (3) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 10 (2) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 2

[ 395 ]

الجواز، كما ان الثاني يحتمل الضرورة التي هي في الثالث اظهر بقرينة لفظ الرخصة مضافا إلى موافقتها للعامة، والى قصورها عن معارضة المعتبرة المستفيضة المعتضدة بما سمعت، كصحيح ابن المغيرة (1) (قلت لابي الحسن الاول (عليه السلام): اظلل وانا محرم قال: لا، قلت: فأظلل واكفر قال: لا، قلت: فان مرضت قال: ظلل وكفر، ثم قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما من حاج يضحي ملبيا حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه معها) وصحيح هشام بن سالم (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يركب في الكنيسة فقال: لا، هو للنساء جائز) وصحيح ابن مسلم (3) عن احدهما (عليهما السلام) (سألته عن المحرم يركب القبة فقال: لا، قلت: فالمرأة المحرمة قال: نعم) وصحيح سعد بن سعد الاشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (سألته عن المحرم يظلل على نفسه قال: أمن علة ؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس وهو محرم فقال: هي علة يظلل ويفدي) وموثق اسحاق بن عمار (4) عن ابي الحسن (عليه السلام) (سألته عن المحرم يظلل عليه وهو محرم قال: لا إلا مريضا أو من به علة والذي لا يطيق الشمس) وصحيح حريز (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام): وموثق عثمان بن عيسى الكلابي (7) (قلت لابي الحسن الاول (عليه السلام): إن علي بن شهاب يشكو رأسه والبرد شديد ويريد ان يحرم فقال: إن كان كمن تزعم فليظلل فأما انت


(1) و (2) و (3) و (5) و (7) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 - 4 - 1 - 7 - 13 (4) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 4 (6) الوسائل - الباب - 65 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 396 ]

فاضح لمن احرمت له) وخبر عبد الرحمان (1) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل المحرم كان إذا اصابته الشمس شق عليه وصدع فيستتر منها فقال: هو اعلم بنفسه، إذا علم انه لا يستطيع انه تصيبه الشمس فليستظل منها) وخبر اسماعيل ابن عبد الخالق (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) هل يستتر المحرم من الشمس ؟ قال: لا إلا ان يكون شيخا كبيرا أو قال ذا علة) وخبر محمد بن منصور (3) عنه (عليه السلام) (سألته عن الظلال للمحرم قال: لا يظلل إلا من علة مرض) وخبر جعفر بن المثنى (4) قال: قال لي محمد: (ألا اسرك ؟ قلت: بلى، فقمت إليه فقال: دخل هذا الفاسق آنفا فجلس قبالة ابي الحسن (عليه السلام) ثم اقبل عليه فقال: يا ابا الحسن ما تقول في المحرم يستظل على المحل قال: لا، قال: فليستظل في الخباء فقال له: نعم، فأعاد عليه القول شبه المستهزئ يضحك يا ابا الحسن فما فرق بين هذين ؟ قال: يا ابا يوسف إن الدين ليس بقياس كقياسكم انتم تلعبون، إنا صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يركب راحلته فلا يستظل عليها وتؤذيه الشمس فيستر بعض جسده ببعض وربما يستر وجهه بيده، وإذا نزل استظل بالخباء في البيت وبالجدار) وخبر محمد بن الفضل (5) قال: (كنا في دهليز يحيى بن خالد بمكة وكان أبو الحسن (عليه السلام) وابو يوسف فقام إليه أبو يوسف وتربع بين يديه فقال: يا ابا الحسن جعلت فداك المحرم يظلل قال: لا، قال: فيستظل بالجدار والمحمل ويدخل البيت والخباء


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 6 - 9 - 8 (4) و (5) الوسائل - الباب - 66 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 - 2 والثاني خبر محمد بن الفضيل وهو الصحيح كما يشير إليه في ص 400

[ 397 ]

قال: نعم، قال: فضحك أبو يوسف شبه المستهزئ، فقال له أبو الحسن عليه السلام: يا ابا يوسف ان الدين لا يقاس كقياسك وقياس اصحابك، ان الله عزوجل أمر في كتابه بالطلاق واكد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلا عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج وأهمل بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما ابطل، وابطلتم شاهدين فيما اكد الله عزوجل، وأجزتم طلاق المجنون والسكران، حج رسول الله صلى الله عليه وآله فأحرم ولم يظلل ودخل البيت والخباء واستظل بالمحمل والجدار ففعلنا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله فسكت) ومرسل عثمان بن عيسى (1) المروي عن العيون (قال أبو يوسف للمهدي وعنده موسى بن جعفر (عليه السلام): أتأذن لي ان اسأله عن مسائل ليس عنده فيها شئ ؟ فقال: نعم، فقال له: اسألك قال له: اسأل، قال: ما تقول في التظليل للمحرم ؟ قال: لا يصلح، قال: فيضرب الخباء في الارض ويدخل البيت قال: نعم، قال: فما الفرق بين هذين ؟ قال أبو الحسن عليه السلام: ما تقول في الطامث أتقضي الصلاة ؟ قال: لا، قال: فتقضي الصوم قال: نعم، قال: ولم ؟ قال: هكذا جاء، فقال أبو الحسن (عليه السلام): وهكذا جاء هذا فقال المهدي لابي يوسف: ما أراك صنعت شيئا ؟ قال: رماني بحجر دامغ) والاصل في ذلك ما عن ابي حنيفة قال للصادق (عليه السلام): على ما في صحيح البزنطي (2) المروي عن قرب الاسناد (أيش فرق بين ظلال المحرم والخباء ؟ فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إن السنة لا تقاس) ومرسل الطبرسي (3) في محكي الاحتجاج وإرشاد المفيد بتفاوت يسير، قال: واللفظ للاول (سأل محمد بن الحسن ابا الحسن موسى عليه السلام بمحضر من الرشيد وهم بمكة، فقال له: أيجوز للمحرم


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 66 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 - 5 - 6

[ 398 ]

ان يظلل عليه محمله ؟ فقال له موسى (عليه السلام): لا يجوز له ذلك مع الاختيار فقال محمد بن الحسن أفيجوز له ان يمشي تحت الظلال مختارا ؟ فقال له: نعم، فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن عليه السلام: أتعجب من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وتستهزئ بها ان رسول الله صلى الله عليه وآله كشف ظلاله في احرامه ومشى تحت الظلال وهو محرم، ان احكام الله يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل سواء السبيل، فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا) وخبر ابي بصير (1) (سألته عن المرأة يضرب عليها الظلال وهي محرمة قال: نعم، قلت: فالرجل يضرب عليه الظلال وهو محرم قال نعم إذا كانت به شقيقة يتصدق بمد لكل يوم) إلى غير ذلك من النصوص المنجبر ضعف بعضها بالشهرة (و) ما عرفت من الاجماع وغيره. نعم (لو اضطر لم يحرم) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه وهو الحجة، مضافا إلى ما سمعته من النصوص التي يظهر من بعضها عدم الاكتفاء فيها بمطلق الاذية من حر أو برد ما لم تصل إلى حد لا يتحمل مثلها على وجه يسقط التكليف معها، قال زرارة (2): (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم أيتغطى ؟ فقال: اما من الحر أو البرد فلا) ولعله لذا كان المحكي عن الشيخين وكذا ابن إدريس اعتبار الضرر العظيم بناء على ارادة ما يسقط معه التكليف من العظيم كما في غير المقام، إذ لا دليل على اعتبار ازيد منه، كما انه لا دليل على الاكتفاء بالاقل منه بعد انسياق النصوص إلى ما ذكرنا واجتماعها عليه، وحيئنئذ فاطلاق بعض النصوص الاكتفاء بمطلق الاذية كصحيح سعد بن سعد (3) السابق


(1) و (3) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 8 - 4 (2) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 14

[ 399 ]

وصحيح ابن بزيع (1) عن الرضا (عليه السلام) (سأله رجل عن الظلال للمحرم من اذى أو مطر أو شمس وانا اسمع فأمره ان يفدي شاة ويذبحها بمنى) ورواه الصدوق بزيادة (أو قال من علة) قبل قوله: (فأمره) وزيادة (وقال: نحن إذا اردنا ذلك ظللنا وفدينا) وخبر ابراهيم (2) (قلت للرضا (عليه السلام): المحرم يظلل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضران به، قال: نعم، قلت: كم الفداء ؟ قال: شاة) وخبر علي بن محمد (3) كتب إليه (المحرم هل يظلل على نفسه إذا آذته الشمس أو المطر أو كان مريضا ام لا، فان ظلل هل يجب عليه الفداء ام لا، فكتب (عليه السلام) يظلل على نفسه ويهريق دما إن شاء الله) محمول على ما ذكرناه، خصوصا بعد استصحاب عدم الجواز الذي لا يكفي في ارتفاعه التزام الكفارة مع عدم الضرورة كما هو مقتضى اطلاق النص والفتوى، بل هو صريح صحيح ابن المغيرة السابق (4) فما عن المقنع من انه لا بأس ان يضرب على المحرم الظلال ويتصدق بمد لكل يوم بناء على ظهوره في المختار واضح الضعف وان قال في الدروس روى علي بن جعفر (5) جوازه مطلقا ويكفر لكن ان كان مراده ما سمعت من صحيحه السابق فقد عرفت احتماله الضرورة، نعم قد يلوح ذلك من صحيح ابن بزيع (6) السابق ونحوه، ولكن لا يجترى بمثله على ذلك بعد ما عرفت. هذا كله في التظليل عليه بالقبة ونحوها مما يكون على رأسه، اما الاستتار سائرا بالثوب ونحوه عن الشمس مثلا على وجه لا يكون على رأسه فعن الخلاف


(1) و (2) و (3) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 6 - 5 - 1 - 2 - 6 (4) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3

[ 400 ]

والمنتهى جوازه بلا خلاف، بل في الاخير نسبته إلى جميع اهل العلم، قال: (وإذا نزل جاز ان يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء والخيمة، فان نزل تحت شجرة طرح عليها ثوبا يستتر به، وان يمشي تحت الظلال، وان يستظلل بثوب ينصبه إذا كان سائرا ونازلا لكن لا يجعله فوق رأسه سائرا خاصة لضرورة أو غير ضرورة عند جميع اهل العلم) وعن ابن زهرة (يحرم عليه ان يستظل وهو سائر بحيث يكون الظلال فوق رأسه) وتبعهم غير واحد ممن تأخر ولعله للاصل بعد كون المورد في اكثر النصوص الجلوس في القبة و الكنيسة والمحمل ونحوها مما لا يشمل الفرض، وصحيح ابن سنان (1) عن الصادق (عليه السلام) قال: سمعته يقول لابي: وشكا إليه حر الشمس وهو محرم وهو يتأذى به وقال: أترى ان استتر بطرف ثوبي ؟ قال: لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك) ولكن فيه انه يعارضه عموم نحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر المعلى (2): (لا يستتر المحرم من الشمس بثوب، ولا بأس ان يستر بعضه ببعض) وخبر اسماعيل بن عبد الخالق (3) ومحمد بن الفضيل (4) السابقان، بل وخبر عبد الله بن المغيرة المتقدم (5) ضرورة انه لو كان الاستتار بما لا يكون فوق الرأس جائزا لبينه له، وخلو اخبار التكفير (6) مع التظليل للضرورة عما لا يكون فوق الرأس إذ لو كان جائزا اختيارا وجب الاقتصار عليه إذا اندفعت به الضرورة، ولعل


(1) و (2) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 - 2 (3) و (5) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 9 - 11 (4) الوسائل - الباب - 66 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (6) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب بقية كفارات الاحرام

[ 401 ]

المتجه حمل ذلك (كله) على الكراهة كما يؤمي إليه خبر قاسم الصيقل (1) قال: (ما رأيت احدا كان اشد تشديدا في الظل من ابي جعفر عليه السلام كان يأمر بقلع القبة والحاجبين إذا أحرم) فان التشديد ظاهر في الزيادة على الواجب، وهذا وان كان من الراوي إلا أنه ظاهر في معلومية الحكم عندهم سابقا، وهو شاهد على صحة الاجماع المزبور الذي يقيد به المطلقات المذكورة، وأخبار التكفير انما جاءت لبيان ثبوت الكفارة في المحرم من التظليل للمختار إذا اقتضته الضرورة، وهو ما فوق الرأس. بل قد يشهد لما ذكرناه ما في خبر سعيد الاعرج (2) سأل الصادق عليه السلام (عن المحرم يستتر من الشمس بعود وبيده قال: لا إلا من علة) لما عرفت من جواز الاستتار باليد الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله على وجه يقصر عن معارضته، فلابد من حمله على ضرب من الكراهة، ولكن مع ذلك كله الاحتياط لا ينبغي تركه، وفي الدروس (فرع هل التحريم في الظل لفوات الضحى أو لمكان الستر ؟ فيه نظر، لقوله عليه السلام: (اضح لمن احرمت له) والفائدة فيمن جلس في المحمل بارزا للشمس، وفيمن تظلل به وليس فيه) وفي كشف اللثام يعني يجوز الاول على الثاني دون الاول، والثاني بالعكس، ثم قال فيهما، وفي الخلاف لا خلاف أن للمحرم الاستظلال بثوب ينصبه ما لم يمسه فوق رأسه، وعن نسخة (ما لم يكن) وقضيته اعتبار المعنى الثاني، قلت: يمكن كون التظليل محرما لنفسه وإن لم يفت معه الضحى للشمس، اي البروز بما احرم به لها كما إذا كانت في وجهه، ولذا حرم حيث لا تكون شمس، وإن أبيت ذلك فليس إلا الاحتمال الاول، ضرورة أن


(1) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 12 (2) الوسائل الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 5

[ 402 ]

الستر لا أثر له في النصوص سوى بعض المطلقات في النهي عن الاستتار المحمولة على الستر المخصوص، وأما الاول اي الاضحاء فقد عرفت تكرار الامر به في النصوص المزبورة على وجه يظهر منه كون العلة في حرمة التظليل فوات الاضحاء المراد به كما في المنتهى البروز للشمس، وعن النهاية الاثيرية ضحى ظله اي مات يقال ضحى الظل اي صار شمسا فإذا صار شمسا فقد بطل، ومنه حديث الاستسقاء اللهم ضاحت بلادنا واغبرت ارضنا اي برزت للشمس وظهرت لعدم النبات فيها، إلى ان قال: ومنه ايضا حديث ابن عمر (1) رأى محرما قد استظل فقال: أضح لمن أحرمت اي اظهر واعتزل ولكن يقال: ضحيت للشمس وأضحيت أضحى (إضحاءظ) إذا أبرزت لها وظهرت، ومن هنا جزم في الحدائق بكونه العلة في التحريم، بل شدد الانكار على احتمال كون العلة في التحريم الستر، وفرع عليه حرمة التظليل وإن لم يكن فوق الرأس، ولكن فيه أن الامر بالاضحاء قد جاء في صحيح حفص وهشام (2) عن الصادق عليه السلام على نحو التعليل للمكروه، قال: (يكره للمحرم أن يجوز بثوبه انفه من اسفل، وقال عليه السلام: اضح لمن احرمت له) فلا يبعد القول بالكراهة فيما نافى الاضحاء من التستر بما لا يكون فوق الرأس، والحرمة بما كان فوقه، هذا. وفي المسالك يتحقق التظليل بكون ما يوجب الظل فوق رأسه كالمحمل، فلا يقدح فيه المشي في ظل المحمل ونحوه عند ميل الشمس إلى احد جانبيه وان كان قد يطلق عليه التظليل لغة، وانما يحرم حالة الركوب، فلو مشى تحت الظل


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 70 (2) الوسائل - الباب - 61 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 403 ]

كما لو مر تحت الحمل والمحمل جاز، وفي الروضة في شرح قول الشهيد: (والتظليل للرجل الصحيح سائرا) قال: فلا يحرم نازلا إجماعا ولا ماشيا إذا مر تحت المحمل ونحوه، والمعتبر منه ما كان فوق رأسه، فلا يحرم الكون في ظل المحمل عند ميل الشمس إلى احد جانبيه، واطلق في القواعد، وما سمعته من المنتهى جواز المشي تحت الظلال، كمحكي النهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر والجامع. وعلى كل حال فصريح ثاني الشهيدين اختصاص حرمة التظليل بحال الركوب دون المشي، وفيه منع واضح، لاطلاق الادلة التي لا ينافيها النهي عنه حال الركوب الذي هو احد الافراد، نعم في صحيح ابن بزيع (1) (كتب إلى الرضا عليه السلام هل يجوز للمحرم أن يمشي تحت ظل المحمل ؟ فكتب نعم) وفي خبر الاحتجاج (2) (يجوز له المشي تحت الظلال) إلا أنه يمكن دعوى انسياقه إلى إرادة المشي في ظله لا الكون تحت الحمل والمحمل، وحينئذ فلا يختص بالماشي، بل يجوز للراكب ذلك ايضا، على أنه لو سلم كان ينبغي الاقتصار عليه لا تخصيص الحرمة بحال الركوب على وجه يجوز له المشي مع التظليل بشمسية ونحوها مما يكون فوق رأسه، بل لعل ما سمعته من إجماع المنتهى دال عليه، فان السائر أعم من كونه راكبا، ولا ينافيه ما ذكره قبل ذلك من جواز المشي تحت الظلال المحمول على حال النزول أو الظلال المستقر لا السائر معه، فانه قد يقال بجوازه للاصل بعد قصور النصوص عن تناوله، ضرورة عدم صدق التظليل به، بل ربما يؤيده دخول المحرمين مكة الذي لا ينفك عن مرورهم تحت ظل من باب ونحوه، اللهم إلا أن يكون ذلك من الضرورة، وفيه منع بالنسبة إلى بعض الافراد،


(1) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 66 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 6

[ 404 ]

خصوصا مع عدم إشارة في شئ من النصوص إلى ذلك ولا إلى كونه من حال النزول الذي لا يتم حال وقوعه للحج من مكة أو من المسجد ولعله لذا حكي عن فخر الاسلام في شرح الارشاد القطع بأن المحرم عليه سائرا انما هو الاستظلال بما ينتقل معه كالمحمل، أما لو مر تحت سقف أو ظل بيت أو سوق أو شبهه فلا بأس، بل يمكن حمل ما في خبر الاحتجاج السابق عليه، لكن في كشف اللثام بعد أن حكى عن الفخر ما سمعت قال: (اكثر هذه تدخل في الضرورة، وأما جواز المشي في الطريق في ظل المحامل والجمال والاشجار اختيارا ففيه كلام خصوصا تحتها، ولم يتعرض لذلك الاكثر، ومنهم المصنف في غير الكتاب والمنتهى والشيخ في غير الكتابين، بل اطلقوا حرمة التظليل أو إلى النزول) قلت: ولا ريب في ظهوره في غير الفرض كالنصوص، وبذلك كله يظهر لك النظر فيما في المدارك من وجوه، قال: ويجوز للمحرم المشي تحت الظلال كما نص عليه الشيخ وغيره، وقال الشارح (رحمه الله) إلى آخره، ويدل على الجواز صريحا ما رواه الشيخ في الصحيح (1) عن محمد بن اسماعيل بن بزيع إلى آخره، وقال العلامة في المنتهى إنه يجوز للمحرم أن يمشي تحت ظل المحمل وأن يستظل الي آخره، ومقتضى ذلك تحريم الاستظلال في حال المشي بالثوب إذا جعله فوق رأسه، وربما كان مستنده صحيح اسماعيل بن عبد الخالق (2) المتضمن لتحريم الاستتار من الشمس إلا أن المنساق منه حال الركوب، والمسألة محل تردد وإن كان الاقتصار في المنع من التظليل على حالة الركوب كما ذكره الشارح لا يخلوا من قرب، فأنك بعد


(1) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 وهو مروي بطريق الكليني (قده) (2) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 9

[ 405 ]

الاحاطة بما ذكرناه لا يخفى عليك ما فيه، بل وما في كشف اللثام فانه بعد أن حكى جواز المشي تحت الظلال عمن سمعت قال: وهل معنى ذلك أنه إذا نزل المنزل جاز له ذلك كما جاز جلوسه في الخيمة والبيت وغيرهما لا في سيره، أو جوازه في السير ايضا حتى أن حرمة الاستظلال يكون مخصوصا بالراكب، كما يظهر من المسالك، أو المعنى المشي في الظل سائرا لا بحيث يكون ذو الظل فوق رأسه ؟ أوجه، ففي المنتهى إذا نزل إلى قوله: وان يمشي تحت الظلال ثم قال: وهو يفيد الاول، وهو احوط، لاطلاق كثير من الاخبار النهي عن التظليل، ثم الاحوط من الباقين هو الاخير، ثم حكى ما سمعته من الفخر، وهو كما ترى مجرد تشكيك، بل لعله ترك فيه ما هو الاقوى من ذلك، وهو كون المراد جواز المشي تحت الظلال الذي لا ينتقل معه، لما عرفته من الاصل بعد ظهور النصوص في غيره. هذا كله في الرجل، أما المرأة فيجوز لها التظليل بلا خلاف محقق اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (1) المصرحة بذلك، والى كونها عورة يناسبها الستر، وضعيفة عن مقارفة الحر والبرد ونحوهما نعم عن نهاية الشيخ أن اجتنابه افضل، وعن المبسوط أنه يحتمله، قيل وكأنه لاطلاق المحرم والحاج في كثير من الاخبار وبعض الفتاوى كفتوى المقنعة وجمل العلم والعمل، بل والشيخ في جملة من كتبه وسلار والقاضي والحلبيين، وإن كان فيه أن الظاهر إرادة الرجل المحرم منه فيهما. كما أنه لا خلاف في جوازه للرجل حال النزول، بل الاجماع بقسميه عليه مضافا إلى النصوص السابقة، وبذلك يقيد إطلاق غيرها، نعم قد يتوقف في


(1) الوسائل - الباب - 64 و 65 و 68 - من ابواب تروك الاحرام

[ 406 ]

تظليل يسير معه راكبا أو ماشيا للتردد في المنزل ونحوه، فالاحوط إن لم يكن اقوى اجتنابه، وفي كشف اللثام بعد الجزم بجواز التظليل جالسا في المنزل قال: وهل الجلوس في الطريق لقضاء حاجة أو إصلاح شئ أو انتظار رفيق أو نحوها كذلك ؟ احتمال، ومقتضاه احتمال عدم الجواز ايضا فيه، وان كان التحقيق خلافه، إلا أنه الاحوط. وكذا لا بأس بالتظليل على الصبيان لما سمعته في صحيح حريز (1) السابق الذي افتى به غير واحد، بل لا اجد فيه خلافا بينهم، ولعله لضعفهم عن مقارفة الحر والبرد. (ولو زامل) الصحيح (عليلا أو امرأة اختص العليل والمرأة بجواز التظليل) بلا خلاف محقق اجده فيه، لاطلاق الادلة، وخصوص خبر بكر بن صالح أو صحيحه (2) (كتبت إلى ابي جعفر الثاني عليه السلام أن عمتي معي، وهي زميلتي، ويشتد عليها الحر إذا أحرمت أفترى أن اظلل علي وعليها ؟ قال: ظلل عليها وحدها) ولا يعارضه مرسل العباس بن معروف (3) عن الرضا عليه السلام (سألته عن المحرم له زميل فاعتل فظلل على رأسه أله أن يستظل ؟ قال: نعم) لقصوره عن ذلك من وجوه، بل عن الشيخ احتمال عود الضمير في قوله: (أله) إلى المريض، واولى من ذلك احتمال إرادة الاستظلال بما يحدث من ظلال العليل الذي قد عرفت جوازه باعتبار عدم كونه على الرأس. ثم إن الظاهر عدم صدق الاستظلال بالخشب الباقية في المحمل والعمارية ونحوهما بعد رفع الظلال، ويؤيده التوقيع المروي عن الاحتجاج في جواب محمد


(1) الوسائل - الباب - 65 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 68 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 2

[ 407 ]

ابن عبد الله بن جعفر الحميري (1) (كتب إلى صاحب الزمان (عليه وعلى آبائه آلاف التحية والسلام) يسأله عن المحرم يرفع الظلال هل يرفع خشب العمارية أو الكنيسة ويرفع الجناحين أم لا ؟ فكتب عليه السلام في الجواب لا شئ عليه في ترك رفع الخشب) ولا ينافي ذلك ما تقدم في خبر الصيقل (2) من أن ابا جعفر عليه السلام كان يأمر بقلع القبة والحاجبين بعد حمله على الندب، والله العالم. (و) يحرم على المحرم (إخراج الدم) في الجملة (إلا عند الضرورة) كما في المقنعة وجمل العلم والعمل والنهاية والمبسوط والاستبصار والتهذيب والاقتصاد والكافي والغنية والمراسم والسرائر والمهذب والجامع على ما حكي عن بعضها، لخبر الصيقل (3) عن ابي عبد الله عليه السلام سأله (عن المحرم يحتجم قال: لا إلا أن يخاف التلف ولا يستطيع الصلاة، وقال: إذا آذاه الدم فلا بأس ويحتجم ولا يحلق الشعر) وحسن الحلبي (4) سأله عليه السلام أيضا (عن المحرم يحتجم فقال: لا إلا أن لا يجد بدا فليحتجم ولا يحلق مكان المحاجم) وخبر ذريح (5) سأله عليه السلام ايضا (عن المحرم يحتجم قال: نعم إذا خشي الدم) وخبر زرارة (6) عن ابى جعفر عليه السلام (لا يحتجم المحرم إلا أن يخاف على نفسه أن لا يستطيع الصلاة) إلى غير ذلك من النصوص. (وقيل) والقائل الشيخ في محكي الخلاف: (يكره) الاحتجام، وتبعه المصنف في النافع، وعن المصباح ومختصره كراهيته والقصد، ولعله للجمع بين ما


(1) الوسائل - الباب - 67 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 64 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 12 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 62 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 1 - 8 - 2

[ 408 ]

سمعت وبين صحيح حريز (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) (لا بأس بأن يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر) وخبر يونس بن يعقوب (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم قال: لا أحبه) المؤيدين بمرسل الفقيه (3) (احتجم الحسن (عليه السلام) وهو محرم) وهو لا يخلوا من وجه لولا الشهرة المزبورة التي ترجح الجمع بين النصوص بالتقييد بالضرورة، على أن الاخيرين غير جامعين لشرائط الحجية، بل قيل: لا ظهور في قوله: (لا أحبه) في الكراهة نحو (لا ينبغي). (وكذا) الكلام على ما (قيل في حك الجلد المفضي إلى إدمائه) الذي اقتصر عليه في محكي الاقتصاد والكافي لقول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد (4): (ويحك الجسد ما لم يدمه) وصحيح معاوية بن عمار (5) سأله (عليه السلام) (عن المحرم كيف يحك رأسه ؟ قال: بأظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر). (وكذا) الكلام في (السواك المفضي إلى الادماء الذي عن القاضي الاقتصار عليه وعلى الحك، كما عن النهاية والمبسوط والسرائر والجامع ذكرهما مع الاحتجام خاصة، وعن المقنعة معه والاقتصار وعن جمل العلم والعمل ذكر الاحتجام والاقتصاد وحك الجلد حتى يدمي، وفي صحيح الحلبي (6) (سألت ابا عبد الله


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 62 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 - 4 - 7 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 73 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 1 - 3

[ 409 ]

عليه السلام عن المحرم يستاك قال: نعم ولا يدمي) ولكن في خبر علي بن جعفر (1) عن اخيه موسى عليه السلام (سألته عن المحرم هل يصلح له أن يستاك قال: لا بأس ولا ينبغي أن يدمي) بناء على إشعاره بالكراهة، مضافا إلى صحيح معاوية ابن عمار (2) (قلت لابي عبد الله عليه السلام: المحرم يستاك قال: نعم، قلت: فان أدمى يستاك قال: نعم هو من السنة) بل وصحيحه الآخر (3) سأله عليه السلام (عن المحرم يعصر الدمل ويربط عليها الخرقة فقال: لا بأس به) وموثق عمار (4) عنه عليه السلام ايضا (سألته عن المحرم يكون به الجرب فيؤذيه قال: يحكه، وإن سال منه الدم فلا بأس). (و) لعله لذا مضافا إلى الاصل كانت (الكراهة) فيهما (أظهر عند المصنف كما عن الجمل والعقود والوسيلة، لكن فيه أن موثق الجرب ظاهر في الضرورة بناء على انسياقها من الاذية فيه، فيبقى ما دل على حرمة الحك مع الادماء بلا معارض، وصحيح السواك متروك الظاهر، لدلالته على أنه من السنة مطلقا حتي في الصورة المفروضة، ولا قائل بها، للاجماع على الكراهة، فينبغي طرحه أو حمله على صورة عدم العلم بالادماء، وحينئذ يبقى ما دل على المنع بلا معارض، نعم قد يقال إن مقتضى الاصل جواز إخراج الدم بغير ما عرفت كعصر الدمل وقلع الضرس وغير ذلك مما لا يدخل في النصوص المزبورة، مضافا إلى خبر الصيقل (5) أنه سأل ابا عبد الله عليه السلام (عن المحرم يؤذيه ضرسه أيقلعه ؟ قال:


(1) الوسائل - الباب - 73 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 5 (2) الوسائل - الباب - 92 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 70 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (4) الوسائل - الباب - 71 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 (5) الوسائل - الباب - 95 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 410 ]

نعم لا بأس به) وإن كان يمكن حمله على الضرورة، إلا أنه يكفي في الجواز الاصل بعد عدم ما يدل على حرمة مطلق الادماء إلا ما تسمعه إن شاء الله، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط. وعلى كل حال فلا إشكال ولا خلاف في الجواز مع الضرورة، بل الاجماع بقسميه عليه، بل وعلى عدم الفدية معها، مضافا إلى الاصل والنصوص السابقة، بل الظاهر عدم الفدية مع الاختيار على الحرمة، للاصل بعد خلو النصوص المذكورة في مقام البيان، لكن في الدروس وفدية إخراج الدم شاة ذكره بعض اصحاب المناسك، وقال الحلبي في حك الجسم حتى يدمي مد طعام مسكين، قلت: لا ريب في أنه احوط وإن لم يحضرني دليله بالخصوص، نعم في المرسل (1) (أن مسألة وقعت في الموسم ولم يكن عند مواليك فيها شئ، محرم قلع ضرسه فكتب يهريق دما) واليه اشار في الدروس قال: الثالث والعشرون قلع الضرس، وفيه دم، والرواية مقطوعة، وقال ابن الجنيد وابن بابويه: لا بأس مع الحاجة ولم يوجبا شيئا، وظاهره التردد في الفدية لا في الحرمة، لكن قد عرفت الحال فيه ولعله بناء على حرمة مطلق إخراج الدم، قال فيها: العشرون الحجامة إلا مع الحاجة في الاظهر لرواية الحسن الصيقل (2) وقال في المبسوط: (لا يجوز للمحرم أن يحتجم ويفتصد) وقال في الخلاف وتبعه ابن حمزة: يكره وهو في صحيح حريز، وفي حكم الحجامة الفصد وإخراج الدم ولو بالسواك أو حك الرأس، وتبعه عليه في المسالك وغيرها، ولكن قد عرفت عدم دليل على العموم، اللهم إلا أن يكون قد فهم من ذلك المثال لمطلق الادماء، خصوصا بعد ملاحظة ما في


(1) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 62 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3

[ 411 ]

الصحيح (1) السابق المشتمل على الرخصة في علاج دبر الجمل وإلقاء الدواب عنه ولكن لا يدميه، ولا ريب في أنه احوط وإن كان إثبات الحرمة بمثل ذلك كما ترى، سيما بعدما عرفت من اختلاف كلام الاصحاب بالنسبة إلى الاقتصار على بعض دون بعض على وجه يعلم منه عدم إرادة مطلق إخراج الدم، وإلا كان ينبغي التعبير به، بل قد سمعت تعبير المصنف به اولا ثم اختار الكراهة في الاخيرين على احد الوجهين في عبارته، والله العالم. (و) كذا يحرم عليه (قص الاظفار) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المنتهى والتذكرة نسبته إلى علماء الامصار، وهو الحجة بعد قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): (من قلم اظافيره ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليه، ومن فعله متعمدا فعليه دم) وموثق اسحاق بن عمار (3) (سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي أن يقلم اظفاره وهو عند احرامه قال: يدعها، قلت: فان رجلا من اصحابنا افتاه بأن يقلم اظفاره ويعيد احرامه ففعل، فقال: عليه دم يهريقه) بل وموثقه الآخر (4) عنه (عليه السلام) ايضا (سألته عن رجل احرم ونسي أن يقلم اظفاره قال: فقال: يدعها، قال: قلت: طوال قال: وإن كانت، قلت: فان رجلا افتاه أن يقلمها وأن يغتسل ويعيد احرامه ففعل قال: عليه دم). ومنه يستفاد عدم قدح طولها في الوضوء كما يحكى عن بعض افاضل العصر


(1) الوسائل - الباب - 80 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 6 (2) الوسائل - الباب - 10 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 5 (3) الوسائل - الباب - 13 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 2 (4) الوسائل - الباب - 77 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 412 ]

بناء على أنه حاجب لما يجب غسله من السطح المعتاد. وعلى كل حال فهو دال على المطلوب مضافا إلى غيره من النصوص المستفاد من القلم فيها الاعم من القص المعبر به في الفتاوى بناء على إرادة خصوص القطع بالمقص اي المقراض فيكون المدار على مطلق الازالة. ولو انكسر ظفره وتأذى ببقائه اذية يسقط معها التكليف بل يكفي تحقق مسماها فله إزالته، بل عن المنتهى والتذكرة نفي الخلاف فيه، مضافا إلى صحيح معاوية (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن المحرم تطول اظفاره أو ينكسر بعضها قال: لا يقص منها شيئا ان استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصها وليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام) إلا أن قوله: (إن استطاع) ظاهر في بلوغه إلى حد الضرورة، لكن قد يقال إن المراد بالاستطاعة فيه الاذية بقرينة قوله: (فان).. الخ، نعم قد يقال: إن المنساق من الاذية فيه وفي معقد نفي الخلاف الوصول إلى حد الضرورة التي يسقط معها التكليف، خصوصا بعد عدم معروفية غيرها في سائر المقامات، وموافقته للاحتياط، بل منه يستفاد ايضا عدم الفرق بين الكل والبعض كما صرح به غير واحد. كما أنه لا إشكال في جواز قصه لو احتاج إلى مداواة قرحه مثلا ولا يمكن إلا بقص ظفره، نعم فرق بعض بين ذلك وبين الضرر فيه نفسه فأوجب الفدية في الاول دون الثاني، ويأتي البحث فيه إن شاء الله في محله. (و) يحرم على المحرم وغيره (قطع الشجر والحشيش) من الحرم الذي هو بريد في بريد كما تسمعه في الصحيح (2) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع


(1) الوسائل - الباب - 77 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4

[ 413 ]

بقسميه عليه، بل في المنتهى وعن التذكرة نسبته إلى علماء الامصار، وهو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة، كصحيح حريز وحسنه (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) (كل شئ ينبت في الحرم فهو حرام على الناس اجمعين إلا ما انبته انت أو غرسته) وصحيح معاوية (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن شجرة اصلها في الحرم وفرعها في الحل فقال حرم فرعها لمكان اصلها، قلت: فان اصلها في الحل وفرعها في الحرم قال: حرم اصلها لمكان فرعها، وكل شئ ينبت في الحرم فلا يجوز قلعه على وجه) ومنه يعلم حرمة النابت في غير الحرم إذا كان فرعه فيه كما صرح به بعضهم وإن لم يعد أنه من نبات الحرم، وحسن سليمان بن خالد (3) سأله (عليه السلام) ايضا (عن الرجل يقطع من الاراك الذي بمكة قال: عليه ثمنه يتصدق به ولا ينزع من شجر مكة شيئا إلا النخل وشجر الفواكه) ونحوه موثقه (4) ومرسل عبد الكريم (5) وحسن حريز (6) عنه عليه السلام ايضا، قال: (لما قدم


(1) الوسائل - الباب - 86 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 (2) الوسائل - الباب - 90 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 وليس في ذيله " وكل شئ ينبت. الخ " كما انه ليس في الفقيه ج 2 ص 165 الرقم 717 والكافي ج 4 ص 231 وانما ذكر في التهذيب بعد الحديث ج 5 ص 379 الرقم 1321 والظاهر انه من كلام الشيخ (قده) لا من الحديث (3) و (4) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2 (5) الوسائل - الباب - 87 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 9 (6) ذكر ذيله في الوسائل في الباب 88 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 وتمامه في الكافي ج 4 ص 225

[ 414 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست ثم اخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ قالوا: نظن خيرا ونقول خيرا اخ كريم وابن اخ كريم وقد قدرت، قال: فاني اقول كما قال اخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين، إلا ان الله تعالى قد حرم مكة يوم خلق السماوات والارض، فهي حرام بحرم الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: يارسول الله إلا الاذخر فانه للقبر والبيوت وفي آخر (فانه للقبر ولسقوف بيوتنا) (1) وفي ثالث (لصاغتنا وقبورنا) (2) وفي رابع (فانه لقينهم ولبيوتهم) (3) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إلا الاذخر) وفي الدعائم (4) روينا عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليه السلام) (ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أن ينفر صيد مكة، وأن يقطع شجرها، وأن يختلى خلاها ورخص في الاذخر وعصا الراعي) وفيها عنه (عليه السلام) ايضا (5) (من أصبتموه اختلى الخلا أو عضد الشجر أو نفر الصيد يعني في الحرم فقد حل لكم سلبه وأوجعوا ظهره بما استحل في الحرم) وصحيح زرارة وموثقه (6) عن


(1) الوسائل - الباب - 88 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 (2) مسند احمد ج 4 ص 75 الرقم 2279 (3) مسند احمد ج 4 ص 321 الرقم 2898 (4) ذكر صدره في المستدرك في الباب 68 من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 وذيله في الباب 69 منها - الحديث 2 (5) المستدرك - الباب - 68 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (6) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 4 و 7

[ 415 ]

ابي جعفر (عليه السلام) (حرم الله حرمه بريدا في بريد أن يختلى خلاه، ويعضد شجره إلا الاذخر أو يصاد طيره، وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة ما بين لابتيها صيدها، وحرم حولها بريدا في بريد أن يختلى خلاها، ويعضد شجرها إلا عودي الناضح) قال الجوهري: (الخلا مقصورا الحشيش اليابس تقول: خليت الخلا واختليته اي جززته وقطعته) ولكن في القاموس (الخلا مقصورا الرطب من النبات أو كل بقلة قلعتها) وعن النهاية (الخلا مقصورا النبات الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه قطعه) وعن مجمع البحرين (اي لا يجتز نبتها الرقيق مادام رطبا، وإذا يبس سمي حشيشا) وصحيح جميل أو المرسل (1) إليه قال: (رآني علي بن الحسين (عليهما السلام) وأنا اقلع الحشيش من حول الفساطيط فقال: يا بني ان هذا لا يقلع) وصحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) (قلت له: المحرم ينزع الحشيش من غير الحرم فقال: نعم، قلت: فمن الحرم ؟ قال: لا) إلى غير ذلك من النصوص التي سيمر عليك بعضها ايضا الظاهرة فيما ذكرناه من عدم الفرق بين المحرم والمحل في ذلك. نعم لا إشكال ولا خلاف في جواز قطعهما ذلك من الحل، بل وفي عدم الفرق بين القلع والقطع والنزع وغير ذلك مما اشتملت عليه النصوص التي لا تعارض فيها بالنسبة إلى ذلك، بل وفي عدم الفرق بين الورق والاغصان والثمر وغير ذلك بل وفي عدم الفرق بين الرطب واليابس عدا خبري الخلا (3) بناء على أنه الرطب


(1) الوسائل - الباب - 86 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 وفيه عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: رآني علي بن الحسين (عليهما السلام).. الخ (2) الوسائل - الباب - 85 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (3) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 و 7

[ 416 ]

وعلى تقديره فهو غير معارض لغيره، لكن عن التذكرة والتحرير وفي الدروس والمسالك وغيرها جواز قطع اليابس، بل في الاخير منها وإن كان متصلا بالاخضر لانه كقطع اعضاء الميتة من الصيد، وهو لا يوافق اصولنا، وعن الاول منها نعم لا يجوز قلعه، فان قطعه فعليه الضمان، لانه لو لم يقلع لنبت ثانيا، ذكره بعض الشافعية، ولا بأس به، وظاهره الفرق بين القلع والقطع، لكن عن المنتهى لا بأس بقلع اليابس من الشجر والحشيش، لانه ميت، فلم تبق له حرمة، وهو مناف لما سمعته منه في التذكرة إلا أن يحمل على يابس لا ينبت. وعلى كل حال لا يخفى عليك ما فيه بعدما سمعته من النصوص التي منها صحيح حريز وحسنه المشتملان على كل شئ ينبت في الحرم، نعم ما عنهما وفي غيرهما - من جواز أخذ الكماة والفقع من الحرم للمحرم وغيره في محله في الاول للاصل بعد عدم تناول النصوص المزبورة له، وتفسير تحريم مكة بتحريم قطع ما نبت فيها فيما سمعته من النصوص، بخلاف الكماة التي تخلق في الارض فهي كالثمرة الملقاة عليها، وأما الثاني فالذي نعرفه شئ ينبت في الارض ويكون له ساق فيندرج في صحيحة حريز. وكذا يجوز الانتفاع بالغصن المكسور والورق الساقط بغير فعل آدمي له ايضا بعد ظهور النصوص في كون المحرم القطع، بل عن التذكرة القطع بذلك، بل عنها وعن المنتهى الاجماع عليه، بل الظاهر ذلك حتى إذا كان بفعل آدمي وإن كان هو الجاني، للاصل المزبور بعد حرمة القياس على الصيد المذبوح في الحرم مع وضوح الفرق بوجود النص في الصيد وافتقار حله إلى اهلية الذابح وذبحه بشروط، نعم قد يقال بتناول التحريم في صحيح حريز السابق وحسنه لمثل الاستعمال المزبور.

[ 417 ]

لكن الذي يظهر ولو بقرينة الفتاوى وغيرهما من النصوص إرادة تحريم القطع والقلع للنبات والشجر (إلا أن ينبت في ملكه) فانه يجوز حينئذ قطعه بل قلعه كما صرح به غير واحد، بل لا أجد فيه خلافا محققا لو كان في داره أو منزله، لخبر حماد بن عثمان أو قويه (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في الشجرة يقلعها الرجل من منزله في الحرم فقال: إن بنى المنزل والشجرة فيه فليس له أن يقلعها، وإن كانت نبتت في منزله وهو له فليقلعها) وصحيحه الآخر أو خبره عنه عليه السلام (2) ايضا (سألته عن الرجل يقلع الشجرة من مضربه وداره في الحرم فقال: إن كانت الشجرة لم تزل قبل أن يبني الدار أو يتخذ المضرب فليس له أن يقلعها، وإن كانت طرأت عليه فله قلعها) وخبر اسحاق أو حسنه (3) (قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يدخل مكة فيقطع من شجرها قال: اقطع ما كان داخلا عليك، ولا تقطع ما لم يدخل منزلك) وفي التهذيب بعد أن روى صحيح حريز الذي ذكرناه في اول المسألة قال متصلا بقوله: (إلا ما أنبته أو غرسته): وكل ما دخل على الانسان فلا بأس بقلعه، فان بنى هو في موضع يكون فيه نبت لا يجوز له قلعه، فيحتمل أن يكون ذلك من تتمة الصحيح، وإلا كانت فتوى منه مستظهرا لها من الخبرين الاولين اللذين هما وإن كانا مشتملين على خصوص الشجر إلا أنه لا قائل بالفرق بينه وبين غيره، بل لعل ظاهر النصوص كون المدار على النبات سابقا ولاحقا، ولعله لذا ذكر الحشيش في محكي الجمل والعقود، قال: ولا تقلع شجرا نبت في الحرم إلا شجر الفواكه والاذخر، ولا حشيشا إذا لم ينبت في ملك الانسان، كما أن الظاهر عدم الفرق بين المنزل وغيره، خصوصا


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 2 - 6

[ 418 ]

بعد قوله عليه السلام في الصحيح (1) (مضربه) بل في الاخير اقطع ما كان داخلا عليك، وإن ذكر فيه المنزل بعد ذلك، فما في الرياض بعد منع عدم القول بالفصل قال: فإذا الاجود الاقتصار على مورد الخبرين ان عملنا بهما بزعم انجبار ضعف سندهما بفتوى الجماعة، وإلا يشكل هذا الاستثناء لا يخلوا من نظر، خصوصا بعد صحة الخبر الاول، وكذا ما عن التهذيب والتحرير والمنتهى من الاقتصار على المنزل، بل عن الاول منها الاختصاص بالدار من مدر أو غيره، وهي المنزل، بل عن النهاية والمهذب والسرائر والجامع والتلخيص والنزهة الاقتصار عليها إن ارادوا عدم الجواز في غيرها، بل قد يقال بعدم اعتبار الملك الذي ذكره المصنف وغيره ايضا لما سمعت، بل ظاهر النصوص المزبورة جواز قطع ما أنبته الله في ذلك كما عن المبسوط والتذكرة النص عليه فضلا عما انبته هو، فما عن الغنية والاصباح من الاقتصار على ما غرسه الانسان في ملكه في غير محله إن اراد عدم جواز غيره، خصوصا بعدما سمعته من صحيح زرارة (2) الظاهر في جواز قطع ما انبته وغرسه وإن لم يكن في ملكه كما عن النهاية والمبسوط والسرائر والنزهة والمنتهى والتذكرة، فما عن ابني زهرة والبراج والكيدري من التقيبد بملكه في غير محله. بل الظاهر عدم الفرق بين أن يكون من الجنس الذي من شأنه أن ينبته الآدميون كشجر الفواكه وعدمه، بل لا يبعد اندراج ما يخرج مع الزرع الذي


(1) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) الصواب " صحيح حريز " حيث انه لم يتقدم في صحيح زرارة ما يدل على جواز قطع ما انبته أو غرسه وانما هو مذكور في صحيح حريز المتقدم في ص 413

[ 419 ]

بذره بسقيه وعمله وإن لم يكن بذره منه، لصدق أنه أنبته، بل لو غصب بذرا أو شجرا وغرسه في الحرم كان له قلعه من هذه الحيثية. وبذلك ظهر لك أن عبارة المصنف وما شابهها لا تفي بما ذكرناه، حتى لو جعل (ملكه) فيها مصدرا على معنى كون النبات في ملكه، فانه وإن عمم الامرين: ما نبت في ارض مملوكة له، وما انبته في ارض مباحة، إذ هما مملوكان له، لكنه لا يشمل المغصوب ونحوه، فالتعبير حينئذ بما في الخبر كما سمعته من الفتاوى السابقة اولى. ثم إن الظاهر عدم الفرق بين قلعه نفسه لما انبته أو غرسه وبين غيره، لاطلاق الدليل المراد منه عدم الحرمة لذلك باعتبار عدم كونه من نبات الحرم، والله العالم. (و) كذا (يجوز قلع شجر الفواكه) من الحرم بلا خلاف اجده فيه، بل نسبه غير واحد إلى قطع الاصحاب، كما عن ظاهر المنتهى الاتفاق عليه بل عن الخلاف الاجماع على نفي الضمان عما جرت العادة بغرس الآدمي له نبت بغرسه أو لا، كل ذلك مضافا إلى ما تقدم من خبر سليمان بن خالد (1) ومرسل عبد الكريم (2) المنجبرين بذلك. (و) كذا يجوز قطع (الاذخر والنخل) بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن المنتهى والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعدما سمعته من النص على الاذخر والنخل، مضافا إلى قول ابي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (3): (رخص رسول الله صلى الله عليه وآله في قطع عودي المحالة، وهي البكرة


(1) االوسائل - الباب - 18 - من ابواب بقية كفارات الاحرام - الحديث 2 (2) و (3) الوسائل - الباب - 87 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 9 - 5

[ 420 ]

التي يستقى بها من شجر الحرم والاذخر) والى هذه اشار المصنف بقوله: (وعودي المحالة على رواية) بل في التهذيب وعن الجامع الفتوى بها، بل تبعهما غير واحد من المتأخرين، لكن فيها جهل وارسال، ولا جابر لها على وجه يعتد أو يخص بها ما سمعت، بل عن الحلبي اطلاق حرمة قطع شجر الحرم واختلاء خلاه من غير استثناء، وان كان فيه ما عرفت، ثم على تقدير الجواز ينبغي الاقتصار على خصوص البكرة العظيمة المسماة بالمحالة اقتصارا على خصوص المنصوص وما في صحيح زرارة السابق من عودي الناضح انما هو في نبات حرم المدينة، مع احتمال كونه المحالة ايضا، وعلى كل حال يمكن الاستدلال به على اصل المسألة بناء على عدم القول بالفصل بين حرم المدينة ومكة بالنسبة إلى ذلك، وستعرف الحال فيه إن شاء الله، وعلى كل حال فلا ريب في أن الاحوط الاجتناب. وأما استثناء عصا الراعي فلم اجده في نص ولا فتوى إلا في خبر الدعائم (1) الذي سمعته سابقا، نعم لا بأس أن يترك المحرم فضلا عن غيره إبله ترعى في الحشيش مثلا وإن حرم عليه قطعه، للاصل بعد عدم تناول النصوص لذلك، والسيرة القطعية التي هي فوق الاجماع، وصحيح حريز (2) عن ابي عبد الله عليه السلام (يخلي عن البعير يأكل في الحرم ما شاء) بل في المدارك لو قيل بجواز نزع الحشيش للابل لم يكن بعيدا، للاصل وصحيح جميل ومحمد بن حمران (3) قالا:


(1) المستدرك - الباب - 69 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 89 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 89 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 وهو عن جميل و عبد الرحمان بن ابي نجران عن محمد بن حمران قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام. الخ " كما في التهذيب ج 5 ص 380 الرقم 1328

[ 421 ]

(سألنا ابا عبد الله عليه السلام عن النبت الذي في ارض الحرم أينزع ؟ فقال: أما شئ تأكله الابل فليس به بأس أن تنتزعه) ولكن فيه انهما منافيان لما سمعت من اطلاق النص والفتوى ومعقد الاجماع، ولعله لذا قال في التهذيب قوله عليه السلام: (ليس به) إلى آخره يعني الابل فانه يخلي عنها ترعى كيف شاءت مستشهدا عليه بما في الصحيح الاول (1) فلا وجه لايراده عليه في المدارك بأنه لا تنافي بين الروايتين يقتضي المصير إلى ما ذكره من التأويل، إذ الداعي له إعراض الاصحاب عنهما، فتأويلهما خير من طرحهما، نعم عن الاسكافي لا اختار الرعي، لان البعير ربما جذب النبت من اصله، فأما ما حصده الانسان منه وبقي اصله في الارض فلا بأس، وكأنه اجتهاد في مقابلة ما عرفت، هذا. ولا فرق في الشجر بين المؤذي منه كالشوك وشبهه وغيره كما عن الفاضل التصريح به للاطلاق المزبور، خلافا للمحكي عن الشافعي وجماعة من الجواز قياسا على الحيوان المؤذي، والله العالم. (و) كذا يحرم (تغسيل المحرم لو مات) وتحنيطه (بالكافور) بلا خلاف اجده فيه، للمعتبرة المستفيضة التي منها صحيح محمد بن مسلم (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) (عن المحرم إذا مات كيف يصنع به ؟ قال: يغطى وجهه ويصنع به كما يصنع بالحلال غير أنه لا يقربه طيبا) بل مقتضاه كغيره حرمة الطيب عليه مطلقا كافور وغيره في الغسل والحنوط وغيرهما كما هو معقد اجماع التذكرة، والظاهر أنه غسل تام بالنسبة إليه، فلا يجب بمسه بعده غسل على الماس وإن احتمل، بل قيل به، والله العالم.


(1) الوسائل - الباب - 89 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 83 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 422 ]

(و) يحرم عليه ايضا (لبس السلاح لغير ضرورة) على المشهور كما في كشف اللثام وغيره، لصحيح ابن سنان (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) أيحمل السلاح المحرم ؟ فقال: إذا خاف المحرم عدوا أو سرقا فليلبس السلاح) وصحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا (المحرم إذا خاف لبس السلاح) وخبر زرارة (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) (لا بأس أن يحرم الرجل وعليه السلاح إذا خاف العدو) بل في صحيح الحلبي (4) عنه (عليه السلام) ايضا (المحرم إذا خاف العدو فلبس السلاح فلا كفارة عليه) وظاهره ثبوتها عليه إذا لبسه مع عدم الخوف، إلا أنه لم نجد قائلا به كما اعترف به غير واحد، اللهم إلا أن يحمل على ما يغطي الرأس كالمغفر، أو يحيط بالبدن كالدرع، ولكن حرمتهما حينئذ لذلك لا لكونهما من السلاح الذي قد يشك في شمولهما، وان كانت هي مع الترس من لامة الحرب، نعم هو شامل لمثل الدبوس ونحوه، بل قد يقال بشموله لمثل بعض الآلات التي تتخذ للحرب وإن لم يكن فيه نصل ولا محددة كالعصا ذات الرأس وغيرها، كما عساه يؤمي إليه ما ذكروه في المحارب الذي هو من شهر السلاح للاخافة، نعم لا يعد مثله ومثل حمل الرمح وآلة البندق ونحوها لبسا عرفا، ومن ذلك يعلم كون المراد من اللبس هنا ما يشمل نحو ذلك مما هو داخل في الحكم قطعا، وربما يشير إليه الجواب عن الحمل في السؤال باللبس المشعر باتحادهما وأن المراد كون الرجل مسلحا. (و) على كل حال فقد (قيل) ولكن لم نعرف القائل قبل المصنف: انه (يكره) نعم هو خيرة الفاضل في المحكي عن جملة من كتبه والمصنف بقوله:


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 54 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 2 - 3 - 4 - 1

[ 423 ]

(وهو الاشبه) وتبعهما غيرهما للاصل المقطوع بما عرفت، وضعف دلالة المفهوم الذي هو مفهوم شرط متفق على حجيته، ودعوى أنه كذلك لكن إذا لم يظهر للتعليق وجه سوى نفي الحكم عما عدا محل الشرط. وهنا ليس كذلك، إذ لا يبعد أن يكون باعتبار عدم الاحتياج إلى لبس السلاح عند عدم الخوف كما ترى لا تستأهل جوابا، ضرورة عدم اندفاع الظهور بمثل هذا الاحتمال، خصوصا بعد فهم المشهور، فالاصح حينئذ الحرمة، بل عن الحلبيين تحريم اشتهاره ايضا وان لم يكن معه لبس ولا حمل يصدق معه أنه متسلح، بل كان معلقا على دابة ونحوها، بل عن التقي منهما حمله، ولعله لانه حينئذ كاللابس له، ولقول امير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الاربعمائة المروي (1) عن الخصال: (لا تخرجوا بالسيوف إلى الحرم) كما أن الاول لقول الصادق (عليه السلام) في حسن حريز (2): (لا ينبغي أن يدخل الحرم بسلاح إلا أن يدخله في جوالق أو يغيبه) وفي خبر ابي بصير (3) (لا بأس أن يخرج بالسلاح من بلده، ولكن إذا دخل مكة لم يظهره) ولا ريب في أنه احوط وان كان الاقوى عدم الحرمة كما عساه يشعر به قول: (لا ينبغي) الذي يكون قرينة على المراد في الخبر الثاني، خصوصا بعد ندرة القول بذلك، كندرة القول بحرمة الحمل على وجه لا يعد به متسلحا، والخبر المزبور مع ظهوره في الحرم دون المحرم ولم نعرف قائلا به بل السيرة القطعية على خلافه محمول على ضرب من الكراهة، والله العالم. هذا كله في المحرمات (و) أما (المكروهات) ف‍ (عشرة) عند المصنف (الاحرام في الثياب المصبوغة بالسواد) لموثق الحسين بن المختار (4) (قلت


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب مقدمات الطواف الحديث 3 - 1 - 2 (4) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب الاحرام - الحديث 1

[ 424 ]

لابي عبد الله (عليه السلام): يحرم الرجل في الثوب الاسود قال: لا يحرم في الثوب الاسود ولا يكفن به الميت الظاهر في إرادة الكراهة ولو بقرينة التكفين المجمع على جوازه به، فهو في نفسه حينئذ غير صالح لاثبات الحرمة فضلا عن أن يخص به ما دل جواز الاحرام في كل ثوب يصلى فيه مع الاجماع بقسميه على جواز الصلاة في الثياب السود المؤيد بتظافر النصوص بالنهي عن لبس السواد كقول امير المؤمنين (عليه السلام) (1): (لا تلبسوا السواد فانه لباس فرعون) وقول الصادق (2) (عليه السلام): (يكره السواد إلا في ثلاثة: الخف والعمامة والكساء) المحمول على الكراهة اجماعا وان كان لا دلالة في ذلك على كراهة الاحرام بخصوصه، فما عن المبسوط والنهاية والخلاف والوسيلة لا يجوز الاحرام فيه واضح الضعف أو محمول على الكراهة، كما عن ابن ادريس حمله على ذلك، والله العالم. (أو) ب‍ (العصفر) وهو شئ معروف (وشبهه) مما يفيد الشهرة ولو زعفرانا أو ورسا بعد زوال ريحهما، لخبر ابان بن تغلب (3) (سأل ابا عبد الله (عليه السلام) اخي وأنا حاضر عن الثوب يكون مصبوغا بالعصفر ثم يغسل ألبسه وأنا محرم فقال: نعم ليس العصفر من الطيب، ولكن اكره ان تلبس ما يشهرك به الناس) ونحوه خبر عبيدالله بن هلال أو صحيحه (4) عنه (عليه السلام) ايضا،


(1) و (2) الوسائل - الباب - 19 - من ابواب لباس المصلي - الحديث 5 - 1 من كتاب الصلاة (3) و (4) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 5 - 2 والثاني عن عبد الله بن هلال كما في الكافي ج 4 ص 342

[ 425 ]

ولكنهما لا يدلان على مطلق الصبغ به بناء على عدم الشهرة إلا بالمشبع منه، ولعله لذا خص الكراهة به في محكي المنتهى والتذكرة، بل في الاول لا بأس بالمعصفر من الثياب، ويكره إذا كان مشبعا، وعليه علماؤنا، بل في التذكرة ولا يكره إذا لم يكن مشبعا عند علمائنا، ولا ينافي ذلك ما تسمعه من صحيح علي بن جعفر (1) المحمول على الجواز الذي لا ينافي الكراهة بما يفيد شهرة المؤيدة بما في خبر عامر بن جذاعة (2) سأل ابا عبد الله عليه السلام ايضا (عن مصبغات الثياب يلبسها المحرم قال: لا باس به إلا المقدمة المشهورة) وحسن الحلبي (3) عنه عليه السلام ايضا (لا تلبس المحرمة الحلي ولا الثياب المصبغات إلا ثوبا لا يردع) وفيما حضرني من نسخة التهذيب (إلا صبغا لا يردع) وفي القاموس الردع الزعفران أو لطخ منه أو من الدم أو أثر الطيب في الجسد، وثوب مردوع مزعفر، ورداع ومردع كمعظم فيه أثر طيب، وفي وافي الكاشاني لا يردع أي لا ينفض أثره على ما يجاوره يقال به ردع من زعفران أو دم اي لطخ وأثر وردعه فارتدع اي لطخه به فتلطخ ولعل هذا هو المراد من الخبر المزبور، وصحيح الحسين بن ابي العلاء (4) سأله عليه السلام ايضا (عن الثوب يصيبه الزعفران ثم يغسل فلا يذهب أيحرم فيه ؟ قال: لا بأس إذا ذهب ريحه، ولو كان مصبوغا كله إذا ضرب إلى البياض وغسل فلا بأس) وعن ابي حنيفة تحريم الاحرام بالمعصفر لزعمه كون العصفر طيبا، ولعل في الخبر المزبور تعريضا للرد عليه، وفي صحيح علي بن جعفر (5) سأل اخاه عليه السلام (يلبس المحرم الثوب المشبع بالعصفر فقال: إذا لم يكن فيه طيب فلا بأس) يمكن أن


(1) و (2) و (5) الوسائل - الباب - 40 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 4 - 1 - 4 (3) و (4) الوسائل - الباب - 43 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 1

[ 426 ]

يكون المراد من قوله عليه السلام في الخبر الاول: (ما يشهرك) إلى آخره، اي المعرفة بأنه من الشيعة المخالفين لابي حنيفة، وعن ابن حمزة كراهة الاحرام بالثياب المقدمة والمصبوغة بطيب غير محرم عليه اي غير الزعفران والورس والمسك والعنبر والعود والكافور والادهان الطيبة ولم نقف على ما يشهد له، كما أن خبر خالد بن ابن العلاء (1) قال: (رأيت ابا جعفر عليه السلام وعليه رداء اخضر وهو محرم) وخبر ابي بصير (2) عن ابي جعفر عليه السلام قال: (سمعته وهو يقول: كان علي عليه السلام محرما ومعه بعض صبيانه وعليه ثوبان مصبوغان، فمر به عمر بن الخطاب فقال: يا ابا الحسن ما هذان الثوبان ؟ فقال له علي عليه السلام: ما نريد احدا يعلمنا بالسنة، انما هما ثوبان صبغا بالمشق، يعني الطين) اي المقر، ويقال ثوبا ممشق مصبوغ به يدلان على عدم الكراهة في نحو ذلك، مع أن الممشوق ربما يكون مفدما بل قد سمعت ما في خبر الحلبي من نهي المحرمة عن لبس كل المصبوغات إلا صبغا لا يردع، ومقتضاه عدمها في الصبغ غير المردع، وحينئذ فلا دليل على كراهة مطلق الصبغ، بل مقتضى الادلة خلافه. وكيف كان فقول المصنف: (وتتأكد) اي الكراهة (في السواد) لم نقف على ما يدل عليه، إذ لم يحضرنا إلا ما سمعته من الخبر المزبور الدال على اصل الكراهة الزائدة على اصل اللبس، كما ان ما في الدروس من الكراهة في مطلق المصبوغ وتتأكد في الاسود كذلك لما عرفت، إلا أن الحكم مما يتسامح به وفي خبر الدعائم (3) عن جعفر بن محمد عليهما السلام) أنه قال: (يتجرد المحرم


(1) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (3) ذكر صدره في المستدرك في الباب 29 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 وذيله في الباب 31 منها الحديث 1

[ 427 ]

في ثوبين ابيضين، فان لم يجد فلا بأس بالصبغ ما لم يكن بزعفران أو ورس أو طيب، وكذلك المحرمة لا تلبس مثل هذا من الصبغ) فانه يفيد البأس مع وجود الابيضين، ولا أقل من الكراهة، بل لا قائل باشتراطها بعدم وجود الابيض، والله العالم. (و) كذا يكره (النوم عليها) اي الثياب المزبورة نحو ما عن ابن حمزة من كراهة النوم على ما يكره الاحرام فيه، وعن النهاية والمبسوط والتهذيب والجامع والتذكرة والتحرير والمنتهى كراهة النوم على الفرش المصبوغة ولكن لم نظفر إلا بخبر ابي بصير (1) عن ابي جعفر عليه السلام (يكره للمحرم أن ينام على الفراش الاصفر والمرفقة الصفراء) اي المخدة، ونحوه خبر المعلى بن خنيس (2) عن الصادق (عليه السلام) وعن المقنع الاقتصار عليه، وفي المدارك استفادة السواد بالاولوية، وفيه بحث، على أنه لا يتم في المقدم الذي هو شديد الحمرة المتقدم كراهة الاحرام فيه، اللهم إلا أن يكون ذلك من الترفه الذي لا يناسب المحرم الاشعث الاغبر. (و) يكره ايضا الاحرام (في الثياب الوسخة وإن كانت طاهرة) لصحيح ابن مسلم (3) سأل أحدهما (عليهما السلام) (عن الرجل حرم في ثوب وسخ قال: لا، ولا أقول إنه حرام ولكن تطهيره أحب إلي، وطهوره غسله) ولو عرض له الوسخ في الاثناء أخر غسله إلى أن يحل، لصحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) ايضا (لا يغسل الرجل ثوبه الذي يحرم فيه حتى يحل وإن توسخ إلا أن تصيبه جنابة أو شئ فيغسله) بل ظاهره المنع عن ذلك كما عن


(1) و (2) الوسائل - الباب - 28 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 1 (3) و (4) الوسائل - الباب - 38 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 428 ]

ظاهر الدروس إلا أن الاولى الكراهة كما صرح بها غير واحد. (ولبس الثياب المعلمة) لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): (لا بأس أن يحرم الرجل في الثوب المعلم، وتركه أحب إلي إذا قدر على غيره) ولعل وجه الكراهة فيه يظهر مما سمعته من صحيح ابن مسلم السابق الذي اجاب فيه بالنهي أولا ثم ذكر بعد ذلك أن تطهيره أحب، فيفهم منه الكراهة في كل شئ يكون غيره أحب، لا أن المراد منه ما يراد من افعل التفضيل المقتضي لكونه محبوبا ايضا، بل لعل العرف ايضا يساعد على ذلك، ولا ينافيه صحيح الحلبي (2) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحرم في ثوب له علم فقال: لا بأس به) إذا اقصاه الجواز، نعم صحيح ليث المرادي (3) سأله عليه السلام ايضا (عن الثوب المعلم هل يحرم فيه الرجل ؟ قال: نعم، انما يكره الملحم) دال على نفي الكراهة عنه، ويمكن ارادة شدتها، وعن المبسوط تقييد المعلم بالابريسم، وفي كشف اللثام يمكن أن يكون للتنبيه بالاعلى على الادنى، لامكان توهم حرمة المعلم به، وفيه أنه يقضي حينئذ بعدم حرمة غيره من المعلم لا كراهته، قيل: والمراد بالمعلمة بالبناء للمجهول المشتملة على لون يخالف لونها حال عملها كالثوب المحوك من لونين أو بعده بالطرز والصبغ، والله العالم. (واستعمال) الرجل (الحناء المزينة) عند الاكثر كما في المدارك وكشف اللثام وغيرهما، لصحيح ابن سنان (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام)


(1) و (2) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 3 - 4 (3) الوسائل - الباب - 39 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 وفي الوسائل الطبع الحديث " انما يحرم الملحم " إلا أن الموجود في الكافي ج 4 ص 324 والفقيه ج 2 ص 216 الرقم 987 كما في الجواهر (4) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1

[ 429 ]

(سألته عن الحناء فقال: إن المحرم ليمسه، ويداوي به بعيره، وما هو بطيب وما به بأس) ولكن اقصاه الجواز الذي هو مقتضى الاصل في مقابل القول بالحرمة المحكية عن المقنعة والاقتصاد وهي خيرة الفاضل في المختلف لمفهوم تعليل المنع عن الكحل بالسواد والنظر في المرآة بأنه زينة، بل مقتضاه الحرمة وإن لم يقصد الزينة، لما سمعته من عدم توقف صدقها على القصد، ولعله لذا كان خيرته في المختلف ذلك إلا أن فيه أن مفهوم التعليل يخرج عنه باطلاق نفي البأس بها، بل وباطلاق المس الذي هو أخص منه أو أرجح بناء على العموم من وجه ولو بالشهرة المزبورة، وأغلبية الزينة فيها، وعدم العمل بعموم المفهوم في الخاتم والحلي وغيرهما مما يحصل به الزينة إن لم يقصدها، نعم لم يحضرني نص بالخصوص في الكراهة إلا خبر الكناني (1) سأل الصادق (عليه السلام) (عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك ؟ قال: ما يعجبني أن تفعل) بناء على مساواة الرجل والمرأة وما قبل الاحرام لما بعده، وأولوية الزينة المقصودة من خوف الشقاق المنزل على عدم وصوله إلى حد الضرورة، وإلا لم يكن مكروها، وحينئذ يكون ظاهرا في كراهة ذلك باعتبار كونه زينة وإن لم تكن مقصودة، وهو خلاف ما صرح به غير واحد من كون المدار على القصد، بل هو ظاهر تقييد المتن ومحكي الخلاف والتذكرة، بل لم أجد قائلا صريحا بالكراهة على الوجه المزبور، نعم ربما كان ظاهر اطلاق القواعد ومحكي النهاية والمبسوط والسرائر والجامع كراهة استعمالهما الحناء قبل الاحرام على وجه يبقى أثره بعده إلا أنه غير شامل لباقي الصور، ولعل الاولى التعميم، لما عرفت، مضافا إلى جهة الحرمة التي يمكن إرادة الكراهة مما سمعت من دليلها بالنسبة إلى ذلك بمعونة فتوى المشهور مع التسامح.


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 430 ]

وبذلك كله يظهر لك الحال فيما ذكره المصنف بقوله: (وكذا للمرأة ولو قبل الاحرام إذا قارنته) لكن في المدارك بعد أن حكى عن جده في المسالك عدم الفرق بين الواقع بعد نية الاحرام وبين السابق عليه إذا كان يبقى بعده، وأنه جزم في الروضة بتحريم الحناء قبل الاحرام إذا بقى أثره إليه قال: (والرواية قاصرة عن إفادة ذلك، ويستفاد منها أن محل الكراهة استعماله عند ارادة الاحرام، وعلى هذا فلا يكون استعماله قبل ذلك محرما ولا مكروها) وفيه أن دليله على الحرمة ما سمعته من تعليل الزينة التي لا فرق فيها بين الاحرام معها أو فعل الاحرام بعدها كالطيب والمخيط ونحوهما، وإن كان فيه ما عرفت، كما أن ما عن الشيخ والحلي ويحيى بن سعيد والفاضل في بعض كتبه من اختصاص الكراهة بالمرأة، لاختصاص النص بها، وغلبة استعمالها، وقوة تهييجه الشهوة فيها غير واضح بعد قاعدة الاشتراك، فالاقوى عدم الفرق بينهما فيها، وعدم الفرق بين ما بعد الاحرام وما قبله مع بقاء الاثر الذي يكون زينة بعده قصد أو لم يقصد، والله العالم. (والنقاب للمرأة على تردد) من صحيح العيص (1) عن الصادق (عليه السلام) (المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير والقفازين، وكره النقاب) بل وقيل وخبر يحيى بن أبي العلاء (2) عنه (عليه السلام) ايضا (انه كره للمحرمة البرقع والقفازين) بناء على ارادته من البرقع، وان كان فيه منع واضح، ومن النهي عنه في المعتبرة المستفيضة التي منها ما تقدم سابقا في حرمة


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 33 من ابواب الاحرام الحديث 9 وذيله في الباب 48 من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (2) الوسائل - الباب - 33 - من ابواب الاحرام - الحديث 6

[ 431 ]

تغطية وجهها (1) بل في بعضها (2) تعليل النهي عنه بأن احرام المرأة في وجهها ومنه يعلم منافاته لما وجب عليها من الكشف بغير المستثنى، إذ قد سمعت الاجماع بقسميه بل المحكي منهما في التذكرة والمنتهى عن العلماء كافة على حرمة تغطية وجهها وتخصيص ذلك كله بما عدا النقاب للخبرين المزبورين الذى قد عرفت الحال في الثاني منهما مع احتمال ارادة الحرمة من الكراهة فيهما، بل لعله الظاهر بملاحظة القرائن، بل وفتوى الاصحاب بحرمته التي اعترف في المدارك بعدم خلاف فيها، وان كان قد يناقش بأن كراهته ظاهرا المحكي عن المقنع والجمل والعقود بل صريح الفاضل في القواعد كما ترى، بل لا وجه للتردد فيه من دون ترجيح ضرورة قصور المخصص عن التخصيص من وجوه، فلا يناسب التردد فيه من ذلك وفي كشف اللثام احتمال كون المراد منه الذي يسدل على الوجه من غير أن يمسه بقرينة ما في المقنع من التصريح بكراهة النقاب، ثم فيه بعده بعدة أسطر ولا يجوز للمرأة أن تتنقب، لان احرام المرأة في وجهها، واحرام الرجل في رأسه، وفي التذكرة التردد المزبور مع نقل الاجماع فيها على حرمة تغطية وجهها، بل في موضع آخر منها القطع بحرمة النقاب عليها، وفيه مضافا إلى عدم صدق النقاب على ذلك عرفا أنه لا وجه للتردد في الكراهة في الفرض إن اريد بها في مقابل الحرمة، لما عرفته من الاجماع بقسميه مع النصوص على جوازه، وإن اريد بالنسبة إلى عدمها فلا دليل ايضا يقتضي الكراهة، وعبارة المقنع يمكن حملها على ارادة الحرمة، وانما أعاده لارادة بيان علته المنصوصة باللفظ الذي ذكره، وأما التذكرة فهي كثيرة الاشتمال على نحو ذلك، فالتحقيق حينئذ حرمته بلا تردد، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 0 - 1

[ 432 ]

(و) كذا يكره للمحرم (دخول الحمام) بلا خلاف اجده فيه لخبر عقبة بن خالد (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (سألته عن المحرم يدخل الحمام قال: لا يدخل) المحمول عليها للاجماع بقسميه على عدم الحرمة، ولصحيح معاوية بن عمار (2) عنه (عليه السلام) ايضا (لا بأس أن يدخل المحرم الحمام ولكن لا يتدلك). (و) كذا يكره للمحرم (تدليك الجسد فيه) اي الحمام، وكذا في غيره لما سمعته من النهي المزبور، ولصحيح يعقوب بن شعيب (3) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يغتسل قال: نعم يفيض الماء على رأسه ولا يدلكه) بعد الاجماع على الجواز إذا كان بحيث لا يدمي ولا يسقط شعرا. (و) كذا يكره له (تلبية من يناديه) لانه في مقام التلبية لله تعالى شأنه الذي لا ينبغي أن يشرك غيره معه فيها، ولقول الصادق (عليه السلام) في صحيح حماد (4): (ليس للمحرم أن يلبي من دعاه حتى يقضي احرامه، قال: قلت: كيف يقول ؟ قال: يقول: يا سعد) والمرسل (5) (إذا نودي المحرم فلا يقول لبيك، ولكن يقول يا سعد) بعد الشهرة أو الاجماع على الجواز الموافق للاصل، وللمرسل (6) عن الصادق (عليه السلام) (يكره للرجل أن يجيب


(1) و (2) الوسائل - الباب - 76 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب - 75 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 91 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 - 3 - 2

[ 433 ]

بالتلبية إذا نودي وهو محرم) وفي آخر (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) (لا بأس أن يلبي المجيب) المنجبر بما عرفت، فما عن ظاهر التهذيب من التحريم واضح الضعف أو غير مراد، والله العالم. (و) كذا يكره (استعمال الرياحين) أو شمها كما في النافع والقواعد وعن الاسكافي والنهاية والوسيلة، بل والحلي وإن كنا لم نتحققه، لانه ترفه وتلذذ لا يناسب المحرم الاشعث الاغبر، ولقول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (2): (لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة)) وفي صحيح ابن سنان (3) (لا تمس ريحانا وانت محرم) المحمول على ما يشعر به الاول جمعا بينه وبين قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (4): (لا بأس أن تشم الاذخر والقيصوم والخزامى والشيح واشباهه وانت محرم) والنصوص (5) الدالة على استحباب مضغ الاذخر، وما عن الفقيه عن ابراهيم بن ابي سفيان (6) (انه كتب إلى ابي الحسن (عليه السلام) المحرم يغسل يده باشنان فيه اذخر فكتب لا احبه لك) مضافا إلى ما عساه يفهم من خبر الساباطي (7) عن الصادق (عليه السلام) (عن


(1) الوسائل - الباب - 42 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 وفيه " لا بأس أن يلبي الجنب " كما في الفقيه ج 2 ص 211 الرقم 963 (2) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 5 - 3 (4) الوسائل - الباب - 25 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (5) الوسائل الباب - 3 - من ابواب مقدمات الطواف (6) الوسائل - الباب - 27 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 3 عن ابراهيم بن سفيان كما في الفقيه ج 2 ص 244 الرقم 1048 (7) الوسائل - الباب - 26 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2

[ 434 ]

المحرم يأكل الاترج قال: نعم، قلت: فان ريحه طيبة فقال إن الاترج طعام ليس من الطيب) من كون المحرم الطيب، بل وصحيح ابن سنان (1) السابق المسؤول فيه عن الحناء، والى عسر الاجتناب عنه في ايام الربيع ونحوه، ولذا استثنى نبت الحرم من حرمة شم الرياحين في المختلف كخلوق الكعبة، وما بين الصفا والمروة من الاعطار، لكن فيه انه لا اشارة في شئ من النصوص إلى استثناء ذلك كما في الخلوق وما بين الصفا والمروة، فليس حينئذ إلا لعدم الحرمة خلافا للفاضل في المنتهى والتذكرة والتحرير والمختلف فالحرمة، وفي الرياض نسبته إلى المفيد وجماعة، وفي كشف اللثام أنه تحتمله عبارتا المقنعة والسرائر، لقول الصادق عليه السلام في صحيح حريز (2): (لا يمس المحرم شيئا من الطيب ولا الريحان، ولا يتلذذ به، فمن ابتلى بشئ من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه يعني من الطعام) ونحو منه حسنه (3) مضافا إلى الاحتياط والى النهي عن مسه في صحيح ابن سنان السابق، مع امكان دعوى انه لا تعارض بين صحيحي معاوية وحريز لعدم نفي البأس في الاول عن مطلق الريحان حتى يتحقق التعارض بينه وبين المانع تعارضا كليا، ليكون صريحا في الجواز، فيتقدم على النهي الظاهر في التحريم تقدم النص على الظاهر، وانما غايته نفي البأس عن امور معدودة يمكن استثناؤها من أخبار المنع على تقدير تسليم صدق الريحان عليها حقيقة، ولا مانع من ذلك فلا موجب للجمع بالكراهة سوى تضمنه لفظ (اشباهه) وهو كما يحتمل المشابهة في اطلاق اسم الريحان عليه كذا يحتمل ما هو اخص مما يشبهه من نبت البراري،


(1) الوسائل - الباب - 23 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) و (3) الوسائل - الباب - 18 - من ابواب تروك الاحرام الحديث 11 - 6 والثاني مرسل حريز

[ 435 ]

بل في المدارك الظاهر أن المراد به مطلق، نبات الصحراء، فيكون المراد بالرياحين المحرمة ما يستنبته الآدميون من ذلك، ويحتمل أن يراد به ما هو اخص من ذلك. وعلى كل حال يكون استثناؤه لكونه كما قال في المختلف: إن نبت الحرم يتعسر الاحتراز عنه، ومعه لا يمكن صرف النهي عن ظاهره، مضافا إلى عدم امكانه من وجه آخر، وهو أن النهي عن مس الريحان في الصحيح الماضي انما هو بلفظ النهي عن الطيب بعينه، وهو للتحريم قطعا، فلا يمكن حمله بالاضافة إلى الريحان على الكراهة، للزوم استعمال اللفظ الواحد في الاستعمال الواحد في الحقيقة والمجاز، وهو خلاف التحقيق، وصرفه إلى المجاز الاعم يعني مطلق المرجوحية مجاز بعيد، ولا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه، خصوصا دعوى الالتزام باستثناء الامور المخصوصة التي يمكن دعوى الاجماع المركب على خلافها وإن اختاره في المسالك وتبعه بعض من تأخر عنها، وكذا ما سمعته من احتمال كون المراد بالمشابهة خصوص نبت البراري، بل وكذا دعوى الاستبعاد في عموم المجاز الغالب الاستعمال في النصوص، خصوصا في المقام المتكرر فيه لفظ (لا) بناء على أنها غير عاطفة، وبالجملة الاولى الكراهة شما بل واستعمالا. والمراد بالرياحين ما هو المتعارف منها، وعن العين الريحان اسم جامع للرياحين الطيبة الريح، قال: (والريحان اطراف كل بقلة طيبة الريح إذا خرج عليه اوائل النور) وعن ابن الاثير (هو كل نبت طيب الريح من انواع المشموم) وعن كتابي المطرزي (عند الفقهاء الريحان ما لساقه رائحة طيبة كما لورده، والورد ما لورقه رائحة طيبة كالياسمين) وفي القاموس (نبت معروف طيب الرائحة أو كل نبت كذلك، أو اطرافه أو ورقه، واصله ذو الرائحة، وخص بذي الرائحة الطيبة، ثم بالنبت الطيب الرائحة، ثم بما عدا الفواكه والابازير، ثم بما عداها ونبات الصحراء، ومن الابازير الزعفران، وهو المراد هنا، ثم بالمعروف (باسرم)

[ 436 ]

وفي التذكرة (ان النبات الطيب ثلاثة اقسام: الاول ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه كنبات الصحراء من الشيح والقيصوم والخزامى والاذخر والدارصيني والمصطكي والزنجبيل والسعد وحبق الماء بالحاء المفتوحة غير المعجمة والباء المنقطة تحتها نقطة المفتوحة والقاف، وهو الحندقوقي، وقيل الفودنج، والفواكه كالتفاح والسفرجل والنارنج والاترج، وهذا كله ليس بمحرم، ولا تتعلق به كفارة إجماعا، وكذا ما انبته الآدميون لغير قصد الطيب كالحناء والعصفر إلى ان قال: الثاني ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب كالريحان الفارسي والمرزجوش والنرجس والبرم، قال الشيخ: فهذا لا تتعلق به الكفارة، ويكره استعماله، وبه قال ابن عباس وعثمان بن عفان والحسن ومجاهد واسحاق ومالك وابو حنيفة، لانه لا يتخذ للطيب فأشبه العصفر، وقال الشافعي في الجديد تجب به الفدية ويكون محرما، وبه قال جابر وابن عمر وابو ثور، وفي القديم لا تتعلق به الفدية، لانه لا يبقى له رائحة إذا جفت، وعن احمد روايتان، لانه يتخذ للطيب فأشبه الورد، الثالث ما يقصد شمه ويتخذ منه الطيب كالياسمين والورد والنيلوفر، والظاهر أن هذا يحرم شمه وتجب فيه الفدية، وبه قال الشافعي، لان الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذا في اصله، وقال مالك وابو حنيفة، لا تجب) ونحو ذلك في المنتهى إلا أن فيه القطع بعدم الفدية في الثاني، ولم يتعرض فيه لحرمة أو كراهة، وكذا عن التحرير لكنه استقرب فيه تحريم الثاني ايضا، ونص على عدم الفدية في الريحان الفارسي، ولا يخفى عليك ما في ذلك كله مما لا يرجع إلى حاصل، بل وفيما ذكروه من حرمة الثالث إذا لم يكن مندرجا في الطيب ولا في اسم الريحان فالعمدة حينئذ تحقيق ذلك وتحقيق الحكم فيه، هذا. وفي الدروس كراهة غسل الرأس بالسدر والخطمي وخطبة النساء والمبالغة في السواك، وفي ذلك الوجه والرأس في الطهارة، والهذر من الكلام، والاغتسال

[ 437 ]

للتبرد، بل عن الحلبي تحريمه، والاحتباء في المسجد الحرام والمصارعة، ولا بأس به بل يستفاد من النصوص غير ذلك، بل قال الصادق عليه السلام في خبر حماد بن عثمان (1): (يكره الاحتباء للمحرم، ويكره في المسجد الحرام) بل في خبره الآخر (2) عنه عليه السلام ايضا (يكره رواية الشعر للصائم والمحرم وفي الحرم وفي يوم الجمعة، وأن يروي بالليل، قال: قلت: وان كان شعر حق قال: وان كان شعر حق) بل خبر علي بن جعفر (3) عن اخيه عليه السلام (سألته عن المحرم يصارع هل يصلح له ؟ قال: لا يصلح مخافة أن يصيبه جراح أو يقع بعض شعره) دال على كراهة كل ما يخاف منه ذلك، بل أو غيره مما لا ينبغي وقوعه في الاحرام، والله العالم والموفق والمؤيد والمسدد. (خاتمة) (كل من دخل مكة وجب أن يكون محرما) بلا خلاف اجده فيه، بل في المدارك ومحكي الخلاف الاجماع عليه وإن دخل في السنة مرتين أو ثلاثا كما عن المقنع، وفي خبر علي بن ابي حمزة (4) (سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن رجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والثلاث كيف يصنع ؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبيا، وإذا خرج فليخرج محلا) وفي صحيح ابن مسلم (5) (سألت ابا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام ؟ قال: لا إلا مريضا أو من به بطن)


(1) الوسائل - الباب - 93 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 1 (2) الوسائل - الباب - 96 - من أبواب تروك الاحرام - الحديث 1 (3) الوسائل - الباب - 94 - من ابواب تروك الاحرام - الحديث 2 (4) و (5) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب الاحرام - الحديث 10 - 4

[ 438 ]

وفي صحيحه الآخر (1) عنه (عليه السلام) ايضا (سألته هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام ؟ قال: لا إلا أن يكون مريضا أو به بطن) وصحيح عاصم بن حميد (2) (قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أيدخل احد الحرم إلا محرما ؟ قال: لا إلا مريض أو مبطون) وظاهرهما عدم جواز دخول الحرم إلا محرما فضلا عن دخول مكة كما عن التذكرة والجامع، وفي الوسائل التصريح به، ولكن قد عرفت سابقا عدم وجوب الاحرام على من لم يرد النسك بل اراد حاجة في خارج مكة، بل في المدارك إجماع العلماء عليه، وحينئذ فيمكن حملهما على داخل الحرم لارادة دخول مكة الذي لا إشكال في وجوب الاحرام فيه لما عرفت، مضافا إلى حسن معاوية بن عمار (3) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة: إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والارض، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار) بناء على أن المراد من تحريمها عدم جواز الدخول إليها إلا باحرام، وبه يتضح حينئذ دلالة صحيح سعيد الاعرج (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) على المطلوب قال: (إن قريشا لما هدموا الكعبة وجدوا في قواعده حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته حتى دعوا رجلا قرأه فإذا فيه أنا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السماوات والارض، ووضعتها بين هذين الجبلين، وحففتها بسبعة املاك حفا) وحسن كليب الاسدي (5) عنه (عليه السلام) ايضا (ان رسول الله صلى الله عليه وآله استأذن الله عزوجل في مكة ثلاث مرات من الدهر، فأذن له فيها ساعة من النهار ثم جعلها حراما ما دامت السماوات والارض) وخبر بشر النبال (6) عنه


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 - 1 - 7 - 6 - 9 - 12

[ 439 ]

(عليه السلام) ايضا في حديث فتح مكة (ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لاحد كان قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، قال: ودخل مكة وعليه السلاح، ودخل البيت ولم يدخله في حج ولا عمرة، ودخل وقت الصلاة فأمر بلالا فصعد الكعبة فأذن إلى غير ذلك من النصوص. بل في خبري رفاعة بن موسى (1) عدم جواز ذلك حتى للمريض، قال: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكة حلالا قال لا يدخلها إلا محرما، وقال: يحرمون عنه) وفي خبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا (سألته عن الرجل يعرض له المرض الشديد قبل أن يدخل مكة قال: لا يدخلها إلا محرما) وإن كان الظاهر الحمل على الندب حتى في الاحرام عنه إذا كان المرض على وجه لا يتمكن من نية الاحرام معه كالجنون ونحوه، لما عرفت من الرخصة للمريض في الاحلال في المعتبرة التي افتى بمضمونها الشيخ ويحيى بن سعيد وغيرهما بل لا اجد فيه خلافا بينهم، هذا. وفي المدارك (والظاهر أنه انما يجب الاحرام لدخول مكة إذا كان الدخول إليها من خارج الحرم، فلو خرج احد من مكة ولم يصل إلى خارج الحرم ثم عاد إليها دخل بغير إحرام) وظاهره المفروغية من ذلك، فان كان إجماعا أو سيرة قاطعة فذاك، وإلا كان منافيا لاطلاق النص والفتوى أو عمومهما، ولا ينافي ذلك


(1) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 إلا أن ذيله لم يذكر في الوسائل وقد ذكر في التهذيب ج 5 ص 165 الرقم 552 (2) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب الاحرام - الحديث 8

[ 440 ]

كون الميقات ادنى الحل، ضرورة انه بناء على الوجوب يجب عليه أن يخرج إليه مع التمكن، وإلا احرم من مكانه كغيره ممن يجب عليه الاحرام، نعم قد يقال إن النصوص الدالة على حرمة مكة يراد بها ما يشمل حرمها، ولذا ذكر فيها عدم تنفير الصيد وغيره مما هو من أحكام الحرم، فمع فرض عدم الخروج عنه لا يجب عليه إحرام، بخلاف ما لو خرج عنه ثم اراد الدخول بقصد الدخول في مكة، فانه يجب عليه الاحرام حينئذ مع فرض مضي الشهر الذي ستعرف الكلام فيه، ثم قال فيها ايضا: (ويجب على الداخل فيها أن ينوي باحرامه الحج أو العمرة، لان الاحرام عبادة ولا يستقل بنفسه، بل إما أن يكون بحج أو عمرة، ويجب إكمال النسك الذي تلبس به ليتحلل من الاحرام) وفيه أنه إن كان إجماعا فذاك وإلا امكن الاستناد في مشروعيته نفسه إلى إطلاق الادلة في المقام وغيرها، وكونه جزء منهما لا ينافي مشروعيته في نفسه، وفي مرسل الفقيه (1) (روي عن النبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) أنه وجب الاحرام لعلة الحرم) وفي مرسل العباس بن معروف (2) المروي عن العلل ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (حرم المسجد لعلة الكعبة، وحرم الحرم لعلة المسجد، ووجب الاحرام لعلة الحرم) وفي خبر ابي المعزا (3) عنه (عليه السلام) ايضا (كانت بنو إسرائيل إذا قربت القربان تخرج نار تأكل قربان من قبل منه، وإن الله جعل الاحرام مكان القربان) وخبر جابر (4) عن ابي جعفر (عليه السلام) (أحرم موسى بن عمران من رملة مصر، قال: ومر بصفاح الروحاء محرما يقود ناقته بخطام من


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 1 - من ابواب الاحرام الحديث 3 - 5 - 1 - 2

[ 441 ]

من ليف عليه عباءتان قطوانيتان يلبي وتجيبه الجبال) إلى غير ذلك مما يمكن الاستدلال به على مشروعيته في نفسه لكن قد يقال إن ما دل (1) على عدم حصول الاحلال له إلا باتمام النسك كاف في عدم ثبوت استقلاله، إذ دعوى أنه يحل بالوصول إلى مكة أو بالتقصير أو بغير ذلك لا دليل عليها، بل ظاهر الادلة خلافها، بل يمكن بعد التأمل في النصوص استفادة القطع بتوقف الاحلال من الاحرام في غير المصدود ونحوه مما دل عليه الدليل على إتمام النسك، وليس هو إلا أفعال عمرة أو حجة. ثم لا يخفى أن الاحرام انما يوصف بالوجوب إذا وجب الدخول، وإلا كان شرطا غير واجب كوضوء النافلة. ولو أخل الداخل بالاحرام أثم ولم يجب عليه قضاؤه كما في التذكرة وحاشية الكركي والمسالك والمدارك وغيرها حاكيا له في الاول عن الشافعي للاصل، وقال أبو حنيفة: (عليه أن يأتي بحج أو عمرة فان اتى في سنته بحج الاسلام أو منذوره أجزأه ذلك عن عمرة الدخول استحسانا، وإن لم يحج من سنته استقر القضاء) وفيه أنه لا دليل على القضاء مع فرض عدم وجوبها عليه، ولا إبطال كي يتجه الوجوب عليه، فانه انما يتحقق بفعل المنافي لما تلبس به، بخلاف الفرض الذي أثم بعدم الاتيان به لا بابطاله، لكن قد تقدم سابقا في مسألة تارك الاحرام عمدا ما في المسالك من الجزم بالقضاء، بل عن التذكرة الاجماع عليه، فلاحظ وتأمل. ثم إن المحكي عن الشيخ وجماعة استثناء العبيد، فجوزوا لهم دخولها من غير إحرام، وهو مناف لما سمعته من إطلاق الادلة وعمومها، لكن استدل لها


(1) الوسائل - الباب - 13 و 14 - من ابواب الحلق والتقصير

[ 442 ]

في المنتهى بأن السيد لم يأذن لهم بالتشاغل في النسك عن خدمته، وإذا لم يجب عليهم حج الاسلام لذلك فعدم وجوب الاحرام لذلك اولى، ونفى البأس عنه في المدارك، مع انه كما ترى لا يرجع إلى حاصل صالح لتخصيص الادلة المزبورة، كاستثنائه البريد ايضا، لكن قال على إشكال، ولعله لانه اجير لعمل قد ينافيه الاحرام مع سبق حق المستأجر، وفيه أن مقتضى العموم استثناؤه كالصلاة ونحوها من الواجبات الشرعية عليه، وكون العبد لا يقدر على شئ من دون إذن مولاه انما هو في غير الواجبات الشرعية، وعلى ذلك فالمتجه صحة إحرامه للدخول وان لم يأذن له مولاه، بل وان كان آبقا، ولا ينافي ذلك ما تقدم من توقف صحة إحرام العبد على إذن مولاه بعد تنزيله على غير الفرض، وقد يقال في مثل الآبق الداخل مكة بعدم صحة إحرامه وإن كلف به، لانه هو الذي اوقع نفسه في ذلك، وهو غير مفروض البحث الذي هو امر السيد له بالدخول محلا، فتأمل جيدا، والله العالم. وكيف كان ففي المتن والقواعد ومحكي الجامع وجب ذلك (إلا أن يكون دخوله بعد إحرامه قبل مضي شهر) قيل اي من عمرته، ولعله لاطلاق ما دل (1) على اعتبار الفصل بشهر بين العمرتين، ولحسن حماد (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (من دخل مكة متمتعا في اشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرما ودخل ملبيا بالحج، فلا يزال على إحرامه، فان رجع إلى مكة رجع محرما ولم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس إلى منى، قلت: فان جهل فخرج إلى


(1) الوسائل - الباب - 6 - من ابواب العمرة (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 6

[ 443 ]

المدينة أو نحوها بغير إحرام ثم رجع في إبان الحج في اشهر الحج يريد الحج أيدخلها محرما أو بغير إحرام ؟ فقال: إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرما، قلت: فأي الاحرامين والمتعتين متعة الاولى أو الاخيرة ؟ قال: الاخيرة هي عمرته، وهي المحتبس التي وصلت بحجته) بناء على إرادة شهر العمرة من قوله: (في شهره) بل وموثق اسحاق (1) (سألت ابا الحسن عليه السلام عن المتمتع يجيئ فيقضي متعته ثم تبدوا له الحاجة فيخرج إلى المدنية أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن قال: يرجع إلى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لان لكل شهر عمرة، وهو مرتهن بالحج، قال: فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه، فقال: كان ابي عليه السلام مجاورا ها هنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق احرم من ذات عرق بالحج، ودخل وهو محرم بالحج) لان مفهومه أن لا يرجع بعمرة ان كان في شهر العمرة وقد عرفت أن الاحرام بحج التمتع انما يكون بمكة، فلم يبق إلا ان يدخل محلا، ولا ينافي ذلك السؤال الثاني، لانه عن الدخول في شهر الخروج الذي قد يشكل بأن حج التمتع ميقاته من مكة، ولكن قد يدفع بارادة العمرة من الحج فيه بناء على جواز عمرتين في شهر، أو بارادة التعبد هنا بالاحرام به من غيرها ثم تجديده بها كما اشار إليه في الدروس، قال: ولو رجع في شهره دخلها محلا، فان احرم فيه من الميقات بالحج فالمروي (2) عن الصادق عليه السلام أنه فعله من ذات عرق وكان قد خرج من مكة إليها، وفي التذكرة (لو خرج من مكة بغير إحرام وعاد في الشهر الذي خرج فيه استحب له أن يدخلها محرما بالحج، ويجوز له أن يدخلها بغير إحرام على ما تقدم) إلى آخره، أو بالعدول إلى الافراد أو القران، أو


(1) و (2) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب أقسام الحج - الحديث 8

[ 444 ]

بجواز أن لا يكون السؤال عن المتمتع، بل عمن خرج فعاد في شهر خروجه على يعود ضمير (فانه) إلى الرجل ونحوه، بل قيل يجوز أن يريد بشهر الخروج شهر العمرة الذي خرج فيه للعمرة أو بعدها، فاما أن يكون (عليه السلام) اعرض عن الجواب أو اجاب بأن له الاحرام بعمرة بناء على جواز عمرتين في شهر وإن كان ابوه عليه السلام احرم بحج أو احرم (عليه السلام) ايضا بعمرة تمتع أو غيره، فعبر عنها بالحج اوله الاحرام بحج التمتع وإن كان عليه التجديد بمكة أو العدول إلى الافراد أو القران، وان كان هو كما ترى، وكذا احتمال كون المراد السؤال عن دخول المتمتع في شهر خروجه من مكة إما في غير شهر عمرته أو مطلقا، فأجاب بأن اباه (عليه السلام) رجع في شهر خروجه محرما، فليرجع هذا ايضا إذا رجع في شهر خروجه محرما بعمرة، وان كان (عليه السلام) احرم بالحج، وعلى كل حال فالخبر دال بالمفهوم على المطلوب الذي هو جواز الدخول حلالا إذا كان قد رجع قبل مضي شهر من إحرام عمرته الاولى، وكأن الوجه في تخصيص ذلك باحرام العمرة ما ذكره في كشف اللثام من أن الذي دلت عليه الدلائل جواز الدخول محلا مع سبق الاحرام بعمرة قبل مضي شهر، فالصواب القصر عليه كما في الجامع، فلو كان سبق إحرامه بحج لم يدخل إلا محرما بعمرة، وان لم يمض شهر ففي الاخبار العمرة بعد الحج إذا امكن الموسى من الرأس، واستحسنه في الرياض قال: ويعضده عموم أخبار النهي عن الدخول محلا مع سلامته عن المعارض كما مر، وفيه أولا أنه ينبغي حينئذ الاقتصار على إحرام عمرة التمتع ايضا، لانه الذي دل عليه الخبران المزبوران، وثانيا أن الدليل غير منحصر فيهما، ففي مرسل حفص وابان (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) (في الرجل يخرج في الحاجة


(1) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب الاحرام - الحديث 4

[ 445 ]

من الحرم قال: إن رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير إحرام، وإن دخل في غيره دخل باحرام) وفي صحيح جميل (1) عنه (عليه السلام) ايضا (في الرجل يخرج إلى جدة في الحاجة فقال: يدخل مكة من غير إحرام) وفي مرسله الآخر (2) عن أحدهما (عليهما السلام) (في الرجل يخرج من الحرم إلى بعض حاجته ثم رجع من يومه قال: لا بأس بأن يدخل بغير إحرام) وفي خبر ميمون القداح (3) انه خرج مع ابي جعفر (عليه السلام) ومعه عمر بن دينار واناس من اصحابه إلى ارض بطيبة ثم دخل (عليه السلام) مكة ودخلوا معه بغير إحرام) وفي موثق ابن بكير (4) عن غير واحد من اصحابنا عنه (عليه السلام) ايضا (انه خرج إلى الربذة يشيع ابا جعفر ثم دخل مكة محلا) اللهم إلا أن يقال إنه قد تقدم منه إحرام في دخول مكة، لكن فيه بعد تسليمه أنه لم يعلم كونه إحرام حج أو عمرة، بل ظاهر هذه النصوص عدم اعتبار تقدم إحرام في الدخول محلا لو رجع قبل شهر وإن كان هو ظاهر المتن وغيره، بل لا اجد خلافا فيه، وحينئذ فقاطنوا مكة مثلا لو خرج منهم أحد إلى خارج الحرم وجب عليه الاحرام للدخول وإن عاد قبل مضي شهر، بل في يومه كما صرح بذلك في الحدائق، بل هو مقتضى ظاهر غيرها ايضا، فان تم إجماعا فذاك وإلا امكن النظر فيه للنصوص الدالة باطلاقها على جواز الدخول حلالا إذا رجع قبل شهر، سواء كان محرما سابقا بعمرة تمتع أو إفراد أو حج أو لم يكن محرما اصلا، نعم قد يقال يكفي الاعراض عنها في عدم العمل بها، خصوصا بعد عدم الجابر لسندها، فيبقى عموم عدم جواز الدخول حلالا بحاله.


(1) و (3) و (4) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب الاحرام - الحديث 3 - 1 - 5 (2) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب الاحرام - الحديث 11

[ 446 ]

ثم ظاهرها كون المراد الرجوع في شهر خروجه لا شهر نسكه السابق كي يستشكل فيه أنه من حين الاهلال أو من حين الاحلال كما عن الاكثر ودل عليه الموثق، حتى أن الفاضل في القواعد تردد في ذلك وان قيل انه من احتمال الاخبار والفتاوى لهما، واقتضاء اصل البراءة الاول، والاحتياط الثاني، بل ربما أيد الاول بما في الاخبار من كون العمرة محسوبة لشهر الاهلال دون الاحلال، ولذا شرع الاحرام بها في رجب قبل الميقات، والثاني بأنه لو بقي على احرامه ازيد من شهر فخرج وهو محرم ثم عاد لم يجب عليه تجديد إحرام، إلا أن ذلك كله كما ترى بعد ظهور النصوص المزبورة فيما ذكرناه حتى حسن حماد (1) المتقدم، إذ دعوى إرادة شهر العمرة من شهره فيه في غاية البعد، ونحوه مرسل الصدوق (2) الذي فيه النص على شهر الخروج، مضافا إلى النصوص السابقة كما سمعت إلا الموثق (3) المزبور الذي قد عرفت إجماله، مضافا إلى اجمال قوله فيه ايضا (وهو مرتهن بالحج) فانه يحتمل كونه تعليلا للمفهوم بأنه لما كان مرتهنا بالحج لم يكن عليه احرام بعمرة إلا بعد مضي شهر فيعتمر ويجعل الاخيرة عمرة التمتع، ويحتمل كونه تعليلا للمنطوق، بأنه لما ارتهن بالحج لزمه البقاء على حكم عمرته بأن لا يخرج من مكة أو يجددها إذا دخل، بل لعله عند التأمل غير مناف لما ذكرنا فتأمل جيدا، وأما الفتاوى فهي وان كان بعضها مجملا لكن في النافع (ولو خرج بعد احرامه ثم عاد في شهر خروجه أجزأ عنه، وان عاد في غيره احرم ثانيا) وفي النهاية في المتمتع (فان خرج من مكة بغير احرام ثم عاد، فان كان عوده في الشهر


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 22 - من ابواب اقسام الحج الحديث 6 - 10 - 8

[ 447 ]

الذي خرج فيه لم يضره ان يدخل مكة بغير إحرام، وان دخل في غير الشهر الذى خرج فيه دخلها محرما بالعمرة إلى الحج، وتكون عمرته الاخيرة) ونحوه ما في المقنعة والمنتهى والتذكرة، وفي الفقه (1) المنسوب إلى مولانا الرضا عليه السلام (فإذا اراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع فليس له ذلك لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا ان يعلم انه لا يفوته الحج، فان علم وخرج ثم رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلا، وان رجع في غير الشهر الذي خرج فيه دخلها محرما) وما في الرياض من ان مقتضى الاطلاق المزبور شمول ما إذا كان شهر الخروج بعد الاحرام المتقدم بأزيد من شهر، ولا اظنهم يقولون به ولا صرح به احد وانما ثمرة النزاع تظهر على ما صرح به بعضهم في صورة العكس، وهي ما لو خرج آخر شهر ودخل اول آخر فيدخل محرما على هذا القول، ولا حتى يمضي ثلاثون يوما على قول الاكثر، ولعله الاظهر لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة عدم بدع بالتزام ذلك الذي هو مقتضى اطلاق ما سمعته من النصوص التي فيها الصحيح وغيره المعتضدة بفتوى من عرفت، وتصريح بعضهم بكون ذلك ثمرة النزاع بين القولين الاولين لا ينافي وجود ثمرة اخرى على القول الثالث الذي هو اعتبار الشهر من يوم الخروج لا الاهلال ولا الاحلال. وبذلك كله يظهر لك النظر في جملة من الكلمات هنا خصوصا بعد ملاحظة ما تسمعه إن شاء الله من عدم اعتبار الشهر في الفصل بين العمرتين، وهو مضعف آخر للموثق المزبور، بل يمكن القطع بعدم بناء المسألة على تلك المسألة، وإلا لاشار احد منهم إليها، وبعد ملاحظة ما تقدم لنا سابقا في المتمتع إذا قضى متعته وأراد الخروج لبعض حوائجه ثم الرجوع للحج، هذا.


(1) المستدرك - الباب - 18 - من ابواب اقسام الحج - الحديث 1

[ 448 ]

والظاهر أن المراد مما في الحسن والموثق بيان طريق لخروج المتمتع المرتهن بالحج بعد قضاء متعته، وصعوبة الاحرام عليه بالحج والخروج محرما، وصعوبة البقاء عليه في مكة لتعلق أغراض له باعتبار جواز ذلك لغيره، لا أن الحكم مختص به، بل ولا بذي العمرة المفردة أو الحج، بل هو حكم لكل من خرج من مكة وحرمها بعد أن كان محرما ثم أراد الرجوع إليها، فان كان لم يمض عليه شهر جاز له الدخول حلالا، وإلا أحرم بالعمرة ودخل. وكيف كان فلا إشكال في اصل الحكم إلا ما احتمله في كشف اللثام في عبارة القواعد التي هي (يجب على كل داخل مكة الاحرام إلا المتكرر كالحطاب ومن سبق له احرام قبل مضي شهر من احرامه أو إحلاله على إشكال) من رجوع الاشكال إلى استثناء من سبق له احرام، قال: (لما اشرنا إليه من عموم النهي عن الدخول محلا، فيعارض عموم فصل شهر بين عمرتين، مع معارضته بأخبار فصل عشرة ايام وغيرها كما يظهر إن شاء الله، واحتمال شهره في خبر حماد لشهر الخروج، وضعف خبر اسحاق مع كون دلالته بالمفهوم، وخلو كلام اكثر الاصحاب عنه) ولا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، على أن الخبر المزبور من قسم الموثق، والمفهوم فيه من مفهوم الشرط، لا عبرة بخلو كلام اكثر الاصحاب عنه لو سلم بعد قيام الدليل، ومع الاغضاء عن ذلك كله وفرض التعارض المفقود فيه الترجيح يجب الرجوع إلى حكم الاصل، وهو عدم حرمة الدخول محلا، لانتفاء المانع بحكم التعارض المفروض، كما هو واضح، والله العالم وبالجملة فالخارج الداخل قبل الشهر يدخل بغير احرام (و) كان ممن (يتكرر) دخوله (كالحطاب والحشاش) فان له الدخول حلالا ايضا بلا خلاف اجده فيه، بل عن ظاهر المبسوط والسرائر الاتفاق عليه، للحرج

[ 449 ]

ولقول الصادق عليه السلام في صحيح رفاعة (1): (إن الحطابة والمجتلبة اتوا النبي صلى الله عليه وآله فسألوه فأذن لهم أن يدخلو حلالا) بل ظاهر المصنف وغيره ان ذلك مثال لكل من يتكرر دخوله وان لم يكن من المجتلبة والحطابة كالحشاش وغيره، كما ان الظاهر عدم اعتبار تكرر دخولهم قبل انقضاء شهر، فلو فرض أن بعض المجتلبة يحتاج إلى فصل ازيد من شهر دخل حلالا ولا شئ عليه، ولكن في كشف اللثام (إلا المتكرر دخوله كل شهر بحيث يدخل في الشهر الذي خرج كالحطاب والحشاش والراعي وناقل الميرة ومن له ضيعة يتكرر لها دخوله وخروجه إليها، للحرج وقول الصادق عليه السلام في صحيح رفاعة) إلى آخره. ثم ذكر مرسل حفص وغيره من النصوص التي ذكرناها سابقا، ولم اجده لغيره، بل لعل ذكر الاصحاب ذلك مستثنى بخصوصه كالصريح في خلافه، اللهم إلا أن يكون من جهة اعتبار سبق الاحرام في السابق دونهم. (و) كيف كان فقد (قيل) والقائل الشيخ وابن إدريس فيما حكي عنهما، بل في المدارك أنه قول مشهور بين الاصحاب: (من دخلها لقتال) مباح (جاز أن يدخلها محلا) بل عن المبسوط والسرائر (كما دخل النبي صلى الله عليه وآله عام الفتح وعليه المغفر) على رأسه بلا خلاف، ولكن في كشف اللثام احتمال إرادة نفيه عن كونه على رأسه لا الاباحة، بل قال: هو الوجه لخلاف ابي حنيفة وان كان هو كما ترى، هذا. وفي التذكرة أن النبي صلى الله عليه وآله دخل وعليه المغفر وكذا اصحابه كما في بعض النصوص عن امير المؤمنين عليه السلام كذلك، وعن المنتهى ان النبي صلى الله عليه وآله دخلها عام الفتح وعليه عمامة سوداء (2) وعلى كل حال فلا يخفى


(1) الوسائل - الباب - 51 - من ابواب الاحرام - الحديث 2 (2) سنن البيهقي ج 5 ص 177

[ 450 ]

عليك ما في ذلك بعدما سمعت من النصوص الدالة على أن مكة حرام لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي، وانما حلت لي ساعة من نهار، وما في المنتهى من احتمال كون المعنى حلت لي ولمن هو في مثل حالي بقرينة ما سمعته في التذكرة بعيد، خصوصا بعد عدم إشارة في شئ من النصوص المزبورة إلى أن ذلك قد كان منه لمكان القتال الذي يمكن مجامعته للاحرام كما عرفته في لبس المحرم السلاح للضرورة، على أن النبي صلى الله عليه وآله دخل مكة مصالحا لا لقتال، إلا أنه لما كان الصلح مع ابي سفيان ولم يثق بهم وخلف غدرهم حل له ذلك، اللهم إلا أن يقال إنه إذا جاز لخوف القتال فله اولى، وفيه أنه على كل حال لا يستفاد منه الجواز لمطلق القتال، ضرورة احتمال خصوصية فيما وقع من النبي صلى الله عليه وآله باعتبار كونه منه وجهادا للمشركين وغيره ذلك من الخصوصيات التي لا توجد في غيره، ولعله لذلك كله والاحتياط نسبه المصنف إلى القيل مشعرا بضعفه، ضرورة بقاء العموم حينئذ بلا معارض، بل عن الشيخ في غير المبسوط انه لم يستثن إلا المرضى والحطابة، نعم قد يقال بالجواز إذا وصل الامر إلى حد الضرورة، لعموم ادلتها، وفحوى نصوص المرض (1) مع احتمال وجوب الاحرام حينئذ وارتفاع بعض احكامه لها لا اصل الاحرام، بل هو الوجه، والله العالم. (وإحرام المرأة كأحرام الرجل إلا فيما استثنيناه) من جواز لبس المخيط والحرير على الاصح، والتظليل سائرا، وستر الرأس، ووجوب كشف الوجه، وعدم استحباب رفع الصوت بالتلبية، ونحو ذلك مما خرج عن قاعدة الاشتراك وغيرها مما يقتضي اتحادهما في كيفية الاحرام كالصحيح (2) الآتي في الحائض ونحوه


(1) الوسائل - الباب - 50 - من ابواب الاحرام (2) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب الاحرام - الحديث 4

[ 451 ]

(و) حينئذ ف‍ (لو حضرت) المرأة (الميقات جاز لها أن تحرم ولو كانت حائضا) و (لكن لا تصلي صلاة الاحرام) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال، ضرورة اقتضاء عموم الادلة عدم مانعيته عنه وخصوصها قال معاوية بن عمار (1) في الصحيح: (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تحرم وهي حائض قال: نعم تغتسل وتحتشي وتصنع كما يصنع المحرم ولا تصلى) وقال منصور بن حازم (2) في الصحيح (قلت له (عليه السلام) ايضا: المرأة الحائض تحرم وهي لا تصلي قال: نعم، إذا بلغت الوقت فلتحرم)) وقال العيص ابن القاسم (3): (سألته (عليه السلام) ايضا أتحرم المرأة وهي طامث فقال: نعم تغتسل وتلبي) الي غير ذلك من النصوص، بل صريح الاول والاخير منها عدم سقوط الغسل عنها، مضافا إلى عموم أدلته خلافا للمحكي عن بعض، ولا ريب في ضعفه لما عرفت، على أن هذا الغسل ليس طهارة منافية لوجود الحيض، بل هو مستحب تعبدا، نعم تسقط الصلاة عنها لعموم الادلة وخصوص الصحيح المزبور، ولو كان الميقات مسجد الشجرة أحرمت منه مجتازة مع التمكن، وإلا أحرمت من خارجه، وعلى ذلك يحمل النهي عن دخول المسجد في الموثق أو على الدخول مع المكث أو على الكراهة. (ولو تركت الاحرام ظنا) منها (أنه لا يجوز رجعت إلى الميقات وأنشأت الاحرام منه) بلا خلاف ولا إشكال، لتوقف صحة الاحرام عليه، (و) ما في خبر علي بن جعفر المتقدم في مسألة الجاهل من جواز الاحرام من مكانه وأن الافضل العود له من الميقات قد عرفت قصوره عن المعارضة من وجوه


(1) و (2) و (3) الوسائل - الباب - 48 - من ابواب الاحرام الحديث 4 - 1 - 5

[ 452 ]

نعم (لو منعها مانع) من الرجوع (أحرمت من موضعها) إن لم تكن قد دخلت الحرم (ولو) دخلته أو (دخلت مكة خرجت إلى ادنى الحل، ولو منعها مانع أحرمت من) موضع الاحرام ولو (مكة) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك بل ولا إشكال، لنفي الحرج وفحوى ما تقدم في الجاهل والناسي، وخصوص صحيح معاوية (1) (سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم فقالوا: ما ندري عليك إحرام أم لا وانت حائض فتركوها حتى دخلت الحرم فقال: إن كان عليها مهلة فلترجع إلى الوقت فلتحرم منه، وإن لم يكن عليها وقت فلترجع إلى ما قدرت عليه بعدما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها) إلا أن مقتضاه وجوب العود إلى ما امكن من الطريق مع فرض تعذر الميقات كما عن الشهيد الفتوى بذلك، وربما يؤيده عدم سقوط الميسور بالمعسور، وفي المدارك احتمال الحمل على الندب، لعدم وجوب ذلك على الجاهل والناسي مع الاشتراك في العذر، ولموثق زرارة (2) (عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا إلى الوقت وهي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال، فسألوا الناس فقالوا: تخرج إلى بعض المواقيت فتحرم فيه وكان إذا فعلت لم تدرك الحج، فسألوا ابا جعفر عليه السلام فقال: تحرم من مكانها، وقد علم الله نيتها) وفيه أنها ظاهرة أو مقيدة بصورة عدم الامكان، خصوصا مع صحة سند الاول دون الثاني، وموافقته للاحتياط، وعلى كل حال فظاهر الخبرين حال عدم التقصير، أما معه بترك السؤال مع التنبه له فالظاهر كونها كتارك الاحرام عمدا الذي قد تقدم الكلام فيه سابقا، كما أنه قد تقدم الحال في الترك لعذر والجاهل والناسي وغير مريد النسك، فلاحظ وتأمل، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل - الباب - 14 - من ابواب المواقيت - الحديث 4 - 6

[ 453 ]

إلى هنا تم الجزء الثامن عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه المشتمل على أقسام الحج والمواقيت والاحرام وتروكه، وقد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه ومقابلته للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف نور الله ضريحه، وقد خرج بعون الله ولطفه خاليا عن الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر، ويتلوه الجزء التاسع عشر في الوقوف بعرفات إن شاء الله تعالى عباس القوچاني وموافقته للاحتياط، وعلى كل حال فظاهر الخبرين حال عدم التقصير، أما معه بترك السؤال مع التنبه له فالظاهر كونها كتارك الاحرام عمدا الذي قد تقدم الكلام فيه سابقا، كما أنه قد تقدم الحال في الترك لعذر والجاهل والناسي وغير مريد النسك، فلاحظ وتأمل، والله العالم.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية