جواهر الكلام

الشيخ الجواهري ج 19


[ 1 ]

جواهر الكلام " في شرح شرائع الاسلام " تأليف شيخ الفقهاء وإمام المحققين الشيخ محمد حسن النجفي المتوفي سنة 1266 الجزء التاسع عشر قوبل بنسخة الاصل المخطوطة والمصححة بقلم المصنف طاب ثراه حققه وعلق عليه الشيخ عباس القوچاني نهض بمشروعه الشيخ علي الآخوندي * نام كتاب: جواهر الكلام * تأليف: الشيخ محمد حسن النجفي * ناشر: دار الكتب الاسلامية * تيراژ: 1500 جلد * نوبت چاپ: دوم چاپ از: چاپخانة خورشيد

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (القول في الوقوف بعرفات) أي الكون فيها، ولكن تعارف التعبير بذلك لانه افضل افراده (و) على كل حال فتمام الكلام فيه يكون ب‍ (النظر في مقدمته وكيفيته ولواحقه اما المقدمة فيستحب للمتمتع) وغيره (ان يخرج إلى عرفات يوم التروية) على معنى خروجه إلى منى ثم إلى عرفات يوم عرفة بلا خلاف اجده فيه، بل في كشف اللثام يستحب للحاج اتفاقا بعد الاحرام يوم التروية الخروج إلى منى من مكة، ويدل عليه مضافا إلى ذلك ما تسمعه من النصوص ايضا، واما استحباب الاحرام فيه للمتمتع على معنى مرجوحية ما قبله بالنسبة إليه ففي المبسوط والاقتصاد والجمل والعقود والغنية والمهذب والجامع وغيرها على ما حكي عن بعضها التصريح به، بل لا اجد فيه خلافا كما عن المنتهى الاعتراف به، بل عن التذكرة الاجماع على استحباب كونه يوم التروية، بل في المسالك انه موضع وفاق بين المسلمين، ولعله على معنى جوازه قبله، لما سمعته سابقا من ان له الاحرام بالحج عند الفراق من متعته إلى ان يتضيق عليه وقوف عرفات كما عرفت الكلام فيه مفصلا، نعم عن ابن حمزة وجوب كونه يوم التروية إذا امكنه بمعنى عدم جواز تأخيره عنه اختيارا، ولعله لظاهر الامر

[ 3 ]

في حسن معاوية (1) " إذا كان يوم التروية ان شاء الله فاغتسل ثم البس ثوبيك وادخل المسجد حافيا وعليك السكينة والوقار وصل ركعتين عند مقام ابراهيم أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين احرمت من مسجد الشجرة، واحرم بالحج وعليك السكينة والوقار " المحمول على الندب قطعا، ضرورة عدم وجوب الوقت فيه عنده، مضافا إلى ارادة الندب في اكثر الاوامر فيه، والى ما في الحدائق من رده بما في حديث ابي الحسن عليه السلام (2) " انه دخل ليلة عرفة معتمرا فأتى بأفعال العمرة واحل وجامع بعض جواريه ثم اهل بالحج وخرج إلى منى " وبمرسل ابي نصر (3) المنجبر بما عرفت عن ابي الحسن عليه السلام ايضا في حديث قال فيه: " وموسع للرجل ان يخرج إلى منى من وقت الزوال من يوم التروية إلى ان يصبح حيث يعلم انه لا يفوته الموقف " وصحيح ابن يقطين (4) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الوقت الذى يريد ان يتقدم فيه إلى منى الذي ليس له وقت اول منه قال: إذا زالت الشمس، وعن الذي يريد ان يتخلف بمكة عشية التروية إلى اي ساعة يسعه ان يتخلف فقال: ذلك موسع له حتى يصبح بمنى " إلى ان قال: فان هذه الاخبار ظاهرة في رد ابن حمزة، وان كان قد يناقش بظهور اولها في الاضطرار، وخلو الاخيرين عن ذكر الاحرام، إذ يمكن وقوع الاحرام فيه ثم تأخير الخروج إلى الليل ونحوه، فالعمدة


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب التقصير الحديث 1 (3) ذكره الشيخ (قده) في ذيل مرسلة ابن ابي نصر المروي في التهذيب ج 5 ص 176 الرقم 590 والظاهر انه من كلام الشيخ (4) الوسائل الباب 2 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 4 ]

حينئذ في رده ما عرفت. انما الكلام فيما ذكره المصنف من قوله: (بعد ان يصلي الظهرين) إذا كان المراد استحباب ايقاعه الاحرام بعدهما وفاقا للمهذب والوسيلة والتذكرة والمنتهى والمختلف والدروس وموضعين من المبسوط وموضع من النهاية على ما حكي عن بعضها، بل عن علي بن بابويه التصريح بأن الافضل ايقاعه بعد العصر المجموعة إلى الظهر فانا لا نجد له دليلا واضحا، نعم عن المختلف الاستدلال له بأن مسجد الحرام افضل من غيره، والمستحب ايقاع الاحرام بعد فريضة، فاستحب ايقاع الفريضتين فيه، وعن التذكرة والمنتهى بحسن معاوية (1) السابق الا انهما كما ترى، ضرورة عدم اقتضاء الاول منهما استحباب الايقاع بعدهما ولا الثاني، بل لعل ظاهر المكتوبة فيه الظهر، ولعله لذا قال في القواعد بعد ان يصلي الظهر، كما عن الهداية والمقنع والمقنعة والمصباح ومختصره والسرائر والجامع وموضع من النهاية والمبسوط وعن الفقيه وقته في دبر الظهر، وان شئت في دبر العصر، مؤيدا بعموم الاخبار باستحباب ايقاعه عقيب فريضة، بل يمكن ارادة المصنف هنا وفي النافع ما عن الاقتصاد من انه لا يخرج إلى منى حتى يصليهما بمكة وان اوقع الاحرام بعد الظهر منهما، كما ان ما سمعته من النصوص السابقة ظاهر فيه ايضا، كصحيح الحلبي ومعاوية (2) عن الصادق عليه السلام " لا يضرك بليل احرمت أو نهار إلا ان افضل ذلك عند زوال الشمس " وفي دعائم الاسلام (3) " روينا عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) انه قال: يخرج الناس إلى منى من مكة يوم


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب الاحرام الحديث 1 (3) المستدرك الباب 2 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 5 ]

التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وافضل ذلك بعد صلاة الظهر، ولهم ان يخرجوا غدوة وعشية إلى الليل، ولا بأس ان يخرجوا قبل يوم التروية " وفيه (1) عنه عليه السلام ايضا انه قال: " في المتمتع بالعمرة إلى الحج إذا كان يوم التروية اغتسل ولبس ثوبي احرامه واتى المسجد حافيا، فطاف اسبوعا ان شاء وصلى ركعتين ثم جلس حتى يصلي الظهر كما احرم من الميقات، وإذا صار إلى الرقطاء دون الردم اهل بالتلبية، واهل مكة كذلك يحرمون للحج من مكة، وكذلك من اقام بها من غير اهلها " وعلى كل حال هو غير المحكي عن السيد من انه إذا كان يوم التروية فليغتسل ولينشئ الاحرام من المسجد ويلبي ثم يمضي إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ضرورة ظهوره في ايقاعه قبلهما مطلقا، ولعله لنحو قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية أو صحيحه (2): " إذا انتهيت إلى منى فقل: اللهم هذه منى، وهي مما مننت بها علينا من المناسك، فأسألك ان تمن علي بما مننت به على انبيائك، فانما انا عبدك وفي قبضتك، ثم تصلي بها الظهر والعصر والمغرب والغشاء الآخرة والفجر، والامام يصلي بها الظهر، لا يسعه إلا ذلك، وموسع لك ان تصلي بغيرها ان لم تقدر " وفي خبر عمر بن يزيد (3) " وصل الظهر ان قدرت بمنى " وفي خبر ابي بصير (4) " وان قدرت ان يكون رواحك إلى منى زوال الشمس وإلا فمتى ما تيسر لك من يوم التروية " لكن الظاهر هو


(1) المستدرك الباب 1 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 6 من ابواب احرام الحج الحديث 2 وذيله في الباب 4 منها الحديث 5 (3) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب احرام الحج الحديث 3 - 2

[ 6 ]

ما عن الشيخ وغيره من الجمع بينها وبين غيرها بالفرق بين الامام وغيره، كما قال الصادق عليه السلام في صحيح جميل (1): " على الامام ان يصلي الظهر بمنى ثم يبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج " وفي صحيحه الآخر (2) " ينبغي للامام ان يصلي الظهر من يوم التروية بمنى، ثم يبيت بها ويصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج " وفي صحيح معاوية (3): " على الامام ان يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف ويصلي الظهر يوم النفر بمسجد الحرام " وأحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (4) " لا ينبغي للامام ان يصلي الظهر يوم التروية إلا بمنى ويبيت بها إلى طلوع الشمس " وسأل ابن مسلم ايضا في الصحيح (5) ابا جعفر عليه السلام " هل صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر بمنى يوم التروية ؟ قال: نعم والغداة بمنى يوم عرفة " بل عن الشيخ منهم في التهذيب وظاهر النهاية والمبسوط لا يجوز للامام غير ذلك، بل مال إليه في الحدائق لظاهر النصوص المزبورة، ولكن حمله في المنتهى على شدة الاستحباب، ولا بأس به، خصوصا بعد إشعار لفظ " لا ينبغي " ونحوه به، وبعد الاجماع على الظاهر ممن عداه على عدمه، وأما غير الامام فقد ذكر غير واحد انه مخير، وانه يستحب له الاحرام بعد الظهر، ولعله لما سمعته من النصوص، لكن في الرياض انه بعد الظهرين احوط، لقوة احتمال ورود الاخبار الاخيرة للتقية، فقد نقل القول بمضمونها عن العامة، مضافا إلى اعتضاد الاول بما مر، وبما استدل به له في المختلف بأن المسجد الحرام افضل من غيره، فاستحب إيقاع الفريضتين فيه، ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، وكأنه اشار بالاحتياط إلى مسألة التطوع وقت الفريضة باعتبار استحباب


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 4 من ابواب احرام الحج الحديث - 6 - 2 - 3 - 1 - 4

[ 7 ]

صلاة الاحرام ستا أو اربعا أو اثنتين كما عرفته سابقا، ولكن ذلك لا يعارض الدليل بالخصوص، مع ان الاقوى خلافه. والمراد بالامام امير الحاج كما صرح به غير واحد، فانه الذي ينبغي ان يتقدمهم إلى المنزل فيتبعوه ويجتمعوا إليه ويتأخر عنهم في الرحيل منه، وفي خبر حفص المؤذن (1) قال: " حج إسماعيل بن علي بالناس سنة اربعين ومائة فسقط أبو عبد الله عليه السلام عن بغلته، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: سر فان الامام لا يقف " كما ان المراد من يوم التروية هو ثامن ذي الحجة، وفي خبر عبيد الله بن علي الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام المروي عن العلل والمحاسن سأله " لم سمي يوم التروية ؟ فقال: لانه لم يكن بعرفات ماء وكانوا يستقون من مكة من الماء ريهم، وكان بعضهم يقول لبعض: ترويتم ترويتم فسمي يوم التروية لذلك " وفي حسن معاوية أو صحيحه (3) " سميت التروية لان جبرئيل عليه السلام اتى ابراهيم عليه السلام يوم التروية فقال: يا ابراهيم ارو من الماء لك ولاهلك، ولم يكن بين مكة وعرفات ماء، ثم مضى إلى الموقف فقال: قف واعرف مناسكك، فلذلك سميت عرفة، ثم قال: ازدلف إلى المشعر الحرام فسميت مزدلفة " وفي خبر ابي بصير (4) " انه سمع ابا جعفر وابا عبد الله (عليهما السلام) يذكران انه لما كان يوم التروية قال جبرئيل عليه السلام لابراهيم عليه السلام: ترو من الماء فسميت التروية " الحديث. وفي المنتهى عن الجمهور ان ابراهيم (عليه السلام) رأى في تلك الليلة ذبح الولد


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) علل الشرائع ج 2 ص 120 الباب 171 الحديث 1 (3) الوسائل الباب 19 من ابواب إحرام الحج الحديث 13 (4) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 23

[ 8 ]

فأصبح يروي نفسه أهو حلم أم من الله تعالى فسمي يوم التروية، فلما كانت ليلة عرفة رأى ذلك فعرف انه من الله تعالى فسمي يوم عرفة، والامر في ذلك سهل، ثم إن ظاهر اقتصار المصنف وغيره على المتمتع عدم استحباب ذلك في المفرد والقارن للمكي والمجاور بها، وفي المسالك خص المتمتع بالذكر لان استحباب الاحرام فيه يوم التروية موضع وفاق بين المسلمين، واما القارن والمفرد فليس فيه تصريح من الاكثر، وقد ذكر بعض الاصحاب انه كذلك، وهو ظاهر إطلاق بعضهم، وفي التذكرة نقل الحكم في المتمتع عن الجميع ثم نقل خلاف العامة في وقت إحرام الباقي هل هو كذلك أم في اول ذي الحجة، ونحوه ما في المنتهى من حكاية القولين للعامة في المكي من غير ترجيح، نعم قال بعد ذلك: ولا خلاف في انه لو احرم المتمتع قبل ذلك في ايام الحج فانه يجزيه، قلت: قال ابن الحجاج (1) لابي عبد الله (عليه السلام) في الصحيح: " إنى اريد الجوار فكيف اصنع ؟ " فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج إلى الجعرانة واحرم فيها بالحج إلى ان قال: ثم قال: إن سفيان فقيهكم اتاني فقال: ما حملك على ان تأمر اصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها، فقلت له: هو وقت من مواقيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: وأي وقت من مواقيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقلت له: احرم منها حين قسم غنائم حنين عند مرجعه إلى الطائف، إلى ان قال: فقال: اما علمت ان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله انما احرموا من المسجد، فقلت: إن اولئك كانوا متمتعين في اعناقهم الدماء، وان هؤلاء قطنوا بمكة فصاروا كأنهم من اهلها، واهل مكة لا متعة لهم، فأحببت ان يخرجوا من مكة إلى بعض


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب اقسام الحج الحديث 5

[ 9 ]

المواقيت فيشعثوا به اياما " وقال أبو الفضل في صحيح صفوان (1): " كنت مجاورا بمكة فسألت ابا عبد الله عليه السلام من اين احرم ؟ فقال: من حيث احرم رسول الله صلى الله عليه وآله من الجعرانة، فقلت: متى اخرج ؟ فقال: ان كنت صرورة فإذا مضي من ذي الحجة يوم، وان كنت قد حججت قبل ذلك فإذا مضي من الشهر خمس " ونحوه مرسل المفيد (2) في المقنعة، وقال ابراهيم بن ميمون (3) في الصحيح إليه " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن اصحابنا مجاورون بمكة وهم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون ؟ قال: قل لهم: إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا إلى التنعيم فليحرموا ". وظاهرها جميعا ان وقت إحرام المجاور من هلال ذي الحجة أو بعد مضي خمسة ايام، بل ربما استفيد من الاول ثبوت الحكم المزبور لاهل مكة ايضا، لكن قال الصادق عليه السلام في خبر سماعة (4): " المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير اشهر الحج إلى ان قال: ثم اراد ان يحرم فليخرج إلى الجعرانة فليحرم منها ثم يأتي مكة ولا يقطع التلبية حتى ينظر إلى البيت، ثم يطوف بالبيت ويصلي الركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام، ثم يخرج إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما، ثم يقصر ويحل، ثم يعقد التلبية يوم التروية " بناء على ان هذه العمرة مفردة لا تمتع، وإلا لوجب الاتيان بها من الميقات، وحينئذ فالحج المشار إليه حج إفراد، وعقده حينئذ يوم التروية، ولعله لبيان الجواز في حقه، وفي الاول على جهة الندب، ولكن قد سمعت ما في خبر الدعائم (5) بناء على عود الاشارة فيه


(1) و (3) الوسائل الباب 9 من ابواب اقسام الحج الحديث 6 - 4 (2) الوسائل الباب 19 من ابواب المواقيت الحديث 2 (4) الوسائل الباب 8 من ابواب اقسام الحج الحديث 2 (5) المستدرك الباب 2 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 10 ]

إلى يوم التروية ايضا، والامر سهل. وكيف كان فالخروج المزبور على الوجه الذي عرفت مستحب لكل أحد (إلا المضطر كالشيخ الهم) والمريض (ومن يخشى الزحام) كما صرح به جماعة، لموثق اسحاق بن عمار (1) عن ابي الحسن عليه السلام " سألته عن الرجل يكون شيخا كبيرا أو مريضا يخاف ضغاط الناس وزحامهم يحرم بالحج ويخرج إلى منى قبل يوم التروية قال: نعم، قال: فيخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا أو يتروح بذلك قال لا، قال: يتعجل بيوم قال: نعم، قال: يتعجل بيومين قال: نعم، قال: يتعجل بثلاثة قال: نعم، قال: اكثر من ذلك قال: لا " ولعله له قال الشيخ في التهذيب لا بأس ان يتقدم ذو العذر ثلاثة ايام، فأما ما زاد عليه فلا يجوز على كل حال، ولكن في المنتهى حمله على شدة الاستحباب مشعرا بالمفروغية من ذلك، ولعله كذلك، وفي مرسل البزنطي " قلت لابي الحسن عليه السلام: يتعجل الرجل قبل التروية بيوم أو يومين من اجل الزحام وضغاط الناس فقال: لا بأس " بل ربما حمل على ذلك خبر رفاعة (3) سأل الصادق عليه السلام " هل يخرج الناس إلى منى غدوة ؟ قال: نعم " ولعل اطلاق الموثق المزبور بناء على رجوع ضمير " يتعجل " فيه إلى الصحيح محمول على ما كان لاجل الزحام، كما ان الظاهر منهما عدم تأكد الندب في الخروج يوم التروية لا ان الاستحباب مرفوع بالنسبة إليهم كما يقضي به ظاهر العبارة وغيرها. (و) على كل حال فالمراد بالخروج من مكة في المتن وغيره (ان يمضي إلى منى ويبيت بها ليلته إلى طلوع الفجر من يوم عرفة) كما سمعت التصريح بصلاة


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 3 من ابواب إحرام الحج الحديث - 1 - 3 - 2

[ 11 ]

الغداة فيها في بعض النصوص (1) السابقة، و (لكن لا يجوز وادي محسر) وهو حد منى (إلا بعد طلوع الشمس) لصحيح هشام بن الحكم (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " لا تجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس " المحمول على الكراهة بقرينة الشهرة بين الاصحاب على ذلك وعلى استحباب المبيت بمنى، والصحيح (3) " في النفور من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس قال: لا بأس به " فما عن الشيخ وابن البراج من العمل بظاهره ضعيف. (و) كذا (يكره الخروج قبل الفجر إلا لضرورة كالمريض والخائف) كما في القواعد والنافع ومحكي السرائر بل نسبه غير واحد إلى الشهرة، قيل للامر بصلاته فيها في حسن معاوية (4) المتقدم، وفعل النبي صلى الله عليه وآله المحكي في صحيح ابن مسلم (5) السابق، وخبر عبد الحميد الطائي (6) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا مشاة فكيف نصنع ؟ قال: اما اصحاب الرحال فكانوا يصلون الغداة بمنى، واما انتم فامضوا حيث تصلون في الطريق " إلا ان الجميع كما ترى لا دلالة فيه على الكراهة، ولذا ناقش فيها بعض الناس بعدم الظفر بنهي يحمل عليها، لكن يمكن ان يكون اطلاق النهي عن جواز وادي محسر قبل طلوع الشمس بناء على إرادة الكراهة منه، وعلى كل حال فمن ذلك يعلم ضعف ما عن ظاهر النهاية والمبسوط والاقتصاد وابي الصلاح وابن البراج من عدم الجواز المنافي للاصل واستحباب المبيت بمنى،


(1) و (4) الوسائل الباب 4 من ابواب إحرام الحج الحديث 5 (2) و (3) و (6) الوسائل الباب 7 من ابواب احرام الحج الحديث 4 - 3 - 1 (5) الوسائل الباب 4 من أبواب إحرام الحج الحديث 4

[ 12 ]

(واما الامام فيستحب له الاقامة بها إلى طلوع الشمس) استحبابا مؤكدا لصحيح جميل (1) السابق وغيره، وفي الدعائم (2) " وعن علي عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله غدا يوم عرفة من منى فصلى الظهر بعرفة لم يخرج من منى حتى طلعت الشمس " المحمول على ذلك بقرينة موثق اسحاق بن عمار (3) عن ابي عبد الله عليه السلام " من السنة ان لا يخرج الامام من منى إلى عرفة حتى تطلع الشمس " (ويستحب الدعاء بالمرسوم) عند التوجه إلى منى، لما في حسن معاوية (4) عن الصادق عليه السلام " اللهم إياك أرجو، وإياك أدعو، فبلغني أملي، وأصلح عملي " وعند دخولها بما في صحيحه (5) السابق و (عند الخروج) بما في صحيحه (6) عنه عليه السلام ايضا، قال: " إذا غدوت إلى عرفة فقل وانت متوجه إليها: اللهم اليك صمدت، وإياك اعتمدت، ووجهك أردت، فأسألك ان تبارك لي في رحلتي، وتقضي لي حاجتى، وان تجعلني اليوم ممن تباهي به من هو افضل مني ". وحد منى من العقبة إلى وادي محسر على صيغة اسم الفاعل من التحسير اي الايقاع في الحسرة أو الاعياء ؟ سمي به لانه قيل ابرهة اوقع اصحابه في الحسرة أو الاعياء لما جهدوا ان يتوجه إلى الكعبة فلم يفعل، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية وابي بصير (7): " حد منى من العقبة إلى وادي محسر " وقال


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب إحرام الحج الحديث 6 (2) المستدرك الباب 7 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب إحرام الحج الحديث 2 (4) و (5) و (7) الوسائل الباب 6 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 - 2 - 3 (6) الوسائل الباب 8 من ابواب إحرام الحج الحديث 1

[ 13 ]

في صحيح آخر لمعاوية (1): " وهو اي وادي محسر واد عظيم بين جمع ومنى، وهو إلى منى اقرب " ومقتضاه كون الحد غيره، اللهم إلا ان يكون الاقربية لاتصاله بمنى وانفصاله عن المزدلفة، نعم هو خارج عن المحدود، لكن على الاول لا يكون النهي عن جوازه قبل طلوع الشمس دالا على الكراهة قبل الفجر، لامكان عدم جوازه مع عدم المبيت في منى، بل يمكن القول بذلك على الثاني ايضا، فيبيت في نفس الحد، إذ هو ليس جوازه، اللهم إلا ان يراد الجواز فيه، فيستلزمها حينئذ. وعلى كل حال فالمبيت بمنى مستحب على نحو غيرها من المستحبات، لكن في التذكرة للاستراحة، وفي القواعد للترفه، وربما توهم عدم كونه كغيرها من المستحبات، ولا ريب في فساده، إذ لا منافاة، نعم ليس هو بفرض ولا نسك يلزم بتركه شئ بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به بعضهم، لكن قد سمعت ما عن بعض من عدم جواز الخروج منها قبل الفجر، وما عن آخر ايضا من عدم مجاوزة وادي محسر قبل طلوع الشمس، والله العالم. (و) كذا يستحب (ان يغتسل للوقوف) بلا خلاف اجده فيه، بل في المدارك الاجماع عليه، نعم في حسن الحلبي (2) عنه (عليه السلام) " الغسل يوم عرفة إذا زالت الشمس " وفي صحيح معاوية (3) " فإذا زاغت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين " وقد تقدم في الاغسال تفصيل الحال فيه وفي غيره، ولكن مقتضى ذلك ان تكون نية الوقوف قبله كما ستعرف، هذا، وفي الدروس وفي استحباب الطواف وركعتيه قبل الاحرام بالحج قول للمفيد وابن الجنيد والحلبي، لكن في المختلف بعد ان حكى ذلك عن الثلاثة


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب 9 من ابواب إحرام الحج الحديث 2 - 1

[ 14 ]

قال: ولم يذكر الشيخ هذا الطواف ولا السيد المرتضى ولا ابن إدريس ولا ابن بابويه، والشيخ عول على هذا الحديث، فانه لم يذكر فيه الطواف، والمفيد عول على انه قادم على المسجد، ويستحب له التحية، والطواف افضل من الصلاة، ولا نزاع بينهما حينئذ، بقي ان يقال ان قصد المفيد استحباب هذا الطواف للاحرام فهو ممنوع، فان المجاور يستحب له الصلاة اكثر من الطواف إذا جاور ثلاث سنين. قلت: قد ذكر هذا الطواف الصدوق في من لا يحضره الفقيه في باب سياق مناسك الحج، نعم لم يذكره ابوه (رحمه الله)، ولعل القول باستحبابه غير بعيد للتسامح ولما سمعته من خبر الدعائم (1) نعم في قواعد الفاضل لا يجوز له الطواف بعد الاحرام حتى يرجع من منى اي ما لم يضطر إلى تقديم الطواف لحجه وفاقا للمحكي عن النهاية والمبسوط والتهذيب والوسيلة وظاهر المصباح ومختصره والجامع لخبر حماد عن الحلبي (2) قال: " سألته عن رجل اتى المسجد الحرام وقد ازمع بالحج أيطوف بالبيت ؟ قال: نعم ما لم يحرم " ولكنه قاصر عن اثبات الحرمة المخالفة للاصل، ولعله لذا قال ابن ادريس في المحكي عنه " لا ينبغي " وعن المنتهى والتحرير والتذكرة الاقتصار على انه لا يسن، نعم عن ابن ابي عقيل وإذا اغتسل يوم التروية واحرم بالحج طاف بالبيت سبعة اشواط، وخرج متوجها إلى منى، ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يزور البيت، فيسعى بعد طواف الزيارة، مع انه احتمل في محكي المختلف ارادته الطواف قبل الاحرام الذي عرفت الكلام فيه، وعلى كل حال فان طاف ساهيا بل في كشف اللثام أو عامدا لم ينتقض احرامه


(1) المستدرك الباب 1 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) الوسائل الباب 83 من ابواب الطواف الحديث 4

[ 15 ]

كما في القواعد ومحكي السرائر والتهذيب، جدد بعده التلبية أو لا، للاصل وخبر عبد الحميد بن سعيد (1) سأل الكاظم عليه السلام " عن رجل احرم يوم التروية من عند المقام بالحج ثم طاف بالبيت بعد احرامه وهو لا يرى ان ذلك لا ينبغي له أينقض طوافه بالبيت احرامه ؟ فقال: لا ولكن يمضي على احرامه " وهو وان كان ظاهرا في الجاهل إلا ان الظاهر اولوية الساهي منه أو مساواته له. وعلى كل حال فليس فيه تجديد التلبية لعقد الاحرام، لكن عن النهاية والمبسوط والوسيلة تجديدها للعقد، وربما احتمل ارادتهم الندب، لقول الشيخ في محكي الكتابين انه لا ينتقض ولكن يعقده بتجديد التلبية، ولعلهم استندوا إلى ما مضى في طواف القارن والمفرد إذا دخلا مكة قبل الوقوف، والله العالم. هذا كله في مقدمته (واما كيفيته فتشتمل على واجب وندب (ومندوب خ ل) ف‍) من (الواجب النية) التي قد سمعت الكلام فيها غير مرة وفي عدم اعتبار غير القربة والتعيين فيها بعد الاجماع بقسميه منا على وجوبها فيه، مضافا إلى العمومات، خلافا للعامة فلم يوجبوها فيه، ولا ريب في فساده، نعم قد صرح غير واحد بل في المدارك نسبته إلى الاصحاب بأن وقتها عند تحقق الزوال، لانه اول وقت الوقوف الواجب بناء على انه ما بينه وبين الغروب، فيجب مقارنتها له ليقع بأسره بعد النية، وإلا فات جزء منه، ثم لو اخر اثم إلا انه يجزي كما صرح به في الدروس، لكن قد يظهر من قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار (2) المشتمل على صفة حج النبي صلى الله عليه وآله خلاف ذلك، قال: " حتى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرنة بحيال الاراك، فضرب قبته وضرب


(1) الوسائل الباب 83 من ابواب الطواف الحديث 6 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3

[ 16 ]

الناس اخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس وامرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثم مضى إلى الموقف فوقف به " قيل وكذا رواية اخرى صحيحة لمعاوية (1) ايضا " ثم تلبي وانت غاد إلى عرفات فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل وصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وانما تعجل العصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة، وحد عرفة من بطن عرنة وثوية ونمرة إلى ذي المجاز، وخلف الجبل موقف " وهو كما ترى لا دلالة فيه على المطلوب، نعم قال الصادق (عليه السلام) في حسنه الآخر أو صحيحه (2): " وانما تعجل الصلاة وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة، ثم تأتي الموقف " الحديث. وقال ايضا في خبر ابي بصير (3): " لا ينبغى الوقوف تحت الاراك، واما النزول تحته حتى تزول الشمس وتنتهض إلى الموقف فلا بأس به " بل في المدارك والمسألة محل اشكال، لا ريب أن ما اعتبره الاصحاب اولى وأحوط، وبنحو ذلك عبر في محكي المقنعة والنهاية والمبسوط ومن لا يحضره الفقيه والسرائر من غير تعرض للنية فضلا عن مقارنتها، وفيه ان الاخيرين لا صراحة فيهما بل ولا ظهور في عدم


(1) ذكره صدره في الوسائل في الباب 8 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 ووسطه في الباب 9 منها الحديث 1 وذيله في الباب 10 منها الحديث 1 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (3) الوسائل الباب 10 من ابواب احرام الحج الحديث 7

[ 17 ]

النية عند الزوال، خصوصا بناء على انها الداعي المستمر خطوره مع التشاغل بهذه المقدمات، واما الاول منها فهو ظاهر في مضي زمان من الزوال في غير الموقف، ومرجعه إلى عدم وجوب الكون فيه من الزوال إلى الغروب، وستعرف الكلام فيه إن شاء الله، مع أنه يمكن كون نمرة موضع آخر في عرفة، ففي القاموس أنها موضع بعرفات أو الميل الذى عليه اقطاب الحرم، وحينئذ يكون المراد بمضيه الرواح إلى الموقف ميسرة الجبل الذي يستحب الوقوف فيه، والله العالم. (و) منه ايضا (الكون بها إلى الغروب) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكى منهما مستفيض أو متواتر قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) " ان المشركين كانوا يفيضون قبل أن تغيب الشمس فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وآله فأفاض بعد غروب الشمس " وقال له عليه السلام يونس بن يعقوب (2) في الموثق: " متى نفيض من عرفات ؟ فقال: إذا ذهبت الحمرة من هاهنا وأشار بيده إلى المشرق إلى مطلع الشمس " ومنه يعلم أن المراد بالغروب هو الذي قد عرفت الحال فيه في كتاب الصلاة، كما يعلم من قول المصنف وغيره: " والكون " الاجتزاء بجميع أفراده، بل لا أجد فيه خلافا، لا خصوص الوقوف الذي ستعرف أنه أفضل عندنا من الركوب، ولعله لذلك خص من بين احوال الكون بالذكر، نعم في كشف اللثام الاشكال في الركوب ونحوه، لخروجه عن معنى الوقوف لغة وعرفا، ونصوص الكون والاتيان لا تصلح لصرفه إلى المجاز، وفيه انه لا يحتاج إلى الصرف، وانما هو أحد الافراد بقرينة الفتوى وغيرها. وعلى كل حال (فلو وقف بنمرة) كفرحة بفتح النون وكسر


(1) و (2) الوسائل الباب 22 من ابواب احرام الحج الحديث 2 1

[ 18 ]

الميم، ويجوز إسكانه، وهي الجبل الذي عليه أنصاب الحرم على يمينك إذا خرجت من المأزمين تريد الموقف كما عن تحرير النووي والقاموس وغيرهما، لكن قد سمعت ما في النص (1) من أنها بطن عرنة، قيل فلعلها تقال عليهما وتقال على أحدهما للمجاورة، وعلى كل حال هي خارجة عن عرفة، فلو وقف بها (أو) وقف ب‍ (- عرنة) كهمزة، وفي لغة بضمتين، وهي كما عن المطرزي واد بحذاء عرفة، وعن السمعاني ظني أنها واد بين عرفات ومنى، وعن القاسي أنه موضع بين العلمين اللذين هما حد عرفة والعلمين اللذين هما حد الحرم (أو) وقف ب‍ (ثوية) بفتح الثاء وتشديد الياء (أو) وقف ب‍ (ذي المجاز) وهو سوق كانت على فرسخ من عرفة بناحية كبكب (أو تحت الاراك لم يجزه) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المنتهى نسبته إلى الجمهور ايضا إلا ما يحكى عن مالك من الاجتزاء ببطن عرنة ولزوم الدم، لكنه واضح الفساد بعد أن لم يكن هو من عرفة، وانما هي حد لها، والحد خارج عن المحدود، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2) السابق ما سمعت، وفي خبر سماعة (3): " واتق الاراك ونمرة، وهي بطن عرنة وثوية وذي المجاز، فانه ليس من عرفة، ولا تقف فيه " وفي خبر أبي بصير (4) " ان اصحاب الاراك الذين ينزلون تحت الاراك لا حج لهم " وفي خبر اسحاق بن عمار (5) عن النبي صلى الله عليه وآله " ارتفعوا عن وادي عرنة بعرفات " وعن الحلبي والحسن حدها من المأزمين إلى الموقف، وعن أبي علي من المأزمين


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3 (2) المتقدم في ص 16 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من ابواب احرام الحج الحديث 6 - 3 - 4

[ 19 ]

إلى الجبل، وقال الصادق عليه السلام في صحيح ليث (1): " حد عرفات من المأزمين إلى أقصى الموقف " ولعله لا تنافي بين الجميع في كونها حدودا لعرفة باعتبار الجهات كما عن المختلف، وفي المسالك " وهذه الاماكن الخمسة حدود عرفة، وهي راجعة إلى أربعة كما هو المعروف من الحدود، لان نمرة بطن عرنة كما روي في حديث معاوية عن الصادق عليه السلام، ولا يقدح ذلك في كون كل واحد منهما حدا، فان أحدهما ألصق من الآخر، وغيرهما وإن شاركهما باعتبار اتساعه في إمكان جعله كذلك لكن ليس لاجزائه أسماء خاصة، بخلاف نمرة وعرنة " ونحوه عن الكركي في حواشي القواعد، ولكن فيه أنه مناف للمعروف من الحد الذي هو الملاصق للمحدود، ويمكن كون ذلك على ضرب من المجاز، أو أن نمرة طرف خارج عن عرنة يكون حدا، والامر في ذلك سهل. انما الكلام في وجوب استيعاب الزمان من الزوال يوم عرفة إلى غروب الشمس بالكون فيها مع الاختيار، أو يكفي مسماه، الظاهر الاول كما صرح به الشهيدان في الدروس واللمعة والمسالك والمقداد والكركي وغيرهم من غير إشارة أحد منهم إلى خلاف في المسألة، بل ظاهر المدارك نسبته إلى الاصحاب مشعرا بالاجماع عليه، بل لم أجد الثاني قولا محررا بين الاصحاب نعم قد سمعت ما في المدارك من التوقف فيما حكاه عن الاصحاب من وجوب كون النية حين الزوال لتكون مقارنة لاول الواجب للروايات التي قدمناها، وتبعه في كشف اللثام والذخيرة والحدائق والرياض وغيرها من كتب المعاصرين، بل ادعى في الاخير أنه ظاهر الاكثر اعتمادا على ما حكاه في الذخيرة والحدائق من عبارات القدماء، وفي كشف اللثام وهل يجب الاستيعاب حتى إن أخل به في جزء منه أثم وإن تم


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب إحرام الحج الحديث 2

[ 20 ]

حجه ؟ ظاهر الفخرية ذلك، وصرح الشهيد بوجوب مقارنة النية لما بعد الزوال وانه يأثم بالتأخير، ولم أعرف له مستندا، وفي السرائر " أن الواجب هو الوقوف بسفح الجبل ولو قليلا بعد الزوال " وفي التذكرة " انما الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازا مع النية، وظاهر الاكثر وفاقا للاخبار الوقوف بعد صلاة الظهرين ثم قال: فيما لو تجدد الاغماء والنوم بعد الشروع فيه في وقته صح، لما عرفت أن الركن بل الواجب هو المسمى ". وعلى كل حال قال ابن بابويه في الفقيه: " فإذا أتيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة قريبا من المسجد، فان ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله خباه وقبته، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية واغتسل وصل بها الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، وانما يتعجل في الصلاة ويجمع بينهما ثم يقف بالموقف ليفرغ للدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة، ثم ائت الموقف وعليك السكينة والوقار، وقف بسفح الجبل في ميسرته " وقال الشيخ: " فإذا زالت اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا يجمع بينهما، ثم يقف بالموقف " ونحوه عن المبسوط، وفي المقنعة " ثم ليلب وهو غاد إلى عرفات، فإذا أتاها ضرب خباه بنمرة قريبا من المسجد، فان رسول الله صلى الله عليه وآله ضرب قبته هناك إلى أن قال: فإذا زالت الشمس يوم عرفة فليغتسل ويقطع التلبية ويكثر من التهليل والتمجيد والتكبير ثم يصلي الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين إلى أن قال ثم يأتي الموقف ويكون وقوفه في ميسرة الجبل، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وقف هناك ويستقبل القبلة " وقال سلار: " فإذا جاءها نزل نمرة قريبا من المسجد إن أمكنه، ونمرة بطن عرنة، فإذا زالت الشمس فليغتسل وليقطع التلبية وليكثر من التهليل والتمجيد والتكبير، وليصل الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثم ليأت الموقف، وليختر الوقوف في ميسرة الجبل " وقال في السرائر: " فإذا زالت اغتسل وصلى الظهر والعصر جميعا يجمع

[ 21 ]

بينهما بأذان وإقامتين لاجل البقعة، ثم يقف بالموقف إلى أن قال: ولا يجوز الوقوف تحت الاراك ولا في نمرة ولا في ثوية ولا في عرنة ولا في ذي المجاز، فان هذه المواضع ليست من عرفات، فمن وقف فيها بالحج فلا حج له، ولا بأس بالنزول بها غير أنه إذا أراد الوقوف بعد الزوال جاء إلى الموقف، فوقف هناك والوقوف بميسرة الجبل أفضل من غيره، وليس ذلك بواجب، بل الواجب الوقوف بسفح الجبل ولو قليلا بعد الزوال، وأما الدعاء والصلاة في ذلك الموضع فمندوب غير واجب، وانما الواجب الوقوف ولو قليلا فحسب " وفي جمل المرتضى " وينشئ الاحرام من المسجد ويلبي ثم يمضي إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخيرة والفجر، ويغدو إلى عرفات، فإذا زالت الشمس من يوم عرفة اغتسل وقطع التلبية واكثر من التحميد والتهليل والتمجيد والتكبير، ثم يصلي الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ثم يأتي الموقف " وفي المنتهى " يستحب تعجيل الصلاتين حين تزول الشمس، وأن يقصر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف لان تطويل ذلك يمنع من الرواح إلى الموقف في أول وقته، والسنة التعجيل، روى ابن عمر (1) قال: " غدا رسول الله صلى الله عليه وآله من منى حين صلى الصبح صبح يوم عرفة حتى أتى عرفة، فنزل نمرة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وآله مهجرا، فجمع بين الظهر والعصر ثم خطب ثم راح فوقف على الموقف " ولا خلاف في هذا بين علماء الاسلام، فإذا فرغ من الصلاتين جاء إلى الموقف فوقف " وقال فيه أيضا: " أول وقت الوقوف بعرفة زوال الشمس من يوم عرفة، ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قال الشافعي ومالك، وقال أحمد: أوله طلوع الفجر من يوم عرفة، لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وقف بعد


(1) سنن أبي داود ج 1 ص 445 الطبعة الاولى عام 1371

[ 22 ]

الزوال، وقال: " خذوا عني مناسككم " (1) ووقف الصحابة كذلك، واهل الاعصار من لدن النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا هذا وقفوا بعد الزوال، ولو كان ذلك جائزا لما اتفقوا على تركه، وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن أول الوقوف بعرفة زوال الشمس من يوم عرفة، وروى الشيخ في الصحيح عن معاوية (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " ثم تأتي الموقف " يعني بعد الصلاتين، والامر للوجوب " إلى آخره. وعن التذكرة " انما الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازا مع النية " إلى غير ذلك من العبارات التي توهموا منها الخلاف في المسألة، حتى قال في كشف اللثام: ما سمعت. وقال في الرياض: " وهل يجب الاستيعاب حتى إن أخل به في جزء منه أثم وإن تم حجه كما هو ظاهر الشهيدين في الدروس واللمعة وشرحها، بل صريح ثانيهما، أم يكفي المسمى ولو قليلا كما عن السرائر وعن التذكرة أن الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازا مع النية، وربما يفهم هذا ايضا عن المنتهى ؟ إشكال، وينبغي القطع بفساد القول الاول، لمخالفته لما يحكى عن ظاهر الاكثر والمعتبرة المستفيضة بأن الوقوف بعد الغسل وصلاة الظهرين ففي الصحيح إلى آخر ما سمعته من النصوص السابقة ثم قال: والاحوط العمل بمقتضاها وإن كان القول بكفاية مسمى الوقوف لا يخلو عن قرب، للاصل النافي للزائد بعد الاتفاق على كفاية المسمى في حصول الركن منه، وعدم اشتراط شئ زائد منه فيه مع سلامته عن المعارض سوى الاخبار المزبورة، ودلالتها على الوجوب غير واضحة، وأما ما تضمن منها الامر باتيان الموقف بعد الصلاتين فلا تفيد الفورية


(1) تيسير الوصول ج 1 ص 312 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 23 ]

ومع ذلك منساق في سياق الاوامر المستحبة، وأما ما تضمن منها فعله فكذلك بناء على عدم وجوب التأسي، وعلى تقدير وجوبه في العبادة فانما غايته الوجوب الشرطي لا الشرعي، وكلامنا فيه لا في سابقه، للاتفاق كما عرفت على عدمه ". قلت: لعل الاظهر والاحوط وجوب الاستيعاب وإنما كان الركن المسمى منه، والنصوص المزبورة لا دلالة فيها على كفاية المسمى، وانما أقصاها التشاغل عند زوال الشمس بمقدمات الوقوف من الغسل والجمع بين الصلاتين ونحوهما، لا أنه يجزي المسمى، ومن هنا كان ذلك خيرة الذخيرة والحدائق وبعض من تأخر عنهما، على أنه يمكن كون هذه المقدمات كلها بعرفة، فلا تنافي نية الوقوف كما عساه يشهد لذلك أن المستحب الجمع بعرفة، قال في التذكرة: ويجوز الجمع لكل من بعرفة من مكي وغيره، وقد أجمع علماء الاسلام على أن الامام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبذلك يظهر لك أن صلاة النبي صلى الله عليه وآله قد كانت بعرفة كما يشهد له ما في دعائم الاسلام (1) عن جعفر بن محمد عن علي (عليهم السلام) " ان رسول الله صلى الله عليه وآله غدا يوم عرفة من منى فصلى الظهر بعرفة لم يخرج من منى حتى طلعت الشمس " وحينئذ فيكون المراد من مضيه إلى الموقف الرواح إلى المكان المخصوص المستحب فيه الوقوف، أو التشاغل بما يقتضيه من الدعاء والتحميد والتمجيد والتهليل والتكبير والدعاء لنفسه ولغيره مما جاءت به النصوص في ذلك الموقف، وفيه أمارة اخرى ايضا على مثل هذه المقدمات في الكون بعرفة التي ذكروا فيها استحباب هذه الامور لا خارجا عنها. بل لعل قوله في الفقيه: " صلى بها " يراد به عرفة لا نمرة، وربما يشهد له عبارته في المقنع، قال: " ثم تلبي وأنت مار إلى عرفات، فإذا ارتقيت إلى عرفات


(1) المستدرك الباب 7 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 24 ]

فاضرب خباك بنمرة، فان فيها ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله خباءه وقبته، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية، وعليك بالتهليل والتحميد والثناء على الله تعالى، ثم اغتسل وصل الظهر والعصر وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة، واعمل بما في كتاب دعاء الموقف من الدعاء والتحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وجميع ما فيه ثم قال: إياك أن تفيض منها قبل غروب الشمس " إلى آخره، بل قد يظهر من خبر جذاعة الازدي (1) معروفية إيقاع الصلاتين بعرفة في ذلك الزمان، قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس فيبقى ينظر إلى الناس ولا يدعو حتى أفاض الناس قال: يجزيه وقوفه، ثم قال: أليس قد صلى بعرفات الظهر والعصر وقنت ودعا ؟ قلت: بلى، قال: فعرفات كلها موقف، وما قرب من الجبل فهو أفضل " هذا. ومن ذلك يظهر أن عبارة المقنعة كذلك، وأما عبارة الشيخ فهي ظاهرة في ترتيب الافعال، وهي الصلاة والوقوف، وظاهرها كونهما معا بعرفة، وعبارة سلار كعبارة المقنعة، وأما عبارة السرائر فالتدبر فيها يقتضي إرادة بيان الركن من الوقوف وإن أطلق عليه اسم الواجب، وأنه لا يجب غير ذلك من الصلاة والدعاء ونحوهما، نحو ما وقع عن التذكرة، فانه بعد أن ذكر المجئ إلى الموقف بعد الصلاة والتشاغل بالدعاء قال " إذا عرفت هذا فهذه الادعية وغيرها ليست واجبة، وانما الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازا مع النية " وكذا في القواعد فانه بعد أن ذكر في الاحكام أن الوقوف ركن وذكر حكم الناسي ومن فاته الاختياري والاضطراري قال: " والواجب ما يطلق


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب احرام الحج الحديث 2

[ 25 ]

عليه اسم الحضور وإن سارت به دابته مع النية " وأما عبارة المرتضى فهي على حسب تلك العبارات، وعبارة المنتهى يمكن أن تكون في الدلالة على خلاف ذلك أظهر منها فيه، خصوصا قوله: " والامر للوجوب " ومثله عبارة التذكره التي قد عرفت الحال فيها، بل لعل قول الاكثر في الواجبات ان منها الكون إلى غروب الشمس مع قولهم: إن وقت الاختيار من زوال الشمس إلى غروبها، وقولهم: يحرم الافاضة قبل الغروب ظاهر في إرادة الوجوب من الزوال إلى الغروب، وإلا فلا وجه لوجوب المسمى، وحرمة الافاضة قبل الغروب التي يحصل معها المسمى، ضرورة اقتضاء ذلك واجبين لا دليل عليهما، وفي دعائم الاسلام (1) عن جعفر ابن محمد (عليهما السلام) " يقف الناس بعرفة يدعون ويرغبون ويسألون الله تعالى من كل فضله وبما قدروا عليه حتى تغرب الشمس ". وكأنه لذلك نسب في المدارك إلى الاصحاب الوجوب من اول الزوال، إذ ليس لهم إلا هذه العبارات إلا من صرح منهم بذلك كالشهيدين والكركي والمقداد، بل يمكن القطع بفساد القول بالاجتزاء اختيارا في وقوف عرفة ركنه وواجبه بالوقوف بعد غيبوبة القرص إلى ذهاب الحمرة المشرقية، لانه جامع لامتثال الامر بالمسمى والنهي عن الافاضة قبل الغروب، كما أنه يمكن القطع من التأمل في النصوص والفتاوى بوجوب الكون في عرفة من زوال الشمس إلى غروبها، وانه المراد من حرمة الافاضة قبل غروبها، كما أنه كاد يكون صريح ما سمعته من المقنع فضلا عمن عبر بالكون إلى الليل، بل لعل عدم ذكر الابتداء في قولهم والكون إلى الغروب اتكالا على معلوميته، وعلى ما يذكرونه من كون وقت الاختيار من زوال الشمس إلى غروبها، وأن الركن منه المسمى، وبالجملة هو من البديهيات


(1) المستدرك الباب 14 من ابواب احرام الحج الحديث 9

[ 26 ]

عند التأمل، نعم في المختلف قال الشيخ في الخلاف: الافضل أن يقف إلى غروب الشمس في النهار، ويدفع من الموقف بعد غروبها، فان دفع قبل الغروب لزمه دم والكلام فيه يقع في موضعين: الاول أن عبارته هذه توهم جواز الافاضة قبل الغروب، ولا خلاف بيننا أنه يجب إلى الغروب ولا يجب قبله، إلى ان قال: وبالجملة فالمسألة إجماعية، ويمكن أن يحمل قول الشيخ على أن اللبث في الموقف إلى الغروب من وقت ابتدائه مستحب، فانه لو دفع قبل الغروب ثم عاد إلى الموقف أجزأه وأن الافضل أن يقف إلى الغروب ثم يدفع في اول الليل ولا يقف بعده، وكأنه قصد الثاني، وظاهره استحباب الاستيعاب، بل يظهر منه المفروغية من ذلك، لكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، كما أنه لا يخفى عليك حال ما سمعته من الرياض، بل فيه طرائف، خصوصا قوله: " ان الامر ليس للفور " فانه وإن كان كذلك كما حقق في الاصول لكن لا يخفى على ذي مسكة إرادة ذلك منه هنا، خصوصا بعد ملاحظة التعليل في تعجيل الصلاتين، نعم هو بناء على ما قلناه من كون الصلاتين والغسل وغيرهما من المقدمات الحاصلة بعد الزوال للندب، ضرورة كونه حال التشاغل بها في عرفات، وهي كلها موقف والنصوص السابقة التي اظهرها الصحيح الاول (1) المشتمل على صفة حج رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه مضى إلى الموقف بعد الصلاتين والخطبة، وكانت صلاته في المسجد الذي في نمرة التي هي ليست من عرفة قد عرفت جملة من الكلام فيما يتعلق بها، ونزيد هنا بأن كلام العامة شديد الاختلاف، وفيه ما يقتضي دخول بطن عرنة بالنون في عرفة، فمن بعض الحنفية أنه قيل حد عرفات ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة لعرنة مما يلي حوائط بني عامر وطريق الحض، وعن


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3

[ 27 ]

الارزقي عن ابن عباس أن حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة بالنون إلى جبال عرفات إلى وصيق إلى ملتقى وصيق ووادي عرنة، وعن بعضهم أن مقدم مسجد ابراهيم عليه السلام اوله ليس من عرفة، ومقتضاه ان ما عدا الاول من عرفات، فيمكن ان تكون صلاة النبي صلى الله عليه وآله فيما كان منه من عرفات، ويشهد لذلك ما يحكى عنهم من الجواب لابي يوسف عن إشكاله بمنافاة الصلاة للوقوف من اول الزوال بأنه لا منافاة، فان المصلي واقف، وهو كالصريح في كون المسجد من عرفة بالفاء، وعن بعض الشافعية ان مقدم هذا المسجد ليس من عرفات، وآخره منها، وعن الرافعي الجزم بذلك مع شدة تحقيقه واطلاعه، كل ذلك مع شدة اختلافهم في الوقوف بعرنة بالنون، فان لهم فيه اقوالا جمة، وجملة منها مبنية على دخولها في عرفات، كل ذلك مضافا إلى ما قدمناه، والى ما في بالي من تضمن بعض النصوص " ان النبي صلى الله عليه وآله لما جاء إلى نمرة وضرب خباه فيها امر بمسجد فبني له بأحجار بيض ثم اختلط " فيمكن ان يكون مسجدا غير المسجد الموجود الآن بنمرة المسمى بمسجد ابراهيم عليه السلام، أو زيادة فيه كانت في عرنة، إلى غير ذلك مما هو محتمل فيه وفي غيرة، والله العالم بحقيقة الحال. (و) كيف كان ف‍ (- لو افاض قبل الغروب جاهلا أو ناسيا فلا شئ عليه) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل عن ظاهر المنتهى والتذكرة انه موضع وفاق بين العلماء، مضافا إلى الاصل والى اولويته بعدم الفساد من حال العمد الذي ستعرف النص (1) والفتوى على عدمه فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، والى الاصل ايضا في عدم الكفارة التي تترتب غالبا على الذنب المفقود في الثاني، وفي


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب احرام الحج

[ 28 ]

بعض افراد الاول قطعا إن اريد به الاعم من التأخير، والى قول الصادق عليه السلام في صحيح مسمع (1): " في رجل افاض من عرفات قبل غروب الشمس قال: إن كان جاهلا فلا شئ عليه، وإن كان متعمدا فعليه بدنة ". نعم لو علما قبل الغروب، وجب العود بناء على المختار من وجوب الاستيعاب بل وعلى الآخر مقدمة لامتثال حرمة الافاضة قبل الغروب، لكن في كشف اللثام " وهل عليهما الرجوع إذا تنبها قبل الغروب ؟ نعم إن وجب استيعاب الوقوف، وإلا فوجهان " وفيه ما عرفت، بل في المسالك: إن اخل به كان كالعامد في لزوم الدم " وان كان لا يخلو من نظر باعتبار الشك في حصول عنوانه كما ستعرف وعلى كل حال فلو عاد لم يلزمه شئ قطعا. هذا كله فيهما (و) أما (إن كان عامدا) فلا ريب في إثمه مع عدم عوده من دون فساد لحجه، بل الاجماع بقسميه عليه و (جبره ببدنة، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما) بلا خلاف اجده في اصل الجبر، بل في المنتهى انه قول عامة اهل العلم إلا من مالك، فقال: لا حج له، ولا نعرف احدا من اهل الامصار قال بقوله، وأما كونه بدنة فهو المشهور شهرة كادت تكون اجماعا، بل عن الغنية دعواه، لخبر مسمع (2) المتقدم، وصحيح ضريس (3) عن ابي جعفر عليه السلام " سألته عن رجل افاض من عرفات من قبل ان تغيب الشمس قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في اهله " ومرسل ابن محبوب (4) عنه عليه السلام ايضا " في رجل افاض من عرفات قبل ان تغرب الشمس قال: عليه بدنة، فان لم يقدر على بدنة صام ثمانية عشر يوما "


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 23 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 - 1 - 3 - 2

[ 29 ]

وفي الدعائم (1) عنه عليه السلام ايضا " انه سئل عن وقت الافاضة من عرفات فقال: إذا وجبت الشمس، فمن افاض قبل غروب الشمس فعليه بدنة ينحرها " خلافا للصدوقين فشاة، ولم نقف لهما على مستند وإن نسبه في محكي الجامع إلى رواية، وعن الخلاف ان عليه دما للاجماع والاحتياط، وقول النبي صلى الله عليه وآله في خبر ابن عباس: " من ترك نسكا فعليه دم " ولعل إطلاقه في مقابلة من لم يوجب عليه شيئا من العامة، على ان مرسل الجامع والنبوي لا يصلحان لمعارضة ما سمعت من وجوه حتى لو قلنا بكونها من محكي الاجماع، ضرورة تبين خلافه بالنسبة إلى ذلك. (ولو عاد قبل الغروب لم يلزمه شئ) كما عن الشيخ وابني حمزة وإدريس للاصل، ولانه لو لم يقف إلا هذا الزمان لم يكن عليه شئ، فهو حينئذ كمن تجاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه فأحرم، لكن عن النزهة " ان سقوط الكفارة بعد ثبوتها يفتقر إلى دليل، وليس " وفي كشف اللثام " وهو متجه " وفيه منع الثبوت بعد ظهور الدليل في غير العائد، نعم لا يجدي العود بعد الغروب عندنا خلافا للشافعي إذا عاد قبل خروج وقت الوقوف، وهل يلحق الجاهل المقصر بالعامد ؟ وجهان، هذا. وظاهر الخبر المزبور صحة هذا الصوم في السفر وان كان واجبا كما تقدم الكلام فيه وفي اعتبار التوالي فيه الذي اختاره في الدروس في كتاب الصوم، هذا. وفي الدروس ان رابع الواجبات السلامة من الجنون والاغماء والسكر والنوم في جزء من الوقت، فلو استوعب بطل، واجتزاء الشيخ بوقوف النائم


(1) المستدرك الباب 22 من ابواب الحج الحديث 1

[ 30 ]

فكأنه بنى على الاجتزاء بنية الاحرام، فيكون كنوم الصائم، وانكره الحلييون ويتفرع عليه من وقف بها ولا يعلمها فعلى قوله يجزي، قلت: قد عرفت سابقا في اول كتاب الحج اعتبار العقل، نعم لا وجه للجزم بالبطلان مع الاستيعاب وان ادرك الاضطراري أو اختياري المشعر، اللهم إلا ان يريد بطلان الوقوف لا الحج، كما انه لا وجه لما حكاه عن الشيخ من الاجتزاء بوقوف النائم مع فقده النية التي قد عرفت اعتبارها، ثم قال: خامسها الوقوف في اليوم التاسع من ذي الحجة بعد زواله، فلو وقفوا ثامنه غلطا لم يجز، ولو وقفوا عاشره احتمل الاجزاء دفعا للعسر، إذ يحتمل مثله في القضاء، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وآله " حجكم يوم تحجون " وعدمه لعدم الاتيان بالواجب، والفرق بينه وبين الثامن انه لا يتصور نسيان العدد من الحجيج، ويأمنون ذلك في القضاء، وقوى الفاضل التسوية في عدم الاجزاء، والحادي عشر كالثامن، ولو غلطت طائفة منهم لم يعذروا مطلقا، وابن الجنيد يرى عدم العذر مطلقا، ولو رأى الهلال وحده أو مع غيره وردت شهادتهم وقفوا بحسب رؤيتهم وان خالفهم الناس، ولا يجب عليهم الوقوف مع الناس، ولو غلطوا في المكان اعادوا، ولو وقفوا غلطا في النصف الاول من اليوم أو جهلا لم يجز، ولا يخفى عليك ان ما ذكره من الاحتمال اولا لا ينطبق على مذهب الامامية، وان ذكر الفاضل في التحرير ما يقرب منه، قال: لو غم الهلال ليلة الثلاثين من ذي القعدة فوقف الناس يوم التاسع من ذي الحجة ثم قامت البينة انه اليوم العاشر ففي الاجزاء نظر، وكذا لو غلطوا في العدد فوقفوا يوم التروية، ولو شهد واحد أو اثنان برؤية هلال ذي الحجة ورد الحاكم شهادتهما وقفوا يوم التاسع على وفق رؤيتهم وان وقفت الناس يوم العاشر عندهما

[ 31 ]

والاصل في هذه الاحتمالات خرافات العامة. قال في المنتهى: لو غم الهلال ليلة الثلاثين من ذي القعدة فوقف الناس يوم التاسع من ذي الحجة ثم قامت البينة انه يوم العاشر قال الشافعي: اجزأهم، لقول النبي صلى الله عليه وآله: " حجكم يوم تحجون " ولان ذلك لا يؤمن مثله في القضاء مع اشتماله على المشقة العظيمة الحاصلة من السفر الطويل وإنفاق المال الكثير، قال: ولو وقفوا يوم الثامن لم يجزهم، لانه لا يقع فيه الخطأ، لان نسيان العدد لا يتصور، ولو شهد شاهدان عشية عرفة برؤية الهلال ولم يبق من النهار والليل ما يمكن الاتيان فيه إلى عرفة قال: وقفوا من الغد، ولو أخطأ الناس اجمع في العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة قال بعض الجمهور: يجزيهم، لان النبي صلى الله عليه وآله (1) قال: " يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه " وان اختلفوا فأصاب بعضهم وأخطأ بعض وقت الوقوف لم يجزهم، لانهم غير معذورين في هذا، ولقول النبي صلى الله عليه وآله (2): " فطركم يوم تفطرون، وضحاياكم يوم تضحون " وفي الكل إشكال، قلت: بل منع، ضرورة عدم ثبوت ما ذكروه من الروايات، وعدم انطباقه على اصول الامامية وقواعدهم إلا على ما توهمه بعض منا من قاعدة الاجزاء في نحو بعض الفروع المذكورة. ثم إنه في المنتهى ذكر مسألة الشهود الذين ردت شهادتهم، وذكر ما عن الشافعي من انهم يقفون على حسب رؤيتهم وإن وقف الناس في غير ذلك، ثم قال: وهو الحق كشهود العيد في شهر رمضان، خلافا لبعض العامة فلا يجزيهم حتى يقفوا مع الناس، وهو واضح الفساد، وكيف كان فالغرض أن بعض


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 176 وكنز العمال ج 3 ص 13 الرقم 275 (2) سنن البيهقي ج 5 ص 175

[ 32 ]

الاحتمالات المزبورة في المسائل السابقة مما لا ينطبق على المعروف من اصول الامامية. نعم بقي شئ مهم تشتد الحاجة إليه، وكأنه اولى من ذلك كله بالذكر، وهو انه لو قامت البينة عند قاضي العامة وحكم بالهلال على وجه يكون يوم التروية عندنا عرفة عندهم، فهل يصح للامامي الوقوف معهم ويجزي لانه من أحكام التقية ويعسر التكليف بغيره، أو لا يجزي لعدم ثبوتها في الموضوع الذي محل الفرض منه، كما يؤمي إليه وجوب القضاء في حكمهم بالعيد في شهر رمضان الذي دلت عليه النصوص (1) التي منها " لان أفطر يوما ثم أقضيه أحب إلي من ان يضرب عنقي " ؟ لم اجد لهم كلاما في ذلك، ولا يبعد القول بالاجزاء هنا إلحاقا له بالحكم للحرج، واحتمال مثله في القضاء، وقد عثرت على الحكم بذلك منسوبا للعلامة الطباطبائي، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. (واما احكامه فمسائل: الاولى) مسمى (الوقوف بعرفات) من زوال يوم عرفة الذي هو اليوم المشهود أو الشاهد (ركن) في الحج على معنى ان (من تركه عامدا فلا حج له) كما هو ضابط الركنية في الحج عندهم، بل هو مقتضى ما في بعض النسخ من تفريع ذلك بالفاء عليه، وعلى كل حال فلا خلاف اجده في ذلك بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل نسبه غير واحد إلى علماء الاسلام، وفي النبوي العامي (2) " الحج عرفة " بل في كشف اللثام في الاخبار ان الحج عرفة (3) وفي صحيح الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام " قال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الوسائل الباب 57 من ابواب ما يمسك عنه الصائم (2) سنن البيهقي ج 5 ص 173 (3) المستدرك الباب 18 من ابواب إحرام الحج الحديث 3 (4) الوسائل الباب 19 من ابواب احرام الحج الحديث 10

[ 33 ]

في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة، وقال: أصحاب الاراك لا حج لهم " وفي خبر ابي بصير (1) عنه عليه السلام ايضا " إذا وقفت بعرفات فادن من الهضبات، والهضبات هي الجبال، فان النبي صلى الله عليه وآله قال: أصحاب الاراك لا حج لهم، يعني الذين يقفون عند الاراك " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على عدم الحج بعدم الوقوف فيها ولو بالوقوف في حدودها كالاراك ونحوه فضلا عن غيرها، ولا ينافيه مرسل ابن فضال (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " الوقوف بالمشعر فريضة، والوقوف بعرفة سنة " بعد كونه مرسلا، واحتماله إرادة معرفة وجوبه من السنة، بخلاف الوقوف بالمشعر المستفاد وجوبه من قوله تعالى (3): " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام " نعم قد عرفت سابقا أن الركن مسماه، والواجب الزائد إلى الغروب، فلاحظ وتأمل، هذا. وفي القواعد الوقوف الاختياري بعرفة ركن، ومقتضاه عدم الاجتزاء بالاضطراري مع تركه عمدا، وهو كذلك بل هو صريح المصنف، بل قيل يعطيه النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر والنافع لاطلاق الادلة السابقة. (و) كيف كان ف‍ (من تركه نسيانا تداركه ما دام وقته) الاختياري أو الاضطراري (باقيا، ولو فاته) ذلك أي (الوقوف بعرفة) بقسميه (اجتزأ بالوقوف بالمشعر) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه في أعلى درجات الاستفاضة، بل عن الانتصار والمنتهى زيادة الاجماع المركب، فان من اوجب الوقوف بالمشعر أجمع على الاجتزاء باختياريه إذا فات الوقوف بعرفات لعذر، وفي صحيح معاوية بن عمار (4) عن


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من ابواب احرام الحج الحديث 11 - 14 (3) سورة البقرة الآية 194 (4) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 34 ]

الصادق عليه السلام " في رجل أدرك الامام وهو بجمع فقال: إن ظن أنه يأتي عرفات ويقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، وان ظن انه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها وليقم بجمع فقد تم حجه " وفي خبر الحلبي (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات في ليلته فيقف بها، ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا، فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، وإن قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله تعالى أعذر لعبده، وقد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل " وفي خبر إدريس بن عبد الله (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أدرك الناس بجمع وخشي إن مضى إلى عرفات أن يفيض الناس من جمع قبل أن يدركها فقال: إن ظن أن يدرك الناس بجمع قبل طلوع الشمس فليأت عرفات، فان خشي أن لا يدرك جمعا فليقف بجمع، ثم ليفض مع الناس فقد تم حجه " وفي صحيح معاوية (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فإذا شيخ كبير فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أدرك الامام بجمع ؟ فقال: إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، وإن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها وقد تم حجه " إلى غير ذلك من النصوص التي لا تصريح فيها بخصوص الناسي وإن كان هو مندرجا في مفهوم التعليل بأن الله أعذر لعبده، بل وفي قوله: " أدرك " ونحوه، بل في المدارك


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 3 - 4

[ 35 ]

أنه يمكن الاستدلال بذلك على عذر الجاهل ايضا كما هو ظاهر اختيار الشهيد في الدروس، ويدل عليه عموم قول النبي صلى الله عليه وآله (1): " من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج " وقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (2): " من أدرك جمعا فقد أدرك الحج " وفيه أن ذلك يشمل العامد ايضا نحو قوله عليه السلام (3): " من أدرك من الوقت ركعة فقد أدرك الوقت كله " اللهم إلا أن يلتزم ذلك إن لم يكن إجماع عليه، والتحقيق اعتبار قيد العذر مع ذلك نسيان أو غيره، ولعل الجهل مع عدم التقصير منه ايضا، بل ومعه إذا كان في أصل تعلم الاحكام الشرعية، هذا، وبالغ في الحدائق في إنكار كون النسيان عذرا لانه من الشيطان بخلاف الجاهل الذي استفاضت النصوص بمعذوريته، ولا سيما في باب الحج عموما وخصوصا، وفيه ما لا يخفى، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. المسألة (الثانية وقت الاختيار بعرفة من زوال الشمس إلى الغروب) بذهاب الحمرة المشرقية (من ترك) مسماه عالما (عامدا) فيه (فسد حجه) وإن جاء بالاضطراري لما عرفت (ووقت الاضطرار إلى طلوع الفجر من يوم النحر) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، بل في المدارك وغيرها الاجماع عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص، نعم الواجب من الوقوف الاضطراري مسمى الكون بعرفات ليلا، ولا يجب الاستيعاب، بل في محكي التذكرة الاجماع عليه، كما في محكي المنتهى نفي الخلاف فيه، مضافا إلى ما سمعته من النص (4) المصرح بالاجتزاء


(1) كنز العمال ج 3 ص 13 الرقم 264 (2) الوسائل الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (3) الوسائل الباب 30 من ابواب المواقيت من كتاب الصلاة (4) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 و 4

[ 36 ]

به ولو قليلا، فلا يتوهم كونه كوقت الاختيار في كون الركن مسماه والواجب الزائد على ذلك إلى مطلع الفجر بناء على المختار، نعم قد يقال بكونه مثله في فوات الحج بفوات المسمى مع العلم والعمد، فانه كالركن من الاختياري كما عساه يؤمي إليه صحيح الحلبي (1) السابق، مضافا إلى قاعدة عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، بل لعله مقتضى إطلاقهم أن الركن مسماه الشامل للاختياري والاضطراري كما صرح به غير واحد من متأخري المتأخرين، ووجهه ما عرفت بعد ان لم يكن فيما يدل على كفاية الاضطراري عموم يشمل ما نحن فيه، لاختصاصه بغيره كما سمعت، نعم في قواعد الفاضل ما عرفت من أن الوقوف الاختياري بعرفة ركن من تركه عامدا بطل حجه، وربما استشعر منه عدم كون الاضطراري كذلك، فلو تركه عمدا حينئذ لم يبطل حجه، وفيه منع واضح، ويمكن أن يكون الوجه في اقتصاره بيان أنه لا يجزي الاقتصار على الاضطراري عمدا، بل من ترك الاختياري عمدا بطل حجه وإن أتى بالاضطراري كما سمعت الكلام فيه. وكذا لا يتوهم ايضا من إطلاق كثير من النصوص السابقة كون وقت الاضطرار لوقوف عرفة هو ما لا يفوت معه وقوف اختياري المشعر، فلو تمكن منهما معا قبل طلوع الشمس كفى، لوجوب تقييده بما في غيره من الوقوف ليلة النحر المعتضد بفتوى الاصحاب على وجه لا يعرف فيه خلاف، وكيف كان فما عن الشيخ في الخلاف من إطلاق أن وقت الوقوف بعرفة من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم العيد منزل على ما عرفت من التفصيل الذي ذكره في باقي كتبه، فما عن ابن إدريس من أن هذا القول مخالف لاقوال علمائنا، وانما


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2

[ 37 ]

هو قول لبعض المخالفين أورده الشيخ في كتابه إيرادا لا اعتقادا في غير محله، ضرورة كون مراد الشيخ بيان مطلق الاختياري والاضطراري، ومن هنا قال في المختلف التحقيق أن النزاع هنا لفظي، فان الشيخ قصد الوقت الاختياري، وهو من زوال الشمس إلى غروبها، والاضطراري وهو من الزوال إلى طلوع الفجر فتوهم ابن إدريس أن الشيخ قصد بذلك الوقت الاختياري فأخطأ في اعتقاده، ونسب الشيخ إلى تقليد بعض المخالفين، مع أن الشيخ من اعظم المجتهدين وكبيرهم ولا ريب في تحريم التقليد للمحق من المجتهدين، فكيف بالمخالف الذي يعتقد المقلد أنه مخطئ، وهل هذا إلا جهالة منه واجتراء على الشيخ (ره). المسألة (الثالثة من نسي الوقوف بعرفة رجع فوقف بها ولو إلى طلوع الفجر من يوم النحر إذا عرف أنه يدرك المشعر قبل طلوع الشمس) بلا خلاف ولا إشكال، لما عرفته سابقا (ولو غلب على ظنه الفوات اقتصر على إدراك المشعر قبل طلوع الشمس وقد تم حجه) نصا وفتوى، نعم قد يستفاد من قول المصنف: " إذا عرف " إلى آخره، عدم وجوب العود إلى عرفات مع التردد في ذلك، وفي المدارك وهو كذلك للاصل، وقوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن عمار (1) المتقدمة: " إن ظن أنه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها " واحتمل الشارح وجوب العود مع التردد تقديما للوجوب الحاضر، وهو ضعيف، وفيه أن صحيح معاوية بن عمار السابق وإن كان قد علق إتيان عرفة فيه على الظن لكن علق فيه عدم الاتيان على ظن ذلك ايضا، نعم في خبر إدريس (2) تعليق ذلك على خشيان الفوات الذي لا ريب في تحققه مع التردد، على أنه بناء على توقف صحة الحج على إدراك احد الاختياريين


(1) و (2) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 - 3

[ 38 ]

يكفي به عذرا في اقتصاره على المشعر، ضرورة أن في تركه تعريضا لفوات الاختياريين الموجب هنا لفوات الحج، وبذلك ترجح مراعاته على اضطراري عرفة، كما هو واضح. (وكذا) يتم حجه (لو نسي الوقوف بعرفات) مثلا (ولم يذكر إلا بعد الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص السابقة المصرحة باجزاء اختياري المشعر مع فوات وقوف عرفة بقسميه. المسألة (الرابعة إذا وقف بعرفات قبل الغروب ولم يتفق له إدراك المشعر إلا قبل الزوال صح حجه) بادراك اختياري عرفة واضطراري المشعر بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص التي منها صحيح معاوية (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل افاض من عرفات إلى منى ؟ قال: فليرجع فليأت جمعا فيقف بها وإن كان الناس قد افاضوا من جمع " وموثق يونس بن يعقوب (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل افاض من عرفات فمر بالمشعر فلم يقف حتى انتهى إلى منى ورمى الجمرة ولم يعلم حتى ارتفع النهار قال: يرجع إلى المشعر فيقف به ثم يرجع فيرمي، جمرة العقبة " وصحيح معاوية (3) عنه عليه السلام ايضا " من أفاض من عرفات إلى منى فليرجع وليأت جمعا وليقف بها وإن كان قد وجد الناس قد أفاضوا من جمع " بل في المسالك هنا " لو فرض عدم إدراك المشعر أصلا صح ايضا، فان اختياري أحدهما كاف " بل قال في موضع آخر: " لا خلاف في الاجتزاء بأحد الموقفين الاختياريين " لكن أشكله سبطه


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 21 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 3 - 1

[ 39 ]

بانتفاء ما يدل على الاجتزاء بادراك اختياري عرفة خاصة، مع أن الخلاف في المسألة متحقق، فان العلامة في المنتهى صرح بعدم الاجتزاء بذلك، وهذه عبارته " ولو أدرك أحد الموقفين اختيارا وفاته الآخر مطلقا فان كان الفائت هو عرفات فقد صح حجه لادراك المشعر، وإن كان هو المشعر ففيه تردد، أقربه الفوات " وقال في التحرير: " ولو أدرك أحد الاختياريين وفاته الآخر اختيارا واضطرارا فان كان الفائت هو عرفة صح الحج، وإن كان هو المشعر ففي إدراك الحج إشكال " ونحوه في التذكرة، فعلم من ذلك أن الاجتزاء بادراك اختياري عرفة ليس اجماعيا كما ذكره الشارح، وأن المتجه فيه عدم الاجتزاء، لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، وانتفاء ما يدل على الصحة مع هذا الاخلال. قلت: قد نفى عنه الخلاف في التنقيح ايضا، وعن جماعة نسبته إلى الشهرة منهم المحدث المجلسي (رحمه الله) والسيد نعمة الله الجزائري في شرح التهذيب وشارح المفاتيح، بل عن الاخير عن بعضهم الاجماع عليه، وفي الذخيرة والمختلف أنه المعروف بين الاصحاب، بل في الرياض أنه عزاه في الذخيرة إليهم مشعرا بعدم خلاف فيه، كما هو ظاهر المختلف والدروس ايضا، بل ستسمع تصريح المصنف والفاضل في القواعد وغيرهما بعدم بطلان الحج مع نسيان الوقوف بالمشعر إن كان قد وقف بعرفة، كالمحكي عن السرائر والجامع والارشاد والتبصرة والدروس واللمعة وغيرها، بل هو صريح الفاضل في التحرير والمنتهى ايضا، فيكون رجوعا عن الاول، وبه يتم نفى الخلاف حينئذ. كل ذلك مضافا إلى النبوي (1) " الحج عرفة " والمروي (2) في طرقنا


(1) المستدرك الباب 18 من ابواب احرام الحج الحديث 3 (2) الوسائل الباب 19 من ابواب احرام الحج الحديث 9

[ 40 ]

الحسنة " الحج الاكبر الموقف بعرفة ورمي الجمار " والصحيح أو الحسن عن محمد ابن يحيى (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في رجل لم يقف بالمزدلفة ولم يبت بها حتى أتى منى فقال: ألم ير الناس لم يكونوا بمنى حين دخلها ؟ قلت: فانه جهل ذلك، قال: يرجع، قلت: إن ذلك قد فاته قال: لا بأس " ومرسل محمد بن يحيى الخثعمي (2) عنه عليه السلام ايضا " فيمن جهل ولم يقف بالمزدلفة ولم يبت حتى أتى منى قال: يرجع، قلت: إن ذلك قد فاته قال: لا بأس به " والى رفع الخطأ والنسيان ومعذورية الجاهل وخصوصا في الحج، بل قيل والى صحيح حريز (3) عن الصادق عليه السلام على ما رواه الكليني والشيخ وعلي بن رئاب عنه عليه السلام على ما رواه الصدوق " من أفاض من عرفات مع الناس ولم يبت معهم بجمع ومضى إلى منى متعمدا أو مستخفا فعليه بدنة " وإن كان لا يخلو من نظر. وعلى كل حال فلا يعارض ذلك بعموم الصحيح (4) " إذا فاتك المزدلفة فقد فاتك الحج " وبالمرسل (5) " الوقوف بالمشعر فريضة، والوقوف بعرفة سنة " وبمفهوم جملة من النصوص (6) من أدرك جمعا إما مطلقا أو قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج، ضرورة وجوب تخصيص ذلك كله بغير الجاهل الذي وقف


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 6 - 5 - 1 (3) الوسائل الباب 26 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (5) الوسائل الباب 19 من ابواب إحرام الحج الحديث 14 (6) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر والباب 25 منها الحديث 2

[ 41 ]

اختياري عرفة الملحق به الناسي والمضطر بعدم القول بالفصل، وباحتمال إرادة الجهل بالحكم، بل هو الظاهر، ولا ريب في أولوية الناسي منه، بل يمكن إرادة ما يعم النسيان من الجهل فيه، خصوصا بعد ملاحظة ما عرفت من الشهرة العظيمة أو عدم الخلاف المحقق نقلا إن لم يكن تحصيلا، وما ذكره الشيخ من الطعن في خبر محمد بن يحيى بأنه رواه تارة بواسطة وأخرى بدونها، وأنه محمول على من وقف بالمزدلفة شيئا يسيرا دون الوقوف التام الذي متى وقفه الانسان كان أفضل وأكمل لا داعي له، خصوصا بعد انجباره بما سمعت، على أنه لا حاجة إلى حمله على ما ذكره بعد أن كان موافقا لمن عرفت، مع أنه كالصريح في عدم وقوفه شيئا من الاختياري، نعم قد يقال باعتبار وقوف شئ يسير من الليل ولو حال التجاوز فيه في الصحة في الفرض، بخلاف ما إذا لم يحصل له كون فيه أصلا بأن مضى إلى منى من دون مرور بالمشعر أصلا، فانه يبطل، لعدم تناول دليل الصحة له، وربما يؤيده في الجملة ما رواه الشيخ والصدوق عن حماد بن عثمان في الصحيح والكليني معه في الضعيف عن محمد بن حكم " قلت لابي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله الرجل الاعجمي والمرأة الضعيفة تكونان مع الجمال الاعرابي فإذا أفاض بهم من عرفات مر بهم كما هم إلى منى لم ينزل بهم جمعا، قال: أليس قد صلوا بها فقد أجزأهم، قلت: فان لم يصلوا بها قال: فذكروا الله فيها، فان كان قد ذكروا الله فيها فقد أجزأهم " إلا اني لم اجده قولا لاحد من الاصحاب حتى المتأخرين ومتأخريهم إلا صاحب الذخيرة، فانه اعتبر في الصحة في الفرض ذلك، بل يخرج حينئذ عن موضوع المسألة الذي هو إدراك موقف عرفة خاصة، ضرورة


(1) الوسائل الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 عن محمد بن حكيم

[ 42 ]

كونه على الفرض المزبور أدرك الموقفين، لما تعرفه إن شاء الله من أن موقف المشعر الركني الكون به آنا ما ليلا أو نهارا إلى طلوع الشمس وإن وجب مع ذلك الكون بعد طلوع الفجر، لكنه ليس ركنا مع الوقوف ليلا، فتأمل جيدا، وعلى كل حال فقد ظهر لك مما ذكرناه النظر فيما سمعته من المدارك، والله العالم. المسألة (الخامسة إذا لم يتفق له الوقوف بعرفات نهارا فوقف ليلا ثم لم يدرك المشعر حتى تطلع الشمس) فوقف فيه قبل الزوال (ف‍) مقتضى المحكي من النهاية والمبسوط أنه (قد فاته الحج) واختاره في النافع للمعتبرة المستفيضة (1) المتضمنة ان من لم يدرك الناس بالمشعر قبل طلوع الشمس من يوم النحر فلا حج له فانها شاملة للفرض، بل ولمن أدرك اختياري عرفة ايضا وإن كان قد خرج بما عرفت من الاجماع وغيره، بخلاف الفرض، لكن فيه أنها ظاهرة كما لا يخفى على من لاحظها فيمن لم يدرك إلا ذلك، لا المفروض الذي أدرك فيه اضطراري عرفة معه، على أنها معارضة بالمعتبرة المستفيضة (2) المتضمنة أن من أدرك المشعر قبل الزوال من يوم النحر فقد أدرك الحج، وتقييدها بمن أدرك مع ذلك اختياري عرفة ليس بأولى من تقييد الاولى بمن لم يدرك عرفة مطلقا حتى الاضطراري منها، بل هو أولى من وجوه، منها الشهرة، ومنها ما قيل من أن هذه معتبرة الاسانيد جملة، بل صحاحها مستفيضة، بخلاف تلك الضعيفة أسانيدها جملة عدا صحيح حريز (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مفرد للحج فاته الموقفان جميعا فقال له: إلى طلوع الشمس يوم النحر، فان طلعت الشمس من يوم النحر


(1) و (3) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 6 و 8 و 9 وغيرها

[ 43 ]

فليس له حج، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل " وهو ظاهر في عدم إدراك عرفات مطلقا، كل ذلك مضافا إلى خصوص صحيح الحسن العطار (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " إذا ادرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر فأقبل من عرفات ولم يدرك الناس بجمع ووجدهم قد أفاضوا فليقف قليلا بالمشعر الحرام، وليلحق الناس بمنى ولا شئ عليه ". (و) من هنا (قيل) والقائل الشيخ في التهذيب والصدوق والاسكافي والسيد وابن زهرة والحلبيون والفاضل وغيرهم، بل الاكثر، بل المشهور: (يدركه ولو قبل الزوال، وهو حسن) بل الاقوى لما عرفت، بل ينبغي القطع به بناء على القول بادراك الحج بادراك اضطراري المشعر النهاري خاصة كما هو المحكي عن ابني الجنيد وبابويه في علل الشرائع والسيد والحلبيين وجملة من المتأخرين كثاني الشهيدين وسبطه، لقول الصادق عليه السلام في صحيح جميل: " من أدرك الموقف بجمع يوم النحر قبل أن تزول الشمس فقد أدرك الحج " وحسنه (2) وصحيح اسحاق بن عمار (3) " من ادرك المشعر الحرام يوم النحر قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج " وصحيح معاوية (4) " إذا ادركت الزوال فقد ادركت الموقف " وموثق اسحاق (5) " من ادرك المشعر الحرام وعليه خمسة من الناس قبل أن تزول الشمس فقد ادرك الحج " وصحيح جميل (6) ايضا " المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، وله الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر "


(1) الوسائل الباب 24 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 9 - 11 - 15 - 11 (6) الوسائل الباب 20 من ابواب اقسام الحج الحديث 15

[ 44 ]

وفي الصحيح (1) " جاءنا رجل بمنى فقال: إني لم ادرك الناس بالموقفين فقال له عبد الله بن المغيرة: فلا حج لك، وسأل اسحاق بن عمار فلم يجبه، فدخل اسحاق على ابي الحسن عليه السلام فسأله عن ذلك فقال: إذا ادرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس يوم النحر فقد ادرك الحج " وفي الموثق (2) " سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل عرض له سلطان فأخذه يوم عرفة قبل ان يعرف فبعث به إلى مكة فحبسه فلما كان يوم النحر خلى سبيله كيف يصنع ؟ قال: يلحق بجمع ثم ينصرف إلى منى ويرمي ويذبح ولا شئ عليه، قلت: فان خلى عنه يوم النفر كيف يصنع ؟ قال: هذا مصدود عن الحج، ان كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج فليطف بالبيت اسبوعا، ويسع اسبوعا، ويحلق رأسه ويذبح شاة، وان كان دخل مكة مفردا للحج فليس عليه ذبح ولا حلق رأسه ". وعن فخر الدين وثاني الشهيدين الاستدلال عليه ايضا بصحيح عبد الله بن مسكان عن الكاظم عليه السلام " إذا ادرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس فقد ادرك الحج " إلا أني لم أجده في شئ من الاصول التي وصلت الينا كما اعترف به غير واحد ممن تأخر عنهما، بل في المدارك الظاهر أنها رواية عبد الله بن المغيرة، فوقع السهو في ذكر الاب، نعم قال النجاشي: روي انه أي عبد الله بن مسكان لم يسمع من الصادق عليه السلام إلا حديث (3) " من ادرك المشعر فقد ادرك الحج "


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 6 إلا أنه اسقط جملة منه وذكر تمامه في الاستبصار ج 2 ص 304 الرقم 1086 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب الاحصار والصد الحديث 2 مع اختلاف يسير (3) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 14

[ 45 ]

وقال الكشي: " محمد بن مسعود (1) قال: حدثني محمد بن نصر قال: حدثني محمد ابن عيسى عن يونس قال: " لم يسمع حريز بن عبد الله عن ابي عبد الله عليه السلام إلا حديثا أو حديثين، وكذلك عبد الله بن مسكان لم يسمع إلا حديث من ادرك المشعر فقد ادرك الحج، وكان من اروى اصحاب ابي عبد الله عليه السلام، وكان اصحابنا يقولون: من ادرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد ادرك الحج، فحدثني محمد بن ابي عمير واحسبه انه رواه له من ادركه قبل الزوال من يوم النحر فقد ادرك الحج ". لكن المشهور نقلا إن لم يكن تحصيلا العدم، بل عن المنتهى والمختلف والتنقيح انه موضع وفاق، لصحيح الحلبي (2) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات فقال: إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل ان يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، وإن قدم وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله تعالى أعذر لعبده، وقد تم حجه إذا ادرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل ان يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحج من قابل " وصحيح حريز (3) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن مفرد الحج فاته الموقفان جميعا فقال: له إلى طلوع الشمس يوم النحر، فان طلعت الشمس


(1) و (3) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 13 - 1 والاول عن رجال الكشي عن محمد بن مسعود ومحمد بن نصير عن محمد بن عيسى مع الاختلاف في المتن ايضا ورواه الاردبيلي في رجاله في ترجمة عبد الله بن مسكان ايضا (2) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2

[ 46 ]

من يوم النحر فليس له حج، ويجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل " وصحيحه الآخر (1) مع زيادة " كيف يصنع ؟ قال: يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فان شاء اقام بمكة وإن شاء اقام بمنى مع الناس، وإن شاء ذهب حيث شاء، ليس هو من الناس في شئ " وصحيح ضريس بن اعين (2) " سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر فقال: يقيم على إحرامه ويقطع التلبية حين يدخل مكة، ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة وينصرف إلى اهله إن شاء، وقال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فان لم يكن اشترط فعليه الحج من قابل " وخبر محمد بن سنان (3) " سألت ابا الحسن عليه السلام عن الذي إذا ادرك الناس فقد ادرك الحج فقال: إذا اتى جمعا والناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد ادرك الحج ولا عمرة له، وان ادرك جمعا بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حج له، فان شاء ان يقيم بمكة اقام، وإن شاء ان يرجع إلى اهله رجع وعليه الحج من قابل " وقوي اسحاق بن عبد الله (4) " سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل دخل مكة مفردا للحج فيخشى ان يفوته الموقفان فقال: له يومه إلى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حج، قلت: كيف يصنع باحرامه ؟ فقال: يأتي مكة فيطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد ؟ قال: إن شاء اقام بمكة، وإن شاء رجع إلى الناس بمنى، وليس معهم في شئ فان شاء رجع إلى اهله، وعليه الحج من قابل " وخبر محمد بن فضيل (5) " سألت ابا الحسن


(1) و (2) الوسائل الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 - 2 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 - 5 - 3

[ 47 ]

عليه السلام عن الحد الذي إذا ادركه الرجل ادرك الحج قال: إذا اتى جمعا والناس بالمشعر قبل طلوع الشمس فقد ادرك الحج ولا عمر له، فان لم يأت جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حج له، فان شاء اقام، وإن شاء رجع وعليه الحج من قابل " بل قد يدل عليه ايضا قول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبيين (1): " إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج " وغيره بناء على انصراف الاختياري منها بل عن المفيد الاخبار بذلك متواترة، والرواية بالاجزاء نادرة. ومنه مضافا إلى ما سمعت من محكي الاجماع وغيره يعلم ترجيح هذه النصوص على السابقة، خصوصا بعد احتمال جملة منها إرادة بيان انه بذلك يدرك الموقف كما اومأ إليه صحيح معاوية بن عمار (2)، وحينئذ لا يكون دالا على الاجتزاء به مع فرض عدم ادراك غيره كما هو محل البحث، على انها اجمعها من المطلق أو العام المقيد أو المخصص بهذه النصوص حتى صحيح ابن المغيرة، فانه وان اشتمل على فوات الموقفين إلا انه يمكن إرادة الاختياريين منه دون الاضطراريين، ولا ينافي ذلك ما في هذه النصوص من عمومها لمن ادرك موقف عرفة ايضا بعدما سمعت من الادلة على تخصيصها به، وعلى كل حال فلا ريب في ان الرجحان بجانب هذه النصوص من وجوه، ومن الغريب ما في المدارك من ارتكاب التأويل فيها بارادة نفي الكمال من نفي الحج فيها، وإرادة الندب من الامر بالعمرة، بل ومن الامر بالحج من قابل، مع انك قد عرفت مرجوحية المعارض الذي لا جابر لضعيفه من وجوه كما عرفت. ومن ذلك كله وما يأتي يظهر لك ان اقسام الوقوفين بالنسبة إلى الاختيار والاضطرار ثمانية، ولو جعل الوقوف الليلي للمشعر قسما على حدة تصير أحد


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 15

[ 48 ]

عشر: خمسة مفردة، وهي اختياري عرفة خاصة، وقد عرفت ان الاقوى صحة الحج معه، واضطراريها خاصة، وفي الدروس انه غير مجز قولا واحدا، وعن الذخيرة لا اعرف فيه خلافا، بل عن جماعة الاجماع عليه، فما في المفاتيح من نسبته إلى الشهرة مشعرا بوجود خلاف فيه في غير محله، اللهم إلا ان يريد إطلاق كلام الاسكافي، ولا ريب في ضعفه، الثالث ان يدرك ليلة المشعر خاصة، والظاهر عدم الاجزاء بناء على المختار، لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه نعم قد يقال بالصحة بناء عليها بادراك اضطراري المشعر النهاري خاصة ضرورة اولوية ذلك منه باعتبار ان فيه شائبة الاختيار، للاكتفاء به للمرأة اختيارا ولغيرها كما ستعرف، ومن هنا كان المحكي عن ثاني الشهيدين ذلك وإن تردد فيه سبطه باعتبار اختصاص ذلك بنص (1) لا يشمل الاضطراري الليلي، وهو كذلك، نعم قد يستدل له باطلاق خبر مسمع (2) الآتي الدال على صحة حج من افاض من المشعر عامدا قبل الفجر وعليه الجبر بشاة، إلا انه غير نقي السند، ولا جابر له في خصوص هذا الفرد منه، وهو من لم يدرك إلا هذا الاضطراري، بل يمكن دعوى ظهوره فيمن ادرك معه وقوف عرفة بل والاختياري منه، وقد عرفت الصحة حينئذ فلاحظ وتأمل، الرابع أن يدرك اختياري المشعر خاصة، ولا إشكال في الصحة كما عرفت، بل في الدورس انه خرج الفاضل وجها باجزاء اختياري المشعر وحده دون اختياري عرفة، ولعله لقول الصادق عليه السلام (3): " الوقوف بالمشعر فريضة


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (3) الوسائل الباب 19 من ابواب احرام الحج الحديث 14

[ 49 ]

وبعرفة سنة " وقوله عليه السلام (1): " إذا فاتتك مزدلفة فاتك الحج " ويعارض بما اشتهر من قول النبي صلى الله عليه وآله (2): " الحج عرفة " و " أصحاب الاراك لا حج لهم (3) " ويتفرع عليه اختيار المشعر لو تعارضا ولا يمكن الجمع بينهما، وإن سوينا بينهما تخير، ولو قيل بترجيح عرفات لانه المخاطب به الآن كان قويا، وعلى كل حال فلا ريب في ضعف التخريج المزبور في حال العمد لما عرفت، الخامس أن يدرك اضطرارية النهاري خاصة، وفيه البحث السابق الذي قد عرفت أن الاقوى فيه عدم الصحة، فيكون الباطل من الاقسام الخمسة قسمين، وأما الستة المركبة فالاول أن يدرك الاختياريين، الثاني اختياري عرفة مع اضطراري المشعر الليلي، الثالث اختياري عرفة مع اضطراري المشعر النهاري، الرابع أن يدرك اضطراري عرفة مع اضطراري المشعر الليلي، الخامس أن يدرك اضطراري عرفة مع اختياري المشعر، السادس أن يدرك الاضطراريين، والاقوى الصحة في الجميع مع فرض عدم الترك للاختياري عمدا، وإلا بطل حجه كما عرفت. (و) أما (المندوبات) فكثيرة، منها (الوقوف في ميسرة الجبل) لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (4): " قف في ميسرة الجبل، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وقف بعرفات في ميسرة الجبل، فلما وقف جعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون إلى جانبه، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك فقال: ايها الناس انه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كله موقف، وأشار بيده إلى


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (2) المستدرك الباب 18 من ابواب إحرام الحج الحديث 3 (3) الوسائل الباب 19 من ابواب إحرام الحج الحديث 11 (4) الوسائل الباب 11 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 50 ]

الموقف، وفعل مثل ذلك في المزدلفة " الحديث. ومنها أن يكون (في السفح) لقوله عليه السلام ايضا في خبر مسمع (1): عرفات كلها موقف، وأفضل المواقف سفح الجبل " والمراد بالسفح الاسفل حيث يسفح فيه الماء، وحينئذ فيدل عليه موثق اسحاق (2) " سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب اليك أو على الارض ؟ فقال: على الارض " وعن القاموس السفح عرض الجبل المضطجع، أو اصله، أو اسفله، كما أن المراد بميسرة الجبل بالنسبة إلى القادم من مكة كما في المدارك. (و) منها (الدعاء المتلقى عن اهل البيت (عليهم السلام) كدعاء الحسين المعروف، ودعاء ولده زين العابدين في الصحيفة، ودعاء النبي صلى الله عليه وآله الذي علمه لعلي عليه السلام كما في مرسل ابن سنان (3) عن الصادق عليه السلام، قال له: " ألا أعلمك دعاء يوم عرفة وهو دعاء من كان قبلي من الانبياء تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، اللهم لك الحمد كما تقول وخير ما تقول وفوق ما يقول القائلون، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، ولك تراثي، وبك حولي، ومنك قوتي، اللهم إني أعوذ بك من الفقر ووساوس الصدر ومن شتات الامر ومن عذاب القبر، اللهم إني أسألك خير الرياح، وأعوذ بك من شر ما تجئ به الرياح، وأسألك خير الليل وخير النهار، اللهم اجعل لي في قلبي نورا


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب إحرام الحج الحديث 2 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب إحرام الحج الحديث 5 (3) الوسائل الباب 14 من ابواب إحرام الحج الحديث 3 مع الاختلاف

[ 51 ]

وفي سمعي وبصري نورا، وفي لحمي ودمي وعظامي وعروقي ومقعدي ومقامي ومدخلي ومخرجي نورا، وأعظم لي نورا يا رب يوم ألقاك، إنك على كل شئ قدير ". (أو غيره من الادعية) قال الباقر عليه السلام في خبر أبي الجارود (1): " ليس في شئ من الدعاء عشية عرفة شئ موقت " وستسمع الامر بالدعاء بما أحب. (وأن يدعو لنفسه ولوالديه وللمؤمنين) وفي الدروس أقلهم اربعون وإن لم أجد به هنا نصا، وعلى كل حال فهو يوم شريف كثير البركة، بل عن الحلبي يلزم افتتاحه بالنية، وقطع زمانه بادعاء والتوبة والاستغفار، ولعله لظاهر الامر في الاخبار المعلوم إرادة الندب منه، وخصوص خبر جعفر بن عامر بن عبد الله بن جذاعة الازدي عن أبيه (2) قال للصادق عليه السلام: " رجل وقف في الموقف فأصابته دهشة الناس فبقي ينظر إلى الناس ولا يدعو حتى افاض الناس قال: يجزيه وقوفه، ثم قال: أليس قد صلى بعرفات الظهر والعصر وقنت دعا ؟ قال: بلى، قال: فعرفات كلها موقف، وما قرب من الجبل فهو أفضل " الذي هو كما ترى لا صراحة فيه بل ولا ظهور في ذلك، بل استدل به الفاضل على عدم الوجوب، ولعله لقوله عليه السلام: " يجزيه وقوفه " وان كان فيه أن ذلك غير مناف لوجوب الدعاء، فالتحقيق عدم دلالته على كل منهما، وخصوصا بالنسبة إلى قطع الزمان جميعه، كخبر أبي يحيى زكريا الموصلي (3) " سألت العبد الصالح عليه السلام عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي أبيه أو نعي بعض ولده قبل أن يذكر الله تعالى


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 16 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 - 2 - 3

[ 52 ]

بشئ أو يدعو فاشتغل بالجزع والبكاء عن الدعاء ثم أفاض الناس، فقال: لا أرى عليه شيئا وقد أساء فليستغفر الله، أما لو صبر واحتسب لافاض من الموقف بحسنات اهل الموقف جميعا من غير أن ينقص من حسناتهم شيئا " بناء على أن المراد بالاساءة فيه والاستغفار من حيث الجزع ونحوه، ولكن الانصاف عدم خلو الاول عن ظهور في الاجتزاء بالوقوف المجرد، وأنه لا يجب فيه غيره، وعن القاضي وجوب الذكر والصلاة على النبي وآله (صلوات الله عليهم) واستدل له بالامر في الآية (1) وأجيب بعدم كونه للوجوب، وفيه أن المأمور به انما هو الذكر عند المشعر الحرام وعلى بهيمة الانعام وفي أيام معدودات، وقد فسرت في الاخبار (2) بالعيد وأيام التشريق، والذكر فيها بالتكبير عقيب الصلوات وبعد قضاء المناسك، فيحتمل التكبير المذكور وغيره، نعم قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3) السابق: " فإذا وقفت بعرفات فاحمد الله وهلله ومجده واثن عليه وكبره مائة مرة، واقرأ قل هو الله احد مائة مرة، وتخير لنفسك من الدعاء ما أحببت، واجتهد فانه يوم دعاء ومسألة، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فان الشيطان لن يذهلك في موطن قط أحب إليه من ان يذهلك في ذلك الموطن، وإياك ان تشتغل بالنظر إلى الناس وأقبل قبل نفسك، وليكن فيما تقول: اللهم رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس، اللهم لا تمكر بي ولا تخدعني ولا تستدرجني يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أرحم الراحمين، أسألك أن


(1) سورة البقرة الآية 194 (2) الوسائل الباب 21 من ابواب صلاة العيد من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب 14 من ابواب احرام الحج الحديث 1 مع الاختلاف

[ 53 ]

تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي كذا وكذا، وليكن فيما تقول وانت رافع يديك إلى السماء: اللهم ربي حاجتي اليك التي إن اعطيتنيها لم يضرني ما منعتني، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار، اللهم إني عبدك وملك ناصيتي بيدك، وأجلي بعلمك، أسألك أن توفقني لما يرضيك عني وأن تسلم مني مناسكي التي أريتها خليك إبراهيم عليه السلام، ودللت عليها نبيك محمدا صلى الله عليه وآله، وليكن فيما تقول: اللهم اجعلني ممن رضيت عمله وأطلت عمره وأحييته بعد الموت حياة طيبة " وفي خبره الآخر (1) عنه عليه السلام ايضا " وانما تعجل الصلاة وتجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة، ثم تأتي الموقف وعليك السكينة والوقار، فاحمد الله وهلله ومجده واثن عليه وكبره مائة مرة، واحمده مائة مرة، وسبحه مائة مرة، واقرأ قل هو الله أحد وساق الحديث إلى قوله وأقبل قبل نفسك - ثم قال -: وليكن فيما تقول: اللهم إني عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك، وارحم مسيري اليك من الفج العميق، وليكن فيما تقول: اللهم رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس، اللهم لا تمكر بي، ولا تخدعني، ولا تستدرجني، وتقول: اللهم إني أسألك بحولك وجودك وكرمك ومنك وفضلك يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين " الحديث إلى آخره، وزاد " ويستحب أن تطلب عشية عرفة بالعتق والصدقة أي تطلب فضلها بذلك ". وظاهر الامر فيه وفي غيره بالتعجيل وترك النوافل الرواتب انه يوم دعاء وذكر لا يوم صلاة، لكن في خبر أبي بلال (2) " رأيت أبا عبد الله عليه السلام اتى


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب إحرام الحج الحديث 1

[ 54 ]

بخمسين نواة فكان يصلي بقل هو الله أحد مائة ركعة وختمها بآية الكرسي، فقلت: جعلت فداك ما رأيت أحدا منكم صلى هذه الصلاة هنا فقال: ما شهد هذا الموضع نبي ولا وصي نبي إلا صلى هذه الصلاة " ولعل المراد صلاتها في العمر مرة. وكيف كان ففي صحيح ابن ميمون (1) عنه عليه السلام ايضا " ان رسول الله صلى الله عليه وآله وقف بعرفات فلما همت الشمس أن تغيب قبل أن يندفع قال: اللهم إني أعوذ بك من الفقر ومن تشتت الامر ومن شر ما يحدث لي بالليل والنهار، أمسى ظلمي مستجيرا بعفوك، وأمسى خوفي مستجيرا بأمانك، وأمسى ذلي مستجيرا بعزك، وأمسى وجهي الفاني مستجيرا بوجهك الباقي، يا خير من سئل، ويا أجود من أعطى جللني رحمتك، وألبسني عافيتك، واصرف عني شر جميع خلقك قال عبد الله بن ميمون: وسمعت ابي يقول: يا خير من سئل ويا أوسع من اعطى ويا ارحم من استرحم ثم سل حاجتك " وفي خبر ابي بصير (2) عنه عليه السلام ايضا " إذا اتيت الموقف فاستقبل البيت وسبح الله مائة مرة، وكبر الله مائة مرة، وتقول: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير مائة مرة، ثم تقرأ عشر آيات من أول سورة البقرة، ثم تقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات، وتقرأ آية الكرسي حتى تفرغ منها، ثم تقرأ آية السخرة: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام إلى قوله - قريب من المحسنين، ثم تقرأ قل أعوذ برب


(1) الوسائل الباب 24 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب احرام الحج الحديث 4

[ 55 ]

الفلق وقل أعوذ برب الناس حتى تفرغ منها، ثم تحمد الله على كل نعمة أنعم عليك، وتذكر نعمه واحدة واحدة ما أحصيت منها، وتحمده على ما أنعم عليك من اهل ومال، وتحمد الله على ما أبلاك، وتقول: اللهم لك الحمد على نعمائك التي لا تحصى بعدد، ولا تكافأ بعمل، وتحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه في القرآن، وتسبحه بكل تسبيح ذكر به نفسه في القرآن، وتكبره بكل تكبير كبر به نفسه في القرآن، وتهلله بكل تهليل هلل به نفسه في القرآن، وتصلي على محمد وآل محمد وتكثر منه وتجتهد فيه، وتدعو الله بكل اسم سمى به نفسه في القرآن وبكل اسم تحصيه، وتدعوه بأسمائه التي في آخر الحشر، وتقول: أسألك يا الله يا رحمان بكل اسم هو لك، وأسألك بقوتك وقدرتك وعزتك وبجميع ما أحاط به علمك، وبجمعك وبأركانك كلها، وبحق رسولك صلوات الله عليه وآله، وباسمك الاكبر الاكبر الاكبر، وباسمك العظيم الذي من دعاك به كان حقا عليك ان تجيبه وباسمك الاعظم الاعظم الاعظم الذي من دعاك به كان حقا عليك أن لا ترده وان تعطيه ما سأل ان تغفر لي جميع ذنوبي في جميع علمك في، وتسأل الله حاجتك كلها من امر الدنيا والآخرة، وترغب إليه في الوفادة في المستقبل وفي كل عام، وتسأل الله الجنة سبعين مرة، وتتوب إليه سبعين مرة، وليكن من دعائك اللهم فكني من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس وشر فسقة العرب والعجم، فان نفد (1) هذا الدعاء ولم تغرب الشمس فأعده من اوله إلى آخره، ولا تمل من الدعاء والتضرع والمسألة ". ومنه يستفاد جملة من المندوبات، وقال ابراهيم بن هاشم (2): " رأيت


(1) في النسخة الاصلية " نفذ " والصحيح كما أثبتناه (2) الوسائل الباب 17 من ابواب إحرام الحج الحديث 1

[ 56 ]

عبد الله بن جندب بالموقف فلم أر موقفا كان احسن من موقفه ما زال مادا يده إلى السماء ودموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الارض، فلما انصرف الناس قلت: يا ابا محمد ما رأيت موقفا قط احسن من موقفك، قال: والله ما دعوت إلا لاخواني، وذلك لان ابا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) اخبرني انه من دعا لاخيه بظهر الغيب نودي من العرش ولك مائة الف ضعف مثله، فكرهت ان ادع مائة الف ضعف مضمونة بواحدة لا ادري تستجاب ام لا " وعن ابراهيم ابن ابي البلاد أو عبد الله بن جندب (1) قال: " كنت في الموقف فلما افضت لقيت ابراهيم بن شعيب فسلمت عليه وكان مصابا باحدى عينيه وإذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم، فقلت له: قد اصبت باحدى عينيك وأنا والله مشفق على عينك الاخرى، فلو قصرت من البكاء قليلا فقال: لا والله يا ابا محمد ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة، فقلت: فلمن دعوت ؟ قال: دعوت لاخواني، سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: من دعا لاخيه بظهر الغيب وكل الله به ملكا يقول: ولك مثلاه، فأردت ان اكون انا ادعو لاخواني ويكون الملك يدعو لي لاني في شك من دعائي لنفسي، ولست في شك من دعاء الملك لي " (و) منها (ان يضرب خباه بنمرة) لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): " فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباك بنمرة، وهي بطن عرنة دون الموقف ودون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فليغتسل " الحديث، وفي صحيحه (3) الآخر الوارد في صفة حج النبي صلى الله عليه وآله " انه انتهى إلى نمرة وهي


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب احرام الحج الحديث 3 (2) الوسائل الباب 9 من ابواب احرام الحج الحديث 1 (3) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3

[ 57 ]

بطن عرنة بحيال الاراك فضرب قبته وضرب الناس اخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه قريش وقد اغتسل وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس وامرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ثم مضى إلى الموقف " الحديث. وربما استظهر منهما عدم انتقاله منها حتى تزول الشمس وحينئذ فهو مناف للقول بوجوب الكون فيها من اول الزوال، وقد عرفت الكلام فيه سابقا مفصلا. (و) منها (ان يقف على السهل) المقابل للحزن، لرجحان الاجتماع في الموقف والتضام. (و) منها (ان يجمع رحله) اي يضم امتعته بعضها إلى بعض ليأمن عليها من الذهاب، ليتوجه بقلبه إلى الدعاء. (و) منها ان (يسد الخلل) اي الفرج (به وبنفسه) بمعنى انه لا يدع بينه وبين اصحابه فرجة لتستر الارض التي يقفون عليها، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1): " فإذا رأيت خللا فسده بنفسك وبراحلتك فان الله عزوجل يحب ان تسد تلك الخلال " وعن بعض احتمال كون الجار في " به " و " بنفسه " متعلقا بمحذوف صفة للخلل، والمعنى انه يسد الخلل الكائن بنفسه وبرحلة بأن يأكل إن كان جائعا، ويشرب إن كان عطشانا وهكذا يصنع ببعيره ويزيل الشواغل المانعة عن الاقبال والتوجه إلى الله تعالى في الدعاء، واستحسنه في المدارك، وفيه انه لا ينطبق على ظاهر خبر سعيد بن يسار (2) " قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) عشية من العشايا بمنى وهو يحثني على الحج ويرغبني فيه: يا سعيد أيما عبد رزقه الله رزقا من رزقه فأخذ ذلك الرزق فأنفقه على نفسه وعلى عياله ثم اخرجهم قد ضحاهم بالشمس حتى يقدم بهم عشية


(1) و (2) الوسائل الباب 13 من ابواب احرام الحج الحديث 2 - 1

[ 58 ]

عرفة إلى الموقف فيقيل، ألم تر فرجا تكون هناك فيها خلل فليس فيها احد ؟ فقلت: بلى جعلت فداك، فقال: يجئ بهم قد ضحاهم حتى يشعب بهم تلك الفرج، فيقول الله تبارك وتعالى لا شريك له: عبدي رزقته من رزقي فأخذ ذلك الرزق فأنفقه فضحى به نفسه وعياله، ثم جاء بهم حتى شعب بهم هذه الفرجة التماس مغفرتي فأغفر له ذنبه واكفيه ما اهمه. قال سعيد مع اشياء قالها نحوا من عشرة ". (و) منها (ان يدعو قائما) لانه افضل افراد الكون باعتبار كونه احمز وإلى الادب اقرب، ولم اجد فيه نصا بالخصوص، لكن ينبغي ان يكون ذلك حيث لا يورث التعب المنافي للخشوع والتوجه، وإلا كان الافضل القعود على الارض أو الدابة أو السجود، بل لعل الاخير افضل مطلقا للاخبار (1) والاعتبار، هذا. وربما ظهر من محكي المبسوط افضلية القيام في غير حال الدعاء معللا له بأنه اشق، ونحوه عن المنتهى، وفي محكي الخلاف يجوز الوقوف بعرفة راكبا وقائما سواء، وهو أحد قولي الشافعي ذكره في الاملاء، وقال في القديم: الركوب افضل، واستدل بالاجماع والاحتياط، وقال: إن القيام اشق فينبغي ان يكون افضل، وفي محكي التذكرة عندنا ان الركوب والقعود مكروهان، بل يستحب قائما داعيا بالمأثور، وحكى عن احمد ان الركوب افضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله، وليكون اقوى على الدعاء، وعن الشافعي قولين احدهما ذلك، والآخر التساوي، وعن المنتهى انه اجاب عن التأسي بجواز انه صلى الله عليه وآله انما فعل ذلك بيانا للجواز، ولذا طاف صلى الله عليه وآله راكبا مع انه لا خلاف في ان المشي افضل، وفي كشف اللثام أو لانه اراد أن يراه الناس ويسمعوا كلامه، وايضا إن خلا


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب السجود من كتاب الصلاة

[ 59 ]

التأسي عن المعارض اقتضى الوجوب ولا قائل به، والمعارض كما اسقط الوجوب اسقط الرجحان وفيه انه لا تلازم، وفي خبر محمد بن عيسى (1) المروي عن قرب الاسناد " رأيت ابا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) بالموقف على بغلة رافعا يده إلى السماء عن يسار والي الموسم حتى انصرف، وكان في موقف النبي صلى الله عليه وآله، وظاهر كفيه إلى السماء وهو يلوذ ساعة بعد ساعة بسبابته " ولكن مع ذلك الاولى تركه، لما سمعته من ظاهر الاجماع في التذكرة والامر سهل. (ويكره الوقوف في اعلى الجبل) الذي قد عرفت ان الارض احب إلى الكاظم (عليه السلام) منه (2) وما عساه يشعر به خبرا سماعة (3) من معروفية كون الوقوف في الاسفل، وان الصعود إلى الجبل عند الضيق، قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام): ثم إذا ضاقت عرفة كيف يصنعون ؟ قال: يرتفعون إلى الجبل " وتخلصا من شبهة التحريم المحكي عن القاضي إلا لضرورة، بل في الدروس هو ظاهر ابن إدريس، والله العالم. (و) كذا قد عرفت انه يكره (راكبا وقاعدا) لما عرفت، بل ربما ظهر من التذكرة الاتفاق على ذلك، نعم قد يستحبان باعتبار العوارض. وكذا يكره الوقوف بها بغير وضوء، لخبر علي بن جعفر (4) سأل اخاه (عليه السلام) " عن الرجل هل يصلح له ان يقف بعرفات على غير وضوء ؟ قال:


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 عن محمد بن عيسى عن حماد بن عيسى قال: رأيت.. الخ (2) الوسائل الباب 10 من ابواب إحرام الحج الحديث 5 (3) الوسائل الباب 11 من ابواب إحرام الحج الحديث 3 و 4 (4) الوسائل الباب 20 من ابواب إحرام الحج الحديث 1

[ 60 ]

لا يصلح له إلا وهو على وضوء ". وينبغي أن لا يرد فيه سائلا، للمرسل (1) " كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا كان يوم عرفة لم يرد سائلا ". كما أنه ينبغي للسائل ان لا يسأل فيه غير الله تعالى شأنه، ففي المرسل (2) " سمع على بن الحسين (عليه السلام) يوم عرفة سائلا يسأل الناس فقال ويحك أغير الله تسأل هذا اليوم، إنه ليرجى ما في بطون الحبالى في هذا اليوم أن يكون سعيدا ". ويستحب ايضا الاجتماع للدعاء في غير عرفة في الامصار، قال الصادق (عليه السلام) في حديث (3): " في يوم عرفة تجتمعون بغير إمام في الامصار تدعون الله عزوجل " وقول علي (عليه السلام) (4): " لا عرفة إلا بمكة " يراد منه نفي الكمال لا المشروعية، كما يدل عليه قوله (عليه السلام) ايضا (5): " لا عرفة إلا بمكة، ولا بأس بأن يجتمعوا في الامصار يوم عرفة يدعون الله تعالى " ولعله إلى ذلك اشار في الدروس بقوله: والتعريف بالامصار، والرواية مبدلة ضعيفة، وفي خبر زرارة (6) عن ابي جعفر (عليه السلام) المروي عن العياشي " سألته عن قول الله عزوجل: " خذوا زينتكم عند كل مسجد " قال: عشية عرفة " والله العالم والموفق والمؤيد.


(1) و (2) الوسائل الباب 21 من ابواب إحرام الحج الحديث 2 - 1 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 25 من ابواب إحرام الحج الحديث 1 - 3 - 2 (6) الوسائل الباب 26 من ابواب احرام الحج الحديث 1

[ 61 ]

(القول في الوقوف بالمشعر) الحرام المسمى بمزدلفة بكسر اللام وجمع باسكان الميم وهو واحد المشاعر التي هي مواضع المناسك والمشعر الحرام أحدها، وكسر الميم فيه لغة، وفي القاموس " المشعر الحرام ويكسر ميمه المزدلفة، وعليه بناء اليوم، ووهم من قال جبلا يقرب من ذلك البناء " ولعله أشار إلى الفيومي في محكي المصباح المنير قال: " والمشعر الحرام جبل بآخر مزدلفة، واسمه قزح وميمه مفتوح على المشهور، وبعضهم يكسرها على التشبيه باسم الآلة " وتبعه في محكي مجمع البحرين، قال: " هو جبل بآخر مزدلفة، واسمه قزح، ويسمى جمعا ومزدلفة والمشعر الحرام " وفي الدروس في مسألة استحباب وطئ الصرورة المشعر برجله أو بعيره وقد قال الشيخ هو قزح، فيصعد عليه ويذكر الله عنده، وقال الحلبي: يستحب وطئ المشعر، وفي حجة الاسلام آكد وقال ابن الجنيد: يطء برجله أو بعيره المشعر الحرام قرب المنارة، والظاهر انه المسجد الموجود الآن، فيمكن أن يكون من المشترك بين الكل والبعض، أو من باب تسمية الكل باسم الجزء، وتسمع تمام الكلام فيه إن شاء الله عند تعرض المصنف له، وعلى كل حال: يسمى المزدلفة باعتبار أنه يتقرب فيه إلى الله تعالى، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): " ما لله تعالى منسك أحب إلى الله تعالى من موضع المشعر الحرام، وذلك أنه يذل فيه كل جبار عنيد " أو لازدلاف الناس فيها إلى منى بعد الاقامة، أو لمجئ الناس إليها في زلف من الليل، كما في صحيح معاوية (2) أو لانها أرض مستوية مكنوسة، وفي صحيح


الوسائل الباب 1 من ابواب السعي الحديث 13 وفيه " من موضع السعي ". (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 5

[ 62 ]

معاوية (1) عن الصادق عليه السلام في حديث إبراهيم " ان جبرئيل عليه السلام انتهى به إلى الموقف وأقام به حتى غربت الشمس، ثم أفاض به: فقال يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام، فسميت مزدلفة " وقال أيضا في خبر إسماعيل بن جابر (2) وغيره: " سميت جمع لان آدم عليه السلام جمع فيها بين الصلاتين: المغرب والعشاء " والامر في ذلك سهل، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (النظر في مقدمته وكيفيته، اما المقدمة فيستحب الاقتصاد في مسيره إلى المشعر وأن يقول إذا بلغ الكثيب الاحمر عن يمين الطريق: اللهم ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلم لي ديني، وتقبل مناسكي) قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3): " ان المشركين كانوا يفيضون من قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأفاض بعد غروب الشمس قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا غربت الشمس فافض مع الناس وعليك السكينة والوقار، وأفض بالاستغفار، إن الله عزوجل يقول: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، فإذا انتهيت إلى الكثيب الاحمر عن يمين الطريق فقل: اللهم ارحم موقفي، وزد في عملي، وسلم لي ديني، وتقبل مناسكي، وإياك والوجيف الذي يصنعه الناس، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أيها الناس ان الحج ليس بوجيف الخيل


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 (2) الوسائل الباب 6 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 7 عن اسماعيل بن جابر وعبد الكريم بن عمرو عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (عليه السلام). (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 22 من ابواب احرام الحج الحديث 1 وذيله في الباب 1 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 مع الاختلاف في الذيل.

[ 63 ]

ولا بايضاع الابل، ولكن اتقوا الله تعالى، وسيروا سيرا جميلا، لا توطؤوا ضعيفا، ولا توطؤوا مسلما، واقتصدوا في السير، وان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكف ناقته حتى أنه كان يصيب رأسها مقدم الرحل، ويقول: أيها الناس عليكم بالدعة، فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله تتبع، قال معاوية: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اللهم اعتقني من النار، وكررها حتى أفاض فقلت ألا نفيض فقد أفاض الناس ؟ فقال: إني أخاف الزحام، واخاف ان اشرك في عنت إنسان " وهو دال على تمام ما ذكره المصنف وغيره، بل هو دال على الاول من وجوه، وقال عليه السلام ايضا في حسنه (1) " وأفض بالاستغفار، فان الله عزوجل يقول: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله، ان الله غفور رحيم ". (وان يؤخر المغرب والعشاء إلى المزدلفة) كما نص عليه بنو حمزة وادريس وسعيد والفاضل وغيرهم، بل هو معقد إجماع العلماء كافة في محكي المنتهى والتذكرة، وهو الحجة على عدم الوجوب مضافا إلى الاصل، وقول الصادق عليه السلام في صحيح هشام بن الحكم (2): " لا بأس أن يصلى الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة " وخبر محمد بن سماعة (3) سأله " للرجل أن يصلي المغرب والعتمة في الموقف قال: قد فعله رسول الله صلى الله عليه وآله صلاهما في الشعب " وفي صحيح ابن مسلم (4) عنه عليه السلام " عثر جمل أبي بين عرفة والمزدلفة فنزل فصلى المغرب، وصلى العشاء الآخرة بالمزدلفة " التي لا داعي إلى حملها على الضرورة التي هي خلاف الظاهر، خلافا للشيخ في المحكي عن معظم كتبه وابن زهرة، بل في


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 5 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 - 5 - 4

[ 64 ]

كشف اللثام حكايته عن ظاهر الاكثر وإن كنا لم نتحققه فيجب لمضمر سماعة (1) " لا تصلهما حتى تنتهي إلى جمع وإن مضى من الليل ما مضى " وقول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح محمد بن مسلم (2): لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا وإن ذهب ثلث الليل " وللاجماع في الخلاف والاحتياط، والجميع كما ترى، فالاولى الجمع بالفضل، وإلا كان مقتضى دليل الشيخ البطلان لو فعل في الوقت، وهو خلاف المتواتر من النصوص. وكيف كان ففي المتن وغيره يؤخر (ولو صار ربع الليل) وعن الاكثر ومنهم الفاضل في محكي التحرير والتذكرة والمنتهى وإن ذهب ثلث الليل، بل في الاخيرين إجماع العلماء عليه، مضافا إلى صحيح ابن مسلم السابق بل والى مضمر سماعة " وان مضى من الليل ما مضى " ولعله إليه أشار في محكي الخلاف بما أرسله من أنه روي إلى نصف الليل، ولعل المراد تأخيرهما إلى خوف فوات وقت الاداء بعد تنزيل الربع والثلث على الغالب، ويقرب منه قول ابن زهرة " لا يجوز أن يصلي العشاءان إلا في المشعر إلا أن يخاف فوتهما بخروج وقت المضطر " وان كان فيه ما لا يخفى، وفي كشف اللثام ولعل من اقتصر على الربع نظر إلى أخبار توقيت المغرب إليه، وحمل الثلث على أن يكون الفراغ من العشاء عنده، وفيه أن المصنف مما لا يرى ذلك. (و) كيف كان ف‍ (ان منعه مانع) عن الوصول إلى المشعر قبل فوات الوقت (صلى في الطريق) بلا خلاف ولا إشكال. (و) يستحب أيضا (أن يجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 1

[ 65 ]

وإقامتين من غير نوافل بينهما و) حينئذ ف‍ (- يؤخر نوافل المغرب إلى ما بعد العشاء) بلا خلاف أجده فيه بيننا بل في صريح المدارك وعن ظاهر غيرها الاجماع عليه، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور (1) " صلاة المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد واقامتين، ولا تصل بينهما بشئ، قال: هكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله " وفي خبر عنبسة بن مصعب (2) " سألت أبا عبد الله عن الركعات التي بعد المغرب ليلة المزدلفة فقال: صلها بعد العشاء " لكن في صحيح أبان بن تغلب (3) " صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة ولم يركع بينهما، ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة، فلما صلى المغرب قام فتنفل باربع ركعات " واحتمال كون الثانية في غير المزدلفة كما ترى، نعم الظاهر إرادة بيان الجواز منه، وان كان الفضل في الاول وليس هو من قضاء النافلة وقت الفريضة، وإن كان الاقوى جوازه بناء على امتداد وقتها بامتداد وقت المغرب وان استحب تأخيرها عن العشاء، وانها لا يخرج وقتها بذهاب الشفق، وكيف كان فللعامة قول بالجمع بينهما باقامتين، وآخر باذان وإقامة، والثالث باذان وإقامتين، ورابع إن جمع بينهما في وقت الاولى فكما قلنا وإلا فباقامتين مطلقا، أو إذا لم يرج اجتماع الناس، وإلا أذن، وخامس باقامة للاولى فقط، والجميع عدا الثالث باطل لما عرفت، ولا يجب هذا الجمع عندنا خلافا لابي حنيفة والثوري، والله العالم. (وأما الكيفية فالواجب النية) على حسب ما عرفته في غيره (و) المراد أنه يجب النية في (الوقوف بالمشعر) ولا تجزي النية عند الاحرام كما عساه يظهر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 - 2 - 5

[ 66 ]

من المحكي عن الشيخ، فانه وإن كان أحد أفعال الحج الذي قد فرض نية عقد الاحرام فيه، إلا أن ظاهر النص والفتوى بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، بل هو كذلك كونه نسكا مستقلا بالنسبة إلى اعتبار النية فيه، ولا مانع من كون جزئيته على هذا الوجه، وربما يظهر من بعض النصوص (1) الآتية حصول الوقوف الواجب بالصلاة في الموقف أو الدعاء فيه وأن لم يعلم انه الموقف ولم ينو الوقوف، ولكن قد يقال بصحة الحج مع ذلك وإن فات الوقوف بخصوصه، لفوات نيته، فتأمل جيدا. (و) كيف كان ف‍ (حده) اي المشعر (ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر) بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به في المنتهى، بل في المدارك هو مجمع عليه بين الاصحاب، وفي صحيح معاوية (2) " حد المشعر الحرام المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر " اي من المأزمين، ونحوه مرسل الصدوق (3) عن الصادق (عليه السلام) وفي صحيح زرارة (4) عن ابي جعفر (عليه السلام) " انه قال للحكم بن عتيبة ما حد المزدلفة ؟ فسكت فقال أبو جعفر (عليه السلام) حدها ما بين المأزمين إلى الجبل إلى حياض محسر " قال الصادق (عليه السلام) في خبر ابى بصير (5): " حد المزدلفة من وادي محسر إلى المأزمين " وقال (عليه السلام) ايضا في صحيح الحلبي في حديث (6) " ولا تتجاوز الحياض ليلة المزدلفة " وفي خبر اسحاق بن عمار (7) عن ابي الحسن (عليه السلام) " سألته


(1) الوسائل الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث - 1 - 6 - 2 - 4 - 3 - 5 وفي الاول " حد المشعر الحرام من المأزمين.. الخ ".

[ 67 ]

عن حد جمع قال: ما بين المأزمين إلى وادي محسر " والمأزمان بكسر الزاء وبالهمز، ويجوز التخفيف بالقلب الفا الجبلان بين عرفات والمشعر، وعن الجوهري المأزم كل طريق ضيق بين جبلين، ومنه سمي الموضع الذي بين جمع وعرفة مأزمين، وفي القاموس المأزم ويقال المأزمان مضيق بين جمع وعرفة وآخر بين مكة ومنى، وظاهرهما ان المأزم اسم لموضع مخصوص وإن كان بلفظ التثنية. (و) كيف كان ف‍ (لا) يجزي ان (يقف بغير المشعر) اختيارا أو اضطرارا بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه (نعم يجوز مع الزحام الارتفاع إلى الجبل) اي المأزمين كما عن الفقيه والجامع والمنتهى والتذكرة بل لا اجد فيه خلافا، بل في المدارك هو مقطوع به في كلام الاصحاب، بل عن الغنية الاجماع عليه، وفي موثق سماعة (1) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إذا كثر الناس بجمع كيف يصنعون ؟ قال: يرتفعون إلى المأزمين " وكان المصنف وغيره فهموا منه نحو ما سمعته في جبل عرفة الذي صرحوا بكراهة الصعود عليه من غير ضرورة، ومن هنا قال في الدروس: ويكره الوقوف على الجبل إلا لضرورة، وحرمه القاضي، ولعل تخصيصه القاضي لتصريحه في المحكي عنه بوجوب ان لا يرتفع إليه إلا لضرورة، وكذا عن ابن زهرة، بخلاف غيرهم الذين عبروا بنحو ما في المتن الذي يمكن إرادة المعنى الاخص من الجواز فيه، بمعنى انه لا كراهة مع الضرورة بخلاف غير حال الضرورة فانه مكروه، ولكن فيه انه مناف لما هو كالصريح من النصوص السابقة من خروج المأزمين عن المشعر الذي يجب الوقوف فيه، ويمكن ان يريد الشهيد بالجبل بل في كشف اللثام انه الظاهر غير المأزمين، وإنما هو جبل في خلال المشعر لا من حدوده خصوصا


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 68 ]

بعد قوله: فالظاهر ان ما اقبل من الجبال من المشعر دون ما ادبر منها، ولا ريب في خروج القنة عما اقبل منها، بل ربما استظهر من صحيح زرارة (1) كون الجبل من الحدود الداخلة على معنى إرادة تعداد ما في المشعر من الجبل وغيره من قوله " إلى الجبل " فيه، بل قد يقال إن المراد بخبر سماعة (2) الانتهاء اليهما من غير صعود عليهما، ولذا اتى بالى دون " على " وحينئذ فلا يكون منافيا لما في النصوص السابقة من خروج المأزمين عن المشعر، ولا حاجة إلى ارتكاب جواز الوقوف عليه مع خروجه للضرورة أو مطلقا مع الكراهة وبدونها كما عرفت، وربما يؤيد ذلك ما اخبر به المشاهدون من انه لا يمكن الصعود على قنته هذا ولكن في الرياض ان السياق وفهم الاصحاب قرينة على كون " إلى " هنا بمعنى " على " فيكون استثناء للمأزمين والجبل إلى آخره، ولا يخفى عليك ما فيه، والله العالم. (ولو نوى الوقوف ثم نام أو جن أو اغمي عليه صح وقوفه) في ظاهر كلام الاصحاب، لان الركن مسماه الذي يحصل بآن يسير بعد النية، ولذا لا يبطل حج من افاض عمدا من قبل طلوع الشمس فضلا عن الخارج عن التكليف (و) لكن في المتن (قيل: لا) يصح وقوفه، ولم نعرف القائل كما اعترف به في المدارك، قال: نعم ذكر الشيخ في المبسوط عبارة مقتضاها انه يعتبر الافاقة من الجنون والاغماء في الموقفين، ثم قال: وكذلك حكم النوم سواء، والاولى ان نقول يصح منه الوقوف بالموقفين وإن كان نائما لان الغرض الكون فيه لا الذكر،


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 69 ]

وليس في كلامه دلالة على عدم صحة الوقوف إذا عرض احد هذه الاعذار بعد النية كما هو المنقول في العبارة، ولكن ما ذكره من عدم الفرق بين النوم والاغماء والجنون غير جيد، قلت: قد عرفت نحو هذا الكلام في وقوف عرفة، والتحقيق الصحة مع حصول المسمى، والبطلان بدونه (و) حينئذ ف‍ (الاول اشبه) ولذا قال في الدروس هنا خامسها أي الواجبات السلامة من الجنون والاغماء والسكر والنوم في جزء من الوقت كما مر، والله العالم. (و) من الواجب ايضا (أن يكون الوقوف) للرجل المختار (بعد طلوع الفجر) بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك والذخيرة وكشف اللثام وعن غيرها الاجماع عليه، مضافا إلى التأسي، وقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1): " أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل، وإن شئت حيث تبيت، فإذا وقفت فاحمد الله تعالى واثن عليه واذكر من آلائه وبلائه ما قدرت عليه، وصل على النبي صلى الله عليه واله، وليكن من قولك: اللهم رب المشعر الحرام فك رقبتي من النار، وأوسع علي من رزقك الحلال، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس، اللهم انت خير مطلوب إليه وخير مدعو وخير مسؤول ولكل وافد جائزة، فاجعل جائزتي في وطئي هذا أن تقيلني عثرتي، وتقبل معذرتي، وان تجاوز عن خطيئتي، ثم اجعل التقوى من الدنيا زادي، ثم أفض حين يشرق لك ثبير وترى الابل مواضع أخفافها " وعن المفيد زيادة " يا أرحم الراحمين " في آخره، والصدوق جملا في البين، وفي الآخر وقال: " وادع الله كثيرا لنفسك ولوالديك وولدك وأهلك ومالك وإخوانك والمؤمنين والمؤمنات، فانه موطن شريف عظيم " ومفهوم مرسل جميل (2) " لا بأس بأن يفيض الرجل


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 70 ]

بليل إذا كان خائفا " بناء على إرادة الاثم من البأس في المفهوم ولو لما عرفت. لكن عن بعضهم أن وقت الاختيار من ليلة النحر إلى طلوع الشمس من يومها، لاطلاق قول الصادق عليه السلام في صحيح هشام (1) وغيره " في المتقدم من منى إلى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس به، والمتقدم من المزدلفة إلى منى يرمون الجمار ويصلون الفجر في منازلهم بمنى لا بأس " وحسن مسمع (2) الآتي المتضمن وجوب شاة عليه الساكت عن أمره بالرجوع، وإطلاق النصوص السابقة أن من أدرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج، وهو ظاهر الاكثر، لحكمهم بجبره بشاة فقط، حتى حكى في المنتهى اتفاق من عدا ابن إدريس عليه، وفيه أن الموجود في الدروس أن الواجب فيه نيته إلى أن قال: رابعها الوقوف بعد الفجر إلى طلوع الشمس، والاولى استئناف النية له، والمجزي فيه الذي هو ركن مسماه، ولو أفاض قبل طلوع الشمس ولما يتجاوز محسرا فلا بأس، بل يستحب، فان تجاوزه اختيارا أثم ولا كفارة، وقال الصدوق (رحمه الله): عليه شاة، وقال ابن إدريس: يستحب المقام إلى طلوع الشمس، والاول أشهر، ثم قال: وسادسها كونه ليلة النحر ويومه حتى تطلع الشمس، وللمضطر إلى زوال الشمس وقد ذكر سابقا أن في صحيح هشام جواز صلاة الصبح بمنى، ولم يقيد بالضرورة ورخص النبي صلى الله عليه وآله للنساء والصبيان الافاضة ليلا، وكذا يجوز للخائف، وهو كالصريح في أنه اصظراري للخائف، والفرق بينه وبين ما بعد طلوع الشمس إلى الزوال أنه اضطراري مطلقا، بخلافه فانه اختياري للنساء، ولا دلالة في قوله: " سادسها " إلى آخره، على امتداد وقت الاختيار، بل مراده وجوب الكون


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 8 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 71 ]

في ليلة النحر ويومه إلى أن تطلع الشمس على معنى أن الركن حصوله في أي جزء منه، ومن الغريب دعوى أنه ظاهر الاكثر باعتبار حكمهم بصحته للمفيض قبل الفجر عامدا مختارا مع الجبر بشاة إذا كان قد وقف بعرفة أو مطلقا، ضرورة كونه كالصريح في حصول الاثم، لذكرهم الجبر المراد به الكفارة المقتضية للاثم غالبا، وصحيح هشام مخصوص بغيره مما دل على اعتبار الاضطرار من نص وإجماع، والسكوت في خبر مسمع لا يدل على عدم الوجوب، ضرورة احتماله أمورا كثيرة، نحو سكوته عن الامر بالرجوع للمفيض من عرفات قبل مغيب الشمس مقتصرا على ذكر الكفارة، ونصوص إدراك الحج لا تنافي وجوب غير ذلك معه، نعم روى علي بن عطية (1) قال: " أفضنا من المزدلفة بليل أنا وهشام ابن عبد الملك، وكان هشام خائفا فانتهينا إلى جمرة العقبة طلوع الفجر، فقال لي هشام: أي شئ أحدثنا في حجنا، فبينما نحن كذلك إذ لقينا أبا الحسن موسى عليه السلام وقد رمى الجمار وانصرف، فطابت نفس هشام " إلا أنه قضية في واقعة لا يعلم حالها، ضرورة احتمال كون الامام عليه السلام معذورا ايضا. وعلى كل حال فقد بان لك أن تفريع المصنف وغيره على ذلك حكم الافاضة قبل طلوع الفجر حيث قال: (فلو أفاض قبله عامدا بعد أن كان به ليلا ولو قليلا لم يبطل حجه ان كان وقف بعرفات وجبره بشاة) في محله بعد أن كان المراد من الجبر بيان الاثم المترتب على ترك الواجب المزبور، ووجهه بعد أن كان هو المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا حسن مسمع (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل وقف مع الناس بجمع ثم أفاض قبل أن يفيض الناس فقال: إن كان


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 3 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 72 ]

جاهلا فلا شئ عليه، وإن كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة " المنجبر بما عرفت، وصحيح هشام السابق بعد حمل نفي البأس فيه على إرادة بيان الصحة فيه مع الجبر بشاة للعامد، وإطرق قوله عليه السلام (1): " من ادرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد ادرك الحج " بناء على شموله للفرض، فما عن الحلي وظاهر الخلاف من بطلان الحج باعتبار فوات الركن عمدا الذي هو الوقوف بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ولو في جزء منه واضح الضعف، ضرورة كون المدار في الركن على ما ثبت من الادلة، وقد عرفت أن الثابت منها البطلان بترك المسمى عمدا في ليلة النحر إلى طلوع الشمس، وإن اوجبناه بعد طلوع الفجر مع الوقوف ليلا إلا أنه واجب غير ركن، إذ لا تلازم، وما في المدارك من أن مجرد الحكم بوجوب الوقوف بعد الفجر كاف في عدم تحقق الامتثال بدون الاتيان به إلى أن تثبت الصحة مع الاخلال به من دليل من خارج واضح الضعف بعدما عرفت ثبوتها بحسن مسمع الذي قد اعترف بصحته في غير هذا الموضع المنجبر مع ذلك والمعتضد بما عرفت، بل عن المنتهى ان قول ابن إدريس لا نعرف له موافقا، فكان خارقا للاجماع، واحتمال كون المراد بحسن مسمع بيان حكم الجاهل المفيض بعد طلوع الفجر وقبله فيكون حينئذ من مسألة ذي العذر الذي ستعرف الكلام فيها لا داعي له بعدما عرفت من الفتوى بظاهره، مع أن ذا العذر لا جبر عليه بشئ، نعم قد يقال بعدم دلالته على التقييد المذكور في المتن، فيصح ؟ حجه وإن لم يكن وقف بعرفات، إلا أن الانصاف عدم خلوه عن ظهور في ذلك، لا أقل من أن يكون غير متعرض فيه للحكم من غير الجهة المزبورة، فيبقى ما يقتضي


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 13

[ 73 ]

الفساد مما دل على وجوب وقوف عرفة وأنه الحج بحاله. ثم لا يخفى عليك أن ما ذكرناه من الاجتزاء بالوقوف في جزء من الليل مع الجبر بشاة إذا كان قد أفاض قبل طلوع الفجر غير مسألة المبيت، ضرورة إمكان القول بذلك وإن لم نقل بوجوبه، فيكفي حينئذ الوقوف ليلا ثم الافاضة فيه، لكن يقوى وجوبه ايضا كما عن ظاهر الاكثر للتأسي، وقوله عليه السلام في صحيح معاوية (1): " ولا تتجاوز الحياض ليلة المزدلفة " بل لعل صحيحه الآخر (2) المتقدم سابقا دال عليه ايضا بل ربما ظهر منه المفروغية من ذلك، كظهورها من غيره من النصوص، قال الصادق عليه السلام في خبر عبد الحميد بن ابي الديلم (3) " لم سمي الابطح أبطح ؟: لان آدم عليه السلام أمر أن ينبطح في بطحاء جمع، فانبطح حتى انفجر الصبح، ثم أمر أن يصعد جبل جمع، وأمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه، ففعل ذلك فأرسل الله نارا من السماء فقبضت قربان آدم عليه السلام فما عن التذكرة من عدم وجوبه للاصل المقطوع بما عرفت وصحيح هشام المحمول على حال الضرورة، وحسن مسمع المراد منه الاجزاء مع الاثم بقرينة ما فيه من الجبر بشاة واضح الضعف، بل في الدروس الاشبه انه ركن عند عدم البدل من الوقوف نهارا، فلو وقف ليلا لا غير وأفاض قبل طلوع الفجر صح حجه وجبره بشاة، وإن كان فيه أن ذلك غير المبيت، ضرورة كفاية مسمى الكون، اللهم إلا أن يراد من المبيت ذلك كما في المسالك، قال فيها:


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 وهو صحيح الحلبي كما تقدم في ص 66 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (3) الوسائل الباب 4 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 6

[ 74 ]

" والاقوى وجوب المبيت ليلا والنية له عند الوصول، والمراد به الكون بالمشعر ليلا " وإن كان لا يخلو من نظر. وعلى كل حال فقد تلخص لك أنه لو وقف ليلا وبعد طلوع الفجر فلا إشكال في حصول الركن، وكذا لو وقف بعد طلوع الفجر خاصة وإن أثم بعدم المبيت بناء على وجوبه، ولو وقف ليلا خاصة أثم بعدم وقوفه بعد طلوع الفجر، ولكن حصل الركن منه، بل أثم ايضا بعدم المبيت بناء على وجوبه مع فرض إفاضته من المشعر قبل طلوع الفجر. ولا يخفى عليك أن الاجتزاء بمسمى الوقوف ليلا يستلزم كونه واجبا، إذ احتمال استحبابه مع إجزائه عن الواجب بضم الجبر بشاة مناف لقاعدة عدم إجزاء المستحب عن الواجب بلا داع. كما لا يخفى عليك أن الاجتزاء به عن الوقوف بعد طلوع الفجر من حيث الركنية مشروط بحصول النية، وإلا كان كتارك الوقوف بالمشعر كما صرح به في المسالك، لكن أشكله سبطه بأن الوقوف لغير المضطر وما في معناه انما يقع بعد الفجر، فكيف تتحقق نيته ليلا، وهو كما ترى، ضرورة بناء ذلك على حصول الركنية بالوقوف ليلا وإن وجب مع ذلك الوقوف بعد طلوع الفجر، لكنه ليس بركن بمعنى عدم بطلان الحج بتركه عمدا، هذا، وفي المسالك " ثم إن لم نقل بوجوبه أي المبيت فلا اشكال في وجوب النية للكون عند الفجر، وان اوجبنا المبيت فقدم النية عنده ففي وجوب تجديدها عند الفجر نظر، ويظهر من الدروس عدم الوجوب، وينبعي أن يكون موضع النزاع ما لو كانت النية للكون به مطلقا، أما لو نواه ليلا أو نوى المبيت كما هو الشائع في كتب النيات المعدة لذلك فعدم الاجتزاء بها عن نية الوقوف نهارا متجه، لان الكون ليلا والمبيت مطلقا لا يتضمنان النهار، فلابد من نية أخرى والظاهر أن نية الكون به عند الوصول

[ 75 ]

كافية عن النية نهارا، لانه فعل واحد إلى طلوع الشمس كالوقوف بعرفة، وليس في النصوص ما يدل على خلاف ذلك " انتهى، وهو محل للنظر، إذ عدم الوجوب بخصوصه لا ينافي الاجتزاء به باعتبار كونه أحد أفراد الوقوف لو حصل، كما أن الوجوب بخصوصه لا يقتضي الاجتزاء بالنية الواحدة مع فرض وجوب الكون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بخصوصه على وجه يكون فعلا مستقلا كما هو الظاهر من نصهم عليه بالخصوص، ومنه يعلم ما في قوله: " والظاهر " إلى آخره كقوله فيها ايضا: واطلاق المصنف الاجتزاء بذلك مع جعله الوقوف الواجب بعد طلوع الفجر لا يخلو من تكلف، بل يستفاد من اجزائه كذلك كونه واجبا لان المستحب لا يحزي عن الواجب، ويستفاد من قوله: " إذا كان وقف بعرفات " أن الوقوف بالمشعر ليلا ليس اختياريا محضا، وإلا لاجزأ وإن لم يقف بعرفة إذا لم يكن عمدا، وعلى ما اخترناه من إجزاء اضطراري المشعر وحده يجزي هنا بطريق أولى، لان الوقوف الليلي للمشعر فيه شائبة الاختيار، للاكتفاء به للمرأة اختيارا وللمضطر وللمتعمد مطلقا مع جبره بشاة، والاضطراري المحض ليس كذلك، إذ قد عرفت أن المراد من التفريع بيان الاثم وعدم الاجتزاء به، لعدم ظهور في الدليل، وليس المدار على كونه وقوفا اختياريا كي يستتبع الاجزاء، بل في المدارك المناقشة في الاولوية المزبورة، وخبر مسمع ظاهر فيمن أدرك مع ذلك عرفة، إذ لا تعرض فيه للجهة المزبورة، كما ان المنساق من قوله: " من أدرك جمعا فقد ادرك الحج " إدراك وقت الاختياري منها كما تقدم بعض الكلام في ذلك. بقي شئ وهو ما قيل من ان المعروف المصرح به في كلام جماعة من الاصحاب أن الواجب الوقوف من حين تحقق طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فتجب النية حينئذ مقارنة لطلوع الفجر، ولكن الركن منه مسماه، والباقي

[ 76 ]

واجب غير ركن نحو ما سمعته في وقوف عرفة، وربما كان هذا ظاهر عبارة الدروس السابقة بناء على إرادة عدم الدخول في وادي من قوله فيها: " ولما يتجاوز " وتبعه الكركي وثاني الشهيدين، لكن في محكي السرائر " ويستحب للصرورة أن يطأ المشعر برجله وان كان الوقوف واجبا وركنا من أركان الحج عندنا من تركه متعمدا فلا حج له، وأدناه أن يقف بعد طلوع الفجر إما قبل صلاة الغداة أو بعدها بعد أن يكون قد طلع الفجر الثاني ولو قليلا والدعاء وملازمة الموضع إلى طلوع الشمس مندوب غير واجب " وهو وإن كان ظاهرا فيما حكاه عنه في الدروس إلا أنه يمكن أن يريد ندبية الملازمة لموضع الوقوف حال الدعاء لا الخروج عن المشعر رأسا، نعم في محكي المنتهى " لو ترك السعي بوادي محسر أو افاض بعد طلوع الشمس أو جاز وادي محسر قبل طلوعها لم يكن عليه شئ، لانها افعال مستحبة، فلا يتبع في تركها عقوبة " وفي محكي التذكرة " لو دفع قبل الاسفار بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس لم يكن مأثوما إجماعا " ونحوه عن المنتهى ايضا، وفيها ايضا " وإذا افاض من المشعر قبل طلوع الشمس فلا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس مستحبا، وروي (1) عن الباقر عليه السلام انه يكره الوقوف بالمشعر بعد الافاضة ". وهو صريح في عدم وجوب الاستيعاب كظاهر المتن وغيره، ولعله الاقوى للاصل وإطلاق الادلة السالمين عن المعارض، وحسن معاوية السابق أو صحيحه (2) لا دلالة فيه على ذلك، فان الامر بالافاضة حين يشرق له ثبير وحين ترى الابل مواضع اخفافها اعم من ذلك، والظاهر إرادة الاسفار من الاشراق فيه بقرينة


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 77 ]

قوله: " وترى الابل " إلى آخره الذي لا يعبر به عن بعد طلوع الشمس، ومنه يعلم رجحان ما قلنا على صورة العكس، بل قوله عليه السلام (1): " من أصبح على طهر " إلى آخره ظاهر في عدم وجوب النية عند طلوع الفجر، وكذلك النهي في خبر هشام بن الحكم (2) عن تجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس حتى على احتمال إرادة عدم الدخول فيه من قوله: " لا تتجاوز " فان ذلك أعم من الاسفار المزبور، بل قول الصادق عليه السلام في مرسل علي بن مهزيار (3): " ينبغي للامام أن يقف بجمع حتى تطلع الشمس، وسائر الناس إن شاؤا عجلوا وإن شاؤا أخروا " ظاهر في خلافه، كخبر اسحاق بن عمار (4) " سألت ابا ابراهيم عليه السلام أي ساعة أحب اليك أن أفيض من جمع ؟ قال: قبل أن تطلع الشمس بقليل فهو أحب الساعات إلي، قلت: فان مكثت حتى تطلع الشمس قال: لا بأس " ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، والله العالم. (و) على كل حال فلا خلاف أجده في أنه (تجوز الافاضة قبل الفجر للمرأة ومن يخاف على نفسه) من الرجال (من غير جبران) كما اعترف به بعضهم بل في المدارك هو مجمع عليه بين الاصحاب، بل في محكي المنتهى يجوز للخائف والنساء ولغيرهم من أصحاب الاعذار ومن له ضرورة الافاضة قبل طلوع الفجر من المزدلفة، وهو قول كل من يحفظ عنه العلم، وقال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (5) المشتمل على صفة حج النبي صلى الله عليه وآله: " ثم أفاض وأمر الناس


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 وفيه " أصبح على طهر " (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 15 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث - 2 - 4 - 1 (5) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3

[ 78 ]

بالدعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام فصلى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثم أقام فصلى فيها الفجر، وعجل ضعفاء بني هاشم بالليل، وأمرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس " وفي صحيح سعيد الاعرج (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهن بليل قال: نعم تريد أن تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قلت: نعم، قال: أفض بهن بليل، ولا تفض بهن حتى تقف بهن، ثم أفض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن أو يقصرن من أظفارهن ثم يمضين إلى مكة في وجوههن، ويطفن بالبيت ويسعين بين الصفا والمروة، ثم يرجعن إلى البيت فيطفن أسبوعا ثم يرجعن إلى منى وقد فرغن من حجهن، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل معهن أسامة " وصحيح ابي بصير (2) سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس بأن يقدم النساء إذا زال الليل فيقفن عند المشعر الحرام ساعة، ثم ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة، ثم يصبرن ساعة ثم يقصرن وينطلقن إلى مكة " الحديث. وصحيح ابي بصير (3) عنه عليه السلام ايضا " رخص رسول الله صلى الله عليه وآله للنساء والصبيان أن يفيضوا بالليل وأن يرموا الجمار بالليل وأن يصلوا الغداة في منازلهم، فان خفن الحيض مضين إلى مكة ووكلن من يضحي عنهن " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على الخائف وغيره، بل قد يظهر منها استثناء من يمضي مع النساء والخائف، فانه عذر في الجملة كما سمعته في خبر سعيد، بل وخبر علي بن عطية (4) السابق المتضمن تعجيل هشام وصاحبه.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 7 - 3 (4) الوسائل الباب 14 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 3

[ 79 ]

نعم ينبغي للمعذورين أن لا يفيضوا إلا بعد انتصاف الليل، كما انه لابد لهم من الوقوف ولو قليلا كما نص عليه في بعض الاخبار السابقة، بل لعل النسيان من العذر ايضا كما اشار إليه المصنف وغيره بقوله: (ولو افاض ناسيا لم يكن عليه شئ) بل لا اجد فيه خلافا كما اعترف به غير واحد للاصل ورفع الخطأ والنسيان، نعم لو تمكن من الرجوع لتحصيل الوقوف بعد طلوع الفجر وجب لما عرفت، بل يمكن ذلك في كل ذي عذر بعد دعوى عدم انصراف الادلة المزبورة لمن ارتفع عذره على وجه يدرك الواجب الذي هو الوقوف بعد الفجر، فتأمل، وهل الجهل عذر احتمله بعض الناس، وربما كان هو مقتضى إطلاق خبر مسمع السابق، فيكون المقابل له العالم العامد الذي يجب عليه الجبر بشاة كما هو ظاهر كلام الاصحاب، بل لا وجه لحمل الاول على إرادة ما قبل طلوع الشمس، لعدم الفرق في عدم شئ عليه بين الجاهل والعالم، مؤيدا ذلك بما يظهر من غير المقام من معذورية الجاهل في الحج، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، فيجبر بشاة حينئذ، والله العالم. (ويستحب الوقوف بعد أن يصلى الفجر وأن يدعو بالدعاء المرسوم أو ما يتضمن الحمد لله تعالى والثناء عليه والصلاة على النبي وآله) كما سمعته في صحيح معاوية (1) السابق، وفي محكي المهذب " ينبغي لمن أراد الوقوف بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر أن يقف فيه بسفح الجبل متوجها إلى القبلة، ويجوز له أن يقف راكبا، ثم يكبر الله سبحانه، ويذكر من آلائه وبلائه ما تمكن منه، ويتشهد الشهادتين، ويصلي على النبي والائمة، وإن ذكر الائمة (عليهم السلام) واحدا واحدا ودعا لهم وتبرأ من عدوهم كان أفضل، ويقول بعد ذلك: اللهم


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 80 ]

رب المشعر إلى آخر ما في الخبر (1) وزاد في آخرة برحمتك، وقال: ثم تكبر الله سبحانه مائة مرة، وتحمده مائة مرة، وتسبحه مائة مرة، وتهلله مائة مرة، وتصلي على النبي وآله (عليهم الصلاة والسلام) وتقول: اللهم اهدني من الضلالة وأنقذني من الجهالة، واجمع لي خير الدنيا والآخرة، وخذ بناصيتي إلى هداك، وانقلني إلى رضاك، فقد ترى مقامي بهذا المشعر الذي انخفض لك فرفعته، وذل لك فأكرمته، وجعلته علما للناس، فبلغني فيه مناي ونيل رجاي، اللهم إني اسألك بحق المشعر الحرام أن تحرم شعري وبشري على النار، وأن ترزقني حياة في طاعتك، وبصيرة في دينك، وعملا بفرائضك، واتباعا لاوامرك، وخير الدارين جامعا، وأن تحفظني في نفسي ووالدي وولدي وأهلي وإخواني وجيراني برحمتك، وتجتهد في الدعاء والمسألة والتضرع إلى الله سبحانه إلى حين ابتداء طلوع الشمس " ثم ذكر من الواجبات فيه ذكر الله سبحانه والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، وعن السيد والراوندي احتماله، وابن زهرة الاحتياط به، ولعل الاول للامر به في الآية (2) والثاني للامر به في صحيح معاوية بن عمار (3) إلا أن الظاهر إرادة الندب منهما، بل يمكن إرادة الذكر قلبا الحاصل بنية الوقوف، فيكون في قوة الامر بالكون عند المشعر الحرام لله تعالى، بل لو قلنا بوجوب الاستيعاب المستلزم لصلاة الغداة أو الجمع بين المغرب والعشاء كفى ذلك في الذكر بناء على إرادة مطلقه، بل والصلاة على محمد وآله ايضا. قال أبو بصير (4) للصادق عليه السلام: " إن صاحبي هذين جهلا أن يقفا


(1) و (3) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) سورة البقرة الآية 194 (4) الوسائل الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 7

[ 81 ]

بالمزدلفة فقال: يرجعان مكانهما فيقفان بالمشعر ساعة، قال: فانه لم يجزهما أحد حتى كان اليوم وقد نفر الناس، قال: فنكس رأسه ساعة ثم قال: أليسا قد صليا الغداة بالمزدلفة ؟ أليس قد قنتا في صلاتهما ؟ قال: بلى، قال: تم حجهما، ثم قال: والمشعر من المزدلفة، والمزدلفة من المشعر، وانما يكفيهما اليسير من الدعاء " وظاهره الجهل بالوقوف الدعائي لا مطلق الكون الحاصل مع النية في ضمن صلاة الغداة والقنوت فيها اللذين قد عرفت إمكان الاجتزاء بهما عن الذكر، بل يمكن إرادة القائل ذلك ايضا، إلا أن هذا ونحوه ظاهر في كون الامر للندب المناسب لهذا التسامح. وكذا خبر محمد بن حكيم (1) سأله عليه السلام " عن الرجل الاعجمي والمرأة الضعيفة تكون مع الجمال الاعرابي فإذا أفاض بهم من عرفات مر بهم إلى منى لم ينزل بهم جمعا، قال: أليس قد صلوا بها فقد أجزأهم، قال: فان لم يصلوا بها قال: فذكروا الله فيها، فان كان قد ذكروا الله فيها فقد أجزأهم " إذ يمكن إرادة نية الوقوف من الذكر فيه، والامر في ذلك كله سهل. وكذا يستحب الاجتهاد في الدعاء ليلة المزدلفة وإحياؤها، قال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (2) في حديث: " ولا تتجاوز الحياض ليلة المزدلفة، وتقول: اللهم هذه جمع، اللهم إني أسألك أن تجمع لي فيها جوامع الخير، اللهم لا تؤيسني من الخير الذي سألتك أن تجمعه لي في قلبي، وأطلب اليك أن تعرفني ما عرفت اولياءك في منزلي هذا، وأن تقيني جوامع الشر، وإن استطعت أن تحيي تلك الليلة فافعل، فانه قد بلغنا أن أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة لاصوات


(1) الوسائل الباب 25 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 (2) الوسائل الباب 10 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 82 ]

المؤمنين، لهم دوي كدوي النحل، يقول الله جل ثناؤه: أنا ربكم وأنتم عبادي أديتم حقي، وحق علي أن أستجيب لكم. فيحط تلك الليلة عمن أراد أن يحط عنه ذنوبه، ويغفر لمن أراد أن يغفر له " هذا. وفي المسالك المراد بالوقوف في نحو عبارة المصنف القيام للدعاء والذكر، وأما الوقوف المتعارف بمعنى الكون فهو واجب من اول الفجر، فلا يجوز تأخير نيته إلى أن يصلي، وهو مبنى على وجوب الابتداء من الفجر، وقد عرفت عدم الدليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه حتى صحيح معاوية بن عمار (1) الذي قد أمر فيه بالاصباح على طهر، ثم الصلاة ثم الوقوف، وإن كان يمكن إرادة الوقوف للدعاء فيه، إلا أن إطلاق غيره كاف كما صرح به الفاضل وغيره، والله العالم. (و) يستحب ايضا (أن يطأ الصرورة) أي من لم يحج قبل (المشعر) كما نص عليه جماعة، بل عن المبسوط والنهاية ولا يتركه مع الاختيار، كما عن الحلبيين استحبابه مطلقا لا في خصوص الصرورة، بل عن أبي الصلاح منهما أنه آكد في حجة الاسلام، وإن كنا لم نقف على ما يدل عليه (برجليه) كما في محكي المبسوط وغيره، وعن التهذيب والمصباح ومختصره يستحب للصرورة أن يقف على المشعر أو يطأه برجله، ولعله لما تسمعه من الصحيح (2) إن كان الواو فيه بمعنى " أو " وعن الفقيه أنه يستحب له أن يطأ برجله أو براحلته إن كان راكبا، وكذا عن الجامع والنحرير، وقد سمعت سابقا ما حكاه في الدروس عن ابي علي وما استظهره هو، كما أنك سمعت ما قلناه سابقا من كون الظاهر


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 83 ]

اشتراكه بين المكان المخصوص المحدود بالحدود التي عرفتها الداخل فيها قزح وبين الجبل المخصوص الذي قد فسر به المشعر الحرام في محكي المبسوط والوسيلة والكشاف والمغرب والمعرب وغيرها، بل لعله ظاهر " عند " في الآية الشريفة (1) بل وقول الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (2): " وانزل ببطن الوادي عن يمين الطريق قريبا من المشعر، ويستحب للصرورة أن يقف على المشعر الحرام ويطأه برجله " وفي مرسل ابان بن عثمان (3) " ويستجب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام، وأن يدخل البيت " وقال له سليمان بن مهران (4) في حديث: " كيف صار وطئ المشعر على الصرورة واجبا ؟ فقال: ليستوجب بذلك وطئ بحبوبة الجنة " بل لعل ذلك هو ظاهر الاصحاب، ضرورة وجوب وطئ المزدلفة بمعنى الكون بها، وظاهر الوقوف عليه غير الوقوف به، ولا اختصاص للوقوف بالمزدلفة بالصرورة، وبطن الوادي من المزدلفة، فلو كانت هي المشعر لم يكن للقرب منه معنى، وكان الذكر فيه لا عنده، بل لو اريد المسجد كان الاظهر الوقوف به أو دخوله، لا وطؤه أو الوقوف عليه، ويمكن حمل كلام ابي علي عليه، بل ربما احتمل في كلام من قيد برجله استحباب الوقوف بالمزدلفة راجلا بل (حافيا) لكن ظاهرهم متابعة حسن الحلبي (5). وفي كشف اللثام وهو كما عرفت ظاهر في الجبل، ثم المفيد خص استحبابه في كتاب أحكام النساء بالرجال، وهو من حيث الاعتبار حسن، لكن الاخبار مطلقة، قلت: والعمدة الاطلاقات، بل لم يظهر لي حسنه من جهة الاعتبار،


(1) سورة البقرة الآية 194 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 7 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 2 - 3 - 1

[ 84 ]

بل ينبغي الاقتصار على الوطئ برجله، وإن قال في المسالك والمدارك والظاهر إن الوطئ بالرجل يتحقق مع النعل والخف، بل في الاولى " المراد بوطئه برجله أن يعلو عليه بنفسه، فان لم يمكن فببعيره " وفيه منع واضح، ومن الغريب ما فيها من أن الاكتفاء بوطئ البعير ينبه على الاكتفاء بالخف والنعل، مع أنه لم نجد في شئ من نصوصنا الاكتفاء بذلك، وانما ذكره في الفقيه كما سمعت. (و) على كل حال فقد (قيل) والقائل الشيخ في محكي المبسوط: (يستحب الصعود على قزح وذكر الله عليه) قال ما هذا لفظه: يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام ولا يتركه مع الاختيار، والمشعر الحرام جبل هناك يسمى قزح، ويستحب الصعود عليه وذكر الله عنده، فان لم يمكنه ذلك فلا شئ عليه، لان رسول الله صلى الله عليه وآله فعل ذلك في رواية جابر (1) يعني ما روته العامة عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) عن جابر " ان النبي صلى الله عليه وآله ركب القصوا حتى اتى المشعر الحرام، فرقى عليه واستقبل القبلة فحمد الله تعالى وهلله وكبره ووحده، فلم يزل واقفا حتى اسفر جدا " ورووا (2) ايضا " انه اردف الفضل بن العباس ووقف على قزح، وقال: هذا قزح وهو الموقف، وجمع كلها موقف " ولعل ذلك ونحوه كاف في ثبوت الاستحباب المتسامح فيه، وإن كان ظاهر المصنف وغيره التوقف فيه دون الوطئ، مع أنك سمعت ما في الصحيح (3) من استحباب الوقوف عليه والوطئ. وعلى كل حال فظاهر المصنف وغيره بل صريحه مغايرة الصعود على قزح


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 8 (2) سنن البيهقي ج 5 ص 122 وفيه " أردف أسامة بن زيد ". (3) الوسائل الباب 7 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 85 ]

لوطئ المشعر، وهو ظاهر ما سمعته من عبارة المبسوط، وعن الحلي " ويستحب له أن يطأ المشعر الحرام، وذلك في حجة الاسلام آكد، فإذا صعده فليكثر من حمد الله تعالى على ما من به " وهو ظاهر في اتحاد المسألتين، وكذا الدروس، والله العالم. (مسائل خمس، الاولى): لا خلاف معتد به عندنا في أن (وقت الوقوف بالمشعر ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) للمختار (وللمضطر إلى زوال الشمس) بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص السابقة، نعم حكى ابن إدريس عن السيد امتداد وقت المضطر إلى الغروب، وانكره في المختلف اشد إنكار وإن أطلق في بعض عباراته التي لم تسق لذلك أن من فاته الوقوف بعرفة حتى ادرك المشعر يوم النحر فقد ادرك الحج، خلافا للعامة مستدلا عليه بالاجماع، لكن مراده من اليوم إلى الزوال بقرينة حكاية الاجماع، فان احدا من علمائنا لم يذكر ذلك، لكن حكى هو عنه في غير المختلف ذلك ايضا، وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه للاصل والنص والاجماع، والله العالم. المسألة (الثانية من لم يقف بالمشعر ليلا ولا بعد) طلوع (الفجر عامدا بطل حجه) بلا خلاف فيه عندنا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) السابقة (ولو ترك ذلك ناسيا) أو لعذر (لم يبطل حجه ان كان وقف بعرفة) الوقوف الاختياري على الاصح لما عرفت سابقا (ولو تركهما جميعا) اختيارا واضطرارا (بطل حجه عامدا وناسيا) بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الاصل والنصوص (2) السابقة كما عرفت الكلام فيه سابقا.


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر

[ 86 ]

بل وفي باقي الصور التي منها المسألة (الثالثة) ايضا، وهي (من لم يقف بعرفات) اصلا فضلا عمن وقف الوقوف الاضطراري (وادرك المشعر قبل طلوع الشمس صح حجه) إجماعا ونصوصا (1) (ولو فاته بطل) على الاصح إذا لم يكن قد ادرك اضطرارية (و) إلا ففيه البحث السابق، نعم (لو وقف بعرفات) الوقوف الاختياري (جاز له تدارك المشعر إلى قبل الزوال) بل وجب عليه ذلك، بل هو كذلك لو ادرك اضطراري عرفة ايضا، نعم لو لم يدرك شيئا منهما لم يجزه التدارك قبل الزوال كما عرفت الكلام فيه مفصلا، والحمد لله، وهو العالم. المسألة (الرابعة من فاته الحج تحلل بعمرة مفردة) بلا خلاف اجده فيه بل في المنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد قول الصادق عليه السلام في صحيحي معاوية (2) والحلبي (3): " فليجعلها عمرة " وفي صحيح حريز (4) " ويجعلها عمرة " وغيرها من النصوص التي هي في اعلى درجات الاستفاضة إن لم تكن متواترة بمعنى القطع بما تضمنته من وجوب العمرة حينئذ، ولذا قطع في التحرير بأنه لو اراد البقاء على إحرامه إلى القابل ليحج به لم يجز، واستظهره في محكي المنتهى والتذكرة، وجعله الشهيد اشبه، وبالجملة لم اجد فيه خلافا بيننا، نعم يحكى عن مالك جوازه، وستسمع ما عن ابني حمزة والبراج مع عدم الاشتراط، وحينئذ فلا محلل له إلا الاتيان بها، فلو بقي على إحرامه ورجع إلى بلاده وعاد قبل التحلل لم يحتج إلى إحرام مستأنف من الميقات وإن بعد العهد، فيجب عليه إكمال العمرة اولا ثم يأتي بما يريد من النسك، حتى لو كان فرضه التمتع وجب


(1) و (3) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (2) و (4) الوسائل الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 4

[ 87 ]

عليه الخروج إلى احد المواقيت للعمرة، فان تعذر فمن ادنى الحل كما في حكم من لم يتعمد مجاوزة الميقات، ولو صد عن الرجوع من بلاده لاتمام العمرة كان له حكم المصدود عن إكمالها من التحلل بالذبح والتقصير في بلاده كما ستعرف إن شاء الله. وكيف كان فهل عليه نية الاعتمار بمعنى قلب إحرامه السابق إليه بالنية ؟ قال في الدروس: وهل ينقلب إحرامه أو يقلبه بالنية كما قطع به الفاضل في جملة من كتبه، بل اسند الخلاف في ذلك إلى بعض العامة للاصل وان الاعمال بالنيات والصحاح المزبورة، أو لا بل تكون عمرة قهرا فينقلب (فينتقل خ ل) إحرامه السابق لها ثم يأتي بباقي افعالها لقول ابي الحسن عليه السلام في أخبار محمد بن سنان (1) وابن فضيل (2) وعلي بن الفضل الواسطي (3) " فهي عمرة مفردة ولا حج له " وفي صحيح ضريس (4) " سألت ابا جعفر عليه السلام عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر فقال: يقيم على إحرامه ويقطع التلبية حين يدخل مكة ويطوف ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق رأسه " وفي الفقيه " ويذبح شاته وينصرف إلى اهله ان شاء، وقال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فان لم يكن اشترط فعليه الحج من قابل " وفي صحيح معاوية (5) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل جاء حاجا ففاته الحج ولم يكن طاف قال: يقيم مع الناس حراما ايام التشريق ولا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل وعليه الحج من قابل، ويحرم من حيث احرم " إلى غير ذلك من النصوص التي لا تعرض فيها لاعتبار النية في صيرورتها عمرة، وانما هي مطلقة


(1) و (2) الوسائل الباب 23 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 - 3 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث - 6 - 2 - 3

[ 88 ]

بل ظاهرة في الاجتزاء بايجاد الافعال المزبورة وإن لم ينو القلب المزبور، بل لا يفيده الامر بالجعل في الصحاح المزبورة المحتمل لارادة فعلها عمرة لا نيتها كذلك وكون الاعمال بالنيات مع انه بالنسبة إلى نية القربة انما يقتضي ابتداءه بها لا اعتبارها فيما يتفق له من الاحكام، على انه إذا كان متمتعا فقد نوى العمرة إلا انه فاته الحج، فاتصفت عمرته بالافراد قهرا نحو صلاة الجماعة التي مات الامام مثلا في أثنائها، على ان الاحرام السابق لا تؤثر فيه النية اللاحقة، فليس هو حينئذ إلا حكما شرعيا، ولعله لذا مال إليه بعض، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط في نية العدول، إلا انها على كل حال واجبة من حيث الفوات، فلا تجزي عن عمرة الاسلام كما صرح به في الدروس وغيرها، بل هو ظاهر غيرهم ايضا، بل يمكن دعوى ظهور النصوص فيه ايضا. وكيف كان فان فاته الحج تحلل بالعمرة (ثم يقضيه) اي الحج وجوبا (ان كان واجبا) قد استقر وجوبه أو استمر (على الصفة التي وجب تمتعا أو قرانا أو إفرادا) وإلا فندبا للاصل والامر به في المعتبرة المستفيضة (1) والاجماع على الظاهر، لكن في تهذيب الشيخ ان من اشترط في حال الاحرام يسقط عنه القضاء، إن لم يشترط وجب مستدلا عليه بصحيح ضريس (2) السابق ويشكل بعد الاعراض عن الصحيح المزبور ومنافاته لما هو المعلوم من غيره نصا وفتوى بأنه إن كان مستحبا لم يجب القضاء وان لم يشترط، وكذا إن لم يستقر ولا استمر وجوبه، وإن كان واجبا وجوبا مستقرا أو مستمرا وجب وإن اشترط فالوجه حمله على شدة استحباب القضاء إذا لم يشترط وكان مندوبا أو غير مستقر


(1) و (2) الوسائل الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 0 - 2

[ 89 ]

الوجوب ولا مستمره، أو على ما تقدم عن ابني حمزة والبراج من جعل فائدة الاشتراط جواز التحلل، فيكون المراد حينئذ أن عليه البقاء على إحرامه إلى أن يأتي بالحج من قابل إن لم يشترط، وإلا جاز له التحلل، وإن كان فيه أنه مناف لظاهر النصوص المزبورة الآمرة بجعله عمرة، ثم المراد بوجوب قضائه على الصفة المزبورة بناء على عدم جواز العدول اختيارا وإلا فله ذلك، ولعله لذا حكي عن الشيح جواز القضاء تمتعا لمن فاته القران أو الافراد بناء على تجويز العدول إليه اختيارا، لكونه أفضل كما تقدم الكلام فيه. (الخامسة من فاته الحج سقطت عنه أفعاله) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) التي تقدم شطر منها، خلافا لبعض العامة فأوجب عليه بقية الافعال، بل ولبعض أصحابنا فاوجب عليه الهدي قياسا علي المحصر، وهو مع كونه الفارق ممنوع ولصحيح ضريس (2) عن ابي جعفر عليه السلام السابق على ما في الفقيه، إلا أن اضافة الشاة إليه تشعر بأنه كانت معه شاة عينها للهدي بنذر ونحوه، مع احتماله الندب أيضا، وخبر داود الرقي (3) قال: " كنت مع ابي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل فقال: إن قوما قدموا يوم النحر وقد فاتهم الحج فقال: نسأل الله العافية، قال ؟ أرى عليهم أن يهريق كل واحد منهم دم شاة ويحلق وعليهم الحج من قابل إن انصرفوا إلى بلادهم، ولو أقاموا حتى تمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا إلى


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 والباب 23 منها الحديث 3 و 5 و 27. (2) و (3) الوسائل الباب 27 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 5.

[ 90 ]

بعض مواقيت أهل مكة فأحرموا واعتمروا فليس عليهم الحج من قابل " الذي هو بعد الاغضاء عن سنده وندرة القائل به محمول على التقية، فان وجوب الهدي على فائت الحج محكي عن الشافعي وأكثر العامة، كما أن ما فيه من وجوب الحج من قابل محكي عن ابن عباس وابن الزبير ومروان وأصحاب الرأي إن كان الحج مندوبا، وفي كشف اللثام " فليحمل على أنهم كانوا مصدودين أو محصورين فان عليهم حينئذ هدي التحلل، ومعنى قوله عليه السلام " وعليهم الحج " إلى آخره أنهم ان استطاعوا أن يرجعوا إلى بلادهم ثم يعودوا كان عليهم الحج من قابل، وإلا لم يكن عليهم إلا عمرة، فليعتمروا ثم يرجعوا إلى بلادهم، أو على أنهم لم يجب عليهم الحج كما فعله الشيخ، ويمكن أن يكونوا قد أحرموا بعمرة أولا يكونوا أحرموا بعمرة ولا حج لما علموا أنهم لا يدركون الموقف فكان يستحب لهم ذبح شاة والحلق تشبيها بالحاج، فان كانوا أحرموا بحج فبعد الانتقال إلى العمرة والاتيان بمناسكها، وان كانوا أحرموا بعمرة فبعد الاتيان بمناسكها وإلا فعلوا ذلك ابتداء، ثم إن وافقوا الحاج فأقاموا ولم ينصرفوا إلى بلادهم ثم أتوا بعمرة من أحد مواقيت أهل مكة فلا يتأكد عليهم الرجوع في القابل والاتيان فيه بحج، فهذه العمرة تكفيهم، وهي عمرة ثانية إن كانوا قد قدموا محرمين وإلا فلا، وإن لم يقيموا أيام التشريق وعجلوا الانصراف إلى بلادهم تأكد عليهم في القابل بحج " وإن كان هو كما ترى نحو المحكي عن الشيخ من حمله على خصوص من اشترط، وما عن الفاضل من أن وجوب العود عليهم مع فرض كون الحج مندوبا للاتيان بأفعال العمرة التى تركوها، أو غير ذلك من المحامل البعيدة التى هي خير من الطرح الذي لا بأس بالتزامه مع فرض تعذرها أجمع بعد منافاته لغيره والاعراض عنه، فانه لم نعرف القائل به بخصوصه بالنسبة إلى وجوب الهدي، نعم في الدروس أوجب علي بن بابويه وابنه على المتمتع بالعمرة يفوته

[ 91 ]

الموقفان العمرة ودم شاة، ولا شئ على المفرد سوى العمرة، ولا ريب في ضعفه، وإن كان هو أحوط. (و) كيف كان ف‍ (يستحب له) أي من فاته الحج (الاقامة بمنى إلى انقضاء أيام التشريق ثم يأتي بأفعال العمرة التى يتحلل بها) لما سمعته من صحيح معاوية السابق المحمول على ذلك بلا خلاف أجده فيه هنا، وإن كان لهم كلام في فورية عمرة الاسلام المتعقبة للحج تسمعه في محله إن شاء الله كما أنك تسمع الكلام إن شاء الله في اعتبار طواف النساء في عمرة الاسلام المفردة، أما هذه العمرة فلم أجد في شئ من النصوص بل ولا الفتاوى التصريح بذكر طواف النساء فيها، بل ظاهر النصوص المتعرضة لتفصيل أفعالها هنا خلافه، ولعله الاقوى، ولكن الاحوط الاتيان به، والله العالم. (خاتمة) (إذا ورد المشعر استحب له التقاط الحصى) لرمي الجمار (منه) بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر التذكرة والمنتهى الاجماع عليه، لقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية بن عمار (1) وربعي (2) " خذ حصى الجمار من جمع، وإن أخذته من رحلك بمنى أجزأك " وسأله عليه السلام أيضا (3) زرارة " عن الحصى التي يرمى بها الجمار قال: تؤخذ من جمع، وتؤخذ بعد ذلك من منى " ومنه يستفاد استحباب أخذها من منى بعد المشعر وإن لم أجد من نص عليه (وهو سبعون حصاة) كما ستعرف تفصيلها، ولكن لو زاد على ذلك حذرا من سقوط بعضها ونحوه فلا بأس (ولو أخذه من غيره جاز) بلا خلاف، بل في كشف


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 1 - 2.

[ 92 ]

اللثام اتفاقا للاصل والخبرين السابقين وغيرهما، فما عن بعض القيود من عدم جواز الاخد من وادي محسر في غير محله، وأغرب منه ما عن المنتهى من أنه لو رمى بحصاة محسر كره له ذلك، وهل يكون مجزيا أم لا ؟ فيه تردد، أقربه الاجزاء عملا بالعموم (لكن من الحرم) فلا يجوز من غيره، لقول الصادق عليه السلام في حسن زرارة (1): " حصى الجمار إن أخذته من الحرم أجزأك وإن أخذته من غير الحرم لم يجزك، وقال: لا ترم الجمار إلا بالحصى " نعم (عدا المساجد) التى فيه كما في القواعد ومحكي الجامع (و) لكن (قيل) والقائل الاكثر على ما حكي (عدا المسجد الحرام ومسجد الخيف) لخبر حنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلا من المسجد الحرام ومسجد الخيف " بل ليس في التهذيب " المسجد الحرام " قيل ولذا اقتصر عليه الشيخ في مصباحه، ولعله لبعد الالتقاط من المسجد الحرام، لكن يمكن إرادة المثال في الخبر لغيرهما، وإنما خصا لانهما الفرد المتعارف، بل يمكن حمل كلام الاصحاب المعلوم تبعية التعبير فيه له على ذلك أيضا، بل قيل إن إخراج الحصى من المساجد منهي عنه، وهو يقتضي الفساد، وإن كان فيه أولا أن الذي تقدم سابقا في أحكامها كراهة الاخراج، وثانيا أن حرمة الاخراج لا تقتضي حرمة الرمي إلا على مسألة الضد إذا قلنا بوجوب المبادرة إلى العود المنافي له، كما أن وجوب عودها إليها أو إلى غيرها من المساجد لا ينافيه الرمي المقتضي لالتباسها بغيرها بعد امكان (3) تعليمها بما لا تشتبه به. فالعمدة حينئذ ما عرفت:


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 19 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 2 - 1

[ 93 ]

(ويجب فيه شروط ثلاثة): الاول (أن تكون مما يسمى حجرا) عند علمائنا في محكي التذكرة والمنتهى والانتصار، بل في الاخير صريح الاجماع، ولكن الموجود في النصوص والفتاوى الحصى والحصيات، بل وقد سمعت ما في حسن زرارة (1) من النهي عن رمي الجمار إلا بالحصى، ومن هنا قال في المدارك: " الاجود تعين الرمي بما يسمى حصاة، فلا يجزي الرمي بالحجر الكبير الذي لا يسمى حصاة، خلافا للدروس وكذا الصغير جدا بحيث لا يقع عليه اسم الحصاة " وسبقه إلى ذلك جده، قال: " احترز باشتراط تسميتها حجرا عن نحو الجواهر والكحل والزرنيخ والعقيق، فانها لا تجزي خلافا للخلاف، ويدخل فيه الحجر الكبير الذي لا يسمى حصاة عرفا، وممن اختار جواز الرمي به الشهيد في الدروس، ويشكل بأن الاوامر الواردة إنما دلت على الحصاة، ولعل المصنف أراد بيان جنس الحصى لا الاجتزاء بمطلق الجنس، ومثله القول في الصغيرة جدا بحيث لا يقع عليها اسم الحصاة، فانها لا تجزي أيضا وإن كانت من جنس الحجر " قلت: خصوصا بعد أن ذكر سابقا استحباب التقاط الحصى وكونه سبعين حصاة وغير ذلك، وكذا الشهيد في الدروس، بل قال بعد ذكر أوصاف الحصى: وجوز في الخلاف الرمي بالبرام والجوهر، وفيه بعد أن كان من الحرم، وأبعد إن كان من غيره، نعم قال بعد ذلك: المسألة السادسة لو رمى بحصى نجس أجزء نص عليه في المبسوط ومنعه ابن حمزة لما رواه (2) من غسله قلنا لا لنجاسة أو


(1) في النسخة المخطوطة المبيضة " لولا إمكان " ولكن في المسودة " بعد امكان " وهو الصحيح. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 381.

[ 94 ]

تحمل على الندب، ولو رمى بخاتم فضة من حجارة الحرم أجزء، ولو رمى بصخرة عظيمة فالاقرب الاجزاء، ولو رمى بحجر مسته النار أجزء ما لم يستحل ولعله لعدم خروجها بالعظم الذي يصدق معه الرمي عن كونها حصاة، فلا خلاف حينئذ، كما أن الظاهر اتحاد المراد من الحجر والحصى، فتتفق العبارات، نعم عن الخلاف أنه جوز الرمي بالحجر وما كان من جنسه من البرام والجواهر وأنواع الحجارة، مع أنه قيل وظاهره دخول الجميع في الحصى، فلا خلاف، وإن كان فيه منع الظهور ومنع الدخول، مضافا إلى بعد حرمية البرام والجواهر التى عرفت وتعرف اعتبارها، ومن الغريب دعواه الاجماع على ما ذكره، مع ان الاجماع على الظاهر بخلافه. وكيف كان فلا يجوز عندنا بغير الحجر كالمدر والآجر والكحل والزرنيخ وغير ذلك من الذهب والفضة كما نص عليه الشيخ، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة من الجواز بالحجر وبما كان من نفس الارض كالطين والمدر والكحل والزرنيخ، ولا يجوز بالذهب والفضة، وعن أهل الظاهر من الجواز بكل شئ حتى لو رمى بالحزق والعصافير الميتة أجزأه والله العالم. (و) الثاني أن يكون (من الحرم) كما هو المشهور، بل لا أجد فيه خلافا محققا إلا ما سمعته من الخلاف، وما في كشف اللثام عن ابن حمزة في أفعال الرمي وأن يرمي بالحجر أو يكون من حصى الحرم مع ان الموجود عندي في نسخة الوسيلة وان يرمى الحجر وان يكون من حصى الحرم دون حصى المسجدين، ثم قال: " والتروك سبعة: الرمي بالمكسورة، وبغير الحصى وبحصى الجمار، وبحصى غير الحرم، وبالنجسة، وبحصى المسجد الحرام، والمسجد بمنى، وهو مسجد الخيف " وعلى كل حال فقد سمعت حسن زرارة

[ 95 ]

أو صحيحه (1) مضافا إلى التأسي والسيرة ومرسل حريز (2) المنجبر بما سمعت عن الصادق عليه السلام أيضا " لا تأخذه من موضعين من خارج الحرم ومن حصى الجمار " والله العالم. (و) الثالث أن تكون (أبكارا) أي لم يرم بها الجمار رميا صحيحا بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل عن الخلاف والغنية والجواهر الاجماع عليه، للمرسل (3) المزبور المنجبر بما سمعت كخبر عبد الاعلى (4) عنه عليه السلام أيضا " ولا تأخذ من حصى الجمار " مؤيدا ذلك بالتأسي والسيرة، قيل وبما عن ابن عباس من ان ما قبل من ذلك يرفع، وحينئذ فيكون الباقي غير مقبول، فلا يرمى، وفي مرسل الصدوق (5) عن الصادق عليه السلام: " من رمى الجمار يحط عنه بكل حصاة كبيرة موبقة، وإذا رماها المؤمن التقفها الملك، وإذا رماها الكافر قال الشيطان: باستك ما رميت " وغير ذلك، من غير فرق بين مرمي الرامي وغيره لاطلاق الادلة: فما عن المزني من جواز الرمي بمرمي الغير واضح الفساد. واما اشتراط طهارتها فقد سمعت ما حكاه في الدروس عن ابن حمزة، وما أرسله من الرواية إلا أن ظاهر الاكثر وصريح محكي المبسوط والسرائر وغيرهما عدم اعتبارها، بل لم أقف على ما أرسله إلا ما تسمعه من خبر الدعائم (6) نعم


(1) و (2) الوسائل الباب 19 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 3. (3) و (4) الوسائل الباب 5 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 - 2. (5) الوسائل الباب 1 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 9 (6) دعائم الاسلام ج 1 ص 381 وفيه عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه استحب الغسل لرمي الجمار.

[ 96 ]

في كشف اللثام وأرسل عن الصادق عليه السلام في بعض الكتب " اغسلها، فان لم تغسلها وكانت نقية لم يضرك " والظاهر أن مراده ما تسمعه من خبر الدعائم، وعن كتاب الفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام " اغسلها غسلا نظيفا " وهو مع عدم ثبوت نسبته عندنا لا دلالة فيه على كون ذلك من النجاسة، نعم لا بأس باستحباب ذلك منها كما ذكره في الدروس كالقواعد ومحكي المبسوط والسرائر بل عن التذكرة كراهية النجسة واستحباب غسلها مطلقا، ولا بأس به، والله العالم (ويستحب أن تكون برشا رخوة بقدر الانملة كحلية منقطة ملتقطة) كما صرح بذلك كله غير واحد، إلا أن الذي عثرت على ما يدل عليه حسن هشام بن الحكم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في حصى الجمار قال: كره الصم منها وقال: خذ البرش " وفي خبر البزنطي (3) عن الرضا عليه السلام " حصى الجمار يكون مثل الانملة، ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء، وخذها كحلية منقطة تخذفهن خذفا، ولا تضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة " وفي كشف اللثام: أنه رواه في قرب الاسناد صحيحا، وعن الفقه المنسوب (4) إلى الرضا عليه السلام " وتكون منقطة كحلية مثل رأس الانملة " وفي دعائم الاسلام (5) عن جعفر


(1) فقه الرضا عليه السلام ص 28 (2) الوسائل الباب 20 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 20 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 4 وذيله في الباب 7 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1. (4) المستدرك الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 381

[ 97 ]

بن محمد (عليهما السلام " انه قال: تلتقط حصى الجمار التقاطا، كل حصاة منها بقدر الانملة ويستحب أن تكون زرقا أو كحلية منقطة، ويكره أن تكسر من الحجارة كما يفعله كثير من الناس، واغسلها، فان لم تغسلها وكانت نقية لم يضرك " والكل لا تجمع ذلك حتى الرخوة، فان كراهة الصم التي هي بمعنى الصلبة لا تقتضي استحباب الرخوة، وليس في شئ منها أيضا جمع البرش مع التنقيط، ولعله لان المشهور في معنى البرش أن يكون في الشئ نقط تخالف لونه، وعن ابن فارس قصره على ما فيه نقط بيض، من هنا تكلف بعض الاصحاب فحمل البرش في مثل كلام المصنف على اختلاف ألوان الحصى بعضها لبعض، والثاني على الحصاة نفسها، وهو كما ترى، ولعله لذا اقتصر الصدوق (رحمه الله) فيما حكي عنه على الثاني، والشيخ في المحكي عن جملة من كتبه على الاول لكن عن النهاية أن البرش لون مختلط حمرة وبياضا أو غيرهما، وعن المحيط أنه لون مختلط بحمرة، وعن تهذيب اللغة عن الليث أن الابرش الذي فيه ألوان وخلط، وحينئذ يكون أعم من المنقطة، وعن الكافي والغنية أن الافضل البرش ثم البيض والحمر، ولم نجد ما يدل عليه، بل خبر البزنطي (1) بخلافه. واما الالتقاط الذي لا نعلم فيه خلافا عندنا كما عن المنتهى الاعتراف به فقد يدل عليه قول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (2) " التقط الحصى ولا تكسر منهن شيئا " كقوله عليه السلام في مرسل الدعائم الذي سمعته، وللسيرة ولما روي من أمر النبي صلى الله عليه وآله (3) بالتقاطها، وقال: " بمثلها فارموا " هذا، وعن الصدوق في الفقيه والهداية كونها بقدر الانملة أو مثل حصى الخذف، وفي كشف اللثام


(1) و (2) الوسائل الباب 20 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 2 (3) سنن البيهقي ج 5 ص 127 وسنن النسائي ج 5 ص 269

[ 98 ]

قيل وهو دون الانملة كالباقلاء نحو المحكي عن بعض العامة فقدره بذلك، وعن بعض آخر أنه كقدر النواة، وعن الشافعي يكون أصغر من الانملة طولا وعرضا، وقول الصادق (1) والرضا عليهما السلام (2) حجة على الجميع، وأما الكحلية فقد عرفت ما يدل عليه من النصوص، لكن في الدعائم التخيير بينها وبين الزرق ولم أجد من أفتى به، فالاولى الكحلية، والامر سهل بعد كون ذلك مستحبا وإلا فيجوز الجميع إلا في رواية عن أحمد أنه لا يجوز الاكبر ولا ريب في فساده. (ويكره أن تكون صلبة) للحسن المزبور (3) (أو مكسرة) قيل للنهي عن الكسر في خبر أبي بصير (4) السابق، وفيه أنه انما يدل على كراهة الكسر الذي حكي عن الغنية الاجماع عليه لا الرمي بالمكسرة، اللهم إلا أن يفهم أن النهي عن ذلك لذلك، والله العالم. (ويستحب لمن عدا الامام الافاضة قبل طلوع الشمس بقليل) كما هو المشهور، بل عن المنتهى لا نعلم فيه خلافا لموثق إسحاق بن عمار (5) السابق، ونحوه خبر معاوية بن حكم (6) فما عن الصدوقين والمفيد والسيد وسلار والحلبي من عدم الجواز، بل عن الاولين وجوب شاة على من قدمها على طلوع الشمس لقوله عليه السلام في صحيح معاوية (7) " ثم أفض حين يشرق لك ثبير، وترى


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 381. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 - 1 - 3 (5) و (6) الوسائل الباب 15 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 3 والثاني عن معاوية بن حكيم. (7) الوسائل الباب 11 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1

[ 99 ]

الابل مواضع اخفافها " بناء على إرادة طلوع الشمس من الاشراق فيه بقرينة تمام الخبر قال أبو عبد الله عليه السلام (1) " كان أهل الجاهلية يقولون أشرق ثبير يعنون الشمس كما تسفر وإنما أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله خلاف أهل الجاهلية " الحديث واضح الضعف، خصوصا بعدما سمعت سابقا عن المنتهى والتذكرة من الاجماع على عدم اثمه لو دفع قبل الاسفار بعد طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس. (ولكن لا يجوز وادي محسر إلا بعد طلوعها) للنهي عنه فيما سمعته من حسن هشام بن الحكم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام إلا ان المنساق من ذلك عدم قطعه والخروج منه، ولكن الاصحاب فهموا منه عدم الدخول فيه حرمة أو كراهة على البحث السابق. (و) أما (الامام) فينبغي له ان (يتأخر حتى تطلع) الشمس كما صرح به غير واحد، لقول الصادق عليه السلام في خبر جميل (3) السابق " ينبغي للامام ان يقف بجمع حتى تطلع الشمس، وسائر الناس إن شاؤا عجلوا وإن شاؤوا أخروا " بل عن الشيخ وابن حمزة والقاضي وظاهرا بني زهرة وسعيد الوجوب المنافي للاصل وظاهر الخبر المزبور وغيره، فلا ريب في ضعفه، كضعف المحكي عن ابن ادريس من استحباب ذلك ايضا لغير الامام المنافي لما عرفت، والله العالم. (و) يستحب (السعي) بمعنى الهرولة أي الاسراع في المشي للماشي، وتحريك الدابة للراكب (بوادي محسر وهو يقول: اللهم سلم عهدي واقبل توبتي وأجب دعوتي واخلفني في من تركت بعدي) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (4) التي منها قول الصادق عليه السلام في صحيح


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 15 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 5 - 2 - 4 (4) الوسائل الباب 13 و 14 من ابواب الوقوف بالمشعر

[ 100 ]

معاوية (1) " إذا مررت بوادي محسر وهو واد عظيم بين جمع ومنى، وهو إلى منى اقرب فاسع فيه حتى تتجاوزه، فان رسول الله صلى الله عليه وآله حرك ناقته فيه وقال: اللهم سلم عهدي " إلى آخر الدعاء، وفي صحيح محمد بن اسماعيل (2) عن ابي الحسن (عليه السلام) " الحركة في وادي محسر مائة خطوة " وفي خبر محمد بن عذافر (3) " مائة ذراع ". (ولو ترك السعي فيه رجع فسعى استحبابا) لحسن حفص البختري (4) وغيره عن الصادق (عليه السلام) " انه قال لبعض ولده هل سعيت في وادي محسر ؟ فقال له: لا فأمره ان يرجع حتى يسعى " وفي مرسل الحجال (5) " مر رجل بوادي محسر فأمره أبو عبد الله (عليه السلام) بعد الانصراف إلى مكة ان يرجع فيسعى " والظاهر عدم الفرق بين الترك عمدا جهلا وغيره ونسيانا. والله العالم. (القول في نزول منى) (وما بها من المناسك) وهي المكان المعروف، وسميت بذلك لما يمنى بها من الدعاء، ولما عن ابن عباس " ان جبرئيل (عليه السلام) لما اراد ان يفارق آدم (عليه السلام) قال: له تمن. قال: اتمنى الجنة فسميت بذلك لامنية


(1) و (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 3 (3) الوسائل الباب 13 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 5 محمد بن عذافر عن عمر بن يزيد. (4) و (5) الوسائل الباب 14 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 1 - 2

[ 101 ]

آدم " وفي خبر ابن سنان (1) المروي عن العلل عن الرضا (عليه السلام) " لما سئل عن ذلك قال: لان جبرئيل (عليه السلام) قال هناك لابراهيم (عليه السلام): تمن على ربك ما شئت، فتمنى ان يجعل الله مكان ولده اسماعيل كبشا يأمره بذبحه فداء له، فاعطاه الله مناه ". وكيف كان (فإذا هبط إلى منى) ففي المتن (استحب له الدعاء بالمرسوم) لكن لم اقف على دعاء مأثور في ذلك كما اعترف به في المدارك (ومناسكه بها يوم النحر ثلاثة: رمي جمرة العقبة ثم الذبح ثم الحلق أما الاول) فقد صرح به ابنا إدريس وسعيد ومن تأخر عنهما، بل عن المنتهى والتذكرة لا نعلم فيه خلافا، بل في السرائر لا خلاف فيه بين اصحابنا، ولا اظن احدا من المسلمين يخالف فيه، وقد يشتبه على بعض اصحابنا ويعتقد انه مسنون غير واجب لما يجده من كلام بعض المصنفين وعبارة موهمة اوردها في كتابه، ويقلد المسطور بغير فكر ولا نظر، وهذا غاية الخطأ وضد الصواب، فان شيخنا قال في الجمل: والرمي مسنون فظن من يقف على هذه العبارة انه مندوب، وإنما اراد الشيخ بقوله: مسنون ان فرضه علم من السنة، لان القران لا يدل على ذلك، وكأنه اشار بذلك إلى ابن حمزة في الوسيلة حيث قال: والرمي واجب عند ابي يعلى (رحمه الله) مندوب إليه عند الشيخ ابي جعفر (رحمه الله) وفي كشف اللثام الذي نص عليه أبو يعلى في المراسم وجوب رمى الجمار، وقال الحلبي: فان اخل برمي الجمار أو بشئ منه ابتداء أو قضاء اثم بذلك، ووجب عليه تلافي ما فاته وحجه ماض، وهذان الكلامان يحتملان العموم لرمي جمرة العقبة يوم النحر


(1) علل الشرائع الباب 172 من ج 2 الحديث 2 ج 2 ص 120 المطبوعة بطهران عام 1378

[ 102 ]

وعدمه " قلت: الموجود فيما حضرني من نسخة المراسم بعد ان ذكر ان الرمي من الواجبات قال في التفصيل: " فإذا بلغ وادي محسر فليهرول حتى يجوزه، ويأخذ حصى الجمار من المزدلفة أو من طريقه أو من رحله بمنى، ثم يتوضأ ان امكنه، ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة، فليقم بها من قبل وجهها، ولا يقم من أعلاها، وليكن بينه وبينها قدر عشرة اذرع أو خمسة عشر ذراعا، وليقل وفي يده الحصى: اللهم هذه حصياتي فاحصهن لي، وارفعهن في عملي ثم ليرم خذفا " إلى آخره ثم ذكر الذبح بعد ذلك وغيره من الافعال، وهو كالصريح في وجوبها، ونحو ذلك في المقنعة وان قال بعد ذلك: " باب تفصيل فرايض الحج، وفروض الحج الاحرام والتلبية والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وشهادة الموقفين، وبعد ذلك سنن بعضها أوكد من بعض " إلا انه يمكن ان يريد ما سمعته من ابن ادريس كما ان الشيخ وإن أهمل الرمي في المبسوط في تعداد فرايض الحج لكن قال فيه: " وعليه بمنى يوم النحر ثلاثة مناسك أولها رمي الجمرة الكبرى " ونحوه عن النهاية، وبالجملة لا خلاف محقق كما سمعته من ابن ادريس، وعلى تقديره فلا ريب في ضعفه، لقول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (1) " خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها " وأحدهما (عليهما السلام) في خبر علي بن حمزة (2) " أي امرأة أو رجل خائف افاض من المشعر ليلا فلا بأس فليرم الجمرة ثم ليمض وليأمر من يذبح عنه " الحديث، وصحيح سعيد الاعرج (3) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام):


(1) الوسائل الباب 3 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 2 (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2

[ 103 ]

جعلت فداك معنا نساء فافيض بهن بليل قال: نعم إلى ان قال ثم افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة " الحديث، وغيره من النصوص السابقة في مسألة جواز الافاضة بليل من المشعر للنساء وللخائف وغيره المتضمنة للرمي على وجه يظهر منها وجوبه ولو بمعونة ما سمعته من الشهرة أو عدم الخلاف والاجماع المحكي، بل والنصوص الآتية ايضا، مضافا إلى التأسي، ففي الدعائم (1) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من المزدلفة مر على جمرة العقبة يوم النحر فرماها بسبع حصيات، ثم أتى قبا، وكذلك السنة " وقد قال صلى الله عليه وآله (2) " خذوا عني مناسككم ". وعلى كل حال (فالواجب فيه) شرعا أو شرطا (النية) التي عرف مكررا اعتبارها في كل مأمور به، وكيفيتها وإن قال في المسالك هنا: " يعتبر اشتمالها على تعيين الفعل ووجهه وكونه في حج الاسلام أو غيره والقربة والمقارنة لاولى الرمي والاستدامة حكما، والاولى التعرض للاداء، فانه مما يقع على وجهين: الاداء والقضاء، وعلى هذا لو تداركه بعد فواته نوى القضاء، وهل يجب التعرض للعدد ؟ يحتمله لان الرمي في الجملة يقع باعداد مختلفة كما في ناسي الاكمال، ووجه العدم انه لا يقع على وجهين إلا إذا اجتمعا، ولا ريب انه اولى كالاداء " ولكن لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه في النية، وانه لا يجب فيها غير القربة والتعيين مع الاشتراك، بل يكفي في نحو المقام إيقاعه بقصد الجزئية للحج الذي نواه سابقا مع القربة من غير حاجة إلى امر آخر، والله العالم.


(1) المستدرك الباب 1 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 2 وفيه " منى " بدل " قبا " (2) تيسير الوصول ج 1 ص 312

[ 104 ]

(و) من الواجب ايضا (العدد وهو سبع) حصيات بلا خلاف اجده فيه، بل عن المنتهى إجماع المسلمين، وقال أبو بصير (1) لابي عبد الله (عليه السلام): " ذهبت ارمي فإذا في يدي ست حصيات فقال: خذ واحدة من تحت رجلك " وقال هو (عليه السلام) أيضا في صحيح معاوية (2) " في رجل اخذ إحدى وعشرين حصاة فرمى بها فزاد واحدة، فلم يدر من ايتهن نقصت، قال: فليرجع فليرم كل واحدة بحصاة، قال: وقال: في رجل رمى الاولى باربع والاخيرتين بسبع قال: يعود فيرمي الاولى بثلاث وقد فرغ " الحديث، لكن ليس هو في عدد جمرة العقبة يوم النحر، كخبر عبد الاعلى (3) عنه (عليه السلام) ايضا " قلت له رجل رمى الجمرة بست حصيات ووقعت واحدة في الحصى قال: يعيدها إن شاء من ساعته وان شاء من الغد إذا اراد الرمي ولا يأخذ من حصى الجمار " بل يمكن كون الواحدة من الست فلا يكون دالا على السبع، نعم في المحكي (4) هو فقه الرضا (عليه السلام) " وارم جمرة العقبة في يوم النحر بسبع حصيات " والله العالم. (وإلقاؤها بما يسمى رميا) بلا خلاف اجده فيه، بل ولا إشكال لما سمعته من الامر به المتوقف صدق امتثاله على تحقق مسماه، فلا يجزي الوضع ونحوه مما لا يسمى رميا قطعا، بل إجماعا بقسميه خلافا للعامة، بل لا يجزي


(1) و (3) الوسائل الباب 7 من ابواب العود إلى منى الحديث 2 - 3 (2) ذكر صدره في الوسائل في الباب 7 من ابواب العود إلى منى الحديث 1 وذيله في الباب 6 منها الحديث 1 (4) المستدرك الباب 1 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 4

[ 105 ]

المشكوك فيه ايضا فضلا عن المقطوع به. (وإصابة الجمرة بها) أو محلها (بفعله) بلا خلاف اجده فيه، بل ولا إشكال، فلا يكفي الوقوع دونها ونحوه مما لا يسمى اصابة، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1): " فان رميت بحصاة فوقعت في محمل فاعد مكانها " ولا إذا كانت بغير فعله كما لو اصابت ثوب انسان فنفضه حتى اصابت عنق بعير فحركه فأصابت، بل يجب مع ذلك كون الاصابة بها (فلو وقعت) على حصاة فارتفعت الثانية إلى الجمرة لم تجزه وإن كانت الاصابة عن فعله، لخروجه عن مسمى رميته. نعم لو وقعت (على شئ فانحدرت على الجمرة) أو مرت على سننها حتى اصابت الجمرة (جاز و) كذا إن اصابت شيئا صلبا فوقعت باصابته على الجمرة للصدق بعد ان كانت الاصابة على كل حال بفعله، قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (2): " وان اصابت انسانا أو جملا ثم وقعت على الجمار أجزأك " خلافا للمحكي عن بعض الشافعية فلم يجتز بها إن وقعت على اعلى الجمرة لان رجوعها لم يكن بفعله ولا في جهة الرمي، وفي كشف اللثام وهو إن تم شمل ما إذا وقعت على ارض مرتفع عن الجنبتين أو وراء الجمرة ثم انحدرت إليها والمصنف في التذكرة والتحرير والمنتهى قاطع بالحكم إلا في الوقوع اعلى من الجمرة ففيه مقرب والشيخ قاطع به في المبسوط، قلت: هو في محله، ضرورة الصدق عرفا، وعدم الاعتذار باصابة السهم الغرض بعد ازدلافه في المسابقة ممنوع مع انه احتمل الفرق بان القصد هنا الاصابة بالرمي وقد حصلت، وفي المسابقة القصد إلى إبانة الحذق، فإذا ازدلف السهم فقد عدل عن السنن، فلم تدل الاصابة


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1

[ 106 ]

على حذقه، فلهذا لم نعتبره هناك. نعم قد عرفت سابقا انها (لو قصرت فتممها حركة غيره من حيوان أو انسان لم يجز) لعدم صدق الاصابة بفعله. (وكذا) لا يجزي لو شك فلم يعلم وصلت الجمرة ام لا) لاصالة الشغل، وعن الشافعي قول بالاجزاء، لان الظاهر الاصابة، وهو كما ترى (و) كذا قد عرفت سابقا انه (لو طرحها على الجمرة من غير رمي لم يجز). ويجب التفريق في الرمي بلا خلاف اجده فيه، بل عن الخلاف والجواهر الاجماع عليه، ولعله كذلك، وهو الحجة بعد الانسياق، خصوصا مع ملاحظة الامر بالتكبير مع كل حصاة، والتأسي والسيرة، فما عن عطا من اجزاء الرمي بها دفعة واضح الفساد بعد مخالفته فعل النبي صلى الله عليه وآله والصحابة، نعم لا يعتبر التلاحق في الاصابة، للصدق، فحينئذ لو رمى بحجرين مثلا دفعة كان رمية واحدة وان تلاحقا في الاصابة، ولو اتبع احدهما الآخر في الرمي فرميتان وان اتفقا في الاصابة. ثم المراد من الجمرة البناء المخصوص أو موضعه إن لم يكن كما في كشف اللثام، وسمي بذلك لرميه بالحجار الصغار المسماة بالجمار، أو من الجمرة بمعنى اجتماع القبيلة لاجتماع الحصى عندها، أو من الاجمار بمعنى الاسراع، لما روي (1) " ان آدم (عليه السلام) رمى فأجمر ابليس من بين يديه " أو من جمرته وزمرته اي نحيته، وفي الدروس انها اسم لموضع الرمي، وهو البناء، أو موضعه مما يجتمع من الحصى، وقيل هي مجتمع الحصى لا السائل منه، وصرح علي بن بابويه بانه الارض ولا يخفى عليك ما فيه من الاجمال، وفي المدارك بعد حكاية ذلك عنها قال:


(1) نهاية ابن الاثير مادة " جمر ".

[ 107 ]

" وينبغي القطع باعتبار إصابة البناء مع وجوده، لانه المعروف الآن من لفظ الجمرة. ولعدم تيقن الخروج من العهدة بدونه، اما مع زواله فالظاهر الاكتفاء باصابة موضعه " واليه يرجع ما سمعته من الدروس وكشف اللثام إلا أنه لا تقييد في الاول بالزوال، ولعله الوجه، لاستبعاد توقف الصدق عليه، ويمكن كون المراد بها المحل باحواله التي منها الارتفاع ببناء أو غيره أو الانخفاض، لكن ستسمع ما في خبر أبي غسان (1) بناء على إراده الاخبار بحيطان فيه عن الجمار كما هو محتمل، بل لعله الظاهر، إلا أنه محتمل البناء على المعهود الغالب، فتأمل جيدا، والله العالم. (والمستحب فيه) امور ذكر المصنف منها (ستة) منها (الطهارة) من الاحداث على المشهور لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2) " ويستحب ان ترمي الجمار على طهر " وفي خبر أبي غسان حميد بن مسعود (3) بعد ان سأله عليه السلام عن رمي الجمار من غير طهر: " الجمار عندنا مثل الصفا والمروة حيطان إن طفت بهما على غير طهر لم يضرك، والطهر أحب الي، فلا تدعه وأنت قادر عليه " المنزل عليهما ما في صحيح ابن مسلم (4) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجمار فقال: لا ترم الجمار إلا وانت على طهر " وخبر علي بن الفضل الواسطي (5) عن ابي الحسن عليه السلام المروي عن قرب الاسناد " ولا ترم الجمار إلا وأنت طاهر " لقصورهما عن المعارضة من وجوه، بل يمكن حمل ما عن المفيد والسيد وأبي علي من عدم الجواز على ذلك خصوصا بعد معروفية التعبير في كلامهم بذلك عن الكراهة المستفادة من النهي المزبور المستفاد منها تأكد الندب أيضا، ومن الغريب ما في المسالك من المناقشة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 2 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث - 5 - 3 - 5 - 1 - 6.

[ 108 ]

في الجمع المزبور بقصور رواية ابي غسان بالضعف عن المعارضة بعد ما عرفت من الانجبار بالشهرة وعدم انحصار الدليل فيها. وعن بعض الاصحاب استحباب الغسل، لكن في الصحيح (1) " سألته عليه السلام عن الغسل إذا رمى الجمار قال: ربما فعلته، فاما السنة فلا ولكن من الحر والعرق " وفي صحيح الحلبي (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الغسل إذا أراد أن يرمى الجمار فقال: ربما اغتسلت، فاما من السنة فلا " اللهم إلا أن يكون المراد من نفي السنة أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله فعله لامور رجحت ذلك بالنسبة إليه وإن كان هو راجحا في نفسه، كما يدل عليه فعل الامام عليه السلام له في بعض الاوقات، وفي دعائم الاسلام (3) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " انه استحب الغسل لرمي الجمار ". (و) منها (الدعاء عند إرادة الرمي) بما في صحيح معاوية (4) عن الصادق عليه السلام " خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها، ولا ترمها من أعلاها، وتقول والحصى في يدك: اللهم هؤلاء حصياتي فاحصهن لي، وارفعهن في عملي ثم ترمي فتقول مع كل حصاة: الله أكبر، اللهم ادرأ عني الشيطان، اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك اللهم اجعله حجا مبرورا وعملا مقبولا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا، وليكن فيما بينك وبين الجمرة قدر عشرة اذرع أو خمسة عشر ذراعا، فإذا اتيت رحلك ورجعت من الرمي فقل: اللهم بك وثقت، وعليك توكلت، فنعم الرب ونعم المولى ونعم النصير " بل يستفاد استحباب الدعاء بما سمعت في غير الحال المزبور.


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 4 2 (3) المستدرك الباب 2 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 (4) الوسائل الباب 3 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1

[ 109 ]

(و) منها (ان يكون بينه وبين الجمرة عشرة أذرع إلى خمسة عشر ذراعا) كما في القواعد، لحسن معاوية السابق، وعن علي بن بابويه تقديرهما بالخطأ وهما متقاربان نعم قد يناقش في تحقق الامتثال للامر الندبي بالتباعد بين المقدارين المفهوم من عبارة الكتاب، اللهم إلا ان يدعى ان ذلك هو المفهوم من نحو العبارة المزبورة في نحو المقام، فتأمل جيدا. (و) منها (ان يرميها خذفا) باعجام الحروف على المشهور بين الاصحاب شهرة كادت تكون إجماعا، بل لم يحك الخلاف فيه إلا عن السيد وابن ادريس، بل عن المختلف أنه من متفردات السيد، ومن الغريب دعواه الاجماع على ذلك، ومن هنا قال الفاضل في محكي المختلف إنما هو الرجحان، وعلى كل حال فيدل عليه قول الرضا عليه السلام في خبر البزنطي (1) المروي صحيحا عن قرب الاسناد، قال: " حصى الجمار تكون مثل الانملة، ولا تأخذها سوداء ولا بيضاء ولا حمراء، خذها كحلية منقطة، تخذفهن خذفا وتضعها على الابهام وتدفعها بظفر السبابة " المحمول على الندب بقرينة سوقه لذكر السنن، ولقصوره عن معارضة إطلاق الادلة المعتضد بالشهرة المزبورة، وبالاصل وغير ذلك، والخذف هو الرمي بالاصابع كما عن الصحاح والديوان وغيرهما، بل عن ابن ادريس انه المعروف عند أهل اللسان، واليه يرجع ما عن الخلاص من أنه الرمي بأطراف الاصابع، بل وما عن المجمل والمفصل من انه الرمي من بين اصبعين، وعن العين والمحيط والمقائيس والغريبين والمغرب بالاعجام، والنهاية الاثيرية من بين السبابتين، وعن الاخيرين أو يتخد مخذفة من خشب ترمي بها بين ابهامك والسبابة، وفي القاموس الخذف كالضرب رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما، تأخذ بين سبابتك وتخذف به،


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 20 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 وذيله في الباب 7 من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 1

[ 110 ]

وعن المصباح المنير خذفت الحصاة ونحوها خذفا من باب ضرب رميتها بظفري الابهام والسبابة، والاولى العمل بما في الخبر المزبور من الوضع على الابهام أي باطنه والدفع بظفر السبابة كما عن المبسوط والسرائر والنهاية والمصباح ومختصره والمقنعة والمراسم والكافي والغنية والمهذب والجامع والتحرير والتذكرة والمنتهى وعن القاضي، وقيل بل يضعها على ظفر ابهامه ويدفعها بالمسبحة، وعن المرتضى ان يضعها على بطن الابهام ويدفعها بظفر الوسطى، ولم نجد ما يشهد له (و) منها (الدعاء مع كل حصاة) بما سمعته في حسن معاوية السابق. (و) منها (أن يكون ماشيا و) ان كان (لو رمى راكبا جاز) ايضا، إلا أن الاول المستحب كما في القواعد ومحكي النهاية والجمل والعقود والجامع، لما في صحيح على بن جعفر (1) عن اخيه عن آبائه (عليهم السلام) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يرمي الجمار ماشيا " وفي دعائم الاسلام (2) عن جعفر بن محمد عليهما الاسلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرمي الجمار ماشيا، ومن ركب إليها فلا شئ عليه " وقال عنبسة بن مصعب (3) " رأيت ابا عبد الله (عليه السلام) بمنى يمشي ويركب فحدثت نفسي ان اسأله إذا دخلت عليه فابتدأني هو بالحديث فقال: إن علي بن الحسين عليه السلام كان يخرج من منزله ماشيا إذا اراد رمي الجمار، ومنزلي اليوم انفس من منزله فاركب حتى آتي منزله، فإذا انتهيت إلى منزله مشيت حتى ارمي الجمرة " وقال علي بن مهزيار (4) " رأيت ابا جعفر عليه السلام يمشي بعد يوم النحر حتى يرمي الجمرة ثم ينصرف راكبا، وكنت اراه راكبا بعد ما يحاذي


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 9 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 - 2 - 4 وفي الثالث " وكنت اراه ماشيا ". (1) المستدرك الباب 8 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1

[ 111 ]

المسجد بمنى " وفي مرسل الحسن بن صالح (1) " نزل أبو جعفر عليه السلام فوق المسجد بمنى قليلا عن دابته حتى توجه لرمي الجمرة عند مضرب علي بن الحسين (عليهما السلام) فقلت له جعلت فداك لم تنزل هاهنا فقال: إن هذا مضرب علي بن الحسين (عليهما السلام) ومضرب بني هاشم، وإنما أحب أن امشي في منازل بني هاشم ". ولا يخفى عليك دلالة النصوص المزبورة على المشي إلى الجمار أيضا. مضافا إلى الرمي راجلا، لكن عن المبسوط والسرائر أن الركوب أفضل، لان النبي صلى الله عليه وآله رماها راكبا (2) وفي المدارك لم أقف على رواية تتضمن ذلك من طريق الاصحاب لكن في كشف اللثام يعنيان في حجة الوداع التي بين فيها المناسك للناس وقال (3): " خذوا عني مناسككم " فلولا الاجماع على جواز المشي وكثرة المشاة إذ ذاك بين يديه صلى الله عليه وآله لوجب الركوب، وفي مرسل محمد بن الحسين (4) عن أحدهما (عليهما السلام) في رمي الجمار " ان رسول الله صلى الله عليه وآله رمى الجمار راكبا على راحلته " وفي صحيح أحمد بن عيسى (5) " انه رأى أبا جعفر الثاني عليه السلام رمى الجمار راكبا " وفي صحيح ابن نجران (6) " انه رأى أبا الحسن الثاني عليه السلام


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 5 (2) و (4) الوسائل الباب 8 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 2. (4) تيسير الوصول ج 1 ص 312. (5) الوسائل الباب 8 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 عن أحمد بن محمد بن عيسى (6) الوسائل الباب 8 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 3 عن ابن أبي نجران

[ 112 ]

رمى الجمار وهو راكب حتى رماها كلها " ولعله لذا مال بعض متأخري المتأخرين إلى التساوي بينهما، وفيه أن حمل ما دل على الركوب على بيان الجواز أولى باعتبار ان الرمي راجلا أوفق بالخضوع والخشوع وكونه أحمز، والله العالم. (و) منها أنه (في جمرة العقبة) حال الرمي (يستقبلها) بان يكون مقابلا لها، وهو معنى " رميها من قبل وجهها " (و) حينئذ فيلزمه أن (يستدبر القبلة) كما صرح به غير واحد، بل عن المنتهى نسبته إلى اكثر أهل العلم، بل لعله لا خلاف فيه وإن حكى في المختلف بعد نسبته إلى المشهور عن علي بن بابويه انه يقف في وسط الوادي مستقبل القبلة، ويدعو والحصى في يده اليسرى ويرميها من قبل وجهها لا من أعلاها، ونحو منه ما عن المقنعة والهداية لكن في الدروس هو موافق للمشهور إلا في موقف الدعاء، وهو كذلك لانهما إنما ذكرا استقبال القبلة عند الدعاء، بل قد عرفت أن الرمي من قبل وجهها بمعنى الاستقبال المتضمن لاستدبار القبلة كما عن المنتهى، وحينئذ فهما كغيرهما، نعم في كشف اللثام أنه روي استقبال القبلة عند الرمي في بعض الكتب عن الرضا عليه السلام، وفيه أنه ان كان المراد الفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام فلفظه المحكي عنه في الحدائق " وارم جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، وتقف في وسط الوادي مستقبل القبلة يكون بينك وبين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشرة خطوة وتقول وأنت مستقبل القبلة والحصى في كفك اليسرى: اللهم هذه حصياتي فاحصهن عندك، وارفعهن في عملي، ثم تتناول منها واحدة وترمي من قبل


(1) ذكر صدره في المستدرك في الباب 1 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 4 وذيله في الباب 3 منها الحديث 1

[ 113 ]

وجهها، ولا ترمها من أعلاها، وتكبر مع كل حصاة " وهو نحو ما سمعته من الصدوقين. وعلى كل حال فيدل عليه ما عن الشيخ (1) من أن النبي صلى الله عليه وآله رماها مستقبلا لها مستدبر الكعبة، بل عن بعض أنه ورد الخبر باستدبار القبلة في الرمي يوم النحر واستقبالها في غيره، وهو دال على الامرين، مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في الاول في حسن معاوية (2) " فارمها من قبل وجهها ولا ترمها من أعلاها " بناء على كون المراد منه ما سمعت، واحتمال كون المراد بالرمي من الوجه أنه لا يرميها عاليا عليها إذ ليس لها وجه خاص يتحقق به الاستقبال يدفعه ملاحظة كلامهم، ضرورة كون المستفاد منه مسألتين الاولى استقبالها واستدبار القبلة، والثانية الرمي من قبل وجهها لا عاليا عليها، ولعل الصحيح المزبور يدل على الامرين. هذا كله في جمرة العقبة (و) اما (في غيرها) ف‍ (يستقبلها ويستقبل القبلة) كما عن الشيخ وبني حمزة وإدريس وسعيد والقاضي ولم نقف له على رواية بالخصوص عدا ما سمعته من المرسل، نعم هو أفضل الهيئات خصوصا في العبادات وعند الذكر والدعاء، ولذا حكي عن الشيخ أنه قال: جميع أفعال الحج يستحب أن يكون مستقبل القبلة من الموقف بالموقفين ورمي الجمار إلا رمي جمرة العقبة يوم النحر، بل عن ظاهر المهذب استحباب استقبال القبلة في رميها ايضا وإن كان فيه ما عرفت، والظاهر عدم تنافي ما في خبر البزنطي السابق (3)


(1) المبسوط كتاب الحج فصل النزول بمنى (2) الوسائل الباب 3 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 1

[ 114 ]

" واجعلهن عن يمينك " وصحيح اسماعيل بن همام (1) " تجعل كل جمرة عن يمينك " لما سمعت من الاستدبار في جمرة العقبة والاستقبال في غيرها، والله العالم. (وأما الثاني وهو الذبح فيشتمل على أطراف): (الاول في الهدي، وهو واجب على المتمتع) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل في المنتهى إجماع المسلمين عليه، وهو الحجة بعد الكتاب (2) " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " والمعتبرة المستفيضة، منها قول أبي جعفر عليه السلام في صحيح زرارة (3) المتضمن صفة التمتع إلى أن قال: " وعليه الهدي، فقلت: وما الهدي ؟ قال: أفضله بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة " ومنها قول الصادق عليه السلام في خبر سعيد الاعرج (4) " من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة، وإن تمتع في غير أشهر الحج ثم تجاوز مكة حتى يحضر الحج فليس عليه دم، إنما هي حجة مفردة " وخبر اسحاق بن عبد الله (5) قال: " سألت أبا الحسن عليه السلام عن المعتمر المقيم عليه مجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى ؟ فقال: يتمتع أحب الي، وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين، فإذا اقتصر على عمرته في رجب لم يكن متمتعا، وان لم يكن متمتعا لا يجب عليه الهدي " إلى غير ذلك من النصوص الدالة


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب رمي جمرة العقبة الحديث 5 (2) سورة البقرة الآية 192 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب أقسام الحج الحديث 3 (4) الوسائل الباب 10 من ابواب أقسام الحج الحديث 1 مع الاختلاف والصحيح ما في الوسائل. (5) الوسائل الباب 4 من ابواب أقسام الحج الحديث 20 إلا انه لم يذكر ذيل الحديث وذكر تمامه في التهذيب ج 5 ص 200 الرقم 664

[ 115 ]

منطوقا ومفهوما على الوجوب على المتمتع. بل (و) على انه (لا يجب على غيره سواء كان مفترضا أو متنفلا) بلا خلاف أجده إلا ما يحكى عن سلار من عد سياق الهدي للمقرن في أقسام الواجب ويمكن أن يريد ما عن الغنية والكافي من وجوبه بعد الاشعار أو التقليد، أو يريد الدخول في حقيقته، فإذا وجب القران بنذر أو شبهه وجب السياق، فلا خلاف حينئذ، وصحيح العيص بن القاسم (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل اعتمر في رجب فقال إن اقام بمكة حتى يخرج منها حاجا فقد وجب عليه الهدي وإن خرج من مكة حتى يحرم من غيرها فليس عليه هدي " محمول على ضرب من الندب، أو على من بقى في مكة ثم تمتع بالعمرة إلى الحج، أو على التقية من أبي حنيفة وأتباعه، وعلى ما قيل من أن هذا الهدي جبران إن كان عليه أن يحرم من خارج وجوبا أو استحبابا فأحرم من مكة، فان خرج حتى يحرم من موضعه فليس عليه هدي، بل ربما كان ما في الدروس من أن فيه دقيقة إشارة إليه، قال فيها: " وفي صحيح العيص يجب على من اعتمر في رجب وأقام بمكة وخرج منها حاجا لا على من خرج فأحرم من غيرها وفيه دقيقة " بل في الحدائق نسبة ذلك إلى غير هذه الرواية من الاخبار إلا اني لم أتحققها. (و) على كل حال ف‍ (- لو تمتع المكي وجب عليه الهدي) ايضا على المشهور شهرة عظيمة، بل لم يحك الخلاف فيه إلا عن الشيخ في المبسوط جزما والخلاف احتمالا بناء على رجوع اسم الاشارة في قوله تعالى (2): " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " إلى الهدي لا إلى التمتع، لانه كقوله:


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الذبح الحديث 2 (2) سورة البقرة الآية 192

[ 116 ]

" من دخل داري فله درهم، ذلك لمن لم يكن عاصيا " في الرجوع إلى الجزاء دون الشرط، ووافقه عليه ايضا سابقا في المكي ومن في حكمه إذا عدل إلى التمتع، وفي الدروس احتمال وجوبه على المكي إن كان لغير حج الاسلام، ولعله لاختصاص الآية به، وفيه بعد التسليم عدم انحصار الدليل فيها. وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور، إذ هو مع أنه اجتهاد، ويمكن منعه عليه في نفسه باعتبار أولوية الرجوع إلى الابعد في الاشارة بذلك مدفوع بتعيين النصوص كصحيح زرارة (1) المشتمل على سؤاله لابي جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل: " ذلك لمن " إلى آخره فقال: يعني " أهل مكة ليس عليهم متعة " وقول الصادق عليه السلام في خبر سعيد الاعرج (2): " ليس لاهل شرف ولا لاهل مر ولا لاهل مكة متعة، يقول الله تعالى: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " فعموم الادلة وإطلاقها حينئذ كتابا وسنة بحاله مؤيدا بالاحتياط. (ولو كان المتمتع مملوكا باذن مولاه كان مولاه بالخيار بين أن يهدي عنه أو يأمره بالصوم) بلا خلاف محقق معتد به أجده فيه عندنا، بل في ظاهر المنتهى والتذكرة الاجماع عليه، بل في صريح المدارك ذلك لصحيح جميل (1) " سأل رجل أبا عبد الله عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع قال: فمره فليصم، وإن شئت فاذبح عنه " وصحيح سعيد بن أبي خلف (4) " سألت أبا الحسن عليه السلام قلت: أمرت مملوكي أن يتمتع قال: إن شئت فاذبح عنه، وإن شئت فمره


(1) و (2) الوسائل الباب 6 من ابواب أقسام الحج الحديث 3 - 6 (3) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 والثاني عن سعيد بن ابي خلف

[ 117 ]

فليصم " والى ذلك يرجع ما في صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " سئله عن المتمتع كم يجزيه ؟ قال: شاة، وسأله عن المتمتع المملوك قال: عليه مثل ما على الحر، إما ضحية وإما صوم " بعد حمله على إرادة المماثلة في كمية ما يجب عليه وإن اختلفت الكيفية. وعلى كل حال فلا يتعين الذبح عنه على المولى، للاصل والاجماع المحكي عن التذكره المعتضد بنفي علم الخلاف فيه إلا في قول الشافعي عن المنتهى، وبخبر الحسن العطار (2) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل أمر مملوكه يتمتع بالعمرة إلى الحج أعليه أن يذبح عنه ؟ فقال: لا إن الله عزوجل يقول: عبدا مملوكا لا يقدر على شئ (3) " وهو نص في خلاف المحكي عن الشافعي من تعيين الذبح على المولى، لاذنه له في التمتع الموجب لذلك، لان الاذن في الشئ إذن في لازمه، والفرض اعتبار العبد، إذ هو مع أنه اجتهاد يمكن دفعه بأن مقتضى ذلك تعين الصوم عليه، كما هو المحكي عن بعض العامة لا الذبح عنه، واحتمال صيرورته مؤسرا بتمليك المولى إياه ذلك واضح الفساد بعد أن عرفت أن العبد لا يملك مطلقا عندنا، نعم قد سمعت النص والاجماع على مشروعية الذبح عنه، وبذلك كله يظهر لك أنه ينبغي حمل خبر علي بن أبي حمزة (4) سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع ثم أهل بالحج يوم التروية ولم أذبح عنه فله أن يصوم بعد النفر، فقال: ذهبت الايام التي قال الله تعالى ألا كنت أمرته


(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 1 من ابواب الذبح الحديث 1 وذيله في الباب 2 منها الحديث 5 (2) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب الذبح الحديث 3 - 4 (3) سورة النحل الآية 77

[ 118 ]

أن يفرد الحج، قلت: طلبت الخير فقال: كما طلبت الخير فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة، وكان ذلك يوم النفر الاخير " على ضرب من الندب كما عن نهاية الشيخ وغيرها، وإن حكي عنه العمل بمضمونه في كتابي الاخبار، ولو امتنع المولى عن الذبح وجب على المملوك الصوم، ولا ولاية للمولى على منعه منه، فانه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، والله العالم. (ولو أدرك المملوك) المتمتع (أحد الموقفين معتقا لزمه الهدى مع القدرة ومع التعذر الصوم) بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في محكي المنتهى بل ولا إشكال لانه بالادراك المزبور يكون حجه حج اسلام، فيساوي غيره من الاحرار في وجوب الهدي عليه مع القدرة ومع التعذر فالصوم، بل في القواعد فان اعتق قبل الصوم تعين عليه الهدي أي مع التمكن، وظاهره ذلك وإن كان بعد إتمام الحج، ولعله لارتفاع المانع وتحقق الشرط، ودعوى اختصاص الآية بحج الاسلام قد عرفت ما فيها. (والنية شرط في الذبح) كما في غيره من الافعال، فيجب مقارنتها لاول جزء منه واستدامتها إلى آخره، ولكن التحقيق انها الداعي، وانه لا يجب فيها أزيد من نية القربة والتعيين مع فرض الحاجة إليه، وإن كان الاحوط مع ذلك ذكر الوجه وغيره مما سمعته سابقا، كما انك سمعت ايضا الاجتزاء بالاتيان بعنوان الجزئية للحج الذي سبق تعينه عند إحرامه، والله العالم. (ويجوز أن يتولاها عنه الذابح) النائب عنه في الذبح ونيته بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل عن بعض الاجماع عليه، بل في كشف اللثام الاتفاق على توليه لها مع غيبة المنوب عنه، لانه الفاعل، فعليه نيته، فلا يجزي حينئذ نية المنوب عنه وحدها، لان النية إنما تعتبر من المباشر، بل لا معنى لها إن نوى الذبح أو النحر، فالجواز بمعناه الاعم، أو التعبير به لان

[ 119 ]

النيابة جائزة، نعم إن جعلت يده مع يده نويا كما في الدروس لانهما مباشران، وفي الدروس وتجب النية في الذبح، وتجزي الاستنابة في ذبحه، ويستحب جعل يده مع يده فينويان، ومباشرته أفضل إن أحسن، ويستحب للنائب ذكر المنوب لفظا ويجب نيته، قلت: قد سمعت ما في خبر ابي بصير (1) المتضمن للرخصة للنساء والصبيان في الافاضة من المشعر بالليل، وان يرموا الجمار فيها، وان يصلوا الغداة في منازلهم، فان خفن الحيض وكلن من يضحي عنهن، وخبر علي بن ابي حمزة (2) عن احدهما (عليهما السلام) " اي امرأة أو رجل خائف افاض من المشعر ليلا فلا بأس، فليرم الجمرة ثم ليمض وليأمر من يذبح عنه " الحديث وخبر ابي بصير (3) عن ابي عبد الله عليه السلام " رخص رسول الله صلى الله عليه وآله للنساء والضعفاء ان يفيضوا من جمع بليل، وان يرموا الجمرة بليل، فإذا اراد ان يزوروا البيت وكلوا من يذبح عنهم " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على جواز التوكيل الظاهر في الذبح ونيته، بل الظاهر مشروعيته في حال الحضور ايضا كالتوكيل في الزكاة والخمس، فينوي النائب حينئذ، نعم قد يقال لو كان التوكيل في الفعل نفسه خاصة نوى الاصل حينئذ، ولا يقدح كونه غير مباشر بعد مشروعية التوكيل في الفعل الذي صار به بمنزلة فعله، فينوي القربة فيه، ولعل المراد بالجواز في المتن والقواعد الاشارة إلى ذلك، والاولى مع حضوره جمع النيتين منهما، وهو سهل بعد كون النية الداعي. ولو غلط الوكيل في تسمية الموكل لم يقدح تقديما لنيته على الغلط اللساني وهو المراد من خبر علي بن جعفر (4) عن اخيه عليه السلام المروي في التهذيب وغيره


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 3 - 4 - 6. (4) الوسائل الباب 29 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 120 ]

" سألته عن التضحية يخطئ الذي يذبحها فيسمي غير صاحبها أتجزي عن صاحب الضحية ؟ فقال: نعم، إنما له ما نوى " فان الاسم لا مدخلية له، ولذا لو نساه اجزء ايضا، كما في خبر عبد الله بن جعفر الحميري (1) المروي عن الاحتجاج عن صاحب الزمان (روحي له الفداء) " كتب إليه يسأله عن رجل اشترى هديا لرجل غائب، وسأله ان ينحر عنه هديا بمنى فلما اراد نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي ثم ذكر بعد ذلك أيجزي عن الرجل ام لا ؟ الجواب لا بأس بذلك، وقد اجزء عن صاحبه " والله العالم. (ويجب ذبحه بمنى) عند علمائنا في محكي المنتهى والتذكرة وعندنا في كشف اللثام، وهذا الحكم مقطوع في كلام الاصحاب في المدارك، وقال الصادق عليه السلام في خبر ابراهيم الكرخي (2) " في رجل قدم بهديه مكة في العشر، فقال: إن كان هديا واجبا فلا ينحره إلا بمنى، وإن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء وإن كان قد اشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم الاضحى " وقال ايضا في خبر عبد الاعلى (3)، " لا هدي إلا من الابل، ولا ذبح إلا بمنى " بل ربما استشعر من قول النبي (4) " منى كلها منحر " تخصيصها بالحكم من حيث تخصيصها بالذكر، بل ربما استدل بقول الصادق عليه السلام ايضا في صحيح منصور (5) " في


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب الذبح الحديث 2 وهو خبر محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري. (2) و (3) الوسائل الباب 4 من ابواب الذبح الحديث 1 - 6 (4) المستدرك الباب 35 من ابواب كفارات الصيد الحديث 3 (5) الوسائل الباب 28 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 121 ]

الرجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره: إن كان نحره بمنى فقد اجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه، وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه " بناء على اولوية عدم الاجزاء مع الاختيار من حال الاضطرار، لكن فيه انه مبني على اجزاء التبرع، وإلا كان مطرحا. وكيف كان فما عن العامة من جوازه في اي مكان من الحرم، بل جوازه في الحل إذا فرق لحمه في الحرم واضح الفساد، وما في صحيح عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) " في رجل نسي ان يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة فذبح قال: لا بأس قد اجزء عنه " مع انه صريح في الذبح بغير منى، وإن اشكله الشهيد بأنه في غير محل الذبح محمول على غير الهدي الواجب، كحسن معاوية بن عمار (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) إن اهل مكة انكروا عليك انك ذبحت هديك في منزلك بمكة فقال: إن مكة كلها منحر " والله العالم. (ولا يجزي واحد في) الهدي (الواجب إلا عن واحد) ولو حال الضرورة عند المشهور، بل عن ضحايا الخلاف الاجماع عليه للاصل المستفاد من تعدد الخطاب الموافق لقوله تعالى (3): " فمن لم يجد فصيام " إلى آخره، ضرورة صدق عدم وجدان الهدي مع الاضطرار، فان التمكن من جزء منه ليس تمكنا منه بعد أن كان المنساق منه الحيوان التام، والامر بما استيسر إنما هو


(1) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 5 (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الذبح الحديث 2 (3) سورة البقرة الآية 192

[ 122 ]

لارادة بيان النعم الثلاثة لا اجزاء الحيوان الواحد، ولصحيح الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النفر تجزيهم البقرة قال: أما في الهدي فلا، وأما في الاضحى فنعم " وصحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " لا تجوز البدنة والبقرة إلا عن واحد بمنى " وخبر الحلبي (3) عن الصادق عليه السلام " تجزي البقرة والبدنة في الامصار عن سبعة، ولا تجزي بمنى إلا عن واحد " بناء على إرادة الكناية بذلك عن الهدي الواجب والمندوب أي الاضحية، لا الحج المندوب تمتعا، لان الهدي فيه واجب أيضا بعد وجوبه بالتلبس به. (و) لكن مع ذلك (قيل يجزي مع الضرورة عن خمسة وعن سبعة إذا كانوا أهل خوان واحد) إلا انا لم نعرف القائل بذلك، نعم في محكي المبسوط " ولا يجوز في الهدي الواجب إلا واحد عن واحد مع الاختيار سواء كان بدنا أو بقرا، ويجوز عند الضرورة عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين. وكلما قلوا كان أفضل، وان اشتركوا عند الضرورة أجزأت عنهم، سواء كانوا متفقين في النسك أو مختلفين ولا يجوز أن يريد بعضهم اللحم، وإذا أرادوا ذبحه أسندوه إلى واحد منهم ينوب عن الجماعة، ويسلم مشاعا اللحم إلى المساكين " ونحو منه النهاية، وكذا الاقتصاد والجمل والعقود، ولم يقتصر فيهما على البدنة والبقرة، ولا اشترط أن لا يريد بعضهم اللحم أي اجتماعهم على التقرب بالهدي، وفي كشف اللثام وهو خيرة القاضي والمختلف والمنتهى ومحتمل التذكرة، والموجود في المختلف أن الاقرب الاجزاء عند الضرورة عن الكثير دون الاختيار " وفي المقنعة " وتجزي البقرة عن خمسة إذا كانوا أهل بيت، ولا يجوز في الهدي الواجب


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من ابواب الذبح الحديث 3 - 1 - 4

[ 123 ]

البقرة والبدنة مع التمكن إلا عن واحد، وإنما تجوز عن خمسة وسبعة وسبعين عند الضرورة وعدم التمكن، وإن كان كلما قل المشتركون فيه والحال ما وصفناه كان أفضل " وعن الهداية " وتجزي البقرة عن خمسة نفر إذا كانوا من أهل بيت وروي أنها تجزي عن سبعة، والجزور يجزى عن عشرة متفرقين، والكبش يجزي عن الرجل وعن أهل بيته، وإذا عزت الاضاحي أجزأت شاة عن سبعين " وفي المراسم " تجزي بقرة عن خمسة نفر " واطلق فلم يقيد بالضرورة ولا بالاجتماع على خوان واحد، نعم عن بعض نسخها زيادة " والابل تجزي عن سبعة وعن سبعين نفرا " وفي المحكي من حج الخلاف " يجوز اشتراك سبعة في بدنة واحدة أو بقرة واحدة إذا كانوا متقربين وكانوا أهل خوان واحد سواء كانوا متمتعين أو قارنين أو مفردين، أو بعضهم مفردا وبعضهم قارنا أو متمتعا أو بعضهم مفترضين أو متطوعين، ولا يجوز أن يريد بعضهم اللحم، وبه قال أبو حنيفة إلا انه لم يعتبر اهل خوان واحد، وقال الشافعي: مثل ذلك إلا انه أجاز ان يكون بعضهم يريد اللحم، وقال مالك: لا يجوز الاشتراك إلا في موضع واحد، وهو إذا كانوا متطوعين، وقد روى ذلك اصحابنا ايضا، وهو الاحوط، وعلى الاول خبر جابر (1) قال: " كنا نتمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ونشترك السبعة في البقرة أو البدنة " وما رواه اصحابنا اكثر من انه يحصى، وعلى الثاني ما رواه اصحابنا، وطريقة الاحتياط تقتضيه ". والجميع كما ترى ليس في شئ منها ما يوافق القول المزبور مع اختلافها كاختلاف النصوص، ففي خبر معاوية بن عمار (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " تجزي


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 234 (2) الوسائل الباب 18 من ابواب الذبح الحديث 5

[ 124 ]

البقرة عن خمسة بمنى ان كانوا اهل خوان واحد " وخبر ابي بصير (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " البدنة والبقرة تجزي عن سبعة إذا اجتمعوا من أهل بيت واحد ومن غيرهم " وخبر اسماعيل بن أبي زياد (2) عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليهم السلام) " البقرة الجذعة تجزي عن ثلاثة من اهل بيت واحد، والمسنة تجزي عن سبعة نفر متفرقين، والجزور تجزى عن عشرة متفرقين " وفي خبر حمران (3) قال: " عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مائة دينار، فسئل أبو جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: اشتركوا فيها، قال: قلت: وكم ؟ قال: ما خف فهو افضل، فقال: قلت: عن كم تجزي ؟ فقال عن سبعين " وفي خبر الحسين بن خالد (4) المروي عن العلل والعيون سئل الرضا عليه السلام " عن كم تجزي البدنة ؟ فقال: عن نفس واحدة، قال: فالبقرة قال: تجزي عن خمسة قال: لان البدنة لم يكن فيها من العلة ما كان في البقرة، ان الذين امروا قوم موسى بعبادة العجل كانوا خمسة، وكانوا أهل بيت يأكلون علي خوان واحد وهم الذين ذبحوا البقرة ". إلا انها اجمع كما ترى لا تصريح في شئ منها بالهدي الواجب، فيمكن حملها على الاضحية المندوبة كخبر سوادة (5) قال: " كنا جماعة بمنى فعزت الاضاحي بمنى فنظرنا فإذا أبو عبد الله عليه السلام واقف على قطيع يساوم بغنم،


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 18 من ابواب الذبح الحديث 6 - 7 - 11 - 18 (5) ذكر صدره في الوسائل في الباب 19 من ابواب الذبح الحديث 1 واسقط قطعة منه وذكر ذيله في الباب 18 منها الحديث 12 وذكر تمامه في الاستبصار ج 2 ص 267 الرقم 947

[ 125 ]

ويماكسه مكاسا شديدا فوقفنا ننظر فلما فرغ اقبل علينا وقال: أظنكم قد تعجبتم من مكاسي فقلنا نعم، فقال إن المغبون لا محمود ولا مأجور ألكم حاجة ؟ قلنا نعم اصلحك الله ان الاضاحي قد عزت علينا، قال: فاجتمعوا فاشتروا جزورا فانحروها فيما بينكم، قلنا فلا تبلغ نفقتنا ذلك، قال: فاجتمعوا فاشتروا شاة واذبحوها فيما بينكم، قلنا: تجزي عن سبعة قال: نعم وعن سبعين " وخبره الآخر مع علي بن اسباط (1) عنه عليه السلام ايضا قالا: " قلنا له: جعلنا فداك عزت الاضاحي علينا بمكة فيجزي اثنين ان يشتركا في شاة فقال: نعم وعن سبعين " وخبر علي بن الريان بن الصلت (2) عن ابي الحسن الثالث عليه السلام قال: " كتبت إليه اسأله عن الجاموس عن كم يجزي في الضحية فجاء الجواب ان كان ذكرا فعن واحد، وان كان انثى فعن سبعة " وخبر يونس بن يعقوب (3) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن البقرة يضحى بها فقال: تجزي عن سبعة " نعم في خبر زيد بن جهم (4) " قلت لابي عبد الله عليه السلام متمتع لم يجد هديا فقال: اما كان معه درهم يأتي به قومه فيقول: اشركوني بهذا الدرهم " وصحيح ابن الحجاج (5) " سألت ابا ابراهيم عليه السلام عن قوم غلت عليهم الاضاحي وهم متمتعون وهم متوافقون ليسوا باهل بيت واحد وقد اجتمعوا في مسيرهم، ومضربهم واحد، ألهم ان يذبحوا بقرة ؟ فقال: لا أحب ذلك إلا من ضرورة " والاول مع وهن سنده بجهالة حفص وزيد، ولا جابر له يمكن حمله على ضرب من الندب بدفع شئ للشركة مع من يضحي وإن كان تكليفه الصوم، والثاني لا تصريح فيه بالهدي، فيمكن الاشتراك في الاضحية المندوبة وإن كانوا متمتعين، خصوصا


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 18 من ابواب الذبح الحديث 9 - 8 - 19 - 13 - 10 والاول عن ابي الحسن الرضا عليه السلام

[ 126 ]

بعد ظهوره في جواز ذلك اختيارا مع عدم القائل به أو ندرته، فالتحقيق حينئذ عدم الاجزاء في الهدي الواجب مطلقا. (و) حينئذ ف‍ (الاول اشبه و) ان كان الاحوط مع الضرورة الاشتراك مع الصوم، نعم (يجوز ذلك في المندوب) أي الاضحية والمبعوث من الآفاق والمتبرع بسياقه مع عدم تعينه بالاشعار والتقليد، لما سمعته من النصوص السابقة، بل عن المنتهى الاجماع على إجزاء الهدي في التطوع عن سبعة نفر سواء كان من الابل أو البقر أو الغنم، بل في التذكرة " اما في التطوع فيجزي الواحد عن سبعة وعن سبعين حال الاختيار سواء كان من الابل أو البقر أو الغنم إجماعا " بل الظاهر إرادة المثال من السبعين في النصوص في الشاة فضلا عن غيرها من غير فرق في ذلك بين كونهم أهل خوان واحد أو لا، وبين كونهم من اهل بيت واحد أو لا، ففي مرسل ابن سنان (1) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يذبح يوم الاضحى كبشين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لم يجد من أمته " وما في بعض النصوص من التقييد ببعض ذلك محمول على ضرب من الندب، والله العالم (ولا يجب بيع ثياب التجمل في الهدي، بل يقتصر على الصوم) مع عدم وجدانه غيرها بلا خلاف اجده فيه، بل في المدارك وغيرها انه مقطوع به في كلام الاصحاب، لفحوى استثنائها في دين المخلوق الذي هو أهم في نظر الشارع من دين الخالق، ولصدق عدم الوجدان عليه الذي هو عنوان الصوم، وانتفاء صدق الاستيسار الذي هو عنوان وجوب الذبح، ولمرسل علي بن اسباط (2) المنجبر بما عرفت عن الرضا عليه السلام سئل " عن رجل يتمتع بالعمرة إلى الحج


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) الوسائل الباب 57 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 127 ]

وفي عيبته ثياب أله ان يبيع من ثيابه شيئا ويشتري بدنة ؟ قال: لا، هذا يتزين به المؤمن، يصوم ولا يأخذ من ثيابه شيئا " بل وصحيح البزنطي (1) " سألت ابا الحسن عليه السلام عن المتمتع يكون له فضول من الكسوة بعد الذي يحتاج إليه فتسوي تلك الفضول مائة درهم، هل يكون ممن يجب عليه ؟ فقال له بد من كراء ونفقة، فقال: له كراء وما يحتاج إليه بعد هذا الفضل من الكسوة، فقال: وأى شئ كسوة بمائة درهم، هذا ممن قال الله: فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم " وإن كان يحتمل غير ذلك، لكن ما عرفته أولا كاف، بل الظاهر استثناء كل ما يستثنى في الدين، ولو باعها واشترى ففي الدروس أجزء، ونوقش بأنه غير آت بالمأمور به وليس هو كمن وهب فقبل ونحوه ممن يصدق عليه أنه تيسر له الهدي بعد قبوله، بخلاف الفرض خصوصا بعد ظهور المرسل في عدم كون ذلك له، اللهم إلا أن يكون المراد منه عدم الوجوب لا النهي، ولعل الاجزاء لا يخلو من قوة، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه ولو بالجمع، والله العالم. (ولو ضل الهدي فذبحه غير صاحبه) ناويا به صاحبه (لم يجز عنه) كما في النافع بل في المسالك انه المشهور وان كان لم نجده لغير المصنف في الكتابين، بل في كشف اللثام قصر الحكاية على الثاني منهما، بل هو في الكتاب في هدي القران صرح بما عليه المشهور كما ستسمع، فينحصر الخلاف حينئذ في النافع وإن كان ما حضرنا من نسخته هنا وما شرحه ثاني الشهيدين وسبطه نحو ما في النافع، وعلى كل حال فلا دليل له إلا الاصل المقطوع بما في صحيح منصور بن حازم (2) " في رجل


(1) الوسائل الباب 57 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) الوسائل الباب 28 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 128 ]

ضل هديه فيجده رجل آخر فينحره فقال: إن كان نحره في منى فقد اجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه، وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه " ومن هنا كان المشهور على ما في كشف اللثام الاجزاء عنه ان ذبحه بمنى، بل ظاهر الصحيح المزبور إطلاق الاجزاء عن صاحبه مع الذبح بمنى، إلا انه لا قائل به على الظاهر، ولعله لانسياق ذلك منه، مضافا إلى ما تسمعه من صحيح ابن مسلم (1) فحينئذ إن لم ينوه عن صاحبه لم يجز عن احد منهما كما عن المنتهى والتحرير التصريح به، قال: واما عن الذابح فلانه منهي عنه، واما عن صاحبه فلعدم النية " وفي الرياض " هو حسن لولا إطلاق النص بالاجزاء عن صاحبه " ولكن ظاهرهم الاطباق على المنع هنا، ولعلهم حملوا اطلاق النص على الاصل في فعل المسلم من الصحة، فلا يتصور فيه الذبح بغير النية عن صاحبه " قلت: لا يخفى عليك في هذا الاصل هنا سيما بعد عموم جواز الالتقاط، ولذا قال في كشف اللثام: " لا يجزي عنه وان نواه عن نفسه إلا ان يجده في الحل فيتملكه بشرائطه، وحينئذ فهو صاحبه " قلت: بل لو وجده في الحرم بناء على جواز أخذ الضالة، نعم لو قلنا بخروج الهدي عن حكم الضالة ولو للنص المزبور اتجه عدم الاجزاء حينئذ عنه للنهي، ولكن فيه نظر لاطلاق الادلة بل عمومها، فلاحظ وتأمل. وكيف كان فقد سمعت ما عن المشهور المبني على عدم تملك الواجد، لكن عن الفاضل في المنتهى انه ينبغي لواجد الهدي الضال ان يعرفه ثلاثة ايام، فان عرفه صاحبه وإلا ذبحه عنه، لصحيح محمد بن مسلم (2) عن احدهما (عليهما السلام) " إذا وجد الرجل هديا ضالا فليعرفه يوم النحر واليوم الثاني واليوم الثالث ثم يذبحه عن صاحبه عشية يوم الثالث " الحديث، ولكن ظاهر


(1) و (2) الوسائل الباب 28 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 129 ]

الصحيح المزبور وجوب التعريف كما هو المحكي عن ظاهر الشيخ في النهاية، بل في كشف اللثام الظاهر الوجوب للامر بلا معارض، وللتحرز عن النيابة بلا ضرورة ولا استنابة خصوصا عن غير معين، وعن إطلاق الذبح عما في الذمة إطلاقا محتملا للوجوب والندب، وللهدي وغيره، وللتمتع وغيره، وحج الاسلام وغيره، ولذا لم يجتز به المحقق في النافع، قلت: أما عدم اجتزاء المصنف فهو كالاجتهاد في مقابل النص نحو ما سمعته من التعليل، فالعمدة ظاهر الامر الذي لا ريب في قصوره عن معارضة الصحيح الاول مع فرض إرادة اعتبار ذلك في الاجزاء، وإلا كان واجبا تعبدا معارضا بالاصل وغيره، بل ظاهر الفاضل الذي ذكره الندب، كما أن ظاهر الشيخ التعبير بما في الخبر، فالاقوى الندب، وخصوصا بعد الذبح، وإن قال في المدارك: " ولو قلنا بجواز الذبح قبل التعريف لم يبعد وجوبه بعده ليعلم المالك فيترك الذبح ثانيا " إلا انه كما ترى، خصوصا مع القول بالاجزاء عن صاحبها بمجرد الضياع كما في مرسل محمد بن عيسى (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل اشترى شاة لمتعة فسرقت منه أو هلكت فقال: إن كان اوثقها في رحل فضاعت فقد اجزأت عنه " وخبر علي (2) عن عبد صالح عليه السلام قال: " إذا اشتريت أضحيتك وصارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله " ويقرب من ذلك ما في صحيح معاوية (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى أضحية فماتت أو سرقت قبل ان يذبحها قال: لا بأس، وان ابدلها فهو أفضل، وان لم يشتر فليس عليه شئ " ومرسل ابراهيم بن


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب الذبح الحديث 2 عن احمد بن محمد بن عيسى في كتابه عن غير واحد من اصحابنا. (2) و (3) الوسائل الباب 30 من ابواب الذبح الحديث 1 4

[ 130 ]

عبد الله (1) قال: " اشترى لي ابي شاة بمنى فسرقت فقال لي ابي ائت ابا عبد الله عليه السلام فاسأله عن ذلك فاتيته فاخبرته فقال ما ضحي بمنى شاة أفضل من شاتك " وان كانا هما في غير الضال، مع احتمال إرادة ما يشمله من الهلاك في الاول نحو خبر ابى بصير (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى كبشا فهلك منه قال: يشتري مكانه آخر، قلت: فان اشترى مكانه آخر ثم وجد الاول قال: إن كانا جميعين قائمين فليذبح الاول وليبع الاخير وان شاء ذبحه، وان كان قد ذبح الاخير ذبح الاول معه " المحمول على الندب، لحصول الاجزاء بذبح الاخير نعم لو فرض تعين ذبحه بنذر ونحوه وجب حينئذ، ومنه الاشعار الذي قد صرح بالوجوب معه في محكي التذكرة والمنتهى والتحرير، بل عن المختلف انه حكاه عن الشيخ ايضا، ولكن هو قرب الاستحباب للامتثال، وهو مناف لصحيح الحلبي (3) سأل الصادق عليه السلام " عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها ويقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر ويجد هديه، فقال عليه السلام: ان لم يكن قد اشعرها فهو من ماله، ان شاء نحرها وان شاء باعها، وان كان أشعرها نحرها " هذا، وفي المدارك " انه متى جاز ذبحه فالظاهر وجوب الصدقة به والاهداء ويسقط وجوب الاكل قطعا، لتعلقه بالمالك " ونحوه في المسالك، وقد يناقش في وجوب الاولين أيضا بظهور دليلهما في المالك واطلاق الامر هنا بالذبح الظاهر في الاجزاء، ولو ان الواجد معامل معاملة المالك لوجب الاكل عليه ايضا، ولكن مع ذلك والاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) و (3) الوسائل الباب 32 من ابواب الذبح الحديث 2 - 1

[ 131 ]

(ولا يجوز اخراج شئ مما ذبحه) في منى من الهدي الواجب (عن منى، بل يخرج) من رحله مثلا (إلى مصرفه بها) وفاقا للمشهور على ما في الذخيرة، بل في المدارك هذا مذهب الاصحاب لا أعلم فيه مخالفا، واستدل عليه في التهذيب بصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن اللحم أيخرج به من الحرم ؟ فقال: لا يخرج منه شئ إلا السنام بعد ثلاثة ايام " وصحيح معاوية (2) قال أبو عبد الله عليه السلام: " لا تخرجن شيئا من لحم الهدي " وخبر علي بن ابي حمزة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) " لا يتزود الحاج من أضحيته، وله ان يأكل بمنى أيامها، قال: وهذه مسألة شهاب كتب إليه فيها " ولكن لا يخفى عليك عدم دلالة الاول على المطلوب بل والثاني مع فرض كون المراد به ما في الاول من عدم الخروج من الحرم، وكذا الثالث، ضرورة النهي فيه عن التزود لا الصدقة بها مثلا في خارج منى، ولعله لذا كان المحكي عن الفقيه والمقنع والجامع والمنتهى والتذكرة والتحرير التعبير بما يوافق الصحيح الاول، ومنه يعلم ما في النسبة المزبورة، نعم عن الصدوق وابن سعيد استثناء السنام كما في الخبر، بل عن الاخير زيادة الجلد لما تسمعه إن شاء الله من النصوص (4) بل عن المنتهى تخصيص الحكم هنا باللحم، لكن في المسالك لا فرق في ذلك بين اللحم والجلد وغيرهما من الاطراف والامعاء، بل تجب الصدقة بجميع ذلك، لفعل النبي (صلى الله عليه وآله) (5) وناقشه في المدارك بأنه لا يقتضي الوجوب، وفيه ان ذلك مقتضى دليل التأسي بناء على شموله لغير معلوم الوجه من


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 42 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 - 3 (4) و (5) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 0 - 3

[ 132 ]

الفعل، مضافا إلى قوله (صلى الله عليه وآله) (1): " خذوا عني مناسككم " ثم قال في المدارك: نعم يمكن الاستدلال عليه بصحيح معاوية (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاهاب فقال: تصدق به أو تجعله مصلى تنتفع به في البيت، ولا تعطي الجزارين، وقال نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعطى جلالها وجلودها وقلائدها الجزارين، وأمر أن يتصدق بها " وصحيح علي بن جعفر (3) عن اخيه عليه السلام " سألته عن جلود الاضاحي هل يصلح لمن ضحى بها أن يجعلها جرابا ؟ قال: لا يصلح ان يجعلها جرابا إلا ان يتصدق بثمنها " لكن فيه انه لا دلالة في شئ منهما على عدم جواز الاخراج من منى كما هو واضح، بل الاخير منهما في الاضاحي التي يمكن القول بجواز إخراج لحومها اختيارا وان كره كما عن الفاضلين وغيرهما التصريح به، كالمحكي عن صريح آخرين من الجواز معها في جلود الهدي ايضا، ولعله للصحيح أو الموثق (4) " عن الهدي أيخرج شئ منه عن الحرم ؟ فقال: بالجلد والسنام والشئ ينتفع به، قلت: إنه بلغنا عن ابيك انه قال: لا يخرج من الهدي المضمون شيئا، قال: بل يخرج بالشئ ينتفع به " وزاد فيه احمد " ولا يخرج شئ من اللحم من الحرم " نحو ما سمعته في صحيح ابن مسلم السابق. وبذلك كله ظهر لك أن المتجه العمل بما في صحيح ابن مسلم، وان كان الاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا بعد إطلاق النهي عن الخروج في صحيح معاوية الذي لا تعارض بينه وبين صحيح ابن مسلم في ذلك، وخصوصا بعدما


(1) تيسير الوصول ج 1 ص 312 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 5 - 4 - 6

[ 133 ]

سمعته من النسبة إلى الاصحاب في المدارك والى الشهرة في غيرها، نعم ينبغي القطع بالجواز إذا لم يكن مصرف له إلا في خارجها كما صرح به في المسالك مستثنيا له من إطلاق المنع ونحوه، كما انه ينبغي القطع بالجواز إذا كان قد اشتراه مثلا من المسكين، لانسياق دليل المنع إلى غيره، فيبقى الاصل حينئذ بلا معارض كما جزم به في التهذيب جامعا به بين ما سمعته من النصوص وبين صحيح ابن مسلم أو حسنه (1) عن ابي عبد الله عليه السلام سألته عن إخراج لحوم الاضاحي من منى فقال: كنا نقول: لا يخرج شئ لحاجة الناس إليه، فأما اليوم فقد كثر الناس فلا بأس باخراجه " وان كان فيه أنه غير مناف لما ذكرنا، بل هو مؤيد له على أنه في الاضاحي دون الهدي الواجب الذي هو محل البحث، والله العالم. (ويجب ذبحه) أي الهدي (يوم النحر) بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به بعضهم، بل في المدارك أنه قول علمائنا واكثر العامة للتأسي، لكن المسلم منه كونه بمعنى عدم جواز تقديمه على يوم النحر الذي يمكن تحصيل الاجماع عليه كما ادعاه بعضهم، أما عدم جواز تأخيره عنه فهو وإن كان مقتضى العبارة لكن ستعرف القائل بالجواز صريحا وظاهرا، بل قد يشكل الدليل عليه، فانهم لم يذكروا له إلا التأسي الذي يمكن الاشكال فيه بعد تسليم وجوبه في غير معلوم الوجه بأنه لم يعلم كون ذبحه في ذلك اليوم نسكا، ضرورة احتياج الذبح إلى وقت، وان كان هو خلاف ظاهر الحال. وأن يكون (مقدما على الحلق) بناء على وجوب الترتيب الذي ستسمع الكلام فيه عند تعرض المصنف (رحمه الله) له (و) لكن (لو أخره) عنه (أثم) بناء على الوجوب (وأجزأ، وكذا لو ذبحه في بقية ذي الحجة


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب الذبح الحديث 5

[ 134 ]

جاز) اي أجزأ بلا خلاف اجده فيه، بل في كشف اللثام قطع به الاصحاب من غير فرق بين الجاهل والعالم والعامد والناسي، ولا بين المختار والمضطر، بل عن النهاية والغنية والسرائر الجواز، بل عن الثاني الاجماع عليه، لكن يمكن إرادة الجميع الاجزاء منه كما في المتن، نعم عن المصباح ومختصره " ان الهدي الواجب يجوز ذبحه ونحره طول ذي الحجة، ويوم النحر افضل " بل عن ظاهر المهذب ما يوهم جواز تأخيره عن ذي الحجة، ولعله لا يريده، لامكان تحصيل الاجماع كما ادعاه بعض على خلافه، وعن المبسوط التصريح بأنه بعد ايام التشريق قضاء، وعن ابن إدريس انه أداء. وعلى كل حال فدليل الاجزاء بعد اطلاق الآية (1) حسن حريز (2) عن الصادق عليه السلام " فيمن يجد الثمن ولا يجد الغنم قال: يخلف الثمن عند بعض اهل مكة ويأمر من يشتري له ويذبح عنه، وهو يجزي عنه، فان مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجة " إلا انه لا يشمل تمام المدعى، كصحيح معاوية بن عمار (3) عنه عليه السلام ايضا " في رجل نسي ان يذبح بمنى حتى زار البيت فاشترى بمكة ثم ذبح قال: لا بأس قد أجزأ عنه " كما انه لا دلالة في صحيح علي بن جعفر (4) سأل اخاه عليه السلام " عن الاضحى كم هو بمنى ؟ قال: اربعة ايام " ونحوه موثق عمار (5) على كونه قضاء بعد ايام التشريق، لجواز كون الغرض عدم الصوم، كما في صحيح ابن حازم أو موثقه (6) عن الصادق عليه السلام " النحر بمنى


(1) سورة البقرة الآية 192 (2) الوسائل الباب 44 من ابواب الذبح الحديث 1 (3) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 5 (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 6 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 - 5

[ 135 ]

ثلاثة ايام، فمن اراد الصوم لم يصم حتى تمضي الثلاثة الايام، والنحر بالامصار يوم فمن اراد ان يصوم صام من الغد " بل في موثق ابي بصير (1) سأل احدهما (عليهما السلام) " عن رجل تمتع فلم يجد ان يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم ؟ قال: بل يصوم، فان ايام الذبح قد مضت " وان كان احتمل فيه إرادة يوم النفر من مكة وقد كان بعد ذي الحجة، بل عن الشيخ حمله على من صام ثلاثة ايام فمضي ايامه بمعنى مضي زمان اسقطه عنه للصوم فيه، والكلام في امر القضاء والاداء بعد عدم وجوب نيتهما عندنا سهل. انما الكلام في اصل الوجوب يوم النحر الذي قد عرفت عدم ذكر دليل له إلا التأسي الذي قد سمعت الاشكال فيه، نعم قد يستفاد وجوبه من بعض النصوص (2) التي مرت في الرخصة للنساء والخائف ونحوه المشتمل على الامر لهن بالتوكيل في الذبح عنهن إن خفن الحيض، وفي آخر (3) " فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن " ولكن ما سمعته من الامر (4) لواجد الهدي بالذبح في عشية اليوم الثالث بل وغيره يقضي بأن ايام النحر في منى الاربعة، فيمكن القول بوجوب فعله فيها بل يمكن إرادة ما يشملها من يوم النحر المراد به الجنس وحينئذ فان اخر عنهن مختارا اثم، وان كان هو يجزي في جميع ذي الحجة ايضا كالمعذور، والله العالم والهادي. الطرف (الثاني في صفاته، والواجبات) منها (ثلاثة): (الاول الجنس، ويجب ان يكون من النعم: الابل والبقر والغنم)


(1) الوسائل الباب 44 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) و (3) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (4) الوسائل الباب 28 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 136 ]

بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما يحكى عن المفسرين في قوله تعالى (1): " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام " من أنها الثلاثة المزبورة، والى صحيح زرارة (2) عن ابي جعفر عليه السلام " في المتمتع قال: وعليه الهدي، قلت: وما الهدي ؟ فقال: أفضله بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة " وغيره من النصوص، وكونه المعهود والمأثور من فعل النبي صلى الله عليه وآله والائمة (عليهم السلام) والصحابة والتابعين، بل هو كالضروري بين المسلمين، قيل: ولذا كان إذا نذر أن يهدي عبده أو جاريته أو دابته لزمه بيعه وصرف ثمنه في مصالح البيت بعد تعذر إرادة الهدي منه حقيقة، لان الفرض اختصاصه بغير ذلك، وفيه أنه لا يدل على حصره في الثلاثة، وكيف كان فأقله واحد من المزبورات، ولا حد لاكثره، فقد نحر النبي صلى الله عليه وآله (3) ستا وستين بدنة وعلي عليه السلام تمام المائة. (الثاني السن، فلا يجزي من الابل إلا الثني، وهو الذي له خمس ودخل في السادسة، و) كذا (من البقر والمعز) وهو (ما له سنة ودخل في الثانية ويجزي من الضأن الجذع) بلا خلاف أجده فيه في الحكم، والتفسير للاول الذي هو المعروف عند اهل اللغة ايضا بل على الحكم في الثلاثة الاجماع صريحا في كلام بعض وظاهرا في كلام آخر، مضافا إلى صحيح العيص (4) عن ابي عبد الله عن امير المؤمنين (عليهما السلام) " انه كان يقول: يجزي الثني من الابل، والثنية


(1) سورة الحج الآية 35 (2) و (3) الوسائل الباب 10 من ابواب الذبح الحديث 5 - 4 (4) الوسائل الباب 11 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 137 ]

من البقر، والثنية من المعز، والجذعة من الضأن " بناء على ظهوره في أن ذلك اقل المجزي، والى قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (1): " يجزي من الضأن الجذع، ولا يجزي من المعز إلا الثني " وفي حسن معاوية بن عمار (2) " يجزي في المتعة الجذع من الضأن، ولا يجزي جذع من المعز " وفي خبر ابي بصير (3) " يصلح الجذع من الضأن، وأما الماعز فلا يصلح " وسأله عليه السلام حماد بن عثمان (4) " عن أدنى ما يجزي من أسنان الغنم في الهدي فقال: الجذع من الضأن، قلت: فالمعز قال: لا يجوز الجذع من المعز، قلت: ولم ؟ قال: لان الجذع من الضأن يلقح، والجذع من المعز لا يلقح " وفي خبر سلمة بن ابي حفص (5) عنه عليه السلام ايضا " كان علي عليه السلام إلى أن قال: وكان يقول: يجزي من البدن الثني، ومن المعز الثني، ومن الضأن الجذع " وفي دعائم الاسلام (6) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: " الذي يجزي في الهدي والضحايا من الابل الثني، ومن البقر المسن، ومن المعز الثني، ويجزي من الضأن الجذع، ولا يجزي الجذع من غير الضأن، وذلك لان الجذع من الضأن يلقح، ولا يلقح الجذع من غيره ". وأما تفسير الثني في البقر والغنم بما عرفت فهو المشهور في كلام الاصحاب كما اعترف به غير واحد، بل في كشف اللثام نسبته إلى قطعهم، قال: وروي (7)


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 11 من ابواب الذبح الحديث 2 - 6 - 8 - 4 (5) الوسائل الباب 11 من ابواب الذبح الحديث 9 عن سلمة ابي حفص وهو الصحيح كما في الكافي ج 4 ص 490 (6) و (7) المستدرك الباب 9 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2

[ 138 ]

في بعض الكتب عن الرضا عليه السلام، إلا أن المعروف في اللغة هو ما دخل في الثالثة فان فيها تسقط ثنيتهما على ما قيل، بل عن زكاة المبسوط وأما المسنة يعني من البقر فقالوا ايضا هي التي تم لها سنتان، وهو الثني في اللغة، فينبغي أن يعمل عليه، وروي (1) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: المسنة هي الثنية فصاعدا، وفي كشف اللثام وكذا في زكاة السرائر والمهذب والمنتهى والتحرير أنها الداخلة في الثانية وانها الثنية، وقد سمعت ما في خبر الدعائم من التعبير بالمسن. وعلى كل حال فلا ريب في أنه احوط بناء على أن المراد الثني فما فوقه، كما عن المبسوط والاقتصاد والمصباح ومختصره والجمل والعقود والسرائر في الابل وعن المهذب في البقر، قال الحلبي (2) في الحسن: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الابل والبقر أيهما افضل أن يضحى بها ؟ قال: ذوات الارحام، وسألته عن أسنانها فقال: أما البقر فلا يضرك بأي أسنانها ضحيت، وأما الابل فلا يصلح إلا الثني فما فوق " واشتماله على ما لا يقول به أحد من إجزاء أي اسنان البقر غير قادح في المطلوب، مع احتمال عدم قول البقر لما قبل الثني منها، وانما يقال له العجل، لكن قال الصادق عليه السلام في خبر محمد بن حمران (3) " أسنان البقر تبيعها ومسنها في الذبح سواء " ولعله في غير الفرض. وأما الجذع من الضأن فلا خلاف اجده في إجزائه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص، وهو على ما عن العين والمحيط والديوان والغريبين قبل الثني بسنة، وعن الصحاح والمجمل والمغرب المعجم وفقه اللغة للثعالبي وأدب الكاتب والمفصل والسامي والخلاص أنه الداخل في السنة الثانية، وفي كشف


(1) المبسوط كتاب الزكاة فصل زكاة البقر (2) و (3) الوسائل الباب 11 من ابواب الذبح الحديث 5 - 7

[ 139 ]

اللثام والمعنى واحد، وكأنه المراد بما في المقائيس من أنه ما اتى له سنتان، وفيه أن الظاهر منه تمام السنتين لا الدخول في الثانية، كما أنه عليه يتحد حينئذ مع الثني من المعز بناء على أنه الداخل في الثالثة نحو اتحاده معه على الاول بناء على أنه الداخل في الثانية، مع أن الظاهر من النص والفتوى بل صريحهما الفرق، وأن الجذع من الضأن اصغر في السن من الثني. بل عن كتب الصدوق والشيخين وسلار وابني حمزة وسعيد والفاضل نحو قول المصنف: (لسنته) وفي كشف اللثام ومعناه ما في الغنية والمهذب والاشارة أنه الذي لم يدخل في الثانية، وفي السرائر والدروس وزكاة التحرير انه الذي له سبعة اشهر، وفي التذكرة والتحرير والمنتهى هنا انه الذي له ستة اشهر، ولم نجد ما يشهد لشئ من ذلك، فان كان عرف يرجع إليه وإلا كان الاحوط مراعاة تمام السنة وعن ابن الاعرابي " الاجذاع وقت وليس بسن، والجذع من الغنم لسنة، ومن الخيل لسنتين، ومن الابل لاربع سنين قال: والضأن يجذع لسنة، وربما اجذعت الضأن قبل تمام السنة للخصب، فتسمن فيسرع إجذاعها، فهي جذعة لسنة، وثنية لتمام سنتين " وعن ابراهيم الحربي " انه كان يقول في الجذع من الضأن إذا كان ابن شابين اجذع لستة اشهر " إلى سبعة اشهر، وإذا كان ابن هرمين اجذع لثمانية اشهر إلى عشرة اشهر " وعن ابي حاتم عن الاصمعي " الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية اشهر أو تسعة " إلى غير ذلك من كلماتهم التي لا شاهد لشئ منها، فالتحقيق ما عرفت، والله العالم. (الثالث ان يكون تاما، فلا تجزي العوراء ولا العرجاء البين عرجها) ولا المريضة البين مرضها ولا الكبيرة التي لا تنقى بلا خلاف اجده فيه، بل في المدارك الاجماع عليه في الاولين، وفي صحيح علي بن جعفر (1) سأل اخاه عليه السلام


(1) الوسائل الباب 21 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 140 ]

" عن الرجل يشتري الاضحية عوراء فلا يعلم إلا بعد شرائها هل يجزي عنه ؟ قال: نعم إلا ان يكون هديا واجبا، فانه لا يجوز ان يكون ناقصا " بل في المنتهى " قد وقع الاتفاق من العلماء على اعتبار هذه الصفات الاربع في المنع، وروى البراء بن عازب (1) قال: " قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله خطيبا فقال: اربع لا تجوز في الاضحى: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكبيرة التي لا تنقى " ثم قال ومعنى البين عورها التي انخسفت عينها وذهبت، فان ذلك ينقصها، لان شحمة العين عضو يستطاب أكله، والعرجاء البين عرجها التي عرجها متفاحش يمنعها السير مع الغنم ومشاركتهن في العلف والرعي فتهزل، والتي لا مخ لها لهزالها، لان النقي بالنون المكسورة والقاف الساكنة المخ، والمريضة قيل هي الجرباء، لان الجرب يفسد اللحم، والاقرب اعتبار كل مرض يؤثر في هزالها وفي فساد لحمها ثم قال: فرع العوراء لو لم تنخسف عينها وكان على عينها بياض ظاهر فالوجه المنع من الاجزاء، لعموم الخبر، والانخساف ليس معتبرا آخر (2) كما وقع الاتفاق على الصفات الاربع المتقدمة، فكذا وقع على ما فيه نقص اكثر من هذه العيوب بطريق التنبيه، كالعمى لا يجزي، لان العمى أكثر من العور، ولا يعتبر مع العمى انخساف العين إجماعا، لانه يخل بالسعي مع النعم والمشاركة في العلف اكثر من إخلال العرج " ونحوه عن التذكرة إلا فيما جعله الوجه فيه فانه ذكره احتمالا، وكذا عن التحرير، وظاهر ما فيهما التردد، ولعله


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 242 وفيه " الكسيرة التي لا تنقى " (2) أي فرع (منه رحمه الله)

[ 141 ]

من إطلاق الصحيح السابق، ومن التقييد بالبين في النبوي المتقدم، وخبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) " قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يضحى بالعرجاء بين عرجها، ولا بالعوراء بين عورها، ولا بالعجفاء ولا بالخرقاء ولا بالجذعاء ولا بالعضباء " وإن كان في خبر آخر له (2) إبدال العوراء بالجرباء، نعم لا دليل على اعتبار الانخساف في البين عورها كما سمعته من المنتهى في أول كلامه الذي ينافيه ما جعله الاقرب في آخره، اللهم إلا أن يريد بالاول الفرد المتيقن من البين، بل لا يبعد الاكتقاء بمطلق العور في عدم الاجزاء لاطلاق الصحيح السابق المعتضد باطلاق المصنف وغيره من الاصحاب كما اعترف به في المدارك وان حكي عن الغنية التقييد به، إلا ان غيره أطلق إطلاقا كالصريح في عدم اعتباره بقرينة ذكرهم له في العرج دونه، نعم لا بأس بالتقييد به في العرج وإن أطلق المصنف في النافع، بل عن بعض المتأخرين التصريح بذلك، لاطلاق الصحيح المزبور، إلا انه يمكن تقييده بالنبويين المزبورين المنجبرين بكلام الاصحاب هنا، وباصالة عدم الاجزاء، نعم ينبغي الرجوع فيه إلى العرف لا خصوص ما سمعته من المنتهى، والله العالم. (ولا) يجزي ايضا (التي انكسر قرنها الداخل) وهو الابيض الذي في وسط الخارج، أما الخارج فلا عبرة به (ولا المقطوعة الاذن) بلا خلاف أجده في ذلك، لما سمعته من الصحيح (3) وغيره، وفي صحيح جميل (4) عن ابي عبد الله عليه السلام " أنه قال في المقطوع القرن والمكسور القرن إذا كان القرن


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 21 من ابواب الذبح الحديث 3 - 5 - 1. (4) الوسائل الباب 22 من ابواب الذبح الحديث 3

[ 142 ]

الداخل صحيحا فلا بأس وان كان القرن الظاهر الخارج مقطوعا " ونحوه الصحيح (1) الآخر ايضا " في الاضحية يكسر قرنها، إذا كان القرن الداخل صحيحا فهو يجزي " وفي المنتهى " قال علماؤنا: إن كان القرن الداخل صحيحا فلا بأس بالتضحية به وان كان ما ظهر منه مقطوعا، وبه قال علي عليه السلام (2) وعمار، على ان ذلك لا يؤثر في اللحم فاجزأ كالجماء، والنبوي المروي (3) من طرق العامة " انه نهى أن يضحى باعضب الاذن والقرن " مع انه غير ثابت محمول على المكسور من داخل، نعم الظاهر تحقق النقص بذهاب بعض القرن الداخل " لكن عن ابن بابويه أنه قال: سمعت شيخنا محمد بن حسن الصفار يقول: " إذا ذهب من القرن الداخل ثلثه وبقي ثلثاه فلا بأس أن يضحى به " ولعله يريد المندوب لا الواجب وان حكاه عنه في الدروس في الهدي لكن الموجود عن الفقيه ما سمعت، وفي نهج البلاغة (4) عن امير المؤمنين عليه السلام " فإذا سلمت الاذن والعين سلمت الاضحية ولو كانت عضباء تجر رجلها إلى المنسك " وأرسل في الفقيه (5) عنه عليه السلام " وان كانت عضباء القرن أو تجر رجلها إلى المنسك فلا تجزي " فان صح الاول فمع اختصاصه بالاضحية التي أصلها الندب يحتمل عروض ذلك بعد السوق، كما في نحو صحيح معاوية (6) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل أهدى هديا وهو سمين فأصابه مرض وانفقأت عينها فانكسر


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) و (4) الوسائل الباب 21 من ابواب الذبح الحديث 6 (3) كنز العمال ج 3 ص 45 الرقم 857 (5) الوسائل الباب 13 من ابواب الذبح الحديث 8 (6) الوسائل الباب 26 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 143 ]

فبلغ المنحر وهو حي قال: يذبحه وقد أجزأ عنه " وهو ايضا مختص بالهدي المندوب للاخبار كصحيحه (1) ايضا " سأله عليه السلام عن رجل أهدى هديا فانكسرت فقال عليه السلام ان كانت مضمونة فعليه مكانها، والمضمون ما كان نذرا أو جزاء أو يمينا، وله أن يأكل منها، وإن لم يكن مضمونا فليس عليه شئ " كل ذلك لما سمعته من اعتبار التمام في الهدي الواجب نصا وفتوى على وجه لا يصلح لمعارضة ما عرفت من وجوه، فالواجب حمله على ما سمعت. كما ان الظاهر عدم الفرق بين قطع بعض الاذن أو جميعها، لاطلاق الادلة السابقة، بل في المنتهى " العضباء وهي التي ذهب نصف اذنها أو قرنها لا تجزي إلى أن قال: وكذا لا يجزي عندنا قطع ثلث اذنها " وظاهره المفروغية من ذلك عندنا، مضافا إلى ما سمعته من النصوص المتقدمة. نعم لا بأس بمشقوقة الاذن ومثقوبتها على وجه لا ينقص منها شئ بلا خلاف أجده، لاطلاق الادلة، وخصوص مرسل ابن ابي نصر (2) عن أحدهما (عليهما السلام) سئل " عن الاضاحي إذا كانت مشقوقة الاذن أو مثقوبة بسمة فقال: ما لم يكن منها مقطوعا فلا بأس " وفي حسن الحلبي (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الضحية تكون مشقوقة الاذن فقال: ان كان شقها وسما فلا بأس، وان كان شقا فلا يصلح " ولعل المراد من الشق فيه بقرينة الصحيح السابق المشتمل على قطع شئ منها، فلا تنافي، وفي مرسل سلمة ابي حفص (4) عن ابي جعفر عليه السلام " كان علي عليه السلام يكره التشريم في الاذن والخرم، ولا يرى


(1) الوسائل الباب 25 من ابواب الذبح الحديث 2 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 23 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 - 3 والثالث عن سلمة ابي حفص عن ابي عبد الله عن ابيه (عليهما السلام)

[ 144 ]

به بأسا إذا كان ثقب في موضع المواسم " لكن في خبر شريح بن هاني (1) عن امير المؤمنين عليه السلام " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله في الاضاحي ان نستشرف العين والاذن، ونهانا عن الخرقاء والشرماء والمقابلة والمدابرة " وقد سمعت سابقا ما في خبر السكوني (2) عن النبي صلى الله عليه وآله من النهي عن الخرقاء، وعن الصدوق في معاني الاخبار " الخرقاء أن يكون في الاذن ثقب مستدير، والشرماء والمشقوقة الاذن باثنين (3) حتى ينفذ إلى الطرف، والمقابلة ان يقطع من مقدم أذنها شئ ثم يترك ذلك معلقا لا يبين كأنه زنمه، ويقال لمثل ذلك من الابل المزنم، ويسمى ذلك المعلق الرغل، والمدابرة ان يفعل مثل ذلك بمؤخر اذن الشاة " وفي كشف اللثام " هو موافق لكتب اللغة، قلت: ولكن المتجه الحمل على الكراهة جمعا، هذا. وفي المدارك قد قطع الاصحاب باجزاء الجماء، وهي التي لم يخلق لها قرن والصمعاء، وهي الفاقدة الاذن خلفة، للاصل، ولان فقد هذه الاعضاء لا يوجب نقصا في قيمة الشاة ولا في لحمها، واستقرب العلامة في المنتهى اجزاء البتراء ايضا، وهي مقطوعة الذنب، ولا بأس به، وعنه ايضا فيه وفي التحرير القطع باجزاء الجماء، وعن الخلاف والجامع والدروس كراهتها، قيل وذلك لاستحباب الاقرن لنحو قول أحدهما (عليهما السلام) لمحمد بن مسلم (4) في الصحيح: " في الاضحية أقرن فحل " قلت: ان كان اجماع على اجزاء المزبورات فذاك، وإلا فقد يمنع


(1) و (2) الوسائل الباب 21 من ابواب الذبح الحديث 2 - 5 (3) هكذا في النسخة المخطوطة المبيضة وظاهر المسودة " باينة ". (4) الوسائل الباب 13 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 145 ]

لانه مناف لاطلاق عدم جواز كون الهدي ناقصا في الصحيح المزبور الشامل للجماء والبتراء والصمعاء ولو خلقة، ضرورة كون المراد النقص بالنسبة إلى غالب النوع لا خصوص الشخص، وعدم النقصان في القيمة واللحم لا يمنع صدق النقص الذي ينقطع به الاصل المزبور، مع أنه قد يمنع عدم النقص في القيمة، ولعله لذا نسب إجزاء البتراء في الدروس إلى قول مشعرا بتمريضه، بل ينبغي القطع بفساده في البتراء إذا كان المراد ما يشمل مقطوعة الذنب، ضرورة صدق النقص عليه، ولعله لذا قطع به في الروضة مدرجا له إدراج غيره، قال في شرح اعتبار التمامية: " فلا يجزي الاعور ولو ببياض على عينه، والاعرج والاجرب ومكسور القرن الداخل، ومقطوع شئ من الاذن والخصي والابتر وساقط الاسنان لكبر وغيره، والمريض " وعن المنتهى والتذكرة والتحرير " أن الاقرب اجزاء الصمعاء " ومقتضاه احتمال عدم الاجزاء لما عرفت كما صرح به في كشف اللثام، قال: وكرهها الشهيد، ولعله لقول امير المؤمنين عليه السلام المروي عنه في الفقيه ونهج البلاغة (1) في خطبة له: " من تمام الاضحية استشراف اذنها وسلامة عينها " فان الاستشراف هو الطول إلا انه في الاضحية دون الهدي الواجب، وبالجملة الظاهر اتحاد حكم البتراء مع الصمعاء والجماء إن اريد البتر خلقة، وإن اريد بها مقطوعة الذنب كما هو ظاهر عبارة المنتهى السابقة فالمتجه عدم إجزائها، بل قد يقال بعدم اجزائها ولو خلقة وإن قلنا باجزاء الجماء والصمعاء باعتبار غلبة تعارف الصفتين المزبورتين بخلافها، فتعد البتراء ناقصة دون الجماء والصمعاء ومع ذلك كله فالاحتياط لا ينبغي تركه في الجميع. (و) كذا (لا) يجزي مسلول الخصية المسمى ب‍ (الخصي من الفحول) كما صرح به غير واحد، بل هو المشهور، بل عن ظاهر التذكرة


(1) الوسائل الباب 21 من ابواب الذبح الحديث 6

[ 146 ]

والمنتهى الاجماع عليه لنقصانه، وخصوص صحيح ابن مسلم (1) سأل أحدهما (عليهما السلام) " أيضحى بالخصي ؟ فقال: لا " وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج (2) سأل الكاظم عليه السلام " عن الرجل يشتري الهدي فلما ذبحه إذا هو خصي مجبوب ولم يكن يعلم أن الخصي المجبوب لا يجوز في الهدي هل يجزيه أم يعيد ؟ قال: لا يجزيه إلا أن يكون لا قوة له عليه ". بل لعل مشلول البيضتين كالخصي كما عن الفاضل في المنتهى والتذكرة والتحرير للنقصان. نعم قد يقال بمرجوحية الموجوء بالنسبة إلى غيره، وهو مرضوض عروق الخصيتين حتى تفسد، لحسن معاوية (3) " اشتر فحلا سمينا للمتعة، فان لم تجد فموجوء، فان لم تجد فمن فحولة المعز، فان لم تجد فنعجة، فان لم تجد فما استيسر من الهدي " بل عن السرائر انه غير مجز وإن كان قبل ذلك باسطر قال فيها إنه لا بأس به، وانه أفضل من الشاة، كما عن النهاية والمبسوط أي النعجة كما قال الصادق عليه السلام لابي بصير (4) " المرضوض أحب إلي من النعجة وان كان خصيا فالنعجة " وقال أحدهما (عليهما السلام) لابن مسلم (5) في الصحيح: " الفحل من الضأن خير من الموجوء، والموجوء خير من النعجة، والنعجة خير من المعز " وذلك مؤيد لما قلناه من المرجوحية، بل عن الحسن الكراهة في الخصي المجبوب الذي قد عرفت الحال فيه، ويمكن حمل كلامه على الاضحية المندوبة، كقول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (6): " الكبش السمين خير


(1) و (2) و (3) و (6) الوسائل الباب 12 من ابواب الذبح الحديث 1 - 3 - 7 - 5 (4) و (5) الوسائل الباب 14 من ابواب الذبح الحديث 3 - 1

[ 147 ]

من الخصي ومن الانثى " وعن النهاية والمبسوط والمهذب والوسيلة اجزاؤه في الهدي إذا تعذر غيره، وتبعهم على ذلك بعض المتأخرين ومتأخريهم، ولعله لاطلاق الآية (1) وما سمعته من النصوص، وخصوص صحيح عبد الرحمان (2) المتقدم، وفي المدارك اختاره حاكيا له عن الدروس مستدلا عليه بحسن معاوية السابق المشتمل على الموجوء الذي هو غير الخصي. فالاولى الاستدلال عليه بصحيح عبد الرحمان السابق، وبخبر ابي بصير (3) عن ابي عبد الله عليه السلام " قلت فالخصي يضحى به قال: لا إلا أن لا يكون غيره " إلا أن الاول منهما قد اشترط عدم قوة المكلف على غيره، والثاني عدم وجود غيره، وهما مختلفان، ولا يبعد حمل خبر أبي بصير على الاضحية المندوبة، خصوصا بعد قصوره عن المقاومة من وجوه، منها إطلاق الاصحاب عدم إجزائه كما اعترف في الحدائق حتى قال: لم أقف على من قيد إلا على الشيخ في النهاية وتبعه الشهيد في الدروس وبعض من تأخر عنه، وبذلك يظهر ضعف القول المزبور، وأولى منه بذلك ما عن الغنية والاصباح والجامع من تقييد النهي عنه وعن كل ناقص بالاختيار، لعموم الآية المخصص بما سمعته من إطلاق عدم إجزاء الناقص نصا وفتوى الذي يمكن أن لا يكون من الهدي شرعا، فيتجه حينئذ الانتقال إلى البدل، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين البدل وبينه، والله العالم. (و) كذا (لا) يجزي (المهزولة) بلا خلاف أجده فيه، للاصل


(1) سورة البقرة الآية 192 (2) و (3) الوسائل الباب 12 من ابواب الذبح الحديث 3 - 8

[ 148 ]

وصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " سئل عن الاضحية فقال: أقرن فحل سمين عظيم الانف والاذن إلى أن قال إن اشترى اضحية وهو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة لم تجز عنه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يضحي بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في سواد، وينظر في سواد، فإذا لم يجدوا من ذلك شيئا فالله أولى بالعذر " وصحيح العيص بن القاسم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الهرم الذي وقعت ثناياه انه لا بأس به في الاضاحي، وإن اشتريت مهزولا فوجدته سمينا اجزأك، وان اشتريته مهزولا فوجدته مهزولا فلا يجزي " وحسن الحلبي (3) عنه عليه السلام ايضا " إذا اشترى الرجل البدن مهزولة فوجدها سمينة فقد أجزأت عنه، فان اشتراها مهزولة فوجدها مهزولة فانه لا تجزي عنه " بناء على أن المراد بالاضحية في هذه النصوص الهدي ولو بقرينة ذكر الاجزاء وعدمه، وخبر منصور (4) عنه عليه السلام ايضا " وإن اشترى الرجل هديا وهو يرى أنه سمين أجزأ عنه وان لم يجده سمينا، وإن اشترى هديا وهو يرى أنه مهزول فوجده سمينا أجزأ عنه، وإن اشتراه وهو يعلم أنه مهزول لم يجز عنه " وخبر السكوني (5) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " صدقة رغيف خير من نسك مهزول ". (و) المراد بالمهزول (هي التي ليس على كليتها شحم) كما في القواعد


(1) ذكر صدره وذيله في الوسائل في الباب 13 من ابواب الذبح الحديث 2 ووسطه في الباب 16 منها الحديث 1 واسقط عنه ما يضر بالمعنى في الجواهر فراجع (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 16 من ابواب الذبح الحديث 6 - 5 - 2 - 4

[ 149 ]

والنافع ومحكي المبسوط والنهاية والمهذب والسرائر والجامع، لخبر الفضل (1) قال: " حججت بأهلي سنة فعزت الاضاحي فانطلقت فاشتريت شاتين بغلاء، فلما القيت إهابهما ندمت ندامة شديدة لما رأيت بهما من الهزال، فاتيته فاخبرته بذلك، فقال: إن كان على كليتهما شئ من الشحم فقد أجزأت " وهو وإن كان غير نقي السند ومضمرا ومن هنا أعرض عنه بعض متأخري المتأخرين، واحال الامر إلى العرف إلا أنه موافق للاعتبار، كما في كشف اللثام وعمل به من عرفت، فلا بأس بالعمل به. (و) كيف كان فقد ظهر لك من النصوص السابقة أنه (لو اشتراها على أنها مهزولة فبانت كذلك لم تجزه) بلا خلاف أجده فيه بل (و) لا إشكال، نعم (لو خرجت سمينة اجزأته) في المشهور للنصوص السابقة، خلافا للعماني فلم يجتز به للنهي عنه المنافي لنية التقرب به حال الذبح، وهو كالاجتهاد في مقابلة النص المعتبر المقتضي صحة التقرب به وإن كان مشكوك الحال أو مظنون الهزال رجاء لاحتمال العدم: (وكذا) تجزي (لو اشتراها على انها سمينة فخرجت مهزولة) بعد الذبح، لما سمعته من النص (2) السابق المعتضد بالعمل، وبقول امير المؤمنين عليه السلام في مرسل الصدوق (3): " إذا اشترى الرجل البدنة عجفاء فلا تجزي عنه، فان اشتراها سمينة فوجدها عجفاء أجزأت عنه، وفي هدي التمتع مثل ذلك " وبانتفاء العسر والحرج وصدق الامتثال، نعم لو ظهر الهزال قبل الذبح لم يجز،


(1) و (3) الوسائل الباب 16 من ابواب الذبح الحديث 3 - 8 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الذبح الحديث 1 و 2

[ 150 ]

لاطلاق عدم الاجزاء (1) في الخبر السابق السالم عن المعارض بعد انسياق ما بعد الذبح من الوجدان نصا وفتوى فيها وفي المسألة السابقة المنظومة معها في مسلك واحد، فما عن بعضهم من القول بالاجزاء ضعيف. (ولو اشتراها على انها تامة فبانت ناقصة لم تجز) كما عن الاكثر سواء كان بعد الذبح أو قبله، نقد الثمن أو لم ينقده، لاطلاق عدم الاجتزاء بالناقص الذي هو محسوس، فهو مفرط فيه على كل حال، لكن في التهذيب ان كان نقد الثمن ثم ظهر النقصان أجزأ، ولعله لقول الصادق عليه السلام في صحيح عمران الحلبي (2): " من اشترى هديا ولم يعلم به عيبا حتى ينقد ثمنه ثم علم به فقد تم " وحمل حسن معاوية (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " في رجل اشترى هديا وكان به عيب عور أو غيره فقال: إن كان نقد ثمنه فقد أجزأ عنه وإن لم يكن نقد ثمنه رده واشترى غيره " على من نقد الثمن بعد ظهور العيب، ونفي عنه البأس في المدارك، واحتمل في محكي الاستبصار أن يكون هذا في الهدي الواجب، وذاك في المندوب، والاجزاء إذا لم يقدر على استرجاع الثمن، ولا يخفى عليك ما في الجميع بعد إعراض الاكثر حتى الشيخ في غير الكتاب المزبور. نعم في الدروس اجزاء الخصي إذا تعذر غيره أو ظهر خصيا بعد ما لم يكن يعلم، وقد عرفت البحث في الاول، واما الثاني فلا اعرف به قولا ولا سندا كما اعترف به في كشف اللثام، ولو اشتراها على انها ناقصة فبانت تامة قبل الذبح أجزأ لصدق الامتثال، ولو كان بعد الذبح ففى الاجزاء وعدمه إشكال


(1) ليس في المقام ما يدل على ذلك الا صحيحة محمد بن مسلم على ما نقلها في ص 148 الا انه (قدس سره) سهى في نقل متنها كما أشرنا إليه. (2) و (3) الوسائل الباب 24 من ابواب الذبح الحديث 3 - 1

[ 151 ]

ينشأ من فحوى ما ورد في المهزول، ومن عدم النية حال الذبح مع حرمة القياس ولعله الاقوى، والله العالم. (والمستحب أن تكون سمينة) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الاعتبار (تنظر في سواد وتبرك في سواد وتمشي في مثله) كما في القواعد والنافع، بل ومحكي الجامع، لكن فيه وصف فحل من الغنم بذلك، كما عن الاقتصاد والسرائر والمصباح ومختصره وصف الكبش به، بل عن الاول اشتراطه به، وعن المبسوط " وينبغي إن كان من الغنم أن يكون فحلا أقرن ينظر في سواد ويمشي في سواد " ونحوه النهاية لكن في الاضحية، ولعله لصحيح ابن مسلم (1) عن احدهما (عليهما السلام) " ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يضحي بكبش أقرن عظيم فحل يأكل في سواد، وينظر في سواد " وصحيحه أيضا أو حسنه (2) " سألت ابا جعفر (عليه السلام) أين أراد ابراهيم (عليه السلام) أن يذبح ابنه ؟ قال: على الجمرة الوسطى، وسألت عن كبش ابراهيم (عليه السلام) ما كان لونه وأين نزل ؟ فقال: املح وكان اقرن ونزل به من السماء على الجبل الايمن من مسجد منى، وكان يمشي في سواد ويأكل في سواد وينظر ويبعر ويبول في سواد " وصحيح ابن سنان (3) عن الصادق (عليه السلام) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يضحي بكبش أقرن فحل ينظر في سواد ويمشي في سواد " وحسن الحلبي (4) قال: " حدثني من سمعه (عليه السلام) يقول: ضح بكبش اسود اقرن فحل، فان لم تجد اسود فاقرن فحل يأكل في سواد ويشرب في سواد وينظر في سواد ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 13 من ابواب الذبح الحديث 2 - 6 - 1 - 5

[ 152 ]

ولكن الجميع كما ترى لم يذكر فيها البروك في السواد، ولعله لذا قال في كشف الرموز: لم أظفر بنص فيه، ولكن عن المبسوط والتذكرة والمنتهى انه صلى الله عليه وآله امر بكبش اقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فأتي به فضحى به " وكأنه لذا كان المحكي عن ابن حمزة ذكر البروك فيه في الاضحية، بل لعل ما قيل في معناه من انه يرتع في مرتع كثير النبات شديد الاخضرار به يتضمن البروك فيه، كما أن ما سمعته من صحيح ابن مسلم (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) يلوح منه هذا المعنى، بل لعل التفسير الثاني له بان المراد سواد هذه المواضع منه أي القوائم والعين والبطن والمبعر الذي يصعب استفادته من مثل هذا اللفظ، وإن كان قد يؤيده مرسل الحلبي (2) السابق يستلزم البروك فيه ايضا، فان المشي في السواد بهذا المعنى كذلك، لانه على الارجل والصدر والبطن. بل وكذا الثالث الذي اشار إليه المصنف بقوله: (اي يكون لها ظل تمشي فيه) بمعنى ان لها ظلا عظيما باعتبار عظم جسمها وسمنها لا مطلق الظل اللازم لكل جسم كثيف (وقيل ان تكون هذه المواضع منها سودا) وهو الذى اشرنا إليه سابقا، وعن الراوندي ان المعاني الثلاثة مروية عن اهل البيت (عليهم السلام) ولكن لا يخفى عليك ان المراد به على الاول والاخير الكناية عن السمن بخلاف الثاني الذي على تقديره يكون وصفا مستقلا برأسه، ولعل الاولى الجمع بين الجميع، فان امر الاستحباب مما يتسامح فيه، وان كان قد سمعت ان لون


(1) و (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الذبح الحديث 5 - 6

[ 153 ]

كبش ابراهيم (عليه السلام) كان املح، بل في المرسل (1) " ان النبي صلى الله عليه وآله ضحى بالاملح " الذي عن ابى عبيدة ان المراد به ما فيه سواد وبياض، والبياض أغلب، بل عن ابن الاعرابي أنه الابيض النقي البياض، إلا ان ذلك كله كما ترى مناف للعرف، ولما سمعت عن الامر بكونه أسود، فالاولى مراعاة السواد مع امكانه، وإلا فالاملح عرفا، كل ذلك للتسامح الذي منه أيضا يقوى عدم الاختصاص بالكبش ولا بالاضحية، والله العالم. (و) كذا يستحب (أن يكون) الهدي (مما عرف به) كما في القواعد والنافع وغيرهما ومحكي السرائر والجامع، بل عن التذكرة والمنتهى الاجماع عليه، بل الظاهر كراهة غيره، لقول الصادق عليه السلام في خبر ابي بصير (2) " لا يضحى إلا بما قد عرف به " وصحيح ابن ابي نصر (3) قال: " سئل عن الخصي يضحى به قال: إن كنتم تريدون اللحم فدونكم، وقال لا يضحى إلا بما قد عرف به " المحمولين على ذلك جمعا بينهما وبين خبر سعيد بن يسار (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عمن اشترى شاة لم يعرف بها قال: لا بأس بها عرف بها ام لم يعرف " المعتضد بما سمعت من الاجماع المحكي وغيره، بل لعل المراد من الوجوب في المحكي عن الشيخين وابني زهرة والبراج والكيدري تأكد الاستحباب، وإلا كان محجوجا بما عرفت، واحتمال إرادة عدم تعريفه نفسه بها من خبر سعيد ليس باولى من حمل النهي على الكراهة


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب الذبح الحديث 4 وهو خبر الحسن بن عمارة عن ابي جعفر عليه السلام. (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 17 من ابواب الذبح الحديث 2 - 1 - 4

[ 154 ]

في خبر ابي بصير ونحوه بل هو أولى من وجوه، والمراد من التعريف به احضاره في عشية عرفة بعرفات كما صرح به الفاضل وغيره وإن أطلق غيره، إلا أنه هو المنساق منه، نعم الظاهر الاكتفاء باخبار البائع كما أشار إليه في الصحيح عن سعيد (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا نشتري النعم بمنى ولسنا ندري عرف بها أم لا فقال: إنهم لا يكذبون عليك، ضح بها " وربما كان ذلك مناسبا للاستحباب، كما أنه ربما يؤمي إلى قبول اخباره في سنه وان كان لا يخلو من اشكال، والله العالم. (وأفضل الهدي من البدن والبقر الاناث، ومن الضأن والمعز الذكران) كما صرح به غير واحد، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (2): " افضل البدن ذوات الارحام من الابل والبقر، وقد تجزى الذكورة من البدن والضحايا من الغنم الفحولة " وفي صحيح عبد الله بن سنان (3) " تجوز ذكورة الابل والبقر في البلدان إذا لم تجدوا الاناث والاناث أفضل " وسأله عليه السلام الحلبي (4) ايضا في الحسن أو الصحيح " عن الابل والبقر أيهما أفضل أن يضحى بهما قال: ذوات الارحام " وفي خبر ابي بصير (5) سأله عليه السلام " عن الاضاحي فقال: أفضل الاضاحي في الحج الابل والبقر، وقال: ذوات الارحام، ولا يضحى بثور ولا جمل " وفي المنتهى لا نعلم خلافا في جواز العكس في البابين إلا ما روي عن ابن عمر انه قال: " ما رأيت أحدا فاعلا ذلك أنحر انثى احب الي " وهو ظاهر في الموافقة، وفي صحيح ابن مسلم (6) " الذكور والاناث من الابل والبقر


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 9 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 - 5 - 4 - 3

[ 155 ]

تجزي " نعم عن النهاية " لا يجوز التضحية بثور ولا جمل بمنى، ولا بأس بهما في البلاد " ولكن يحتمل إرادته التأكد خصوصا مع قوله قبل ذلك بيسير: " وأفضل الهدي والاضاحي من البدن والبقر ذوات الارحام، ومن الغنم الفحولة " كالمحكي عن الاقتصاد " أن من شرط الهدي إن كان من البدن أو البقر أن يكون انثى، وإن كان من الغنم أن يكون فحلا من الضأن، فان لم يجد الضأن جاز التيس من المعزى " وعن المهذب إن كان من الابل وجب أن يكون ثنيا من الاناث، وإن كان من البقر فيكون ثنيا من الاناث وإلا كان محجوجا بما عرفت من النص وغيره، والله العالم. (و) يستحب (ان ينحر الابل قائمة) بلا خلاف ولا إشكال بعد قوله تعالى (1) " فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها " أي سقطت، قال الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (2) في قول الله عزوجل: " فاذكروا " إلى آخره: " ذلك حين تصف للنحر تربط يديها ما بين الخف إلى الركبة " وقال أبو الصباح الكناني (3) " سألت ابا عبد الله عليه السلام كيف تنحر البدنة ؟ قال تنحرها وهي قائمة من قبل اليمين " وقال أبو خديجة (4) " رأيت ابا عبد الله عليه السلام وهو ينحر بدنة معقولة يدها اليسرى ثم يقوم على جانب يده اليمنى ويقول بسم الله والله اكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبله مني، ثم يطعن في لبتها ثم يخرج السكين بيده، فإذا وجبت قطع موضع الذبح بيده " إذ لا خلاف في عدم إرادة الوجوب من الامر بذلك كما اعترف به في محكى المنتهى والتذكرة، وفي خبر علي بن جعفر (5) المروي عن قرب الاسناد، " سأل أخاه عليه السلام


(1) سورة الحج الآية 37 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 35 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 - 3 - 5

[ 156 ]

عن البدن كيف ينحرها قائمة أو باركة قال: يعقلها، وان شاء قائمة، وان شاء باركة ". ومما سمعت في صحيح ابن سنان يستفاد استحباب ما ذكره المصنف وغيره من كونها قائمة (قد ربطت بين الخف والركبة) كما أنه يستفاد من خبر الكناني (و) ابي خديجة استحباب ان (يطعنها من الجانب الايمن) إلا انك قد سمعت ما في الاخير من عقل اليسرى، وعن العامة روايته (1) بل قيل اختاره الحلبيان، ولكن اطلق المصنف وغيره كاطلاق ما سمعته من النصوص، ولا يبعد شدة الندب في عقل اليسرى، كما انك قد سمعت إطلاق النص والفتوى سابقا هنا الربط بالكيفية المزبورة لمطلق البدن لكن في خبر حمران (2) " واما البعير فشد اخفافه إلى إباطه، واطلق رجليه " وهو الذي يأتي في كتاب الصيد والذباحة ويمكن افتراق الهدي عن غيره، كما انه يمكن جواز التخيير بين الكيفيتين، والامر سهل بعد كون الحكم ندبيا، والله العالم. (و) يستحب (ان يدعو الله تعالى عند الذبح) بالمأثور عن الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (3) وحسن صفوان وابن ابي عمير (4) " إذا اشتريت هديك فاستقبل به القبلة وانحره أو اذبحه، وقل: وجهت، جهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما انا من المشركين ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك امرت وانا من المسلمين، اللهم


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 237 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب الذبائح الحديث 2 من كتاب الصيد والذباحة (3) و (4) الوسائل الباب 37 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 157 ]

منك ولك، بسم الله وبالله، اللهم تقبل مني، ثم تمر السكين ولا تنخعها حتى تموت " أو بما سمعت في خبر ابي خديجة (1). (و) يستحب ايضا أن (يترك يده مع يد الذابح) إذا استنابه، لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (2) " كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يجعل السكين في يد الصبي، ثم يقبض الرجل على يد الصبي فيذبح " وليس بواجب شرعا ولا شرطا، وعن الوسيلة والجامع انه يكفي الحضور عند الذبح، ولعله لما عن المحاسن من قول النبي صلى الله عليه وآله في خبر بشر بن زيد (3) لفاطمة عليها السلام: " اشهدي ذبح ذبيحتك، فان اول قطرة منها يغفر الله لك بها كل ذنب عليك وكل خطيئة عليك قال: وهذا للمسلمين عامة " (و) ان كان الظاهر عدم اعتباره ايضا، نعم (افضل منه) اي وضع اليد (ان يتولى الذبح) أو النحر (بنفسه إذا احسن) للتأسي، ولقول الصادق عليه السلام (4): " فان كانت امرأة فلتذبح لنفسها " والله العالم. (ويستحب) ايضا (ان يقسمه اثلاثا يأكل ثلثه، ويتصدق بثلثه، ويهدي ثلثه) كما هو ظاهر جماعة وصريح اخرى، بل في كشف اللثام نسبته إلى الاكثر، بل عن التبيان " عندنا يطعم ثلثه، ويعطي ثلثه القانع والمعتر ويهدي الثلث " ونحوه المجمع عنهم (عليهم السلام) والظاهر ان محل البحث هنا في هدي التمتع، لانه سيأتي حكم هدي القران والاضحية، لكن لم يحضرنا ما يدل على التثليث فيه بخصوصه، وإنما الموجود في القران والاضاحي، كخبر العقرقوفي


(1) الوسائل الباب 35 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 36 من ابواب الذبح الحديث 5 - 4 - 1.

[ 158 ]

أو موثقه (1) قال: " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) سقت في العمرة بدنة فاين انحرها ؟ قال: بمكة، قلت: فاي شئ اعطي منها، قال: كل ثلثا واهد ثلثا وتصدق بثلث " وصحيحة سيف التمار (2) قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام) إن سعيد بن عبد الملك قدم حاجا فلقي ابي فقال: إني سقت هديا فكيف اصنع به ؟ فقال له ابي اطعم منه اهلك ثلثا، واطعم القانع والمعتر ثلثا، واطعم المساكين ثلثا فقلت: المساكين هم السؤال فقال: نعم، وقال: القانع الذي يقنع بما ارسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعتبر ينبغي له اكثر من ذلك، وهو اغني من القانع، يعتريك فلا يسألك " بناء على إرادة الاهداء من اطعام القانع والمعتر وإن كان بعيدا، بل هو مقتض حينئذ لاعتبار الفقر في ثلث الاهداء مع ان ظاهر الاطلاق والمقابلة خلافه كما صرح به بعضهم، بل حكي عن الاصحاب. وعلى كل حال فقد يستفاد منه دلالة مجموع الآيتين اي قوله تعالى (3): " فكلوا منها واطعموا البائس الفقير " وقوله (4): " فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر " على التثليث ايضا وان كان فيه من التكلف ما لا يخفى، وقد يدل عليه خبر ابى الصباح القريب من الصحيح (5) في الاضاحي، قال: " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن لحوم الاضاحي فقال: كان علي بن الحسين وابو جعفر (عليهم السلام) يتصدقان بثلث على جيرانهما، وثلث على السؤال، وثلث يمسكونه لاهل البيت " بناء على إرادة الاهداء من التصدق على الجيران، ولعل الاولى في الآيتين مع فرض إرادة التثليث منهما جعل قسم الاهداء في قوله


(1) و (2) و (5) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 18 - 3 - 13 (3) و (4) سورة الحج الآية 29 - 37

[ 159 ]

تعالى: " كلوا منها " على معنى إرادة أكل الناسك ومن يهدي إليه من أصدقائه وجيرانه، إذ من المعلوم عدم إرادة أكل الناسك الثلث بتمامه ؟، ضرورة تعذره غالبا، مضافا إلى ما سمعته في خبر أبي الصباح وصحيح سيف (1) والى حسن معاوية (2) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " امر رسول الله صلى الله عليه وآله حين نحر أن يؤخذ من كل بدنة جذوة من لحمها ثم تطرح في برمة ثم تطبخ، وأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام منها وحسيا من مرقها " وخبره (3) الآخر عنه، ايضا " حج رسول الله صلى الله عليه وآله وساق مائة فنحر منها ستا وستين، ونحر علي عليه السلام أربعا وثلاثين بدنة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم ثم يطرح في برمة ثم يطبخ فاكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام منها وحسيا من مرقها " الحديث. وما رواه الشيح عن صفوان وابن ابى عمير وجميل بن دراج وحماد بن عيسى وجماعة (4) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام " قالا: إن رسول الله أمر ان يؤخذ من كل بدنة بضعة، فامر بها رسول الله صلى الله عليه وآله فطبخت وأكل هو وعلي عليه السلام وحسوا المرق، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله أشركه في هديه ". وعلى كل حال فما عن السرائر من انه يأكل ولو قليلا، ويتصدق على القانع والمعتر ولو قليلا، ولم يذكر الاهداء بل خصه بالاضحية اقتصارا على منطوق الآيتين لاغفالهما الاهداء حينئذ، واتحاد مضمونهما إلا في المتصدق عليه واضح الضعف بعد ما سمعته من النص الذي لا ينافيه إطلاق الآيتين


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 3 - 11 - 2 (3) الوسائل الباب 2 من ابواب أقسام الحج الحديث 3

[ 160 ]

الممكن إرادة القانع والمعتر من البائس الفقير في إحداهما على أن يكون قسم الاهداء داخلا في الاكل كما عرفت ولو بملاحظة النصوص، بل ربما احتمل إرادة التثليث من آية القانع والمعتر على معنى جعل الاهداء لاحدهما، والصدقة على الآخر، وإن كان هو كما ترى. وعلى كل حال فلا ريب في استحباب التثليث المزبور في هدي التمتع، فان النصوص وإن لم تنص عليه بخصوصه إلا أنه مع إمكان شمول خبر الاضاحي له قد يقال بان المراد منها بيان الكيفية التي لا تفاوت فيها بين الواجب والندب، كما انه لا ريب في عدم اعتبار الفقر في ثلث الاهداء، بل إن لم يكن الاجماع لا يعتبر فيه الايمان، خصوصا مع الندرة في تلك الامكنة والازمنة، فيلزم إما سقوط وجوب الهدي أو التكليف بالمحال، وليس هو كالزكاة التي يمكن فيها الانتظار، على انه قد ورد ما يدل (1) عدم كراهة إعطاء المشرك، وعلى جواز اعطاء الحرورية (2) وان لكل كبد حراء اجر (3) ولكن مع ذلك لا ريب في أن الاحوط مراعاته مع الامكان، كما أن الاولى منع المعلوم نصبه، بل يعطى المستضعف أو مجهول الحال. وكيف كان فالمراد من الاستحباب المزبور جواز عدمه على معنى فعل التفاوت، ولكن في الدروس نسبة استحباب أصل الصرف في الثلاثة إلى


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب زكاة الغلات من كتاب الزكاة (2) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 8 (3) الوسائل الباب 49 من ابواب الصدقة الحديث 2 و 5 من كتاب الزكاة

[ 161 ]

الاصحاب بعد أن اختار هو الوجوب، وتبعه ثاني الشهيدين والكركي، ومقتضاه جواز الاقتصار على مصرف واحد منها ولو أكله أجمع، بل قد يستفاد من نحو عبارة المتن المقابل فيها القول بوجوب الاكل للقول باستحباب التثليث ان اصل الصرف مستحب. وكيف كان فقد سمعت ما قاله ابن إدريس الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وقيل: يجب الاكل منه) بل اختاره هو فقال: (وهو الاظهر) وتبعه عليه بعض من تأخر عنه كالفاضل وغيره للامر به في الكتاب والسنة، لكن فيه مع عدم اختصاصه بهدي التمتع انه في مقام توهم الحظر، خصوصا بعد أن كان المحكي عن الجاهلية تحريم ذلك على أنفسهم، قال في الكشاف: " الامر بالاكل منها امر إباحة، لان أهل الجاهلية ما كانوا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا، لما فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم من استعمال التواضع، ومن ثم استحب الفقهاء ان يأكل الموسع من اضحيته مقدار الثلث " إلى آخره، مضافا إلى انه هدي لله تعالى، ووصوله إليه بأكل الفقراء له، بل قد يقال بجواز الاقتصار على الصدقة التي هي الاصل في ذلك وان اطلق الامر بالاطعام في الآيتين إلا أنها هي المنساقة منه بملاحظة المتعلق، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط. نعم ظاهر اقتصار المصنف على حكاية القول بوجوب الاكل المفروغية من عدم وجوب غيره، ولعله للاصل بعد صرف الامر بذلك في الكتاب والنصوص إلى إرادة بيان كيفية الصرف لو اراده لا وجوبه، إلا انك قد سمعت ما في الدروس وبعض من تأخر عنها، ولا ريب في انه الاحوط ايضا. واما القسمة أثلاثا فلم اعرف قولا بوجوبها، وفي دعائم الاسلام (1) عن


(1) المستدرك الباب 35 من ابواب الذبح الحديث 7

[ 162 ]

جعفر بن محمد (عليهما السلام) " ينبغي لمن اهدى هديا تطوعا أو ضحى أن يأكل من هديه وأضحيته ثم يتصدق، وليس في ذلك توقيت، يأكل ما أحب، ويطعم ويهدي ويتصدق، قال الله عزوجل وقرأ الآيتين ". ثم على الوجوب لا يضمن مع الاخلال بالاكل كما صرح به غير واحد من غير تردد، لعدم تعلق حق لغيره به، بل قطع في التذكرة ايضا بعدمه لو اخل بالاهداء بأن تصدق بالجميع، وقربه في محكي المنتهى وجعله الوجه في التحرير، ولعله لتحقق الاطعام الذي ليس في الآيتين غيره مع الاكل، ولكون التصدق إهداء، نعم لو اخل به بالاكل ضمن قطعا، كما أنه كذلك لو اخل بثلث الصدقة بل قد يحتمل الضمان لو اخل بالاهداء ولو للصدقة، للامر به، وهو مباين لها ؟ ولذا حرمت عليه صلى الله عليه وآله الصدقة دون الهدية. ولو باع أو اتلف فلا اشكال في الضمان، ولكن هل هو الثلث أو الثلثان أو الجميع ؟ وجوه، ظاهر التحرير الاخير منها، وفيه منع، والمتجه ضمان شئ للهدية وللصدقة لما عرفت من عدم وجوب التثليث، هذا، وقد سمعت ما في صحيح سيف (1) من تفسير القانع والمعتر وفي صحيح معاوية أو حسنه (2) عن ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (3) " فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر " قال: القانع الذي يقنع بما اعطيته، والمعتر الذي يعتريك، والسائل الذي يسألك في يديه، والبائس الفقير " ونحوه خبره الآخر (4) وفي خبر عبد الرحمان أو موثقه (5) عنه عليه السلام ايضا في قوله تعالى:


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 3 - 14 - 1 - 12 (3) سورة الحج الآية 37

[ 163 ]

" فإذا " إلى آخره " إذا وقعت على الارض فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر، قال: القانع الذي يقنع بما اعطيته ولا يسخط ولا يكلح ولا يلوي شدقه، والمعتر المار بك لتطعمه " وفي المحكي عن مجمع البيان ان في رواية الحلبي (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " القانع الذي يسأل فيرضى بما اوتي، والمعتر الذي يعتري رحلك ممن يسأل " وفي الدروس القانع السائل، والمعتر غير السائل كما عن الحسن وسعيد بن جبير، بل قيل: هو الموجود في تفسير علي بن ابراهيم، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنه القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، والمعتر المعرض بالسؤال، وعلى كل حال فالعمل (على ما خ ل) بما ورد عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) من كون الجميع لبيان أفراد الفقراء، فلا تعارض بين الآيتين كما هو واضح. (ويكره التضحية بالجاموس) كما في القواعد وغيرها من دون نقل خلاف، (و) في كشف اللثام أي الذكر منه، وهو مع تقييد لاطلاقهم لم نعرف ما يدل عليه ولا على المطلق كما اعترف به في المدارك، الهم إلا أن يكون فحوى كراهية التضحية (بالثور) لما في مضمر ابي بصير (2) من قوله عليه السلام: " ولا تضحي بثور ولا جمل " وفيه منع واضح، وفي كشف اللثام أي في منى لقول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (3): " تجوز ذكورة الابل والبقر في البلدان " وهو غير صالح للتقييد، ولذا اطلق من عرفت، واجزاء الجاموس مع انه من البقر لخبر علي بن الريان بن الصلت (4) " كتب إلى ابي الحسن الثالث عليه السلام يسأله


(1) مجمع البيان ج 7 ص 86 سورة الحج الآية 37 (2) و (3) الوسائل الباب 9 من ابواب الذبح الحديث 4 - 2 (4) الوسائل الباب 15 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 164 ]

عن الجاموس عن كم يجزي في الضحية ؟ فجاء في الجواب إن كان ذكرا فعن واحد، وان كان انثى فعن سبعة " (و) كذا قطع المصنف وغيره بكراهة التضحية (بالموجوء) أي مرضوض الخصيتين حتى تفسدا، بل في المدارك نسبته إلى قطع الاصحاب مستدلين عليها بما سمعته من النصوص (1) التي تدل على أن الفحل من الضأن خير منه، ومقتضاها الحرمة لا الكراهة، اللهم إلا أن يراد بها هذه المرجوحية، خصوصا مع كونها كراهة عبادة، وعلى كل حال فقد سمعت النص والفتوى في التضحية، واما الهدي فيمكن إرادة ما يشمله منها ولو بقرينة كون البحث فيه، أو يستفاد كراهته من فحواها بناء على أن التوسعة فيها أشد منها فيه كما سمعته في الناقص، وينبغي ذكر الجمل مع الثلاثة لما سمعته من المضمر (2). الطرف (الثالث) من أطراف الذبح (في البدل) ولكن ينبغي أن يعلم أن (من فقد الهدي ووجد ثمنه قيل) والقائل المشهور، بل عن ظاهر الغنية الاجماع عليه، بل قد يشهد له التتبع لانحصار المخالف في ابن ادريس بناء على أصله والمصنف: (يخلفه عند من يشتريه طول ذي الحجة) فان لم يوجد فيه ففي العام المقبل في ذي الحجة (وقيل) والقائل ابن ادريس (ينتقل فرضه إلى الصوم، وهو الاشبه) عند المصنف باصول المذهب والقواعد باعتبار صدق قوله تعالى (3): " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة " ودعوى


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب الذبح (2) الوسائل الباب 9 من ابواب الذبح الحديث 4 (3) سورة البقرة الآية 192

[ 165 ]

ان تيسر الهدي ووجد انه يعمان العين والثمن وإلا لم يجب الشراء مع الوجود يوم النحر وإمكانه إن خصص الوجود به عنده، وإلا فهو اعم منه عنده أو عند غيره في أي جزء كان من اجزاء الزمان الذي يجزي فيه واضحة المنع، فانه إذا لم يجده بنفسه مادام هناك يصدق عليه " فمن لم يجد " ودعوى ان وجدان النائب كوجدانه لانه مما يقبل النيابة أوضح منعا من الاولى وإن قبل النيابة. نعم قد يقال يجب الخروج عن ذلك كله بالحسن (1) كالصحيح عن ابي عبد الله عليه السلام " في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم قال: يخلف الثمن عند بعض اهل مكة ويأمر من يشتري له ويذبح عنه وهو يجزي عنه، فإذا مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل ذي الحجة " المؤيد بخبر النضر بن قرواش (2) المنجبر بما سمعته من الشهرة، وبان الراوي عنه احمد بن محمد بن ابي نصر وهو من أصحاب الاجماع بناء على انه لا يضر مع ذلك ضعف من بعده، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فوجب عليه النسك فطلبه فلم يصبه وهو مؤسر حسن الحال وهو يضعف عن الصيام فما ينبغي له أن يصنع فقال: يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه بمكة ان كان يريد المضي إلى اهله، وليذبح عنه في ذي الحجة، فقلت: فانه دفعه إلى من يذبحه عنه فلم يصب في ذي الحجة نسكا واصابه بعد ذلك قال: لا يذبح عنه إلا في ذي الحجة " بناء على عدم بناء الجواب على ما في السؤال من الضعف عن الصيام ولو بضميمة ما عرفت، فيتجه حينئذ مذهب المشهور، ضرورة كون ما سمعته حينئذ كالاجتهاد في مقابلة النص، وكان ما وقع من الحلي بناء على اصله من عدم العمل باخبار الآحاد، لكن فيه منع واضح هنا باعتبار الاعتضاد بعمل رؤساء الاصحاب الذين هم الاساس في حفظ الشريعة كالشيخين


(1) و (2) الوسائل الباب 44 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2

[ 166 ]

والصدوقين والمرتضى وغيرهم، وكفى بذلك قرينة على صحة مضمونه، ولا يعارضه خبر أبى بصير (1) سأل احدهما (عليهما السلام) " عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم ؟ قال: بل يصوم، فان ايام الذبح قد مضت " بعد قصوره من وجوه، مع انه فيمن قدر على الذبح بمنى، وهو غير ما نحن فيه، بل المصنف وابن ادريس لا يوجبان عليه الصوم، ومن هنا حمله الشيخ على من صام ثلاثة قبل الوجدان كما في خبر حماد بن عثمان (2) سأل الصادق عليه السلام " عن متمتع صام ثلاثة ايام في الحج ثم اصاب هديا يوم خرج من منى قال اجزأه صيامه " وان كان بعيدا، بل هو مناف لخبره الآخر (3) الذى فيه " فلم يجد ما يهدي ولم يصم الثلاثة ايام " وربما حمله غيره على ما مر في وجوب كون الذبح يوم النحر، وعلى كل حال فمن ذلك كله بان لك ضعف القول المزبور. واضعف منه ما عن ابي علي من التخيير بين الصوم والتصدق بالثمن بدلا عن الهدي، ووضعه عند من يشتريه فيذبحه إلى آخر ذي الحجة جمعا بين ما تقدم ونحو خبر عبد الله بن عمر (4) قال: " كنا بمكة فأصابنا غلاء في الاضاحي، فاشترينا بدينار ثم بدينارين ثم بلغت سبعة ثم لم يوجد بقليل ولا كثير، فرفع هشام المكاري رقعة إلى ابى الحسن عليه السلام فاخبره بما اشترينا وانا لم تجد بعد فوقع عليه السلام إليه انظروا إلى الثمن الاول والثاني والثالث فاجمعوا ثم تصدقوا بمثل ثلثه "


(1) و (3) الوسائل الباب 44 من ابواب الذبح الحديث 3 - 4 (2) الوسائل الباب 45 من ابواب الذبح الحديث 1 (4) الوسائل الباب 58 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 167 ]

وهو مع عدم الشاهد، وعدم المكافأة، والمخالفة لكتاب الله قيل انه ظاهر في المندوب. ثم إن الذي صرح به غير واحد اعتبار كون المخلف عنده الثمن ثقة، وقد سمعت خلو النصوص عن ذلك، ولا يبعد الاجتزاء بالمطمئن به وان لم يكن ثقة، فانه يصدق عليه انه جعله عند من يذبحه عنه، والله العالم. (و) كيف كان ف‍ (إذا فقدهما) اي الهدي وثمنه بما يصدق عليه عدم الوجدان عرفا، وفي المسالك " يتحقق العجز عن الثمن بان لا يقدر على تحصيله ولو بتكسب لائق بحاله، وبيع ما زاد على المستثنى في الدين " ولا يخفى عليك ما في الاول، نعم المعتبر القدرة في موضعه لا في بلده إلا إذا تمكن من بيع ما في بلده بما لا يتضرر به أو من الاستدانة عليه، فانه لا يبعد الوجوب بل اطلق في المسالك البيع بدون ثمن المثل، وعلى كل حال فإذا صدق العنوان المزبور (صام عشرة ايام: ثلاثة في) سفر (الحج) قبل الرجوع إلى اهله وشهره، وهو هنا ذو الحجة عندنا، ويجب ان تكون (متواليات) بلا خلاف، بل عن المنتهى وغيره الاجماع عليه، مضافا إلى النصوص، منها قول الصادق عليه السلام في خبر اسحاق (1): " لا يصوم الثلاثة الايام متفرقة " ونحوه الصحيح (2) المروي في قرب الاسناد (يوما قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى الكتاب العزيز (3) والمعتبرة المستفيضة أو المتواترة، منها خبر رفاعة بن


(1) الوسائل الباب 53 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) الوسائل الباب 52 من ابواب الذبح الحديث 4 (3) سورة البقرة الآية 192

[ 168 ]

موسى (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المتمتع لا يجد الهدي قال: يصوم قبل التروية بيوم، ويوم التروية ويوم عرفة، قلت: فانه قدم يوم التروية قال: يصوم ثلاثة ايام بعد التشريق، قلت: لم يقم عليه جماله قال: يصوم يوم الحصبة وبعده يومين، قال: قلت: وما الحصبة قال يوم نفره، قلت يصوم وهو مسافر قال: نعم، أليس هو في يوم عرفة مسافرا، إنا اهل بيت نقول ذلك لقول الله عز وجل فصيام ثلاثه ايام في الحج، يقول في ذي الحجة " وصحيح معاوية بن عمار (2) عنه عليه السلام ايضا " سألت عن متمتع لم يجد هديا قال: يصوم ثلاثة ايام في الحج يوم قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة، قال: قلت: وإن فاته ذلك قال: يتسحر ليلة الحصبة ويصوم ذلك اليوم ويومين بعده، قلت: فان لم يقم عليه جماله يصومها في الطريق قال: إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء إذا رجع إلى اهله " إلى غير ذلك من النصوص. ولعل المراد بقوله تعالى: " تلك عشرة كاملة " بيان ان كمالها كمال الاضحية، قال عبد الله بن سليمان الصيرفي (3) قال أبو عبد الله عليه السلام لسفيان الثوري: " ما تقول في قول الله عزوجل فمن تمتع بالعمرة الآية اي شئ يعنى بالكاملة ؟ قال سبعة وثلاثة، قال: ويختل ذا على ذي حجى ان سبعة وثلاثة عشرة، قال: فأي شئ هو اصلحك الله قال: الكامل كمالها كمال الاضحية سواء أتيت بها أو اتيت بالاضحية، تمامها كمال الاضحية " أو لرفع احتمال ارادة معنى " أو " من الواو أو غير ذلك، هذا.


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 1 - 4 - 9

[ 169 ]

ولا يشكل الحكم المزبور بانه لا معنى للبدل قبل تحقق الخطاب بالمبدل خصوصا بعد ظهور الآية في عدم الوجدان عند الامر بالذبح، كما دل عليه خبر احمد بن عبد الله الكرخي (1) قال: " قلت للرضا عليه السلام المتمتع يقدم وليس معه هدي أيصوم ما لم يجب عليه قال: يصير إلى يوم النحر، فان لم يصب فهو ممن لم يجد " وعن علي بن ابراهيم في تفسيره ان من لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام بمكة يعني بعد النفر ولم يذكر صومها في غير ذلك، إلا أن ذلك كله اجتهاد في مقابلة النصوص والفتاوى والاجماع بقسميه، بل إن اراد علي بن ابراهيم عدم جواز صومها إلا على الوجه المزبور فهو، ولعله لذا حمل الخبر المزبور على الجواز أو على من وجد الثمن، على ان الخطاب بالذبح يتحقق بالاحرام بالحج الذي هو أحد أفعاله. (و) كيف كان ف‍ (- لو لم يتفق) صوم اليوم قبل يوم التروية (اقتصر على) يوم (التروية و) يوم (عرفة ثم صام الثالث بعد النفر) كما هو المشهور بل عن ابن ادريس وغيره الاجماع عليه، وهو الحجة في اغتفار الفصل بالعيد وأيام التشريق في التوالي، مضافا إلى خبر عبد الرحمان بن الحجاج (2) المنجبر بما عرفت عن الصادق عليه السلام فيمن صام يوم التروية ويوم عرفة قال: يجزيه أن يصوم يوما آخر " وخبر يحيى الازرق أو موثقه (3) عن أبي الحسن عليه السلام " سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا وليس له هدي فصام يوم التروية ويوم عرفة قال: يصوم يوما آخر بعد ايام التشريق " ورواه الصدوق عنه في الحسن انه سأل أبا ابراهيم عليه السلام، بل ظاهرها حتى الاخير تناول حال الاختيار كما اعترف


(1) الوسائل الباب 54 من ابواب الذبح الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب 52 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2

[ 170 ]

به بعضهم، فان القدوم يوم التروية لا ينافي صوم يوم قبله قبل القدوم، بل عن ابن حمزة التصريح بذلك، بل في كشف اللثام نسبته إلى ظاهر الباقين إلا القاضي والحلبيين فاشترطوا الضرورة، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان الاقوى الاول، وعن بعض المتأخرين اشتراط الجهل بكون الثالث العيد، وإطلاق النص والفتوى على خلافه كما اعترف به الكركي وثاني الشهيدين، بل عن ابن حمزة جواز صوم السابع والثامن ثم يوما بعد النفر لمن خاف أن يضعفه صوم يوم عرفة عن الدعاء، ونفى عنه البأس في المختلف محتجا له بان التشاغل بالدعاء فيه مطلوب للشارع، فجاز الافطار له، وفيه ما لا يخفى وإن أيده بعض الناس بالنهي عن صوم عرفة مطلقا كقول الصادقين (عليهما السلام) في خبر زرارة (1) " لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة ولا في المدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الامصار " أو إن اضعف عن الدعاء كقول ابي جعفر عليه السلام في خبر ابن مسلم (2) إذ سأله عن صومها: " من قوي عليه فحسن إن لم يمنعك من الدعاء، فانه يوم دعاء ومسألة فصمه، وإن خشيت أنه يضعفك عن الدعاء فلا تصمه " إلا أن ذلك كله لا يدل على اغتفار الفصل به في التوالي الذي قد عرفت اعتباره في النص ومعقد الاجماع. بل يظهر من جملة من النصوص عدم اغتفار الفصل بالعيد الذي قد عرفت النص والفتوى ومعقد الاجماع عليه، منها صحيح معاوية (3) السابق، ومنها


(1) الوسائل الباب 21 من ابواب الصوم المندوب الحديث 6 من كتاب الصوم (2) الوسائل الباب 23 من ابواب الصوم المندوب - الحديث 4 من كتاب الصوم (3) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 4

[ 171 ]

صحيح العيص بن القاسم (1) عن ابي عبد الله عليه السلام سأله " عن متمتع يدخل في يوم التروية وليس معه هدي قال: فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ويتسحر ليلة الحصبة فيصبح صائما، وهو يوم النفر، ويصوم يومين بعده " وصحيح حماد ابن عيسى (2) قال: " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال علي عليه السلام صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة، فمن فاته ذلك فليتسحر ليلة الحصبة يعني ليلة النفر ويصبح صائما ويصوم يومين بعده وسبعة إذا رجع " وخبر علي بن الفضل الواسطي (3) قال: " سمعته قال: إذا صام المتمتع يومين لا يتابع صوم اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، فليصم بمكة ثلاثة أيام متتابعات، فان لم يقدر ولم يقم عليه الجمال فليصمها في الطريق، فإذا قدم على أهله صام عشرة ايام متتابعات ". إلا انها قاصرة عن معارضة ما عرفت من وجوه، خصوصا بعد امكان تقييد جملة منها بما سمعت، وحمل آخر على بيان الجواز وغيره، هذا، وفي كشف اللثام " والظاهر وجوب المبادرة إلى الثالث بعد زوال العذر وان اطلقت الاخبار والفتاوى التي عثرت عليها إلا فتوى ابن سعيد فانه قال: صام يوم الحصبة وهو رابع النحر " قلت: مع أنه من أيام التشريق التى ستسمع الكلام فيها، بل والكلام في ابتداء الثلاثة منه، ولا ريب ان الاحوط المبادرة بها بعد أيام التشريق وإن كان الوجوب لا يخلو من نظر بعد إطلاق النص والفتوى، بل قد سمعت ما في النص من كون المراد من قوله " في الحج " شهر ذي الحجة، مضافا


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) الوسائل الباب 53 من ابواب الذبح الحديث 3 (3) الوسائل الباب 52 من ابواب الذبح الحديث 4

[ 172 ]

إلى ما تسمعه مما يدل على جواز صومها طول ذي الحجة من النص (1) والاجماع وغيرهما، والله العالم. (ولو فاته يوم التروية أخره إلى) ما (بعد النفر) بمعنى أنه لم يغتفر الفصل بالعيد حينئذ كما هو المشهور، بل لا أجد فيه خلافا، لاطلاق ما دل على وجوب التتابع، وإطلاق ما دل على صومها متتابعة إذا فات صومها على الوجه المزبور، ولكن عن الاقتصاد أن من أفطر الثاني بعد صوم الاول لمرض أو حيض أو عذر بنى، وكذا الوسيلة إلا إذا كان العذر سفرا، أو لعلهما استندا إلى عموم التعليل في خبر سليمان بن خالد (2) سأل الصادق عليه السلام " عمن كان عليه شهران متتابعان فصام خمسة وعشرين يوما ثم مرض فإذا برئ أيبني على صومه ام يعيد صومه كله ؟ فقال عليه السلام: بل يبني على ما كان صام، ثم قال: هذا مما غلب الله عليه وليس على ما غلب الله عليه شئ " واستثناء السفر لانه ليس هنا عذرا، وفيه مع انه في غير ما نحن فيه ضرورة العلم بالعيد يمكن الفرق بين المقامين خصوصا بعد النصوص الدالة هنا على وجوب صومها بعد ذلك إذا فاتت الثلاثة. وعلى كل حال فالمشهور عدم جواز استئنافها أيام التشريق، بل عن الخلاف الاجماع عليه، لعموم النهي عن صومها بمنى، كمرسل الصدوق (3) " ان النبي صلى الله عليه وآله بعث بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل اورق وامره أن يتخلل الفساطيط ينادي في الناس ايام منى أن لا يصوموا فانها ايام أكل وشرب وبعال " أي ملاعبة الرجل مع أهله، وخصوص صحيح ابن سنان (4) " سألت ابا عبد الله


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 13 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 12 من كتاب الصوم (3) و (4) الوسائل الباب 51 من ابواب الذبح الحديث 8 - 1

[ 173 ]

عليه السلام عن رجل تمتع فلم يجد هديا قال: فليصم ثلاثة أيام ليس منها أيام التشريق، ولكن يقيم بمكة حتى يصومها، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وذكر حديث بديل بن ورقاء " وصحيح سليمان بن خالد (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل تمتع ولم يجد هديا قال: يصوم ثلاثة أيام، قلت له أفيها أيام التشريق ؟ قال: لا، ولكن يقيم بمكة حتى يصومها وسبعة إذا رجع إلى أهله، فان لم يقم عليه أصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله، ثم ذكر حديث بديل بن ورقاء " ورواه في كشف اللثام عن ابن مسكان، والتدبر فيما رواه في التهذيب هنا (2) وفي شرح من فاته صوم هذه الثلاثة الايام بمكة لعائق يعوقه (3) يقتضي ما ذكرنا من كون الخبر عن سليمان، فلاحظ وتأمل، وخبر عبد الرحمان بن الحجاج (4) قال: " كنت قائما أصلي وابو الحسن عليه السلام قاعد قدامي وأنا لا أعلم فجاءه عباد البصري قال: فسلم فجلس فقال: له يا أبا الحسن ما تقول في رجل تمتع ولم يكن له هدي ؟ قال: يصوم الايام التي قال الله عزوجل، قال: فجعلت اصغي اليهما فقال له عباد: وأي أيام هي ؟ قال: قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، قال: فان فاته ذلك قال: يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعد ذلك، قال: أفلا تقول كما قال عبد الله بن الحسن ؟ قال: فاي شئ قال قال: يصوم أيام التشريق، قال: إن جعفرا كان يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله امر بديلا أن ينادي ان هذه أيام اكل وشرب، فلا يصومن أحد، قال


(1) و (4) الوسائل الباب 51 من ابواب الذبح الحديث 2 - 4 (2) التهذيب ج 5 ص 229 الرقم 775 (3) التهذيب ج 5 ص 233 الرقم 789 وهو ما رواه في الوسائل في الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 7

[ 174 ]

يا ابا الحسن: إن الله تعالى قال: فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجعتم، قال كان جعفر عليه السلام يقول: ذو الحجة كله من اشهر الحج ". فما عن ابى علي من اباحة صومها فيها لقول امير المؤمنين عليه السلام في خبر اسحاق (1) " من فاته صيام الثلاثة الايام التي في الحج فليصمها ايام التشريق فان ذلك جايز له " ونحو منه خبر القداح (2) واضح الضعف بعد شذوذ الخبرين وضعفهما وموافقتهما لقول من العامة، وقصورهما عن معارضة ما عرفت من وجوه، بل احتمل تعليق ايام التشريق فيهما بالقول وإن كان بعيدا غاية البعد، نعم ارسل في الفقيه (3) ان في رواية عنهم " يتسحر ليلة الحصبة، وهي ليلة النفر ويصبح صائما " بل عن النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر انه يصوم الحصبة وهو يوم النفر، وهو المحكي عن ابي علي وابن بابويه، بل قد سمعت النصوص الدالة عليه كصحيح العيص (4) وصحيح حماد (5) وصحيح رفاعة (6) بل وصحيح معاوية (7) وإن كان ليس فيه قوله " وهو يوم النفر ". ومن هنا قال في المدارك في شرح عبارة المتن: " بل الاظهر جواز صوم يوم النفر، وهو الثالث عشر " ويسمى يوم الحصبة كما اختاره الشيخ في النهاية وابنا بابويه وابن ادريس للاخبار الكثيرة الدالة عليه، وإن كان الافضل تأخير الصوم إلى ما بعد ايام التشريق، كما تدل عليه صحيحة رفاعة (8) عن الصادق عليه السلام


(1) و (2) الوسائل الباب 51 من ابواب الذبح الحديث 5 - 6 (3) و (4) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 12 - 3 (5) الوسائل الباب 53 من ابواب الذبح الحديث 3 (6) و (7) و (8) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 1 - 4 - 1

[ 175 ]

حيث قال فيها: " قلت فان قدم يوم التروية قال: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق قلت لم يقم عليه جماله قال: يصوم يوم الحصبة وبعده يومين " وقد ظهر ؟ من هذه الروايات أن يوم الحصبة هو الثالث من أيام التشريق، ونقل عن الشيخ في المبسوط انه جعل ليلة التحصيب ليلة الرابع، والظاهر أن مراده ليلة الرابع من يوم النحر لا الرابع عشر، لصراحة الاخبار في أن يوم التحصيب هو يوم النفر، وربما ظهر من كلام أهل اللغة انه يوم الرابع عشر، ولا عبرة به ". قلت: الاصل في ذلك الفاضل في المختلف فانه بعد ان ذكر ما يدل على حرمة صوم أيام التشريق وذكر صوم يوم الحصبة قال: " ولا ريب ان يوم الحصبة هو يوم الثالث من ايام التشريق إلا ان يقال ان الشيخ ذكر في المبسوط ان ليلة الرابع ليلة التحصيب، فيصح ذلك، إلا ان هذا التأويل بعيد، أما اولا فلان التحصيب إنما يكون لمن نفر في الاخير، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، واما ثانيا فلانه قال: فليصم يوم الحصبة، وهو يوم النفر، والنفر نفران: اول، وهو الثاني عشر، وثاني، وهو الثالث عشر، ويحمل قول الشيخ في المبسوط بانه اراد الرابع من يوم النحر لا الرابع عشر " قلت: كما سمعته من الجامع، لكن في محكي الخلاف ان الاصحاب قالوا: يصبح ليلة الحصبة صائما، وهي بعد انقضاء ايام التشريق، وفي خبر ابراهيم بن ابي يحيي المروي (1) عن تفسير العياشي عن ابي عبد الله عن ابيه عن علي (عليهم السلام) قال: " يصوم المتمتع قبل التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة، فان فاته ذلك ولم يكن عنده دم صام إذا انقضت ايام التشريق يتسحر ليلة الحصبة ثم يصبح صائما.


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 20

[ 176 ]

وفي كشف اللثام " وما في صحيحي حماد والعيص من التفسير يجوز ان يكون من الراوي ثم قال وما في المبسوط من ان يوم الحصبة يوم النفر، وكذا النهاية والمهذب والسرائر، بل خبر رفاعة نص فيه لا يقتضي ان يكون ليلة الحصبة قبله، وإنما يوهمه القياس على نحو ليلة الخميس، والشيخ ثقة فيما يقوله، ولا حاجة إلى تأويل كلامه بما في المختلف ايضا بان مراده بالرابع الرابع من يوم النحر، مع ان كلام الخلاف نص في خلافه، ثم الاحتياط يقتضي التأخير، إذ لا خلاف في الاجزاء معه ثم احتمل سابقا في خبر عبد الرحمان تبعا للمختلف ان المراد من صبيحة الحصبة بمعنى اليوم الذي بعدها، كما انه احتمل في صحيح رفاعة الاقتصار على حال الضرورة، قلت: كل ذلك مضافا إلى ما سمعته من الخبر وما حكاه في المدارك عن بعض اهل اللغة إلا ان الانصاف مع ذلك عدم إمكان إنكار ظهور النصوص في إرادة صوم يوم النفر الذي هو اليوم الثالث عشر أو الثاني عشر، ولعله لكون المحرم صوم ايام التشريق لمن أقام بمنى لا مطلقا كما عن الاكثر على ما في محكي المعتبر، وفي الروضة لا يحرم صومها على من ليس بمنى إجماعا، وفي صحيح معاوية (1) سأل الصادق عليه السلام " عن الصيام فيها فقال: اما بالامصار فلا بأس، واما بمنى فلا " ومن هنا يظهر لك النظر فيما عن النهاية والمبسوط من انه لو كان بمكة لا يصومها لعموم النهي عنه، اللهم إلا أن يكون المراد (2) بكونه في منى من مكة،


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الصوم المحرم والمكروه الحديث 1 من كتاب الصوم (2) هكذا في النسخة الاصلية وحق العبارة هكذا " الله الا أن يكون المراد كونه في منى من مكة " فكأن عبارة المبسوط هكذا " انه لو كان بمنى لا يصومها "

[ 177 ]

هذا، وقد تقدم في كتاب الصوم بعض الكلام في ذلك فلاحظ، وكيف كان فالاحتياط لا ينبغي تركه. والله العالم. (ويجوز تقديمها من أول ذي الحجة بعد التلبس بالمتعة) كما في القواعد والنافع لخبر زرارة أو موثقه (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " من لم يجد الهدي وأحب أن يصوم الثلاثة الايام في أول العشر فلا بأس " المعتضد باطلاق الآية المفسر في صحيح رفاعة (2) بشهر الحج كله، واليه أشار ابن سعيد في المحكي عنه من النص على أنه رخص في ذلك لغير عذر، كالمحكي عن القاضي من انه قد رويت رخصة في تقديم صوم هذه الثلاثة من أول العشر، وكذلك في تأخيرها إلى بعد أيام التشريق لمن ظن ان صوم يوم التروية ويوم عرفة يضعفه عن القيام بالمناسك، وكذا عن النهاية والتهذيب والمبسوط والمهذب في ذكر الرخصة في صومها أول العشر، لكن عن الاخيرين " أن التأخير إلى السابع أحوط " وفي التهذيب " ان العمل على ما ذكرناه أولى " بل عن التبيان والسرائر " الاجماع على وجوب كون الصوم في الثلاثة المتصلة بالنحر " كما عن الخلاف " نفي الخلاف عن وجوبه اختيارا " وإن احتمل إرادة نفي الخلاف عن تقديمها على الاحرام بالحج، بل عن ظاهره اختصاص الرخصة بالمضطر. (و) على كل حال فلا ريب في أن الاحوط عدم التقديم وإن كان القول بالجواز لا يخلو من قوة، خصوصا بعد دعوى الشهرة عليه في محكي التنقيح لما عرفت، نعم لا خلاف في أنه (يجوز صومها طول) باقي (ذي الحجة) بل في المدارك أنه قول علمائنا واكثر العامة لاطلاق الآية المفسرة في صحيح رفاعة السابق بذي الحجة، وخصوص قول الصادق عليه السلام في صحيح زرارة (3): " من


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 8 - 1 - 13

[ 178 ]

لم يجد ثمن الهدي فاحب أن يصوم الثلاثة الايام في العشر الاواخر فلا بأس بذلك " بل يمكن تحصيل الاجماع منا فضلا عن محكيه على الجواز المزبور بمعنى الاجزاء وإن قلنا بوجوب المبادرة كما سمعته سابقا من كشف اللثام، وقال في المقام: " وظاهر الاكثر منهم المصنف في سائر كتبه وجوب المبادرة بعد التشريق، فان فات فليصم بعد ذلك الي آخر الشهر، وهو أحوط، لاختصاص أكثر الاخبار بذلك، ومن ذهب إلى كونه قضاء بعد التشريق لم يجز عنده التأخير إليه اختيارا قطعا، وهو مذهب الشيخ في المبسوط على ما في المختلف، والحق انه أداء كما في الخلاف والسرائر والجامع والمختلف والمنتهى والتذكرة والتحرير وفيما عندنا من نسخ المبسوط، إذ لا دليل على خروج الوقت، بل العدم ظاهر ما مر، غاية الامر وجوب المبادرة " قلت: قد سمعت سابقا ما اعترف به من إطلاق الاخبار والفتاوى وأنه لم يعثر على ما يقتضي وجوب المبادرة إلا ما حكاه من عبارة الجامع، فما أدري ما الذي دعاه هنا إلى نسبة ذلك إلى ظاهر الاكثر الذي يشهد التتبع بخلافه، خصوصا مع ملاحظة تصريحهم بجواز ذلك طول ذي الحجة، إذ لا داعي إلى حمله على إرادة الاجزاء لا الجواز بمعنى عدم الاثم والقول بالقضاء المزبور ليس لاحد من أصحابنا، نعم في المدارك أنه حكى في التذكرة عن بعض العامة قولا بخروج وقتها بمضي يوم عرفة، ولا ريب في بطلانه كما لا ريب في بطلان توقيتها بخصوص الايام التي بعد التشريق، أو خصوص يوم الحصبة منها، والتحقيق ما عرفت من عدم وجوب المبادرة للاصل، وظاهر النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات فضلا عن التوقيت، وان كانت هي أحوط، والله العالم. (ولو صام يومين وأفطر الثالث) لا لعذر (لم يجزه واستأنف) لما

[ 179 ]

عرفته من وجوب التتابع فيها نصا (1) وفتوى وإجماعا بقسميه، وفي العذر ما سمعته من الكيدري وابن حمزة، مع أن ظاهر الاصحاب هنا خلافه (إلا أن يكون ذلك هو العيد فيأتي بالثالث بعد النفر) لما سمعته من النص (2) والفتوى ومعقد الاجماع، فوسوسة سيد المدارك فيه لبعض النصوص (3) المعرض عنها أو المحمولة على ما عرفت في غير محلها كما تقدم ذلك كله، بل وغيره مما سمعته من ابن حمزة الذي نفى عنه البأس في المختلف، فلاحظ وتأمل. (ولا يصح صوم هذه الثلاثة إلا في ذي الحجة بعد التلبس بالمتعة) بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، نعم عن احمد في رواية جواز تقديمها على احرام العمرة، وهو خطأ واضح، ضرورة كونه تقديما للواجب على وقته وسببه بلا دليل، بل ظاهر الادلة خلافه، نعم يتحقق التلبس بالمتعة بدخوله في إحرام العمرة التي صارت جزء من حج التمتع كما صرح به غير واحد، بل قد عرفت النص (4) والاجماع على رجحان صومها في السابع مع استحباب أن يكون الاحرام بالحج في الثامن، ولكن مع ذلك اشترط الشهيد التلبس بالحج، ونحوه المصنف في النافع وثاني الشهيدين، لكونه تقديما للواجب على وقته، وللمسبب على سببه، وهو كالاجتهاد في مقابلة ما عرفت، ثم قال في الدروس: وجوز بعضهم صومها في إحرام العمرة، وهو بناء على وجوبه بها يعني الحج أو الهدي أو الصوم، قال: " وفي الخلاف لا يجب الهدي قبل إحرام


(1) الوسائل الباب 52 من ابواب الذبح الحديث 3 و 4 و 5 والباب 53 منها (2) و (3) الوسائل الباب 52 من ابواب الذبح الحديث 2 - 3 (4) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح

[ 180 ]

الحج بلا خلاف، ويجوز الصوم قبل إحرام الحج، وفيه إشكال " وفيه أنه لا حاجة إلى البناء المزبور بعد ظهور الدليل في ذلك وإن لم نقل بالوجوب، ولعل ذلك هو الوجه في كلام الشيخ (رحمه الله) ضرورة عدم المانع من مشروعية الصوم قبل الخطاب بالذبح للدليل كما أوضحناه سابقا، وقلنا إن خبر الكرخي (1) عن الرضا عليه السلام محمول على إرادة بيان الجواز أو غير ذلك، على انه يمكن القول بوجوب الذبح باحرام العمرة على معنى صيرورته مخاطبا بافعال الحج على حسب ترتبها ويكفي ذلك في مشروعية الصوم بدلا عنه، كما هو واضح. (ولو خرج ذو الحجة ولم يصمها) أي الثلاثة (تعين الهدي) بلا خلاف أجده فيه. بل في ظاهر المدارك وصريح المحكي عن الخلاف الاجماع عليه بل عن بعض انه نقله جماعة، وهو الحجة بعد صحيح حازم (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " من لم يصم في ذي الحجة حتى يهل المحرم فعليه شاة، وليس له صوم، ويذبح بمنى " لكن في كشف اللثام " أنه كما يحتمل الهدي يحتمل الكفارة، بل هي أظهر " وكذا النهاية والمهذب، وفيه انه دال باطلاقه أو عمومه لهما، خصوصا بعد ملاحظة استدلال الاصحاب به على الهدي، ولعله لذا قال في محكي المبسوط وجب عليه دم شاة واستقر في ذمته الدم وليس له صوم " ونحوه الجامع بل هو محكي عن صريح المنتهى، بل لعل عبارة المصنف وما شابهها لا دلالة فيها على نفي الكفارة بعد أن كانت مساقة لبيان ذلك، ومن الغريب ما في الرياض، فانه بعد ان اعترف بدلالة الصحيح (3) على الهدي والكفارة قال: " إن عدم


(1) الوسائل الباب 54 من ابواب الذبح الحديث 2 (2) الوسائل الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 1 وهو صحيح منصور بن حازم (3) الوسائل الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 181 ]

الوجوب اقوى للاصل " بعد أن نسبه إلى ظاهر المصنف والاكثر، وذكر الاستدلال بالنبوي الذي تسمعه، ثم قال: " وسند الخبر لم يثبت " وكأنه غفل عما اعترف به من دلالة الصحيح، فلاحظ وتأمل. وعلى كل حال فيؤيده مضافا إلى ذلك بالنسبة إلى الكفارة النبوي (1) " من ترك نسكا فعليه دم " وبالنسبة إلى الهدي صحيح عمران الحلبي (2) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يصوم الثلاثة الايام التي على المتمتع إذا لم يجد الهدي حتى يقدم اهله قال: يبعث بدم " بل هو صريح كظاهر الاول في عدم الفرق بين كون الترك لعذر أولا، كل ذلك مضافا إلى ما تقدم من النصوص (3) الدالة على ان وقتها ذو الحجة، وانه المراد من قوله تعالى: " الحج " هذا. ولكن في محكي النهاية والمبسوط بعد ما سمعته " ان من لم يصم الثلاثة بمكة ولا بالطريق ورجع إلى بلده وكان متمكنا من الهدي بعث به، فانه افضل من الصوم " وظاهره التخيير بين الهدي والصوم، بل في الدروس حكاية ذلك عنه على الجزم، فيه أنه إن كان قد خرج ذو الحجة تعين الهدي، ضرورة فوات وقت الصوم، بل وكذا إن لم يخرج، لان من وجد الهدي قبل شروعه في الصوم يجب عليه الهدي، اللهم إلا أن يكون المراد الوجدان في منى، فيتعين عليه الصوم حينئذ لا التخيير، إلا أن يكون هو مقتضى الجمع بين ذلك وبين إطلاق صحيح الحلبي المزبور، لكن ندرة القول


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 152 (2) الوسائل الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 3 (3) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح

[ 182 ]

به تمنع من ذلك، فان عبارة الشيخ المزبورة غير صريحة فيه، ولذا قال في المختلف انها مشعرة به، ولعله لاحتمال تعليله بانه افضل بيان حكمة التعيين لا التخيير. نعم قد يقال إن الصحيح المزبور معارض بالنصوص المستفيضة الدالة على أن من فاته صومها بمكة لعائق أو نسيان صامها في الطريق إن شاء، وإن شاء إذا رجع إلى اهله، منها حسن معاوية (1) وخبر على بن الفضل الواسطي (2) المتقدمان، ومنها صحيح معاوية (3) ايضا عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان متمتعا ولم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى اهله، فان فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة ايام بمكة، وإن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في اهله، وان كان له مقام بمكة فاراد ان يصوم السبعة يترك الصيام بقدر مسيره إلى اهله أو شهرا ثم صام " قال في القاموس: " الصدر الرجوع كالمصدر، والاسم بالتحريك، ومنه طوف الصدر ثم قال: والصدر محركة اليوم الرابع من أيام النحر " ومنها صحيح معاوية (4) الآخر، قال: " حدثني عبد صالح عليه السلام سألته عن المتمتع ليس له أضحية وفاته الصوم حتى يخرج وليس له مقام قال: يصوم ثلاثة أيام في الطريق إن شاء، وان شاء صام عشرة في اهله " ومنها صحيح سليمان بن خالد (5) " سألت ابا عبد الله عن رجل تمتع ولم يجد هديا قال:


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 4 (2) الوسائل الباب 52 من ابواب الذبح الحديث 4 (3) ذكر صدره في الوسائل في الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 4 وذيله في الباب 50 منها الحديث 2 (4) الوسائل الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 2 (5) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 7

[ 183 ]

يصوم ثلاثة أيام بمكة وسبعة إذا رجع إلى اهله، فان لم يقم عليه اصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة ايام إذا رجع إلى اهله " ومنها صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " الصوم الثلاثة الايام إن صمها فآخرها يوم عرفة، وان لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في اهله، ولا يصومها في السفر " ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين خروج ذي الحجة وعدمه، ومن هنا احتمل في الذخيرة الجمع بينها بان حكم السقوط مختص بالناسي، كما في صحيحة حمران (2) ويحمل عليه حسنة منصور بن حازم (3) قال وحينئذ يجمع بين صحيحة ابن مسلم وما يعارضها بالترخيص، وجمع بينها في التهذيب بحملها على من استمر به عدم التمكن من الهدي حتى وصل إلى بلده، فان الصوم يجزيه والحال هذه، وإن تمكن من الهدي قبل الصوم بعث به، قلت: لعل الاولى الجمع بحمل هذه النصوص على عدم خروج ذي الحجة وان استبعده في الذخيرة، لاعتضاده بعد الشهرة والاجماعات المنقولة بظاهر الكتاب والسنة والاجماع الموقتة لها بذي الحجة، فتسقط حينئذ بخروجه، وتقييد ذلك كله بحال التمكن والاختيار في البقاء في مكة ليس بأولى من تقييد الصحاح بها بحملها على بقاء ذي الحجة، بل هذا اولى من وجوه، والله العالم. (ولو صامها) أي الثلاثة (ثم وجد الهدي) في ذي الحجة (ولو قبل التلبس بالسبعة لم يجب عليه الهدي وكان له المضي على الصوم) كما في النافع والقواعد ومحكي النهاية والمبسوط والجامع، بل في المدارك نسبته إلى اكثر


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 10 (2) وهي صحيحة عمران الحلبي المتقدمة في ص 181 (3) الوسائل الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 184 ]

الاصحاب، بل عن الخلاف الاجماع على ذلك، للاصل وخبر حماد بن عثمان (1) سأل الصادق عليه السلام " عن متمتع صام ثلاثة ايام في الحج ثم أصاب هديا يوم خرج من منى قال: اجزأه صيامه " وخبر ابي بصير (2) سأل أحدهما (عليهما السلام) " عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أيذبح أو يصوم ؟ قال: بل يصوم، فان ايام الذبح قد مضت " بعد حمله علي انه قد صام الثلاثة، وان المراد من قوله " أو يصوم " إكماله بصوم السبعة، كما ان المراد من مضي ايام الذبح مضي ايام تعينه، فما عن القاضي من وجوب الهدي لصدق الوجدان واضح الضعف لما عرفت، ولكن قد يستدل له بخبر عقبة (3) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل تمتع وليس معه ما يشتري به هديا فلما ان صام ثلاثة ايام في الحج ايسر ايشتري هديا فينحره أو يدع ذلك ويصوم سبعة ايام إذا رجع إلى اهله قال يشتري هديا فينحره، ويكون صيامه الذي صامه نافلة " إلا انه لمكان الشهرة المزبورة بل الاجماع المحكي على عدم الوجوب ان لم يكن المحصل، والنصوص المزبورة المجبورة بالعمل حمل على إرادة الندب كما أشار إليه المصنف بقوله: (ولو رجع إلى الهدي كان افضل) مؤيدا بانه الاصل وبدلالة النصوص على فضله على الصوم على الاطلاق، بل عن ابن ادريس والفاضل والمقداد الاكتفاء في الحكم المزبور بالتلبس بالصوم مستدلا عليه في محكي المنتهى باطلاق الآية وجوب الصوم على من لم يجد الهدي الذي مقتضاة عدم الاجتزاء به وإن لم يدخل في الصوم، إلا أنه خرج ذلك بالوفاق، فيبقى ما عداه، ولكن فيه


(1) و (3) الوسائل الباب 45 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 (2) الوسائل الباب 44 من ابواب الذبح الحديث 3

[ 185 ]

أن مقتضى الآية صوم من لم يجد، وهذا واجد، لان ذا الحجة كله وقت، بل مقتضاه وجوب الهدي وإن صام العشرة فضلا عن الثلاثة كما سمعته من القاضي بل مال إليه بعض متأخري المتأخرين، لضعف خبر حماد (1) بعبد الله بن بحر كما في الكافي أو بعبد الله بن يحيى كما في التهذيب لاشتراكه، مع أن الظاهر كونه تصحيفا، وضعف خبر ابي بصير (2) ايضا وإن روي بعدة طرق، وإن كان قد يدفع ذلك بعد التسليم في الاخير بالانجبار بما عرفت مؤيدا بالوفاق، على أن الاصل في الثلاثة صومها في السابع وتالييه كما عرفت، وهو يعطي الاجزاء وان وجد يوم النحر، فالتحقيق حينئذ اعتبار مضي الثلاثة في الحكم المزبور واولى منه الزيادة عليها كما أومأ إليه المصنف بلو الوصلية، نعم في عبارة القواعد تقييد ذلك بما قبل السبعة، وهو يعطي عدم جواز الرجوع إلى الهدي بعدها، لكن فيه منع واضح، ضرورة جوازه ما دام ذو الحجة، ولذا قال الشهيد لو صام ثم وجد الهدي في وقته استحب الذبح، بل لعله أحوط، واوضح منه منعا لو أراد عدم إجزاء الصوم، ضرورة كونه بالتلبس بالسبعة زاد على الثلاثة كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (صوم السبعة بعد وصوله إلى بلده) بلا خلاف أجده فيه بيننا بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد ظاهر الآية الذي مقتضاه العود إلى الوطن، وصحيح معاوية (3) عن ابي عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من كان متمتعا فلم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى


(1) الوسائل الباب 45 من ابواب الذبح الحديث 2 (2) الوسائل الباب 44 من ابواب الذبح الحديث 3 (3) الوسائل الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 4

[ 186 ]

أهله " وصحيح سليمان بن خالد (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل تمتع ولم يجد هديا قال يصوم ثلاثة أيام بمكة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فان لم يقم عليه اصحابه ولم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله " وغيرهما، خلافا لبعض العامة فقال: يصوم السبعة إذا فرغ من أعمال الحج، ولآخر منهم أيضا فقال: يصومها إذا خرج من مكة سائرا في الطريق، ولثالث فقال: بعد أيام التشريق، والجميع مخالف للتنزيل الذي مقتضاه ايضا صومها بعد الرجوع متى شاء، وعن اسحاق بن عمار (2) انه سأل أبا الحسن عليه السلام " انه قدم الكوفة ولم يصم السبعة الايام حتى فرغ في حاجة إلى بغداد فقال عليه السلام: صمها ببغداد، فقلت افرقها قال: نعم " والله العالم. (ولا يشترط فيها الموالاة على الاصح) وفاقا للمشهور، بل عن المنتهى والتذكرة لا نعرف فيه خلافا للاصل بعد إطلاق الدليل، وخبر اسحاق بن عمار المتقدم آنفا المنجبر بما عرفت المعتضد بالعموم في حسن عبد الله بن سنان (3) عن ابي عبد الله عليه السلام: كل صوم يفرق إلا ثلاثة ايام في كفارة اليمين " خلافا لما عن ابن ابي عقيل وأبي الصلاح من وجوبها فيها كالثلاثة لخبر علي بن جعفر (4) عن اخيه موسى عليه السلام " سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أفصومها متوالية أو نفرق بينها ؟ قال: تصوم الثلاثة الايام لا تفرق بينها، والسبعة لا تفرق بينها " وهو مع الطعن في سنده بمحمد بن احمد العلوي الذي هو غير


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 7 (2) و (4) الوسائل الباب 55 من ابواب الذبح الحديث 2 1 (3) الوسائل الباب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 1 من كتاب الصوم

[ 187 ]

معروف الحال وان وصف الفاضل الروايات الواقع في طريقها بالصحة، فهو كالشهادة منه بذلك قاصر عن معارضة ما سمعت، وكخبر الحسين بن زيد (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " السبعة الايام والثلاثة والايام في الحج لا تفرق انما هي بمنزلة الثلاثة الايام في اليمين " فالوجه حملها على ضرب من الكراهة، كما عساه يشعر بها التفريق في الجواب في الاول. ثم إن الظاهر اعتبار التفريق بين الثلاثة والسبعة بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، لظاهر الآية، وخبر علي بن جعفر (2) عن اخيه عليه السلام " لا يجمع بين الثلاثة والسبعة " لكن الظاهر اختصاص ذلك بما إذا صام في مكة، اما لو وصل إلى اهله ولم يكن قد صام الثلاثة لم يجب عليه التفريق، كما نص عليه الفاضل في محكي المنتهى، بل هو ظاهر الامر بصوم العشرة فيما سمعته من النصوص (3) والله العالم. (فان اقام بمكة انتظر) مقدار (مدة وصوله إلى اهله ما لم يزد على شهر) ثم صام السبعة كما انه يصومها إذا مضى الشهر كما في النافع والقواعد ومحكي النهاية والمقنع والسرائر والجامع، بل في الذخيرة لا اعلم فيه خلافا، والاصل فيه قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (4) " قال رسول الله


(1) الوسائل الباب 10 من ابواب بقية الصوم الواجب الحديث 2 من كتاب الصوم (2) الوسائل الباب 55 من ابواب الذبح الحديث 2 (3) الوسائل الباب 46 من ابواب الذبح الحديث 7 و 12 والباب 47 منها الحديث 2 والباب 51 منها الحديث 2. (4) ذكر صدره في الوسائل في الباب 47 من ابواب الذبح الحديث 4 وذيله في الباب 50 منها الحديث 2

[ 188 ]

صلى الله عليه وآله: من كان متمتعا فلم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، قال: فان فاته ذلك وكان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة، وإن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله، وان كان له مقام بمكة وأراد أن يصوم السبعة يترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام " الذي يقيد به إطلاق ما رواه الصدوق في محكي المقنع عن معاوية (1) أنه سأل الصادق عليه السلام " عن السبعة الايام إذا أراد المقام فقال: يصومها إذا مضت أيام التشريق " بل وصحيح ابي بصير (2) المضمر " رجل تمتع فلم يجد ما يهدي فصام الثلاثة أيام فلما قضى نسكه بدا له أن يقيم بمكة سنة قال: ينتظر منهل اهل بلده، فإذا ظن انهم دخلوا بلدهم فليصم السبعة الايام " وصحيح ابن ابى نصر (3) " في المقيم إذا صام الثلاثة الايام ثم يجاور ينظر مقدم أهله، فإذا ظن انهم قد دخلوا فليصم السبعة الايام " والمراد من الظن فيهما هو تقدير المدة المزبورة، ضرورة عدم حصول العلم بدخولهم بمضيها لامكان المانع، والمدار عليها لا على دخولهم، فما عن القاضي والحلبيين من الانتظار إلى الوصول من غير اعتبار الشهر، بل عن ابن زهرة منهم الاجماع عليه، بل عن المفيد روايته (4) عن الصادق عليه السلام واضح الضعف وإن استدل لهم باطلاق الصحيحين المزبورين المحمول على ما عرفت، بل يمكن حمل كلامهم على ارادة أحد الفردين لا قصر الحكم عليه، كالمحكي عن الشيخ من انه عكس في الاقتصاد، فذكر الانتظار شهرا فحسب، فيرتفع الخلاف حينئذ من البين كما سمعته من الذخيرة.


(1) المستدرك الباب 45 من ابواب الذبح الحديث 3 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 50 من ابواب الذبح الحديث 3 - 1 - 5

[ 189 ]

ثم إن ظاهر النص والفتوى قصر الحكم على المقيم بمكة، لكن في كشف اللثام عممه الحلبيان لمن صد عن وطنه، وابن ابي مجد للمقيم باحد الحرمين، والفاضل في التحرير لمن أقام بمكة أو الطريق واطلق في التذكرة لمن أقام إلا أنه استدل بصحيح معاوية الذي سمعته، ولا يخفى عليك ما في الجميع، ضرورة كون الوجه الاقتصار في الشهر على المنصوص، للامر في الآية بالتأخير إلى الرجوع الظاهر منه الحقيقة لا الحكم ايضا وإن ذكره بعض المتأخرين، لكنه محل للنظر كما اعترف به في الذخيرة والمدارك، هذا، وقد ذكر غير واحد من المتأخرين على ما في الذخيرة أن مبدأ الشهر بانقضاء ايام التشريق، ولم يستوضحه قال: بل يحتمل الاحتساب من يوم يدخل مكة أو يوم يعزم على الاقامة، وفي كشف اللثام " والاظهر من آخرها الذي هو يوم النفر، ويحتمل من دخول مكة أو قصد إقامتها " قلت: قد يشهد للاول ما سمعته من خبر المقنع مؤيدا بما سمعته سابقا من ان جواز صوم يوم الآخر منها باعتبار كونه يوم النفر هو الخروج من منى، وحرمة صومها إنما هي فيها لا مطلقا، ولعل الامر هنا كذلك ايضا، فان خرج من منى في اليوم الاخير احتسب الشهر منه، وإلا فمن بعده، ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، والله العالم. (ولو مات من وجب عليه الصوم ولم يصم) بعد التمكن منه (وجب أن يصوم عنه وليه الثلاثة دون السبعة) كما عن الشيخ وجمع للاصل وحسن الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام سأله " عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يكن له هدي فصام ثلاثة ايام في ذي الحجة ثم مات بعد ان رجع إلى اهله قبل ان يصوم السبعة الايام أعلى وليه ان يقضي عنه ؟ قال: ما أرى عليه قضاء " وفيه ان


(1) الوسائل الباب 48 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 190 ]

الاصل مقطوع بما تسمعه، والحسن محتمل للموت قبل التمكن من الصوم الذي لا خلاف معتد به في عدم وجوب الصوم عنه معه بل عن المنتهى انه مذهب علمائنا واكثر الجمهور، كما عن الصيمري ان عليه إطباق الفتاوى، وبه حينئذ يقيد الاطلاق، فما عن بعض من الوجوب واضح الضعف، على ان الحسن المزبور ظاهر في نفي القضاء مطلقا كما في الرياض حاكيا له عن الصدوق، قال: لان العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحل، وإن كان هو كما ترى، نعم هو محتمل لما عرفت، خصوصا بعد قوة المعارض. (و) من هنا (قيل) والقائل ابن ادريس واكثر المتأخرين: (بوجوب قضاء الجميع) مع فرض عدم صومها بعد التمكن (وهو الاشبه) باصول المذهب وقواعده التي منها عمول ما دل (1) على وجوب قضاء ما فات الميت من الصيام، بل عن المختلف الاجماع على ذلك، وخصوص صحيح معاوية (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " من مات ولم يكن له هدي لمتعة فليصم عنه وليه " ومن الغريب ما في الرياض من المناقشة بان هذا ظاهر، والاول نص، ويحمل على الاستحباب بعد رجحانه عليه بالشهرة والاجماع المحكي وغير ذلك، واغرب منه المناقشة ايضا بان الشهرة ليست بتلك الشهرة الموجبة لصرف الادلة عن ظواهرها، وبعدم وضوح تناول العموم لمثل المقام، وبمنع الاجماع في محل النزاع، إلا ان ذلك كله كما ترى، والتحقيق ما عرفت. ثم لا فرق في ذلك بعد وجوبها عليه بين وصوله إلى بلده وعدمه، للعموم المزبور، فما عساه يظهر من محكي الفقيه من انه إذا مات قبل ان يرجع إلى


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب احكام شهر رمضان من كتاب الصوم (2) الوسائل الباب 48 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 191 ]

اهله ويصوم السبعة فليس على وليه القضاء من اعتبار الوصول في غير محله اللهم إلا ان يريد بذلك الكناية عن التمكن منها، كما ان ما يحكى عن الصدوق من استحباب اصل القضاء للولي كذلك ايضا بعد ما عرفت، والله العالم. (ومن وجب عليه بدنة في نذر أو كفارة ولم يجد) ولم يكن على بدلها نص بخصوصه كفداء النعامة على ما ستعرف إن شاء الله (كان عليه سبع شياه) كما في القواعد والنافع وغيرهما ومحكي السرائر والنهاية والمبسوط، بل في الاخيرين فان لم يجدها صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في منزله، لخبر داود الرقي (1) عن ابي عبد الله عليه السلام في الرجل يكون عليه بدنة واجبة في فداء قال: إذا لم يجد بدنة فسبع شياه، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في منزله " مؤيدا بما عن ابن عباس (2) " انه اتى النبي صلى الله عليه وآله رجل فقال علي بدنة وانا موسر لها ولا اجدها فاشتريها فأمره النبي صلى الله عليه وآله ان يبتاع سبع شياه فيذبحهن " بل وبما تسمعه إن شاء الله في الايمان وتوابعها من ان من وجب عليه بدنة في نذر ولم يجد لزمه بقرة، فان لم يجد فسبع شياه، لكن لاقتصار الخبر المزبور على الفداء اقتصر عليه ابن سعيد فيما حكي عنه، وعن الصدوق في المقنع والفقيه الاقتصار على الكفارة التي هي اعم من الفداء، ولا يبعد اتحاد المراد منهما هنا كما انه لا يبعد العمل بالخبر المزبور بعد الاعتضاد بالعمل وغيره مما سمعت، نعم ينبغي الاقتصار عليه بعد حرمة القياس عندنا، فلا تجزي السبع المزبورة عن البقرة وان اجزأت عن الاعظم، كما ان البدنة لا تجزي من السبع حيث تجب وإن وجبت هي بدلا عنها، وما عن التذكرة والمنتهى من اجزاء البدنة عن البقرة لانها اكثر لحما


(1) الوسائل الباب 56 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) سنن ابن ماجة ج 2 ص 274

[ 192 ]

واوفر لا يخفى عليك ما فيه، ويتحقق العجز عن السبع بالعجز عن البعض فينتقل إلى الصوم حينئذ، كما هو واضح، والله العالم. (ولو تعين الهدي فمات من وجب عليه اخرج من اصل تركته) كما في غيره من الحقوق المالية التي هي كالديون، ومن هنا لو قصرت التركة وزعت على الجميع بالحصص، فان لم تف الحصة بالهدي وجب الجزء لقاعدة الميسور " وما لا يدرك " (1) " وإذا أمرتكم " (2) ولو لم يمكن ففي المدارك الاصح عوده ميراثا، بل يحتمل قويا ذلك مع امكان شراء الجزء ايضا، وفي المسألة قول ضعيف بوجوب الصدقة به، وفيه انه اولى من عوده ميراثا أو مساو، ولذا قال في المسالك ففي الصدقة به أو عوده ميراثا وجهان، نعم قد يقال إن الاقوى منهما صرفه في الدين، إذ لا معنى لجعله ميراثا مع وجود الدين، والله العالم. الطرف (الرابع في هدي القران) الذي لا خلاف أجده في انه (لا يخرج) أي (هدي القران عن ملك سائقه) بشرائه وإعداده وسوقه لاجل ذلك قبل عقد الاحرام به، بل في المسالك الاجماع عليه، مضافا إلى الاصل وخبر الحلبي (3) الآتي وغيره (و) حينئذ ف‍ (له ابداله) وركوبه ونتاجه (والتصرف فيه) بالمتلف وغيره، لقاعدة تسلط الناس على اموالهم (وإن اشعره أو قلده) مع ذلك بدون عقد نية الاحرام (و) لا تأكيدها به (لكن) كان ذلك من قبل الاحرام اعدادا له وعزما انه يهديه لحجه أو عمرته نعم (متى ساقه) بمعنى انه اشعره أو قلده عاقدا به الاحرام أو مؤكدا به


(1) روي حديث " الميسور لا يسقط بالمعسور " و " ما لا يدرك كله لا يترك كله " في غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) تفسير الصافي سورة المائدة الآية 101 وسنن البيهقي ج 4 ص 326

[ 193 ]

التلبية العاقدة (فلابد من نحره) أو ذبحه، ولا يجوز له ابداله ولا التصرف فيه بما يمنع من نحره، لتعينه حينئذ كذلك كما صرح به جماعة، بل لا أجد فيه خلافا لقوله تعالى (1): " لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد " ولتظافر الاخبار بان السياق يمنع من العدول إلى التمتع، وخبر الحلبي أو صحيحه (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها أو يقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر ويجد هديه قال: إن لم يكن أشعرها فهي ماله إن شاء نحرها وإن شاء باعها، وإن كان أشعرها نحرها " والمناقشة بان أقصى ما يدل عليه وجوب نحر الهدي الذي ضل بعد الاشعار ثم وجد في منى، لا وجوب النحر بالاشعار مطلقا كما ترى لا تستأهل أن يستطر، ضرورة ظهوره أو صراحته في أن المدار على الاشعار وعدمه، نعم لا دلالة فيه على اعتبار العقد بالاشعار أو التأكيد، بل مقتضاه كالآية الاكتفاء بحصوله بقصد الهدي، فان لم يكن إجماع لم يبعد القول به، أللهم إلا أن يقال إن المراد بهدي القران هو ما يقترن به نية الاحرام سواء عقده به أو بالتلبية وأكده به، وفيه منع، ولكن مع ذلك هو باق على ملكه وان وجب عليه نحره للاصل وغيره، فله ركوبه وشرب لبنه وغير ذلك مما لا ينافي وجوب نحره المدلول عليه بما عرفت، كما تسمع ما يدل عليه من النصوص (3) بل الظاهر أن نتاجه له ايضا وإن قلنا بوجوب نحره عليه معه للدليل كما ستعرف. وكيف كان فعبارة المصنف هنا لا تخلو من تنافر كما اعترف به الكركي


(1) سورة المائدة الآية 2 (2) الوسائل الباب 32 من ابواب الذبح الحديث 1 (3) الوسائل الباب 34 من ابواب الذبح

[ 194 ]

وثاني الشهيدين وان تبعه عليها الفاضل في القواعد، بل في المسالك في أكثر كتبه وإن كنا لم نتحققه، وذلك لان وجوب النحر الذي ذكره أخيرا ينافي جواز التصرف فيه والابدال الذي ذكره أولا، وما في المدارك من دفعه بانه إنما يتجه لو اتحد متعلق الحكمين، والعبارة كالصريحة بخلافه، فان موضع جواز التصرف فيه ما بعد الاشعار وقبل السياق، وموضع الوجوب المقتضي لعدم جواز التصرف ما بعد السياق يدفعه ما في حاشية الكركي من أنه لا يراد بالسياق امر زايد على الاشعار أو التقليد، فان السياق بمجرده لا يوجب ذلك اتفاقا، ومقتضى النص وكلام الاصحاب عدم الاحتياج إلى ضمه إلى الاشعار والتقليد في ذلك، فالتنافر حينئذ بحاله، ولعله لذا خلت عن ذلك عبارة الاولين على ما في المسالك، ودفعه فيها بتنزيل الاول على إرادة عدم خروجه عن ملكه بمجرد الاعداد للسوق والشراء لذلك ونحوه وإن نودي عليه كونه هدي سياق، وتسميته حينئذ سائقا مجاز باعتبار ما يؤول إليه أو حقيقة لغوية، وحينئذ فله إبداله والتصرف فيه، وقوله: " وإن أشعره أو قلده " وصلى لقوله " لا يخرج عن ملكه " لا لقوله: " وله إبداله " إلى آخره، بل هو معترض بينهما، والتقدير انه لا يخرج عن ملكه وإن أشعره أو قلده وتعين ذبحه، والموجب لتعبيره كذلك محاولة الجمع بين الحكمين المختلفين أعني جواز التصرف فيه قبل الاشعار وعدم الخروج عن ملكه بعده، فاتفق تعقيد العبارة، ولو قدم قوله: " وإن أشعره " على قوله " وله إبداله " لصح من هذه الجهة، ولكن لا يتم بعده قوله " وله إبداله " لايهامه حينئذ أن له ذلك بعد الاشعار، بخلاف ما لو قدم جواز الابدال، وغاية الامر أن يتساويا في الاجمال، وقوله " لكن متى ساقه " أي عينه للسياق بالاشعار أو التقليد المذكورين " فلابد من نحره " أي تعين لذلك وإن لم يخرج عن ملكه، والعبارة في قوة قوله: ولكن متى فعل ذلك

[ 195 ]

أي بان أشعره أو قلده تعين نحره ولم يجز له ابداله ولا التصرف فيه، وهو يزيل احتمال كون قوله " وإن أشعره " وصليا لجواز إبداله حذرا من التدافع، إذ لا معنى لسياقه شرعا إلا عقد الاحرام به بالاشعار أو التقليد، وهذا اجود ما تنزل عليه العبارة على ما فيها من التعقيد، قلت: هو كذلك، ضرورة عدم القرينة على ما ذكره، كما هو واضح. ونزلها الكركي في حاشيته على ما أشرنا إليه في مزج العبارة من كون المراد بقوله " وان اشعره " إلى آخره الاشعار على غير الوجه المعتبر، وهو الذي يعقد به الاحرام، فانه الذي يتعين به عليه ذبحه ولا يجوز إبداله، ولكن متى ساقه أي اشعره أو قلده عاقدا به الاحرام وجب عليه ذلك، ولا ريب في كونه مصححا للعبارة وإن كان هو خلاف الظاهر، وفي كشف اللثام هو الوجه عندي لانه في التحرير مع حكمه بما في الكتاب قال: تعين الهدي يحصل بقوله هذا أو باشعاره أو تقليده مع نية الهدي، ولا يحصل بالشراء مع النية، ولا بالنية المجردة، وقال: لو ضلا فاشترى مكانه غيره ثم وجد الاول فصاحبه بالخيار إن شاء ذبح الاول، وإن شاء ذبح الاخير، فان ذبح الاول جاز له بيع الاخير وإن ذبح الاخير ذبح الاول إن كان قد أشعره، وإلا جاز له بيعه، ونحوه في المنتهى والتذكرة، وحكى في المسالك عن بعض الفضلاء تنزيلا غريبا حاصله الالتزام بانه لا يتعين للذبح أو النحر بالسياق، وهو الاشعار أو التقليد العاقد للاحرام، ولكن يجب إما ذبحه أو ذبح بدل منه، وهذا معنى قول المصنف وسائر الاصحاب انه لا (1) يتعين به ذبحه أو نحره، وفيه أنه مع بعده


(1) شطب على لفظة " لا " في النسخة الاصلية المبيضة ولكنها موجودة في النسخة الاصلية المسودة وهو الصحيح كما يظهر بادنى تأمل.

[ 196 ]

لا دليل على حكمه، بل ظاهر الادلة من النص والفتوى بخلافه، ضرورة كونها كالصريح في تعيين ذبح خصوص المساق لا بدله كما هو واضح، وعلى كل حال فان أراد المصنف ومن تبعه ما ذكرناه وإن قصرت عبارته فذاك، وإلا كان محجوجا بما عرفت. هذا كله إذا لم يعينه بالنذر، وإلا تعين وإن لم يشعره أو يقلده، ولم يجز له إبداله قطعا كما صرح به في المسالك وغيرها، وهو كذلك مع فرض تعلق النذر بعينه، ولو تلفت بغير تفريط لم يجب عليه عوضه بخلاف ما إذا تعلق بكلي ثم عينه في فرد، فان الظاهر وجوب عوضه من غير فرق بين ان يقتصر على نية ان هذا ما وجب عليه وبين أن يقول مع ذلك إن هذا ما علي من النذر، إذ لا دليل على برائته إلا بالذبح في المنحر، فالاصل حينئذ بحاله، وبه صرح الفاضل في المنتهى إلا أنه فرق بين القول وغيره بتعين الواجب عليه في الاول وان لم تبرء ذمته بذلك، وعدمه في الثاني الذي له التصرف فيه بابدال وغيره، بخلاف الاول الذي يصير بقوله كالعين المرهونة في الدين، إلا انه كما ترى لا دليل على ذلك في المقام، بل في كل واجب مطلق كدم المتعة وجزاء الصيد، فانه مع تعيينه له في فرد لا يتعين، سواء قرنه مع ذلك بالقول أو لا، كما أن ما في المنتهى من الخروج عن الملك في نذر العين بعينها لا يخلو من نظر كما اوضحناه في كتاب النذور. وكيف كان فلا خلاف في وجوب نحر هدي القران أو ذبحه (بمنى إن كان) قد ساقه (لاحرام الحج، وان كان للعمرة فبفناء الكعبة) بل في المدارك الاجماع عليه، مضافا إلى التأسي وقول الصادق عليه السلام في خبر عبد الاعلى (1)


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الذبح الحديث 6

[ 197 ]

" لا هدي إلا من الابل، ولا ذبح إلا بمنى " وفي موثق العقرقوفي (1) " سأله عليه السلام سقت في العمرة بدنة فاين أنحرها ؟ قال: بمكة " والمراد بفناء الكعبة سعة امامها وقيل ما امتد من جوانبها دورا وهو حريمها خارج المملوك عنها. وعلى كل حال فافضل مواضع الذبح فيها عند الاصحاب على ما في المدارك أن يكون (بالحزورة) بالحاء المهملة التي هي على وزن قسورة تل خارج المسجد بين الصفا والمروة، وربما قيل الحزورة بفتح الزاء وتشديد الواو، وفي الصحيح (2) " من ساق هديا وهو معتمر نحر هديه في المنحر، وهو بين الصفا والمروة، وهي الحزورة " وظاهره الوجوب، بل ربما حكي عن ظاهر بعض، ولكن ما سمعت من المدارك مؤيدا بتصريح غير واحد من الاصحاب يقتضي إرادة الندب منه، وإن كان الجمع بالاطلاق والتقييد اولى لولا ذلك، كما أن التسامح يقتضي استحباب فناء الكعبة من مكة ايضا، وإن اطلق في الموثق المزبور، والله العالم. (ولو هلك) هدي القران بدون تفريط وكان قد ساقه تطوعا (لم يجب اقامة بدله) بلا خلاف أجده فيه مما عدا الحلبي، بل ولا اشكال (لانه ليس بمضمون) للاصل والمعتبرة المستفيضة، منها صحيحة ابن مسلم (3) سأل أحدهما (عليهما السلام) " عن الهدي الذي يقلد أو يشعر ثم يعطب فقال: ان كان تطوعا فليس عليه غيره، وإن كان جزاء أو نذرا فعليه بدله " وصحيح معاوية ابن عمار (4) سأل أبا عبد الله عليه السلام " عن الهدي إذا عطب قبل ان يبلغ المنحر أيجزي عن صاحبه ؟ فقال: ان كان تطوعا فلينحره وليأكل منه وقد أجزأ عنه بلغ المنحر أو لم يبلغ، فليس عليه فداء، وإن كان مضمونا فليس عليه أن


(1) و (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الذبح الحديث 3 - 4 (3) و (4) الوسائل الباب 25 من ابواب الذبح الحديث 1 - 3

[ 198 ]

يأكل منه بلغ المنحر أو لم يبلغ، وعليه مكانه " فما عن الحلبي من وجوب البدل مع التمكن لظاهر بعض النصوص التي تأتي إن شاء الله المحمول على ذلك واضح الضعف. (ولو كان) أي هدي القران (مضمونا) بأن كان واجبا اصالة لا بالسياق وجوبا مطلقا لا مخصوصا بفرد (كالكفارات) والمنذور مطلقا (وجب اقامة بدله) كما صرح به غير واحد: لان وجوبه غير مختص بفرد، فلا تبرء الذمة الا بالذبح في المحل وصرفه فيما يصرف فيه، ولما سمعته من النصوص التي منها ومن عبارة المصنف بل في المدارك وغيره من الاصحاب يستفاد تأدي وظيفة السياق بالمستحق كالكفارة والنذر، ولا بأس به بعد ظهور النص والفتوى، بل قيل ان عبارات الاصحاب كالصريحة في ذلك، بل هو صريح الشهيد في الدروس، قال: " ولو كان ساق مضمونا كالكفارة ضمنه، ويتأدي السياق المستحب بها وبالمنذور " ونحوه عن العلامة في التذكرة. وعلى كل حال فلا ينافي الحكم المذكور مرسل حريز (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " كل شئ إذا دخل الحرم فعطب فلا بدل على صاحبه تطوعا أو غيره " وان كان خاصا الا انه قاصر عن المعارضة من وجوه، ولذا حمله غير واحد على العجز عن البدل أو على ارادة غير الموت من العطب كالكسر ونحوه مما يمنع من الوصول الذي ستعرف حكمه ان شاء الله أو على المنذور المعين، أو غير ذلك، وان كان هو كما ترى، الا انه خير من الطرح، ولعل لفظ المضمون في النصوص (2) كاف في الدلالة على ما ذكره من اختصاص وجوب الابدال بالكلي في الذمة، ضرورة انسياق ذلك منه لا ما يشمل المنذور بخصوصه، كما هو واضح، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل الباب 25 من ابواب الذبح الحديث 6.

[ 199 ]

(ولو عجز هدي السياق) بعد اشعاره أو تقليده (عن الوصول) إلى المحل (جاز) بل وجب ولو تخييرا على ما ستعرف ان شاء الله (ان ينحر أو يذبح) في ذلك المكان ويصرف في مصرفه، وان لم يمكن لعدم وجود المستحق يذبح أو ينحر (ويعلم بما يدل على انه هدي) بكتابة أو بتلطيخ نعلها بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، للمعتبرة المستفيضة، كصحيح حفص (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه ولا يعلم انه هدي قال: ينحره ويكتب كتابا يضعه عليه ليعلم من مر به انه صدقة " وصحيح الحلبي (2) عنه عليه السلام ايضا " أي رجل ساق بدنة فانكسرت قبل ان تبلغ محلها أو عرض لها موت أو هلاك فلينحرها ان قدر على ذلك ثم ليلطخ نعلها التي قلدت بها بدم حتى يعلم من مر بها قد ذكيت فيأكل من لحمها ان اراد، وان كان الهدي الذي كسر أو هلك مضمونا فان عليه ان يبتاع مكان الذي انكسر أو هلك، والمضمون هو الشئ الواجب عليك في نذر أو غيره، وان لم يكن مضمونا وانما هو شئ تطوع به فليس عليه ان يبتاع مكانه الا ان يشاء ان يتطوع " وخبر علي بن ابي حمزة (3) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل ساق بدنة فانكسرت قبل ان تبلغ محلها أو عرض لها موت أو هلاك قال: يذكيها ان قدر على ذلك ويلطخ نعلها التي قلدت بها حتى يعلم من مر بها انها قد ذكيت، فيأكل من لحمها ان اراد " ومرسل حريز (4) عنه عليه السلام ايضا " كل من ساق هديا تطوعا فعطب هديه فلا شئ عليه، ينحره ويأخذ تقليد النعل فيغمسها في الدم فيضرب به صفحة سنامه، ولا بدل عليه، وما كان من جزاء صيد أو نذر


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 31 من ابواب الذبح الحديث 1 - 4 - 3 - 5

[ 200 ]

فعطب فعل مثل ذلك وعليه البدل " الحديث، وخبر عمر بن حفص الكليني (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه ولا من يعلمه انه هدي قال: ينحره ويكتب كتابا ويضعه عليه ليعلم من مر به انه صدقة " ومنها مضافا إلى عمل الاصحاب على وجه لا يظهر فيه خلاف يستفاد جواز العمل على الامارة المزبورة في قطع اصالة عدم التذكية، ولا يجب الاقامة عنده إلى ان يوجد المستحق وان امكن، كما انه يستفاد من صحيح الحلبي (2) وخبر علي بن ابي حمزة (3) منها وجوب الابدال مع ذلك لو كان مضمونا، وربما اشكل بان مقتضى وجوب الابدال باعتبار النذر المطلق أو غير رجوع المبدل إلى ملك صاحبه يفعل به ما يشاء، لا وجوب النحر والدلالة عليه بانه هدي كما سمعت، وبه جزم في الحدائق، وهو كالاجتهاد في مقابلة النص، إذ يمكن جريان حكم الهدي عليه باشعاره أو تقليده وإن لم يصل إلى المحل ووجب بدله. (و) لكن قول المصنف والفاضل والشيخ في محكي المبسوط والنهاية انه (لو أصابه) أي هدي السياق الذي تعين ذبحه بالاشعار (كسر جاز بيعه والافضل ان يتصدق بثمنه أو يقيم بدله) مناف لذلك، ضرورة كون مقتضاه الرجوع إلى ملكه وإن كان قد تعين ذبحه بالاشعار، ومن هنا انكر الكركي


(1) و (2) الوسائل الباب 31 من ابواب الذبح الحديث 4 6 والاول عن عمرو بن حفص الكلبي وهو ايضا سهو فانه لم يذكر اسمه في التراجم والموجود في التهذيب ج 5 ص 218 الرقم 736 عمر بن حفص الكلبي (3) الفقيه ج 2 ص 298 الرقم 1478

[ 201 ]

جواز البيع إلا انه وجهه في المسالك بان الواجب كان ذبحه بمحله، فإذا تعذر سقط، فيجوز بيعه وتستحب الصدقة بثمنه كما تستحب الصدقة ببعض لحمه، ثم قال: وهذا الحكم ذكره المصنف والعلامة وجماعة، وينبغي تقييده بما إذا لم يكن مضمونا كالكفارات والمنذور، فانه يجب حينئذ إقامة بدله، وهذا النوع يمكن جعله فردا من أفراد هدي السياق كما مر، فلابد من استثنائه، إلا أن يحمل على الغالب الظاهر من كون هدي السياق هو المتبرع به، وقد دل على الحكمين معا صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن الهدي الذي يقلد أو يشعر ثم يعطب قال: إن كان تطوعا فليس عليه غيره، وإن كان جزاء أو نذرا فعليه بدله " وفي حسنة الحلبي (2) اطلق بيعه والصدقة بثمنه وإهداء هدي آخر، وحملت على الاستحباب مع أنها مقطوعة، فلا حجة فيها واستشكل المحقق الشيخ علي في حاشية الكتاب الحكم المذكور بأن هدي السياق صار متعينا نحره، فكيف يجوز بيعه، وجوابه أنه مع مدافعته النص الصحيح فلا يسمع أن الواجب إنما هو ذبحه في محله وقد تعذر فيسقط، نعم ربما أشكل بما تقدم من وجوب ذبحه عند عجزه، وهو قريب من الكسر، بل العجز أعم منه، لكن النص قد ورد بالفرق، وفيه أولا انا لم نجد نصا فارقا بين الكسر وغيره، بل صحيحة الحلبي (3) السابقة مصرحة بالذبح والتعليم على الوجه المذكور مع الكسر كخبر علي بن ابي حمزة (4) بل عن ظاهر أهل اللغة أنه المراد من العطب الذي وقع عنوانا في النصوص، قال في القاموس: عطب كفرح هلك


(1) الوسائل الباب 25 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) الوسائل الباب 27 من ابواب الذبح الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب 31 من ابواب الذبح الحديث 4 - 3

[ 202 ]

والبعير والفرس انكسر، وإن كان الظاهر كونه للاعم من الكسر وغيره، وثانيا أن الذي عثرنا عليه من نصوص البيع هي صحيحة محمد بن مسلم (1) سأل احدهما (عليهما السلام) " عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هدي آخر ؟ قال: يبيعه ويتصدق بثمنه ويهدي هديا آخر " وحسنة الحلبي (2) " سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أيبيعه صاحبه ويستعين بثمنه في هدى آخر ؟ قال: يبيعه ويتصدق بثمنه ويهدي هديا آخر " وموردهما كما ترى في الواجب. ومن هنا قال في المدارك: " المستفاد من الاخبار أن هدي السياق المتبرع به متى عجز عن الوصول بكسر أو غيره وجب ذبحه في مكانه على الوجه المتقدم، واما البيع والصدقة بالثمن مع إقامة البدل فانما ورد في الهدي الواجب، فيجب قصر الحكم عليه إلى أن يثبت الجواز في غيره، ومع ذلك فالاظهر كراهة بيعه للنهي عنه في صحيح ابن مسلم (1) " قلت: وبذلك يظهر لك الاشكال فيما ذكره المصنف والفاضل وغيرهما من الفرق بين العجز عن الوصول وبين خصوص الكسر، بل والاشكال في الحكم باستحباب الصدقة مع ظهور الامر في الوجوب ولا صارف ودعوى كون صحيحة الحلبي مقطوعة لا حجة فيها يدفعها بعد التسليم اعتضادها بالصحيح الآخر، بل ربما يؤيد وجوبها كونها قائمة مقام الصدقة بلحمه، نعم لا وجه للاشكال في أصل البيع بما سمعته من الكركي في مقابلة النص المعتبر، مع أنه باق على ملكه وإن وجب نحره أو ذبحه بالاشعار على ما عرفت، كما أنه


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 27 من ابواب الذبح الحديث 2 - 1 - 2 وفي الاول " قال: لا يبيعه فان باعه فليتصدق بثمنه " كما في التهذيب ج 5 ص 217 الرقم 731 وقد اشار (قدس سره) إلى هذا النهي فيما يأتي قريبا

[ 203 ]

يمكن تعدية الحكم بالبيع إلى غير الواجب من سياق الهدي بالفحوى، بل قد يقال إن المراد الواجب نحره بالاشعار، فيشمل المتبرع به حينئذ، ولعله لذا لم يفرق من تعرض للحكم بين افراد هدي السياق، نعم في كشف اللثام تفسير هدي السياق الذي جعل عنوانا للمسألتين أي الذبح عند العجز والبيع والصدقة بالثمن عند الكسر بما وجب إهداؤه بالسياق انضم إليه نذر معين أو لا، بل قال في الاول: وكذا ما وجب عينه اصالة بالنذر ونحوه معللا لجواز بيعه بخروجه بذلك عن صفة الهدي مع بقائه على الملك وصحيح حماد (1) السابق، لكن اعترف بعد ذلك بأن الصحيح المزبور ظاهر في الواجب مطلقا لا بالسياق، بل في نذر أو كفارة، قال: ووجوب بدله ظاهر، وعليه حمل في التذكرة والمنتهى ولكن فيه ما عرفته سابقا من أنه لا دليل حينئذ على البيع مع الكسر واستحباب الصدقة بالثمن في محل البحث بعد فرض ظهور الصحيح المزبور فيما ذكره، مضافا إلى عدم قرينة على تخصيص هدي السياق هنا بما ذكره، بل لعل ظاهر النص والفتوى خلافه، فالاولى التعميم لجميع أفراد هدي السياق في الحكمين معا وإن وجب الابدال في المضمون كما دلت عليه النصوص السابقة. ودعوى أنه يقتضي إعادة المبدل عنه إلى الملك ولذا جاز البيع واضحة المنع كما عرفته، بل يمكن كون البيع مع الصدقة بثمنه لكونه أعود للفقراء، خصوصا إذا كان في مكان لا مستحق فيه، وذبحه في المكان وتركه تغرير باتلافه وأكل الحيوانات له، ومن ذلك يظهر لك وجوب الصدقة بالثمن كما هو مقتضى النص باعتبار كونه عوضا عما هو للفقير. فالتحقيق الموافق للنصوص إن لم يكن إجماع على خلافه هو التخيير في


(1) وهو صحيح حماد عن الحلبي المتقدم في ص 199

[ 204 ]

العاجز والمكسور ونحوهما بين ذبحه والدلالة عليه وبين بيعه والصدقة بثمنه، ولكن مع ذلك يجب في المضمون البدل، ومنه يعلم الاشكال فيما في المتن والقواعد وغيرهما من الفرق بين الكسر وغيره بما سمعت، ومن استحباب الصدقة بالثمن وغير ذلك مما لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، وان استدل للاخير باصل البراءة المقطوع بما عرفت، والعسر والحرج الواضح منعهما وفي القواعد استحباب الصدقة بالثمن أو شراء بدله به نحو بعض نسخ المتن ولم نجد ما يشهد له إلا دعوى احتمال إرادة معنى " أو " من الواو في الصحيح بلا قرينة، والله العالم. (ولا يتعين هدي السياق) في حج أو عمرة (للصدقة إلا بالنذر) وشبهه بل سيأتي استحباب تثليثه بالاكل والصدقة والهدية، بل استقرب الشهيد في الدروس مساواته لهدي التمتع في وجوب الاكل منه والاطعام، ولا بأس به كما في المدارك، لاطلاق قوله تعالى (1): " فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر " المتناول لهدي التمتع وغيره، وربما احتمل في نحو عبارة المتن ارادة ان الهدي الذي يريد سوقه لا يتعين هديا قبل السوق والاشعار إلا إذا نذره بعينه. لكنه كما ترى، وكذا احتمال إرادة انه لا يتعين هديا بالاشعار لجواز الابدال بناء على بعض الاقوال السابقة، وربما أيد في المختلف من أنه ان ضل فاشترى بدله فذبحه ثم وجد ما ساقه لم يجب ذبحه وان اشعره أو قلده، لانه امتثل وخرج عن العهدة، لكن قد عرفت ما في ذلك كله وانه بالاشعار أو التقليد يتعين ذبحه كما تقدم الكلام فيه، نعم ظاهر العبارة ونحوها انه لا يجب في هدي السياق إلا الذبح والنحر، وأنه لا يجب الاكل والاطعام لا هدية ولا صدقة،


(1) سورة الحج الآية 37

[ 205 ]

ولكنه مناف لظاهر الكتاب كما سيأتي ان شاء الله. (ولو سرق) هدي السياق (من غير تفريط لم يضمن) وإن كان قد عينه بالنذر مثلا للاصل وما عرفته من عدم وجوب هدي السياق في الذمة وإن تعين الذبح بالاشعار، ولصحيح معاوية (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى أضحية فماتت أو سرقت قبل أن يذبحها قال: لا بأس، وان ابدلها فهو أفضل، وان لم يشتر فليس عليه شئ " بناء على ارادة ما يعم الهدي من الاضحية أو على عدم الفرق بينهما في ذلك، وحينئذ يتجه الاستدلال بقول الكاظم عليه السلام في خبر علي (2): " إذا اشتريت أضحيتك أو قمطتها وصارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله " ومرسل ابراهيم بن عبد الله (3) عن رجل قال: " اشترى لي ابي شاة بمنى فسرقت فقال لي ابي ائت أبا عبد الله عليه السلام فاسأله عن ذلك فاتيته فاخبرته فقال لي ما ضحي بمنى شاة أفضل من شاتك " نعم يضمن إن نذر مطلقا ثم عين فيه المنذور كما سمعت، وكذا الكفارات بل وهدي المتعة على ما عن ظاهر السرائر لوجوب الجميع في الذمة، بل في المدارك انه قد قطع العلامة في المنتهى بأنه بعطبه أو سرقته يرجع الواجب إلى الذمة كالدين إذا رهن عليه رهن، فان الحق متعلق بالذمة والرهن فمتى تلف الرهن استوفي من المدين، وقال: إنه لا يعلم في ذلك خلافا، لكن في كشف اللثام عن التهذيب والنهاية والمبسوط والجامع والتذكرة والمنتهى والتحرير عدم الضمان ايضا لمرسل احمد بن محمد بن عيسى (4)


(1) الوسائل الباب 30 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 30 من ابواب الذبح الحديث 4 - 3 - 2 والثالث عن احمد بن محمد بن عيسى عن غير واحد من اصحابنا عن ابي عبد الله عليه السلام والظاهر انه ليس بمرسل

[ 206 ]

عن الصادق عليه السلام " في رجل اشترى شاة لمتعة فسرقت منه أو هلكت فقال: ان كان اوثقها في رحله فضاعت فقد اجزأت عنه " المختص بالمتعة، والخبرين السابقين المحتمل اخيرهما كما في كشف اللثام كونه في المندوب، ووصف شاته بالفضل والاخبار بانه ضحي عنه وله بذلك اجر التضحية، واولهما أن له حينئذ الحلق، على أن الجميع ضعيف، ولا جابر كي يخرج به عما تقتضيه القواعد والنصوص السابقة، ويمكن تنزيل المتن وما شابهه على غير ذلك. هذا كله مع عدم التفريط، اما معه فظاهر بعض وصريح آخر الضمان مطلقا لتعين ذبحه، لكن اشكله الكركي بأنه مناف لما سبق من عدم تعين هدي السياق للصدقة إلا بالنذر، فان مقتضاه جواز التصرف فيه كيف شاء، فلا وجه لضمانه مع التفريط، ولو حمل أي ما في المتن ونحوه على المضمون في الذمة لاتجه الضمان حينئذ مع التفريط وعدمه، وفيه عدم توقف الضمان على تعين الصدقة، بل يكفي فيه وجوب نحره أو ذبحه بمنى، فإذا فرط فيه قبل فعل الواجب ضمنه على معنى وجوب ذبح البدل وان لم تجب الصدقة كما هو واضح، والله العالم. (ولو ضل فذبحه الواجد) في محله (عن صاحبه اجزأ عنه) كما صرح به الشيخ وغيره، لصحيح منصور بن حازم (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " في الرجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره فقال: إن كان نحره بمنى فقد اجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه، وإن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه " الذي مقتضاه كالفتاوى عدم الفرق بين المتبرع به وبين الواجب بنذر أو كفارة، فتوقف الكركي في الواجب في غير محله، خصوصا مع موافقته على الاجزاء في هدي التمتع الذي هو مقتضى الصحيح المزبور، بل والفتاوى عدا


(1) الوسائل الباب 28 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 207 ]

محكي التلخيص كالكفارة والنذر، وكذا لا يشترط معرفة صاحبه بعينه، ولا ان يكون الضلال عن تفريط (1) لاطلاق الخبر والفتاوى، بل صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " ان من وجد هديا ضالا فليعرفه ثم ليذبحه عن صاحبه " كالصريح في عدم اعتبار المعرفة، نعم لو ذبحه عن نفسه أولا عن أحد لم يجز عن أحد كما تقدم الكلام فيه سابقا. (ولو ضاع فاقام بدله ثم وجد الاول ذبحه ولم يجب ذبح الاخير) إن لم يكن قد أشعره، لعدم تعينه له حينئذ بالاقامة (ولو) كان قد (ذبح الاخير) الذي هو البدل (ذبح الاول ندبا) كما في محكي المختلف، لانه امتثل فخرج عن العهدة (إلا أن يكون منذورا) بعينه، وفيه أن المتجه حينئذ وجوب ذبحه مع الاشعار الذي قد عرفت سابقا إيجابه الذبح، ولذا قال في كشف اللثام: نص في التذكرة والتحرير والمنتهى على وجوبه مع الاشعار وفاقا لغيره، بل هو مقتضى الامر في صحيح الحلبي (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها أو يقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر فيجد هديه، قال: إن لم يكن أشعرها فهي من ماله إن شاء نحرها وإن شاء باعها، وإن كان أشعرها نحرها " ودعوى إرادة الندب منه لا شاهد لها حتى خبر ابي بصير (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل اشترى كبشا فهلك منه قال: يشتري مكانه آخر، قلت: فان اشترى مكانه آخر ثم وجد


(1) هكذا في النسخة الاصلية ولكن التحقيق ان تكون العبارة هكذا " ولا ان لا يكون الضلال عن تفريط ". (2) الوسائل الباب 28 من ابواب الذبح الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب 32 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2

[ 208 ]

الاول قال: إن كان جميعا قائمين فليذبح الاول وليبع الاخير، وإن شاء ذبحه وإن كان قد ذبح الاخير ذبح الاول معه " بعد ضعف سنده بمحمد بن سنان كما في المدارك، وعدم تعرضه لهدي السياق، بل لعل الظاهر ان المسؤول عنه فيه هدي التمتع على أنه أمر فيه أيضا بذبح الاول مع ذبح الاخير، فمن الغريب ما في المسالك من دعوى كون مستند المصنف والجماعة صحيح أبى بصير مشيرا به إلى الخبر المزبور، كما أن من الغريب الاستدلال له في المدارك بالصحيح الاول مع عدم ذكر خلاف في المسألة، بل حكاه عن المصنف والعلامة في جملة من كتبه مع انك قد سمعت ما عن المنتهى والتذكرة والتحرير وغيرها. ثم إن فيهما معا إشكال المتن وغيره بظهوره في وجوب اقامة البدل في هدي السياق المتبرع به، ووجوب ذبحه إذا لم يجد الاول، وهو مناف لما تقدم من عدم وجوب اقامة البدل لو هلك، ثم أجاب عنه في المسالك إما بالتزام وجوب البدل مع الضياع وسقوطه مع السرقة والهلاك، ولا بعد في ذلك بعد ورود النص وإما بتخصيص الضياع بما وقع منه بتفريط، وفيه اولا أنه لا ظهور في المتن في ذلك ضرورة اعمية اقامة البدل المذكورة في المتن من الوجوب، لصدقها مع الجواز، كما أن وجوب الذبح بعد الاشعار لا يقتضي ذلك ايضا، وثانيا انه لا نص يقتضي الفرق بين الضياع وبين الهلاك والسرقة، إذ لم نعثر كما اعترف به غيرنا ايضا إلا على الخبرين المزبورين الواضح عدم دلالتهما على ذلك، ثم قال في المدارك: انه يمكن حمل عبارة المصنف على الهدي الواجب ليتم وجوب اقامة بدله، ويكون المراد انه لو وجد الاول بعد ذبح الاخير لم يجب ذبحه، لقيام البدل مقامه الا إذا كان منذورا على التعيين، فيجب ذبحه حينئذ بعد ذبح الاخير لتعينه بالنذر لذلك، وفيه مع عدم قرينة على التنزيل المزبور بل

[ 209 ]

الظاهر خلافه منع عدم وجوب ذبحه وان كان قد ذبح الاخير مع فرض اشعاره أو تقليده كما عرفته سابقا، فالتحقيق عدم وجوب الابدال في المتبرع به وإن كان قد أشعره، كما أنه يجب عليه ذبحه مع ذبح الاخير وعدمه إذا كان قد أشعره، نعم لا يجب عليه ذبح ما لم يشعر منهما، والله العالم. (ويجوز ركوب الهدي) المتبرع به (ما لم يضر به، وشرب لبنه ما لم يضر بولده) بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك هو موضع وفاق، وعن غيرها الاجماع مطلقا إلا من الاسكافي في الواجب، بل ولا اشكال بناء على ما عرفته سابقا من عدم خروجه عن ملكه بالاشعار والتقليد وإن تعين للذبح، مضافا إلى كونه المتيقن من نصوص المقام، كقول الصادق عليه السلام في خبر ابي الصباح الكناني (1) وابي بصير (2) في قوله تعالى (3) " لكم فيها منافع إلى أجل مسمى " " ان احتاج إلى ظهرها ركبها من غير أن يعنف بها، وان كان لها لبن حلبها حلبا لا ينهكها " وفي صحيح سليمان بن خالد (4) " ان نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضر بولدها، ثم انحرهما جميعا، قلت: أشرب من لبنها وأسقي قال: نعم، وقال: إن امير المؤمنين عليه السلام إذا رأى اناسا يمشون قد جهدهم المشي حملهم على بدنه، وقال: ان ضلت راحلة الرجل أو هلكت ومعه هدي فليركب على هديه " وفي صحيح حريز (5) " كان علي عليه السلام إذا ساق البدن ومر على المشاة حملهم على بدنه، وإن ضلت راحلة رجل ومعه بدنة ركبها غير مضر ولا مثقل " وفي صحيح منصور (6) " كان علي عليه السلام يحلب البدن ويحمل


(1) و (2) الوسائل الباب 34 من ابواب الذبح الحديث 5 (3) سورة الحج الآية 34 (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 34 من ابواب الذبح الحديث 6 - 2 - 4

[ 210 ]

عليها غير مضر " وسأله عليه السلام يعقوب بن شعيب (1) في الصحيح " عن رجل يركب هديه ان احتاج إليه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يركبها غير مجهد ولا متعب " كما ان ابن مسلم (2) سأل أبا جعفر عليه السلام في الصحيح " عن البدنة تنتج أيحلبها قال: احلبها غير مضر بالولد ثم انحرهما جميعا، قلت: يشرب من لبنها قال: نعم ويسقي إن شاء " بل لعل إطلاقها شامل للهدي الواجب مطلقا سواء كان مضمونا أو غير مضمون كما هو المشهور خلافا للمحكي عن ابي علي، قال: " لا بأس بان يشرب من لبن هديه، ولا يختار ذلك في المضمون، فان فعل غرم قيمة ما شرب من لبنها لمساكين الحرم " مع انه غير صريح في المخالفة لكنه نفى عنه البأس في المختلف، بل في المسالك بعد أن حمل عبارة المتن على المتبرع به قال " ولو كان الهدي مضمونا كالكفارات والنذور لم يجز تناول شئ منه ولا الانتفاع به مطلقا، فان فعل ضمن قيمته أو مثله للمستحق أصله، وهو مساكين الحرم " وفي الحدائق التفصيل بما سمعته سابقا من الفاضل، وعن المنتهى الاجماع على الاستثناء، فان تم وإلا كان الجميع كما ترى اجتهادا في مقابلة اطلاق النصوص بل وفتاوى كثير كما اعترف به في الرياض المتناول لجميع الافراد حتى الواجب المعين بالنذر ونحوه وإن قلنا بخروجه عن الملك بذلك، إذ الاباحة الشرعية الثابتة من الاطلاق المزبور لا تنافي ذلك، ودعوى كون المراد من الاطلاق المزبور غير المضمون لا دليل عليها، نعم في خبر السكوني (3) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) " انه سئل ما بال البدنة تقلد النعل وتشعر ؟ فقال: اما النعل فيعرف أنها بدنة، ويعرفها صاحبها بنعله، واما الاشعار فيحرم ظهرها


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 34 من ابواب الذبح الحديث 3 - 7 - 8

[ 211 ]

على صاحبها من حيث أشعرها، فلا يستطيع الشيطان أن يتسنمها " لكن لقصوره عن المعارضة من وجوه ينبغي حمله على الكراهة، أو على صورة الاضرار على انه بالنسبة إلى الركوب خاصة، وحينئذ فالاطلاق بحاله في الشمول المزبور، كما أن الامر بذبح ولدها معها شامل لما إذا كان موجودا حال السياق وسيق معها أو متجددا بعد، من غير فرق بين قصده مع الام في السوق وعدمه، ومن هنا أطلق في محكي النهاية والمبسوط والتهذيب والسرائر والجامع ان الهدي إذا نتجت فالولد هدي. نعم لو كان متولدا حال السوق ولم يقصد سوقه لم يجب ذبحه للاصل بعد ظهور النصوص في غيره، فلو أضر به شرب اللبن حينئذ فلا ضمان، لكونه ماله وأما الصوف والشعر ففي المدارك بل في الحدائق نسبته إلى الاصحاب أنه ان كان موجودا عند التعيين تبعه ولم يجز إزالته إلا أن يضر به فيزيله ويتصدق به على الفقراء، وليس له التصرف فيه، ولو تجدد بعد التعيين كان كاللبن والولد، وفيه أن المتجه مع عدم النص فيه بالخصوص مراعاة القواعد في المتجدد بالنسبة إلى بقاء الهدي على ملك صاحبه وعدمه كالهدي المتبرع به وغيره مما كان معينا بنذر ونحوه وقلنا بخروجه عن الملك، فيحكم في الاول بجواز التصرف فيه بما شاء بخلاف الثاني، على أن قوله كاللبن والولد غير واضح الوجه بعد ما عرفت من جواز شرب اللبن وسقيه ووجوب ذبح الولد. ثم إن ظاهر قول المصنف ما لم يضر بها أو بولدها عدم الجواز مع ذلك، لظاهر النصوص، بل صرح غير واحد بالضمان ايضا وإن كان لا يخلو من نظر كما ان ما عن الدروس من أن الافضل الصدقة باللبن إذا فضل عن الولد كذلك ايضا، لعدم الدليل، وإن كان الامر سهلا بعد ملاحظة التسامح، والله العالم. (وكل هدي واجب) بغير الاشعار والتقليد نحو هدي القران بل كان

[ 212 ]

(ك‍) هدي (الكفارات) والفداء والنذر ونحو ذلك غير هدي التمتع (لا يجوز ان يعطى الجزار منها شيئا) عوضا عن ذبحه (ولا أخذ شئ من جلودها ولا اكل شئ منها، فان أكل تصدق بثمن ما اكل) وفاقا للمشهور، بل في محكي المنتهى والتذكرة لا يجوز الاكل من كل واجب غير هدي التمتع، ذهب إليه علماؤنا اجمع، مضافا إلى تعلق حق الفقراء سيما في نحو النذر، والى صحيح الحلبي (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فداء الصيد يأكل صاحبه من لحمه قال: بأكل من أضحيته ويتصدق بالفداء " وصحيح معاوية (2) عن الصادق عليه السلام " سألته عن الاهاب فقال: تصدق به أو تجعله مصلى تنتفع به في البيت ولا تعطي الجزارين، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ان يعطى جلالها وجلودها وقلائدها الجزارين، وأمر ان يتصدق بها " وحسن حفص بن البختري (3) " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله ان يعطى الجزار من جلود الهدي وجلالها شيئا " وخبر البصري (4) عنه عليه السلام ايضا " سألته عن الهدي ما يؤكل منه قال: كل هدي من نقصان الحج فلا تأكل منه، وكل هدي من تمام الحج فكل " ومضمر ابي بصير (5) سأله عليه السلام " عن رجل أهدى هديا فانكسر قال: إن كان مضمونا والمضمون ما كان في يمين يعني نذرا أو جزاء فعليه فداؤه، قلت: أيأكل منه ؟ قال: لا انما هو للمساكين، فان لم يكن مضمونا فليس عليه شئ، قلت أيأكل منه قال: يأكل منه " وخبر ابي البختري (6) المروي عن قرب الاسناد عن جعفر عن ابيه عليه السلام " ان علي بن ابي طالب عليه السلام كان يقول: لا يأكل المحرم


(1) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 15 - 4 - 16 - 27 (2) و (3) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 1 5

[ 213 ]

من الفدية ولا الكفارات ولا جزاء الصيد. ويأكل مما سوى ذلك " وخبر السكوني (1) عن ابي جعفر عليه السلام " إذا اكل الرجل من الهدي تطوعا فلا شئ عليه، وإن كان واجبا فعليه قيمة ما أكل " وفي الفقيه في رواية حماد عن حريز (2) " ان الهدي المضمون لا يؤكل منه إذا عطب، فان اكل منه غرم ". لكن في الكافي (3) روى ايضا " انه يأكل منه مضمونا كان أو غير مضمون " بل في خبر عبد الملك القمي (4) عن الصادق عليه السلام " يؤكل من كل هدي نذرا كان أو جزاء " وفي خبر جعفر بن بشير (5) عنه عليه السلام ايضا سأله " عن البدنة التي تكون جزاء الايمان والنساء ولغيره يؤكل منها قال: نعم يؤكل من كل البدن " وخبره الآخر (6) عنه عليه السلام ايضا " يؤكل من الهدي كله مضمونا كان أو غير مضمون وفي خبر عمر بن يزيد (7) عنه عليه السلام ايضا قال: " قال الله في كتابه (8): " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " فمن عرض له أذى أو وجع فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا فالصيام ثلاثة ايام والصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، والنسك شاة يذبحها فيأكل ويطعم، وإنما عليه واحد من ذلك " وفي الفقيه (9) عنهم (عليهم السلام)


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 5 - 26 - 10 - 7 (6) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 6 عن عبد الله ابن يحيى الكاهلي (7) الوسائل الباب 14 من ابواب بقية كفارات الاحرام الحديث 2 (8) سورة البقرة الآية 192 (9) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 7

[ 214 ]

" انما يجوز للرجل ان يدفع الاضحية إلى من يسلخها بجلدها، لان الله عزوجل قال: فكلوا منها واطعموا " والجلد لا يؤكل ولا يطعم " وفي خبر صفوان بن يحيى (1) المروي عن العلل " انه سأل الكاظم عليه السلام الرجل يعطي الاضحية من يسلخها بجلدها قال: لا بأس به، قال الله عزوجل: " فكلوا منها واطعموا " والجلد لا يؤكل ولا يطعم " ولعله لذلك مع الاصل كان المحكي عن ابن ادريس كراهة اعطاء الجزار الجلد جمعا بين ذلك وبين النهي السابق، وإن نوقش بان ظاهر الاضحية المستحب، لكن يدفعه ظهور الاستدلال في العموم ان لم يكن صراحته فيه. نعم هو قاصر عن المعارضة بالشهرة العظيمة وغيرها، فلذا كان العمل على المشهور، كما ان ما عن النهاية من انه يستحب ان لا يأخذ شيئا من جلود الهدي والاضاحي بل يتصدق بها كلها، ولا يجوز ايضا ان يعطيه الجزار فان أراد ان يخرج منها شيئا لحاجته إلى ذلك تصدق بثمنه، ونحوه عن المبسوط كذلك ايضا، وان قيل إنما حرم الثاني دون الاول للنهي عنه من غير معارض بخلاف الاول، فانك قد سمعت ما في صحيح معاوية (2) عن الصادق عليه السلام ولكن فيه مع ان المعارض لكل منهما حاصل كما عرفت عدم المكافأة، فالاولى اجتنابه اجمع وخصوصا بالنسبة إلى الاكل الذي قد عرفت حكاية الاجماع عليه، وان سمعت ما في النصوص السابقة المحتمل لحال الضرورة مع غرامة القيمة كما عن الشيخ، بل قيل إنه غير نص في اكل المالك وان كان هو بعيدا، فتخص الآية حينئذ بغير ذلك. هذا كله في إعطاء الجزار الاهاب والقلائد والجلال واللحم على وجه الاجرة، اما إذا كان على وجه الصدقة مع كونه من اهلها فلا بأس كما صرح


(1) و (2) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 8 - 5

[ 215 ]

(به في المدارك ومحكي الكافي والغنية والاصباح وإن لم يذكر الجلال في الاخير، والقلائد ايضا في سابقه، وعن المقنع في هدي المتعة " ولا تعط الجزار جلودها ولا قلائدها ولا جلالها ولكن تصدق بها، ولا تعط السلاخ منها " وقد تقدم بعض الكلام في ذلك، والله العالم. (ومن نذر ان ينحر بدنة فان عين موضعا وجب، وان اطلق نحرها بمكة) كما في النافع والقواعد بل ومحكي النهاية والمبسوط والسرائر وان خصت من مكة فناء الكعبة، وهو مع انه احوط موافق لما تسمعه من الخبر (1) الا انه ليس خلافا في اصل الحكم الذي ينبغي القطع به في الاول، فان البدنة وان كانت اسما للناقة والبقرة التي تنحر بمكة كما في القاموس أو لما ينحر فيها أو في منى من الابل خاصة، أو والبقر ايضا الا ان تعيين المكان من الناذر قرينة على عدم ارادة ذلك كما يشهد له خبر محمد (2) عن ابي جعفر عليه السلام " في رجل قال عليه بدنة ينحرها بالكوفة فقال عليه السلام: إذا سمى مكانا فلينحر فيه " وخبر اسحاق الازرق الصائغ (3) " سألت ابا الحسن عليه السلام عن رجل جعل لله تعالى عليه بدنة ينحرها بالكوفة في شكر، فقال عليه السلام لي: عليه أن ينحرها حيث جعل الله تعالى عليه، وان لم يكن سمى بلدا فانه ينحرها قبالة الكعبة منحر البدن " ومن الاخير مضافا إلى الاعتضاد بمفهوم الاول، وبقوله تعالى (4) " ثم محلها إلى البيت العتيق " وبما عرفت من كون البدنة اسما لذلك، وبما عن الغنية " من انه إن نذر الهدي وعين موضعا تعين وإلا ذبحه أو نحره قبالة الكعبة للاجماع


(1) و (3) الوسائل الباب 59 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) الوسائل الباب 11 من كتاب النذر والعهد الحديث 1 (4) سورة الحج الآية 34

[ 216 ]

والاحتياط " بل وما عن الخلاف " من أن ما يجب من الدماء بالنذر إن قيده ببلدة أو بقعة لزمه في الذي عينه بالنذر، وإلا لم ينحر إلا بمكة قبالة الكعبة بالحزورة للاجماع " بل عن بعض أن الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب يظهر الوجه في الحكم في الثاني وإن توقف فيه جماعة من متأخري المتأخرين مستوجهين النحر حيث شاء للاصل والاطلاق الذين لا يخرج عنهما بالخبر المزبور بعد ضعفه ولكن فيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه. نعم لو لم يكن المنذور بدنة أو هديا أو نحو ذلك مما هو ظاهر كون المراد مكة اتجه حينئذ التخيير بين سائر الامكنة، وما سمعته من اجماع الخلاف يمكن تنزيله على إرادة نذر الهدي أو البدن أو نحو ذلك مما يكون ظاهرا في ارادة مكة، بل ربما قيل بعدم صحة نذر الهدي إلى غيرهما أو نحره في غيرهما، وان كان فيه أن الهدي وان كان اسما لما ينحر فيهما لكن قد عرفت ان التصريح بغير المكان قرينة على إرادة غير ذلك من الهدي، فالتحقيق حينئذ ملاحظة مصداق عنوان النذر مثلا مع عدم القرينة فضلا عن التصريح، وإلا اتبعا، وبذلك يظهر لك عدم مخالفة المسألة للاصول بعد ما عرفت من كون الهدي اسما للنحر والذبح في المكان المخصوص، وكذا البدن، أما مع اطلاق نذر الذبح والنحر فلا اشكال في الاجتزاء باي مكان شاء مع فرض عدم انصراف للاطلاق إلى فرد، والله العالم. (ويستحب) كما في القواعد (ان يأكل من هدي السياق) غير الواجب من كفارة أو نذر للصدقة (وان يهدي ثلثه ويتصدق بثلثه كهدي التمتع) للموثق عن شعيب العقرقوفي (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: سقت


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 18

[ 217 ]

في العمرة بدنة فاين انحرها ؟ قال بمكة، قلت: فاي شئ اعطي منها ؟ قال: كل ثلثا وتصدق بثلث واهد ثلثا " وفي صحيح سيف التمار (1) عنه عليه السلام " ان سعد ابن عبد الملك ساق هديا في حجه فلقي أبا جعفر عليه السلام فسأله كيف نصنع به ؟ فقال أطعم أهلك ثلثا، وأطعم القانع والمعتر ثلثا، واطعم المساكين ثلثا، فقلت: المساكين هم السؤال فقال: نعم، وقال: القانع الذي يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعتر ينبغي له اكثر من ذلك هو أغنى من القانع، يعتريك فلم يسألك " ولم يقيد المصنف والفاضل الاكل بالثلث، لتعذره أو تعسره غالبا فيكفي فيه المسمى، ولذا نطقت الاخبار (2) بان النبي صلى الله عليه وآله أمر بأن يؤخذ من كل بدنة من بدنه جذوة فطبخت وأكل هو وأمير المؤمنين (عليهما السلام) وحسيا المرق، ولعل الامر بالثلث في الخبر الاول محمول على إرادة أكل أهله معه أو من يقوم مقامهم، وعن ابن ادريس التصريح بوجوب الثلاثة كما في هدي التمتع لما مر من الدليل، وفي كشف اللثام وكلام الحلبي وابن سعيد يحتمل الامرين، والمصنف يحتمل أن يقول بالوجوب، وانما ذكر الاستحباب بناء عليه في هدي التمتع، ولم يتبعه حينئذ بالوجوب اكتفاء بما قدم، وان لا يقول إلا بالاستحباب بناء على أن أصل هذا الهدي الاستحباب وإن تعين بالسوق للذبح بمعنى انه ليس له بيعه ونحوه، بل قد سمعت عن المختلف انه لم يوجب الذبح، وقال: قد حصل الامتثال بالسوق بعد الاشعار أو التقليد، قلت: ويأتي مثله في عبارة المصنف.


(1) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 3 وفيه " قال أبو عبد الله عليه السلام: إن سعيد بن عبد الملك " وهو سهو فان الموجود في التهذيب ج 5 ص 223 الرقم 753 " إن سعد بن عبد الملك " (2) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 2 و 11 و 21

[ 218 ]

والوجوب وان كان أحوط بل هو مقتضى الآية لكن ظاهر المصنف والفاضل الندب خصوصا بعد قولهما: (وكذا الاضحية) أي يستحب أن يأكل منها ثلثا ويهدي ثلثا ويتصدق بثلث، لقول امير المؤمنين عليه السلام في خطبة (1) له: " وإذا ضحيم فكلوا واطعموا واهدوا واحمدوا الله على ما رزقكم من بهيمة الانعام " ولما روي (2) " من ان علي بن الحسين والباقر (عليهم السلام) كانا يتصدقان بثلث الاضاحي على الجيران، وبثلث على المساكين، ويمسكان ثلثا لاهل البيت " ومقتضى الاستحباب المزبور جواز الترك الذي من افراده أكل الجميع، فلا يضمن للفقراء حينئذ شيئا وإن استحب له غرامة الثلث بناء على تبعية الغرامة للخطاب بالصدقة به، لكن عن مبسوط الشيخ " ولو تصدق بالجميع كان أفضل إلى أن قال: فان خالف وأكل الكل غرم ما كان يجزيه التصدق به، وهو اليسير، والافضل أن يغرم الثلث " وظاهرة وجوب الغرم في الجملة، كما أن صريحه أفضلية التصدق بالجميع مع إجماع علمائنا كما في المدارك على استحباب الاكل، بل حكى عنه فيها تصريحه بذلك، اللهم إلا أن يريد أن الصدقة به أجمع أفضل من ذلك، ولكن لم نعرف له شاهدا بذلك، وعن المبسوط أن من نذر أضحية فليس له أن يأكل منها، ولعله لعموم ما مر من النهي عن الاكل من الهدي الواجب، وفيه إمكان منع شموله لذلك بعد عموم الاخبار بالاكل في الاضحية وانصراف النذر إلى المعهود الشرعي المندرج فيه الاضحية المنذورة، إذ المراد وجوبها به بحكمها، ولعله لذا كان المحكي عنه في الخلاف والفاضل في التحرير ان له الاكل مستدلين عليه بعموم " فكلوا منها " وإن كان فيه منع، هذا، وفي المدارك قد أطلق الاصحاب عدم جواز بيع لحمها من غير


(1) و (2) الوسائل الباب 40 من ابواب الذبح الحديث 23 - 13

[ 219 ]

تقييد بوجوبها، واستدل عليه في المنتهى بانها خرجت عن ملك المضحي بالذبح واستحقها المساكين، وهو إنما يتم في الواجب دون المتبرع به، والاصح اختصاص المنع بالاضحية الواجبة، ولعل ذلك مراد الاصحاب، وفيه أنه خلاف الظاهر، ولا استبعاد في خروجها عن الملك بالذبح كما سمعته من المنتهى وإن كانت مندوبة، أو وجوب صرفها في ذلك وان بقيت على الملك كما هو واضح. (الخامس في الاضحية) بضم الهمزة وكسرها وتشديد الياء على ما هو المعروف من اللغة فيها، وإن جاء على ما عن مجمع البحرين فيها ايضا ضحية كعطية، والجمع ضحايا كعطايا، واضحاة بفتح الهمزة كأرطاة، والجمع أضحى كأرطى، وربما كان هو الظاهر من الاضحى في بعض النصوص (1) الآتية والمراد بها ما يذبح أو ينحر من النعم يوم عيد الاضحى وما بعده إلى ثلاثة أيام أحدهما يوم العيد، أو أربعة كذلك، بل لعل وجه تسميتها بذلك لذبحها في الضحى غالبا، بل سمي العيد بها. وعلى كل حال فهي مستحبة استحبابا مؤكدا إجماعا بقسميه، بل يمكن دعوى ضرورية مشروعيتها، مضافا إلى ما حكاه غير واحد من المفسرين أنه المراد من قوله تعالى (2) " فصل لربك وانحر " وان كان الموجود فيما وصل الينا من النصوص (3) أن المراد به رفع اليدين حذاء الوجه مستقبل القبلة في افتتاح الصلاة، وفي آخر (4) انه رفع اليدين في تكبيرات الصلاة، وفي


(1) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح (2) سورة الكوثر الآية 2 (3) و (4) الوسائل الباب 9 من ابواب تكبيرة الاحرام الحديث 0 - 14 من كتاب الصلاة

[ 220 ]

ثالث (1) النحر الاعتدال في القيام على معنى أن يقيم المصلي صلبه في صلاته، ولكن لا مانع من إرادة الجميع على ضرب من التجوز أو على نحو إرادة البطون مع الظواهر، نعم هو فيها متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله خاصة، وقد قيل إن وجوبه عليه من خواصه صلى الله عليه وآله كما تسمعه في النبوي (2) والى النصوص المستفيضة بل المتواترة حتى أن الباقر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (3) قال: " الاضحية واجبة على من وجد من صغير أو كبير، وهي سنة " والصادق عليه السلام (4) في جواب السؤال عنها " هو واجب على كل مسلم إلا من لم يجد، فقال له السائل ما ترى في العيال ؟ فقال: إن شئت فعلت، وإن شئت لم تفعل، فاما أنت فلا تدعه " وسأله عليه السلام ايضا عبد الله بن سنان (5) " عن الاضحى أواجب على من وجد لنفسه ولعياله ؟ فقال: اما لنفسه فلا يدعه، واما لعياله إن شاء ترك " ومن ذلك ظن الاسكافي وجوبها، لكنه شاذ لما عرفت من الاجماع على الندب، مضافا إلى النبوي (6) " كتب علي النحر، ولم يكتب عليكم " فلا بأس بارادته من لفظ الوجوب على معنى كونه مندوبا مؤكدا كما في نظائر المقام، بل لعله شائع خصوصا بعد قوله، في الاول " وهي سنة " وإن كان يحتمل لولا ما عرفت إرادة الوجوب المستفاد من السنة، قيل ومع ذلك فهو صريح في الوجوب


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب القيام الحديث 3 من كتاب الصلاة (2) و (6) كنز العمال ج 3 ص 17 الرقم 36 وفيه " الاضحى علي فريضة وعليكم سنة " (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح الحديث 3 - 5 - 1

[ 221 ]

على الصغير، والمراد به حيث يقابل به الكبير غير البالغ، ولا ريب في أن التكليف في حقه متوجه إلى الولي مع انه نفى الوجوب عنه في الصحيح الآخر (1) وغيره، ولكن قد يناقش بأن نفي الوجوب عن العيال اعم من نفي الوجوب عن ولي الصغير، إذ لا ملازمة بينهما إلا على تقدير أن يكون في العيال المسؤول عنهم صغير واحد، وليس فيه تصريح به وإن كان السؤال يعمه، إلا أن الصحيح المتقدم الموجب بالنسبة إليه صلى الله عليه وآله خاص، فيتقدم عليه، بل من المعلوم أن التخصيص ارجح من المجاز عند التعارض، خصوصا مع اقتضاء ارتكاب المجاز في الوجوب بحمله على المستحب مساواة الصغير والكبير فيه، والحال أن مجموع الاخبار في الكبير مشتركة في إفادة الوجوب فيه فلا يمكن صرفه بالاضافة إلى الصغير خاصة إلى الاستحباب، للزوم استعمال اللفظ الواحد في الاستعمال الواحد في معنييه الحقيقي والمجازي، وهو خلاف التحقيق، فالاظهر في الجواب ما عرفت. بل لا يخفى على العارف بلسانهم (عليهم السلام) وبما يلحنونه له من القول ظهور هذه النصوص في الندب المؤكد سيما بعد ملاحظة غيرها من النصوص نحو ما ارسله في الفقيه (2) من انه " ضحى رسول الله صلى الله عليه وآله بكبشين ذبح واحدا بيده وقال: اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أهل بيتي، وذبح الآخر فقال: اللهم هذا عني وعمن لم يضح من امتي " قال (3): " وكان امير المؤمنين عليه السلام يضحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله كل سنة بكبش، يذبحه ويقول: بسم الله وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين الآية،


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح الحديث 1 - 6 - 7

[ 222 ]

اللهم منك ولك، ويقول: اللهم هذا عن نبيك ثم يذبحه، ويذبح كبشا آخر عن نفسه " قال (1): " وقال علي عليه السلام لا يضحى عمن في البطن " قال (2) " وذبح رسول الله صلى الله عليه وآله عن نسائه البقرة " وفيه (3) ايضا " جاءت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت يارسول الله: يحضر الاضحى وليس عندي ثمن الاضحية فاستقرض واضحي قال: استقرضي فانه دين مقضي ". ويغفر لصاحب الاضحية عند أول قطرة من دمها، وعن شريح بن هاني (4) عن علي عليه السلام " لو علم الناس ما في الاضحية لاستدانوا وضحوا انه يغفر لصاحب الاضحية عند أول قطرة تقطر من دمها " وفي خبر السكوني (5) المروي عن العلل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما جعل هذا الاضحى لتشبع مساكينكم، فاطعموهم من اللحم " وفي خبر ابي بصير (6) المروي عنه ايضا عن ابي عبد الله عليه السلام " قلت له: ما علة الاضحية ؟ فقال: إنه يغفر لصاحبها عند أول قطرة تقطر من دمها في الارض، وليعلم الله عزوجل من يتقيه بالغيب، قال الله عزوجل (7): " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " ثم قال: انظر كيف قبل الله قربان هابيل ورد قربان قابيل " وعن علي بن جعفر (8) عن اخيه موسى عليه السلام " سألته عن الاضحية فقال: ضح بكبش املح اقرن فحلا سمينا، فان لم تجد كبشا سمينا


(1) و (2) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح الحديث 8 - 9 (3) و (4) الوسائل الباب 64 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 (5) و (6) و (8) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح الحديث 10 - 11 - 12 (7) سورة الحج الآية 38

[ 223 ]

فمن فحولة المعز أو موجوءا من الضأن أو المعز، فان لم تجد فنعجة من الضأن سمينة، قال: وكان علي عليه السلام يقول: ضح بثني فصاعدا، واشتره ؟ سليم الاذنين والعينين فاستقبل القبلة حين تريد أن تذبحه، وقل وجهت وجهي الآية اللهم تقبل مني، بسم الله الذي لا إله إلا هو والله اكبر، وصلى الله على محمد وأهل بيته، ثم كل واطعم " وفي الفقيه (1) " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استفرهوا ضحاياكم فانها مطاياكم على الصراط " بل عن العلل روايته مسندا عن ابي الحسن موسى عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (2) إلى غير ذلك من النصوص المستفاد منها جملة من المندوبات ايضا ككونه سليم العين والاذن والفراهة وكونه ثنيا والدعاء بما سمعت، بل ويستفاد منها أيضا جواز فعلها عن الميت والحي تبرعا متحدا ومتعددا ذكرا وانثى، بل قيل يستفاد من خبر علي بن جعفر (3) منها جواز تأخير الذبح عن التسمية بمقدار قراءة الدعاء المذكور ونحوه. (و) كيف كان ف‍ (وقتها بمنى اربعة ايام اولها يوم النحر، وفي الامصار) أو غيرها (ثلاثة) ايام بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى صحيح علي بن جعفر (4) عن اخيه موسى عليه السلام " سألته عن الاضحى كم هو بمنى ؟ فقال: أربعه ايام، وسألته عن الاضحى في غير منى فقال: ثلاثة، فقلت: ما تقول في مسافر قدم بعد الاضحى بيومين أله ان يضحي في اليوم الثالث ؟ قال: نعم " والظاهر ولو بقرينة ما قبله إرادة اليوم الثالث من يوم النحر لا الثالث بعده كما استظهره في كشف اللثام، فيكون


(1) و (2) الوسائل الباب 62 من ابواب الذبح الحديث 1 (3) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح الحديث 12 (4) الوسائل الباب 6 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 224 ]

دالا على النحر في الرابع في غير منى، فاحتاج إلى حمله على القضاء المحتاج إلى الدليل، بل عن المنتهى التصريح بفوات وقتها بفوات الايام، فان ذبحها لم تكن أضحية، وإذا فرق لحمها على المساكين استحق الثواب على التفريق دون الذبح نعم قال قبل ذلك في خصوص الواجبة بالنذر وشبهه: " لم يسقط وجوب قضائها إذا فاتت الايام معللا له بان لحمها مختص بالمساكين، فلا يخرجون عن الاستحباب بفوات الوقت " ولكن لا يخفى عليك ما فيه خصوصا بعد ما اعترف به سابقا من عدم كونها أضحية في غير الايام المزبورة فلا يكون موردا للوفاء بالنذر، وعلى كل حال فالاولى إرادة ما ذكرناه من الخبر المزبور، وموثق الساباطي (1) " سألته عليه السلام عن الاضحى بمنى فقال: اربعة ايام، وعن الاضحى في سائر البلدان فقال ثلاثة ايام " إلى غير ذلك. نعم في ظاهر بعض النصوص ما يخالف ذلك، كقول ابي جعفر عليه السلام في حسن ابن مسلم (2) " الاضحى يومان بعد يوم النحر ويوم واحد في الامصار " وخبر كليب الاسدي (3) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن النحر فقال: بمنى فثلاثة ايام، وأما في البلدان فيوم واحد " المحمول على ضرب من الندب، أو على ما عن الشيخ ان المراد ان ايام النحر التي لا يجوز الصوم فيها بمنى ثلاثة ايام، وفي سائر البلدان يوم واحد مستدلا عليه بقول الصادق عليه السلام في خبر منصور (4): " النحر بمنى ثلاثة أيام، فمن اراد الصوم لم يصم حتى يمضي ثلاثة ايام، والنحر بالامصار يوم، فمن اراد الصوم صام من غد " وإن كان قد يناقش بعدم جواز


و (1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 6 من ابواب الذبح الحديث 2 - 7 - 6 - 5

[ 225 ]

صوم اليوم الثالث من أيام التشريق في منى كما عرفت، اللهم إلا أن يكون المراد انه قد يجوز صومه بدلا عن الهدي إذا كان هو يوم الحصبة أي يوم النفر وأما الخبر (1) " الاضحى ثلاثة أيام وأفضلها أولها " فاقصاه الاطلاق المحمول على التفصيل في غيره، على أنه كما قيل موافق لمذهب مالك والثوري وابي حنيفة فيمكن حمله على التقية، بل يمكن نحوه في الخبرين السابقين. ثم ان الظاهر عدم اعتبار وقت مخصوص من يوم العيد في ذبحها، لاطلاق ما دل على مشروعيتها فيه، لكن عن المبسوط " وقت الذبح يدخل بدخول يوم الاضحى إذا ارتفعت الشمس ومضى مقدار ما يكن صلاة العيد والخطبتان بعدها " وعن المنتهى " وقت الاضحية إذا طلعت الشمس ومضى مقدار صلاة العيد سواء صلى الامام أو لم يصل " وفي الدروس " ووقتها بعد طلوع الشمس إلى مضي قدر صلاة العيد والخطبة " إلا أن الظاهر إرادة الجميع ضربا من الندب لموثق سماعة (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " قلت له متى نذبح ؟ قال: إذا انصرف الامام، قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها امام فأصلي بهم جماعة فقال: إذا استعلت ؟ الشمس " المحمول على ذلك جمعا بينه وبين إطلاق الايام في غيره نصا وفتوى، وربما ظن من لا يعرف لسان النصوص والفتاوى فاعتبر الوقت المخصوص من اليوم المخصوص في مشروعيتها، وهو غلط واضح، والله العالم. (ولا بأس بادخار لحمها) بعد الثلاثة وإن قيل إنه كان محرما فنسخ، ففي خبر جابر بن عبد الله الانصاري (3) " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا نأكل


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الذبح الحديث 4 (2) الوسائل الباب 29 من ابواب صلاة العيد الحديث 3 من كتاب الصلاة (3) الوسائل الباب 41 من ابواب الذبح الحديث 2

[ 226 ]

لحم الاضاحي بعد ثلاثة أيام، ثم أذن لنا أن نأكل ونقدد ونهدي إلى أهلنا " وخبر حنان بن سدير عن الباقر عليه السلام وابي الصباح عن ابي عبد الله عليه السلام (1) قالا: " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن لحوم الاضاحي بعد ثلاثة أيام، ثم أذن فيها فقال كلوا من لحوم الاضاحي بعد ذلك وادخروا " وصحيح ابن مسلم (2) أو خبره المروي عن العلل عن أبي جعفر عليه السلام " كان النبي صلى الله عليه وآله نهى ان تحبس لحوم الاضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فاما اليوم فلا بأس به " وصحيح جميل بن دراج (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حبس لحوم الاضاحي فوق الثلاثة أيام بمنى فقال: لا بأس بذلك اليوم، ان رسول الله صلى الله عليه وآله انما نهى عن ذلك أولا لان الناس كانوا يومئذ مجهودين، فاما اليوم فلا بأس " ومرسل الصدوق (4) قال أبو عبد الله عليه السلام: " كنا ننهى عن خروج لحوم الاضاحي بعد ثلاثة أيام لقلة اللحم وكثرة الناس، فاما اليوم فقد كثر وقل الناس فلا بأس باخراجه " وخبر زيد بن علي (5) عن ابيه عن جده عن علي (عليهم السلام) قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله نهيتكم عن ثلاثة: عن زيارة القبور ألا فزوروها ونهيتكم عن خروج لحوم الاضاحي من بعد ثلاث أيام فكلوا وادخروا ونهيتكم عن النبيذ ألا فانبذوا، وكل مسكر حرام، يعنى الذي ينبذ بالغداة ويشرب بالعشي وينبذ بالعشي ويشرب بالغداة، وإذا غلى فهو حرام " وصحيح ابن مسلم (6) عن ابي عبد الله عليه السلام " سألته عن إخراج لحوم الاضاحي من منى


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 41 من ابواب الذبح الحديث 1 - 4 - 5 - 6 - 7 (6) الوسائل الباب 42 من ابواب الذبح الحديث 5

[ 227 ]

فقال: لا يخرج منها شئ لحاجة الناس إليه، فاما اليوم فقد كثر الناس فلا بأس باخراجه ". (و) ربما يشكل بملاحظة جملة من هذه النصوص ما في المتن والنافع والقواعد، ومحكي الاستبصار من أنه (يكره أن يخرج به من منى) بل عن النهاية والمبسوط والتهذيب أنه لا يجوز وان استدل له بخبر علي بن ابي حمزة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) " لا يتزود الحاج من لحم أضحيته، وله أن يأكل منها بمنى أيامها، وقال: وهذه مسألة شهاب كتب إليه فيها " وخبره الآخر (2) عن ابي ابراهيم عليه السلام الذي رواه عن احمد بن محمد " لا يتزود الحاج من أضحيته، وله أن يأكل منها أيامها إلا السنام فانه دواء، وقال احمد: ولا بأس أن يشتري الحاج من لحم منى ويتزوده " بعد حمل النهى على الكراهة دون التحريم الذي يقصر الخبران المزبوران عن إثباته، لضعفهما ومعارضتهما بما سمعت مما هو أقوى سندا واكثر عددا، مضافا إلى الاصل، وما قيل من أنه كان يجوز الذبح بغيرها، بل لعل الشيخ وإن عبر بعدم الجواز في التهذيب يريد منه الكراهة بقرينة تصريحه بها في الاستبصار، مع أنه قال قبل ذلك: " ولا بأس بأكل لحوم الاضاحي بعد الثلاثة أيام وادخارها، مستدلا عليه بجملة من النصوص السابقة، ولا ريب أن الادخار بعد ثلاثة لا يكون غالبا إلا بعد الخروج من منى، لانه بعد الثلاث لا يبقى فيها أحد، فلولا ان المراد بلا يجوز الكراهة لحصل التنافي بين كلاميه، إلا أن يحمل جواز الادخار على غير منى، أو على ما لا يجامع الخروج به من منى، وعلى كل حال فلا ريب في عدم الحرمة، إنما الكلام في إثبات الكراهة بالخبرين المزبورين المحتملين إرادة النهى عنه قبل


(1) و (2) الوسائل الباب 42 من ابواب الذبح الحديث 3 - 4

[ 228 ]

ذلك لا في مثل هذه الايام كما سمعته في النصوص السابقة، إذ هو أولى من حمل تلك على ارادة بيان الجواز لا رفع الكراهة، أو على ارادة إخراج ما يضحيه غيره دون أضحيته، ولكن الانصاف مع التدبر يقتضي الجمع بينها بالاول وان تفاوتت الكراهة شدة وضعفا. بقي الكلام فيما اشكل على بعض الناس من منافاة هذه النصوص لما اتفقوا عليه ظاهرا من استحباب التثليث في الاضحية المقتضي لعدم بقاء شئ في يده إلا الثلث الذي هو في يده له يتصرف فيه كيف شاء، مع أنه لا يزيد غالبا على مصرفه في ثلاثة أيام منى حتى ينهى عن إخراجه ثم يؤمر به ويعلل بوجود المستحق وعدمه، إذ لا يتعلق به حق المستحق بعد إخراج حق المستحقين اللهم إلا أن يحمل استحباب التثليث على صدر الاسلام من حيث قلة اللحوم وكثرة الناس، وأنه بعد ذلك سقط هذا الحكم لعدم من يتصدق به عليه ومن يهدي له بسبب كثرة اللحم وقلة الناس، فلا بأس باخراج اللحم وادخاره وعدم صرفه في ذلك المصرف الموظف، إلا أن هذا لا يلائم كلام الاصحاب لاتفاقهم على استحباب هذا الحكم في جميع الاعصار، وهو كما ترى من غرائب الكلام ضرورة عدم التنافي بين الاستحباب المزبور وكراهة الادخار والاخراج إذا لم يأت بالمستحب، أو في ثلاثة خاصة كما هو واضح. (و) كيف كان ف‍ (لا بأس باخراج ما يضحيه غيره) إذا كان قد أهدى إليه أو تصدق به عليه أو اشتراه ولو من اضحيته، للاصل بعد اختصاص الخبرين السابقين بأضحيته من حيث تضحيته لها، بما سمعته في الثاني منهما من قول احمد، بل عن الشيخ حمل صحيح ابن مسلم (1) المشتمل على الاذن في الاخراج اليوم


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب الذبح الحديث 5

[ 229 ]

على ذلك مستشهدا له بما سمعته من قول احمد، وإن كان هو بعيدا، مع ان الشاهد مقطوع أيضا، فالعمدة حينئذ ما عرفت، والله العالم. (ويجزي الهدي الواجب عن الاضحية) المندوبة كما صرح به غير واحد، لقول ابى جعفر عليه السلام في صحيح ابن مسلم (1): " يجزيه في الاضحية هديه " والصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (2) " يجزي الهدى عن الاضحية " (و) ربما كان في لفظ الاجزاء اشعار أو ظهور فيما ذكره غير واحد من أن (الجمع بينهما أفضل) مضافا إلى ما قيل من أن فيه فعل المعروف ونفع المساكين، ثم ان ظاهر الصحيحين إجزاء مطلق الهدي عنها كما عن النهاية والوسيلة والتحرير والمنتهى والتذكرة خلافا للقواعد والدروس فقيداه كالمتن بالواجب، بل في النافع وعن التلخيص والتبصرة التقييد بهدي التمتع، ولعله لدعوى الانصراف، ولكن فيها منع واضح، كمنع احتمال إرادة النص على الاخفى من التقييد كما في كشف اللثام، والله العالم. (ومن لم يجد الاضحية تصدق بثمنها، فان اختلف أثمانها جمع الاعلى والاوسط والادون وتصدق بثلث الجميع) بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، لخبر عبد الله بن عمر (3) قال: " كنا بالمدينة فأصابنا غلاء في الاضاحي فاشترينا بدينار ثم بدينارين ثم بلغت سبعة ثم لم يوجد بقليل ولا كثير، فوقع هشام المكاري إلى ابي الحسن عليه السلام فاخبره بما اشترينا وانا لم نجد بعد فوقع عليه السلام إليه انظر إلى الثمن الاول والثاني والثالث فاجمعوا ثم تصدقوا بمثل ثلثه " والظاهر كما


(1) الوسائل الباب 60 من ابواب الذبح الحديث 2 (2) الفقيه ج 2 ص 297 الرقم 1472 (3) الوسائل الباب 58 من ابواب الذبح الحديث 1

[ 230 ]

صرح به غير واحد أن المراد التصدق بقيمة منسوبة إلى ما كان من القيم، فمن الاثنين النصف، ومن الثلاث الثلث، ومن الاربع الربع، وهكذا، وان اقتصار الاصحاب على الثلث تبعا للرواية التي يمكن أن تكون هي المستند للاصحاب فيما ذكروه في اختلاف قيم المعيب والصحيح، والله العالم. (ويستحب ان يكون التضحية بما يشتريه) مثلا (و) المراد انه (يكره) التضحية (بما يربيه) لخبر محمد بن الفضيل (1) عن ابي الحسن عليه السلام " قلت: جعلت فداك كان عندي كبش سمين لاضحي به، فلما اخذته واضجعته نظر الي فرحمته ورققت له ثم اني ذبحته، فقال لي: ما كنت احب لك ان تفعل لا تربين شيئا من هذا ثم تذبحه " بل في مرسل الفقيه (2) عن ابي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) " لا تضحي بشئ من الدواجن " وهو يقتضي كراهية الاعم من الاول، إذ الدواجن جمع داجن، وهي الشاة التي تألف البيوت كما عن الجوهري، وعن القاموس دجن بالمكان دجونا أقام، والحمام والشاة وغيرهما الفت وهي دجن، وتسمى الدواجن رواجن ايضا، قال في محكي القاموس: " رجن بالمكان رجونا اقام، والابل وغيرها الفت، ودابته حبسها في المنزل على العلف " والله العالم. (ويكره ان يأخذ شيئا من جلود الاضاحي) لصحيح علي بن جعفر (3) عن اخيه موسى (عليه السلام) " سألته عن جلود الاضاحي هل يصلح لمن ضحى بها ان يجعلها جرابا ؟ قال: لا يصلح ان يجعلها جرابا إلا ان يتصدق بثمنها " الظاهر فيها وفي إرادة المثال من جعلها جرابا، فلا حرمة حينئذ في


(1) و (2) الوسائل الباب 61 من ابواب الذبح الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 4

[ 231 ]

أخذها والتصرف فيها ببيع وغيره، للاصل وبعض النصوص السابقة، وخصوص خبر معاوية بن عمار (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) السابق المسؤول فيه عن الاهاب، وخبره الآخر (2) عنه (عليه السلام) ايضا " ينتفع بجلد الاضحية ويشتري به المتاع، وإن تصدق به فهو أفضل " مؤيدا بما تسمعه من جواز إعطائها الجزارين اجرة، لكن عن المبسوط " لا يجوز بيع جلدها سواء كانت واجبة أو تطوعا كما لا يجوز بيع لحمها، فان خالف تصدق بثمنه " وعن الخلاف " انه لا يجوز بيع جلودها سواء كانت تطوعا أو نذرا إلا إذا تصدق بثمنه على المساكين، وقال أبو حنيفة أو يبيعها بآلة البيت على ان يعيرها كالقدر والفاس والمنخل والميزان، وقال الشافعي لا يجوز بيعها بحال، وقال عطا: يجوز بيعها على كل حال، وقال الاوزاعي: يجوز بيعها بآلة البيت إلى ان قال: دليلنا إجماع الفرقة واخبارهم، والجلد إذا كان للمساكين فلا فرق بين ان يعطيهم اياه وثمنه " ومقتضى الاول بل والثاني الحرمة وإن صح البيع، وإلا فلا وجه للتصدق بالثمن، إلا انه كما ترى لا دليل عليه سوى دعوى الاجماع المزبور الذي لم اجد ما يشهد له، بل المنافي متحقق، والاخبار المرسلة التي قد سمعت ما ينافيها، فالاصح الجواز. (و) كذا يكره (ان يعطيها الجزار) اجرة للنهي عنه في صحيح معاوية بن عمار (3) وغيره المحمول على الكراهة هنا، لما سمعته من المرسل (4) وخبر صفوان (5) المتقدمين في جلود الهدي (والافضل) من ذلك كله (ان


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 43 من ابواب الذبح الحديث 5 - 2 - 2 - 7 - 8

[ 232 ]

يتصدق بها) لما سمعته من خبر معاوية ولو على الجزارين إذا كانوا من اهلها، والله العالم. (الثالث) من مناسك منى يوم النحر (في الحلق أو التقصير) والمعروف بين الاصحاب وجوب النسك المزبور، بل عن المنتهى انه ذهب إليه علماؤنا اجمع إلا في قول شاذ للشيخ في التبيان إنه مندوب مع ان المحكي عن الشيخين انهما انما جعلاه مسنونا كالرمي، وعن ابن ادريس انه فهم منه في الرمي الواجب بغير نص الكتاب، ولكنه حكى عن النهاية ان الحلق والتقصير مندوب غير واجب، وعن مجمع البيان الندب ايضا، بل ربما كان ظاهره اتفاق الاصحاب عليه، وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه للتأسي وما تسمعه من النصوص (1) الموجبة للحلق على الملبد أو الصرورة المخيرة لغيرهما بينهما، والآمرة (2) بهما إذا نسي حتى نفر أو اتى مكة، وبالكفارة (3) إذا طاف قبلهما، والمعلقة (4) للاحلال عليهما، ولا خلاف محقق اجده في وجوب فعل احدهما بمنى قبل المضي للطواف، بل في كشف اللثام قطع به جماعة من الاصحاب ويظهر من آخرين، وما عن الغنية والاصباح من انه ينبغي ان يكون بمنى يراد منه الوجوب، وإلا كان محجوجا بما تسمعه ان شاء الله فيما لو بنى على تركه حتى خرج منهما، وقول الصادق (عليه السلام) لسعيد الاعرج (5): " فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذ عن شعورهن


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير (2) الوسائل الباب 5 من ابواب الحلق والتقصير (3) الوسائل الباب 2 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 (4) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير (5) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2

[ 233 ]

ويقصرن من اظفارهن ثم يمضين إلى مكة " بل المشهور كما في المدارك ان وقته يوم النحر بعد ذبح الهدي أو حلوله في رحله على القولين، وعن ابي الصلاح جواز تأخيره إلى آخر ايام التشريق، ولكن لا يزور البيت قبله، بل عن الفاضل في المنتهى والتذكرة انه استحسنه، لان الله تعالى بين أوله بقوله (1): " حتى يبلغ الهدي محله " ولم يبين آخره، فمتى أتى به أجزء كالطواف للزيارة والسعي، ولكن لا ريب في أن الاحوط إيقاعه يوم النحر للاتفاق على كونه وقتا لذلك، والشك فيما عداه. وكيف كان (فإذا فرغ من الذبح فهو مخير ان شاء حلق وان شاء قصر والحلق أفضل) الفردين الواجبين، فينوي فيه الوجوب أيضا، وعلى كل حال فلا خلاف أجده في شئ من ذلك في الحاج والمعتمر مفردة غير الملبد والصرورة ومعقوص الشعر، بل عن التذكرة الاجماع عليه كما عن المنتهى نفي علم الخلاف فيه، مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (2) الذي رواه ابن ادريس عن نوادر البزنطي " من لبد شعره أو عقصه فليس عليه أن يقصر وعليه الحلق، ومن لم يلبد تخير إن شاء قصر وان شاء حلق، والحلق أفضل " كقوله (عليه السلام) لسالم أبي الفضل (3) إذ اعتمر فسأله فقال: " احلق فان رسول الله صلى الله عليه وآله ترحم على المحلقين ثلاث مرات، وعلى المقصرين مرة واحدة " وقوله (عليه السلام) ايضا في صحيح الحلبي (4) " استغفر رسول الله صلى الله عليه وآله للمحلقين ثلاث مرات " وفي حسن حريز (5) قال: " رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الحديبية: اللهم اغفر للمحلقين،


(1) سورة البقرة الآية 192 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 15 - 13 - 7 - 6

[ 234 ]

قيل: وللمقصرين يا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: وللمقصرين ". (و) في النافع والقواعد ومحكي الجمل والعقود والسرائر والغنية بل في المدارك أنه المشهور أنه (يتأكد في حق) من لم يحج المسمى ب‍ (الصرورة ومن لبد شعره) بعسل أو صمغ لئلا يقمل أو يتسخ (أو يتوسخ خ ل) (وقيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية والمبسوط وابن حمزة في محكي الوسيلة (لا يجزيهما إلا الحلق) وكذا عن المقنع والتهذيب والجامع مع زيادة المعقوص وعن المقنعة والاقتصاد والمصباح ومختصره والكافي في الصرورة، وعن ابن ابي عقيل في الملبد والمعقوص ولم يذكر الصرورة، ومال إليه في المدارك. (و) على كل حال ف‍ (الاول أظهر) عند المصنف للاصل وإطلاق قوله تعالى (1) " محلقين رؤوسكم ومقصرين " بعد العلم بعدم إرادة الجمع والتفصيل الموجب للاجمال، فتعين التخيير على الاطلاق كظاهر حسن حريز (2) السابق المشتمل على دعاء النبي صلى الله عليه وآله لهما، إلا انهما معا خصوصا الاخير كما ترى ضرورة وجوب تقييدهما بقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي السابق، وصحيح هشام بن سالم (3) " إذا عقص الرجل رأسه أو لبده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق " وفي خبر ابي سعد (4) " يجب الحلق على ثلاثة نفر رجل لبد، ورجل حج بدءا ولم يحج قبلها، ورجل عقص رأسه " وفي خبر ابى بصير (5) " على الصرورة أن يحلق رأسه ولا يقصر، إنما التقصير لمن قد


(1) سورة الفتح الآية 27 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 6 - 2 - 3 - 5 والثالث عن ابي سعيد إلا ان الموجود في التهذيب ج 5 ص 485 الرقم 1739 عن ابي سعد

[ 235 ]

حج حجة الاسلام " وفي صحيح معاوية وحسنه (1) " ينبغي للصرورة ان يحلق وان كان قد حج فان شاء قصر وإن شاء حلق، فإذا لبد شعره أو عقصه فان عليه الحلق وليس له التقصير " وفي صحيحه (2) ايضا " إذا أحرمت فعقصت شعر رأسك أو لبدته فقد وجب عليك الحلق وليس لك التقصير، وان أنت لم تفعل فمخير لك التقصير والحلق في الحج، وليس في المتعة إلا التقصير " وفي خبر بكير بن خالد (3) " ليس للصرورة ان يقصر " وسأله (عليه السلام) عمار (4) " عن رجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق فقال: إن كان قد حج قبلها فليجز شعره، وإن كان لم يحج فلابد له من الحلق " وسأله (عليه السلام) أيضا سليمان بن مهران (5) " كيف صار الحلق على الصرورة واجبا دون من قد حج قال: ليصير بذلك موسما بسمة الآمنين، ألا تسمع قول الله عزوجل (6) لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون " ولا داعي إلى حملها على التأكد، وقوله (عليه السلام): " ينبغي " في الصحيح والحسن مع انه في الصرورة خاصة لا صراحة فيه بعدم الوجوب، بل ولا ظهور على وجه يصلح لصرف غيره عنه، بل لعل إرادة ما لا ينافي الوجوب منه ولو بقرينة غيره أولى، بل لعل الظاهر إرادة الوجوب منه هنا بقرينة قوله " وان


(1) و (2) الوسائل الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 - 8 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 10 عن بكر بن خالد وهو الصحيح كما في التهذيب ج 5 ص 243 الرقم 820 (4) و (5) الوسائل الباب 7 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4 - 14 (6) سورة الفتح الآية 27

[ 236 ]

كان قد حج فان شاء، إلى آخره، فان مفهومه نفي المشية عن الذي لم يحج، وهو الصرورة، وهو نص في الوجوب، لان الاستحباب لا يجامع نفي المشية اللهم إلا أن يقال إن الشهرة ترجح على غيرها من القرائن، خصوصا بعد شم رائحة الندب مما سمعته في خبر ابن مهران، واشتهار إرادة التأكد من نحو ذلك، والله العالم. (وليس على النساء حلق) لا تعيينا ولا تخييرا بلا خلاف أجده، بل عن التحرير والمنتهى الاجماع عليه، وهو الحجة بعد قول النبي صلى الله عليه وآله في وصيته (1) لعلي (عليه السلام): " ليس على النساء جمعة إلى أن قال: ولا استلام الحجر ولا الحلق " والصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي (2): " ليس على النساء حلق ويجزيهن التقصير " بل يحرم عليهن ذلك بلا خلاف أجده فيه ايضا، بل عن المختلف الاجماع عليه، وهو الحجة بعد المرتضوي (3) " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن تحلق المرأة رأسها " أي في الاحلال لا مطلقا، فان الظاهر عدم حرمته عليها في غير المصاب المقتضي للجزع، للاصل السالم عن معارضة دليل معتبر اللهم إلا أن يكون هناك شهرة بين الاصحاب تصلح جابرا لنحو المرسل المزبور بناء على إرادة الاطلاق، فيكون كحلق اللحية للرجال. (و) على كل حال فلا اشكال في عدم جوازه نسكا، وحينئذ ف‍ (يتعين في حقهن التقصير) بلا خلاف أجده فيه ايضا، لقول أحدهما (عليهما السلام) في خبر علي بن حمزة (4) " وتقصر المرأة ويحلق الرجل، وان شاء قصران كان


(1) و (2) الوسائل الباب 8 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4 - 3 (3) كنز العمال ج 3 ص 58 الرقم 160 (4) الوسائل الباب 8 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2

[ 237 ]

قد حج قبل ذلك " ولما سمعته من امر الصادق (عليه السلام) بالاخذ من شعورهن والتقصير من اظفارهن في صحيح سعيد الاعرج (1) السابق، كقوله عليه السلام في مرسل ابن ابي عمير (2) " تقصر المرأة لعمرتها مقدار الانملة " وله قال المصنف: (ويجزيهن منه ولو مثل الانملة) كما في القواعد والنافع ومحكي التهذيب والنهاية والمبسوط والوسيلة والجامع، لكن الاولى الجمع بينه وبين التقصير من الاظفار ايضا، لما سمعته في صحيح الاعرج، كما أن الاولى مراعاة القدر المزبور الذي يظهر من المصنف انه اقل المجزي وان كان المحكي عن المختلف وغيره انه كناية عن المسمى، بل قيل هو ظاهر المنتهى والتذكرة، للاصل مع عدم ثبوت الزيادة، وإطلاق الاخذ من الشعر في صحيح الاعرج، وترك الاستفصال في حسن الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) قال له عليه السلام: " انى لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي ولم اقصر قال: عليك بدنة، قال قلت: انى لما أردت ذلك منها ولم تكن قصرت امتنعت، فلما غلبتها قرضت بعض شعرها باسنانها، فقال رحمها الله كانت أفقه منك، عليك بدنة وليس عليها شئ " نعم ما عن ظاهر ابي علي من انها لا يجزيها في التقصير ما دون القبضة لا نعرف له مأخذا، وعن الشهيد حمله على الندب، بل قد يظهر من القواعد والنافع وغيرهما تحقق التقصير بذلك للرجل ايضا، قيل: للاصل ولقول الصادق (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد (4) " ثم ائت منزلك تقصر من شعرك، وحل لك كل شئ " وإطلاق التقصير في حسن الحلبي (5) السابق، إلا انهما معا كما ترى لا تقدير فيهما بالانملة


(1) و (5) الوسائل الباب 8 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 - 3 (2) و (3) الوسائل الباب 3 من ابواب التقصير الحديث 3 - 2 (4) الوسائل الباب 1 من ابواب التقصير الحديث 3

[ 238 ]

التي لا يتوقف صدق التقصير من الشعر عليها عرفا كما هو واضح. وكيف كان ففي القواعد في إجزاء الحلق للامرأة لو فعلته عن التقصير نظر، وفي كشف اللثام " من التباين شرعا، ولذا وجبت الكفارة على من حلق في عمرة التمتع، وهو ظاهر الآية (1) والتخيير بينهما وايجاب احدهما وتحريم الآخر ومن أن اول جزء من الحلق بل كله تقصير، ولذا لم يرد فيمن حلق في عمرة التمتع وجوب تقصير عليه بعده، بل قال وهو الوجه ان لم ينو الحلق أولا بل التقصير أو اخذ الشعر " وفيه منع تحقق التقصير باول جزء من الحلق، وعدم ورود التقصير فيمن حلق في عمرة التمتع للاتكال على وجوبه عليه، على انه بعد أن عرفت حرمة الحلق عليهن كيف يتصور إجزاؤه عن الواجب، إذ أقصاه بعد التسليم كونه فردا من التقصير منهيا عنه، فلا يجزي عن الواجب، فتأمل جيدا. والخنثى المشكل تقصر إذا لم تكن أحد الثلاثة، بل وإن كانت على القول بالتخيير ايضا، اما على القول بالوجوب فيتعين عليها فعلهما مقدمة بناء على أن حرمة الحلق على النساء تشريعية كما هو الظاهر، فتسقط للاحتياط وإلا كان المتجه التخيير، والله العالم. (ويجب تقديم) الحلق أو (التقصير على زيارة البيت لطواف الحج والسعي) بلا خلاف اجده فيه، وفي كشف اللثام " كأنه لا خلاف فيه " وفي المدارك " لا ريب في وجوب تقديمها على زيارة البيت للتأسي وللاخبار الكثيرة " ولعل مراده ما تسمعه من النصوص (2) الآمرة باعادته للناسي أو مطلقا وبالشاة للعالم، لكن في الرياض بعد الاعتراف بنفي خلاف ظاهر فيه في جملة


(1) سورة الفتح الآية 27 (2) الوسائل الباب 5 و 2 من ابواب الحلق والتقصير

[ 239 ]

من العبائر قال: " فان تم إجماعا وإلا فظاهر الصحيح المتقدم وغيره المتضمنين للفظي " لا حرج " و " ينبغي " كالصحيح الآتي المتضمن ايضا للفظ " لا ينبغي " خلافه، ولا ينافيه إيجاب الدم في الاخير لامكان الحمل على الاستحباب لكن لا خروج عما عليه الاصحاب " ومراده بالصحيح الاول صحيح جميل (1) عن الصادق (عليه السلام) " ان رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه اناس يوم النحر فقال بعضهم يا رسول الله حلقت قبل ان اذبح، وقال بعضهم حلقت قبل ان ارمي فلم يتركوا شيئا كان ينبغى لهم ان يقدموه إلا اخروه، ولا شيئا كان لهم ان يؤخروه إلا قدموه، فقال لا حرج " والظاهر كما في كشف اللثام انما ينفي الاثم عن الجاهل والناسي أو احدهما، واما الآخر فهو صحيح جميل (2) ايضا وحسنه سأل الصادق (عليه السلام) " عن الرجل يزور البيت قبل ان يحلق فقال: لا ينبغي إلا ان يكون ناسيا، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه اناس يوم النحر " إلى آخر ما سمعته آنفا، ونحوه صحيح محمد بن حمران (3) عنه (عليه السلام)


(1) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 4 (2) لم يرد صاحب الرياض (قدس سره) بقوله: " كالصحيح الآتي " إلا صحيحة محمد بن مسلم الآتية في الجواهر ص 240 حيث انها دلت على وجوب الشاة على العالم مع اشتمالها على لفظة " لا ينبغي " كما انه ذكرها في الرياض بعد أسطر، فما ذكره صاحب الجواهر (قده) " واما الآخر فهو صحيح جميل ايضا وحسنه " غير صحيح، إذ لم يذكر فيه لزوم الدم ابدا، على انه ليس لجميل في المقام إلا رواية واحدة نقلت بطريقين، ذكر في صدرها عن الرجل يزور البيت.. إلى آخره " وفي ذيلها " ان رسول الله صلى الله عليه وآله اتاه اناس.. الخ ". (3) الوسائل الباب 2 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2

[ 240 ]

ايضا، لكن يمكن ارادة النهى منه ولو بقرينة شهرة الاصحاب وما تسمعه من النصوص. (و) على كل حال ف‍ (- لو قدم ذلك على التقصير عامدا جبره بشاة) بلا خلاف اجده فيه، بل نسبه بعض إلى قطع الاصحاب وان اغفل في بعض الكتب كمحكي المقنعة والمراسل والغنية والكافي، ونسبه في الدروس إلى الشيخ واتباعه بل عن ابن حمزة فان زار البيت قبل الحلق اعاد الطواف بعده، وان تركه عمدا لزمه دم شاة، فيحتمل ترك الاعادة أو ارادة ترك الحلق حتى زار إلا ان الجميع ليس خلافا محققا، وفي صحيح ابن مسلم (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) " في رجل زار البيت قبل ان يحلق فقال: ان كان زار البيت وهو عالم ان ذلك لا ينبغي فان عليه دم شاة " وهو ظاهر في الوجوب المقتضي لوجوب الترتيب عليه، بل هو مشعر بارادة عدم الجواز من قول " لا ينبغي " في غيره من النصوص، فما سمعته من الرياض من امكان ارادة ندب الدم فيه في غير محله، نعم هو خال عن ذكر الاعادة التي مقتضى الاصل نفيها ايضا، بل في الدروس نسبة ذلك إلى ظاهرهم، بل عن الصيمري التصريح به، ولكن فيه انه معارض بما حكاه ثاني الشهيدين من الاجماع على وجوب الاعادة الذي يشهد له اولويته من الناسي، وترك الاستفصال في صحيح ابن يقطين (2) " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المرأة رمت العقبة وذبحت ولم تقصر حتى زارت البيت وطافت وسعت من الليل ما حالها وما حال الرجل إذا فعل ذلك، قال: لا بأس به يقصر


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 (2) الوسائل الباب 4 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1

[ 241 ]

ويطوف للحج ثم يطوف للزيارة ثم قد أحل من كل شئ " وما قيل من أن للطواف المأتي به قبل التقصير منهي عنه فيكون فاسدا، فلا يتحقق به الامتثال وإن كان لا يخلو من نظر لاعمية ذلك من الشرطية، اللهم إلا ان يدعى ظهورها من الامر بها في نحو العبادات المركبة، وحينئذ يتجه الاستدلال به على المطلوب الذي لا ظهور في الصحيح المزبور بما ينافيه، إذ خلوه عن ذكر الاعادة أعم من عدم وجوبها، لكن في الرياض بعد ذكر الصحيح الدال عليها بالاطلاق قال: " وتنزيل هذا على ما يؤول إلى الاول بحمله على غير العامد وإبقاء الاول على ظاهره من عدم وجوب الاعادة ليس بأولى من العكس وإبقاء هذا على عمومه وحمل الاول على خلاف ظاهره، وبالجملة التعارض بينهما كتعارض العموم والخصوص من وجه يمكن صرف كل منهما إلى الآخر، وحيث لامر حج ينبغي الرجوع إلى مقتضى الاصل، وهو وجوب الاعادة كما مر " ولا يخفي عليك ما في ذلك. هذا كله في العالم العامد (ولو كان ناسيا لم يكن عليه شئ) من دم ونحوه بلا خلاف أجده فيه للاصل وغيره (و) لكن (عليه إعادة الطواف على الاظهر) بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به في المدارك وغيرها، لاطلاق صحيح ابن يقطين (1) السابق الذي لا ينافيه صحيح جميل (2) السابق وغيره الذي استثني فيه الناسي بعد عدم إشعار فيه بعدم الاعادة بل ولا نفي الحرج في صحيحه (3) الآخر المراد منه عدم بطلان الحج كنفي البأس في صحيح ابن يقطين.


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب الذبح الحديث 1 (2) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 4 (3) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 4 إلا ان ذلك ليس صحيحا آخر لجميل وانما هو ذيل لصحيحته كما تقدم الاشارة إليه في ص 239

[ 242 ]

وأما الجاهل فلا دم عليه للاصل المعتضد بمفهوم صحيح ابن مسلم (1) نعم عليه الاعادة وفاقا لثاني الشهيدين وغيره، لاولويته من الناسي، وإطلاق صحيح ابن يقطين الذي لا ينافيه نفي الحرج في صحيح جميل (2) بعد ما عرفت المراد منه، فما عن الشهيد من الميل إلى العدم لا يخلو من نظر، هذا. والظاهر كما في كشف اللثام أن كل من وجبت عليه الاعادة فان تعمد تركها بطل الحج إلا مع العذر فيستنيب وإن كان تعمدا لتقديم. كما ان الظاهر وجوب اعادة السعي حيث تجب إعادة الطواف كما عن العلامة في التذكرة التصريح به تحصيلا للترتيب الظاهر من الادلة وجوبه، وربما كان ظاهر المتن عدمه، ولعله لصحيح ابن يقطين السابق الذي لا ظهور له في ذلك. ولو قدم الطواف على الذبح أو على الرمي ففي إلحاقه بتقديمه على التقصير وجهان، أجودهما ذلك كما في المسالك والمدارك. (ويجب أن يحلق) أو يقصر (بمنى، فلو أخل) عالما أو جاهلا أو ناسيا (رجع فحلق) أو قصر (بها) وجوبا بلا خلاف أجده في شئ من ذلك، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به بين الاصحاب، بل عن ظاهر التذكرة والمنتهى أنه موضع وفاق، بل عن المفاتيح ذلك أيضا، وعن غيرها نفي الخلاف فيه ايضا، وفي صحيح الحلبي (3) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يقصر من شعره أو يحلقه حتى ارتحل من منى قال: يرجع إلى منى حتى يلقي شعره بها حلقا أو تقصيرا " وخبر ابي بصير (4) " سألته عليه السلام عن رجل جهل ان


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2 (2) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 4 (3) و (4) الوسائل الباب 5 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 - 4

[ 243 ]

يقصر من رأسه أو يحلق حتى ارتحل من منى قال: فليرجع إلى منى حتى يحلق شعره بها أو يقصر " ولا ينافي ذلك خبر مسمع (1) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يحلق رأسه أو يقصر حتى نفر قال: يحلق في الطريق وأين كان " بعد إمكان إرادة حال عدم التمكن من الرجوع فيه خصوصا بعد قصور الخبر المزبور عن معارضة ما سمعت من وجوه، نعم قد يظهر من خبر أبي بصير (2) عن الصادق عليه السلام " في رجل زار البيت ولم يحلق رأسه قال: يحلق بمكة ويحمل شعره لمنى، وليس عليه شئ " عدم وجوب العود للحلق إذا قدم عليه الطواف إلا أن إطلاق الاصحاب أيضا على خلافه. وكيف كان (فان لم يتمكن) من الرجوع وإن كان قد تعمد ذلك (حلق أو قصر مكانه) وجوبا بلا خلاف ولا إشكال، وقد سمعت حمل خبر مسمع عليه (وبعث بشعره ليدفن بها) ندبا كما في النافع ومحكي التهذيب والاستبصار بل في المدارك نسبته إلى قطع الاكثر، لا وجوبا كما عن الكافي وظاهر المتن، للاصل وقول الصادق عليه السلام في خبر ابي بصير (3) " ما يعجبني ان يلقي شعره إلا بمنى " وفي صحيح معاوية (4) " كان علي بن الحسين عليه السلام يدفن شعره في فسطاطه بمنى ويقول: كانوا يستحبون ذلك، قال: وكان أبو عبد الله عليه السلام يكره أن يخرج الشعر من منى، ويقول: من أخرجه فعليه أن يرده " وفي خبر ابي البختري (5) المروى عن قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن الحسن والحسين (عليهم السلام) " كانا يأمران ان يدفن شعورهما بمنى " ولا ينافي ذلك قول الصادق


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 6 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 7 - 6 - 5 - 8

[ 244 ]

عليه السلام في صحيح ليث المرادي (1): " ليس له أن يلقي شعره إلا بمنى " وأحدهما (عليهما السلام) في خبر علي بن أبي حمزة (2) في حديث " وليحمل الشعر إذا حلق بمكة إلى منى " بعد عدم دلالتهما على الدفن كغيرهما من النصوص، بل لعل ما عن الكافي محمول على تأكد الندب كظاهر المتن. إنما الكلام في وجوب البعث الذي استوجهه الفاضل في محكي المختلف ان كان خروجه من منى عمدا دون النسيان، لانه كان يجب عليه الحلق بمنى وإلقاء الشعر بها، ولا يسقط أحد الواجبين إذا سقط الآخر، بخلاف ما إذا نسي، فانه لا يجب عليه شئ منهما، مضافا إلى خبر ابي بصير (3) الظاهر في العامد، بل عن النهاية وظاهر المتن وجوبه مطلقا، ولعله للامر به في حسن حفص بن البختري (4) عن ابي عبد الله عليه السلام " في الرجل يحلق رأسه بمكة قال: يرد الشعر إلى منى " وخبر ابي بصير (5) السابق المحمول على الندب ايضا بقرينة خبر ابي بصير (6) الاخير الظاهر في ذلك، ولكن مع ذلك لا ريب في أن الاحوط بعثه، خصوصا إذا كان قد أخرجه منها (و) أحوط منه دفنه فيها، نعم (لو لم يتمكن) من بعثه سقط الوجوب و (لم يكن عليه شئ) إجماعا كما في المدارك للاصل وغيره. (ومن ليس على رأسه شعر) خلقة أو غيرها سقط عنه الحلق إجماعا بقسميه، ولكن يمر الموسى عليه إجماعا في محكي التذكرة ومن أهل العلم في محكي المنتهى، بل مقتضى قول المصنف (اجزأه امرار الموسى عليه) عدم تعين التقصير عليه، بل في المدارك " قيل بالوجوب مطلقا، أو على من حلق في


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 6 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4 - 2 - 7 - 1 - 7 - 6

[ 245 ]

إحرام العمرة، والاستحباب للاقرع " بل في المسالك " بالتفصيل رواية والعمل بها أولى " وإن كنا لم نعثر عليها ولا رواها غيره كما اعترف به في المدارك، نعم في خبر زرارة (1) " ان رجلا من اهل خراسان قدم حاجا وكان اقرع الرأس لا يحسن ان يلبي فاستفتي له أبو عبد الله فامر ان يلبي عنه ويمر الموسى على رأسه، فان ذلك يجزي عنه " بل عن ابي حنيفة انه اوجبه، لانه كان واجبا عنده الحلق فإذا سقط لتعذره لم يسقط، بل عن الفاضل ان كلام الصادق عليه السلام يعطيه، فان الاجزاء إنما يستعمل في الواجب، بل في كشف اللثام إن لم يكن له ما يقصر منه أو كان صرورة أو ملبدا أو معقوصا وقلنا بتعين الحلق عليهم اتجه وجوب الامرار، وتبعه في الرياض مؤيدا له بالخبر المتقدم بدعوى ظهوره في الصرورة، وفيه ان المتجه حينئذ السقوط للاصل بعد ان كان الواجب من الامرار ما يتحقق في ضمنه الحلق لا مطلقا فلا تأتي قاعدة الميسور، وما لا يدرك، وبعد قصور الخبر المزبور من إثبات الوجوب. ومن هنا كان المحكي عن الاكثر منا ومن غيرنا الاستحباب، بل عن الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، وحينئذ فيتعين عليه التقصير من لحيته أو غيرها الذي هو احد الفردين، ومع العدم يتجه السقوط، نعم لو قلنا بوجوبه عملا بالخبر المزبور اتجه الاجتزاء به عنه، لظهور لفظه فيه، وإن كان يحتمل إرادة الاجزاء عن الحلق الحقيقي لا عن مطلق الفرض، فضلا عن قاعدة الامر، ولعدم توجه الجمع بين الحلق والتقصير فكذا ما يقوم مقامه، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين الامرار والتقصير خصوصا بعد ما سمعته من


(1) الوسائل الباب 11 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 3

[ 246 ]

امر الصادق عليه السلام في اقرع خراسان مؤيدا بخبر ابي بصير (1) عنه عليه السلام ايضا سأله " عن المتمتع اراد ان يقصر فحلق رأسه فقال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر امر الموسى على رأسه حين يريد ان يحلق " وخبر عمار الساباطي (2) عنه عليه السلام ايضا في حديث سأله " عن رجل حلق قبل ان يذبح قال: يذبح ويعيد الموسى، لان الله تعالى (3) يقول: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " كما انه لا ينبغي تركه إذا لم يكن عنده شعر يقصره، لاستبعاد حله بلا حلق ولا تقصير ولا إمرار الموسى، مضافا إلى ما سمعته من النصوص، هذا. وفي المنتهى يستحب لمن حلق ان يبدأ بالناصية من القرن الايمن ويحلق إلى العظمين النائيين بلا خلاف " وفى الدروس " ويستحب استقبال القبلة والبدأة بالايمن من ناصيته، وتسمية المحلوق والدعاء مثل قوله: اللهم اعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة، والاستيعاب إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين " والاصل في ذلك صحيح معاوية بن عمار (4) عن ابي جعفر عليه السلام عليه السلام قال: " امر الحلاق ان يضع الموسى على قرنه الايمن، ثم امره ان يحلق، ويسمي هو، وقال اللهم اعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة " وخبر غياث بن ابراهيم (5) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) " السنة في الحلق ان يبلغ العظمين " وفي الفقه المنسوب (6) إلى مولانا الرضا عليه السلام " وإذا اردت ان تحلق رأسك فاستقبل


(1) و (2) الوسائل الباب 11 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 - 2 (3) سورة البقرة الآية 192 (4) و (5) الوسائل الباب 10 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 - 2 (6) المستدرك الباب 9 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1

[ 247 ]

القبلة وابدأ بالناصية، واحلق إلى العظمين النائيين بحذاء الاذنين، وقل: اللهم اعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة ". ولعلهما جمعا بين الجميع بارادة البدأة بالناصية من القرن الايمن وان كان في دخول القرن في الناصية التي هي من قصاص الشعر مما يلي الجبهة نوع خفاء بل منع، على ان البدأة بالناصية ليس إلا في الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا عليه السلام وهو غير ثابت عندنا، وعلى تقديره فالمتجه الجمع بالتخيير بينهما لا بذلك، وأما استقبال القبلة فليس إلا فيه، نعم يخطر في بالي ان فيه رواية عن بعض موالي علي بن الحسين (عليهم السلام) لما اراد ان يحلق رأس ابي حنيفة، لم تحضرني الآن في اي كتاب. وكيف كان ففي كشف اللثام بعد ذكر خبر غياث " المراد بهما كما في الفقيه والمقنع والهداية والجامع والدروس اللذان عند منتهى الصدغين قبالة وتد الاذنين، وفي الوسيلة العظمين خلفه، وفي الاقتصاد والجمل والعقود والمهذب إلى الاذنين، وفي المصباح ومختصره العظمين المحاذيين للاذنين، وهاتان العبارتان يحتملان الامرين، وعلى كل حال فالغاية بهما للاستيعاب كما في الدروس والمصباح ومختصره لا لعدمه، ولكن المعنى الاول يفيده طولا: والثاني دورا " انتهى والامر سهل. (و) كيف كان ف‍ (ترتيب هذه المناسك واجب يوم النحر الرمي ثم الذبح ثم الحلق) كما في النافع والقواعد بل ومحكي النهاية والمبسوط والاستبصار وظاهر المقنع في الاخيرتين، بل نسبه غير واحد إلى اكثر المتأخرين، لقوله تعالى (1): " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " وللتأسي مع قوله صلى الله عليه وآله (2)


(1) سورة البقرة الآية 192 (2) تيسير الوصول ج 1 ص 312

[ 248 ]

" خذوا عني مناسككم " وقول الصادق عليه السلام في خبر عمر بن يزيد (1) " إذا ذبحت اضحيتك فاحلق رأسك واغتسل وقلم اظفارك وخذ من شاربك " وفي خبر جميل (2) " تبدأ بمنى بالذبح قبل الحلق " وفي صحيح معاوية بن عمار أو حسنه (3) " إذا رميت الجمرة فاشتر هديك " وفي خبر ابي بصير (4) " إذا اشتريت اضحيتك وقمطتها في جانب رحلك فقد بلغ الهدي محله، فان احببت ان تحلق فاحلق " وان كان هو دالا على قيام ربطها في رحله مقام الذبح، ونحوه اخبار (5) وفي موثق عمار (6) عنه عليه السلام ايضا " سألته إلى ان قال " وعن رجل حلق قبل ان يذبح قال يذبح ويعيد الموسى، لان الله تعالى يقول: ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " وخبر سعيد السمان (7) " سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وآله عجل النساء ليلا من المزدلفة إلى منى فامر من كان عليها منهن هدي ان ترمي ولا تبرح حتى تذبح، ومن لم يكن عليها منهن هدي ان تمضي إلى مكة حتى تزور " وصحيح ابي بصير (8) عنه عليه السلام ايضا قال: " سمعته يقول: لا بأس ان تقدم النساء إذا زال الليل فتفيض عند المشعر الحرام ساعة ثم ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة ثم يصبرن ساعة ثم ليقصرن ولينطلقن إلى مكة إلا أن


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 (2) و (3) و (4) و (6) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 3 - 1 - 7 - 8 (5) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 7 بطريقين آخرين (7) و (8) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 5 - 7

[ 249 ]

يكن يردن أن يذبح عنهن، فانهن يوكلن من يذبح عنهن " وصحيح سعيد الاعرج (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهن بليل قال نعم إلى أن قال: افض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهم ذبح فليأخذن من شعورهن وليقصرن من أظفارهن " وخبر موسى ابن القاسم (2) عن علي عليه السلام قال: " لا يحلق رأسه ولا يزور البيت حتى يضحي فيحلق رأسه ويزور متى شاء " وصحيح عبد الله بن سنان (3) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحي قال: لا بأس وليس عليه شئ ولا يعودن " بناء على إرادة الحرمة من النهي عن العود وعدم الاعادة من نفي البأس كما ستعرف ان شاء الله. وعلى كل حال فلا إشكال في ظهور مجموع ما ذكرناه من الآية والرواية في وجوب الترتيب في الثلاثة، خلافا للمحكي عن الخلاف والسرائر والكافي من عدم الوجوب، وعن الاولين استحبابه كما عن المختلف ومال إليه بعض متأخري المتأخرين، للاصل وصحيح جميل (4) السابق المشتمل على نفي الحرج الذي قد عرفت احتمال إرادة الاجزاء منه وحال الجهل والنسيان والضرورة ونفي الفداء ونحوه، بل مال إليه في الرياض مرجحا لاحتمال حمل الاوامر المزبورة على الندب على احتمال غيره بالاصل وخبر احمد بن محمد بن ابي نصر (5) " قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: جعلت فداك ان رجلا من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر وحلق قبل أن يذبح قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان يوم النحر أتاه طوائف من المسلمين فقالوا: يارسول الله صلى الله عليه وآله ذبحنا من قبل أن نرمي وحلقنا من قبل أن


(1) الوسائل الباب 17 من ابواب الوقوف بالمشعر الحديث 2 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 9 - 10 - 4 - 6

[ 250 ]

نذبح فلم يبق شئ مما ينبغي لهم ان يقدموه إلا أخروه، ولا شئ مما ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه فقال: لا حرج " بل وغيره من الاخبار، ومصير اكثر العامة كما في المنتهى إلى الوجوب، قال: فيترجح بهما الاستحباب وإن تساوى الجمعان، والتأسي إنما يجب لو لم يظهر الاستحباب من الخارج، مضافا إلى أولوية حمل صحيح النهي عن العود على الكراهة مما عرفت، لظهور نفي البأس في جواز الترك، ولذا استدل به الفاضل في المختلف على الندب، إلا أن الجميع كما ترى، خصوصا مع تصريح الآية بالبعض مع عدم القول بالفصل، وخصوصا مع الشهرة وغير ذلك. بقي الكلام في وجوب فعلها اجمع يوم النحر كما هو ظاهر المتن، وقد عرفت انه لا إشكال بل ولا خلاف في وجوب الرمي يوم النحر إلا للنساء والخائف ونحوه ممن تقدم سابقا، وأما الذبح فلا إشكال ولا خلاف في عدم جواز تقديمه عليه، بل لعل الاجماع بقسميه عليه، وأما وجوبه فيه فقد صرح به غير واحد وعرفت بعض الكلام فيه وكذا وجوب الحلق فيه ايضا، وإن كان لو لم يفعل شيئا منهما فيه يجزيه ايضا، والله العالم. وكيف كان (فلو قدم بعضا على بعض) عالما عامدا (اثم) قطعا (ولا اعادة) بلا خلاف محقق أجده فيه، بل في المدارك ان الاصحاب قاطعون به، وأسنده في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه، وحينئذ يكون الوجوب المزبور تعبديا لا شرطيا، ولعله المراد من صحيح ابن سنان (1) السابق المشتمل على نفي البأس والنهي عن العود لمثل ذلك، بل ونصوص نفي الحرج (2) وإن


(1) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 10 (2) الوسائل الباب 39 من ابواب الذبح الحديث 4 و 6 والباب 2 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2

[ 251 ]

لم يكن قد صرح فيها بالعمد، والامر بامرار الموسى بعد الذبح لمن قدم الحلق محمول على ضرب من الندب، فما في المدارك من اشكال ذلك بانها محمولة عند القائل بوجوب الترتيب على الجهل والنسيان وإلا لم يجب الترتيب في غير محله، وإن صدر من بعضهم ذلك، ووجوب الترتيب أعم من شرطيته، كما ان ما فيها وفي غيرها من إشكال الحكم المزبور بانه مناف لقاعدة عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه المقتضية وجوب الاعادة كذلك ايضا، ضرورة عدم الشرطية على التقدير المزبور جمعا بين الادلة، بل لعل المراد من قوله عليه السلام " لا حرج " الاشارة إلى قوله تعالى (1) " وما جعل عليكم في الدين من حرج " الذي منه التكليف بالاعادة، فحينئذ يكون الترتيب واجبا مستقلا لا شرطا، فالفاعل ممتثل في أصل الفعل وإن عصى في عكس الترتيب، وعلى كل حال فما عن ابي علي من ان كل سائق هديا واجبا أو غيره يحرم عليه الحلق قبل ذبحه، ولو حلق وجب دم آخر محجوج بما عرفت إن أراد عدم الاجزاء إذا خولف الترتيب، وقد يحتمل الكفارة، فلا خلاف حينئذ، والله العالم. (مسائل ثلاث: الاولى مواطن التحلل ثلاثة) بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه (الاول) المتمتع (عقيب الحلق أو التقصير يحل من كل شئ إلا الطيب والنساء) كما عن النهاية والتهذيب والمبسوط والوسيلة والسرائر والمصباح ومختصره والجامع وغيرها، بل في المدارك نسبته إلى الاكثر وفي غيرها إلى المشهور، بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية بن عمار (2): " إذا ذبح الرجل وحلق فقد أحل من كل


(1) سورة الحج الآية 77 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1

[ 252 ]

شئ أحرم منه إلا النساء والطيب، فإذا زار البيت وطاف وسعى بين الصفا والمروة فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء، فإذا طاف طواف النساء فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا الصيد " أي الحرمي لا الاحرامي كما هو واضح، وصحيح العلاء (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني حلقت رأسي وذبحت وأنا متمتع أطلي رأسي بالحناء قال: نعم من غير ان تمس شيئا من الطيب، قلت: وألبس القميص وأتقنع قال: نعم، قلت قبل أن اطوف بالبيت قال: نعم " وصحيحه الآخر (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام تمتعت يوم ذبحت وحلقت فالطخ رأسي بالحناء قال: نعم من غير أن تمس شيئا من الطيب، قلت فالبس القميص قال: نعم إذا شئت، قلت فاغطي رأسي قال: نعم " وخبر عمر بن يزيد (3) عن ابي عبد الله عيله السلام: " اعلم انك إذا حلقت رأسك فقد حل لك كل شئ إلا النساء والطيب " وخبر منصور ابن حازم (4) وخبر جميل (5) المروي عن مستطرفات السرائر من نوادر البزنطي عن جميل سأله عليه السلام " المتمتع ما يحل له إذا حلق رأسه، قال: كل شئ إلا النساء والطيب، قال فالمفرد قال: كل شئ إلا النساء " وخبر محمد بن حمران (6) سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الحاج يوم النحر ما يحل له ؟ قال: كل شئ إلا النساء، وعن المتمتع ما يحل له يوم النحر ؟ قال كل شئ إلا النساء والطيب ". ولا ينافي ذلك ما في صحيح سعيد بن يسار (7) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن المتمتع إذا حلق رأسه قبل ان يزور فيطليه بالحناء، قال: نعم الحناء


(1) و (2) و (3) و (4) و (7) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 5 - 3 - 4 - 2 - 7 (5) و (6) الوسائل الباب 14 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4 - 1

[ 253 ]

والثياب والطيب وكل شئ إلا النساء رددها علي مرتين أو ثلاثا " قال: " وسألت أبا الحسن عليه السلام عنها فقال: نعم الحناء والثياب والطيب وكل شئ إلا النساء " كذا عن الكافي ورواه الشيخ عنه ايضا ولم يذكر فيه " قبل ان يزور " ومن هنا حمله على أنه عليه السلام اراد ان الحاج متى حلق وطاف طواف الحاج وسعى فقد حل له هذه الاشياء وإن لم يذكرهما في اللفظ، لعلمه بان المخاطب عالم بذلك، أو تعويلا على غيره من الاخبار، وهو مع بعده مناف لما سمعته عن النسخة الصحيحة عن الكافي، ولذا أجاب عنه في الدروس بانه متروك، وكذا لا ينافيه صحيح معاوية بن عمار (1) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: " سئل ابن عباس هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتطيب قبل أن يزور البيت قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يضمد رأسه بالمسك قبل ان يزور البيت " لان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن متمتعا بل وكذا خبر ابي ايوب الخزاز (2) " رأيت ابا الحسن (عليه السلام) بعد ما ذبح وحلق ثم ضمد رأسه بمسك ثم زار البيت وعليه قميص وكان مقنعا " حتى على ما عن بعض النسخ من انه كان متمتعا من التمتع لا التقنع بناء على ان ذلك كان زعما منه لا انه كذلك، وخبر عبد الرحمان أو صحيحه (3) قال: " ولد لابي الحسن (عليه السلام) مولود بمنى فارسل الينا يوم النحر بخبيص فيه زعفران وكنا قد حلقنا قال عبد الرحمان فاكلت انا، والكاهلي ومرازم ابيا أن يأكلا، وقالا لم نزر البيت فسمع أبو الحسن كلامنا، فقال لمصارف وكان هو الرسول الذي جاءنا به في اي شئ كانوا يتكلمون ؟ قال أكل عبد الرحمان وأبى الآخران


(1) و (3) الوسائل الباب 14 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2 - 3 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والقصير الحديث 10

[ 254 ]

وقالا لم نزر البيت فقال: اصاب عبد الرحمان ثم قال: ما تذكر حين اتينا به في مثل هذا اليوم فاكلت انا منه، وابى عبد الله اخي ان يأكل منه، فلما جاء ابي حرشه علي فقال: يا ابت ان موسى أكل خبيصا فيه زعفران ولم يزر بعد، فقال ابي هو افقه منك، أليس قد حلقتم رؤوسكم " لاحتمال كونهم غير متمتعين كما سمعت التصريح بذلك في خبر محمد بن حمران وغيره، بل ولا خبر اسحاق بن عمار (1) ايضا " سألت ابا ابراهيم (عليه السلام) عن المتمتع إذا حلق رأسه ما يحل له ؟ قال: كل شئ إلا النساء " لكونه قابلا للتخصيص بما عرفت. كل ذلك مع ان المحكي عن الشافعي واحمد وابي حنيفة حل كل شئ له إلا النساء، كما عن ابن الزبير وعلقمة وسالم وطاووس والنخعي وابي ثور، فيمكن أن تكون النصوص المزبورة خرجت مخرج التقية، فما في المدارك من احتمال جواز الطيب له على كراهة، وحينئذ يكون تحللين واضح الفساد، وإن حكي عن ظاهر ابن ابي عقيل العمل بما في هذه النصوص من حل الطيب للمتمتع ايضا، لكنه مع كونه شاذا محجوج بما عرفت. وعلى كل حال فما عن ابن بابويه وولده من التحلل بالرمي إلا من الطيب والنساء لم نعرف له مأخذا إلا خبر الحسين بن علوان (2) عن امير المؤمنين (عليه السلام) المروي عن قرب الاسناد " وإذا رميت جمرة العقبة فقد حل لك كل شئ حرم عليك إلا النساء " وما يحكى عن الفقه المنسوب (3) إلى الرضا (عليه السلام) " واعلم انك إذا رميت جمرة العقبة حل لك كل شئ إلا الطيب


(1) و (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 8 - 11 (3) المستدرك الباب 11 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4

[ 255 ]

والنساء، وإذا طفت طواف الحج حل لك كل شئ إلا النساء، فإذا طفت طواف النساء حل لك كل شئ إلا الصيد، فانه حرام على المحل في الحرم، وعلى المحرم في الحل والحرم " وهو مع ان الثاني منهما غير ثابت عندنا، ولم يذكر في الاول الطيب وامكان تقييدهما بغيرهما مما اعتبر فيه الذبح والحلق مخالف للمعروف بين العامة والخاصة من كون التحلل الاول بعد الحلق كما عرفت ولما سمعته من النصوص ايضا. (و) أما (الصيد) فقد ذكره المصنف هنا وفي النافع بل هو معقد النسبة إلى علمائنا في محكي المنتهى لكن في القواعد على إشكال، ولعله من إطلاق الاخبار والاصحاب انه يحل له كل شئ إلا النساء والطيب، ومن الاصل وظاهر قوله تعالى (1): " لا تقتلوا الصيد وانتم حرم " الذي يكفي في تحققه حرمة الطيب والنساء وانه في الحرم، قيل ولذا ذكر على بن بابويه والقاضي انه لا يحل بعد طواف النساء ايضا لكونه في الحرم، بل سمعت التصريح به في صحيح معاوية (2) السابق، ولعله لذا ضرب على الاشكال في بعض ما حكي من نسخ القواعد، ولكن فيه انه لا ينافي التحلل منه من جهة الاحرام، وتظهر الفائدة في اكل لحم الصيد كما عن الخلاف النص على حله، وفي مضاعفة الكفارة، وإذا خرج إلى الحل قبل الطواف، المتيقن من الآية غير الفرض، بل لعله الظاهر، فالمتجه حينئذ العمل بالنصوص المزبورة وان بقي الحرمة من حيث الحرم، لكن في الدروس عن العلامة عدم التحلل من الصيد إلا بطواف النساء مذهب علمائنا، وان كنا لم نتحققه، إلا انه لا ينبغي ترك الاحتياط.


(1) سورة المائدة الآية 96 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1

[ 256 ]

ثم ان الظاهر اعتبار فعل المناسك الثلاثة في منى في حصول هذا التحلل كما عن ابي علي والشيخ التصريح به، بل والمصنف في النافع والفاضل في المختلف بل يمكن أن يكون هو المراد ممن اطلق، بل وخبري عمر بن يزيد (1) وجميل (2) السابقين حملا للحلق على الواقع على أصله، ويؤيده الاصل والاحتياط، مضافا إلى صحيح معاوية السابق (3) المستفاد من الجمع بينه وبين خبر الرمي (4) بعد تقييد اطلاق كل بالآخر اعتبار الثلاثة ايضا، نعم لا يعتبر ترتيبها لما عرفت من الاجزاء وان اثم، وعن المقنع والتحرير والتذكرة والمنتهى انه بعد الرمي والحلق وفي كشف اللثام " ولعل المراد ما سبقه، ولم يذكرا الذبح لاحتمال الصوم بدله واكتفاء بالاول والآخر " قلت: وان كان محجوجا بما عرفت. هذا كله في المتمتع، أما غيره فيحل له بالحلق أو التقصير الطيب ايضا كما في القواعد ومحكي الاحمدي والتهذيب والاستبصار والنهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر والجامع، لما سمعته من خبر محمد بن حمران (5) ومن المحكي عن ابن عباس في صحيح معاوية (6) عن الصادق (عليه السلام) وخبر جميل (7) المروي عن نوادر البزنطي، بل هو مقتضى الجمع بين صحيح منصور (8) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل رمى وحلق أيأكل شيئا فيه صفرة ؟ قال: لا حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم قد حل كل شئ إلا النساء " وبين


(1) و (3) و (4) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4 - 1 - 2 (2) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 14 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 4 - 1 - 2 - 4 (8) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2

[ 257 ]

صحيح عبد الرحمان بن الحجاج (1) السابق المشتمل على قضية الخبيص، ولا يخفى عليك ان مقتضى هذه الادلة عدم الفرق بين تقديمه الطواف والسعي وعدمه، فما في الدروس من اشتراط حل الطيب له بذلك في غير محله، وإن ذكر بعض الناس له وجها غير وجيه، بل كالاجتهاد في مقابلة النصوص، كما أن اطلاق المصنف هنا والنافع ومحكي الخلاف بقاء حرمة النساء والطيب كذلك ايضا بعد ما سمعت من الادلة، بل عن الجعفي التصريح بالتسوية بين المتمتع وغيره في ذلك، ولا ريب في ضعفه، والله العالم. التحلل (الثاني) للمتمتع (إذا طاف طواف الزيارة) للحج (حل له الطيب) كما في النافع والقواعد وغيرها ومحكي والانتصار والاستبصار والنهاية والمبسوط والمصباح ومختصره والوسيلة والسرائر، بل لا أجد فيه خلافا، لصحيح معاوية (2) السابق ومنصور بن حازم (3) " إذا كنت متمتعا فلا تقربن شيئا فيه صفرة حتى تطوف البيت " وفيما كتبه عليه السلام إلى المفضل بن عمر (4) فيما رواه سعد بن عبد الله في المحكي من بصائر الدرجات عن القاسم بن الربيع ومحمد بن الحسين بن ابي الخطاب ومحمد بن سنان جميعا عن مياح المدائني " فإذا أردت المتعة في الحج إلى ان قال: ثم أحرمت بين الركن والمقام للحج فلا تزال محرما حتى تقف بالمواقف ثم ترمي وتذبح وتغتسل ثم تزور البيت، فإذا أنت فعلت ذلك فقد أحللت " بل في كشف اللثام انه لا يتوقف على صلاة الطواف لاطلاق النص والفتوى،


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب الحلق التقصير الحديث 3 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 (3) الوسائل الباب 18 من ابواب تروك الاحرام الحديث 12 (4) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 29

[ 258 ]

وإن كان لا يخلو من نظر، لانسياق اندراج صلاته فيه، خصوصا بعد أن كان المشهور كما اعترف به هو فيه توقف حل الطيب على السعي كما عن الخلاف والمختلف، بل هو الاقوى، للاصل وما سمعته في صحيحي معاوية ومنصور السابقين وصحيح معاوية (1) الآتي، وبها يقيد إطلاق الخبرين المزبورين إن لم نقل بتناول زيارة البيت فيهما له، نعم إن قدم القارن والمفرد الطواف والسعي على الوقوف أو مناسك منى والمتمتع للضرورة فالظاهر عدم التحلل إلا بالحلق، للاصل وخبر المفضل، وانصراف الخبر الاول والفتاوى إلى المؤخر، مضافا إلى امكان كون المحلل هو المركب من الطواف والسعي وما قبلهما من الافعال بمعنى كون السعي جزء العلة، فما عن بعض من التحلل لا يخفى عليك ما فيه وان استوجهه في المسالك، لكن قد سمعت فيما تقدم انه مع تقديم الطواف والسعي لابد من تجديد التلبية لئلا يحصل التحلل ويصير الحج عمرة، وحينئذ فلا وجه لدعوى التحلل بما وقع من الطواف والسعي مع فرض تجديد التلبية لتجدد الاحرام، كما انه لا وجه لبقاء حكم الاحرام مع فرض عدم تجديد التلبية وصيرورته حلالا وانقلاب حجه عمرة، وبذلك يظهر لك إشكال في أصل تصور المسألة، فتأمل جيدا. التحلل (الثالث إذا طاف طواف النساء حل له النساء) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى ما سمعته من النصوص (2) فما عن الحسن من عدم وجوبه لذلك واضح الفساد، نعم في كشف اللثام صلى له أم لا، لاطلاق النصوص والفتاوى إلا فتوى الهداية والاقتصاد، وإن كان فيه ما عرفت، مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3): " ثم اخرج


(1) و (3) الوسائل الباب 4 من ابواب زيارة البيت الحديث 1 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب الحلق والتقصير

[ 259 ]

إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت مكة، ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بينهما سبعة اشواط، تبدأ بالصفا وتختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شئ أحرمت منه إلا النساء، ثم ارجع إلى البيت وطف به اسبوعا آخر، ثم تصلي ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام، ثم قد احللت من كل شئ، وفرغت من حجك كله وكل شئ أحرمت منه " واحتمال كون ذلك لتوقف الفراغ عليها لا حل النساء لا داعي له، ثم الكلام فيما إذا قدمه على الوقوف أو مناسك منى ما تقدم. والظاهر اعتبار هذا الطواف في حج النساء بالنسبة إلى حل الرجال لهن كما عن علي بن بابويه التصريح به في الرسالة، مضافا إلى تصريح غير واحد به من المتأخرين ومتأخريهم، للاصل وإطلاق قوله (1): " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " والرفث هو الجماع بالنص الصحيح (2) كما عرفته سابقا، والاجماع والاخبار على حرمة الرجال عليها بالاحرام، وقاعدة الاشتراك إلا فيما استثني، وللصحيح (3) " المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها وبين التروية فان طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة، وإن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت واحتشت ثم سعت بين الصفا والمروة ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك وزارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها ثم طافت طوافا للحج ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شئ يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها " ونحوه خبر آخر (4) إلا


(1) سورة البقرة الآية 193 (2) الوسائل الباب 32 من ابواب تروك الاحرام الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 2 1

[ 260 ]

انه ليس فيه " فإذا طافت طوافا آخر " إلى آخره، وصحيح الحسين بن علي بن يقطين (1) سألت أبا الحسن عليه السلام " عن الخصيان والمرأة الكبيرة أعليهم طواف النساء ؟ قال: نعم عليهم الطواف كلهم " وخبر اسحاق بن عمار (2) عن الصادق عليه السلام " لولا ما من الله به على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم، ولا ينبغي ان يمسوا نساءهم يعني لا تحل لهم النساء حتى يرجع فيطوف بالبيت اسبوعا آخر بعد ما يسعى بين الصفا والمروة، وذلك على النساء والرجال واجب " إن كان آخر الكلام من كلامه عليه السلام، بل هو المحكي عن الفقه المنسوب (3) إلى الرضا عليه السلام، فما في القواعد ومحكي المختلف من التوقف فيه لعدم الدليل، بل استوجهه في المسالك نظرا إلى أن الاخبار الدالة على حل جميع ما عدا الطيب والنساء بالحلق وما عدا النساء بالطواف متناول للمرأة، ومن جملة ذلك حل الرجال واضح الفساد بعد ما عرفت، كوضوح منع التناول المزبور. وكيف كان فقد ظهر لك مما حررناه أن الحاج لو طاف الطوافين وسعى قبل الوقوفين في موضع الجواز فتحلله واحد عقيب الحلق بمنى، ولو قدم طواف الحج والسعي خاصة كان له تحللان، أحدهما عقيب الحلق مما عدا النساء والآخر بعد طواف النساء لهن، ولو قلنا انه يتحلل من الطيب بطواف الحج ومن النساء بطوافهن وإن تقدم علي الوقوفين كانت المحللات ثلاثة مطلقا، هذا. وقد صرح بعضهم بحرمة النساء على المميز بعد بلوغه لو تركه، لكون الاحرام سببا لحرمتهن، والاحكام الوضعية لا تخص المكلف، حتى ان الشهيد حكم بمنعه من الاستمتاع قبل البلوغ، بل عن المنتهى والتذكرة الاجماع على وجوبه


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب الطواف الحديث 1 - 3 () المستدرك الباب 2 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 261 ]

على الصبيان، وفي كشف اللثام بمعنى ان على الولي أمر المميز به، والطواف بغير المميز، فان لم يفعلوه حرمن عليهم إذا بلغوا حتى يفعلوه أو يستنيبوا فيه استصحابا إلا على عدم توقف حلهن عليه، ولكن في موضع من القواعد الاشكال في ذلك، ولعله لتمرينية عبادة الصبي كما هو المختار، اللهم إلا أن يدعى خروج الحج منها كما هو الظاهر. وعلى كل حال لا إشكال في الحل إذا لم يتركه، إذ كما أن إحرامه يصلح سببا للحرمة الشرعية أو مطلقا فكذا طوافه يصلح سببا للحل، وما عن بعض من انه كطهارته من الحدث في أنه إن لم تكن شرعية لم يرفع الحدث وهم لان الحدث لا ينقسم إلى شرعي وغيره ليتفاوت بحسبهما في النية وعدمها. وأما غير المميز فلا اشكال في عدم شرعية احرامه ولو تمرينا مع فرض وقوعه منه، فلا تحرم النساء عليه إذا لم يطف به الولي، نعم قطع الشهيد بكونه كالمميز إن أحرم به الولي، واحتمله في كشف اللثام هنا قويا، وقد سمعت ما اسلفناه منه في غير المقام في تفسير اجماعي المنتهى والتذكرة، فان تم كان هو الحجة، مضافا إلى دعوى ظهور النصوص فيه، ويجب على الخناثى لانهم إما رجال أو نساء، وعلى الخصيان اجماعا محكيا عن المنتهى والتذكرة، مضافا إلى الاصل وما سمعته من صحيح ابن يقطين (1) على انهم من شأنهم الاستمتاع بالنساء مع حرمته عليهم بالاحرام، فيستصحب مع عدم تعليل وجوبه به. ولذا يحب قضاؤه عن الميت، قال الشهيد: وليس طواف النساء مخصوصا بمن يشتهي النساء اجماعا، فيجب على الخصي والمرأة والهم وعلى من لا اربة له


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 262 ]

فيهن، والمراد بالخصي ما يعم المجبوب بل المقصود من عبارات الاصحاب والسؤال في الخبر (1) هو الذي لا يتمكن من الوطئ. وتحرم النساء بالاحرام على العبد المأذون فيه وإن لم يكن متزوجا، ولا يدفعه حرمتهن عليه قبله بدون الاذن، لجواز توارد الاسباب الشرعية، ويتفرع على ذلك أن المولى إذا أذن له في التزويج وهو يعلم أن عليه طواف النساء فقد أذن له المضي إلى قضائه، وكذا قيل إذا كان متزوجا وقد أذن في احرامه، فانه أذن له في الرجوع لطواف النساء إذا تركه، وفيه منع، إذ يمكن أن لا يريد تحليل النساء له، وعلى كل حال فليس للمولى تحليله مما أحرم منه، خلافا للمحكي عن ابي حنيفة، هذا. وفي القواعد وشرحها للاصبهاني وإنما يحرم بتركه الوطئ وما في حكمه من التقبيل والنظر واللمس بشهوة دون العقد، وإن كان حرم بالاحرام، لاطلاق الاخبار والفتاوى باحلاله بما قبله من كل ما احرم منه إلا النساء، والمفهوم منه الاستمتاع بهن لا العقد عليهن، وفيه نظر أو منع، ولعله لذا قطع الشهيد بحرمته ايضا للاصل، بل في كشف اللثام احتماله قويا ايضا، والله العالم. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في انه (يكره لبس المخيط) للمتمتع (حتى يفرغ من طواف الزيارة) لخبر إدريس القمي (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام إن مولى لنا تمتع ولما حلق لبس الثياب قبل أن يزور البيت فقال: بئسما صنع، فقلت أعليه شئ ؟ قال: لا، قلت فانى رأيت ابن ابي سماك يسعى بين الصفا والمروة وعليه خفان وقباء ومنطقة، فقال بئسما صنع


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 18 من أبواب الحلق والتقصير الحديث 3

[ 263 ]

قلت أعليه شئ ؟ قال: لا " المحمول عليها جمعا بينهما وبين ما سمعت من النص والفتوى من الاحلال بالحلق من كل شئ عدا النساء والطيب، بل ظاهر الخبر المزبور ذلك حتى يتم السعي. كما ان مقتضى صحيح ابن مسلم (1) وغيره كراهية تغطية الرأس كذلك قال: " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل تمتع بالعمرة فوقف بعرفة ووقف بالمشعر ورمى الجمرة وذبح وحلق أيغطي رأسه ؟ فقال: لا حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فقيل له فان كان فعل فقال: ما أرى عليه شيئا " وفي صحيح منصور بن حازم (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " في رجل كان متمتعا فوقف بعرفات وبالمشعر وذبح وحلق فقال: لا يغطي رأسه حتى يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فان ابي عليه السلام كان يكره وينهى عنه، فقلنا: فان كان فعل قال: ما أرى عليه شيئا ". نعم ظاهر هذه النصوص اختصاص ذلك بالمتمتع، بل في خبر سعيد الاعرج (3) عن ابي عبد الله عليه السلام " سألته عن رجل رمى الجمار وذبح وحلق رأسه أيلبس قميصا وقلنسوة قبل أن يزور البيت ؟ قال: ان كان متمتعا فلا، وان كان مفردا للحج فنعم " وخبر اسماعيل بن عبد الخالق (4) المروي عن قرب الاسناد " قلت لابي عبد الله عليه السلام ألبس قلنسوة إذا ذبحت وحلقت قال: أما المتمتع فلا، واما من افرد الحج فنعم " إلا أن المصنف وغيره أطلق، ولعله يحمل ذلك على خفتها بالنسبة إليه، إلا انه متوقف على مقتضى الكراهة على الاطلاق ولم يحضرني، فيتجه حينئذ نفيها فيه، والامر سهل.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 18 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 2 - 1 - 4 - 6

[ 264 ]

(وكذا يكره الطيب) لمن طاف طواف الزيارة (حتى يفرغ من طواف النساء) لصحيحة محمد بن اسماعيل (1) " كتبت إلى ابي الحسن الرضا عليه السلام هل يجوز للمحرم المتمتع ان يمس الطيب قبل أن يطوف طواف النساء ؟ قال: لا " المحمول عليها جمعا، والله العالم. المسألة (الثانية إذا قضى) الحاج (مناسكه يوم النحر فالافضل المضي إلى مكة للطواف والسعي ليومه) لاستحباب المسارعة والاسباق إلى الخيرات ولموثق اسحاق (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن زيارة البيت تؤخر إلى اليوم الثالث قال: تعجيلها أحب الي، وليس به بأس ان اخرته " وخبر عبد الله بن سنان (3) عنه (عليه السلام) ايضا " لا بأس أن يؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر، إنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الاحداث والمعاريض " وصحيح معاوية بن عمار (4) عنه عليه السلام ايضا " في زيارة البيت يوم النحر، قال: ذره، فان اشتغلت فلا يضرك أن تزور البيت من الغد، ولا تؤخر أن تزور من يومك، فانه يكره للمتمتع أن يؤخره، وموسع للمفرد أن يؤخره ". ومنه يعلم الوجه في قول المصنف وغيره: (فان اخره فمن غده، ويتأكد ذلك في حق المتمتع) مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (5) " ينبغي للمتمتع ان يزور البيت يوم النحر أو من ليلته، ولا يؤخر ذلك " وصحيح معاوية بن عمار (6) عنه (عليه السلام) ايضا " سألته عن المتمتع


(1) الوسائل الباب 19 من ابواب الحلق والتقصير الحديث 1 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 1 من ابواب زيارة البيت الحديث 10 - 9 - 1 - 7 - 8

[ 265 ]

متى يزور البيت ؟ قال: يوم النحر أو من الغد، ولا يؤخر، والمفرد والقارن ليسا بسواء، موسع عليهما " وصحيح ابن مسلم (1) عن ابي جعفر عليه السلام " سألته عن المتمتع متى يزور البيت: قال: يوم النحر " وصحيح منصور بن حازم (2) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتي يزور البيت " بل عن النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع لا يؤخر عنه إلا لعذر، وإن كان يحتمل أن يريدوا التأكيد. نعم في المتن والنافع والقواعد (فان أخر اثم) كالمحكي عن المفيد والمرتضى من عدم جواز تأخير المتمتع ذلك عن اليوم الثاني، بل عن التذكرة والمنتهى نسبته إلى علمائنا، ولعله لما سمعته من النهي في النصوص السابقة، ولكن الاقوى حمله على الكراهة لا الحرمة، وفاقا للمحكي عن السرائر والمختلف وغيرهما، بل في المدارك نسبته إلى سائر المتأخرين، بل هو خيرة المصنف سابقا، للاصل وقوله تعالى (3) " الحج أشهر معلومات " وذو الحجة منها، فيجوز إيجاد افعال الحج فيه إلا ما خرج بالدليل، ولما تقدم من إطلاق نفي البأس عن تأخيره إلى يوم النفر في صحيح ابن سنان (4) السابق وغيره والتعبير بقول " ينبغي " ونحوه مما هو مستعمل في لسان الكراهة والندب، مضافا إلى صحيح الحلبي (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح فقال: لا بأس، أنا ربما أخرته حتى تذهب أيام التشريق ولكن


(1) و (2) الوسائل الباب 1 من ابواب زيارة البيت الحديث 5 - 6 (3) سورة البقرة الآية 193 (4) و (5) الوسائل الباب 1 من ابواب زيارة البيت الحديث 9 - 2

[ 266 ]

لا يقرب النساء والطيب " وصحيح هشام بن سالم عنه (1) (عليه السلام) ايضا " لا بأس ان أخرت زيارة البيت إلى ان تذهب أيام التشريق، إلا انك لا تقرب النساء ولا الطيب " وظاهرهما بقرينة النهي عن الطيب المتمتع، وصحيح الحلبي (2) المروي في المحكي من مستطرفات السرائر عن نوادر البزنطي، سأل الصادق (عليه السلام) " عن رجل أخر الزيارة إلى يوم النفر قال: لا بأس " ودعوى الجمع بينهما بالحمل على القارن والمفرد دون المتمتع مع انها لا تتم فيما كان ظاهره التمتع ليس بأولى من حمل النهي على الكراهة، بل هذا أولى من وجوه، خصوصا بعد ما سمعت التصريح بها في صحيح معاوية (3) السابق. (و) على كل حال (يجزيه طوافه وسعيه) على القولين إذا أوقعه في ذي الحجة كما صرح به غير واحد، لظهور بعض ما سمعته من الادلة في ذلك، لكن عن الغنية والكافي أن وقته يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، ولعله لصحيح ابن سنان السابق، وعن الوسيلة لم يؤخر إلى غد لغير عذر والى بعد غد لعذر، وهو يعطي عدم الاجزاء إن أخر عن ثاني النحر، ولا ريب في ضعفه لما عرفت. (و) كيف كان ف‍ (يجوز للقارن والمفرد تأخير ذلك) اختيارا (طول ذي الحجة) كما في النافع والقواعد وغيرهما، ومحكي النهاية والمبسوط والخلاف وبمعناه ما عن الاقتصاد والمصباح ومختصره والتهذيب من التأخير عن أيام التشريق للاصل، وكون ذي الحجة من أشهر الحج، وما سمعته من إطلاق جواز التأخير من مفهوم صحيح الحلبي وصحيح معاوية المشتمل على كراهة التأخير للمتمتع، والتوسعة للمفرد، بل وصحيحه الآخر (4) المذكور فيه نفي التسوية


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 1 من ابواب زيارة البيت الحديث 3 - 11 - 1 - 8

[ 267 ]

بين المفرد والقارن بعنوان الاعتراض أو ان المراد ليسا سواء مع المتمتع، وعلى كل حال فهو ظاهر في انه موسع عليهما التأخير عن الغد كالمحكي عن المقنعة والفقيه والجمل والعقود وجمل العلم والعمل والوسيلة والمراسم والجامع، لكن عن صريح الكافي وظاهر الغنية والاصباح أن وقته لهما أيضا إلى آخر أيام التشريق، وفيه ما عرفت، نعم الظاهر جواز ذلك لهما (على كراهة) كما صرح به الفاضل، قال: لما سمعته من قول الصادق (عليه السلام) من تعليل استحباب التقديم بخوف الحوادث والمعاريض، وفي كشف اللثام " وهو يعطي ان المراد أفضلية التقديم كما في التحرير والتلخيص، وهو الوجه ؟ وفيه أنه يكفي في الكراهة التى يتسامح فيها إطلاق النهي عن التأخير في بعض النصوص السابقة، والله العالم. المسألة (الثالثة الافضل لمن مضى إلى مكة للطواف والسعي الغسل) قبل دخول مكة وقبل دخول المسجد (وتقليم الاظفار وأخذ الشارب) لقوله (عليه السلام) في خبر عمر بن يزيد (1): " ثم احلق رأسك واغتسل وقلم اظفارك وخذ من شاربك وزر البيت فطف به اسبوعا " ولو اغتسل لذلك بمنى جاز للاطلاق، بل لعله أولى لقول الصادق (عليه السلام) للحسن بن ابي العلاء (2) إذ سأله عن ذلك: " أنا اغتسل بمنى ثم أزور البيت ". (والدعاء إذا وقف على باب المسجد) بما في صحيح معاوية (3) عن الصادق (عليه السلام) " اللهم أعني على نسكي، وسلمني له وسلمه لي، اسألك


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب زيارة البيت الحديث 2 (2) الوسائل الباب 3 من ابواب زيارة البيت الحديث 1 عن الحسين ابن ابي العلاء. (3) الوسائل الباب 4 من ابواب زيارة البيت الحديث 1

[ 268 ]

مسألة العليل الذليل المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي، وأن ترجعني بحاجتي، اللهم اني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك جئت أطلب رحمتك، واؤم طاعتك تبعا لامرك، راضيا بقدرك، أسألك مسألة الفقير المضطر اليك المطيع لامرك المشفق من عذابك الخائف لعقوبتك أن تبلغني عفوك، وتجيرني من النار برحمتك، ثم تأتي الحجر الاسود فتستلمه وتقبله، فان لم تستطع فاستقبله وكبر وقل كما قلت حين طفت بالبيت يوم قدمت مكة، ثم طفت بالبيت سبعة أشواط كما وصفت لك يوم قدمت مكة، ثم صل عند مقام ابراهيم (عليه السلام) ركعتين تقرأ فيهما بقل هو الله احد وقل يا أيها الكافرون، ثم ارجع إلى الحجر الاسود فقبله إن استطعت، وإلا استقبله وكبر ثم اخرج إلى الصفا واصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت مكة، ثم ائت المروة واصعد عليها وطف بينهما سبعة اشواط تبدأ بالصفا، وتختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد حللت من كل شئ أحرمت منه إلا النساء، ثم ارجع إلى البيت وطف أسبوعا آخر ثم تصلي ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) ثم قد أحللت من كل شئ وفرغت من حجك كله وكل شئ أحرمت منه " والحمد لله رب العالمين.

[ 269 ]

بسم الله الرحمن الرحيم يا معين أعني القول في الطواف (وفيه ثلاثة مقاصد) (الاول في المقدمات، وهي واجبة ومندوبة، فالواجبات الطهارة) من الحدث الاصغر والاكبر في الطواف الواجب بلا خلاف أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1): " لا بأس أن تقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف بالبيت، والوضوء أفضل " وصحيح علي (2) عن أخيه (عليه السلام) " سألته عن رجل طاف بالبيت وهو جنب فذكر وهو في الطواف قال: يقطع طوافه لا يعتد بشئ مما طاف، وسألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء فقال: يقطع طوافه ولا يعتد به " وصحيح ابن مسلم (3) " سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهر قال: يتوضأ ويعيد طوافه، وإن كان


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 38 من ابواب الطواف الحديث 1 - 4 - 3

[ 270 ]

تطوعا توضأ وصلى ركعتين " نعم ظاهر الاخير عدم وجوبها في المندوب كما هو أحد القولين في المسألة، بل أظهرهما لذلك وللاصل، وصحيح حريز (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) في رجل طاف تطوعا وصلى ركعتين وهو على غير وضوء قال يعيد الركعتين ولا يعيد الطواف " وخبر عبيد بن زرارة (2) عنه (عليه السلام) ايضا " لا بأس ان يطوف الرجل النافلة على غير وضوء ثم يتوضأ ويصلي، وإن طاف متعمدا على غير وضوء فليتوضأ وليصل، ومن طاف تطوعا وصلى ركعتين على غير وضوء فليعد الركعتين ولا يعيد الطواف " فما عن ابي الصلاح من وجوبها فيه ايضا لاطلاق بعض النصوص المقيد بما عرفت في غير محله. بل الظاهر عدم اشتراطه بالطهارة من الاكبر الذي يحرم مطلقا الكون في المسجد معه فضلا عن اللبث، لكن لو طاف ناسيا مثلا صح طوافه للاصل بعد امتناع تكليف الغافل، ولعله المراد من محكي التهذيب " من طاف على غير وضوء أو طاف حنبا فان كان طوافه طواف الفريضة فليعده، وإن كان طواف السنة توضأ أو اغتسل فصلى ركعتين وليس عليه إعادة الطواف " نعم لا ريب في استحباب الطهارة له لما سمعته من صحيح معاوية وللنبوي (3) العامي الذي يكفي مثله في الفرض " الطواف بالبيت صلاة " كما ان الظاهر إرادة الطواف المندوب لنفسه دون ما كان جزء عمرة مندوبة أو حج كذلك فانه من الواجب. وعلى كل حال فقد عرفت في كتاب الطهارة ان كلما تبيحه الطهارة المائية تبيحه الطهارة الترابية، لكن عن فخر المحققين عن والده انه لا يرى إجزاء التيمم فيه بدلا عن الغسل، بل في المدارك أنه ذهب فخر المحققين إلى عدم اباحة


(1) و (2) الوسائل الباب 38 من ابواب الطواف الحديث 7 - 2 (3) سنن البيهقي ج 5 ص 87 وكنز العمال ج 3 ص 10 الرقم 206

[ 271 ]

التيمم للجنب الدخول في المسجدين ولا اللبث فيما عداهما من المساجد، ومقتضاه عدم استباحة الطواف به، قلت: هو كذلك لكن لا صراحة فيه ؟ ببطلان الطواف به مع النسيان ونحوه مما لا نهي معه من حيث الكون. وعلى كل حال فلا ريب في ضعفه لما تقدم سابقا في محله من النصوص والفتاوى ومعاقد الاجماعات على إباحة الترابية ما تبيحه المائية من غير فرق بين الحدث الاكبر والاصغر الذي حكي الاجماع على اجزائه فيه كاجزاء طهارة المستحاضة فيه أيضا بلا خلاف أجده فيه، لقول الصادق (عليه السلام) في مرسل يونس (1): " المستحاضة تطوف بالبيت وتصلي ولا تدخل الكعبة " وغيره من النصوص التى ذكرناها في محلها " (2). نعم في كشف اللثام تقدم أن المبطون يطاف عنه والاصحاب قاطعون به، ولعل الفارق النص (3) والا كان المتجه الجواز فيه كالمستحاضة والمسلوس وغيرهما من ذوي الطهارة الاضطرارية، هذا، وفي اللمعة اعتبار رفع الحدث فيه، واستظهر منها في الروضة عدم إجزاء الطهارة الاضطرارية، ولكن يمكن منعه عليه بأن يريد من رفع الحدث ما يشمل ذلك ولو حكما، والله العالم. (وإزالة النجاسة عن الثوب والبدن) ولو ندبا كما عن الاكثر، بل عن الغنية الاجماع عليه، للنبوي " الطواف بالبيت صلاة " وخبر يونس بن يعقوب (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف


(1) الوسائل الباب - 91 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) المتقدم في ج 3 ص 351 إلى ص 363 (3) الوسائل الباب 49 من ابواب الطواف (4) الوسائل الباب 52 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 272 ]

قال: ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتم طوافه " بل لا إشكال في الاشتراط بناء على تحريم إدخال النجاسة وإن لم تسر، واستلزام الامر بالشئ النهي عن ضده، إلا ان لا يعلم بالنجاسة عند الطواف وان كان لنسيانه لها فيصح حينئذ بناء على ان مدرك الاشتراط ذلك لا الاول الذي مقتضاه مساواة حكمه للصلاة، لكن عن ابن الجنيد كراهته في ثوب اصابه دم لا يعفى عنه في الصلاة، وعن ابن حمزة كراهته مع النجاسة في ثوبه أو بدنه ومال إليه في المدارك للاصل، وضعف الخبرين المزبورين، ومنع حرمة ادخال النجاسة غير المتعدية والهاتكة حرمة المسجد، ولمرسل البزنطي (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " قلت له: رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله وطاف في ثويه فقال: أجزء الطواف فيه ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر ". ولكن الاقوى الاول للخبرين السابقين الذين عمل بهما من لا يعمل إلا بالقطعيات المنجبرين بما عرفت الذين ينقطع بهما الاصل المزبور ويقصر عن معارضتهما المرسل المذكور، بل عن التذكرة والمنتهى والتحرير وظاهر غيرها عدم العفو عما يعفى عنه في الصلاة، لعموم خبر يونس الذي لا يخص بالنبوي المزبور بعد عدم انجباره بالنسبة إلى ذلك، وعدم انصراف مثله في وجه التشبيه، هذا، وفي الدروس ويجب قبله اي الطواف اربعة اشياء: إزالة النجاسة عن الثياب والبدن، وفي العفو عما يعفى عنه في الصلاة نظر، وقطع ابن إدريس والفاضل بعدمه، والتوقف فيه لا وجه له، وهي كما ترى لا تخلو من تدافع، وظني انها غلط من النساخ، لان هذه اللفظة موجودة بعد ذلك


(1) الوسائل الباب 52 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 273 ]

بيسير في مسألة الستر، وقد وجدت عبارة الدروس منقولة خالية عن ذلك، والظاهر أنها هي الصحيحة، وعلى كل حال فالتحقيق عدم العفو في الاقل من الدرهم من الدم وفيما لا تتم الصلاة به، ولذا صرح الفاضل ببطلانه في الخاتم النجس أما دم القروح والجروح فالظاهر العفو للحرج وغيره، والله العالم. ولو ذكر في الواجب عدم الطهارة من الحدث استأنف معها، ولا استئناف في المندوب إلا لصلاته بناء على ما عرفت بلا خلاف في شئ من ذلك ولا إشكال وإن شك في الطهارة في أثناء الطواف وكان محدثا قبله استأنفه مع الطهارة، لقاعدة اقتضاء الشك في الشرط الشك في المشروط، بل هو محدث شرعا، والصحة في الصلاة لو قلنا بها لدليل خاص، وإلا فاصالة الصحة في بعض العمل لا تقتضي الحكم بوجودها في البعض الباقي منه، والفرض توقف صحة بعضه على الآخر نعم لو شك بعد الفراغ لم يلتفت إليه كالصلاة وغيرها من دون فرق بين أجزائها وشرائطها، نعم قد يقال في مثل الطواف بالطهارة لما بقي من أشواطه والبناء على الاول المحكوم بصحته لاصلها، إذ هو باعتبار جواز ذلك فيه يكون كالعصر والظهر اللذين لا يلتفت إلى الشك في اثنائهما بعد تمام الاولى لاصالة الصحة وإن وجب الوضوء للعصر، ولكن لم أجد من احتمله في المقام، بل في محكي التحرير والمنتهى والتذكرة التصريح بما ذكرناه أولا، نعم في كشف اللثام " الوجه انه إن شك في الطهارة بعد يقين الحدث فهو محدث يبطل طوافه شك قبله أو بعده أو فيه، وإن شك في نقضها بعد يقينها فهو متطهر يصح طوافه مطلقا، وإن تيقن الحدث والطهارة وشك في المتأخر ففيه ما مر في كتاب الطهارة، ولا يفترق الحال في شئ من الفروض بين الكون في الاثناء وبعده، وليس ذلك من الشك في شئ من الافعال " وفيه ما لا يخفى بعد ما عرفت، والله العالم.

[ 274 ]

(و) كذا يشترط في صحته واجبا كان أو مندوبا (أن يكون) الرجل (مختونا) بلا خلاف أجده فيه، بل عن الحلبي أن اجماع آل محمد صلوات الله عليهم عليه مضافا إلى قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) " الاغلف لا يطوف بالبيت، ولا بأس أن تطوف المرأة " وفي صحيح حريز (2) وابراهيم بن عمر (3) " لا بأس أن تطوف المرأة غير مخفوضة، واما الرجل فلا يطوفن إلا وهو مختون " وخبر ابراهيم بن ميمون (4) عنه عليه السلام ايضا " في رجل أسلم فيريد أن يختتن وقد حضر الحج أيحج أو يختتن قال: لا يحج حتى يختتن " وغير ذلك، فما في المدارك من أنه نقل عن ابن إدريس التوقف في ذلك واضح الضعف، مع أنا لم نتحققه، كما أن عدم ذكر كثير له على ما في كشف اللثام ليس خلافا محققا. (و) على كل حال ف‍ (لا يعتبر في المرأة) بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع عليه، للاصل وما سمعته من النصوص. أما الخنثى المشكل فالمتجه بناء على الاعمية عدم الوجوب للاصل، والوجوب على القول بأنها اسم للصحيح، تحصيلا ليقين الخروج عن العهدة إلا على القول بجريان الاصل فيها على هذا التقدير أيضا. بل قد يظهر من المصنف وغيره عدم اعتباره في الصبي، قيل للاصل بعد عدم توجه النهي إليه، وحينئذ فان أحرم وطاف أغلف لم تحرم النساء عليه بعد البلوغ، ولكن قد يقال إن النهي وإن لم يتوجه إليه إلا أن الحكم الوضعي المستفاد منه ثابت عليه، خصوصا بعد صحيح معاوية السابق، هذا.


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 33 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 - 3 - 3 - 2

[ 275 ]

وفي القواعد وغيرها اعتبار التمكن، وحينئذ فلو تعذر ولو لضيق الوقت سقط، ولعله لاشتراط التكليف بالتمكن كمن لم يتمكن من الطهارة، مع عموم أدلة وجوب الحج والعمرة، وفي كشف اللثام المناقشة بانه يجوز أن يكون كالمبطون في وجوب الاستنابة، قلت لعل المتجه فيه سقوط الحج عنه في ذلك العام لفوات المشروط بفوات شرطه، بل لعل خبر ابراهيم بن ميمون لا يخلو من إشعار بذلك، وإن كان هو غير نص في أنه غير متمكن من الختان لضيق الوقت، وأن عليه تأخير الحج عن عامه لذلك، فان الوقت إنما يضيق غالبا عن الاختتان مع الاندمال، فاوجب عليه السلام أن يختتن ثم يحج وإن لم يندمل نعم قد يقال أن شرطيته مستفادة من النهى المشروط بالتمكن، فيدور حينئذ مداره، وفيه مع إمكان منع تقييد الحكم الوضعي والمستفاد من الامر والنهي بالتكليفي كما في غيره من الشرائط، ولذا قلنا بالاشتراط في الصبي انه لا يقتضي السقوط بضيق الوقت، ضرورة حصول التمكن ولو في غير العام، فتأمل جيدا. ثم إن الفاضل في القواعد والمحكي من جملة من كتبه أوجب فيه ستر العورة كما عن الخلاف والغنية والاصباح، ولعله لانه صلاة، ولقوله صلى الله عليه وآله: " لا يحج بعد العام مشرك ولا عريان " لكن في المختلف وللمانع أن يمنعه، والرواية غير مسندة من طرقنا فلا حجة فيها، وفيه على ما في كشف اللثام أن الخبر الثاني يقرب من التواتر من طريقنا وطريق العامة، روى علي بن ابراهيم في تفسيره عن ابيه عن محمد بن الفضل (1) عن الرضا عليه السلام قال أمير المؤمنين عليه السلام: " ان رسول الله أمرني عن الله تعالى أن لا يطوف بالبيت عريان ولا يقرب المسجد الحرام مشرك


(1) الوسائل الباب 53 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 276 ]

بعد هذا العام " وروى فرات في تفسيره معنعنا عن ابن عباس في قوله تعالى (1) " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر " " المؤذن عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله علي بن ابي طالب عليه السلام، أذن بأربع كلمات أن لا يدخل المسجد إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله أجل فأجله إلى مدته، ولكم أن تسيحوا في الارض اربعة اشهر " وروى الصدوق في العلل عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن احمد بن محمد بن خالد عن ابيه عن خلف بن حماد عن ابي الحسن العبدي عن سلمة بن مهران عن الحكم بن مقيم عن ابن عباس (2) " ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام ينادي لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " وروى العياشي في تفسيره بسنده عن حريز (3) عن الصادق عليه السلام " ان عليا عليه السلام قال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك " وبسنده عن محمد بن مسلم (4) عنه عليه السلام " ان عليا عليه السلام قال: ولا يطوفن بالبيت عريان " وبسنده عن ابي بصير (5) عن ابي جعفر عليه السلام قال: " خطب علي عليه السلام الناس واخترط سيفه وقال: لا يطوفن بالبيت عريان " الخبر، وبسنده عن حكم بن الحسين (6) عن علي بن الحسين عليهما السلام


(1) سورة التوبة الآية 3 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 53 من ابواب الطواف الحديث 1 - 7 - 8 - 5 (6) ذكر ذيله في الوسائل في الباب 53 من ابواب الطواف الحديث 6 وتمامه في تفسير العياشي ج 2 ص 76 ذيل سورة التوبة الحديث 12 عن حكيم ابن الحسين

[ 277 ]

" ان لعلي عليه السلام اسماء في القران ما يعرفها الناس، قال: وأذان من الله ورسوله إلى أن قال: فكان مما نادى به ألا لا يطوف بعد هذا العام عريان، ولا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك " وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بسنده عن عامر الشعبي عن علي عليه السلام لما لقيه (بعثه خ ل) رسول الله صلى الله عليه وآله حين أذن في الناس بالحج الاكبر قال: " ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك، ألا ولا يطوف بالبيت عريان " الخبر إلى غير ذلك مما يطلعك عليه الاستقراء، قلت: وفي البحار روى الشعبي عن محرز عن ابيه ابي هريرة (1) قال: " كنت انادي مع علي عليه السلام حين أذن المشركين وكان صحل صوته مما ينادي، قال: قلت: ما ابه أي شئ كنتم تقولون ؟ قال: كنا نقول: لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ولا يدخل البيت إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول الله مدة فان اجله إلى اربعة اشهر، فان انقضت اربعة اشهر فان الله برئ من المشركين ورسوله " وفيه ايضا ذكر أبو عبد الله الحافظ باسناده عن زيد بن مقنع (2) قال: " سألنا عليا عليه السلام بأي شئ بعثت في ذي الحجة ؟ قال: بعثت باربعة لا تدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له فأجله إلى اربعة اشهر " وفيه ايضا (3) " وروي انه عليه السلام قام عند جمرة العقبة


(1) ذكره في البحار ج 21 ص 266 الطبع الحديث عن مجمع البيان ورواه احمد ايضا في مسنده ج 15 ص 133 الرقم 7964 (2) ذكره في البحار ج 21 ص 267 الطبع الحديث عن مجمع البيان (3) ذكره في البحار ج 21 ص 267 عن مجمع البيان

[ 278 ]

وقال: أيها الناس اني رسول رسول الله اليكم بأن لا يدخل البيت كافر، ولا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وآله فله عهد إلى اربعة اشهر، ومن لا عهد له فله مدة بقية الاشهر الحرم، وقرأ عليهم سورة براءة " إلى غير ذلك، ولكن قد يمنع دلالة ذلك على اعتبار الستر فيه للرجل والمرأة على حسب اعتباره في الصلاة، ضرورة اعمية النهي عن العراء منه كما هو واضح، ولعله لذلك تركه المصنف وغيره، اللهم إلا ان يقال ان المراد من العراء في هذه النصوص ستر العورة، للاجماع في الظاهر على صحة طواف الرجل عاريا مع ستر العورة، ولا ريب في انه أحوط، والله العالم. (والمندوبات ثمانية: الغسل لدخول مكة) كما في القواعد وغيرها، لحسن الحلبي (1) " امرنا أبو عبد الله عليه السلام ان نغتسل من فخ قبل ان ندخل إلى مكة " وقال عليه السلام ايضا في خبر محمد الحلبي (2): " ان الله عزوجل قال في كتابه (3): " طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود " فينبغني للعبد ان لا يدخل مكة إلا وهو طاهر قد غسل عرقه والاذى وتطهر " بناء على ارادة الكناية بذلك عن الغسل، فما عن الخلاف من عدم استحبابه مدعيا الاجماع عليه في غير محله خصوصا بعد كون الحكم ندبا يتسامح فيه مؤيدا بالاعتبار. بل قد يستفاد من النصوص استحباب غسل آخر لدخول الحرم، ففي خبر ابان بن تغلب (4) قال: " كنت مع ابي عبد الله عليه السلام مزامله بين مكة والمدينة


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 - 3 (3) سورة البقرة الآية 119 (4) الوسائل الباب 1 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1

[ 279 ]

فلما انتهى إلى الحرم نزل واغتسل واخذ نعليه بيديه ثم دخل الحرم حافيا، فصنعت مثل ما صنع، فقال: يا ابان من صنع مثل ما صنعت تواضعا لله عز وجل محى الله تعالى عنه مائة الف سيئة، وبنى له مائة الف درجة، وقضى له مائة الف حاجة " وفي حسن معاوية بن عمار (1) عنه (عليه السلام) ايضا: إذا انتهيت إلى الحرم انشاء الله فاغتسل حين تدخله، وان تقدمت فاغتسل من بئر ميمون أو من فخ أو منزلك بمكة " ولكن في صحيح ذريح المحاربي (2) " سألته عن الغسل في الحرم قبل دخول مكة أو بعد دخولها قال: لا يضرك أي ذلك فعلت، وان اغتسلت بمكة فلا بأس، وان اغتسلت في بيتك حين تنزل مكة فلا بأس " وربما ظهر منه كون الغسل واحدا كما جزم به في المدارك فانه بعد ان ذكر النصوص المزبورة وخبر عجلان ابي صالح (3) " قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إذا انتهيت إلى بئر ميمون أو بئر عبد الصمد فاغتسل واخلع نعليك وامش حافيا وعليك السكينة والوقار " قال: " ومقتضاها استحباب غسل واحد قبل دخول الحرم أو بعده من بئر ميمون الحضرمي الذي في الابطح، أو من فخ وهو على فرسخ من مكة للقادم من المدينة، أو من المحل الذي ينزل فيه بمكة على سبيل التخيير، وغاية ما يستفاد منها ان إيقاع الغسل قبل دخول الحرم أفضل، فما ذكره المصنف وغيره من استحباب غسل لدخول مكة وآخر لدخول المسجد غير واضح، واشكل منه حكم العلامة وجمع من المتأخرين باستحباب ثلاثة اغسال بزيادة غسل آخر لدخول


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 2

[ 280 ]

الحرم " وفيه ان النصوص المزبورة ظاهرة الدلالة على غسلين: أحدهما للحرم والآخر لدخول مكة، والتخيير المزبور فيها غير مناف خصوصا بعد احتمال الرخصة في التداخل، وأما الغسل الثالث لدخول المسجد فانه وإن كنا لم نعثر في النصوص على ما يدل عليه لكن يكفي فيه ما عن الخلاف والغنية من الاجماع عليه، نعم المعروف في الغسل للمكان التقدم على دخوله، ولكن ظاهر النصوص المزبورة الرخصة في الغسلين الاولين بوقوعهما بعد الدخول، كما ان ظاهره الاجزاء بغسل واحد عنهما بعد دخول مكة، ولا بأس به، بل لا بأس بقصد دخول المسجد معهما لما ذكرناه في كتاب الطهارة من جواز التداخل في الاغسال المندوبة. ثم قال فيها بعد ما سمعت: " وكذا الاشكال في قول المصنف: (فلو حصل عذر اغتسل بعد دخوله) إذ مقتضى الروايات التخيير بين الغسل قبل دخول الحرم وبعده، لا اعتبار العذر في تأخيره عن الدخول كما هو واضح " قلت: قد سمعت ما يدل على استحباب الغسل عند دخول الحرم الذي لا ينافيه التخيير المزبور المحمول على بيان الجواز أو التداخل أو غير ذلك، بل قوله (عليه السلام) في حسن معاوية (1): " وإن تقدمت فاغتسل من بئر ميمون أو من فخ " ظاهر في ذلك، ضرورة كون المراد أن الاولى الغسل للحرم عند دخوله، لكن مع التقدم يجزيك الغسل له ولدخول مكة من بئر ميمون بن عبد الله الحضرمي الذي كان حليفا لبني امية، وكان حفرها بالجاهلية، وهي بأبطح مكة، أو من فخ وهي على رأس فرسخ من مكة، فالاول للقادم من العراق ونحوه، والثاني


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 2

[ 281 ]

للقادم من المدينة، على معنى ان كلا لمن يمر عليه في قدومه، ولا يكلف غيره ولذا قال المصنف (والافضل ان يغتسل من بئر ميمون أو من فخ، وإلا ففى منزله) والامر سهل بعد أن كان الحكم استحبابيا، وقد تقدم غير مرة الحال في هذه الاغسال المندوبة بالنسبة إلى انتقاضها بالاصغر وعدمه، فلاحظ، والله العالم. (و) كذا يستحب (مضغ الاذخر) كما في القواعد ومحكي الجامع والجمل والعقود وفيه تطييب الفم بمضغ الاذخر أو غيره عند دخول مكة كما في النافع وعن الوسيلة والمهذب، وفيه نحو ما عن الجمل والعقود من تطييب الفم به أو بغيره، أو عند دخول الحرم كما عن التهذيب والنهاية والمبسوط والسرائر والتحرير والتذكرة والمنتهى والاقتصاد والمصباح ومختصره، وفي هذه التطييب بغيره ايضا، كما في الكتابين والاصل فيه قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (1) " إذا دخلت الحرم فخذ من الاذخر فامضغه " وفي خبر ابي بصير (2) " فتناول من الاذخر فامضغه " وهو وإن كان يحتمل التأخير عن دخول الحرم والتقديم، إلا أن المنساق إرادة فعله عند الدخول، قال الكليني: " سألت بعض أصحابنا عن هذا فقال: يستحب ذلك ليطيب به الفم لتقبيل الحجر " وهو يؤيد استحبابه لدخول مكة بل المسجد وكونه من سنن الطواف، وكأنه الذي حمل الشيخ على حمل غيره عليه، ولعل الاولى الحكم باستحباب الجميع، كما أن الاولى الحكم باستحباب مضغ غيره بما يطيب به الفم وإن كان هو أولى من غيره، لكونه المأثور، والامر سهل، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل الباب 3 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 - 2

[ 282 ]

(وان يدخل مكة من أعلاها) كما في النافع والقواعد وغيرهما ومحكي النهاية والمبسوط والاقتصاد والجمل والعقود والمصباح ومختصره والكافي والغنية والجامع، ولكن عن المقنعة والتهذيب والمراسم والوسيلة والسرائر إذا أتاها من طريق المدينة، بل عن الفاضل أو الشام، ولعله لاتحاد طريقهما قبلها، قال: فاما الذين يجيئون من سائر الاقطار فلا يؤمرون بان يدوروا ليدخلوا من تلك الثنية وربما استشعر من خبر يونس (1) قال: " قلت لابي عبد الله عليه السلام من أين أدخل مكة وقد جئت من المدينة ؟ فقال: ادخل من أعلى مكة، وإذا خرجت تريد المدينة فاخرج من أسفل مكة " الذي هو الاصل في المسألة مع التأسي بفعل النبي صلى الله عليه وآله الذي حكاه الصادق عليه السلام عنه في الصحيح (2) قال: " ان رسول الله صلى الله عليه وآله دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين " إلا أن التقييد في الاول قد كان في كلام السائل، والتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله يقتضي الاعم، خصوصا مع كون الاعلى على غير جادة طريق المدينة، بل قيل إن النبي صلى الله عليه وآله عدل إليه، فالمتجه حينئذ ما أطلقه المصنف، والاعلى كما في الدروس وعن غيرها ثنية كداء بالفتح والمد، وهي التي ينحدر منها إلى الحجون لمعبر مكة، ويخرج من ثنية كدا بالضم والقصر منونا، وهي باسفل مكة، والله العالم. (وان يكون حافيا) كما في القواعد والنافع ومحكي المبسوط والوسيلة وظاهر الجمل والعقود والاقتصاد والمهذب والسرائر والجامع، لكن لم نعثر عليه بنص بخصوصه، نعم قد سمعت خبر عجلان ابي صالح (3) بل قد سمعت ما يدل


(1) و (2) الوسائل الباب 4 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 7

[ 283 ]

عليه في دخول الحرم، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) " إذا دخلت المسجد الحرام فادخله حافيا على السكينة والوقار والخشوع، قال: ومن دخله بخشوع غفر له إن شاء الله، قلت ما الخشوع ؟ قال: السكينة لا تدخل بتكبر ". وفي حسنه الآخر (2) ايضا " من دخلها بسكينة غفر له ذنبه، قلت كيف يدخلها بسكينة ؟ قال: يدخل غير متكبر ولا متجبر " وفي خبر اسحاق (3) " لا يدخل رجل مكة بسكينة إلا غفر له، قلت: ما السكينة ؟ قال: بتواضع " ولعل دخولها حافيا من التواضع المزبور، فما في كشف اللثام من التوقف فيه في غير محله، ثم قال: ويدخل في الحفاء المشي لغة أو عرفا، وفيه منع، ضرورة كون المنساق منه نزع النعلين، بل قوله تعالى (4) " فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى " صريح في ذلك، بل لعل قوله: " انك " تشعر بالحكم السابق، إذ هو كالتعليل المستفاد منه نحوه. وعلى كل حال فما سمعت يعلم استحباب كون ذلك (على سكينة ووقار) والمراد بهما واحد، قيل أو احدهما الخضوع الصوري، والآخر المعنوي، والله العالم. (و) أن (يغتسل لدخول المسجد الحرام) كما عرفت الكلام فيه. (و) أن (يدخل من باب بني شيبة) للتأسي والخبر (5) عن الرضا عليه السلام


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب 7 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 - 2 (4) سورة طه الآية 12 (5) المستدرك الباب 6 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1

[ 284 ]

كما في كشف اللثام، وقول الصادق عليه السلام في خبر سليمان بن مهران (1) في حديث المأزمين " انه موضع عبد فيه الاصنام، ومنه أخذ الحجر الذي نحت منه هبل الذي رمى به علي عليه السلام من ظهر الكعبة لما علا ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله فامر به فدفن من عند باب بني شيبة، فصار الدخول إلى المسجد من باب بني شيبة سنة لاجل ذلك، ولما وسع المسجد دخل الباب، ولعله لذا قيل فليدخل من باب السلام وليأت البيت على الاستقامة، فانه بازائه حتى يتجاوز الاساطين فان التوسعة من عندها. وليكن الدخول (بعد أن يقف عندها ويسلم على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو بالمأثور) عن الصادق عليه السلام في خبر ابي بصير (2) قال: " تقول على باب المسجد بسم الله وبالله ومن الله والى الله وعلى ما شاء الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وخير الاسماء لله والحمد لله، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله السلام على محمد بن عبد الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على انبياء الله ورسله، السلام على ابراهيم خليل الرحمن، السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم صل على محمد وآل محمد عبدك ورسولك، وعلى ابراهيم خليلك وعلى أنبيائك ورسلك وسلم عليهم وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، واستعملني في طاعتك ومرضاتك واحفظنى بحفظ الايمان أبدا ما ابقيتني، جل ثناء وجهك، الحمد لله الذي جعلني من وفده وزواره، وجعلني ممن يعمر مساجده، وجعلني


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 8 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 2

[ 285 ]

ممن يناجيه، اللهم اني عبدك وزائرك في بيتك، وعلى كل مأتي حق لمن أتاه وزاره، وأنت خير مأتي وأكرم مزور فاسألك يا الله يا رحمن، وبأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وبأنك واحد أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن له كفوا أحد، وأن محمدا عبدك ورسولك صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته، يا جواد يا ماجد يا جبار يا كريم أسألك أن تجعل تحفتك أياي من زيارتي إياك أول شئ أن تعطيني فكاك رقبتي من النار، اللهم فك رقبتي من النار، تقولها ثلاثا، وأوسع علي من رزقك الحلال الطيب، وادرأ عني شر شياطين الجن والانس، وشر فسقة العرب والعجم " وقال أيضا في صحيح معاوية (1) " إذا انتهيت إلى باب المسجد فقم وقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، بسم الله وبالله وما شاء الله والسلام على انبياء الله ورسله، والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله والسلام على ابراهيم خليل الله، والحمد لله رب العالمين، فإذا دخلت المسجد فارفع يديك واستقبل البيت، وقل: اللهم إني اسألك في مقامي هذا في أول مناسكي أن تقبل توبتي، وأن تتجاوز عن خطيئتي، وتضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، اللهم اني اشهدك أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمنا ومباركا وهدى للعالمين، اللهم إني عبدك والبلد بلدك، والبيت بيتك، جئت أطلب رحمتك، وأؤم طاعتك مطيعا لامرك راضيا بقدرك، أسألك مسألة المضطر اليك الخائف عقوبتك، اللهم افتح لي ابواب رحمتك، واستعملني بطاعتك ومرضاتك ". (المقصد الثاني في كيفية الطواف و) هو يشتمل على واجب وندب، فالواجب سبعة) منها (النية) بلا خلاف معتد به ولا إشكال ابتداء واستدامة


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 1

[ 286 ]

التي تقدم الكلام في حكمها وكيفيتها غير مرة، نعم في الدروس هنا " ظاهر بعض القدماء أن نية الاحرام كافية عن خصوصيات نيات الافعال، ولعله لخلو الاخبار الواردة بتفصيل أحكام الحج من ذكر النية في شئ من أفعاله سوى الاحرام الذي هو أولها، فيكون حينئذ كباقي العبادات المركبة من الصلاة وغيرها التي لا تحتاج اجزاؤها إلى نية " وهو كما ترى، ضرورة الفرق بينه وبين الصلاة التي أفعالها مرتبطة ومتصلة، بخلاف افعال الحج الباقية على مقتضى قوله عليه السلام (1) " لا عمل إلا بنية " و " إنما الاعمال بالنيات " (2) الذي هو لولا الاجماع لكان معتبرا في اجزاء الصلاة ايضا، بل لعله كذلك فيها بناء على أنها الداعي المفروض وجوده في تمام الصلاة، بل ربما كان ذلك مرجحا للقول بانه الداعي كما أوضحناه في محله، بل ربما كان على ذلك لا فرق بين الابتداء والاستدامة التي هي على هذا التقدير فعلية لا حكمية إلا في صورة نادرة، وهي فيما لو فرض ذهاب الداعي في الاثناء مع بقاء الافعال منتظمة، بل يمكن منع الفرض المزبور ومنع صحة الصلاة فيه لو سلم، ولتحقيق المسألة مقام آخر، هذا، وربما كان الوجه في تخصيص الاحرام بذكر النية فيه توقف امتياز نوع الحج والعمرة عليه. وكيف كان فلابد من مقارنة النية للطواف على حسب غيره من الاعمال، لكن في المدارك ولا يضر الفصل اليسير، وفيه نظر، ولذا اعتبره الفاضل وغيره عند الشروع فيه، بل في كشف اللثام لا قبله بفصل ولا بعده، وإلا لم تكن نية، على انه لا يتم على تقدير كونها الداعي، كما أن ما في كشف اللثام من انه لابد من خطور معنى الطواف وهو الحركة حول الكعبة سبعة أشواط


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات الحديث 1 - 10

[ 287 ]

لا يخلو من نظر ايضا، لاطلاق الادلة، وأما الاستدامة حكما فقد تقدم الكلام فيها في الصلاة وغيرها، بل ذكرنا بناء على انها الداعي كما هو التحقيق أنه موجود غالبا في جميع اجزاء الفعل، وإلا لم يقع منه منتظما، كما هو واضح. (و) منها (البدأة بالحجر) الاسود (والختم به) بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، مضافا إلى التأسي به صلى الله عليه وآله خصوصا بعد قوله صلى الله عليه وآله " خذوا عنى مناسككم " منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) " من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الاسود إلى الحجر الاسود " وما عن الشيخ في الاقتصاد من التعبير بلا ينبغي محمول على إرادة الوجوب قطعا، وحينئذ فلو ابتدأ الطائف بغيره مما قبله أو بعده ففي القواعد لم يعتد بذلك الشوط إلى ان ينتهي إلى اول الحجر فمنه يبتدأ الاحتساب ان جدد عنده النية للاتمام مع احتمال البطلان، ومزجها في كشف اللثام، فقال، " ان جدد عنده النية لمجموع سبعة اشواط سواء ألغى ما قبله أو لا تذكره وزعم دخوله في الطواف واحتسابه منه اولا، فانه الآن طواف مقرون بالنية من ابتدائه، فإذا اتمه سبعة اشواط غير ما قدمه صح وإن كان ذلك سهوا، ولا يكفي استدامة حكم النية السابقة، لعدم مقارنتها لاول الطواف، وكذا يصح الاحتساب منه جدد عنده النية للاتمام اي إتمام سبعة اشواط بفعل سبعة اخرى أو ضمها إلى ما قدمه، ولكن إنما يصح إذا اكمل سبعة اخرى بأن علم في الاثناء كون المقدم لغوا فأكملها بنية ثانية، أو اكملها سهوا، وإنما يصح الاول بناء على جواز تفريق النية على أجزاء المنوي، والثاني بناء على ان نية الاتمام تتضمن نية مجموع السبعة اشواط، لكن سهى أو جهل فزعم


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 3

[ 288 ]

ان منها ما قدمه، كما إذا نوى القضاء بفريضة لزعمه خروج الوقت ولم يكن خرج مع احتمال البطلان، لبطلان النية المفرقة على أجزاء المنوي، ومنافاة نية إتمام السابق الفاسد بستة لنية مجموع السبعة، فانه ينوي الآن ستة لا غير، وغايته لو صح ما قدمه تفريق النية على الاجزاء، ويجوز ان يريد بالاتمام فعل مجموع سبعة اشواط لا مع إلغاء ما قدمه ليحتمل البطلان، إذ لا شبهة في الصحة مع الالغاء ووجه الاحتمال حينئذ انه وإن نوى مجموع السبعة بنية مقارنة للمبدأ لكنه لما اعتقد دخول ما قدمه منها كان بمنزلة نية ستة اشواط، هذا كله على كون اللام في الاتمام لتقوية العامل، ويجوز كونها وقتية اي منه يحتسب ان اتم سبعة عدا ما قدمه مع تجديد النية عنده باحد المعنيين، ويحتمل التعليل أي منه يحتسب إن جدد النية عنده باحد المعنيين، لانه اتم حينئذ الطواف وشروطه وإن فعل قبله ما يلغو، واتم النية واتى بها صحيحة مقارنة لما يجب مقارنتها له ". قلت: لا يخفى عليك ان ذلك كله متعبة لا فائدة فيها، مضافا إلى ما فيه من التجشم في الاخير بل وسابقه، والى إمكان منع إرادة التفريق من التجديد ولذا قال في المدارك: " فلو ابتداء الطائف من غيره لم يعتد بما فعله حتى ينتهى إلى الحجر الاسود فيكون منه ابتداء طوافه إن جدد النية عنده أو استصحبها فعلا " والمهم تنقيح وجوب قصد البدأة بالحجر وعدمه، ولا ريب في انه احوط بل لعل احتمال البطلان في كلام الفاضل لذلك، وإن كان الاقوى عدم اعتباره، ضرورة صدق الطواف سبعة اشواط من الحجر إلى الحجر في الفرض وإن لم يقصد البدأة والختم به، إلا ان الذي وقع منه ذلك ولو سهوا، على ان النية هي الداعي والفرض استمراره، فهو موجود عند مروره على الحجر. والابتداء الواقع منه كان لغوا، لان الزيادة المتأخرة المفسدة لا المتقدمة التي هي في الحقيقة ليست

[ 289 ]

زيادة، وليست من التشريع إذا اتفق وقوعها منه سهوا ونحوه، وبالجملة المتجه الصحة في الفرض المزبور مع فرض كون الحاصل منه في الخارج سبعة أشواط صحيحة بلا زيادة عليها، وكانت النية التي هي الداعي موجودة عند مروره على الحجر، وقلنا بعدم وجوب قصد البدأة منه كما عرفت. هذا. وذهب الفاضل بل غيره ممن تأخر عنه إلى أنه لابد من الابتداء باول الحجر بحيث يمر كله على كله، قال في المسالك: " والبدأة بالحجر بان يكون أول جزء منه محاذيا لاول جزء من مقاديم بدنه بحيث يمر عليه علما أو ظنا " ونحوه في غيرها، ولم نعرف شيئا من ذلك لمن سبق العلامة، وعلله في كشف اللثام بأنه لازم من وجوب الابتداء بالحجر والبطلان بالزيادة على سبعة أشواط والنقصان عنها ولو خطوة أو أقل، فانه إن ابتدأ بجزء من وسطه لم يأمن من الزيادة أو النقصان، وحينئذ فلو حاذى آخر الحجر ببعض بدنه في ابتداء الطواف بعد النية بجميع بدنه لم يصح، لعدم ابتدائه فيه بأول الحجر بل بما بعده، بل لابد أن يحاذي بأقدم عضو من أعضائه أوله، بل قيل إنهم اختلفوا لذلك في تعيين أول جزء البدن هل هو الانف أو البطن أو ابهام الرجلين، وربما اختلف الاشخاص بالنسبة إلى ذلك، ولكن ذلك كله بعد الاغضاء عما في الاخير كما ترى لا دليل عليه، بل ظاهر الادلة خلافه، خصوصا ما في خبر محمد (1) من أن رسول الله صلى الله عليه وآله طاف على راحلته واستلم الحجر بمحجنه، وسيما في هذه الازمنة التي يشتد فيها الزحام كما أشار إليه في صحيح عمار (2) " وكنا نقول لابد أن يستفتح الحجر ويختم به، فاما اليوم فقد كثر الناس " وإن كان الظاهر


(1) الوسائل الباب 81 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 290 ]

إرادة الاستلام له في المبدأ والمنتهى، لكن الفرض شدة الحرج والضيق فيما ذكروه المنافي لسهولة الملة وسماحتها، ودعوى الاستلزام المزبور واضحة المنع، ضرورة تحقق الصدق عرفا بدون ذلك، اللهم إلا أن يراد من نحو قوله " من الحجر " الطواف بالحجر الذي هو اسم للمجموع، كما ان المراد من الطواف به الطواف ببدنه عليه، إلا أن ذلك كله شك في شك، مضافا إلى إجمال الكيفية المزبورة التي هي الطواف باول جزء من مقاديم بدنه على اول جزء منه مارا بجميع بدنه كله محافظا على الطواف على اليسار، وإن كان الظاهر عدم البأس في إدخال جزء من باب المقدمة مع استصحاب النية وقصد الاحتساب من حيث يحاذي ولا يلزم من ذلك الزيادة كما في إدخال جزء من الرأس في غسل الوجه، وبالجملة لا يخفى حصول المشقة بملاحظة نحو ذلك، بل ربما كان اعتباره مثارا للوسواس كما انه من المستهجنات القبيحة نحو ما يصنعه بعض الناس عند إرادة النية للصلاة بناء على انه الاخطار من الاحوال التي تشبه احوال المجانين، مع انه مناف للتقية، بل قد يقال إنه لم يطف بالجزء المحاذي له من المقاديم، لان الطواف عبارة عن الحركة الدورية، فالتحقيق عدم اعتبار ذلك، بل ظاهر المدارك والرياض وغيرهما عدم اعتبار محل الابتداء، فلو ابتدأ مثلا بآخر الحجر كان له الختم بأوله ولعله لصدق أنه ابتدأ بالحجر وختم به، ودعوى عدم صدق الختم حتى يصل إلى محل الابتداء الذي هو الوسط أو الآخر ممنوعة، والزيادة والنقيصة في الفرض غير قادحة بعد ظهور الادلة في كون المراد منهما الزيادة على الحجر الذي هو محل الابتداء والنقيصة عنه، بل الظاهر اعتبار إدخال الاولى في الطواف بقصد انه منه في المنع لا لغوا أو مقدمة كما ستعرف إن شاء الله، ولكن صرح جماعة باعتبار محاذاة الحجر في آخر شوط كما ابتدأ به اولا من غير فرق بين الاول وغيره، فينبغي حينئذ ان يعلم محل الابتداء وإن كان الظاهر عدم البأس بالزيادة مقدمة، ولعله

[ 291 ]

لتوقف صدق اسم الطواف بالبيت الذي منه الحجر عليه، ضرورة صدق النقصان مثلا على بعض الافراد، ولا ريب في انه احوط إن لم يكن اقوى، واحوط منه مراعاة اول جزء من الحجر على حسب ما عرفته سابقا. وكيف كان فلا ريب في استحباب استقبال الحجر بوجهه قبل الطواف للتأسي، وظاهر خبري الحسن بن عطية (1) ومعاوية بن عمار (2) السابقين، بل في المدارك وينبغي ايقاع النية حال الاستقبال ثم الاخذ في الحركة على اليسار عقيب النية، وما قيل من فوات المقارنة لاول الطواف الذي هو الحركة الدورية حينئذ ضعيف جدا، لان مثل ذلك لا يخل بها قطعا، وفيه ما عرفت، نعم بناء على انها الداعي لا بأس بذلك، ضرورة خطوره في الحالتين، والله العالم. (و) منها (أن يطوف على يساره) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى التأسي، بل ربما استفيد من قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن سنان (3): " إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوذ وهو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب، فقل: اللهم إلى ان قال: ثم استلم الركن اليماني ثم ائت الحجر فاختم به " وفي صحيح معاوية (4) " إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت إلى ان قال: ثم ائت الحجر الاسود " وصحيحه الآخر (5)


(1) الوسائل الباب 32 من ابواب الطواف الحديث 1 والظاهر انه لم يتقدم وإنما يأتي في مسألة نقصان الطواف (2) الوسائل الباب 4 من ابواب زيارة البيت الحديث 1 (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 26 من ابواب الطواف الحديث 1 - 4 - 9

[ 292 ]

" ثم تطوف بالبيت سبعة اشواط إلى ان قال فإذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة وهو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يدك على البيت والصق يدك وبطنك بالبيت ثم قل: اللهم إلى ان قال ثم استقبل الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الاسود واختم به " بتقريب استلزام الترتيب المزبور في الشوط السابع لكون الطواف على اليسار. وعلى كل حال فلو جعله على يمينه أو استقبله بوجهه أو استدبره جهلا أو سهوا أو عمدا لم يصح عندنا، فما عن ابي حنيفة من انه إن جعله على يمينه اعاده إن اقام بمكة، وإلا جبره بدم، بل عن اصحاب الشافعي لم يرد عنه نص في استدباره، والذي يجئ على مذهبه الاجزاء، بل عنهم ايضا في وجه الاجزاء ان استقبله أو مر القهقرى نحو الباب قول بغير علم، نعم لا يقدح في جعله على اليسار الانحراف إلى جهة اليمين قطعا، والله العالم. (و) منها (ان يدخل الحجر في الطواف) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، قال الحلبي في الصحيح (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر كيف يصنع ؟ قال: يعيد الطواف الواحد " ورواه الشيخ " يعيد ذلك الشوط " وفي حسن ابن البختري (2) عنه عليه السلام ايضا " في الرجل يطوف بالبيت قال: يقضي ما اختصر في طوافه " وقد سمعت قوله عليه السلام في صحيح معاوية (3): " من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الاسود إلى الحجر الاسود ".


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 31 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2 - 3

[ 293 ]

ولا فرق في الحكم المزبور بين القول بخروجه من البيت ودخوله فيه الذي قد تشعر به النصوص المزبورة، بل في الدروس المشهور كونه منه، بل في التذكرة والمنتهى ان جميعه منه، وروي عن عائشة (1) " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: ستة اذرع من الحجر من البيت " لكن سأل معاوية بن عمار (2) الصادق عليه السلام في الصحيح " أمن البيت هو أو فيه شئ من البيت ؟ فقال: لا ولا قلامة ظفر، ولكن إسماعيل دفن امه فيه فكره ان توطأ فجعل عليه حجرا، وفيه قبور انبياء " وفي خبر يونس بن يعقوب (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: اني كنت اصلي في الحجر فقال لي رجل: لا تصل المكتوبة في هذا الموضع فان في الحجر من البيت فقال: كذب صل فيه حيث شئت " وفي خبر مفضل بن عمر (4) عنه عليه السلام ايضا " الحجر بيت اسماعيل، وفيه قبر هاجر وقبر اسماعيل " وسأله ايضا الحلبي (5) في المروي عن نوادر البزنطي " عن الحجر فقال: إنكم تسمونه الحطيم، وإنما كان لغنم إسماعيل، وإنما دفن فيه امه وكره ان يوطأ قبرها فحجر عليه، وفيه قبور انبياء " إلى غير ذلك من النصوص الدالة على ذلك، وما في التذكرة من ان قريشا لما بنت البيت قصرت الاموال الطيبة والهدايا والنذور عن عمارته، فتركوا من جانب الحجر بعض البيت، وقطعوا الركنين الشاميين من قواعد ابراهيم، وضيقوا عرض الجدار من الركن الاسود إلى الشامي الذي يليه، فبقي من الاساس شبه الدكان مرتفعا، وهو الذي يسمى الشاذروان لم نتحققه


(1) رواه في المغنى ج 1 ص 382 وسنن البيهقي ج 5 ص 89 (2) و (4) و (5) الوسائل الباب 30 من ابواب الطواف الحديث 1 - 3 - 10 (3) الوسائل الباب 54 من ابواب احكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة

[ 294 ]

بل الثابت في نصوصنا (1) المشتملة على قصة هدم قريش الكعبة خلافه، نعم ربما كان في مرفوع علي بن ابراهيم (2) وغيره " انه كان بنيان ابراهيم الطول ثلاثون ذراعا، والعرض إثنا وعشرون ذراعا، والسمك تسعة اذرع " تأييد لكون نحو ستة أذرع منه من البيت. وعلى كل حال فلابد من إدخاله في الطواف، فلو طاف بينه وبين البيت لم يصح شوطه إجماعا، لا الطواف كله كما سمعته في النصوص السابقة، لكن قال الشهيد: فيه روايتان، ويمكن اعتبار تجاوز النصف هنا، وحينئذ لو كان السابع كفي إتمام الشوط من موضع سلوك الحجر، ولعله أراد بالرواية الاخرى ما سمعته من صحيح معاوية بن عمار المحتمل لكون الاختصار في جميع الاشواط وكون الطواف بمعنى الشوط، وكذا خبر ابراهيم بن سفيان (3) " كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام امرأة طافت طواف الحج فلما كانت في الشوط السابع اختصرت فطافت في الحجر وصلت ركعتي الفريضة وسعت وطافت طواف النساء ثم أتت منى قال: تعيد " بل عن التذكرة لو دخل إحدى الفتحتين وخرج من الاخرى لم يحتسب له، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، ولا طوافه بعده حتى ينتهي إلى الفتحة التي دخل منها، يعني فان دخلها أيضا لم يحتسب أيضا وإن تجاوزها وطاف بالحجر احتسب مطلقا أو بعد النصف، وفيه إشارة إلى عدم الاكتفاء باتمام الشوط من الفتحة، بل يجب الاستئناف، لظهور الاعادة في الخبرين فيه، بل نص الثاني منهما على الاعادة من الحجر الاسود كما سمعت، والله العالم.


(1) و (2) الوسائل الباب 11 من ابواب مقدمات الطواف الحديث 10 (3) الوسائل الباب 31 من ابواب الطواف الحديث 4

[ 295 ]

(و) منها (ان يكمله سبعا) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المستفيضة بل المتواترة. (و) منها (ان يكون بين البيت والمقام) الذي هو لغة موضع قدم القائم، والمراد به هنا مقام ابراهيم عليه السلام أي الحجر الذي وقف عليه لبناء البيت كما عن ابن أجير، أو للاذان بالحج كما عن غيره، بل عن العلوي وابن جماعة أنه لما أمر بالنداء وأقام على المقام تطاول المقام حتى كان كأطول جبل على ظهر الارض فنادى، أو لما عن ابن عباس من أنه لما جاء بطلب ابنه اسماعيل فلم يجده قالت له زوجته انزل فأبى فقالت دعني اغسل رأسك فأتته بحجر فوضع رجله عليه وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته وقد غابت رجله فيه، فوضعته تحت الشق الآخر وغسلته فغابت رجله الثانية فيه، فجعله الله من الشعائر، وعن الازرقي أنه لما فرغ من الاذان عليه جعله قبلة فكان يصلي إليه مستقبل الباب، وذكر أيضا ان ذرع المقام ذراع، وان القدمين داخلان فيه سبعة أصابع، وعن ابن جماعة ان مقدار ارتفاعه من الارض نصف ذراع وربع وثمن بذراع القماش، وأن أعلاه مربع من كل جهة نصف ذراع وربع، وموضع غوص القدمين ملبس بفضة، وعمقه من فوق الفضة سبع قراريط ونصف قيراط بالذراع المتقدم أي ذراع مصر المستعمل في زمانه، ولعل اختلافهما باعتبار الذراع باليد والحديد. وعلى كل حال فلا خلاف معتد به أجده في وجوب كون الطواف بينه وبين البيت، بل عن الغنية الاجماع عليه، لخبر حريز عن ابن مسلم (2) قال: " سألته عن حد الطواف الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت قال: كان


(1) الوسائل الباب 19 و 32 من ابواب الطواف (2) الوسائل الباب 28 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 296 ]

الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله يطوفون بالبيت والمقام، وانتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت فكان الحد موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحد قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلها فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد، لانه طاف في غير حد ولا طواف له " المنجبر والمعتضد بما عرفت، وكان وجه ما فيه من الاختلاف بين اليوم وعهده صلى الله عليه وآله مع قوله عليه السلام " والحد قبل اليوم واليوم واحد " ما عن مالك والطبري من انه كانت قريش في الجاهلية الصقته بالبيت خوفا عليه من السيول، واستمر كذلك في عهد النبي صلى الله عليه وآله وعهد ابي بكر، فلما ولى عمر رده إلى موضعه الآن الذي هو مكانه في زمن الخليل، وإن كان يبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله أولى من عمر بذلك، خصوصا بعد عدم معرفته بموضعه في زمن الخليل، ومن هنا كان المحكي عن ابن أبي مليكة أنه قال: موضع المقام هذا الذي هو فيه اليوم هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر ثم رد وجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده، وعن تاريخ البخاري أن سيل أم نهشل لما أتى المسجد أخذ المقام إلى أسفل مكة فلما جف الماء أتوا بالمقام والصقوه بالكعبة وكتبوا إلى عمر بذلك فورد مكة معتمرا في شهر رمضان من ذلك العام وسأل هل أحد عنده علم بمحل الحجر فقام المطلب بن وداعة السلمي وقيل رجل من آل عابد، والاول أشهر، أنا كنت أخاف عليه مثل هذا فاخذت مقياسه من محله إلى الحجر، فأجلسه عمر عنده وقال له: ابعث فأتني بالمقياس فاتي به فوضع عمر المقام في محله الآن، ونحوه عن النواوي والازرقي، وعن ابن سراقة ان ما بين باب الكعبة ومصلى آدم أرجح من تسعة أذرع، وهناك كان موضع

[ 297 ]

مقام ابراهيم عليه السلام وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله عنده حين فرغ من طوافه ركعتين، وانزل عليه (1) " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " ثم نقله إلى الموضع الذي هو فيه الآن، وذلك على عشرين ذراعا من الكعبة لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، ثم ذهب به السيل في أيام عمر إلى أسفل مكة فأتي به وامر عمر برده إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ونحوه في أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الواضع له هنا ما عن ابني عنبسة وعروية، بل قد يظهر من صحيح زرارة (2) ان عمر قد أحيى فعل الجاهلية، " قال لابي جعفر عليه السلام قد أدركت الحسين عليه السلام قال: نعم أذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام يخرج الخارج فيقول قد ذهب به السيل، ويدخل الداخل فيقول هو مكانه، قال فقال يا فلان ما يصنع هولاء ؟ فقلت اصلحك الله تعالى يخافون أن يكون السيل قد ذهب بالمقام فقال لهم: إن الله عزوجل جعله علما لم يكن ليذهب به فاستقروا، وكان موضع المقام الذي وضعه ابراهيم عليه السلام عند جدار البيت، فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة رده إلى الموضع الذي وضعه ابراهيم عليه السلام، فلم يزل هناك إلى أن تولى عمر فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام فقال رجل أنا كنت قد أخذت مقداره بتسع، فهو عندي فقال ائتنى به فأتاه به فقاسه فرده إلى ذلك المكان ". وعلى كل حال فعن ابي علي اجزاء الطواف خارج المقام مع الضرورة، لصحيح الحلبي (3) سأل الصادق عليه السلام " عن الطواف خلف المقام فقال ما أحب


(1) سورة البقرة الآية 119 (2) الفقيه ج 2 ص 158 الرقم 681 (3) الوسائل الباب 28 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 298 ]

ذلك وما أرى به بأسا، فلا تفعله إلا أن لا تجد منه بدا " قيل بل قد يظهر الميل إليه من المختلف والتذكرة والمنتهى، ولكن فيه ان الخبر المزبور دال على الكراهة مع الاختيار دون الاضطرار كما عن ظاهر الصدوق الفتوى به لا الجواز وعدمه، نعم يمكن القول باجزائه تقية، اما غيرها فمشكل، بل ظاهر ما سمعته من النص والفتوى ومعقد الاجماع عدم الاجزاء مطلقا، ثم إنه لابد من ملاحظة المقدار المزبور من جميع الجوانب كما سمعت التصريح به في الخبر المزبور (1) بل نسبه في المدارك إلى قطع الاصحاب، وهو كذلك وهو كما عن تاريخ الازرقي إلى الشاذروان ست وعشرون ذراعا ونصف، نعم لا إشكال في احتساب المسافة من جهة الحجر من خارجه بناء على أنه من البيت، بل في المدارك وغيرها وإن قلنا بخروجه عنه لوجوب ادخاله في الطواف فلا يكون محسوبا من المسافة، وفيه انه خلاف ظاهر الخبر المزبور، ولذا احتمل في المسالك احتسابه منها وإن لم يجز سلوكه، ولا ريب في انه الاحوط، وهل المعتبر وقوع الطواف بين البيت وحائط البناء الذي هو على المقام الاصلي أو بين الصخرة التي هي المقام هنا ؟ الظاهر الثاني، كما انه لا مدخلية للمقام نفسه في الطواف، فلو حول عن مكانه وجب الطواف في المقدار المخصوص كما دل عليه الخبران المزبوان (2) بل خبر زرارة صريح، هذا. وعن الشافعي لا بأس بالحائل بين الطائف والبيت كالسقاية والسواري، ولا كونه في آخر باب المسجد وتحت السقف وعلى الاروقة والسطوح إذا كان البيت ارفع بناء على ما هو اليوم، فان جعل سقف المسجد أعلى لم يجز الطواف


(1) الوسائل الباب 28 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 28 من ابواب الطواف الحديث 1 و 2

[ 299 ]

على سطحه، ومقتضاه كما عن التذكرة انه لو انهدمت الكعبة والعياذ بالله لم يصح الطواف حول عرصتها، وهو بعيد بل باطل كبطلان القول بجواز الطواف في المسجد خارجا عن القدر المزبور عندنا. (و) كيف كان ف‍ (لو مشى) الطائف في طوافه (على أساس البيت) الذي هو القدر الباقي من أساس الحائط بعد عمارته المسمى بالشاذروان (أو) على (حائط الحجر لم يجزه) بلا خلاف ولا إشكال، لعدم صدق الطواف بالبيت والحجر، إذ الاول من الكعبة فيما قطع به الاصحاب على ما في المدارك، بل هو المحكي عن غيرهم من الشافعية والحنابلة وبعض متأخري المالكية، نعم عن ابن ظهرة من الحنفية جواز الطواف عندنا على الشاذروان، لانه ليس من البيت، نص على ذلك الاصحاب، ولعله لما رووه (1) من ان ابن الزبير لما هدم الكعبة وادخل الحجر أو ستة اذرع منه أو سبعة فيها لما سمعته من عائشة (2) عن النبي صلى الله عليه وآله انه بناها على اساس ابراهيم الخليل ولم ينقص من عرض جدارها شئ، اللهم إلا أن يكون النقصان المتعارف بين الناس في البناء إذا ظهر على الارض، ومثله يمكن منع كونه نقصانا من البيت، نعم في بعض التواريخ انه لما قتل ابن الزبير هدموا الكعبة واخرجوا ما كان ادخله فيها من الحجر، والمراد ان المعروف كون الشاذروان وهو ما نقصته قريش من عرض أساس الكعبة، لكن قد بنيت بعدهم غير مرة، منها في اواخر عشر الستين وستمائة أو اوائل عشر السبعين وستمائة فان كان المراد النقصان المتعارف عند ظهور الاساس إلى الارض اشكل حينئذ دعوى خروجه من الببت، وإن كان غيره وانه لما جددوها ابقوها على ما نقصتها


(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 480 (2) رواه في المغني ج 3 ص 382

[ 300 ]

قريش النقصان الغير المتعارف اتجه حينئذ وجوب احتسابه في الطواف، لكون الطواف عليه حينئذ طوافا بالبيت لا به كما هو واضح، وعلى كل حال فالعمل على ما عليه الاصحاب. واما الثاني فلمنافاته لما سمعته سابقا من وجوب الطواف به، سواء قلنا بكونه من البيت أو خارجا عنه، ولا ريب في عدم تحقق ذلك مع الطواف ماشيا على حائطه، بل عن التذكرة عدم جواز مس الطائف الجدار بيده في موازاة الشاذروان، لانه يكون بعض بدنه في البيت، فلا يتحقق الشرط الذي هو خروجه عنه بجميعه، بل كان كما لو وضع احد رجليه اختيارا على الشاذروان، ولكن فيه منع الشرط المزبور مع فرض صدق الطواف عليه ولو لخروج معظم بدنه، ولعله لذا جزم بالصحة في القواعد، لكن الاحوط ما ذكره، نعم لو مسه لا في موازاته لم يكن به بأس، وفي كشف اللثام هو مبني على اختصاصه ببعض الجوانب كما عرفت، قلت: المحكي عن ابن ظهرة في شفاء الغرام ان شاذروان الكعبة هو الاحجار اللاصقة بالكعبة التي عليها البناء المسنم المرخم في جوانبها الثلاثة: الشرقي والغربي واليماني وبعض حجارة الجانب الشرقي بناء عليه وهو شاذروان ايضا، واما الحجارة اللاصقة بجدار الكعبة التي تلي الحجر فليست شاذورانا، لان موضعها من الكعبة بلا ريب، والشاذروان هو ما نقصته قريش من عرض جدار اساس الكعبة حين ظهر على الارض كما هو عادة الناس في الابنية اشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد الاسفرابي وغيره، والله العالم. (ومن لوازمه ركعتا الطواف، وهما واجبتان في الطواف الواجب) على المشهور بين الاصحاب نقلا وتحصيلا شهرة عظيمة، بل عن الخلاف نسبته إلى عامة اهل العلم، وإن حكي فيه عن الشافعي قولا بعدم الوجوب ناسبا له إلى قوم من اصحابنا، لكن لا نعرفهم، بل في الرياض عنه الاجماع مع ان فيه وفي السرائر نقل قول بالاستحباب، وفي التذكرة نسبة ذلك إلى شاذ كالمحكي عن ابن

[ 301 ]

ادريس للتأسي (1) به صلى الله عليه وآله فانه صلاهما، وتلا قوله تعالى (2): " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " بل قيل انها نزلت عليه حين فعلهما، ومنه مع غيره من النصوص (3) المشتملة على وجوب عود الناس لهما إلى المقام والصلاة فيه وذكر الآية دليلا عليه يظهر وجه دلالة الآية على ذلك، مضافا إلى الاجماع على عدم وجوب غيرهما فيه، وللامر (4) بقضائهما مع فواتهما المحمول على الوجوب المقتضي لوجوب الاداء لقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية أو صحيحه (5) " إذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم عليه السلام وصل ركعتين واجعله اماما واقرأ في الاولى منهما سورة التوحيد، وفي الثانية قل يا ايها الكافرون، ثم تشهد واحمد الله واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله واسأله ان يتقبل منك، وهاتان الركعتان هما الفريضة، ليس يكره ان تصليهما في اي الساعات شئت عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولا تؤخرهما ساعة تطوف وتفرغ فصلهما " وغيره من النصوص، بل في كشف اللثام نسبة ذلك إلى الاخبار الكثيرة جدا، ولعله يريد ما تسمعه منها إن شاء الله في وجوب كونهما في المقام وفي قضائهما وغير ذلك. وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور كدليله الذي هو الاصل المقطوع بما عرفت بعد تسليم جريانه هنا، وعدم تعين الآية لهذا المعنى الذي


(1) صحيح البخاري ج 2 ص 180 (2) سورة البقرة الآية 119 (3) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف (4) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 13 و 18 (5) ذكر صدره في الوسائل في الباب 71 من ابواب الطواف الحديث 3 وذيله في الباب 76 منها الحديث 3

[ 302 ]

قد سمعت القرائن عليه النافية لاحتمال ارادة موضع الدعاء من المصلى أو القبلة، وكون المراد بالمقام هو الحرم كله أو مع سائر المشاعر، وقوله صلى الله عليه وآله (1) للاعرابي الذي قال له صلى الله عليه وآله هل علي غيرها يعني الخمس: " لا إلا أن تطوع " المحتمل لعدم وجوب حج وعمرة عليه، وقول ابي جعفر عليه السلام لزرارة في الحسن (2): " فرض الله الصلاة، وسن رسول الله صلى الله عليه وآله عشرة أوجه: صلاة السفر وصلاة الحضر وصلاة الخوف علي ثلاثة أوجه، وصلاة كسوف الشمس والقمر، وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء والصلاة على الميت " المحتمل كسابقه على ما في كشف اللثام لكون المراد ما شرع من الصلاة بنفسها لا تابعة لطواف أو غيره، على أنه عام أو مطلق يحكم عليه ما عرفت، كما هو واضح. ثم لا يخفى عليك دلالة الحسن المزبور على استحباب قراءة التوحيد في الاولى منهما والجحد في الثانية، بل في المختلف انه المشهور، وبه صرح في التذكرة والتحرير، بل الاول منهما انه رواه العامة (3) عن النبي صلى الله عليه وآله، نعم في الثاني منهما كالدروس انه روي العكس (4) إلا أنا لم نتحققه وإن حكى القول به في المختلف عن الشيخ في النهاية في باب القراءة دون باب الطواف الذي صرح فيه بما سمعت، ولا ريب في أنه الاولى، حملا لاطلاق بعض النصوص على الحسن المزبور المتضمن لاستحباب الدعاء بعدهما كما أشار إليه في الدروس، قال: والدعاء بالمأثور أو بما سنح، والله العالم.


(1) سنن النسائي ج 1 ص 227 (2) الوسائل الباب 1 من ابواب اعداد الفرائض ونوافلها الحديث 2 من كتاب الصلاة (3) و (4) سنن البيهقي ج 5 ص 91

[ 303 ]

(ولو نسيهما وجب عليه الرجوع) بلا خلاف أجده فيه إلا ما يحكي عن الصدوق من الميل إلى صلاتهما حيث يذكر، بل في كشف اللثام الاجماع عليه كما هو الظاهر، ولعله كذلك لاصالة عدم السقوط مع التمكن من الاتيان بالمأمور به على وجهه، وصحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: " سئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة ثم طاف طواف النساء ولم يصلي أيضا لذلك الطواف حتى ذكر وهو بالابطح قال: يرجع إلى المقام فيصلي ركعتين " وخبر عبيد بن زرارة (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة ثم طاف طواف النساء فلم يصل الركعتين حتى ذكر بالابطح يصلي أربع ركعات قال: يرجع فيصلي عند المقام أربعا " ومرسل الطبرسي في المحكي عن مجمعه (3) عن الصادق عليه السلام " انه سئل عن الرجل يطوف بالبيت طواف الفريضة ونسي أن يصلي الركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام فقال، يصليهما ولو بعد أيام، لان الله تعالى يقول واتخذوا الآية " وعن العياشي روايته (4) ولكن " وجهل ان يصلي (و) غيرها من النصوص. نعم (لو شق) عليه الرجوع فضلا عما لو تعذر (قضاهما حيث ذكر) كما في القواعد والنافع ومحكي التهذيب والاستبصار، ولعله المراد من التعذر في محكي النهاية والمبسوط والسرائر والمهذب والجامع، لقاعدة الحرج واليسر المشار إليها في صحيح ابي بصير (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي أن يصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام وقد قال الله تعالى " واتخذوا من مقام ابراهيم


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 5 - 7 - 19 - 20 - 10

[ 304 ]

مصلى " حتى ارتحل قال: إن كان ارتحل فاني لا اشق عليه ولا آمره أن يرجع ولكن يصلي حيث يذكر " المحمول عليه خبر ابي الصباح (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل نسي ان يصلي الركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام في طواف الحج أو العمرة فقال: إن كان بالبلد صلى ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام، فان الله تعالى يقول " واتخذوا " إلى آخره، وإن كان قد ارتحل فلا آمره أن يرجع " بل وحسن معاوية (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل نسي الركعتين خلف مقام ابراهيم عليه السلام فلم يذكر حتى ارتحل من مكة قال: فليصلهما حيث ذكر، وان ذكرهما وهو في البلد فلا يبرح حتى يقضيهما " بل وخبر عمر بن البر (3) عنه عليه السلام ايضا " في من نسي ركعتين طواف الفريضة حتى أتى منى انه رخص له أن يصليهما بمنى " وخبر ابراهيم بن المثنى وحنان (4) قالا: طفنا بالبيت طواف النساء ونسينا الركعتين فلما صرنا بمنى ذكرناهما فاتينا أبا عبد الله عليه السلام فسألناه فقال: صلياهما بمنى " وخبر عمر بن يزيد (5) عنه عليه السلام ايضا سأله " عن رجل نسي الركعتين ركعتي الفريضة عند مقام ابراهيم عليه السلام حتى أتى منى قال يصليهما بمنى " وخبر هاشم بن المثنى (6) قال: " نسيت ان اصلي الركعتين للطواف خلف المقام حتى انتهيت إلى منى فرجعت إلى مكة فصليتهما ثم عدت إلى منى فذكرنا


(1) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 16 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 18 - 2 - 17 - 8 والرابع عن هشام بن المثنى وحنان (6) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 9 عن هشام ابن المثنى ويحتمل اتحاده مع الهاشم كما ذكر في كتب التراجم.

[ 305 ]

ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: أفلا صلاهما حيث ذكر " وربما حمل على المندوب وخبر حنان بن سدير (1) قال: " زرت فنسيت ركعتي الطواف فاتيت أبا عبد الله عليه السلام وهو بقرن الثعالب فسألته فقال: صل في مكانك ". ولعله له وسابقه وغيرهما حكي عن الصدوق الميل إلى قضائهما حيث يذكر مطلقا، لكنه مناف لما سمعته من النص والفتوى، فالاولى الجمع بما عرفت، خصوصا بعد ما قيل من قصورها جملة عن الصحة، بل ضعف بعضها سندا، وجميعها دلالة بعد احتمال التقييد المزبور الذي هو أولى من الجمع بحمل الدال على التقييد على الاستحباب وإبقاء المطلق على حاله، لمعلومية رجحان التخصيص على غيره من أنواع المجاز، مضافا إلى الاعتضاد بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك كما عرفت، وبكثرة النصوص المزبورة وصحتها، وتضمن جملة منها تعليل الامر بالرجوع بقوله تعالى: " واتخذوا " والامر للوجوب قطعا، فما عن بعض من قارب عصرنا من الميل إلى جواز قضائهما حيث ذكر مطلقا تمسكا بما سمعت من النصوص في غير محله، ومنه يعلم النظر فيما في الدروس من أنه لو نسي الركعتين رجع إلى المقام، فان تعذر فحيث شاء من الحرم، فان تعذر فحيث أمكن من البقاع، ضرورة عدم موافق له على هذا التفصيل، ولا دليل كما اعترف به بعضهم. وفي التحرير جواز الاستنابة فيهما إن خرج وشق عليه الرجوع، وكذا في التذكرة إن صلاهما في غير المقام ناسيا ثم لم يتمكن من الرجوع، ولعله لجواز الاستنابة فيهما تبعا للطواف فكذا بدونه، ولصحيح عمر بن يزيد (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " في من نسي ركعتي الطواف حتى ارتحل من مكة قال: إن


(1) و (2) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 11 - 1

[ 306 ]

كان قد مضى قليلا فليرجع فليصلهما أو يأمر بعض الناس فليصلهما عنه " وصحيحه الآخر (1) عنه عليه السلام أيضا " من نسي أن يصلى ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكة فعليه أن يقضي أو يقضي عنه وليه أو رجل من المسلمين " وخبر ابن مسكان (2) قال: " حدثني من سأله عن الرجل ينسى ركعتي طواف الفريضة حتى يخرج فقال: يوكل " قال ابن مسكان وفي حديث آخر (3) " إن كان جاوز ميقات أهل أرضه فليرجع وليصلهما، فان الله تعالى يقول: واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " وخبر محمد بن مسلم (4) سأل أحدهما (عليهما السلام) عمن نسي أن يصلى الركعتين فقال: يصلى عنه " لكن الجميع كما ترى لا تقييد في شئ منها بما ذكره، كالمحكي عن ظاهر المبسوط من الاستنابة إذا خرج مع تعمد الترك. (و) يحتمل في خبري ابني يزيد ومسلم منها إرادة ما ذكره المصنف والفاضل والشيخ وبنو حمزة وإدريس وسعيد من أنه (لو مات) ولم يصلهما (قضاهما الولي) عنه، مضافا إلى عموم ما دل (5) على قضائه الصلاة الفائتة عنه بل هما أولى بذلك باعتبار مشروعية النيابة فيهما في حياة المنوب عنه ولو تبعا للطواف، بل قد يظهر من خبر ابن يزيد منهما جواز قضاء غير الولي مع وجوده ولا بأس به، وإن كان الاحوط خلافه. ولو ترك معهما الطواف ففي المسالك " في وجوبهما حينئذ عليه ويستنيب


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 13 - 14 - 15 - 4 (5) الوسائل الباب 12 من ابواب قضاء الصلوات الحديث 6 و 18 والباب 23 من ابواب احكام شهر رمضان الحديث 5

[ 307 ]

في الطواف أو يستنيب عليهما معا من ماله وجهان، ولعل وجوبهما عليه مطلقا أقوى لعموم قضاء ما فاته من الصلاة الواجبة، أما الطواف فلا يجب عليه قضاؤه عنه وإن كان بحكم الصلاة " قلت: ستسمع فيما يأتي عند تعرض المصنف لمسألة نسيان الطواف من النصوص (1) ما ينافي ذلك. والجاهل كالناسي في الحكم المذكور، لقول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح جميل (2) " ان الجاهل في ترك الركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام بمنزلة الناسي " مضافا إلى إطلاق بعض النصوص (3) وخبر العياشي (4) السابق. أما العامد ففي المسالك ان الاصحاب لم يتعرضوا لذكره، والذي يقتضيه الاصل أنه يجب عليه العود مع الامكان، ومع التعذر يصليهما حيث أمكن " وفي المدارك بعد أن حكى ذلك عنه قال: " لا ريب أن مقتضي الاصل وجوب العود مع الامكان، وإنما الكلام في الاكتفاء بصلاتهما حيث أمكن مع التعذر أو بقائهما في الذمة إلى أن يحصل التمكن منهما في محلهما، وكذا الاشكال في صحة الافعال المتأخرة عنهما من صدق الاتيان بهما، ومن عدم وقوعهما على الوجه المأمور به " وتبعه في الرياض، قلت: قد يقال بتناول صحيح الجاهل الشامل للمقصر الذي هو كالعامد، كما أنه قد يقال بان الادلة المزبورة خصوصا الآية وما اشتمل على الاستدلال بها من النصوص إنما تدل على وجوبهما بعد الطواف لا اشتراط صحته بهما، ولذا كان له تركهما في الطواف المندوب، ولم يؤمر باعادة السعي وغيره من الافعال لناسيهما والجاهل بهما، فليس حينئذ في


(1) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف (2) و (4) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 3 - 20 (3) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 5 و 6 و 7

[ 308 ]

عدم فعلهما بعد الطواف عمدا إلا الاثم ووجوب القضاء كما ذكره ثاني الشهيدين لا بطلان ما تعقبهما من الافعال، وجعلهما في المتن من لوازم الطواف أعم من ذلك، والله العالم. (مسائل ست: الاولى الزيادة) عمدا (على سبع في الطواف الواجب محظورة) ومبطلة (على الاظهر) كما عن الوسيلة والاقتصاد والجمل والعقود والمهذب، بل في المدارك أنه المعروف من مذهب الاصحاب، وفي كشف اللثام أنه المشهور، وهو كذلك مع نيته في الابتداء على وجه الادخال في الكيفية، ضرورة كونه حينئذ ناويا لما لم يأمر به الشارع، فهو كمن نوى صوم الوصال مثلا، بل في كشف اللثام وكذا لو نواها في الاثناء، لانه لم يستدم النية الصحيحة ولا حكمها، وفيه أن ذلك غير مناف لاستدامة النية على سبع وإن نوى الزيادة عليها. وأما إذا تعمد فعلها من غير إدخال لذلك في النية في الابتداء أو في الاثناء فان تعمد فعلها لا من هذا الطواف ففي كشف اللثام عدم البطلان ظاهر، لانها حينئذ فعل خارج وقع لغوا أو جزء من طواف آخر، وإن تعمدها من هذا الطواف فظاهر ما سمعته من المشهور البطلان، لانه كزيادة ركعة في الصلاة لقوله صلى الله عليه وآله (1): " الطواف بالبيت صلاة " وقول ابي الحسن عليه السلام في خبر عبد الله بن محمد (2) " الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فإذا زدت عليها فعليك الاعادة وكذلك السعي " ولخروجه عن الهيئة التي فعلها النبي صلى الله عليه وآله مع وجوب التأسي، وقوله صلى الله عليه وآله (3) " خذوا


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 87 وكنز العمال ج 3 ص 10 الرقم 206 (2) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 11 (3) تيسير الوصول ج 1 ص 312

[ 309 ]

عني مناسككم " ولخبر ابي بصير (1) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط قال: يعيد حتى يستتمه " ولكن نوقش بكون الاول قياسا محضا، على أنه ليس كزيادة ركعة في الصلاة، بل مثل فعلها بعد الفراغ، ومنع خروجه عن الهيئة المعهودة، ضرورة كون الزيادة إنما لحقتها من بعد، وعدم فعله لها لا يقتضي التحريم فضلا عن البطلان، للاصل وغيره، ولو سلم فاقصاه أنه تشريع محرم خارج عن العبادة، وبالطعن في سند الخبرين المحتملين لنية الزيادة أول الطواف أو اثناءه بناء على ما سمعته من كشف اللثام، بل قد يحتمل الثاني منهما ارادة إتمام طواف آخر كما يشعر به قوله عليه السلام يستتمه، على أنه إنما يدل على تحريم زيادة الشوط، كل ذلك مضافا إلى الاصل وإطلاق صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) سأله " عن رجل طاف طواف الفريضة ثمانية أشواط قال: يضيف إليها ستا " ونحوه غيره. ولكن قد يدفع جميع ذلك بظهور الخبرين المنجبرين بما سمعت، بل يؤيد إرادة إعادة ذلك الطواف من قوله عليه السلام " يستتمه " روايته في الكافي حتى " يتنبه " وهو كالصريح في ارادة الطواف الاول، وصحيح ابن مسلم وغيره محمول على الزيادة سهوا أو مع نية طواف ثان، بل في كشف اللثام أو تعمد الشوط من طوافه الاول مع جهل الحكم أو الغفلة عنه، ومقتضاه معذورية الجاهل كالناسي وهو مشكل مع فرض الاتيان في أول النية بل والاثناء على ما ذكره من كونه كالابتداء، ضرورة اقتضاء ما سمعت البطلان على تقدير الجهل والعمد، بل لعل إطلاق نحو عبارة المتن يقتضي ذلك أيضا كالخبرين الذين مقتضاهما البطلان حتى في الزيادة المتأخرة عن الاكمال نحو العالم، بل في المسالك التصريح بان الجاهل


(1) و (2) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 1 - 8

[ 310 ]

هنا كالعالم، ثم إن ظاهر الخبرين المزبورين والفتاوى إعادة الطواف من رأس لا الشوط خاصة وهو كذلك كما صرح به غير واحد. هذا كله في طواف الفريضة (و) أما الزيادة عمدا (في) طواف (النافلة) ففي القواعد كالمتن (مكروهة) ولكن لا أعرف وجهه مع فرض كون المراد ما ذكرناه من الزيادة المحرمة في الطواف الواجب حتى المتأخرة لكن بنية أنها زيادة في الطواف، ضرورة كون الحرمة في الجميع للتشريع، وخبر طلحة (1) الآتي إنما هو في غير الفرض كما ستعرف إن شاء الله، اللهم إلا ان يريد حرمة الزيادة في الفريضة وإن لم تكن على جهة التشريع، وكراهتها في النافلة أو أن المراد من الزيادة في النافلة خصوص القران الذي صرح في النافع بكراهته في طواف النافلة بمعنى عدم الفصل بين الطوافين مثلا بالصلاة كما صرح به غير واحد، بل في محكي التنقيح نفي الخلاف بل هو المراد مما عن النهاية والاقتصاد والتهذيب والاستبصار من أن الافضل تركه لقول ابي جعفر عليه السلام في خبر زرارة (2) المروي في مستطرفات السرائر عن كتاب حريز " لا قران بين اسبوعين في فريضة ونافلة " وإطلاق خبر البزنطي (3) " سأل رجل أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يطوف الاسباع جمعا فيقرن فقال: لا إلا الاسبوع وركعتان، وإنما قرن أبو الحسن عليه السلام لانه كان يطوف مع محمد بن إبراهيم لحال التقية " وقوله عليه السلام في خبر على بن ابي حمزة (4) " لا تقرن بين اسبوعين " المحمول على إرادة الكراهة من النهي فيه ولو لنفي الخلاف في الجواز الذي سمعته من التنقيح الذي يشهد له التتبع، مضافا إلى قول الصادق


(1) الوسائل الباب 37 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 36 من ابواب الطواف الحديث 14 - 7 - 3

[ 311 ]

عليه السلام في صحيح زرارة (1): " إنما يكره أن يجمع الرجل بين الاسبوعين والطوافين في الفريضة، فاما في النافلة فلا بأس " وفي خبر عمر بن يزيد (2) " إنما يكره القران في الفريضة، فاما النافلة فلا وانه ما به بأس " بناء على إرادة الحرمة من الكراهة المزبورة ليتجه نفي البأس عنه في النافلة الظاهر في عدمها فيها بقرينة المقابلة، مع أن الكراهة مجمع عليها، وخبر زرارة (3) " ربما طفت مع أبي جعفر عليه السلام وهو ممسك بيدي الطوافين والثلاثة ثم ينصرف ويصلي الركعات ستا " وخبره الآخر (4) " طفت مع أبي جعفر (عليه السلام) ثلاثة عشر اسبوعا قرنها جميعا وهو آخذ بيدي ثم خرج فتنحى ناحية فصلى ستا وعشرين ركعة وصليت معه " وخبر علي بن جعفر (5) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه موسى (عليه السلام) " عن الرجل يطوف السبوع والسبوعين فلا يصلي ركعتين حتى يبدو له أن يطوف اسبوعا آخر هل يصلح ذلك ؟ قال: لا يصلح ذلك حتى يصلي ركعتي السبوع الاول ثم يطوف ما أحب " وخبره الآخر (6) عنه (عليه السلام) ايضا " سألته عن الرجل هل يصلح له أن يطوف طوافين والثلاثة ولا يفرق بينهما بالصلاة حتى يصلى لها جميعا قال: لا بأس غير أنه يسلم في كل ركعتين " ونحوه خبراه الآخران (7) عنه (عليه السلام) ايضا المشتملان على رؤيته كذلك، وغير ذلك من النصوص الدالة على الجواز والكراهة المحمولة بقراين عديدة على إرادة النافلة. ومنه مضافا إلى النصوص السابقة يظهر الوجه في عدم جوازه في الفريضة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 36 من ابواب الطواف الحديث 1 - 4 - 2 - 5 - 8 - 9 (7) الوسائل الباب 36 من ابواب الطواف الحديث 10 و 11

[ 312 ]

كما عن النهاية والمبسوط والتهذيب والجمل والعقود والمهذب والجامع، بل عن التذكرة نسبته إلى أكثر علمائنا، خلافا لما عن الاقتصاد والدروس والمختلف من الكراهة للاصل المقطوع بما عرفت، وللخبرين المزبورين اللذين قد عرفت إرادة الحرمة من الكراهة فيهما، وإلا لكانت منفية عنه في النافلة، والاجماع على خلافه، بل ربما قيل إنه لولا ذلك لكان المنع عنه فيها كالفريضة في غاية القوة، لما سمعته عن النهي عنه في النصوص السابقة الذي يقصر الخبران المزبوران عن صرفه عن ظاهره، خصوصا بعد قوة احتمال التقية فيهما كما سمعت الاشارة إليه في خبر البزنطي، ونحوه خبر علي بن ابي حمزة (1) " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يطوف ويقرن بين اسبوعين فقال: إن شئت رويت لك عن أهل مكة فقال: قلت له: والله مالي في ذلك حاجة جعلت فداك، ولكن ارو لي ما ادين الله عزوجل به، فقال: لا تقرن بين اسبوعين، كلما طفت اسبوعا فصل ركعتين " وإن كان هو خاليا عن الثمرة بعد ما عرفت من الاجماع وغيره مما يقتضي إرادة الاعم من الكراهة والحرمة من ذلك ونحوه، بل في النافع والتنقيح البطلان معها في الفريضة على الاشهر، قال في الاول: " والقران مبطل في الفريضة على الاشهر ومكروه في النافلة " وإن كنا لم نتحقق ذلك بل في الرياض " انا لم نقف على نص ولا فتوى تتضمن الحكم بالابطال، وإنما غايتها النهي عن القران الذي غايته التحريم، وهو لا يستلزم بطلان الطواف الاول إذا كان فريضة أو بطلانهما معا كما هو ظاهر العبارة وغيرها لتعلق النهي بخارج العبادة، لعدم صدق القران إلا بالاتيان بالطواف الثاني، فهو المنهي عنه لا هما


(1) الوسائل الباب 36 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 313 ]

معا أو الاول كما هو ظاهر القوم، نعم لو أريد بالباطل الطواف الثاني اتجه، لتعلق النهي بنفس العبادة حينئذ، ويدل على البطلان حينئذ زيادة على ذلك الاخبار (1) الدالة على فورية صلاة الطواف وانها تجب ساعة الفراغ منه لا تؤخر بناء على ما قررناه في الاصول من استحالة الامر بشيئين متضادين في وقت مضيق ولو لاحدهما " قلت: قد يناقش بعد الاغضاء عما ذكره أخيرا الذي هو مع أنه غير تام في نفسه كما حققناه في محله لا يتم في حال الغفلة والنسيان للصلاة، لصدق اسم القران عليها معا، والنهي في العبادة وإن كان لخارج ظاهر في الفساد كما هو واضح، وحينئذ يتجه البطلان فيهما. ومن الغريب ما في كشف اللثام من حمل عبارة النافع على إرادة الزيادة على السبعة شوطا أو أزيد على نية الدخول في ذلك الطواف لا استئناف آخر فانه المبطل، وقد أطلق على هذا المعنى في التذكرة والمنتهى وخلط فيهما بينه وبين المعنى الاول، ففي المنتهى " لا يجوز الزيادة على سبعة أشواط في الطواف الفريضة، فلو طاف ثمانية عمدا أعاد، وإن كان سهوا استحب له أن يتم أربعة عشر شوطا، وبالجملة القران في طواف الفريضة لا يجوز عند أكثر علمائنا " ثم استدل بأنه صلى الله عليه وآله لم يفعله فلا يجوز لقوله صلى الله عليه وآله (2) " خذوا عني مناسككم " وبأنها فريضة ذات عدد فلا يجوز الزيادة عليها كالصلاة، ولما مر من قول الصادق عليه السلام في خبر ابي بصير (3) " فمن طاف ثمانية يعيد حتى يستنمه " ثم قال ويدل على المنع من القران وذكر خبري البزنطي (4) وعلي بن ابي حمزة (5)


(1) الوسائل الباب 76 من ابواب الطواف (2) تيسير الوصول ج 1 ص 312 (3) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 1 (4) و (5) الوسائل الباب 36 من ابواب الطواف الحديث 3 7

[ 314 ]

ثم قال عليه السلام في فروع المسألة: " هل القران في طواف الفريضة محرم أم لا ؟ قال الشيخ: لا يجوز، وهو كما يحتمل التحريم يحتمل الكراهة، لكنه احتمال بعيد، وقال ابن إدريس: إنه مكروه شديد الكراهة، وقد يعبر عن مثل هذا بقولنا " لا يجوز " وكلام الشيخ في الاستبصار يعطي الكراهة، وفي التذكرة لا يجوز القران في طواف الفريضة عند أكثر علمائنا، لان النبي صلى الله عليه وآله لم يفعله فلا يجوز فعله لقوله صلى الله عليه وآله " خذوا " ولانها فريضة ذات عدد فلا يجوز الزيادة عليه كالصلاة، ولان الكاظم عليه السلام " سئل عن الرجل يطوف يقرن بين أسبوعين فقال: كلما طفت أسبوعا فصل ركعتين " وذلك كله كما ترى لا شهادة فيه على ما ذكره من التأويل، بل أقصاه المناقشة في الادلة على عنوان القران، وعلى كل حال فان فعل القران في النافلة استحب له الانصراف على الوتر فيقرن بين ثلاثة أو خمسة أو سبعة كما صرح به الفاضل والشيخ ويحيى بن سعيد، بل عن الفاضل كراهة الانصراف على شفع لخبر طلحة بن زيد (1) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) " أنه كان يكره أن ينصرف في الطواف إلا على وتر من طوافه " والله العالم. المسألة (الثانية) قدم تقدم أن (الطهارة) من الحدث (شرط في الواجب دون الندب حتى انه يجوز ابتداء المندوب مع عدم الطهارة وإن كانت الطهارة أفضل) لكن لا يصلي بدونها، فلاحظ وتأمل. المسألة (الثالثة) المشهور انه (يجب أن يصلي ركعتي الطواف) الواجب (في المقام) للتأسي والآية (2) والمستفيض من النصوص (3) أو


(1) الوسائل الباب 37 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) سورة البقرة الآية 119 (3) الوسائل الباب 71 و 72 من ابواب الطواف

[ 315 ]

المتواتر أو المقطوع بمضمونه، والمراد به (حيث هو الآن) لا حيث كان على عهد إبراهيم عليه السلام ثم على عهد النبي صلى الله عليه وآله على ما سمعته في بعض الاخبار، لصحيح ابن ابراهيم بن أبي محمود (1) سأل الرضا عليه السلام " أصلى ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة أو حيث كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حيث هو الساعة " ولانه المفهوم من غيره من النصوص المتضمنة للصلاة فيه، كمرسل صفوان الذي هو من اصحاب الاجماع عن الصادق عليه السلام " ليس لاحد أن يصلي ركعتي طواف الفريضة إلا خلف المقام، لقول الله عز وجل " واتخذوا " الآية، فان صلاهما في غيره أعاد الصلاة " وخبر عبد الله بن مسكان (3) الذي هو من أصحاب الاجماع ايضا عن ابي عبد الله الابزاري عن الصادق عليه السلام سأله " عمن نسي فصلى ركعتي طواف الفريضة في الحجر قال: يعيدهما خلف المقام، لان الله يقول: " واتخذوا " الآية يعني ركعتي طواف الفريضة " وصحيح الحلبي (4) عنه عليه السلام ايضا " إنما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد، ليس بافضل منه إلا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وصلاة ركعتين خلف المقام " الخبر، وصحيح ابن مسلم (5) عن احدهما (عليهما السلام) المتقدم آنفا المشتمل على قوله: عليه السلام " يرجع إلى المقام فيصلي ركعتين " وحسن معاوية بن عمار (6) عن الصادق عليه السلام المتقدم ايضا " إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم عليه السلام فصل ركعتين واجعله أماما " الخبر


(1) و (6) الوسائل الباب 71 من ابواب الطواف الحديث 1 - 3 (2) و (3) الوسائل الباب 72 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2 (4) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 6 (5) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 5

[ 316 ]

(و) غير ذلك من النصوص الدالة على أنه (لا يجوز في غيره). خلافا لما عن الخلاف من جواز فعلهما في غيره، بل عنه نفي الخلاف عن إجزاء الصلاة في غيره وعدم وجوب الاعادة، وما عن الصدوقين من جواز صلاتهما في خصوص طواف النساء في سائر مواضع المسجد، وإن كنا لم نعثر على ما يدل على الفرق بينه وبين غيره كما اعترف به في كشف اللثام، قال: " إلا رواية عن الرضا عليه السلام " والظاهر إرادته ما عن الفقه المنسوب (1) إلى الرضا عليه السلام حيث قال بعد ذكر المواضع التي يستحب الصلاة فيها وترتيبها في الفضل ما صورته " وما قرب من البيت فهو أفضل إلا أنه لا يجوز أن يصلي ركعتي طواف الحج والعمرة الا خلف المقام حيث هو الساعة، ولا بأس بان تصلى ركعتين لطواف النساء وغيره حيث شئت من المسجد الحرام " إلا أنه مع عدم ثبوت نسبته عندنا لا يصلح مخصصا للنصوص المزبورة. نعم قد يستدل للاول بالاصل بعد عدم نصوصية الآية فيه، لانها إن كانت من قبيل اتخاذ الخاتم من الفضة كما هو الظاهر أو كانت " من " فيها بمعنى " في " لزم أن يراد بالمقام المسجد أو الحرم، وإلا وجب فعل الصلاة على الحجر نفسه، وإن أريد الاتصال والقرب وبالمقام الصخرة فالمسجد كله بقربه، وإن وجب الاقرب فالاقرب لزم أن يكون الواجب في عهده صلى الله عليه وآله عند الكعبة لكون المقام عندها، وكذا عند ظهور القائم عليه السلام، وكذا كلما نقل إلى مكان وجبت الصلاة فيه، ولعله لا قائل به، وفيه أنه بعد تسليمه لا ينافي الظهور الذي عليه المدار في إثبات المطلوب، خصوصا بعد ما ورد في (من خ) نزول


(1) ذكر قطعة منه في المستدرك في الباب 46 من ابواب الطواف الحديث 1، والباب 48 منها الحديث 1 وتمامه في فقه الرضا عليه السلام ص 28

[ 317 ]

الآية عند فعلهما الذي هو كالتفسير لها وما ورد من الاستدلال بها في النصوص (1) مضافا إلى قاعدة الانتقال إلى أقرب المجازاة مع تعذر الحقيقة، وإمكان منع عدم القائل به بعد عدم تعرض أحد له وغير ذلك، وإطلاق بعض النصوص السابقة فعلهما في مكانه الذي قد عرفت المراد به مع اختصاصه بالناسي، وحمل غيره عليه قياس يقتضي جواز فعلهما حينئذ اختيارا في غير المسجد، ولا يقول به الخصم، وإشعار لفظ " لا ينبغي " في خبر زرارة (2) الآتي الذي يراد منه الحرمة ولو بقرينة ما سمعته من النصوص والفتاوى كما ترى، ونفي الخلاف في الخلاف عن الاجزاء مع كونه موهونا بما سمعت معارض بهما ايضا مع رجحانهما عليه من وجوه، وعلى كل حال فلا ريب في ضعف القول المزبور بعد ما سمعت من النصوص والفتاوى. إنما الكلام فيما سمعته من المصنف متمما له بقوله: (فان منعه زحام صلى وراءه أو إلى أحد جانبيه) مع أن الموجود في النصوص (3) الصلاة عند المقام وخلفه وجعله أماما، بل مقتضى تحكيم الثاني على إطلاق الاول يعين كونها خلفه كما عن الصدوقين وأبي علي والشيخ في المصباح ومختصره والقاضي في المهذب، بل في الدروس معظم الاخبار وكلام الاصحاب ليس فيهما الصلاة في المقام بل عنده أو خلفه، وعن الصادق عليه السلام (4) " ليس لاحد أن يصليهما إلا خلف


(1) الوسائل الباب 74 من ابواب الطواف الحديث 10 و 15 و 16 و 19 و 20 (2) الوسائل الباب 73 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) الوسائل الباب 71 و 72 و 74 من ابواب الطواف (4) الوسائل الباب 72 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 318 ]

المقام " واما تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام فهو مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، إذ القطع بان الصخرة التي فيها أثر قدمي ابراهيم عليه السلام لا يصلى عليها، ولا خلاف في عدم جواز التقدم عليها، والمنع من استدبارها، ومنه يعلم النظر فيما في كشف اللثام من أنه لا بأس عندي بارادة نفس الصخرة، وحقيقة الظرفية بمعنى أنه إن أمكن الصلاة على نفسها فعل لظاهر الآية، فان لم يمكن كما هو الواقع في هذه الازمنة صلى خلفه أو إلى جانبيه، مضافا إلى عدم وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وغيره، بل قد سمعت أن الواقع خلافه من الصلاة خلفه وجعله أماما وأنه صلى الله عليه وآله قرأ الآية بعد أن فعل مشيرا بذلك إلى كونه المراد منها، كما أن المحكي عن ابراهيم عليه السلام أنه جعله بعد وقوع الآية من الله تعالى في الصخرة قبلة لصلاته. وعلى كل حال فقد عبر بايقاع الركعتين في المقام في النهاية والمبسوط والوسيلة والمراسم والسرائر والنافع والقواعد والتذكرة والتحرير والتبصرة والارشاد والمنتهى، ولعل المراد عنده كما في جملة من النصوص (1) ومحكي التهذيب والاقتصاد والجمل والعقود وجمل العلم والعمل وشرحه والجامع، ويشهد له ما عن المنتهى والتذكرة من الاستدلال على الصلاة فيه بنصوص " عنده " و " خلفه " لكن قد يشكل ذلك في عبارة المصنف والفاضل ونحوهما مما اشترط فيه الصلاة خلفه أو أحد جانبيه بالزحام، وكذا عن الوسيلة، لكن فيها أو بحذائه نحو ما عن النهاية والمبسوط والسرائر والنافع أو بحياله، وفي النافع وعن التهذيب إن زوحم صلى حياله، وعن الاقتصاد يصلي عند المقام أو حيث يقرب منه،


(1) الوسائل الباب 73 من ابواب الطواف الحديث 1 والباب 74 منها الحديث 6 و 7 و 16.

[ 319 ]

وبالجملة لا وجه لاشتراط الصلاة خلفه بذلك ضرورة جوازه اختيارا، بل مقتضي الجمع بين النصوص تعينه كما عرفت، اللهم إلا أن يريدوا التباعد الذي يخرج عن مصداق عنده كما يؤمي إليه استدلالهم على ذلك بخبر الحسين بن عثمان (1) الصحيح في الكافي والضعيف في التهذيب " رأيت ابا الحسن موسى عليه السلام يصلي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريبا من ظلال المسجد " وفي التهذيب " قريبا من الظلال لكثرة الناس " واما احتمال كون المراد بالمقام في كلام من عرفت البناء الموجود الآن الذي كاد يكون حقيقة عرفية باعتبار اشتماله عليه فهو مع بعده عن النصوص خصوصا صحيح ابراهيم بن ابي محمود (2) السابق منها وإن صحح الظرفية المكانية لكنه لا يصحح الشرطية المزبورة إلا على التأويل المذكور، كل ذلك مع انه لم نقف على ما يدل على الصلاة في احد جانبيه في حال التباعد، ولعله لذا قال في النافع ومحكي التهذيب ما سمعت، بل قد سمعت ان مقتضى الجمع بين إطلاق الآية ونصوص " عنده " وبين نصوص الخلف تعين الخلف في حال الاختيار ايضا فضلا عن حال الاضطرار الخارج عن مصداق " عنده " والاتخاذ منه مصلى المراد بمن فيه إما الاتصالية أو الابتدائية، على معنى ابتداء المصلي منه أو اتخاذه منه بكونه بحياله، أو ان المراد منه نحو قولهم اتخذت من فلان صديقا ناصحا، ووهب الله لي من فلان أخا مشفقا، فان الصلاة إلى احد الجانبين، في حال التباعد خارج عن ذلك كله، وأما الخلف فلما سمعته من الصحيح المزبور، على انه ينبغي ذلك بما إذا ضاق الوقت، وإلا فالمتجه وجوب الانتظار، وفعل


(1) الوسائل الباب 75 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 71 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 320 ]

ابي الحسن (عليه السلام) لا إطلاق فيه، وبذلك كله اتضح لك ان الاولى والاحوط الصلاة خلفه سواء كان هو الصخرة أو البناء في حال الاختيار والاضطرار مراعيا ضيق الوقت في الثاني الخارج عن صدق اسم عند. هذا كله في طواف الفريضة، واما النافلة فيجوز إيقاعهما فيها في المسجد حيث شاء كما نص عليه غير واحد، بل لم اجد فيه خلافا صريحا نصا وفتوى للاصل والنصوص، منها قول احدهما (عليهما السلام) في خبر زرارة (1): " لا ينبغي ان يصلي ركعتي طواف الفريضة إلا عند مقام ابراهيم (عليه السلام) وأما التطوع فحيث شئت من المسجد " ومنها قول الباقر (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار (2): " من طاف بهذا البيت اسبوعا وصلى ركعتين في اي جوانب المسجد شاء كتب الله له ستة آلاف حسنة " المراد به النافلة، بل ظاهر المروي (3) عن قرب الاسناد منها " عن الرجل يطوف بعد الفجر فيصلي الركعتين خارج المسجد قال: يصلي بمكة لا يخرج منها إلا أن ينسى فيصلي إذا رجع في المسجد اي ساعة احب ركعتي ذلك الطواف " جواز صلاة الركعتين خارج المسجد بمكة على الاطلاق، ولم أر مفتيا به، فالعمل به مشكل ولو صح سنده لقصوره عن معارضة غيره مما دل على صلاتهما فيه، والله العالم. المسألة (الرابعة من طاف) وعلى بدنه نجاسة أو (في ثوب نجس مع العلم) بها وبالحكم (لم يصح طوافه) بلا خلاف بين القائلين بالشرطية، بل ولا إشكال، ضرورة اقتضاء النهي في العبادة الفساد، فيعيد الطواف حينئذ بعد


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 73 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2 - 4

[ 321 ]

إزالة النجاسة كالصلاة المشبهة بها الطواف (وإن لم يعلم) بها ابتداء (فعلم في أثناء طوافه أزاله) أي الثوب مع وجود ساتر غيره أو أزال نجاسته، وعلى كل حال فالمراد رفع النجاسة (وتمم) طوافه كما صرح به غير واحد، ولعله لاطلاق المرسل (1) " رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه فقال: أجزأه الطواف ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر " وخبر يونس ابن يعقوب (2) سأل الصادق عليه السلام " عن الرجل يرى في ثوبه الدم وهو في الطواف قال: ينظر الموضع الذي يرى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتم طوافه " المؤيد بخبر حبيب بن مظاهر (3) قال: " ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطا فإذا انسان قد أصاب أنفي فأدماه فخرجت فغسلت ثم جئت فابتدأت الطواف فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: بئسما صنعت، كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت، أما انه ليس عليك شئ " فانه وإن لم يكن في الجاهل بها إلا أنه مثله في اختصاص التكليف بحال العلم بناء على ما ستعرف، وبقاعدة الاجزاء فيما وقع حال عدم العلم بعد عدم ثبوت الشرطية في أزيد من حال العلم، كعدم ثبوت البطلان بالفصل المزبور، بل مقتضى الاطلاقات الصحة مضافا إلى الخبرين المزبورين، بل مقتضى إطلاق الاول منهما عدم الفرق بين ما لو علم بالنجاسة قبل الشروع فيه ثم نسيها أو لا، ضاق الوقت أو لا، مؤيدا برفع النسيان عن الامة، وباصالة البراءة وغير ذلك، بل عن الفاضل في التذكرة الاقتصار على صورة النسيان، بل في الرياض أن إطلاقها كالعبارة وغيرها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق بين ما لو توقفت الازالة على فعل يستدعي قطع الطواف وعدمه


(1) و (2) الوسائل الباب 52 من ابواب الطواف الحديث 3 - 2 (3) الوسائل - الباب 41 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 322 ]

ولا بين أن يقع العلم بعد تجاوز النصف أو قبله، وهو نص الاخير. خلافا للشهيدين فجزما بوجوب الاستئناف إن توقفت الازالة على فعل يستدعي قطع الطواف ولما يكمل أربعة أشواط، نظرا إلى ثبوت ذلك مع الحدث في أثناء الطواف، والحكم في المسألتين واحد، وفيه نظر، والاجود الاستدلال بعموم ما دل (1) على أن قطع الطواف قبل تجاوز الاربعة يوجب الاستئناف كما سيأتي، ولا معارض له صريحا سوى الخبر الاخير، وهو قاصر سندا فيشكل تخصيصه به، وكذا الخبران الاولان، مضافا إلى عدم صراحتهما واحتمالهما التقييد بصورة التجاوز، كما يمكن تقييد ذلك العموم بغير موردهما، وبالجملة فان التعارض بينهما من وجه، والاقوى تقييد هذين بذلك لقصور السند، لكن يمكن جبر القصور بعمل المشهور بالموافقة للاصل، فان الاصل بقاء صحة ما فعل وعدم وجوب الاستئناف مع تأمل ما في ذلك العموم، فانما غايته الاطلاق الغير المتبادر منه محل النزاع، ولعل هذا أظهر، سيما مع اعتضاده بصريح ما مر من الخبر المعتبر، فتدبر، قلت: لا يخفى عليك أن الخبرين المزبورين لم يدلا إلا على عدم قدح تخلل مقدار زوال النجاسة ثم العود للطواف في فوات الموالاة، بل لا دلالة في شئ منهما على عدم البأس حتى لو كان في أيام فضلا عن وقوع الحدث أو نحوه مما ستعرفه إن شاء الله في مسألة التجاوز، ولذا أطلق المصنف وغيره الحكم هنا


(1) الوسائل الباب 40 و 41 و 45 من ابواب الطواف إلا أنه لا يستفاد من الروايات وجوب الاعادة بالقطع قبل تجاوز الاربعة والموجود فيها هو الاعادة بالقطع قبل النصف أو القطع على ثلاثة أشواط وانه إذا طاف اربعا يبني عليه

[ 323 ]

من غير إشارة إلى تلك المسألة، ومن الغريب دعوى أن عمل المشهور كذلك، فالتحقيق الاقتصار فيما نحن فيه على عدم قدح تخلل إزالة النجاسة أو نزع الثوب النجس ونحو ذلك على حسب ما هو متعارف ومعتاد في نحو ذلك أما إذا احتيج مع ذلك إلى حال ينقطع به الطواف خارج عن المعتاد فحكمه ما تسمعه ان شاء الله من التفصيل الاتي، ومن جميع ما ذكرناه يعلم النظر فيما في الدروس، قال: " ولو طاف في ثوب نجس أو على بدنه نجاسة أعاد مع التعمد أو النسيان ولو لم يعلم حتى فرغ صح، ولو علم في الاثناء أزالها وأتم إن بلغ الاربعة، وإلا استأنف ". (و) كيف كان ف‍ (لو لم يعلم) بالنجاسة (حتى فرغ كان طوافه ماضيا) بلا خلاف أجده فيه، بل ولا إشكال لما سمعته من القاعدة، مضافا إلى كونه كالصلاة التي قد عرفت أن حكمها كذلك على الاصح، ولا ينافي ذلك الاختلاف بينهما في صورة النسيان التي قد يشك في شمول التشبيه لها مع اقتضاء إطلاق الدليل ذلك، على أن الاحوط ايضا اعتبار المساواة فيها، والى مرسل البزنطي (1) انه سأل الصادق عليه السلام " عن رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه فقال: أجزأه الطواف فيه ثم ينزعه ويصلي في ثوب طاهر " المنزل على حال الجهل بها، لما سمعته في العامد، أما جاهل الحكم فالحقه بعضهم بجاهل الموضوع، لكنه لا يخلو من نظر، وإن كان قد يقال بشمول المرسل المزبور له، مضافا إلى إمكان استفادة اصالة معذورية الجاهل بالحكم في الحج كالناسي، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه. المسألة (الخامسة يجوز أن يصلي ركعتي طواف الفريضة ولو في الاوقات


(1) الوسائل الباب 52 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 324 ]

التي تكره لابتداء النوافل) بلا خلاف ولا إشكال، لاطلاق الادلة، وخصوص قول الصادق عليه السلام في صحيح ابن عمار (1) السابق: " وهاتان الركعتان هما الفريضة، ليس يكره أن تصليهما في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولا تؤخرهما ساعة تطوف وتفرغ، فصلهما " وقول أبي جعفر عليه السلام في صحيح زرارة (2) " أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك متى ذكرتها أديتها، وصلاة ركعتي طواف الفريضة، وصلاة الكسوف، والصلاة على الميت " وحسن رفاعة (3) سأل الصادق عليه السلام " عن الرجل يطوف الطواف الواجب بعد العصر أيصلي ركعتين حين يفرغ من طوافه ؟ قال: نعم، ما بلغك قول رسول الله صلى الله عليه وآله يا بني عبد المطلب لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر فتمنعوهم من الطواف " وحينئذ فما في صحيح ابن مسلم (4) " سألت أبا جعفر عليه السلام عن ركعتي طواف الفريضة فقال: وقتها إذا فرغت من طوافك، واكرهه عند اصفرار الشمس وعند طلوعها " وصحيحه الآخر (5) سأل أحدهما (عليهما السلام) " عن الرجل يدخل مكة بعد الغداة أو بعد العصر قال: يطوف ويصلي الركعتين ما لم يكن عند طلوع الشمس أو عند احمرارها " محمول على التقية، فلا ينافيه ما في الموثق (6) كالصحيح " ما رأيت الناس أخذوا عن الحسن والحسين (عليهما السلام) إلا الصلاة بعد العصر وبعد الغداة في طواف الفريضة " لظهوره في موافقة العامة لنا في هذه المسألة اقتداء بهما (عليهما السلام) إذ يمكن الجواب


(1) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 76 من ابواب الطواف الحديث 3 - 2 - 7 - 8 - 4 (2) الوسائل الباب 39 من ابواب المواقيت الحديث 1 من كتاب الصلاة

[ 325 ]

عن ذلك بامكان الفرق بين فعلهم وفعلنا المحمول عندهم على الجواز مطلقا أو على غير ذلك كما أشار إليه الرضا عليه السلام في الصحيح (1) الآتي، بل يمكن حمل الثاني منهما على طواف النافلة الذي قد يظهر من المصنف وغيره كراهة صلاة ركعتيه في الاوقات المزبورة، بل عن الشيخ وغيره التصريح به وإن كانت هي من ذوات الاسباب التي لا يكره فعلها في الاوقات المزبورة بخلاف المبتدأة، لكن لعله هنا لصحيح ابن بزيع (2) " سألت الرضا عليه السلام عن صلاة طواف التطوع بعد العصر فقال: لا، فذكرت له قول بعض آبائه (عليهم السلام): إن الناس لم يأخذوا عن الحسن والحسين (عليهما السلام) إلا الصلاة بعد العصر بمكة فقال نعم، ولكن إذا رأيت الناس يقبلون إلى شئ فاجتنبه، فقلت: إن هؤلاء يفعلون فقال: لستم مثلهم " واما خبر ابن يقطين (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الذي يطوف بعد الغداة أو بعد العصر وهو في وقت الصلاة أيصلي ركعات الطواف نافلة كانت أو فريضة ؟ قال: لا " فيمكن ان يكون الوجه فيه أن المفروض فيه حضور وقت الفريضة التي هي اولى بالتقديم، بل يجب تقديمها على ركعتي طواف النافلة بناء على عدم جواز التطوع وقت الفريضة، بل يمكن حمل الصحيح المزبور على ضيق وقت الحاضرة، بل عن الشيخ أن الوجه فيه ما تضمنه من انه كان وقت صلاة فريضة فلم يجز له ان يصلي ركعتي الطواف إلا بعد ان يفرغ من الفريضة الحاضرة، وظاهره وجوب تقديم الفريضة الحاضرة على ركعتي الطواف الفريضة ولو مع اتساع الوقت، وفيه منع، ضرورة ان الاصل يقتضي التخيير بينهما كما عن الفاضل التصريح به، لانهما واجبان موسعان، فلا


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 76 من ابواب الطواف الحديث 10 - 10 - 11

[ 326 ]

وجه لترجيح أحدهما على الآخر، بل إن قلنا بفورية صلاة الطواف كما يشعر به بعض النصوص اتجه حينئذ تقديمها على الفريضة، كما هو واضح، والله العالم. المسألة (السادسة من نقص من طوافه) ولو عمدا في فريضة شوطا أو اقل أو ازيد اتمه لصدق الامتثال إن كان في المطاف ولم يفعل المنافي الذي منه طول الفصل المفوت للموالاة، بناء على اعتبارها كما هو المشهور، بل في الرياض نسبته إلى ظاهر الاصحاب للانسياق، ولانه المتيقن في البراءة: والمعهود من فعل النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام والصحابة والتابعين وغيرهم، ولانه كالصلاة المعلوم اعتبار ذلك فيها، وإن انصرف عن المطاف أو حصل المنافي من حدث ونحوه وكان النقصان سهوا (فان جاوز النصف) اي طاف اربعة اشواط كما فسره به في المسالك وحاشية الكركي، بل جعلا المراد بالمجاوز ذلك، وربما يشهد له ما تسمعه من خبر اسحاق بن عمار (1) الذي به يقيد إطلاق غيره، وعلى كل حال فمتى كان كذلك (رجع فاتم، ولو عاد إلى اهله امر من يطوف عنه) ما بقي عليه (وإن كان دون ذلك) اي من النصف أو قبل تمام الاربع (استأنف) مع الامكان، وإلا استناب كما في النافع والقواعد وغيرهما ومحكي المقنعة والمراسم والمبسوط والكافي والغنية والنهاية والوسيلة والسرائر والجامع، نعم ليس في الاول كالمتن التصريح بالنسيان، كما انه ليس فيهما ايضا اعتبار الاربعة اشواط بل اقتصرا على الاكثر من النصف والاقل، بخلاف الاربعة المتأخرة التي صرح فيها بذلك، بل يمكن إرجاع غيرها إليها، وصرح فيها ايضا كالمتن وحكي المبسوط بالاستنابة إذا رجع إلى اهله. وعلى كل حال فالتفصيل المزبور هو المشهور، بل في الرياض " لا يكاد


(1) الوسائل الباب 45 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 327 ]

يظهر فيه الخلاف إلا من جمع ممن تأخر حيث قالوا لم نظفر بمستند لهذا التفصيل بل الموجود في محكي التهذيب والتحرير والتذكرة والمنتهى ان من طاف ستة اشواط وانصرف فليضف إليها ولا شئ عليه، فان لم يذكر حتى يرجع إلى اهله استناب، وإن ذكر في السعي انه طاف بالبيت اقل من سبعة فليقطع السعي وليتم الطواف ثم ليرجع فليتم السعي كما تسمع الخبر (1) الدال عليه، أما الاول فالصحيح عن الحسن بن عطية (2): " سأله سليمان بن خالد وانا معه عن رجل طاف بالبيت ستة اشواط فقال أبو عبد الله عليه السلام: وكيف طاف ستة أشواط ؟ قال: استقبل الحجر وقال: الله اكبر وعقد واحد، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يطوف شوطا، فقال سليمان: فان فاته ذلك حتى اتى اهله قال يأمر من يطوف عنه " وصحيح الحلبي (3) عنه عليه السلام ايضا " قلت: رجل طاف بالبيت واختصر شوطا واحدا في الحجر قال: يعيد ذلك الشوط " بل ظاهر الخبر الاول كالفتاوى عدم الفرق في الاستنابة بين من تمكن من الرجوع والقضاء بنفسه وغيره، ويأتي مثله فيمن نسي الطواف رأسا حتى رجع إلى اهله، وحينئذ فيتجه البناء في الصورة المخصوصة دون غيرها، لفوات الموالاة. قلت: يمكن ان يكون مستند التفصيل المزبور فحوى ما تسمعه من النصوص (4) في مسألة عروض الحدث في الاثناء، بل قد تقدم في بحث أن الحائض والنفساء إذا منعهما عذرهما عن إتمام العمرة يعدلان إلى الافراد والقران من النصوص ما هو مشتمل على التعليل الشامل للمقام، ففي خبر ابراهيم بن


(1) و (2) الوسائل الباب 32 من ابواب الطواف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 31 من ابواب الطواف الحديث 1 (4) الوسائل الباب 40 و 85 من ابواب الطواف

[ 328 ]

اسحاق (1) عمن سأل ابا عبد الله عليه السلام " عن امرأة طافت بالبيت اربعة اشواط وهي معتمرة ثم طمثت قال: تتم طوافها فليس عليها غيره، ومتعتها تامة، فلها ان ان تطوف بين الصفا والمروة وذلك لانها زادت على النصف، وقد مضت متعتها، ولتستأنف بعد الحج " وخصوص المورد لا يقدح في عموم التعليل المؤيد بما سمعت وفحوى ما تسمعه في المريض وغيره مما هو ظاهر في كون المدار في صحة الطواف تجاوز النصف وعدمه، مضافا إلى فتوى الاصحاب. (وكذا) التفصيل المزبور في (من قطع طواف الفريضة لدخول البيت أو للسعي في حاجة) كما في القواعد ومحكي النهاية والمبسوط والتهذيب والسرائر والجامع مع زيادة دخول الحجر في الاخير، كما ان في الاربعة السابقة عليه تعميم الحاجة له ولغيره نحو ما عن المهذب لغرض من دخول البيت أو غيره، وفي النافع لحاجة أو مرض في اثنائه كما عن النهاية والمبسوط ايضا، وإن كنا لم نعثر في الاول إلا على نصوص الاستئناف، كصحيح الحلبي (2) سأل الصادق (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثلاثة اشواط ثم وجد من البيت خلوة فدخله قال: يقضي طوافه وخالف السنة فليعد " وخبر حفص بن البختري (3) عنه (عليه السلام) " فيمن كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فدخلها قال يستقبل طوافه " ومن هنا امكن أو يقال بالاستئناف مطلقا فيه بناء على ما تسمعه إن شاء الله في العامد لا لعذر ولا لحاجة، إذ دعوى ان ذلك من الاغراض والحوائج التي تندرج فيما تسمعه من النصوص يمكن منعها، كدعوى ان المدار


(1) الوسائل الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 4 (2) و (3) الوسائل الباب 41 من ابواب الطواف الحديث 9 - 1

[ 329 ]

في البناء وعدمه على تجاوز النصف وعدمه وإن كان علما عامدا كما عن المفيد والديلمي، فان النصوص المزبورة حتى التعليل بناء على انسياقه لغير ذلك وحتى نصوص الاستراحة (1) لا تشمله، فيبقى على مقتضى ما دل على اعتبار الموالاة نعم ورد في الحاجة نصوص، منها صحيح أبان بن تغلب (2) عن الصادق عليه السلام " في رجل طاف شوطا أو شوطين ثم خرج مع رجل في حاجة قال: " إن كان طواف نافلة بنى عليه، وإن كان طواف فريضة لم يبن " ومنها خبره (3) ايضا قال: " كنت مع ابي عبد الله عليه السلام في الطواف فجاء رجل من أخوالى فسألني ان أمشي معه في حاجة ففطن بي أبو عبد الله عليه السلام فقال يا أبان: من هذا الرجل ؟ قلت: رجل من مواليك سألني أن أذهب معه في حاجة، فقال: يا أبان اقطع طوافك وانطلق معه في حاجة فاقضها له، فقلت: اني لم اتم طوافي قال: أحص ما طفت وانطلق معه في حاجته، فقلت: وإن كان طواف فريضة فقال: نعم وإن كان طواف فريضة " ومنها خبر أبي الفرج (4) قال: " طفت مع ابي عبد الله عليه السلام خمسة أشواط ثم قلت: اني أريد ان اعود مريضا فقال: احفظ مكانك ثم اذهب فعده ثم ارجع فاتم طوافك " إلا أنه ليس نصا في الفريضة، كما ان سابقه لا تعرض فيه للتفصيل بين النصف وغيره، والاول إنما هو في غير التجاوز، وبه يقيد إطلاق ما دل على البناء، ويلحق ما زاد على الشوطين فصاعدا إلى ما لا يتجاوز النصف بهما لعدم قائل بالفرق بين الشوطين وما زاد أصلا، وما عن الفقيه من قول أحدهما (عليهما السلام) في مرسل ابن ابي عمير (5) " في الرجل


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الطواف (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 41 من ابواب الطواف الحديث 5 - 7 - 6 - 8

[ 330 ]

يطوف ثم تعرض له الحاجة قال: لا بأس أن يذهب في حاجته أو حاجة غيره فيقطع الطواف، وإن أراد أن يستريح ويقعد فلا بأس بذلك، فإذا رجع بنى على طوافه وإن كان أقل من النصف " محمول على النفل، مع أنه في التهذيب " فإذا رجع بنى على طوافه، فان كان نافلة بنى على الشوط والشوطين، وإن كان طواف فريضة ثم خرج في حاجة مع رجل لم يبن ولا في حاجة نفسه " وان أطلق فيه عدم البناء في الفريضة، ولكن المراد على الشوط والشوطين نحو إطلاق بعض النصوص السابقة المراد منه ما إذا لم يكن قد تجاوز النصف كل ذلك لما سمعته من الكلية المدلول عليها بالتعليل المعتضد بفتوى الاصحاب وبفحوى ما تسمعه في الحدث بل والمرض الذي أشار إليه المصنف وغيره بقوله: (وكذا لو مرض في اثناء طوافه) أي يجري فيه التفصيل المزبور، ولخبر اسحاق بن عمار (1) عن ابي الحسن عليه السلام (المروي في الكافي " في رجل طاف طواف الفريضة ثم اعتل علة لا يقدر معها على إتمام الطواف قال: إن كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط وقد تم طوافه، وإن كان قد طاف ثلاثة أشواط ولا يقدر على الطواف فان هذا مما غلب الله تعالى عليه فلا بأس أن يؤخر الطواف يوما أو يومين، فان خلته العلة عاد فطاف أسبوعا، وإن طالت علته أمر من يطوف عنه أسبوعا، ويصلي هو ركعتين ويسعى عنه وقد خرج من إحرامه " ورواه في التهذيب " ويصلى عنه " وفي دعائم الاسلام (2) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: " من حدث به أمر قطع به طوافه من رعاف أو وجع أو حدث أو ما اشبه ذلك ثم عاد إلى طوافه فان كان الذي تقدم


(1) الوسائل الباب 45 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) المستدرك الباب 28 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 331 ]

له النصف أو اكثر من النصف بنى على ما تقدم، وإن كان أقل من النصف وكان طواف الفريضة ألقى ما مضى وابتدأ الطواف " وفي المحكي (1) عن فقه الرضا عليه السلام بعد ذكر الحائض في أثناء الطواف وانها تبني بعد تجاوز النصف لا قبله " وكذلك الرجل إذا أصابته علة وهو في الطواف لا يقدر على إتمامه أعاد بعد ذلك طوافه ما لم يجز نصفه، فان جاوز نصفه فعليه أن يبني على ما طاف " وبذلك كله يقيد إطلاق الاعادة بالمرض في الاثناء في الصحيح (2) بعد حصول التكافؤ بالانجبار (3) والتأييد بالرضوي وغيره. ومن ذلك كله يظهر لك النظر في المحكي عن أبي علي قال: " لو خرج الطائف لعارض عرض له في الطواف اضطره إلى الخروج جاز له أن يبني على ما مضى إذا لم يعمل غير دفع ذلك العارض فقط، والابتداء بطواف الفريضة أحوط، ولو لم يمكنه العود وكان قد تجاوز النصف اجزأه ان يأمر من يطوف عنه فان لم يكن تجاوز النصف وطمع في إمكان ذلك له يوما أو يومين أخر الاحلال، وان تهيأ ان يطاف به طيف به، وإلا أمر من يطوف عنه ويصلي الركعتين خلف المقام ويسعى عنه وقد خرج من إحرامه، وإن كان صرورة أعاد الحج " وإن قال في كشف اللثام: " وكان دليله لاستئناف الفريضة مطلقا إطلاق صحيح أبان، وعدم نصوصية خبره الآخر في البناء لكن قد سمعت صحيح ابان في الشوط والشوطين، على ان التفصيل بين الصرورة وغيره لم نعرف له اثرا في نص


(1) المستدرك الباب 31 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 45 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) في النسخة المبيضة " بعد عدم حصول التكافؤ بالانجبار " والصحيح ما اثبتناه كما انه لم يوجد لفظة " عدم " في النسخة المخطوطة المسودة

[ 332 ]

أو فتوى، كما أنك قد سمعت نصوص التفصيل بين تجاوز النصف وعدمه في العارض والحاجة التي قد يدخل فيها الاستراحة التي أشير إليها في مرسل ابن ابي عمير السابق، مضافا إلى خبر ابن أبي يعفور (1) عن الصادق عليه السلام انه سئل " عن الرجل يستريح في طوافه قال: نعم أنا قد كانت توضع لي مرفقة فأجلس عليها ". (و) كيف كان ف‍ (لو استمر مرضه بحيث لا يمكن ان يطاف به طيف عنه) كلا أو بعضا على التفصيل السابق، لخبر يونس (2) سأله عليه السلام " عن سعيد بن يسار انه سقط من جمله فلا يستمسك بطنه اطوف عنه واسعى قال: لا، ولكن دعه فان برئ قضى هو، وإلا فاقض أنت عنه " وصحيح حبيب الخثعمي (1) عن الصادق عليه السلام " ان رسول الله صلى الله عليه وآله امر ان يطاف عن المبطون والكسير " ولعل تقييد الاخير منهما بالاول يقتضي عدم المبادرة بالقضاء عنه حتى ييأس من قضائه بنفسه، لكنه خلاف ظاهر المتن وغيره، ولا ريب في أنه احوط، بل ينبغي مراعاة تعذر الطواف به ايضا، وإلا وجب، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (4) " الكسير يطاف به " وخبر اسحاق (5) سأل الكاظم عليه السلام


(1) الوسائل الباب 46 من ابواب الطواف الحديث 3 (2) الوسائل الباب 45 من ابواب الطواف الحديث 3 (3) الوسائل الباب 49 من ابواب الطواف الحديث 5 (4) الوسائل الباب 49 من ابواب الطواف الحديث 6 وفيه " الكبير يحمل فيطاف به " والصحيح ما ذكر في الجواهر فان الموجود في التهذيب ج 5 ص 125 الرقم 409 كذلك (5) الوسائل الباب 47 من ابواب الطواف الحديث 7

[ 333 ]

" عن المريض يطاف عنه بالكعبة فقال: لا ولكن يطاف به " وقال عليه السلام في صحيح صفوان بن يحيى (1): " يطاف به محمولا يخط الارض برجليه حتى يمس الارض قدميه في الطواف " وعن ابي بصير (2) " ان الصادق عليه السلام مرض فامر غلمانه أن يحملوه ويطوفوا به، وامرهم ان يخطوا رجليه الارض حتى تمس الارض قدماه في الطواف " ولذا قال أبو علي في المحكي عنه: " من طيف به فسحب رجليه على الارض أو مسها بهما كان اصلح " لكن عنه انه اوجب عليه الاعادة إذا برئ، وفيه ان قاعدة الاجزاء وظاهر النصوص والاصل تقضي بخلافه. وهل يصبر للطواف به إلى ضيق الوقت ام يجوز المبادرة ؟ ظاهر الاخبار والاصحاب كما في كشف اللثام الجواز، قال: " وإذا جاز امكن الوجوب إذا لم يجز القطع " قلت: لا ريب في ان الاحوط الاول، بل قد يستفاد من فحوى خبر يونس ذلك، مضافا إلى ما مضى من البحث في مسألة وجوب الانتظار لذوي الاعذار أو جواز البدار. ومن ذلك يظهر لك ان الوجه إرادة استمرار المرض حتى ضاق الوقت مما في المتن ونحوه، ولكن عن النهاية والمبسوط والسرائر والتحرير والتذكرة والمنتهى يوما أو يومين، ولعله لخبر اسحاق المتقدم الذي ظاهره ايضا جواز المبادرة إلى ثلاثة اشواط، وانه هو يصلي صلاة الطواف إذا طيف عنه على ما سمعته في رواية الكافي عن النهاية والمبسوط والوسيلة والمهذب والسرائر والجامع، بل وكذا التهذيب اولا ثم روى الخبر (3) " امر من يطوف عنه


(1) و (2) الوسائل الباب 47 من ابواب الطواف الحديث 2 - 10 (3) الوسائل الباب 45 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 334 ]

اسبوعا ويصلي عنه " وقال وفي رواية محمد بن يعقوب (1) " ويصلي هو " والمعني به ما ذكرناه من انه متى استمسك طهارته صلى هو بنفسه، ومتى لم يقدر على استمساكها صلي عنه وطيف عنه، قلت: لا شاهد على الجمع المزبور، بل إن كان طواف النائب موجبا لخطاب المنوب عنه بالصلاة اتجه وقوعها منه على حسب اداء صلاته التي لا تسقط عنه بحال من غير فرق بين استمساك بطنه وعدمه، ولذا اطلق في الكتب السابقة، وإلا كان المتجه صلاة النائب، لانها من توابع الطواف الذي ناب فيه، كما ان المتجه مع ملاحظة الخبرين وفرض جمعهما لشرائط الحجية وعدم رجحان احدهما على الآخر التخيير، والاحوط الجمع والله العالم. (وكذا لو احدث في طواف الفريضة) في البناء على التفصيل المزبور بلا خلاف معتد به اجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل في المدارك هذا الحكم مقطوع به في كلام الاصحاب، وظاهر المنتهى الاجماع عليه، بل عن الخلاف الاجماع على الاستئناف قبل تجاوز النصف، لما عرفته سابقا، مضافا إلى قول احدهما (عليهما السلام) في مرسل ابن ابي عمير أو جميل (2) المنجبر بما سمعت " في الرجل يحدث في طواف الفريضة وقد طاف بعضه: انه يخرج ويتوضأ فان كان جاوز النصف بنى على طوافه، وإن كان اقل من النصف اعاد الطواف " ونحو قول الرضا عليه السلام لاحمد بن عمر الحلال (3): " إذا حاضت المرأة وهي في


(1) الوسائل الباب 45 من ابواب الطواف الحديث 2 والتهذيب ج 5 ص 125 الرقم 408 (2) الوسائل الباب 40 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) الوسائل الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 335 ]

الطواف بالبيت أو الصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها ان تستأنف الطواف من أوله " وغير ذلك. نعم إذا تعمد الحدث كان ممن تعمد القطع، وفيه الخلاف السابق، وعن الفقيه ان الحائض تبني مطلقا، لصحيح ابن مسلم (1) عن الصادق عليه السلام سأله " عن امرأة طافت ثلاثة اشواط أو اقل من ذلك ثم رأت دما قال: تحفظ مكانها، فإذا طهرت طافت واعتدت بما مضى " المحمول على النفل كما عن الشيخ أو على غير ذلك، وقد تقدم الكلام في المسألة فلاحظ وتأمل. (و) كذا التفصيل المزبور (لو دخل في السعي فذكر انه لم يتم طوافه رجع فاتم طوافه إن كان تجاوز النصف، ثم تمم السعي) تجاوز نصفه أو لا، وإن لم يكن قد تجاوز النصف استأنف الطواف كما عن المبسوط والسرائر والجامع، ثم استأنف السعي كما في القواعد ومحكي المبسوط، وعن النهاية والسرائر والتذكرة والتحرير والمنتهى اتمام السعي على التقديرين، بل قيل هو ظاهر التهذيب والمصنف في كتابيه، وعلى كل حال لم اعثر هنا على نص بالخصوص في التفصيل المزبور، ولعله يكفي فيه ما عرفت من التعليل وغيره مما يحكم به على إطلاق موثق اسحاق بن عمار (2) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل طاف بالبيت ثم خرج إلى الصفا فطاف به ثم ذكر انه قد بقي عليه من طوافه شئ فأمره ان يرجع إلى البيت فيتم ما بقي من طوافه، ثم يرجع إلى الصفا فيتم ما بقي


(1) الوسائل الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 3 (2) الوسائل الباب 63 من ابواب الطواف الحديث 3 مع الاختلاف في اللفظ وذكره بنصه في التهذيب ج 5 ص 130 الرقم 328

[ 336 ]

قال: فانه طاف بالصفا وترك البيت قال: يرجع إلى البيت فيطوف به ثم يستقبل طواف الصفا، قال: فما الفرق بين هذين ؟ فقال (عليه السلام): لانه دخل في شئ من الطواف وهذا لم يدخل في شئ منه " إن لم نقل بظهور " شئ " في السؤال في الاقل من النصف، بل قد يقال إن دليل الاستئناف حينئذ إذا كان دون النصف انه بحكم من لم يدخل في شئ من الطواف باعتبار وجوب استئنافه عليه كالتارك له اصلا، وكان ترك ذكر ركعتي الطواف اتكالا على معلومية تبعيتهما لكن في النافع ومحكي النهاية والتهذيب والتحرير والتذكرة والمنتهى إطلاق إتمام الطواف، ولعله لاطلاق الخبر المزبور الذي عرفت الحال فيه، إلا انه مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط فيه. فقد ظهر لك مما ذكرناه ان المدار في اتمام الطواف واستئنافه مع القطع لعذر مجاوزة النصف وعدمه، ولعل من ذلك قطعه ايضا لصلاة فريضة وان لم يتضيق وقتها، فان ذلك جائز عندنا، بل عن المنتهى اجماع العلماء عليه إلا مالكا، أو لصلاة الوتر إذا ضاق وقتها، أو لصلاة جنازة أو نحو ذلك من الاعذار كما نص عليها الشهيدان في الدروس واللمعتين، قال في الاول: " وجوز الحلبي البناء على شوط إذا قطعه لصلاة فريضة، وهو نادر كما ندر فتوى النافع بذلك واضافة الوتر " وإن كان فيه ان ما ذكره عن الحلبي هو المحكي عن نص الغنية والاصباح والجامع وظاهر المهذب والسرائر، كما أن ما في النافع من إضافة الوتر ظاهر محكي التهذيب والنهاية والمبسوط والتحرير والتذكرة والمنتهى، بل زيد فيهما صلوة الجنازة، ونسب ذلك فيهما الى العلماء عدا الحسن البصري بل هو ظاهر إطلاق حسن عبد الله بن سنان (1) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل كان في طواف النساء فاقيمت


(1) الوسائل الباب 43 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 337 ]

الصلاة قال: يصلي يعني الفريضة، فإذا فرغ بنى من حيث قطع " وقوله عليه السلام في خبر هشام (1) " في رجل كان في طواف فريضة فادركته صلاة فريضة يقطع طوافه ويصلي الفريضة ثم يعود فيتم ما بقي عليه من طوافه " وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج (2) سأل الكاظم عليه السلام " عن الرجل يكون في الطواف وقد طاف بعضه وبقي عليه بعضه فيطلع الفجر فيخرج من الطواف إلى الحجر أو إلى بعض المساجد إذا كان لم يوتر فيوتر ثم يرجع فيتم طوافه أفترى ذلك أفضل ام يتم الطواف ثم يوتر وإن أسفر بعض الاسفار ؟ قال: ابدأ بالوتر واقطع الطواف إذا خفت ذلك ثم أتم الطواف بعد " لكن ذلك يمكن تخصيصه بما عرفت من اعتبار النصف وعدمه في الاتمام والاستئناف ولو لترجيح ذلك عليه بما سمعت، مع احتمال إرادة ذلك من إطلاق من عرفت اتكالا على ما ذكروه في غير المقام، واحتمال اختصاص ذلك بالخروج عن قاعدة النصف بعيد عن مقتضى الفقاهة، وإن قال في الرياض: إنه أرجح هنا بالشهرة وحكاية الاجماع، لكن فيه أن الشهرة غير محققة بعد ما عرفت من احتمال إرادة من أطلق التفصيل المزبور، واما الاجماع المحكي فهو ما نسبه إلى التذكرة والمنتهى، وليس هو فيما نحن فيه، قال في الاول: " ولو دخل عليه وقت فريضة قطع الطواف وصلى الفريضة ثم عاد فتمم طوافه من حيث قطع، وهو قول العلماء إلا مالكا، فانه قال: يمضي في طوافه إلا أن يخاف فوات وقت الفريضة، وهو باطل لما رواه العامة (3) عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا اقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " والطواف صلاة، ولان وقت


(1) الوسائل الباب 43 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 44 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) سنن النسائي ج 2 ص 116

[ 338 ]

الحاضرة أضيق من وقت الطواف، فكانت أولى، ولان عبد الله بن سنان سأل الصادق عليه السلام إلى آخره، إذا عرفت هذا فانه يبني على فراغه من الفريضة ويتم طوافه، وهو قول العلماء إلا الحسن البصري، فانه قال: يستأنف، والاصل خلافه، وكذا البحث في صلاة الجنازة فانها تقدم " ونحوه في المنتهى واجماعه الاول إنما هو على جواز القطع، والثاني في مقابلة البصري القائل بالاستئناف مطلقا، بل ملاحظة كلامه السابق في مسألة النصف كالصريح في عدم الفرق بين الفريضة وغيرها، بل ما ذكره هنا من إلحاق صلاة الجنازة مبني على ذلك ايضا، ولعله لذا لم ينقل الشهيد عنه شيئا، وكذا الكلام في مسألة الوتر، نعم ينبغى تقييدها بما إذا خشي فوات الوقت كما في الصحيح المزبور، ومحكي الفتاوى عدا ما في النافع، ولا دليل عليه، بل هو مخالف للنص والفتوى، والله العالم. وكيف كان فهل يجوز للجاهل الاستئناف حيث يجوز البناء كما يعطيه خبر حبيب بن مظاهر (1) وإن قال عليه السلام فيه: " بئسما صنعت " لكن قال في آخره " اما انه ليس عليك شئ " لكن قد يقال ان ضعف سنده يمنع من العمل به هنا بعد الامر بالبناء، فالاحوط إن لم يكن الاقوى ترك الاستئناف وإن كان الظاهر الاجزاء لو فعل وإن قلنا بالاثم بترك البناء، مع احتمال عدمه حملا للامر بالبناء على الاذن، لوقوعه في مقام توهم الحظر، وستسمع ما في الدروس من نسبة الاستئناف إلى رواية ذكرها الصدوق وان كنا لم نتحققها، وهل يبنى من موضع القطع كما هو مقتضى حسن ابن سنان (2) وخبر


(1) الوسائل الباب 41 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 43 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 339 ]

أحمد بن عمر الحلال (1) في الحائض المتقدمين سابقا، وخبر ابي غرة (2) قال: " مر بي أبو عبد الله عليه السلام وأنا في الشوط الخامس من الطواف فقال لي: انطلق حتى نعود هاهنا رجلا، فقلت أنا في خمسة أشواط من اسبوعي فاتم اسبوعي قال: اقطعه واحفظه من حيث تقطعه حتى تأتي إلى الموضع الذي قطعت منه فتبني عليه " وغيره من النصوص المعتضدة مع ذلك بالاحتياط حذرا من الزيادة أو من الركن كما هو ظاهر ما مر من صحيح معاوية وحسنه (3) في من اختصر شوطا من الاعادة من الحجر إلى الحجر، بل عن التحرير والمنتهى انه احوط مع اعترافه فيهما وفي محكي التذكرة بدلالة ظاهر الخبر على الاول الذي قد يفرق بينه وبين ما في الصحيح بفساد الشوط بالاختصار المزبور، بخلاف الفرض الذي يجوز له فيه القطع لحاجة لنفسه أو غيره، ومن ذلك يعلم ما في احتمال الجمع بين النصوص بالتخيير. ولو شك في موضع القطع طاف من المتيقن، واحتمال الزيادة غير قادح، قال في الدروس: " ولو شك فيه أخذ بالاحتياط، ولو بدأ من الركن قيل جاز وكذا لو استأنف من رأس يجزي في رواية ذكرها الصدوق ". وعلى كل حال فظاهر الاصحاب هنا والنصوص وجوب الموالاة في الطواف الواجب في غير المواضع التي عرفت، ولذا جعلها في الدروس الحادي عشر من واجباته، نعم هي غير واجبة في طواف النافلة نصا وفتوى بلا خلاف أجده فيه لكن في الحدائق المناقشة في وجوبها في طواف الفريضة ايضا للنصوص المزبورة


(1) الوسائل الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 41 من ابواب الطواف الحديث 10 (3) الوسائل الباب 31 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 340 ]

التي هي أخص من دعواه، بل بعضها صريح في بطلان الطواف بعدمها في الانقص من النصف. وأما قطع الطواف عمدا لا لغرض فقد يقوى جوازه في غير طواف الفريضة بناء على جواز قطع صلاة النافلة كذلك، لان الطواف بالبيت صلاة، ولكن الاحوط تركه، بخلاف طواف الفريضة بناء على حرمة القطع في الصلاة الواجبة، وعلى استفادة ذلك من التشبيه المزبور. هذا كله في واجبات الطواف المستفادة من تضاعيف كلامهم وان نظمها في الدروس باثنى عشر (و) أما (الندب) فكثير مستفاد مما تسمعه من النصوص ولكن ذكر المصنف منها (خمسة عشر) منها (الوقوف عند الحجر وحمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله، ورفع اليدين بالدعاء، واستلام الحجر على الاصح وتقبيله، فان لم يقدر) على الاستلام ببدنه فببعضه فان تعذر إلا بيده (فبيده ولو كانت مقطوعة استلم بموضع القطع، ولو لم يكن له يد اقتصر على الاشارة) كما ستعرف ذلك كله ان شاء الله (و) يستحب ايضا (أن يقول) عند استلامه (أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقا بكتابك إلى آخر الدعاء) المروى في صحيح معاوية بن عمار (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " إذا دنوت من الحجر الاسود فارفع يديك، واحمد الله تعالى واثن عليه وصل على النبي صلى الله عليه وآله، واسأل الله أن يتقبل منك ثم استلم الحجر وقبله، فان لم تستطع ان تقبله فاستلمه بيدك فان لم تستطع ان تستلمه بيدك فاشر إليه، وقل اللهم امانتي اديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك، اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 341 ]

له، وان محمدا عبده ورسوله، آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت وباللات والعزى وعبادة الشيطان وعبادة كل ند يدعى من دون الله، فان لم تستطع ان تقول هذا فبعضه، وقل: اللهم اليك بسطت يدي، وفيما عندك عظمت رغبتي فاقبل سبحتي واغفر لي وارحمني، اللهم اني اعوذ بك من الكفر والفقر ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة " وزاد الحلبيان في المحكي عنهما بعد شهادة الرسالة وان الائمة (عليهم السلام) من ذريته وتسميهم حججه في أرضه وشهداءه على عباده، وفي الكافي وفي رواية ابي بصير (1) عن ابى عبد الله عليه السلام " إذا دخلت المسجد الحرام فامش حتى تدنو من الحجر الاسود فتستقبله، وتقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر الله اكبر من خلقه، واكبر مما أخشى وأحذر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت ويميت ويحيى، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، وتصلي على النبي وآله، وتسلم على المرسلين كما قلت حين دخلت المسجد، ثم تقول: اللهم إني أو من بوعدك وأوفي بعهدك " ثم ذكر كما ذكر معاوية، وفي مرسل حريز (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) " إذا دخلت المسجد الحرام وحاذيت الحجر الاسود فقل: اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمدا عبده ورسوله، آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت وباللات والعزى، وبعبادة الشيطان وبعبادة كل


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب الطواف الحديث 3، وفيه " تدنو من الحجر الاسود فتستلمها.. الخ " إلا ان الموجود في الكافي ج 4 ص 403 بعين ما ذكره في الجواهر (2) الوسائل الباب 12 من ابواب الطواف الحديث 4

[ 342 ]

ند يدعى من دون الله، ثم ادن من الحجر واستلمه بيمينك، ثم تقول: الله اكبر، اللهم أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي عندك بالموافاة " وفيما روته العامة (1) عن عمر بن الخطاب " أنه قبل الحجر ثم قال: والله لقد علمت أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلك ما قبلتك وقرأ لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وآله اسوة حسنة فقال له علي (عليه السلام) بلى إنه يضر وينفع، ان الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في ورق وألقمه الحجر، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يؤتى بالحجر الاسود يوم القيامة وله لسان يشهد لمن قبله بالتوحيد، فقال: لا خير في عيش قوم لست فيهم يا ابا الحسن، أو لا أحياني الله لمعضلة لا يكون فيها ابن ابي طالب حيا، واعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن ". وكيف كان فالخبر المزبور كغيره دال على استحباب استلامه قبل الطواف بل قوله (عليه السلام) في خبر الشحام (2) " كنت أطوف مع ابي وكان إذا انتهى إلى الحجر مسحه بيده وقبله " دال على ذلك في اثناء الطواف، كظاهر حسن ابن الحجاج (3) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستلمه في كل طواف فريضة ونافلة " مضافا إلى الاخبار المطلقة على كثرتها. بل الظاهر رجحانه في كل شوط كما عن الاقتصاد والجمل والعقود والوسيلة والمهذب والغنية والجامع والمنتهى والتذكرة، بل والفقيه والهداية، بل قيل انهما يحتملان الوجوب، ولعله لثبوت اصل الرجحان بلا مخصص.


(1) راجع كتاب الغدير للاميني ج 6 ص 103 (2) الوسائل الباب 22 من ابواب الطواف الحديث 3 (3) الوسائل الباب 13 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 343 ]

نعم ان لم يقدر افتتح به واختتم به كما عن الصدوق النص عليه في الكتابين ولعله يوافقه ما سمعته سابقا من قول الصادق (عليه السلام) في خبر معاوية (1) " كنا نقول لابد أن يستفتح بالحجر ويختم به، فأما اليوم فقد كثر الناس " وفي خبر سعيد بن مسلم (2) المروي عن قرب الاسناد " رأيت ابا الحسن موسى (عليه السلام) استلم الحجر ثم طاف حتى إذا كان اسبوع التزم وسط البيت وترك الملتزم الذي يلزمه اصحابنا، وبسط يده على الكعبة ثم يمكث ما شاء الله ثم مضى إلى الحجر فاستلمه وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم (عليه السلام) ثم استلم الحجر فطاف حتى إذا كان في آخر السبوع استلم وسط البيت ثم استلم الحجر وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم عليه السلام، ثم عاد إلى الحجر فاستلم ما بين الحجر إلى الباب ثم مكث ما شاء الله ثم خرج من باب الحناطين حتى اتى ذات طوى فكان وجهه إلى المدينة ". وعلى كل حال فلا ريب في استحباب الاستلام والتقبيل خلافا لسلار قيل وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: " على الاصح " فأوجبه في المراسم، ولكن الموجود في المراسم وجوب لثم الحجر، للامر المحمول على الندب كما يؤمي إليه ما في بعض النصوص السابقة، بل هو الظاهر منها أجمع ايضا ولو لمعروفية لسان الندب من غيره، مضافا إلى ما في صحيح معاوية (3) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل حج فلم يستلم الحجر ولم يدخل الكعبة قال: هو من السنة


(1) و (3) الوسائل الباب 16 من ابواب الطواف الحديث 1 - 10 (2) الوسائل الباب 26 من ابواب الطواف الحديث 10 مع سقط في الجواهر إلا ان الموجود في الوسائل سعدان بن مسلم وهو الصحيح كما يأتي في الجواهر ايضا

[ 344 ]

فان لم يقدر فالله اولى بالعذر " بناء على ارادة التقبيل من الاستلام فيه، وصحيح يعقوب (1) قال له (عليه السلام) ايضا: " اني لا اخلص إلى الحجر الاسود فقال: إذا طفت طواف الفريضة فلا يضرك " وصحيح معاوية (2) ايضا قال أبو بصير لابي عبد الله (عليه السلام): " إن اهل مكة انكروا عليك انك لم تقبل الحجر وقد قبله رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله إذا انتهى إلى الحجر يفرجون له وانا لا يفرجون لي " إلى غير ذلك مما هو ظاهر في عدم الوجوب، فما عساه يظهر من بعض الناس من الميل إلى ذلك، لان الاخبار بين آمر به أو بالاستلام الذي هو اعم، ومقيد لتركه بالعذر، وآمر للمعذور بالاستلام باليد أو بالاشارة والايماء، ولا يعارض ذلك أصل البراءة في غير محله، ضرورة ظهور ذلك نفسه في عدم الوجوب، هذا. وفي القواعد ومحكي المبسوط والخلاف انه يستحب الاستلام بجميع البدن ولعله لان اصله مشروع للتبرك به والتحبب إليه، فالتعميم أولى، لكن المراد ما يناسب التعظيم والتبرك والتحبب من الجميع، ويمكن ان يراد به الاعتناق والالتزام، لانه تناول له بجميع البدن وتلبس والنئام به. وعلى كل حال فان تعذر الاستلام بالجميع فببعضه كما نص عليه الفاضل ايضا، بل هو المحكي عن المبسوط والخلاف ايضا، بل في الاخير منهما الاجماع عليه، خلافا للشافعي فلم يجتز بما تيسر من بدنه، فان تعذر إلا بيده فبيده، قيل لما سمعته من قول الصادق (عليه السلام) (3) " فان لم تستطع ان تقبله فاستلمه بيدك "


(1) و (2) الوسائل الباب 16 من ابواب الطواف الحديث 10 - 6 (3) الوسائل الباب 16 من ابواب الطواف الحديث 11

[ 345 ]

وفي خبر سعيد الاعرج (1) " يجزيك حيث نالت يدك " وفيه انه دال على الاجتزاء باليد مع التعذر مطلقا. نعم عن الصدوق والمفيد والحلبي ويحيى بن سعيد والفاضل والشهيد استحباب تقبيل اليد حينئذ، ولا بأس به، لمناسبته للتعظيم والتبرك والتحبب، بل روي (2) " ان النبي صلى الله عليه وآله كان يستلم الحجر بمحجن، ويقبل المحجن ". ولو كان أقطع استلم بموضع القطع، لقول الصادق عليه السلام في خبر السكوني (3) " ان عليا عليه السلام سئل كيف يستلم الاقطع، قال: يستلم الحجر من حيث القطع، فان كانت مقطوعة من المرفق استلم الحجر بشماله ". وفاقد اليد أو التمكن من الاستلام بها وبغيرها يشير بها إليه، بلا خلاف أجده في الاخير، بل نسبه بعضهم إلى نص الاصحاب، ولعله لخبر محمد بن عبد الله (4) عن الرضا عليه السلام " انه سئل عن الحجر ومقاتلة الناس عليه فقال: إذا كان كذلك فأوم إليه ايماء بيدك " بل عن الفقيه والمقنع والجامع ويقبل اليد، وأما فاقد اليد فليشر بالوجه أو بغيره كما هو مقتضى إطلاق المصنف وغيره، بل نسب إلى الاكثر، قال الصادق عليه السلام (5): " فان لم تستطع أن تستلمه بيدك فاشر إليه " وقال أيضا في صحيح سيف التمار (6): " قلت لابي عبد الله عليه السلام أتيت الحجر الاسود فوجدت عليه زحاما فلم ألق إلا رجلا من أصحابنا فسألته فقال:


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 81 من ابواب الطواف (3) الوسائل الباب 24 من ابواب الطواف الحديث 1 (4) و (6) الوسائل الباب 16 من ابواب الطواف الحديث 5 - 4 (5) الوسائل الباب 12 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 346 ]

لابد من إستلامه، فقال إن وجدته خاليا وإلا فسلم من بعيد ". وكيف كان فاستلام الحجر كما عن العين وغيره تناوله باليد أو القبلة، قال الجوهري: ولا يهمز لانه مأخوذ من السلام وهو الحجر، كما تقول استنوق الجمل، وبعضهم يهمزه، وعن الزمخشري ونظيره استهم القوم إذا أجالوا السهام واهتجم الحالب إذا حلب في الهجم وهو القدح الضخم، قيل: وأقرب من ذلك اكتحلت وادهنت إذا تناول من الكحل والدهن وأصاب منهما، ولكن فيه انه لا يوافق ما في النص والفتوى من التعبير باستلام الحجر ونحوه مما يقتضي عدم إرادة السلام منه بمعنى الحجر، وربما يعطي كلام بعض أن التمسح بالوجه والصدر والبطن وغيرها استلام، وعن الخلاص " أنه التقبيل " وعن ابن سيدة " استلم الحجر واستلئمه قبله أو اعتنقه، وليس أصله الهمزة " وعن ابن السكيت " همزته العرب على غير قياس، لانه من السلام وهي الحجارة " وعن تغلب " انه بالهمز من الامة أي الدرع بمعنى اتخاذه جنة وسلاحا " وعن ابن الاعرابي " أن الاصل الهمزة، وانه من الملائمة وهي الاجتماع " وعن الازهري " أنه افتعال من السلام، وهو التحية، واستلامه لمسه باليد تحريا لقبول السلام منه تبركا به قال: وهذا كما قرأت منه السلام قال: وقد أملى علي أعرابي كتابا إلى بعض اهاليه فقال في آخره اقترئ مني السلام قال: ومما يدلك على صحة هذا القول أن أهل اليمن يسمون الركن الاسود المحيى معناه أن الناس يحيونه بالسلام " وعن بعض أنه مأخوذ من السلام بمعنى أنه يحيي نفسه عن الحجر، إذ ليس الحجر ممن يحييه كما يقال اختدم إذا لم يكن له خادم وإنما خدم نفسه " ومقتصى صحيح معاوية ابن عمار (1) المتقدم ان الاستلام يتحقق بالمس باليد، لقوله عليه السلام: " فان لم تستطع


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 347 ]

أن تقبله فاستلمه بيدك " وسأل يعقوب بن شعيب (1) الصادق عليه السلام في الصحيح عن استلام الركن فقال: " إستلامه ان تلصق بطنك به، والمسح أن تمسح بيدك " وهو يحتمل الهمز من الالتئام المنبئ عن الاعتناق أو التلبس به كالتلبس باللامة ثم الركن غير الحجر وإن كان يطلق عليه توسعا، ويحتمل ركنه وغيره، وإن كان الظاهر اتحاد المراد من استلام الحجر والركن، فيكون اعتناقه حينئذ مقبلا له الاستلام الكامل أو الفرد الحقيقي منه، ودونه المسح باليد، ودونهما الاشارة. (و) منها (ان يكون في طوافه داعيا ذاكرا لله سبحانه وتعالى) بالمأثور في محاله وغيره، قال الصادق عليه السلام (2) في صحيح معاوية: " طف بالبيت سبعة أشواط، وتقول في الطواف اللهم إني اسألك باسمك الذي يمشى به على ظلل الماء كما يمشي به على جدد الارض، واسألك باسمك الذي يهتز له عرشك، وأسألك باسمك الذي تهتز له أقدام ملائكتك، وأسألك باسمك الذي دعاك به موسى من جانب الطور فاستجبت له وألقيت عليه محبة منك، واسألك باسمك الذي غفرت به لمحمد صلى الله عليه وآله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، واتممت عليه نعمتك أن تفعل بي كذا وكذا ما أحببت من الدعاء، وكلما انتهيت إلى باب الكعبة فصل على النبي صلى الله عليه وآله، وتقول فيما بين الركن اليماني والحجر الاسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة في الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وقل في الطواف: اللهم اني اليك فقير، وإني خائف مستجير، فلا تغير جسمي، ولا تبدل اسمي " وقال موسى بن جعفر عليه السلام في خبر اخي ايوب أديم (3): " كان ابي إذا استقبل الميزاب قال: اللهم اعتق رقبتي من


(1) الوسائل الباب 15 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب 20 من ابواب الطواف الحديث 1 - 3

[ 348 ]

النار، وأوسع علي من رزقك الحلال، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس، وادخلني الجنة برحمتك " وفي خبر ابي مريم (1) " كنت مع ابي جعفر عليه السلام أطوف وكان لا يمر في طواف من طوافه بالركن اليماني إلا استلمه، ثم يقول: اللهم تب علي حتى لا اعصيك، واعصمني حتى لا أعود " وقال الصادق عليه السلام في خبر عمرو بن عاصم (2): " كان علي بن الحسين عليه السلام إذا بلغ الحجر قبل أن يبلغ الميزاب رفع رأسه ثم يقول: اللهم ادخلني الجنة برحمتك وهو ينظر إلى الميزاب، وأجرني برحمتك من النار، وعافني من السقم، وأوسع علي من الرزق الحلال، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس وشر فسقة العرب والعجم " وفي خبر عمر بن أذينة (3) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لما انتهى إلى ظهر الكعبة حين يجوز الحجر، يا ذا المن والطول والجود والكرم إن عملي ضعيف فضاعفه لي، وتقبله مني، إنك أنت السميع العليم " وفي خبر سعد بن سعد (4) " كنت مع الرضا عليه السلام في الطواف فلما صرنا بحذاء الركن اليماني قام عليه السلام فرفع يده إلى السماء ثم قال: يا الله يا ولي العافية وخالق العافية ورازق العافية والمنعم بالعافية والمنان بالعافية والمتفضل بالعافية علي وعلى جميع خلقك يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما صل على محمد وآل محمد، وارزقنا العافية ودوام العافية وتمام العافية وشكر العافية في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين " وقال عبد السلام (5) للصادق عليه السلام: " دخلت الطواف فلم يفتح لي شئ من الدعاء إلا الصلاة على محمد وآل محمد، وسعيت فكان ذلك، فقال (عليه السلام) ما أعطي أحد ممن سأل أفضل مما اعطيت ".


(1) و (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 20 من ابواب الطواف الحديث 4 - 5 - 6 - 7 (5) الوسائل الباب 21 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 349 ]

لكن الجميع كما ترى لا دلالة في شئ منها على مضمون ما ذكره المصنف من استحباب كونه في تمام الطواف واجبه ومندوبه ذاكرا لله سبحانه، وإن كان يشهد له الاعتبار والعمومات وكون الطواف كالصلاة، نعم قال الجواد (عليه السلام) في خبر محمد بن الفضيل (1): " طواف الفريضة لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بالدعاء وذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، والنافلة يلقى الرجل أخاه فيسلم عليه ويحدثه بالشئ من أمر الدنيا والآخرة لا بأس به " وقال أيوب أخو أديم (2) للصادق (عليه السلام): " القراءة وأنا اطوف أفضل أو أذكر الله تبارك وتعالى قال: القراءة " وفيه رد على مالك المحكي عنه القول بكراهة القراءة، وفي مرسل حماد بن عيسى (3) عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: " دخلت عليه يوما وأنا أريد ان اسأله عن مسائل كثيرة فلما رأيته عظم علي كلامه، فقلت له ناولني يدك أو رجلك اقبلها فناولني يده فقبلتها فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله فدمعت عيناي فلما رآني مطأطأ رأسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما من طائف يطوف بهذا البيت حين تزول الشمس حاسرا عن رأسه حافيا يقارب بين خطاه ويغض بصره ويستلم الحجر في كل طواف من غير أن يؤذي أحدا ولا يقطع ذكر الله عن لسانه إلا كتب الله له بكل خطوة سبعين الف حسنة، ومحى عنه سبعين الف سيئة، ورفع له سبعين الف درجة، وأعتق عنه سبعين الف رقبة، ثمن كل رقبة عشرة آلاف درهم، وشفع في سبعين من اهل بيته، وقضيت له سبعون الف حاجة إن شاء فعاجله، وإن شاء فأجله " وعلى كل حال فالامر سهل، لان


(1) الوسائل الباب 54 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 55 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) الوسائل الباب 5 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 350 ]

ذكر الله تعالى حسن على كل حال، خصوصا هذا الحال، والله العالم. ومنها ان يكون (على سكينة ووقار مقتصدا في مشيه) تمام الطواف لا مسرعا ولا مبطأ كما عن الشيخ في النهاية وابني الجنيد وأبي عقيل والحلبي وابن ادريس وغيرهم، بل في المدارك نسبته إلى أكثر الاصحاب، وفي غيرها إلى المشهور، لمناسبته الخضوع والخشوع، وخبر عبد الرحمان بن سيابه (1) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) " عن الطواف فقال له: اسرع واكثر أو أمشي وابطئ، قال: امش بين المشيين " وفي المحكي عن نوادر ابن عيسى (2) عن أبيه عن جده عن ابيه: رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) يمشي ولا يرمل " ولا ينافيه خبر سعيد الاعرج (3) سأل ابا عبد الله (عليهما السلام) " عن المسرع والمبطئ فقال: كل حسن ما لم يؤذ احدا " بعد كون الاول احسن. (و) لكن (قيل) والقائل ابن حمزة فيما حكي عنه: (يرمل ثلاثا ويمشي اربعا) وخاصة في طواف الزيارة، وعن الشيخ في المبسوط ذلك ايضا في طواف القدوم خاصة، قال فيما حكي عنه: اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله، لانه كذلك فعل، رواه جعفر بن محمد عن جابر (4) وعن التحرير والارشاد اختياره، ولعله لخبر ثعلبة عن زرارة أو محمد الطيار (5) " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن الطواف ايرمل فيه الرجل ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ان قدم مكة وكان بينه وبين المشركين الكتاب الذي قد علمتم امر الناس ان يتجلدوا


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 29 من ابواب الطواف الحديث 4 - 6 - 1 وفي الثالث " كل واسع ما لم يؤذ احدا ". (4) سنن البيهقي ج 5 ص 7 - 82 (5) الوسائل الباب 29 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 351 ]

وقال: اخرجوا اعضادكم واخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم رمل بالبيت ليريهم انه لم يصبهم جهد، فمن اجل ذلك يرمل الناس، وإني لامشي مشيا، وقد كان علي بن الحسين (عليه السلام) يمشي مشيا " وخبر يعقوب الاحمر (1) قال أبو عبد الله (عليه السلام): " لما كان غزاة الحديبية وادع رسول الله صلى الله عليه وآله اهل مكة ثلاث سنين، ثم دخل فقضى نسكه، فمر رسول الله صلى الله عليه وآله بنفر من اصحابه جلوس في فناء الكعبة فقال: هو ذا قومكم على رؤوس الجبال لا يرونكم فيروا فيكم ضعفا، قال: فقاموا فشدوا ازرهم، وشدوا ايديهم على اوساطهم ثم رملوا " إلا انهما معا كما ترى لا دلالة فيهما على ذلك، بل في المحكي عن نوادر ابن عيسى (2) عن ابيه " انه سئل ابن عباس فقيل له: إن قوما يروون ان رسول الله صلى الله عليه وآله امر بالرمل حول الكعبة فقال: كذبوا وصدقوا، فقلت وكيف ذاك ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل مكة في عمرة القضاء واهلها مشركون، وبلغهم ان اصحاب محمد صلى الله عليه وآله مجهودون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله رحم الله امره أراهم من نفسه جلدا، فامرهم فحسروا عن اعضادهم ورملوا بالبيت ثلاثة اشواط، ورسول الله على ناقته وعبد الله بن رواحة آخذ زمامها والمشركون بحيال الميزاب ينظرون إليهم، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك فلم يرمل ولم يأمرهم بذلك، فصدقوا في ذلك وكذبوا في هذا ". كل ذلك مضافا إلى ما عن المنتهى من نسبته إلى اتفاق العامة الذين جعل الله الرشد في خلافهم، خصوصا هنا، لانهم استندوا في ذلك إلى ما رووه (3) من ان النبي صلى الله عليه وآله لما قدم مكة قال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم نهكتهم


(1) و (2) الوسائل الباب 29 من ابواب الطواف الحديث 3 - 5 (3) سنن البيهقي ج 5 ص 7 - 82

[ 352 ]

الحمى ولقوا منها شرا فامر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يرملوا الاشواط الثلاثة، وان يمشوا بين الركنين فلما رأوهم قالوا ما نريهم إلا كالغزلان " ولا دلالة فيه على الاستحباب مطلقا. وعلى كل حال فلا إشكال ولا خلاف في عدم وجوب شئ من الطريقين، للاصل وما سمعته من خبر سعيد الاعرج (1). والمراد بالرمل الهرولة على ما في القاموس، واليه يرجع ما عن المفصل من انه ضرب منه، وعن الازهري " يقال رمل الرجل يرمل رملانا إذا أسرع في مشيه وهو في ذلك ينزو، وعن النووي " الرمل بفتح الراء والميم إسراع المشي مع تقارب الخطأ ولا يثب وثوبا " وفي الدروس " انه الاسراع في المشي مع تقارب الخطأ دون الوثوب والعدو يسمى الخبب " والجميع متقارب، لكن في الصحاح وعن العين وغيرهما " انه بين المشي والعدو " وهو مناف لما سمعت حتى النصوص. ثم إن الرمل على تقدير استحبابه فهو للرجال خاصة، أما النساء فلا يستحب اتفاقا كما عن المنتهى، وفي الدروس ذكر فروعا عشرة على تقدير القول المزبور كفانا مؤنتها عدم القول به. والظاهر من طواف القدوم في عبارة الشيخ هو الذي يفعل أول ما يقدم مكة واجبا أو ندبا في نسك أو لا، كان عليه سعي أو لا، فلا رمل في طواف النساء والوداع وطواف الحج إن كان قدم مكة قبل الوقوف إلا ان يقدمه عليه، وإلا فهو قادم الآن، ولا على المكي وإن احتمله في محكي المنتهى وعن ظاهر التذكرة، وقال في الدروس: ويمكن ان يراد بطواف القدوم الطواف المستحب


(1) الوسائل الباب 29 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 353 ]

للحاج مفردا أو قارنا على المشهور إذا دخل مكة قبل الوقوف كما هو مصطلح العامة، فلا يتصور في حق المكي ولا في المعتمر متعة أو افرادا، ولا في الحاج مفردا إذا أخر دخول مكة عن الموقفين، قال: " ولكن الاقرب الاول، لان المعتمر قادم حقيقة إلى مكة، وكذا الحاج إذا أخر دخولها، ويدخل طواف القدوم تحته " قلت: هو كذلك، على أنك قد عرفت عدم المأخذ له، فلا يهم إجماله، ولا فرق عندنا بين أركان البيت وما بينها في استحباب الرمل وعدمه، وعن بعض العامة اختصاص استحبابه بما عدى اليمانيين وما بينهما، ولا قضاء له في الاربعة الاخيرة ولا في طواف آخر خلافا لبعض العامة ايضا. وعلى كل حال فظاهر المصنف وصريح غيره استحباب المشي فيه، بل هو المحكي عن المعظم، ولعله لانه أنسب بالخضوع والاستكانة، وابعد عن إيذاء الناس، ولانه المعهود من النبي صلى الله عليه وآله والصحابة والتابعين، وليس بواجب للاصل، وثبوت ركوبه صلى الله عليه وآله فيه لغير عذر، خلافا للمحكي عن ابن زهرة فاوجبه اختيارا حاكيا عليه الاجماع، وربما استدل له بتشبيه الطواف بالصلاة التي لا يجوز الركوب اختيارا في الواجب منها، وإن كان هو كما ترى، وكذا ما حكاه من الاجماع، نعم عن الخلاف لا خلاف عندنا في كراهة الركوب اختيارا، مع أنه لا يخلو من نظر بعد فعل النبي صلى الله عليه وآله له، بل منع إن أراد بالكراهة الحرمة كما احتمله بعض الناس. (و) منها (أن يقول) في الطواف: (اللهم إني اسألك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء إلى آخر الدعاء) الذي سمعته في صحيح معاوية (1) (و) منها (ان يلتزم المستجار) المسمى في النصوص بالملتزم والمتعوذ


(1) الوسائل الباب 20 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 354 ]

(في الشوط السابع ويبسط يديه على حائطه ويلصق به بطنه وخده) ويقر بذنوبه (ويدعو بالدعاء المأثور) وقال الصادق عليه السلام في خبر معاوية (1): " ثم يطوف بالبيت سبعة أشواط إلى أن قال: فإذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة وهو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يديك على الارض والصق خدك وبطنك بالبيت، ثم قل: اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، ثم أقر لربك بما عملت من الذنوب، فانه ليس عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه في هذا المكان إلا غفر له ان شاء الله، فان أبا عبد الله عليه السلام قال لغلمانه: أميطوا عني حتى أقر لربي بما عملت، وتقول: اللهم من قبلك الروح والفرج والعافية، اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي، واغفر لي ما اطلعت عليه مني وخفي على خلقك، وتستجير من النار، وتتخير لنفسك من الدعاء ثم استقبل الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الاسود واختم به، فان لم تستطع فلا يضرك، وتقول: اللهم متعني بما رزقتني وبارك لي فيما آتيتني " ولعله إليه يرجع خبره الآخر (2) عنه عليه السلام ايضا " إذا فرغت من طوافك وبلغت مؤخر الكعبة وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت، والصق بطنك وخدك بالبيت، وقل: اللهم " إلى آخر الدعاء المزبور بناء على إرادة القرب من الفراغ من قوله " فرغت " وهو الشوط السابع، وعلى إرادة المستجار نفسه من الحذاء فيه، وفي خبره الآخر عنه عليه السلام ايضا " كان إذا انتهى إلى الملتزم قال لمواليه أميطوا عني حتى أقر لربي بذنوبي فان هذا مكان لم يقر عبد بذنوبه ثم استغفر إلا غفر الله له " وفي خبر


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 26 من ابواب الطواف الحديث 9 - 4 - 5

[ 355 ]

جميل بن صالح (1) عنه عليه السلام أيضا قال: " لما طاف آدم بالبيت وانتهى إلى الملتزم قال له جبرئيل: يا آدم أقر لربك بذنوبك في هذا المكان إلى ان قال: فأوحى الله إليه يا آدم قد غفرت لك ذنبك، قال: يا رب ولولدي أو لذريتي فأوحى الله عزوجل إليه من جاء من ذريتك إلى هذا المكان وأقر بذنوبه وتاب ثم استغفر غفرت له " وقال يونس (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الملتزم لاي شئ يلتزم ؟ وأي شئ يذكر فيه ؟ فقال: عنده نهر من أنهار الجنة تلقى فيه أعمال العباد عند كل خميس " وفي المروي (3) عن الخصال عن علي عليه السلام " اقروا عند الملتزم بما حفظتم من ذنوبكم، وما لم تحفظوا فقولوا وما حفظته علينا ونسيناه فاغفره لنا، فانه من أقر بذنوبه في ذلك الموضع وعده وذكره واستغفر منه كان حقا على الله عزوجل أن يغفر له " وقال الصادق عليه السلام ايضا في خبر عبد الله بن سنان (4): " إذا كنت في الطواف السابع فائت المتعوذ وهو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب، فقل: اللهم البيت بيتك، والعبد عبدك، وهذا مقام العائذ بك من النار، اللهم من قبلك الروح والفرج، ثم استلم الركن اليماني ثم ائت الحجر فاختم به ". وربما يستفاد من خبري بن مسلم (5) والصباح (6) استحباب استلام الكعبة من دبرها بعد الفراغ من الطواف، قال في الاول: " قلت لابي جعفر عليه السلام من اين استلم الكعبة إذا فرغت من طوافي ؟ قال: من دبرها " وقال في الثاني: " سئل أبو عبد الله عليه السلام عن استلام الكعبة فقال: من دبرها " بل


(1) و (2) الوسائل الباب 26 من ابواب الطواف الحديث 6 - 7 (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 26 من ابواب الطواف الحديث 8 - 1 - 2 - 3 والرابع عن ابي الصباح وهو الصحيح

[ 356 ]

قد يستفاد من خبر سعدان بن مسلم (1) المروي عن قرب الاسناد استحباب التزام غير الملتزم، قال: " رأيت أبا الحسن موسى عليه السلام استلم الحجر ثم طاف حتى إذا كان اسبوع التزم وسط البيت وترك الملتزم الذي يلتزم أصحابنا وبسط يده على الكعبة " إلى آخر الخبر الذي ذكرناه سابقا في استلام الحجر، والامر سهل بعد كون الحكم ندبا، وقد ظهر لك ان المستجار هو بحذاء الباب مؤخر الكعبة وإن كان قد سمعت ما في أحد اخبار معاوية، والله العالم. (ولو جاوز المستجار إلى الركن) عمدا أو نسيانا (لم يرجع) حذرا من زيادة الطواف، ولصحيح ابن يقطين (2) " سألت أبا الحسن عليه السلام عمن نسي ان يلتزم في آخر طوافه حتى جاز الركن اليماني أيصلح أن يلتزم بين الركن اليماني وبين الحجر أو يدع ذلك ؟ قال: يترك اللزوم ويمضي، وعمن قرن عشرة اسباغ أو اكثر أو اقل أله ان يلتزم في آخرها التزاما واحدا ؟ قال: لا احب " ولكن في الدروس: ولو تجاوزه رجع مستحبا ما لم يبلغ الركن، وقيل لا يرجع مطلقا، وهو رواية علي بن يقطين، بل في النافع والقواعد إطلاق الامر بالرجوع لالتزامه، ولعله لاطلاق بعض (3) النصوص السابقة، وعدم زيادة الطواف بعد عدم نيته بما بعد ذلك إلى موضع الرجوع طوافا، وإنما الاعمال بالنيات، قيل: ولذا لم ينه عنه الاصحاب، وإنما ذكروا أنه ليس عليه، وإن كان فيه أن ظاهر المتن والخبر النهي، نعم هما إذا كان قد تجاوز أو انتهى إلى الركن ولا ريب في ان الاحوط تركه، واحوط منه عدم الرجوع مطلقا، لاحتمال المنع من مطلق الزيادة كما جزم به في الرياض مستظهرا به مما في الدروس


(1) و (3) الوسائل الباب 26 من ابواب الطواف الحديث 10 - 1 (2) الوسائل الباب 27 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 357 ]

والروضة هنا من الامر بحفظ الموضع عند الاستلام، أو الالتزام بان يثبت رجليه في الموضع، ولا يتقدم بهما حذرا من الزيادة في الطواف، كالامر بحفظ موضع القطع حيث يجوز الخروج من الطواف، مضافا إلى إطلاقهم في غير المقام النهي عن الزيادة الذي يمكن اتكالهم عليه هنا، والى عدم دليل على الرجوع إلا الاطلاق الغير المعلوم انصرافه إلى محل النزاع، وإن كان ذلك كله محل نظر أو منع وإن زاد في الاطناب به في الرياض، والله العالم. (و) منها (ان يلتزم الاركان كلها) كما صرح به الفاضل وغيره لصحيح جميل (1) " رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يستلم الاركان كلها " وخبر ابراهيم بن ابي محمود (2) " قلت للرضا (عليه السلام) استلم اليماني والشامي والعراقي والغربي قال: نعم " إلا انهما كما ترى في الاستلام الذي هو معقد المحكي من اجماع الخلاف على استحبابه فيها اجمع نحو ما عن المنتهى من النسبة إلى علمائنا، فيمكن ان يكون هو المراد من الالتزام، أو نظرا إلى ما سمعته سابقا من صحيح يعقوب بن شعيب (3) سأل الصادق (عليه السلام) " عن استلام الركن فقال: استلامه أن تلصق بطنك به، والمسح ان تمسحه بيدك " والامر سهل. (وآكدها الذي فيه الحجر واليماني) قال الصادق (عليه السلام) في صحيح جميل (4) " كنت اطوف بالبيت فإذا رجل يقول ما بال هذين الركنين يستلمان ولا يستلم هذان، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله استلم هذين ولم يتعرض


(1) و (2) الوسائل الباب 25 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2 (3) الوسائل الباب 15 من ابواب الطواف الحديث 2 (4) الوسائل الباب 22 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 358 ]

لهذين، فلا تعرض لهما إذا لم يتعرض لهما رسول الله صلى الله عليه وآله، قال جميل: ورأيت ابا عبد الله (عليه السلام) يستلم الاركان كلها " والمراد بالاشارة في الصحيح الركن اليماني والذي فيه الحجر ولو بقرينة خبر غياث (1) عن جعفر عن ابيه (عليهما السلام) " كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يستلم إلا الركن الاسود واليماني ثم يقبلهما ويضع خده عليهما ورأيت ابي يفعله " وخبر بريد بن معاوية العجلي (2) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) كيف صار الناس يستلمون الحجر والركن اليماني ولا يستلمون الركنين الآخرين ؟ فقال: قد سألني عن ذلك عباد بن صهيب البصري فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله استلم هذين ولم يستلم هذين، وإنما على الناس ان يفعلوا ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله، وسأخبرك بغير ما أخبرت به عبادا إن الحجر الاسود والركن اليماني عن يمين العرش، وإنما أمر الله أن يستلم ما عن يمين عرشه " وفي المروي (3) عن العلل عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الركن الغربي فقال له الركن يا رسول الله ألست قعيدا من قواعد بيت ربك فما لي لا استلم ؟ فدنى منه النبي صلى الله عليه وآله فقال: اسكن وعليك السلام غير مهجور " والمرسل (4) عن النبي والائمة (عليهم الصلاة والسلام) " صار الناس يستلمون الحجر والركن اليماني ولا يستلمون الركنين الآخرين، لان الحجر الاسود والركن اليماني عن يمين العرش، وإنما أمر الله تعالى ان يستلم ما عن يمين عرشه " وفي المرسل الآخر (5) عن الصادق عليه السلام " الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة " وقال عليه السلام (6) " فيه باب من أبواب الجنة لم يغلق منذ فتح، وفية نهر من الجنة تلقى فيه اعمال العباد " وفي المرسل الثالث (7) " انه يمين الله


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 22 من ابواب الطواف الحديث 2 - 12 - 14 - 5 - 6 - 7 - 8

[ 359 ]

في أرضه، يصافح بها خلقه " وفي الدروس لانها على قواعد ابراهيم، لكن في كشف اللثام " حكيت هذه العلة عن ابن عمر، ولا تتم إلا على كون الحجر أو بعضه من الكعبة، وسمعته انا لا نقول به، وانما هو قول العامة " وقد سبقه إليه في المسالك، فانه قال بعد حكاية ذلك: وهو يشعر بكون البيت مختصرا من جانب الحجر، وقد تقدم الخلاف فيه، والامر سهل. وقال الصادق عليه السلام ايضا في خبر زيد الشحام (1): " كنت أطوف مع أبي عليه السلام وكان إذا انتهى إلى الحجر مسحه بيده وقبله وإذا انتهى إلى الركن اليماني التزمه، فقلت: جعلت فداك تمسح الحجر بيدك وتلتزم اليماني، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أتيت الركن اليماني إلا وجدت جبرئيل قد سبقني إليه يلتزمه ". ومنه بل وغيره يستفاد التأكد في خصوص اليماني الذي ورد فيه استحباب الدعاء عنده ايضا، قال العلاء بن ربعي (2) " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عزوجل وكل بالركن اليماني ملكا هجيرا يؤمن على دعائكم " وفي خبره (3) الآخر عنه عليه السلام " انه كان يقول: إن ملكا موكل بالركن اليماني منذ خلق الله السماوات والارضين، ليس له هجير إلا التأمين على دعائكم، فلينظر عبد بما يدعو، فقلت ما الهجير ؟ فقال: كلام من كلام العرب، أي ليس له عمل " وعن رواية اخرى (4) " ليس له عمل غير ذلك " وفي خبر معاوية بن عمار (5) عن ابي عبد الله


(1) الوسائل الباب 22 من ابواب الطواف الحديث 3 (2) الوسائل الباب 23 من ابواب الطواف الحديث 1 عن ربعي عن العلاء بن المقعد قال: " سمعت.. الخ ". (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 23 من ابواب الطواف الحديث 2 - 3 - 4 والاول عن العلاء بن المقعد

[ 360 ]

عليه السلام ايضا " الركن اليماني باب من ابواب الجنة لم يغلقه الله منذ فتحه " وقال ابو الفرج السندي (2) " كنت أطوف بالبيت مع ابي عبد الله (عليه السلام) فقال: أي هذا اعظم حرمة ؟ فقلت: جعلت فداك أنت اعلم بهذا مني، فاعاد علي فقلت: داخل البيت، فقال: الركن اليماني على باب من ابواب الجنة، مفتوح لشيعة آل محمد صلى الله عليه وآله مسدود عن غيرهم، وما من مؤمن يدعو بدعاء عنده إلا صعد دعاؤه حتى يلصق بالعرش، ما بينه وبين الله حجاب ". وكيف كان فقد ظهر لك من ذلك كله ضعف ما عن ابي علي من نفي استلام غير الركنين المزبورين لظاهر بعض النصوص السابقة المحمولة على عدم التأكد أو عدم المواظبة، وعلى التقية جمعا بينها وبين غيرها مما عرفت من النص والاجماع المحكي كالمحكي عن سلار من وجوب استلام اليماني كلثم الحجر وإن قال في كشف اللثام للامر به في الاخبار من غير معارض، لكن فيه انه لا امر به بخصوصه، نعم فيه حكاية فعل هو اعم من الوجوب، أو رخصة هي أعم من الاستحباب فضلا عن الوجوب، على ان لسان النصوص المزبورة ظاهر في الندب سيما بعد ملاحظة جمعه مع غيره مما هو معلوم الندب وحكاية ظاهر الاجماع وغير ذلك، هذا، وفي المدارك والظاهر تأدي السنة بالمسح باليد، كما تدل عليه صحيحة سعيد الاعرج (2) عن ابى عبد الله عليه السلام " سألته عن استلام الحجر من قبل الباب فقال: أليس تريد أن تستلم الركن ؟ فقلت: نعم، فقال: يجزيك حيث ما نالت يدك: وفيه أن ظاهر النصوص المزبورة استحباب أزيد


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الطواف الحديث 6 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 361 ]

من ذلك من الالتزام ونحوه وإن كان هو ايضا مستحبا، بل لعل لفظ الاجزاء مشعر بذلك ايضا، بل لا يبعد استفادة رجحان أصناف التبرك بالاركان وخصوصا الركنين بل وغيرهما مما هو في دبر الكعبة من إلصاق البطن والوجه والالتزام والتقبيل ونحوها. (ويستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين طوافا) كل طواف سبعة اشواط فتكون الفين وخمس مائة وعشرين شوطا بلا خلاف أجده فيه (فان لم يتمكن فثلاثمائة وستين شوطا) كما صرح به غير واحد، لصحيح ابن عمار (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " يستحب أن يطوف ثلاثمائة وستين اسبوعا عدد أيام السنة، فان لم يستطع فثلاثمائة وستين شوطا، فان لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف " وغيره من الاخبار على ما في كشف اللثام، قال: " ثم انها كعبارات الاصحاب مطلقة، نعم في بعضها التقييد بمدة مقامه بمكة، والظاهر استحبابها لمن أراد الخروج في عامه أو في كل عام، وما في الاخبار من كونها بعدد أيام السنة قرينة عليه " قلت: لم أعثر على ما ذكره من النصوص، نعم في المحكي عن فقه الرضا عليه السلام (2) " يستحب أن يطوف الرجل بمقامه بمكة ثلاثمائة وستين اسبوعا " فلا مانع من إرادة استحباب ذلك له في كل يوم، لما يظهر من النصوص من استحباب كثرة الطواف وأنه كالصلاة من شاء استقل ومن شاء استكثر، وفي خبر عبد الله الهاشمي (3) عن الصادق عليه السلام " كان موضع الكعبة ربوة من الارض بيضاء تضئ كضوء الشمس والقمر حتى قتل ابنا آدم أحدهما صاحبه فاسودت،


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) المستدرك الباب 6 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) الوسائل الباب 4 من ابواب الطواف الحديث 7

[ 362 ]

فلما نزل آدم رفع الله له الارض كلها حتى رآها، قال: يا رب ما هذه الارض البيضاء المنيرة قال: هي حرمي في أرضي وقد جعلت عليك ان تطوف بها كل يوم سبعمائة طواف " وفي خبر ابي الفرج (1) قال: " سأل أبان أبا عبد الله عليه السلام أكان لرسول الله صلى الله عليه وآله طواف يعرف به ؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يطوف بالليل والنهار عشرة اسابيع: ثلاثة أول الليل، وثلاثة آخر الليل، واثنين إذا أصبح، واثنين بعد الظهر، وكان فيما بين ذلك راحته " وكيف كان فظاهر ما سمعته من النص والفتوى من استحباب ثلاثمائة وستين شوطا انه يكون واحد منها عشرة أشواط، وذلك لانها حينئذ أحد وخمسون اسبوعا وثلاثة أشواط، وقد سمعت كراهة الزيادة. (و) لكن في المتن وغيره أنه (تلحق) هذه (الزيادة بالطواف الاخير وتسقط الكراهة هاهنا بهذا الاعتبار) للنص والفتوى، أو ان استحبابها لا ينفي الزائد، فيزاد على الثلاثة اربعة كما عساه يشهد له ما في الغنية من انه قد روي (2) انه يستحب ان يطوف مدة مقامه بمكة ثلاثمائة وستين اسبوعا أو ثلاثمائة واربعة وستين شوطا، بل حكاه غير واحد عن ابن زهرة، وعن المختلف نفي البأس عنه، وفي الدروس وزاد ابن زهرة اربعة اشواط حذرا من الكراهة، وليوافق عدد ايام السنة الشمسية، ورواه البزنطي (3) وفي كشف اللثام عن حاشية القواعد أن في جامعه اشارة إليه، لانه ذكر في سياق احاديثه عن الصادق عليه السلام انها اثنان وخمسون طوافا، قلت فيما حضرني من الوسائل عن


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 7 من ابواب الطواف الحديث 2 و 3 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 363 ]

التهذيب مسندا عن احمد بن محمد بن ابي نصر (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " يستحب أن يطاف بالبيت عدد أيام السنة كل اسبوع لسبعة ايام، فذلك إثنان وخمسون اسبوعا " وأما احتمال مشروعية الثلاثة طوافا منفردا فهو بعيد جدا، وعلى كل حال ففي كشف اللثام " وتخصيص الاخير للقصر على العذر واليقين، إذ قد يتجدد التمكن من الطواف بالعدد، أو يكون الاخير أو غيره ثلاثة اشواط " قلت: قد عرفت بعد الاخير بل والاول بناء على ما سمعته من المروي عن البزنطي وغيره المراد مما في صدره وعجزه السنة الشمسية كما سمعته من الشهيد، وبذلك يخرج عن ظاهر الخبر المزبور المنافي لما دل على وجوب الطواف سبعة اشواط لا ازيد ولا انقص، فاحتمال مشروعيته هنا ثلاثة أو عشرة لا داعي له، وإلا لقيل بمشروعية الثلاثمائة وستين شوطا طوافا واحدا كما هو ظاهر الخبر المزبور، ولا اظن احدا يلتزمه، فليس المراد حينئذ إلا الاشواط المزبورة مقطعة طوافات كل طواف سبعة، وإن توقف ذلك على إضافة اربعة إلى الثلاثة المتأخرة لا انها تجعل طوافا مستقلا، ولا انها تضاف إلى الآخر على ان يكون عشرة اشواط، فلا حاجة حينئذ إلى استثنائه من الكراهة كما هو ظاهر المصنف وغيره، وإلا فلا وجه لتخصيصه بالاخير لاطلاق النص، والله العالم. (و) منها (ان يقرأ في ركعتي الطواف في) الركعة (الاولى مع الحمد قل هو الله احد وفي الثانية معه قل يا ايها الكافرون) كما هو المشهور، لما سمعته من قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية (2) " إذا فرغت من طوافك فائت مقام ابراهيم فصل ركعتين واجعله اماما واقرأ في


(1) الوسائل الباب 7 من ابواب الطواف الحديث 3 (2) الوسائل الباب 71 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 364 ]

الاولى منهما سورة التوحيد قل هو الله احد، وفي الثانية قل يا ايها الكافرون " الحديث، وغيره المؤيد بالترتيب الذكري في كثير من الاخبار المرغبة في قراءة السورتين هنا وفي باقي المواضع السبع المشهورة، خلافا لما عن الشيخ في كتاب الصلاة، فقال بالجحد في الاولى والتوحيد في الثانية، وعن الشهيد أنه جعله رواية (1) وإن كنا لم نقف عليها، مع أنه في محكي النهاية هنا أفتى بما سمعته من المشهور، بل نفى عنه البأس في كتاب الصلاة، وقد تقدم الكلام في ذلك عند البحث على وجوبهما في الطواف، فلاحظ، والله العالم. (ومن زاد على السبعة) في طواف الفريضة (سهوا) شوطا (اكملها اسبوعين) في المشهور نصا وفتوى (وصلى الفريضة أولا وركعتي النافلة بعد الفراغ من السعي) أما الاولى فللمعتبرة المستفيضة كصحيح أبي أيوب (2) " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف فريضة قال: فليضف إليها ستا، ثم يصلي اربع ركعات " وصحيح ابن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) في كتاب علي عليه السلام " إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة واستيقن ثمانية أضاف إليها ستا، وكذا إذا استيقن أنه سعى ثمانية أضاف إليها ستا " وخبره (4) الآخر عنه عليه السلام ايضا " قلت له: رجل طاف بالبيت فاستيقن أنه طاف ثمانية أشواط قال: يضيف إليها ستة وكذلك إذا استيقن أنه طاف بين الصفا والمروة ثمانية فليضف إليها ستة " ونحو ذلك خبره الثالث (5) وخبر علي بن ابي حمزة (6) " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل طاف بالبيت


(1) سنن البيهقي ج 5 ص 91 (2) و (3) و (4) و (5) و (6) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 13 - 10 - 12 - 8 - 15

[ 365 ]

ثمانية أشواط قال: نافلة أو فريضة، فقال: فريضة، فقال: يضيف إليها ستة، فإذا فرغ صلى ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام ثم خرج إلى الصفا والمروة فطاف بهما، فإذا فرغ صلى ركعتين أخراوين، فكان طواف نافلة وطواف فريضة " وخبر وهب (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " ان عليا (عليه السلام) طاف ثمانية اشواط فزاد ستة ثم ركع أربع ركعات " وخبر زرارة (2) عن ابي جعفر (عليه السلام) " ان عليا (عليه السلام) طاف طواف الفريضة ثمانية فترك سبعة وبنى على واحد واضاف إليها ستة، ثم صلى ركعتين خلف المقام ثم خرج إلى الصفا والمروة، فلما فرغ من السعي بينهما رجع فصلى الركعتين اللتين ترك في المقام الاول " إلى غير ذلك من النصوص المنجبر ما يحتاج منها إلى جابر بما عرفت المقيد إطلاق بعضها بحال السهو التي يخرج بها عما تقتضيه القاعدة من الفساد للثاني بعدم النية وللاول بالزيادة، قال أبو الحسن (عليه السلام) في خبر عبد الله بن محمد (3): " الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة، فإذا زدت عليها فعليك الاعادة وكذا السعي ". خلافا للصدوق في محكي المقنع، قال: وإن طفت بالبيت الطواف المفروض ثمانية أشواط فاعد الطواف، وروي يضيف إليها ستة فيجعل واحدا فريضة والآخر نافلة، لما عرفت، ولخبر ابي بصير (4) " سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض قال: يعيد حتى يثبته "


(1) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 6 عن معاوية ابن وهب (2) و (3) و (4) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 7 - 11 - 1

[ 366 ]

وخبره الآخر (1) المضمر " قلت له فان طاف وهو مقطوع ثمان مرات وهو ناس قال: فليتم طوافه ثم يصلي اربع ركعات، فأما الفريضة فليعد حتى يتم سبعة أشواط " قيل وصحيح ابن سنان (2) عن ابي عبد الله عليه السلام " من طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطا ثم يصلي ركعتين " من حيث الاقتصار على ركعتين كخبر رفاعة (3) " كان علي عليه السلام يقول: إذا طاف ثمانية فليتم اربعة عشر، قلت يصلي أربع ركعات قال: يصلي ركعتين " وفيه أنه غير موافق لما سمعته من المقنع من إعادة الطواف الذي مقتضاه كخبر ابي بصير بطلان الثمانية، فما عن بعض الناس ممن قارب عصرنا من الاعتداد بالثامن خاصة مكملا له بستة على انه الطواف الواجب لنحو الخبرين المزبورين اللذين أولهما في الداخل في الثامن وغير ناف للركعتين الاخيرتين كالآخر المحتمل لارادة تعجيل الركعتين قبل السعي في غير محله، بل يمكن دعوى الاجماع المركب على خلافه، فيجب حمل ما سمعت على ما يوافق المشهور بارتكاب ما عرفت وغيره من احتمال إرادة الصلاتين من الركعتين، أو طرحه كوجوب حمل خبر أبي بصير وغيره مما استدل به للصدوق كذلك، ضرورة قصوره عن المعارضة سندا واستفاضة واعتضادا بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا، بل لعلها كذلك، إذ لم نجد مخالفا إلا ما سمعته من المقنع الذي لا يقدح مثله خصوصا بعد ما عن الفقه المنسوب (4) إلى الرضا (عليه السلام) مما ينافي ذلك، قال: " فان سهوت فطفت طواف الفريضة ثمانية اشواط فزد عليها ستة اشواط، وصل


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 2 - 5 - 9 (4) المستدرك الباب 24 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 367 ]

عند مقام ابراهيم ركعتي الطواف، ثم اسع بين الصفا والمروة، ثم تأتي المقام فصل خلفه ركعتي الطواف، واعلم ان الفريضة هو الطواف الثاني، والركعتين الاولتين لطواف الفريضة، والركعتين الاخيرتين للطواف الاول، والطواف الاول تطوع " والمناقشة في بعض النصوص المزبورة المتضمنة لفعل علي (عليه السلام) بعدم وقوع ذلك منه عمدا ولا سهوا لعصمته مدفوعة باحتمال التقية فيه على معنى أن الصادق (عليه السلام) حكاه كما عندهم تقية مع أن الدليل غير منحصر فيه، فلا بأس بطرحه، كما لا ريب في ان المتجه ما عليه المشهور. نعم الظاهر اعتبار اكمال الشوط، أما إذا لم يكمله فليلغه ويرجع إلى طوافه كما ستسمع الكلام فيه إن شاء الله عند تعرض المصنف له. ثم إن الفاضل والشهيدان قد صرحوا باستحباب الاكمال المزبور الذي مقتضاه كون الثاني هو النافلة، بل هو ظاهر المصنف وغيره ممن عده في ذكر المندوبات، وحينئذ يجوز له قطعه ولعله لاصالة البراءة بعد بقاء الاول على الصحة المقتضية لذلك باعتبار نيته، وللاتفاق على عدم وجوب طوافين، بل قد سمعت التصريح في الصحيح السابق بان احدهما فريضة والآخر ندب، فالاصل بقاء الاول على وجوبه، خلافا للمحكي عن الصدوق وابني الجنيد وسعيد من كون الثاني هو الفريضة كما سمعت النص عليه في الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) وعن الصدوق في الفقيه حكايته رواية ناقلا لمضمون الرضوي الذي سمعته، وللامر بالاكمال المحمول على الوجوب، ولجميع ما دل على بطلان الاول، ولظهور صحيح زرارة المتقدم المتضمن فعل علي عليه السلام، ولكن الجميع كما ترى بعد معلومية الصحة في الاول نصا وفتوى، وعدم حجية المرسل والرضوي، وإرادة الندب من الامر لما عرفته سابقا، بل قد يدعى ظهور النصوص في كون النافلة الثاني كما اعترف به بعض الناس، بل لعله ظاهر الصدوق

[ 368 ]

ايضا حيث انه بعد ان ذكر النصوص المزبورة قال: في رواية اخرى ان الفريضة الثاني والنافلة الاول، وبعد معلومية عدم السهو عليه (عليه السلام) فلم يطف ثمانية إلا لعدوله في الاول عن فرضه لموجب له، فليس الصحيح المزبور حينئذ من المسألة، كل ذلك مع استبعاد انقلاب ما نواه واجبا للندب بالنية المتأخرة وإن كان لا بأس به بعد الدليل المعتد به، كما في نية العدول في الصلاة، وتأثير النية هنا في الشوط الثامن الذي فرض وقوعه سهوا على انه من الطواف الاول، ولكن مع هذا كله لا ينبغي ترك الاحتياط في عدم القطع. ثم إن مقتضى الجمع بين النصوص المزبورة هو ما ذكره المصنف وغيره من صلاة ركعتين لطواف الفريضة مقدما على السعي، وصلاة ركعتين أخريين للنافلة بعد السعي حملا للمطلق على ما سمعته من التفصيل الذي تضمنه بعض النصوص المزبورة، مضافا إلى خبر جميل (1) سأل الصادق عليه السلام " عمن طاف ثمانية اشواط وهو يرى انها سبعة فقال: إن في كتاب علي (عليه السلام) انه إذا طاف ثمانية اشواط انضم إليها ستة اشواط ثم يصلي الركعات بعد، قال: وسئل عن الركعات كيف يصليهن أيجمعهن أو ماذا ؟ قال: يصلي ركعتين للفريضة ثم يخرج إلى الصفا والمروة، فإذا رجع من طوافه بينهما رجع فصلى ركعتين للاسبوع الاخير " بل ظاهر المتن والنصوص المزبورة وجوب الكيفية المذكورة كما عن الاكثر، لكن في المدارك ان ذلك على الافضل، لاطلاق الامر بصلاة الاربع في خبر ابى ايوب (2) ولعدم وجوب المبادرة إلى السعي، وفي كشف اللثام " وهل يجب تأخير صلاة النافلة ؟ وجهان، من عدم وجوب


(1) و (2) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 16 - 13

[ 369 ]

المبادرة إلى السعي، واحتمال أن لا يجوز الاتيان بالندب مع اشتغال الذمة بالواجب " ولكن هما معا كما ترى بعد ما عرفت من ظهور النصوص المزبورة في الواجب، والله العالم. (و) منها (أن يتدانى من البيت) كما صرح به الفاضل وغيره معللا له بانه المقصود، فالدنو منه أولى، ولا ينافي ذلك ما ورد (1) من أن في كل خطوة من الطواف سبعين الف حسنة، والتباعد أزيد خطأ لجواز اتفاق الحسنات في العدد دون الرتبة، والله العالم. (ويكره الكلام في الطواف بغير الدعاء والقراءة) لخبر محمد بن الفضيل (2) عن الجواد عليه السلام " طواف الفريضة لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بالدعاء وذكر الله وتلاوة القرآن، قال: والنافلة يلقى الرجل أخاه فيسلم عليه ويحدثه بالشئ من أمر الدنيا والآخرة لا بأس به " وهو وإن اختص بالفريضة لكن يمكن القطع بمساواة النافلة لها في أصل الكراهة وإن كانت أخف خصوصا بعد معروفية المرجوحية في المسجد بكلام الدنيا، ولعله لذا أطلق المصنف وغيره الكراهة، بل زاد الشهيد كراهية الاكل والشرب والتثأب والتمطي والفرقعة والعبث ومدافعة الاخبثين وكل ما يكره في الصلاة غالبا، ولا بأس به، بل قال ايضا: " انه تتأكد الكراهة في الشعر " وعلى كل حال فلا حرمة في شئ من ذلك بلا خلاف أجده فيه، بل عن المنتهى إجماع العلماء كافة على جواز الكلام في المباح، وقال ابن يقطين (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الكلام في الطواف وإنشاد الشعر والضحك في الفريضة أو غير الفريضة أيستقيم ذلك ؟ قال: لا بأس به،


(1) الوسائل الباب 5 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) و (3) الوسائل الباب 54 من ابواب الطواف الحديث 2 - 1

[ 370 ]

والشعر ما كان لا بأس بمثله " نعم ورد النهي عن إنشاده في المسجد إلا ما كان منه دعاء أو حمدا أو مدحا لنبي صلى الله عليه وآله أو امام عليه السلام أو موعظة، والله العالم. المقصد (الثالث في أحكام الطواف، وفيه اثنتي عشرة مسألة: الاولى الطواف) في النسك المعتبر فيه عمرة أو حجا (ركن) إجماعا محكيا عن التحرير إن لم يكن محصلا، وحينئذ ف‍ (من تركه عامدا) عالما (بطل) عمرته أو (حجه) كغيره من أركان الحج التي هي على ما قيل النية والاحرام والوقوفان والسعي، لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، وقاعدة انتفاء المركب بانتفاء جزئه، ولفحوى صحيح ابن يقطين (1) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة قال: إن كان على وجه جهالة في الحج أعاد وعليه بدنة " وخبر علي بن ابي حمزة (2) سئل " عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتى يرجع إلى أهله قال: إن كان على وجه الجهالة أعاد الحج وعليه بدنة " ومن المعلوم أولوية العالم من الجاهل بالاعادة، بل في الدروس وفي وجوب هذه البدنة على العالم نظر، من الاولوية وإن كان قد يناقش باحتمال كونها للتقصير في التعلم واحتمال كونه كمن عاد إلى تعمد الصيد، اللهم إلا أن يدعى الدلالة في العرف على ذلك بحيث يصلح لان تكون حجة شرعية. وعلى كل حال فمنهما يعلم كون الجاهل هنا كالعامد كما عن الشيخ وغيره التصريح به، مضافا إلى الاصل وغيره، فما في النافع " وفي رواية إن كان على وجه جهالة أعاد الحج " مما يشعر بالتوقف فيه في غير محله، وإن مال إليه بعض متأخري المتأخرين كالاردبيلي والمحدث البحراني، لعموم نفي الشئ على الجاهل ورفع القلم مطلقا أو في خصوص الحج المعلوم إرادة نفي العقاب منه لا القضاء


(1) و (2) الوسائل الباب 56 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2

[ 371 ]

والاعادة ونحوهما مما هو معلوم في جميع أبواب الفقه، ولو سلم فهو مخصوص بما هنا، ولذا نزل ما في النافع على إرادة التوقف في البدنة، قيل للاصل وضعف الخبرين وعدم العمل بهما من أحد، وهو في غير محله ايضا، ضرورة انقطاع الاصل وحجية أحد الخبرين كما لا يخفى على من له خبرة باحوال الرجال، ومنع عدم العمل بهما، فانه قد حكي عن الشيخ والاكثر ذلك، وهو الاقوى. بقي الكلام فيما يتحقق به الترك، ففي المسالك وفي وقت تحقق البطلان بتركه خفاء، فان مقتضى قوله: " من تركه ناسيا قضاه ولو بعد المناسك " ان العامد يبطل حجه متى فعل المناسك بعده، وقد ذكره جماعة من الاصحاب انه لو قدم السعي على الطواف عمدا بطل السعي ووجب عليه الطواف ثم السعي، فدل على عدم بطلان الحج بمجرد تأخر الطواف عمدا، ويقوى توقف البطلان على خروج وقت الحج، وهو ذو الحجة، لانه وقت لوقوع الافعال في الجملة خصوصا الطواف والسعي، فانه لو أخرهما عمدا طول ذي الحجة صح، وغاية ما يقال انه يأثم، وقد تقدم، وفي حكم خروج الشهر انتقال الحاج إلى محل يتعذر عليه العود في الشهر، فانه يتحقق البطلان وإن لم يخرج. هذا في الحج، وأما العمرة فان كانت عمرة تمتع كان بطلانها بفواته عمدا متحققا بحضور الموقفين بحيث يضيق الوقت إلا عن التلبس بالحج ولما يفعله، وإن كانت مفردة فبخروج السنة إن كانت المجامعة لحج القران أو الافراد، ولو كانت مجردة عنه فاشكال، إذ يحتمل حينئذ بطلانها بخروجه عن مكة ولما يفعله، ويحتمل أن يتحقق في الجميع بتركه بنية الاعراض عنه، وأن يرجع فيه إلى ما يعد تركا عرفا، والمسألة موضع إشكال، وقد سبقه الكركي إلى ذلك في حاشية الكتاب، قال: " مما يشكل تحقيق ما به يتحقق ترك الطواف، فانه لو سعى قبل أن يطوف لم يعتد به، وإن أحرم بنسك آخر بطل فعله، صرح به في

[ 372 ]

الدروس، ويمكن أن يحكم في ذلك العرف، فإذا شرع في نسك آخر عازما على ترك الطواف بحيث يصدق الترك عرفا حكم ببطلان الحج أو يراد به خروجه من مكة بنية عدم فعله " قلت: لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما ذكرناه سابقا من جواز تأخير طواف حج التمتع وسعيه اختيارا طول ذي الحجة على كراهية شديدة، ودونها تأخر طواف حج الافراد والقران وسعيه كما سمعت الكلام في ذلك مفصلا، بل الظاهر من القائل بعدم الجواز إرادة الاثم دون البطلان، فحينئذ يراد بالترك في حج التمتع والقران والافراد عدم الفعل في تمام ذي الحجة وفي عمرة التمتع عدمه إلى ضيق وقت الوقوف بعرفة، وفي العمرة المفردة المجردة إلى تمام العمر، بل وكذا المجامعة لحج الافراد والقران بناء على عدم وجوبها في سنتهما، وإلا فالمدار على تركها في تلك السنة، فهو ركن في هذه المناسك جميعها تبطل بتركه فيها على الوجه المزبور مع العلم والعمد. نعم الظاهر خروج طواف النساء عن ذلك وإن اوهمه ظاهر العبارة، لكن هو غير ركن، فلا يبطل النسك بتركه حينئذ من غير خلاف كما عن السرائر لخروجه عن حقيقة الحج، قال الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (1) " وعليه يعني المفرد طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحج " ونحوه صحيح معاوية (2) في القارن، وصحيح الخزاز (3) قال: " كنت عند ابى عبد الله عليه السلام فدخل عليه رجل فقال: أصلحك الله ان معنا امرأة حائضا ولم تطف طواف النساء ويأبى الجمال أن يقيم عليها قال: فاطرق وهو يقول: لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب أقسام الحج الحديث 5 - 11 (3) الوسائل الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 13

[ 373 ]

ولا يقيم عليها جمالها ثم رفع رأسه إليه فقال: تمضي فقد تم حجها " فان قوله عليه السلام: " فقد تم حجها " ظاهر في خروجه عن النسك ولو في حال الاختيار، ولا يقدح في ذلك كون مورده الاضطرار، إذ العبرة بعموم الوارد لا خصوص المورد، كما هو واضح. ثم إن الظاهر عدم الاحتياج إلى المحلل بعد فساد النسك بتعمد ترك الطواف المعتبر فيه، ضرورة بطلان الاحرام الذي هو جزء من النسك ببطلانه، مضافا إلى خلو أخبار البيان عنه، لكن في المدارك وغيرها احتمال بقائه على إحرامه إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله، ويكون إطلاق اسم البطلان عليه مجازا كما عن الشهيد في الحج الفاسد بناء على أن الاول هو الفرض واحتمال توقفه على أفعال العمرة، بل عن الكركي في شرح القواعد الجزم بالاخير، لكن قال: " على هذا لا يكاد يتحقق معنى الترك المقتضي للبطلان في العمرة المفردة، لانها هي المحللة من الاحرام عند بطلان نسك آخر غيرها، فلو بطلت احتيج في التحلل من إحرامها إلى أفعال العمرة، وهو معلوم البطلان " وفي المدارك هو غير واضح المأخذ، فان التحلل بافعال العمرة إنما يثبت مع فوات الحج لا مع بطلان النسك مطلقا، ودعوى استصحاب حكم الاحرام إلى أن يعلم حصول المحلل وإنما يعلم بالاتيان بافعال العمرة يدفعها ما عرفت من أن بطلان النسك يقتضي بطلان الاحرام الذي هو جزء منه ولكن مع ذلك فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا على القول بكون الاحرام نسكا مستقلا يعتبر وقوع الافعال معه نحو الطهارة للصلاة، ولا أقل من أن يكون له جهتان كما عساه يشهد لذلك ما تسمعه في المحصور والمصدود، فحينئذ يتجه توقف التحليل على فعل الفائت ولو في السنة الآتية، لاصالة عدم حصول التحلل بغير اداء النسك الذي وقع الاحرام له، ولكن فيه من العسر والحرج ما لا يخفى، ولعله لذا قال الكركي بالتحلل بافعال العمرة، وإن كان لا يتم

[ 374 ]

إلا بدعوى الاستفادة من الادلة ان أفعالها يحصل بها التحليل من الاحرام مطلقا من غير فرق بين فوات الحج بفوات وقته وبين بطلانه بفوات ركنه، ولم يحضرني الآن ما يدل على ذلك، وإن كان ظاهر سيد المدارك المفروغية منه، حيث انه بعد أن ذكر ما سمعته سابقا قال: " والمسألة قوية الاشكال، من حيث استصحاب حكم الاحرام إلى أن يعلم حصول المحلل، وإنما يعلم بالاتيان بافعال العمرة، ومن اصالة عدم توقفه على ذلك مع خلو الاخبار الواردة في مقام البيان منه، ولعل المصير إلى ما ذكره أحوط، ولكن قد عرفت ان الاحوط منه ايضا فعل الفائت مع ذلك، والله العالم. (ومن تركه ناسيا قضاه) بنفسه متى ذكره (ولو بعد المناسك) وانقضاء الوقت بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، لرفع الخطأ والنسيان المعتضد بقاعدة نفي الحرج، وصحيح هشام بن سالم (1) سأل الصادق عليه السلام " عمن نسي طواف زيارة البيت حتى يرجع إلى أهله فقال: لا يضره إذا كان قد قضى مناسكه " وصحيح علي بن جعفر (2) عن اخيه موسى (عليه السلام) سأله " عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده وواقع النساء كيف يصنع ؟ قال يبعث بهدي إن كان تركه في حج يبعث به في حج، وإن كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، ويوكل من يطوف عنه ما تركه من طواف الحج " فما عن الشيخ في كتابي الاخبار والحلبي من البطلان في غير محله بعد ما عرفت، فلا وجه لحمل الطواف في الصحيح الاول على طواف الوداع وفي الثاني على طواف النساء كما وقع من الشيخ مستدلا عليه بخبر معاوية بن عمار (3) " قلت لابي عبد الله


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب زيارة البيت الحديث 4 (2) و (3) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 6 1 وفي الاول " ما تركه من طوافه ".

[ 375 ]

عليه السلام: رجل نسي طواف النساء حتى دخل أهله قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت، وقال يأمر من يقضي عنه، فان توفي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره " إذ هو كما ترى لا دلالة فيه على ذلك، ضرورة اختصاص السؤال والجواب فيه بطواف النساء من غير تعرض لغيره. وأغرب من ذلك ما وقع له في محكي الاستبصار فانه قال: باب من نسي طواف الحج حتى يرجع إلى أهله ثم أورد روايتي علي بن أبي حمزة (1) وعلي بن يقطين (2) المتضمنتين إعادة تارك الطواف جهلا، ثم قال: اما ما رواه علي ابن جعفر (3) عن اخيه موسى عليه السلام " سألته عن رجل نسي طواف الفريضة " الحديث، فالوجه أن تحمله على طواف النساء، واستدل عليه بخبر معاوية بن عمار السابق، وظاهره محاولة الجمع بين النصوص المزبورة، مع أن من الواضح عدم المنافاة بينها بعد ان كان الموضوع في بعضها الجاهل، وفي الآخر الناسي، ونحوه ما وقع له في التهذيب من الاستدلال على حكم الناسي بخبري الجاهل (4) المتضمنين للاعادة والبدنة، مع ان من المعلوم عدم الاعادة على الناسي كما صرح به هو في غير الكتابين، بل عنه في الخلاف دعوى الاجماع عليه فضلا عن تصريح غيره، وما في كشف اللثام من أن الجهالة تعم النسيان، والسؤال في الثاني عن السهو، وظاهره النسيان لا يخفى عليك ما فيه، ومراده بالثاني خبر علي بن ابي حمزة عن الكاظم عليه السلام المتقدم سابقا، لكن حكي متنه " انه سئل عن رجل سهى ان يطوف بالبيت حتى يرجع إلى أهله قال: إذا كان على وجه الجهالة أعاد الحج وعليه بدنة " وهو كذلك في بعض النسخ،


(1) و (2) الوسائل الباب 56 من ابواب الطواف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 1 (4) الوسائل الباب 56 من ابواب الطواف الحديث 1 و 2

[ 376 ]

وفي الآخر " جهل " كما ذكرناه سابقا، ويؤيد الاخير موافقته لصحيح ابن يقطين ولفتاوي الاصحاب ومعاقد اجماعاتهم على أن الاعادة على الجاهل دون الناسي، فيمكن أن يراد من السهو فيه السهو عن الحكم حتى يكون جاهلا، فينطبق الجواب حينئذ على السؤال، وعلى كل فلا إشكال في الحكم المزبور. كما ان الظاهر عدم الفرق في ذلك بين طواف الحج وطواف العمرة كما سمعت التصريح به في خبر علي بن جعفر (1) نحو المحكي عن الشيخ في المبسوط وابن إدريس، بل هو مقتضى إطلاق المصنف والفاضل والمحكي عن ابن سعيد، وإن كان المحكي عن الاكثر انهم إنما نصوا عليه في طواف الحج، لكن المحكي عنهم ايضا انهم ذكروا في طواف العمرة أن من تركه مضطرا اتى به بعد الحج ولا شئ عليه، ويمكن إدراج الناسي فيه، وإلا كان الخبر المزبور وذكر من عرفت له صريحا وظاهرا كافيا في ثبوته. وكيف كان فالاحوط إن لم يكن اقوى اعادة السعي معه كما صرح به في الدروس حاكيا له عن الشيخ الخلاف، ولعله لفوات الترتيب المقتضي لفساد السعي كما دل عليه صحيح منصور بن حازم (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت فقال: يطوف بالبيت ثم يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بهما " اللهم إلا أن يدعى اختصاص ذلك بما قبل فوات الوقت، للاصل والسكوت عنه في خبر الاستنابة (3) وغيره، بل لعل خبره (4) الآخر ظاهر


(1) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) و (4) الوسائل الباب 63 من ابواب الطواف الحديث 1 2 (3) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 6

[ 377 ]

في العدم، قال فيه: " سألته عن رجل بدأ بالسعي بالصفا والمروة قال: يرجع فيطوف بالبيت اسبوعا ثم يستأنف السعي، قلت: إنه فاته قال: عليه دم، ألا ترى إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك " من حيث اقتصاره على وجوب الدم مع الفوات، فهو حينئذ دال على عدم الاعادة عكس ما عرفت، ولعله لذا لم يذكر الاكثر قضاء السعي، لكن قد يقال إن الصحيح الاول ظاهر ولو بترك الاستفصال فيه في وجوبه، ولا ينافيه الخبر المزبور بعد الاغماض عن سنده، لان غايته السكوت، وإلا فايجاب الدم لا ينافي وجوبها ولعله للعقوبة على التقصير في النسيان، بل لعل سكوته عن الامر بها اتكالا على إطلاق الامر بها في الصدر والتشبيه بالوضوء الذي لا يختص بحال الاختيار في الذيل، وعلى كل حال فلا ريب في أن الاعادة أحوط إن لم تكن اقوى. وحينئذ لا يحصل التحلل بما يتوقف عليهما إلا بالاتيان بهما، فلو عاد لاستدراكهما بعد الخروج على وجه يستدعي وجوب الاحرام لدخول مكة لو لم يكونا عليه اكتفى بذلك للاصل وصدق الاحرام عليه في الجملة، والاحرام لا يقع إلا من محل، وربما احتمل وجوبه فيقضي الفائت قبل الاتيان بافعال العمرة أو بعده، ولا ريب في أنه أحوط وإن كان الاول أقوى، كما أن الاحوط فيما لو شك في كون المتروك طواف الحج أو طواف العمرة إعادتهما وسعيهما كما عن الفاضل والشهيد، ويحتمل إعادة واحد عما في ذمته، بل لعله الاقوى للاصل وتعين المخاطب به في الواقع. (و) كيف كان فلا خلاف ولا إشكال في أنه (لو تعذر العود) عليه أو شق (استناب فيه) بل عن الخلاف والغنية الاجماع عليه، للحرج، وقبول الكل لها فكذا الابعاض، والصحيح السابق (1) بل في المدارك " أن


(1) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 378 ]

إطلاق الرواية يقتضي جواز الاستنابة للناسي إذا لم يذكر حتى قدم بلاده مطلقا " نحو ما في كشف اللثام " والخبر يعطي أن العود إلى بلاده يكفيه عذرا، ولكن الاصحاب اعتبروا العذر احتياطا " قلت: لعله لان الاصل المباشرة، وما قيل من أن المنساق من إطلاق الخبر المزبور ما هو الغالب من حصول التعذر أو التعسر بعد الوصول إلى بلاده، مضافا إلى فحوى ما تقدم من وجوب صلاة ركعتيه بنفسه لو نسيهما، بل وفحوى ما تسمعه في طواف النساء من اشتراطها بالتعذر أو التعسر إن قلنا به، وعلى كل حال فالمراد بعدم القدرة ما عرفت من التعذر أو التعسر، واحتمل الشهيد إرادة استطاعة الحج، ولا ريب في ضعفه. (ومن شك في عدده) أو صحته وفساده (بعد انصرافه) منه وتمامه (لم يلتفت) بلا خلاف، لاصالة الصحة وقاعدة عدم العبرة بالشك بعد الفراغ لانه في تلك الحال أذكر والحرج وصحيح ابن حازم (1) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل طاف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة قال: فليعد طوافه، قال: ففاته فقال: ما أرى عليه شيئا " ونحوه غيره (2) وفي بعضها (3) " والاعادة احب الي وأفضل " إذ الظاهر إرادة المفروض مما فيه، لان الشك في الاثناء يوجب الاستئناف أو اتيان شوط آخر على ما ستعرف، ولا قائل بعدم وجوب شئ فيه ولو مع الفوات، إذ هو إما عن عمد أو جهل أو نسيان، ولكل موجب، ولانه كترك الطواف كلا أو بعضا، وليس فيها أنه لا شئ عليه أصلا، فالحكم به صريحا في الروايات بعد مراعاة الاجماع اوضح دليل على إرادة صورة الشك بعد الانصراف، ولا ينافي ذلك الحكم في بعضها باستحباب


(1) و (3) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 8 (2) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 1 و 10

[ 379 ]

الاعادة وان لم نجد به قائلا، (وحينئذ فلا ريب في دلالة النصوص المزبورة مضافا إلى عموم قول الباقر عليه السلام في خبر ابن مسلم (1): " كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه " والمدار في الانصراف عنه العرف، ولعل منه ما إذا اعتقد انه أتم الطواف وإن كان هو في المطاف ولم يفعل المنافي، خصوصا إذا تجاوز الحجر، أما قبل اعتقاد الاتمام فهو غير منصرف كان عند الحجر أو بعده أو خارجا عن المطاف أو فعل المنافي كما صرح به في كشف اللثام، والله العالم. (وان كان) الشك (في أثنائه فان كان شكا في الزيادة) على السابع (قطع ولا شئ عليه) بلا خلاف محقق أجده فيه، فان الحلبي وإن أطلق البناء على الاقل مع الشك ثم قال: وإن لم يتحصل له شئ أعاده أي لم يتحصل أنه طاف شيئا ولو شوطا واحدا، كقول سلار من طاف ولم يحصل كم طاف فعليه الاعادة، وعد ابن حمزة من بطلان الطواف الشك فيه من غير تحصيل عدد، الا أن ذلك كله يمكن كونه في غير ما نحن فيه، وإلا كان محجوجا بأصلي عدمها والبراءة من الاعادة، وصحيح الحلبي (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أسبعة طاف أو ثمانية فقال: أما السبعة فقد استيقن، وإنما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين " بل هو شامل لموضوع المسألة السابقة، وهو الشك بعد الانصراف، نعم لا يكون ذلك إلا إذا كان الشك عند الركن قبل نية الانصراف، لانه إذا كان قبله استلزم الشك في النقصان المقتضي لتردده بين محذورين: الاكمال المحتمل للزيادة عمدا، والقطع


(1) الوسائل الباب 23 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 3 من كتاب الصلاة (2) الوسائل الباب 35 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 380 ]

المحتمل للنقيصة كذلك كما صرح به في المسالك وغيرها، بل حكي عن الغنية ايضا، لكن في المدارك " فيه منع تأثير احتمال الزيادة كما سيجئ في مسألة الشك في النقصان " قلت: هو مبني على مختاره، وستعرف ضعفه، والله العالم. (وان كان) أي الشك (في النقصان) كمن شك قبل الركن أنه السابع أو الثامن، أو شك بين الستة والسبعة أو ما دونهما اجتمع معها احتمال الثمانية فما فوقها أو لا، كان عند الركن أو لا، فمتى كان كذلك (استأنف في الفريضة) كما في المقنع والنهاية والمبسوط والسرائر والجامع والغنية والمهذب والجمل والعقود والتهذيب والنافع والقواعد وغيرها على ما حكي عن بعضها، ولذا نسبه في المدارك إلى المشهور، بل في محكي الغنية الاجماع، وهو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة التي منها صحيح منصور بن حازم (1) السابق ونحوه ومنها خبر ابي بصير (2) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل شك في طواف الفريضة قال: يعيد كلما شك " ومنها خبره (3) الآخر قال: " قلت له رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة ام ثمانية قال: يعيد طوافه حتى يحفظه " ومنها قول الصادق عليه السلام في الموثق لحنان بن سدير (4) في من طاف فأوهم فقال: طفت اربعة أو طفت ثلاثة: " ان كان طواف فريضة فليلق ما في يديه ويستأنف، وان كان طواف نافلة فاستيقن ثلاثة: " وهو في شك من الرابع أنه طاف، فليبن على الثلاثة، فانه يجوز له " وخبر احمد بن عمر المرهبي (5) سأل ابا الحسن الثاني عليه السلام " عن رجل شك في طوافه فلم يدر أستة طاف ام سبعة فقال: ان كان في فريضة أعاد كل ما شك فيه، وان كان نافلة


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 8 - 12 - 11 - 7 - 4

[ 381 ]

بنى على ما هو أقل " ومنها صحيح الحلبي (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " في رجل طاف لم يدر ستة ام سبعة قال: يستقبل " ونحوه المروي (2) عن التهذيب، بل ربما وصف بالصحة، ومنها خبر صفوان أو حسنه (3) " سألت أبا الحسن الثاني عليه السلام عن ثلاثة نفر دخلوا في الطواف فقال: كل منهم لصاحبه تحفظوا الطواف، فلما ظنوا انهم فرغوا قال واحد: معي سبعة اشواط، وقال الآخر معي ستة اشواط، وقال الثالث: معي خمسة اشواط، قال: إن شكوا كلهم فليستأنفوا، وان لم يشكوا واستيقن كل منهم على ما في يده فليبنوا " والمرسل (4) عن الصادق عليه السلام " انه سئل عن رجل لا يدري ثلاثة طاف ام اربعة قال: طواف فريضة أو نافلة، قال: اجبني فيهما، فقال عليه السلام: ان كان طواف نافلة فابن على ما شئت، وإن كان طواف فريضة فاعد الطواف " بل قيل في التذكرة والمنتهى انه من خبر رفاعة (5) عنه عليه السلام فيكون صحيحا، ولكنه غير معلوم، إلى غير ذلك من النصوص المنجبر ضعف بعضها بما سمعت من الشهرة والاجماع المحكي والتعاضد وغير ذلك. لكن مع ذلك كله حكى الفاضل عن المفيد انه قال: " من طاف بالبيت فلم يدر أستا طاف أو سبعا فليطف طوافا آخر ليستيقن انه طاف سبعا " وفهم منه البناء على الاقل على أن مراده بطواف آخر شوط آخر، وحكاه عن علي


(1) و (2) و و (4) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 9 - 2 - 6 (3) الوسائل الباب 66 من ابواب الطواف الحديث 2 (5) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 5 والفقيه ج 2 ص 249 الرقم 1195

[ 382 ]

ابن بابويه والحلبي وابي علي، واختاره بعض متأخري المتأخرين، لاصلي البراءة وعدم الزيادة، وصحيح منصور بن حازم (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر أستة طاف أو سبعة قال: فليعد طوافه، قلت: ففاته فقال: ما أرى عليه شيئا، والاعادة أحب إلي وافضل " وصحيحه الآخر (2) قال للصادق عليه السلام: اني طفت فلم ادر ستة طفت ام سبعة فطفت طوافا آخر فقال: هلا استأنفت ؟ قال: قلت قد طفت وذهبت، قال ليس عليك شئ " إذ لو كان الشك موجبا للاعادة لاوجبها عليه، وصحيح رفاعة (3) عنه عليه السلام " في رجل لا يدري ستة طاف أو سبعة قال: يبني على يقينه " وفيه ان الاصل مقطوع بما عرفت، كما ان المراد بالصحيح الاول ما سمعت من الشك بعد الفراغ لا في اثنائه، وإلا كان مخالفا للاجماع على الظاهر، واحتمال الصحيح الثاني (4) النافلة، بل والشك بعد الانصراف، بل قد يحتمل قوله " قد طفت " الاعادة على معنى فعلت الامرين الاكمال والاعادة، والثالث النافلة ايضا، والشك بعد الانصراف، والبناء على اليقين بمعنى انه حين انصرف اقرب إلى اليقين مما بعده، فلا يلتفت إلى الشك بعده، وإرادة الاعادة أي يأتي بطواف تيقن عدده، كل ذلك لقصورها عن المعارضة من وجوه. ومن الغريب ما عن بعضهم من حمل اخبار المشهور على الندب، لقوله عليه السلام في الصحيح الاول: " ما ارى عليه شيئا " إذ لو كانت واجبة لكان عليه شئ، بل قوله عليه السلام " والاعادة أحب الي وافضل " صريح في ذلك، إذ قد عرفت


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 8 - 3 - 5 (4) وفي النسخة الاصلية " الصحيح النافي " والصواب ما اثبتناه

[ 383 ]

ان التدبر في الصحيح المزبور وما شابهه يقتضي كون المراد من السؤال فيه الشك بعد الفراغ، وإلا كان ظاهرا في وجوب الاعادة، فان لم يفعل وقد فاته الامر للرجوع إلى أهله ونحوه فلا شئ عليه، والاعادة افضل، ولعله لذا قال في المدارك بعد تمام الكلام في المسألة: " وكيف كان فينبغي القطع بعدم وجوب العود لاستدراك الطواف مع عدم الاستئناف كما دلت عليه الاخبار الكثيرة وتبعه عليه المجلسي قال: " ثم إنه على تقدير وجوب الاعادة فالظاهر من الادلة ان ذلك مع الامكان وعدم الخروج من مكة والمشقة في العود لا مطلقا، ولا استبعاد في ذلك " ولكن لا يخفى عليك ما فيه، ضرورة كون المتجه حينئذ جريان حكم تارك الطواف عليه، لان الفرض فساد ما وقع منه بالشك في اثنائه كما ان المتجه ذلك ايضا على القول الثاني إذا لم يبن على الاقل بل بنى على الاكثر واتم الطواف، بل يمكن دعوى الاجماع على خلاف ما ذكراه، ومن هنا قلنا يجب حمل الصحيح ونحوه على ارادة كون الشك بعد الفراغ، وان ابيت فالطرح وإيكال علمه إليهم (عليهم السلام) خير من ذلك، لرجحان تلك الادلة من وجوه، والله العالم. (و) على كل حال فقد ظهر لك انه في الفرض المزبور (يبني على الاقل في النافلة) بلا خلاف اجده فيه، بل يمكن تحصيل الاجماع عليه، لما سمعته من النصوص الظاهر اكثرها كالفتاوى في حصر المشروعية في ذلك، لكن عن الفاضل وثاني الشهيدين جواز البناء على الاكثر حيث لا يستلزم الزيادة كالصلاة للتشبيه بها، وللمرسل (1) المتقدم الآمر بالبناء على ما شاء، والتعبير بالجواز في الموثق (2) السابق، إلا ان ذلك كله كما ترى لا يجترى به على الخروج عما


(1) و (2) الوسائل الباب 33 من ابواب الطواف الحديث 6 - 7

[ 384 ]

هو كالمتفق عليه نصا وفتوى من ظهور تعين البناء على الاقل الذي هو احوط مع ذلك ايضا، والله العالم. المسألة (الثانية من زاد على السبع ناسيا وذكر قبل بلوغه الركن) العراقي (قطع ولا شئ عليه) كما صرح به الشيخ وبنو زهرة والبراج وسعيد والفاضل وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل هو المشهور لخبر ابي كهمس (1) المنجبر بما عرفت " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي فطاف ثمانية اشواط قال: ان كان ذكر قبل ان يأتي الركن فليقطعه وقد اجزأ عنه، وان لم يذكر حتى بلغه فليتم اربعة عشر شوطا، وليصل اربع ركعات " بل لا اجد فيه خلافا إلا من بعض متأخري المتأخرين بناء على اصل فاسد، وهو عدم انجبار الخبر الضعيف بالعمل، والفرض ضعف الخبر المزبور، مع انه معارض بخبر عبد الله بن سنان (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " سمعته يقول: من طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فليتم اربعة عشر شوطا، ثم ليصل ركعتين " المعتبر سنده بل عن العلامة الحكم بصحته، إلا ان ذلك كله كما ترى لا يوافق ما حررناه في الاصول، فيجب حمل الخبر المزبور بعد قصوره عن المقاومة على ارادة إتمام الشوط من الدخول في الثامن أو غير ذلك، وحينئذ فما هنا كالمقيد لما سمعته سابقا من ان من زاد على السبعة سهوا أكملها اسبوعين كما تقدم الكلام في ذلك مفصلا، والله العالم. المسألة (الثالثة من طاف وذكر انه لم يتطهر أعاد في الفريضة دون النافلة ويعيد صلاة الطواف الواجب واجبا والندب ندبا) لما عرفته سابقا من اشتراط


(1) و (2) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 4 - 5

[ 385 ]

الطهارة من الحدث في الطواف الواجب، قال ابن مسلم (1) في الصحيح " سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة وهو على غير طهور قال: يتوضأ ويعيد طوافه، وإن كان تطوعا توضأ وصلى ركعتين " وقد عرفت الكلام في ذلك مفصلا، والله العالم. المسألة (الرابعة من نسي طواف الزيارة) أي الحج (حتى رجع إلى أهله وواقع قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية والمبسوط وابنا البراج وسعيد: (عليه بدنة) لحسن معاوية بن عمار (2) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن متمتع وقع على أهله ولم يزر البيت قال: ينحر جزورا، وقد خشيت أن يكون ثلم حجه إن كان عالما، وإن كان جاهلا فلا بأس عليه " لانه بعمومه يشمل الناسي فان الظاهر أن قوله عليه السلام " إن كان عالما " قيد لثلم الحج، وأن البأس المنفي هو الثلم والاثم دون النحر الذي هو ليس من البأس في شئ، وصحيح علي بن جعفر (3) عن أخيه المتقدم سابقا المشتمل على التصريح بمساواة الحج والعمرة في ذلك، وصحيح العيص (4) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل واقع أهله حين ضحى قبل أن يزور البيت قال: يهريق دما " وإن كان هو ظاهرا في غير الطواف المنسي ولا تصريح فيه بالبدنة كصحيح على بن جعفر (5) وخبري علي بن يقطين (6) وابن ابي حمزة (7) المتقدمين سابقا في الجاهل بناء على شموله


(1) الوسائل الباب 38 من ابواب الطواف الحديث 3 (2) و (4) الوسائل الباب 9 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 1 - 2 (3) و (5) الوسائل - الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 1 (6) و (7) الوسائل الباب 56 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2

[ 386 ]

للناسي، وإن كان فيه منع واضح، على أن مقتضاهما ذلك وإن لم يواقع كما عن التهذيب والمهذب والتحرير هنا للاطلاق المزبور الذي قد عرفت كونه في الجاهل لا الناسي. (و) على كل حال فعليه مع ذلك (الرجوع إلى مكة للطواف) الذي قد عرفت الحال فيه (وقيل) والقائل الحلي والفاضل والشهيدان وغيرهم على ما حكي عن بعضهم، بل عن بعض نسبته إلى الاكثر: (لا كفارة عليه وهو الاصح) للاصل ورفع النسيان عن الامة وعموم ما دل على نفيها عن الناسي، كالصحيح المروي (1) عن العلل " في المحرم يأتي أهله ناسيا قال: لا شئ عليه إنما هو بمنزلة من أكل في شهر رمضان وهو ناس " وفي المرسل (2) عن الفقيه " إن جامعت وأنت محرم إلى أن قال: وإن كنت ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شئ عليك " مضافا إلى ما دل على نفيها عن الجاهل ايضا بناء على شموله للناسي خصوصا مثل حسن معاوية (3) عن الصادق عليه السلام " ليس عليك فداء شئ أتيته وأنت جاهل إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك إلا الصيد، فان عليك الفداء بجهالة كان أو عمد " كل ذلك مع عدم صراحة النصوص المزبورة في الجماع حال النسيان، لاحتمالها أو بعضها وقوعه بعد الذكر. بل ظاهر قول المصنف: (ويحمل القول الاول على من واقع بعد الذكر) قبول عبارة القائل لذلك، فتخرج المسألة حينئذ عن الخلاف، وان قال في كشف اللثام: إن عبارات المبسوط والنهاية والجامع لا تقبل ذلك، على ان


(1) و (2) الوسائل الباب 2 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 7 - 5 (3) الوسائل الباب 31 من ابواب كفارات الصيد الحديث 4

[ 387 ]

الاخبار المزبورة قد اشتمل بعضها (1) على إهراق دم، وآخر (2) على الجزور وثالث (3) على الهدي، ولم أقف على نص في البدنة إلا ما سمعته من خبري ابن يقطين وعلي بن ابي حمزة الذين لم يعتبر فيهما المواقعة، بل قد يقال بدلالة حسن معاوية بن عمار (4) السابق المذكور دليلا للقول الاول على المطلوب بدعوى عموم نفي البأس للكفارة ايضا بعد جعل العلم قيدا لجميع ما تقدمه لا خصوص الثلم والاثم، بل في ما حضرني من المدارك روايته " لا شئ عليه " بدل نفي البأس وحينئذ فالجمع بين النصوص بالحمل على الندب أولى من الجمع بينها بتخصيص تلك العمومات بمحل الفرض، لما عرفته من قصور المعارض من وجوه، والله العالم. (ولو نسي طواف النساء) حتى رجع إلى أهله (جاز أن يستنيب) بلا خلاف أجده فيه نصا وفتوى، بل الاجماع بقسميه عليه، إنما الكلام في جواز ذلك اختيارا كما هو ظاهر المتن أو صريحه بقرينة التقيد السابق في طواف الحج، وكذا غير المتن، بل في الدروس أنه الاشهر بل هو المشهور، بل قيل لا خلاف فيه بين القدماء والمتأخرين إلا من الشيخ والفاضل في التهذيب والمنتهى فاشترطا فيه التعذر، مع أن الاول قد رجع عنه في النهاية والثاني قال بما في المتن في اكثر كتبه كالتحرير والارشاد والتلخيص والتذكرة للحرج والمعتبرة المستفيضة كصحيح معاوية بن عمار (5) الذي هو نحو صحيح الحلبي (6) المروي عن المستطرفات، سأل الصادق عليه السلام " عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله قال: يرسل فيطاف عنه " وصحيحه الآخر وحسنه (7) سأله عليه السلام ايضا عن


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 9 من ابواب كفارات الاستمتاع الحديث 2 - 1 - 1 (3) و (5) و (6) و (7) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 1 - 3 - 11 - 6

[ 388 ]

ذلك، فقال: " لا تحل له النساء حتى يزور البيت، وقال: يأمر من يقضي عنه إن لم يحج، فان توفي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره " وصحيحه الثالث (1) عنه عليه السلام ايضا " رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله قال: يأمر من يقضي عنه إن، لم يحج، فانه لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت " بل قوله عليه السلام فيهما " ان لم يحج " كالصريح في إرادة أنه إن لم يكن عاد بنفسه فليستنب، ولا ريب في شموله لحال الاختيار، وإلا لقال: فان لم يتمكن فليأمر من يطوف عنه. ومنه يعلم أن المراد بما في ذيل الاخير وصدر غيره الطواف بنفسه وبغيره وإن كان ظاهر النسبة إليه المباشرة، أو أنه مشروط بالتعذر كما عن الشيخ والفاضل في المنتهى لاصالة المباشرة في العبادات وبقاء حرمة النساء، وصحيح معاوية (2) عنه عليه السلام ايضا " في رجل نسي طواف النساء حتى دخل الكوفة قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت، قلت: فان لم يقدر قال: يأمر من يطوف عنه " وصحيحه الآخر (3) عنه عليه السلام ايضا سأله " عن رجل نسيه حتى يرجع إلى أهله فقال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت فان هو مات فليقض عنه وليه أو غيره، فاما مادام حيا فلا يصلح أن يقضي عنه، وإن نسي الجمار فليسا بسواء إن الرمي سنة والطواف فريضة " مضافا إلى إمكان المناقشة في دليل الاول بدعوى انصراف الاطلاق السابق إلى ما هو الغالب من التعذر أو التعسر في الرجوع حتى صحيحي " ان لم يحج " فانهما لا صراحة فيهما، بل أقصاهما الاطلاق المنساق إلى ذلك، فتبقى اصالة المباشرة حينئذ على حالها مؤيدة بظاهر الامر فيها ايضا


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 58 من ابواب الطواف الحديث 8 - 4 - 2

[ 389 ]

على أن الجمع بين النصوص بالتقييد أولى من الجمع بالندب. لكن لا يخفى عليك انقطاع الاصلين بما عرفت، وكون التقييد في الاول في كلام السائل، والتعبير في الثاني بلفظ " لا يصلح " الذي هو أعم من الحرمة بل قيل بظهوره في الكراهة حاكيا له عن المتأخرين كافة، بل عن الشيخ في الاستبصار التصريح بصراحته فيها، وحينئذ يكون دليلا للمطلوب لا عليه، والمناقشة المزبورة مجرد دعوى لا شاهد لها، خصوصا في ذوي الامكنة القريبة ونحوهم ممن لا مشقة عليهم في العود، كل ذلك مضافا إلى الانجبار بالشهرة العظيمة إلا انه مع ذلك كله والاحتياط لا ينبغي تركه. ثم انه قد يستفاد من نحو إطلاق العبارة عدم اعتبار استمرار النسيان إلى أن يرجع إلى أهله في الاستنابة المزبورة، بل ينبغي الجزم به مع التعذر أو التعسر قبل ذلك، أما مع عدمهما فلا يبعد ذلك ايضا وإن كان السؤال في النصوص المزبورة مقيدا بالرجوع إلى أهله، ومقتضاه بقاء غيره على اصالة المباشرة، إلا انه بمعونة اطلاق الفتوى التي بها يخرج المعارض عن المقاومة كي يتجه التقييد خصوصا مع ظهور لفظ " لا يصلح " في الكراهة قد يقوى عدم إرادة التقييد منه، نعم مع فرض القرب من مكة وعدم المانع له يرجع بنفسه. وعلى كل حال فظاهر ما سمعته من النص والفتوى وجوب قضائه وإن كان قد طاف طواف الوداع، مضافا إلى كونه مستحبا فلا يجزي عن الواجب، لكن قال الصادق (عليه السلام) في خبر اسحاق (1) " لولا ما من الله به على الناس من طواف الوداع لرجعوا إلى منازلهم ولا ينبغي لهم أن يمسوا نساءهم " بل عن علي بن بابويه الفتوى بذلك إلا انه قاصر عن المعارضة من وجوه، خصوصا مع


(1) الوسائل الباب 2 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 390 ]

إمكان اختصاصه بالعامة الذين لا يعرفون وجوب طواف النساء، وإرادة المنة على المؤمنين بالنسبة إلى نسائهم الغير العارفات، وكون المراد أن الاتفاق على فعل طواف الوداع سبب لتمكن الشيعة من طواف النساء، إذ لولاه لزمتهم التقية بتركه غالبا وعلى كل حال فلا تحل له النساء بدونه حتى العقد سواء كان المكلف به رجلا أو امرأة، ويحرم حينئذ عليها تمكين الزوج كما تقدم ذلك كله في أحكام الاحرام، نعم الظاهر اختصاص اجزاء الاستنابة بما إذا لم يكن الترك عمدا، أما معه فالاصل يقتضي وجوب الرجوع بنفسه كما صرح به في الدروس. (و) كيف كان ف‍ (لو مات) ولم يقضه بنفسه أو بغيره (قضاه وليه) بنفسه أو بغيره كما في النافع ومحكي النهاية والسرائر (وجوبا) بلا خلاف اجده فيه، لما سمعته من النص، بل ظاهر صحيح معاوية (1) إجزاء فعل الغير عنه وإن لم يكن باستنابة من الولي، ولا بأس به، لانه من قبيل الديون، والله العالم. المسألة (الخامسة من طاف كان بالخيار في تأخير السعي) ساعة ونحوها بل (إلى) زمان سابق على صدق اسم (الغد) بلا خلاف أجده فيه، للاصل وصحيح ابن مسلم (2) سأل احدهما (عليهما السلام) " عن رجل طاف بالبيت فاعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة ؟ فقال: نعم " وصحيح ابن سنان (3) على ما في التهذيب سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يقدم حاجا وقد اشتد عليه الحر فيطوف بالكعبة أيؤخر السعي إلى أن يبرد ؟ فقال: لا بأس به، وربما فعلته، قال: وربما رأيته يؤخر السعي إلى الليل " ورواه في الكافي والفقيه إلى


(1) الوسائل الباب - 58 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب 60 من ابواب الطواف الحديث 2 - 1

[ 391 ]

قوله عليه السلام: " وربما فعلته " ولكن في الثاني منهما وفي حديث آخر " إلى الليل " وعلى كل حال هو دال بناء على ظهوره في دخول الغاية على جواز فعله في الليل الداخل فيه مسماه أجمع حتى يتحقق صدق اسم الغد (ثم لا يجوز مع القدرة) كما نص عليه في النافع والقواعد وغيرهما ومحكي التهذيب والنهاية والمبسوط والوسيلة والسرائر والجامع لصحيح العلاء بن رزين (1) " سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة إلى غد ؟ قال: لا " وصحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيى أيؤخر الطواف بين الصفا والمروة إلى غد ؟ قال: لا " وهما كما ترى ظاهران في عدم الجواز إليه كما صرح به من عرفت، بل لا اجد فيه خلافا إلا من ظاهر المتن وربما نزل على خروج الغاية، وإلا كان نادرا لا دليل له سوى الاصل المقطوع والاطلاق المقيد بما عرفت، نعم الظاهر اختصاص المنع بذلك، أما التأخير ولو إلى آخر الليل كما اشرنا إليه سابقا فلا بأس به للاصل إن لم يكن ظاهر الاطلاق السابق، هذا كله مع القدرة، أما مع عدمها فلا إشكال في الجواز كما صرح به غير واحد، لاستحالة التكليف بما لا يطاق، وعدم دليل على مشروعية الاستنابة في الفرض فضلا عن وجوبها، فيصبر حينئذ حتى يضيق الوقت كما تقدم الكلام في مثله سابقا، والله العالم. المسألة (السادسة يجب على المتمتع تأخير الطواف والسعي) للحج (حتى يقف بالموقفين ويقضي مناسك) منى (يوم النحر) بلا خلاف محقق معتد به أجده، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر، بل في محكي المعتبر والمنتهى والتذكرة نسبته إلى اجماع العلماء كافة، وهو الحجة بعد


(1) و (2) الوسائل الباب 60 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 392 ]

خبر ابي بصير (1) المنجبر بما عرفت " قلت: رجل كان متمتعا فأهل بالحج قال: لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات فان هو طاف قبل أن يأتي منى من غير علة فلا يعتد بذلك الطواف " ومفهوم الصحيح (2) والموثق (3) كالصحيح بل الصحيح الآتيين بل وغيرهما، فمن الغريب ما وقع من بعض متأخري المتأخرين من جواز ذلك مطلقا استنادا إلى إطلاق بعض النصوص، كصحيح ابن يقطين (4) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل المتمتع يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل خروجه إلى منى قال: لا بأس " وصحيح حفص بن البختري (5) عنه (عليه السلام) ايضا في تعجيل الطواف قبل الخروج إلى منى، فقال: " هما سواء أخر ذلك أو قدمه يعني المتمتع " وغيرهما المقيد بما أشار إليه المصنف (و) غيره. بل لا خلاف معتد به أجده فيه من انه (لا يجوز التعجيل إلا للمريض والمرأة التي تخاف الحيض والشيخ العاجز) عن العود أو الزحام ونحوهم من ذوي الاعذار للموثق أو الصحيح (6) " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع إذا كان شيخا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض تعجل طواف الحج قبل أن تأتي منى قال: نعم من كان هكذا يعجل " والخبر (7) كالصحيح عنه عليه السلام أيضا " سألته عن المرأة تمتعت بالعمرة إلى الحج ففرغت من طواف العمرة وخافت


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 13 من ابواب أقسام الحج الحديث 5 - 7 - 3 (3) و (5) و (7) الوسائل الباب 64 من ابواب الطواف الحديث 2 - 3 - 2 (6) الوسائل الباب 13 من ابواب اقسام الحج الحديث 7

[ 393 ]

الطمث قبل يوم النحر أيصلح لها ان تعجل طوافها طواف الحج قبل أن تأتي منى قال: إذا خافت ان تضطر إلى ذلك فعلت " وخبر اسماعيل بن عبد الخالق (1) عن الصادق عليه السلام " لا بأس ان يجعل الشيخ الكبير والمريض والمرأة والمعلول طواف الحج قبل أن يخرج إلى منى " وحسن الحلبي ومعاوية بن عمار (2) عنه عليه السلام ايضا " لا بأس بتعجيل الطواف للشيخ الكبير والمرأة تخاف الحيض قبل أن تخرج إلى منى " بل عن ابن زهرة الاجماع على التقديم على الحلق يوم النحر للضرورة، فما عن ابن ادريس من عدم جواز التقديم مطلقا للاصل المقطوع بما سمعت، واندفاع الحرج بحكم الاحصار واضح الضعف نحو ما سمعته من بعض متأخري المتأخرين من الجواز مطلقا الذي هو على طرف الافراط معه، وربما استظهر ايضا من عبارة التذكرة، قال: " وردت رخصة في جواز تقديم الطواف والسعي على الخروج إلى منى وعرفات، وبه قال الشافعي، لما رواه العامة (3) عن النبي صلى الله عليه وآله " من قدم شيئا قبل شئ فلا حرج " ومن طريق الخاصة رواية صفوان بن يحيى الازرق (4) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن امرأة تمتعت " إلى آخرها، إذا ثبت هذا فالاولى التقييد للجواز بالعذر بناء على إرادة الافضل من الاولى " ولكن فيه منع واضح، خصوصا بعد أن حكى اجماع العلماء سابقا على عدم الجواز، نعم ما يحكى من عبارة الخلاف " روى أصحابنا


(1) الوسائل الباب 13 من ابواب أقسام الحج الحديث 6 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب اقسام الحج الحديث 4 وهو حسن حفص بن البختري ومعاوية بن عمار وحماد عن الحلبي جميعا عن ابي عبد الله عليه السلام (3) كنز العمال ج 3 ص 59 الرقم 1075 (4) الوسائل الباب 64 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 394 ]

رخصة في تقديم الطواف والسعي قبل الخروج إلى منى وعرفات، والافضل أن لا يطوف طواف الحج إلى يوم النحر إن كان متمتعا " ظاهر في ذلك، لكن عن ابن إدريس احتمالها حال الضرورة، أي الافضل مع العذر التأخير، ولا بأس به، وإلا كان نادرا محجوجا بما عرفت. والظاهر الاجزاء لمن قدمه لخوف العارض ثم بان عدم حصوله لقاعدة الاجزاء كما هو واضح. وكذا يجوز تقديم طواف النساء للضرورة كما عن الفاضل وغيره التصريح به، بل في كشف اللثام أنه المشهور لفحوى ما تقدم، وخصوص قول الكاظم عليه السلام في صحيح ابن يقطين (1) أو خبره المنجبر بما عرفت: " لا بأس بتعجيل طواف الحج وطواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى، وكذلك لا بأس لمن خاف أمرا لا يتهيأ له الانصراف إلى مكة أن يطوف ويودع البيت ثم يمر كما هو من منى إذا كان خائفا ". خلافا للحلي ايضا، فلم يجوزه للاصل، واتساع وقته، والرخصة في الاستنابة فيه، وخروجه عن أجزاء المنسك، وعموم قوله عليه السلام لاسحاق بن عمار (2) " إنما طواف النساء بعد أن يأتي منى " وخصوص خبر علي بن ابي حمزة (3) " سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل يدخل مكة ومعه نساؤه وقد أمرهن فتمتعن قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة فخشي على بعضهن الحيض فقال: إذا فرغن من متعتهن وأحللن فلينظر إلى التي يخاف عليها الحيض فيأمرها فتغتسل وتهل بالحج من مكانها ثم تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فان حدث بها شئ


(1) و (3) الوسائل الباب 64 من ابواب الطواف الحديث 1 - 5 (2) الوسائل الباب 14 من ابواب اقسام الحج الحديث 4

[ 395 ]

قضت بقية المناسك وهي طامث، قال: فقلت: أليس قد بقي طواف النساء ؟ قال: بلى، قلت: فهي مرتهنة حتى تفرغ منه، قال: نعم، قلت: فلم لا يتركها حتى يقضي مناسكها ؟ قال: يبقى عليها منسك واحد أهون عليها من أن تبقى عليها المناسك كلها مخافة الحدثان، قلت: أبى الجمال أن يقيم عليها والرفقة قال: ليس لهم ذلك تستعدي عليهم حتى يقيم عليها حتى تطهر وتقضي مناسكها ". لكن فيه أن الاصل مقطوع بما عرفت، والعموم مخصص به ايضا، والخبر المزبور قاصر عن المعارضة سندا وعملا، بل قيل ومتنا، لظهوره في قدرتها على الاتيان بطواف النساء بعد الوقوفين ولو بالاستعداء المخالف للاصول بل والصحيح (1) الوارد في مثل القضية المتقدم سابقا المتضمن لمضيها وانه قد تم حجها، واتساع الوقت مخالف للفرض الذي هو الضرورة الموجبة لعدم القدرة على الاتيان به مطلقا، والرخصة إنما هي في صورة النسيان خاصة، وإلحاق الضرورة به قياس فاسد. (و) كيف كان فلا خلاف أجده إلا من الحلي ايضا في انه (يجوز التقديم للقارن والمفرد) بل في محكي المعتبر نسبته إلى فتوى الاصحاب، بل عن الشيخ وصريح الغنية الاجماع عليه، وهو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة التي منها نصوص حجة الوداع (2) ومنها صحيح حماد بن عثمان (3) سأل الصادق عليه السلام


(1) الوسائل الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 13 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3 و 13 و 14 و 31 و 32. (3) الوسائل الباب 14 من ابواب أقسام الحج الحديث 1

[ 396 ]

عن مفرد الحج يقدم طوافه أو يؤخره فقال: هو والله سواء عجله أو أخره " ومنها موثق زرارة (1) سأل أبا جعفر عليه السلام عن المفرد للحج يقدم مكة يقدم طوافه أو يؤخره قال: سواء " ومنها خبر أبي بصير (2) عن الصادق (عليه السلام) " إن كنت أحرمت بالمتعة فقدمت يوم التروية فلا متعة لك، فاجعلها حجة مفردة تطوف بالبيت وتسعى بين الصفا والمروة ثم تخرج إلى منى ولا هدي عليك " وخبر إسحاق بن عمار (3) سأل الكاظم (عليه السلام) " عن المفرد بالحج إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة أيعجل طواف النساء قال: لا، إنما طواف النساء بعد ان يأتي منى " ونحوه خبر موسى بن عبد الله (4) سأل الصادق (عليه السلام) عن مثل ذلك إلا انه ذكر انه قدم ليلة عرفة، إلى غير ذلك من النصوص التي ينتفي في جملة منها احتمال إرادة التعجيل بعد مناسك منى قبل انقضاء أيام التشريق وبعده، بل أخبار حجة الوداع صريحة في ذلك ايضا، بل ظاهرها خصوصا مع ملاحظة قوله صلى الله عليه وآله فيها " خذوا عني مناسككم " كظهور ما سمعته من التسوية في غيرها عدم الكراهة ايضا، بل عن الخلاف والنهاية ان اي وقت شاء، والتعجيل أفضل وإن كان هو مطلقا، لكن في المتن والقواعد جواز ذلك (على كراهية) ولعلها خروجا عن شبهة الخلاف، أو لما قيل من خبر زرارة (5) " سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن مفرد الحج يقدم طوافه أو يؤخره قال: يقدمه، فقال رجل إلى جنبه لكن شيخي لم يفعل ذلك كان


(1) و (3) و (5) الوسائل الباب 14 من ابواب اقسام الحج الحديث 2 - 4 - 3 (2) لم نعثر عليه فيما تتبعناه من كتب الاخبار (4) الوسائلل الباب 21 من ابواب اقسام الحج الحديث 10

[ 397 ]

إذا قدم اقام بفخ حتى إذا رجع الناس إلى منى راح معهم، فقلت له من شيخك ؟ فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) فسألت عن الرجل فإذا هو اخو علي بن الحسين (عليهما السلام) لامه " إلا انه كما ترى مع ضعفه دلالته على عدم الكراهة اوجه، ولكن الامر في ذلك سهل بعد معروفية التسامح فيها، وعلى كل حال فما عن ابن إدريس من عدم جواز التقديم للاصل المقطوع بما عرفت، والاحتياط للاجماع على الصحة مع التأخير بخلاف التقديم، وفيه منع الخلاف فيه من غيره، هذا، وقد تقدم البحث في وجوب تجديد التلبية عليهما إذا طافا وعدمه، والتفصيل بين المفرد فيجدد دون المقارن، فلاحظ وتأمل. المسألة (السابعة لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي لمتمتع ولا لغيره اختيارا) بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع عليه، مضافا إلى النصوص كصحيح معاوية بن عمار (1) " ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه واصنع كما صنعت يوم دخلت ثم ائت المروة فاصعد عليها وطف بهما سبعة اشواط، تبدأ بالصفا وتختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد احللت من كل شئ احرمت منه إلا النساء، ثم ارجع إلى البيت وطف به اسبوعا آخر ثم تصلي ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) " وثم للترتيب قطعا، ومرسل احمد بن محمد (2) " قلت لابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك متمتع زار البيت فطاف طواف الحج ثم طاف طواف النساء ثم سعى قال: لا يكون السعي إلا من قبل طواف النساء " ونحوهما غيرهما (نعم يجوز) تقديمه (مع الضرورة والخوف من الحيض) بلا خلاف اجده فيه ايضا،


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب زيارة البيت الحديث 1 (2) الوسائل الباب 65 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 398 ]

بل في المدارك انه مقطوع به في كلام الاصحاب لنفي الحرج وفحوى ما تقدم من نظائره، وموثق سماعة بن مهران (1) عن ابي الحسن الماضي (عليه السلام) " سألته عن رجل طاف طواف الحج وطواف النساء قبل ان يسعى بين الصفا والمروة فقال لا يضره، يطوف بين الصفا والمروة وقد فرغ من حجه " بعد حمله على حال الضرورة جمعا بينه وبين غيره وفحوى صحيح ابي ايوب (2) المتقدم سابقا عن الصادق (عليه السلام) المتضمن الرخصة في ترك طواف النساء للامرأة الحائض التي لم يقم عليها جمالها ولا تستطيع ان تتخلف عن اصحابها، ضرورة اولوية التقديم من الترك، ولكن مع ذلك كله لا ينبغي ترك الاحتياط في ذلك ولو بالاستنابة، لانه يحتمل عدم الجواز، لاصول عدم الاجزاء مع مخالفة الترتيب، وبقائه في الذمة، وبقائهن على الحرمة، مع ضعف الخبر، واندفاع الحرج بالاستنابة، وسكوت اكثر الاصحاب على ما في كشف اللثام، وقد سمعت ما عن ابن ادريس من منع تقدمه على الموقفين، والله العالم. المسألة (الثامنة من قدم طواف النساء على السعي ساهيا اجزأ) كما في النافع والقواعد وغيرهما ومحكي النهاية والمبسوط والمهذب والسرائر والجامع والوسيلة، لموثق سماعة (3) المتقدم الذي مقتضاه الاجزاء حتى لو تعمد التقديم وإن كان لا يتم إلا مع الجهل، إذ العالم لا يتصور منه التعبد والتقرب به، ولذا قال المصنف وغيره (ولو كان عامدا لم يجز) اي إذا كان عالما، أما الجاهل فقد عرفت شمول موثق سماعة له، مضافا إلى عموم حديث رفع ذلك عن الامة، وخصوص ما ورد في الحج من معذورية الجاهل حتى جعله بعض متأخري


(1) و (3) الوسائل الباب 65 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) الوسائل الباب 84 من ابواب الطواف الحديث 13

[ 399 ]

المتأخرين أصلا باعتبار ما تقدم فيه من العموم، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط، لاحتمال عدم الاجزاء لاصالة البقاء في الذمة وبقاء حرمة النساء، والله العالم المسألة (التاسعة قيل) والقائل الشيخ في محكي النهاية (لا يجوز الطواف وعلى الطائف برطلة) بضم الموحدة والطاء المهملة وسكون الراء المهملة بينهما ولام خفيفة أو شديدة، وعن المبسوط والمهذب إطلاق النهي عن لبسها، لقول الصادق عليه السلام في خبر يحيى الحنظلي (1): " لا تطوفن بالبيت وعليك برطلة " وخبر يزيد بن خليفة (2) قال: " رآني أبو عبد الله عليه السلام أطوف حول الكعبة وعلي برطلة فقال: لي بعد ذلك رأيتك تطوف حول الكعبة وعليك برطلة لا تلبسها حول الكعبة، فانها من زي اليهود " لكن لا يخفى عليك عدم جمعهما شرائط العمل بهما على وجه التحريم، بل التعليل في ثانيهما ظاهر في الكراهة التي صرح بها الشيخ في محكي التهذيب بل ومحكي السرائر، لكن قال: " إن لبسها مكروه في طواف الحج، ومحرم في طواف العمرة ". واليه اشار المصنف بقوله: (ومنهم من خص ذلك بطواف العمرة نظرا إلى تحريم تغطية الرأس) فيه بخلاف طواف الحج المتأخر عن الحلق والتقصير اللذين يحل معهما من كل شئ إلا الطيب والنساء والصيد، ولكن ينبغي تقييده بما إذا لم يقدمه، وإلا كان كطواف العمرة في حرمة تغطية الرأس، ولعل تخصيص ابن إدريس ذلك بالعمرة بناء منه على عدم جواز تقديمه كما سمعته سابقا، وعلى كل حال فالمتجه حرمة لبسها فيهما حال وجوب كشف الرأس في


(1) و (2) الوسائل الباب 67 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2 والاول عن زياد بن يحيى

[ 400 ]

إحرام عمرة أو حج إذا قدم الطواف ولكن الطواف صحيح لو خالف لا لكون النهي عن خارج بناء على المختار من عدم خصوصية للبرطلة ولا للطواف، بل هو من حيث حرمة تغطية الرأس، نعم لو قلنا بالحرمة من حيث لبس البرطلة في الطواف اتجه البطلان حينئذ للنهي عنه وهي عليه في الخبر المزبور، وبذلك يظهر لك انه لا وجه لاطلاق بعضهم عدم البطلان معللا له بان النهي لامر خارج. هذا كله مع الحرمة للاحرام، أما مع عدمها فيكره ذلك في الطواف للخبرين المزبورين القاصرين عن اثبات الحرمة، دون الكراهة التي يتسامح فيها ومقتضاهما كراهة لبسها فيه مطلقا وإن لم يكن محرما كما في الطواف المندوب، بل قد يستفاد من التعليل في الثاني كراهة لبسها مطلقا، مضافا إلى الصحيح (1) " انه كره لبس البرطلة " بل قد يظهر من الثاني منهما كراهة لبسها حول الكعبة من غير فرق بين الطواف وعدمه، نعم بناء على ما عرفت ينبغي مراعاة الشدة والضعف فيها، هذا، وقد تقدم في الصلاة ذكرها ايضا. والمراد بها على ما في المدارك وغيرها قلنسوة طويلة كانت تلبس قديما، وعن العين والمحيط والقاموس " انها المظلة الصيفية " وعن الجوالقي " انها كلمة نبطية وليست من كلام العرب " وعن ابي حاتم عن الاصمعي " ان البربر والنبط يجعلون الظاء المعجمة طاء مهملة، فيقولون الناطور وهو الناظور بالمعجمة فكأنهم أرادوا ابن الظل " وعن ابن جني في سر الصناعة " ان النبط يجعلون الظاء طاء ولهذا قالوا: البرطلة، وانما هو ابن الظل " وعن الازهري " انها في قول ابن الظلة " ولكن الجميع كما ترى، والاول هو المعروف، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 31 من ابواب احكام الملابس الحديث 1 من كتاب الصلاة

[ 401 ]

المسألة (العاشرة من نذر أن يطوف على اربع) أي يديه ورجليه (قيل) والقائل الشيخ في التهذيب ومحكي النهاية والمبسوط والقاضي في محكي المهذب وابن سعيد في محكي الجامع واختاره الشهيد في اللمعة، ونسبه ثانيهما إلى الشهرة: (يجب عليه طوافان) لخبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال امير المؤمنين عليه السلام في امرأة نذرت أن تطوف على أربع قال: تطوف اسبوعا ليديها واسبوعا لرجليها " وخبر أبي الجهم (2) عنه عليه السلام ايضا عن ابيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) " أنه قال في امرأة نذرت ان تطوف على اربع تطوف اسبوعا ليديها واسبوعا لرجليها " (وقيل) والقائل ابن ادريس وتبعه غيره: (لا ينعقد النذر) لانه نذر هيئة غير مشروعة، وهل الباطل الهيئة الخاصة أو الطواف رأسا ؟ وفي كشف اللثام " تحتملهما عبارة السرائر والقواعد وغيرهما، والاول الوجه كما في المنتهى، فعليه طواف واحد على رجليه إلا أن ينوي عند النذر أنه لا يطوف إلا على هذه الهيئة، فيبطل رأسا " قلت: لا ريب في أن المتجه البطلان مع فرض تقيد المنذور بها وعدم مشروعية الهيئة، إذ هو كمن نذر الصلاة على هيئة غير مشروعة، وكذا لو نذر الطواف على رجل واحدة ونحو ذلك. (وربما قيل بالاول إذا كان الناذر امرأة اقتصارا على مورد النقل) وإن كنت لم أجده لمن تقدم على المصنف، نعم في المنتهى ومع سلامة هذين الحديثين عن الطعن في السند ينبغي الاقتصار على موردهما، وهو المرأة، ولا يتعدى إلى الرجل، وقول ابن إدريس أنه نذر غير مشروع ممنوع، إذ الطواف عبادة يصح نذرها، نعم الكيفية غير مشروعة، ولمنع انه يبطل نذر الفعل


(1) و (2) الوسائل الباب 70 من ابواب الطواف الحديث 1 - 2

[ 402 ]

عند بطلان نذر الصفة، وبالجملة فالذي ينبغي الاعتماد عليه بطلان النذر في حق الرجل والتوقف في حق المرأة، فان صح سند هذين الخبرين عمل بموجبهما، وإلا بطل كالرجل، ولا يخفى عليك ما فيه من التشويش، خصوصا بعد معلومية عدم صحة سند الخبرين، إلا انهما يمكن الوثوق بهما من جهة القرائن التي منها قبول أخبار السكوني، وروايتهما في الكتب المعتبرة، وفتوى من عرفت بهما بل قد سمعت نسبته إلى الشهرة ونحو ذلك، وحينئذ لا وجه للاجتهاد في مقابلتهما بل لعل المتجه التعدية إلى الرجل الذي هو أولى بالحكم المزبور من المرأة، خصوصا مع إمكان دعوى الاجماع المركب، إذ التفصيل الذي ذكره المصنف لم نعرفه قولا لاحد، فالقول به حينئذ قوي جدا، اللهم إلا أن يقال إنهما قضية في واقعة يمكن فرضها في نذر المرأة طوافين دفعة، ولا يكون ذلك إلا بالهيئة المزبورة، فاوجب عليه السلام عليها الطوافين ليديها ورجليها. وكيف كان فظاهر النص والفتوى عدم اجزاء الهيئة المزبورة في الطواف واجبة ومندوبة مع الاختيار، ولعله لان المنساق والمعهود غيرها، وحينئذ فلو تعلق نذره بطواف النسك فالاقرب البطلان كما في الدروس، ثم قال: " وظاهر القاضي الصحة، ويلزمه طوافان، وأطلق ابن ادريس البطلان، ومال إليه المحقق إن كان الناذر رجلا " وظاهره فرض محل البحث في تعلق النذر بطواف النسك، وفيه نظر. هذا كله مع الاختيار، أما لو عجز عن المشي إلا على الاربع فالاشبه كما في الدروس فعله، ويمكن تعين الركوب لثبوت التعبد به اختيارا، ولعل الآخر لما عرفت من ظهور النص والفتوى في عدم مشروعية الهيئة المزبورة، بخلاف الركوب المشروع في الاختيار فضلا عن الضرورة، ولكن فيه أن الظاهر اختصاص عدم المشروعية فيهما بالمختار دون المضطر، وربما احتمل في عبارة

[ 403 ]

الدروس، انها مفروضة في الناذر له على اربع، وان بناء الوجهين على بطلان الهيئة دون الطواف، وهو مع أنه خلاف ظاهرها من كونها مفروضة في مطلق من عليه طواف إنما يتجه وجوب ذلك عليه لو كان النذر تعلق به وهو عاجز، أما لو نذر صحيحا فاتفق العجز له إلا عن هذا الحال فالوجهان، والله العالم. المسألة (الحادية عشر لا بأس أن يعول الرجل على غيره في تعداد الطواف) كما في القواعد وغيرها ومحكي النهاية والمبسوط والسرائر والجامع (لانه) أي أخبار الغير (كالامارة) التي يكتفى بها في مثله، نحو ما سمعته في أجزاء الصلاة وعدد ركعاتها المشبه بها الطواف، وعن المنتهى لانه يثمر التذكر والظن مع النسيان، ولخبر سعيد الاعرج (1) سأل الصادق عليه السلام " أيكتفي الرجل باحصاء صاحبه: قال: نعم " وخبر الهذيل (2) عنه عليه السلام " في الرجل يتكل على عدد صاحبته في الطواف أيجزيه عنهما وعن الصبي ؟ فقال: نعم، ألا ترى أنك تأتم بالامام إذا صليت خلفه فهو مثله " ولعل مبنى الخبرين ما أشار إليه المصنف من غلبة حصول الظن باخبار المخبر الذي هو أمارة غالبا، نعم لو لم يحصل منه ظن لم يكن به عبرة وعمل على حكم الشك الذي قد عرفته سابقا وحينئذ فلا يعتبر فيه التعدد ولا الذكورة ولا غير ذلك، إذ المدار على ما عرفت لكن في المدارك بعد أن ذكر أن إطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق في الحافظ بين الذكر الانثى، ولا بين من طلب الطائف منه الحفظ وغيره قال: " وهو كذلك، نعم شرط فيه البلوغ والعقل، إذ لا اعتداد بخبر الصبي والمجنون، ولا يبعد اعتبار عدالته، للامر بالتثبت عند خبر الفاسق " وفيه أن خبر المميز والفاسق قد يفيدان الظن، بل الخبران (3) ظاهران في عدم


(1) و (2) الوسائل الباب 66 من ابواب الطواف الحديث 1 - 3 (3) الوسائل الباب 66 من ابواب الطواف الحديث 1 و 3

[ 404 ]

اعتبار العدالة، وفي كشف اللثام " وهل يشترط العدالة ؟ احتمال، للاصل والاحتياط، وظاهر التمثيل بالاقتداء في الصلاة، والاولى الاقتصار على اخلاد الرجل إلى الرجل دون المرأة وجواز العكس، اقتصارا على مضمون الخبرين وما يشبه الائتمام في الصلاة، والاحوط التجنب عن الاخلاد رأسا، لجهل سعيد وهذيل، نعم إن اكتفينا في كل العبادات عند كل جزء بالظن بالاتيان بما قبله اخلد لذلك كما في الشرائع والمنتهى " ولا يخفى ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه الذي قد يؤيده ان النص والفتوى قد جعلت الاحكام المذكورة للشك في الطواف على وجه يظهر منه عدم اندراج المظنون معه في الحكم المزبور، ولا ينافيه ما تقدم في بعض النصوص (1) من قوله عليه السلام: " حتى تثبته " أو " حتى تحفظه " لامكان القول بان الظن إثبات له وحفظ له، خصوصا بعد الخبرين المزبورين اللذين قد يقوى اعتبار حكم الصلاة هنا بملاحظة الثاني منهما المذكور فيه الائتمام المشعر باتحاد حال الصلاة مع الطواف زيادة على التشبيه، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط لعدم تعرض كثير لتحرير المسألة. (و) كيف كان ف‍ (لو شكا جميعا عولا على الاحكام المتقدمة) للشك من البناء أو الاستئناف، وإن شك احدهما دون الاخر كان لكل حكم نفسه كما يرشد إليه خبر صفوان (2) المتقدم سابقا " عن ثلاثة دخلوا في الطواف فقال واحد منهم: احفظوا الطواف، فلما ظنوا انهم قد فرغوا قال واحد منهم: معي سبعة اشواط وقال الآخر معي ستة اشواط، وقال الثالث معي خمسة اشواط


(1) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 1 والباب 33 منها الحديث 11 (2) الوسائل الباب 66 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 405 ]

فقال: إن شكوا كلهم فليستأنفوا، وإن لم يشكوا وعلم كل واحد منهم ما في يديه فليبنوا " وربما احتمل ان المراد البناء على الامر المشترك كما إذا شك احدهما بين خمسة وستة، والآخر بين ستة وسبعة فيبنوا على الستة نحو ما تقدم في شك الامام والمأموم، وكان بينهما رابطة، لكنه كما ترى، وفي كشف اللثام " لو صح خبر هذيل امكن القول بان لا يعتبر شكه إذا حفظ الآخر كصلاة الجماعة " وقد عرفت ان المدار على حصول الظن بالعدد فان كان اخذ به، وإلا عمل على مقتضى حكم الشك السابق، والله العالم. المسألة (الثانية عشر طواف النساء واجب في الحج) بجميع انواعه اجماعا بقسميه، بل المحكي منهما مستفيض كالنصوص، ففي صحيح معاوية بن عمار (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " على المتمع بالعمرة إلى الحج ثلاثة اطواف بالبيت وسعيان بين الصفا والمروة، فعليه إذا قدم مكة طواف بالبيت وركعتان عند مقام ابراهيم (عليه السلام) وسعي بين الصفا والمروة ثم يقصر وقد احل، هذا للعمرة وعليه للحج طوافان وسعي بين الصفا والمروة ويصلي عند كل طواف بالبيت ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام " وصحيح منصور بن حازم (2) عنه عليه السلام ايضا " على المتمتع بالعمرة الي الحج ثلاثة اطواف، ويصلي لكل طواف ركعتين، وسعيان بين الصفا والمروة " ونحوه خبر ابي بصير (3) عنه عليه السلام ايضا، وصحيح الحلبي (4) عنه عليه السلام ايضا " إنما نسك الذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد، ليس بأفضل منه إلا بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحج " وحسن معاوية بن عمار (5) عنه عليه السلام ايضا " المفرد عليه طواف بالبيت،


(1) و (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 2 من ابواب أقسام الحج الحديث 7 - 8 - 10 - 5 - 1

[ 406 ]

وركعتان عند مقام ابراهيم (عليه السلام) وسعي بين الصفا والمروة، وطواف الزيارة، وطواف النساء، وليس عليه هدي ولا اضحية " إلى غير ذلك من النصوص المتفق على العمل بها. (و) كذلك هو واجب في (العمرة المفردة) المسماة بالمبتولة بلا خلاف معتد به اجده فيه، بل عن المنتهى والتذكرة الاجماع عليه، وهو الحجة بعد المعتبرة المستفيضة، كخبر اسماعيل بن رياح (1) سأل ابا الحسن (عليه السلام) " عن مفرد العمرة عليه طواف النساء قال: نعم " وصحيح محمد بن عيسى (2) قال: " كتب أبو القاسم مخلد بن موسى الرازي إلى الرجل يسأله عن العمرة المبتولة على صاحبها طواف النساء وعن التي يتمتع بها إلى الحج فكتب أما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء، واما التي يتمتع بها إلى الحج فليس على صاحبها طواف النساء " وخبر ابراهيم بن عبد الحميد (3) عن عمر بن يزيد أو غيره عن ابي عبد الله (عليه السلام) " المعتبر يطوف ويسعى ويحلق ولابد له بعد الحلق من طواف آخر " وهو وإن عم المتمتع بها إلا انه مخصص بما عرفت وتعرف إن شاء الله، إلى غير ذلك من النصوص المجبور ضعف السند في بعضها بما سمعت. خلافا للمحكي في الدروس عن الجعفي من عدم وجوبه، لصحيح معاوية (4) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " إذا دخل المعتمر مكة من غير تمتع وطاف بالبيت وصلى ركعتين عند مقام ابراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة فيلحق بأهله إن شاء " الذي هو غير صريح في وحدة الطواف، إذ يحتمل انه طاف


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 82 من ابواب الطواف الحديث 8 - 1 - 2 (4) الوسائل الباب 9 من ابواب العمرة الحديث 2

[ 407 ]

ما يجب عليه وصلى لكل واحد ركعتين، بل ربما قيل إن ظاهره ذلك، وصحيح صفوان بن يحيى (1) قال: " سأله عليه السلام أبو الحرث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج وطاف وسعى وقصر هل عليه طواف النساء ؟ قال: لا، إنما طواف النساء بعد الرجوع من منى " المحتمل لارادة إنما طواف النساء عليه، ومرسل يونس (2) الذي لا جابر للعمل به " ليس طواف النساء إلا على الحاج " المخصص بما عرفت المحتمل لارادة ما يشمل المعتمر من الحاج، وخبر أبي خالد مولى علي بن يقطين (3) سأل أبا الحسن عليه السلام " عن مفرد العمرة عليه طواف النساء فقال: ليس عليه طواف النساء " الذي هو غير جامع لشرائط الحجية المحتمل لمن أراد التمتع بعمرته المفردة، فمن الغريب ميل بعض متأخري المتأخرين إلى العمل بهذه النصوص القاصرة عن معارضة غيرها من وجوه، وترك المعتبرة الاولى التي عليها العمل قديما وحديثا المعتضدة مع ذلك باصالة بقاء حرمة النساء وغيرها. نعم هو واجب فيها بجميع أنواعها (دون المتمتع بها) فانه لا يجب فيها بلا خلاف محقق أجده فيه، وإن حكاه في اللمعة عن بعض الاصحاب، وأسنده في الدروس إلى النقل، لكن لم يعين القائل ولا ظفرنا به ولا احد ادعاه سواه، بل في المنتهى لا أعرف فيه خلافا، بل عن بعض الاجماع على عدم الوجوب، ولعله كذلك، فانه قد استقر المذهب الآن عليه، بل وقبل الآن، مضافا إلى النصوص التي منها ما تقدم، ولا يقدح في بعضها الاضمار، لان مضمرات الاجلاء حجة عندنا، ولا جهالة السائل ولا المكاتبة، ومنها صحيح زرارة (4)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 82 من ابواب الطواف الحديث 6 - 10 - 9 وروى الثاني عن يونس وهو سهو فان الموجود في الاستبصار ح 2 ص 232 الرقم 806 عن يونس عمن رواه (4) الوسائل الباب 22 من ابواب الاحرام الحديث 3

[ 408 ]

" قلت لابي جعفر (عليه السلام) كيف التمتع قال: تأتي الوقت فتلبي بالحج، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت وصليت ركعتين خلف المقام وسعيت بين الصفا والمروة وقصرت وأحللت من كل شئ، وليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج " وصحيح معاوية بن عمار (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) " إذا فرغت من سعيك، وانت متمتع فقصر من شعرك من جوانبه ولحيتك وخذ من شاربك وقلم أظفارك وابق منهما لحجك، وإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شئ يحل منه المحرم وأحرمت منه، وطف بالبيت تطوعا ما شئت " ومنه خبر عبد الله بن سنان (2) ؟ عنه (عليه السلام) ؟ ايضا قال: " سمعته يقول: طواف المتمتع ان يطوف بالكعبة ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر من شعره، فإذا فعل ذلك فقد أحل " ومنها خبر عمر بن يزيد (3) عنه (عليه السلام) ايضا " ثم ائت منزلك فقصر من شعرك وحل لك كل شئ " ومنها حسن الحلبي (4) " قلت لابي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك اني لما قضيت نسكي للعمرة اتيت اهلي ولم اقصر قال: قلت اني لما اردت ذلك منها ولم تكن قصرت امتنعت فلما غلبتها قصرت بعض شعرها بأسنانها قال: رحمها الله كانت أفقه منك، عليك بدنة وليس عليها شئ " ومنها خبر الحلبي (5) " سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة متمتعة عاجلها زوجها قبل ان تقصر فلما تخوفت ان يغلبها اهوت إلى قرونها فقرضت منه باسنانها وقرضت باظافيرها هل عليها شئ ؟ قال: لا، ليس كل احد يجد المقاريض "


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 1 من ابواب التقصير الحديث 4 - 2 - 3 (4) و (5) الوسائل الباب 3 من ابواب التقصير الحديث 2 - 4

[ 409 ]

كل ذلك مع أنا لم نجد دليلا للقول المزبور إلا خبر سليمان بن حفص المروزي (1) عن الفقيه (عليه السلام) " إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعا فطاف بالبيت وصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم (عليه السلام) وسعى بين الصفا والمروة وقصر فقد حل له كل شئ ما خلا النساء، لان عليه لنحلة النساء طوافا وصلاة " الشاذ الضعيف سندا ولا جابر المخالف لما عرفت، بل قال الشيخ: ليس فيه ان الطواف والسعي اللذين ليس له الوطئ بعدهما إلا بعد طواف النساء انهما للعمرة أو الحج، وإذا لم يكن في الخبر ذلك حملناه على من طاف وسعى للحج، وإن كان فيه ان المفروض في الخبر وقوع التقصير من المتمتع بعد الطواف والسعي، وليس ذلك إلا في العمرة، إذ لا تقصير بعدهما في الحج، وايضا قوله (عليه السلام) " إذا حج الرجل " إلى آخره كالصريح في ان المراد بدخولها هو القدوم الاول دون الرجوع إليها من منى، فلا وجه للمناقشة فيه من هذه الجهة، كما انه لا وجه لها ايضا فيه بانه قد دل على توقف حل النساء على الصلاة والطواف معا، وهو خلاف المعهود في مثله، فان التحليل في الحج والعمرة المفردة إنما يحصل بنفس الطواف من غير توقف على الصلاة في ظاهر النص والفتوى، ولو توقف عليها كانت هي المحلل دونه، وتوقفها عليه لا يصحح نسبة التحليل إليها، وإلا لجاز إسناده إلى ما قبل ذلك من الاعمال أيضا، لانه بعد تسليم ذلك إذ قد عرفت البحث فيه سابقا قد يقال بان إيجاب الطواف للتحلل يقتضي ايجاب الصلاة له بواسطة الطواف، فانها من لوازمه، وعلة الملزوم علة اللازم، وحينئذ فلا يلزم التحليل بالصلاة ولا بالمجموع، على أنه يمكن التزام أحد الامرين هنا تبعا للنص وإن لم يكن في غيره كذلك، ولا محذور في ذلك، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 82 من ابواب الطواف الحديث 7

[ 410 ]

(و) كيف كان ف‍ (هو) أي طواف النساء (لازم للرجال والنساء والصبيان) والخصيان (والخناثى) بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل عن المنتهى والتذكرة الاجماع عليه في الجملة، مضافا إلى صحيح ابن يقطين وغيره كما تقدم الكلام في ذلك وغيره مفصلا عند قول المصنف: " ومواطن التحلل ثلاثة " فلاحظ وتأمل. (القول في السعي) (ومقدماته عشرة): وفي الدروس أربعة عشر، والمستفاد من النصوص أزيد من ذلك، نعم في كون بعضها مقدمة له نظر، وإنما ورد الامر به بعد الفراغ من الطواف، فيمكن ان يكون مستحبا برأسه، والامر سهل، فان (كلها مندوبة) منها (الطهارة) من الاحداث وفاقا للمشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا بل في محكي المنتهى نسبته إلى علمائنا مشعرا به، بل هي كذلك، إذ لم يحك الخلاف فيه إلا من العماني، لقول الكاظم عليه السلام في خبر ابن فضال (1) " لا يطوف ولا يسعى إلا على وضوء " وصحيح الحلبي (2) سأل الصادق عليه السلام " عن المرأة تطوف بين الصفا والمروة وهي حائض قال: لا، لان الله تعالى (3) يقول: إن الصفا والمروة من شعائر الله " المحمولين على ضرب من الندب والكراهة، لقول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (4): " لا بأس بان تقضي المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف، فان فيه صلاة، والوضوء


(1) و (2) و (4) الوسائل الباب 15 من ابواب السعي الحديث 7 - 3 - 1 (3) سورة البقرة الآية 153

[ 411 ]

أفضل " وصحيحه الآخر (1) أيضا سأله " عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تسعى قال: تسعى، وسأله عن امرأة طافت بين الصفا والمروة فحاضت بينهما قال: تتم سعيها " وخبر يحيى الازرق (2) سأل الكاظم عليه السلام " رجل سعى بين الصفا والمروة ثلاثة أشواط أو أربعة ثم بال ثم أتم سعيه بغير وضوء فقال: لا بأس، ولو أتم مناسكه بوضوء كان أحب الي " وغير ذلك مما هو معتضد بالاصل وبالشهرة العظيمة وغير ذلك مما لا إشكال في قصور المعارض بالنسبة إليه، فيجب حمله على ضرب من الكراهة، بل صرح جماعة ايضا باستحباب الطهارة من الخبث فيه وإن كان لم يحضرني الآن ما يشهد له سوى مناسبة التعظيم، وكون الحكم ندبيا يكتفي في مثله بنحو ذلك. (و) منها (استلام الحجر والشرب من زمزم والصب على الجسد من مائها من الدلو المقابل للحجر) قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3): " إذا فرغت من الركعتين فائت الحجر الاسود فقبله أو استلمه أو أشر إليه فانه لابد من ذلك، وقال: إن قدرت أن تشرب من ماء زمزم قبل أن تخرج إلى الصفا فافعل، وتقول حين تشرب: اللهم اجعله علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم، قال: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال حين نظر إلى زمزم: لولا أن أشق على امتي لاخذت منه ذنوبا أو ذنوبين " وقال الصادق عليه السلام في حسن الحلبي (4): " إذا فرغ الرجل من طوافه وصلى ركعتيه فليأت زمزم فليستق ذنوبا أو ذنوبين فيشرب منه وليصب على رأسه وظهره وبطنه، ويقول:


(1) الوسائل الباب 89 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 15 من ابواب السعي الحديث 6 (3) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب السعي الحديث 1 - 2

[ 412 ]

اللهم اجعله علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم، ثم يعود إلى الحجر الاسود " وقال هو ايضا والكاظم (عليهما السلام) في صحيح حفص وعبيد الله الحلبي (1): " يستحب أن يستقى من ماء زمزم دلوا أو دلوين فتشرب منه وتصب على رأسك وجسدك، وليكن ذلك من الدلو الذي بحذاء الحجر ". وظاهر هذا الخبر وغيره ما في الدروس من استحباب الاستقاء بنفسه، كما أن ظاهر خبر الحلبي السابق ما فيها ايضا من الاستلام بعد إتيان زمزم، نحو ما في خبر ابن سنان (2) المشتمل على حج النبي صلى الله عليه وآله قال: " فلما طاف بالبيت صلى ركعتين خلف مقام ابراهيم عليه السلام ودخل زمزم فشرب منها، وقال: اللهم اني اسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء وسقم، فجعل يقول ذلك وهو مستقبل الكعبة، ثم قال لاصحابه: ليكن آخر عهدكم بالكعبة استلام الحجر، فاستلمه ثم خرج إلى الصفا " ولا ينافي ذلك خبر معاوية المتقدم الذي ليس فيه إلا بيان تأكد استحباب الاستلام، نعم ينافيه قول الصادق عليه السلام في صحيح الحلبي (1) المروي عن العلل في حج النبي صلى الله عليه وآله " ثم صلى ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السلام ثم استلم الحجر ثم أتي زمزم فشرب منها " ويمكن القول باستحباب استلامه قبل الشرب وبعده وخصوصا عند إرادة الخروج، كما أنه يمكن القول باستحباب إتيان زمزم عقيب الركعتين وإن لم يرد السعي، قال ابن مهزيار (4) " رأيت أبا جعفر الثاني عليه السلام ليلة الزيارة طاف طواف النساء وصلى خلف المقام ثم دخل زمزم فاستقى منها بيده بالدلو الذي يلي الحجر الاسود وشرب وصب على بعض جسده ثم اطلع في زمزم مرتين، وأخبرني بعض اصحابنا أنه رآه بعد


(1) و (4) الوسائل الباب 2 من ابواب السعي الحديث 4 - 3 (2) و (3) الوسائل الباب 2 من ابواب أقسام الحج الحديث 13 14

[ 413 ]

ذلك فعل مثل ذلك " وعن ابن الجنيد التصريح بان استلام الحجر من توابع الركعتين، وكذا إتيان زمزم على الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله. (و) منها (أن يخرج من الباب المحاذي للحجر) بلا خلاف أجده فيه كما عن المنتهى والتذكرة الاعتراف به ايضا تأسيا بالنبي صلى الله عليه وآله قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1) " إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين فرغ من طوافه وركعتيه قال: ابدأوا بما بدأ الله عزوجل به من اتيان الصفا، إن الله عزوجل يقول: إن الصفا والمروة من شعائر الله قال أبو عبد الله عليه السلام، ثم اخرج إلى الصفا من الباب الذي خرج منه رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الباب الذي يقابل الحجر الاسود حتى تقطع الوادي وعليك السكينة والوقار " وقال عبد الحميد بن سعيد (2) " سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الباب الذي يخرج منه إلى الصفا، قلت: إن أصحابنا قد اختلفوا فيه، بعضهم يقول: الذي يلي السقاية، وبعضهم يقول الذي يلى الحجر، فقال: هو الذي يلي الحجر، والذي يلي السقاية محدث صنعه داود أو فتحه داود " نعم الظاهر دخول الباب المزبور في صحن المسجد لما وسعوه: لكن هو الآن معلم باسطوانتين معروفتين، فليخرج من بينهما، قال الشهيد: والظاهر استحباب الخروج من الباب الموازي لهما. (و) منها (ان يصعد الصفا) للتأسي والنصوص (3) والاجماع إلا ممن أوجبه إلى حيث يرى الكعبة من بابه، والظاهر انه من غيرنا، فانه عن الخلاف والقاضي وغيرهما الاجماع على عدم الوجوب وفي محكي التذكرة والمنتهى إجماع أهل العلم على عدم وجوب الصعود إلا من شذ ممن


(1) و (2) الوسائل الباب 3 من ابواب السعي الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 4 و 5 من ابواب السعي

[ 414 ]

لا يعتد به، ولكن في الدروس والاحتياط الترقي إلى الدرج، ويكفي الرابعة ولعله لما ستعرفه إن شاء الله، وعلى كل حال فلا إشكال في ندبه، قال الصادق عليه السلام في حسن معاوية (1): " فاصعد على الصفا حتى تنظر إلى البيت " ويكفي فيه كما في المسالك وكشف اللثام وغيرهما الصعود على الدرجة الرابعة التي قيل انها كانت تحت التراب، فظهرت الآن حيث أزالوا التراب، ولعلهم إنما كانوا جعلوا التراب تيسرا للنظر إلى الكعبة على المشاة وللصعود على الركبان، ولعله لما كانت الدرجات الاربع مخفية في التراب ظن في المدارك أن النظر إلى الكعبة لا يتوقف على الصعود، وأن معنى الخبر استحباب كل من الصعود والنظر، قال: والظاهر ان المراد بقوله (عليه السلام) " فاصعد " إلى آخره، الامر بالصعود والنظر إلى البيت واستقبال الركن لا الصعود إلى أن يرى البيت، لان رؤية البيت لا تتوقف على الصعود، ولصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج (2) " سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن النساء يطفن على الابل والدواب أيجزيهن أن يقفن تحت الصفا والمروة ؟ قال: نعم بحيث يرين البيت " وبما ذكرناه أفتى الشيخ في النهاية، فقال: " إذا صعد على الصفا نظر إلى البيت واستقبل الركن الذي فيه الحجر وحمد الله تعالى " وذكر الشارح أن المستحب الصعود إلى الصفا بحيث يرى البيت، وان ذلك يحصل بالدرجه الرابعة وهو غير واضح، وفيه ما لا يخفى بعد الاحاطة بما ذكرناه، خصوصا دعواه كون المراد بالخبر ما ذكره مع ظهوره في خلافه، وكيف كان فظاهر المصنف وغيره إطلاق استحباب الصعود، إلا أن


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب السعي الحديث 1 (2) الوسائل الباب 17 من ابواب السعي الحديث 1

[ 415 ]

الفاضل خصه بالرجال، ولعله لما سمعته من خصوص صحيح ابن الحجاج ومناسبة عدمه لهن من حيث الستر. (و) منها أن (يستقبل الركن العراقي) ذي الحجر حال كونه على الصفا (ويحمد الله عزوجل ويثني عليه وان يطيل الوقوف على الصفا ويكبر الله سبعا ويهلله سبعا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير ثلاثا ويدعو بالمأثور) كل ذلك وغيره لقول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية السابق (1): " فاصعد على الصفا حتى تنظر البيت، وتستقبل الركن الذي فيه الحجر الاسود، فاحمد الله تعالى واثن عليه واذكر من بلائه وآلائه وحسن ما صنع اليك ما قدرت على ما ذكره، ثم كبر الله تعالى سبعا، وهلله سبعا، وقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، وهو على كل شئ قدير ثلاث مرات، ثم صل على النبي صلى الله عليه وآله وقل: الله اكبر الحمد لله على ما هدانا، والحمد لله على ما ابلانا، والحمد لله الحي القيوم، والحمد لله الحي الدائم ثلاث مرات، وقل: أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون ثلاث مرات: اللهم اني اسألك العفو والعافية واليقين في الدنيا والآخرة ثلاث مرات، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ثلاث مرات، ثم كبر الله مائة مرة، وهلل الله مائة مرة، واحمد الله مائة مرة، وسبح الله تعالى مائة مرة، وتقول لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الاحزاب وحده، فله الملك وله الحمد وحده وحده، اللهم بارك لي في


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب السعي الحديث 1

[ 416 ]

الموت وفي ما بعد الموت، اللهم اني أعوذ بك من ظلمة القبر ووحشته، اللهم اظلني في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، واكثر من ان تستودع ربك دينك ونفسك واهلك، ثم تقول: استودع الله الرحمان الرحيم الذي لا تضيع ودايعه ديني ونفسي واهلي اللهم استعملني على كتابك وسنة نبيك، وتوفني على ملته واعذني من الفتن، ثم تكبر ثلاثا، ثم تعيدها مرتين، ثم تكبر واحدة ثم تعيدها، فان لم تستطع هذا فبعضه وروي غير ذلك، وانه ليس فيه شئ موقت (1) وقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقف على الصفا بقدر ما يقرأ سورة البقرة مترسلا، قال الصدوق فيمن لا يحضره الفقيه بعد ان اورد نحوا من ذلك: ثم انحدر وقف على المرقاة الرابعة حيال الكعبة، وقل اللهم اني اعوذ بك من عذاب القبر وفتنته وغربته ووحشته وظلمته وضيقه وضنكه، اللهم اظلني في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وعن محمد بن عمر بن يزيد (2) عن بعض اصحابه قال: " كنت في ظهر ابي الحسن موسى (عليه السلام) على الصفا وعلى المروة وهو لا يزيد على حرفين: اللهم اني اسألك حسن الظن بك في كل حال، وصدق النية في التوكل عليك " وفي مرفوع علي بن النعمان (3) " كان امير المؤمنين (عليه السلام) إذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثم يرفع يديه ثم يقول: اللهم اغفر لي كل ذنب اذنبته قط، فان عدت فعد علي بالمغفرة فانك أنت الغفور الرحيم، اللهم افعل بي ما أنت أهله فأنك إن تفعل بي ما انت أهله ترحمني، وإن تعذبني فأنت غني عن عذابي، وانا محتاج إلى رحمتك، فيامن انا محتاج


(1) و (2) الوسائل الباب 5 من ابواب السعي الحديث 3 - 6 (3) الوسائل الباب 4 من ابواب السعي الحديث 3

[ 417 ]

إلى رحمته ارحمني، اللهم لا تفعل بي ما أنا أهله، فانك إن تفعل بي ما أنا أهله تعذبني ولم تظلمني، أصبحت أتقي عدلك ولا أخاف جورك، فيامن هو عدل لا يجور ارحمني " وفي خبر المنقري (1) عن ابي عبد الله عليه السلام " إن أردت أن يكثر مالك فاكثر الوقوف على الصفا " نحو ما في المرفوع (2) عنه عليه السلام ايضا " من أراد أن يكثر ماله فليطل الوقوف على الصفا والمروة " وقال جميل (3) لابي عبد الله عليه السلام " هل من دعاء موقت أقوله على الصفا والمروة فقال: تقول إذا وقفت على الصفا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شئ قدير " إلى غير ذلك من النصوص المستفاد منها ما ذكره المصنف وغيره، وفي الدروس ويستحب ايضا قراءة القدر والوقوف على الدرجة الرابعة حيال الكعبة والدعاء ثم ينحدر عنها كاشفا ظهره، ويسأل الله العفو، وليكن وقوفه على الصفا في الشوط الثاني أقل منه في الشوط الاول، والله العالم. (و) أما (الواجب فيه) ف‍ (اربعة) وفي الدروس عشرة ضاما لها بعض ما تسمعه في الاحكام والمقارنة ونحو ذلك، وعلى كل حال فالواجب فيه (النية) بلا خلاف ولا إشكال، بل الاجماع بقسميه عليه على حسب ما سمعته في الطواف وغيره من الافعال من كونها الداعي، ولا يجب فيها نية الوجه ولا غيره عدا القربة والتعيين لنوعه من كونه سعي حج الاسلام أو غيره من عمرة الاسلام أو غيرها، وإن كان الاحوط اشتمالها مع ذلك على تصور معنى السعي المتضمن للذهاب من الصفا إلى المروة والعود وهكذا سبعا، والوجه واستحضار


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 5 من ابواب السعي الحديث 1 - 2 - 4

[ 418 ]

مقارنتها لاوله مستداما حكمها إلى آخره إن أتى به متصلا إلى الآخر، فان فصل ففي كشف اللثام كالطواف عندي أنه يجددها ثانيا فيما بعده، وفيه أنه لا دليل عليه، بل إطلاق الادلة على خلافه، فيكفي العود بنية إتمام العمل السابق، بل قد يقال بكفاية تمامه وإن غفل عن الاولى حين الشروع ثم تنبه بعد ذلك، ولكن لا ينبغي ترك الاحتياط، والله العالم. (و) الثاني والثالث (البدأة بالصفا والختم بالمروة) بلا خلاف أجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المتقدم بعضها، وما عن الحلبي والسنة فيه الابتداء بالصفا والختم بالمروة ليس خلافا مع إرادته الوجوب بالسنة، وما عن ابي حنيفة من جواز الابتداء بالمروة مسبوق بالاجماع وملحوق به، وحينئذ فلو عكس بان بدأ بالمروة أعاد عامدا كان أو ناسيا، لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، ولصحيح معاوية بن عمار (2) " من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى ويبدأ بالصفا قبل المروة " وفي خبره الآخر (3) عنه عليه السلام ايضا " وإن بدأ بالمروة فليطرح ما سعى ويبدأ بالصفا " وسأله عليه السلام ايضا علي بن ابي حمزة (4) " عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا قال: يعيد، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء اراد أن يعيد الوضوء " وفي خبر علي الصائغ (5) قال: " سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا قال: يعيد، ألا ترى أنه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه أن يبدأ بيمينه ثم يعيد


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي والباب 2 من ابواب أقسام الحج الحديث 3 و 13 و 14 (2) و (3) و (4) و (5) الوسائل الباب 10 من ابواب السعي الحديث 1 - 2 - 4 - 5

[ 419 ]

على شماله " قلت: ومقتضى التشبيه المزبور الاجتزاء بالاحتساب من الصفا إذا كان قد بدأ بالمروة ثم بالصفا ولا يحتاج إلى إعادة السعي بالصفا جديدا كما صرح به بعض الناس، وإن كان هو أحوط، بل ربما أمكن دعوى ظهور النصوص السابقة فيه، هذا. وقد عرفت سابقا عدم وجوب الصعود على الصفا، فيكفي حينئذ أن يجعل عقبه ملاصقا له، لوجوب استيعاب المسافة التي بينه وبين المروة، نعم قد يحتمل الاكتفاء باحد القدمين، ولكن الاحوط جمعهما، ثم إذا عاد الصق اصابعه بموضع العقب حتى يحصل الاستيعاب المزبور الذي عليه المدار في الظاهر وإلا فلا دليل على وجوب السعي منتهيا إلى خصوص قدم الابتداء، بل لعل إطلاق الادلة يقضي بخلافه، فانه ليس فيها إلا السعي بينهما الذي يتحقق بذلك وبالانتهاء إلى ما يحاذي الابتداء، بل مقتضى الاطلاق المزبور نصا وفتوى عدم وجوب كون السعي بالخط المستقيم، ضرورة صدق السعي بينهما به وبغيره، بل نصوص (1) السعي راكبا في الرجال والنساء كالصريحة بخلافه، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الفرد المتيقن الذي عليه العمل، بل فيما حضرني من بعض الكتب نسبة الكيفية المزبورة أولا إليهم (عليهم السلام)، بل فيه أنه قيل الظاهر اتفاق الاصحاب عليه وإن كنا لم نتحقق شيئا من ذلك، نعم في الرياض " لولا اتفاق الاصحاب في الظاهر على وجوب إلصاق العقب بالصفا والاصابع بالمروة لكان القول بعدم لزوم هذه الدقة والاكتفاء باقل من ذلك مما يصدق معه السعي بين الصفا والمروة عرفا وعادة لا يخلو من قوة كما اختاره بعض المعاصرين، لما ذكره من أن المفهوم من الاخبار أن الامر أوسع من ذلك، فان السعي على الابل


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب السعي

[ 420 ]

الذي دلت عليه الاخبار وأن النبي صلى الله عليه وآله كان يسعى على ناقته لا يتفق فيه هذا التضييق من جعل عقبه ملصقة بالصفا في الابتداء وأصابعه يلصقها بالمروة موضع العقب بعد العود فضلا عن ركوب الدرج، بل يكفي فيه الامر العرفي، ولكن الاحوط ما ذكروه " قلت: قد عرفت أن مقتضى إطلاق الادلة السعي بينهما، ويمكن فهم الاستيعاب منها، خصوصا مع ملاحظة صدق البدأة والختم، نعم هو في الراكب والراجل كل بحسب حاله عرفا، لكن كونه على الوجه المزبور محل نظر بل منع، وليس في كلامهم ظهور في ذلك، وإنما ذكره بعض متأخري المتأخرين، بل لعل إطلاق الفتاوى بخلافه، هذا. وفي محكي التذكرة والمنتهى أن من أوجب الصعود أوجبه من باب المقدمة لانه لا يمكن استيفاء ما بينهما إلا به، كغسل جزء من الرأس في الوضوء وصيام جزء من الليل، ثم قال: وهذا ليس بصحيح، لان الواجبات هنا لا تنفصل بمفصل حسي يمكن معه استيفاء الواجب دون فعل بعضه، فلهذا أوجبنا غسل جزء من الرأس وصيام جزء من الليل بخلاف المقام، فانه يمكنه أن يجعل عقبه ملاصقا للصفا، قلت: عن الفقيه والهداية والمقنع والمراسم والمقنعة أنها تحتمل وجوب الصعود، وقد سمعت ما في الدروس من أن الاحوط الترقي إلى الدرج وتكفي الرابعة، ولعله للامر بصعوده في بعض (1) النصوص السابقة، ولما روي (2) انه صلى الله عليه وآله صعده في حجة الوداع التي قال فيها (3): " خذوا عني


(1) الوسائل الباب 4 من ابواب السعي الحديث 1 (2) الوسائل الباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3 (3) تيسير الوصول ج 1 ص 312

[ 421 ]

مناسككم " وأما كفاية الرابعة فلما روي (1) انه صلى الله عليه وآله رقى قدر قامة حتى رأى الكعبة، وعن الغزالي في الاحياء أن بعض الدرج محدثة، فينبغي أن لا يخلفها وراء ظهره، فلا يكون متمما للسعي. وكيف كان فالصفا أنف من جبل أبي قبيس بازاء الضلع الذى بين الركن العراقي واليماني، وعن تهذيب النووي " أن ارتفاعه الآن إحدى عشرة درجة وفوقها أزج كايوان، وعرصة فتحة هذا الازج نحو خمسين قدما " وفي كشف اللثام والظاهر من ارتفاعه الآن سبع درج، وذلك لجعلهم التراب على أربع منها كما حفروا الارض في هذه الايام فظهرت الدرجات الاربع، وعن الازرقي أن الدرج إثنتا عشرة، وقيل إنها أربع عشرة، قال القاسي: وسبب هذا الاختلاف ان الارض تعلو بما يخالطها من التراب، فتستر ما لاقاها من الدرج، قال: وفي الصفا الآن من الدرج الظواهر تسع درجات منها خمس درجات يصعد منها إلى العقود التي بالصفا، والباقي وراء العقود، وبعد الدرج التي وراء العقود ثلاث مساطب كبار على هيئة الدرج، ويصعد من يصعد من الاولى إلى الثانية منهن بثلاث درجات في وسطها، والمروة أنف من جبل قيقعان كما عن تهذيب النووي، وعن أبي عبيد البصري أنها في أصل جبل قيقعان، وعن النووي هي درجتان، وعن القاسي أن فيها الآن درجة واحدة، وعن الازرقي والبكري انه كان عليها خمس عشرة درجة، وعن ابن جبير ان فيها خمس درج، وعن النووي وعليها ايضا ازج كايوان، وعرصتها تحت الازج نحو أربعين قدما، فمن وقف عليه كان محاذيا للركن العراقي، وتمنعه العمارة من رؤيته، وحكى جماعة من المؤرخين حصول التغيير في المسعى في ايام المهدي العباسي وايام الجراكسة


(1) سنن النسائي ج 5 ص 240 وسنن البيهقي ج 5 ص 94

[ 422 ]

على وجه يقتضي دخول المسعى في المسجد الحرام، وان هذا الموجود الآن مسعى مستجد، ومن هنا اشكل الحال على بعض الناس باعتبار عدم إجزاء السعي في غير الوادي الذى سعى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، كما انه اشكل عليه إلحاق أحكام المسجد لما دخل منه فيه، ولكن العمل المستمر من سائر الناس في جميع هذه الاعصار يقتضي خلافه، ويمكن ان يكون المسعى عريضا قد ادخلوا بعضه وابقوا بعضا كما أشار إليه في الدروس، قال: وروي (1) ان المسعى اختصر كيف كان فلا يجب صعود المروة ايضا كما سمعته في الصفا بلا خلاف محقق اجده فيه بيننا، بل عن الخلاف الاجماع عليه إلا ممن لا يعتد به، ويظهر من محكي التذكرة والمنتهى ايضا، ولكن الاحتمال في الكتب السالفة آت هنا خصوصا مع ملاحظة فعله صلى الله عليه وآله له في حجة الوداع التي قال فيها: " خذوا عني مناسككم " والامر سهل بعد إن كانت النية الداعي عندنا، فلا بأس حينئذ بالترقي مستمرا على الداعي حتى ينزل ويسعى، والله العالم. (و) الرابع (أن يسعى سبعا يحسب ذهابه شوطا وعوده آخر) فاتيانه من الصفا إلى المروة ومنها إليه شوطان لا شوط واحد بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى النصوص (1) المستفيضة أو المتواترة أو المقطوع بمضمونها، قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3): " فطف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة " فما عن بعض العامة من عدهما معا شوطا


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي الحديث 1 (2) الوسائل الباب 6 و 11 من ابواب السعي والباب 2 من ابواب اقسام الحج الحديث 3 و 13 (3) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي الحديث 1

[ 423 ]

واحدا واضح الفساد، ويجب في السعي الذهاب بالطريق المعهود، فلو اقتحم المسجد الحرام ثم خرج من باب آخر لم يجز، بل في الدروس وكذا لو سلك سوق الليل، ويجب فيه ايضا استقبال المطلوب بوجهه، فلو اعترض أو مشى القهقرى لم يجز كما في الدروس وغيرها، لانه خلاف المعهود، فلا يتحقق به الامتثال، نعم لا يضر فيه الالتفات بالوجه قطعا، كما هو واضح. (والمستحب) فيه امور ذكر المصنف منها (اربعة) الاولى (ان يكون ماشيا) لانه أحمز وادخل في الخضوع، وقد ورد (1) " ان المسعى أحب الاراضي إلى الله، لانه تذل فيه الجبابرة " (ولو كان راكبا) لا لعذر (جاز) بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة المستفيضة، منها صحيح معاوية بن عمار (2) عن ابي عبد الله عليه السلام: قلت له: المرأة تسعى بين الصفا والمروة على دابة أو على بعير قال: لا بأس بذلك، قال: وسألته عن الرجل يفعل ذلك قال: لا بأس به، والمشي افضل " وصحيح ابن الحجاج (3) المتقدم سابقا، وحسن الحلبي (4) عنه عليه السلام ايضا " سألته عن الرجل يسعى بين الصفا والمروة على الدابة قال: نعم وعلى المحمل " إلى غير ذلك من النصوص. (و) الثاني والثالث (المشي على طرفيه) اي اول السعي وآخره أو طرفي المسعى (والهرولة) اي الرمل (ما بين المنارة وزقاق العطارين ماشيا كان أو


(1) الوسائل الباب 1 من ابواب السعي الحديث 14 مع الاختلاف في اللفظ (2) و (4) الوسائل الباب 16 من ابواب السعي الحديث 4 - 1 (3) الوسائل الباب 17 من ابواب السعي الحديث 1

[ 424 ]

راكبا) بلا خلاف معتد به اجده في اصل الحكم، بل الاجماع بقسميه عليه، مضافا إلى المعتبرة، منها قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (1) " انحدر من الصفا ماشيا إلى المروة وعليك السكينة والوقار حتى تأتي المنارة، وهي طرف المسعى فاسع ملا فروجك، وقل: بسم الله والله اكبر وصلى الله على محمد واهل بيته، اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم فانك انت الاعز الاكرم، حتى تبلغ المنارة الاخرى، قال: وكان المسعى اوسع مما هو اليوم ولكن الناس ضيقوه، ثم امش وعليك السكينة والوقار فاصعد عليها حتى يبدو لك البيت، فاصنع عليها كما صنعت على الصفا، ثم طف بينهما سبعة اشواط تبدأ بالصفا وتختم بالمروة " ورواه في الكافي كذلك إلا انه قال: " حتى تبلغ المنارة الاخرى، فإذا جاوزتها فقل: يا ذا المن والفضل والكرم والنعماء والجود اغفر لي ذنوبي، انه لا يغفر الذنوب إلا انت، ثم امش " وذكر بقية الخبر، وقوله عليه السلام ايضا في حسنه (2) الآخر: " ليس على الراكب سعي، ولكن ليسرع شيئا " والمراد بالسعي فيه الهرولة نحو قوله عليه السلام في الموثق (3): " وإنما السعي على الرجال وليس على النساء سعي " وفي خبر ابي بصير (4) " ليس على النساء جهر بالتلبية ولا استلام الحجر ولا دخول البيت ولا سعي بين الصفا والمروة يعني الهرولة ". وقد ظهر لك ان المراد من الهرولة السعي ملا الفرج، لكن عن الصحاح والعين والمحيط والمجمل والمقائيس والاساس وغيرها تفسير الرمل بها، وفيما سوى


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي الحديث 1 (2) الوسائل الباب 17 من ابواب السعي الحديث 2 (3) الوسائل الباب 21 من ابواب السعي الحديث 2 (4) الوسائل الباب 18 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 425 ]

الصحاح والاساس منها انها بين المشي والعدو، وعن الديوان وغيره انها ضرب من العدو، وتردد الجوهري بينهما، وربما احتمل كون المعنى واحدا كما قد يرشد إليه ما عن نظام الغريب من أنه نوع من العدو السهل، وعن تهذيب الازهري رمل الرجل يرمل رملانا إذا أسرع في مشيه، وهو في ذلك ينزو، وفي الدروس ومحكي تحرير النووي وتهذيبه أنه إسراع المشي مع تقارب الخطأ دون الوثوب والعدو وهو الجنب، وعن النووي أنه قال الشافعي في مختصر المزني: الرمل هو الجنب، وعن الرافعي وقد غلط الائمة من ظن أنه دون الجنب، قلت قد سمعت ما في الحسن المزبور، اللهم إلا أن يراد به أمر زايد على الهرولة، ولكن لم نجد من ذكر استحباب غيرها، والفروج جمع فرج وهو ما بين الرجلين، يقال: الفرس ملا فروجه وملا فرجه إذا عدا وأسرع، ومنه سمي فرج الرجل والمرأة، لانه ما بين الرجلين، وعلى كل حال فالسعي ملا الفروج أزيد من الهرولة التي هي عرفا بين العدو والمشي، والامر في ذلك سهل بعد أن كان ذلك مستحبا عندنا، وربما نسب وجوبه إلى الحلبي لقوله: وإذا سعى راكبا فليركض الدابة بحيث تجب الهرولة، ولا صراحة فيها بل ولا ظهور نعم عن المفيد في كتاب أحكام النساء وتسقط عنهن الهرولة بين الصفا والمروة، ولا يسقط ذلك مع الاختيار عن الرجال، ويحتمل إرادته تأكد الاستحباب، وإلا كان محجوجا بما عرفت، مضافا إلى الاصل وخبر سعيد الاعرج (1) سأل الصادق عليه السلام " عن رجل ترك شيئا من الرمل في سعيه بين الصفا والمروة قال: لا شئ عليه " بل عن التذكرة والمنتهى الاجماع على الاستحباب، بل صرح الفاضل وغيره باختصاص ذلك بالرجل للاصل وعدم مناسبته لضعفهن وسترهن،


(1) الوسائل الباب 9 من ابواب السعي الحديث 1

[ 426 ]

وخبري سماعة (1) وابي بصير (2) السابقين، لكن عن المفيد في كتاب أحكام النساء ولو خلا موضع السعي للنساء فسعين فيه لم يكن به بأس، وهو مطالب بدليله إن أراد استحباب ذلك لهن. وعلى كل حال فمحل الهرولة ما سمعته في المتن موافقا لما في النافع والقواعد ومحكي المراسم والجامع والاصباح، واليه يرجع ما عن الوسيلة من أنه بين المنارتين، والاشارة من أنه بين الميلين، وقد سمعت قول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (3) بل ربما علل بانه شعبة من وادى محسر الذي عرفت استحباب الهرولة فيه، ولكن عن الفقيه والهداية والمقنع والمقنعة وجمل العلم والعمل والكافي والغنية إلى أن يجاوز زقاق العطارين، ولم نجد ما يشهد له، وإن قال في كشف اللثام لقول الصادق عليه السلام في حسن معاوية (4) نحوا من ذلك إلى قوله " حتى تبلغ المنارة الاخرى، فإذا جاوزتها " إلى آخر ما سمعته مما لا يخفى عليك عدم دلالته على شئ من ذلك، وإنما هو دال على السعي بين المنارتين، وعن الغنية " حتى يبلغ المنارة الاخرى ويتجاوز سوق العطارين فيقطع الهرولة " ونحوها ما عن الكافي، وفيه ما عرفت ايضا، وأغرب من ذلك ما عن النهاية والمبسوط فإذا انتهى إلى أول زقاق عن يمينه بعد ما يتجاوز الوادي إلى المروة سعى، فإذا انتهى إليه كف عن السعي ومشى مشيا، وإذا جاء من عند المروة بدأ من عند الزقاق الذي وصفناه فإذا انتهى إلى الباب قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي كف عن السعي ومشى مشيا " إذ هي واضحة القصور كما عن الفاضل


(1) الوسائل الباب 21 من ابواب السعي الحديث 2 (2) الوسائل الباب 18 من ابواب الطواف الحديث 1 (3) و (4) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي الحديث 1 - 2

[ 427 ]

والشهيد الاعتراف بذلك، والظاهر انه أراد التعبير عما في رواية زرعة (1) عن سماعة " سألته عن السعي بين الصفا والمروة فقال: إذا انتهيت إلى الدار التي على يمينك عند اول الوادي فاسع حتى تنتهي إلى اول زقاق عن يمينك بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة، فإذا انتهيت إليه فكف عن السعي وامش مشيا، وإذا جئت من عند المروة فابدأ من عند الزقاق الذي وصفت لك، فإذا انتهيت إلى الباب الذي قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي فاكفف عن السعي وامش مشيا " ولكن سقط من القلم بعض ذلك، إلا ان الرواية ضعيفة السند ومضمرة، وعمل المشهور على خلافها، على انها يمكن ان تكون في حال سابق للمسعى، كالمرسل (2) عن مولى للصادق عليه السلام من اهل المدينة قال: " رأيت ابا الحسن عليه السلام يبتدأ السعي من دار القاضي المخزومي قال ويمضي كما هو إلى زقاق العطارين " وقال ابو جعفر عليه السلام في خبر غياث بن ابراهيم (3): " كان ابي يسعى بين الصفا والمروة ما بين باب ابن عباد إلى ان رفع قدميه من الميل لا يبلغ زقاق آل ابي حسين " وكيف كان فالعمل على ما سمعته اولا من الهرولة في المكان المخصوص الذي به يذل الجبارون لذلك، ويستحب المشي هونا في الطرفين كما هو صريح غير واحد، وظاهره للامر بالمشي على سكينة ووقار في غير المكان المخصوص، والله العالم. (ولو نسي الهرولة رجع القهقرى) ماشيا إلى الخلف من غير التفاوت بالوجه (وهرول موضعها) كما صرح به جماعة، بل في المسالك نسبته إلى الاصحاب لقول الصادقين (عليهما السلام) (4) فيما ارسل عنهما الصدوق


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي الحديث 4 - 6 - 5 (4) الوسائل الباب 9 من ابواب السعي الحديث 2

[ 428 ]

والشيخ: " من سهى عن السعي حتى يصير من المسعى على بعضه أو كله ثم ذكر فلا يصرف وجهه منصرفا، ولكن يرجع القهقرى إلى المكان الذى يجب فيه السعي " ومن هنا كان المتجه الاقتصار عليها تبعا للنص والفتوى وإن حكى إطلاق العود عن القاضي، بل في المسالك احتمال ارادة الاصحاب الندب كالاصل، ثم قال: " وعلى كل حال لو عاد بوجهه أجزأ، وانما الكلام في الاثم " وفيه نظر أو منع، بل ينبغي التخصيص بما إذا ذكرها في الشوط الذي نسيها فيه، لانه المنساق من النص والفتوى سيما الاول، فلا يرجع بعد الانتقال إلى شوط آخر، بل الاحوط ان لا يرجع مطلقا حذرا من الزيادة، ولعله لذا نسبه في محكي المنتهى إلى الشيخ مشعرا بنوع توقف في العمل به. (و) الرابع (الدعاء في سعيه ماشيا ومهرولا) بما سمعته في خبري معاوية (1) وغيرهما، والله العالم. (ولا بأس ان يجلس في خلال السعي للراحة) على الصفا أو المروة بلا خلاف اجده، بل الاجماع بقسميه عليه، وبينهما على المشهور، للاصل وصحيح الحلبي (2) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن الرجل يطوف بين الصفا والمروة ايستريح ؟ قال: نعم إنشاء جلس على الصفا وإن شاء جلس على المروة وبينهما فليجلس " وصحيح ابن رئاب (3) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعيى في الطواف أله أن يستريح ؟ قال: نعم يستريح ثم يقوم فيبني على طوافه في فريضة وغيرها، ويفعل ذلك في سعيه وجميع مناسكه " وعن الحلبيين انهما منعا من الجلوس بين


(1) الوسائل الباب 6 من ابواب السعي الحديث 1 و 2 (2) الوسائل الباب 20 من ابواب السعي الحديث 1 (3) الوسائل الباب 46 من ابواب الطواف الحديث 1

[ 429 ]

الصفا والمروة إلا مع الاعياء، ولعله لقول الصادق عليه السلام في صحيح عبد الرحمان (1) " لا تجلس بين الصفا والمروة إلا من جهد " المحمول على الكراهة بعد قصوره عن معارضة غيره من وجوه، منها ما قيل من اعتضاده بعموم ما دل على جواز السعي راكبا، فانه ملازم للجلوس غالبا، وهو عام لحالتي الاختيار والاضطرار اجماعا، واليه الاشارة في الصحيح (2) " عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة يجلس عليهما قال: اوليس هو ذا يسعى على الدواب " وهو وإن كان مورده الجلوس عليهما ولا خلاف فيه إلا ان قوله عليه السلام " أو ليس " إلى آخره في قوة الجواب له بنعم مع تعليله بما يعم الجلوس بينهما، بل التعليل انسب بهذا، بل لعله حينئذ ظاهر في جوازه بينهما ولو لغير الاستراحة كما في السعي راكبا، وإن كان الظاهر كراهته حينئذ لما مضى، كل ذلك مع بناء الاستدلال بالصحيح على إرادة بلوغ منتهى الطاقة من الجهد، ويمكن منعه، والله العالم. (ويلحق بهذا الباب مسائل: الاولى السعي ركن، من تركه عامدا بطل حجه) بلا خلاف اجده فيه بيننا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما صريحا وظاهرا مستفيض كالنصوص التي منها قول الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (3): " من ترك السعي متعمدا فعليه الحج من قابل " مضافا إلى قاعدة عدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، نعم يحكى عن ابي حنيفة انه واجب غير ركن، فإذا تركه كان عليه دم، وعن احمد في رواية انه مستحب، ولا ريب في فسادهما لما عرفت، بل الظاهر عدم الفرق في ذلك بين العمرة والحج، وتحقق الترك على حسب ما سمعته في الطواف، بل الظاهر ايضا عدم الفرق بين تركه


(1) و (2) الوسائل الباب 20 من ابواب السعي الحديث 4 - 2 (3) الوسائل الباب 7 من ابواب السعي الحديث 2

[ 430 ]

رأسا وبين نقصه عمدا حتى خرج وقت التدارك، لاتحاد المقتضي، والله العالم. (ولو كان ناسيا) لم يبطل حجه ولا عمرته بل (وجب عليه الاتيان به) ولو بعد خروج ذي الحجة (فان خرج عاد) بنفسه (ليأتي به، فان تعذر عليه) أو شق (استناب فيه) بلا خلاف اجده في شئ من ذلك، بل عن الغنية الاجماع عليه، مضافا إلى الاصل ورفع الخطأ والنسيان والحرج والعسر، وحسن معاوية بن عمار (1) وعن الصادق عليه السلام قال: " قلت: رجل نسي السعي بين الصفا والمروة قال: يعيد ذلك، قلت: فاته ذلك حتى خرج قال: يرجع فيعيد السعي " وصحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام): " سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا والمروة قال: يطاف عنه " وخبر الشحام (3) عن أبي عبد الله عليه السلام: " سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا والمروة حتى يرجع إلى أهله فقال: يطاف عنه " المتجه الجمع بينها ولو بملاحظة الفتاوى والاجماع المحكي وقاعدة المباشرة في بعض الافراد، ونفي الحرج وقبوله للنيابة في آخر بما عرفت. ولا يحل من أخل بالسعي مما يتوقف عليه من المحرمات كالنساء حتى يأتي به كملا بنفسه أو نائبه، بل الظاهر لزوم الكفارة لو ذكر ثم واقع، لفحوى ما ستعرفه من الحكم بوجوبها على من ظن إتمام حجه فواقع ثم تبين النقص، وفي إلحاق الجاهل بالعامد أو الناسي وجهان أحوطهما إن لم يكن أقواهما الاول كما اختاره في المسالك وغيرها، خصوصا مع ملاحظة إطلاق الاصحاب العامد الشامل للجاهل والعالم، مضافا إلى الاصل الذي لم يثبت انقطاعه بثبوت قاعدة


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 8 من ابواب السعي الحديث 1 - 3 - 2

[ 431 ]

معذورية الجاهل في الحج وإن تضمنها بعض النصوص (1) المعتبرة، إلا إن ظاهر الاصحاب الاعراض عنها، والله العالم. المسألة (الثانية لا تجوز الزيادة على سبع) بلا خلاف أجده فيه، لانه تشريع كزيادة الركعة في الصلاة (و) حينئذ ف‍ (لو زاد) عالما (عامدا بطل) لانه لم يأت بالمأمور به على وجهه على نحو ما سمعته في الطواف، قال أبو الحسن عليه السلام في خبر عبد الله بن محمد (2): " الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة إذا زدت عليها فعليك الاعادة، وكذلك السعي " وفي صحيح معاوية (3) عن الصادق عليه السلام " ان طاف رجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد ويطرح ثمانية، وإن طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط فليطرحها ويستأنف السعي " بناء على ما قيل من كونه في العمد، وأن البناء على الواحد في الاول باعتبار البطلان بالثمانية، فيبقي الواحد ابتداء سعي، اما إذا كان ثمانية فليس إلا البطلان باعتبار كون الثامن ابتداؤه من المروة فلا يصلح البناء عليه، وإن كان هو لا يخلو من إشكال أو منع كما ستعرف. وكيف كان فلا إشكال في البطلان بتعمد الزيادة، وما وقع من سيد المدارك من المناقشة في الخبر الاول المذكور سندا له بما يشعر بنوع توقف فيه في غير محله، نعم قد تقدم في الطواف البحث في عدم تحقق الزيادة إلا بقصدها على أنها من السعي، ومثله آت هنا، ولذا جزم بذلك في المدارك، قال: " والزيادة إنما تتحقق بالاتيان بما زاد على سبعة على انه من جملة السعي المأمور به " فلو تردد في أثناء الشوط أو رجع لوجهه ثم عاد لم يكن ذلك قادحا في الصحة


(1) الوسائل الباب 8 من ابواب كفارات الاحرام (2) و (3) الوسائل الباب 12 من ابواب السعي الحديث 1 2

[ 432 ]

قطعا، وتبعه في الرياض، وقد تقدم الكلام في ذلك، فلاحظ وتأمل. (ولا يبطل بالزيادة سهوا) بلا خلاف، بل الاجماع بقسميه عليه، وهو الحجة بعد الاصل والنصوص (1) فيتخير حينئذ بين إهدار الشوط الزائد فما زاد والبناء على السبعة وبين الاكمال اسبوعين كما سمعته في الطواف جمعا بين الامر بهما في النصوص، ففي صحيح ابن الحجاج (2) عن ابي ابراهيم عليه السلام " في رجل سعى بين الصفا والمروة ثمانية أشواط ما عليه ؟ فقال: إن كان خطأ طرح واحدا واعتد بسبعة " وصحيح جميل بن دراج (3) قال: " حججنا ونحن صرورة فسعينا بين الصفا والمروة اربعة عشر شوطا فسألنا أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: لا بأس سبعة لك، وسبعة تطرح " وصحيح هشام بن سالم (4) قال: " سعيت بين الصفا والمروة أنا وعبد الله بن راشد فقلت له تحفظ فجعل يعد ذاهبا وجائيا شوطا واحدا، فاتممنا أربعة عشر شوطا فذكرنا ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: زادوا على ما عليهم، ليس عليهم شئ " وصحيح معاوية أو حسنه (5) عنه عليه السلام ايضا " من طاف بين الصفا والمروة خمسة عشر شوطا طرح ثمانية واعتد بسبعة، وإن بدأ بالمروة فليطرح ويبتدئ بالصفا " وفي صحيح محمد بن مسلم (6)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 13 من ابواب السعي الحديث 3 0 - 5 (4) الوسائل الباب 11 من ابواب السعي الحديث 1 وفيه عبيد الله ابن راشد. (5) ذكر صدره في الوسائل في الباب 13 من ابواب السعي الحديث 4 وذيله في الباب 10 منها الحديث 3 (6) الوسائل الباب 34 من ابواب الطواف الحديث 10

[ 433 ]

عن أحدهما (عليهما السلام) " ان في كتاب علي عليه السلام إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستا وكذا إذا استيقن أنه سعى ثمانية أضاف إليها ستا ". ومن هنا جمع الاصحاب بينها بالتخيير، وما عن ابن زهرة من الاقتصار على الثاني منهما ليس خلافا، خصوصا بعد الحكم بجوازه وكونه مندوبا، فانه يجوز القطع قطعا، نعم لو قلنا بكون الثاني الفريضة حرم، وهو محتمل كما سمعته في الطواف، قال في الدروس، ويحتمل انسحاب الخلاف في ناسي الطواف هنا إلا أن يستند وجوب الثاني في الطواف إلى القران، ولكن أشكل التخيير المزبور في الحدائق بان السعي ليس كالطواف والصلاة يقع واجبا ومستحبا فانا لم نقف في غير هذا الخبر على ما يدل على وقوعه مستحبا، قال في المدارك: " ولا يشرع استحباب السعي إلا هنا، ولا يشرع ابتداء مطلقا " وبان اللازم من الطواف ثمانية كون الابتداء بالثامن من المروة، فكيف يجوز أن يعتد به ويبني عليه سعيا مستأنفا مع اتفاق الاخبار وكلمة الاصحاب على وجوب الابتداء في السعي من الصفا، وانه لو بدأ من المروة وجب عليه الاعادة عمدا كان أو سهوا وبالجملة فالظاهر بناء على ما ذكرناه هو العمل بالاخبار الاولة من طرح الزايد والاعتداد بالسبعة الاولة، واما العمل بهذا الخبر فمشكل والعجب من سيد المدارك حيث لم يتنبه لذلك وجمد على موافقة الاصحاب في هذا الباب، قلت هو كما ترى كالاجتهاد في مقابلة النص بعد تسليم ظهوره مع الفتاوى في ذلك، ولا استبعاد في مشروعية هذا السعي من المروة وتخصيص تلك الادلة به بعد جمعه لشرائط الحجية والعمل به، كما لا استبعاد في استحباب السعي هنا وإن كان لم يشرع استحبابه ابتداء. ومن الغريب موافقته له في الرياض، فانه بعد ان حكى التخيير عن اكثر

[ 434 ]

الاصحاب قال: " والاولى والاحوط الاقتصار على الاول كما هو ظاهر المتن لكثرة ما دل عليه من الاخبار وصراحتها، وعدم ترتب إشكال عليها، بخلاف الثاني فان الصحيح الدال عليه مع وحدته، احتماله ما سيأتي مما يخرجه عما نحن فيه يتطرق إليه الاشكال لو أبقي على ظاهره من كون ابتداء الاشواط الثمانية من الصفا والختم بها أن الاسبوع الثاني المنضمة إلى الاولى يكون مبدؤها المروة دون الصفا، وقد مر الحكم بفسادها مطلقا ولو نسيانا أو جهلا، وتقييده ثمة بالسعي المبتدأ دون المنضم كما هنا ليس بأولى من حمل الصحيح هنا على كون مبدأ الاشواط فيها بالمروة دون الصفا، ويكون الامر باضافة الست إنما هو لبطلان السبعة الاولى، لوقوع البدأة فيها بها، بخلاف الشوط الثامن، لوقوع البدأة فيه من الصفا " إذ لا يخفى عليك ما فيه بعد الاحاطة بما ذكرناه، وأغرب منه دعوى عدم أولوية الاحتمال الاول من الاحتمال الثاني مع ظهور الصحيح فيه وعمل الاصحاب به والاصل في ذلك ما في كشف اللثام، قال: " ثم إضافة ست كما في الخبر والنهاية والتهذيب والسرائر يفيد ابتداء الاسبوع الثاني من المروة، ومن عبر باكمال أسبوعين كالمصنف أو سعيين كابن حمزة أو اربعة عشر كالشيخ في المبسوط يجوز أن يريد إضافة سبعة أشواط، والخبر يحتمل يقين الثمانية وهو على المروة، ويأتي البطلان، ولا بعد في الصحة إذا نوى في ابتداء الثامن أنه يسعى من الصفا إلى المروة سعي العمرة أو الحج قربة إلى الله تعالى مع الغفلة عن العدد، أو مع تذكر أنه الثامن، أو زعمه السابع، فلا مانع من مقارنة النية لكل شوط، بل لا يخلو الانسان منها غالبا، ولذا أطلق إضافة ست إليها، فلم يبق مستند في المسألة، نعم قال الصادق عليه السلام في صحيح معاوية (1)


(1) الوسائل الباب 12 من ابواب السعي الحديث 1

[ 435 ]

" ان طاف الرجل بين الصفا والمروة تسعة أشواط فليسع على واحد وليطرح ثمانية وان طاف بين الصفا والمروة ثمانية اشواط فليطرحها وليستأنف السعي " وهو مستند صحيح لاكمال اسبوعين من الصفا، والغاء الثامن لكونه من المروة، وظاهره كون الفريضة هي الثاني، والعموم للعامد كما فعله الشيخ في التهذيب أو خصه به، لانه ذكر أن من تعمد ثمانية أعاد السعي، وإن سعى تسعة لم تجب عليه الاعادة وله البناء على ما زاد واستشهد بالخبر، وفي الاستبصار تبع الصدوق في حمله على من استيقن أنه سعى ثمانية أو تسعة وهو على المروة، فيبطل سعيه على الاول لابتدائه من المروة، دون الثاني لابتدائه من الصفا، وهو كما عرفت غير متعين ". وفيه مضافا إلى ما عرفت بعد الاحتمال المزبور جدا فضلا عن أن يكون مساويا للاحتمال الآخر الذي هو ظاهر النص والفتوى، وأما الاشكال في النية من جهة عدم تحققها في الابتداء ومقارنتها فهو مشترك الورود بين الاحتمالين، على انه اجتهاد ايضا في مقابلة النص المعمول به الظاهر في الاكتفاء بها بعد تعقبها بنية الاكمال كما في الطواف، نعم ينبغي الاقتصار في اضافته على مورد النص، وهو اكمال الشوط كما صرح به ثاني الشهيدين وغيره، بل حكى التصريح به عن ابن زهرة ايضا، لما عرفت من مخالفته الاصول من وجهين: أحدهما من جهة النية، وثانيهما من جهة الابتداء بالمروة، فالمتجه حينئذ الالغاء خاصة إذا ذكر في اثناء الشوط، فان نصوص الالغاء وإن كانت في إتمام الشوط ايضا لكن تدل بالفحوى على الغاء ما دونه، بخلاف صحيح البناء فانه إذا دل على الاكمال معه لا يقتضي مشروعية ايضا في الاثناء كما هو واضح. لكن في كشف اللثام " ثم الاخبار وإن اختصت بمن زاد شوطا كاملا أو شوطين أو اشواطا كاملة لكن إذا لم يبطل بزيادة شوط أو أشواط سهوا

[ 436 ]

فاولى أن لا يبطل بزيادة بعض شوط، وإذا ألغينا الثامن وأجزنا له إكمال اسبوعين بعده قبل الشروع في التاسع جاز في أثنائه من غير فرق، وكذا إذا أجزناه له بعد إكمال التاسع فالظاهر جوازه له في أثنائه، وكذا إذا لم نلغ الثامن وأجزنا له الاكمال بعده فالظاهر الجواز في أثنائه لصدق الشروع في الاسبوع الثاني على التقديرين، ويعضده إطلاق الاصحاب، ويحتمل الاختصاص بما إذا أكمل الثامن إذا لم نلغه، وهو عندي ضعيف مبني على فهم خبر الست كما فهمه الشيخ، ويقتضي ابتداء الاسبوع الثاني من المروة وعلى الغاء الثامن فالخبر المتضمن لاكمال أسبوعين إنما هو صحيح معاوية، وهو يتضمن اكمالهما قبل الشروع في التاسع وبعد إكماله، فعدم الجواز في أثنائه ضعيف جدا ". وفيه منع واضح سيما فيما ذكره أخيرا من الظاهرين، ومن الغريب تعليله الثاني بصدق الشروع في الاسبوع الثاني مع انه ليس عنوانا في شئ من النصوص واغرب منه دعوى أنه يعضده إطلاق الاصحاب مع أنه فيمن زاد شوطا لا بعضه وبالجملة فكلامه مبني على كلامه السابق الذي قد عرفت ما فيه. بقي الكلام في صحيح معاوية السابق المذكور في صدر المسألة الذي لم نجد عاملا به على ظاهره، ولذا اختلف في تنزيله، فقيل إنه في العمد، وفقهه حينئذ ما عرفت، وهو المحكي عن ظاهر التهذيب، وقيل إنه في النسيان وانه محمول على من استيقن الزيادة وهو على المروة لا الصفا، فيبطل سعيه على الاول لابتدائه من المروة، دون الثاني لابتدائه التاسع من الصفا، وهو المحكي عن الصدوق في الفقيه والشيخ في الاستبصار، إلا انهما معا كما ترى، ضرورة الاشكال في الصحة على الاول لاطلاق النص والفتوى بكون الزيادة عمدا مبطلة، كاطلاقهما ايضا اعتبار النية في ابتداء كل عبادة، ونية العامد في أول الاسبوع الثاني على انه جزء لا عبادة مستقلة، والا لم تكن زيادة بل هي عبادة مستقلة باطلة ان

[ 437 ]

لم يشرع السعي ابتداء كما صرح به الاصحاب، وان كان في رواية عبد الرحمان ابن الحجاج (1) في المحرم بالحج يطوف بالحج ويسعى ندبا ويجدد التلبية إلا أنه لم أجد عاملا بها صريحا، ولو سلم مشروعيته ابتداء كانت عبادة صحيحة لا زيادة في عبادة، مع أن الصحيح المزبور صريح أو كالصريح في كون ذلك زيادة على العبادة وجاء بها ثمانية أو تسعة، لا أنه نوى الثامن أو التاسع عبادة مستقلة كما هو واضح، وأما الثاني فهو مناف لما عرفته في النص والفتوى من الحكم بالصحة مع زيادة الثامن سهوا، وأنه مخير بين طرح الثامن والبناء على السبعة وبين الاكمال أسبوعين على حسب ما عرفت، فالصحيح المزبور غير واضح الوجه، فالمتجه الاعراض عنه والتعويل على غيره المعتضد بعمل الاصحاب في صورتي العمد والسهو، هذا، وظاهر صحيحي جميل (2) وهشام (3) السابقين إلحاق الجاهل بالناسي في الحكم بالصحة مع الزيادة، ولعله ظاهر غيرهما ايضا، وقد عمل بهما غير واحد من الاصحاب كالكركي وثاني الشهيدين وغيرهما، بل لعله ظاهر أول الشهيدين ايضا، بل لم أجد لهما رادا فالمتجه العمل بهما، والله العالم. (ومن تيقن عدد الاشواط وشك فيما به بدأ) في ابتداء الامر قبل الالتفات إلى حاله (فان كان في المزدوج) أي الاثنين أو الاربعة أو الستة وهو (على الصفا) أو متوجه إليه (فقد صح سعيه ل‍) لعلم ب‍ (انه) حينئذ (بدأ به) ضرورة عدم كونه اثنين أو اربعة أو ستة إلا مع البدأة بالصفا، وإلا لم يكن كذلك (وإن كان على المروة) أو متوجها إليها وعلم بالازدواج


(1) الوسائل الباب 16 من ابواب اقسام الحج الحديث 1 (2) الوسائل الباب 13 من ابواب السعي الحديث 5 (3) الوسائل الباب 11 من ابواب السعي الحديث 1

[ 438 ]

أي الاثنين أو الاربعة أو الستة (اعاد) سعيه لانه لا يكون كذلك إلا مع البدأة بالمروة التي قد عرفت البطلان به عمدا أو سهوا في ابتداء الطواف (وينعكس الحكم مع انعكاس الفرض) بان علم الافراد واحدا أو ثلاثة أو خمسة أو سبعة وهو على الصفا اعاد سعيه، ضرورة انه لا يكون كذلك إلا مع الابتداء بالمروة الذي قد عرفت البطلان به، وإن علمه وهو على المروة صح سعيه، لعدم كونه كذلك إلا مع الابتداء بالصفا، كما هو واضح، وبه صرح في النافع قال: " ومن تيقن عدد الاشواط وشك فيما بدأ به فان كان في الفرد على الصفا اعاد، ولو كان على المروة لم يعد، وبالعكس لو كان سعيه زوجا " لكن في حاشية الكركي على الكتاب " المراد بانعكاس الفرض بان تيقن ما بدأ به وشك في العدد، والمراد بانعكاس الحكم البطلان إن كان على الصفا، والصحة إن كان على المروة، وذلك فيما إذا شك في الزيادة وعدمها، فانه إذا كان على المروة يقطع ولا شئ عليه، لان الاصل عدم الزائد، وإن كان على الصفا لم تتحقق البراءة، ولا يجوز الاكمال حذرا من الزيادة، فتجب الاعادة " وفيه من البعد ما لا يخفى، على انه إنما يتم إذا وقع الشك بعد إكمال العدد، وموضوع المسألة اعم، مع ان حكم الشك في العدد قد ذكره المصنف بعد هذه المسألة بغير فصل، فلا وجه لحمل العبارة عليه، والله العالم. المسألة (الثالثة من لم يحصل عدد سعيه) بمعنى انه شك فيه وهو في الاثناء ولم يكن بين السبعة فما زاد (اعاده) كما في النافع والقواعد ومحكي الاقتصاد والوسيلة والجامع والمهذب وغيرها مصرحا في الاخير بما ذكرناه من التقييد بالاثناء، لانه من القواعد المفروغ منها عدم العبرة بالشك بعد الفراغ

[ 439 ]

للحرج والاخبار (1) بخلاف ما إذا كان في الاثناء، فانه لا خلاف بل ولا إشكال في البطلان، لتردده بين محذوري الزيادة والنقيصة اللتين كل منهما مبطل، واصالة الشغل المحتاجة إلى يقين الفراغ الذي لا دليل على حصوله بالاعتماد على أصالة الاقل، بل الدليل على خلافه، قال سعيد بن يسار (2) في الصحيح: " قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل متمتع سعى بين الصفا والمروة ستة أشواط ثم رجع إلى منزله وهو يرى أنه قد فرغ منه وقلم أظافيره وأحل ثم ذكر أنه سعى ستة أشواط فقال لي يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فان كان يحفظ أنه قد سعى ستة أشواط فليعد وليتم شوطا وليرق دما، فقلت: دم ماذا ؟ قال: بقرة، قال: وإن لم يكن حفظ أنه سعى ستة أشواط فليعد فليبتدئ السعي حتى بكمل سبعة أشواط ثم ليرق دم بقرة " فان ذيله كالصريح في ذلك. نعم لو تيقن انه أتم سبعة ولكن شك في الزائد على وجه لا ينافي البدأة بالصفا كما لو شك بينها وبين التسعة وهو على المروة صح، لاصالة عدم الزيادة وعدم إفسادها سهوا، أما لو تيقن النقص ولكن لا يدري ما نقص أو شك بينه وبين الاكمال فالمتجه الفساد لما عرفت، واحتمال البناء على الاقل فيهما لم أجد به قائلا وإن احتمله بعض الناس، بل ادعى احتمال الصحيح المزبور له، ولكنه في غير محله، والله العالم. (ومن تيقن النقيصة اتى بها) سواء كانت شوطا أو اقل أو اكثر وسواء ذكرها قبل فوات الموالاة أو بعدها، لعدم وجوبها فيه إجماعا كما عن التذكرة،


(1) الوسائل الباب 42 من ابواب الوضوء الحديث 2 و 6 والباب 23 من ابواب الخلل الواقع في الصلاة الحديث 1 و 3 والباب 27 منها. (2) الوسائل الباب 14 من ابواب السعي الحديث 1

[ 440 ]

ولا نعرف فيه خلافا كما عن المنتهى، بل مقتضى إطلاق المتن والقواعد والشيخ في كتبه وبني حمزة وإدريس والبراج وسعيد على ما حكي عن بعضهم عدم الفرق بين تجاوز النصف وعدمه، ولعله للاصل وما يأتي من القطع للصلاة بعد شوط، وللحاجة بعد ثلاثة أشواط، خلافا لما عن المفيد وسلار وأبي الصلاح وابن زهرة من اعتبار مجاوزة النصف في البناء نحو ما سمعته في الطواف، بل عن الغنية الاجماع عليه، لقول أبي الحسن عليه السلام لاحمد بن عمر الحلال (1): " إذا حاضت المرأة وهي في الطواف بالبيت أو بالصفا والمروة وجاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله " ونحوه قول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير (2) ولكن في سندهما ضعف ولا جابر، مع عدم عمومهما لافراد المسألة، ومعلومية عدم قطع الحيض للسعي، واختصاص الذيل بالطواف المحتمل إرادة خصوص ما كان في البيت منه، وغير ذلك، فلا يصلحان معارضا لما مر من الاصل وغيره، خصوصا بعد الاعتضاد بالشهرة العظيمة التي منها يعلم الوهن في الاجماع المزبور، ولكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط. (ولو كان متمتعا بالعمرة وظن أنه أتم) السعي (فأحل وواقع النساء ثم ذكر ما نقص) من سعيه (كان عليه دم بقرة على رواية) عبد الله بن مسكان (3) (ويتم النقصان) قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل طاف بين الصفا والمروة ستة أشواط وهو يظن أنها سبعة فذكر بعد ما أحل وواقع النساء


(1) و (2) الوسائل الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 2 - 1 (3) الوسائل الباب 14 من ابواب السعي الحديث 2

[ 441 ]

أنه إنما طاف ستة أشواط فقال: عليه بقرة يذبحها ويطوف شوطا آخر " وعن الشيخين وابني إدريس وسعيد وجماعة منهم الفاضل في جملة من كتبه العمل بها. (وكذا قيل) والقائل الشيخ وجمع من الاصحاب على ما في المدارك (لو قلم أظفاره أو قص شعره) لصحيح ابن يسار (1) السابق الذي ليس فيه إلا تقليم الاظفار، ولذا اقتصر عليه في محكي التبصرة، وعن التهذيب والنهاية التعبير بقوله: قصر وقلم اظفاره، ويمكن إرادته منهما معنى واحدا وعن المبسوط التعبير بقوله: قصر أو قلم اظفاره، ونحوه الفاضل في محكي التذكرة والتحرير وكذا الارشاد، بل وفي القواعد، لكن قال: أو قصر شعره كالمتن هنا، إلا أن الخبر الاول ضعيف وإطلاقه مناف لما دل على (2) وجوب البدنة على من جامع قبل طواف النساء متذكرا، قيل: ومن هنا قيد المصنف والفاضل الحكم بعمرة التمتع كالمحكي عن النزهة وابن ادريس في الكفارات، لكن يمكن منع تناول الخبر لكل من القبلية والتذكر، كما يمكن جبر ضعف الخبر بعمل من عرفت، وعن المصنف في النكت احتمال أن يكون طاف طواف النساء ثم واقع لظنه إتمام السعي، بل عن المختلف احتمال أن يكون قدم طواف النساء على السعي لعذر، كل ذلك لظهور الخبر المزبور في كون الكفارة المزبورة من حيث عدم إتمام السعي إما لكونه في عمرة التمتع التي لا يجب فيها طواف النساء، أو لانه قد فعله، أو لان كفارته حينئذ مع ذلك بدنة، فيجبان معا، إحداهما لكون الجماع قد وقع قبل طواف النساء، والثانية لكونه وقع قبل تمام السعي كما عساه يظهر من محكي نكت المصنف، بل احتمله بعض الافاضل من متأخري


(1) و (2) الوسائل الباب 14 من ابواب السعي الحديث 1 (3) الوسائل الباب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع

[ 442 ]

المتأخرين، نعم قد يشكل بعدم وجوب الكفارة على الناسي في غير الصيد، ولذا حمله بعض على الاستحباب، ولعله من هنا كان ظاهر المصنف وغيره التوقف للاصل وعدم الاثم وضعف الخبر، بل قيل إن القاضي والشيخ أطرحاه وقالا: إنه لا شئ عليه، كاشكال الثاني وإن كان صحيحا مع ذلك بان الواجب في تقليم مجموع الاظفار شاة لا بقرة. ولكن قد يدفع الثاني أنه في غير المقام، لصحة الخبر وقابليته للتخصيص والاول بما عن ابن إدريس من أنه إنما وجبت عليه الكفارة لاجل انه خرج من السعي غير قاطع ولا متيقن إتمامه، بل خرج عن ظن منه، وهاهنا لا يجوز له ان يخرج مع الظن، بل مع القطع واليقين، قال: وهذا ليس بحكم الناسي، أو بما في المسالك من ان الناسي وإن كان معذورا لكن هنا قد قصر حيث لم يلحظ النقص، فان من قطع السعي على ستة اشواط يكون قد ختم بالصفا، وهو واضح الفساد، فلم يعذر، بخلاف الناسي غيره فانه معذور، ولعل هذا أولى من حيث إنسياق إرادة القطع بالفراغ من الظن، واندراج الاول في العامد المتجه فيه فساد السعي مع العلم، إلا إذا فرض بحال يعذر فيه ويكون كالناسي، فلا يترتب عليه حينئذ كفارة، على أن ذلك كله مماشاة، وإلا فالشارع عليه السلام أدرى بعد أن لم يكن في العقل ما يأبى ذلك، وفرض قبول الخبر لافادة ذلك ولو للانجبار بعمل من عرفت، فتخص القواعد حينئذ به كما صرح به جماعة، لكن ذكر بعض الناس أنه يجب الاقتصار على مورد النص، وهو المتمتع كما في الصحيح (1) بل وكذا الاخير بناء على ما يفهم من جماعة منهم المصنف هنا والفاضل في القواعد، بل هو صريح الحلي، وفيه ما لا يخفى عليك


(1) الوسائل الباب 14 من ابواب السعي الحديث 1

[ 443 ]

من عدم إشعار في الخبر بالمتمتع الذي هو في سؤال الصحيح، والاشكال من حيث طواف النساء الذي تجب البدنة بالجماع قبله مع التذكر قد عرفت الجواب عنه، فالمتجه بناء على العمل بالخبر المزبور وجوب البقرة بالجماع قبل السعي بظن الاتمام من هذه الحيثية، ولا أقل من الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة، نعم ينبغي الاقتصار على الستة بظن انها سبعة لا غير ذلك، وإن كان يوهمه إطلاق المصنف، والله العالم. المسألة (الرابعة لو دخل وقت الفريضة وهو في السعي) في أي شوط كان (قطعه) ندبا أو رخصة مع سعة الوقت (وصلى ثم أتمه، وكذا لو قطعه لحاجة له أو لغيره) وفاقا للمشهور، بل عن المنتهى والتذكرة أنه لا يعرف في جواز القطع للصلاة خلافا، لصحيح معاوية (1) " قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة وقد دخلت وقت الصلاة أيخفف أو يقطع ويصلي ثم يعود أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ ؟ قال: لا بل يصلي ثم يعود، أو ليس عليهما مسجد " أي موضع صلاة، وقيل المراد به المسجد الحرام، وكونه عليهما كناية عن قربه وظهوره للساعين، ولا يخفى بعده، وخبر الحسن بن علي بن فضال (2) قال: " سأل محمد بن علي ابا الحسن عليه السلام فقال له: سعيت شوطا واحدا ثم طلع الفجر فقال: صل ثم عد فأتم سعيك " وموثق محمد بن فضيل (3) عن محمد بن علي الرضا عليه السلام، قال له: " سعيت شوطا ثم طلع الفجر قال: صل ثم عد فاتم سعيك " وخبر يحيى بن عبد الرحمان الازرق (4)


(1) و (2) و (3) الوسائل الباب 18 من ابواب السعي الحديث 1 - 2 - 3 (4) الوسائل الباب 19 من ابواب السعي الحديث 1

[ 444 ]

" سألت ابا الحسن عليه السلام عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا والمروة فيسعى ثلاثة اشواط أو اربعة ثم يلقاه الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو إلى الطعام قال: إن اجابه فلا بأس " وزاد في الفقيه (1) " ولكن يقضي حق الله عزوجل احب الي من ان يقضي حق صاحبه " ولذا قال القاضي فيما حكي عنه: ولا يقطعه إذا عرضت له حاجة بل يؤخرها حتى يفرغ منه إذا تمكن من تأخيرها، ولكن سمعت في الطواف الامر بالقطع، فلعل الاختلاف لاختلاف الحاجات، بل قد تقدم سابقا ايضا جواز الجلوس في اثنائه للاستراحة، وقطعه لتدارك صلاة الطواف، لصحيح محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) " سأله عن الرجل يطوف بالبيت ثم ينسى ان يصلي الركعتين حتى يسعى بين الصفا والمروة خمسة اشواط أو اقل من ذلك قال: ينصرف حتى يصلي الركعتين ثم يأتي مكانه الذي كان فيه فيتم سعيه " وصحيح معاوية (3) عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: " في رجل طاف طواف الفريضة ونسي الركعتين حتى طاف بين الصفا والمروة ثم ذكر قال: يعلم ذلك المكان ثم يعود فيصلي الركعتين ثم يعود إلى مكانه " مضافا إلى الاجماع عن التذكرة على عدم وجوب الموالاة فيه، ومقتضى ذلك كله جواز القطع اختيارا، وعدم الفرق بين مجاوزة النصف وعدمه، خلافا لما سمعته من المفيد وسلار والحلبيين فجعلوه في القطع لحاجة ونحوها كالطواف في افتراق مجاوزة النصف عن عدمها في الحكم لعموم الطواف والاشواط فيما تقدم من الاخبار لا لحمل السعي على الطواف كما عن المختلف ليرد انه قياس مع الفارق، لان حرمة الطواف أكثر من حرمة السعي، وإن كان في الاول ايضا انه ظاهر في غير السعي


(1) الوسائل الباب 19 من ابواب السعي الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب 77 من ابواب الطواف الحديث 3 - 1

[ 445 ]

خصوصا بعد ما سمعته من الادلة، وقد تقدم الكلام في خبر احمد بن عمر الحلال (1) وعن الآخرين انه كالطواف لكنهما ذكرا في الطواف جواز القطع لفريضة ثم البناء ولو على شوط، بخلاف المفيد وسلار فانهما اطلقا افتراق مجاوزة النصف وعدمها في الطواف ومشابهة السعي له. وعلى كل حال لا ريب في ضعف الجميع لما عرفت وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه، بل قيل لولا اتفاق المتأخرين على عدم اعتبار المجاوزة عن النصف في هذه الصور كلها وجواز البناء مطلقا ولو كان ما سعى شوطا واحدا لكان القول بما قاله الحلبيان قويا للتأسي وقاعدة الاقتصار على المتيقن السالمين عن المعارض صريحا بل وظاهرا ظهورا يعتد به إلا الموثق (2) وغيره (3) الواردين في القطع للصلاة، فانهما صريحان في البناء ولو على شوط، ونحن نقول فيه بمضمونهما بل مر نقل عدم الخلاف فيه عن التذكرة والمنتهى، ولا موجب للتعدي إلى ما عداه من الصورة سوى الاخبار الباقية والاجماع على عدم وجوب الموالاة، والاخبار ليست بواضحة الدلالة إلا على الامر بالعود إلى المكان الذي قطعه فيه خاصة كما في بعضها (4) ومع الامر باتمام السعي كما في آخر (5) منها، وربما خلا بعضها (6) عن الامر بالعود ايضا وإنما فيه رخصة القطع خاصة، فاوضحها دلالة الصحيح الاول (7) وليس فيه تصريح بالبناء على الاقل، بل ظاهره الاطلاق، ولما سيق


(1) الوسائل الباب 85 من ابواب الطواف الحديث 2 (2) و (3) الوسائل الباب 18 من ابواب السعي الحديث 3 - 2 (4) و (5) الوسائل الباب 77 من ابواب الطواف الحديث 3 1 (6) الوسائل الباب 19 من ابواب السعي الحديث 1 (7) الوسائل الباب 18 من ابواب السعي الحديث 1

[ 446 ]

لبيان حكم آخر غير ما نحن فيه وهو حكم ركعتي الطواف إذا نسيهما وذكرهما في اثناء السعي صار فيه مجملا، وإنما ذكر الحكم فيه تبعا فيشكل التعويل على مثل هذا الاطلاق جدا في الخروج عن مقتضى الدليلين اللذين قدمناهما سيما بعد اعتضادهما بما ذكر مستندا للمفيد ومن تبعه سابقا، والاجماع المنقول على عدم وجوب الموالاة غايته نفي الوجوب الشرعي بمعنى أنه لا يؤاخذ بتركها شرعا لا الشرطي، فلا ينافي وجوبها شرطا في محل النزاع، بمعنى انه لو لم يوال يفسد سعيه ويتوقف صحته على إعادته وإن لم يكن ترك الموالاة إثما، وبالجملة التمسك بنحو هذا الاجماع المنقول والاخبار لا يخلو من اشكال وإن كان لا يخفى عليك ما فيه من وجوه، بل بعضه من غريب الكلام الذي لا ينبغي ان يسطر، والله العالم. المسألة (الخامسة لا يجوز تقديم السعي على الطواف) لا في عمرة ولا في حج اختيارا بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به غير واحد، بل الاجماع بقسميه عليه، بل يمكن دعوى القطع به بملاحظة النصوص المشتملة على بيان الحج قولا وفعلا، مضافا إلى صحيح منصور بن حازم (1) " سألت ابا عبد الله عليه السلام عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت فقال يطوف بالبيت ثم يعود إلى الصفا والمروة فيطوف بينهما " بل صرح الفاضل والشهيد وغيرهما بانه لو عكس عمدا أو جهلا أو سهوا اعاد سعيه، للاصل بل الاصول وترك الاستفصال في الصحيح المزبور، مضاف إلى غيره من النصوص، نعم لو لم يمكنه الاعادة استناب كما سمعت. وعلى كل حال ف‍ (كما) لا يجوز تقدم السعي على الطواف (لا يجوز


(1) الوسائل الباب 63 من ابواب الطواف الحديث 2

[ 447 ]

تقديم طواف النساء على السعي) اختيارا بلا خلاف اجده فيه ايضا كما اعترف به غير واحد للنصوص المتضمنة لكيفية الحج فعلا وقولا وخصوص مرسل احمد بن محمد (1) " قلت: لابي الحسن عليه السلام جعلت فداك متمتع زار البيت فطاف طواف الحج ثم طاف طواف النساء ثم سعى فقال: لا يكون سعي إلا قبل طواف النساء " وغيره. وحينئذ (فان قدمه) عمدا (طاف ثم اعاد السعي) حتى يكون آتيا بالمأمور به على وجهه، نعم لو قدمه ساهيا اجزأه كما عرفت الكلام فيه وفي تقديمه ايضا للضرورة والخوف من الحيض، فلاحظ وتأمل، بل (و) كذا تقدم الكلام ايضا فيما (لو ذكر في اثناء السعي نقصانا من طوافه) فان كان قد تجاوز النصف في الطواف بالبيت (قطع السعي واتم الطواف ثم اتم السعي) وإلا استأنف الطواف من رأس ثم استأنف السعي، ولعل إطلاقه هنا منزل على كلامه السابق، ومن هنا فسره به في المسالك على وجه يظهر منه المفروغية من ذلك، وقد عرفت سابقا ما يشهد له، فلا وجه لوسوسة بعض الناس فيه قائلا ان ظاهر النافع والشرائع والتهذيب والنهاية والسرائر والتحرير والتذكرة البناء على الطواف بالبيت وان لم يكن متجاوز النصف، بل لعل التفصيل في الموثق (2) السابق كالصريح فيه ايضا، ولكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد الاحاطة بما قدمناه سابقا، وهو التفصيل المزبور المنسوب إلى المشهور، بل لعله كذلك بل يمكن دعوى عدم الخلاف المحقق لامكان تنزيل الاطلاق في بعض العبارات على ما يفهم منهم في غير المقام من كون المدار على التفصيل، والله العالم.


(1) الوسائل الباب 65 من ابواب الطواف الحديث 1 (2) الوسائل الباب 63 من ابواب الطواف الحديث 3

[ 448 ]

إلى هنا تم الجزء التاسع عشر من كتاب جواهر الكلام بحمد الله ومنه المشتمل على الوقوف بعرفات والمشعر ونزول منى والطواف والسعي، وقد بذلنا الجهد غايته في تصحيحه ومقابلته للنسخة الاصلية المخطوطة المصححة بقلم المصنف نور الله ضريحه، وقد خرج بعون الله ولطفه خاليا عن الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر، ويتلوه الجزء العشرون في الاحكام المتعلقة بمنى بعد العود ان شاء الله تعالى عباس القوچاني

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية